العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-02-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

من ثوابت الثورة إلى أولويات قوى الاحتلال

 بدر الدين عرودكي

جيرون

الخميس 21/2/2019

منذ تقديمها على سواها من قبل روسيا، وتسويقها على أنها أولى خطوات الحل السياسي، خلافًا لما اعتمده بيان جنيف وقرارا مجلس الأمن 2218 و2254، باتت اللجنة الدستورية أولوية المهتمين بالحدث السوري، ومن بينهم بوجه خاص رئيس وأعضاء الهيئة العليا للتفاوض. ومع الوصول، أخيرًا، بعد أكثر من سنة ونصف من الجدال حولها، إلى اعتماد الأسماء الخمسين التي قدمها لتمثيله كلٌّ من أطراف مكوناتها الثلاثة: النظام الأسدي، والهيئة العليا للتفاوض في صيغتها الثانية، والأمم المتحدة؛ انطلقت النقاشات مجدَّدًا حولها وبصددها، ولا سيما على شبكات التواصل الاجتماعي، واتخذت أشكالًا متعددة، تبدأ بإنكار كل صلاحية شخصية لوجود بعض أو كل الأسماء بين أعضائها، ولا تنتهي بتخوين البعض أو الجميع بسبب قبول اختيارهم فيها.

لا بد من الاعتراف بأن روسيا قد نجحت حتى الآن، بالتعاون مع إيران وتركيا وبالتواطؤ مع الولايات المتحدة الأميركية، في ليّ ذراع القرارات الأممية التي سبق أن وقّعت عليها، على الأقل على مستوى تنظيم الأولويات الإجرائية، تمهيدًا لتطبيق حلٍّ سياسي كانت منذ البداية تستهدف عبر تفسيرها لها إعادة صوغه ومن ثم فرضه. وقد باشرت في التمهيد له على الأرض عمليًا ،منذ أن قررت دعم المعارك الدبلوماسية، التي كانت تخوضها لصالح النظام الأسدي على الصعيد الدولي، بالتواجد عسكريًا على أرض وفي سماء سورية، ابتداء من 30 أيلول/ سبتمبر 2015، سعيًا لتثبيت توصيفٍ آخر للثورة السورية، قوامه محاربة الإرهاب والإرهابيين، ومن ثمَّ إعادة تأهيل النظام الأسدي الذي ثار عليه الشعب السوري وفرْضِ قبوله على الجميع. هكذا، وبالتدريج، انتقل خلال السنوات الأربع الأخيرة مركز الثقل في الشأن السوري من مقرات الأمم المتحدة بجنيف ونيويورك وفيينا إلى أستانا وسوتشي في روسيا الاتحادية، ولم يبق إلا الاعتراف الدولي، بعد إنجاز ما يشبه الاعتراف الإقليمي، رسميًا، بمرجعيتهما في تحديد وتأويل مختلف بنود الحلِّ السياسي، فضلًا عن ترتيب نظام أولوياتها ضمنه.

جرى ذلك كله على مرأى ومسمع من الجميع. كان من المفهوم، بعد أن لجأ إليها مستنجدًا، أن يقبل النظام الأسدي بكل ما كانت روسيا تمليه عليه من خيارات كانت تؤدي في نظره إلى إنقاذه وترميمه وإعادة تأهيله إقليميًا ودوليًا. كما كان من الطبيعي، في ظل التواطؤ الروسي الأميركي، أن تتغاضى الأمم المتحدة عن المحاولات الروسية وأن تتلافى نقدها. أما ما لم يكن مفهومًا ولا مقبولًا، فقد كان انسياق المعارضة، التي تصدت لتمثيل الشعب السوري ومطالبه، تدريجيًا، إلى القبول عمليًا، هي الأخرى، بالإملاءات الروسية عبر الدول العربية “الداعمة” لها. والواقع أن هذا الانسياق، الذي أدّى إلى القبول، لم يتمّ دفعة واحدة.

فقد عقدت المنظمات الأساس للمعارضة السورية مؤتمرها الأول بالرياض في العاشر من كانون الأول 2015، من أجل تأليف الهيئة العليا للمفاوضات التي كانت الأمم المتحدة تسعى لإجرائها بين النظام السوري وممثلي المعارضة، بناء على القرار الذي كان قيد الإعداد والذي سيصدر عن مجلس الأمن تحت رقم 2254 بتاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2015. وأعلنت هذه الهيئة غداة تأليفها تمسكها من جهة بثوابت الثورة السورية، أي وحدة سورية، وأن لا مكان لبشار الأسد ورموز نظامه، خلال العملية الانتقالية التي يجب أن تؤدي إلى إقامة نظام جديد يمثل كافة أطياف الشعب السوري؛ ومن جهة أخرى، في ما يخص الإطار التنفيذي، فقد اعتمدت الحلَّ السياسي خيارًا استراتيجيًا، وفق ما نص عليه بيان جنيف وقرارا مجلس الأمن 2118 و2254، يقوم على “إنشاء هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية”. على أن ثمة، في بيان جنيف وقراري مجلس الأمن، تفصيل شديد الأهمية: فهو إذ “يؤكد على أن الحل الدائم الوحيد للأزمة الراهنة في سورية يقوم فقط من خلال عملية سياسية شاملة بقيادة سورية تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري، ضمن هدف التطبيق الكامل لبيان جنيف بتاريخ 30 حزيران/ يونيو 2012، كما صادق عليه القرار رقم 2118 لعام 2013، المتضمن قيام جسم انتقالي شامل، بصلاحيات تنفيذية كاملة” إلا أن تشكيل هذا الجسم لا يمكن أن يتم إلا على أساس “التوافق المتبادل (أي بين النظام والمعارضة) بالتوازي مع ضمان استمرار عمل المؤسسات الحكومية”. شأن كل العبارات الدبلوماسية، هناك مساحات واسعة للتفسير وللتأويل تسمح للأطراف الفاعلة، أي روسيا هنا تحديدًا، بتحديد من هي “القيادة السورية” ومن هو “الشعب السوري”، وهو ما أكدته خطوات روسيا التالية على توقيعها على هذه القرارات؛ فالقيادة السورية المعنية هنا، في نظرها،  هي المتمثلة في النظام الأسدي تحديدًا، الذي لا بد من موافقته على طبيعة الحل السياسي، ومضمونه، وخطواته، وترتيب أولوياته.

هل يعني ذلك أن قرارات مجلس الأمن بصدد سورية كانت ملغومة منذ البداية؟ إذ من كان بوسعه أن يصدق أن الأمم المتحدة التي استمرت في إضفاء الشرعية على النظام الأسدي يمكن أن تدعو إلى هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية “لا مكان [فيها] لبشار الأسد ولنظامه”؟ ثمَّ، من كان بوسعه أن يصدق أن بشار الأسد الذي رفض التفاوض، قبل أن تراق نقطة دم واحدة من السوريين، سوف يقبله اليوم بكل أريحية بعد أن كان وراء مئات ألوف القتلى والجرحى وملايين المهجرين والنازحين؟

كان لا بد والحالة هذه -بين أسباب عديدة أخرى- من أن يُعادَ النظر في تشكيل الهيئة العليا للتفاوض، كي تنسجم مع الواقع السياسي الذي بدأت فيه عملية القبول ببقاء بشار الأسد “ولو إلى حين”! هكذا عقد مؤتمر الرياض الثاني، بعد يومين من استقالة منسق الهيئة العليا للمفاوضات وعشرة من أعضائها، وبعد نشر تصريح نقل عن لسان وزير الخارجية السعودي -قيل يومها إنه لم يكن دقيقًا في النقل- مفاده “أن الرياض تريد خروج بشار الأسد من السلطة اليوم، ولكن الوقائع تؤكد أن لم يعد ممكنًا خروجه في بداية المرحلة الانتقالية”. وعلى هذا النحو، تمَّ الانتقال من مؤتمر الرياض الأول 2015 من قرار صارم: “لا مكان لبشار الأسد ونظامه في العملية الانتقالية” إلى مؤتمر الرياض الثاني 2017، أي إلى موقف قابل للأخذ والرد: “التأكيد على ضرورة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد وأركان نظامه مع بداية المرحلة الانتقالية”.

لكن هذا “التأكيد على ضرورة رحيل” رئيس وأركان النظام الأسدي، سوف يبقى مجرد أمنيات، وسيتلاشى في الواقع بعد أن بدأت إقرارات القبول إقليميًا ودوليًا تتوالى حول بقاء الأسد ونظامه خلال المرحلة الانتقالية وربما بعدها. ذلك ما أدّى إلى التغاضي عن تشكيل “الهيئة الانتقالية” كأولوية لصالح القبول بـ”تشكيل اللجنة الدستورية” الذي كان يفترض أن يكون إحدى أواخر المهام التنفيذية الأساس للهيئة الانتقالية كاملة الصلاحية التي لا مكان فيها لبشار الأسد ولأركان نظامه فيها.

لجنة دستورية إذن، بدلًا من الهيئة الانتقالية، تمكنت الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا) من تشكيلها بعد سنة ونصف من استمرار روسيا في زرق إرادتها في عروق القرارات الأممية ونجاحها الظاهر -على الأقل حتى الآن- في تسويق وفرض فكرة استمرار بشار الأسد ونظامه في الحكم التي ألغت بالضرورة تشكيل الهيئة الانتقالية كاملة الصلاحية. كان مجرد تشكيل هذه اللجنة بمكوناتها ومرجعياتها يعني أن الانزلاق، الذي تلا الانسياق وتمَّ وفق إرادة القوى المهيمنة على الساحة السورية، كان تعبيرًا صريحًا ومباشرًا عن التنازل عن ثوابت الثورة السورية التي تبناها بيان جنيف ومجلس الأمن في قراريْه المشار إليهما.

لا شك في أن السؤال، الذي قد يبدو مُفحِمًا، سيُطرَح الآن مجدَّدًا: ماذا كان بوسع ممثلي المعارضة وقوى الثورة أن يفعلوا غير ما فعلوه، تحت وطأة إرادات القوى الكبرى والإقليمية التي هيمنت على مصير سورية شكلًا وموضوعًا بإرادة وسعي رأس النظام الحاكم مقابل البقاء على كرسيِّه؟

ولكن، أليس الأصحّ أن يُطرح السؤال في صيغة أخرى: ما الذي فعله ممثلو المعارضة وقوى الثورة كي لا يجدوا مناصًا من الانسياق وراء ثم الانزلاق وفق إرادات القوى المهيمنة والفاعلة في سورية؟

الآن، أمام ما يمكن أن يطلق عليه من دون أي مبالغة: انهيار آمال أجيال كاملة في بلوغ ما تطلعت إليه يومًا: استعادة كرامتها وحريتها، والخراب الكارثي المعمَّم اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وعمرانيًا، ما الذي كان بوسع هؤلاء الذين تصدوا لتمثيل قوى الثورة والمعارضة أن يفعلوا بدلًا من الانزلاق إلى القبول بأولوية اللجنة الدستورية، تحت هيمنة الراعي الروسي والإيراني والتركي وبحضور مستبد ملطخ اليديْن بدماء مئات آلاف السوريين؟

كان يوسف العظمة يدرك تمام الإدراك أنه لن يكون بوسعه مواجهة جيش كامل العدة والعتاد، مع قلة من الرجال الذين لم يكونوا يملكون من السلاح والعتاد إلا أقل القليل. وكان يعرف أنه ذاهب معهم إلى الموت الذي سيكون نصره المشرف أمام عدوٍّ محتل.

لم يكن مع ذلك مطلوبًا ممن تصدوا لقيادة قوى الثورة والمعارضة الذهاب إلى الموت، بل مجرد رفض الذهاب باسم الشعب السوري الثائر إلى مفاوضات تجري تحت رعاية وهيمنة قوى احتلت سورية وعزمت على أن تقرر مصير مستقبلها.

==========================

موقفنا : مسمار جحا ...مسمار ترامب على الأرض السورية

زهير سالم

22 / 2 / 2019

مركز الشرق العربي

بعد قرار ترامب المرتجل إعلان الانسحاب الفوري من الأرض السورية وما نتج عنه من تداعيات ، ثم بعد محاولات الالتفاف على هذا القرار بالذهاب شمالا ويمينا وصعودا ونزولا ، وتحت تأثير الموقف الأوربي الموحد بالتهديد : بالانسحاب الجماعي من سورية مع انسحاب القوات الأمريكية ؛ يبلع الرئيس ترامب قراره ويقرر إبقاء 200 مقاتل أمريكي على الأرض السورية حتى أجل غير مسمى . ..للحقيقة فإن مائتي مقاتل أمريكي هم في رمزية ألفي مقاتل الذين تقر الإدارة الأمريكية بوجودهم حاليا في سورية .

والعجيب أن قرار إبقاء المائتي جندي أمريكي جاء متزامنا مع مكالمة هاتفية بين الرئيسين ترامب وأردوغان وعد فيها الأول أن يكون الانسحاب الأمريكي من سورية خطوة خطوة مراعيا مصلحة الدولتين ؛ فأي مصلحة للدولة التركية أن تبقى الولايات المتحدة وحلفاؤها باسطة أجنحتها لحماية الإرهابيين الذين يهددون أمن تركية وأمن سورية والسوريين على السواء ..؟!

الولايات المتحدة بسياساتها - اللغز - على الأرض السورية كما أطلق عليها وزير الخارجية الفرنسية في مؤتمر ميونخ للأمن؛ أوجدت وضعا في سورية بحيث يكون : بقاؤها في سورية شر وانسحابها شر آخر !!

فلا يوجد سوري حقيقي لا يفرح بمغادرة جندي محتل لأرض وطنه ولكن قبل أن ترسم الفرحة على شفتي سوري بالتفكير بالجلاء الجديد حتى يتذكر البديل الذي يمكن أن يكون أشد قسوة وأكثر جرأة على دماء السوريين !!

وهذا الواقع المعقد والمضطرب يقتضي من السوريين في هذه اللحظات التاريخية أن يجعلوا من أولوياتهم امتلاك زمام المبادرة ليسدوا كل فراغ يخلقه اختلال المعادلات الدولية والإقليمية التي اقترب على ما يبدو موعد تفككها .

المقاربات السياسية في التعامل مع هذه الاختلالات المعقدة يحتاج إلى امتلاك قدر من أوراق القوة التي تخلت عنها قوى المعارضة جميعها جميعا . وامتلاك أوراق القوة فعل واع تراكمي وأقدر الناس عليه على كل أرض أهلها . امتلاك أوراقا للقوة ثم امتلاك قدرة على المبادرة الإجابية تخرج المعارضة من حالة الاسترسال الخدر مع مشروعات لا أحد يعلم مبتداها ولا منتهاها ..

المائتا جندي أمريكي هم مسمار ترامب على الأرض السورية ، هذا يذكرنا بمسمار جحا ولكن حتى هذا المسمار يمكن أن تعلق عليه عباءة أصحاب الأعذار أو يعقد عليه حبل مشنقة لكل عدو للوطن والإنسان..

ليبقى لأصحاب القرار خياراتهم مع كل الذين يأملون في هذا المسمار أو مع كل الذين يخافون منه ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

==================================

خطاب الأسد وسوريا المستباحة

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 20/2/2019

ألقى بشار الأسد خطابا أمام مجموعة من شبيحته من النوع الرديء جدا في التصفيق وترديد الكلام الفارغ كي لا نقول الشعارات لأنه لم يعد للنظام أية شعارات يرددها، القتل والتعذيب والخوف يملأ سوريا كلها اليوم، والفقر والعوز والحاجة هي حقيقة السوريين اليوم داخل سوريا لا أمل لهم بالحصول على الغاز ولا كهرباء ولا ماء صالح للشرب إلى غير ذلك من الحاجات الأساسية اليوم التي لا يمكن لأية دولة إلا أن يكون هدفها الأول والرئيس هو السعي  لتأمينها.

هدف الخطاب الآن هو الرد على الأزمة الاقتصادية الخانقة بنظرية الحروب الأربعة التي أعلنها الأسد، وبالتالي على الشعب الذي قتلناه وهجرناه أن ينتظر عقوداً لأننا ما زلنا في حالة الحرب التي تبرر لنا كل ما فعلناه وسنفعله من قتل وتعذيب وتشريد، الأسد اليوم كما قلت أكثر من مرة هتلر زماننا المعاصر مع الفارق بالطبع في طموحات هتلر القومية وانعدام هذه الطموحات لدى الأسد اللهم إلا في المفاخرة بالقتل، النتيجة هي ذاتها على المستوى المتقدم في استخدام كل أنواع الأسلحة من أجل قتل السوريين وتصفيتهم.

ستنهي سوريا بعد أيام تقريبا عامها الثامن من الأزمة التي بدأت كثورة سلمية لها مطالبها المحددة في الإصلاح السياسي وإعادة هيكلة النظام السياسي على أسس ديمقراطية تستجيب لحاجات الشعب السوري سياسيا واقتصاديا.

استطاع نظام الأسد تدريجيا تحويل هذه الثورة السلمية إلى حرب أهلية طاحنة، كما وتحول النظام السوري نفسه وتدريجيا إلى ميليشيا قوية تشارك في صراع

الشعب السوري يكافح على مدى السنوات الماضية ليس فقط للحفاظ على المقاومة، ولكن الأهم من ذلك، تماسكه ضد سياسة منهجية تهدف إلى كسره وتحويله إلى أقليات متناحرة ومتصارعة

يائس مع الشعب السوري. يسعى بشار الأسد لاستنزاف سوريا من الموارد المالية والبشرية، والأكثر خطورة من كل ذلك هو تدمير النسيج الاجتماعي السوري من خلال خلق صراع طائفي بغيض. لقد تجاهل النظام، أو تحلل منذ بداية الثورة من جميع الالتزامات في زمني الحرب والسلم. واجه الثورة السلمية بالرصاص الحي، والتي حصدت أرواح خيرة الشباب في سوريا، ومع تحول الثورة إلى ثورة مسلحة لم يتردد النظام في سحق ودوس  قواعد الحرب أيضا، وبالتالي تحولت كل المستشفيات والمناطق السكنية والمساجد، والكنائس إلى أهداف للقصف بالبراميل والصواريخ، وامتلأت الفروع الأمنية بمئات الآلاف من السوريين الذين يقتلون تحت التعذيب وقد أظهرت الصور التي تم تسريبها من الفروع الأمنية حجم ومستوى التعذيب والوحشية التي يعيشها السوريون في أقبية المخابرات. وهكذا، نجد أن الشعب السوري يكافح على مدى السنوات الماضية ليس فقط للحفاظ على المقاومة، ولكن الأهم من ذلك، تماسكه ضد سياسة منهجية تهدف إلى كسره وتحويله إلى أقليات متناحرة ومتصارعة.

بعد كل هذه السنوات حيث بلغ عدد القتلى أكثر من خمسمئة ألف وتحول أكثر من ثلثي سكان البلاد إلى مشردين نازحين أو لاجئين، وظهرت الجماعات الإرهابية مثل داعش وغيرها التي سيطرت على أجزاء كبيرة من سوريا، ولكن ما يزال الأسد يكرر تقريبا الكلمات نفسها التي استخدمها في بداية الانتفاضة في مارس 2011، وكأنه يعيش في عالمه الخاص الذي نسجه من خياله بأنه قادر على العودة بسوريا إلى ما كانت عليه قبل مارس ٢٠١١.

قد يكون حال الأسد وكلماته نموذجا لأي دكتاتور، رأينا ذلك من قبل مع هتلر، صدام حسين، وميلوسيفيتش، وغيرهم من الذين يعتقدون أنهم سيكونون قادرين على كسب الحرب حتى وهم يعيشون في مخبأهم السري، وتاريخ معظم الطغاة يكشف عن ممارسات شبيهة لما يقوم به الأسد اليوم فهو يعيش في فقاعته الخاصة به، وهذا النوع من الطغاة يصبح أكثر خطورة مع الوقت وفي الوقت نفسه تصبح قضية إزالته أو القضاء عليه أقل أولوية لأن تكلفتها أكثر ارتفاعاً.

ربما كان تركيز المجتمع الدولي اليوم منصباً على بروز داعش وسيطرتها على أراض واسعة في سوريا كما هي حال إدارة ترامب اليوم، وزاد هذا الاهتمام من تركيز وسائل الإعلام الغربية على داعش

المعضلة التي تواجه الشعب السوري اليوم بين حكومة الأسد التي تعني القصف اليومي بالبراميل المتفجرة وبين داعش التي تحكم باسم الشريعة

بعد ذبحها للعديد من الرهائن، لقد ارتكبت داعش الكثير من الجرائم ضد الشعب السوري وخاصة في المناطق التي تسيطر عليها في الرقة ودير الزور، فهي تمنع المرأة من الذهاب إلى المدارس، وإغلاق كافة الأماكن العامة وتطبيق الإعدامات والجلد في الساحات العامة و قطع الرؤوس باسم الإسلام وقد جرى تطبيق ذلك بحق الكثير من السوريين الذي يرفضون أوامرهم كما حدث ذلك للكثير من الناشطين في سوريا.

هذه هي المعضلة التي تواجه الشعب السوري اليوم بين حكومة الأسد التي تعني القصف اليومي بالبراميل المتفجرة وبين داعش التي تحكم باسم الشريعة، ينبغي على المجتمع الدولي ألا يسمح لهذا أن يستمر، عليه مسؤولية ودور لمساعدة الشعب السوري لإنهاء هذا الكابوس وفتح مستقبل ديمقراطي بالنسبة له.

==========================

إلى من تهمّه العدالة

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 20/2/2019

يرى البعضُ أنّ الحقيقة بالنسبة لأيّ منّا، ليست إلّا مقدار معرفتنا بما تبدّى لنا من جوانبها المختلفة، وأنّ قلّة منّا تلتزم حدود التواضع ولا تدّعي الإلمام بكلّ مفرداتها، وثمّة من يعتقد بأنّ الحقيقة أعقدُ كثيراً من أن يدركها أيُّ كان حيّ، لكن بالمقابل، ثمّة من يعتقد بأنّه يمتلك الحقيقة ويضع يده عليها وينطق بها.

أثارَ خبرُ اعتقال الشرطة الألمانيّة قبل أيّام معدودة ضابطاً وصفّ ضابطٍ منشقّين عن قوّات النظام السوري، قريحة من يعرف ومن لا يعرف للحديث عن المسألة، بل والغوص في حيثّيات اعترافات المقبوض عليهما، وتحليل أسبابها وتداعياتها، والتكهّن بما ستصل إليه من نتائج قضائيّة تحقيقات المدّعي العام الألماني معهما. أكثر من ذلك ثمّة من بدأ ينشر معلومات عن اعترافات قدّمها المقبوض عليهما، أدّت بدورها إلى القبضِ على أشخاص آخرين، وكأنّ الناشر كان حاضراً مع النائب العام عند مباشرته إجراءات التحقيق، أو كما نقول بالعاميّة المحليّة (مِتْراكين الوسايد!).

نصف وجهة النظر كانت الأكثر حذراً والأقلّ ثقة في طبيعة ما يجري، وبالتالي الأهدأ صخباً في إطلاق الأحكام والمواقف

طبعاً لا ينسى المرء الكمّ الهائل من الآراء الشخصيّة والتمنّيات التي ملأت فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، كما لا ينسى حجم التشفّي وحجم الإهانات الموجّهة ليس لهما فحسب، بل ولكلّ ضابط أو موظّف انشقّ عن النظام السوري في يوم من الأيام، كذلك حجم الشتائم والمسبّات بأقذع العبارات التي طالت أُسر الموقفين وأعراضهما، والطامّة الكبرى تكمن في أنّ بعضاً من أبطال هذه الملاحم ممن يحسبون أنفسهم مدافعين عن حقوق الإنسان.

بدا للمراقب لمجمل ردود الأفعال الصادرة بشكل عام حول هذا النوع من القضايا، توزّعها بين وجهتي نظر ونصف. وجهة النظر الأولى تعتبر الحدث نصراً للعدالة، باعتبار أنّ أي شيء على طريق محاسبة أحدٍ ممن ارتكب انتهاكات بحقّ أي إنسان، هو أمر جيّد وخطوة في الاتجاه الصحيح. أمّا وجهة النظر الثانية فتعتبر أنّ المقبوض عليهما كانا قد عبّرا عن موقفهما الفعلي من الثورة باكراً بانشقاقهما عن النظام، بل أكثر من ذلك بانحيازهما لثورة الشعب السوري المحقّة والعادلة، وبالتالي فإنّ توقيفهما خطوة في الاتجاه الخاطئ، لأنها تأخذ على أيدي الأشخاص غير المذنبين، بينما يفلت المجرمون الحقيقيون من العقاب.

نصف وجهة النظر كانت الأكثر حذراً والأقلّ ثقة في طبيعة ما يجري، وبالتالي الأهدأ صخباً في إطلاق الأحكام والمواقف. ويزعم كاتب هذه السطور أنه من أصحاب نصف وجهة النظر هذه، وينطلق في تحليل طبيعة هذا الأمر من اعتبارات عدّة، بعضها وأهمّها اعتبارات قانونية، وبعضها اعتبارات أخلاقيّة، وبعضها الآخر سياسيّ الطبيعة.

لاعتبارات السياسة، يجب البقاء على حذر تامّ في اتخاذ مواقف من هذا القبيل، فرئيس جهاز الأمن الوطني السوري علي مملوك – الذي يمكن اعتباره الرجل الثاني في التسلسل الهرمي بالمسؤولية الجنائيّة المحتملة عن الجرائم ضدّ الإنسانيّة وجرائم الحرب المرتكبة في سوريا بعد بشّار الأسد - كان قد سافر مرّة واحدة على الأقل إلى أوروبا، والتقى العديد من المسؤولين الأوروبيّين والإقليميّن في العديد من المناسبات. إذن ليس من الحكمة في شيء إطلاق تكهّنات من قبيل أنّ قطار العدالة الدولية بات على السكّة لمجرّد اعتقال هذين الشخصين، ولنا في الرئيس السوداني عمر البشير عبرة سيّئة، وهو الذي صدرت بحقّه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائيّة الدوليّة.

للاعتبارات الأخلاقيّة، علينا الحذر أكثر في إطلاق المواقف والآراء، فقد ثبت بالدليل القاطع أنّ كثيراً من المحسوبين على الثورة - بعد عودتهم إلى حضن النظام - كانوا عملاء مخبرين خرجوا لأداء مهامّ محددة، وعند انتهاء مهامهم عادوا إلى مواقعهم الطبيعيّة. كذلك يعرف كثيرون منّا أن نسبة لا بأس بها من العاملين في صفوف النظام حتى الآن، لم يشارك أعضاؤها في سفك الدماء، ولم يقبلوا بما فعله ويفعله بحق السوريين. كذلك علينا أن نتوخّى الحذر في إطلاق التصنيفات على الأفراد، فحقيقة صحّة أحكامنا تتعلّق وتتحدّد بمدى سعة وشمول وكثافة ودقّة معلوماتنا عنهم، والأقلُّ خطراً في مثل هذه الحالات تقييم المواقف لا تقييم الأشخاص، فالمواقف تكون غالباً أكثر وضوحاً وقابليّة للقياس والمحاكمة تبعاً للظروف التي صدرت فيها وتبعاً للسياق الذي حصلت ضمنه، وبالتالي يمكن إطلاق أحكام القيمة عليها بثقة أعلى وباقتراب أكبر من الموضوعية.

للاعتبارات القانونيّة علينا أن نكون أكثر حذراً وأشدّ حرصاً كذلك، وهذا كلّه من مقتضيات العدالة أساساً، ومن مقتضيات احترام حقوق الإنسان التي نتحدّث جميعنا بها، ونعتبر أنفسنا قد قمنا بثورة من أجل الوصول إلى الاحترام الكامل والتطبيق الفعلي لها.

لقد غابت عن ذهن كثير منّا، قاعدةٌ أساسيّة موجودة في كل دساتير العالم، وفي القانون العرفي الدولي، وهي تلك التي تقول بأن كلّ متهم بريء إلى أن يدان بحكم قضائي مبرم.

تنص المادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي:

كلُّ شخص متَّهم بجريمة يُعتبَر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابُه لها قانونًا في محاكمة علنية تكون قد وُفِّرت له فيها جميعُ الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.

لا يُدان أيُّ شخص بجريمة بسبب أيِّ عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في حينه يشكِّل جُرمًا بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا تُوقَع عليه أيَّةُ عقوبة أشدَّ من تلك التي كانت ساريةً في الوقت الذي ارتُكب فيه الفعل الجُرمي.

يعني مقتضى هذا المبدأ، أنّ أي شخص يتمّ توقيفه أو توجيه تهمة ما له أو الحكم عليه حتى، لن يُصبح مداناً، إلى أن يستنفد طرق الطعن كلّها أمام المحاكم التي تتوفّر على الضمانات الحقيقيّة لإجراء محاكمة عادلة بما فيها العلانية والتقاضي على درجات والحق الكامل في الدفاع عن النفس. فلا مبرّر إذن للعجلة في اتخاذ المواقف وإعلان النتائج وإطلاق الأحكام، يجب أن نترك الأمر لأهله، وبعد ذلك لنا أن ندلي بآرائنا.

بقي أن نقول إنّ العدالة الجزائيّة ليست مطلقة، ولم يصل البشر في أي يوم منذ بدء الخليقة، إلى القناعة التامّة بأنّ ما يقومون به يشكّل العدالة المطلقة، لهذا كانت تتمّ الإحالة دوماً، إلى العدالة الإلهيّة عبر المعتقدات والأديان المختلفة. فعلى سبيل المثال، قد يثبت أمام القضاء الألماني – الذي لا يوجد من يشّك بنزاهته واستقلاليته وحياديّته - أنّ أحد الموقوفين المذكورين أو كلاهما، بريء مما نُسب إليه من تُهم، لكن لا يعني هذا الأمرُ مطلقاً بأنهما لم يرتكبا أيّة انتهاكات بحقّ أحد من السورييّن أثناء فترة عملهما، كما أنّ إدانتهما بالتهم المحددة المنسوبة إليهما، لن تعني أنّهما كانا قد ارتكبا الانتهاكات والجرائم في كلّ عمل أو سلوك أو تصرّف أو قرار اتخذاه من موقع مسؤوليتهما عندما كانا على رأس عملهما قبل الانشقاق عن النظام السوري.

للاعتبارات الأخلاقيّة، علينا الحذر أكثر في إطلاق المواقف والآراء، فقد ثبت بالدليل القاطع أنّ كثيراً من المحسوبين على الثورة - بعد عودتهم إلى حضن النظام - كانوا عملاء مخبرين

ثمّة عبارة يعرفها المحامون والقضاة وأساتذة الحقوق تقول بأنّ: "الأحكام القضائيّة هي عنوان الحقيقة في القضايا التي بتّت فيها بلزوم". ومقتضى القول إنّ ما يحوز هذه الحجيّة المطلقة في اعتبارات القانون هو ما تمّ البحث به بشكل مفصّل ودقيق ولازم للبتّ بالقضية المعروضة، أمّا ما تتطرّقُ إليه أحياناً بعض الأحكام القضائيّة من مسائل لا لزوم لها للبتّ في المعروض عليها من قضايا، فهي ليست حجّة على الكافّة، ويمكن إثارتها مجدّداً وإعادة البحث فيها. كمثال على ذلك يمكن طرح مسألة التطرّق إلى ملكيّة منزل ما أو متجر ما بشكل عرضي في حكم جنائي ما، فهذا الحكم لا يمكن اعتباره مستنداً نهائياً قاطعاً يحدد ملكية هذا المنزل أو المتجر.

إضافة إلى ذلك كلّه، ثمّة من يشكّك أساساً في مفهوم العدالة ذاته وفي مدى اقتدار الأنظمة الوضعية على تحقيقه، ويسوق أصحاب هذا الرأي لمساندة حججهم بعضاً من تلك الأحكام القضائيّة التي ثبت بعد أعوام على صدورها وتنفيذها أنّها كانت جائرة، أو غير مبنيّة على أسس صحيحة، وبالطبع ما تمّ اكتشافه كان في الدول الديمقراطيّة التي تحتمل أنظمتها السياسية والقانونية إمكانية الكشف عن هكذا أخطاء بشريّة.

قد تكون بعض المسائل التي يمكننا الحديث عنها أو طرحها صادمة للكثيرين بكلّ بساطة، وقد لا يتقبّلها عقل البعض أو قلبه ووجدانه، لكنّها تبقى حوادث ومواقف وقضايا موضوعيّة، شئنا ذلك أم أبينا. من بعض هذه المسائل الهامّة على المستوى الوطني، التدنّي المُخجل في المستوى الاحترافي القانوني – وفق المعايير الدوليّة على الأقلّ - لعمل الغالبيّة العظمى من المنظّمات الحقوقيّة السورية، العاملة في شأن حقوق الإنسان، وجمع الأدلّة على الانتهاكات المرتكبة في سوريا، منذ انطلاق الثورة السوريّة وحتى اليوم. لا يعرف كثير من العاملين في هذا الحقل القانوني الشائك التمييز بين القانون الإنساني الدولي وبين القانون الدولي لحقوق الإنسان، والبعضُ لهم أسماءٌ رنّانة، ومنهم من يُشار إليه بالبنان. لم تستطع عشرات المنظّمات العاملة بهذا الشأن على مدار السنوات الثماني المنصرمة، تأسيس مركز واحد قادر على بناء ملفّ قضيّة جنائيّة وفق معايير المحكمة الجنائيّة الدولية، أو وفق معايير أيّ قانون جنائي في أيّ دولة يأخذ نظامها القانوني والقضائي بمبدأ الولاية القضائيّة العالميّة.

لن يكون إثبات هذا الزعم مدار بحثنا أو نقاشنا الآن، لأنه يحتاج إلى أكثر من مقال وإلى أكثر من وجهة نظر، ومبادئ العدل والمنطق والتواضع أيضاً، تفرض علينا حصر الحديث بحدود معرفتنا في هذا المجال، وتتطلّب منّا عدم الانسياق بعيداً في السبيل الذي سلَكَهُ من ننتقدهم، فيما ذهبوا إليه من تعميم وأحكام مطلقة.

خلاصة القول: ليس كلّ ما يلمعُ ذهباً، فليس كلّ ما نقرؤه أو نسمعه أو نشاهده، أو حتّى ما نقوم به بأنفسنا حقيقيّ بشكل مطلق ودائم. علينا أنّ نتعلّم الإنصات حيث يجب ذلك، علينا أن نتعلّم بذل بعض الجهد لتحرّي الحقائق، علينا ألّا نستسهل إصدار الأحكام وإلقاء التقييمات جزافاً دون معرفة أو دراية بالموضوع الذي نتحدّث به، علينا بكلّ بساطة أن نتواضع بعض الشيء. رحم الله الشيخ المكين ابن العميد إذ قال:

 ملأى السنابل تنحني بتواضع      والفارغات رؤوسهنّ شوامخ.

==========================

بل هي حربٌ باردةٌ جديدة

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 20/2/2019

على مدى نحو عقد أو يزيد، وتحديدًا منذ الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير/ شباط 2007، وهاجم فيه الغرب بشدة بسبب محاولات حصار بلاده وعزلها، درج أكثر الخبراء والأكاديميين على رفض مقولة عودة الحرب الباردة انطلاقا من عدة مبرّرات، أبرزها أن الحرب الباردة تمحورت على الأيديولوجيا والجيوبولتيك والتنافس بين القوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) على السيادة في هذين الحقلين. أما وقد هزمت الشيوعية، أيديولوجيا ونظاما اقتصاديا - اجتماعيا، وانهار الاتحاد السوفييتي باعتباره خصما جيو- سياسيا، فقد انتهت هذه الحرب. ولا تستقيم محاولات استرجاعها اليوم، لأن روسيا لا تملك مشروعا فكريا أو أيديولوجيا منافسا للرأسمالية، فهي نفسها تتبنّى الرأسمالية واقتصاد السوق، وهي أيضا لا تشكل منافسا جيو - سياسيا للغرب، لأن قدراتها العسكرية أضعف بكثيرٍ مما كانت عليه أيام الاتحاد السوفييتي، سواء في مجال القوة التقليدية، أو حتى في مجال قدراتها النووية، وهي من ثم، بحسب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قوة إقليمية كبرى، وليست قوى عظمى.

كل هذا يوشك أن يتغير الآن.. كيف؟ إذا أخذنا السمتين الأساسيتين للحرب الباردة (الصراع الأيديولوجي والتنافس الجيو - سياسي)، يلاحظ بداية ظهور سمات أيديولوجيا منافسة للرأسمالية الليبرالية (أعلن فوكوياما انتصارها النهائي والتاريخي)، وهي الرأسمالية التسلطية(Authoritarian Capitalism) أو الرأسمالية غير الليبرالية (Illiberal Capitalism) التي تحكم اليوم في الصين وروسيا، وتحرز تقدمًا في تركيا والمجر وبولندا ودول أخرى.

وخلافا للتوقعات، لم يؤد تبنّي روسيا والصين اقتصاد السوق بعد نهاية الحرب الباردة إلى تعزيز الحريات السياسية في البلدين، استنادا إلى أن الليبرالية الاقتصادية تطلق العنان لقوى جديدة وتوتراتٍ يصبح من المستحيل معها استمرار نظم التسلط السياسية. وبدل أن يشكل اقتصاد السوق خطوةً نحو الليبرالية، ساهم في تعزيز سلطة الدولة، وتكريس حكم "الرجل القوي"، ذلك أن روسيا والصين تبنّتا الرأسمالية بمعزلٍ عن مكوّنها الليبرالي. وعليه، لم يؤد اقتصاد السوق والعولمة وتكنولوجيا المعلومات إلى تعزيز القيم الليبرالية فيهما، كما توقع الرئيس السابق بيل كلينتون، في العام 2000، بل ساهمت هذه الأدوات في تعزيز سلطة الدولة وقبضتها على المجتمع. وإذ ترى هذه المدرسة أن السبب الرئيس في انهيار الاتحاد السوفييتي تمثّل في نمط الاقتصاد المركزي الذي تبنّاه، فقد نحت "الرأسمالية التسلطية" إلى إشباع النزعات الاستهلاكية للطبقات الوسطى، من دون تمكينها من حقوقها السياسية، وكانت النتيجة أيديولوجيا جديدة هجينة تجمع بين النمو الاقتصادي وتعزيز الروح القومية التي تحقق للأمة احترامها على الساحة الدولية. وإذا كانت قوة الأيديولوجيا تكمن في جاذبيتها وقدرتها على التوسع والانتشار، يمكن القول إن النموذج الصيني - الروسي الذي يقدّمه فلاديمير بوتين وشي جين بينغ يجد صدىً في مناطق مختلفة في ظل الضعف الذي تبديه الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة مختلف التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعترضها.

جيو- سياسيا، تمثل الشهادة التي تقدم بها أخيرًا دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، وهي هيئة تضم 17 وكالة استخباراتية أميركية، أمام الكونغرس، تطوّرا بارزا يدفع إلى الاعتقاد ببداية تنافس جيو- سياسي كبير في العالم، إذ حذر من أن التقارب الصيني - الروسي يكاد يصل إلى مستوىً غير مسبوق منذ منتصف الخمسينيات (قبل الشقاق الكبير بين ماو وخروتشوف)، وإنه يتجه نحو تحالف استراتيجي، يهدف إلى "تحدّي القيادة الأميركية وتقويض النظام الليبرالي الدولي". وبحسب كوتس، تتعاون روسيا والصين عسكريا، وفي مجال الطاقة، لتعزيز قدراتهما على تحدّي أميركا، وسط طموحاتٍ صينيةٍ إلى السيادة العالمية، في ظل قيادة شي جين بينغ.

وباتت القدرات الاقتصادية المتعاظمة للصين تسمح لها بتخصيص أموال أكثر لتحسين قدراتها العسكرية، كما أن التقارب مع روسيا يسمح للصين بتأمين احتياجاتها من الطاقة والاستغناء، إذا اضطرت، عن نفط وغاز المناطق التي تسيطر عليها واشنطن، أو لها نفوذ فيها. بالنتيجة، يتبلور لدينا معسكر صاعد تحكمه الرأسمالية التسلطية، وتتوفّر لديه إمكانات اقتصادية كبرى وقاعدة صناعية متطوّرة، وقوة عسكرية متنامية، وطموحات للهيمنة وتحدّي النظام الليبرالي الدولي، كيف لا نكون إذاً أمام حربٍ باردةٍ جديدة؟

==========================

قمّة سوتشي.. في انتظار غودو

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 20/2/2019

لم تصدر عن قمّة سوتشي التي عقدت يوم 14 فبراير/ شباط الجاري بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران، بوتين وأردوغان وروحاني، نتيجة محدّدة بشأن سورية؛ حيث اكتفى البيان الختامي، وكذلك تصريحات الرؤساء في مؤتمرهم الصحافي، بالعموميات والوعود المفتوحة، ما دفع المعلقين السياسيين والإعلاميين إلى تبنّي استنتاجاتٍ متعارضة إلى حد التناقض، قال بعضهم بفشل القمة، وقال آخرون بنجاحها مع تأجيل الإعلان عن الاتفاقات لاعتبارات آنية.

واقع الحال أن القمة فشلت في الاتفاق على موقفٍ موحد، أو على حل أيٍّ من البنود التي أعلن قبيْل انعقادها أنها ستكون على جدول أعمالها، بنود: إدلب، المنطقة الأمنية التي ترغب تركيا إقامتها بطول 500 كلم وعرض يتراوح بين 32 و 60 كلم؛ على طول الحدود السورية التركية، من جرابلس إلى فيش خابور، واللجنة الدستورية، إذا استثنينا التوافق على ربط الموافقة على تشكيلة اللجنة المقترحة بموافقة الأمم المتحدة عليها، حيث غدت مهمة روسيا إقناع الأمم المتحدة بهذه التشكيلة، وآية ذلك تصريحات الرؤساء الثلاثة في مؤتمرهم الصحافي، حيث كان التباين في مواقفهم من هذه البنود واضحا وصريحا؛ مع ملاحظة سيادة نبرةٍ هادئةٍ ومواقف فضفاضة، جاءت لافتةً بعد التصريحات الروسية القوية والحاسمة بشأن عدم السماح باستمرار الوضع في إدلب، وتكرار الحديث عن عمليةٍ عسكريةٍ ضد الإرهابيين فيها؛ وغضّ النظر عن خرق قوات النظام وقف إطلاق النار، وقصفها مدنا وبلدات في المحافظة، وأخرى في ريفي حماة وحلب طوال الأسبوع الذي سبق القمة. وهذا عكس رغبتهم في المحافظة على علاقات العمل القائمة بين دولهم، من جهة، وتمرير الوقت انتظارا لاتضاح صورة المواقف في ملفاتٍ 

"تصريحات الرؤساء الثلاثة في مؤتمرهم الصحافي، كانت متباينة حول المنطقة الآمنة، واللجنة الدستورية" ذات صلة، الانسحاب الأميركي من منطقة شرق الفرات والتطورات على صعيد العلاقات الأميركية الإيرانية، من جهة أخرى.

ارتبطت التباينات بعوامل ثلاثة، أولها الانسحاب الأميركي وما سيحصل على هذا الصعيد، إن لجهة شروط الانسحاب أو توقيته والمدة الزمنية التي سيستغرقها، يمكن اعتباره العامل الأكثر تأثيرا على فشل القمة، لانعكاسه القوي والمباشر على أطرافها الثلاثة، وحساباتهم ومصالحهم القريبة والبعيدة، فمعرفة شروط الانسحاب وجدوله الزمني، وطبيعة التفاهمات بشأن الوضع بعد الانسحاب بين الولايات المتحدة وتركيا، من جهة، وبين الولايات المتحدة وروسيا، من جهة ثانية، سيعزّز موقف طرف، ويضعف موقفا آخر، ويدفع إلى حساباتٍ وخياراتٍ مختلفة من معظم بنود الملف السوري. وهذا برز لحظة إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم 19 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نيته سحب القوات الأميركية من سورية، وتكليف تركيا بملف شرق الفرات والقضاء على بقايا تنظيم (داعش)؛ وتمثيل الموقف الأميركي والغربي هناك؛ حيث تعزّز موقف تركيا بتوسّع دورها ونفوذها في سورية برعاية أميركية؛ عكسته نبرة التصريحات التركية بشأن القضاء على "الإرهابيين"، قوات سورية الديمقراطية (قسد) و"داعش" (يمكن التذكير بتصريح وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، عن قوات "قسد": سندفنهم في الأنفاق التي حفروها)، وإقامة منطقة أمنية تحت السيطرة التركية الخالصة. ثم تراجعت نبرة التهديد والوعيد التركية، بعد الإعلان عن الشروط الأميركية لعملية عسكرية تركية شرق الفرات: تنسيق العملية مع واشنطن، حماية حلفائها من الكرد، في حين حمّل القرار روسيا أعباء جديدة، عبء الملف السوري؛ إدارته والموازنة بين مصالح حلفائها ونفوذهم وأدوارهم الراهنة والمستقبلية، بالإضافة إلى مراعاة مصالح خصومها، ذلك أن الانسحاب الأميركي، الخصم المشترك للدول الثلاث، سيزيل اللحمة بينها، ويدفعها إلى إعادة النظر في الأولويات، بحيث تحافظ (روسيا) على علاقاتٍ متوازنةٍ مع الجميع، وعلى العمل المشترك في إطار مسار أستانة، ما دفعها إلى الإعلان عن تفهمها موقف تركيا وعمليتها العسكرية شرق الفرات، قبل أن تعود إلى موقفها التقليدي القائل بضرورة سيطرة النظام على كل الأراضي السورية، وتطرح على تركيا الاكتفاء بتطبيق اتفاقية أضنة التي كانت وقعتها مع النظام عام 1998، في ضوء ما ظهر من تردّد أميركي بشأن تكليف تركيا بالمنطقة، وتمسك واشنطن بحماية حلفائها من الكرد؛ وتوصيفها المنطقة الأمنية منطقة عازلة بين تركيا وهؤلاء الحلفاء من الكرد، تجلى ذلك في دعوتها دولا أوروبية إلى نشر قوات فصل بين الطرفين، ومد

"طرحت روسيا على تركيا الاكتفاء بتطبيق اتفاقية أضنة، في ضوء ما ظهر من تردّد أميركي بشأن تكليف تركيا بالمنطقة" فترة الانسحاب من دون إعطاء مدة محددة وثابتة.

وشكّل القرار الأميركي غيمة ضباب أمام الرؤساء الثلاثة؛ وصف الرئيس التركي أثر الإعلان الأميركي بالانسحاب بمرحلة من الغموض، ولذلك مالوا إلى تعليق المواقف، ريثما تتضح صورة الموقف الأميركي، وتنفيذه قرار الانسحاب، تحاشيا لحصول تطوّرات تنعكس سلبا على مصالح بلادهم. ثانيها تباين المواقف بشأن الوضع في إدلب بين تبنٍّ روسي إيراني حسما عسكريا ترفضه تركيا التي تدعو إلى مقاربة سياسية طويلة النَفَس، قائمة على فكرة إقناع "هيئة تحرير الشام" التي تشكل "جبهة النصرة لأهل الشام" عمودها الفقري بعزل الجهاديين الأجانب، وحل نفسها، والانخراط في تشكيل عسكري موحد مع بقية فصائل المحافظة، وفصائل منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون، الحديث يدور بشأن الجيش الوطني الذي سيتجاوز عدد أفراده الثمانين ألفا، ما اضطر الرؤساء إلى ترحيل البند إلى قمتهم التي ستعقد في تركيا الشهر المقبل (مارس/ آذار)، لأن الإصرار على الحسم سيُنهي علاقة العمل بينهم، وتعود تركيا إلى الحضن الأميركي، وهو ما لا تريده لا روسيا ولا إيران. تسعى الأولى إلى دق إسفين بين تركيا والتحالف الغربي، والثانية تريدها إلى جانبها لتعزيز فرصها في مواجهة العقوبات والضغوط الأميركية.

العامل الثالث في تباين المواقف هو دخول الملف السوري مرحلة ضرورة حسم بعض بنوده، مثل حدود مناطق نفوذ القوى الإقليمية والدولية، الموقف من الفصائل المتشددة، مستقبل مساري جنيف وأستانة. وهذا جعل التقدم أكثر صعوبةً في ضوء تأثير صيغة حسم هذه البنود على بنود أخرى جوهرية، لم تحن لحظة تناولها، مثل مستقبل سورية، المصالحة الوطنية، مصير اللاجئين، إعادة الإعمار، بقاء القوات الأجنبية على الأرض السورية، وحرص كل من الرؤساء الثلاثة، أردوغان وروحاني وبوتين، على عدم تمكين أي من الرئيسيْن الآخريْن من تحقيق مكاسب على حسابه، أو الالتزام بموقفٍ قد ينعكس سلبا على مصالح بلاده عند تناول بقية بنود الملف في مراحل لاحقة.

ويمكن القول إن تناقض الأولويات وتضاربها، وحاجة الدول الثلاث لبعضها بعضا، جعل الرؤساء يختارون ترحيل البنود وتأجيل حسم المواقف من أجل المحافظة على مسار أستانة، على الرغم من هشاشته، لأنه وفر لهم منصّة للانخراط في إدارة الملف السوري، ولعب دور إقليمي رئيس، عزّز وزن كل دولة من دولهم ودورها، وقيّد إلى حد كبير حركة خصومها.

==========================

نافذة لمحاسبة المجرمين وتحقيق العدالة في سورية

 نزار أيوب

جيرون

الثلاثاء 19/2/2019

محاسبة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة (جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم التعذيب)، بما يحقق العدالة لضحايا الانتهاكات الجسيمة، مسألة متاحة، متى توفرت الإرادة السياسية لدى الدول. هذا الأمر منوط باستحداث آليات كفيلة بمحاسبة المجرمين، أو تفعيل الآليات المتاحة، تأسيسًا على أن الدولة ملزمة -من حيث المبدأ- بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ومحاسبة مرتكبيها، في نطاق الأراضي الخاضعة لولايتها. وفي حال تقاعس الدول عن تطبيق ولايتها القضائية على مرتكبي الانتهاكات الخطيرة، كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أو تعذر محاسبة الفاعلين، بسبب النزاعات المسلحة أو الكوارث، أو تقاعس المجتمع الدولي عن مساءلة المجرمين؛ يتعيّن حينئذ تفعيل الدول الأخرى للولاية القضائية الجنائية العالمية، بصفتها الآلية الأكثر فاعلية لضمان المساءلة والحد من الإفلات من العقاب.

 بعد طول انتظار، يبدو أنه بدأت تلوح في الأفق سياسة أوروبية ودولية جديدة لملاحقة من يشتبه في ارتكابهم للجرائم في سورية، حيث إن اعتقال السلطات الألمانية لعقيد سابق في جهاز المخابرات السورية، كان يعمل تحت إمرة العميد حافظ مخلوف، وضابط آخر، بتهمة ممارسة التعذيب بحق مئات المعتقلين السوريين ما بين 2011 و2012، من شأنه أن يرسي قاعدة لفتح هذا الملف، على صعيد دول الاتحاد الأوروبي على أقل تقدير. وما يعزز هذا الاعتقاد تزامن عملية الاعتقال التي نفذها مكتب المدعي العام الألماني، مع إعلان مكتب الادعاء العام في باريس، في اليوم ذاته، عن توقيف شاب سوري يبلغ من العمر 30 عامًا، يُشتبه في تورطه بجرائم تعذيب وجرائم ضد الإنسانية، إبّان كان يعمل في جهاز المخابرات السورية، بين عامي 2011 و2013.

سياسة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب ملازمة للنظام السوري منذ عقود، وهي تمارَس في حق كل من يتجرأ على إبداء أي من أشكال المعارضة لهذا النظام، ممثلًا بحافظ الأسد وأبنائه، أي “بيت الأسد”، حيث تعرض حوالي 17 ألف شخص من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين للاختفاء القسري خلال الفترة (19802000)، معظمهم قضى من جراء التعذيب وإساءة المعاملة. وقد استمرت هذه السياسة المنهجية بعد تولي بشار الأسد (خليفة بيت الأسد أو الوريث) السلطة، وتفاقمت مع بدء الاحتجاجات السلمية في آذار/ مارس 2011، من جراء احتجاز أجهزة أمن الدولة (المخابرات الجوية، المخابرات العسكرية، الأمن السياسي، المخابرات العامة) عشرات ألوف السوريين خلال مداهمة أحيائهم ومنازلهم، أو عند عبورهم للحواجز ونقاط التفتيش، أو اعتقالهم من أماكن العمل والجامعات. وقد استهدفت الاعتقالات بشكل أساسي كافة شرائح المعارضة السلمية ممن شاركوا في الاحتجاجات ضد النظام، وناشطي حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين، إضافة إلى كل من لم يبدِ ولاءه للنظام من صحفيين وأطباء ممن عالجوا المتظاهرين، وعناصر من الجيش وأقارب المطلوبين لأجهزة الأمن. وقد انتهجت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام بشار الأسد سياسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والحاطة بالكرامة والمهينة، على نحو لم يسبق له مثيل منذ عام 1970، داخل مراكز التوقيف وفي السجون والمشافي العسكرية، بحق عشرات آلاف المدنيين ممن قُبض عليهم. وتشير التقارير الدولية إلى أن وتيرة التعذيب ومدته وشدته قد تسببت في وفاة ما يزيد عن 17 ألف شخص من الرجال والنساء والأطفال تحت التعذيب منذ عام 2011 في سجن صيدنايا وحده. ولم تقتصر ممارسات التعذيب بحق السوريين على أجهزة النظام، فقد تعرض المدنيون الذين تختطفهم الجماعات المسلحة (المعتدلة والمتشددة والمصنفة إرهابية) لكافة صنوف التعذيب والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، وكانوا يحتجَزون كرهائن في ظروف صعبة وغير إنسانية، ويعانون خلالها نقص الغذاء والدواء ووسائل للتدفئة. وقد شهدت السّاحات العامة عمليات بتر للأعضاء وجَلد وقتل، من قبل (داعش) استنادًا إلى القانون الديني “الشرعي” بدعوى مخالفة فكر الجماعة.

لم يسبق أن تمت محاسبة أي فرد من أجهزة الأمن السورية، على الرغم من سياسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية التي تنتهجها هذه الأجهزة منذ عدة عقود، والتي تعبّر عن سياسة حكومية مدروسة ومنهجية. كما أن فشل المجتمع الدولي في اعتماد آلية لمساءلة مرتكبي الجرائم في سورية، تمنح مجلس الأمن صلاحية إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية من جراء الفيتو المتكرر، يفرض تفعيل الدول لمبدأ الولاية الجنائية الدولية داخل نطاق الأراضي الخاضعة لولايتها، لتمكين قضائها المحلي من إجراء تحقيقات بالانتهاكات الجسيمة التي ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب والتعذيب المرتكبة في سورية.

في كل الأحوال، لا يمكن التعويل على النظام القضائي الرسمي في سورية لعدم استقلاليته، ولكونه غير محايد وغير نزيه، فضلًا عن أن القضاة غير مؤهلين للنظر في الجرائم الخطرة والبت فيها. وبحكم أن سورية دولة طرف في اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الأول، وفي العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فإنه يتعين على جميع الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات إعمال مبدأ الولاية القضائية العالمية، والبدء بالبحث على المتهمين بارتكاب الجرائم في سورية، أيًا تكن جنسيتهم وخلفيتهم السياسية أو الأيديولوجية، وملاحقتهم والقبض عليهم تمهيدًا لمحاكمتهم أمام قضائها الوطني.

الولاية القضائية الجنائية الدولية منصوص عليها في العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إذ تلزم قواعد اتفاقيات جنيف الأربعة وبروتوكولها الإضافي الأول لعام 1977 الدول الأطراف فيها البحث عن مرتكبي المخالفات الجسيمة (جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية) أو المشتبه في ارتكابهم لهذه المخالفات أو التخطيط لها، أو إعطاء أوامر بارتكابها، بمجرد معرفتها بتواجدهم على أراضيها، بصرف النظر عن جنسيتهم، ومحاكمتهم أمام محاكمها، أو تسليمهم إلى أي دولة طرف معنية بمحاكمتهم.

الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949 ملزمة، بموجب المادة 146، باتخاذ ما يلزم من إجراءات تشريعية لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يأمرون باقتراف مخالفات جسيمة تتمثل بالقتل العمد، وأخذ الرهائن، والاختفاء القسري، وممارسة التعذيب وتدمير الأعيان والممتلكات المدنية، على نحو لا تبرره الضرورة العسكرية (المادة 147)، وبالتالي ملاحقة المتهمين باقتراف هذه المخالفات، أو التخطيط لها أو التغاضي عنها أو الأمر باقترافها، وبتقديمهم إلى محاكمة، أيّا كانت جنسيتهم، ولها أن تسلمهم إلى طرف متعاقد آخر لمحاكمتهم. وتتضمن اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمناهضة التعذيب لعام 1984 أحكامًا مشابهة، تُلزم الدول الأطراف بتجريم أفعال التعذيب، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإقامة ولايتها القضائية على جرائم التعذيب، واحتجاز مرتكبيها تمهيدًا لمعاقبتهم أو اتخاذ إجراءات لتسليمهم إلى دول أخرى من أجل معاقبتهم.

الواضح أن قيام مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا باعتقال سوريين موجودين على الأراضي الألمانية، قبل عدة أيام، يُعدّ مؤشرًا على توفر الإرادة السياسية لدى السلطات الألمانية، بملاحقة واعتقال سوريين مقيمين على أراضيها، ممن تثار حولهم شكوك في ارتكاب جرائم خطيرة. فهل سنرى مزيدًا من المجرمين خلف القضبان في دول الاتحاد الأوروبي؟

==========================

مؤتمر وارسو أو السير على حافّة الهاوية

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 19/2/2019

ختم إجهاض ثورات الربيع العربي دورة كاملة من السياسات العربية التي قامت بعد الاستقلال على إرساء أركان نظمٍ سياسيةٍ تراهن، في الحفاظ على بقائها، بتنفيذها أجندة دولية أو بتقديم الخدمات للدول الكبيرة التي تريد أن تكسب دعمها، أكثر بكثير من رهانها على كسب الشرعية من الانشغال بتحسين شروط حياة شعوبها أو التفكير بمصيرها ومستقبل أبنائها. وقد ولدت من هذه التبعية نخبٌ محليةٌ جعلت من ضبط حركة هذه الشعوب وتكبيلها بدل إطلاق طاقاتها وتحرير قدراتها مركز اهتمامها، فأصبح وجودها كنخبة مهيمنةٍ وحاكمةٍ يتعارض، بصورة متزايدة، مع تقدّم شروط حياة محكوميها وتحسين أحوالهم. وما كان يمكن أن تنتهي هذه الدورة إلا بما انتهت إليه من مواجهةٍ شاملةٍ كما جسّدتها ثورات الربيع العربي، بعد أن تحوّلت النخب السياسية إلى طبقةٍ من المعمرين الجدد والسياسة "الوطنية" إلى احتلالٍ وقمع، وتحولت الشعوب "رعاعا" يزداد خطر انفجارها وتمرّدها مع تجريدها المتزايد من أي هوية سياسية أو إنسانية.

ما أحدثته الثورات التي احتلت السنوات العشر تقريبا لهذا العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين أنها جرّدت النخب الحاكمة من ثقتها بقوتها واطمئنانها إلى قدرتها على شل الإرادة الشعبية، ما عزّز لديها النزوع إلى فرض مزيد من القيود على مجتمعاتها، وإغلاق نظمها على نفسها أكثر مما حصل في أي مرحلةٍ سابقة، والتخلي عن غلالة الاستقلال الواهية التي كانت تحاول أن تخفي وراءها تبعيتها الكاملة للدول الضامنة لبقائها، وترمي بنفسها من جديد على الدول الكبرى وتشتري حمايتها. وبعكس ما توقعه المتفائلون من احتمال أن تتعلّم النخب 

"تحوّلت النخب السياسية إلى طبقةٍ من المعمّرين الجدد، وتحولت الشعوب "رعاعاً" يزداد خطر انفجارها وتمرّدها" الحاكمة الدرس، وتعيد النظر في منهج حكمها، وتبذل مزيدا من الجهد لكسب التأييد الشعبي أو استعادة جزء منه، دفعتها صدمة الاحتجاجات الكبرى إلى الخوف الذي تحاول أن تردّ عليه بتبني خيارين، كلاهما أسوأ من الآخر: إقفال النظام بصورة أقسى من قبل، وتعزيز سياسات الإقصاء وتقليص هامش الحريات والحياة السياسية إلى حد الإلغاء الكامل من جهة، والالتصاق أكثر من أي حقبة سابقة بالدول الأجنبية، الإقليمية أو الدولية لطلب الحماية منها. أي إلى الذهاب في الاتجاه المعاكس لما كان ينبغي أن تتجه إليه من أجل إصلاح الأوضاع، وتقليص حجم القطيعة التي تفصلها عن شعوبها، والبدء بتفكيك الأزمة الاجتماعية والسياسية التي فجّرت الثورات، لتجنب مواجهات جديدة قادمة حتما.

ما دفعني إلى الإشارة إلى هذه الاتجاهات السياسية الانتحارية لنخب طار صوابُها هي الحماسة التي أظهرتها للمشاركة في ما سمي مؤتمر وارسو للأمن والسلام في الشرق الأوسط الذي عقد في منتصف شهر فبراير/ شباط الجاري، بحضور نائب الرئيس الأميركي ووزير خارجيته، وتحت إشرافهما، والذي وضع في مقدمة أهدافه مواجهة طهران وسياستها التوسعية والتخريبية في المشرق العربي، وفي ثناياها، ولكن كشرط لها، تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، وإدخال إسرائيل منذ الآن، وبموافقة عربية، طرفا رسميا في معادلة القوة الإقليمية.

يتابع العرب في مشاركتهم هذه، ويتبعون خطط واشنطن واستراتيجياتها التي لم تسهم مرة واحدة في تشجيع بلدان المنطقة على التفاهم والمنطقة ككل على الاستقرار. بالعكس كل ما فعلته في العقود الأربعة الماضية، ومعها أكبر البلدان الأوروبية، كان على حساب الأمن والسلام الشرق أوسطي، ومن أجل تلغيمه وتقويضه. ليس الخطأ في هذه المشاركة التأكيد على ضرورة التصدّي للخطر الإيراني، ولا أولويته بالنسبة لدول المنطقة المترنّحة بسببه، وإنما لسذاجة الاعتقاد أن واشنطن أو إسرائيل سوف توقفان التهديد الإيراني إزاء الدول العربية، من أجل عيون هذه الدول وضمان الاستقرار الإقليمي والدولي. إنهما يسعيان بالعكس إلى توتير العلاقات العربية الإيرانية بشكل أكبر، وتعميق الشرخ بين الجارين المتخاصمين، من تحقيق أهدافهما الخاصة على حساب الدول العربية. وبمعنى آخر، تحميل هذه الدول ثمن مواجهة إيران وتحجيم نفوذها، من دون تقديم أي تنازلٍ سياسي أو استراتيجي للدول العربية. وفي النهاية، لن يحصد العرب من هذا اللقاء سوى إدماج إسرائيل في منظومتهم العربية، وإدخال لاعب معاد لهم فيها، من دون أي ثمن. وهو ما سوف يعمل على تعميق التناقضات والخلافات بين الدول العربية وشعوبها، وفيما بينها أيضا، ويعمق المشكلة التي كانت في أصل تراجع الموقف العربي الإقليمي، وتنامي الأطماع الإيرانية.

استخدمت الولايات المتحدة الأميركية العراق الصاعد في عهد صدام حسين، للتقليل من طموح 

"من السذاجة الاعتقاد أن واشنطن أو إسرائيل ستوقفان التهديد الإيراني إزاء الدول العربية، من أجل عيون هذه الدول" طهران الخمينية التي بدأت معادية للغرب وإسرائيل بالدرجة الأولى، فقضت على العراق، وساهمت في حرف الثورة الإيرانية الشعبية عن أهدافها، ودفعها نحو التطرّف الطائفي والمذهبي. وها هي تسعى من جديد إلى استخدام ما تبقى من الموارد العربية المالية والسياسية من أجل تطويع إيران، ودفعها إلى الخضوع لأهداف السياسة الأميركية والإسرائيلية. خلال ذلك، لن يتقدّم موقف العرب شعرةً واحدة، على أي صعيد. فإذا قبلت طهران التفاوض على مشروعها التخريبي لن تفاوض مع العرب، وإنما مع واشنطن وإسرائيل اللتين تشكلان مصدر القوة الحقيقي التي تهدّدها، وعلى حساب العرب. وإذا قرّرت طهران الاستمرار في المواجهة، سوف يعني ذلك توسيع دائرة الحرب على الأرض العربية وبزيادة تكاليفها التي لن يقدّمها سوى العرب، بشريةً كانت أو سياسية أو مادية واستراتيجية، من أمنهم واستقرارهم وفرص تنمية اقتصاداتهم معا.

لن يحل مشكلة العرب شراؤهم تأييد الدول الأخرى ودعمها بتنازلاتٍ سوف تزيد من ضعفهم وتشتتهم وانقسامهم. وفي النهاية، إضاعتهم لأي أملٍ في الاحتفاظ بصدقيتهم، واستقلال دولهم، وربما بقائها. لو كانت واشنطن تريد بالفعل مساعدة العرب، بل مشاركتهم، ولو قليلا في تكاليف المواجهة، لفرضت على تل أبيب تعديل موقفها من المسألة الفلسطينية، وإذا لم يكن ذلك بالاعتراف بالدولة الفلسطينة الموعودة إلى جانب إسرائيل، على مبدأ حل الدولتين، فعلى الأقل بالوقف النهائي لحركة الاستيطان، وما تعنيه من تغيير الطابع الديمغرافي للأرض. ولو كانت تسعى بالفعل لإنقاذ الشرق الأوسط من المحرقة التي وضعته فيها حربان، قادتا إلى تسعير العداء بين العرب والإيرانيين، وتفجير حرب تاريخية بينهما، خصوصا بضرب القوة العراقية ووضع نظام طائفي في بغداد مكانها، لاتّبعت سياسة أخرى مختلفة تماما، وتبنّت خياراتٍ من شأنها مساعدة العرب والإيرانيين على نزع فتيل الحرب الدائرة عمليا من ثلاثة عقود، وتوجيه جهودهما إلى تنمية شعوبهما، وتقديم ضماناتٍ للطرفين بعدم التوسع والاعتداء، وفتح مجال التعاون بينهما.

لكن وقف الحرب في المنطقة وتخفيف حدّة التوتر بين دولها ليس أبدا من أهداف السياسة الأميركية أو الإسرائيلية. بالعكس، المطلوب تسعيرها لقطف ثمارها من الطرفين، واللعب عليها لإخضاعهما وإجبارهما على الركوع معا أمام الإرادة الأميركية والإسرائيلية.

تتحمّل طهران مسؤولية كبرى في رمي الخليج على إسرائيل، بعد تعلقه بأذيال الحماية الأميركية عقودا، لكن للخليج ودول جامعة الدول العربية عموما مسؤولية كبيرة أيضا في تبنّي سياسة واشنطن ضد إيران والجري وراء مخططاتها التي تستهدفهم أكثر مما تستهدف إيران في نظري، لمصالح استراتيجية وإسرائيلية معا، بدل بلورة سياسة عربية مستقلة، ولو نسبيا، تسمح بإعادة التوازن مع إيران، وتفتح باب التسوية مع شعبها. ومن دون بلورة هذه السياسة، وصوغ أجندة عربية مشتركة للمنطقة وللعلاقات مع الجوار، وبناء قوة استراتيجية تضمن تطبيقها والدفاع عنها، لن يعمل الارتماء العربي على القوى الأخرى الخارجية، سواء كانت الولايات المتحدة أو أوروبا، أو الصين غدا، إلا على إضعاف موقفهم بشكل أكبر، والسماح للقوى المدافعة أن تقطف هي نفسها ثمار مواجهتها إيران وغيرها أو حل التناقضات الإقليمية معها. لا توجد دولةٌ تعمل لصالح دولة أخرى، وإنما تستغل جميع الدول ضعف الدول الأخرى، حتى لو كانت حليفتها، وإذا أمكن تزيد في ضعفها وحاجتها إليها من أجل تعظيم مكاسبها، سواء هنا باستتباعٍ أكبر للعرب، ومص دمائهم أو بإضعاف إيران وفرض التنازلات القاسية عليها لصالح الولايات المتحدة.

والخلاصة أن إيران معضلة كبرى بالنسبة لعرب المشرق، خصوصا الذين يتعرّضون لهجوم

"المطلوب أميركيا وإسرائيلياً تسعير الحرب لقطف ثمارها من الطرفين، واللعب عليها لإخضاعهما وإجبارهما على الركوع" كاسح منها، عسكري وسياسي ومذهبي، في إطار صراعها هي نفسها مع الغرب، ولجرّ الغرب إلى معركةٍ معها يرفض الغرب خوضَها بنفسه، ويريد أن يحمل العرب من جديد، باسم مساعدتهم على درء خطرها، مسؤوليتها وتكاليفها.

مواجهة المخططات الإيرانية تحدّ كبير للعرب، ولا يمكن أن يردّ عليه رهن العرب إرادتهم لدول أخرى، لها مصالح علنية في إضعاف مناعتهم وإخضاعهم لأجندتها القومية. ما يرد عليه هو تطوير دفاعات العرب الذاتية، والعمل على أن يتحولوا، هم بذاتهم، إلى طرف حقيقي في المعادلة الاستراتيجية الإقليمية، يُحسب حسابهم ويُعترف لهم بنصيب من القرار الإقليمي والحد الأدنى من السيادة والاحترام والمعاملة الندّية. وهذا ما تعمل الحكومات العربية، والخليجية منها بشكل خاص، كل ما تستطيع لتجنب التفكير فيه والعمل من أجله. فمثل هذا الخيار لا يمكن أن ينفصل عن خيارٍ يعادل في نظر عديدين من أعضاء نخبها الحاكمة تجرع كأس السم. فهو يتعلق حصرا بحل مشكلة العلاقة مع شعوبها، ومواجهة المسألة السياسية والقبول بتنازلاتٍ تدريجية، ولكن جدّية في نمط توزيع السلطة، والسيادة، الذي يتوقف عليه توزيع أفضل لفرص التقدم والترقّي والثروة. وهنا بيت القصيد وكعب أخيل الذي ترفض النخب التي تعودت احتكار السيادة مناقشته حتى الآن.

==========================

موقفنا : حسب المعهد العالمي للسياسات العامة..بشار الأسد استخدم الكيماوي مرة كل اسبوع تقريبا في غضون سبع سنوات

زهير سالم

19 / 2 / 2019

مركز الشرق العربي

حسب المعهد العالمي للسياسات العامة . وهو معهد سياسات دولي محايد فإن السلاح الكيماوي قد استخدم في سورية 336 مرة .ويؤكد المعهد أن 89% من هذه الجرائم قد ارتكبها بشار الأسد عن طريق وحداته العسكرية المنتشرة على كل الأرض السورية . بينما يحمل المعهد التنظيمات الإرهابية  داعش وأخواتها المسئولية عن 11% من تلك الجرائم.

وحين نعيد الحساب بالنسبة للسنوات التي حمي فيها وطيس الصراع ابتداء من 2012 ؛ نجد أن سبع سنوات تفصلنا عن مطلع ذلك العام .

 إن سبع سنوات تعني 364 أسبوعا ، وحين يكون بشار الأسد قد استخدم الكيماوي على ما يقول تقرير المعهد العالمي للسياسات 300 مرة في 364أسبوعا. وهو رقم مبني على متابعة وتحقيق ودراسة ؛ فإننا نستطيع بعملية قسمة ذهنية تقريبية  أن نؤكد أن  الجريمة التي اعتبرها الأمريكي ومن ورائه مجلس الأمن الدولي " خطا أحمر " في سورية ظلت ترتكب أسبوعيا تقريبا في سورية تحت سمع العالم وبصره  وعلى مدى سبع سنوات.

فلقد كانت جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية جريمة مستدامة على أبناء الشعب السوري .  ارتكبت في أماكن مختلفة . وبجرعات مختلفة . ومن أنواع مختلفة . وربما كانت الأهداف التجريبية بعض ما كان يهدف إليه المشاركون في المؤامرة من كل الأطياف والأطراف .

لحساب من كان بشار الأسد يرتكب هذه الجرائم ...؟

لحساب من ولغ الوالغون ، وصمت الصامتون ، وتجاهل المتجاهلون ؟

ثم هل ما يشهده المجتمع السوري من ارتفاع نسب الإصابة بالأمراض الخطيرة والصعبة وأهمها السرطانات علاقة باستخدام هذه الأسلحة المريبة المتكرر ؟ هل لفشو هذه الأمراض وانتشارها بين فئتي الأطفال والشباب علاقة باستخدامات هذه الأسلحة المحرمة دوليا والتي يعد استخدامها من الجرائم ضد الإنسانية ؟ وهل لذلك علاقة أيضا بالولادات المشوهة التي ترتفع نسبها بطريقة كبيرة أيضا وهو ما يلاحظه كل السوريين في مدنهم وقراهم  ؟!

وزير الدفاع الروسي - خلا تقرير المعهد العالمي للدراسات - يؤكد من قبل أنهم جربوا 200 سلاحا استراتيجيا في أبناء سورية رجالها ونسائها وأطفالها ..كان يقول هذا في إطار الدعاية الاقتصادية لسوق السلاح الروسي . أي كما ينادي بائع البطيخ على السكين يا بطيخ !!

لقد سمعنا في جريمة الهولكست أن ستة ملايين من البشر قد أحرقوا في أفران الغاز في جريمة ما تزال تكلل مرتكبيها بالخزي والعار ولكننا اليوم نسمع أن وطنا بأسره قد تحول إلى فرن يحرق فيه كل شيء بكل أنواع السلاح وفي هولكست يمتد إلى عقد من الزمان ....

أيها السوريون ...

لنحفظ هذا ولا ننساه إنه بحسب تقرير المعهد الدولي للسياسات : ظل بشار الأسد يستخدم السلاح الكيماوي بحق "  السوريين "  مرة كل أسبوع تقريبا على مدى سبع سنوات خلت ، فهل تظنونه سيتوقف بعد كتابة دستورهم الجديد ؟!

______________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

الأسد مجرم وكذّاب بامتياز، ولكن ماذا عن الآخرين؟

 محمود الحمزة

جيرون

الاثنين 18/2/2019

شعبنا، الذي فجر ثورة عظيمة، وأثبت شجاعته وتوقه اللامحدود إلى الحرية ودولة القانون، اصطدم بجدار أصم، صنعته قوى محلية وإقليمية ودولية، لا تسمح لهذا الشعب بالتقدم نحو أهدافه المشروعة. تكالبت عليه قوى العالم، تحت شعارات مختلفة أخطرها تلك التي تقول إنها مع الثورة، لكنها عمليًا ضد الثورة.

وإذا كانت الدول “المتحضرة” تكذب وتنافق علينا؛ فلماذا لا يحق لبشار الأسد أن يكذب، وهو الرئيس “المنتخب شرعيًا” والمعترف به في الأمم المتحدة حتى اليوم، بالرغم من جرائم الحرب التي ارتكبها! تصوّت تلك الدول في الجمعية العامة، وتعترف بالائتلاف الوطني السوري ممثلًا شرعيًا للشعب السوري، وتترك ممثل النظام بشار الجعفري المتعجرف يلقي كلمته، في كل جلسة لمجلس الأمن تتعلق بسورية، بغياب ممثل عن الثورة!

ما شهدناه يوم أمس 17 شباط/ فبراير هو مسرحية هزلية، عرضها بشار الأسد ومجموعة من الحثالات المصفقين. والغريب أن الأسد -بعد ثماني سنوات من صراعٍ دامٍ- ما يزال قليلَ إحساس ومغرورًا بقدراته التنظيرية البائسة. وديدنه هو تقسيم الشعب السوري إلى “خونة ووطنيين”. فكل من يخالفه الرأي هو “عميل وتابع للأجنبي”، ويتحدث عن “السيادة”، ولا يذكر سوى تركيا كدولة محتلة، لكن أين أميركا وروسيا وإيران وشبيحة العالم التي دعاها بنفسه لقتل السوريين!

يتحدث عن الصعوبات المعيشية التي يعانيها السوريون، ويقول هناك فساد وقلة أخلاق، لكنه يضع الحق على الشعب نفسه، بينما يعرف السوريون جيدًا أن الفساد والتسلط والتشبيح مصدره الأسد، وحاشيته من آل مخلوف وشاليش وأجهزة المخابرات المجرمة الفاسدة.

لا يمكن مقارنة الأسد وحاشيته الأمنية إلا بأسلوب وزير الإعلام الهتلري غوبلس، الذي كان يقول: “اكذب واكذب واكذب.. حتى يصدقك الناس”، لكن الحقيقة أن بشار نفسه لا يصدق نفسه! لكنه يؤدي دوره في المسرحية، ولا يمكنه أن يتراجع، على الرغم من النهاية التراجيدية التي تنتظره. وعلى أي سوري أن يخجل من هذه الجوقة المسرحية التي جمعت أفرادَها المخابرات ليصفقوا ويُظهروا عراضات شعبية كاذبة، عن حبهم للأسد بعد كل جرائمه ضد الإنسانية.

يتهم الأسد الآخرين بما هو يمارسه ويعيشه يوميًا، فهو الذي أصبح تابعًا وعميلًا وأجيرًا لدى نظام الملالي ولدى الكرملين، وباع سيادة سورية، وقتل الشعب، وأنهك المجتمع، ودمّر البلد ببراميله وأسلحته الفتاكة، وهو الذي بدأ بالقتل ونشر الطائفية وتقسيم السوريين على مبدأ: “من معي فهو وطنيّ، ومن ضدي فهو عميل وخائن”.

يقولون إن الشعب السوري يجب أن يقرر مصيره بنفسه، ومن ضمن ذلك وضع الدستور، لكنهم (أي القوى الدولية والإقليمية) هم من يُناقش ويُقرر مصير الشعب السوري بغياب ممثليه، وهم من وضع وأشرف على قائمة “اللجنة الدستورية”، ولأن المقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة؛ فلا خير يُنتظر من اللجنة الدستورية، ولا من الدستور الذي ستصوغه؛ لأن الأغلبية المطلقة لأعضاء اللجنة لا يُمثلون إلا أنفسهم، ويا ليت أنّ المشكلة في نصّ الدستور. فالموضوع سياسي بامتياز، وإن لم تُخْلَق ظروف مناسبة وآمنة لتطبيق الدستور -أيًا كان نوعه- فلا خيرَ ينتظر منه، والظروف الآمنة تعني -بكلمة واحدة- وجود نظامٍ يحترم رأي الشعب، ويخلق الظروف لمشاركته في أجواء حرة، وهذا لن يحدث في ظل نظام عصابة الأسد التي لا ترى الأشياء إلا من خلال منظارها الخاص المشوّه، حيث سورية بما فيها مزرعة لبيت الأسد، كما بيّنت مسرحية خطاب الأسد أمس.

لو كان لدى بشار الأسد وحلفائه إحساسٌ وأخلاق؛ لما استمروا في المنطق والموقف السياسي نفسيهما على مدى ثماني سنوات، بالرغم من الكارثة الكبرى التي حلت بالسوريين، ومسببها الرئيس هو نظام الأسد، باستخدامه كلّ ما يملك من أسلحة، ومعه نظام الملالي الاستبدادي الفاسد الذي يُعاني شعبه الجوعَ والحرمان، وينفق المليارات على أجنداته القومية التوسعية، وروسيا بأسلحتها الحديثة التي اعترفت قيادتها بأنها جرّبت أكثر من 200 صنف جديد من الأسلحة في سورية، واكتشفت أن بعضها يحتاج إلى إعادة تحديث بعد التجريب، بوقاحة وقلة أخلاق.

كلهم يشتركون في كذبة كبرى، هي أنهم يحاربون “الإرهاب”! لكننا نعرف أن القوى الإرهابية هي صناعة استخباراتية إقليمية دولية، وُجدت لإجهاض الثورة حصرًا، وترهيب الشعوب، وإبقاء الأسد في الحكم ولو إلى حين، وإننا نعرف تمامًا أن تنظيم (داعش) الإرهابي ومشتقاته هم أشباح تظهر وتختفي في الزمان والمكان المطلوبين، عند الحاجة.

عندما سقط الاتحاد السوفيتي عام 1991، وانهار المعسكر الاشتراكي وحلفه العسكري “حلف وارسو”؛ سقطت الأيديولوجيا الشيوعية في العالم، وقد كانت الشبحَ الذي يُحاربه الغرب الرأسمالي المتحضر، لذلك اخترعوا “الإرهاب”، وبدأ ذلك بتفجيرات نيويورك عام 2001 التي اتهموا فيها المسلمين المتطرفين، ومن هنا ظهر شبح عالمي جديد، يخوفون به الشعوب هو “الإرهاب الإسلامي”، وأصبح كل مسلم مُتّهمًا حتى تثبت براءته. وصارت أميركا والغرب ومن التحق بهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يدّعون بأن الفكر الإرهابي مرتبط بالإسلام، وفي كل مرة نجد أنفسنا مضطرين إلى توضيح أن الدين لا يمكن أن يدعو للقتل والإرهاب، وأن الإرهاب بالفعل صناعة لا علاقة لها أصلًا بالدين أو المعتقد أو القومية، إنما يُلبَس الإرهاب ثوبًا دينيًا أو غيره لسهولة خداع الناس به، وهو يعدّ أخطر ظاهرة عرفها العالم في القرن الحادي والعشرين، لأن أحدًا في العالم لا يعرف ما المقصود بالإرهاب بالضبط، وما معاييره ومن الجهات الداعمة له!

في منطقتنا، هناك أنظمة تمارس الإرهاب ضد شعوبها، وفي مقدمتها نظام الأسد، وطبعًا “إسرائيل” ضد الشعب الفلسطيني، إذًا هناك إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات وإرهاب الأفراد، وكله موجود في منطقتنا، على نحو واسع، لكنه غير موجود في أميركا اللاتينية بهذه الصورة أو في أفريقيا إلا قليلًا، والسبب مرتبط بأمن “إسرائيل”، وتعمل على تحقيق ذلك كلُّ الإدارات الأميركية المتعاقبة ومعها دول كثيرة في أوروبا وآسيا، من ضمنها روسيا، وذلك هو مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يجب، من أجل تنفيذه، تفتيت المنطقة، وتدمير جيوشها وبنيتها التحتية، وتهجير شعوبها وخلق فوضى، وتأسيس كيانات طائفية ودينية وقومية هزيلة، ودول فاشلة قائمة على الاستبداد، تكون فيها “إسرائيل” الأقوى، ليمكنها القول إنها دولة يهودية.

بشار مجرم وكذّاب. هذه حقيقة متفق عليها كونيًا؛ لكن ماذا عن الآخرين؟

الواقع أن الكل يكذب، والكل عديم أخلاق، بدءًا من نظام الأسد وحاشيته وحلفائه بلا استثناء، والفصائل الإسلامية المسلحة، والقوى السياسية التي تنافق باسم الثورة، وصولًا إلى كل من حشر يده في قضية السوريين، وكأنه أتى ليساعدهم، لكنه في الحقيقة يقول حقًا يُراد به باطل، فكل من تدخّل إنما جاء يبحث عن كعكة مغمسة في دماء المذبحة السورية، وكل هذه الفئات لا تُمثّل الشعب السوري ولم يفوضها، ويبقى الشعب السوري هو صاحب القرار والرأي في النهاية، ولو اجتمعت قوى الأرض كلها على إجبار السوريين على شيء لا يقبلونه، فلن تُفلح.

الطامة الكبرى هي أن مجموعات ليست قليلة من الشعب السوري تربّت على أيدي عصابة الأسد، فتعلمت الكذب والنفاق والنصب والاحتيال، ومنها فئات معارضة تدّعي أنها تدافع عن الثورة، ولكنها إما تنافق أو ترى أنها هي الثورة ومنبع الوطنية، وبذلك فهي ترى الثورة من خلال شخصيتها ومرآتها، وهذا من أسباب تراجع الثورة.

نحن بحاجة إلى وقفة مع الذات ومراجعة الضمير، وأن يُحدد كلُّ واحد دوره الحقيقي وإمكاناته الواقعية في العمل الوطني، وأن يضع مصلحةَ الشعب السوري -قولًا وفعلًا- في أولوياته، وأن يتخلى كثيرون عن ادعاءاتهم بأنهم يمثلون الثورة ويمكنهم قيادتها، وليتركْ كل من لا يستطيع تأدية دور عملي مفيد الشعاراتِ والأقوالَ بأنه يخدم الثورة، وليفهم الجميع أن الله {لا يُغَيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهِم}.

==========================

مؤتمرات كثيرة لسوريا.. أين الطحين؟!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 18/2/2019

المؤتمرات واللقاءات والقمم حول سوريا لا تنقطع؛ وأكثرها للأسف "جعجعة بلا طحين". بالأمس انتهى أصحاب "أستانا" مِن قمتهم في /سوتشي/ حول سوريا؛ واتفقوا على قمة أَخرى في إسطنبول بعد شهر؛ وكانوا من المفروض أن يعقدوا "أستانا" 12 أو 13، إلا أنهم قرروا تأجيلها إلى نيسان القادم. بالتوازي مع "قمة سوتشي" كان ممثلو أكثر من سبعين دولة يعقدون مؤتمراً في /وارسو/ لتبيان أذى إيران وعبثها ومخاطرها على محيطها وجيرانها كمصدٍر للإرهاب، {{وبشهادة نتنياهو}} الحاضر في "وارسو". العبارة السحرية في هذه المؤتمرات كانت سوريا: واقعها، ما حلَّ بها، مستقبلها. كل تلك اللقاءات والأحاديث والمناقشات المعمقة والقرارات والبيانات، وليس هناك من سوري حاضر، أكان من "النظام" أو من "المعارضة". هذا، وكل من يحضر تلك اللقاءات يصرُّ بتصريحاته وبياناته وتعهداته على أن القضية السورية يجب أن تحلها أيادٍ وعقول سورية فقط.

الأكثر حماساً لتفرد "السوريين فقط" بحل قضيتهم يشيعون عن سابق إصرارٍ وتصميم ويُسخّرون أبواقهم الإعلامية ومراكزهم للدعاية والبحوث والغوبلزية، ويشيعون بأن العرب يتسابقون على التطبيع مع "نظام الأسد"، وأن تركيا تتخلى عن المعارضة وعن الثورة السورية، وتسعى إلى مقايضة ذلك بمصالحها، وأن استتباب الأمن والاستقرار في المناطق التي احتلها النظام مؤخراً عال العال، وأن الأسد قد تم تقبله دولياً، وأن المجتمع

الوضع القائم حيث يسيطر النظام بمساعدة الغوبلزيين ينبئ بالكوارث الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والضياع وتمني حتى الموت الذي لا يأتي

الدولي جاهز لإعادة إعمار سوريا في ظل حكم الأسد، بل وتسليمه أموال إعادة الاعمار مجاناً لينهض بها نظامه من جديد. من جانب آخر يرى كثيرون ممن خابت وخارت قواهم وأكلهم اليأس والإحباط، وأُخذوا بالدعاية المغرضة أن هناك ميلاً جارفاً للاستسلام مبعثه اليأس ومحاولة إقناع النفس أن كل شيء انتهى، وأن السوريين المعارضين للأسد قد هزموا، وأن الأسد انتصر.

لا صحة لأي من هذا؛ والدليل على ذلك ثلاثة أمور أن الوضع القائم حيث يسيطر النظام بمساعدة الغوبلزيين ينبئ بالكوارث الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والضياع وتمني حتى الموت الذي لا يأتي؛ وهذا ليس انتصاراً. من جانب آخر، هؤلاء الذين يشيعون ذلك من بعض القوى التي اجتمعت في سوتشي هم أنفسهم مأزومون؛ فإيران تعاني من حصار لم يسبق له مثيلا؛ عملتها في الحضيض، والفقر يضرب أطنابه، ومؤتمر "وارسو" تم ليخنقها أكثر؛ وروسيا ذاتها حليفتها تريد خروجها من سوريا؛ ولا مكان لها في مناطق النظام الروسية؛ وفي مناطق وجودها وتأثيرها، الشعب السوري يريد خروجها. أما روسيا التي قال رئيسها يوما إنه خلال ثلاثة أشهر سينهي الأمور في سوريا، فها هو بعد ثلاث سنوات ونيّف يستجدي ملمح نجاح سياسي. يستطيع فقط أن "يتفاخر" بأنه جرّب على السوريين ثلاثمئة صنف من الأسلحة. تركيا، من جانب آخر، تعبر عن أزمتها لأنها صاحبة الحدود الأطول مع كتلة النار السورية؛ هي تشتكي من تهديد أمنها القومي، وتريد إنجاز منطقة آمنة؛ ولكن هناك مَن يعرقل ذلك أكانوا أصدقاء تقليديين، أو أصدقاء مصلحة، أو أصدقاء طارئين، أو أعداء.  والحال هكذا، خلاصة القول؛ إنه إذا اتفقت روسيا وتركيا، إيران تستنفر؛ وإن اتفقت إيران وتركيا، روسيا تستنفر؛ وإن اتفقت إيران وروسيا، تركيا تستنفر.

إضافة إلى كل هؤلاء، هناك لاعبون آخرون على الساحة الدموية السورية؛ فالمجموعة المصغرة لها "أجندتها"؛ وللمعارضة صفحتها التي تلونت بمختلف الألوان والخطوط؛ وكل مجموعة تقرأ باللغة التي تناسبها؛ وهناك "النظام" المشغول بالكذب وبخداع مواليه بأن الأمور انتهت؛ وفي الوقت ذاته لا يستطيع توفير أي أمن أو أمان اقتصادي أو إنساني أو اجتماعي لهم؛ والغليان ظاهر؛ ولا رتوش أو تزييف يمكن أن يخفيه.

بيان قمة سوتشي الأخيرة تحدث عن جملة من الإيجابيات؛ وعلى رأسها أن الفرقاء قالوا إنهم قريبون جداً من إعلان اللجنة الدستورية. يعرف أي

إلى أين سيعود هؤلاء إذا كان هناك من هو جاهز لقتلهم أو اعتقالهم أو اقتلاعهم من بيوتهم، إن هم خالفوا له رأياً أو طالبوا بجرعة من العيش الكريم؟!

شخص عادي - فما بالك بثلاثة رؤساء - أن لجنة دستورية أو أي دستور فاخر لا يمكن أن تكون له قيمة دون بيئة آمنة وظروف مناسبة لتأخذ بنوده مفاعيلها على الأرض، وخاصة في بيئة كالبيئة السورية التي ما احتُرم فيها الدستور يوما إلا بما يخدم سلطة الاستبداد. فما نفعه إن كان سيُخترق في أي لحظة يشاء المستبد؟!

أتى الحديث في البيان الختامي السوتشي عن "عودة لاجئين ". ما نفع ذلك؛ وإلى أين سيعود هؤلاء إذا كان هناك من هو جاهز لقتلهم أو اعتقالهم أو اقتلاعهم من بيوتهم، إن هم خالفوا له رأياً أو طالبوا بجرعة من العيش الكريم؟!

يشير لقاء سوتشي الأخير أيضاً إلى "ضرورة المساهمة بإعادة الإعمار في سوريا". معروف أنه ما مِن سوري إلا ويريد بلده معمراً وعامراً بالخير والازدهار؛ ولكن ما نفع أن تعيد الإعمار، وهناك من هو جاهز إذا ما خالف أحدٌ رأيَه أو إرادته أن يعيد التهديم والدمار؛ لأنه قطع على نفسه وعمل بشعار /أحكمها أو أدمرها/؟!

المشكلة التي تعاني منها جملة المقاربات المتوفرة لإيجاد حل للمعضلة السورية تتمثل بإغفال متعمد أو خبث أو غباء تجاه جوهر الصراع في سوريا؛ فهو ليس بين حزب يتحكم بالسلطة، ومعارضة تريد أن تكون مكانه، لأن خطتها لسياسة البلد أفضل؛ إنه صراع بين شعب ينشد الحرية، وسلطة استبدادية قمعية لا ترى إلا نفسها ومصلحتها وأبديتها. مرة أخرى، المخرج بالالتزام بتطبيق القرارات الدولية التي تضع سورية وأهلها على سكة الشفاء.

==========================

الهزيمة "الوطنية" في اللجنة الدستورية السورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 18/2/2019

تختصر تصريحاتٌ متتاليةٌ بشأن نتائج قمة سوتشي بين الرؤساء، التركي أردوغان والإيراني روحاني والروسي بوتين، حقيقة الهزيمة السورية لكل الأطراف المحليين الذين يحاولون تضليل جمهورهم الموالي لهم، بأن أحداَ منهم حظي بانتصاره على الآخر، على الرغم من أن مبرّرات النظام السوري تكاد تكون أكثر قوةً بحجتها من المعارضة التي تنتقل بخسائرها من العسكري إلى السياسي، إلا أن ذلك لا يعني أن الأسد بواقع التسويات القائمة بقي حاكما لسورية بشكلها السابق ما قبل 2011، وهو لا يعرف شكل سورية التي يقول وزير خارجية بريطانيا، جيرمي هنت، "أنه سيبقى يحكمها خلال المستقبل القريب والأبعد منه. ما يستلزم أن تقدّم روسيا حلاً صالحاً للسوريين"، كما أنه لا يعني هزيمة الثورة بما خرجت من أجله من مطالب التغيير الذي سيكون، شاء أطراف الحل أم تعنتوا، المآل الحقيقي لحرب التصفية الوطنية المستمرة منذ ثمانية أعوام. ففي حين يقول الرئيس التركي إنه بدأ يتكون لدى سلطات بلاده انطباع عن النظام الذي سيتم تشكيله في سورية مستقبلاً، وكان تقرير لوكالة الأناضول، الناطقة باسم الحكومة التركية، سبق التصريح، ورد فيه أن "أنقرة لا تريد إسقاط الرئيس الأسد، بل تسعى إلى إشراك المعارضة في حكم سورية". تغيب تصريحات النظام السوري عن آلية تشكيل النظام الجديد، بينما تصمت المعارضة التي هي شريكة النظام في صناعة ما يسمّى دستورا يضبط كيفية الوصول إلى ما تتصوره تركيا لشكل النظام الجديد الذي يبدو أنه لا يختلف عمّا تريده روسيا، حيث بقاء رأس النظام ساكنا في مكانه، بينما تصنع هي مؤسساتٍ موازيةً لما تعتبره مؤسساتٌ مواليةٌ لإيران في سورية، ما يعني أن الحل الذي ينتظره العالم من روسيا هو تسكين الصراع المسلح، وتقاسم المصالح مع دول الصراع على سورية، بما يضمن أمن إسرائيل، ويبدّد

"الأناضول:

"أنقرة لا تريد إسقاط الرئيس الأسد، بل تسعى إلى إشراك المعارضة في حكم سورية" مخاوف تركيا، ويبعد شبح الهيمنة الإيرانية.

أي لا جديد يذكر في معادلة التسوية التي تدخل ضمن الخطوط الأميركية المسموح بها في حل الصراع السوري على أساس خسارة الأطراف السورية جميعها بالتساوي، القائم على نسب السيطرة الفعلية الشعبية والجغرافية للدول الضامنة، بما فيها إيران التي تكاد الحرب الأميركية الإعلامية عليها تتحوّل إلى مسلسل فكاهي فاقد لفعاليته، على الرغم من التصريحات الرنّانة والمؤتمرات الطنانة التي لم تثمر عن أي انزياح لقوات القتل الإيرانية في سورية.

وتبتلع المعارضة هزيمتها، بإعلان أسماء اللجنة الدستورية، آخر معاقل الوجود "المعارضاتي" في الصراع السوري - السوري، حيث تُمسك قيادة المعارضة بما سمّته معركتها الدبلوماسية في الحل السياسي، من دون أن تحدّد لجمهورها من السوريين (إن وجدوا) أين انتصارها المرتقب، وكيف يمكن تقييمه على ميزان الربح والخسارة، فحيث رضيت لنفسها أن تكون أداةً لترقيع عباءة الحل المقترح دولياً، وأن تتعايش مع جملة التنازلات المفروضة عليها، بدءاً من القبول بمنتجات أستانة، وصولاً إلى اختصار الثورة بما يمنح لهم من حصةٍ في عضوية اللجنة الدستورية، مبتعدين عن آلية وميكانيكية الحل السياسي الذي فرضته القرارات الدولية، وخاضعين لإرادة التسويات الدولية البينية التي أقرّتها تركيا عنهم، باعتبارها جهة داعمة لهم، مع روسيا وإيران، جهتين تحلان مكان النظام بوصفهما دولتي احتلال له قراراتياً ومكانياً، على حساب مجلس الأمن 2254 الذي ينص على مرجعية بيان جنيف1، وتسلسل تطور الحل، بدءاً من إجراءات الثقة التي رفض النظام السوري تنفيذها، مروراً بالمرحلة الانتقالية التي نعاها رئيس وفد معارضة أستانة، أحمد طعمة، لمصلحة إعادة إنتاج النظام، بالشراكة مع بعض المعارضة.

وهذا يعني أننا أمام حالةٍ من اختصار الثورة في عموميات أهدافها وبرنامجها التغييري، على المسارين القانوني والتنفيذي، إلى تعديلاتٍ دستورية لم تكن، وفق المضامين المسرّبة، تحتاج 

"نحن أمام حالةٍ من اختصار الثورة، على المسارين القانوني والتنفيذي، إلى تعديلاتٍ دستورية" ثورةً تخسر فيها سورية أكثر من مليون شهيد، وتدمر بنيتها التحتية، ويهجّر من أجلها نصف سكان سورية تحت الحصار المفروض عليهم، سواء من النظام، أو أدوات القمع التي تبنّتها المعارضة لاحقاً، كأذرع عسكرية لها من فصائل ذات أيديولوجيات إسلامية متطرّفة، تصب في فكر "القاعدة" وقريباتها، ما يعني اختصار مطالب قيادة المعارضة إلى مجرّد حفظ أدوار لهم في حكومةٍ يشكّلها النظام، بعد أن تخلص من مؤيدي الثورة، ونقل سلطة "تمثيلها" إلى طامحين، ليكونوا معه شركاء للسلطة.

لا يمكن للسوريين على ضفة المعارضة أن يراهنوا على "موقف وطني" يبعد شرعنة الدستور المفترض تصديره لهم، تحت غطاء اللجنة الدستورية، فحيث لا يمكن التعويل على شخصياتٍ تعوّدت القفز من موقع إلى آخر أن تنسحب لمصلحة إبقاء فرصة السوريين ممكنةً في صياغة دستور وطني، يختارون فيه مستقبلهم حسب الشرائع القانونية الدولية، والقرارات الدولية ذات الشأن في قضية الصراع السوري التي تجمع مضامينها على مرحلةٍ انتقالية يُصاغ خلالها دستور لسورية جديدة، على الرغم مما أعلنه ممثل وفد أستانة، أحمد طعمة، وصمت عليه رواد نادي الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذين زرعوا أسماءهم ضمن قائمة اللجنة الدستورية، على الرغم من غياب الصلاحية العلمية والكفاءة السياسية والحس بالمسؤولية الوطنية، تجاه قضية صراعٍ لم تكن مواد الدستور قادرة ذات يوم على نزع توغل القوى الأمنية على حقوق السوريين بكل جوانبها.

==========================

أيّ سبيل لمواجهة الحلّ الروسي؟

 زكي الدروبي

حرية برس

الاحد 17/2/2019

لا يزال نظام بوتين يسير في خطته الهادفة لإعادة تأهيل نظام الأسد المجرم، فبعد سلسلة طويلة من الجرائم والمجازر الجماعية، وبعد سياسة الأرض المحروقة، واختراق الفصائل، وتحييد الجبهات عبر الهدن التي لم تلزمه فيما بعد بالعودة للجبهات التي تم تحييدها لتصفيتها، كما شهدنا في عدة مناطق كان آخرها في الجنوب، وبعد الإعلان الأمريكي عن انتهاء العمليات العسكرية “الأساسية” ضد تنظيم داعش الإرهابي، بدأ بوتين يروج أن الإرهاب في سوريا اندحر، متعمداً نسيان كل النشاط السلمي والثورة الحقيقية المطالبة بالانتقال إلى الدولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومظهراً الفصائل العسكرية الإسلامية المتفرقة المتقاتلة فيما بينها، التابعة للخارج والمنفذة لأوامره على أنها هي الثورة وقد انتصر عليها.

في وسائل الإعلام الروسية وحسب وصف أحد الأصدقاء، اختفت أخبار القصف والعمليات العسكرية من الماكينة الإعلامية الروسية، وحلت مكانها أخبار المصالحات وإعادة الإعمار، والمحاولات البوتينية لقبض ثمن ما دفعه في الحرب على الشعب السوري وقتله، عبر الضغط لإعادة اللاجئين السوريين، واستغلالهم في استقدام الأموال لإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب البوتينية التي جرب فيها عدداً كبيراً من أسلحته على الشعب السوري حسبما صرح مسؤولوه العسكريون.

وبعد أن اختزل الحل السياسي كاملاً في لجنة دستورية وانتخابات، يتابع الإعلام الروسي ترويج الخطة الروسية لإعادة تأهيل نظام الأسد، هذا النظام التابع كلياً – كما هو حال الفصائل العسكرية – للخارج، مناسب جداً لمافيات الرأسمالية المتوحشة كي يبقى، ولن يجد الخارج خانعاً خاضعاً كما هو الآن بديلاً عنه، ولن يرضى باستبداله، فهو الذي شحن رأسه “بشار الأسد” بطائرة شحن عسكرية مثله مثل أي حيوان أو بضاعة إلى روسيا، دون أي مرافقة أو استقبال رسمي، وهو نفس الرأس الذي أمسكه ضابط روسي في مطار حميميم من يده ومنعه من مرافقة بوتين، حميميم التي أصبحت أرضاً روسية حسب معاهدات واتفاقيات وقعها النظام مع الدولة الروسية، استقبلت ضباطاً من الكيان الصهيوني لتنسيق الطلعات الجوية، هذه الطلعات التي تعربد في سماء سوريا وتقصف قوات الأسد والقوات الإيرانية دون أي رد فعل من نظام الأسد، رغم تزويده بأحدث الصواريخ المضادة للطيران حسب التصريحات الرسمية الروسية.

الحل الروسي الذي يعتمد على دستور وانتخابات، يلقى آذانا صاغية من قبل بعض العملاء الذين يروجون أن ليس في الإمكان أفضل مما كان، مع أننا نملك الكثير من أوراق القوة التي نسيناها، أو تناسيناها استسهالاً واستسلاماً للحل الروسي الذي يعيد إنتاج نظام الأسد.

بداية لا بد أن نؤكد أن المشكلة ليست في دستور غير محترم من قبل العسكر الذي استولى على الحكم في سوريا يوم 8 آذار 1963، وهم الذين أنتجوا نظام الأسد المخابراتي المجرم، الذي لم يحترم أي قانون أو دستور، بل المشكلة في نظام أمني مخابراتي مجرم اعتمد على الإجرام والعقلية المافيوية لتثبيت أركان حكمه، وهو لا يتورع عن فعل أي شيء وبحماية وغض نظر من قوى عالمية، بعد أن أقام علاقات تبعية مع قوى الرأسمالية العالمية المتوحشة التي حمت نظامه، وبقية الأنظمة العربية من التهاوي والسقوط أمام مطارق الشعوب المنادية بالحرية، فها هو رئيس يبول على نفسه يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية في الجزائر للدورة الخامسة على التوالي، وها هو السيسي الذي لا يستطيع تأليف جملة واحدة مترابطة مفهومة يسعى لتعديل الدستور كي يبقى فرعونا على مصر للأبد، رغم قتله لمواطنين أوروبيين في سجونه تحت التعذيب، … إلخ، الحال ليس أفضل في بقية الدول العربية، فهنالك موقف معادي لقضية الديمقراطية في منطقتنا لأن الحرية المعطاة لشعوب منطقتنا تؤثر على نهبهم لثروات بلادنا وعلى تفردهم بالتطور التكنولوجي.

الحل لا يأتي عبر انتخابات في ظل نظام أمني مخابراتي، يملك أجهزة مخابرات تعد أنفاس السوريين، ولا تتورع عن تنفيذ أقذر الأفعال، وما ملفات قيصر وتقارير منظمة العفو العالمية حول مسلخ سجن صيدنايا، إلا شواهد حية على جزء بسيط من إجرام العصابة الأسدية.

الحل يأتي حسب قرار مجلس الأمن 2245 لعام 2015 وهو الصيغة التنفيذية لبيان جنيف واحد لعام 2012 والذي يضع خطة زمنية وملفات فوق تفاوضية تعتبر مبادرات حسن نية، كما في إطلاق سراح المعتقلين وإيقاف القصف والعمليات العسكرية وفك الحصار، ويطالب بعودة اللاجئين إلى ديارهم بوجود ضمانات دولية، وحرية عمل سياسي، وتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية تقود مرحلة انتقالية من نظام الاستبداد والإجرام إلى نظام ديمقراطي تعددي.

إننا مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى لحوار وطني جماعي حول سبل مقاومة الحل الروسي الذي يعيد إنتاج نظام العصابة الأسدية، وأن نستمر في النضال لأجل الانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي مهما كانت الظروف والصعاب، فالنظام والروس يعولون على يأسنا وعدم قدرتنا على الاستمرار، ويجب ألّا نيأس وأن نصمد أمام كل الظروف.

==========================

في النقد الذاتي الجمعي بعد الهزيمة السورية: مجتمع الأبوات

نجاتي طيارة

سوريا تي في

الاحد 17/2/2019

حين ننتقل من نقد الذات الفردية إلى نقد الذات الجمعية  للسوريين عموما وللمعنيين بالثورة بدرجة أو بأخرى، بمعنى الانتقال من تحديد دور الأنا الفردية ونقدها، إلى تحديد الأدوار الجمعية ونقدها، أو نقد الـ نحن. فسنعثر على كثير مما قيل في صدد ذلك، ولم يساعد على ذلك انتشار الصحافة ووسائل التعبير التقليدية والحديثة التي شملت برامج التلفزة والفضائيات المعولمة، ولا المؤتمرات والملتقيات المتنامية، بل ساعد على ذلك أساسا انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي وعولمتها المشهودة في برامج الفيس بوك والواتس أب والفيديو وغيرها، والتي ظهرت في إطارها صحافة المواطن لأول مرة في التاريخ الإنساني.

ولقد بدأ نقد الذات الجمعية بهذا المعنى، مع بداية المحاولات الأولى لتشكيل منظمة موحدة لتمثيل المعارضة والثورة السورية أو للدفاع عنها، وتركّز على المجلس الوطني السوري ورئاسته، ثم انتقل إلى نقد الائتلاف الذي ما لبث أن صار عاجزا وفاشلا هو الآخر، وتابع إلى نقد هيئتي المفاوضات الأولى والثانية، وشمل نقد مجمل المنظمات التي نشأت في إطار الثورة مدنية كانت أم عسكرية أيضا، بما في ذلك الفصائل والشخصيات التي ظهرت في مجراها، رجالا كانوا أم نساء. 

وفي هذا المجال، ظهر نقد نادرا ما كان موضوعيا ومفيدا، بل كان في الأعم والأغلب نقدا تهديميا ومهاترا، وهادفا إلى الشتم والإثارة والفضائحية، فضلا عن افتقاده الموثوقية والدقة إلى حد كبير، إلى جانب النقد الباكي والصارخ والانفعالي بأشكال مختلفة، كان بينها اللافتات المحمولة التي انتشرت صورها عبر فضاء النت والتلفزات، والتي جاء معظمها في سياق ردود الفعل المباشرة على فظائع النظام.

وبطبيعة الحال، لم يكن بعض ذلك النقد بعيدا عن إستراتيجية الحرب البربرية وأذرعها الأمنية التي شنتها عصابة النظام وما زالت، ولا عن إستراتجيات محيط إقليمي ولاعبين دوليين سارعوا للتدخل بكل وضوح، كما لم تكن بعيدة عن توجهات حزبية وضيقة كثيرا ما كانت خلف بيانات ولافتات حملت أحكاما متسرعة وإقصائية على شاكلة يمثلني ولا يمثلني!.

كل ماسبق، معروف للقاصي والداني، ويمكن تصنيفه وتحليله والاستفادة منه بدرجة أو بأخرى، لكنه سيغرقنا مرة أخرى في المستنقع الراكد لذلك النقد، الذي لا يجد العلل إلا في فساد الأشخاص وضعف أدوارهم، أو في اتساع المؤامرة على سوريا والثورة وتعظيمها، وهو أمر متعلق بمصالح الغرب والدول الكبرى والنظام العالمي ومن لفّ لفّه محليا وإقليميا، كونه وقف ويقف وراء كل كوارثنا قديما وحديثا، وليس هناك من جدوى من أي تعامل معه، وتحت أي ظرف أو قناع .

وهذا في رأيي دور فاسد وعقيم، لن نخرج منه إلا بالتساؤل والبحث عن الأسباب العميقة والكامنة خلف تكرار انهيار نهوضنا وفشل كل مشاريع ثوراتنا ومحاولات استنهاضها! .

من هنا، سأقترح تفكيكا لعاداتنا الاجتماعية المكينة، والتي أظن أنها علة هذا المعلول المستمر فينا:

أول هذه العلل: مجتمع الأبوات، أو ماسماه بعض الباحثين سابقا المجتمع البطريركي. ولن أكرر هنا ما قد أشبع بحثا لظواهر هذا المجتمع، لكنني سأضرب مثالا آخر هاما في ظني، وهو لعادة اجتماعية تكمن في أساس ضعف الجماعة الوطنية السورية بخاصة وفي المشرق العربي والخليجي بعامة، وكان لها بذلك دور خاص في تعثر الثورة السورية وفشلها الراهن!.

أكل الأبناء لآبائهم، أو تغييب اسم الأب كي يختفي خلف اسم ابنه

هذه العادة هي، ما أسميها أكل الأبناء لآبائهم، أو تغييب اسم الأب كي يختفي خلف اسم ابنه، فينادى الأب بـ(أبو فلان) ويصبح والد ابنه بالتسمية. وبالطبع يحدث ذلك مع الأم، لكن بما أن أدوار المرأة مازالت ضعيفة في بلادنا عموما، لذلك لا يظهر لقب (أم فلان) إلا نادرا، ويغلب ظهور لقب الآباء غالبا. وفي هذه الحالة فإن اسم الابن الذي يأكل اسم والده، لا يلبث أن يكون عابرا وغير مميز هو الآخر أيضا، لأنه ليس اسما خاصا به، بل إنه يكرر في الواقع اسم الجد، الذي يكرر بدوره اسم الأب أو الجد الأكبر، وهكذا دواليك حتى يتكرر اسم مؤسس العائلة، أو القبيلة، أو العشيرة، أو الطائفة في النهاية!.

بالطبع، قد يؤدي لقب (الأبو) وظيفة احترام الصغير للكبير، أي وظيفة اللباقة واالاحترام في مخاطبة الغرباء والكبار، كما يحدث عند استخدام ألقاب الوظائف والمهن (أستاذ، دكتور، سيد، إلخ)، وذلك مماثل لاستخدام تعبير Vous في اللغة الفرنسية بدلا من Tu وكذلك Herr في الألمانية، لكن (الأبو) تؤدي في الواقع لدينا وظائف أخرى أكثر من وظيفة الاحترام واللباقة.

وذلك لايحدث مع الابن الأكبر فقط، بل مع كافة الأبناء غالبا، وفقا لتقليد، أو عادة تستقوي، كعادات كثيرة أخرى، بعبارة شاع أنها حديث ينسب للرسول الكريم من دون دقة، وهي: كنّوا أولادكم منذ الصغر. بذلك يحمل الولد اسما أو كنية تصبح  قيمة ومثلا أعلى له، كمن يلقب بـ( أبو صخر، وأبوعنتر، وأبو عيسى، وأبو حاتم، وأبو علي إلخ ). والأسماء والكنيات عبر ذلك التكرار هي غالبا ما تكون مراجع عائلية وقبائلية وطائفية في النهاية. فلكل طائفة دائرة أسماء تتكرر بينها بصورة عامة، والاستثناءات في هذا المجال لا تفيد سوى تأكيد القاعدة، إذ يمكن أن نعثر على اسم لطفل من طائفة معينة يخرج من إطار منظومة أسمائها، لكننا سرعان ما نكتشف أنه اسم أو لقب منذور كأمنية ورغبة تحققت بشكل استثنائي، فجاء مغايرا لسياق منظومة الأسماء الجمعية لكونه ذكر تأخر مجيئه بعد ولادة عدة إناث، أو بالعكس. 

وغالبا ما يمكن تمييز الهويات الطائفية من هوية الأسماء، بل يمكن إلى حد ما تمييز الهويات القبائلية والمناطقية أيضا.. وعندما يكشف الاسم المكنّى واللقب الماضوي هنا عن هوية جمعية، فهو سيكون بالضرورة دليل مجتمع أهلي كامن بكل قيمه، بينما يكون الاسم الشخصي، الاسم الحاف، دليل فرد مستقل، أو دليل مشروع مواطن ومجتمع مدني بكل قيمه، وهو جل ما نفتقده  !.

من هنا، وإلى جانب عوامل أخرى تحتاج إلى تفكيك آخر، فقد تراجعت الصفات الفردية في الشخصيات التي برزت عبر مسيرة الثورة السورية، وتقدم الأبوات بهالة ألقابهم الاجتماعية، فضلا عمن كانت أسماؤهم مجرد أسماء حركية مستعارة، ومن كان غير معروف كليا قبل الثورة. فغابت كفاءة الفرد ومؤهلاته، لتتغلب فكرة المحاصصة الطائفية والعشائرية والمناطقية، التي مثّلها معظم أولئك الأبوات في ردود فعل من مجتمعات الأحياء والقرى، وبرز بينهم قادة فصائل ومجموعات، كانت مجتمعاتهم المحلية سريعة التقبل لأبويتهم، ورأت فيهم نماذج المنقذ وابن التراث البطل القادر على حمايتهم والدفاع عنهم، أمام انفلات عصابة النظام وشبيحته في إجرامهم غير المسبوق، وتدميرهم للمدن والقرى السورية بحسب هوياتها الطائفية والمناطقية! لكن هؤلاء الأبوات، القبضايات من جهة، لكن المفتقدين إلى أي وعي وخبرة سياسية سابقا، في ظل التصحر السياسي الذي فرضته عصابة نظام البعث على سوريا طويلا، سرعان ما وقعوا في تخبط تحت وطأة حاجة فصائلهم إلى السلاح، وحاجة مجتمعاتهم المحلية إلى ضرورات الحياة اليومية في ظل حصار النظام وحربه المنفلته بلا أية قيود. فاضطر بعضهم إلى الارتباط بالممولين، وانهار بعضهم الآخر فعادوا إلى ماسمي بحضن الوطن، فضلا عمن برز بينهم من (ضفادع) كانت عميلىة دوما للنظام وأجهزته!.

==========================

هل تغدو إدلب أضحية “المنطقة الآمنة”؟

جمعة الحمود

حرية برس

السبت 16/2/2019

وفي كل مرة تعقد الاجتماعات وتتم الصفقات بين القوى الدولية والإقليمية على حساب السوريين ومعاناتهم، ومشروع إنشاء المنطقة الآمنة في شمال سوريا_ الذي تطالب به أنقرة منذ عدة سنوات لتأمين عودة اللاجئين السوريين من تركيا وأوربا ودول الجوار، وحماية أمنها القومي من خلال القضاء على حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً لدى تركيا، الذي يسعى إلى إقامة كيان كردي على حدودها، عاد إلى الواجهة من جديد عندما طرحت الولايات المتحدة فكرة إنشاء منطقة عازلة على الحدود التركية لتبديد مخاوف أنقرة بعد انسحاب القوات الأمريكية المحتمل من سوريا.

فواشنطن التي تريد حماية حلفائها الأكراد، وطمأنة الأتراك في الوقت نفسه، اقترحت مسألة تشكيل ائتلاف مع حلفاء من الدول الغربية، بريطانيا وفرنسا واستراليا، يتولى مهمة إنشاء منطقة “عازلة”، بينما تقدم أمريكا الدعم الكامل على الصعيدين الاستخباراتي والاستطلاعي، فضلاً عن المساعدات التقنية والعسكرية واللوجستية، ويهدف هذا المقترح إلى حث حلفاء واشنطن على تحمّل المسؤولية في الشمال السوري، بغية تجنّب الآثار السلبية المحتملة للانسحاب الأمريكي من سوريا؛ لكن تركيا ترى فارقاً كبيراً بين المنطقة الآمنة التي تسعى إليها، وبين الطرح الأمريكي تحت مسمى “منطقة عازلة” لا تلبي طموحات أنقرة وتبدد مخاوفها.

وجاء ذلك في تصريح الرئيس التركي الذي قال: “نريد منطقة آمنة في سوريا وغيرنا يريدها عازلة”، في إشارة إلى المقترح الأميركي، مضيفاً أنه “لا يمكن ترك المنطقة العازلة في شمال شرق سوريا في يد قوات التحالف، فنحن لا نثق بهم بناء على تجارب سابقة”، فما يفهم من الطرح الأمريكي بخصوص تشكيل قوة ائتلاف غربي لإدارة المنطقة، سواء كانت التسمية منطقة “عازلة” أو “آمنة” أنه تحييد للدور التركي في منطقة شرقي الفرات التي تسيطر عليها أمريكا وحلفائها.

واشنطن تريد حماية حلفائها الأكراد اللذين يطالبون بمنطقة آمنة تحت رعاية ورقابة دولية ضد أي تدخل تركي، ويرفضون أي تواجد للاتراك فيه، وأي دور لأنقرة سيعتبرونه احتلالاً وستتم مواجهته، وروسيا ترفض فكرة المنطقة الآمنة وتضع اتفاق أضنة الأمني الموقع في سنة 1998 بين سوريا وتركيا على الطاولة، وتقول إنه الإطار الذي يحدد طبيعة العلاقة على الحدود السورية التركية، وتطالب بعودة إدلب الى سلطة الدولة السورية التي تسعى إلى استعادة ما تبقى من الأراضي السورية الواقعة خارج سيطرتها حتى الآن، ووفقاً للتصريحات والاشارات التي تطلقها دمشق وأنقرة، يستنتج أن تركيا وسوريا ستتفقان على إعادة تفعيل “اتفاق أضنة”، الذي بلا شك يتطلب إعادة العلاقات بين تركيا والنظام السوري، في وقت لا يخفي الرئيس التركي أن حكومة بلاده أبقت اتصالات على مستوى منخفض مع نظام الأسد عبر الأجهزة الأمنية رغم العداوة بين البلدين، معتبراً أن الزعماء لا يتواصلون لكن الأجهزة الأمنية تعمل بآلية تختلف عن آلية السياسيين.

استبقت موسكو القمة الثلاثية لزعماء حلف مسار أستانة، بتصريحات نارية تمهد لاطلاق عملية عسكرية في إدلب، حيث بحث مجلس الأمن القومي الروسي، بحضور الرئيس بوتين، الوضع في سوريا والخطوات التي سيتم اتخاذها، وتحدثت موسكو للمرة الأولى رسمياً عن إعدادها لعملية عسكرية منظمة وفعالة في إدلب، مشيرة إلى أنه لا يمكن السماح ببقاء “محميات إرهابية” في هذه المنطقة، وأكدت أن مناطق خفض التصعيد في سوريا كانت إجراء وتدبيراً مؤقتاً، وأنها غير راضية إزاء عدم تنفيذ أنقرة لكل التزاماتها بموجب اتفاق سوتشي.

تجلس تركيا الآن بين فكي واشنطن وموسكو وهي تُوازن بين عرضين، عرض أمريكي يتمثل بتشكيل قوة ائتلاف دولي من حلفاء واشنطن الغربيين أو العرب، يشرف على إنشاء وإدارة منطقة عازلة شرقي الفرات، وعرض روسي يتمثل بتطبيق اتفاق أضنة عام 1998 الموقع بين أنقرة ودمشق وتحاول تركيا المفاضلة بين العرضين من أجل الحصول على الأفضل لمصالحها، بحيث لا تغضب واشنطن التي تلوّح بتدمير الاقتصاد التركي أو تزعج موسكو وطهران التي تربطها بهما علاقات اقتصادية كبيرة.

فشلت أنقرة لغاية اليوم في الحصول على موافقة دولية من أجل اقامة المنطقة الأمنة التي تسعى اليها داخل الأراضي السورية مما يجعل المشهد في الشمال السوري يتداخل اكثر فأكثر، وهو قد يعني تغييراً في أولويات أنقرة -التي تحضّر لعملية جديدة شرقي الفرات ضد حزب العمال الكردستاني- يُحوّل إمساكها بإدلب إلى مجرد ورقة رابحة في التوصل إلى صفقة محتملة مع موسكو؛ ادلب مقابل الموافقة الروسية على منطقة أمنة تقيمها تركيا على الشريط الحدودي والحصول على نسخة معدّلة من اتفاق أضنة على حدودها المتصلة مع إدلب وريف حلب الشمالي أو بما يسمى “منطقة غربي الفرات” لضمان أمن تركيا من الإرهاب عبر الحدود.

أما منطقة شرقي الفرات فالقرار هناك لواشنطن التي تسيطر على المنطقة مع حلفائها الأكراد، والأيام المقبلة ستكون حاسمة للوصول إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وأنقرة لتحديد دور المراقبين الأوربيين في المنطقة العازلة التي تضمن إبعاد الأحزاب الكردية الانفصالية عن الحدود مع تركيا، فيما الأخيرة تتهم واشنطن بمؤامرة ضد تركيا في سوريا، تخطط لها

مع دول أوربية وعربية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، السعودية، مصر، الأردن) في إشارة إلى البيان الذي صدر عن اجتماع وزراء خارجية تلك الدول في واشنطن مؤخراً، والذي اعتبر أنقرة “قوة تهدد استقرار المنطقة” وأن واشنطن شكلت في سوريا قوة جديدة مؤلفة من حلفائها الغربيين لتولي زمام الأمور في المنطقة العازلة المخطط إقامتها شرقي الفرات على الحدود مع تركيا.

أمام هذا المشهد المعقد والشائك، وعدم وجود مسوغات -قانونية أممية- تُشرّع التدخل العسكري التركي في سوريا

تعوّل أنقرة على إيجاد صيغة محورية للحل السياسي في سوريا بعد اتفاق مشترك بين القوتين العظمتين -أمريكا وروسيا- بناء على علاقتها مع الطرفين، وتعتبر أن هناك مؤشرات ايجابية من الدولتين، كما أعرب الرئيس التركي في تصريحات سابقة عن أن هدف تركيا هو ضمان أمنها القومي وتعزيزه، إلى جانب ضمان وحدة الأراضي السورية، ومثل هذا لن يحصل إلا من خلال صناعة مشهد أمني وسياسي يمهد لولادة حل شامل في سوريا.

==========================

سوريا والبحث عن دستور

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 16/2/2019

يعلم جميع المعنيين بالقضية السورية أن اللجنة الدستورية التي يتم تشكيلها الآن لا تملك حلاً حاسماً للقضية السورية حتى لو أنجزت أفضل دستور في العالم، وفي الخبرة العربية مقولة شهيرة (اقرأ تفرح، جرب تحزن) فكل الدساتير التي ظهرت في عهد حزب «البعث» جعلت الحرية شعارها الأوسط بين (الوحدة والاشتراكية) وثالوث الرسالة التي بشر بها حزب «البعث» لم يتحقق منه شيء عبر نحو ستة عقود.

ولست هنا في معرض الحديث عن أسباب فشل تحقيق الشعارات، فالمهم أن الأمور بخواتيمها، فالوحدة التي كانت حلم الجماهير السورية، وصلت إلى الحد الأدنى من التضامن العربي، وأما الحرية فقد باتت رابع المستحيلات، وأما الاشتراكية فقد باتت دعاية لمنتج توقف مصنعه عن إنتاجه مع انهيار الكتلة الاشتراكية في العالم كله، وقد طرحت كثيراً على أصدقاء ذوي شأن في «البعث» أن يعيدوا النظر في هذه الشعارات التي باتت وهمية، وأن يقدموا تعريفاً لشعار أكثر تعمية، وهو شعار الرسالة الخالدة التي لم يفهم أحد ماهيتها، والمفارقة أن هذه الشعارات باتت أعلى شأنا وقدسية رسمية من الدستور، ومع أن كل الدساتير التي صدرت تحدثت جميعاً عن الحرية للشعب وللأفراد، ولاسيما حرية التعبير والمعتقد، إلا أن التغول الأمني داس على الحرية وعلى الدستور معاً، وما لم تتغير بنية السلطة الأمنية فلا أمل في الوصول إلى الحرية، وهذا هو جوهر الصراع في سوريا.

لكن المتغيرات الدولية في مطلع التسعينيات دعت السلطة إلى الخروج ولو بمقدار بسيط من عنق الزجاجة، فتمت توسعة مجلس الشعب ليضم (85) مستقلاً، وكانت هذه خطوة مديدة للاعتراف بحق من ليسوا أعضاء في الحزب الواحد الحاكم بالمشاركة السياسية، لكن القوى المتنفذة في السلطة قاومت هذا الحضور الجديد، ولم تسمح للمستقلين بأن تكون لهم مشاركة جادة، وبعد منتصف عام (2000) ودخول سوريا في عهد جديد سمحت بعض أجهزة الأمن بإطلاق منتديات سياسية بدأت تتحدث علناً وبصوت مرتفع عن الحاجة إلى الحرية، وإلى التغيير نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية والانتهاء من الدولة الأمنية، وإلى سيادة القانون، لكن الأجهزة الأمنية سرعان ما انقضت على هذه الدعوات الوطنية، وبدأت سلسلة الاعتقالات التي لم يكن لها مسوغ قانوني، وكان بالإمكان استيعابها بالحوار، ولاسيما أنها لم تخالف مواد الدستور الأساسية، وحين علا شأن حكومة عام 2006 وما بعدها، وبدت خارجة من قبضة أجهزة الأمن ومنتقدة لسلوكها، اشتدت الاعتقالات حتى بين صفوف الموظفين، وعطلت هيئة الرقابة والتفتيش لتقوم الأجهزة الأمنية بدور ليس من وظيفتها، وقد شكونا ذلك رسمياً، لكن الأجهزة العسكرتارية كانت هي الأقوى، وهي التي تمترست خلف مصالحها ومكانتها في البلاد، وهي التي عززت ما سمي الحل الأمني في مقاومة انتفاضة الشعب الباحث عن الحرية سلمياً عام 2011، ولم تكن ثمة حكمة تجنب البلاد ما حل بها من خراب ودمار.

وهذا ما يجعل البحث اليوم عن دستور جديد في ظل هذه الأجهزة ذاتها عملاً بلا جدوى، وقد فهم المشرعون في مجلس الأمن هذه الحقيقة حين جعلوا إنشاء هيئة حكم انتقالي سابقاً لتشكيل لجنة لوضع الدستور الجديد، وأوكلوا هذه المهمة لهيئة الحكم التي تنتقل إليها الصلاحيات كاملة، ليضمنوا حرية اللجنة وخروجها من سلطة الأجهزة الراهنة الحاكمة، فتكون حرة في التفكير والتخطيط، والعجب أن تقوم الأمم المتحدة بهذا التجاوز المريع لقوانينها، وهي تعلم أن مهمة ممثلي السلطة في اللجنة هي الدفاع عن الصلاحيات الرئاسية النافذة في دستور 2012، والحفاظ على مؤسسة الحكم الراهنة دون أية استجابة لمطالب الشعب، وحتى لو حدث تغيير طفيف فما قيمته إن لم تكن هناك سلطة قادرة على تنفيذه؟ وهذا ما يدعونا إلى التمسك بالقرار 2254 وعدم التنازل عن أسبقية تشكيل هيئة حكم انتقالي تقود عملية وضع دستور جديد لسوريا، وتؤسس بجدية لدولة مدنية ديمقراطية.

==========================

سورية.. مفارقات الهيئة والدستور

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 16/2/2019

لا يتوقف بعض ممثلي المعارضة السورية في "الهيئة العليا للتفاوض" عن المطالبة بتشكيل "الهيئة الحاكمة الانتقالية ذات الصلاحيات التنفيذية الكاملة "، والتي أقرها بيان جنيف، واشترط لتشكيلها موافقة السلطة والمعارضة عليها، ليكون باستطاعتها القيام بالتدابير الضرورية لنقل سورية من الاستبداد الأسدي إلى الديمقراطية، بنص قرار مجلس الأمن رقم 2118، الصادر بإجماع أعضائه الخمسة الذي يقول "إن الحل السياسي يبدأ بتشكيلها"، ويربط بالتالي الحل بها. يربط بيان جنيف صياغة الدستور السوري الذي سيحدّد نمط الدولة الديمقراطية، بجمعيةٍ تأسيسيةٍ تشكلها "الهيئة الحاكمة"، ولا يربطه، هو أو أي قرار دولي، ب"لجنة دستورية" من النظام والمعارضة، والمجتمع المدني، تشكل بتوافق إيراني/ تركي/ روسي مع الأمم المتحدة.

تخالف "لجنة المعارضة الدستورية" بندي تشكيل "الهيئة الحاكمة" وصلاحياتها، البديلة لصلاحيات الأسد ورئيس وزرائه، بنص القرار 262/67، الصادر بتاريخ 15 مايو/ أيار 2013، عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما تخالف النص على تشكيل "جمعية تأسيسية" تضع الدستور، تختار "الهيئة الحاكمة" أعضاءها من النظام والمعارضة وأطرافٍ أخرى، وتشترط لعضويتهم فيها موافقتهم على الانتقال إلى الديمقراطية، بوصفها مرجعيةً وحيدة للدستور، ولمؤسسات مرحلة الانتقال الأخرى، فهل نالت "هيئة التفاوض" موافقة جماعة النظام على الانتقال الديمقراطي مرجعيةً للدستور الذي سيتم وضعه؟، وهل لديها موافقة الأمم المتحدة على ذلك أيضا؟. وإذا كانت "الهيئة" متمسكة حقا ب"الهيئة الحاكمة"، لماذا تخالف بيان جنيف والقرارين 2118 و262/67، وتقبل تشكيل لجنة دستورية لم تشكّلها، ليست جمعية تأسيسية يؤيد أعضاؤها الانتقال الديمقراطي؟.

أخيرا، هل لدى "هيئة التفاوض" ضماناتٌ دوليةٌ من الخمسة الكبار الذين أصدروا بيان جنيف، بشـأن الانتقال الديمقراطي مرجعية لعمل لجنة الدستور؟ وهل يستطيعون تقديم ضمانة قطعية بأن ما ستصدره سيكون دستورا جديدا، وليس مجرد تعديل للدستور الأسدي لعام 2012. هذا إن هم نجحوا في إصدار أي شيء، في ظل خلافاتهم الجذرية مع وفد النظام، وربما مع الأمم المتحدة حول الانتقال الديمقراطي، وما يقال عن الميل إلى تعديل دستور عام 2012 الأسدي الذي وضع للمحافظة على نظام الاستبداد، والالتفاف على  ثورة الحرية والانتقال الديمقراطي؟.

تطالب هيئة التفاوض بتشكيل "الهيئة الحاكمة الانتقالية"، وهي تعلم أن أحدا لن يستجيب لها. لذلك تقبل الذهاب إلى مسار يختلف عن المسار الذي حدّده  "بيان جنيف" قبل ستة أعوام،  وتعلم أن تشكيل "الهيئة الحاكمة" كان مستحيلا بنص قرار تشكيلها الذي اشترط "قبول الطرفين" المتحاربين بها. لذلك، ما أن رفضها الطرف الأسدي، حتى استحال تشكيلها الذي أدّى إلى جعل الحل السياسي وفق الوصفة التي اعتمدها البيان، والآلية التي رسمها القرار 2118 مستحيلا تماما.

هذا هو الواقع منذ نهاية عام 2012، وما لم يغيره مستحيل آخر، هو بناء المعارضة ميزان قوى يستطيع إجبار روسيا وإيران والأسد على القبول بتشكيل "الهيئة الحاكمة" بمرجعية الانتقال الديمقراطي، ستمتثل كل خطوة تقوم "هيئة التفاوض" بها لقراراتٍ دوليةٍ مخالفةٍ لبيان جنيف، ولن تكون غير إسهام في الالتفاف الروسي عليه، وبحثٍ عن طريق آخر إلى الحل. ولأن أعضاء "هيئة التفاوض" يدركون ذلك، فإنهم يتجاوزون مطالبتهم اللفظية ب"الهيئة الحاكمة"، وينخرطون في مسارٍ يعلمون تماما أنه لن يُفضي إلى تشكيل "هيئة حاكمة"، ولا تشبه محطّاته مسار الحل الذي كان يمكن لها اعتماده، وصولا إلى الانتقال الديمقراطي الذي يرفضه اليوم كل من ستفاوضهم المعارضة في وفد الأسد، وعدد غير قليل من أعضاء "لجنة المعارضة الدستورية" الذين يطالبون بتطبيق بيان جنيف. ومن واجبهم مصارحة الشعب بالحقائق، والتوقف عن المطالبة اللفظية بشيء، والتخلي العملي عنه، في الوقت نفسه، إذا كان هؤلاء يريدون حقا أن يساندهم الشعب ويساند جهودهم.

==========================

ما تنتظره إدلب

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 16/2/2019

ليس واضحا بعد المقصود بعبارة "ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة لضمان الأمن في منطقة إدلب منزوعة السلاح" التي وردت في البيان المشترك لوزيري الدفاع الروسي والتركي، فالمعطيات العسكرية ـ السياسية في الشمال السوري لا تسمح بالقيام بخطواتٍ عسكريةٍ، مشتركة أو أحادية، في محافظة إدلب، بسبب الواقع المعقد للمنطقة أولا، وبسبب طبيعة التفاهمات التركية ـ الروسية ثانيا، وبسبب التركيز التركي ـ الروسي على منطقة شرق الفرات في هذه المرحلة ثالثا. والواضح أن هذه العبارة في البيان تعكس عدم وصول الطرفين، الروسي والتركي، إلى تفاهم مشترك حيال مستقبل إدلب، أكثر مما تعكس حصول توافق ما.

ترفض تركيا أي عملية عسكرية في هذا التوقيت لأنها تضرب عرض بالحائط كل الجهود التي تقوم بها لترتيب المشهد الداخلي، للمحافظة سواء على الصعيد العسكري، أو على الصعيد الإداري المدني، فشن النظام عمليةً عسكريةً سيلغي الفروق بين فصائل المعارضة والتنظيمات الإرهابية، ويجعلهما في خندقٍ واحد لمواجهة النظام.

المقاربة التركية، وتوافق عليها روسيا، هي أن أي عملية عسكرية واسعة ضد المحافظة ستعيد الأمور إلى مربعها الأول، وتنعكس سلبا على مروحة التفاهمات الروسية ـ التركية التي تشمل الصعيدين، العسكري والسياسي، لأن نتائج هذه العملية ستلحق ضررا كبيرا بتركيا على عدة مستويات:

أولا، على مستوى اللجوء الإنساني، حيث ستحدث عملية نزوح كبيرة، إما باتجاه الأراضي التركية أو باتجاه منطقة عفرين. وفي الحالتين، ترفض أنقرة ذلك، لما سيسببه ذلك من تعقيدات اقتصادية لها.

ثانيا، على مستوى إدارة تركيا وضبطها فصائل المعارضة، ستضع عملية كهذه أنقرة في حرج أمام الفصائل، وربما تندفع فصائل المعارضة إلى الخروج من عباءة التفاهمات التركية ـ الروسية، لأن أهم شروط انصياع المعارضة للمطالب التركية بعدم محاربة النظام هي أن لا يشن الأخير، في المقابل، هجوما عسكريا على إدلب.

ثالثا، ستجد تركيا نفسها مضطرةً إلى الوقوف بجانب هيئة تحرير الشام، مع ما يعنيه ذلك من

"يلفت الانتباه عدم وجود خطاب تركي متشدّد حيال التصعيد الروسي" دعم صريح للمنظمات الإرهابية، أو الوقوف ضدها، وبالتالي خسارتها القدرة على ترتيب المشهد الداخلي للمحافظة، وخسارة ورقة جغرافية مهمة، لأن الغرض الفعلي للنظام من عملية عسكرية ليس القضاء على الهيئة، وإنما السيطرة على أكبر قدر ممكن من مساحاتٍ جغرافية.

بناء على ذلك، يبدو من الصعب الحديث عن عملية عسكرية في هذه المرحلة. وهدف التصعيد الروسي في الخطاب السياسي تجاه إدلب هو الضغط على تركيا للإسراع في خطواتها العملية من جهة، وممارسة نوع من الابتزاز السياسي أيضا فيما يتعلق بشرق الفرات، فالأولوية الآن لموسكو هي شرق الفرات ما بعد الانسحاب الأميركي، وهي فرصةٌ ثمينةٌ لها لإعادة ضبط الجغرافية الاستراتيجية في الساحة السورية.

ولا يمكن تحقيق هذا الهدف الكبير بدون أنقرة، اللاعب المهم في الشمال السوري، ولعل تأجيل اجتماع أستانة مؤشر على رغبة العاصمتين في ترتيب المشهد بما يخدم مصالحهما المشتركة معا. ويدعم هذا الاتجاه أنه لم يحدث جديد على الأرض، يستدعي التصعيد العسكري لموسكو، فحتى عندما سيطرت "هيئة تحرير الشام" على ريفي حلب الغربي وإدلب الجنوبي ضمن عملية عسكرية واسعة، لم تتحرّك موسكو، وتركت الأمر لصناع القرار في أنقرة.

لكن ما يلفت الانتباه هو عدم وجود خطاب تركي متشدّد حيال التصعيد الروسي، ذلك أن أنقرة اكتفت برفض الدخول في عمليةٍ عسكريةٍ مشتركة مع الروس، وأشارت إلى تفضيلها حلا يتضمن عزل المتشددين، حسب وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو.

وربما يعني هذا أن ثمّة عملية عسكرية محدودة للغاية قد تحدث، إما في عموم المنطقة العازلة أو فقط في ريف حماة الشمالي وبعض مناطق ريف إدلب الجنوبي، وقد أعلنت الخارجية الروسية، قبل أيام، أن العملية العسكرية المحتملة في إدلب ستكون منظمة بشكل فعال إذا تمت.

ومن الصعب تفسير أسباب هذه العملية المحدودة إن جرت، فثمّة أسباب كثيرة لها، منها حصول صفقة مضمرة بين موسكو وأنقرة في إدلب وشرق الفرات. ومنها أن موسكو تتعرّض لضغوط كبيرة من النظام، خصوصا في هذه المرحلة التي تشتد عليه الأزمة الاقتصادية. ومن شأن عملية عسكرية جديدة أن تعيد الثقة إلى قاعدته الشعبية، وتبعد الأضواء قليلا عن الواقع المعيشي المزري. ومنها أيضا أن موسكو ربما تريد تحقيق هدفين مزدوجين: إرضاء النظام بحصوله على بعض المساحات الجغرافية، والقضاء على التنظيمات الإرهابية المخالفة لـ "هيئة تحرير الشام"، مقدمةً لدفع الأخيرة إلى الانصياع إلى الشروط التركية.

==========================

موقفنا : وإننا لعائدون ...صاحب نظرية المجتمع المتجانس يدعو اللاجئين الهاربين من الإرهاب فقط إلى العودة

زهير سالم

19 / 2 / 2019

مركز الشرق العربي

في الخطاب الذي ألقاه بشار الأسد في مجموعة ممن سمي رجال الإدارة المحلية "المنتخبين!!!!" ؛ والذي ادعى فيه وتبجح متناسيا أن البلد المسلط عليه أصبح محتلا من قبل أكثر من خمس دول ، ومرتعا لأكثر من عشر ميليشيات طائفية ؛ وجه بشار الأسد دعوة ملحونة لللاجئين السوريين ، الهاربين من الإرهاب ، حسب تعبيره ، إلى العودة إلى وطنهم !!!!

وتأتي دعوة بشار الأسد هذه مشبوهة ملحونة مقيدة فهو لا يدعو كل اللاجئين السوريين إلى العودة بل فريقا منهم فقط ، يدعو أولئك الذين يزعم أنهم خرجوا هربا من الإرهابيين فقط ...وليس الذين خرجوا هربا من أسلحته الكيماوية ولا من أن يكونوا ميدانا لتجريب الأسلحة الروسية ، ولا من براميله المتفجرة ، ولا من الاعتقال العشوائي على يد أجهزته الأمنية ؛ فكل هؤلاء حسب منطوق بشار الأسد لا تشملهم الدعوة ، وهم بالتالي لا يملكون أصلا حق العودة إلى وطنهم !!

بشار الأسد يرفض في موقف أولي عودة هؤلاء ، بل يترصدهم بالاعتقال والتعذيب والمصادرة ، لأن عودتهم تخل بنظريته الوقحة التي لم يخجل من تكرارها أكثر من مرة على رؤوس الناس حول ما سماه " المجتمع المتجانس " الذي يخدم تطلعاته ورغباته ، ولو اقتضت هذه التطلعا ت التخلص من نصف الشعب السوري ..

في عرف بشار الأسد كل من تعاون أو تحالف مع أجنبي في سورية خائن وعميل بينما يمنح نفسه استثناء شرفيا يجعل من  سورية مرتعا لدول وميليشيات خرجت عن السيطرة ولم يعد يحيط بها حصر ولا عد .

وما يزال بشار الأسد " دون كيشوت " سورية يحارب  ...

ما يزال دون كيشوت سورية كما زعم في خطابه يخوض على فرسه العرجاء على أربعة حروب ، منها العسكري التي أوكل أمرها إلى العديد من القوى المعادية لسورية وشعبها وهويتها وجغرافيتها وحاضرها ومستقبلها .

ومنها أنه يظن أنه يحارب في مواجهة ما يسميه الحصار النظري الوهمي المفروض من بعض دول العالم عليه ، وينسى بشار الأسد أن هذه الدول التي تحاصره نظريا قد صبت في حجره 93% من أموال المانحين مكافأة له على جهوده المميزة في قتل السوريين وتشريدهم ، لمصلحة المشروعين الصهيوني والصفوي ، وتضييقا على أصحاب الحقوق من المستضعفين والمشردين في لقمة غوث جاد بها المحسنون . الحرب الثالثة التي يخوضها بشار الأسد والتي تصيبه بالفالج مع كل شركائه المستبدين هي المعركة مع هذا الانفجار الكلمي على منصات التواصل الاجتماعي ، حيث لم يفلح مع مئات الألوف من الذباب الالكتروني الذين يشاركونه امتصاص دماء السوريين ؛ في تكميم الأفواه أو الحجر على الكلمات والأفكار .

حرب بشار الأسد الرابعة المزعومة والمدعاة هي حربه فيما أسماه من أجل الشفافية وضد الفساد الذي يغرق فيه ونظامه وحزبه . الحرب التي فجرت أوراها أزمة الغاز التي ارتجفت لها عقول السوريين وقلوبهم وأجسادهم استنكارا وقلقا وبردا ؛ ولكن لم يهتز له فيها جفن ...وظل يكابر فيها منتقدا المرتجفين من هلع أو من برد !!

ويصفق المصفقون ..!!

ويفدونه بالروح وبالدم ..!!

بالعودة إلى موضوع اللاجئين لا ينسى بشار الأسد وهو يحرف الكلام ويدوره ويقيده ويوجهه أن يوزع اتهاماته شرقا وغربا على كل الدول التي تستضيف اللاجئين من السوريين  وترعاهم وتحسن إليهم وتتحمل مؤنتهم أنها تتاجر بمعاناتهم ، وتوظفهم في مشروعها السياسي .!! ولو كان ذا قلب أو ضمير لوجه الشكر والعرفان والامتنان !!

لم يكن أمام بشار الأسد انسجاما مع مشروع المحتل الروسي إلا أن يردد كلامه حول الدعوة لعودة أو إعادة اللاجئين . في عملية تكرار لفظي خال من أي معنى ومن أي مضمون وضمان .

من حق اللاجئين السوريين الذين أخرجوا من وطنهم هربا من إرهاب بشار الأسد وبطشه وبطش أجهزته الأمنية وفتك أسلحة شركائه من المحتلين العودة إلى وطنهم والأمن فيه والتمتع بكل الحقوق الإنسانية التي تكفلها لهم الشرائع الربانية والقوانين الإنسانية ..

ولن يتم ذلك إلا باستئناف الثورة على أيدي رجالها الحقيقيين ..

ولن تستأنف الثورة حتى توسد الأمور إلى أهلها ، وينزاح عن طريق السوريين كل المتثاقلين والمحبَطين والمحبِطين ..

وإننا - بإذن الله -  لعائدون ..

______________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

حل سياسي في سوريا أم سياسة الأرض المحروقة؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 16/2/2019

إن أكثر المصطلحات التي ضحكوا وما زالوا يضحكون بها على الشعب السوري مصطلح «الحل السياسي». ولطالما سمعنا من كل القوى الإقليمية والعربية والدولية عبارة فضفاضة مطاطة كوميدية سخيفة وهي عبارة «لا حل عسكرياً في سوريا». يا إلهي: وماذا تسمون كل ما فعلته روسيا وإيران وميليشياتها والنظام على مدى الأعوام الأربعة الماضية منذ الغزو الروسي الرسمي لسوريا في 15 أيلول/ سبتمبر من عام 2015؟ هل كان تدخلاً سياسياً بربكم، أم كان غزواً عسكرياً مفضوحاً لصالح النظام على حساب كل قوى المعارضة وداعميها؟

كم هو مضحك ومضلل أن تسمع مصطلح «الحل السياسي» بينما كل ما يحدث على الأرض هو اجتياح وحل عسكري وحشي بامتياز. أين السياسي في التدخل الروسي الذي لم يترك منطقة تسيطر عليها المعارضة إلا ودمرها فوق رؤوس ساكنيها على طريقة الأرض المحروقة التي مارسها الروس في الشيشان وخاصة في عاصمتها غروزني التي سووها بالأرض، وهو مشهد يذكرنا بمشاهد الدمار الرهيب في الحرب العالمية الثانية بمدينة درسدن الألمانية وغيرها.

هل كانت مؤتمرات أستانا التي رعتها روسيا وتركيا وإيران مؤتمرات للحل السياسي أم مؤتمرات استسلام بكل ما في الكلمة من معنى؟ ماذا حققت تلك المؤتمرات للشعب السوري وقواه المعارضة غير تسليم المناطق والاعتراف للقوة الروسية وتوابعها والتنازل لها عن الأراضي التي كانت تسيطر عليها المعارضة تباعاً. ومنذ الغزو الروسي تخلت كل الفصائل عن مناطقها تحت القصف النازي. هل كان ذلك حلاً سياسياً؟ لا يسع المرء هنا إلا أن يضحك عالياً على هذا الحل السياسي الكوميدي. قال سياسي قال. ما هو السياسي في القصف الهمجي الذي حرق حتى المدارس والجوامع والمشافي؟ هل تسليم المناطق ثم الذهاب إلى أستانا وسوتشي تحت ضغط القوة الروسية والإيرانية حل سياسي، أم استسلام كامل الأوصاف؟

ماذا حققت تلك المؤتمرات للشعب السوري وقواه المعارضة غير تسليم المناطق والاعتراف للقوة الروسية وتوابعها والتنازل لها عن الأراضي التي كانت تسيطر عليها المعارضة تباعاً ؟

الحلول السياسية الحقيقية لخصها شاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي في بيته الشهير: «أنَّ السَّلاَمَ حَقِيقة ٌ مَكْذُوبة.. والعَدْلَ فَلْسَفَة ُ اللّهيبِ الخابي…لا عَدْلَ إلا إنْ تعَادَلَتِ القوَى وتَصَادَمَ الإرهابُ بالإرهاب». ماذا بقي في سوريا لقوى المعارضة كي يكون هناك حل سياسي يرضي جميع الأطراف؟ كيف يتم تقاسم السلطة في سوريا إذا كان هناك طرف يسيطر على كل مفاصل الدولة العسكرية والاستخباراتية والمدنية وطرف لم يعد يمتلك شيئاً؟ حتى لو فرضت القوى الدولية تقاسم السلطة حسب مقررات جنيف في سوريا، فستبقى اليد العليا للنظام وحلفائه، وسيكون نصيب المعارضة الحالية كنصيب ما كان يسمى «الجبهة الوطنية التقدمية» لصاحبها حزب البعث العربي الاشتراكي، حيث كان النظام يمنحها سلطات معينة، ولم تكن أصلاً معارضة حقيقية، بدليل أن رؤساء أحزابها كانوا أكثر أسدية من حزب البعث نفسه. ويكفي أن تعلموا أن أحد أشهر شخصيات تلك المعارضة الكرتونية صفوان قدسي كان يمتدح حافظ الأسد أكثر من البعثيين أنفسهم، وألف كتاباً في حب الأسد. وهو نفسه رأس مؤتمر سوتشي الروسي الذي تريده موسكو أساساً للحل في سوريا بعد أن بلغ من العمر أكثر من ثمانين سنة..». زغرطي يا انشراح»… يعني وكأن روسيا تقول للسوريين عبر صفوان قدسي سنعيدكم إلى زمن حافظ لأن زمن بشار كان رحيماً بكم أكثر من اللازم.

هذا التوجه الروسي أصبح واضحاً الآن بعدما أعاد الجميع إلى زريبة الطاعة بالقوة الوحشية. إن أي حل سياسي في سوريا سيكون على الطريقة اللبنانية واتفاق الطائف في أحسن الأحوال… باختصار سينتهي الصراع في سوريا، وسيتم توزيع السلطة بين عدة فرقاء، لكن ستبقى القوة الحقيقية بأيدي النظام لينقلب على الجميع لاحقاً كما فعل حزب الله في لبنان حيث وزعوا السلطات هناك بين الميليشيات الطائفية المتصارعة، لكن حزب الله الآن صار صاحب اليد العليا في لبنان بفضل امتلاكه القوة وصارت بقية الشرائح اللبنانية تحت رحمته العسكرية. سوريا بعد الحل ستكون مثل لبنان الآن بالنسبة للمتفائلين…أي أن صاحب المدفع الثقيل سيحكم سوريا وحتى أحزاب المعارضة. أما المتشائمون فلا يتوقعون أن يكون هناك حتى مؤتمر طائف سوري على الطريقة اللبنانية، لأن في لبنان عندما انتهت الحرب لم يكن هناك منتصرون ومهزومون، بل كان هناك تعادل في الانتصارات والخسارات، مما سهّل من عملية تقاسم السلطة وقتها. أما في سوريا فالمنتصر هو الطرف الروسي وتوابعه النظامية والإيرانية بفعل الحل العسكري، وبالتالي، فإن الأمر محسوم لصالح طرف ضد آخر قبل أن تبدأ المفاوضات من أجل طائف سوري. وهذا يعني من الخطأ حتى مقارنة الحل السياسي في سوريا بالحل اللبناني. قال حل سياسي قال؟ بل قل: أبشع أنواع الحلول العسكرية.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com