العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22-12-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مشروع قانون سيزر... انتصار للسوريين

أحمد عيشة

سوريا تي في

الخميس 19/12/2019

لم يبق أمام مشروع قانون قيصر الذي حظي ضمن سلّة من المشاريع الإخرى، وأهمها ما يخص وزارة الدفاع (البنتاغون)، بموافقة مجلس النواب ومن بعدها مجلس الشيوخ، سوى توقيع الرئيس ليصبح قانوناً ساري المفعول ويمكن لحكومة الولايات المتحدة فرض العقوبات على كل الأطراف التي انتهكت ولا تزال تنتهك حقوق الإنسان في سوريا، سواء من خلال عمليات الاعتقال والقتل بمختلف صنوف الأسلحة، أو الخطف والتهجير، وأولها نظام الأسد وداعميه روسيا وإيران وميليشياتها وروسيا.

اعتمد مشروع القانون في أساسه على آلاف الصور التي سربها المصور الذي انشق عن جيش الأسد عام 2013، والبالغة 55 ألف صورة لحوالي 11 ألف معتقل قتلتهم الأجهزة المخابراتية، حيث تظهر تلك الصور بما لا يدع مجالاً للشك وحشية نظام الأسد في تعذيبه للمعتقلين في عموم الأفرع المخابراتية العديدة المنتشرة على كامل الجغرافيا السورية، من شبح وحرق وانتزاع أعضاء وتشويه للجثث وغيره من الأساليب البربرية. أما خارج المعتقلات، فهناك عمليات القصف بكافة صنوف الأسلحة التي قامت بها قوات النظام، والميليشيات الطائفية التي أنشأتها إيران وجلبتها إلى سوريا تحت إشراف الحرس الثوري وبمشاركة مباشرة من ضباطه، إضافة لدور روسيا التي تدخلت عسكرياً وبشكل مباشر في أيلول 2015، بعد أن كانت تدعمه سياسياً ودبلومسياً وتمنع صدور أي قرار لإدانة عمليات النظام ضد السوريين، هذا الدور الذي استطاع أن يعيد بعض المدن بعد تدميرها إلى سيطرة النظام وأهمها حمص وحلب.

تمكنت روسيا نتيجة للعمليات الوحشية من أن تحتل المرتبة الأولى في السيطرة على سوريا وتوزيع الأدوار للقوى الأخرى المتصارعة عليها، ونتيجة للسياسة الأميركية المترددة تجاه نظام الأسد، واكتفائها بمحاربة داعش، استطاعت روسيا

يلحظ مشروع القرار دور النظام وروسيا وإيران بشكل واضح في تشجيع التطرف، بدءاً من ممارسات أجهزة النظام العسكرية والمخابراتية الطائفية، إضافة لدور الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران

أن تفرض على الأطراف تلك مساراً جديداً للحل في سوريا، انطلق من آستانا وسوتسي، واقتصر على تعديلات دستورية، أو دستور جديد بأفضل الأحوال، مع انتخابات رئاسية يشارك فيها بشار الأسد، كحل بديل لما طرحه القرار 2254 والمستند إلى بيان جنيف 2012، الذي يقتضي تأسيس هيئة حكم انتقالية ذات مصداقية وغير طائفية تتولى وضع دستور، يليه انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة.

يلحظ مشروع القرار دور النظام وروسيا وإيران بشكل واضح في تشجيع التطرف، بدءاً من ممارسات أجهزة النظام العسكرية والمخابراتية الطائفية، إضافة لدور الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران في عمليات القتل والتهجير، والدور الروسي بقصف مواقع الجيش الحر وقصف منشآت الخدمة المدنية والطبية تحت حجة كاذبة وهي محاربة الإرهاب، ناهيك عن إطلاق سراح عدد من المتطرفين في بدايات الثورة، والذين هم اليوم قادة في فصائل متطرفة، ويعلن مشروع القرار صراحة بأن :"الطريقة الوحيدة لهزيمة الإرهاب في سوريا هي أن يتنحى الرئيس الأسد وأن يفسح المجال أمام "هيئة الحكم الانتقالي" التي دعا إليها بيان جنيف".

شجّع تردد الإدارتين (أوباما وترمب) تجاه نظام الأسد، وحصر التهديد على النظام باستخدام الأسلحة الكيمياوية، على ممارسة كل أشكال القتل بحق السوريين، كما سمح فيما بعد لاستفراد روسي بترتيب للحل السياسي يعيد إنتاج نظام الاستبداد، وبالتالي يديم المشكلة

يحمل مشروع القانون في طياته أملاً جديداً للسوريين في حلٍ يضمن تحقيق مطالب الحد الأدنى من ثورتهم.

التي ثار السوريين من أجلها، خاصة بعد الانسحاب العسكري الأميركي، وإعادة تموضعه حول مناطق النفط، وهو الأمر الذي يلحظه مشروع القرار، ويدعو إلى عودة فعالة للولايات المتحدة تضمن مصالح الولايات المتحدة وتدافع عن أمنها القومي في المنطقة، وخاصة تجاه إيران وما تشكله من تهديدات عليه.

يحمل مشروع القانون في طياته أملاً جديداً للسوريين في حلٍ يضمن تحقيق مطالب الحد الأدنى من ثورتهم، وذلك من خلال ممارسة شتى أنواع الضغط على كل من يدعم النظام وشخصياته النافذة في عمليات التعذيب والقتل والتهجير، إضافة لفرض عقوبات بحق من يتعاون معه بقصد إعادة الإعمار المزعومة، ناهيك عن الدعوة القوية إعادة الاعتبار للحل السياسي القائم على أساس القرار 2254 وبيان جنيف، بما يعنيه من نسف الاستفراد الروسي بالحل على طريقة سوتشي، والأكثر أهمية هو إمكانية محاسبة مرتكبي الجرائم في سوريا، والذين ذكرهم مشروع القرار وعدده 47 مسؤولاً، وأولهم بشار الأسد وزوجته، ورامي مخلوف وكافة رؤساء الإدارات الأمنية الأربعة (الجوية والعسكرية وأمن الدولة والسياسية) ورؤساء الفروع في المحافظات.

والسؤال المهم، هل ستعيد المعارضة السورية ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع ترتيبات مشروع القرار وما يحمله من احتمالات جديدة لدور أميركي يطمح من خلال القرار لعودة قوية في تقرير مصير سوريا المستقبل من دون النظام الأسدي، أم أن التزاماتها وتورطها في مفاوضات آستانا وما انبثق عنها، ستقيّد دورها، ولربما ستفتح الباب أمام هيئة جديدة تتناسب مع الترتيب القادم؟

=====================

موقفنا: حول الفيتو الروسي - الصيني .. مشروع  : قتل تدمير وتجويع وتركيع وتهجير وسيطرة واحتواء

زهير سالم

مركز الشرق العربي

22/ 12 / 2019

والهدف من الفيتو الروسي - الصيني الأخير هو إحكام الحصار على الإنسان السوري. وتجويع الجياع الذين أطبق عليهم : الخوف والتشريد و الجوع والخوف.

سياسيا نقول لقد شكلت الفيتوات الروسية الأربعة عشر خلال تسع سنوات المطية والذريعة لكل أشرار العالم ليختبئوا وراءها في إغلاق دائرة الشر على السوريين .

لن ينفع شيء أن تعلن بعض الدول أنها تدين هذا الفيتو وهي تخضع له . لأن الانصياع للفيتو هو شراكة فيه .

الحقيقة التي يجب أن تقال في هذا المقام هي أن كل ما أراده بوتين لسورية من دمار ، ولشعبها من قتل وتشريد وتجويع ما يزال يمرر خطوة بعد خطوة ، وكان هذا ما قرره أوباما وكيري منذ سنوات الثورة الأولى ، فوضوا وانتظروا وما زالوا ينتظرون ..!!

على مدى تسع سنوات ما زال - الفيتو الروسي - و- الفيتو الصيني - هو الأمر الواقع الوحيد . الفيتو الاستراتيجي والفيتو السياسي والفيتو الإنساني .. ولا شيء أمام الإرادة الدولية المتراخية يأتي بالجديد .

والأخطر فيما يمكن أن يقال من المخطط الروسي - الأمريكي - الصهيوني - الصفوي الرهيب أن تنحل في سورية عرى الدولة بل عرى المجتمع  عروة .. عروة .. ( وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ).

والقسمة بين القوم على طريقة : هذه لي وهذه لك ، وتلك لكم .. على الأرض وفي جوائها وباطنها .

الأخطر من وراء الفيتو الروسي الذي تابعناه على مدى سنين  ، أنه لا سوري كان  رابحا منه أو فيه . الغبي وحده هو الذي يظن خسارته ربحا . في كتب الحكمة يتحدثون عن " لاعق المبرد " في معادلتنا لسان ينزف ولسان يلعق .

هذه هي المعادلة الروسية في سورية ، وهذا كلام أقبل بأن أسأل عنه ولو بعد حين ..

المخطط الروسي في سورية يتقدم ، ويتقدم تحت عناوين ، ويتقدم بأساليب ، ويتقدم ساخنا وباردا ، سريعا وبطيئا ... وأسوأ ما في الأمر أن يعينه على التقدم " سوريون سوريون "

حتى أصحاب نظرية " وضع العصا في العجلات " يجب أن يدركوا أن العجلات الكبيرة تسحق العصوات الصغيرة ولا تبالي ..

الفيتو الروسي والإدانة الأمريكية ..

من العبث أن نكتب ندين ونشجب ونستنكر . ومن العبث أن ندين الإدانة وأن نستنكر الاستنكار .

المطلوب من كل سوري حر أبي واع أمران :

الأول : أن لا يكون جزء من المشروع الروسي تحت أي عنوان ، ولا بأي أسلوب ؛ لأنه لو فعل سيكون هو وبشار الأسد في خندق واحد مع الروس وضد سورية والسوريين...

والثاني : أن يجد العقلاء طريقة ولو بالحد الأدنى لعرقلة المشروع الروسي ، وإيقافه ، ثم الانقلاب والانتصار عليه .

المقاومة لا تتكلم بمنطق التكافؤ والتوازن الاستراتيجي . المقاومة تتكلم بمنطق الإرادة والعزيمة

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ..

وبعد أن دوخ " أبو نايف"  مع رفاقه العشرة ، المستعمر الفرنسي بضع سنين ، ووصلوا به إلى ساحة المحكمة ، كان وزن أبي نايف لا يزيد على خمسين كيلو غرام . حمله ضابط فرنسي من حزامه بيد واحدة وقال للحاضرين أهذا هو أبو نايف الذي كنتم

تخوفوننا منه ومنه ترتعدون ؟! .

أدركت " أبو نايف " ووزنه خمسون كيلو غرام ، يعمل في " جورة المبيض " في ساحة المشاطية في حلب . كنا كلما سألناه عن الفرنسي غمز بعينه وتبسم .

" جورة المبيض " لمن لا يعرفها الجورة المرعبة التي كانت الوالدات في حلب يهددن أولادهن أن مصيرهم سيكون إليها إن لم يجدوا.

__________

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

قانون قيصر

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 19/12/2019

بعد سنوات من الانتظار والضغط من قبل الجالية السورية في الولايات المتحدة وافق الكونغرس الأميركي بغرفتيه مجلس النواب والشيوخ على قانون حماية المدنيين في سوريا والمعروف بقانون قيصر نسبة إلى الشخص "البطل" الذي سرب صور مروعة عن التعذيب في أقبية المخابرات السورية، صور لم يكن لها مثيل في البشاعة والقسوة حتى ذكرت الكثيرين بممارسات النازية في ألمانيا، حيث أظهرت أكثر من 55 ألف صورة تؤكد وفاة أكثر من عشرة آلاف معتقل سوري تحت التعذيب في السجون السرية للمخابرات السورية، بعد أن صدمت هذه الصور التي تم التحقق منها من قبل كل فروع التحقيقات الجنائية بما فيها مكتب التحقيق الفيدرالي FBI.

في الولايات المتحدة حاولت كل من فرنسا وبدعم من قطر والولايات المتحدة آنذاك تحت إدارة أوباما تمرير مشروع قرار بمجلس الأمن لضمان المحاسبة عن حالات التعذيب في سوريا، لكن روسيا والصين أوقفت النقاشات في مجلس الأمن باستخدام الفيتو.

تحولت بعد ذلك إلى معركة سياسية طويلة الأمد داخل الولايات المتحدة حيث طالبت المنظمات الحقوقية السورية والأميركية بتمرير قانون في الكونغرس يضمن المحاسبة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الأسد بحق شعبه، بناء

القانون يفرض عقوبات صارمة على كل من يتعامل مع حكومة النظام أو يدعمها في قمع المدنيين

على الصور المقدمة من قبل قيصر، وافق حينها مجلس النواب والشيوخ لكن إدارة أوباما عارضت تمرير القانون لأنه يقيد حركتها في المفاوضات مع روسيا كما ذكرت الإدارة، لا سيما أن القانون يفرض عقوبات صارمة على كل من يتعامل مع حكومة النظام أو يدعمها في قمع المدنيين، حيث ينص على أن العقوبات ستطال كل - شخص أجنبي يشارك في نشاط أو يوفر عن علم دعمًا ماليًا أو ماديًا أو تقنيًا أو يشارك عن قصد في صفقة كبيرة مع حكومة النظام (بما في ذلك أي كيان تملكه أو تسيطر عليه حكومة سوريا) أو شخصية سياسية بارزة في الحكومة النظام.

- كل شخص أجنبي متعاقد عسكري أو مرتزق أو قوة شبه عسكرية تعمل عن عمد بقدرة عسكرية داخل سوريا لصالح أو نيابة عن حكومة النظام أو حكومة الاتحاد الروسي أو حكومة إيران؛ أو فيما يتعلق بسوريا- من يبيع أو يقدم سلعًا أو خدمات أو تكنولوجيا أو معلومات أو دعمًا كبيرًا يسهل بشكل كبير صيانة أو توسيع الإنتاج المحلي لحكومة سوريا من الغاز الطبيعي أو البترول أو المنتجات البترولية؛

- من يبيع أو يوفر عن عمد الطائرات أو قطع غيار الطائرات التي تستخدم للأغراض العسكرية في سوريا لصالح حكومة النظام أو نيابة عنها لأي شخص أجنبي يعمل في منطقة تسيطر عليها بشكل مباشر أو غير مباشر حكومة سوريا أو القوات الأجنبية المرتبطة مع الحكومة السورية؛

-  من يوفر عن عمد البضائع أو الخدمات الهامة المرتبطة بتشغيل الطائرات التي يتم استخدامها لأغراض عسكرية في سوريا لصالح أو نيابة عن حكومة النظام لأي شخص أجنبي يعمل في منطقة موصوفة في الفقرة الفرعية أو من يوفر عن قصد، بشكل مباشر أو غير مباشر، خدمات بناء أو هندسة كبيرة لحكومة النظام.

ومع انتخاب جديد للكونغرس في 2018 كان على القانون أن يقدم من جديد وفعلا قدمه عضو مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي انغل رئيس لجنة الخارجية في مجلس النواب، وتمت الموافقة عليه في مجلس النواب لكن الحزب الجمهوري الذي يملك الأكثرية في مجلس الشيوخ رغب في تمريره مقابل حصول على نقاط من الحزب الديمقراطي في مجالات أخرى، وهو ما وضعه حبيس الأدراج لمدة عامين تقريبا قبل أن يتم تمريره كجزء من ميزانية وزارة الدفاع الوطني وهو ما ضمن له الموافقة بالأغلبية في غرفتي مجلس النواب والشيوخ، وبانتظار توقيع الرئيس ترمب عليه كي يصبح قانونا نافذا.

=====================


بدعة إعادة الإعمار في ظل سلطة التدمير والتهجير

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 17/12/2019

لا أحد من السوريين المحبين لشعبهم، والمخلصين لوطنهم، بغض النظر عن التصنيفات التي نسمعها هنا وهناك، كالمعارضة والموالاة، الإسلاميين والعلمانيين، العرب والأكراد، السنة والعلويين، المسلمين والمسيحيين... إلخ، يسعده الوضع الحالي الذي يعيشه الشعب السوري، سواء في الداخل الوطني أو في في الجوار الإقليمي. كما أن لا أحد من السوريين يسعده وجود القوات العسكرية من الدول المختلفة على الأرض السورية، إلى جانب المليشيات المذهبية إيرانية التحكّم، والفصائل الإسلاموية المتشدّدة التي تمارس الإرهاب، وتسعى، كما تعلن، من أجل تطبيق أيديولوجيا غير قابلة للتطبيق، ومتناقضة بالمطلق مع روحية العصر والحاجات الوطنية، وتؤدّي أدوراً وظيفية إشكالية، أساءت كثيراً إلى الثورة السورية، بل أخرجتها عن مسارها، الأمر الذي استفاد منه النظام ورعاته في المقام الأول. كما أنه لا أحد من العرب والكرد السوريين يسعده تحكّم حزب العمال الكردستاني بالورقة الكردية السورية، واستغلال عدالة القضية الكردية السورية من أجل أجنداتٍ تخصّه، أو تخص غيره، على حساب مصير كرد سورية ومستقبلهم، ودماء شبانهم وشاباتهم.

والكل يبحث عن الحل أو ينتظره، ولكن المشكلة الأساسية تتمثل في أن هذا الحل خارج متناول السوريين وإمكاناتهم جميعاً، فالحرب التي التهمت بلدهم مجتمعاً وعمراناً، لم تكن حرباً سورية في جوهرها وأصلها، بل كانت حرباً بين مشاريع إقليمية، وحسابات دولية، ركبت على مطالب السوريين العادلة في الإصلاح والتغيير، لتحوّلها إلى حربٍ عبثيةٍ مدمرة، ما كان لها أن تكون لولا التزام رأس النظام السوري بتعليمات راعيه الإيراني وأوامره. أعلن النظام الحرب على الشعب السوري بكل مكوناته، وطبق استراتيجية تحويل الثورة السلمية التي شاركت فيها المكونات السورية جميعها إلى صراع تناحري بين سلطةٍ "علمانية"، "حامية" للأقليات، وحشد من الفصائل الإسلاموية المتطرفة. ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، اعتمد النظام "العلماني" على قوات وخبرات وأموال نظام ولي الفقيه ومليشياته المذهبية، خصوصا حزب الله. كما عاد النظام المعني إلى أوراقه القديمة، فاستنجد بالمتطرفين في أصقاع الدنيا، لتجميعهم ثانية، ويبثهم سموماً في المناطق التي انسحب منها، أو التي فقد السيطرة عليها.

وسلم النظام نفسه قيادة المناطق العسكرية للحرس الثوري الإيراني، وأذرعه من المليشيات المذهبية، ومارس الجميع القتل والتجويع والترويع بحق السوريين، دمروا المدارس والمشافي،

"حاول الروس إقناع العالم بأن الوضع في سورية قد حُسم لصالح النظام؛ وركّزوا على موضوع عودة اللاجئين وإعادة الإعمار" ولم يراعوا أية حرمةٍ أو محرّمات من جهة الزمان والمكان والإنسان. ومع تصاعد الأحداث، تدخلت القوى الدولية والإقليمية. تدخل الروس والأميركان، وتدخل الأتراك، ليصبح الميدان السوري ساحةً للصراع بين المشاريع والحسابات الدولية والإقليمية. وتحول السوريون إلى أدواتٍ في خدمة أصحاب تلك المشاريع والحسابات الذين تمكّنوا، مع الوقت، من الهيمنة على القوى الميدانية، وحتى على مؤسسات المعارضة الرسمية، لتتحوّل الأخيرة إلى مجرد واجهاتٍ تتحرك وتصدر البيانات وفق مشيئة الآخرين، وليس بناء على المصالح الحقيقية للسوريين.

أما النظام نفسه، فقد تحول إلى مجرد أداة وظيفتها شرعنة الوجود الروسي والإيراني في سورية، بل وإضفاء صفة القانونية على صفقات الابتزاز التي كانت على حساب الشعب السوري، صفقات شملت تأجير المرافق الاستراتيجية، وعقود احتكار القطاعات المغرية بفعل أرباحها الكبيرة المضمونة.

وعلى الرغم مما يروج هنا وهناك حول إمكانية الحل، أو قرب الوصول إليه، عبر اللجنة الدستورية، والانتخابات التي من المفروض أن تكون لاحقاً، استناداً إلى خلاصات اجتماعات فيينا (أكتوبر/ تشرين الأول – نوفمبر/ تشرين الثاني 2015)، والقرار الأممي ديسمبر/ كانون الأول 2015؛ إلا أن المؤكد الذي تثبته كل المؤشرات والقرائن هو أن الموضوع السوري بات جزءاً من الوضع الإقليمي، بدءاً من العراق وصولاً إلى ليبيا، وربما إلى ما بعدها، والمقاربات الدولية له. وتتشخص العلامة الفارقة في هذا الوضع في عدم فاعلية، إن لم نقل غياب، الدور العربي، مقابل القوى الإقليمية الأخرى، ونعني بها تركيا وإيران واسرائيل. وعلى المستوى الدولي، هناك حضور روسي وآخر أميركي، مقابل تراجع ملحوظ في الدور الأوروبي لأسباب عديدة.

وقد حاول الروس أكثر من مرة إقناع العالم بأن الوضع في سورية قد حُسم لصالح النظام؛ وركّزوا على موضوع عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، واستغلوا في ذلك موضوع الارتباك وعدم الاستقرار في الموقف الأميركي، نتيجة التباين بين توجهات الرئيس ترامب وأركان إدارته في الدفاع والاستخبارات والخارجية، كما تمكّنوا من استمالة تركيا، وضمها إلى محور أستانة، لأسباب عدة تخص الوضع التركي الداخلي نفسه، وأخرى لها صلة بالعلاقة المضطربة بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية تحديداً، والدول الأوروبية الغربية بصورة عامة.

هذا إلى جانب العلاقة غير السوية بين تركيا والسعودية التي تُضعف موقفي الجانبين، وقد خدم ذلك كله السياسة الروسية في الإقليم، ومكّن روسيا من الاضطلاع بدور أساسي في سورية. ولكن المفارقة هنا تتجلى في سعي دول عربية، ومنها مصر التي تنسق في الظاهر مع السعودية في أكثر من مكان، ترى أن الانفتاح على النظام السوري هو المدخل لإعادة التوازن إلى المعادلات الإقليمية عبر تحجيم الدور الإيراني؛ بل أن بعضهم يبالغ في التفاؤل إلى حد

"لا أحد من العرب والكرد السوريين يسعده تحكّم حزب العمال الكردستاني بالورقة الكردية السورية" الادعاء بأن هذا الانفتاح سيكون مقدمةً لحل عام للموضوع السوري بأسره، فهناك من يدعو إلى إعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية. وهناك من ينسّق بأشكالٍ مختلفة، معلنة وغير معلنة، مع النظام المعني. ولكن اللافت أكثر من غيره أن بعضهم يدعو إلى استخدام الأموال العربية، وإلى حد ما الأوروبية، في موضوع إعادة إعمار سورية بوجود النظام والروس والإيرانيين، حتى يبدو الموضوع كأنه دعوة إلى مكافأة النظام لقاء مع فعله بالسوريين وسورية؛ وفتح المجالات أمام مافيات الفساد المحلية والإقليمة والدولية، لكسب المزيد، ومن

دون إعطاء أي اعتبارٍ لتضيحات السوريين وتطلعاتهم.

ولا ننكر أهمية موضوع إعادة الإعمار، ولا إنه سيكون، عاجلاً أم آجلاً، من الموضوعات الحيوية التي ستكون في مقدمة أولويات السوريين. ولكن لهذا الموضوع مقدماته ومقوماته، فالنظام الذي دمر البلد بإرادة الآخرين وبسلاحهم وإمكاناتهم لا يمكنه في أي يوم أن يكون الجهة الضامنة لعملية إعادة بناء البلد، والإشراف عليها، طالما أنه ما زال يتعامل مع الغالبية الغالبة من السوريين بعقلية الانتقام والثأر والتخوين، ويتبجّح بنشوة الانتصار على أشلاء السوريين، وتدمير مدنهم العامرة منذ بدايات التاريخ المعروف للمنطقة، فما تعانيه سورية راهناً لا يتمثل في الخراب العمراني وحده، بل يشمل الخراب المجتمعي أيضاً، وهذا أخطر وأقسى، ولا يمكن لأي نهوض عمراني أن يتحقق من دون نهوضٍ مجتمعي، أساسه ترميم وحدة النسيج السكاني الوطني السوري، النسيج الذي تهتك بفعل ممارسات النظام المستبد الفاسد عقودا. وجاءت الحرب الظالمة التي أعلنها النظام ذاته على السوريين، لتفتت هذا النسيج، وتدفع ملايين السوريين نحو البحث عن ملاذات آمنة، سواء في الداخل الوطني أم في الجوار الإقليمي، وحتى في المهاجر المنتشرة في سائر أنحاء الأرض.

ما نحتاجه سورياً حوار وطني معمق بين الفعاليات السورية في مختلف المجالات، وعلى جميع المستويات، يمهد لمصالحة حقيقية لن تستعيد سورية عافيتها من دونها. وامكانات هذا الحوار

"عانى السوريون من لا مبدئية المسؤولين الأمميين، وصمتهم المريب في مواجهة كل القتل والدمار"معدومة في وجود هذا النظام الذي بات وجوده الفيزيائي مرتبطاً بإرادة الروس والإيرانين، وأصبح جزءاً عضوياً من الصراع الإقليمي الدولي الذي يخيّم على منطقتنا؛ هذا الصراع الذي يستخدم أطرافه موارد المنطقة البشرية والمادية في عملية السعي من أجل تحقيق أهدافٍ لا تتقاطع مع أهداف شعوبها، ولا تضمن مستقبلاً مطمئناً لأجيالها المقبلة.

أما أن تبلغ"الجرأة" ببعضهم، ومنهم سفير مصري سابق كان عضوا في فريق المبعوث الأممي السابق إلى سورية، دي ميستورا، إلى درجة مطالبة الدول الخليجية بتقديم الأموال للنظام، ومن خلاله إلى قنوات الفساد الإيرانية والروسية، بحجة إعادة الإعمار، وبذريعة التمهيد لعودة اللاجئين السوريين، فهذا يؤكد شكوكا كانت تحوم حول مصداقية ومهنية الفريق المشار إليه، فمثل هذه المواقف تؤكد أن غرض دي ميستورا من ضم هذا السفير إلى جانب آخرين إلى فريقه إنما كان تأمين مقومات استمرارية مهمته، وليس إيجاد حل لمحنة الشعب السوري الذي عانى، ويعاني الأمرّين من جرائم النظام وداعميه. كما أن الكثر عانى الكثير من لا مبدئية المسؤولين الأمميين، وصمتهم المريب في مواجهة كل القتل والدمار الذي تعرّض له السوريون أعواما طوالا قاسية، من قصف وترويع بكل أنواع الأسلحة، وأمام مرأى ومسمع العالم أجمع.

===========================

نحو النهاية الحتمية بكل دموية وغباء

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 16/12/2019

سرعان ما ذهبت أدراج رياح النسيان تلك المقابلة متعثرة الحظ، التي أجراها رأس نظام الأسد مع مذيعة إيطالية تابعة لتلفزيون "راي" الإيطالي، ولكن استرجاع  الحديث عنها قد يكون ضرورياً، لأنها ربما تمثل أحد مؤشرات خط النهاية الحتمية التي يحث نظام الاستبداد خطاه نحوها.

بداية، لا بد من القول إن إعلام الغرب بالمجمل ليس حراً، كما يُشاع، إلا بالقدر الذي يريده "الدافع للزمّار". ويقول المثل الانكليزي: (That who pays the piper, hears the tone he likes/ من يدفع للزمّار يسمع اللحن الذي يشاء)، فلا تجري مقابلة مع شخصية عالية الوظيفة، إلا ويكون لها غرض محدد.

وفي الحالة الإيطالية هذه، ليس الأمر بالضرورة مادياً أو مافياوياً فقط  بل ربما يكون سياسياً أيضاً.

فمن بين دول الاتحاد الاوربي، تأتي إيطاليا بعد المجر في حماسها لإعادة تأهيل نظام الأسد. لقد تسابقت محطات غربية كثيرة على إجراء لقاءات تلفزيونية مع رأس النظام. وكانت غاية "الدافع للزمّار" واضحة؛ هناك من لا يريد لهذا النظام أن ينتهي، بسبب تقديمه خدمات جليلة، يعجز غيره عن تقديمها.

المشكلة في هذه المقابلة أن الجهة التي سجلتها، لم تبثها؛ لا لأنها تختلف عن عشرات المقابلات مع وسائل إعلام غربية، بل لأن مَن  رتبها أولاً ليس "الدافع للزمّار"، بل جهات مرتبطة مع عصابات مافيوية إيطالية استطاعت جلب مذيعة من المحطة إياها وهندست لها الحوار على أمل أن تأخذ المقابلة طريقها إلى التلفزيون الإيطالي؛ وثانياً، لإن فيها شططاً غير مألوف، ولا متفقاً عليه.

حتماً لم يكن السبب سرديته المألوفة عن محاربته للإرهاب، والمؤامرة الكونية

المشكلة لم تكن في المحتوى التقليدي المكرور والممجوج، بل بداية في خروجه عن النص وفِي هجومه المباشر على أولياء نعمة بقائه في كرسي الدم. حتماً لم يكن السبب سرديته المألوفة عن محاربته للإرهاب، والمؤامرة الكونية، وحرص الدولة على الشعب، والحكومة التي انتصرت، وعدم استخدام الكيماوي، وأنه لم يدمر شيئاً ولم يشرّد أحدا، وإن  داعش والنصرة هما مَن دمرا وشردا، وإنه قد أجرى مصالحات، وختام حديثه المنفصل عن الواقع بأنه لم يرتكب خطأً.

ومعروف أن العالم قد تعوّد على هذه السردية  التزييفية، وعلى النكران، والانفصام عن الواقع.

تمحورت الاستفسارات التقليدية والمتكررة بخصوص لغز وإشكالية تلك المقابلة حول عدم بث محطة تلفزيونية مرموقة مثل هذا الهراء المكرور المنفصم عن واقع سوريا بالمطلق؛ فما الجديد فيها حتى لا تُبَث! ولماذا يخشى، أو يرفض تلفزيون بثها!؟

ولكن الأكثر دهاءً وتفكراً كان يسأل فيما إذا كان عدم بثها حرصاً على ماء وجه هذا النظام المفلس، أو من أجل إعطائها قيمة إضافية، بحيث يصبح حجبها لا محتواها مركز الاهتمام.

كل تلك التساؤلات والأسباب في موجبات بثها أو حجبها واردة، إلا أن الحديث المباشر والفج إلى حد الوقاحة بأن أوروبا هي التي تقود المؤامرة على سوريا، وهي من جلب الإرهاب إليها، قد أغلق الباب على هذا النشاز، وأوصله إلى حد السياسة؛ ليخرج وزير خارجية إيطاليا متنصلاً من الموقف الإيطالي السابق في رغبة بلاده وعملها على إعادة تأهيل نظام الأسد ، ويقول  صراحة إنه لا عودة للعلاقات مع النظام، إلا بنجاح العملية السياسية، والالتزام المطلق بالقرار الدولي 2254.

أتت تلك المقابلة ونظام الأسد يسعى حثيثاً إلى إضفاء أجواء زائفة بأن الأمور أضحت على ما يُرام في سوريا. أتت مترافقة مع سردية إعلامية تقول بأنه لم يبق عليه إلا بعض الإرهابيين في إدلب؛ وإن الشمال الشرقي السوري بطريقه إلى العودة لحضن الوطن عبر الجيش العربي السوري الباسل والإخوة الروس. أتت متواكبة مع إشاعة نشوة النصر بأن الإرهاب والمؤامرة الكونية قد تمت هزيمتهما.. ولكن، وبموعد خبيث لكنه حقيقي، يدخل رئيس النظام علناً في المحظور؛ فتكون نشوة "النصر" تلك كصحوة الموت، وتكون إشارة النهاية المحتمة، ويكون فتح دفاتر الداخل الهش المتهتك الآيل للسقوط  بكل أبعاده.

لقد فات النظام  أن ملفاته الإجرامية بدأت تنفتح، وأول غيثها القاتل "قانون سيزر". فاته تكشف وانفضاح موقفه المعطل للعملية السياسية حتى من قِبَل داعمه الأساسي الروسي؛ الذي بدأ يتململ من ألاعيبه. فاته أن أولئك المسؤولين عن بقائه هم ذاتهم في أزمة حقيقية داخل بلادهم ومع الخارج؛ وفِي اللحظة المناسبة سيرمونه كورقة نجسة في مهب الريح. هل نكون قد شهدنا آخر خطوة غبية نحو الهاوية الحتمية؟!

===========================

السيف الأميركي المسلّط على تركيا

إسماعيل ياشا

العرب القطرية

الاثنين 16/12/2019

أيّدت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء، تشريعاً لفرض عقوبات على تركيا، بسبب عمليتها العسكرية في شمال سوريا، وشرائها منظومة أس-400 الصاروخية من روسيا، كما صوّت الكونجرس الأميركي الخميس بإجماع أعضائه، لصالح تبني قرار يعترف بـ «الإبادة الأرمينية» المزعومة. التحركات الأخيرة في الكونجرس الأميركي تهدف إلى تشديد الضغوط على أنقرة، كي تعود إلى «بيت الطاعة الأميركي»، وتتراجع عن صفقة أس-400، كخطوة أولى بهذا الاتجاه، إلا أن تركيا تدرك تماماً أن الحفاظ على سيادتها واستقلاليتها في اتخاذ القرار يستحق التضحية والصمود والتصدي للضغوط والتهديدات كافة.

قرار الكونجرس الأميركي بشأن أحداث 1915، لا معنى له غير تسجيل موقف سياسي، لأنه غير ملزم قانونياً، ولا يغير من الحقائق شيئاً، كما أن أحداث التاريخ يكتبها الباحثون والمؤرخون بناء على الأدلة والوثائق، ولا دخل للبرلمانات فيها، ولعل الأغرب في تبني برلمانات غربية مثل هذه القرارات كون تلك الدول الغربية من أكثر الدول التي ارتكبت مجازر وإبادات جماعية في التاريخ.

السفارة الأميركية لدى أنقرة أكدت في بيان، أن موقف إدارة ترمب لم يتغير حيال أحداث 1915، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي وصف ما جرى في تلك الحقبة بـ «الكارثة الكبرى» بدلاً من «الإبادة الجماعية»، إلا أن هذا الخلاف يبدو كلعبة «الشرطي الجيد والشرطي السيئ» لتبادل الأدوار، إذ لا يعقل على الإطلاق ألّا يعترض على القرار أي من أعضاء الكونجرس، ليختلفوا جميعاً مع موقف الإدارة الأميركية.

السؤال الأهم في الموضوع هو: «هل يمكن أن تدفع الضغوط الأميركية أنقرة إلى الاستسلام؟» ويبدو أن الأميركيين يرون ذلك ممكناً، إلا أنهم واهمون، لأن القيادة التركية الحالية قررت مقاومة الابتزاز الأميركي، والصمود أمام الضغوط، بالإضافة إلى أنها ترى الوضع الراهن فرصة لبناء قوة وطنية مستقلة، وبالتالي لا يمكن أن يخيفها التلويح بفرض عقوبات. الولايات المتحدة سبق أن فرضت عقوبات على تركيا، كما حدث بعد التدخل التركي في جزيرة قبرص لحماية القبارصة الأتراك، وها هي اليوم تلوّح بالسيف ذاته لتهدد أنقرة، ولكنها لن تنجح في إجبار تركيا على التراجع، كما لم تنجح في السابق، وإضافة إلى ذلك، تدرك أنقرة أن سلاح العقوبات ضد تركيا إن تم استخدامه، فلن يبقى بيد واشنطن سلاح آخر تلوّح به لتهديد القيادة التركية في المستقبل.

التحركات التي يشهدها الكونجرس الأميركي في الأيام الأخيرة تضرّ العلاقات التركية الأميركية، وتعرقل جهود إعادة الثقة بين الطرفين، ومما لا شك فيه أن تركيا لن تكون الطرف الوحيد الذي سيتضرر من تدهور العلاقات بين البلدين، لأنها تملك أوراقاً كقاعدتي إنجرليك وكورجيك، يمكن أن تستخدمها لتعيد النظر في مسألة الوجود الأميركي فيهما، كما ذكر وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو.

تركيا لن تتراجع عن صفقة أس-400 الروسية، ولن تتخلى عن برامج تعزيز الصناعة العسكرية الوطنية، مهما كان حجم الضغوط، ويجب أن يدرك الجانب الأميركي أن هذا أمر مفروغ منه، كما أن خطوات الكونجرس الأميركي الأخيرة ستعزز مشاعر الكراهية والعداوة لدى الشعب التركي تجاه الولايات المتحدة، وقد تتغير الحكومات، ولكن ذاكرة الشعوب لا تنسى المواقف السلبية والعدوانية.

===========================

===========================

الإخفاق الروسي وقانون سيزر

عمار ديوب

العربي الجديد

الاحد 15/12/2019

مشكلة روسيا في توهمها أنّها دولة عظمى؛ فهي أصبحت دولة تتحكم بها "مافيا" تسلطية، وارثة لإنتاج عسكري كبير. توهمها ذاك دفعها إلى مقارعة أميركا وأوروبا مع وصول بوتين إلى الحكم، ولكن المقارعة تلك لم تكسبها إلّا عقوباتٍ تتعاظم تباعاً، وتردّياً في أحوال اقتصادها، وحياة أغلبية سكانها. جاء الرد الروسي أيضاً على الدول العظمى عبر دعم القوى الشعبوية اليمينية في أوروبا، المنبوذة بدورها في بلادها، والتي لن يكون لها دور كبير في مستقبل أوروبا، وبالتالي تلعب روسيا في الزوايا الخاطئة لما يؤثر بأوروبا وأميركا. روسيا المتدخلة في سورية، وعلى الرغم من أن ذلك حصل بصمتٍ أميركي وأوروبي، فإنها لم تستفد منه، وتفرض سيطرة حقيقية على سورية، وليس سيطرة زائفة، تتعرّض وستتعرض للانهيار في المستقبل.

كان في مقدور روسيا أن تعقد صفقة وتسوية حقيقية مع أميركا وأوروبا وتركيا وتسيطر على سورية، ولكنها اختارت الطريق الخاطئ، حين تحالفت مع إيران والنظام السوري، ولاحقاً مع تركيا والتنسيق مع إسرائيل، وباعت أسلحة إلى مصر والخليج العربي، وفي العراق لم يكتب لها أي نجاحٍ تستثمره لاحقاً. إنها تتحرك في أماكن لا تهتم بها أميركا، ولهذا تنجح هنا وهناك. وفي سورية لم تهتم أميركا يوماً بإسقاط النظام، وراقبت كيفية تحويل الثورة إلى حرب أهلية وذات بعد طائفي، وكيف تحولت الفصائل إلى إسلامية، أي وافقت على عدم إسقاط النظام وعدم انتشاله

"أخفقت روسيا في إنقاذ نفسها عبر التمدّد عسكرياً في البحر المتوسط، وعبر مئات المعاهدات مع النظام"بسهولة كذلك، وهذا ما ورّط النظام نفسه فيه، إذ دفع الأمور نحو ما ذكرنا. روسيا الساعية إلى استعادة مجد الاتحاد السوفييتي، وافقت على الدخول إلى سورية حالما استدعتها إيران والنظام، لنجدة الأخير وخوفاً من دحر إيران ذاتها، ولكن ضعف القوة الروسية وقوة الثورة وكثرة المتدخلين في الوضع السوري، وضعت روسيا في حالةٍ مربكة، واضطرت إلى تفكيك بعض المسارات (جنيف والقرار 2254) واستبدلت بها تفاهمات أستانة وسوتشي، ولكن ذلك جعلها رهينة تحالفاتٍ مع تركيا وإيران، وكذلك للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أي لأميركا والدول الداعمة للحلف والمشاركة فيه. روسيا بذلك تُحاصر نفسها، ولا تحاصر أميركا أو أوروبا، اللتين لم تقولا يوماً إنهما طامعتان في سورية. سياسات روسية الهشّة دفعتها إذاً إلى أن تكون رهينة أعدائها وحلفائها في آن واحد!

ثورتا العراق ولبنان كانتا وبالاً على روسيا والنظام في سورية، حيث حاصرت الثورتان نظاميهما اللذين كانا بمثابة منفذَين للنظام السوري على العالم، ولتخفيف الحصار عليه، وضمن ذلك لم يعد في مقدور النظام العراقي دعم شقيقه السوري بمليارات الدولارات أو بالمليشيات. النظام يتهاوى اقتصادياً بفعل ذلك، وروسيا وإيران المحاصرتان لا تستطيعان إنقاذه، وهو لا يستطيع السير بالضغط على التجار أو الفاسدين إلى النهاية، حيث هو ذاته غارق في الفساد وحامٍ لهم في آن واحد. نتيجة ذلك كله، العملة السورية تنهار، ورصيد البنك المركزي من العملة الصعبة يكاد ينفد، والوضع المعيشي لأغلبية السكان يتردّى، وهناك من يتوقع ثورة جياع في المناطق المحسوبة على النظام. كل هذا الفشل يعني شيئاً أكبر من النظام، فالأخير خارج العلاقات الدولية منذ أكثر من ثماني سنوات، بينما الفشل الحقيقي يطاول روسيا التي لم تستطع تعويم النظام مجدّداً، ليس لدى أوروبا، بل في الخليج كذلك. وتركيا ما زالت تماطل في إقامة علاقات معه، ولديها شروط سياسية عليه كما حال أميركا وأوروبا. وبخصوص إسرائيل، ليس بمقدور روسيا إقامة سلم بينها وبين النظام في الظروف الحالية. روسيا تكدّس الفشل تلو الآخر إزاء سورية ومع السوريين، وهي بذلك لا تستطيع شرعنة النظام دولياً وإقليمياً، وهي ذاتها تتعرض لعقوبات جديدة.

وسيكون قانون سيزر الذي تتوقع أوساط كثيرة تمريره في الولايات المتحدة بمثابةِ حصار أميركي كبير على النظام وعلى حلفائه، وسيُغلق المنافذ التي كانت واشنطن تسمح بها، وسيشمل كل الدول والأشخاص الذين كانوا يسهلون للنظام تأمين احتياجاته الصناعية والتجارية والعسكرية، وستطاول آثاره روسيا كذلك، وسيشمل كل الشخصيات الأساسية في النظام والمتعاملين معه. تضاف إلى هذا القانون السياسة التي سيطرت أخيراً الولايات المتحدة بموجبها على أغلبية آبار النفط السورية، أي منعت النظام وروسيا نهائياً من الاستفادة منها، وأميركا بذلك تصبح شريكاً مباشراً في أية تسوية سياسية تخص مستقبل النظام.

أخفقت روسيا في إنقاذ نفسها عبر التمدّد عسكرياً في البحر المتوسط، وعبر مئات المعاهدات مع

"هناك من يتوقع ثورة جياع في المناطق المحسوبة على النظام"النظام للهيمنة على الاقتصاد السوري، وعلى مختلف مؤسسات الدولة، حيث لأميركا وأوروبا دور مركزي في إعادة الاعمار، أو في تسهيل أيّة سياسات روسية جادّة في سورية. وإذا لم يوقّع ترامب قانون سيزر، فلن يتوقف ذلك الإخفاق والحصار الذي يتعاظم ضد النظام، ولكن الضغوط التي يتعرّض لها الرئيس الأميركي داخلياً، وعدم وجود شق عسكري لقانون سيزر، سيشجعان ترامب على توقيعه على الأغلب.

ولكن، إذا لم يوقّع الرئيس أو وقّع على قانون سيرز، فإن روسيا معنية بإيجاد سياسة جديدة، تنهي مسار الآستانة وسوتشي وكذلك اللجنة الدستورية، حيث لا إمكانية حقيقية لحلِّ روسي مستقل للوضع السوري، وعدا ذلك أصبحت المعارضة السورية ضعيفة، وسيجري احتواء قوات سورية الديمقراطية (قسد)، سيجري احتواؤها لاحقاً عبر أية تسوية سياسية جادة. وهنا ستجد روسيا نفسها أمام أهداف الثورة السورية مجدّداً، أي ضرورة إحداثِ تغييرٍ كبير في طبيعة النظام، ليجري تعويمه مجدّداً في النظام العالمي، وهذا فقط ما سيسمح بتمويل مشاريع المعاهدات التي عقدتها روسيا مع النظام!

وفي حال اعتماد قانون سيزر، في ضوء الوضع الإقليمي والمحلي للنظام، وضعف القوة الروسية، سيكون لذلك تأثير كبير بمستقبل النظام. العقوبات هذه لن يستطيع الأخير تفادي خطورتها، بل قد تكون لها مفاعيل كبيرة تغيّر من كل المعادلات التي حاولت روسيا تفاديها وتغييرها وخلق معطيات جديدة. روسيا ستكون أمام بنود اتفاق جنيف1 مجدّداً، فهل تعي إخفاق سياساتها، والكوارث التي أدخلت سورية فيها، وساهمت في تدميرها ومقتلة أهلها وتشريدهم؟ روسيا المخفقة هي عدو الشعب السوري، وهذا يدفعنا إلى القول إن مهزلة جلسات اللجنة الدستورية، وكل مسار أستانة وسوتشي يجب أن تشطب كلياً ليكون لروسيا أو لبقية الدول المتدخلة في سورية مبررات لوجودها في سورية.

التحليل أعلاه، يفرض على كل أشكال المعارضة السورية، أو الفاعلين ثقافياً وسياسياً، تلمّس الجديد العالمي هذا، ووضع النظام كذلك، والتحرّك مجدّداً في ضوء أهداف الثورة وجنيف1 وكل القرارات الدولية التي تساعد في انتقال سورية إلى بلدٍ ديموقراطي. فهل تعي تلك الأشكال حساسية المرحلة الجديدة، وتنسحب من "أستانة" واللجنة الدستورية، وأية وثائق عقدتها بإشراف الروس وحلفائهم، وتتمسّك مجدّداً بما ذكرنا.

===========================

حقائق كشفتها الثورة السورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 14/12/2019

بعد ثورة الحرية، تكشّفت أكاذيب كثيرة اعتبرت حقائق لا يرقى إليها شك، أبقتها الأسدية حاضرة في حياة معظم السوريين ووعيهم نيفا وأربعة عقود، أكثرها أهمية أكذوبة أن النظام قوي والمجتمع ضعيف، وأن حكام سورية متفوقون على محكوميها، فكريا وأخلاقيا بصورة خاصة.

بعد الثورة، زالت الغشاوة عن أعيننا، ونحن نرى مجتمعنا الأعزل، المغيّب عن السياسة، والذي شنّت الأسدية عليه حربا مباغتة بجميع أنواع الأسلحة، يصمد قرابة عقد أمام جيشٍ منظم وقابض منذ نصف قرن على أعنّة البلاد والعباد، بل ويحرّر قرابة 70% من وطنه، ويوشك أن يسقط الأسد وعصابته مرة أولى عام 2013، وثانية عام 2015، ولم ينقذه غير تدخل عسكري قامت به قوتان عظميان، إقليمية ودولية. ومع ذلك، فشلتا في حسم الصراع لصالحهما، ولذلك يقرّ العالم، وتقرّان كلاهما باستحالة الحل العسكري الذي كان خيارهما، والسبب ما أبداه المجتمع السوري من قوة في نضاله من أجل حريته، وتصميمه على إخراج الأسد من السلطة.

لم يُبد المجتمع السوري قوة خارقة وحسب، وإنما أظهر أيضا تفوقا أخلاقيا باهرا على العصابة الأسدية، تجلى في نوع مطالبه، وفي تمسّكه بها، على الرغم مما تعرّض له من قتل وتهجير وتعذيب وتجويع طاول كل فرد فيه، وأظهره من كبرياء في مواجهة محاولات إذلاله، وثنيه عن ثورته، بينما بلغ فساد أهل السلطة وانحطاطهم درَكا لم يبلغه أحد قبلهم، سواء في أسلوب معالجتهم المطالب الشعبية النبيلة، أم في الطريقة الإجرامية التي اختاروها لتدمير وجوده. أليس سموّا أخلاقيا أن يعلن شعبٌ يقتله من يفترض أنهم أبناؤه مطالبته بالحرية لهم أيضا، لأن الشعب السوري واحد، ويجب أن ينالها كل فرد فيه، بينما رفع الأسد راية "نحن أو هم"، ولا حياة لنا من دون القضاء عليهم.

فضحت الثورة حجم فارق القوة بين المجتمع السوري والأسدية، والهوّة بين شعبٍ يطلب الحرية حتى لمن يحملون السلاح ضده ومن وعدوا السوريين بالحرية نيفا ونصف قرن، وحين ذكّروهم بتنفيذ وعدهم، شرعوا يبيدونهم عقابا بسلاحٍ كانوا يزعمون أنه مكرّس لحمايتهم. يقال إن الثورات تكشف حقيقة الحكام، ومع أن حقيقة الأسديين كانت جلية، لم يتصوّر السوريون أن يكون حكّامهم قتلة بالمعنى الجنائي للكلمة، لكنه ما أن انفجر الغضب، وعرّاهم من ورقة التوت، حتى رأى العالم قدرا من الانحطاط الأخلاقي لا يصدر عادةً عن بشر، وندر وجوده في التاريخ، دفع السلطة إلى ارتكاب قرابة أربعمئة مجزرة ومذبحة ضد الآمنين والعزّل، واستخدام أسلحة تستخدم لأول مرة في تاريخ المنطقة، كالبراميل المتفجرة، فلا عجب إن اقتصرت علاقتهم بالشعب على القتل والتجويع والتهجير والموت تحت التعذيب، وأن الأسد وعصابته دخلوا تاريخ الإجرام من أوسع أبوابه، وصاروا سبّة العصر والجنس البشري، حتى صار يكفي أن تقول أنا سوري، حتى يبادرك سامعوك إلى السؤال: من أين جاء هذا الوحش الذي يقتلكم؟

تبنّت الثورة السورية مطالب لو نفذ ربعها، لكان شعبها يرفل بثوب العدالة والإخاء، ولما سفكت دماء أحد من أبنائه، ولحققوا حريتهم ونال كل مواطن منهم حقوقه، ولنعموا بالمواطنة وحكم القانون، لكن المجرم أبى إلا أن يتمسّك بنظام الغابة ودولته العميقة التي قمعت ونهبت الشعب نيفا ونصف قرن، وما أن طالب بحقه في الحرية، حتى أفقده القتلة حقه في الحياة.

سيسجل التاريخ أن شعب سورية ارتقى بثورته إلى صعيدٍ مفعم بالقيم النبيلة والأخلاقية، وأن الأسدية لم تواجهه بغير قدر من الانحطاط الأخلاقي والسياسي، قوّض حقها في الوجود، وأغرقها في دماء من يقاومونها بأرواحهم العارية منذ نيف وتسعة أعوام، ولن يوقف سيرهم نحو حريتهم شيء أو أحد

===========================


استراتيجية روسيا الصفرية في سورية

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 14/12/2019

تناور روسيا على جبهات عديدة، وتشتغل دبلوماسيتها بكامل طاقتها، وتسخر آلتها العسكرية جهوداً جبارة، والغرض عدم حدوث تغييرات ذات قيمة في سورية بعد الحرب، والاقتصار على إجراءات شكلية لا تؤثر على بقاء نظام الحكم المستبد، ولا تضمن تغيير أدائه لصالح واقع أفضل. تفعل روسيا ذلك، نتيجة تقدير عدم وجود مخاطر أو تهديدات ذات قيمة من شأنها التأثير على وجودها في سورية، أو التأثير على إستراتيجيتها، أقله في الزمنين، المنظور والمتوسط، وتركن في ذلك إلى حقيقة أنها استطاعت، عبر سنوات وجودها الأربع، تحييد جميع الأطراف الخارجية، بل ونسج علاقات معها تساعدها على الاستقرار والتحكّم في سورية مدى زمنيا لا بأس به.

وانطلاقاً من هذا التقدير، تسعى روسيا إلى هندسة العملية السياسية بالأسلوب الذي استطاعت من خلاله إخراج اللاعبين، الدوليين والإقليميين، من اللعبة، أو على الأقل حصر تأثيراتهم في أضيق مساحة ممكنة، ومن ثم إجبارهم على القبول بمخرجات العملية السياسية التي تديرها والتفاعل معها، وبذلك تكون روسيا قد حقّقت نصرها في سورية، واستعادت مكانتها الدولية من دون الاضطرار إلى إجراء تسويات مهمة في هذا الخصوص. ولكن إلى أي مدى تستطيع روسيا تحقيق هذا التصوّر، وما هي أدواتها لفعل ذلك؟

الخطأ الأول، في التقدير الروسي، أن سورية لا تقع في المجال الحيوي الروسي، مثل الشيشان

"روسيا تفتقد الأدوات اللازمة للنهوض بسورية من حالة الحرب إلى حالة السلم" وجورجيا، ما يقلص درجة الاهتمام الدولي بهما، لانتفاء المصالح ووجود نسبة عالية من المخاطر أمام قدر متدنٍ من الفرص، في حين تقع سورية وسط منطقة تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية التي تفرض على اللاعبين المختلفين وضعها في جدول اهتماماتهم، الأمنية والمصلحية. وبالتالي، استمرار حالة اللا استقرار، وكذا بقاء الأوضاع فيها مفتوحةً على احتمالات عديدة، من شأنها دفع اللاعبين الآخرين إلى محاولة تغيير المعادلات التي أسستها روسيا، والبحث عن صيغ جديدة.

الخطأ الثاني، استمرار روسيا في المقاربة نفسها للحدث السوري، التي استخدمتها في مرحلة تصفية الوجود العسكري للمعارضة، والعمل على نقلها إلى المجال السياسي، والتفاوض من أجل الخروج من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلم، وهي مقاربةٌ معطوبةٌ قامت بالأساس على الانحياز لطرف معين في الحرب. ولم تُخف عداءها الأيديولوجي لطيف واسع من السوريين، إن لم يكن لأكثريتهم، وإذا كانت روسيا قد غلفت استراتيجيتها العسكرية بخطاب الحرب على الإرهاب الذي منحها قدراً واسعاً من الحرية للحرب على أغلبية السوريين، فإنه يستحيل عليها البناء على تلك الذريعة في مقاربتها السياسية وضمان النجاح فيها.

ما لم يفهمه الروس، ويصرّون على تجاهله، حقيقة أن الجزء الأكبر من نجاحهم تحقّق بفضل مساعدات الأطراف الأخرى، على الأقل لم يصنعوا عقباتٍ في طريق روسيا للسيطرة على سورية، بل إنهم زودوها بمفاتيح لأبوابٍ كثيرة مغلقة، حتى الأمم المتحدة نفسها زودتها بإحداثيات المستشفيات التي قصفتها طائراتها، وكانت أحد أسباب انهيار البيئات الحاضنة للفصائل. ولكن هذه الأوضاع التي حصلت بحسن نية، أو بسوء نية، لن تستمر، والمساعدة الإقليمية والدولية توقفت عند هذه الحدود، ربما لأن تلك الأطراف حققت مصالحها، لكن الأهم أن روسيا لم يعد لديها شيء تمنحه لتلك الأطراف لتحفيزهم على مساعدتها.

الخطأ الأكبر في الإستراتيجية الروسية افتقادها الأدوات اللازمة للنهوض بسورية من حالة الحرب إلى حالة السلم، فليس بين يدي روسيا سوى نظام يترنح بكامل هيكليته، قد يصلح لوضعه في فاترينة عرض، والقول للأطراف الدولية إنه نظام شرعي وصالح للحكم. وليس لدى أي طرف دولي مشكلة في التغاضي عن هذه الكذبة، ما دامت لا تنوي شراء المعروض. ولكن إن أرادت روسيا ترجمة هذه الكذبة في الواقع ستجد نفسها متورّطة بهيكل متصدّع ومنظومة متفتقة، لا يمكن رتقها وإصلاحها، ولا يمكنها بالتالي حمل مهمةٍ بحجم قيادة بلد محطم من الحرب إلى الإعمار.

لا يستطيع نظام الأسد توليد الديناميات اللازمة للدخول إلى مرحلة ما بعد الحرب. وفي ظل شحّ

"استمرار حالة اللا استقرار، وكذا بقاء الأوضاع فيها مفتوحةً على احتمالات عديدة، من شأنها دفع اللاعبين الآخرين إلى محاولة تغيير المعادلات التي أسستها روسيا"الموارد وندرتها، والأوضاع الاقتصادية المأساوية، تحتاج سورية إلى أفكار وقيم جديدة ومحفزّات قادرة على إنتشالها من هذا الواقع. ومع وجود نظام الأسد، بعقليته الفاسدة وافكاره المتخلفة، وفي ظل تراجع القيم الوطنية في سورية، يبدو مستحيلا عبور المرحلة الجديدة بهذه الأدوات. وحتى لو استطاعت روسيا إقناع بعض المانحين بالاستثمار في سورية، فلن يطول بهم المقام، ليكتشفوا أن حساباتهم خاطئة، لأنها لم تأخذ هذا المعطى بالاعتبار، وهو انحطاط البيئة السورية، في ظل حكم منظومة الأسد، وعدم قدرتها على إنجاز أي شيء حقيقي.

المشكلة أن روسيا وإيران دولتان عسكريتان ريعيتان وفاسدتان، لم تجرّبا الانخراط بعمليات تنموية كبيرة بحجم إعمار بلد مدمر، ولا تدركان أهمية البعدين، المعنوي والوطني، في إنجاز هذه العملية، والمناخ الذي تحتاجه عمليةٌ كهذه من حرية التفكير إلى الإحساس بالانتماء لهذا الواقع المُراد بناؤه.

لقد ضحّى نظام الأسد بالنخب التقنية والمتعلمة. لم يعرف كيف يستفيد منها زمن الحرب، والآن أصبحت أسهما في أرصدة ثروات الدول التي استقبلتها، ولا يوجد ما يشجعها على العودة. كما حطم أسس الوطنية السورية، وبذلك دمّر رأسمال رمزيا مهما كان يمكن أن يكون عاملاً مساعداً على تجاوز هذه المرحلة. وما لم يتم إصلاح هذه الأعطاب في الجسد السوري، وتغيير مكانيزمات المقاربة الروسية للحل، سيكون مستحيلاً، على روسيا، تحقيق أي نتيجة إيجابية لتدخّلها في سورية، ولن تنفعها مناوراتها وتكتيكاتها لتدجين المعارضة السورية وخداع اللاعبين الآخرين.

===========================

هل تآمر ضباع العالم على الثورة فقط أم على سوريا شعباً ونظاماً ومعارضة؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 14/12/2019

كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقية، لا بد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف ضد طرف في المسألة السورية، بل كي نفهم الواقع بشكل دقيق. لقد لاحظنا منذ بداية الثورة أن هناك ميلاً لدى غالبية السوريين المعارضين للنظام لتصوير أنفسهم دون غيرهم على أنهم ضحية المؤامرات الدولية، وأن العالم أجمع في الشرق والغرب متحالف مع النظام ضد الثورة والمعارضة. وقد امتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بمنشورات وتعليقات منذ سنوات، وكلها تتحدث عن التآمر الدولي والعربي مع النظام ضد الثورة. ولطالما قرأنا مقالات وكتابات تتحدث بإسهاب عن الحماية الإسرائيلية لنظام الأسد، وأن النظام لولا الغطاء الإسرائيلي لكان قد سقط منذ الأيام الأولى للحراك في سوريا قبل أكثر من ثمان سنوات.

ولطالما قرأنا وسمعنا أن أمريكا وإسرائيل والغرب عموماً هو الذي طلب من الروس والإيرانيين التدخل في سوريا لحماية النظام من السقوط بعد أن اعترف الروس أنفسهم بأنه كان على وشك السقوط الكامل فعلاً لولا تدخلهم. ولا شك مطلقاً بأن التدخل الروسي والإيراني المدعوم أمريكياً أعاد الحياة للنظام المتهاوي وقضى على معظم الفصائل التي كانت تقاتله في أكثر من منطقة بسوريا. ولا شك أن الروس قلبوا المعادلة على الأرض لصالح النظام باستخدام القوة الجوية العاتية التي دمرت البلاد وشردت العباد. ولا يمكننا هنا أيضاً أن نبرئ هذا النظام الفاشي من التآمر مع الروس والإيرانيين وكل داعميهم الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين على الثورة السورية والشعب السوري وعلى سوريا ذاتها. لكن هذه الحقائق الدامغة يجب ألا تعمينا أيضاً أن نفس القوى التي وقفت إلى جانب النظام وقلبت الأوضاع لصالحه منذ التدخل الروسي عام 2015 هي نفسها من تآمر على النظام أيضاً في المقام الأول، وهي من أوصلته الآن إلى الحضيض. وهناك آلاف الأمثلة التي تؤكد ذلك.

دعونا نسلم بأن هناك غطاء دولياً يحمي النظام منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، وأن حتى إسرائيل التي يشيع النظام في إعلامه بأنها عدوته الأولى، ما زالت تحميه من السقوط في الدوائر الأمريكية. وكلنا يعلم أن إسرائيل لو كانت تريد إسقاط النظام فعلاً لاستغلت انهيار الجيش السوري قبل الغزو الروسي لسوريا وسحبت البساط من تحت النظام وأنهته إلى غير رجعة دون أن تطلق عليه رصاصة واحدة، لكنها لم تفعل، لا بل قامت بتسليم المنطقة الجنوبية التي كانت تديرها مع قوى المعارضة للنظام والروس، وأعادت العمل بالمعاهدات الدولية القديمة التي كان النظام بموجبها يحمي الحدود الإسرائيلية. ولا ننسى أن إسرائيل وأمريكا منعتا تسليم قوى المعارضة صاروخاً واحداً مضاداً للطائرات كي يبقى الأسد مسيطراً على الجو وقادراً على حرق الأخضر واليابس عبر البراميل المتفجرة. هذه حقائق لا يمكن التعامي عنها مطلقاً. وقد سمعنا وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان وقتها يوكد على أن التنسيق بين الروس والإسرائيليين جار على قدم وساق في سوريا على مدار الساعة. وهو ما يؤكد أن الأمريكيين والإسرائيليين يباركون إعادة الحياة للنظام. وقد ظهرت وثائق أمريكية مؤخراً تؤكد بأن الرئيس الأمريكي وقتها أوباما هو الذي ضغط على الرئيس الروسي بوتين كي يتدخل في سوريا للقضاء على المعارضة وإعادة السيطرة للنظام. ونحن نعلم أيضاً أن كل ما حصل من وحشية روسية وإيرانية وأسدية بعد التدخل الروسي في سوريا كان كله بضوء أخضر من أمريكا والغرب والعرب عموماً. لا شك في ذلك. لكن ذلك يجب ألا يُنسينا أيضاً أن نفس القوى التي ساعدت النظام بعد التدخل الروسي هي من زلزلت الأرض تحته قبل التدخل، وهي التي أوصلته الآن إلى هذا الوضع المزري الذي أصبح فيه الرئيس السوري خامس أقوى رئيس في سوريا، وأصبح فيه الجيش السوري مجرد تابع للقاعدة الروسية في حميميم والميليشيات الإيرانية المنشرة في كل البقاع السورية.

من الخطأ القول إن اللعبة الكبرى كانت فقط تستهدف قوى المعارضة والثورة فقط، لا أبداً، بل كانت تستهدف سوريا كلها، شعباً ومعارضة وثورة وثروات ونظاماً

صحيح أن ضباع العالم أحيوا النظام وأضعفوا قوى المعارضة، لكن كيف ننسى أن كل الجماعات والأسلحة التي حرقت جيش النظام وقتلت منه مئات الألوف كانت كلها بدعم أمريكي وإسرائيلي وغربي وعربي عموماً؟ لماذا نسينا أن الاستخبارات الأمريكية كانت تدير كل الفصائل والعمليات العسكرية ضد النظام شمال سوريا؟ ألم يقل بعض المعارضين السوريين إنهم كانوا يجلسون على طاولة يترأسها ضابط استخبارات أمريكي وإلى جانبه ضباط أوروبيون من أكثر من دولة أوروبية لتخطيط وتوجيه العمليات ضد النظام السوري؟ لماذا دخلت شاحنات الأسلحة الرهيبة إلى سوريا بمباركة الأمريكي والإسرائيلي، أليس لدك قوات النظام وإضعافها وإنهاكها؟ ألم تعترف روسيا أن قوى المعارضة مدعومة من أمريكا والعرب كادت أن تسقط النظام قبل التدخل الروسي بعد أن استولت على ثمانين بالمائة من سوريا وبعد أن قتلت عشرات الألوف من جنوده، ودمرت ترسانته العسكرية ومواقعه الاستراتيجية؟ هل كانت هذه مجرد مداعبات للنظام أم كانت ضربة نجلاء لجيشه وهيبته وقواعه ومكانته؟

ألم يصبح النظام بعد التدخل الدولي مجرد أداة في أيدي اللاعبين الكبار في سوريا؟ هل مازال يدير الدفة في البلاد، أم صار تابعاً ذليلاً لمن حموه؟ هل مازال يسيطر على سوريا؟ هل ستعود «سوريا الأسد» التي كانت؟ ماذا بقي من جيشه؟ ماذا بقي من أنيابه؟ ماذا بقي من الليرة السورية ومن الخزينة؟ ماذا بقي من اقتصاده؟ ماذا بقي من هيبته؟ لا يمكن لأمريكا وإسرائيل أن تفعلا بالنظام ما فعلتا لو كان فعلاً كلبهما المدلل، فلا أحد يربي كلباً كي يكسر رجله ويفقأ عينه ويهشم رأسه ويبقر بطنه، لكن أمريكا وإسرائيل كسرتا أنياب الكلب، ودقتا رأسه، وأشبعتاه ركلاً وسحلاً، بحيث فقد معظم أنيابه وصار كلباً ذليلاً يتوسل ويتسول الحماية من القاصي والداني. لم يعد النظام ذلك اللاعب القوي على الساحتين العربية والإقليمية، بل تحول إلى ملعب، أو كرة قدم تتقاذفها الأرجل، ولم يعد يملك من أمره شيئاً. ما هو موقف الأسد عندما يرى رؤساء روسيا وتركيا وإيران يجتمعون كل فترة لتقرير مصير بلده ونظامه؟

قد يقول البعض أن هذا النظام منذ وصوله إلى السلطة عام 1970 كان نظاماً وظيفياً خادماً أميناً للمشروع الصهيوني في المنطقة، وأنه ينفذ المخطط الصهيوني في سوريا والمنطقة بإخلاص، ولا شك في ذلك، لكنه انكشف الآن تماماً بعد أن فضحه مشغلوه وجعلوه يبدو في عيون السوريين والعرب ككلب صيد متوحش في خدمة أسياده في واشنطن وتل أبيب وموسكو، لا بل بات الآن كلب صيد هزيلاً لا يقوى على الصيد لأسياده. نعم كان هذا النظام خنجراً صهيونياً مسموماً في جسد سوريا والمنطقة، ولا شك في ذلك، نعم كان أداة قذرة في مشاريع الآخرين، لكنه فقد الآن ورقة التوت التي كان يغطي بها عوراته الكثيرة وقد لعبوا به كرة قدم كما لعبوا ببقية الأطراف.

ربما يمكننا القول إن السياسة الأمريكية كانت واضحة، ولكن الغالبية لم تستطع قراءتها كما يجب، فالأمريكان أرادوا إذلال الأسد قدر الإمكان حتى تتم عملية سحب كل الخيرات السورية أو أهمها إن صح التعبير تحت مظلتهم، وهي ملفات بغاية الأهمية يبدو أن تحقيقها بعد سقوط الأسد كان أمراً غير مفضل، فأبقوه في السلطة وكأنه رهينة لا رئيس، وتركوا المعارضة أيضا معلقة بحبال الآمال، وهي حبال أيضا ترفض واشنطن قطعها، بل ربما سيأتي يوما وتقوم الولايات المتحدة بتثبت تلك الأوتاد، وقطع حبال الأسد.

صدقوني، لولا الموقف الأمريكي الرافض للأسد اليوم، لم تكونوا لتروا لا أستانا ولا سوتشي ولا لجنة دستورية ولا ولا ولا، كل هذه المسارات موجودة لأن أمريكا لم تعط الضوء الأخضر لتعويم الأسد، وفي ذات الوقت موقفها هذا يجعل المعارضة السورية حية ترزق، ولولا هذا الموقف لكانت الأحوال اليوم خلاف على ما هي عليه بالمطلق.

بعبارة أخرى، من الخطأ القول إن اللعبة الكبرى كانت فقط تستهدف قوى المعارضة والثورة فقط، لا أبداً، بل كانت تستهدف سوريا كلها، شعباً ومعارضة وثورة وثروات ونظاماً.

===========================

موقفنا : جزاكِ الله خيرا يا ابنتي .. هل تتركين الجامعة من أجل النقاب ..!؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

17/ 2 / 2019

قرار رئيس جامعة دمشق منع النقاب في الجامعة هو قبل كل شيء عدوان على ما يسمى المنظومة الدولية لحقوق الإنسان . الذي اعتبر اختيار اللباس من حقوق الرجال والنساء .

ثم فيه استخفاف بقيم الإسلام ، وثقافة المجتمع السوري عموما ، وتمسك المرأة السورية بالصون والحياء والعفاف . وتقرير هذه الحقيقة لا ينفي هذه الأوصاف عن غير المنقبات .

ولكي لا تطول علينا الألسنة الحداد الأشحة على الخير نحب أن نذكر أن بشار الأسد قد سبق أن عزل جميع المعلمات والمدرسات السوريات العفيفات الشريفات من المنقبات من ميدان التعليم عموما ، ومن جميع دواوين الدولة العامة ، وألقى بهن كنوع من العقوبة والاستخفاف في قاع المستودعات المظلمة الرطبة .

ففي 1/ 7/ 2010 أصدر وزير التربية علي سعد قراره بإبعاد نحو 1000 معلمة عن ميدان التعليم وكان بعد الألف ما كان أذكر بهذا لكي لا يقول قائل إن الثورة هي السبب . وأعيد التأكيد أنني حين أصف المنقبات بالعفة والشرف لا أنفي هذا الوصف عن سواهن من السوريات المحجبات بلا نقاب ، والمحتشمات منهن بشكل عام .

من الواجب على كل ذي أهلية دينية أو مدنية أن يستنكر القرار الجائر الذي يؤسس لدولة المروق والفجور ونظام المتعة المريبة التي يتشارك في التأسيس لها : بوتين وقاسم سليماني مع بشار الأسد ..

من واجب كل السوريين من أهل العفة والشرف والنبل أن يوحدوا جهودهم في مقاومة هذا التأسيس الجائر الفاجر لمجتمع الاستبداد والفسوق والمروق والعصيان . وأمام مثل هذا القرار الفاسد المفسد المستخف بدين الله وشعائره وحرماته يجب أن تتمعر الوجوه ، وتحمر الأنوف ويجد الساعي في المسعى .. ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ).

وستكون مشكورة كل فتاة سورية تتمسك بحقها المدني الأساسي ، وبحقها الديني الشرعي الذي يبقى فوق الرئيس والمرؤوس في كل الأحوال والعصور ، تتمسك به أو تدفع عنها كحق من حقوق أختها المنقبة ، وكخيار من خياراتها ...

وبعد ومن خلال متابعتي لمواقف بعض الفاضلات من الطالبات السوريات وجدت بعضهن من حرقة ومن ألم ومن حرص على دين وعرض يعلن أنهن مستعدات أن يتخلين عن جامعتهن ولا يتخلين عن نقابهن ..!!!

وأقول لهن جزاكن الله خير على النية وعلى العزيمة وعلى التضحية.... جزاكن الله خيرا من بنات رجال وأخوات رجال ... وأستدير بالسؤال لمن توجب عليه الشريعة المطهرة حق البيان ...( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ).

أرسل إلي بالأمس أنه لم يفهم قصدي من مقالي : الرائد لا يكذب أهله ..

وأقول له اليوم : الرائد لا يتوارى على مذهب : لا أرى ..لا أسمع ...لا أتكلم ... وكيف ينطق من في فمه ماء ..!!

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

السوريون واليوم العالمي لحقوق الإنسان!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 14/12/2019

مرت الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من الشهر الجاري، من دون أن تلقى اهتماماً لدى غالبية السوريين، بل ربما أثارت عند بعضهم غضباً وألماً، وهم الذين اكتووا خلال تاريخهم بنار الاستهتار بمبادئها وانتهاك معانيها، وتجرعوا خلال ثورتهم ما تقشعر له الأبدان من القهر والتنكيل بحيواتهم وممتلكاتهم وأبسط حقوقهم.

فبأي عين يمكن أن ينظر السوريون إلى هذه المناسبة وقد صار كل شيء مباحاً ضدهم في معادلة الدفاع عن التسلط والامتيازات، ولم يعد لكينونتهم قيمة تذكر في صراع دموي انفلتت أدواته العنيفة وذهبت أطرافه بعيداً في الفتك والتنكيل؟ أو في حضرة اعتقالات عشوائية وتغييب قسري لمئات الألوف من السوريين، منهم من اعتقل لأنه أغاث محتاجاً أو قدم عوناً لنازح، ومنهم لأنه أسعف جريحاً أو بادر لرصد وتوثيق ما يجري، ومنهم لأنه فقط كان ينتمي لإحدى المناطق المتمردة، والأنكى أن سنوات عديدة قد مضت على اعتقالهم ولا تزال غالبيتهم من دون محاكمة أو معرفة لأماكن سجنهم، اللهم إلا إذا بادرت السلطة وعممت وثيقة موتهم ولنقل قتلهم، كي يكف أهاليهم عن السؤال عنهم ومتابعة مصيرهم؟!

وماذا تعني تلك الذكرى لسوريين قابعين في مناطق خرجت عن سيطرة النظام وباتت في قبضة منظمات جهادية، كما الحال اليوم في مدينة إدلب وريفها وبعض أرياف حلب وحماة؟! ويمكن للمتابع أن يدرك أحوال البشر هناك حين تندفع بعض الجماعات المسلحة لتصفية الحساب عشوائياً مع من تعتبرهم معارضين لها، أو تستخدم مختلف ألوان التعذيب والإذلال ضد مواطنين أبرياء بذريعة تجاوز نمط الحياة المفروض عليهم، ثم تتباهى بإعدام بعضهم، ذبحاً وحرقاً، ناهيكم عن اغتيال الناشطين السياسيين والإعلاميين، ومحاربة أشكال التنظيم المدني والإداري واعتقال المنتخبين في المجالس المحلية وتصفية بعضهم، ويمكن للمتابع أيضاً أن يقدر الدرك الذي وصلت إليه حقوق الإنسان هناك، حين يحرم الأطفال من فرصهم في التعليم والرعاية وتفرض عليهم مناهج دينية تدمر قدراتهم على المحاكمة والنقد والاختيار أو عندما تغدو المرأة عورة وتحرم من حقها في العمل والتنقل والاجتهاد!

وأيضاً، ألا تغدو حقوق الإنسان في أسوأ حالاتها مع إصرار العقل المعارض على تكريس النهج السلطوي ذاته في موقفه من الكائن البشري، وتسويغ العنف والتضحية بالإنسان وحقوقه على مذبح المصلحة السياسية؟! والأدلة كثيرة، منها دعم غالبية قوى المعارضة لكل معركة عسكرية ضد النظام حتى لو ارتدت نتائجها مأساة على المدنيين واتخذت أبعاداً مذهبية بغيضة تعمق حدة التخندقات والشروخ الوطنية، ومنها دفاعها الأعمى عن المتطرفين الإسلامويين والترويج على أنهم جزء من مسار الثورة وأدوات التغيير، وإشاحة النظر عن انتهاكاتهم وتجاوزاتهم الطائفية والانتقامية بحجة عدم تشتيت الانتباه عن دورهم في مواجهة النظام، ومنها أخيراً تلك الدرجة من إهمال واستهتار المعارضة بما يكابده اللاجئون السوريون، مع تصاعد الدعاية والممارسات العنصرية ضدهم، ومع تردي شروط حياتهم وتحول أطفالهم إلى مشردين منبوذين بلا مأوى أو مدارس أو رعاية صحية.

وأي قيمة يمكن أن يمنحها السوريون لشرعة حقوق الإنسان عندما تهتز ثقتهم بصدقية المجتمع الدولي الذي طغت لديه لعبة المصالح الأنانية والمطامع التنافسية الضيقة في التعاطي مع بلدهم وتخلى عنهم في أشد محنة يتعرضون لها؟! أو حين يتنامى الفكر الشعبوي العنصري وتتراجع الضوابط الأخلاقية والإنسانية عالمياً، وينكشف عمق العجز الأممي عن المبادرة لوقف العنف المفرط وحماية المدنيين، تجلى الأمر في المحنة السورية باستهتار مخزٍ بدماء الأبرياء وما يحل بهم من خراب، وباسترخاء بغيض منح النظام مزيداً من المهل والفرص لممارسة كل أنواع البطش والتجاوزات من دون مساءلة أو حسيب أو رقيب؟!

وما يزيد الطين بلة، أن مبادئ حقوق الإنسان لم تحظ في بلدنا بأي اهتمام طيلة عقود، ولم تحتل الحيز الذي يليق بها كقيمة من قيم الذات البشرية، والسبب الرئيسي هو سيطرة وسطوة آيديولوجية متعددة الأشكال والصور على حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، آيديولوجية اعتبرت الإنسان مجرد أداة رخيصة لتنفيذ أجندتها لا قيمة له ولا حقوق، فباسم الكفاح من أجل تحرير فلسطين والوحدة العربية برر التيار القومي رفضه لمبادئ حقوق الإنسان على أنها وسيلة استعمارية لتمكين النفوذ الغربي ومطامعه، ووقف التيار الاشتراكي ضدها لأنه رأى فيها بوابة تستخدمها الليبرالية للتفريط في العدالة الاجتماعية، بينما رفضها تيار الإسلام السياسي لأنه يراها في حساباته بدعة غربية وغريبة عن مجتمعنا، خاصة أنها تمنح البشر القدرة على تقرير مصائرهم وتجعلهم مصدر السلطات بينما تقول مرجعيته بأن الحاكمية هي لله وحده، والأسوأ هو توافق هؤلاء الآيديولوجيين جميعهم على الطعن بأهلية الناس وقدرتهم على ممارسة هذه الحقوق والادعاء بأن إطلاقها يهدد الأمن والاستقرار في مجتمع متخلف كمجتمعنا!

يحق للكثيرين الاعتقاد بأن تذكير السوريين اليوم بمبادئ حقوق الإنسان هو أشبه بصرخة يائسة في ظل سطوة السلاح وسيادة منطق القهر والعنف، لكن لنسأل، أي خيار يبقى عند البشر إن تخلوا عن حقوقهم؟ وهل كنا لنصل إلى ما نحن فيه لولا تغييب دور الإنسان في المشاركة وفي تقرير مصيره ومستقبل وطنه؟! والأوضح، هل يمكننا، من دون إرساء مبادئ حقوق الإنسان، تخيل المشهد السوري في رحلة تعافيه نحو الخلاص من حرب دموية طويلة... في ضمان عودة اللاجئين السوريين والمهجرين قسرياً إلى ديارهم... في معرفة مصير الضحايا والمعتقلين ومحاصرة الشروخ والاندفاعات العرقية والطائفية والمذهبية، واستدراكاً في وقف هذه المأساة المروعة وإنقاذ وطن ودولة يهددهما التفكك والتهالك ومشاريع التنازع والتقسيم الإقليمية والعالمية؟

ولكن، لعل ما يضفي على هذا الخيار بارقة أمل، ويعيد لحقوق الإنسان روحها وألقها، أن تتزامن ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا العام، مع ثورات متقدة في لبنان والعراق وإيران، وهي ثورات تبدو من طابع حشودها وشعاراتها وأساليبها كأنها تؤسس لأوطان جديدة عمادها حقوق الإنسان، ولنقل كأنها تطلق آفاقاً واسعة لصالح إعلاء شأن الحياة والحرية والكرامة والمساواة في مواجهة طغيان الآيديولوجيا وغطرسة الفساد والمصالح الضيقة وحماقة لغة القوة والعنف.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com