العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22-11-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

يحرمون الأسد من السوريين!

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 19/11/2020

(دول المؤامرة الكونية على سوريا تمنع اللاجئين السوريين من العودة إلى بلادهم. إنها نفس الدول التي حاربت سوريا وحاولت حرمان السوريين من نظامهم ورئيسهم بواسطة الإرهاب. والآن، بعدما فشلت مخططاتهم الشيطانية لإسقاط سوريا، وبعدما انتصرت سوريا على الإرهاب، وراحت تضمد جراحها بنفسها، بدون أي مساعدة من تلك الدول الشريرة، يلعبون ورقتهم الأخيرة من خلال تسييس موضوع اللاجئين بمنعهم من المغادرة، وهناك أخبار مقلقة تتسرب بصعوبة مفادها أن حرس الحدود في تلك الدول يطلقون النار على جموع اللاجئين السوريين الذين يحاولون اختراق الجدران العازلة السميكة باتجاه وطنهم الذي ينتظرهم بشوق الأم لأبنائها.

وتضع تلك الدول المتآمرة شروطاً سياسية تمس السيادة الوطنية للسماح لسبعة ملايين سوري بالعودة إلى وطنهم، كقرارات مجلس الأمن التي يراد فرضها على الشعب السوري، هذا الشعب الذي طرد الاستعمار وبنى دولته المستقلة قبل سبعين عاماً يرفض أي تدخل خارجي في شؤونه السيادية كتغيير الحكومة أو التدخل في مسارات الانتخابات الديموقراطية أو مراقبة صرف أموال إعادة الإعمار مع العلم أن تلك الدول ترفض أصلاً أي مساهمة في ذلك مشترطة مساهمتها بما تسميه «انتقالاً سياسياً» ليس إلا محاولة لفرض عملاء سوريين لتلك الدول حكاماً على شعب يأبى الخضوع.

لذلك تداعت مجموعة من الدول الصديقة وعقدت اجتماعاً في دمشق بمبادرة من الأصدقاء الروس هدفه التباحث حول سبل عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، وتأمين كل ما يمكن أن يحتاجوه من بيئة مناسبة وخدمات لتيسير تلك العودة التي يتوق إليها السوريون على طرفي خط اللجوء: من حرموا من وطنهم طوال سنوات بسبب الإرهاب وبسبب عرقلة الدول التي لجأوا إليها لعودتهم، وأهاليهم ممن صمدوا في الداخل على رغم كل الصعوبات ولم يهربوا تاركين وطنهم للإرهابيين متعددي الجنسية الذين أرسلتهم تلك الدول نفسها بهدف إسقاط سوريا التي لا يمكنها أن تسقط بحكم التاريخ والجغرافيا والجينات المملوءة بالوطنية الصافية. معروف للقاصي والداني أن السوري يموت ولا يتخلى عن بشار الأسد.)

هذا على وجه التقريب ما يمكن أن تكون عليه رواية النظام وأبواقه لمشكلة الهاربين السوريين من جحيم الأسد. الجحيم الذي تعكسه صور آلاف السوريين المحتشدين في أقفاص «الطابور» أمام المخابز للحصول على حصتهم المقننة من الخبز بموجب البطاقة «الذكية» التي شكلت الإنجاز الأبرز لأسماء الأسد بوصفها أحد أعمدة العصابة الحاكمة، أو الطوابير المحتشدة للحصول على أبسط وسائل الحياة العادية كالوقود والمواد الغذائية، هذا إذا كانوا يملكون أصلاً ما يدفعونه مقابل الحصول عليها.

اللاجئون السوريون أنفسهم، موضوع مؤتمر دمشق، فلا أحد يسألهم عن رأيهم فيما إذا كانوا يريدون حقاً العودة إلى بلدهم أم لا، فهذا يقع خارج اهتمامات المؤتمر المذكور وخارج اهتمامات العالم أيضاً

الموصوف أعلاه هو فقط المنطقة «الأبرد» من الجحيم الأسدي، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أعماق هذا الجحيم المتمثل في غياب أي حصانة للسوري تحت الحكم الأسدي من الاعتقال الكيفي أو القتل أو الخطف بغرض تحصيل فدية، أو الاستيلاء على الممتلكات أو التهجير إلى مناطق أخرى، وغير ذلك من الأعمال الوحشية التي تفوق فيه النظام على أقرانه من الأنظمة المتوحشة أو الإرهاب الأعمى.

وعلى ذكر الإرهاب، أعمى كان أو مبصراً، يمكن القول إن اختيار توقيت عقد «مؤتمر اللاجئين» من قبل دولة الاحتلال الروسي، له صلة مباشرة بالعمليات الإرهابية التي وقعت مؤخراً في فرنسا والنمسا. فالمؤتمر، وفقاً لهذا التفسير، شكل رسالة إلى الدول الأوروبية التي استقبلت قسماً من اللاجئين السوريين في السنوات الماضية، رسالة تفهمها تيارات يمينية معادية للاجئين، تستخدم «الإرهاب الإسلامي» كورقة رابحة في دعاواها المعادية للاجئين، على شكل مقايضة خسيسة على النمط الروسي: نريد أن نخلصكم من اللاجئين، فادعمونا! لحسن الحظ أن التيارات المذكورة لا تشكل غالبية اجتماعية وازنة، وإن كانت بعض الحكومات قريبة من تبني سياسات من هذا النوع، وأبرزها حكومة ماكرون الفرنسية التي تلعب على استمالة الناخب اليميني الكاره للأجانب، متنافسة في ذلك مع حزب الحركة الوطنية لصاحبتها ماري لوبان. وعموماً بالنظر إلى صعود حكام شعبويين يمينيين في عدد من الدول الأوروبية، تبدو الصفقة الروسية المطروحة بشأن تخليص أوروبا من عبء اللاجئين السوريين، صفقة عقلانية ورابحة بمقاييس السوق. فمهما كان التمويل المطلوب لتأمين شروط إعادة اللاجئين كبيراً فهو لن يكون أكبر من الكلفة التي تتحملها تلك الدول لمساعدة قسم من اللاجئين أو المساعدات الموجهة للاجئين في المخيمات داخل سوريا أو في الدول المجاورة. وعلى سبيل المثال خضع الاتحاد الأوروبي لابتزاز الحكومة التركية وتعهد بدفع 6 مليارات يورو للاحتفاظ بملايين اللاجئين السوريين على أراضيها ومنعهم من العبور باتجاه أوروبا. وتشجع الحكومة الدانماركية العدد القليل من اللاجئين السوريين على أراضيها على العودة إلى سوريا من خلال إغرائهم بمبلغ بسيط (يقال عشرة آلاف يورو للشخص الواحد) ليبدأوا به حياتهم… في جحيم الأسد.

كذلك يمكن ربط توقيت عقد المؤتمر بالفترة الانتقالية في واشنطن قبل انتقال السلطة من ترامب إلى بايدن، على أمل روسي بتجاوب الإدارة الأمريكية الجديدة مع هذا «الجهد» الروسي لتخليص العالم من وجع الرأس المسمى مشكلة سوريا. هذا العالم الذي تعامل طوال السنوات العشر الماضية مع هذه «المشكلة» ولسان حاله يتبرم ويضيق ذرعاً بأنها لم تجد حلاً لها بعيداً عنه. أما اللاجئون السوريون أنفسهم، موضوع مؤتمر دمشق، فلا أحد يسألهم عن رأيهم فيما إذا كانوا يريدون حقاً العودة إلى بلدهم أم لا، فهذا يقع خارج اهتمامات المؤتمر المذكور وخارج اهتمامات العالم أيضاً. والحال أن من نجا من السوريين من جحيم الأسد لن يعودوا إليه طواعيةً، حتى لو تغير النظام في دمشق وأعيد إعمار ما دمره الطيران الروسي والأسدي، فقسم مهم منهم أسس حياة جديدة في بلدان اللجوء لن يتخلى عنها ليبدأ من جديد كرمى لرائحة ياسمين دمشق. يبقى أن القسم الأكبر من اللاجئين المقيمين في مخيمات العار سيرحبون بالعودة إلى مدنهم وقراهم، ولكن من المشكوك فيه أن يسهل النظام هذه العودة، فإذا حدث وتساهل معهم، سيكون مصيرهم كمصير السوريين المحكوم عليهم بالاحتشاد داخل الأقفاص الحديدية أمام المخابز.

=========================

موقفنا : حول زيارة بومبيو للجولان المحتل - وإعلان الائتلاف الوطني تشكيل مفوضية للانتخابات .. والعلاقة بين قراري مجلس الأمن " ٢٤٢ - ٢٢٥٤ "

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢١/ ١١ / ٢٠٢٠

وكانت زيارة بومبيو للجولان السوري المحتل منذ ١٩٦٧ استخفافا بالقانون الدولي ، وبالقرار الأممي ٢٤٢ / ١٩٦٧ الذي طالما تغنى العرب به ، واتكلوا عليه كما يتكل بعض السوريين اليوم على القرار ٢٢٥٤ / ٢٠١٥ على طريقة من قال : أعلل النفس بالآمال أكذبها ..

لا يجوز ان تمر زيارة بومبيو إلى الجولان العربي السوري المحتل دون أن تلقى بلؤمها وخبثها وقبيح دلالاتها ، ما تستحق من رفض السوريين وشجبهم وإدانتهم . ولن يعفينا من كل هذا أن سورية محكومة من زمرة متآمرة عميلة . فنحن وأقصد كل السوريين الأحرار الشرفاء أصحاب الأرض ، والقيمون عليها إلى يوم الدين .

وأبسط ما يقال في زيارة بومبيو للجولان المحتل إنها تكريس للاحتلال وللاختلال ، واستخفاف بالقوانين الدولية ، ونقض لكل ما يتم التأكيد عليه من وحدة الأراضي السورية من بحيرة طبرية الى القامشلي الأسيرة . بومبيو الفيل في مخزن الأواني الزجاجية لا يبالي ... ولكن صاحب الأواني أولى بصيانتها ..وأحرى أن يضج وأن يثور .

ثم إن هيئات وقوى وتشكيلات ما يسمى "المعارضة السورية " والتي تحولت إلى تشكيلات " المطاولة " التي لا تنفك طيعة بيد كل من يريد أن يكسب وقتا ليكون مصير ٢٢٥٤ كمصير ٢٤٢ .

قال المدين المماطل لدائنه هذا الدين القديم يجب أن تشطبه . فسأله الدائن برما : والجديد ؟؟؟؟؟ قال له المدين نتركه حتى يقدم !!! هذه هي حكايتنا بين بوتين وأوباما أو ترامب أو ما شئت من أسماء بعد ..

القانون الأممي ٢٢٥٤ على خطا القانون الأممي ٢٤٢ وكل المطاولين والمقاولين يعلمون ذلك ، وفِي وديان هذه الحقيقة يسترسلون .

والطريق الذي يسلكه هؤلاء المطاولون مهما امتدت التفافاته وتعرجاته ، يؤدي بالسوريين جميعا إلى حيث يعلم الذين رسموا الطريق رشقوها وعبدوها وحددوا محطاتها الأولى و الأخيرة . الأمريكي قال : حتى ننهكهم والأبعد قال : حتى نغرقهم.

وسأل المضيفُ ابنَ الرومي وقد سقاه السم ، ورآه يقوم من مجلسه : إلى أين يا أبا العباس ؟؟؟

أجابه ابن الرومي : إلى حيث أرسلتني .

إلى حيث يرسلكم قاتلوكم تذهبون أيها المطاولون ..ثم أيها السوريون ...

خطوة ... خطوة .. زنقة .. زنقة ليس مهما، المهم أن السائق، وإن امتلك حنكة الرفق بالركاب ، والتؤدة عند المنعرجات والمطبات ، ولكنه لا يملك القدرة على تغيير مسار الطريق ، ولا تحديد محطته الأخيرة . . ولو كانت حقوق الشعوب تنال عن طريق مثل ٢٢٥٤ لكان الجولان اليوم محررا بفعل ٢٤٢ الشهير .

كل السالكين على الطريق يعرفون هذا، ولكنهم يمارون . يقولون عند حافية الهاوية سنتوقف . ومفوضية التفاوض كما هيئة التفاوض كما كل اللجنة الدستورية كما المنصات ، كما مفوضية الانتخابات ؛ كلها إدغامات وإخفاءات وسكتات على الطريق . كلهم يدغمون ويخفون ويسكتون وينكرون ..صعبة أحرف الحلق عند التنوين ، ولم يعد عربي قادرا على المضمضة بضاده الحرف المميز الجميل .

يجدّون نَصبا إلى جهنم التي زعموا انهم منها يفرون ..!!

ويقولون : عند حافة الهاوية سنأبى وسنمتنع وسنعلي الصوت بالإباء!!!!

وسأل القاضي الحكيم مدعية بالاغتصاب فقال :

كيف صرت في بيته؟ قالت : بإرادتي . فسأل : وكيف شربت من خمره ؟ قالت بإرادتي . فسأل : وكيف دخلت غرفة نومه ؟ قالت : بإرادتي ، فسأل وهل أجبرك على خلع ثيابك ، ولا نرى فيهم قدا ولا خرقا ؟ قالت بل خلعت بإرادتي ؟ سألها القاضي الحصيف : وهل خمشك أو دفعك حتى ألقاك على سريره ؟ قالت بل فعلت ذلك بإرادتي ولكن .. فطرق القاضي بالمطرقة قبل أن تنطق ، وحكم برد دعواها ..

وعذرا للتمثيل فقد حدثنا ربنا في كتابه العزيز عن التي غلقت الأبواب ، وقدت قميص يوسف من دبر ..

أيها السادة

واعتقد أن زمرة المطاولين ، وليس المعارضين ، لأن المعارضين سيكونون قد أُسكتوا أو سكتوا ولو حتى حين ، سيوقعون على ما يتفق عليه الروس والأمريكيون ..

وكل عمليات الفك والتركيب ، في هيئات المعارضة؛ إنما كانت لتحويلها إلى منصات مطاولة تعطي العدو مزيدا من الوقت تماما كما حكايتنا مع الجولان . قضية حريتنا مشتقة من قضية جولاننا والخائن فيهما واحد . فهل هذا أمر عجيب ؟؟؟

وأظن أنه قد آن الأوان لنفرق بين هيئات المعارضة وهيئات المطاولة، التي نرى ، وقد طال الزمان على نزلاء المعتقلات والزنازين ، وتحت الخيام نساء كريمات ورجال كرام .

وأول ما يفعله العاقل حين يعلم انه ضل الطريق . أن يتوقف ، وأن يعود إلى المربع الذي يظن أنه عنده أساء التقدير ...

" مفوضية انتخابات " يا لجلال الأسماء !!

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

عبد القادر الصالح.. ما لم يُرو من سيرة الشهيد والثورة والوطن

العقيد عبد الجبار عكيدي

سوريا تي في

الخميس 19/11/2020

لن أنس ما عمّرت وعشت ذاك الوميض في عيني القائد والصديق، الشهيد الحيّ، عبد القادر الصالح، أبو محمود، كنت قبل ذلك بقليل قد همست له قائلا: أنا ذاهب إلى القصير فأوضاعهم صعبة للغاية، وربما لا أعود، حلب أمانة في رقبتك"، لم يتردد مجيباً: "سنذهب معا"، وكان عناقا عفويا لم يستأذن أياً منّا.

كان ذلك في يوم الإثنين، في العشرين من أيار/ مايو عام 2013، في مقر لواء التوحيد بمدينة حلب، عقب اجتماع أسبوعي هناك مع قادة الأفواج.

لم يكن مألوفا في ذلك الوقت أن تتوجه قوات من محافظة إلى أخرى، فالعبء على التشكيلات القتالية كل في منطقتها ثقيل وكبير، ناهيك عما يحمل التنقل بين طياته من مخاطر كبيرة، فكيف هو الحال إذا كانت الوُجهة إلى وسط بلادنا الحبيبة، إلى حمص الحبيبة.

هذا ما أدركه قادة لواء التوحيد، وفهموا خلال عناقنا ما قد عزمنا عليه، فاعترض بعضهم وحاولوا ثني عبد القادر الصالح عن الذهاب، لكنه أصر، واستأذن قائده، قائد لواء التوحيد فإذن له، وأوعز الصالح إلى أحد القياديين في لواء التوحيد "أبو نصرو" وكان يحبه ويثق به، لتجهيز المقاتلين والعتاد.

وكأنّه الوداع الأخير..

في صباح اليوم التالي، كانت مدرسة المشاة قرب حلب على موعد مع يوم استثنائي. المقاتلون والعتاد في جاهزية تامة، وخطب فيهم عبد القادر الصالح خطابا حماسيا، استنهض فيه مشاعر النخوة والأنفة والحمية الوطنية، لفك الحصار عن أهلنا في القصير.

قبل ذلك كان قد أمال عبد القادر الصالح رأسه إليّ وسألني: "ماذا نسمي العملية"، "في سبيل الله نمضي" أجبته دون تردد، كان ثمة كلام لا هو قاله ولا أنا أفصحت عنه، لكن كلانا كان في قلبه غصة واحدة، كنا على يقين أننا قد لا نعود أحياء، كنا نودّع حلب وداعا أخيراً، بمن فيها من الأحبة والأهل.

ومضينا والموت فوقنا غيمة غير مفارقة..

الثورة السورية من رحمها جميعنا وُلدنا من جديد، لكن ربما لن أبالغ إن قلت إن معركة القصير كانت مفترق طرق في حياتي، هي التجربة الأغنى والأقسى، وجمّلتها رفقة أبو محمود، وهو خير رفيق في السفر، فما بالك في سفر قد لا تكون منه عودة، كان كعادته طيباً مرحاً خفيف الروح، لم ينل وعثاء السفر وخطورته منها شيئا.

الطريق باتجاه الجنوب، في البادية السورية، واسعا طويلا مكشوفا، لذلك مسيرنا لم يكن إلا ليلا، والعربات تسير بلا أنوار، تتدافع العربات وكأنها خيول تصهل في الصحراء، يثرن بها نقعا، وخشية أن تستدل قوات النظام بُسحب الغبار كنا نتوقف بين الفينة والأخرى حتى تنقشع.

في النهار، نستريح بين الأشجار أو في قاع واد ما، وفي فترات الاستراحة كان يزورني عبد القادر الصالح في خيمتي، يأكل لقيمات قليلة من الزبيب والبسكويت تُقمن صلبه، فقد كان قليل الأكل سريع الشبع.

مدينة القريتين، كانت إحدى محطاتنا، استقبلنا أهلها الطيبون بحفاوة وكرم، وكنا نعمل على تجميع المقاتلين لاستكمال المسير، وافترشنا أبو محمود وأنا الطريق، فجاء إلينا أحد المقاتلين، بادره أبو محمود بابتسامته المعهودة، بما فيها من سماحة وتذكِرة مجانية للطمأنينة والراحة، وكأنه تذكرة دخول إلى قلب، يقدمها سلفا لمحدثيه، قال الصالح للمقاتل: أهلا يا حسن، اجلس معنا، وقل ما عندك"، وبكل عفوية استرسل المقاتل قائلا: " سامحوني فقد أسأت بكما الظن، في كل لحظة كنت أقول متى يتخلف عنّا القادة، ويتركوننا نذهب وحدنا إلى الموت، لكن الآن وقد رأيت منكما ما رأيت من خوفكما علينا ورفقتكم لنا، فأود لو تسامحونني". وضع أبو محمود يده على كتف المقاتل وضمه إليه قائلا: "أنت سامحنا، أنتم أمانة في أعناقنا يا حسن، والأمانة ثقيلة، جد ثقيلة".

حديث المُعجزة في القصير

كانت مدينة القصير في ذلك الوقت مُحاصرة من جانب قوات النظام وميليشيا حزب الله اللبناني الذي وجد هناك بكثافة، ولذلك فإن إحداث ثغرة عبر الأوتوستراد، وسط هذا الحصار، وعبوره، والألغام تحتنا، والقصف فوقنا، فقد كان عبوراً إلى وجهة واحدة، إما القصير أو إلى الموت، إلا أن المعجزة حدثت، ودخلنا مدينة القصير فجراً.

وفور دخولنا قمنا بتفقد جبهات القتال عند خطوط التماس، وعسكريا كان الوضع بالغ السوء، ومعنويات القادة منهارة، عكس المقاتلين ومن بقي من أهالي المدينة.

مقومات الصمود شبه معدومة، لا طعام ولا خبز ولا دواء، ولا وقود لتحريك الآليات، واقع أقل ما يمكن وصفه بالمأساوي إنسانيا وعسكريا، وهو ما دفع قادة التشكيلات المقاتلة في المدينة إلى الحديث عن الانسحاب.

كانت عينا عبد القادر الصالح مرآة لقلبه، وفيهما من الحزن والأسى ما فيهما، رمقني بنظرة وكأن قلبه من خلالهما يحترق، قال: "ماذا نفعل عمي أبو محمد؟”. لن أنسى سؤاله وقد تغيرت ملامح وجهه وغسل الهم ابتسامته المعهودة التي ما فارقته طيلة الطريق، كان عبد القادر الصالح إنساناً آخر، ساء الرجل ما رأى.

 قلت له: "نستريح من عناء السفر والصباح رباح"، لكنه أبى وقال لا راحة لنا قبل أن نجتمع مع القادة، ونشكل غرفة عمليات ونعمل على خطط الدفاع عن المدينة.

في نحو عشرة أيام قضيناها في المدينة، لم ينفك عبد القادر الصالح يتنقل على دراجة نارية، دون مرافقة، يتفقد جبهة هنا، ويتقدم اشتباكا هناك، غير آبه بسلامته الشخصية، رغم تهديدات وردت تحديدا من قادة ميدانيين في حزب الله أن "الصالح والعكيدي لن يخرجا حييْن من المدينة".

العبور من موت إلى موت

في منتصف الليل، فوجئنا بقرار قادة فصائل المدينة الانسحاب، نزل القرار علينا نزول الصاعقة.

حاول عبد القادر الصالح وأنا إقناع القادة بالعدول عن القرار، ويدعمنا في ذلك بعض أهالي المدينة، وأذكر منهم الدكتور فايز مطر، وكان حينها مصابا إصابة بليغة يرقد فوق نقالة، لكن قد سبق سيف قرار القادة كل عذل وبذل.

لم نشعر أننا نخرج، بل ننسلخ عن مكان ما شعرنا أننا اكتفينا منه واكتفى منّا، لم يكن الخروج من المدينة هيّنا، كان أكثر خطورة من دخول المدينة، بل ومن يوميات الحصار والمعارك فيها.

ليلا خرجنا من المدينة نحمل فقط أسلحتنا الخفيفة، جاء إلينا قائد المجلس العسكري في القصير المقدم أبو عرب، رحمه الله، حاول إقناع عبد القادر الصالح وأنا بإخراجنا من طريق آخر أكثر أماناً لكنه لا يتسع إلا لعدد قليل. انتفضنا دون تنسيق بذات العفوية التي عانقنا فيه بعضنا البعض حين قررنا القدوم، وقال له الصالح: "أرواحنا ليست أغلى من أرواح مقاتلينا، وأهالي القصير، نمضي معا في طريق واحد، إما أن نعيش معا، أو نموت معا".

حاولت حينها تهدئة أبو محمود، لكن مَن يواسي مَن، فقد كانت دموعي تنهمر قهراً. لكن ربما ثمة عزاء في محاولتنا حماية النساء والأطفال والشيوخ وعدد كبير من الجرحى حملناهم على الأكتاف.

ثلاثة أيام مشينا، في دروب وعرة خطرة، دون ماء أو طعام، عيون الجميع كانت تقول شيئا واحدا، في توافق جماعي لا يشوبه شك، أننا جميعاً ماضون إلى موتنا.

 شاء الله، ونجونا، بعد أن دفنا في الطريق أحبة ورفاقا، عدت مع عبد القادر الصالح، رفيق ذاك الدرب، عدت إلى حلب، ووضعت في رفوف القلب ذكرى ذاك الانكسار، المعجون بانتصار الإرادة، وضعت تلك الذكرى إلى جانب انتصار يحتفي به القلب، حين تحررت حلب، وهذا سيكون حديثنا في مقال قادم، ويعقبه مقال هو ثالث محطاتنا وآخرها، في سيرة الشهيد عبد القادر الصالح، سيرة تتواشج مع سيرة الثورة والوطن، وأنا في كل ذلك أشهد أن القلب يكتب، شهادة مدادها الدمع والأمل.

=========================

هل كان جميل مردم بك عميلا؟

حمزة المصطفى

سوريا تي في

الاربعاء 18/11/2020

نشرت جريدة هآرتس الإسرائيلية مقالا للباحث مئير زمير، ترجمه موقع تلفزيون سوريا، زعم فيه أن رئيس الوزراء السوري السابق والقيادي في الكتلة الوطنية جميل مردم بك كان عميلا مزدوجا لكل من فرنسا وبريطانيا في آن معاً، وأنه في إطار اتصالاته مع الوكالة اليهودية قدم معلومات إلى بن غوريون كان لها أثرها على الترتيبات الصهيونية لإعلان دولة إسرائيل عام 1948.

وفي إطار ردود الفعل السورية والعربية على المقال الذي قدمته الصحيفة بوصفه "كشف" استند فيها كاتبه على وثائق الأرشيف الإسرائيلي برزت ثلاثة اتجاهات.

أولها ويمثل شريحة واسعة من السوريين الذين ينظرون برومانسية كبيرة تصل حد الأسطورة لنضالات الكتلة الوطنية في تحقيق الاستقلال وبناء الدولة السورية وهؤلاء يشككون بكل ما ورد في المقال ويعدونه جزءا من تشويه فترة ناصعة في تاريخ سوريا الحديث.

أما الاتجاه الثاني فيجد ضالته لدى بعض الشرائح المؤيدة للنظام التي تبخس أي فترة في التاريخ السوري قبل حكم البعث وتعتبر شخوصها مجرد عملاء نجح البعث في تصفيتهم وتخليص السوريين منهم.

في حين يظهر اتجاه ثالث جمهوره عربي لا سيما من الدول التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل مؤخرا، حيث وُظف مقال هآرتس لتبرير الخطوة مدعين أن العلاقات في العلن وبشكل ندي ستكون أفضل من العلاقات السرية التي يكشفها الأرشيف الإسرائيلي بشكل متكرر.

أيا يكن فإن غاية مقالنا هذا بجزأيه تتجاوز المواقف السابقة واستخداماتها الوظيفية الحالية نحو قراءة موضوعية للعلاقات والمفاوضات التي جرت ما بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية السورية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن المنصرم من خلال تجنب ما يسميه المؤرخون أو المهتمون بالتأريخ بـ "المفارقة التاريخية" التي تقرأ التاريخ بمفاهيم اليوم وتعزله عن سياقه وتقرأه قراءة مجتزأة وانتقائية للوصول إلى نتائج مسبقة.

ليس كشفا ولا جديدا

لا يمثل مقال مئير كشفا ولا يقدم جديدا إلا لمن يقرؤون التاريخ من خلال المقالات الصحفية أو يصدقون كل ما يكتب بغير لغتهم وخاصة بالإنكليزية. فقبل مناقشة المعلومات الواردة فيه وتفكيكها، نلفت عناية القارئ إلى أن الاتصالات بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية في سوريا برزت في الأرشيف الإسرائيلي منذ عام 2014 على الأقل. في هذا الصدد، يمكن الإحالة إلى دراستين هامتين وموضوعتين كتبهما الباحث الفلسطيني وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس محمود محارب لمجلة أسطور للدراسات التاريخية هما "المفاوضات بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية في سوريا" المنشورة عام 2015 و"من المفاوضات إلى الاختراق: العلاقات بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية والمعارضة الشهبندرية" عام 2017. الدراستان السابقتان، ورغم بعض التحفظات المنهجية عليهما، تقدمان القراءة الموضوعية الأهم والأشمل للأرشيف الإسرائيلي في هذا المسألة. في ضوء ذلك، تقتضي الأمانة العلمية الاعتراف أن بناء هذا المقال ومعلوماته قبل بناء الاستنتاجات الأولية سيعتمد على هاتين الدراستين الهامتين. ففضلا عن المعرفة الشخصية بكاتبهما وبعمله الجدي الرصين، خضعت الدراستان لنقاش وتدارس من قبل مؤرخين سوريين كبار لهم القدرة على تدقيق ما يروى عن تاريخهم وإبداء الرأي فيه. الأمر الذي يضفي عليهما قيمة معرفية كبيرة لا سيما أنهما تمثلان القراءة العربية الوحيدة للأرشيف الإسرائيلي.

مساعي الوكالة لاختراق الكتلة

حظيت سوريا بأهمية كبيرة بالنسبة للوكالة لليهودية ولا سيما بعد انطلاق الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 والتي تزامنت مع نشاط سياسي محموم للكتلة الوطنية هدفه الضغط على فرنسا للإقرار باستقلال سوريا السياسي. هذه الفاعلية السياسية بالإضافة إلى المكانة الكبيرة التي تبوَّأها قادة الكتلة الوطنية شعبيا دفعت القسم العربي في الوكالة اليهودية إلى تكثيف نشاطه لتحقيق اختراقات وفتح اتصالات مع القادة والمسؤولين السوريين بما يخدم أهدافهم. وتشير الوثائق الى أن الوكالة نجحت في تجنيد عملاء صغار لها في سوريا أبرزهم عبد الله عبود، وكذلك ثلاثة من قادة الطائفة اليهودية الدمشقية هما داود لوزيه، داود بينتو، ويوسف لنيادو عضو المجلس النيابي. وبالإضافة إلى معرفة توجهات وميول قادة الكتلة الوطنية الذين كانوا يخوضون صراعا سياسيا مع فرنسا لتوحيد البلاد السورية واستقلالها، سعت الوكالة اليهودية عبر مجنديها إلى إيقاف كل أشكال الدعم السوري العسكري والمالي الذي كان له بالغ الأثر في استمرارية الثورة الفلسطينية ونجاحاتها. آنذاك وعلى الرغم من الانحياز العلني في المواقف الشخصية لغالبية قادة الكتلة الوطنية إلى جانب النضال الفلسطيني ضد بريطانيا والصهيونية الرامية لتنفيذ وعد بلفور في أرض الواقع، فإن الكتلة الوطنية لم تتخذ على المستوى السياسي الجمعي قررا علنيا واضحا بدعمها. يعزى ذلك الى التحفظات لدى جناح فيها من أن يؤثر هذا القرار سلبا على استقلال سوريا خاصة لدى فرنسا وبريطانيا وجهي الاستعمار القديم في المنطقة. أكثر من ذلك، طرحت ضمن النقاشات السياسية بعض الأفكار عن أن التفاوض مع الكتلة اليهودية ذات النفوذ المؤثر في الدوائر السياسية للدول الكبرى يمكن أن ينعكس إيجابيا على هذا المستوى.

جناحان داخل الكتلة

في تفاصيل الانقسامات تجاه الثورة الفلسطينية والموقف من الوكالة اليهودية فقد ظهر ضمن الكتلة الوطنية اتجاهان، أولهما يشجع على انخراط سوريا والسوريين العلني في دعم النضال الفلسطيني ومده بالسلاح والتبرعات المالية تماشيا مع المواقف المبدئية للكتلة الرافضة لمشروع الوطن القومي اليهودي، وكان شكري القوتلي ونبيه العظمة وعادل العظمة أبرز أصواته العالية. أما الموقف الثاني فكان متحفظا على دعم الثورة مهادنة وميلا للتفاوض مع الوكالة اليهودية خشية من ارتدادات سلبية للثورة الفلسطينية المسلحة على الوضع السياسي والأمني، المضطرب أصلا، داخل سوريا وعلى العلاقة المتلبسة مع فرنسا أيضا. وقد ضم هذا الفريق شخصيات قيادية عدة من أبرزهم جميل مردم بك ولطفي الحفار وفوزي البكري وفخري البارودي الذي كان كان أول قيادي في الكتلة الوطنية يلتقي مع ممثل الوكالة اليهودية إلياهو ابشتاين في فلسطين عندما زارها عام 1935 ومن  ثم رُتبت وجرت أول زيارة لأبشتاين إلى دمشق عندما اجتمعا في دوما 17 تموز 1936.

كان الفريق الثاني معجبا بالتطور العلمي والتقني لمشاريع الحركة الصهيونية في فلسطين وقد وصل الانبهار درجة حذر فيها البارودي نفسه من أن الخطر الأكبر للصهيونية على المشروع القومي العربي

قادة الكتلة الوطنية لم يكن لديهم وعي كامل بأهداف المشروع الصهيوني في فلسطين الذي تبنى خلال الفترة 1936 و 1939استراتيجية ترحيل العرب من أراضيهم القريبة من الكيبوتسات

يتجلى في هذا التطور قبل أي شيء آخر. انطلاقا من هذا الانبهار ومن قناعة خاطئة تربط بين استمالة الوكالة اليهودية وتسريع تحقيق الاستقلال، آمن الفريق الثاني بضرورة فتح مفاوضات رسمية لإيجاد حل ما كان يسمى "المشكلة العربية اليهودية في فلسطين" التي كان الملك فيصل أول من نادى بها لقطع الطريق على وعد بلفور وشكلت إحدى المبادئ السياسية للكتلة الوطنية. من المفيد هنا التذكير أن سياق هذه الاجتماعات والتي ستتكرر ويرتفع مستواها كما سنرى لاحقا يختلف عن السياق السياسي والاجتماعي الحالي بكل مفاهيمه وحمولاته السياسية الحالية وما تترتب عنه من نتائج لجهة إقامة أول دولة استعمارية استيطانية في المنطقة العربية خلال التاريخ الحديث. ويبدو جليا أن قادة الكتلة الوطنية لم يكن لديهم وعي كامل بأهداف المشروع الصهيوني في فلسطين الذي تبنى خلال الفترة 1936 و 1939استراتيجية ترحيل العرب من أراضيهم القريبة من الكيبوتسات نظرا لزيادة الهجرة اليهودية الى فلسطين.

الاجتماعات الرسمية الأولى: القوتلي حاضرا

بني على اجتماع دوما بين أبشتاين والبارودي أول اجتماع رسمي بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية في آب عام 1936 حيث مثل الكتلة الوطنية كل من شكري القوتلي وفخري البارودي ولطفي الحفار بينما حضر الياهو ابشتاين وعاموس لندمن من الوكالة اليهودية. كان هذا الاجتماع استطلاعيا هدفه الحصول من الوكالة على معلومات وتوضيحات لتقرر الكتلة الوطنية ما إذا كانت ستفاوض أو لا. في هذا الاجتماع أعلن وفد الوكالة صراحة أن هدف المشروع الصهيوني في فلسطين يتمثل بإنشاء وطن قومي لليهود، وأن هذا الوطن، بحسب زعمهم، لن يكون على حساب العرب في فلسطين وسينعكس إيجابيا على مجمل الحركة القومية العربية. وبحسب محارب، فقد رفض الزعيم القوتلي ادعاءات الصهيونية في فلسطين ومساعيهم لإقامة وطن قومي لليهود وكذلك من الهجرة اليهودية التي ستؤدي حتما إلى جعل الحكم يؤول إلى اليهود عاجلا أو آجلا.  تشير الوثائق إلى أن رد شكري القوتلي كان واضحا وقاسيا لجهة رفض الادعاءات الصهيونية في فلسطين، حيث وضع الاجتماع في إطار سعي الكتلة إلى الوصول إلى تفاهم بين العرب واليهود مؤكدا أن هذه الفكرة ليست جديدة، حيث أن القادة السوريين كانوا " قد تعاونوا مع المرحوم الملك فيصل بهذا الشأن منذ البداية وحتى قبل تتويجه ملكا على سوريا" جازما بأن التفاوض مع الوكالة اليهودية يمكن أن يستمر على هذا الأساس فقط.

وعلى الرغم من الرد السلبي السابق، فإن فتح باب التفاوض الرسمي مع قادة سوريا كان إنجازا كبيرا للوكالة اليهودية والتي استعجلت عقد الاجتماع الثاني في شهر سبتمبر 1936. انعقد الاجتماع في بيت لطفي الحفار الذي مثل إلى جانب القوتلي وفايز الخوري وفد الكتلة الوطنية بينما حضر إبشتاين وعاموس لندمان ويوسف نحماني ودافيد هاكوهين من الطرف الآخر. بالإضافة إلى محاولة تأكيد أحقية اليهود التاريخية في "العودة إلى صهيون" وإقامة وطنهم القومي، حاول

الزعيم القوتلي ركز خلال هذا الاجتماع على كتابة محاضر الاجتماع وطلب باسم الوفد السوري عدم نشرها من دون الحصول على موافقة مسبقة من الطرفين

وفد الوكالة هذه المرة استخدام لغة مصلحية مفادها أن نجاح المشروع الصهيوني سيؤدي الى رفع معيشة الفلسطينيين مدعيا أن موهبة اليهود وتجربتهم وجهدهم ومالهم سيشكل عونا للعرب جميعا لتحقيق الأهداف المشتركة. جواب القوتلي كان مختصرا بجملة واحدة من خلال مثل عربي "حضرت مائدة الطعام على أكمل وجه ووضعت جانبها عصا" ساخرا من أن الرواية الصهيونية الحالية تتشابه مع الرواية الفرنسية في تبرير احتلالها لسوريا، الأمر الذي أوصل التفاوض إلى طريق مسدود.

ما يلفت الانتباه أن الزعيم القوتلي ركز خلال هذا الاجتماع على كتابة محاضر الاجتماع وطلب باسم الوفد السوري عدم نشرها من دون الحصول على موافقة مسبقة من الطرفين. الأمر الذي يدلل على أن الرجل كان يدرك حساسية المسألة وخطورتها المستقبلية فاشترط تدوينها كي لا تأخذ عليه أو ربما تحسب له.

أيا يكن، كان هذا الاجتماع هو آخر اجتماع رسمي في المفاوضات والتي كانت قيادة الكتلة الوطنية السورية على علم مسبق بها واطلعت على نتائجها، لكن اجتماعات أخرى حصلت مع عدد من قادة الكتلة من أبرزهم جميل مردم بك ومع قادة المعارضة لا سيما عبد الرحمن الشهبندر وهو ما سنعرضه في الجزء الثاني من المقال.

=========================

عودة اللاجئين السوريين... الشعار والإمكانية

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 17/11/2020 

ربما هي واحدة من مرات قليلة، أن يتوافق متناقضون ومختلفون حول قضية واحدة من مجريات الصراع السوري ومخلفاته، وهي عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم. أما المتناقضون فهم نظام الأسد والحلفاء من جهة وغالبية السوريين من جهة أخرى، والمختلفون هم نظام الأسد والحلفاء ولا سيما الروس من جهة ثانية.

وسط التمايز السابق، فإن من البديهي أن يقف أغلب السوريين إلى جانب قضية عودة اللاجئين إلى بلدهم، بما تعنيه من عودتهم إلى مدنهم وقراهم، وبيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم، التي غادروها تحت ضغط السلاح، أو خوفاً من الموت المعمم الذي كرسه نظام الأسد وتابعه حلفاؤه لاحقاً، قبل أن تباشر جماعات التطرف والإرهاب وعصابات الإجرام نسخاً أخرى من إرهاب النظام، يدفع المزيد من السوريين إلى اللجوء للخارج.

الروس من جانبهم رفعوا شعار عودة اللاجئين في السنوات الأخيرة، وتابعوه على مدى الأعوام الثلاثة الماضية وخاصة في علاقاتهم مع بلدين من دول الجوار، اتخذت فيهما قضية اللاجئين أبعادا سياسية وأمنية إلى جانب ظروفهما الاقتصادية والاجتماعية الصعبة وهما لبنان والأردن، وكلاهما لم يوفر فرصة للشكوى والتشكي في قضية اللاجئين للمطالبة بحلها، أو بحثا عن مساعدات تخفف من مشاكلها بما فيها مشكلة اللاجئين، غير أن المساعي الروسية، لم تحقق نجاحات ملموسة لأسباب متعددة، لعل الأهم فيها ممانعة النظام المساعي الروسية.

وبخلاف موقف موسكو ومساعيها، فقد أظهر نظام الأسد وقوفه ضد عودة اللاجئين، وكان ذلك معلناً ومكرراً من جانب قادة النظام وأركانه، ليس فقط لأن النظام مسؤول عن تهجير غالبية اللاجئين مباشرة أو بصورة غير مباشرة، وزادها رأس النظام، أن أكد علناً بعد قتل وتهجير ملايين السوريين، أنهم وصلوا إلى «المجتمع المتجانس» مجتمع مؤيدي النظام، وكرس النظام مساراً عملياً لعودة اللاجئين في منع عودة المهجرين في مناطق سيطرة النظام، كما في ريف دمشق وحمص وريفها إلى بيوتهم وقراهم، وأضاف إلى ما سبق تصعيب عودة اللاجئين في لبنان الذين ضغطت السلطات اللبنانية لإعادتهم، وسعى الروس لدى النظام لأجل عودتهم من دون نجاحات تذكر.

غير أن انعقاد ما سمي بـ«المؤتمر الدولي لعودة اللاجئين» الذي انعقد مؤخراً بدمشق في حضور باهت بعد جهود روسية كبيرة، أكد أن تغييراً طرأ على موقف النظام، خاصة في ظل قيام بشار الأسد بتوجيه كلمة للمؤتمرين، أكد فيها قبول نظامه بالفكرة، مما يشكل دافعاً للوقوف عند هذا التحول الذي يشكل استجابة للموقف أو ما يسميه البعض الضغط الروسي.

وللحقيقة، فإن تحول موقف النظام إزاء فكرة عودة اللاجئين مرتبط بالفهم الروسي للشعار، والهدف الذي جعل الروس يطرحونه في إطار استراتيجيتهم في التعامل مع القضية السورية، والتفسير كله يبدأ من حقيقة أساسية، جوهرها أن روسيا هي الشريك الرئيسي لنظام الأسد، مما يعني موافقتها على ما قام ويقوم به، وصولاً إلى مشاركتها هذه السياسة وما تم في إطارها من ممارسات بينها حرب روسية على أماكن سيطرة المعارضة، بدأت في الهجوم على حلب 2015، وإخضاعها لسيطرة النظام، وانتقلت لاحقاً إلى الغوطة للاستيلاء عليها، وإخضاع حوران عبر خطي الهجوم العسكري والتسويات، وصولاً إلى الحرب الراهنة على آخر مناطق خفض التصعيد في إدلب وجوارها، وقد تسببت تلك الفصول من حرب روسيا في سوريا بنزوح سوريين من تلك المناطق، وبعضهم استطاع وسط ظروف شديدة القسوة عبور الحدود ليصير لاجئاً في دول الجوار، التي لو كانت فتحت حدودها، لذهب ملايين آخرون من السوريين في مسارات اللجوء.

إن الضرورات السياسية، جعلت روسيا تطرح فكرة وشعار عودة اللاجئين، وليس وضع اللاجئين السيئ ومعاناتهم، ولا مصالح الدول التي استقبلت اللاجئين وخاصة الأردن ولبنان، والأهم في ضرورات روسيا، أمران أولهما أن هناك حاجة لمشاركة دولية في تسويق إعادة إعمار سوريا، وفي توفير أموال من مساعدات واستثمارات في تلك العملية المكلفة، ولو فشلت الجهود المشتركة للنظام والروس في إقناع المجتمع الدولي بإعادة الإعمار، فإن الروس يفكرون أن فكرة عودة اللاجئين، يمكن أن تحل المشكلة، فتصير عودتهم بوابة استثمارات ومساعدات دولية، تمضي في قناة إعادة إعمار سوريا سواء جاءت الأموال من مخصصات تدفعها الدول لإغاثة اللاجئين حالياً، أو مما يحتمل تقديمه من أموال تصرف في تمويل عودة اللاجئين، والأمر في كل الأحوال، سيوفر أموالاً كثيرة، يراهن الروس على حصولهم وإيران على جزء منها، ويفكرون أن الباقي سيجعل نظام الأسد، يقف على قدميه مجدداً.

أما الشق الثاني في الضرورات السياسية الروسية من وراء فكرة وشعار عودة اللاجئين إلى سوريا، فيتصل بالنتائج العملية التي يمكن أن تتمخض عنها المساعي العملية. ولو استطاع الروس تنفيذ الفكرة، فإن العائدين الذين سيكونون تحت سلطة نظام الأسد، يضافون إلى قائمة الناخبين الذين سيصوتون على طريقة الديمقراطية البعثية البوتينية لصالح الأسد عند حدوث انتخابات التجديد الرئاسة في منتصف عام 2021، وهو تصويت مستحيل، إذا بقي اللاجئون في بلدان لجوئهم. أما إذا لم تحصل عودة اللاجئين لسبب أو لآخر، فإن الروس الذين تقطعت سبل تواصلهم مع السوريين بفعل مواقفهم وممارساتهم، يراهنون على تغيير ولو كان محدوداً في مواقف اللاجئين من روسيا على اعتبارها مهتمة بموضوع حيوي، يهم أكثرية السوريين، ويغازل رغباتهم في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم، التي طردوا منها أو أجبروا على مغادرتها تحت تهديدات الموت.

لقد أدرك نظام الأسد جوهر الموقف الروسي في موضوع عودة اللاجئين، مما دفعه إلى تغيير المعلن في موقفه، لكنه من الناحيتين السياسية والعملية، لن يكون قادراً على الانخراط في عملية إعادة اللاجئين، التي تحتاج إلى 3 خطوات لا بد منها، أولها توفير أفق سياسي لعودتهم وهذا غير ممكن، وإجراء تغييرات هيكلية ووظيفية للجهاز الأمني العسكري واستعادة الوضع في هياكله ووظائفه إلى ما كان عليه قبل انخراطه في الحرب على السوريين عام 2011، وكلاهما أمر يستحيل على نظام الأسد القيام به من دون الانخراط في عملية تسوية سياسية، تكون إعادة هيكلة الجيش والأمن جزءاً منها لا حالة منفصلة عنها، والأمر الثالث توفير الأموال اللازمة لإعادة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم، والتي ستحتاج مبالغ كبيرة، لا يرغب أحد حتى الآن في دفعها أو المشاركة في عملية الدفع بصورة جدية.

خلاصة الأمر، فإن فكرة عودة اللاجئين، وإن كانت تدغدغ رغبات قسم كبير من السوريين خصوصاً اللاجئين، فإنها فكرة وشعار للمغرضين من جانب الروس ونظام الأسد، وكلاهما لا يستطيع الدخول على خط تنفيذ المشروع لصعوبة متطلبات القيام به، خاصة في ظل الرفض الدولي الواسع لتمويل إعادة الإعمار قبل دخول النظام في مسار حل سياسي للقضية السورية، والتي لا شك أن عودة اللاجئين ستكون أحد محاورها المهمة.

=========================

مسألة أكراد سوريا الواقع ـ التاريخ ـ الأسطرة

حسين عبد العزيز

سوريا تي في

الثلاثاء 17/11/2020

تعتبر المسألة الكردية السورية من الناحية التاريخية الصرفة مشكلة تركية تساقطت آثارها في سوريا، أكثر مما هي مشكلة سورية، على الرغم من أن القوى الكردية في سوريا أعادت صياغتها على شكل مشكلة كردية سورية.

يتناول كتاب "مسألة أكراد سوريا: الواقع، التاريخ، الأسطرة" لفريق من الباحثين عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2013، نشوء مجتمع محلي جديد في الجزيرة السورية، وانطلاق الحركة السياسية الكردية ونشوء أحزابها وتطورها وعلاقتها بالقوى السياسية الأخرى، ليتناول أخيرا، حراك الأكراد في الثورة السورية.

الأكراد في سوريا: إطار تاريخي عام

 اتجهت الهجرات الكردية عموما من شمال الحدود السورية ـ التركية الجديدة إلى جنوبها، وشجعت السياسات الإثنية للاحتلال الفرنسي الهجرة نحو الجزيرة السورية.

ترتب على هذه الهجرة ازدياد عدد سكان الحضر في الجزيرة السورية، ولا يدخل في هذه العدد البدو الرحل من العرب ولا المكتومون، بل المقيدون حصرا.اتبعت الحكومات السورية بعد الاستقلال وحتى منتصف الخمسينيات سياسة تقييدية على مستوى التسجيل بالنسبة إلى الجزيرة، خصوصا تجاه الأكراد لأسباب إثنية ـ سياسية.

في عام 1962 قامت حكومة العظم بعملية إحصاء استثنائي للسكان في الحسكة، وقضى قرار وزارة الداخلية بإنهاء سجلات الأحوال المدنية السابقة وإجراء إحصاء عام جديد، واعتبار السوري هو كل من كان مسجلا في قيود الأحوال المدنية قبل عام 1945.

طرحت مسألة استئصال المشكلة الكردية في الحسكة بعد قيام حركة الثامن من آذار عام 1963، من خلال برنامج تعريب شامل يقوم على تهجير السكان الأكراد إلى الداخل وتوزيعهم واعتماد سياسة التجهيل، وإجلاء كل من لم تثبت جنسيته، وخنق المهاجرين الأكراد اقتصاديا بعدم تأجيرهم أو تمليكهم أي أرض، واستبدال المشايخ الأكراد بمشايخ عرب.

شكل نشوء المجتمع الكردي في الجزيرة السورية مركز ثقل سكاني بالنسبة إلى المجموع العام للسكان الأكراد السوريين، وتحول المجتمع الكردي إلى أحد أبرز الحقائق الإثنية واللغوية والسكانية السورية.

وبخلاف أكراد الداخل المقيمون في سوريا منذ قرون، شكل أكراد الأطراف حالة مجتمعية مرتبطة بالتحولات في كردستان تركيا أكثر مما هي مرتبطة بسوريا.

وبينما مر أكراد الداخل بمرحلة الاندماج السياسي الوطني في إطار الحركة الوطنية السورية، فإن سلطات الانتداب الفرنسي حاولت أن تستغل في إطار سياسات الهوية الإثنية بعض قادة الأكراد الأطراف الأقوياء في الجزيرة السورية لبناء كيان كردي ـ كلدو ـ أشوري مستقل ذاتيا تحت الانتداب الفرنسي، وهو ما تمثل في حركة الجزيرة الانفصالية بين عامي 1937 ـ 1939.

لكن معظم الأكراد في الجزيرة العربية قاوموا مشروع الانفصال هذا وحملوا السلاح ضده، ليحتضر المشروع الانفصالي.

خلال مرحلتي الاستقلال والجلاء 1943 ـ 1946، حدثت عملية اندماج سياسي واسعة للنخب الكردية، خصوصا النخب الجزراوية في مختلف الأجهزة التشريعية والتنفيذية الإدارية العليا والوسطى للدولة الفتية.

وصل إلى السلطة في مرحلة الانقلابات العسكرية عدد من كبار الضباط الأكراد في إطار تعرب أكراد الداخل، وشغل بعضهم رئاسة الجمهورية (حسني الزعيم، أديب الشيشكلي، فوزي سلو) ومناصب كبيرة في قيادة الجيش.

ولم يكن لهؤلاء أي سياسات مختلفة في اتجاهاتها الأساسية عن سياسات الوطنيين العرب السوريين من ناحية هوية الدولة والصراع مع إسرائيل، بل إن سياسة تقييد تملك الأجانب للأراضي في منطقة الجزيرة (الأكراد غير الشرعيين) صدرت في عهد الشيشكلي.

واجه المجتمعات الكردية السورية مؤثران في تطورها: المؤثر الكردستاني المرتبط بـ "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في العراق، والمؤثر الثاني كان "الأبوجي" المرتبط بـ "حزب العمال الكردستاني".

ويعود أوضح تأثير للمؤثر الأول إلى أواخر الخمسينيات، بينما يعود دور المؤثر الثاني إلى النصف الثاني من الثمانينيات وما تلاها حتى الآن.

 الحركة السياسية الكردية في سوريا

يمكن تمييز ثلاث مراحل أساسية في تاريخ الحركة الكردية السورية الحديثة:

1ـ مرحلة "خويبون" التي انطلقت مع تأليف جمعية "خويبون" أواسط العشرينيات، وانحسرت في أواخر الثلاثينيات.

في هذه المرحلة كان جهد "خويبون" متركزا على العمل في كردستان تركيا، لكن أقطابها المقيمين في سوريا الذين اتخذوا من الجزيرة قاعدة لهم انشقوا بين جناح آل بدرخان ـ حاجو آغا الذي تورط بالخطط الفرنسية لتأليف كيان إثني كردي ـ مسيحي في الجزيرة، وجناح آل قدري جميل باشا الذي عارض هذا المخطط، وركز فاعليته على تحرير كردستان تركيا.

2ـ مرحلة "البارتي" التي ارتبطت بنشوء "الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي)" عام 1957، واتسمت بتفاعل المجتمع الكردي السوري مع عودة الملا مصطفى البارزاني إلى العراق عام 1959، وفك تحالفه مع عبد الكريم قاسم عام 1961، وقيادته القتال في نفس العام ضد القوات العراقية.

بدأ الحزب بجذب الشباب الكردي وبجذب قوى سياسية مثل حزب "أزادي ـ الحرية" الذي أسسه الشاعر جكر خوين، وجمعية "وحدة الشباب الديمقراطيين الكرد".

وبتأثير الانقسامات الكردية في العراق، انقسم الحزب الوليد بين إيديولوجيتين يمينية ويسارية، وما إن جاء عام 1965 حتى انبثق عن "الحزب الديمقراطي الكردي (الباراتي)" ما سيعرف لاحقا "الحزب اليساري الكردي" في مواجهة النواة القديمة التي عرفت بـ "الحزب اليميني الكردي".

3ـ اتسمت المرحلة الثالثة بتضافر عاملين كردستانيين مؤثرين على الحركة الكردية السورية الحديثة، هما "الآبوجية" التركية الصاعدة (نسبة إلى عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني)، والعامل الثاني هو نشوء حكومة إقليم كردستان في شمال العراق عام 1992.

الأكراد في الثورة السورية

 كان التوجه السياسي بالنسبة إلى التجمعات الكردية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن، تجنب البدء في الاحتجاج، وعدم الاستجاء لدعوات غير معلومة المصدر.

ابتعدت الأحزاب الكردية عن تعبئة أنصارها إيديولوجيا في الذكرى السابعة للانتفاضة الكردية 12 آذار / مارس 2011، فخلت الخطابات في هذا اليوم من لهجة تصعيدية ضد النظام.

لكن في الأول من نيسان / إبريل 2011 شارك الأكراد لأول مرة في تظاهرة بمنطقتي عامودا وعين العرب، ورفعوا شعارا تتواءم مع تلك التي حددت لـ "جمعة الشهداء".

فتح امتداد الاحتجاجات إلى المناطق الكردية الباب لإمكانية التحاق الأحزب بالتظاهرات، لكن النظام عمد إلى احتواء الأكراد، إذ التقى الأسد بوجهاء من العشائر الكردية ووعد بمنحهم الجنسية السورية.

رأت الأحزاب الكردية أن أزمة النظام ستنعكس إيجابا على قضيتهم، لذلك منعت الأحزاب الكردية مناصريها من المشاركة في التظاهرات.

غير أن جزءا من القوى الكردية آثر الانخراط في صفوف الثورة (شباب تيار المستقبل، شباب يكيتي)، وإن لم تصل المشاركة الكردية في المظاهرات إلى مرتبة تهديد النظام الذي رفض استخدام العنف في المناطق الكردية مقارنة بغيرها.

كان عدم مشاركة القوى السياسية الكردية القوية في المظاهرات نابعا من فكرة أن إسقاط النظام عملية معقدة وصعبة للغاية وذات تكاليف اجتماعية باهظة، ومن هنا كان القرار السياسي الكردي

مع تزايد الضغوط الدولية على النظام، ظهرت نقاشات حزبية كردية حول ضرورة إنضاج موقف من النظام والثورة

في عمومه، تجنب المشاركة في المظاهرات والضغط على النظام سياسيا لتقديم تنازلات.

لم يشذ عن ذلك سوى "تيار المستقبل الكردي" بزعامة مشعل تمو الذي انسحب من ائتلاف الحركة الوطنية الكردية في أيار / مايو 2011.

مع تزايد الضغوط الدولية على النظام، ظهرت نقاشات حزبية كردية حول ضرورة إنضاج موقف من النظام والثورة، واشتد النقاش حتى انتهى بانسحاب "حزب يكيتي" من "هيئة التنسيق الوطنية"، تحت عنوان أن معالجة الهيئة للمسألة الكردية في بيانها التأسيسي ليست واضحة.

بدأت الأحزاب الكردية على تشكيل كيان سياسي من شأنه السيطرة على الشارع الكردي المحتج، فتم تشكيل "المؤتمر الوطني الكردي" في تشرين الأول / أكتوبر 2011.

في هذه الفترة ارتفعت وتيرة استخدام مصطلحات تنم عن نزعة انفصالية لدى الأحزاب الكردية، مثل مصطلح كردستان الغربية والعرب في كردستان الغربية، وشيئا فشيئا، أصبح مصطلح الفيدرالية يستخدم يوميا في الخطابات السياسية لمعظم الأحزاب الكردية.

كما بدت عملية التقارب بين "المجلس الوطني السوري" والقوى الكردية لأسباب أربعة:

ـ لم تكن الأحزاب الكردية راغبة في تبني شعار إسقاط النظام.

ـ عدم امتلاك المعارضة لرؤية واضحة حيالة المسألة الكردية في سوريا.

ـ الدور التركي المتزايد في دعم المعارضة.

ـ رفض القوى الكردية لعسكرة الثورة خوفا من بطش النظام.

خرجت المعارضة السورية في آذار / مارس 2012 بوثيقة "العهد الوطني" التي أكدت على حل المسألة الكردية حلا ديمقراطيا عادلا ضمن وحدة سوريا أرضا وشعبا، لكن "المجلس الوطني الكردي" انسحب منه مع بقية الأحزاب الكردية بسبب رفض المؤتمرين تضمين عبارة "سوريا دولة متعددة القوميات".

مع انتشار الثورة وتوجه النظام إلى مخاطبة الأكراد عبر "حزب الاتحاد الديمقراطي" وحده، وجد "المجلس الوطني الكردي" نفسه مضطرا إلى توجيه خطابه السياسي إلى الثورة والمعارضة السورية.

ثم اتجه المجلس نحو صوغ خطاب سياسي جديد في نيسان / إبريل 2012، سمي "البرنامج السياسي المرحلي للمجلس الوطني الكردي"، وجاء فيه أن المجلس يمثل أوسع فئات الشعب الكردي في سوريا، وسوريا دولة ديمقراطية متعددة القوميات والأديان والطوائف، وضرورة الإقرار الدستوري بوجود الشعب الكردي وهويته القومية في سوريا.

أشاع هذا البرنامج ارتياحا في أوساط المعارضة، لكنه تلقى انتقادات كردية واسعة لأنه تراجع عن برنامج تأسيس "المؤتمر الوطني الكردي".

 نحو حل ديمقراطي

 لا يسمح توزع المجتمعات المحلية الكردية السورية الراهنة، بحكم تباعدها الجغرافي الكبير، بأي حديث عن مجتمع كردي متواصل وممتد جغرافيا.

وبالتالي، لا يسمح هذا التوزع بأي طرح لحل "المسألة الكردية" السورية على قاعدة مفهوم "كردستان الكبرى" خارج الإطار الوطني السوري.

لذلك، فإن حل "المسألة الكردية" السورية لا يمكن أن يتم إلا في إطار حل وطني سوري محض، بما يضع الأكراد السوريين في المجتمع وتمأسسه الدولي بالجمهورية العربية السورية، وهو مجتمع عربي متنوع تزيد فيه نسبة العرب على 91 % من إجمالي سكانه.

تشكل الثورة السورية بما تطرحه من حتمية دخول سوريا في مرحلة تحول تاريخي جديدة، فرصة حقيقية لإنتاج حل ديمقراطي عادل وواقعي لـ "المسألة الكردية".

=========================

حافظ الأسد ونحن

عمر قدور

المدن

الثلاثاء 17/11/2020

يُحكى أن حافظ الأسد عندما قام بانقلابه، ودخل مكتب الرئيس نور الدين الأتاسي ورأى مكتبته، استدعى مدير مكتب الأخير وسأله: هل قرأ "معلمك" كل هذه الكتب؟ أجاب الموظف بأنه كان يرى رئيسه يقرأ في كثير من الأحيان. ليقول حافظ: وما رأيك في أنني لم أقرأ ولا كتاباً منها ومع ذلك غلبت رئيسك؟ ثم انفجر ضاحكاً ضحكة المنتصر. يروي مصطفى طلاس أن حافظ الأسد كان الأول على الكلية الحربية، عندما كان طالباً فيها، في مباريات النطح. يبدو أن تلك المسابقات تجري بتبادل النطح بين متنافسَين، والفائز هو من يطيح الآخر، وأغلب الظن أن طلاس كان يروي تلك "المأثرة" عن رئيسه بنوع من المديح، أو ليدل على أن هناك ما يُثنى عليه في ذلك الرأس "الذي لم يكن يكترث بالقراءة".

صاحب رواية بطل النطح "مصطفى طلاس" هو أول من اقترح لقباً لحافظ الأسد، في المؤتمر العام الأول لحزب البعث بعد "الحركة التصحيحية"، اللقب بقي شائعاً لسنوات ودخل في بعض الأغاني التي تمتدح الأسد، خاصة بعد حرب تشرين 1973. اللقب هو "قائد المسيرة"، ذلك على سبيل الاختصار والاستعجال أما اللقب كاملاً الذي أقره مؤتمر الحزب باقتراح من طلاس فهو "قائد مسيرة الأمة العربية نحو الوحدة والحرية والاشتراكية". سيتواصل تأليف تلك الأغاني التي تمتدح السلطان، ويتواتر فيها استخدام اللقب الذي اختاره صاحبه لنفسه "أبي سليمان"، حتى يعتقد سوريون كثر أن هذا هو اسم أبيه، في حين أن اسم أبيه هو علي، واسم ابنه البكر باسل وكان قد تجاوز الثامنة من عمره وقت انقلاب أبيه لكنه لم يتكنى به إلا مع إشهار مشروع التوريث الذي اقتضى الانتقال من "أبي سليمان" إلى "أبي باسل".

بين أبي سليمان وأبي باسل، كانت الألقاب تتوالى في الإعلام المحلي وكأننا إزاء مزاد عام تُكتشف فيه مواهب القائد الفذّ، أو تُخترع له مواهب وشيم وخصال برهانها وإثباتها الأقوى قدرته على الإمساك بالسلطة. كما هو معلوم، لا ثقة للسوريين بإعلام السلطة، رغم تأثيره الناعم واللامرئي حتى على البعض ممن كانوا يعلنون عدم ثقتهم به. في مسيرة ذلك الإعلام لصناعة صورة "القائد التاريخي" تلقى جرعتي دعم كان لهما مفعول شديد ومديد، أولهما من كريم بقرادوني في كتابه "السلام المفقود-عهد الرئيس إلياس سركيس 1976-1982"، الكتاب كان ممنوعاً من التداول في سوريا بموجب تعليمات شكلية للرقابة، ومن المحتمل أن المنع ساهم في ترويج الكتاب، ولم يكن حائلاً دون إقامة ندوات مخصصة عن شخصية حافظ الأسد الفذة كما تظهر في كتاب بقرادوني. 

جرعة الدعم الأقوى ستأتي من باتريك سيل بكتابه "الأسد: الصراع على الشرق الأوسط"، الكتاب الذي تضمن رواية حافظ الأسد عن تاريخه الشخصي وتاريخ عائلته، وعن دوره السياسي منذ كان طالباً، أي الصورة التي يريد الترويج لها. أيضاً لم يكن تداول الكتاب مسموحاً به بموجب الرقابة، وهذا لم يكن حائلاً دون انتشاره الواسع، ولا دون إقامة ندوات عامة عنه أو الاحتفاء الواضح بمؤلفه. من كتاب باتريك سيل سيعرف السوريون مثلاً السبب المزعوم لتكني حافظ بجده سليمان، الذي بحسب روايته كان بطلاً في المصارعة، ولعل فخره بجده "القوي بدنياً" يعزز رواية طلاس عن بطولة النطح، وأيضاً تلك الحكاية عن احتقاره عادة القراءة لدى سلفه الأتاسي. إذا كان من فضل لأشخاص في صناعة صورة حافظ الأسد فالفضل يعود بالتأكيد إلى بقرادوني وسيل اللذين أتيا "نظرياً" من موقع الحياد، وأسبغا عليه صفات من الذكاء والشطارة والحذاقة تعزز سردية الإعلام الأسدي عن القائد الاستثناء. 

ثمة أفضال أخرى ضئيلة لمسؤولين أجانب، للأمريكيين منهم وقع خاص، قام الإعلام باجتزاء كلام لهم عن حافظ الأسد ليحتمل المديح فحسب. الحصيلة أن بعض ما هو خارج عن اللباقة السياسية والدبلوماسية سيصبح موهبة فذة، كالكلام عن "دبلوماسية امتلاء المثانة" عطفاً على إسهاب حافظ الأسد في الكلام وإطالة وقت اللقاء لتمتلئ مثانة ضيفه فلا يقوى على التحمل. أو طريقة تعامله مع القيادات اللبنانية، حيث كان يمر الواحد منهم أولاً بمكتب عبدالحليم خدام، فيتعاطى معه بقسوة أو تهديد كجلاد في فرع مخابرات قبل إدخاله للقاء حافظ الذي سيبدو رؤوفاً أحياناً بالقياس إلى الوعيد المرسل عبر خدام، بينما يكون الضيف خائفاً وجاهزاً لتنفيذ ما يريده الأسد، يا للبراعة الاستثنائية حقاً!

يتداول السوريون عبارة منسوبة إلى الرئيس شكري القوتلي بعد توقيعه اتفاقية الوحدة مع عبدالناصر، إذ قال له: أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس. أنت أخذت شعباً يعتقد كل واحد فيه أنه سياسي، ويعتقد نصف ناسه أنهم زعماء، ويعتقد ربعهم أنهم أنبياء بينما يعتقد 10% منهم أنهم آلهة. هذه العبارة المنتشرة يُفترض أنها سبقت انقلاب حافظ الأسد بدزينة من السنوات فقط، وسبقت انقلاب البعث بخمس سنوات فقط. نحن أمام مفارقة جارحة جداً؛ شعب بتلك المواصفات، شعب ينبغي أن يكون عصياً على الترويض، ستأتي مجموعة انقلابية لتطرده خارج حلبة السياسة، وليقتصر الصراع على المجموعة البعثية الحاكمة خلال سبع سنوات. ثم لاحقاً سيبرز من بين تلك المجموعة الأكثر تواضعاً بمواصفاته، إن على صعيد الثقافة أو على صعيد الالتزام الحزبي أو على أي صعيد يمنح صاحبه خصوصية عالية، لينقلب ذلك المغمور قليل المواهب على رفاقه المتفوقين عليه نظرياً، وليحكم شعباً كان إلى عهد قريب يعتقد كل واحد من بين اثنين أنه الأجدر بالزعامة، إذا استثنينا الأنبياء والآلهة!

ما الذي حدث لذلك الشعب خلال مدة زمنية قصيرة جداً؟ كيف أصبح بأكمله خارج السياسة؟ وكيف تخلى نصفه عن طموحاته في الزعامة؟ ولماذا نسبة قليلة جداً من هذا الشعب بالكاد تعرف أسماء رؤساء سوريين باستثناء شكري القوتلي إلى حد ما، لتتكرس صورة حافظ الأسد كأنه الرئيس الوحيد، لا إلى الأبد كما تقول دعايته وإنما منذ الأزل أيضاً؟ وكيف تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على رفاقه الأعلى منه بالعديد من المقاييس؟ وباستثناء الذين زجّ بهم في السجن حتى الموت، لماذا لم نحظَ برواية الناجين منهم عن تلك المرحلة من أجل فهم أوسع لها؟ يُروى أيضاً أن شكري القوتلي استطرد مخاطباً عبدالناصر: أخذت أناساً فيهم من يعبد الله، وفيهم من يعبد النار، وفيهم من يعبد الشيطان، وفيهم من يعبد الفرج. فلماذا راجت العبارة الأولى المنصرفة كلياً إلى السياسة، بخلاف الاستطراد الذي يشير إلى الفوارق الدينية والمذهبية؟

نحن الآن مع نهاية نصف قرن من انقلاب حافظ الأسد، الانقلاب الذي نفذته مجموعة صغيرة جداً، قوامها الأساسي من الشرطة العسكرية التي اعتقلت القيادة السابقة، من دون وجود قطعات عسكرية تقاوم الانقلاب الذي يقوده وزير الدفاع المُقال من قبل رفاقه هو ورئيس أركانه مصطفى طلاس. كان حكم البعث قد شهد انقلاباً قبل أربع سنوات سُمّي حركة 23 شباط، وفي أيلول من العام نفسه شهد محاولة انقلاب قادها سليم حاطوم، وكاد الأخير على الأقل يوقع بصلاح جديد وآخرين بإمكانيات بسيطة، لكن صلاح جديد وحلفاءه لم يتعلموا الدرس البسيط الذي وضع الثقل في الجيش لا في أي مكان آخر، وهذا ما كان يجب أن يستوعبه الجميع منذ انقلاب الشيشكلي إذا لم نقل منذ انقلاب حسني الزعيم. هذا ما يدحض ذلك المخيال عن شعب نصفه من الزعماء، ما دام الصراع كان محصوراً قبل الوحدة وانقلاب البعث بين نخبة سياسية بدأت تجربتها الليبرالية الواعدة أيام الانتداب الفرنسي وقادةِ جيش أو ضباط كانوا طامحين على الدوام إلى وراثة ذلك الانتداب، إنما على شاكلة الاحتلال الفظ.

لم يلقَ انقلاب حافظ الأسد مقاومة شعبية ولو بحدود رمزية، باستثناء جدل سرعان ما طوي حول إسلامه لكونه علوياً. منذ اللحظة الأولى للانقلاب تصرف باستهانة بالغة، فأتى بشخص مغمور "هو نقيب المعلمين أحمد الخطيب" ليعينه رئيساً مؤقتاً، وأتى برئيس اتحاد الطلبة متعب شنان "الذي لم يؤدّ الخدمة العسكرية بعد" ليعينه وزيراً للدفاع، وهما مثالان على الاستهانة بمنطق الدولة التي أمسك بها من منصبه المؤقت كرئيس للوزراء.

في جولته على مدن سورية لحشد التأييد بعد الانقلاب، استقبل حافظ الأسد المباركين له، وربما بعض الشركاء الجدد وبعض الناصحين. في حلب مثلاً، سيكون هناك من ينصحه بأخذ صورة بالزي المدني، صورة أكثر ملاءمة لرئيس المستقبل من صوره المنتشرة في الإعلام بالزي العسكري، وهكذا سيلتقط له مصور حلبي شهير الصورة التي سيتكرر ظهورها في وسائل الإعلام في الفترة الأولى من عهده. ذلك الناصح سيكون عضواً في لجنة تعديل الدستور التي أتاحت لبشار وراثة أبيه، يا للمصادفة! تعاملُ السوريين مع الانقلاب الجديد يذكّرنا بما يُروى عن مظاهرة شهدتها دمشق يوم الانقلاب على الوحدة، وفحوى الرواية أن المظاهرة خرجت تأييداً للانفصال، وكان من خط سيرها الشارعُ الذي تقع فيه مدرسة الرياضة العسكرية آنذاك؛ في ذهابها كان المتظاهرون يهتفون تأييداً للانفصال وهجوماً على عبدالناصر، لكن "القيادة الثورية للقوات المسلحة" أصدرت في تلك الأثناء البيان رقم 9 الذي تعلن فيه الحفاظ على الوحدة، فعادت المظاهرة نفسها والمتظاهرون يهتفون تأييداً للوحدة وعبدالناصر.

السوريون ليسوا شعباً من المنافقين على غرار تلك المظاهرة، وليسوا شعباً من السياسيين والزعماء والأنبياء والآلهة بحسب الكلام المنسوب إلى الرئيس القوتلي. فرضية النفاق المعمم استُخدمت دائماً ذريعة لتبرير استحقاقهم الاستبداد، فوق ما فيها من تنميط. والفرضية الثانية ثبت خطؤها ككل تعميم، لكن مع ثبوت مضارها، فشعب من هذا الصنف لا بد أن يكون مروّضه فيه الكثير من الخصال الاستثنائية، وخطورة العبارة هذه في أنها ترضي معارضين ومؤيدين، كل منهم لأسبابه. 

نصف قرن على انقلاب حافظ الأسد، على وجود الأسدية وانتفاء سوريا والسوريين؛ هي مدة تستحق التأمل والفهم. لدينا الآن تجربة بالدم الطازج، فمهارات الوريث الشخصية لا تقارن بكفاءات سورية، بما فيها كفاءات في صفوف المعارضة، لكنه تمكن من البقاء، والأخطر من بقائه ذلك الفشل المدوي للمعارضة. لا يهم أن يكون بشار المعادل الأسدي لشخص مثل أبي عمشة في مقلب ما تبقى من فصائل محسوبة على المعارضة، لأن الانحدار المعمم وصفة أمثل لبقاء الأسدية. السؤال هو: لماذا فشلت المعارضة في أن تخسر بشرف؟ أم أن كلامنا عن كفاءاتٍ معارضة هو استئناف لذاك الوهم عن شعب نصفه من السياسيين؟ 

=========================

مؤتمر عودة السّوريين الى بلادهم: مزحة

غسان حجار

النهار

الاثنين 16/11/2020

 لا يمكن إلقاء اللوم على الآخرين عند كل تعثر أو فشل. هذا تصرّف الضعفاء. لا يواجهون، ولا يتحمّلون المسؤولية، بل يلقونها على غيرهم، كأن لا دور لهم في كل ما يحيط بهم.

الرئيس السوري بشار الأسد الذي أطل عبر الشاشة في قلب دمشق، في مؤتمر إعادة اللاجئين السوريين الى بلادهم، الذي نظّمته موسكو، الوصيّة الحالية على النظام السوري مع طهران و"حزب الله"، أطل ليقول إن نظامه يرغب في عودة مواطنيه الى وطنهم، لكن ثمة من يحول دون ذلك، وأن أنظمة تستفيد منهم، وتمنعهم من العودة.

 وهي تهمة طالما تقاذفها لبنانيون قريبون من النظام، فاتّهموا مواطنين لهم بالتمسك بالنازحين السوريين لاستخدامهم، على غرار الفلسطينيين، جيشاً بديلاً يقاتلون به في لبنان. المتهَم "تيار المستقبل" الذي لا يهوى رئيسه سعد الحريري الحروب ولا يقوى عليها. والحريري ذاته يتخوّف من تحوّل مخيمات السوريين أوكاراً لإرهابيين يمنعون قيام الدولة في لبنان، ويعملون على إلغائه قبل غيره، أو تجمعات يستخدمها النظام السوري ساعة يشاء. وإذا كان البعض قد أخذه تفكيره البسيط الى مقاربة كتلك التي يدّعون تبنّيها من البعض، فإن ثمة إجماعاً لاحقاً لدى كل اللبنانيين على أن الأعباء التي يتحملها الاقتصاد اللبناني والخدمات والبنى التحتية أكبر بكثير من المساعدات التي يستفيد منها أيضاً المجتمع المضيف.

وتحدّث الرئيس السوري في المؤتمر الذي عُقد من دون نتيجة، فقال: "إضافة إلى الضغوط التي يتعرّض لها اللاجئون السوريون في الخارج لمنعهم من العودة، فإن العقوبات الاقتصادية اللاشرعية والحصار الذي يفرضه النظام الأميركي وحلفاؤه تعيق جهود مؤسسات الدولة السورية التي تهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للمناطق التي دمّرها الإرهاب، بحيث يمكن اللاجئ العودة والعيش حياة كريمة في ظروف طبيعية".

إذاً ثمة معوّقات داخلية غير تلك "الضغوط" المحتملة أو المفترضة، فالبنى التحتية غير متوافرة بعد في معظم المناطق التي شهدت قتالاً ومعارك، وبالتالي فإن الخدمات الحياتية من ماء وكهرباء وهاتف، وأيضاً المدارس والمستشفيات، غير مؤمّنة للمواطنين الذين فقد عدد كبير منهم منزله وعمله، وعليه بالتالي أن ينطلق من الصفر إن توافرت ظروف محيطة.

أضف الى ذلك، أن مسيرة العودة يمكن أن تبدأ من خلال إعادة نحو مليوني سوري نازح داخل بلاده، وتحديداً في الشمال السوري، إذ ليس من أنظمة تعيق تلك العودة كما هو مفترض. وبالتالي فإن حسن النية، والرغبة في إطلاق العودة، يتجسدان في هذه الخطوة. 

في آخر الأرقام التي أصدرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) أنه بحلول السنة الثامنة من النزاع في سوريا، قدّرت الخسائر الاقتصادية بما يفوق 442 مليار دولار. وهذا الرقم لا يعبّر وحده عن معاناة شعب أصبح 5.6 ملايين منه على الأقل لاجئين، و6.4 ملايين نازحين داخلياً، و6.5 ملايين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، و11.7 مليوناً بحاجة الى شكل من أشكال المساعدة.

وإذا كان السوري لا يشعر بالأمان للعودة الى مسقطه، في غياب الأمن الاجتماعي والحياتي والاقتصادي، فإن إجراءات الدولة لا تشجّع على العودة. فالشباب الراغب في العودة سيقع في مصيدة التّجنيد الإجباري، ولا يُعفى من تلك الخدمة الإلزامية، إلا مقابل تسديده مبلغ ثمانية آلاف دولار بالعملة الأميركية الورقية، لتغطية النقص في العملات الصعبة. ولكن من أين يتوافر للاجئ وهو يوفر خبزه كفاف يومه، أن يؤمّن هذا المبلغ. ثم إن دخول سوريا في زيارة يتطلب دفع مئة دولار أميركي، ويشاهَد مئات السوريين ينامون عند النقاط الحدودية بعدما مُنعوا من دخول الأراضي السورية قبل تسديد مبلغ غير متوافر. 

في دراسة أعدّها مركز عصام فارس في الجامعة الأميركية، يتبين أن 86 في المئة من اللاجئين يرغبون في العودة. لكني أعتبر النتائج كذبة تسبّب بها السوريون أنفسهم، إذ إنهم يزايدون في إظهار رغبتهم في العودة، فيما أكثرهم لا يرغب في تلك العودة، وهو يخاف بطش النظام، ويتحدث عن عشرات، بل مئات آلاف السجناء والمفقودين، ويخاف كثيرون أن يلقوا المصير نفسه، خصوصاً إذا لم يكونوا من أنصار النظام. 

أمام هذه الوقائع، يصبح مؤتمر العودة مزحة كبيرة، إن لم نقل كذبة إعلامية، ما لم يترافق مع سلسلة خطوات قانونية ومالية واجتماعية تبدأ بعفو عام، وإطلاق السجناء، وإعفاءات مالية، وفتح الحدود مجاناً، وتحرير الشباب من الخدمة الإلزامية، وتقديم حوافز لعودة آمنة، وإذا لم تتحقق هذه الأمور سريعاً، فإن ذلك يؤكد عدم رغبة النظام في هذه العودة التي تشكل عبئاً إضافياً على سورياهم.  

=========================

أوهام موسكو وحقيقة القضية السورية

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 16/11/2020

يعكس سلوك روسيا تجاه القضية السورية هاجساً يدفعها لتقديم نفسها بأنها الأكثر حرصاً على تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بسوريا عسكرياً وسياسياً وإنسانياً. فتراها تتفاخر بإيجاد مسار "أستانا" لوقف إطلاق النار، وبمؤتمر "سوتشي" لتنفيذ الشق السياسي من القرار 2254، وفِي الجانب الإنساني، تعقد مؤخراً مؤتمراً في دمشق لإعادة السوريين إلى بلدهم.

مع انخفاض منسوب القتل والتدمير والتشريد، وانحسار حجة الإرهاب، التي أسبغها القَتَلَة والمستبدون على ثورة سوريا؛ ومع الإجماع العالمي على الحل السياسي، واقتناع قوى الأمر الواقع المسيطرة على الأوصال السورية المبعثرة، ومع إفلاس تحالف الاحتلال الأسدي- الخامينئي- البوتيني في حسم الأمور لصالحه؛ ومع اقتناعه المر بأنه ما من مخرج من أزمته وحالته المستعصية إلا بحل سياسي سعوا لتوليده قيصرياً عبر دستور "أستانا" أولاً ثم "سوتشي" تالياً عبر محاولات مستميتة لتعطيل مسار "جنيف" دائماً؛ ومع تدهور الحال الاقتصادي الداخلي السوري مرفقاً بتفلت أمني وضياعٍ لهيبة الأسدية التي تعطي البوتينية والخامينائية شرعية الوجود في سوريا... مع كل ذلك تستمر روسيا بعلك الصوف الممزوج بالدم والدمار السوري محاولة تفصيل "حل سياسي" على مقاس مصالحها حصراً مستخدمة ضعف وتدهور نظام الاستبداد الأسدي والنقمة على الوجود الإيراني.

من هنا عادت موسكو إلى أحد البنود الإنسانية والسياسية في القرار الدولي، وخرجت بفكرة عقد مؤتمر لإعادة اللاجئين السوريين، غير متّعظة بـفشل "مؤتمر سوتشي للشعوب السورية" الذي اجتزأ الحل السياسي الشامل في القرار 2254 بتشكيل لجنة دستورية أرادت روسيا أن تكون مرجعيتها واضعة نفسها بديلاً للأمم المتحدة صاحبة القرار؛ لتعود الأخيرة وتقمع تفردها، ولتكون المرجعية. وها هو مؤتمر اللاجئين يفشل أمام أعينها. فكما دأبت على عرقلة عمل الدستورية سراً، لعدم امتلاكها كلياً، ولخروجها من يدها، ستعمل على عرقلة أي عودة حرة كريمة للاجئين السوريين إلى بلدهم.

من كل هذا يستخلص المرء جملة من الإشارات؛ إما أن سياسة موسكو في /الخارجية/ أو /الدفاع/ مربكة غبية خبيثة سطحية تكتيكية؛ أو أنها تتصرف عن وعي وإدراك وحصافة لتسجل

مع تكرار "الفشل" أكثر من مرة، ربما تكون عين موسكو على عنصر آخر في القرار الدولي، لتجهضه- وتحديداً "الانتخابات"

نقاط في مقاربة تطبيقية للقرار الدولي 2254، دون الدخول الحقيقي في جوهره مستفيدة من "مطاطيته" ومن غياب قوى فاعلة لفرضه. ومن هنا كل محاولاتها ابتداءً من "أستانا" إلى "سوتشي" وصولاً إلى "دمشق" في تفريغ القرار الدولي من مضامينه الجوهرية.

الآن، ومع تكرار "الفشل" أكثر من مرة، ربما تكون عين موسكو على عنصر آخر في القرار الدولي، لتجهضه- وتحديداً "الانتخابات". وبهذا تكون قد قاربت مسألة /وقف إطلاق النار/ بتشويهها وتحويلها إلى "خفض تصعيد"؛ و/الانتقال السياسي/ بتقزيمه إلى "لجنة دستورية" و"عودة لاجئين" ثم "انتخابات رئاسية" لذر الرماد في عيون الغضب السورية؛ وبذا تدفن القضية السورية والحق الشرعي في استعادة السوريين لبلدهم، وكأن شيئاً لم يكن...

ما يعطي دلالة على دقة تصوير المقاربة الروسية بأنها هكذا، هو أنها بالأمس أعطت الضوء الأخضر للمبعوث الدولي للإعلان عن جولتين، وليس واحدة لانعقاد اللجنة الدستورية (واحدة هذا الشهر وثانية في الشهر الأول من العام القادم) حتى تبقي اللعبة مستمرة. والمفارقة أن ذلك يأتي بعد أن رفض النظام علنياً اللجنة، واعتبرها "لعبة"؛ لكن الضغط الموسكوفي، والإغراء بانتخابات رئاسية "تشرعن" النظام، ولّد موافقة عند منظومة الاستبداد الأسدية.

ليعلم السيد بوتين أنه حتى لو وصلنا إلى "الانتخابات الرئاسية"، فلن يكون مَن يريد شرعنته أو إعادة تكراره شرعياً، تماماً كحال "مجلس الشعب" الذي تم تعيينه. معظم السوريين رافضون لذلك، وكذلك المجتمع الدولي وقراراته بخصوص سوريا، تماماً كما يرفضون عودة اللاجئين، أو إعادة الإعمار، أو إغفال ملفات الإجرام المتراكمة، أو مناطق خفض التصعيد التي أجهضت وقفاً شاملاً لإطلاق النار، أو الضحك على السوريين في "مناقشات للدستور". الحلول التكتيكية الترقيعية ليست تطبيقاً للقرارات الدولية، ولن تشرعن نظاماً قاتلاً، ولن تنقذ سوريا التي تدهورت اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً.

ينقذ سوريا فهم حقيقي لجوهر الصراع فيها؛ للمرة المليون، سيد بوتين، ليس صراعاً بين /معارضة/ و/نظام/ بل صراعاً بين الحرية والديموقراطية والكرامة والحياة من جانب، والاستبداد والذل والموت من جانب آخر. إنه صراع يتسلح السوريون فيه بقرارات دولية تنصفهم، وبإرادة لا تموت.

قد يغري السيد بوتين أن هذا الحق السوري لا يجد من يتمترس عنده بقوة وصلابة وانتظام، وقد يغريه التناقضات والمصالح الدولية المتضاربة، وقد يكبّر رأسه امتلاكه لقوة عسكرية- طالما تفاخر بفاعليتها في الساحة السورية- وقد يتوهم أن المسألة السورية لا تحتل أولوية في السياسات الدوية؛ ولكن عليه أن يتيقّن أن هناك من يتمترس عند جمر القضية السورية، وأن الدول تسجّل عليه سقطاته، وخاصة حمايته للإجرام عبر "فيتو" مجلس الأمن، ولا هي ستشبعه اقتصادياً في إعمار ما خرّبه في سوريا، وإعادة من شردهم بصحبة الأسدية والخامينائية سيعودون؛ والأهم من كل ذلك، ليعلم أن ثورة السوريين مستمرة، وأن النخب والقوى السورية التي تغلي على مدار الساعة، و بالتكاتف ومراجعة الحسابات مع مؤسسات معارضة قائمة؛ وبالتنسيق مع قوى تريد عودة حرة كريمة لسوريا وشعبها إلى الحياة، على وشك الخروج بجسد قوي عفيّ صادق راشد يحرص ويعمل على استعادة بلده من الاستبداد والاحتلال.

=========================

قراءة في السلوك العسكري الإسرائيلي تجاه سوريا

عدنان أبو عامر

سوريا تي في

الاثنين 16/11/2020

كشفت الأوساط العسكرية الإسرائيلية عما سمته "كواليس" الحرب الجوية فوق الأراضي السورية، وتشير إلى أن عملية واحدة قد تغير كل شيء، فالطيارون الإسرائيليون يطيرون في سماء الشرق الأوسط، ويهاجمون مئات الأهداف المعادية خارج الخطوط، ما يشكل فرصة مناسبة لاستنطاقهم، والتعرف منهم على طبيعة هجماتهم الواسعة النطاق في سوريا، فضلا عن إحباط الهجمات المعادية على الحدود.

يتراوح عمل سلاح الجو الإسرائيلي بين التحديد والمراقبة والقصف، وهكذا تعمل الحملة السرية في الجبهة الشمالية، وآخر عملياتها مهاجمة سوريا قبل أيام، ضد أحد معاقل البنية التحتية الموالية لإيران في القنيطرة شمال الجولان، قتل فيها ثلاثة من ميليشياتها، لمنع استقرار إيران في سوريا، لاسيما بمرتفعات الجولان.

منذ سنوات، يعمل سلاح الجو الإسرائيلي بكثافة عالية للغاية فيما يسمى (المعركة بين الحروب)، ولتوضيح ذلك بالأرقام، ففي الأشهر الأخيرة تم إطلاق ألف صاروخ جوي ضد طائرات سلاح الجو في سوريا، ووجد الطيارون الإسرائيليون أنفسهم يدمرون عشرات البطاريات السورية المضادة للطائرات، ويهاجمون ألف هدف على الأراضي السورية.

هذا يعني بوضوح أنها كانت حملة واسعة النطاق تجري عادة في الظلام، ليلة بعد ليلة، مع أن التفسير السائد بشأن (المعركة بين الحروب) يفيد بأن عملياتها يتم تنفيذها بواسطة طائرات مقاتلة، لكن طائرات الهليكوبتر تلعب دورا مهما في الأنشطة العملياتية، من حيث المشاركة في المعركة البرية ومهاجمة الأهداف، والقدرة على مهاجمة أهداف صغيرة وجراحية، بما فيها نقاط المراقبة والأسراب بتكوين سري للغاية.

الأنشطة العسكرية التي يقوم بها سلاح الجو الإسرائيلي في الجولان تتمثل بقدرته على الوصول إلى مستوى عال من الدقة، وإغلاق دائرة في الوقت الفعلي، والتعاون مع الأقسام المكانية، والتحدث عن القوات الموجودة على الأرض، وإغلاق الدائرة بطائرات مأهولة عن بعد، والعمل في ظروف جوية معقدة، في ظل السحب المقيدة، ما يعزز أهميتها، خصوصا للعمليات التي تنفذها القوات البرية في الجبهة الشمالية مع لبنان وسوريا، أو الجنوبية في قطاع غزة.

قبل شهرين، هاجمت طائرات هليكوبتر ومقاتلات تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي نقاط مراقبة تابعة لحزب الله قرب الحدود السورية، ردا على إطلاق نار من الأراضي اللبنانية على قوة للجيش الإسرائيلي كانت في نشاط عملياتي، ورغم عدم القدرة على الخوض في التفاصيل، لكن الهجمات تم تنفيذها من خلال سرب أباتشي، فسلاح الجو لديه خطة تشغيلية تستند لأهداف محددة مسبقًا، وحققت نتائج، وبنت جميع المعلومات قبل تنفيذ أي هجوم.

بات واضحا أن مرونة طائرات الهليكوبتر القتالية الإسرائيلية تسمح بأداء العديد من المهام في مجموعة متنوعة من الساحات، والقيام بدور كبير بمهاجمة الأهداف في القطاع الشمالي، فقد يجدون أنفسهم في الشمال، ثم يقفزون إلى غزة، ويهاجمون الجولان في اليوم التالي، فأسلحتهم صغيرة ضمن القوات الجوية، لكنها قد تقلب الموازين بالنسبة لكتيبة مناورة، هذه مهمتهم كدبابة طائرة، وجزيرة وحيدة في الجيش الإسرائيلي والقوات الجوية.

لا يقتصر دور الطائرات بدون طيار والمروحيات المقاتلة على المشاركة في الحملة الجارية في الشمال على الحدود السورية فحسب، بل تشارك أيضا طائرات بدون طيار، اثنان منها هما "زيك" (هيرميس 450) و"ستار" (هيرميس 900)، وهي من صنع شركة إلبيت، ويديرها سرب "طيور النار" من قاعدة بلماخيم الجوية.

مع العلم أن تحديد الخلايا المسلحة المعادية يتطلب تعاون القوات الجوية والبرية معاً، لكنه يتطلب تحديد الصورة الاستخباراتية، وبناء خطة مع القيادة الشمالية على الحدود مع سوريا، ورؤية العدو

المهمة الأساسية لسلاح الجو الإسرائيلي في الساحة الشمالية إخراج إيران من سوريا، ومنع حزب الله من تسليح نفسه بأسلحة متطورة

محاولا القيام بخطوات، لكنهم لا ينجحون، لاسيما وأن قاعدة "رمات دافيد" هي الأكثر مركزية وعملية لسلاح الجو في الجبهة الشمالية، وهي هجومية أمامية، وخط دفاع أول، تقوم بتشغيل الطائرات المهاجمة، وتعمل على مدار الساعة بمجموعة متنوعة من المهام الدفاعية والهجومية، وتعد مكونا أساسيا في أي حملة مستقبلية، وتستخدم أفضل القدرات لتحقيق الأهداف التشغيلية في جميع القطاعات.

المهمة الأساسية لسلاح الجو الإسرائيلي في الساحة الشمالية إخراج إيران من سوريا، ومنع حزب الله من تسليح نفسه بأسلحة متطورة، وتقييد حريته في العمل داخل لبنان وسوريا، مع أن النشاط المعقد الذي ينفذه سلاح الجو في السنوات الأخيرة تركز في المعركة بين الحروب في مجموعة متنوعة من الساحات ذات الخصائص الرائدة، فالتحديات في مختلف الساحات، وخاصة في الساحة الشمالية، مع أن تزايد الضربات في سوريا، جعلت الجيش الإسرائيلي يتعلم دروسا، ويستفيد تكتيكيا بشكل كبير في ما يتعلق بالمعارك الجوية.

في الوقت ذاته، فإن الآمال الإسرائيلية حول إمكانية مغادرة إيران لسوريا مجرد "أحلام يقظة" لن تتحقق بنظر الإسرائيليين، لأن الهجمات الإسرائيلية المتزايدة على سوريا تبدد الأوهام التي رافقتهم في الفترة الماضية بأن إيران ستغادرها، فلأول مرة، تهاجم الطائرات الإسرائيلية مناطق في سوريا غير مدرجة في قائمة الأهداف التقليدية، مما يشير إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تركز الآن على محاربة إيران، ووجودها في سوريا.

الهجمات الإسرائيلية في سوريا توصف بأنها واسعة، والأهم من ذلك أنها تشمل مناطق لم يتم مهاجمتها من قبل، وهذا التقييم الأخير يشير إلى أنَّ الاعتقاد الذي ساد بين الإسرائيليين لفترة من الزمن، ومفاده أن الإيرانيين يتخلون عن سوريا، ربما كان عبارة عن نوع من "التفكير الأمنياتي"، لأنه من المهم أيضا أن نتذكر أن هذه منطقة وعد الروس بأنها لن يكون لها وجود في إيران أو حزب الله، يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن الإيرانيين سيحاولون الرد على الهجمات المستمرة، كما حاولوا من قبل.

رأت إسرائيل من قبل محاولات إيرانية لإطلاق صواريخ على أهداف في مرتفعات الجولان، وهي محاولات لم تنجح؛ بسبب التنفيذ الفاشل للمليشيات والقوات الإيرانية في الميدان، وكذلك القدرات الاستخبارية والدفاع الإسرائيلية الناجحة، وعندما فشل الإيرانيون في هذه المحاولات، حاولوا بردود إلكترونية فاشلة، مما يؤكد أن صانعي القرار الإسرائيلي بحاجة للافتراض بأنه ستكون هناك محاولة لرد إيراني على الهجمات في محاولة لردع إسرائيل، وقد تنعكس في مجموعة كاملة من خيارات العمل الخاصة بالميليشيات الإيرانية.

في هذا الوقت بالذات، يمكن لإسرائيل الاستفادة من الأسابيع التي تسبق استبدال الإدارة الأميركية عقب فوز جو بايدن وهزيمة دونالد ترامب، مما يتطلب منها التنسيق مع الإدارة الجديدة بشأن تقدم البرنامج النووي في إيران؛ ومستقبل السياسة الأميركية تجاه الملف السوري.

أضاف في مقال نشره موقع "المونيتور"، وترجمته "عربي21" أن "السوريين ألقوا باللوم على سلاح الجو الإسرائيلي في الهجوم، الذي استهدف مركز الدراسات والبحوث العلمية السورية في حلب، المتورط في مشروع صاروخ دقيق مدعوم من إيران، كما اتُهمت إسرائيل بشن ضربات مماثلة أخرى في السنوات الأخيرة، ويبدو أن هناك عددا متزايدا من الغارات الجوية بطائرات مجهولة على أهداف سورية في الأشهر الأخيرة".

وأكد كاسبيت، مقدم البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وله عمود يومي بالصحافة الإسرائيلية، أن "المحللين يعزون تزايد هذه الضربات لتسارع كبير في النشاط الإسرائيلي ضد وجود القوات الإيرانية في سوريا، ولأول مرة منذ بدء الحرب الأهلية السورية في 2011، فإن الجهود الإيرانية الموازية لتحويل سوريا إلى منصة انطلاق لنشاطها، ونقطة عبور لأجهزتها العسكرية المتطورة، بدأت تصدر عنها مؤشرات ببدء الانسحاب من الأراضي السورية".

ونقل عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع كلامه عن "توقف النشاط الإيراني على جبهة تهريب الأسلحة، وهناك انخفاض كبير في الوجود العسكري للقوات الإيرانية والمليشيات الشيعية المتحالفة معها، مما قد يشير لبدء إيران بالتخلي عن استثمارها الهائل في سوريا في السنوات الأخيرة، لأن إسرائيل استغلت أزمة فيروس كورونا لتكثيف نشاطها ضد المصالح الإيرانية في سوريا، وزيادة ضغوطها على طهران".

وأوضح أنه "على عكس الهجمات السابقة، فقد أتاح الفيروس لإسرائيل مساحة غير مسبوقة للمناورة، وصعدت نشاطها، الذي بدأ يؤتي ثماره لأول مرة منذ تفشي الوباء، وتأتي هجمات البنية التحتية المتصاعدة في سوريا، في الوقت الذي يتعافى فيه الإيرانيون من صدمة مقتل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، الذي وصفته المخابرات الإسرائيلية بأنه أهم حدث في العقد الماضي".

وأكد أن "سليماني كان لا غنى عنه، لأن شخصيته كاريزمية استثنائية، ومتحمسا دينيا بشكل كبير، وقاد الميليشيات، وأصدر الأوامر، وأشرف شخصيا على النشاط، وتم تقسيم مسؤولياته

الإيرانيون أصبحوا الآن يجرون حساباتهم أكثر، ومترددون، ويدركون أن الثمن الذي يدفعونه مرتفعاً للغاية

بين مجموعة من كبار المسؤولين، والنتيجة أصبحت ملموسة، وتشير الدلائل الأولية إلى تراجع موقف إيران الحازم الذي لا هوادة فيه، وغذى اندفاعها عبر سوريا نحو لبنان في تحد للعقوبات الغربية، واقتصادها المعطل".

ونقل عن خبير عسكري إسرائيلي أن "الإيرانيين أصبحوا الآن يجرون حساباتهم أكثر، ومترددون، ويدركون أن الثمن الذي يدفعونه مرتفع للغاية، وبشكل أكثر تحديدا، فقد تم تقسيم مسؤوليات سليماني الرئيسية على ما يبدو بين أربعة: أحدهم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله نفسه، الذي تم ترقيته بشكل ملحوظ".

وأشار إلى أن "الثلاثة الآخرين هم: الجنرال محمد حجازي نائب قائد فيلق القدس، وتم تكليفه بالاتصال بحزب الله ومشروع الصواريخ الدقيقة، وعلي شمخاني رئيس مجلس الأمن القومي؛ وعلي حاجي زادة قائد سلاح الجو في الحرس الثوري، وتعتبر الأجهزة الأمنية الغربية حاجي زاده "قنبلة موقوتة"، والرجل المسؤول عن إسقاط الطائرة الأوكرانية بطريق الخطأ فوق إيران في كانون الثاني/ يناير، وتحديات أخرى موجهة للولايات المتحدة والغرب".

وأضاف أن "تقسيم مسؤوليات سليماني لم يخفف التهديد الحقيقي لمستقبل إيران بسبب تراجعها الاقتصادي، فقد جرّت أزمة كورونا والهبوط الدراماتيكي لأسعار النفط العالمية إيران إلى الهاوية التي سيصعب عليها الخروج منها، وتقول مصادر استخبارية إن الميزانية السنوية لإيران وصلت أدنى مستوى لها منذ عقد من الزمان، بعد أن استندت توقعات خاطئة تبلغ 60 مليار دولار في صادرات النفط".

وأشار إلى أن "إيران صدرت في 2019 نفطا بقيمة 20 مليار دولار فقط، ولن يزيد المبلغ هذا العام، مما سيجبرهم على استخدام احتياطياتهم المتبقية من العملات الأجنبية للبقاء على قيد الحياة هذا العام، وسيصلي الإيرانيون من أجل هزيمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشرين الثاني/ نوفمبر، رغم أنهم لا يستطيعون التأكد أن خليفته سيرفع العقوبات الاقتصادية الأميركية على الفور، إلا أنه أملهم الوحيد الآن".

وأكد أن "رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد يوسي كوهين وكبار المسؤولين على اتصال دائم بحكام واشنطن، بينهم ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو، الذين يؤكدون أنهم لا ينوون تسهيل الحياة على إيران، ولعل هذه هي خلفية الارتفاع الكبير في الهجمات على أهداف إيرانية في سوريا، وإسرائيل على وشك الاستنتاج بأن الإيرانيين بدؤوا في التحول إلى الداخل، وكما يقال "بدأ الأخطبوط يطوي مخالبه".

وزعم قائلا أن "الأسد ربما سئم من الثمن الباهظ الذي يدفعه لاستمرار الوجود الإيراني في سوريا، في كل مرة تقريبا تستهدف بطارياته المضادة للطائرات الطائرات الإسرائيلية، وينتهي به الأمر بفقدانها، في الوقت نفسه، تزيد روسيا ضغوطها على دمشق، واعتبرت مصادر روسية أن الرئيس فلاديمير بوتين اعتبر الإيرانيين منذ فترة طويلة عبئا، وليس رصيدا".

وأكد أن "إسرائيل تتبنى تفاؤلا حذرا في ضوء هذه التطورات، الأمر لم ينته لدى الإيرانيين، لكنهم بدؤوا يتعبون، لأن التوغل الإيراني في سوريا أصبح ترفا، بينما بالنسبة لإسرائيل كان دائما مسألة وجود، لأنه بالنسبة لإسرائيل تعد الساحة السورية "منطقة قتل" سهلة للأهداف الإيرانية، وتتمتع إسرائيل بميزة نوعية كبيرة من حيث الاستخبارات والتفوق الجوي الكامل في هذه المنطقة".

=========================

حزب الله وورطة المفاوضات مع إسرائيل

سعد كيوان

العربي الجديد

الاثنين 16/11/2020

قد يتساءل المرء كيف لدولةٍ، مثل لبنان، أن تغوص في مفاوضاتٍ مع إسرائيل التي لا تعترف بها، كونها مغتصبة لأرض الشعب الفلسطيني ووطنه، من أجل أن ترسم حدودها معها. وما الضرورة أو الفائدة في ذلك، طالما أن سلطتها عاجزة، وحكومتها مستقيلة، واقتصادها منهار، ومؤسساتها معطلة، وطبقتها السياسية المتحكمة فاسدة وفاجرة، تمارس النهب المنظم منذ عقود، ولم تعد تحظى بثقة أكثرية شعبها، وبالتالي غير قادرة على فرض شروطها، وبالأخص عندما يكون قرار الدولة اللبنانية مخطوفا يتحكّم به تنظيم مسلح يتلقى أوامره من دولة خارجية وغير عربية.

بعد احتلال دام أكثر من عشرين سنة لجنوب لبنان، اضطرت إسرائيل للانسحاب في ربيع عام 2000، وتم على إثرها ترسيم حدود غير نهائية بين الدولتين، عبر خط بري سمي "خط هوف" الأزرق الذي تم اعتماده بوساطة أميركية. ثم كانت حرب تموز 2006 التي تورّط بها حزب الله، وورّط لبنان، لكي يعيد خلط الأوراق، ويخفف الضغط الداخلي عنه، ويتقدم لملء الفراغ الذي خلفه اغتيال رفيق الحريري في 2005، واضطرار حليفه بشار الأسد إلى سحب جيشه من لبنان. واستمر أمين عام الحزب، حسن نصرالله، في محاولته الإمساك بالقرار الداخلي بعد أن اكتسحت قوى 14 آذار الانتخابات البرلمانية في ربيع 2005، فاحتلّ الوسط التجاري لبيروت، في نهاية عام 2006، وحاصر السراي الحكومي سنة ونصف السنة، من دون أن يتمكّن من أن يفرض تعديلا في موازين القوى. عندها لجأ إلى السلاح، وغزا في 7 مايو/ أيار 2008 بيروت، وتمكّن من فرض واقع جديد على الأرض، أدى إلى إرغام قوى 14 آذار على القبول بتسوية الدوحة التي منحته "الثلث المعطل" (الثلث زائد واحد) من عدد الوزراء، ما يمكنه من تعطيل الحكومة ساعة يشاء. ومع ذلك، لم يتمكّن من عام 2009 من انتزاع الأكثرية النيابية للمرة الثانية على التوالي، وبقيت بالتالي الأجواء مشحونةً وحذرة، مع اشتداد الضغوط الأميركية والإسرائيلية، إلى أن بادر رئيس مجلس النواب، وزعيم حركة أمل، نبيه برّي، خلال عام 2010، وبموافقة حزب الله بطبيعة الحال، إلى وضع يده على ملف ترسيم الحدود البحرية، ملاقيا في منتصف الطريق واشنطن التي كانت تمارس ضغوطا مستمرّة من أجل تحقيق رغبة إسرائيل، التي يعني الترسيم عمليا بالنسبة لها اعترافا بحدودها وتسليما بوجودها. ومرّت الاتصالات والمفاوضات غير المباشرة في مراحل متقطعة، طوال فترة إدارة أوباما، تبعا للتطورات الداخلية والإقليمية التي شهدت، في السنوات الخمس الأخيرة، نموا متصاعدا للدور الإيراني، وتمدّدا لنفود الملالي في المنطقة، وخصوصا في سورية والعراق، بعد التوقيع على الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران صيف 2015، وبقيت مسألة ترسيم الحدود ورقةً في يد الطرفين الشيعيين (وليس في يد الدولة) يعيدان تحريكها عندما تضيق فيهما السبل.

تمت ملاحقة واعتقال أكثر من رجل أعمال لبناني في مختلف أنحاء العالم يقوم بتمويل أو على علاقة ما بحزب الله

ضاعف دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض نهاية عام 2016 من الضغوط الأميركية على لبنان، وخصوصا بعدما تمكّن حزب الله من فرض ميشال عون رئيسا للجمهورية، قبل أسبوع واحد من فوز الملياردير الجمهوري بالرئاسة، وتحوّله هدفا رئيسيا لسهام الإدارة الأميركية الجديدة التي أعلنت أن هدفها الرئيسي في المنطقة ليس إسقاط بشار الأسد، وإنما تطويع إيران ولي أذرعها المسلحة المتمدّدة في العمق العربي، وتحديدا حزب الله، وإعادتها إلى داخل حدودها. وأعلن ترامب رفضه الاتفاق النووي، وراح الحصار الاقتصادي يشتد على إيران والعقوبات تنهال على حزب الله، وتم إقفال (وتصفية) مصرفين لبنانيين، اتهما بتمويل عمليات مصرفية لحساب الحزب أو تسهيلها، وتمت ملاحقة واعتقال أكثر من رجل أعمال لبناني في مختلف أنحاء العالم يقوم بتمويل أو على علاقة ما بحزب الله، آخرهم قاسم تاج الدين الذي اعتقل في المغرب قبل ثلاث سنوات، وتم تسليمه إلى أميركا التي أطلقت سراحه في يوليو/ تموز الماضي. في هذه الأثناء، بدأ برّي بتحريك ملف المفاوضات لترسيم الحدود، مستقبلا مبعوثا أميركيا تلو الآخر، فكانت لقاءاتٍ ظاهرها يبحث في الوضع الداخلي والتدهور الاقتصادي وأزمة الحكومة، وجوهرها كيف ومتى الجلوس على طاولة المفاوضات مع إسرائيل لتخفيف الضغط عن حزب الله، فيما كان هو يسعى إلى التجييش داخليا حول اتهام الآخرين بالفساد، لكي يقطع الطريق على أي مزايدة أو إحراج في ملف التفاوض.

جاء اغتيال قاسم سليماني ضربة قاصمة، لتسرع في إخراج المباحثات اللبنانية مع الأميركان من الكواليس

لم تتمهل إدارة ترامب في تكثيف الرسائل المهدّدة عبر فرض عقوبات على قياديين في حزب الله، وفي مقدمهم نصرالله نفسه، ثم جاءت ضربة اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، القاصمة، في بغداد، لتسرع في إخراج العملية من الكواليس، وإعلان برّي رسميا عن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول آلية للتفاوض. كان من المفترض أن تبقى ورقة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في يد طهران، إلى أن يحين وقت الجلوس على طاولة المفاوضات مع واشنطن، غير أن ترامب لم يترك متسعا من الوقت للمناورة مقابل مخاوف طهران من حظوظ ترامب الجدّية في العودة إلى البيت الأبيض، فجاء إعلان رئيس المجلس النيابي عن إطار للمفاوضات مع إسرائيل، وآليتها وموعدها، في 14 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة أميركية، أي قبل ثلاثة أسابيع فقط من موعد الانتخابات الأميركية، غير أن المفاجأة حملت، كما هو ظاهر، خصم ترامب إلى البيت الأبيض. وانطلق التمهيد والتحضير من "الثنائي الشيعي" الذي اضطر أن يقوم بحملة شرح وإقناع وتبرير لهذه الخطوة، خصوصا وأنه مارس عملية اقتحام وتعدّ، قام بها برّي نفسه على ملفٍّ، هو من صلاحيات رئيس الجمهورية بحسب الدستور اللبناني، وليس من صلاحيات رئيس المجلس النيابي، فالتفاوض وعقد المعاهدات من صلاحية رئيس الجمهورية الذي، حتى وإن كان موافقا، لا يسعه إلا أن يتمسّك بصلاحياته، وهو كان فعليا قد حضّر نفسه، وكوّن فريقه للتفاوض، متناغما مع توجه الإدارة الأميركية، ما أدّى إلى إشكالات مع الفريق الشيعي، وإلى خلافات داخل الفريق الرئاسي نفسه، إذ كان رئيس التيار العوني، جبران باسيل، وهو صهر الرئيس، يريد أن يبعث رسائل طمأنة إلى واشنطن وتل أبيب، صونا لحظوظه الرئاسية المقبلة عام 2022، ولم يكن يعلم أن واشنطن كانت جادّة وحاسمة في إطباق سيف العقوبات عليه، بعد 48 ساعة فقط على إقفال صناديق الاقتراع في انتخابات الرئاسة الأميركية، وقبل انقشاع غبار حدّة المواجهة بين المرشحيْن، ترامب وبايدن!

يصر نصرالله على أن عملية تفاوض غير مباشرة، فيما الوفدان يجلسان وجها لوجه، وتناولا الغداء بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، بدعوة من الأمم المتحدة!

وفي المقابل، اضطر برّي إلى التراجع خطوة إلى الوراء، تاركا للرئيس عون صلاحية تشكيل الوفد إنقاذا لماء الوجه بين الحلفاء اللدودين. ولكن المفارقة الأخطر والأهم أن الثنائي الشيعي اضطر إلى خوض معركة قاسية لإقناع اللبنانيين، وتحديدا جمهوره، بأن إطلاق المفاوضات مع إسرائيل مجرد عملية حسابية جغرافية لترسيم الحدود، ولا علاقة لها بالاعتراف بإسرائيل، ولا حتى بالتطبيع معها، لا بل أكثر من ذلك، يصرّ نصرالله تحديدا على التأكيد أنها عملية تفاوض غير مباشرة، في حين أن الوفدين، اللبناني والإسرائيلي، يجلسان في قاعة واحدة وجها لوجه، وتناولا معا الغداء بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، بدعوة من الأمم المتحدة؟! وهكذا وجد حزب الله نفسه في محاولة يائسة أشبه بورطة لإقناع جمهوره بصحة ما برح عقودا يعبئهم ضده، وكأن استبدال كلمة إسرائيل بمصطلح كيان العدو يجعل التفاوض محللا لمن شيطنه وشعوذه!

=========================

تصريحات جيفري.. تطمينات للمعارضة أم للأسد؟

العقيد عبد الجبار عكيدي      

 تلفزيون سوريا

الاحد 15/11/2020

في آخر تصريح له قبل انتهاء مهمته بخصوص توقعاته حول سياسة بلاده إزاء سوريا عقب الانتخابات الرئاسية بين المرشحين الديمقراطي جو بايدن والجمهوري دونالد ترامب، استبعد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا السفير جيمس جيفري أن يكون لنتائج الانتخابات أي تأثير على وجود بلاده العسكري في سوريا، بغض النظر عن المرشح الفائز.

لا يتوقع جيفري حدوث أي تغير في نقاط تمركز الوحدات العسكرية الأمريكية في سوريا، ولا في العقوبات المفروضة على نظام الأسد ولا في إرادة واشنطن طرد إيران من سوريا، كما توقع زيادة العقوبات المفروضة على النظام مؤكداً أنها حققت نجاحاً، وطمأن المعارضة أن سياسة واشنطن لن تتغير في سوريا بغض النظر عن القادم الجديد للبيت الأبيض، الموقف القائم على أن الحل السياسي يعكس الأهمية المطلقة لما ورد في القرار 2254 بصرف النظر عمن سيفوز بالانتخابات.

والواقع فإنه من خلال متابعة مواقف الولايات المتحدة الأمريكية على مدار عقد من الزمن تعاقب خلالها اثنان من الرؤساء، الديمقراطي باراك أوباما والجمهوري دونالد ترامب، لم يكن هناك فرق كبير بما يخص التعامل مع الملف السوري من ناحية إدارته.

أمريكا دولة مؤسسات وتسير وفق إستراتيجيات ترسمها هذه المؤسسات ومراكز الدراسات والأبحاث بما يتماشى مع مصالحها في المنطقة، والحفاظ على أمن وتفوق إسرائيل سياسياً وعسكرياً، وهي نقطة لها التأثير الأكبر على سياسة واشنطن ولعلها كانت العامل الأساس في التمسك برأس النظام حتى الآن، والاختلاف في سياسات الرؤساء هو اختلاف في الوسائل والتكتيكات وليس في الهدف البعيد، فقد كانت إستراتيجية أمريكا في سوريا منذ عهد أوباما، وبقيت كذلك في عهد ترامب، قائمة على إدارة الأزمة لا حلها، واستنزاف جميع الأطراف دون تمكين أي منهم من تحقيق الانتصار، وإغراق الجميع في المستنقع السوري.

لقد شهدت المواقف الأمريكية تجاه الأزمة السورية منذ عام 2011 تحولات عديدة، سواء في عهد أوباما أو ترامب، وذلك تبعاً لمصالح واشنطن والتحولات السياسية والعسكرية.

فرغم إعلان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مراراً أن الولايات المتحدة ستتحرك في حال تجاوزت دمشق الخط الأحمر المتمثل باستخدام السلاح الكيماوي، فإنه تراجع في اللحظة الأخيرة عن توجيه ضربة عسكرية للنظام بعد استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين في الغوطة الشرقية في شهر آب 2013، واكتفى وقتها بمصادرة أداة الجريمة والقبول بصفقة مع الروس تنص على تدمير ترسانة النظام من الأسلحة الكيماوية وترك المجرم حراً طليقاً دون عقاب!

كان واضحاً منذ البداية أنه لم يكن لدى باراك أوباما أي نية لإضعاف النظام أو الضغط على الأسد لإجباره على التنحي أو القبول بالحل السياسي.

فالعقوبات المالية التي فرضتها إدارته على بشار الأسد وعدد من المسؤولين السياسيين والأمنيين في نظامه، كانت عقوبات فردية ذات قيمة معنوية لم تعن الكثير بالنسبة للنظام عملياً.

وهنا لابد من التوقف عند مواقف وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ونشاط السفير روبرت فورد وتواصلاته المستمرة مع المعارضة السورية، بالمقابل تجاهل أوباما لمقترحاتهم بتقديم الدعم للمعارضة السياسية والعسكرية، ورفع الحظر عن تزويدها بالسلاح !

وكان رفض البيت الأبيض توصيات وزارتي الخارجية والدفاع، وكذلك الاستخبارات بتسليح مقاتلي المعارضة السورية وتدريبهم دليلاً على رفض أوباما ترجيح كفة المعارضة السورية بما يؤدي إلى حسم الصراع عسكرياً.

بالمقابل تغاضى أوباما عن دخول إيران وحزب الله الحرب إلى جانب النظام بشكل مباشر، مع بعض الدعم الخجول لفصائل الثوار بالمال والتدريب وبعض السلاح، من خلال برنامج تدريب وتسليح المعارضة المعتدلة الذي كانت ترعاه المخابرات المركزية CIA من خلال غرفتي العمليات (الموم) و (الموك).

في حين كانت سياسة ترامب عدم التورط في النزاع السوري، فما كاد يمضي على تسلمه الرئاسة ستة أشهر حتى أمر بوقف كل أشكال الدعم عن المعارضة السورية المسلحة، والإبقاء فقط على الدعم المقدم لقوات سوريا الديمقراطية "قسد".

لقد أصبح التعاون مع روسيا نقطة أساسية في إستراتيجية الرئيس ترامب إزاء سوريا، فهو يرى أن الحل في سوريا يكمن في الأيدي الروسية، لذا جاء قراره وقف تسليح المعارضة عقب اجتماع عقده في هامبورغ الألمانية مع بوتين على هامش قمة العشرين بمثابة تخلي عن الشعب السوري وإطلاق يد روسيا لمساندة النظام في القضاء على فصائل الثورة وتمكينه من استعادة كامل المناطق الخارجة عن سيطرته عدا مناطق سيطرة قسد.

لقد اعتبر ترامب تنازله عن دعم الثوار لصالح روسيا ونظام الأسد وإيران الحل الوحيد لإلقاء العبء عن كاهل أمريكا مقتنعاً أن استمرار نظام الأسد سيساعد في القضاء على داعش، وأن روسيا ستجد الحل مع النظام لاحقاً، ما أسفر عن سقوط معظم مناطق سيطرة المعارضة في عهده.

وعقب استخدام النظام للسلاح الكيماوي ضد المدنيين في خان شيخون وبعدها في مدينة دوما متجاوزاً مرة أخرى كل الخطوط الحمراء التي رسمها له ترامب ومن قبل سلفه أوباما، تمخض تهديد ووعيد الرئيس الأمريكي بضربات استعراضية محدودة لم تتجاوز حدود حفظ ماء الوجه، ولم يكن لها أي تأثير على الصعيدين العسكري والسياسي للنظام، إذ واصلت قواته التقدم في معظم الجبهات واستعادة آلاف الكيلومترات، فهذه الضربات أظهرت للأسد وحلفائه أن إدارة ترامب لا تعتزم تغيير النظام أو الوصول إلى حد المواجهة مع إيران و روسيا، وأنه ليس لديها إستراتيجية قد تؤدي إلى إنهاء الحرب.

وكانت المفاجأة غير المتوقعة بتخلي ترامب عن الجنوب السوري القريب من حدود إسرائيل وخذلان الفصائل العسكرية التي تعدها معتدلة، ففي شهر تموز 2018 وبينما دخلت روسيا وبضوء أخضر من إدارة ترامب بقوة على جبهة محافظة درعا، أرسلت واشنطن لفصائل الثوار رسالة تبلغهم تخليها عن دعمهم لقاء تفاهمات ثلاثية مع روسيا وإسرائيل.

كان واضحاً أن أمريكا غيرت أولوياتها في سوريا ولم يعد لاستمرار الأسد أوسقوطه أي أهمية، وكان جل اهتمام الإدارة الأمريكية منصباً على دعم قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة تنظيم داعش.

ما أكد هذه الحقيقة تصريح وزير الخارجية تيرلسون في مارس 2017 أن مصير الأسد يقرره الشعب السوري، وقول السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي إن بلادها غيّرت أولوياتها بسوريا ولم تعد تركز على إخراج الأسد من السلطة.

واستمر تهاوي المناطق بشكل متسارع تحت ضربات الروس والنظام والإيرانيين، وكل هذا الانحسار لقوات المعارضة والتراجع في العملية السياسية كان في عهد الرئيس ترامب الذي اكتفى بتكثيف العقوبات الاقتصادية، وكان أهمها قانون قيصر الذي كان الهدف منه، من بين بقية الأهداف، منع انتهاك حقوق الإنسان التي يمارسها النظام، ودفعه للمشاركة من جديد في العملية السياسية بموجب القرار 2254 الذي قفز الروس والنظام على أهم بنوده الأساسية وهي إطلاق سراح المعتقلين وتشكيل هيئة حكم انتقالي، واكتفوا بحصر العملية التفاوضية بتشكيل لجنة صياغة الدستور لكسب الوقت إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية السورية في تموز المقبل.

والسؤال الآن، هل يواصل الرئيس المنتخب جو بايدن من النقطة التي انتهى إليها ترامب فيما يتعلق بالملف السوري ويستمر بتطبيق قانون قيصر لمنع تعويم الأسد وإعادة الإعمار بدون حل سياسي؟

إن استمرار السياسة الأمريكية التي انتهجتها إدارة ترامب في الملف السوري كما عبر عنها المبعوث المستقيل جيمس جيفري ربما غير قابلة للتغيير بشكل جوهري على الأقل خلال النصف الأول من العام المقبل 2021 وهي الفترة التي تعول عليها موسكو لتحقيق اختراقات في ملف إعادة الإعمار وعودة اللاجئين وبدء حصد نتائج انتصاراتها العسكرية.

والسؤال الأهم بعد استعراض كل هذه الخدمات الكبيرة التي قدمتها إدارتا أوباما وترامب لنظام الأسد، هل كان تطمين السيد جيفري الأخير هو تطمين للمعارضة بالفعل أم تطمين لبشار الأسد، وهل سيكون عهد بايدن هو عهد إسدال الستار على تلك الإستراتيجية والذهاب نحو إستراتيجية جديدة في سوريا؟.

=========================

مؤتمر اللاجئين السوريين طبخة بحص

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 15/11/2020

لم يأت "مؤتمر اللاجئين" الذي انعقد في دمشق يومي 11و12 من الشهر الحالي كما أرادته روسيا لجهة الحضور والنتائج، وجاء بحصيلة عكس التي كانت تطمح إليها موسكو من حيث فتح ملف إعادة الإعمار. ولاحظنا أن المؤتمر شهد مقاطعة أميركية أوروبية وغالبية عربية، واقتصر الحضور على روسيا وإيران وبعض الدول التي ليست على تماس مباشر مع ملف اللاجئين مثل الباكستان والإمارات وسلطنة عمان، الأمر الذي لم يفسح المجال لروسيا كي تغلق ملف الحرب وتنتقل إلى الإعمار.

مقومات فشل المؤتمر كانت متوافرة قبل أسبوعين من عقده، ومع ذلك أصرت روسيا، في وقت سرت فيه تخمينات بتأجيل الموعد أو نقل مكان المؤتمر إلى سوتشي، وتغيير عنوانه حتى يتم تلافي الفشل. وكان الحضور الروسي الكبير الذي تمثل ب 35 شركة هو الطاغي على أعمال المؤتمر، في حين كان تمثيل البلدان الأخرى متواضعا أو محدودا وبلا حماس كبير كما هو حال إيران، والتي يبدو أنها لا تشارك روسيا ذات الأجندة بخصوص توقيت قطف نتائج تدخلها في سوريا، وتتصرف على أساس أن تثبيت وجودها على الأرض في أكثر من منطقة له الأولوية.

عودة هؤلاء لا تبدو مدرجة على برامج موسكو وطهران. ولم يظهر من خلال مجريات المؤتمر أن المنظمين أولوا هذه المسألة أي اهتمام.

لا يمكن أن يعزو المراقب عوامل الفشل إلى سوء في التخطيط فقط، بل هنالك أسباب تتعلق برؤية موسكو لإدارة الوضع السوري ككل، ومن ذلك فلسفة المؤتمر الذي بدا استنسابيا في التعامل مع ملف اللاجئين. ومن دون شك فإن موضوع اللاجئين داخل سوريا وفي دول الجوار يحتل الأولوية في أي حل راهن أو مستقبلي. فهؤلاء يتجاوز عددهم 10 ملايين، وهم يشكلون الكتلة الأكبر من السوريين الذين تركوا بيوتهم وأراضيهم، بالإضافة إلى أنهم يعيشون في أوضاع صعبة ضاغطة، إلا أن عودة هؤلاء لا تبدو مدرجة على برامج موسكو وطهران. ولم يظهر من خلال مجريات المؤتمر أن المنظمين أولوا هذه المسألة أي اهتمام، والمثال الصارخ على ذلك عدم توجيه الدعوة إلى تركيا التي تستضيف قرابة 4 ملايين لاجئ سوري، بل على العكس كان خطاب رأس النظام بشار الأسد تجاه هذه النقطة خارج الموضوع، حيث اتهم تركيا بـ "خلق ظروف مفتعلة لدفع السوريين للخروج الجماعي من سوريا، لتكون مبررا للتدخل في الشؤون السورية". ومهما بلغت درجة سوء العلاقة بين النظام وتركيا، فإن وجود أنقرة في مؤتمر دولي يخص اللاجئين أولوية تفوق كل الأولويات، كونها تستقبل أكبر نسبة من اللاجئين السوريين. ولو كانت نوايا روسيا والنظام صادقَين لكانت تركيا أول المدعوين.

تسمية المؤتمر بأنه خاص بعودة اللاجئين ليست معبرة عن واقع الحال، لأن الملايين التي تركت بيوتها لم تقم بذلك بمحض إرادتها، بل حصل الأمر بصورة قسرية، ولذلك فإن التصنيف الأدق هو التهجير القسري المنظم والمنهجي، والذي تم على أسس واضحة ومدروسة، ولأسباب بعضها طائفي بهدف التغيير الديموغرافي، والآخر من أجل الاستيلاء على الأراضي والأملاك.. إلخ. ومارست ذلك إيران وروسيا والنظام، ولذلك تم إحلال سكان آخرين في بعض المناطق في دمشق وحلب وحتى دير الزور التي شهدت حملة تشييع واسعة. وتجب الإشارة إلى أن روسيا تقصد باللاجئين أولئك الذين نزحوا إلى أوروبا، وهي نظمت المؤتمر لتفاوض أوروبا على عودة هؤلاء، مستغلة توظيف اليمين العنصري للهجرة السورية، وجاء الرد على روسيا قويا من طرف ألمانيا الدولة التي تستضيف أعلى نسبة من اللاجئين السوريين خارج دول الجوار، وحددت وزارة الخارجية الألمانية ثمانية معايير لعودة اللاجئين السوريين أبرزها ضرورة "أن تكون الأعمال العدائية قد انخفضت بشكل كبير ودائم"، وأن يحصل "اتفاق رسمي بين سوريا والدول المضيفة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لاستقبال العائدين".

يشكل المؤتمر درسا بليغا لروسيا من قبل الأطراف الدولية المؤثرة، أي الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية. والرسالة الصريحة هي نفسها التي جرى توجيهها في مرات سابقة، وفحواها أن الأولوية للحل السياسي.

=========================

كي لا يفاجئنا بايدن في سوريا

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 15/11/2020

لا توجد سياسة معلنة وواضحة من قبل جو بايدن الرئيس الأميركي الجديد تجاه سوريا. المعلومات تجمع من تصريحات ومواقف صادرة عن بايدن أو عن فريق عمله في الأعوام الأخيرة حول الملف. لا حديث عن روسيا وإيران وسياستهما هناك وكيف سيتم التعامل معهما. الانتقادات في غالبيتها هي لتركيا ومواقفها حيال "قسد" حلفاء واشنطن في شرق الفرات وشركاء المواجهة مع داعش.

السوريون ينتظرون من بايدن وفريق عمله خطوات سريعة جريئة وحاسمة في التعامل مع الملف السوري وضرورة الإطاحة بالنظام فهل يعطيهم ذلك؟

بايدن قد يطالب بمنحه بعض الوقت للإعلان عن سياسته السورية لكننا لا نعرف ممن سيطلب ذلك؟ من الروس والإيرانيين والأتراك؟ أم من حلفائه المحليين والإقليميين؟ أم من قبل ناخبيه الذين تختلف أولوياتهم تماما عن أولويات الشعب السوري؟ موسكو وأنقرة لن ينتظراه مطولا خصوصا إذا ما كانت المؤشرات الأولى حول طريقة تشكيل فريقه الذي سيتابع الشأن السوري غير مشجعة والأرجح أن هذا ما سيجري. 

وعد بايدن الشعب الأميركي باسترداد المبادرة من روسيا والصين واستلام دفة القيادة في سفينة الإبحار بالعالم نحو المزيد من الحريات والديمقراطية والمساواة والعدالة. البداية لن تكون من سوريا حتما فهناك أولويات أخرى أهم تنتظر في لعبة التوازنات الإقليمية والدولية. الرهان إذا على مفاجأة سياسية عسكرية كبيرة يقودها بايدن في التعامل مع الملف السوري قد تحمل معها خيبة أمل أكبر بعد شهرين عندما يتسلم مهامه في البيت الأبيض.

توني بلينكن أقرب اعوان بايدن والمرشح الأقوى لمنصب مستشار الأمن القومي الجديد أوجز لنا خطط ومشاريع الدبلوماسية الأميركية في سوريا: أميركا حاليًا ضعيفة في سوريا وليس لها الوجود المطلوب. بايدن سيحتفظ بوجود عسكري أميركي شمال شرقي سوريا لدعم مشاريع قسد ولتأمين حقول النفط وللضغط على النظام في دمشق كي لا يذهب بعيدا وراء المغامرات الروسية والإيرانية. إحياء مفاوضات جنيف لن تحدث إلا إذا زادت الولايات المتحدة النفوذ على الأرض. بلينكن مع بقاء القوات الأميركية في شمال شرقي سوريا. يريد معاقبة الأسد طبعا لكنه قد يساوم على "قانون قيصر" إذا ما وجد تعاونا من قبل النظام في تجاهل حراك قسد نحو بناء الكيان الكردي والتخلي عن علاقته بطهران في سوريا.

في العلن بايدن هو ديمقراطي. وعادي جدا أن يتحرك باتجاه الدفاع عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ومواجهة التنظيمات المتشددة وتسهيل بناء سوريا الجديدة. لكن ما لم يقله بلينكن أن بايدن هو من قاد مشروع التفتيت في العراق عام 2003 وهو من اقترح عام 2006 دولة كردية على الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا وأن يكون الحسم في سوريا عسكريا وليس سياسيا.

كامالا هاريس التي ستكون في منصب نائب الرئيس انتقدت إدارة ترامب بعد سماحها لتركيا شن عملية "نبع السلام" ضد "قسد". وهي التي دعمت الضربة الأميركية ضد النظام في الشعيرات ردا على

أولويات بايدن في سوريا هي حتما غير أولويات فصائل المعارضة السورية. هذا ما حدث مع باراك أوباما ثم مع دونالد ترامب

استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. لكنها تعرف تماما أن بايدن لن يذهب وراء خطط الإطاحة بنظام الأسد بالقوة، وسيعمل باتجاه إجباره سلميا على الانتقال السياسي. جو بايدن، لم يكن من المؤيدين في إدارة أوباما لفكرة تزويد فصائل المعارضة السورية بالأسلحة، لكنه كان بين الداعمين لإرسال السلاح والعتاد إلى مجموعات قسد تحت ذريعة محاربة مجموعات داعش.

أولويات بايدن في سوريا هي حتما غير أولويات فصائل المعارضة السورية. هذا ما حدث مع باراك أوباما ثم مع دونالد ترامب فلماذا يأخذ شكلا مغايرا جديدا مع جو بايدن؟

الحليف المحلي هو قسد في شرق الفرات والهدف هو توفير الحماية اللازمة لمشروعه في سوريا الجديدة. الحليف الإقليمي هو إسرائيل وضرورة الأخذ بمصالحها في جنوب سوريا بعين الاعتبار. بين الأهداف أيضا المساومة مع طهران التي تنتظر "الفرج النووي" بعدما حاصرها ترامب في الزاوية الإقليمية. تنازلات تقدمها إيران في سوريا والعراق ولبنان وعدم الاقتراب من الشركاء الخليجيين مقابل تخلي واشنطن عن العقوبات والمحاصرة وتضييق الخناق على سياساتها ومصالحها. ثم ترك الأمور على ما هي عليه في سوريا وتبني بايدن بالتالي لشعار "الأسد أو نحرق البلد". طالما أن استمرار الأزمة في صلب المصلحة الأميركية الإسرائيلية المدعومة من قبل بعض العواصم العربية والأوروبية والهادفة لاستنزاف ثلاثي الأستانا هناك.

تقارير كثيرة لا تتوقع أن تبدل واشنطن من نهجها تجاه سوريا. الذي قد يتغير هو طريقة لعب الإدارة الأميركية الجديدة للملف وسبل تجييره لصالح تحالفات وإعادة تموضع جديد في التعامل مع مسائل إقليمية. إطالة عمر نظام الأسد في السلطة بين الخيارات المتوقعة التي قد يطرحها فريق عمل بايدن على إيران وروسيا إرضاء لحلفاء محليين وإقليميين بانتظار انحسار الخلافات حول ملفات تقلق شركاء أميركا وتعزز موقع إسرائيل ونفوذها في المنطقة مثل: إنجاز المزيد من خطوات التطبيع العربي الإسرائيلي، تفاهمات ترسيم الحدود البحرية بين كل من إسرائيل ولبنان وسوريا وإضعاف النفوذ التركي في المنطقة. العقبة الأهم التي يريد بايدن التعامل معها سريعا قد تكون إضعاف النفوذ التركي في شمال شرقي سوريا فمع من وكيف سيفعل ذلك؟

بطريقة أخرى خيارات بايدن قد تكون العمل على تعقيد الملف السوري أكثر فأكثر والحؤول دون حدوث التفاهمات إذا ما شعر أن الأمور ستكون على حساب واشنطن وحلفائها المحليين والإقليميين في المنطقة. متى وأين سيفعل الرئيس الأميركي ذلك؟ عندما يتأكد من حدوث التفاهمات الروسية التركية حول ضرورة تسريع عملية الحل السياسي في سوريا لقطع الطريق على الاختراقات الأميركية المحتملة باتجاه تشبيك الأمور في سوريا. نجاح موسكو وأنقرة في قره باغ قد يتحول إلى سلسلة تفاهمات أوسع في قرقزستان وجنوب القوقاز وأوكرانيا وشرق المتوسط. سوريا قد تكون مجددا على الطاولة الثنائية وهي المادة التي ستقلق بايدن أكثر من غيرها كونها حجر عثرة أمام منظومة التحالفات الجديدة التي قد يريد تأسيسها على حساب النفوذ الروسي والتركي الإقليمي.

بايدن يميل إلى إبقاء القوات الأميركية حتى بعد القضاء على داعش وفلولها لأن الهدف الحقيقي هو توفير الحماية لنشاطات وانتشار وتمدد نفوذ قسد في شرق الفرات وتسهيل ولادة الكيان الكردي وإعلانه في اللحظة المناسبة. الإدارة الأميركية الجديدة ستسعى للعب دور أكبر باتجاه تأمين الغطاء السياسي والقانوني والدبلوماسي للدويلة الكردية في سوريا والتفاوض على تثبيت ذلك في دستور سوريا الجديد، وهي ستذهب باكرا وراء توفير التعبئة والشحن السياسي الإقليمي والدولي لهذا المشروع. الأرضية اليوم قد لا تكون مؤهلة لذلك المطلوب إذا افتعال أزمة أكبر في سوريا عبر اشعال جبهات عسكرية جديدة بين النظام وقسد أو بين الأكراد والعرب لتكريس الخرائط وتثبيتها جغرافيا. الذي سيساعد بايدن على تحقيق ذلك هو إسرائيل وحلفائها الجدد في العالم العربي.

المواجهة المرتقبة ستكون بين اصطفافين جديدين في المشهد السوري في إطار معادلات وتوازنات محلية وإقليمية جديدة تحمل العديد من المفاجئات. الكثير من حلفاء بايدن الإقليميين يطالبون بعدم انسحاب القوات الأميركية من شرق الفرات وزيادة الدعم المقدم لقسد ويجاهرون في وقوفهم إلى جانب مخطط تقسيم سوريا. ما يقال يتطابق مع ما يريده بايدن وهو سيفعل ذلك تحت عنوان إرضاء الحلفاء والأصدقاء أيضا.

بقي التذكير بأن مشكلة بايدن الحقيقية في تنفيذ مثل هذا المخطط هي تمدد النفوذين التركي والروسي في سوريا وأن عليه الاستعداد لمفاجآت من قبل الشريكين الجديدين في أكثر من ملف إقليمي إذا ما حاول عرقلة ما تم إنجازه في سوريا حتى الآن والاقتراب من أحجار الدومينو التي شيدت هناك بحساسية بالغة. أما أن يقبل بايدن بأن يكون شريكا في اللعبة التي حددت معالمها بعلم ترامب وقبوله الضمني أو أن يقبل تحمل ارتدادات ما قد يجري في سوريا على حساب أميركا ونفوذها.

قال معاون وزير خارجية النظام في سوريا أيمن سوسان، إن دمشق تستعد هي الأخرى لبايدن المطلوب منه أن يتعلم من أخطاء أسلافه. ما هو موقف قوى المعارضة السورية وكيف تستعد هي الأخرى لبايدن رئيسا، هل ستكتفي بما قاله لها وهو مرشحا؟

=========================

ماذا يمكن أن تغيره السياسة الأمريكية تجاه المواقف في سوريا؟

ياسين الزَّيدي

ساسة بوست

السبت 14/11/2020

خطفت الانتخابات الأمريكية أنظار الكثير من المتابعين لها في الشرق الأوسط ودول الحروب والصراعات لما لها من أهمية تكمن في تغيير المشهد العام المسيطر على المنطقة وتأثيرها في ذلك من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية، خصوصًا في بلدان الربيع العربي التي تعتبر من أهميات السياسة في أمريكا وأروقة المجتمع الدولي في إحداث التغييرات الجذرية اللازمة للأنظمة الديكتاتورية وتحقيق مبدأ العدالة والديمقراطية في نظر الكثير من الشعوب العربية المنتفضة في وجه حكامها بهدف ذلك.

وليست سورية ببعيدة عن ذاك المشهد من الصراع القائم فيها منذ سنوات شهدت خلالها تغيرات عديدة وأحداثًا مهمة ودامية بنفس الوقت، تمثلت في قمع الأسد للمحتجين والمعارضين له والمطالبين بالحرية في ظل حكم رئيسين متتاليين للولايات المتحدة الأمريكية وصعود النجم الثالث جو بايدن إلى السلطة خلال فترة تلك الحرب.

مع الانقسامات العديدة في صفوف من هم موالين للشعب في سوريا ومن هم إلى جانب الأسد،

في قمعه لإرادة الشعب الطامحة إلى التغيير وإسقاط نظام حكمه على المستوى الدولي وعلى مستوى المنطقة بشكل عام كروسيا وإيران ودول عربية أخرى.

أدت إلى وجود تفاهمات جديدة تمثلت في تزايد النفوذ الإيراني والوجود الروسي من حيث السيطرة على القرار وصياغته وتنامي نفوذ التدخل العسكري فيهما بشكل أكبر في المناطق التي يسيطر عليها الأسد ومناطق أخرى تحاول إقحام نفسها فيها على حد سواء مع محاولات عمليات التحييد والتقليص لدور بعض الدول الإقليمية الفاعلة والداعمة لثورة حرية الشعب في سوريا والمتعاطفة معها.

فمن وجهة نظر مراقبين هناك من يرى في تزايد وتيرة تأجيج الصراع وطوال أمد فترة الحرب وزيادة فرصة وجود الأسد بالسلطة في ما إذا تم اتباع نهج سياسة الانفتاح على إيران من قِبل الإدارة الأمريكية الجديدة خلفًا لسياسة السلف الديمقراطي الأسبق باراك أوباما، وحصول إيران على المزيد من الوقت حول برنامجها النووي ومساحة النقاش التي تدور حولها بعد أن كانت تتعرض فيه للعقوبات بسبب ذلك من ناحية، وبسبب زيادة تدخلها وتنامي دور وجودها العسكري والوقوف إلى جانب نظام الأسد من ناحية أخرى، ما يعني تكثيف حماية وجود نشاطاتها العسكرية في سوريا والمنطقة أو على الأقل المحافظة عليها في حال تمكنت من التملص من العقوبات الدولية العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها وعلى الكيانات والشركات الأمنية والعسكرية التابعة لها وزيادة تدفق الأسلحة والأموال لتلك المليشيات والمنظمات التي تسعى من خلالها إلى زيادة رقعة توسعها وانتشارها بمايخدم قضاياها ومصالحها العسكرية والإيدولوجيا تغدوا بذلك إلى قوة عسكرية وإستراتيجية كبيرة ذات تأثير أكبر في تنشيط صناعة الأسلحة وتصديرها في المنطقة بما يدعم الترويج لترسانتها النووية بدلاً من وجودها مع نظام الأسد كنظام حليف أو موالٍ.

وعلى العكس من ذلك في ما لو تم فرض عقوبات جديدة أو العمل على تلك الوتيرة من الإجراءات والعقوبات المتخذة ضدها وعلى الكيانات والميلشيات المتعددة والمتواجدة على الأرض والتابعة لها بأشكال وأسماء مختلفة ومراقبة تنقلاتها وتحركاتها العسكرية وآليات عملها داخل وخارج الأراضي السورية وتدفق التمويل المُقدم لها والدعم اللوجستي بشكل ما أو بآخر من حيث الإشراف والتجنيد والتدريب وتلقي الأموال وغيرها.

وربما يفتح الباب أمام التفاهمات الأمريكية الروسية وما يدور حولها من نقاط إسقاط نظام الأسد في حال وجدت تلك النقاط من جانب روسيا وما كرسته لأجله في أروقة السياسة والمحافل الدولية ووجود آلتها العسكرية في خدمة نظامها الحليف على حسابها وعلى حساب الشعب في سوريا أدت إلى إنسحاب القوات التركية من بعض النقاط العسكرية المهمة التي تسيطر عليها والتي كانت من المفترض أن تشكل طوقًا استراتيجيًا وحاجزًا مهمًا لحماية المدنيين أمام قوات نظام الأسد على طول إمتداد خطوط نقاط المراقبة الدولية التي كانت محاصرة فيها والتي لم تحصل عليها تركيا بشكل كامل أساسًا بحسب الاتفاقات الروسية التركية المتفاهم عليها مسبقًا.

في حديث غير ممكن عن بقاء وجود نظام الأسد ولِما تسعى إليه روسيا في إعادة تدويره وطفوه على سطح الماء وتعويمه كالبطة، وتقديمه بشكل جديد في انتخابات رئاسية شكلية مزعومة قادمة بعد كل تلك التضحيات والدماء التي أُريقت وراح ضحيتها الكثير من المدنيين تحت الحرب.

وفي اختراق واضح لكافة القوانين والمواثيق الأخلاقية التي تجاوزها نظام الأسد وحليفته روسيا وشريكه الإيراني في المنطقة التي لم يبق منها شيء سوى صور الدمار والخراب والحرب في التصدي لإرادة الشعوب وضرورة رغبتها الملحة في التغيير من تلك السياسات القمعية والتحالفات القديمة الجديدة الهزلية المهترئة.

=========================

مؤتمر اللاجئين في دمشق ونقلة الشطرنج الروسية الثالثة 

عباس شريفة

نداء سوريا

السبت 14/11/2020

منذ أن بدأت الثورة السورية في 2011 وقفت موسكو بجانب النظام السوري ضد تطلعات الشعب السوري في الخلاص والحرية وأمنت للنظام الحماية الدولية في مجلس الأمن وقدمت لها كل الدعم السياسي الذي يمنع تجريمه وإدانته واستعملت روسيا الفيتو "حق النقض" ، 12 مرة، لمنع صدور قرارات عن مجلس الأمن بخصوص سوريا، منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011.

 وبعد أن تدخلت روسيا عسكرياً في سوريا عام 2015 عملت موسكو على تصفية القضية السورية في "أستانا" عسكرياً، وجعلت من اتفاقات خفض التصعيد فرصة للتفرد بالمناطق المحاصرة في الغوطة وريف حمص الشمالي ووادي بردى والقلمون ودرعا والعمل على قضم الجغرافيا من خلال عملياته العسكرية المتواصلة، وحسر سيطرة الفصائل على الجغرافيا وممارسة التهجير الممنهج عن طريق ما يسمى "الباصات الخضر"، عملت روسيا في مسار "سوتشي" الذي بدأ بعقد مؤتمر شعوب سوريا في مدينة "سوتشي" الروسية على تصفية القضية السورية سياسياً، وذلك بنقل العملية السياسية من استحقاق سلة الانتقال السياسي إلى سلة اللجنة الدستورية التي ما زالت متعثرة إلى الآن في بحث جدول الأعمال، ومحاولة نقل المفاوضات إلى دمشق لإعطاء النظام الصبغة الشرعية ودور الرعاية للحوار بين السوريين وتحويل النظام من خصم إلى راعٍ للمفاوضات .

يأتي توقيت المؤتمر الدولي حول اللاجئين المزمَع عقده اليوم في دمشق بين 11 و 12 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي كخطوة ترسم مشهد ما قبل النهاية للملف السوري وتصفيته إنسانياً من خلال إصباغ الشرعية على نظام الأسد، ودفع الدول التي تعاني من تكاليف استقبال اللاجئين السوريين إلى الاستجابة والحضور للمؤتمر بعنوانه الإنساني ومضمونه السياسي. 

إن مؤتمر اللاجئين في دمشق فكرة روسية، ودعاية انتخابية دولية لبشار الأسد تساهم في تلميعه لاستحقاق الانتخابات الرئاسية منتصف العام المقبل 2021 م. 

هل تذهب موسكو إلى مؤتمر اللاجئين المزمَع عقده في دمشق بالتنسيق مع الولايات المتحدة أم بخطوة منفردة؟ الحقيقة أن موسكو تدرك أن تسويق الرفض الأمريكي لمؤتمر اللاجئين لا يعدو كونه رفضاً إعلامياً مشابهاً لما حدث قبيل الدعوتين إلى مؤتمرَيْ "أستانا" عام 2016، و"سوتشي" 2018، لكن في النهاية تماشت الولايات المتحدة مع كل مخرجات المؤتمرين السابقين. 

وربما تستغل موسكو حالة دخول السياسة الأمريكية طور الثبات والبطة العرجاء لاستمالة الدول التي كانت تضغط عليها الولايات المتحدة لرفض المقترح الروسي مثل العراق والأردن ولبنان لحضور هذا المؤتمر. 

لكن السؤال هنا هل سيُكتب النجاح لمثل هذا المؤتمر؟ 

وهنا يتوقف الجواب على الطريقة التي سيتم بها إقناع المهجَّرين بالعودة إلى حضن النظام السوري. 

هل ستكون بممارسة المزيد من الضغوط على المهجرين عن طريق حكومات الدول التي تستضيفهم واتخاذ إجراءات من شأنها أن تضيق عليهم منها: 

1- قطع المساعدات الدولية التي تقدم للاجئين وتحويلها للنظام ليتم توزيعها عن طريقه، والذي بدوره يقوم بتوزيعها لشبيحته.

2- التضييق على اللاجئين في قضية الأوراق وصلاحية الجواز والإقامة وإجبار الناس على مراجعة سفارات النظام وتكليفهم بنفقات باهظة للحصول على الأوراق الثبوتية وتجديد الجوازات والإقامات. 

3- ممارسة التنمر والإيذاء النفسي على اللاجئين في المدارس والمخيمات ومن قِبل الموظفين الحكوميين. 

4- قيام بعض وسائل الإعلام التابعة للدول المضيفة بحملات إعلامية تستهدف المهجَّرين وتحرض على الكراهية ضدهم، مثل ما يجري في لبنان . 

لكن تبقى الخطوة الروسية فاقدة للمصداقية لأنها تعالج قضية إنسانية لها جذور سياسية تتعلق بوجود نظام قمعي مجرم ساهم بإجرامه في تهجير كل هؤلاء اللاجئين، وفي رسم مأساتهم ومعاناتهم، واليوم تقوم روسيا بمعالجة الأزمة دون المساس بأسبابها التي تتلخص بوجود نظام الأسد على رأس السلطة في سوريا، والتي تمانع روسيا إلى الآن إجراء أي عملية انتقال سياسي من شأنه أن يبعث بالطمأنينة للاجئين ويحملهم على العودة الطوعية بدون أي إكراه أو قسر . 

وهنا يأتي دور قوى الثورة والمعارضة بتحذير اللاجئين السوريين من خطر العودة غير الآمِنة إلى قبضة النظام، الذي لا ينتظر من عودتهم إلا سحب شبابهم للخدمة الإلزامية للدفاع عن نظامه المتهالك، وسحب مدخراتهم، وتحقيق نصر سياسي على حساب معاناتهم لضمان بقائه في السلطة لولاية رئاسية قادمة، ودفن العملية السياسية لحل الأزمة السورية نهائياً إذ تعتبر الأزمة بعودة اللاجئين منتهية حكماً، و لا يعود هناك أي داعٍ لعملية التفاوض مع قوى المعارضة التي ستبقى منعزلة عندما يعود اللاجئون .

=========================

50 عاماً من الحركة التصحيحية!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 14/11/2020

«لو كان حافظ الأسد حياً لما حصل ما حصل»... عبارة اعتاد أن يطلقها بعض المخضرمين من أنصار النظام تحسراً على ما آلت إليه أوضاعهم وما حل بوطنهم، جهاراً، للتمييز بين أحوال سوريا في العقود الثلاثة التي قاد خلالها حافظ الأسد السلطة وبين العقدين الأخيرين لبشار الأسد، وضمناً للإشادة بالمرحلة الأولى وتبرئة صاحبها مما وصلنا إليه، لكن لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق حتى يستنتج أن ليس ثمة فوارق نوعية بين المرحلتين، وأن الحاضر هو استمرار للماضي ولجوهر ما سُمي الحركة التصحيحية، والقصد أن ما جرى ويجري اليوم ليس سوى استمرار حثيث لما أرساه حافظ الأسد، بنية ونهجاً وممارسة، بعد استئثاره بالسلطة في السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970، من دون أن يغير موته هذه الحقيقة حتى بات البعض يتندر بأن شبحه لا يزال حاضراً، وأنه ربما يدير البلاد من مدفنه.

هي الحركة التصحيحية التي سوغت لنفسها الوصاية على الناس والوطن، وكان نهجها لدوام السيطرة ليس التعاطي مع مطالب المجتمع وحقوقه وطموحاته، بل الاستمرار في إرهابه وإخضاعه، فدأبت على الاستهتار بالبشر وحيواتهم ودورهم في الحياة العامة وإخضاع مكانتهم في المجتمع لمعايير الولاء الطائفي أو السياسي، متوسلة لتطويعهم سيطرة اقتصادية شبه شاملة، وتحكماً في أشغالهم ووارداتهم ومستلزمات عيشهم، وأيضاً مؤسسات استمدت نماذجها من تجربة كوريا الشمالية، وتطال مختلف الفئات، بمن فيهم الأطفال والفتيان، كطلائع البعث وشبيبة الثورة، ومتوسلة، وهو الأهم، أجهزة أمنية، ديدنها الاعتقال والتعذيب والإذلال والسجن المديد، تتغلغل في مختلف تفاصيل الحياة لزرع الرعب والخوف في نفوس الناس وشل إراداتهم؛ ما أعدم الهوامش البسيطة لأي نشاط سياسي أو حتى مدني أو ثقافي مستقل، وكانت الفاتحة بزج رفاق الدرب صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ويوسف زعين وغيرهم في سجون أبدية، حيث لم يطلق سراحهم إلا موتى أو مرضى على حافة الموت، وهو المصير، مع اختلاف الدرجات، الذي لاقاه الآلاف من منتقدي نظام حافظ الأسد ومعارضيه، وهو النهج الذي استمر مطلع الألفية بزج أبرز قادة ربيع دمشق في السجون، ثم محاصرة واعتقال الناشطين والمثقفين المعارضين، ممن بادروا لإصدار إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي (2005)، أو وقّعوا على إعلان بيروت - دمشق (2006)، من دون أن ننسى تكرار الرد السلطوي العنيف وبأشنع الوسائل على كل عمل معارض لامس ما يرسم من خطوط حمراء، بدءاً بإعدامات المنظمة الشيوعية العربية (1975)، مروراً بأحداث حماة الدموية (1982)، والتي بدت أشبه ببروفة أو لعبة أطفال، مقارنة بما أقدم عليه النظام طيلة السنوات العشر الأخيرة، لمواجهة ثورة السوريين.

وأيضاً هي الحركة التصحيحية التي خلقت منظومة متماسكة من الفاسدين الذين ينهبون، تحت الرعاية الأمنية والسياسية، ثروات الوطن ويتحكمون في مقدراته، حتى غدا الفساد، مع الزمن، حالة سياسية واجتماعية مستشرية، وجزءاً عضوياً من تركيبة الدولة ومقومات بنائها، موفراً تربة خصبة لنمو الروح الانتهازية وتسلل شخصيات فاسدة وذليلة إلى المناصب السياسية والإدارية خالقة من حولها عالماً ذليلاً وفاسداً على صورتها ومثالها.

وما زاد من قوة الفساد احتكار أقرباء رأس النظام، كآل الآسد ومخلوف وشاليش، أهم الأنشطة الاقتصادية، وإطلاق يدهم لنهب الكثير من المؤسسات العامة، واستمر الأمر مطلع الألفية بسيطرة أبناء هؤلاء الأقارب على الكثير من الشركات التجارية والإنشائية والخدمية وأبرزهم رامي مخلوف، والأنكى أنه وفي ظل الحركة التصحيحية، تتقصد أجهزة السلطة تحضير ملفات فساد لمعظم الوزراء والقضاة والمديرين العامين والكوادر النقابية، تستخدمها، تهديداً وابتزازاً، حين اللزوم، كي يبقوا طيعين بيديها وينفذوا ما تمليه عليهم من دون تردد.

وهي الحركة التصحيحية التي لجأت إلى الروابط المتخلفة، بعكس ادعاءاتها الوطنية والقومية، وأهمها الرابطة الطائفية لبناء لحمة سلطوية متراصة يصعب اختراقها، مستمدة من تجربة كوريا الشمالية أيضاً، نموذج توريث الحكم، وأهمية تعويم رأس النظام على أنه القائد الخالد، ثم المفدى، كذا، ربطاً بالحرص على عدم وصول، سوى الموثوقين من أبناء الطائفة، إلى المواقع العسكرية والأمنية الحساسة، أما المناصب الأكثر حساسية فهي من حصة روابط الدم، ولا ضير بعدها من تقديم بعض الفتات لمن يدور في فلكها مما سُمي حلف الأقليات والموالين من المسلمين السنة، ولعل أحد أسباب نجاح رأس النظام في الإمساك بالطائفة العلوية واحتكار دورها هو إفشال الرهان على وجود بديل له من داخلها؛ ما جعل سجن صلاح الجديد (1970) واغتيال محمد عمران (1972)، ثم إبعاد رفعت الأسد (1984) عبرة لكل من يعتبر من الطامحين لمنافسته طائفياً، ولا يجانب الصواب من يضع تفجير يوليو (تموز) (2012)، الذي ذهبت ضحيته خلية الأزمة وعلى رأسها آصف شوكت في هذا السياق، وأيضاً التغييب المستمر منذ سبتمبر (أيلول) (2012) للقيادي في هيئة التنسيق المعارضة، عبد العزيز الخير، بعد عودته مع رفاقه من زيارة سياسية للصين وإيران!

وأخيراً، هي الحركة التصحيحية التي يعترف لها بنجاحها في إخراج البلاد من لعبة «الصراع على سوريا» وصنع نفوذ ودور في المشرق العربي، والتي، على النقيض اليوم، حولت البلاد إلى ساحة صراع تتنازعها خمس قوى أجنبية محتلة.

وإذا كان رفع الغطاء العالمي عن دور النظام ونفوذه الإقليميين، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والاحتلال الأميركي للعراق وانكفاء الورقة الفلسطينية نحو الداخل جراء اتفاقات أوسلو، قد لعب دوراً في خسارة النظام لأهم أوراقه الإقليمية، وتتوجت بإجباره على إخراج قواته من لبنان، لكن، ثمّة فارقاً كبيراً بين فرض نفوذ إقليمي مؤقت بالقوة العسكرية والأمنية، وهو ما دأبت على ممارسته سلطة الحركة التصحيحية، قمعاً وتهديداً وإرهاباً واغتيالاً، وبين ديمومة تحصيل نفوذ إقليمي بقوة مجتمع حي يمتلك اقتصاداً متيناً تنافسياً، وكفاءات علمية ومهنية، ويتفاخر أبناؤه بصفتهم مواطنين أحراراً ومتساوين أمام دولة العدل والقانون.

هذا المطر من ذاك الغيم... ومع حفظ الفوارق في الكاريزما والكفاءات الشخصية بين قيادة المرحلتين، فثمة خمسون عاماً سوداء مرت على السوريين عنوانها واحد، هو ربط بقاء سوريا، وطناً وبشراً وعمراناً، ببقاء السلطة وامتيازاتها وفسادها، وإلا فلتحرق البلد!

=========================

هل يمكن التخلص من التركة الترامبية؟

عمر كوش

العربي الجديد

السبت 14/11/2020

اوضح أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لن يسلّم بخسارته الانتخابات الرئاسية بسهولة، لكنه حتى وإن اضطر إلى ذلك تحت ضغوط داخلية مختلفة، فإن تركته ستظل باقية، وتشكل حملاً ثقيلاً على الرئيس الجديد، جو بايدن، وإدارته، وعلى الولايات المتحدة ونظامها وديمقراطيتها ومؤسساتها، وعلى المجتمع الأميركي. وإذا كانت نتائج الانتخابات الأولية قد أكدت فوز بايدن وحصوله على أصوات 75 مليون ناخب أميركي، فإن ترامب حصل في المقابل على ما يقارب 71 مليون صوت، ما يعني أن جمهوره ما يزال باقياً، خصوصا إذا استمرت سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ، الأمر الذي يشير إلى استمرار تأثير النزعة الترامبية في المجتمع والمؤسسات الأميركية، بعد أن تحول الحزب الجمهوري، بزعامة ترامب، إلى حزب يميني متطرّف، ابتعد عن قيم اليمين التقليدية، وسيطرت عليه شخصيات متشدّدة، ستعمد إلى وضع العراقيل والعقبات أمام الرئيس الجديد.

بنى ترامب خطابه السياسي على عنصرية الرجل الأبيض، الممزوجة باحتقار قيَم التسامح والعدالة وحقوق الإنسان

وقد أظهرت نتائج الانتخابات مدى الانقسام في المجتمع الأميركي، حيث بلغ الاصطفاف والتجييش درجةً غير مسبوقة عبر تقسيمها إلى أميركا حمراء وأخرى زرقاء، ونتيجة أربع سنوات من ممارساتٍ لترامب شعبوية، حارب فيها المؤسسات والديمقراطية الأميركية. وقد شكك في النظام الأميركي، وخاض حرباً على وسائل الإعلام لنزع صدقيتها، وأظهر قدرة لافتة على صنع المفاجئ واللا متوقع، وإثارة الزوابع والعواصف، وامتلاكه قدرة استثنائية في الاستعراض وخطف الأضواء وخلط الأوراق، فراح يحكم ويتحدّث باسم الأميركيين ذوي البشرة البيضاء، وخصوصا الإنجيليين والعمال غير المتعلمين وأبناء الأرياف، مقدّماً نفسه مخلصاً وممثلاً عنهم، فيما مارس عنصريةً حيال باقي الأميركيين السود واللاتينيين والآسيويين، حيث استخدم الخطاب العنصري لدى ترامب وجماعات اليمين المتطرّف الأميركي آليات اشتغال مفبركة، تنهض على ديماغوجيا الإثارة والتحريض، في عمليةٍ تمثله للآخر، من خلال السعي إلى إبراز أبعادٍ متخيلةٍ في هذا التمثيل، من حيث كونها صوراً نمطية وأحكاماً ومواقف مسبقة، تشيطن الآخر، وتحوله مسخا يتوجب التخلص منه بشتى الطرق. 

تجسّد الشعبوية الوجه الأخطر من التركة الترامبية، بوصفها نزعة جاذبة وباقية في المجتمع الأميركي، وتمثل موجة عالمية

وقد بنى ترامب خطابه السياسي على عنصرية الرجل الأبيض، الممزوجة باحتقار قيَم التسامح والعدالة وحقوق الإنسان، وبكراهية للنُخب السياسية والأحزاب ومؤسّساتها، بوصفه الرجل الأبيض القوي، الذي من حقه حكم البلد الأقوى في العالم، على الرغم من كونه شديد الفظاظة والسوقية والشعبوية، ويصدر عن نزعةٍ عنيفة، ولا يتردّد في الإفصاح عن تمسّكه بِقيم شديدة المحافظة والرجعية. وأصدر قرارات عنصرية عديدة، إلى جانب تغريداته العنصرية التي طاولت المهاجرين والمسلمين وسواهم، وطاولت أيضاً أربع نساء من الحزب الديمقراطي، وعضوات في مجلس النواب الأميركي، بسبب أنهن لسن بيضاوات، ووصل به الأمر إلى حدّ مطالبتهن بالعودة إلى بلادهن، على الرغم من أنه يعلم تماماً أنهن ولدن وعشن حياتهن كلها في الولايات المتحدة، لكن عنصريته المبنية على أفضلية الرجل الأبيض وتفوقه وضعتهن في خانة الآخر المختلف، والدوني المنحدر من أصول إفريقية وآسيوية ولاتينية.

وتجسّد الشعبوية الوجه الأخطر من التركة الترامبية، بوصفها نزعة جاذبة وباقية في المجتمع الأميركي، وتمثل موجة عالمية، تجد تحققها في قيادات وأحزاب حاكمة في دول أوروبية، خصوصا بريطانيا وإيطاليا والنمسا وهنغاريا، وأيضاً في البرازيل والهند والفيليبين وسواها، وتوظف بشكل إرادوي مسائل وقضايا تتعلق بمصالح الفئات الشعبية المحرومة، وامتدت لدى ترامب إلى التهديد بتقويض مبادئ وقيم ديمقراطية أساسية، مثل الانتقال السلمي للسلطة، مع التشهير بالنظام الديمقراطية وترويج فكرة سرقة الانتخابات من دون تقديم أي دليل ملموس. 

تعامل ترامب مع دول حلف شمال الأطلسي، ومع اليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج العربي، ليس حلفاء أو شركاء، بل على أساس أن الولايات المتحدة شركة أمنية أو "بندقية للإيجار"

وعلى المستوى الدولي، تعامل ترامب مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومع اليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج العربي ليس كحلفاء أو شركاء، بل على أساس أن الولايات المتحدة شركة أمنية أو "بندقية للإيجار"، وعلى الدول أن تدفع الأموال مقابل حماية أميركا لها. ولم يكف ترامب عن التهجم على المؤسسات والمنظمات الدولية والأممية طوال سنواته الأربع في البيت الأبيض، فانسحبت الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، ومن اتفاقية باريس للمناخ، ومن اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، ومن الاتفاق النووي مع إيران، ومن اتفاقيات الحدً من التسلح مع روسيا، ومن اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان. وخاض ترامب حروباً تجارية على جبهات عدة، وخصوصاً مع العملاق الصيني، بغرض تقليص العجز التجاري للولايات المتحدة، ولكن ذلك لم يحقق له سوى مكاسب ضعيفة، وأفضى إلى إلحاق ضرر طويل الأمد بالاقتصاد التعددي.

يمتلك الشعبويون رصيداً كبيراً في المجتمع الأميركي، ولديهم القدرة على طرح أنفسهم ممثلين للشعب

ولعل تعامل ترامب وإدارته مع جائحة كورونا أظهر مدى استخفافه بأرواح الأميركيين وصحتهم، حين عمد، في بدايتها، إلى إنكار وجود الفيروس، والتخفيف من خطورة "الفيروس الصيني" من أجل الحفاظ على الاقتصاد، وخوفاً من فشله في الانتخابات الرئاسية. ثم روّج أدوية معينة أثبتت عدم نجاعتها، وتحدّث، في أكثر من مناسبة، عن إمكانية التوصل إلى اللقاح قبل موعد الانتخابات الرئاسية، ووجه انتقادات ضد الدولة العميقة، مع توبيخ العلماء والأطباء والخبراء الذين يخالفونه فيما يذهب إليه.

قد يكون من الأسهل للرئيس الجديد بايدن أن يتعامل مع تركة ترامب الثقيلة على المستوى الدولي، بما يعيد تطبيع العلاقات مع العالم والإيفاء بالتزامات الولايات المتحدة مع حلفائها والعالم، لكن المهمة أصعب على مستوى الداخل الأميركي، فالشعبوية ليست حالة عابرة يمكن التخلص منها بسهولة، إذ يمتلك الشعبويون رصيداً كبيراً في المجتمع الأميركي، ولديهم القدرة على طرح أنفسهم ممثلين للشعب في مواجهة النخب الفاسدة، إضافة إلى أن الشعبوية نشأت من قلب الولايات المتحدة، نتيجة الأزمات الاجتماعية والإشكالات الكامنة فيها، والضرر الذي ضرب الطبقات الوسطى والعاملة بسبب جشع الشركات، وشعور قطاعات واسعة من الأميركيين بالخيبة من النخب السياسية وفقدت الثقة بها. وإن كان ترامب قد أوصل الشعبوية إلى ذروتها، فإن التخلص منها يتطلب عملاً كبيراً وجهوداً لا تهدأ لإزالة أسبابها وحيثياتها. 

=========================

تحت سقف سيادة الرئيس

رشا عمران

العربي الجديد

السبت 14/11/2020

من يستمع إلى كلمة بشار الأسد في مؤتمر خاص بعودة اللاجئين السوريين، عقد قبل يومين في دمشق، يظن أن كائنات فضائية هجّرت هؤلاء اللاجئين من بلادهم، أتت ودمرت سورية وقتلت من قتلت وهجّرت من هجّرت، ثم اختفت، وها هو "السيد الرئيس"، الذي يرى "مسألة اللاجئين إنسانية"، يعقد مؤتمراً خاصاً باللاجئين، طالباً منهم العودة إلى ديارهم، واعداً إياهم بحياة هانئة ورغيدة، إذ يمتلك سوري الداخل حالياً بطاقة ذكية تمكّنه من الحصول على أنبوبة غاز وبعض وقود التدفئة، كما يمكن للسوري أن يحصل على ربطة خبز كل أسبوع... يا لهذه النعم! ويمكنه أيضاً أن يستخدم الكهرباء عدة ساعات متفرّقة خلال يومه. ما الذي يريده اللاجئون أكثر من هذا حتى يعودوا إلى سورية الأسد، التي "يخلو تاريخها من هجرة جماعية"، كما قال، محملاً دول الغرب مسؤولية عدم عودة اللاجئين إلى بلادهم، بسبب "ما تمارسه عليهم من ضغوط"! 

المفارقة أنه، باستثناء لبنان، ولا دولة من الدول المشاركة في المؤتمر استقبلت لاجئين سوريين، لا روسيا ولا إيران ولا الهند ولا باكستان ولا الصين ولا البرازيل ولا عُمان. ولا الإمارات، أول من بدأ بإعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري من الدول العربية، وأول المطبعين، في هذا الموسم، مع العدو الإسرائيلي الذي كان يجب أن يرسل مندوباً عنه إلى المؤتمر كي تكتمل الهستيريا.

ما الذي يريده نظام الأسد من هذا المؤتمر الذي قاطعه الاتحاد الأوروبي ومعظم دول العالم؟ أو بالأحرى ما الذي تريده روسيا، كونها هي من دعت إلى المؤتمر، وكونها بمثابة دولة الوصاية على سورية حالياً؟ ومن هم اللاجئون المعنيون بالمؤتمر؟ هل هم الذين يعيشون في المخيمات في الدول المحيطة؟ إن كان هؤلاء المقصودون، فإلى أين يعودون؟ لم يعد لغالبيتهم أماكن للعيش. بيوتهم هدمت، أو احتلتها مليشيات الأسد ومليشيات الفصائل الإسلامية. ثم وجود هؤلاء يخالف نظرية التجانس التي حكى عنها الأسد سابقاً. وحتماً الروس أذكى من أن يعتقدوا أن من لجأوا إلى أوروبا سوف يعودون فعلاً إلى سورية، ويتركون حياتهم الآمنة المستقرة، وهم يرون القهر الذي يعانيه المواطن السوري داخل سورية، حتى مؤيدي نظام الأسد والمدافعين عنه لن يتركوا أمانهم ليعودوا إلى حيث الفلتان الأمني والفوضى وانعدام شروط الحياة الإنسانية، فما بالك بمعارضيه المطلوبين لمعظم الفروع الأمنية، أو الهاربين من الجيش من الرافضين الخضوع لقانون الحرب الذي يجعل منهم قتلة أو مقتولين.

لو افترضنا حسن النية في المؤتمر، كيف سيتم تأمين البيئة المناسبة لعودة الراغبين فعلاً في العودة؟ هل تم الإعلان عن عفو عام عن ملايين المطلوبين في الداخل والخارج؟ والأهم هل تم أي بحث بشأن مئات آلاف المعتقلين في سجون الأسد، والمختفين منذ سنوات طويلة؟ هل تم الكشف عن المقابر الجماعية التي دفن فيها آلاف المقتولين تحت التعذيب، والذين تم إعدامهم في السجون من دون أن تسلم جثثهم إلى عائلاتهم؟ ما هي الضمانات التي وضعت لكي لا يتم التنكيل بمن يرغب بالعودة، كما حدث مع عشرات العائدين ممن فقدت أخبارهم إثر عودتهم؟ 

السياسة الروسية أذكى من أن تعتقد أن شيئاً كهذا سوف يحدث من دون حل سياسي شامل، ومن دون توافق دولي على حل القضية السورية حلاً نهائياً. هل الأمر إذاً أن روسيا أرادت استباق ما قد يكون معدّاً لسورية بعد استلام جو بايدن الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً وأن الرئيس الروسي، بوتين، تربطه علاقات وثيقة مع ترامب، وامتنع حتى اللحظة عن تهنئة بايدن بالفوز؟ هل أراد بوتين أن يقول لبايدن أن لا حل سورياً سوف ينجز إلا وروسيا جزءٌ أساسيٌّ منه، بما فيها إعادة الإعمار، والذي تتحضر له الدول والشركات المستثمرة منذ مدة؟

في كل حال، ليس هذا المؤتمر سوى كوميديا سوداء أخرى تحدُث في سورية، كما سابقاتها: مؤتمر عن عودة اللاجئين وهناك عشرات من السوريين عالقون على الحدود بين سورية ولبنان، لأنهم لا يملكون مائة دولار، المبلغ الذي فرضه النظام على كل سوري يريد الدخول إلى سورية، في سابقةٍ لم تحدث في التاريخ. وهناك آلاف في الداخل السوري يحلمون بالخروج من سورية الأسد. يكفي إلقاء نظرة على تعليقات سوريي الداخل على المؤتمر، ليرى من لم يرد أن يرى يوماً ماذا يحدث في سورية تحت سقف سيادة الرئيس.

=========================

لا وقت نضيعه بعد الآن

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 14/11/2020

إذا كنا على مشارف الحل السياسي في سورية، كما يتخيل مشاركون في اللقاءات التفاوضية الدائرة من حين إلى آخر، فهذا يعني أننا بحاجة إلى استثمار كل دقيقة من وقتنا في إعداد وضعنا الذاتي لملاقاة معركةٍ لا يجوز أن نخسرها، لأن خسارتها تعني خسارتنا الحرب التي خاضتها الأسدية ضد ثورة الحرية. 

أما إذا كان المنخرطون في الصراع على بلادنا قد حصلوا مسبقاً على الحصص التي كانوا سينالونها بعد الحل، فهذا يُلزمنا، بالأحرى، ببذل جهدٍ مكثفٍ جداً من أجل أن تكون لنا حصة من وطننا، على عكس ما تقوله لنا اليوم نظرةٌ نلقيها على خريطته، فنجد أنفسنا إما ملحقين بأحد المتصارعين من الأجانب أو خارج القسمة الحاصلة. ويكون علينا، في الحالتين، الإفادة من الفسحة الزمنية غير القصيرة التي تتيحها حالنا الراهنة، لترتيب أوضاعنا، بحيث يحسب المتحاصصون حسابنا في بلادنا، فلا نخرج من ثورتنا على الاستبداد صفر اليدين، على الرغم مما قدّمه شعبنا من تضحيات يريد، ونريد، أن يكون عائدها مجزياً. 

يضغط الوقت علينا بطرقٍ من غير المجدي أن تكون متقطعة وجزئية، شأن الخطوات التي تم القيام بها طوال حقبة ما بعد الثورة. ومن الضروري أن تعبر عن خطة سياسية متكاملة لا بد من بلورتها، ليكون حاملها الوطني أداة شعبنا السوري لبلوغ حقوقه، كما تعترف بها القرارات الدولية، بدءاً ببيان جنيف لعام 2012 إلى قرار مجلس الأمن 2118 لعام 2013 والقرار 2254 الذي صدر أواخر عام 2015. ولا بد أن يستند الحل النهائي عليها، وكذلك أي مسعى إصلاحي يطاول مؤسسات المعارضة المنظمة، ويمكن أن يترتب على جهود توحيد إجرائي للعمل العام والسياسي بين الأطراف الوطنية السورية التي عليها في الزمن المتبقي أن توحّد، قدر الإمكان، النخب السياسية والثقافية على أسس جامعة تحدّ من خلافاتها وتباين مواقفها وتخرجها من تبعثرها، وأن تعزّز تنظيمات المجتمع المدني المنتشرة داخل الأراضي غير الخاضعة للأسدية وخارجها، على أن تتعاون معها باعتبارها الحلقة الوسيطة التي تستطيع ربطها بالقطاعات المجتمعية والشعبية الواسعة التي حملت الثورة، وبقيت موالية لها، ولا مفرّ من إعادة تنظيمها وإطلاق حراكها السلمي والمدني/ الثوري، بحيث تنشز ساحة سياسية تتكامل تراتباتها، وتعمل لهدف موحد، وتكون، لأول مرة بعد عام 2011، جسداً سياسياً فاعلاً وضارباً، لا يمكن للعالم تجاهله في أي حل سياسي، لأنه سيكون الطرف الثاني الذي تتحدّث القرارات الدولية عنه، بصفته جهةٍ لا يمكن بلوغ الحل من دون إسهامها، وقبولها. بما أن هذه الجهة مغيبة اليوم، فإن إعادتها إلى الحقل السياسي المقترح كقوة مجتمعية مدنية ديمقراطية الخيار سيحرّرها مما تبدو عليه اليوم كتلاً بشرية خاماً، لا تمثيل لها، يتحكم بها تنظيم جبهة النصرة بمختلف تفرعاته. لذلك، تعتبر استعادتها إلى الشأن الوطني السبيل الوحيد لاعتراف العالم بأن لها حقوقاً يجب أن تنالها، وأن نيلها مصلحة له أيضاً. 

ستكون هذه الأرضية الحامل المناسب لإصلاح مؤسسات المعارضة، والذي لطالما دارت محاولاته في حلقاتٍ مفرغة، استنزفتها، بدل أن تشحنها بروح جديدة، وتزوّدها بما كانت تحتاج إليه دوماً من خطط وبرامج، تنهض بها طاقات مجتمعية يصير حضورها في الشأن الوطني العام تحدياً يصعب تجاوزه بالنسبة لأي طرفٍ معادٍ لثورة الحرية، بينما سيجد العالم نفسه أمام واقع كان يجب أن تؤسسه الثورة بعد انطلاقتها بقليل، لولا الافتقار العام إلى إدراك أبعادها الداخلية والإقليمية والدولية، وخصائص الحقبة الدولية التي واكبتها، وما كان لبيئتها الداخلية والخارجية من أثر سلبي عليها. 

لا بد من المبادرة إلى تحقيق انطلاقتنا الجديدة بجميع ما لدينا من قدرات، فإلى متى، وماذا، ننتظر؟

=========================

موقفنا : ميثاق طفولة في يوم الطفل العالمي

زهير سالم

مركز الشرق العربي

20 / 11/ 2020

- ونؤمن بحق الطفل في الحياة . وأنه يتمتع بحقوقه الكاملة، وشخصيته المعصومة ، منذ يكون جنينا في بطن أمه . وأول حقوقه حقه على أمه الذي يجب أن يكفله في عالم الفوضى قانون ...!!

- ونؤمن بحق الطفل في أسرة من أم وأب ، وبحقه في نسب واضح يعتز به..

- ونؤمن بحق الطفل بحضن وحضانة تحميه وتكفيه ..

- ونؤمن أن الأمومة مهمة مقدسة ، أكثر قداسة مما تظن العابثات ، ويسوق العابثون ..وأن إنتاج الطفولة أرقى من إنتاج الأحذية ، والخدمة في المصانع والمتاجر والمكاتب ..

- ونؤمن بحق الطفل بحضن أم تحنو وتبتسم وتناغي ، وبصدر أم يدر كلما تنحح رضيع رحيقا اسمه الحليب .

- ونؤمن بحق الطفل في والد وكافل يحمي ويكفل ويصون ..

- ونؤمن بحق الطفل على العالم أجمع بالأمن والأمان .. وبالغذاء والدواء والكساء وبالدف والعافية وفي المدرسة والمعهد ..

- ونؤمن بحق الطفل في اللعب ، وأن يمتلك لعبة ، ونرفض أن يكون الطفل لعبة ، تحت إشراف العابثين..

ونؤمن بحق الطفل في أن يُعلّم ويتعلم .. وبحق والديه في تربيته التربية الصالحة التي يختارون ..

ونجرم اغتيال الطفولة ، نجرم الاغتيال الحسي بقتل الأطفال ، والاغتيال المعنوي بتدمير نفوسهم ، وفجيعة قلوبهم ؛ بالتشريد وبالتيتيم وبالقهر والتعذيب والتجويع ....

ونؤمن أن في سورية جيلا من الأطفال اجتمع الشر العالمي على تحطيمه منذ عشر سنين ، وما يزالون ..

ونؤمن أن الطفولة هي الغد وهي الأمل وهي المستقبل الواعد الجميل ..

تحية لأطفال سورية الأبرياء المعذبين ..

تحية لأطفال العالم أجمعين ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

مؤتمر "اللاجئين السوريين": أن تكذب كثيراً

جمانة فرحات

العربي الجديد

السبت 14/11/2020

لم يكن من تابع ما سُمي "المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين" في دمشق، الذي نظمته روسيا، في حاجة إلى وقتٍ كثير لإدراك أن تسمياتٍ عدة أخرى أكثر دقةً تنطبق عليه، ليس جرّاء المقاطعة الدولية له فقط، بل بسبب ما تضمنه. 

خرج بشار الأسد بكلمة مصوّرة على المشاركين في المؤتمر، يُخيّل لمن سمعها أن المتحدث هو رسول سلام، وليس المسؤول عن مجازر لا عد ولا حصر لها بحق شعبه، أنتجت، على مدى قرابة عشرة أعوام، أكبر عدد من اللاجئين حول العالم، يجمعهم أمر واحد: عدم الرغبة في العودة إلى سورية طالما أنه لا يزال حاكماً لها.

استفاض الأسد في إنسانيته الزائفة، فاستحضر عبارات مثل "مبادئ إنسانية أخلاقية"، وتطرّق إلى ما تمثله مسألة اللاجئين لنظام القتل والتنكيل من "قضية وطنية". لكنه لم يحتج إلى وقت كثير حتى يخلع هذا القناع، ويتحدّث عن "قضية مفتعلة"، وضغوط يتعرّض لها اللاجئون لمنعهم من العودة، وعن دور العقوبات في إعاقة "إعادة تأهيل البنية التحتية للمناطق التي دمّرها الإرهاب"، لا صواريخه وبراميله المتفجرة التي مسحت مدناً بأكملها عن الخريطة السورية. حتى أن خياله دفعه إلى القول إنّ الأغلبية الساحقة من السوريين يرغبون في العودة "لأنهم يرفضون أن يكونوا رقماً على لوائح الاستثمار السياسي، وورقة بيد الأنظمة الداعمة للإرهاب ضد وطنهم".

فعلياً، لم يكن ما ردّده الأسد في كلمته سوى صدى للراعي الروسي والحليف الإيراني، ولا سيما أنه أكثر من يجيد أداء هذا الدور، وتمرّس فيه على مدى السنوات الماضية، بينما كانت طهران وموسكو لا توفّران وسيلة لمنعه من السقوط، فكلمة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، التي ألقاها المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية ألكسندر لافرنتييف، كانت واضحة في التركيز على تسييس قضية اللاجئين، وتحميل الدول التي تستضيفهم مسؤولية المعاناة، لأنها ببساطة ترفض التعاون مع النظام السوري. وهو ما لاقاه فيه أيضاً مساعد وزير الخارجية الإيراني علي أصغر خاجي، الذي كرّر لازمة منع اللاجئين من العودة، وصوّب على العقوبات، وعلى ضرورة إعادة الإعمار.

ولم تكن هذه الجوقة لتكتمل، لولا كلمة وزير الخارجية اللبناني شربل وهبة، الذي ألقى كلمة عبر الفيديو، ولم يتوان عن الحديث حول كيف ينعم القسم الأكبر من سورية بالأمن والاستقرار! والأهم أنّ وهبة كان مخلصاً لأدبيات التيار السياسي اللبناني الذي يمثله وأتى به إلى منصبه، فلم يخيّب الظن فيه، إذ سارع إلى تحميل اللاجئين السوريين (تصرّ الدولة اللبنانية على توصيفهم نازحين) مسؤولية ما قال إنها "مفاقمة الأعباء الاقتصادية على الدولة"، قبل أن يستكمل وزير الشؤون الاجتماعية والسياحة رمزي المشرفية المهمة. ردّد الأخير النغمة نفسها، بحديثه عن أكلافٍ مباشرةٍ وغير مباشرة، قدرها بأكثر من 40 مليار دولار لوجود اللاجئين، واتهمهم بالضغط على الخدمات العامة والموارد المدعومة والبنى التحتية وفرص العمل. ولم يأت الوزيران العتيدان، عمداً، على سيرة كم من الأموال تدفقت على لبنان بسبب اللاجئين أنفسهم.

تناسى من حضروا "المؤتمر"، وبشكل أدق تجاهلوا، الإجابة عن سؤالين: لماذا يفضل لاجئ سوري يعيش في خيمة، وفي ظروف لاإنسانية، البقاء في الأردن أو لبنان على العودة؟ ولماذا من يوجد اليوم في تركيا وألمانيا وغيرهما، أسقط من قاموسه، على الرغم من كل الظروف التي يمرّ بها، فكرة العودة إلى بلدٍ من يدخل إليه هو في حكم المفقود، والمعرّض في أي لحظةٍ للسوق إلى جبهات القتال أو للسجن والموت تحت التعذيب.

كان يمكن للنظام، ومعه موسكو وطهران، إطلاق تسمية أدق على تجمعهم توصّف حقيقة الغاية منه، والبعيدة كل البعد عن الإنسانية والاهتمام بشؤون اللاجئين. لو قالوا إن الهدف محاولة ابتزاز الدول الغربية للانخراط في إعادة الإعمار، والتوقف عن فرض العقوبات، لكان من الممكن تصديقهم. أما زجّ قضية اللاجئين فليس سوى كذب موصوف اعتادوا عليه.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com