العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22-10-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

النظام وداعش في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 19/10/2017

يظهر الآن أن "داعش" على وشك النهاية، حيث صُفّي في معظم العراق، وكذلك في معظم سورية، وبقيت هوامش ليس أكثر. وجبهة النصرة (بغض النظر عن تسميتها الراهنة) أصبحت مُخضعة، وهناك قرار بتصفيتها، ولا يبدو أنها قادرة على المواجهة. كل ذلك يعني أن معادلة النظام أو "داعش" وجبهة النصرة قد انتهت، وأن الأمر بات يتعلق بالنظام الذي يقف على أرجلٍ من جيوش إيرانية روسية.

في كل الأحوال، كان "اليسار الممانع" ينطلق من هذه المعادلة: النظام أو "داعش" وجبهة النصرة، ويؤكد أن "الخطر الرئيسي" هو "داعش" و"النصرة"، بالتالي يجب "الوقوف مع النظام". وعلى الرغم من كل التأكيد على أن "داعش" و"النصرة" هما "بالون"، و"افتعال" من أجل تحقيق "مآرب أخرى"، وأنهما سوف ينتهيان، حين تتحقق هذه المآرب، فقد ظل هذا اليسار يصرّ على معادلة: النظام أو "داعش" وجبهة النصرة. ولا شك في أن العموميات، والتهويم، والضياع في "الأفكار" يؤسس لمعادلات خاطئة، ويُعمي عن فهم الواقع، وهذا هو وضع بعض أطراف "اليسار الممانع"، حيث يعيش حالة عماءٍ مفرط، وربما نقول إنه يعيش في حالة غيبوبة مفرطة. لهذا، كان يرى أن الصراع في سورية يقوم بين طرفين، هما: النظام من جهة، وداعش وجبهة النصرة من الجهة الأخرى، وإزاء هذين "الخطرين" لا بدّ من دعم النظام. بينما ترى أطرافٌ أخرى أن النظام "تحرّري" و"تقدمي" و"ممانع". وبالتالي، هي ضد كل قوة تواجهه. وهذه الأخيرة كتبت عنها كثيراً، لهذا أشير هنا إلى أصحاب تلك المعادلة التي أسست للوقوف مع النظام، والتوافق بالتالي مع مجمل "اليسار الممانع".

توهم هذا "اليسار" أن الصراع يجري بين هذين الطرفين: النظام و"داعش" وجبهة النصرة، ولأنه يمقت الى حدِّ الفجيعة الاثنين، رأى أن عليه الوقوف مع النظام، فهما "الخطر الرئيسي". ولقد أرهقنا في الشرح كيف أن "داعش" وجبهة النصرة بالون، و"أداة تدخل"، وليسا طرفاً رئيسياً في الصراع، بالضبط لأنهما افتعال "مخابراتي"، ينتهي دورهما حال الوصول إلى توافق دولي. وبالتالي ليسا جزءاً من معادلة الصراع الواقعي الذي هو صراع الشعب ضد النظام، وأكثر من ذلك هما أداة تخريبٍ لبيئة الثورة، وقمع للشعب الذي ثار، وقتل لناشطيه. بالتالي، هما في الواقع مع النظام ضد الثورة، بغض النظر عن كل الخطاب الذي يطرحانه، أو الدعاية التي تُبثُّ حولهما.

إذن، كانت المعادلة خاطئة بالأساس. لكن ماذا يمكن أن يقول هذا اليسار، بعد أن تلاشى "داعش"، وتعيش جبهة النصرة نهايتها؟ هل سيهلل لانتصار النظام، أم يكتشف زيف خطابه، ويعرف أن "داعش" و"النصرة: لم يكونا هذا الخطر الذي جرى اعتباره رئيسياً؟ وينكشف بالتالي أن لهما دورا أدياه بجدارة، وها هو يشارف على النهاية؟

يتعلق الأمر الآن بالتهليل لـ "انتصار" النظام، أو لكشف خطل التحليل السابق. وبالتالي فهم أن المعادلة التي رسمت المواقف كانت مختلَّة، وأن "داعش" وجبهة النصرة ظهرا افتعالا بغرض التدخل من الدول، وأن هدفهما كان تبرير التدخل من طرف، وتشويه الثورة من طرف آخر. لكن ما أحاول فهمه هو ماذا يمكن أن يكون موقف هذا اليسار بعد أن تلاشت تلك المعادلة؟ هل يحاول أن يفهم المعادلة الحقيقية التي هي معادلة: الشعب ضد النظام. والآن، الشعب ضد النظام والدول التي باتت تحتل سورية؟ أو يكتفي بإعلان "انتصار" النظام، على الرغم من أن الأمور لا زالت ليست بهذه البساطة، وأن الصراع مستمر؟

الآن، يتلاشى "داعش" وتنتهي جبهة النصرة، فأين سيقف اليسار الذي كان يدعم الأسد خوفاً من انتصارهما؟ لا يسمح العمى الأيديولوجي برؤية الواقع، ولا الوقائع، ولا يسمح كذلك، وبالتالي، بمراجعة مواقف سابقة، أو إعلان خطل موقف، أو خطأ سياسة.

========================

الهزيمة الكردية المدوية

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 19/10/2017

فلَّت بيشمركة الحزبين الكرديين أمام جيش الحكومة المركزية، وقوات حشده الشعبي، من كركوك، فلول الثاني أمام قوات داعش، قبل ثلاث سنوات، من الموصل. وتزامن هذا الانتصار السهل للعبادي مع الفصل الأخير من الحرب الدولية على داعش. ما يعني ضرورة قراءة هذا الحدث بمعان تتجاوز تعقيداته المحلية، من غير إهمال هذه الأخيرة.

من هذا المنظور كان مفاجئاً ترك واشنطن لحليفها الكردستاني لقمة سائغة لقوات بغداد والحشد الشعبي، وبخاصة بعد تصعيد ترامب، قبل أيام معدودات، ضد إيران الوصية على هذا الأخير، وبدرجة أقل على حكومة العبادي. وهذا ما قد يعني أن واشنطن تراهن على العبادي للحد من النفوذ الإيراني في العراق. أي أنها قدمت له انتصار كركوك السهل لتكون ورقته الرابحة في الانتخابات القادمة في آذار/مارس 2018. لا نعرف ما إذا كان الرهان الأمريكي في محله أو ذا جدوى في مواجهة طموحات إيران التوسعية، بالنظر إلى أنه لا يمكن اعتبار حيدر العبادي خصماً لنظام ولي الفقيه، لمجرد علاقاته الطيبة مع الأمريكيين. فككل بلد صغير وهش، يسعى عراق العبادي، في أحسن الافتراضات، إلى علاقات متوازنة مع كل من طهران وواشنطن، إذا أحسنا النوايا وقبلنا بخروجه التام من عباءته المذهبية والحزبية التي تشده إلى نظام ولي الفقيه.

لكن للأمريكيين دافعا آخر، في موقفهم إزاء حدث كركوك، هو تلقين مسعود بارزاني درساً قاسياً بعد رفضه للعرض الذي قدمه وزير الخارجية تليرسون لقيادة الإقليم، وتضمن أجندة أمريكية مدتها سنة واحدة للتفاوض بين أربيل وبغداد بهدف حل الخلافات بينهما، بما في ذلك موضوع كركوك. وإذا لم تف بغداد بالتزاماتها وفشلت في الوصول إلى نتائج ترضي أربيل، فسوف تدعم واشنطن الاستفتاء (المؤجل) وفقاً للتعهدات الواردة في رسالة تليرسون.

قال بارزاني، حين وصله العرض الأمريكي إن الأمريكيين لم يقدموا له أي بديل مرض يدفعه لتأجيل الاستفتاء على استقلال الإقليم. ولم يغفر الأمريكيون لـ»كاك مسعود» هذا الموقف.

ولا يقتصر الأمر، من زاوية النظر الأمريكية، على هذا الرفض الذي كان تتويجاً لمسار من الاستقلال النسبي في القرارات الكردستانية عن الحليف الأمريكي. من ذلك علاقات أربيل المميزة مع الحكومة التركية المغضوب عليها أمريكياً، وبخاصة في جزئيتها المتعلقة ببيع نفط الإقليم بمعزل عن موافقة حكومة بغداد. ومنه أيضاً عقود النفط الواعدة التي أبرمتها حكومة الإقليم مؤخراً مع شركة النفط الروسية.

ولكن يجب ألا يغطي هذا الدرس على الدرس الأقسى الذي كانت ضحيته شعب الإقليم على تجرئه على طلب الحرية من خلال الاستفتاء التاريخي بنتائجه المفحمة. والحال أن كرد الإقليم، ومعهم طيف واسع من الكرد خارجه، كانوا ضحية حسابات سياسية خاطئة لمسعود بارزاني، كما لطموحاته الشخصية، وليس فقط للدرس الأمريكي الذي اتضح أنه نتيجة لتلك الحسابات. أعترف أنني ممن فشلوا في قراءة الموقف الأمريكي من الاستفتاء على حقيقته، فاعتبروا طلب التأجيل مجرد كلام دبلوماسي لإرضاء بغداد وأنقرة. ويعود سبب هذه القراءة الخاطئة إلى إصرار بارزاني على إجراء الاستفتاء في موعده، الأمر الذي أوحى بأنه قد حصل على موافقات ضمنية من بعض الحكومات، وبخاصة الإدارة الأمريكية. وإلا لما تمسك بموقفه بكل ذلك الثبات.

قد لا يكلف فشل المراقب في تحليله إلا شيئاً من مصداقيته لدى دائرة محدودة من الرأي العام، لكن فشل القائد السياسي في قراءة مواقف الدول، عدوة كانت أو حليفة، يكلف ثمناً باهظاً رأينا، إلى الآن، بداياته فقط: إحباط كبير لدى الكرد، في الإقليم وخارجه، بعدما كانت معنوياتهم في السماء قبل أسابيع قليلة. كان يمكن تفادي هذا الإحباط لو أن قوات البيشمركة هزمت بعد مقاومة. أما هذا التسليم المخزي فهو مما حول هزيمة عسكرية، كان يمكن أن تكون محدودة، إلى هزيمة كبيرة وعامة للقضية الكردية برمتها، تذكر بسقوط مهاباد (1946) واتفاق الجزائر (1975). بل هي أسوأ منهما بكثير، بالنظر إلى مسؤولية قيادة الإقليم المباشرة عنها، مرةً بسبب إصرارها على إجراء الاستفتاء من غير الحصول على ضمانات دول، ومرة ثانية باتخاذها قرار الانسحاب من كركوك بدون قتال.

لا يفيد، في هذا المقام، إلقاء مسؤولية الهزيمة على قوات «الاتحاد الوطني» واتهامها بالخيانة، أو إلقاء المسؤولية على خذلان الحليف الأمريكي، أو عدوانية الحشد الشعبي، وغيرها من الذرائع الواهية بهدف التملص من تحمل المسؤولية.

والحال أن هذه الهزيمة الكبيرة كشفت النقاب عن مقدماتها الأبعد: فشل قيادة الإقليم، على مدى عشرين عاماً من الاستقلال العملي عن بغداد، في توفير مقدمات الكيان المستقل، وأهمها توحيد قوات البيشمركة الموزعة الولاء بين أربيل والسليمانية، وكذا فيما يتعلق بالإدارات الحكومية والعائدات الاقتصادية. هذا الانشطار العمودي الذي يعني ببساطة غياب هوية وطنية كردستانية تستحق إقامة دولة مستقلة.

خدعتنا نتائج الاستفتاء، وتراجع معارضي إجرائه عن معارضتهم في اللحظة الأخيرة، فقللنا من شأن الانقسام المذكور، كما من آثار ظواهر كالفساد الحكومي، وبنية الاقتصاد الريعي، وتمسك بارزاني بالسلطة، وقمع حرية الرأي والتعبير، وإقفال البرلمان، وقوة العصبية القبلية.. إلى آخر ما هنالك من أمراض مزمنة وخطيرة، لمصلحة الإرادة الشعبية الجارفة التي بدا كما لو أن من شأنها توليد ديناميات جديدة وزخماً لتغيير كل تلك التراكمات السلبية.

وبرغم كل شيء، كان من شأن مقاومة الهجوم على كركوك، مقاومة مشرفة، حتى لو انتهت بهزيمة عسكرية، أن تفعِّل الديناميات المذكورة، وأن تؤثر حتى في مواقف الدول، وتقوي يد أربيل في مفاوضاتها مع بغداد. وإذا كان صحيحاً أن مقاتلي حزب الاتحاد الوطني قد بادروا إلى الانسحاب، بنتيجة صفقة سياسية مع طهران، فهذا لا يعفي حكومة بارزاني، وبارزاني شخصياً، من المسؤولية الأولى: فهو يعرف خير معرفة نفوذ طهران التاريخي على السليمانية، الأمر الذي تجلى بوضوح ما بعده وضوح في حرص وزير الخارجية جواد ظريف على حضور مراسم جنازة جلال طالباني. القصد أن «الخيانة» المزعومة لقيادة السليمانية، هي من نوع المعطى المعروف الذي لا يصح عدم حسبان حسابه عند اتخاذ القرار.

اقتضى الربيع العربي لوأده سبع سنوات من عمل القوى المناوئة له، مقابل ساعات قليلة، هي تلك التي استغرقها سقوط كركوك بلا قتال، كانت كافية لوأد الربيع الكردي القصير.

========================

هذا الاضطراب المشرقي العظيم

د. بشير موسى نافع

القدس العربي

الخميس 19/10/2017

بدا، للوهلة الأولى، خلال الشهور القليلة الماضية، أن حالة الاضطراب الهائلة التي تفاقمت بعد اندلاع الثورات العربية في طريقها إلى النهاية. فبعد أن نجحت الثورة العربية المضادة في حصار حركة التغيير، تقدمت لإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء في العدد الصغير من الدول التي شهدت انتقالاً نحو تكريس الممارسة الديمقراطية وإعلاء ارادة الشعب. أسقطت أنظمة الاستبداد وحكم الأقلية في تونس ومصر وليبيا واليمن، ولكن الحراك الشعبي لم يستطع إحداث تغيير جوهري في الأردن أو الجزائر أو العراق. ولأن حلفاء نظام الأسد أبدوا استعداداً للدفاع عن ركائزه الطائفية مهما كان الثمن، انقلبت الثورة الشعبية السورية إلى حرب أهلية، أوقعت دماراً هائلاً بالمدن والبلدات، وبالاجتماع السوري ووشائج اللحمة الوطنية. وخلال عامين أو ثلاثة على انطلاق حركة الثورة العربية، كانت الانقلابات العسكرية والمدنية تطيح بالمكاسب الشعبية في مصر وتونس، وتدفع ليبيا واليمن إلى أتون الحرب الأهلية. في العراق، أدت السياسات الطائفية قصيرة النظر لنظام المالكي إلى سيطرة داعش على أكثر من ثلث البلاد في صيف 2014؛ وسرعان ما عمل انحسار نفوذ الدولة إلى إفساح المجال لمزيد من توسع داعش في كافة أنحاء سوريا.

بيد أن هذه الحقبة من الثورة والتحول الديمقراطي، من الحروب الاهلية، ومن انتشار الجماعات المسلحة وانهيار السيادات وخطوط حدود الدول، بدت مؤخراً وكأنها توشك أن تنقشع. ثمة مؤشرات متزايدة على استقرار النظام الانقلابي في مصر، وتراجع الشكوك في قدرته على مواجهة تحديات السياسة والأمن والاقتصاد. ومؤشرات أخرى على أن الشعب التونسي، كما قواه السياسية، تعايش مع نظام السبسي وتوجهات حكومته، بما في ذلك تلك التي تعيد الاعتبار لقوى النظام السابق على الثورة التونسية. في ليبيا، وبفضل الدعم الإماراتي الكبير، ينجح حفتر في فرض إرادته بالتدريج، مجبراً المجتمع الدولي، وليس معارضيه الليبيين وحسب، على مراجعة اتفاق الصخيرات. وفي اليمن، وبفضل العجز السعودي، من جهة، والطموح الإماراتي الأهوج، من جهة أخرى، لم يعد من المجدي الحديث عن هزيمة الحوثيين في اليمن الشمالي.

وربما يمكن القول أن ليس ثمة شواهد على نهاية حالة الاضطراب كما هي تطورات الأوضاع في سوريا والعراق. في سوريا، هناك ما يشبه الإجماع على أن نظام الأسد يخرج منتصراً من الحرب الأهلية التي تسبب في اندلاعها؛ وفي العراق، نجح العراقيون في إطاحة المالكي، والإتيان برئيس حكومة أكثر عقلانية، ولم يعد أمامهم سوى مواقع قليلة لإعلان الانتصار النهائي على داعش. وربما يمكن القول أن هزيمة داعش باتت شاملة ومحققة، بعد اندحارها من مواقع نفوذها الأقوى في سوريا، أيضاً. وهناك، إضافة إلى ذلك، من يضع المصالحة الفلسطينية ضمن التحولات الارتدادية في كافة جهات المشرق. فبعد عقد بأكمله من المقاومة، تقبل حماس أخيراً سيطرة حكومة محمود عباس على قطاع غزة، بمباركة النظام الانقلابي في القاهرة، وليس أحداً غيره.

بكلمة أخرى، لا تعود الأمور إلى نصابها المعتاد، وحسب، بل وإلى ما هو أسوأ من النصاب المعتاد. تعود الأجهزة الأمنية إلى فرض سيطرتها على دوائر الدولة والشعب على السواء؛ يعود المعتقلون إلى السجون ومراكز التوقيف، ليس بالمئات، هذه المرة، بل بعشرات الألوف؛ يختفي البشر بلا مقدمات، وترمى جثث المعارضين في الطرق الصحراوية، بلا مساءلة؛ تعود البرلمانات إلى طبيعتها الأصلية، منتديات صورية للخطابة ومراكز لهو للحكام وأتباعهم؛ وتعود الأقليات الحاكمة، الطائفية والاجتماعية والفئوية، لتعزيز قبضتها على السلطة والثروة، تهمش أغلبية الشعب وتضطهد الجماعات الإثنية والدينية المختلفة. في هذه البلاد العتيقة، المزروعة في تاريخ سحيق، لا يعرف له من بداية ولا نهاية، لا تتغير الأشياء لمجرد اندلاع ثورة شعبية، أو حرب أهلية، أو وقوع اضطراب ما!

هذه قراءة ممكنة لما يعيشه المشرق العربي؛ وهي قراءة لا ينقصها التسويغ والأدلة. ولكن هناك قراءة أخرى، لا تقل تسويغاً ودلالة. لم تلبث الدول العربية، التي قادت الثورة المضادة، أن تسببت في اندلاع أزمة كبرى في الخليج، يبدو أنها ستؤدي إلى انهيار مجلس التعاون الخليجي. وليست ثمة دولة عربية واحدة شهدت انقلاباً على، أو تراجعاً عن، أهداف الحركة الشعبية نجحت في إقامة نظام بديل مقنع للأغلبية الشعبية. سواء لأسباب اقتصادية أو سياسية، أو بفعل تداعيات الحرب الأهلية، لا يزال مستقبل مصر، تونس، لبيبا، اليمن، وسوريا، معلقاً في الميزان. العنف الهائل الذي توظفه الطبقات الحاكمة لإخضاع الشعوب، والذي يفوق عنف أنظمة ما قبل 2011، ليس مؤشراً على ثقة بالنفس، بل على العجز عن تأسيس الشرعية بالوسائل التقليدية، التي تؤسس شرعية الدول. وبالرغم من ميليارات الدولارات التي ضخها الحلفاء الخليجيون، ترتفع ديون مصر الخارجية إلى مستويات لم تصلها من قبل؛ بينما يخوض النظام الانقلابي معركة دموية ضد معارضيه في الوادي، وضد الشعب في سيناء، على السواء. ولم يحول نظام الأسد معظم البلاد إلى حطام وحسب، بل أن سوريا باتت مقسمة إلى قطاعات أمنية، تدير كلاً منها وحدات جيوش أجنبية. لم تزل سيطرة حفتر الهشة محصورة بشرق ليبيا؛ وبالرغم من أن الإدارة السعودية ـ الإماراتية للحرب في اليمن تبدو أنها أقرب لممصلحة الحوثيين منها لمصلحة الشرعية، تتراجع سيطرة الحوثيين على البلاد، وإن ببطء بالغ.

وبالرغم من اللغة التصالحية التي يستخدمها رئيس الحكومة العراقية، فقد أشرف على تحويل الميليشيات الطائفية الشيعية إلى جيوش شرعية للدولة، وأطلق يدها لتفرض سيطرتها على مختلف مناطق الأغلبية السنية. كانت ممارسات الشرطة الاتحادية في الموصل والأنبار ما مهد الطريق لانتشار داعش في صيف 2014. ممارسات قوات الحشد الشعبي، التي تتصرف باعتبارها جيش احتلال، تفوق في طائفيتها كل ما عرف عن الشرطة الاتحادية. هزمت داعش بالفعل، وكان طبيعياً ومتوقعاً أن ينتهي مشروع عدمي كداعش إلى الهزيمة. ولكن أحداً لم يكن لديه من تصور لمستقبل الإقليم ما بعد داعش، لأن أحداً لم يكن يستطيع التقدم بهكذا تصور. ولم يكن غريباً، بالتالي،، وحتى قبل أن تندحر داعش كلية، أن تنفجر أزمة كردستان العراق، التي تهدد بإشعال حرب طاحنة جديدة في شمال العراق، وتقويض أمن الإقليم برمته.

ما لم يره الدارسون والمهتمون بشؤون المشرق أن حركة الثورة العربية كانت أكثر تعقيداً وعمقاً مما ظهرت به. الشباب والشابات الذين خرجوا للمطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، كانوا يعبرون عن أزمة أنظمة حكم الدول الوطنية، وعن أزمة النظام الإقليمي، الذي ولد من حطام الحرب الأولى. وليس في العراق وسوريا وحسب، بل وفي سيناء، وعلى حدود مصر الشرقية، سرعان ما تداخلت الأزمتان، بحيث لم يعد من الممكن قراءة الواحدة منهما بمعزل عن الأخرى. مشرق تقوده أقليات طائفية، أو اجتماعية، أو عسكرية، لم يعد قابلاً للاستمرار، مهما كان مستوى العنف الذي توظفه الطبقات الحاكمة. ومشرق يستند إلى حدود دول القرن العشرين الوطنية، ودولة المشروع الصهيوني، لم يعد قابلاً للاستمرار. كانت السنوات القليلة الماضية سنوات اضطراب عظيم بلا شك؛ ولكن من الوهم تصور اقتراب هذا الاضطراب من نهايته.

 

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

========================

كلمتان تكشفان عنصرية إيران

حسان حيدر

الحياة

الخميس 19/10/2017

كان الإيرانيون يتوقعون بالطبع مواقف ترامب المتشددة إزاء سياساتهم، بعدما دأب على التصريح بها طوال حملته الانتخابية، ثم بعد وصوله إلى البيت الابيض، لكنهم ظلوا يراهنون على إمكان تراجعه بسبب ضغوط داخلية وخارجية، إلى أن أعلن استراتيجيته رافضاً التصديق على التزام طهران الاتفاق النووي، وملوّحاً بالانسحاب منه ما لم يتم تعديله.

وعلى رغم أنهم شعروا بقلق كبير من تصنيفه «الحرس الثوري» ضمن قائمة الكيانات الداعمة للإرهاب، وما يعنيه ذلك من فرض عقوبات عليه لاحقاً، إلا أن ما أثار استياءهم الفوري كان استخدام الرئيس الأميركي مصطلح «الخليج العربي».

تقول مجلة «تايم» الأميركية أن «الكلمتين اللتين استخدمهما ترامب أثارتا غضب الإيرانيين على اختلاف انتماءاتهم، متديّنين كانوا أو ليبراليين، موالين للنظام أو معارضين له، قوميين أو ثوريين، لأن أيّا منهم لا يمكنه هضم تسمية اللسان المائي الذي يفصل إيران عن جيرانها العرب بأي اسم آخر غير الخليج الفارسي». وتضيف أنه «بعد دقائق فقط من الخطاب، بث التلفزيون الإيراني الرسمي شريط أخبار يشير إلى تسمية الخليج العربي التي أطلقها ترامب وإلى وصفه الإيرانيين بالأمة الإرهابية. وركزت وكالات الأنباء الحكومية وشبه الحكومية والمواقع الإلكترونية والصحف جميعها على هذه الإهانة المزدوجة».

ولم يتأخر الرئيس الإيراني روحاني في كلمة متلفزة في السخرية من «ضعف معلومات ترامب الجغرافية»، فيما زار ملايين الإيرانيين حسابه الرسمي على «إنستغرام» للتعبير عن غضبهم.

بالطبع، لا يتعلق الأمر بخلاف على التسمية، بل بمحاولة إيران إكساب الاسم القديم للخليج جسداً لم يعد له، عندما يتحدث مسؤولوها عن استعادة مجد «فارس» وكيف تتوسع «الإمبراطورية» لتشمل العراق وسورية ولبنان.

وأذكر أنه في عام 1987، تلقت صحيفة عربية مرموقة في بيروت رسالة وقحة من السفارة الإيرانية تجرأت فيها على دعوتها إلى استخدام مصطلح «الخليج الفارسي» بدلاً من الخليج العربي، وأرفقت طلبها بخرائط قديمة يونانية وفارسية، تعود إلى حقب تاريخية كان العرب خلالها أحد الشعوب المستباحة. وكان لبنان في تلك الفترة يتحول تدريجاً مرتعاً وساحة للاستخبارات الإيرانية وجهازها الجديد «حزب الله»، بموافقة نظام حافظ الأسد، وكانت عمليات خطف الأجانب التي يقوم بها العملاء الإيرانيون تحت مسميات مختلفة، في أوجها. وجاء رد فعل السفارة على عدم استجابة الصحيفة طلبها الغريب والمستهجن، زيارات قام بها شبان ملتحون يتحدثون بعربية ركيكة إلى مبنى الصحيفة وسؤالهم عن بعض العاملين فيها.

مشكلة إيران تكمن في عنصريتها التي تلبس اليوم قناع «الثورة الإسلامية»، وتظهر جلية في سعيها إلى تعميم نموذج الحكم فيها على دول المنطقة، وفي رفضها الإقرار بأن التاريخ الذي انقضى لن يعود، وأن الإمبراطوريات تظهر وتزدهر ثم تزول، وأن الوقائع أقوى من الخرافات، والحاضر أقوى من الماضي. وكثيرون يعرفون مدى صفاقة الإيرانيين وصلفهم منذ قيام جمهوريتهم الإسلامية، عندما يتعلق الأمر بالسيادة على الخليج العربي، وهم لم يتورّعوا عن احتلال جزر إماراتية ثلاث بحجة التاريخ نفسه.

والذين ينبرون اليوم لتحذير الولايات المتحدة من توتير العلاقة مع ايران، إنما يتجاهلون قصداً الحقائق الراسخة عن سلوكها، ولا يفعلون سوى الدفاع عن صفقات وعقود محتملة مع طهران.

ونسأل بدورنا: لماذا لا يشمل «التوتر» الذي يتحدثون عنه ما يحصل في المنطقة العربية، وكيف يشذ عنه التدخل الإيراني في العراق وسيطرة طهران الواسعة على القرار السياسي والعسكري في بغداد، وكذلك التدخل العسكري الإيراني في سورية وإرسال ميليشيات طهران المذهبية للدفاع عن نظام الأسد المتهاوي، وأيضاً إمساك ربيبها «حزب الله» بالوضع في لبنان وتشكيله دولة داخل الدولة أقوى منها وتديرها؟ وماذا يُسمى ما تفعله إيران في اليمن، من تسليح وتدريب لأطراف مذهبية بهدف تفكيك وحدته وتهديد جيرانه؟ أليس هذا توتراً وحرباً واعتداءً وانتهاكاً للحدود والكيانات، يستحق رداً؟

========================

الأكراد بعد سُنّة العراق والشام..

د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 18/10/2017

صورتان مميزتان برزتا خلال الأيام الماضية؛ صورة من العراق روت الانهيارات المتتالية للبشمركة الكردية أمام تقدم القوات العراقية والحشد الشعبي، في ظل غياب الغطاء الجوي الأميركي عن دعم ومساندة البيشمركة الكردية؛ سبقته تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب حسم فيها موقفه من الصراع بين الكرد والحكومة المركزية في بغداد، حين قال إنه سيقف على الحياد. والوقوف على الحياد هنا بوضوح هو مساعدة للقوي الإيراني الحشدي مقابل البيشمركة.

أما الصورة الثانية فهي مكونة من جزئين؛ جزء منه في الرقة ودير الزور اللتين كانتا تتعرضان لـ 400 غارة جوية يومياً لأكثر من شهر متواصل، مما جعل تقدم قوات المليشيات الكردية نزهة في ظل الخراب والدمار والقتل والإبادة التي تكفّلت بها الغارات الجوية. واقتصرت مهمة «الفاتحين الجدد» على التعفيش -كما شاهد الجميع- من سوق الأبقار ونهب بيوت وتعفيش ثلاجاتها، بعد أن أُرغم أهلها على مغادرتها.

أما الجزء الآخر من الصورة، فهو الهجوم الغادر الذي نفّذه مئات من مقاتلي تنظيم الدولة «داعش» على منطقة الرهجان في البادية السورية شرق حماة، بعد أن قطعوا مسافات شاسعة في ممر لا يتعدى جناحاه الكيلومترات مُسيطَر عليه من قِبل المليشيات الطائفية الأسدية. وحين وصلوا إلى المنطقة سيطروا عليها وأعملوا القتل والسلب والنهب بمقاتلي هيئة تحرير الشام الذين فوجئوا بالهجوم الذي ما كان له أن يحدث لولا الدعم الأسدي! هيئة تحرير الشام لم تطلب ولم تحتج لغطاء جوي، ففي غضون يومين استعادت أضعاف مساحة الرقة ودير الزور من التنظيم، وطردته من المناطق التي سيطر عليها.

لعل الأكراد الآن يدركون من جديد -وللمرة المائة ربما- أن الصديق الوحيد لهم كما رددوها من قبل ليس جبالهم فقط، وإنما حاضنتهم السنية. وهذا ما ينبئنا عنه التاريخ بغض النظر عن شوفينية الطرفين العربي والكردي التي طرأت بعد سقوط الخلافة العثمانية، ولكن أنّى لها أن ترحل؟! لقد آن للأكراد أن يعووا اليوم أن أميركا تخلّت عنهم لصالح الحليف الاستراتيجي وهو إيران ومليشياتها الطائفية، وأن المشروع الأميركي - الإيراني كان -ولا يزال- همّه القضاء على أهل السنّة؛ إن كان في العراق أو الشام، ممثلين بالعرب السنّة أو بالأكراد أنفسهم، فقد بدأ الدور اليوم على الأكراد بصفتهم السنّية، وليس بصفتهم الكردية العرقية التي لا تعني شيئاً لا للأميركان ولا للإيرانيين.

مسلسل الخيبات والخذلان الذي أصاب التاريخ الكردي مرتبط بقيادات كردية لا تُحسن قراءة الواقع فضلاً عن قراءة المستقبل، والسيد مسعود برزاني -الذي كان يُعوَّل عليه كثيراً بتعميق ارتباطه بتركيا والعالم العربي- ارتكب حماقته بإجراء استفتاء تبيّن أن أهم ما يحتاجه وهم أكراد السليمانية ليسوا على الحياد وإنما ضده، بل ويصبّون مياههم في الطاحونة الإيرانية، تبدّى ذلك برحلة الاستجمام التي قام بها قاسم سليماني إلى معاقل الاتحاد الوطني بزعامة نجل الطالباني الراحل؛ فكان التسليم سريعاً لكركوك، ولم يقتصر التسليم على مناطق الطالبانيين وإنما حتى على منطقة سنجار البرزانية..

اليوم على البرزاني وعقلاء الكرد أن يعووا أن المرحلة حساسة، وأن الخطر وجودي على كل سنّي في المنطقة، ولا بدّ من مراجعة حقيقية في المواقف، يتم فيها التعالي على الجراح ومن قِبل الجميع، مع تقديم خطة تتمثل بالعودة إلى تركيا بوابته إلى العالم، بعيداً عن الحكومة الطائفية في بغداد، مع العودة إلى دعم الثورات العربية التي كان -ولا يزال- جوهرها رفع الظلم والحيف عن الأكراد تماماً، كرفعه عن كل المظلومين في العراق والشام. وإن كان من عدل في الأنظمة البائدة والقائمة فهو في توزيع الظلم بالعدل على الجميع خلال حكمها الاستبدادي..;

========================

أوهام الرهان على إعادة الإعمار في سورية

غازي دحمان

الحياة

الثلاثاء 17/10/2017

باتت معركة إعادة الإعمار في سورية آخر المعارك الكبرى المنتظرة في الصراع السوري المعقّد، وهي المعركة التي تتكثّف فيها رهانات الأطراف المختلفة، وتشكّل الاختبار الحقيقي لإراداتهم السياسية ورؤاهم الجيوسياسية بعد أن جرى توضيب عناصر الصراع الأخرى بطرق مختلفة، تفاوضية وتهادنية، بما يتناسب ومقاربة الأطراف الفاعلة ميدانياً، روسيا، وإيران بدرجة أقل.

في مقابل ذلك، تنازل الغرب والعرب عن متابعة تفاصيل الصراع وطرق تسويته وعملية إخراجه النهائية، وفضلوا عدم مزاحمة روسيا بالحل، ربما لقناعة هذه الأطراف أن أي محاولة للصدام مع روسيا سياسياً وعسكرياً لن يكون لها جدوى بعد ان حقّقت الاخيرة سيطرة شاملة في سورية، حتى أميركا الطرف الغربي الأكثر انخراطاً في الصراع اقتصر اهتمامها على جزئيات محدّدة ومناطق ترتبط بأمن حلفائها في المنطقة.

يتركز الرهان الغربي- العربي على أن روسيا، الطامحة ليس فقط إلى اعتراف هؤلاء بها قوة أساسية في سورية، بل والإفادة من عملية إعادة الإعمار مالياً عبر شركاتها التي ستتولى جزءاً من تنفيذ العملية، ستضطر إلى تقديم تنازلات سياسية تقترب خلالها مع مقاربتهم التي تدعو إلى تصميم عملية سياسية تلحظ مشاركة المعارضة في الترتيبات السورية القادمة وإعادة صياغة نظام الحكم بطريقة جديدة تؤدي إلى تعديل الحياة السياسية في سورية وأن لا تتم إعادة إنتاج نظام الحكم القديم، وهو ما تحاول روسيا الالتفاف عليه عبر تعديلات دستورية محددة تبقي على هيكل نظام الحكم مع خفض صلاحيات رأسه.

وانطلاقاً من حقيقة أن روسيا هي صاحبة الدور الأكثر تأثيراً في سورية، فإن التقديرات يجب أن تنطلق من معرفة الأولويات الروسية وحساباتها للربح والخسارة، وقراءة المعطيات بشكل واقعي وليس عاطفي ورغبوي لصياغة موقف سليم من قضية الإعمار في سورية وموقف روسيا منها.

لا تشكل عملية إعادة الإعمار بحد ذاتها أولوية روسيّة، لا شك في أن روسيا ترغب في إنجاز مهتمها السورية بنحو أفضل وترغب أن يشار إليها على أنها نجحت في إنهاء الحرب وتحقيق السلام وإعادة إعمار البلد، وهي ما انفكت تتباهى بإعمارها غروزني. لكن ذلك، على أهميته، لا يشكل أولوية مطلقة، على الأقل في الوقت الراهن والمدى المنظور، وترى روسيا أن إعادة الإعمار فرصة لمكاسب سياسية واقتصادية ما دامت روسيا قد ربحت من مختلف مراحل الحرب، ويكفي التذكير بأنها في مرحلة القتال كسبت عقود بيع سلاح كثيرة، وفي مرحلة التفاوض على السلم أصبحت مركز الاهتمام لدول الشرق الأوسط، وهي تريد استثمار كل مرحلة إلى أقصاها، ومرحلة إعادة الإعمار لا زالت تنطوي على فرص كثيرة يستلزم استثمارها. بالإضافة إلى لذلك، لم يمر وقت طويل على عودة روسيا إلى الفاعلية الدولية وقد وفرت لها الساحة السورية هذه الفرصة، وبالتالي فهي لا تزال في طور اختبار الممكنات والفرص التي تتولد عن هذا الوضع بعد غياب دام عقوداً.

في سبيل ذلك، سوف تناور ورسيا في هذه المرحلة في مواجهة الغرب والعرب، وسوف تطرح إجراءاتها باعتبارها تنازلات أو مقدمات للحل في سورية، مع إيصال رسالة بأن هذه الإجراءات ستكون مفتوحة على آفاق كثيرة شرط عدم مطالبتها بضمانات خطية ولا استعجال بهذه الإجراءات. الاستعجال المطلوب هو الانفتاح على الأفكار الروسية والتعامل الإيجابي لها لأن ذلك سيشكل المفتاح لفتح الآفاق المرغوبة.

على الأرض ستحاول روسيا إثبات أن إعادة الإعمار مصلحة غربية وعربية أكثر منها روسية سورية، فهي عدا عن كونها ستجعل هؤلاء شركاء في صنع مسارات الأمور في المنطقة، فإنها بلا شك ستفيدهم اقتصادياً، كما أن الغرب والعرب، على السواء، الذين لا يريدون وقوع سورية تحت سيطرة إيران، عليهم ترجمة ذلك في مشروع إعادة الإعمار وبإجراءات عملانية تؤدي إلى تقوية مواقعهم وتقوية الدولة السورية وليس فقط عبر الضغط على روسيا لتحجيم نفوذ إيران والذي يبدو أنه طلب غير واقعي في هذه الظروف.

غير أن المناورة الأكبر والتي بدأت روسيا بالقيام بها، تتمثل في إيصال رسالة إلى الغرب والعرب أن لديها بدائل عن مساهمتهم في هذا المجال، وهذه البدائل تتمثل في شركاتها وشركات إيران والصين. صحيح أن العملية ستتأخر نظراً لنقص حجم التمويلات وستنطوي على مشكلات فنية لكنها في النهاية ستنجز.

من جهة أخرى بدأت روسيا السماح لبعض المناطق التي عقدت مصالحات بإدخال مواد البناء لترميمها ما يعني أن جزءاً من العملية سيضطر السوريين إلى القيام به وإنجازه كيفما اتفق ليستطيعوا ممارسة حياتهم ولو بحدودها الدنيا، وهو شكل تلفيقي لإعادة الإعمار.

في ظل هذه الوقائع، بالإضافة إلى ظهور مؤشرات عن تسابق الشركات وبعض رجال الأعمال في المنطقة على الفوز بحصة من كعكة إعادة الإعمار، الخوف أن لا تجد روسيا نفسها مضطرة لتقديم تنازلات جوهرية في الحل السياسي المرتقب بما يؤدي إلى تبخر الرهانات على عملية إعادة الإعمار لإعادة التوازن المفقود في سورية.

========================

تضاريس روسية

وسيم الخطيب

العربي الجديد

الاثنين  16/10/2017

سنواتٌ طويلة على الحصار ضمن جغرافيا بسيطة جداً بقيت من ثورة الحرية والكرامة في الريف الدمشقي، لا سيما أنّ الحلول باتت شبهَ معدومة في وقتٍ عصيب تظهر به الفصائل عبر منبرها. لا يخفى على أحد ومنذ ستة أشهر تقريباً شهدت تخوم دمشق معارك عنيفة متبادلة من فيلق الرحمن ونظام الأسد، والتي حملت اسم "ياعباد الله إثبتوا"، وغيّرت من الأوراق الخارجية نوعاً ما.

لم تهدأ العاصفة بعد، إما أن تكون برياحٍ غربية أو أنه النزاع الداخلي مجدداً بعد عام ما بين الفصائل العسكرية، لتعود المنطقة إلى أسوأ أحوالها أسبوعٍا وأكثر، سقط خلالها عشرات ما بين قتيلٍ وجريح، متناسين الأوضاع الإنسانية الصعبة التي تقطن أجساد الناس ومنذ زمنٍ بعيد.

في تلك الأثناء، يتربع نظام الأسد على عرشه ويخطط للانقضاض على فرائسه المنهكة من صراع النفوذ الإقليمي الذي بات واضحاً على الأرض ويُنفذ حرفياً ضمن نطاقٍ ضيق لا يحتمل المزاودة أكثر، إلى حين بدأت ساعة الصفر لدى القوات المدججة بعشرات المدرعات الثقيلة وآلاف الجنود مختلفي الجنسية والتبعية باتجاه حي جوبر الدمشقي وزملكا وعين ترما لتبدأ المحرقة الحقيقة بمشاركة سلاح الجو الروسي بعشرات الغارات التمهيدية ليبقى صوت القصف والرصاص سيد الموقف.

لغة الكلام انتهت، وخرجت أنياب الحقد بضراوة المكر والخداع ومحاولات إنهاك الفيلق من جبهاته الممتدة بما يقارب 30 كيلو متراً تقريباً على تخوم العاصمة دمشق، والتي تشكل الخطر الأكبر لنظام الأسد أمام أقوى حصونه العسكرية والسياسية في نقاطٍ استراتيجية تعد الأهم على الإطلاق.

لم يبق الطرف الآخر واقفاً مكتوف الأيدي، ومع المحاولات العديدة والمطولة، أصبح هناك أمر عكسي غير متوقع، والذي فاجأ النظام هو تدمير الآليات المجنزرة بشكل غريب حتى المتطور منها بسلاح التاو، على الرغم من الغطاء الجوي والمدفعي المكثف، فالمقصلة على أتم الاستعداد لتقضم فوهات الدبابات وتجعل من أجسادها قطعةً متناثرة.

لم ينته السجال بعد، محاولاتٌ باءت بالفشل الذريع للتقدم من حي جوبر انتقل إلى زملكا، لتكون الهدف الآخر ضمن فكي الكماشة، وعلى الوتيرة نفسها، ولكن الرد المرسل كان كسابقه، وبوتيرة أعلى قليلاً، ليفقد الأمل منها أيضاً خلال أيام. وهنا يطول الحديث لتكون الهدف الأخير نصب أعين الروس، وهي عين ترما لتقطيع أوصال المنطقة والسيطرة على أكبرِ جزءٍ ممكن من المتحلق الجنوبي، والذي يعد من أهم الطرقات والمناطق المفصلية الاستراتيجية في هذا المحور، إلا أنّ الفيلق يتصدى ويناور بشكل واسع، على الرغم من تراكم الخلافات خلفه ضمن نطاق وجوده في الغوطة على خلافات فصائلية مناطقية تتصل بعلاقات إقليمية.

وعلى إثر ذلك، استطاعت موسكو صبغ الغوطة بشكل شبه كامل أمام المجتمع الدولي بالتطرف، وبررت ذلك على خلفية وجود ما تبقى من فلول "هيئة تحرير الشام"، ووجدت ذريعة دولية حقيقية لاستهداف الغوطة بشكل متواصل، وتهيئة جو مناسب لنظام الأسد ليستمر عسكرياً من دون أي مضايقات دولية أممية، حتى في تدمير المدن وقتل مئات من المدنيين. وحتى هذه الأثناء ما تزال آلة التدمير تعمل على أكمل وجه ضمن وجود فواصل واضحة بين الفصيلين الأقوى في غوطة دمشق، فيلق الرحمن وجيش الإسلام. بهذا جاءت كل المكتسبات لصالح نظام الأسد، بسبب تغاضي النظام الدولي عن كل ما يجري داخل ريف دمشق، بالتزامن مع صمته عن إكمال النظام لتهجير ما تبقى من المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة مثل القدم وخان الشيح.

ومع هذه الأحداث والقوة والشراسة المتضاربة في المنطقة الصغيرة المتبقية، تشهد باقي المناطق تكتلات وقصاصات من الفصائل تنصهر وتندمج خوفاً من الهجوم عليها حال انتهاء المشروع المقترح ما بين روسيا وواشنطن في الآونة الأخيرة، أي أننا أصبحنا على محط أرضية هشة على شفى حفرة من الهبوط والرضوخ للقرارات المجدولة على طاولة الحوار ما بين المعارضة الخارجية والنظام الدولي.

========================

هذه الحلول الروسية في سورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين  16/10/2017

يلفظ الصراع المسلح بين النظام السوري والمعارضة أنفاسه الأخيرة، على ما يظهر، بينما تلوّن روسيا، التي باتت تتحكم بالأوضاع السورية، خريطة سورية الجديدة بعلم تركيا الذي بات ينتصب وسط منطقة خفض التصعيد أخيراً في إدلب، وترسم من خلال ذلك ملامح المرحلة المقبلة، وربما النهائية، لمسار مفاوضات أستانة، قبل المضي في الالتفات إلى تحضيرات المعارضة السياسية ("الهيئة العليا للتفاوض" وضمناً "الائتلاف")، التي تتهيأ لخلع كل لاءاتها، أو اعتراضاتها، السابقة، والجلوس وجهاً لوجه مع المعارضات الأخرى الموزّعة بين القاهرة وموسكو، على طاولة الصياغة النهائية لتفسيرات القرارات الدولية، وفقاً لمتغيرات الصراع على سورية ونتائجه، في هذه المرحلة، والتي أثمرت عن تقسيمات مناطق النفوذ الدولية والإقليمية في سورية للدول الأربع (روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا).

وبينما يحتفل النظام السوري بانتصار وهمي أحرزه من خلال روسيا، ومن خلال التموضعات الدولية والإقليمية الجديدة، وعبر اتفاقات أستانة وغيرها، تنقسم المعارضة بشأن تقييم الاتفاقات التي وقعت تحت ما يسمى "خفض التصعيد". هكذا يرى النظام أن كل تفوّق روسي أو إيراني زيادة في رصيده، ويصبّ في مخطط توسيع دائرة نفوذه، وإعادة السوريين إلى سلطته، ولو تدريجيّاً، وهو ما تصرح به شخصيات على مستويات مختلفة في النظام، عسكرية ودبلوماسية وإعلامية، وتؤكد أن ما تم التوصل إليه في مناطق خفض التصعيد هو مجرد عملية مرحلية،

"وقف العمليات القتالية، ووقف القصف، في كل حالاته، هو مصلحة سورية، لكن ليس على حساب ما قامت من أجله الثورة، أو لحساب ملوك الطوائف وأمراء الحرب" سيتم بعدها استعادة النظام كامل هذه المناطق، ضاربة عرض الحائط بكل ما تصرّح به الدول الموقّعة/ الضامنة (روسيا وإيران وتركيا). في المقابل، تفعل الجهات ذات الصلة في الفصائل المعارضة الشيء نفسه، إذ بعد مئات الآلاف من الضحايا، تروّج أن انسياقها وراء المخطط الروسي هو لحقن الدماء، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي حاصرها النظام، بمساعدة الدولتين الضامنتين ذاتهما إيران وروسيا، اللتين تسببتا بالشراكة مع النظام في قتل أكثر من نصف مليون من السوريين، وتدمير مدنهم وبناهم، وتشريد الملايين داخل سورية وخارجها.

الأسئلة كثيرة التي يمكن طرحها في سياق ازدواجية المعايير في تقييم أداء المعارضة السورية، السياسي والعسكري. مثلاً، لماذا عندما تحدثت أوساط في المعارضة السياسية، في مراحل سابقة، عن تسويات، تؤدي إلى وقف الصراع المسلح، وتسهّل دخول المساعدات وتهيّئ لقيام حل سياسي، اعتبرت الجهات المسلحة ذاتها، التي توقّع اليوم هذه الاتفاقيات، والتي هي أساساً رفعت شعارات الحرب حتى إسقاط النظام، أن كل من يتحدث عن تسويات وخفض الرايات الملونة (السوداء والبيضاء وما بينهما)/ وغالبيتها تتعارض مع فكر الثورة من أجل الحرية هو في صف النظام، بل طالبت بطرده من المعارضة، بينما تذهب هي (المعارضة المسلحة) اليوم إلى عقد اتفاقات بمضمون أقل شأناً من أن ينتج حلاً سياسياً يقوم على أساس إنهاء نظام الاستبداد، وإقامة نظام ديمقراطي يضمن حقوق المواطنة، والعدالة الإنتقالية؟

ثم ما الذي يمنح القوى المسلحة "صلاحيات فوق وطنية"، على الرغم من تبيّن أن أجنداتها تتبع الدول التي تمولها وليس قيادة المعارضة أو قوى الثورة، أو يمنحها فوق صلاحيات القوى غير المسلحة، والتي تحملت أعباء الحرب المفروضة على الثورة، ودفعت أثماناً باهظة؟ فهل يتعلق الأمر بأن من يملك القوة يملك القرار أيضاً؟ فإذا كانت بعض فصائل المعارضة ترى ذلك هو المعيار، فإنها بذلك لا تسير فقط في ركاب الدول التي تضع ثقتها بها (الدول الضامنة)، بل تسير، أيضاً، بالتوازي مع النظام الذي يرى قدرته على فرض الحل تساوي عدد ضحاياه من الحرب.

ومن هنا، يأتي مبعث الخوف من أن ما تسير نحوه المعارضة المسلحة "الأستانية"، ومن هو في سياقها هو بمثابة نوع من تقاسم أدوار في ظل تقاسم النفوذ على سورية، وبالتالي تطبيق ما أراده النظام منذ البداية، بتحويل ثورة السوريين من ثورةٍ ضد الاستبداد، وضد تغوّل القوى الأمنية على الشعب، ومن أجل التغيير الديمقراطي، إلى مجرد صراع مسلح، وصناعة أمراء حرب يمكن التفاوض معهم على تقسيم الغنائم والنفوذ، وتحويل سلاح مقاومة الظلم إلى جزء من منظومة الظلم والإستبداد، وهذا ما شهدناه في بعض المناطق التي سميت "المحرّرة"، مع التأكيد أن النظام يستدرجهم، في هذه المرحلة، ليقوم بتصفيتهم، منطقة إثر أخرى، تحت شعار فرض سيادة الدولة، في مرحلة أخرى، لأن هذا النظام لا يمكن أن يقبل بغير استرجاع "سورية الأسد" بكل مالها وما عليها.

على ذلك، فإن استفراد الجانب المسلح من المعارضة بعقد الاتفاقيات من دون الاستناد إلى

"يرى النظام أن كل تفوّق روسي أو إيراني زيادة في رصيده، ويصبّ في مخطط توسيع دائرة نفوذه" مرجعية سياسية تضمن الحل، وفق القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية السورية، يسهل على روسيا مشروعها في استبدال تلك القرارات باعتبارها مرجعية دولية. وفي أحسن الأحوال، يحصر قراءتها بحسب المفهوم الروسي لها فقط، أو يضع مكانها سلسلة الاتفاقات الثنائية التي هي أقل من تسوية، وأكثر من إشارة استفهام، فيما يتعلق بمحتواها وغياب آليات تنظيمها وضمانتها.

وقف العمليات القتالية، ووقف القصف، في كل حالاته، هو مصلحة سورية، لكن ليس على حساب ما قامت من أجله الثورة، أو لحساب ملوك الطوائف وأمراء الحرب، ما يعني أن ما انتهينا به إلى خطأ، اتكأ أصلاً على سلسلة من الأخطاء، بدأها النظام بحربه على شعب أعزل، وسار في ركابها من رفع رايات الحرب بأجندةٍ غير وطنية، تقطف ثمارها الدول الممولة دون سواها، ما أوصلنا إلى هذا المأزق، أو هذه النهايات. ولهذا، فإن أي حل لا ينتج نظاما ديمقراطياً، ويأخذ في اعتباره، أيضاً، أن سورية بلد التعدّد والقوميات، هو حل ضد الثورة، وليس من أجلها.

========================

المقايضة التركية ـ الروسية: إدلب مقابل عفرين؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 15/10/2017

على الورق، أي في التخطيط المكشوف الذي تسمح به التكهنات المنطقية والتسريبات (المتعمدة، لأنها ليست سرّية تماماً!)؛ يبدو التدخل العسكري التركي الأخير في إدلب وكأنه، بالفعل، ترجمة ميدانية لمذكرة التفاهم حول خفض التصعيد في هذه المحافظة، والتي تمّ التوصل إليها خلال اجتماعات أستانة، العاصمة الكازاخية، في أيار (مايو) الماضي، بين روسيا وإيران وتركيا. المخطط المعلَن ينصّ على دخول أعداد محدودة من القوات البرية التركية (الأرقام، مع ذلك، تتحدث عن 300 إلى 500 عنصر!)، تضمن وقف إطلاق النار، وتسهيل أعمال الإغاثة الإنسانية، وإصلاح البنية التحتية، في مناطق سيطرة “المعارضة المسلحة”، أي “هيئة تحرير الشام” و”أحرار الشام” و”حركة نور الدين الزنكي” بصفة أساسية؛ وفي المقابل، ضمن مناطق سيطرة النظام و”حزب الله” والميليشيات الحليفة، تضمن روسيا وإيران تطبيق التهدئة.

ومن المعروف أنّ سلسلة من التفاهمات الروسية ـ التركية، حول سوريا ونظام بشار الأسد بصفة خاصة، كانت قد تواصلت واختمرت وتُرجمت على الأرض؛ وذلك منذ المصالحة بين موسكو وأنقرة في آب (أغسطس)، في أعقاب اجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سانت بطرسبرغ، والذي أنهى تأزماً حاداً بين البلدين. لهذا فإنّ جوهر المقايضات الخافية بين روسيا وتركيا قد ينحصر في مقايضة ثنائية من الطراز التالي: إدلب تحت السيطرة التركية (بمعنى لجم الجهاديين، وتقييد حركتهم، وتجميد جغرافية انتشارهم، أو حتى قتالهم عبر الجيش التركي مباشرة، أو بالتعاون مع فصائل “الجيش الحر” السوري الحليفة لأنقرة)؛ مقابل عفرين (حيث تُطلق يد أنقرة، ويجري توسيع نطاق عمليات “درع الفرات”، بما يمكّن الجيش التركي من استكمال تقطيع أوصال “روجافا”، وبعثرة مناطق اتصال “وحدات الحماية الشعبية”، وقطع أيّ ربط جغرافي بين “كردستان الشمال” و”كردستان الغرب”…).

لكنّ هذه الحسابات، مثل كثير سواها في الواقع، قد لا تأتي على الشاكلة التي يطمح إليها رعاة مذكرة أستانة إجمالاً، لأسباب عديدة معقدة، بعضها جلي واضح لتوّه، وبعضها الآخر وليد مفاجآت طارئة وتبدّلات ليست في الحسبان المسبق. “هيئة تحرير الشام”، على سبيل المثال، قد تنحني مؤقتاً أمام عاصفة التوافق الروسي ـ التركي الراهنة؛ لكنها، إنْ فعلت، فلسوف تمارس الانحناء إلى حين فقط، إذْ أنّ مشاريع تحجيمها أو إضعافها أو استهدافها في نهاية المطاف، سوف تدفعها إلى خندق الخيارات القصوى، التي تحرص موسكو وأنقرة على تفادي ذهاب “الهيئة” إليها. أوّل تلك الخيارات قد يكون استدارة الجولاني إلى الخلف، وفتح معركة الساحل الكبرى عبر القتال البرّي أو القصف الصاروخي والمدفعي؛ وإشعال الجولة الأولى، والأخطر ربما، في “حرب أهلية” تكرر الحديث عنها، رغم أنها لم تقع فعلياً حتى الساعة.

كذلك فإنّ موسكو ليست “مرتاحة” تماماً، عسكرياً، على نحو يمكّنها من ضمان “خفض التصعيد”، أياً كانت تجلياته الميدانية الحقيقة، في منطقة معقدة رابعة؛ بعد ثلاث مناطق ليست أقلّ تعقيداً، في جنوب سوريا وشرق الغوطة وحمص الوسطى. وإذا كان لنبوءة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حول غرق موسكو في المستنقع السوري، أن تتحقق على أيّ نحو؛ فإنّ مآزق موسكو العسكرية، في ريف دير الزور ومحيط تدمر تحديداً، هي المؤشر الأوّل. ورغم انضواء تركيا في الحلف الأطلسي، وأنّ جيشها هو الثاني الأقوى ضمن صفوف الـ”ناتو”؛ فإنّ الافتراق التركي ـ الأمريكي الراهن حول سوريا، بصدد التعاون الأمريكي العسكري مع الكرد في المقام الأوّل، قد ينقلب إلى عقبة كأداء في وجه التوافق التركي ـ الروسي.

في غضون هذا كله، لم يتوقف الطيران الحربي الروسي، وطيران النظام، عن قصف إدلب ومحيطها، والتوحش في التصعيد… بدل خفضه!

========================

العلويون.. عزلة ثانية؟

راتب شعبو

العربي الجديد

الاحد 15/10/2017

في موجات النزوح البشري الواسع التي شهدتها سورية خلال سنوات الصراع المركّب الذي أعقب الثورة المحطمة، وُجدتْ موجة قليلة الصخب وعميقة الدلالة، هي عودة واسعة للعائلات العلوية من مختلف أنحاء سورية إلى الساحل الذي ولد فيه آباء هذه العائلات أو أجدادها.

كانت تلك الموجة قليلة الصخب، لأنها كانت فردية الطابع، وباردة غالباً، ولم تكن جماعية على شكل النزوح الواسع الناجم عن الضغط المباشر للمعارك، وتردد "الانتصارات". وكانت قليلة الصخب أيضاً لأن هذه العائلات وجدت، في الغالب، مكاناً تعود إليه، أو أهلا وأقارب يستندون إليهم، إلى حين تأمين استقرارهم المؤقت أو الدائم. أي إنهم لم يحتاجوا إلى خيم أو مؤسسات عامة أو فرق إغاثة، ما جعل موجة الانكفاء هذه بعيدةً أكثر عن العين.

دافع هذه الموجة هو، في غالبية الحالات، الشعور بانعدام الأمان، بعد أن كثرت مماهاة النظام بالعلويين في الخطاب المعارض، وخصوصا بعد دخول السلاح على خط الثورة وسيادة اللون الإسلامي. ولدت مرويات ومشاهدات وأخبار وإشاعات كثيرة لدى هذه العائلات الشعور بأنها مستهدفة، أو قد تستهدف على الهوية. حتى العائلات العلوية المعارضة لنظام الأسد والمساندة للثورة اضطرت إلى ترك منازلها في مناطق سيطرة المعارضة، إلى أن باتت هذه المناطق خالية بالكامل من الوجود العلوي، سوى من ناشطين جريئين أو قل مغامرين، وهم لم يتمكنوا من الاستمرار هناك مع ذلك. وتشكل موجة الانكفاء المدني العلوي هذه، في ذاتها، إدانة لمعارضي الأسد، لكنها تنطوي أيضاً على مؤشر ضعف النظام الأسدي وتقهقره، ولذلك سكت عنها إعلام المعارضة وإعلام النظام معاً.

"ما قامت به سلطة الأسد على نحو متزايد باضطراد هو نفخ شعور إعادة الاعتبار العلوي وتحويله إلى شعور بالتفوق والتميز على أن العلويين هم "أهل الحكم""

لامست هذه الموجة المدنية الراجعة نقطة ألم عميقة في الوجدان العلوي، تتمثل في ذكريات العزل القديم الذي كان مفروضاً على العلويين. في الحق أن انفكاك عزلة العلويين لم يأت نتيجة لتأسيس دولة مواطنة ومساواة من شأنها أن تزيل أسباب العزل الذي يمكن أن يفرض على جماعات معينة، بقوة غلبات أو سلطات تمييز ديني أو عرقي، بل جاء نتيجة تأسيس دولة برئيس علوي، تعلو فيها متطلبات السلطة على متطلبات الدولة، ومن متطلبات السلطة التي تأسست بدءاً من 1970 تعزيز عصبية طائفية علوية، عبر الاستثمار في حيازة العلويين على قدر من الاعتراف السوري العام، لمجرد وصول رئيس من منبت علوي إلى أعلى منصب في الدولة، وما يحقق هذا من اعتبار، طالما كان العلويون محرومين منه.

ما قامت به سلطة الأسد على نحو متزايد باضطراد هو نفخ شعور إعادة الاعتبار العلوي وتحويله إلى شعور بالتفوق والتميز على أن العلويين هم "أهل الحكم". كانت هذه الفكرة، بصيغ متنوعة، سيرة تحتية أو ضمنية في المجتمع العلوي، يرافقها دائماً السؤال عن مصير العلويين، لولا هذا النظام، أين كانوا وأين أصبحوا. هذا السؤال الذي يدور، بطبيعة الحال، في أفق سلطات تمارس التمييز السلبي بحقهم، بعيداً عن أفق الدولة الوطنية التي لا قيمة فعلية فيها للمنبت المذهبي أو العرقي للفرد. والواقع أن جل المعارضة العلوية لنظام الأسد كانت تنتمي إلى مسعى تأسيس مثل هذه الدولة الوطنية.

تحول الحق العلوي في الانعتاق من العزل والنبذ والتمييز السلبي المزمن إلى مصدرٍ للتعدّي على حقوق الآخرين في ظل سلطة الأسد. تجلى ذلك في ممارسات مؤسسات أمنية وعسكرية محدّدة يغلب عليها العنصر العلوي، وتحولت هذه الشوكة "العلوية" (وهي في الحق ليست شوكة علوية، بل شوكة نخبة متسلطة من العلويين، وغير العلويين، كانت تعتدي على عامة العلويين كما على غيرهم) إلى مصدر تميز للعلوي. في نظر غير العلويين من المجتمع السوري، استقرت صورة العلوي على أنه جزء من سلطة قاهرة، حتى لو كان في أفقر وأحط حال. وهكذا بدا كما لو أن فك عزلة العلويين كانت عملية مضادة للمجتمع السوري، أو قل مضادة لتطوره الوطني والديمقراطي. استعادة حق جماعة معزولة اتخذ مع الوقت شكل تهميش آخرين، واعتداء على مبدأ المساواة. فك العزلة بمنطق التغلب لا ينتج سوى صراعات التغلب الأهلية التي لا تنتج سوى الدمار.

"القصور الوطني الذي أعقب تعثر الثورة السورية ثم تحطمها هو من جنس القصور الوطني الأسدي"

لم يكن غريباً إذن أن نرى مع اندلاع الثورة ضد نظام الأسد ظهور ممارسة طائفية معاكسة مضادة للعلويين، استناداً إلى أسطورة تأسست تقول إنهم "أهل الحكم"، وهي أسطورة قبلها فقراء العلويين على مبدأ "صيت الغنى ولا صيت الفقر"، وروّجها، بشكل خاص، الإسلاميون السوريون الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين "للسنّة السوريين"، لأن هذه الأسطورة تشكل ركيزة للدعوة إلى "حكم الأكثرية السنية"، وبالتالي إلى حكمهم هم. لم تكن ردة الفعل هذه أقل ضرراً على المجتمع السوري من المسعى الذي سارت فيه سلطة الأسد في تعزيز وهم التميز العلوي، ونسف الثقة المتبادلة بين السوريين. وعليه، كما فشل نظام الأسد في فك عزلة العلويين، وغيرهم، عبر تأسيس دولة مواطنة، تعلو فيها متطلبات الدولة على متطلبات السلطة، وتكون "الأبدية" فيها للمصلحة الوطنية العليا، وليس للسلطة أو للرئيس، كذلك فشل رد الفعل المضاد لسلطة الأسد في إعلاء الوطني على الطائفي. هكذا بقي الطريق الوطني لتجاوز النزعات الطائفية مهجوراً.

تقول موجة الرجوع المذكورة إن الاندياح المدني العلوي الذي اتخذ مداه الأوسع في سورية بعد 1970 لم يكن تعبيراً عن اندماج وطني سوري، وتجاوز وطني للعزلة العلوية، وتقول، من ناحية أخرى، إن القصور الوطني الذي أعقب تعثر الثورة السورية ثم تحطمها هو من جنس القصور الوطني الأسدي، حيث تعلو السلطة ومتطلباتها على الوطن ومصالحه.

========================

ذكرى لجوء الجنرال وأخطار الحرب

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 15/10/2017

حلت في 13 أكتوبر ذكرى لجوء الجنرال عون، قائد الجيش اللبناني السابق، إلى السفارة الفرنسية في بيروت، وقد صار رئيساً للجمهورية، ومع أنّ التاريخ لا يعيد نفسه، فهناك مأساةً على وشك الحدوث تتناول الداخل اللبناني، فالانقسام الداخلي حاصلٌ ويزدادُ عمقاً بسبب غلبة «حزب الله» على الداخل اللبناني واستيلائه على المؤسسات، وسيطرته على قرار الجيش، وفي الوقت نفسه انحياز رئيس الجمهورية للحزب حتى في وجه القرارات الدولية، وقد بيَّنَ حدثان أخيران سيطرة الحزب على قرار الدولة والجيش: تكرار رئيس الجمهورية اللبنانية للقول بأنّ ردع إسرائيل محتاجٌ إلى «حزب الله»، لأنّ قوة الجيش لا تكفي، وزعمه أن قوات الحزب لا علاقة لها بالملفات الداخلية، وأنّ لبنان ملتزمٌ النأي بالنفس تجاه الأزمة السورية، والكل يعرفون أنّ «حزب الله» مسيطرٌ بقوة الميليشيا على الأرض اللبنانية، وهو يقاتل في سوريا بعشرات الآلاف إلى جانب ميليشيات شيعية أُخرى! أما الخطر الثاني فيتعلق بالتهديدات الإسرائيلية المتبادلة مع الحزب، فكل منهما يهدد الآخر بالويل والثبور وعظائم الأمور. إسرائيل يقول مسؤولوها إن الحرب لن تقتصر على الحزب، بل ستكون ضد كل لبنان، وبالمقابل يقول نصرالله إنّ إسرائيل ستكون كلّها مهدَّدة إذا هاجمت الحزب بلبنان!

وتُضافُ لذلك عقوبات الولايات المتحدة المتصاعدة ضد الحزب، والذي تعتبره تنظيماً إرهابياً، والعقوبات هذه المرة لا تقتصر على الحزب وأعماله، بل تتناول إيران والاتفاق النووي بشكل مباشر، ولأنّ «حزب الله» كلّه من بدايته إلى نهايته هو تنظيم إيراني، فمن الطبيعي أن تفكّر إيران باستخدامه كلّما شعرت بالخطر. وبذلك فثمة مصلحتان في الحرب إن لم تكن ثلاث مصالح؛ الأولى لإسرائيل التي ترى أنّ قوى الحزب تنمو في سوريا ولبنان، وأنه إذا كانت الحرب ضد إيران مستبعدة، فإنّ تقطيع أوصالها في سوريا ولبنان هو أمرٌ مستحسَنٌ، وقد تشاركها في ذلك الولايات المتحدة. ومن جهة ثالثة، قد تكون إيران مهتمة بتصعيد النزاع رداً على إجراءات ترامب ضدها، ولكي لا تتهم بالضعف، وقد قال المسؤولون الإيرانيون إن اعتبار الحرس الثوري تنظيماً إرهابياً يعني قيامها بردٍّ ساحق!

هل لهذه التهديدات المتبادلة صدقية؟ الطرفان لا يريدان الحرب الآن، وبخاصة نصرالله، لكنها قد تقع بالخطأ من أحد الطرفين، وردّ الطرف الآخر. وقد دأبت إسرائيل على ضرب قوافل وقواعد «حزب الله» في سوريا دون أن يحرك النظام أو الحزب أو إيران أو روسيا ساكناً.

ماذا يكون الموقف لو أنّ الحرب وقعت؟ بالطبع لا يمكن لا لرئيس الجمهورية، ولا للحريري فعل شيء، لكنهما كانا يستطيعان فعل أشياء كثيرة في الشهور الماضية، فالرئيس عون كان بوسعه الصمت بشأن الجنوب، الذي تزعم إسرائيل دائماً أن الحزب لا يزال يعمل فيه رغم القرار الدولي رقم 1701. وكان بوسع رئيس الجمهورية إظهار الجيش بمظهر المستقل والعنصر الفاعل على الحدود الشرقية للبنان مع سوريا، لكن الرئيس اختار بعد قرار الحرب ضد «داعش» وقف إطلاق النار بعد طلب نصرالله، وما يزال الأخير يزعم أنه انتصر، وما تجرأت الدولة اللبنانية على الاحتفال بما تعتبره انتصاراً لجيشها! ولهذين السببين بدا لبنان وقرارات جيشه ورئيسه أدوات بيد الحزب.

هل كان بوسع رئيس الحكومة فعل شيء؟ بالطبع كان يستطيع ذلك بالضغط على رئيس الجمهورية من أجل مصلحة لبنان الفائقة في التهدئة بالجنوب، والذي ظلت جبهته هادئة منذ عام 2006 بسبب وجود القوات الدولية بمقتضى القرار 1701. وكان بوسع رئيس الحكومة الاعتراض على إيقاف القتال ضد «داعش» بناءً على طلب نصرالله، لكنه اختار بدلاً من ذلك استدعاء مدير الأمن العام، فيضيف إلى تكليف نصرالله والرئيس له بأن يكون ثالثاً في الاتفاق مع «داعش» إلى جانب نصرالله والنظام السوري، بأن يكلّفه هو أيضاً، فزاد بذلك من الرقّة حتى انفلقا! وقد تلقّى رئيس الجمهورية مدحاً من نصرالله، إذ اعتبره «وطنياً»، وهذه شهادة عظيمة، لكننا لا ندري نوعية المكافأة التي تلقاها الرئيس الحريري!

والخطير الآن أنّ الموقف خرج من أيدي اللبنانيين جميعاً، وصار بأيدي الإسرائيليين والإيرانيين والروس والأميركيين، وهذا ما حصل عام 2006 حينما أدخلت إيران لبنان في حرب بإغارة الحزب على دورية إسرائيلية.

----------------------------

*أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية -بيروت

========================

عودة اللاجئين السوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 15/10/2017

يطرح الأردن ولبنان موضوع إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، وقد تكرر طرح الموضوع مؤخراً على لسان مسؤولين فيهما، وناقشتها اجتماعات وخطط طرحت في اجتماعات رسمية ولدى فعاليات سياسية واقتصادية، وتناولتها وسائل إعلام في البلدين، وبينت جميع الأطروحات الأسس التي تراها أسباباً لطرح الموضوع وبينها أسباب تتصل بأوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية تحيط بالبلدين، وأخرى تخص تطورات الوضع السوري، وثالثة تتعلق بالموقف الدولي، وما صار إليه من تقصير وسوء في تعامله مع قضية اللاجئين السوريين، وخلصت غالب الأطروحات إلى ضرورة إعادة اللاجئين إلى بلدهم.

وتتقاطع الأطروحات الأردنية - اللبنانية في عودة اللاجئين مع طموحات أغلبية اللاجئين في العودة إلى سوريا، ليس بسبب سوء أوضاعهم ومعاشهم وظروف لجوئهم فقط، بل باعتبار أن عودتهم إلى بلدهم وممتلكاتهم، هو حق طبيعي من حقوقهم، خصوصاً أن لجوءهم إلى بلدان الجوار، إنما كان تحت ظروف سياسية - أمنية، دفعت بهم للهرب من عمليات الملاحقة والاعتقال والقتل، أو نتيجة عمليات التدمير الواسعة التي قام بها نظام الأسد وحلفاؤه من الإيرانيين وميليشياتهم وعمليات الطيران الروسي التي دعمت على مدار العامين الماضيين أعمال النظام وحلفائه ضد المناطق الخارجية عن سيطرة النظام.

وتقوم فكرة عودة اللاجئين من الجانبين الأردني واللبناني في عواملها المحلية على مشتركات؛ أبرزها ارتفاع عدد اللاجئين، حيث يزيد في كل منهما على مليون نسمة، يشكلون نحو خُمس السكان في كل منهما، مما يشكل ضغطاً على إمكانيات وقدرات وموارد البلدين الصغيرين ومحدودي الموارد، وكل منهما يعاني من أزمات في توفير احتياجات سكانه الأصليين، إضافة إلى مخاوف البلدين الأمنية من نشاط الجماعات الإرهابية المتطرفة ولا سيما «داعش» وجبهة النصرة - فرع القاعدة في سوريا، وقد روّجت أوساط سياسية وأجهزة أمنية في البلدين لوجود نشاط للجماعات الإرهابية المتطرفة في أوساط اللاجئين.

الأمر الثاني وجود سياسة رسمية، تميل إلى تسوية علاقاتها مع النظام في سوريا من أجل تنشيط دورها السياسي في الملف السوري حالياً، وفتح الحدود معه لمرور البضائع والأشخاص، ولضمان دور لها في المرحلة المقبلة ولا سيما في إعادة إعمار سوريا معززة بضغوطات جماعات سياسية واقتصادية وأجهزة أمنية، والمثال الأوضح موقف «حزب الله» اللبناني وحلفائه، وقد عزز هؤلاء قوتهم من خلال خلق وتطوير بنية اجتماعية مناهضة لوجود اللاجئين السوريين قوتها الرئيسية حاضنة «حزب الله» وحلفائه في لبنان.

والأمر الثالث في المشتركات الأردنية - اللبنانية لعودة اللاجئين القول بتحسن الأوضاع الأمنية في سوريا بعد تعزيز سيطرة نظام الأسد وحلفائه على المناطق المتاخمة للأراضي اللبنانية في القلمون الغربي ومناطق بلودان والزبداني، والوصول إلى اتفاقيات خفض التصعيد، التي يجري الاشتغال على تنفيذها في الجنوب السوري المجاور للأردن.

والأمر الرابع، يمثله تدهور الاهتمام الدولي بقضية اللاجئين خصوصاً في موضوع تقديم الدعم الإغاثي سواء من جانب المنظمات الدولية، التي تشكو من نقص تمويل مشاريعها، فيما تتراجع جهود الدول الداعمة في مساعدة اللاجئين تحت حجج وذرائع مختلفة.

وبغض النظر عن مصداقية بعض الأسباب، التي يسوقها الأردن ولبنان في طرح موضوع إعادة اللاجئين، فإن أغلبية اللاجئين السوريين في البلدين ترغب في العودة، لكن ما يمنعها، استمرار الأسباب التي كانت وراء خروجها من ديارها ووطنها من ملاحقة واعتقال وتدمير، بينما يدفعها للعودة وقوعها فريسة القهر الذي تعانيه في البلدين في مخيمات تعاني نقصاً شديداً في تلبية احتياجاتها، والعجز عن تأمين الحد الأدنى من ضرورات الحياة الإنسانية من سكن وطعام ودواء وتعليم وعمل، إضافة إلى الضغوطات السياسية والأمنية، التي تمارس ضدها للعودة من حيث جاءت أو المغادرة إلى حيث أمكن.

إن الأهم في موضوع عودة اللاجئين إلى بلدهم، لا يكمن في رغبة دول اللجوء السوري بما فيها الأردن ولبنان اللذان أجبرا على استقبال تلك الأعداد، ولا هو كامن في رغبة اللاجئين في العودة. إن المشكلة قائمة في موقف نظام الأسد الذي لا يصر على استمرار الحل العسكري - الأمني الذي أدى إلى خروج السوريين من بلدهم، وما زال يتسبب بمزيد من النازحين لولا أن دول الجوار، أغلقت أبوابها في وجه الهاربين إليها من القتل والاعتقال والدمار، ولعل الأهم في هذا الجانب، أن قضية عودة اللاجئين ليست مطروحة من جانب النظام خصوصا بعد كلمة رئيسه حول «المجتمع المتجانس» الذي خلفته الحرب في السنوات الماضية، وقد أضاف الكثير من رموز نظام الأسد تأكيدهم على اعتقال وقتل كل من يعود للبلد من اللاجئين.

ولا يحتاج إلى تأكيد قول، إنه في ظل موقف نظام الأسد من قضية اللاجئين وفي القضية السورية عموماً، لا يمكن معالجة القضية خصوصاً وسط الصمت والإهمال الدولي والإقليمي المحيط بقضية اللاجئين، والاقتصار في تناولها عندما تطرح على اعتبارها قضية إغاثة ومساعدات وتمويل ليس إلا، وكلها مجرد تفاصيل يجري نقاش فيها وحولها!

========================

خيار السوريين الإجباري بعد (حميميم) بوتين

د. يحيى العريضي

 كلنا شركاء

الاحد 15/10/2017

نقلت الشرق الأوسط عن مصادر غربية بأن روسيا تنوي عقد لقاء أو مؤتمر في قاعدتها الجوية في “حميميم” السورية أواخر شهر اكتوبر/تشرين الأول/ تَجْمَعُ فيه ما سمّته جهات معارضة، وحكومية؛ وجماعات مصالحة وخفض تصعيد، لأهداف معلنة تتعلّق بـالوضع السوري العام، وخفض التوتر بين الأطراف السورية، ومناقشة الدستور، ولجان تفاوضية لمشاريع المستقبل، والتمهيد لمؤتمر شامل. اما الأهداف المضمرة أو غير المعلنة لهكذا لقاء، فتتمثل بتكريس روسيا رسمياً متصرفية سامية صاحبة القرار الفصل في الشأن السوري عامة دون الظهور بمظهر قوة الإحتلال التي تخشى أن توصَمَ بها. بموازة ذلك، تطلق روسيا رصاصة الرحمة على “جنيف” والقرارات الدولية التي تحدثت عن حل سياسي يفضي إلى عملية تغيير سياسي حقيقي في سورية. ومن ناحية ثالثة تقفز إلى الأمام بـ “أستانة” واتفاقات خفض التصعيد المنتهكة يومياً إلى تكريس وهم مفاده ان العسكرة وضعت أوزارها، وخفض التصعيد أخذ مفاعيله، والأمور في سورية بأمان؛ وما بقي إلا “بوس الشوارب” و “يا دار ما دخلك شر”.

في الجنى المباشر وطويل المدى لهكذا لقاء طي لصفحة جرائم النظام الأسدي؛ وبالمعية، طي لجرائم الحرب التي ارتكبتها موسكو؛ وكلاهما نتاج لما يسمى “سوبر” مصالحات تقول: عفى الله عمّا مضى”، تاركة جمر المأساة السورية تحت رمادها. من جانب آخر؛ موسكو، التي عبّرت عن حماسها لمؤتمر جديد للمعارضة في الرياض، يتم بموجبه توسيع الهيئة العليا للمفاوضات وتعزيزها بقوى فاعلة تجاه مفاوضات جادة نحو حل سلمي في سورية، تنسف بخطوتها المزمعة في حميم أي فرصة جادة لهكذا لقاء أوحل. وبذا تجهض أي توجه حقيقي ملتزم بثوابت الثورة السورية يلبي طموحات السوريين ويتجاوب مع تطلعاتهم للحرية والأمان والسلام. والأنكى والأوقح من ذلك رغبة موسكو وتطلعها أن تكون سورية مثلها دولة “اتحادية”؛ وكأن سورية التي شبعت قتلاً وتدميراً على يد دكتاتوريتها الإجرامية ينقصها المزيد من النموذج الدكتاتوري البوتيني. وقد تكون تلك الخطوة البوتينية في حميميم نتاج تيقّن روسي بأن الجهود المبذولة من قبلها في تشكيل أو تصنيع معارضة “روباطية” لنسف مؤتمر الرياض لم تجدِ نفعا؛ فعملت على تصميم بديل حميمي. ومع فارق التشبيه، عندما عجزت موسكو عن منع تغيير النظام، قررت تغيير الشعب أو إلغائه أو سحقه. وكما عجزت منظومة الإستبداد الأسدية والإيرانية والداعشية وبظهرهم موسكو عن سحق وتغيير الشعب السوري، ستعجز موسكو عن تغيير من التزم ثوابت ثورة أهل سورية وصوتهم وإرادتهم في الحرية والسلم والأمان وإعادة بلدهم إلى الحياة.

يتصور السيد بوتين واهماً بأن لقاء آخر الشهر في حميميم سيريح باله وسيتم إقرار الدستور الذي كتبه لسورية جاهلوه مأموروا الدكتاتورية لديه؛ وسيكرس نظام الاستبداد الذي أتى إلى حمايته، ويعيد تكريره، ويتلقى وعوداً بإعادة الإعمار؛ ثم ينطلق إلى انتخابات رئاسية روسية في مارس/أذار 2018، ويمتطي كرسي الرئاسة للمرة الرابعة. ولا أحد يدري إن كان ذلك صدى الغباء، أم عنجهية القوة، أم الوهم، أم كلها مجتمعة!! وكأن أحداً لم يخبر بوتين أن دخول المغطس السوري خاصة، ليس كالخروج منه. وكانه نسي أن من أدخل اتحاده السوفييتي المغطس الأفغاني، هو ذاته الذي أدخله المغطس السوري. الفارق الوحيد الأساسي هو العامل الإسرائيلي الأشد حرارة مما كان عليه أيام إفغانستان. والمثال البسيط على ورطته التكتيكية توريطه السيد “سيبان حمو” وإغرائه له بأنه سيسعى لدى “نظام الأسد” بقبول الفدرالية. من جانب آخر، لا أحد يعرف ما سيفعله به الأمريكييون عندما يعرفون بأنه ينسق مع الروس.

جوهر المأساة البوتينية يتمثل بإبقاء منظومة الأسد. وأي أمر آخر ثانوي. والمستغرب أن  بوتين بكل خبثه غير الخالي من الذكاء لا يزال يكابر، ولم يتيقن بعد أن ذلك مستحيلاً. وحتى يزيل عن مغامرته الاستحالة على بوتين أن ينجز الأمور التالية قبل مؤتمر حميميم، خلاله، أو بعده. إن استطاع بإمكانه الإحتفاظ بمنظومة الأسد إلى متى شاء:

* بعد تنظيف أجهزة المخابرات الأسدية من أولئك المتورطين بدماء السوريين، تحويل تلك الأجهزة إلى قوى شرطية مهمتها أمن المواطن وتطبيق القانون. * إطلاق سراح المعتقلين فورياً؛ وقضية هؤلاء مسألة فوق التفاوض. * إخراج الميليشيات الإيرانية من سورية. * إلغاء كل الاتفاقات الإذعانية التي باع الأسد البلد من خلالها لحماية كرسيّه؛ وحصر الاتفاقات بحكومة منتخبة. * إلغاء الأحكام والقوانين التي أصدرتها منظومة الاستبداد منذ آذار عام2011 . * الموافقة على تشكيل لجان تحقيق بجرائم الحرب المرتكبة في سورية وإصدار قرار من مجلس الأمن بخصوص ذلك. * إشراف قوى ردع ومراقبة دولية على تطهير سورية من الإرهاب قوامها  من انشق عن الجيش ومن بقي نظيف اليد من دماء السوريين. هل يستطيع السيد بوتين أن ينجز ذلك في حميميم أو غيرها؟ إن استطاع وفعل، ستُرفع له قبعات العالم وعلى رأسهم السوريين الذي ذبَحَهم مسامحين. الواقع لن يستطيع؛ حتى ولو أراد.

العالم تغيّر سيد بوتين! جدران الخوف والصمت السورية سقطت. منظومة الاستبداد سقطت وشبعت سقوطاً. هي باقية الآن بفعل روسي إيراني؛ فإن اختار الروس والإيرانيون البقاء، فمع قلة السلامة. ألف شاب سوري، ضمن مجموعات عداد كل منها خمسة، سيجعلون بوتين ينسى إسمه؛ وخامنائي يأكل لحيته، وأشلاء منظومة الإستبداد تتبخر. لتعقد ما تشاء من مؤتمرات سيد بوتين؛ فلن تكون قيمتها حذاء طفل سوري يريد الحرية الأمان والمستقبل الذي لا يشبه الدولة الاتحادية التي ترأس أو الدولة السورية الاتحادية التي تبشر السوريين بها. في حميميم، بتصورك سيد بوتين ستكون نهاية الثورة السورية؛ ولكن ذلك سيكون الحافز لولادتها من جديد. لتبقى كل منظومات المعارضة السياسية والعسكرية تعمل، وتعبث كما تشاء؛ ولكن هؤلاء الألف سيعيدوا الحياة لسورية، التي لا تريد انت وغيرك، بل يريدها أهلها الحقيقيون؛ وخاصة ذلك الطفل السوري الذي حدثتك عنه. إنه خيار السوريين الإجباري والوحيد.

========================

لا سلام معه

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 14/10/2017

تعتقد قطاعات واسعة من السوريين أن النظام الدولي تراجع إلى درجة خطيرة، ما يعود إلى سلوكه الملتبس، ثم الرافض ثورتهم من أجل الحرية، على الرغم من أنها تبنّت قيما وأهدافا تتفق وتأسيس نظام ديمقراطي يصون السلام العالمي، ومصالح منظمات الشرعية الدولية وقيمها، ويتكفل بحماية حقوق الأفراد والجماعات والشعوب، ويفتح أبواب العالم أمام التجارة وتبادل المنافع، ويلتزم بقوانين إنسانية، يعطيها الأولوية.

ويؤمن سوريون كثيرون أن العالم سيسقط بين يدي نظام دولي مجاف للنظام الذي تم إنشاؤه بعيد الحرب العالمية الثانية، وأن النظام الجديد سيقلص دور السياسة، ويعتمد القوة أداة لتحقق الدول الكبرى مصالحها، والدليل ما يفعله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في سورية اليوم، وما فعله في أوكرانيا وأبخازيا أمس، وما بدأ ترامب يفعله في سورية والعراق وأفغانستان، وكذلك ما أبدته الولايات المتحدة وروسيا من تساهل ثقيل الكلفة، وغير أخلاقي حيال بشار الأسد الذي تعرفان جيدا دوره الموثق في تشكيل تنظيمات إرهابية، وما ارتكبه من جرائم ضد شعب"ه" الأعزل، واستقدامه مرتزقة محترفين لقتل مواطني"ه" الآمنين. ودعاه إلى احتلال سورية من حرس إيران الثوري، بينما رفض أي مصالحة وطنية أو حل سياسي، وأصر على حل عسكري، واستخدم جميع أنواع الأسلحة لتحقيقه، وفي مقدمها المحرّمة دوليا، وقتل مئات آلاف الأطفال والنساء بدم بارد، ثم عقد اتفاقيات تفرّط بالسيادة الوطنية وتعيد الاستعمار إلى سورية، طرفاها الآخران، روسيا وإيران اللتان سيرابط جيشاهما فيها إلى نصف قرن، على الرغم مما يثيره وجودهما في مناطق استراتيجية من البحر المتوسط، وعلى حدود العراق والأردن وتركيا، من مشكلاتٍ تتحدّى السيطرة عليها قدرات شعب تعرّض لمئات المجازر، وقتل ودمر عمرانه، فضلا عن الأزمات الدولية المشحونة بمخاطر تهدّد الشرق الأوسط بأسره، وحوض المتوسط وأوروبا.

واليوم، يقال إن العالم يريد أن يقبل السوريون بقاء بشار الأسد رئيسا لهم، على الرغم من أنه لم يترك جريمة سياسية أو إنسانية إلا وارتكبها ضدهم، وفعل بهم ما لم يفعله أحد قبله. هناك من يريد إبقاء الأسد، ضاربا عرض الحائط بملايين السوريين الذين تظاهروا سلميا عاما ونيفا من العام، للمطالبة بإخراجه من حياتهم، وربطوا حريتهم برحيله عنهم. ويعتبرون اليوم أيضا وجوده في وطنهم اعتداء صارخا على حقهم في الحياة، وحق أطفالهم في سقف فوق رؤوسهم، ومدرسة تعلمهم، وفرصة عمل يتعيشون منها، بعد إنهاء دراستهم، وحياةٍ آمنةٍ في وطن تحميهم قوانينه، وتقدّم لهم ما يليق بإنسانيتهم من احترام وعدالة وكرامة.

هذه الرغبة الشيطانية في الإبقاء على الأسد، يسوّغها أصحابها بعدم وجود بديل له! هل يصدّق عاقل أنه ليس هناك بديل لسفاح يقتل شعبا يحمل مئات الآلاف من بناته وأبنائه شهادات دراسية عليا، وتعجّ صفوفه بإداريين متميزين، ومثقفين مبدعين، وقانونيين مفوهين، بينما تبلغ نسبة فئاته البينية، المنتجة والمتعلمة، بين ستين وسبعين بالمائة من أبنائه؟ وهل يصدّق عاقل أن شعبا شارك في تأسيس الحضارة البشرية، تعداده 24 مليون مواطن، يخلو من بديل لمستبد قاتل، وعد السوريين بإصلاح أوضاعهم، قبل تسليمه الرئاسة وبعيده، وعندما ذكّروه بوعوده، انقضّ عليهم بكل ما في ترسانته من سلاح، وهدم بيوتهم على رؤوسهم؟

لنفترض أنه لا يوجد حقا بديل للأسد، هل يعطيه هذا الحق في رئاسة شعبٍ يرفضه، وقدم مليون شهيد خلال سبعة أعوام، كي يتخلص منه؟ أليس الحل المنطقي أن يتم البحث عن حل لمشكلته، بدل جعله المشكلة هو الحل؟ ألم يسبق للعالم أن وجد حلولا لمشكلةٍ كهذه في أكثر من مكان، خصوصا أن النظام الرئاسي الأسدي، الاستبدادي ألف بالمائة، لن يستمر كما يقال لنا؟ ألا يثير الاستغراب والإدانة أن يكون نظامه راحلا وهو باق، وأن يبقى بعد أن قتل وجرح وشوه واعتقل وعذب ملايين السوريين، دفاعا عن نظامه الاستبدادي، ولمنع قيام بديله الديمقراطي على انقاضه؟

من غير الجائز أن تكون هناك شرعية لقاتل، ومن غير المقبول ثوريا الامتناع عن فعل كل ما هو ضروري لتوفير مستلزمات رحيله التي لا بد أن تتعدّى، من الآن فصاعدا، المطالبة الكلامية به، إلى إقامة ظروف وأوضاع تجعل رحيله حتميا. هذا ما علينا فعله، لمنع العالم من أن يستمر في الاستهانه بنا.

========================

كفاكم عبثاً وارفعوا أيديكم عن الشعب السوري!

خليل المقداد

القدس العربي

السبت 14/10/2017

منذ انطلاق ثورة الكرامة والشعب السوري المسلم، يتعرض لمختلف أنواع القتل والتهجير وعمليات التطهير العرقي والطائفي، ويواجه محاولات مستميتة لتركيعه وفرض سياسة الأمر الواقع عليه، يحدث كل ذلك خدمة لهدف الإبقاء على النظام المجرم وحماية مؤسساته القمعية من أمنية وعسكرية، هذه المؤسسات المافياوية التي تغولت بدماء وممتلكات الناس وحرماتهم.

لقد فشلت كافة محاولات تركيع الشعب السوري، حتى مع كل التكالب الدولي والإقليمي، ودعمه اللامحدود لنظام الأسد المجرم، وما صاحبه من تدخل إيراني واستجلاب للميليشيات الطائفية العابرة للحدود، وما تلاه من تدخل عسكري روسي مباشر، ثم لاحقا تدخل التحالف الدولي، الذي ارتكب بدوره أبشع أنواع المجازر الجماعية بحق المدنيين العزل، ودمر ما تبقى من مدن سورية، بحجة محاربة الإرهاب والتطرف، لكنه في حقيقة الأمر تدخل دعماً لإرهاب نظام الأسد الأقلوي الطائفي.

الصمود الأسطوري لهذا الشعب، قابله ممارسة لعبة المماطلة والتسويف وكسب الوقت لصالح المجرم، وإعطاؤه الوقت الكافي للإجهاز على أي مقاومة، فكانت عملية شراء الضمائر وتنصيب ممثلين وهميين للشعب والثورة، واستغلالهم في عملية المفاوضات الوهمية المبنية على مخرجات بيان جنيف-1 الذي دخل فصله الثامن، دون أن ينجح في إطلاق سراح معتقل واحد أو فك الحصار عن بلدة محاصرة.

لقد جعلت القوى الدولية والإقليمية من مؤتمرات جنيف وفيينا وأستانا وغيرها، وسيلة لتحقيق مصالحها وبسط نفوذها وهيمنتها على قرار السوريين، دون أن تكون لديها الرغبة في إيجاد حل حقيقي وجذري، يوقف المأساة ويضع حدا لسفك الدماء، بل على العكس فإنها اتبعت سياسة الإستقطاب التي أدت لشرذمة سوريا الوطن والإنسان وفتحت الباب واسعا على المزيد من التناحر وسفك الدماء، وشجعت المتسلقين وعملاء النظام على اختراق الثورة باسم منصات المعارضة، التي يتبع بعضها روسيا وإيران بينما يتبع البعض الآخر نظام الأسد.

من المحزن جداً أن نشاهد تضحيات السوريين تذهب هباء من خلال المتاجرة بها تارة، أو تمييعها تارة أخرى، الأمر الذي بات يحتم على كافة الأحرار الرافضين للتسويات المذلة، الأخذ بزمام المبادرة ورفض كافة أشكال الهيمنة والوصاية، أو تسويق وإعادة إنتاج النظام المجرم باسم التسوية، التي ستكرس بقاءه، ونبذ ما تم فرضه من أشخاص أو منصات وتشكيلات عسكرية، أسهمت بشكل أو بآخر في تبديد الإنجازات التي تحققت بتضحيات الشهداء وتسببت بالإنتكاسات التي تعرضت لها ثورتنا.

تمييع تضحيات الشعب السوري، واختزالها بمسألة الحرب على الإرهاب، وتجييش الفصائل لهذا الغرض وحرفها عن مسارها، أمر مرفوض، فحربنا هي مع نظام الأسد المجرم، وبالتالي فشعبنا ليس معنياً بأي حروب أو معارك جانبية، تستنزف الدماء والإمكانيات، لأن الإرهاب الحقيقي هو إرهاب نظام الأسد وداعميه من عرب وعجم.

الشعب السوري ليس سلعة تتقرب بها الأنظمة العربية والإقليمية للدول الكبرى، كي تنال حظوة لديها أو تعزز موقفها في الملفات الإقليمية وصراعاتها البينية كما تفعل أنظمة الإمارات والسعودية ومصر اليوم، فالسوريون أصحاب قضية عادلة محقة وليسوا أتباعا أو قطعان ماشـية، يمكن أن تتم إعادتهم لحظيرة الأسد، من خلال جـمع وتوحـيد المعارضـات الوهـمية الكـاذبة من سـياسية وعسـكرية، واستـخدامهم للتسـويق لنظـام الأسـد.

إن الدور المشبوه الذي تمارسه بعض أنظمة المنطقة، من خلال الضغط على السوريين وإجبارهم على العودة لحظيرة الأسد، قد جعل من هذه الأنظمة الوظيفية عرابا لمشاريع التقسيم والهيمنة الجديدة على المنطقة العربية، وهم يفعلون هذا إرضاءً لصناع القرار الدولي، وتثبيتاً لأنظمة حكمهم.

من المهم جداً أن يستوعب الجميع حقيقة أن الشعب السوري لن يتنازل عن مطالبه بإسقاط نظام فاجر، ومحاسبة القتلة الذين أجرموا بحق الإنسانية جمعاء، الأمر الذي يحتم على كافة الأطراف المنخرطة في الشأن السوري، أن يستوعبوا هذه الحقيقة ويرفعوا يدهم عنه، ويتوقفوا عن العبث بحاضره ومستقبله ودماء أبنائه، وأن يسمحوا لهذا الشعب أن يختار ممثليه وشكل ونوع نظام الحكم الذي يرغب به.

لن يكون هناك حل أو تسوية ما لم يسقط هذا النظام وتتم محاكمة المجرمين، لهذا ينبغي على كافة السوريين المخلصين لقضيتهم، الرافضين للتسويات المذلة، من مدنيين وعسكريين، ورجال علم واقتصاد وسياسة وإعلام، التحرك الفاعل ورفع الصوت عالياً والإنتقال من مرحلة رد الفعل إلى الفعل والتأثير، وصولاً لفرض إرادة وموقف حقيقيين، يجبران كافة الأطراف والقوى على احترام إرادة شعب فجر أعظم ثورة عرفها التاريخ الحديث.

إن رفض كافة أشكال الهيمنة على قرار ومقدرات شعبنا، يعني بالضرورة رفض كل ما ترتب على هذا العبث من مقررات وتفاهمات ومنصات، لكن وفي الوقت نفسه، فإنه ينبغي الترحيب بأي جهد حقيقي يهدف للم شمل السوريين وتوحيدهم دون شروط وإملاءات، فقد كانت أهدافنا واضحة منذ البداية تتمثل بإسقاط منظومة الحكم الأسدي الأمنية والعسكرية، تحرير سوريا من كافة أشكال الاحتلال الخارجي، إقامة دولة العدل والمساواة والسماح بحرية الرأي والمعتقد، واحترام رغبة الأكثرية في اختيار شكل ونوع نظام الحكم الذي يرغبون به.

تحقيق أهداف ثورتنا يحتم علينا التحلي بالوعي وعدم الإنجرار لرغبات الآخرين، ورفض الإقتتال الفصائلي وعدم الإنخراط في حروب وأجندات خارجية، تهدف لجعل الدم السوري وقوداً لحروبها وصراعاتها، ومن حقنا على من نعتبرهم أشقاء وإخوة في العقيدة والدم أن يكونوا مصدر دعم ومساندة، لا أداة هدم وتخريب وتركيع وشرذمة، ولا فرض مشاريع وأجندات ظالمة على الشعب السوري، الذي بات بين نارين صديق يتجهمه وعدو ملك أمره، فكفوا أيديكم وتوقفوا عن العبث بدماء ومستقبل شعوبنا وأوطاننا!

========================

لماذا استخدم النظام كرة القدم لدق الأسافين بين السوريين؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 14/10/2017

وكأن السوريين كانوا بحاجة لمزيد من المحرضات كي يزدادوا فرقة وتشرذماً وتشظياً وانقساماً. ألا يكفيهم أن النظام استخدم السلاح الطائفي والمناطقي منذ الأيام الأولى للثورة كي يزيد الشروخ الداخلية، ويعّمق التناقضات بين مكونات الشعب ليحكم السوريين على مبدأ: فرق تسد.

غالبية السوريين باتوا متأكدين أن شعار «المسيحي على التابوت، والعلوي على بيوت» في الأيام الأولى للثورة كان من صناعة المخابرات السورية حصراً لتحشيد الأقليات كي تلتف حول النظام، فراح يخوّفها من المسلمين السنة، ويدق الأسافين بين السوريين كي يتفرقوا ويتقاتلوا فيما بينهم بدل أن يواجهوا النظام. وكيف ننسى كيف نشرت المخابرات السورية شريطاً وزعته على نطاق واسع في ذلك الوقت لشيخ مسلم يُدعى الخليلي ادّعى فيه أنه من مدينة درعا، وراح يهاجم في الشريط أهل السويداء جيرانه الموحدين الدروز، ويشتم نساءهم كي يستفزهم ضد جيرانهم أهل درعا المسلمين. وقد عمل النظام المستحيل كي يزرع الضغينة والبغضاء في المنطقة الجنوبية بين أهل السويداء وأهل درعا، فلجأ إلى عمليات الخطف التي كان يرعاها وفيق ناصر شخصياً في السويداء ودرعا، فكان يخطف من درعا، ويخطف من السويداء، كي يشتبك أهالي المدينتين فيما بينهم وينسوا الثورة.

ومن أخطر الوسائل التي اتبعتها المخابرات السورية أنها كانت تقول لشبان مدينة السويداء كي تقنعهم بالقتال ضد الثوار في درعا المجاورة: «يجب أن تذهبوا إلى درعا لتقاتلوا الإرهابيين الإسلاميين الدرعاويين الذين يريدون أن يهاجموا السويداء ويحتلوها». وكيف ننسى تصريحات بثينة شعبان في الأيام الأولى عندما وصفت مجموعات من الشباب الثائر الأعزل في الساحل السوري بأنهم إسلاميون إرهابيون، والهدف طبعاً تأليب الطوائف على بعضها البعض هناك وتخويف الأقليات كي تقف مع النظام.

لقد كانت سياسة شيطانية بامتياز لم يلجأ إليها حتى الاستعمار الفرنسي القذر كي يفرق السوريين. لقد تفوق النظام «القومجي الوحدوي» بين قوسين طبعاً حتى المستعمر في استخدام سلاح التفرقة ضد السوريين كي يسيطر عليهم، ويلعب على تناقضاتهم من أجل التحكم بهم والتلاعب بمصيرهم.

لا عجب إذاً أن النظام استخدم كرة القدم كي يزيد من الشروخات بين السوريين ويفرقهم على أسس جديدة. إن من استغل السلاح الطائفي القذر لتمزيق سوريا وتشتيت شعبها وضربه بعضه ببعض لن يتوانى عن استغلال سلاح الرياضة كي يستمر في تعميق الأحقاد والضغائن ودق الأسافين بين الشعب السوري. لقد لاحظ الصغار قبل الكبار كيف استثمر النظام مبارة الفريق السوري مع فريق استراليا كي يفرق السوريين ويثيرهم على بعضهم البعض. بين ليلة وضحاها صار نظام القتل والإجرام الذي قتل مئات الرياضيين وسجن الآلاف منهم، صار فجأة راعياً للرياضة والرياضيين، فنسي كارثة الحرب وراح ينصب الشاشات العملاقة في الساحات والميادين، ويستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتحشيد مؤيديه كي يشجعوا الفريق الأسدي أولاً لإلهاء السوريين عن كارثتهم الرهيبة، وثانياً كي يوهمهم بأنه بات مسيطراً، وثالثاً وهو الأهم كي يستثير ملايين السوريين المعارضين على المؤيدين الذين سيشجعون الفريق الأسدي والعكس صحيح. وقد نجح في ذلك نجاحاً باهراً، فقد تحولت مبارتا الفريق الأسدي مع إستراليا إلى حرب داحس والغبراء بين المؤيدين والمعارضين، وصارت عنواناً لسوريا الجديدة المنقسمة على ذاتها. فبينما ناصر مؤيدو الأسد الفريق الأسدي، ناصر الكثير من المعارضين الفريق الاسترالي، وتمنوا أن يفوز على فريق الأسد. وبينما فرح الكثير من المعارضين بهزيمة الفريق الأسدي، سادت حالة من الحزن الشديد في أوساط المؤيدين الذين ذرفوا دموعاً غزيرة على هزيمة الفريق الأسدي، أبكتهم خسارة فريق الأسد لكرة القدم ولم يُبكهم 1500 طفل استشهدوا على مسافة لا تبعد عنهم عشرة كيلومترات بِالسلاح الكيماوي، ولم يُبكهم ملايين المُهجرين والمُشردين ومئات الآلاف من الشُهداء والمُعتقلين والجرحى.. يا هيك اللحمة الوطنية يا بلاش.

وكي يزيد الطين بلة ضغطت المخابرات السورية على بعض اللاعبين أن يرفعوا صور الأسد ويمتدحوه على الشاشات، مما جعل الفريق يبدو في عيون بقية السوريين أنه ليس فريق سوريا الوطن بل فريق الأسد القاتل. وقد ارتكب رئيس الفريق غلطة فادحة عندما خرج على الهواء ليقول إن الفريق الذي لعب مع استراليا هو فريق ما يسمى بالسيد الرئيس، مع العلم أن هذا الرئيس لا يمثل إلا مؤيديه، بينما يعارضه أكثر من ثلثي السوريين، وخاصة الاثني عشر مليوناً الذين صاروا إما نازحين أو لاجئين. وهذا من شأنه طبعاً أن يرش الملح على جروح السوريين المكلومين بدل مداواتها. بعبارة أخرى بدل أن يستخدم النظام هذه المناسبة الوطنية لجمع السوريين على كلمة سواء استغل كرة القدم كي يزيد في أحقادهم وصراعاتهم وضغائنهم.

من المعروف أن كل فرق كرة القدم في العالم تلعب باسم أوطانها باستثناء فريق كرة القدم السوري، فقد لعب باسم بشار الاسد، مما جعل الكثير من السوريين يقول له: «أي طز فيكم وطز بفريق الاسد». لماذا من حق رئيس فريق كرة القدم السوري ولاعبيه أن يقولوا إنهم فريق السيد الرئيس بشار الاسد، وليس من حق ملايين المعارضين أن يقولوا له: «طز فيك وبالأسد وفريقه وطز تلحق بكل واحد شايف الوطن بفريق الاسد»، يصيح معلق سوري؟

ألا تعلمون أن المنتخبات الرياضية تلعب دائماً لترفع اسم أوطانها وليست مؤسسة لتلميع صورة فلان وعلان، يجادل معلق سوري: «أظن وليس كل الظن اثماً أن المنتخب السوري لعب بقلب مليء بحب الوطن، لكن نظام البعث السخيف قزّم دوره، وجعله مؤسسة كطلائع البعث أو شبيبة الثورة أو اتحاد الطلبة، وزعزع ثقة اللاعبين بين إنجازهم للوطن أو خدمة لتلميع الاشخاص…

وبين التلميع والتمييع فقدنا فرصة كان يمكن أن تُستثمر لإعادة بناء وطن منهك».

عندما يلعب فريق كرة قدم باسم الوطن سيسانده بلا شك كل أبناء الوطن، وعندما يلعب باسم شخص، حتى لو كان رئيساً، فسوف يقسّم الوطن إلى أقسام، وهذا، على ما يبدو، ما يريده بشار الاسد ونظام التفرقة الطائفية والمناطقية. لقد كانت مشاركة فريق الأسد في تصفيات التأهل لكأس العالم مناسبة كارثية زادت من الفرقة والتشظي بين السوريين تماماً كما خطط له النظام «القومي» في دمشق الذي كان يرفع دائماً شعار الوحدة العربية ظاهرياً، بينما يدق الأسافين بين أفراد العائلة السورية الواحدة. وسلامتكم.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

========================

ليس كل مايُعلم يقال ! فكيف بالذي يضر ولا ينفع !؟ .. يحيى حاج يحيى

من أدب النبوة : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيراً ، أو ليصمت !

التعليقات السلبية ،والهجومية ، والاستفزازية ، لا تأتي بخير !؟

للذين يلقون كلامهم بلا حساب ، عليهم أن يتذكروا بأن الكلمة مسؤولية ، والكلمة الطيبة صدقة كما قال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم !

ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أن الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان له مذهب في المداراة ، ومن أقواله : إني لأدخل ُ على أحدهم - وليس أحد إلا فيه محاسن ومساوئ - فأذكر من محاسنه ، وأُعرض عما سوى ذلك !!

يقول أحد الصالحين في وصاياه  : تجنّبْ غيبة الأشخاص ، وتجريح الهيئات ، ولا تتكلم إلا بخير !!

نحن في سورية _ اليوم - نحتاج إلى الإكثار من الأصدقاء الذين يتعاطفون مع قضيتنا ، والإقلال من الأعداء ، أو تحييدهم على الأقل ! ونحتاج إلى الفعل الحسن والقول الحسن ( وقولوا للناس حُسنا ) !!!

============================

رسالة إليه : نحن أقوياء بكم ! .. يحيى حاج يحيى

إلى الأخ الحبيب ، الذي بترت رجلاه ، وكتب بعد خروجه من المستشفى : سأواجه العالم من منظور ضعيف الآن !؟

المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلٍ خير ! لست ضعيفاً ! وأنت في مشوارك الجديد مع الحياة !

الأخ الحبيب وابن الأخ الحبيب ، والتلميذ الوفي ! لاأخفي عليك وأنا أتهيأ لزيارتك أول مرة ، كم كنتُ مضطرباً ومتحيراً !؟ كيف ألقاك ، وماذا أقول لك ! وبماذا أرفع من معنوياتك - حسب زعمي وتصوري - فإذا أنت الذي نحتاج من أمثاله لترميم نفسياتنا ، ولتأجيج حميتنا !؟

عندما فجر المجرم الهالك حافظ بحق الشعب السوري في انتفاضة الثمانين ، ونكص من نكص على عقبيه ، كانت خواطر الضعف البشري تجتاحنا لتقول لنا : هل نرى جيلا ًكالذي تربى في محاضن الجهاد والدعوة ، وقد غدا شبابنا بين مطارد وسجين وشهيد !؟ ولكن إرادة الله شاءت أن تنبت نابتة من الشباب  ، تحمل اللواء وتمضي ، مشاربهم شتى ، وهدفهم واحد : إسقاط الطاغوت في صورته الباطنية ، والانتصار للإسلام !

سبقت قدماك إلى الجنة ، وبقيت إرادتك وعزيمة الإيمان !

أخي أبا هاشم : كلما كنت أذهب لزيارتك في المستشفى ، كُنتُ والله يعلم ، أعود وأنا أكثر استبشارا وأملا ً، بأن المستقبل لهذا الدين ،،كما عنون سيد شهداء العصر لأحد كتبه !

=============================

الروس وسوء طالعهم  .. يحيى حاج يحيى

لم ينصح الروس أحداً ، أو زعموا أنهم يحمونه ويقفون معه إلا خربوا بيته وأنهوا وجوده 

 دعموا الأكراد في إيران فأعلنوا جمهورية مهباد ، ولم تمضِ شهور إلا كانت النهاية قتلاً وتشريدا !؟

و نصحوا عبد الناصر بعدم ضرب كيان الصهاينة ، فسبقوه ، وحطموا جيشه ، ( وأدرك ذلك السادات فطردهم شر طردة )!؟

ووقفوا إلى جانب صدام ، ليبيعوه بأرخص الأثمان 

 واستعز بهم القذافي فكانت نهايته كما رأينا !؟

وحاربوا مع عملائهم في أفغانستان فغرقوا ، وعُلقت مشنقة نجيب الله في كابل !؟

سوء طالعهم قد يكون فيه حسن طالع للسوريين ، بوقوفهم ودعمهم للبائس بشار 

=============================

آذار وبحار الدم - الحلقة (27) .. تعميم حول قرار فصل بعض العناصر من القطر العراقي

واستقالة صلاح البيطار من الحزب .. محمد فاروق الإمام

بتاريخ 17 كانون الأول 1966م، أصدرت القيادة القومية تعميماً جاء فيه:

(لم يكن الصراع الذي عاشته القواعد الحزبية مع العقلية اليمينية والوصاية مقتصراً على المنظمة الحزبية في القطر السوري وإنما كان يشمل غالبية المنظمات الحزبية في الوطن العربي.. وإذا كانت حركة 23 شباط والمؤتمر القطري الاستثنائي بتاريخ 10/3/1966م، والمؤتمر القطري العادي الثالث قد حسمت هذا الصراع في منظمة القطر السوري.. فإن المؤتمر القومي التاسع قد أكد في قراراته الواضحة ضرورة وضع حد نهائي لتسلط أصحاب هذه العقلية على مستوى الحزب بأكمله.. وتحقيق الفرز العلمي لها وبترها وإلى البد من جسم الحزب.. هذا الموقف الذي تمليه وحدة الحزب القومية الفكرية والسياسية والتنظيمية.. والذي يضع حداً نهائياً لحالة الميوعة والانقسام داخل الجهاز الحزبي.. الذي جعل الحزب الواحد وكأنه مجموعة أحزاب.

كما أكد المؤتمر بأن بقاء تلك العناصر بما تحمله من تناقضات ورواسب عشائرية وتخلف فكري وتسلط على المنظمة سوف يعرّض الحزب إلى التخريب والتمزق.. الأمر الذي يعيق تطور الحزب ويفقده القدرة على تحقيق القضية التي يناضل من أجلها.

كما أكد المؤتمر بأن المعركة بأن المعركة التي خاضتها قواعد الحزب مع العقلية اليمينية خلال تاريخ طويل لن يكتب لها النصر بكامل أبعادها ما لم تستأصل ركائز تلك العقلية التي عشعشت طويلاً في جسم الحزب.

وانطلاقاً من مقررات المؤتمر القومي التاسع وترسيخاً لها في ضرورة تحقيق الفرز العلمي وبتر العناصر اليمينية والعشائرية الموالية لعفلقوالبيطار.. وغير الملتزمة بقرارات الحزب.. فقد قررت القيادة القومية بجلستها رقم (13) المنعقدة بتاريخ 17/12/1966م، إعلان فصل العناصر التالية أسماؤهم من منظمة الحزب في العراق:

(أحمد حسن البكر التكريتي، وصالح مهدي عماش، وصدام حسين التكريتي، ويحياوي التكريتي، وعبد الخالق السامرائي، وكريم الشيخلي، ومرتضى الحديثي).

القيادة القومية

كما نشر الأستاذ صلاح الدين البيطار بعد 23 شباط 1966م - بعد هربه من سورية ولجوئه إلى لبنان - بياناً أعلن فيه انسحابه من حزب البعث العربي الاشتراكي.. نشرته جريدة (الجريدة) البيروتية يوم 10 تشرين الثاني 1967م جاء فيه:

(ليسوا قلة أولئك الذين يعرفون أني ابتعدت منذ مدة غير قصيرة عن حزب البعث العربي الاشتراكي.. وعن جميع قياداته ومؤسساته.. ولاسيما بعد الثامن من آذار.. ففي أيلول من ذلك العام؛ وعند انعقاد مؤتمر الحزب السادس.. أدركت أبعاد الخطة ضد الحزب.. ضد حقيقته وأصالة تاريخه.. وضد بنيته الداخلية وتنظيمه القومي.. وضد قادته الذين يمثلون قيمه.. تلك الخطة التي اتخذت من رغبة عامة في تجديد الحزب سبيلاً لإقامة حزب جديد. لقد كنت أول من حذر إلى حتمية سقوط الحزب في متاهات الفكر والسياسة والتنظيم.. ولكن تحذيري لا يعني تبرئة نفسي من حملي نصيبي من المسؤولية).

(لقد عدت إلى رئاسة الحكومة مرتين فيما بعد.. وقد كانت المحاولة الأولى عقب حوادث حماة ودمشق (قصف جامع السلطان في حماة ودخول الدبابات حرم الجامع الأموي في أيار عام 1964) ولم تدم أكثر من أربعة أشهر عندما طوح بالحكومة التي كنت أرأسها. وكانت المحاولة الثانية في أواخر كانون الأول عام 1965م بعد حل اللجنة العسكرية.. وعقب حل القيادة القطرية.. ويومئذ توليت رئاسة الحكومة وأعلنت في بيان أذعته على الشعب ضرورة انكفاء الجيش عن المواقع السياسية.. وضرورة عودته إلى عسكريته.. وضرورة عودة الحزب إلى الشعب وإلى حقيقته القومية الجماهيرية.. غير أن الانقلاب الذي وقع في 23 شباط 1966م قضى على هذه المحاولة).

(وبعد تحليل موضوعي للأحداث التي أعقبت نكسة الثالث والعشرين من شباط ونكبة الخامس من حزيران رأيت الواجب القومي يفرض علي أن أعلن استقلالي عن حزب البعث العربي الاشتراكي بجميع منظماته وقياداته على مختلف أشكالها وألوانها).

(إن النكبة القومية (نكبة هزيمة حزيران) لم تكشف عن عجز حزب البعث وحده.. فالأحزاب والمنظمات العقائدية الأخرى لم تكن أحسن خطاً).

محاولة انقلاب 8 أيلول 1966م

قام بهذه المحاولة مجموعة من الضباط البعثيين يتزعمهم الضابطان (سليم حاطوم - عضو اللجنة العسكرية التي خططت ونفذت انقلاب 8 آذار 1963م - وطلال أبو عسلي).

وقد أخفقت هذه المحاولة وتم إبعاد فئة كبيرة من الضباط البعثيين الذين يدينون بالولاء لهذين الضابطين.

يتبع

=============================

آذار وبحار الدم - الحلقة (28) .. حافظ الأسد يطلق رصاصة الرحمة على حزب البعث .. محمد فاروق الإمام

بعد هزيمة حزيران 1967م، طُرحت بإلحاح قضية محاكمة الضباط الذين يتحملون مسؤولية هذه الهزيمة العسكرية، وكان في مقدمتهم وزير الدفاع حافظ الأسد، الذي أصدر قراراً بسقوط القنيطرة عاصمة الجولان قبل دخولها من قبل القوات الصهيونية.. وإصداره أمراً للقوات المسلحة بالانسحاب الكيفي من الجولان (موقف حافظ الأسد هذا يذكرنا بموقف حسني الزعيم الذي قاد أول انقلاب عسكري في سورية عام 1949م عندما أحس أنه سيتعرض للمساءلة القانونية تجاه الفساد التمويني وصفقات الأسلحة القديمة والمستهلكة التي أبرمها.. فقام بتنفيذ انقلابه.. وهذا ما حصل بالفعل مع حافظ الأسد عندما أحس أنه سيتعرض للمساءلة عن هذه الهزيمة وسيدان على نتائجها المأساوية فسارع وقام بحركته الانقلابية على رفاقه).

وقد أدت هذه القضية إلى ظهور تيارين كبيرين يمثلهما كل من وزير الدفاع حافظ الأسد والأمين المساعد للحزب صلاح جديد.

الأول يحمل لواء الدفاع عن وحدة الجيش والدفاع عن الضباط المتهمين بالإهمال في تحمل مسؤولياتهم. وقاد الأسد في وجه المعارضين والمهاجمين للجيش.. حركة واسعة بين صفوف العسكريين.

الاتجاه الثاني يقوده اللواء صلاح جديد.. وكان يستمد قوته الأساسية من تأييد الحزب له ومنظماته النقابية.

وهكذا فإن الصراعات الداخلية بين هذين التيارين طوال مدة أكثر من ثلاث سنوات تحولت بسرعة إلى صراع صريح وعلني بين الجيش والحزب.

فحافظ الأسد كوزير للدفاع استطاع أن يكسب إلى جانبه تأييد معظم الوحدات العسكرية.. في حين أن صلاح جديد قد ثبّت مواقعه في الحزب ومنظماته الجماهيرية. وقد انفجرت الحرب بين هذين الاتجاهين المحددين على هذه الصورة.

وفي المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي لحزب البعث الذي عقد في دمشق في أوائل تشرين الثاني 1970م، اتخذ أعضاء المؤتمر المذكور جانب الأمين العام المساعد.. وأيدوا بشكل إجماعي قراراً بفصل كل من وزير الدفاع حافظ الأسد، ورئيس أركان الجيش مصطفى طلاس، وقائد العمليات العسكرية عبد الغني إبراهيم، وقائد سلاح الطيران ناجي جميل.

ولم تتأخر ردة الفعل عند حافظ الأسد.. الذي يعد العدة لحركته.. فقد قام في 16 من الشهر نفسه.. يدعمه أنصاره العسكريون.. بحركته ضد الحزب وضد تيار صلاح جديد. وأطلق على حركته اسم (الحركة التصحيحية). وهكذا أصبح الحزب بكل تنظيماته وقياداته على مختلف المستويات تتبع القيادة الجديدة.. حيث تم اعتقال عدد كبير من خصوم الحركة.. في حين فرَّ عدد آخر إلى خارج القطر.

يتبع

=============================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com