العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22-03-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

شخصيات تركت بصمتها في ذاكرة الثورة السورية.. احكِ لأطفالك عنها

تمام أبو الخير

نون بوست

الخميس 19/3/2020

لا يحب السوريون الحديث عن "ذكرى الثورة السورية"، بدلًا من ذلك يتحدثون عن ذكرى انطلاقتها، بكثير من الدفء والحنين والعاطفية، كما يحنّ الواحد إلى طفولته، إلى الأشياء الجميلة فيها، صرخات الحرية الأولى التي ما يزال الأدرينالين الذي تدفق حينها ينسكب حتى اليوم في عروقهم، فلا كأنهم عاشوا كل تلك الويلات والفقد والتشرد والموت على مدار تسع سنوات كاملات.

يشتاق السوريون أيضًا إلى صورتهم، حينما شاهدوها في عيون بعض رموزهم وأيقوناتهم، أشخاص عاديون يشبهونهم، شجعان بما يكفي ليرفعوا صوتهم -أولًا وعاليًا- ملء السمع والبصر والجَنان، بكلمة "حرية"!

في هذا التقرير ضمن ملف "ولسّا بدنا حرية"، نستذكر معًا بعضًا من رموز الثورة السورية وأيقوناتها التي تركت بصمتها في ذاكرتنا، لا كلهم حتمًا، فأي مداد يتسع لكلهم؟ كما لم نشر إلا إلى المحطة الرئيسية في مسيرتهم، ونترك لك -أيها القارئ الكريم المهتم- مهمة البحث في تتمة القصة عنهم.

لم نرتب الشخصيات -في مادتنا هذه- طبقًا لأي معنى أو منهجية، وقد تعمدنا ذلك حتى نعبث بذاكرتنا، فنقلّبها ذهابًا وإيابًا وفي كل اتجاه، ليمر علينا كل شريط في أيام الثورة وأحداثها التي عشناها معهم.. الآن؛ ما رأيك أن نبدأ بوجهنا الأسمر الحلو.. عبد الباسط؟

عبد الباسط الساروت

التحق حارس مرمى منتخب الشباب السوري عبد الباسط الساروت بالثورة السورية مبكرًا، ليصبح أحد أبرز رموز الانتفاضة السورية، وخلّد صوته سردية الثورة ليضحى أغنية كل الثوار، حمل الساروت السلاح والتحق بالفصائل المعارضة لقتال قوات النظام، فقاتل في حمص وحوصر فيها وفقد كل من أحب، وصمد حتى كان آخر المهجرين منها عام 2014.

خسر الساروت والده وأربعة من أشقائه في القصف والمعارك بمدينة حمص، دخل "حارس الثورة" كما لقبه السوريون كل تبدلات الثورة وتغيراتها، حتى استشهد مقاومًا في معارك ريف حماة يوم السبت 8 من يونيو/حزيران 2019.

أحمد الخلف

انشق الملازم أول أحمد الخلف عن جيش النظام في 24 من يونيو/حزيران 2011، وقاتل قوات الأسد هو ورفاقه في مدينة الرستن بريف حمص بالأسلحة الخفيفة، كانت مهمة الخلف حماية المدخل الشرقي للمدينة، وحين سأله قائد كتيبته عن إمكانية دخول قوَّات النظام إلى المدينة، قال جملته التي أضحت من أشهر أدبيات الثورة السورية: "إذا رأيتم الدبَّابات في الرستن فاعلموا أني قد استشهدت"، وبالفعل دخلت دبابات الأسد إلى الرستن على جثة الخلف في يوم 28 سبتمبر/أيلول 2011.

رائد الفارس

يعتبر رائد الفارس من ناشطي الثورة السورية ذوي التأثير الكبير، خاصةً أنه مبدع لافتات كفرنبل التي وصلت للعالمية، وكان يُطلق عليه "مهندس اللافتات"، أسس راديو "فريش" في مدينته كفرنبل وأضحت وسيلةً إعلامية مهمة في شمالي سوريا، كافح الفارس بكلماته ولافتاته النظام والتنظيمات المتطرفة وإيران وروسيا.

برز الفارس بالعمل المدني والنشاط السياسي، فُجع السوريون بمقتله اغتيالًا في مدينته بعد خروجه من صلاة الجمعة يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018.

أبو فرات

كان يوسف الجادر "أبو فرات" عقيدًا في قوات الأسد قبل أن ينشق وينضم إلى قوات الجيش الحر في 18 من يوليو/تمّوز 2012 وأصبح قائد أركان لواء التوحيد. شاركَ الجادر بتحرير ريف حلب كما أنه نجح مع الجيش الحر بالسيطرة على حيي سيف الدولة وصلاح الدين بالإضافة إلى تحرير مدرسة المشاة وفي تاريخ 15 من ديسمبر/كانون الأول 2012.

انتشر نبأ مقتل أبو فرات بلغم أرضي في أثناء تمشيط محيط المدرسة التي حررها، يشتهر الجادر برمزية كبيرة لدى ثوار سوريا، ومن أشهر ما قال: "لو ترك لنا الأسد خيارًا نحن الضباط أن نستقيل ونجلس في بيوتنا كنا تركنا، بس ما تركلنا خيار، يا بدك تكون قاتل يا قاتل".

أنس الشغري

يعتبر الناشط أنس الشغري من أوائل الهاتفين بالحرية في عموم سوريا، وهو من دعا لأول مظاهرة في مدينة بانياس السورية، انطلقت المظاهرات في هذه المدينة بنفس التوقيت الذي انطلقت فيه مظاهرات مدينة درعا في يوم 18 مارس/آذار، إلا أن مشوار الشغري لم يكتمل حيث اعتقله النظام يوم السبت 14 مايو/أيار 2011 في كمين، فقد كان يتواصل مع الوكالات الإعلامية العالمية باسمه الصريح منذ اليوم الأول للثورة، ما زال أنس في معتقلات النظام دون أي خبر عن مصير.

حسين الهرموش

انشق المقدم حسين الهرموش أحد كبار رموز الثورة السورية، عن النظام السوري في 9 يونيو/حزيران 2011، ويعتبر الهرموش أول ضابط ينشق عن قوات الأسد، وأسس لواء الضباط الأحرار الذي يُعتبر منطلقًا للجيش السوري الحر، الذي تأسس لحماية المتظاهرين السلميين، قاد الهرموش أول عملية ضد نظام الأسد قبل أن يعلن النظام اعتقاله في 15 من أغسطس/آب عام 2011 في عملية خطف تمت داخل الأراضي التركية، بعد أن قتل النظام أكثر من 20 شخصًا من أقربائه.

حمزة الخطيب

برز الطفل حمزة الخطيب كأحد أبرز أيقونات الثورة السورية، والطفل الخطيب يبلغ من العمر 13 عامًا وينحدر من بلدة "الجيزة" بريف درعا، وكان مقتل سببًا في تحول جمهور كبير إلى صف الثورة.

استشهد بمدينة "صيدا" في ريف درعا بتاريخ 29 أبريل/نيسان 2011 خلال إطلاق نار على المتظاهرين، ونقل الخطيب إلى مشفى "تشرين العسكري"، وبدت على جسده في الصور التي تم تسريبها آثار التعذيب والرصاص الذي تعرض له، ومثل بجثته حيث قُطع عضوه التناسلي.

أحمد البياسي

في الأيام الأولى للثورة السورية انتشر فيديو يفضح اجتياح قوات الأمن السورية قرية البيضا واعتقال أهلها وإذلالهم بصورة مروعة في ساحة القرية التابعة لمدينة بانياس، لكن النظام سرعان ما نفى هذا المقطع، متهمًا الناشطين بفبركة الفيديو تارةً وأن المقطع في العراق تارةً أخرى.

ظهر الشاب أحمد البياسي في مقطع مصور وجريء على وسائل الإعلام حاملًا هويته السورية ليؤكد حصول الإهانة في بلدة البيضا، وكان وجه البياسي قد ظهر في الفيديو المسرب لقوات الأمن السوري، يعد وجهه وهو يحمل هويته ويقول كلماته تلك اللحظة واحدة من أكثر ما علق في الذاكرة السورية خلال عقد الثورة الأول.

باسل خرطبيل

يعدّ باسل خرطبيل أو "باسل الصفدي" كما يعرف، من أشهر المبرمجين في سوريا، وقد شارك بالثورة ونادى بسلميتها، اعتقله النظام السوري يوم 15 مارس/آذار 2012، أعلنت زوجة باسل أن النظام أعدمه عام 2015، حصل باسل على المركز الـ19 في قائمة فورين بوليسي لأفضل مئة مفكر على مستوى العالم عام 2012، وفي عام 2013 حصل على جائزة مؤشر الرقابة في مجال الحريات الرقمية.

عبد القادر الصالح

يعتبر عبد القادر الصالح والملقب بحجي مارع من أبرز الوجوه الثورية السورية وأكثرها رمزية، مؤسس لواء التوحيد والقائد العسكري له، شارك الصالح في المظاهرات السلمية وحرض أبناء مدينته للخروج ضد النظام، لكن البطش الذي تعرضوا له أجبر الصالح ومن معه على حمل السلاح.

كان للصالح دور كبير في السيطرة على مدينة حلب، قُتل حجي مارع خلال استهداف طيران النظام الحربي لاجتماع عسكري كان يحضره يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

ياسر العبود

كان ياسر العبود ضابطًا برتبة مقدم ركن حين أعلن انشقاقه عن جيش النظام في 23 فبراير/شباط عام 2012، وفور انشقاقه انضم للجيش الحر وشكل لواء "أبو بكر الصديق".

تولى العبود قيادة العمليات في المنطقة الجنوبية، ساهم في جميع معارك تحرير ريف درعا الشرقي، آخر كلمات العبود قبل مقتله: "هدفنا توحيد البندقية السورية"، قُتل العبود في 23  أكتوبر/تشرين الأول 2013 في الاشتباكات مع قوات النظام، يعتبر العبود من رموز ثورة حوران التي أطلقت الشرارة.

ملهم الطريفي

كان ملهم الطريفي من أوائل الذين خرجوا ينادون بالحرية، وكان نشيطًا في أعماله الثورية منها تنظيم المظاهرات وإيصال المساعدات للمناطق المحاصرة، حيث كان خاض أول محاولة لكسر الحصار عن مدينة بانياس المجاورة لمدينته جبلة، حيث قادة سيارة محملة بالمؤمن الغذائية إلى المدينة المحاصرة رغم كل المخاطر المدقة به.

وبعد دخول قوات الأسد إلى مدينة جبلة بدأت الاعتقالات والقتل، وكان الطريفي من أول المعتقلين، وبعد إطلاق سراحه خرج إلى السعودية هاربًا من بطش الأسد، وما لبث أن رجع إلى سوريا لينضم إلى إحدى الكتائب التي تقاتل النظام حتى قُتل في معارك الساحل السوري يوم 10 يونيو/حزيران 2012.

غياث مطر

نشأ غياث مطر في مدينة داريا بريف دمشق، ويعدّ رمز السلمية في الثورة السورية، شارك مطر بتنظيم المظاهرات الحاشدة التي كانت تخرج في مدينته، وعرف بتقديم الماء والورود لعناصر جيش النظام في أثناء المظاهرات.

لكن قوات الأسد لم يرق لها ما يفعله غياث فاعتقلته خلال كمين نصبته له. في يوم 10 سبتمبر/أيلول 2011 سلم النظام السوري جثمان غياث لأهله وظهرت على جسده آثار التعذيب الشديد في فترة اعتقاله، أقيم لمطر عزاء كبير في داريا حضره سفراء العديد من الدول الغربية من بينهم السفيرين الأمريكي والفرنسي.

الأب باولو

يعتبر الأب باولو من الشخصيات الرمزية التي رافقت الثورة السورية، وهو رجل دين مسيحي إيطالي يتقن اللغة العربية ومطلع على الدين الإسلامي وكان يعيش في سوريا منذ عقود، انتقد عمليات القمع التي تقوم بها قوات الأمن السورية، حتى نفاه النظام السوري خارج البلاد عام 2012، لكنه دخل إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وتجول بين إدلب وحلب داعمًا للثورة ومؤمنًا بها، حتى دخل إلى الرقة في زمن سيطرة تنظيم "داعش" من أجل التوسط لإطلاق سراح نشطاء، لكنه اختفى بعد ذلك ولم يعد يُعرف أي خبر عن مصيره إلى الآن، من أهم ما قاله الأب باولو قبل اختفائه: "الثورة التزام وليست توقعات".

سعاد الكياري

خاضت المقاتلة في صفوف الجيش الحر سعاد الكياري والمعروفة بـ"أم عبود" معظم معارك ريف إدلب، قبل أن تُقتل في اشتباكات مع قوات النظام على تخوم مطار أبو الظهور شمالي سوريا يوم 20 يناير/كانون الأول 2018، في صد هجوم النظام والميليشيات الإيرانية على المنطقة.

انخرطت الكياري في صفوف الثورة السورية منذ أيامها الأولى، وأكلمت مسيرة القتال والثورة وتقديم الطعام والطبابة للثوار رافضةً الخروج من مسقط رأسها بلدة أبو الظهور التي تعرضت لهجمة شرسة من النظام وحلفائه.

أسامة اليتيم

ولد الشيخ أسامة اليتيم في مدينة جاسم شمالي مدينة درعا عام 1975، وتخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعمل باحثًا شرعيًا، ومع انطلاق الثورة كان له دورٌ بارز في رابطة أهل حوران، ومن ثم أسس دار العدل بحوران التي توافقت عليها فصائل الجنوب السوري، وتعد مثالًا ونموذجًا مشرقًا وقت كانت درعا خارج سيطرة النظام، إلا أن اليتيم اغتيل على الطريق الحربي بين مدينة درعا وبلدة تل شهاب بريف درعا الغربي، مع اثنين من مرافقيه وأخويه بعد إطلاق النار عليهم بشكل مباشر.

مشعل تمو

ولد مشعل التمو في مدينة الدرباسية التابعة لمدينة الحسكة عام 1957 ونال شهادة الهندسة الزراعية وبرز اهتمامه بالسياسة منذ منتصف السبعينيات، وتولى عضوية اللجنة السياسية في حزب "اتحاد الشعب" لغاية 1999، وفي عام 2005 أسس "تيار المستقبل الكوردي" في سوريا، وعام 2008 اعتقل تمو من دورية للمخابرات الجوية وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات ونصف بتهم "النيل من هيبة الدولة" و"إضعاف الشعور القومي الوطني".

في 2011 أُفرج عن التمو ليعلن انضمامه مباشرة للثورة السورية رافضًا الحوار مع النظام، وبتاريخ 10 يوليو/تموز من نفس العام اقتحم أربعة أشخاص اجتماعًا يحضره التمو وبدأوا بإطلاق الرصاص فأصيب بـ18 رصاصة أودت بحياته على الفور، وأوضحت وثائق أن أمر الاغتيال بحق التمو جاء مباشرة من بشار الأسد وأن الأخير حدده بالاسم ليتم اغتياله، حيث كلف جهاز المخابرات الجوية بتنفيذ عملية التصفية بشكل واضح بحقه.

مي سكاف

ولدت الفنانة السورية مي سكاف في دمشق ودرست الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، مثلت سكاف قرابة 39 مسلسلًا وفيلمًا متنوعًا، وانتسبت لنقابة الفنانين السوريين عام 2001.

كانت مي أحد الموقعين على إعلان دمشق الصادر عام 2005، الذي طالب بالديمقراطية والتعددية الحزبية، وعرفت بمواقفها المناهضة للنظام قبل الثورة، وشاركت في المظاهرات سلمية عند انطلاق الثورة وتحدثت للإعلام عن الانتهاكات التي يتعرض لها السوريون.

بعد اعتقالها المتكرر خرجت سكاف من سوريا سرًا واستقرت في فرنسا، مستمرةً بنشاطها وثورتها، توفيت في 23 يوليو/تموز 2018 في العاصمة الفرنسية باريس، بسبب نزيف دماغي حاد، بقيت كلمات سكاف تُردد عند ثوار سوريا بكل مشاربهم "لن أفقد الأمل.. لن أفقد الأمل.. إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد".

فاتن رجب

أكد ناشطون سوريون مقتل عالمة الفيزياء والذرة السورية فاتن رجب جراء التعذيب في معتقلات النظام السوري، وتنحدر الشهيدة من مدينة دوما بريف دمشق، وهي حاصلة على دكتوراه في الفيزياء النووية، اعتقلتها قوات النظام السوري يوم السبت 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وتعرضت لأشد أنواع التعذيب، حيث كانت تعاني من نوبات صرعات ونزيف حاد في الأنف والأذنين جراء عمليات التعذيب الوحشي في سجون النظام.

انقطعت أخبار فاتن إلى أن تأكد خبر وفاتها عن طريق لوائح الموت التي ترسل إلى دائرة السجل المدني، كان لفاتن نشاط بارز في المظاهرات السلمية منذ بداية انطلاقتها في دوما، كما شاركت بجهود كبيرة في العمل الإغاثي والإنساني.

أحمد الحصري "أبو النصر"

في الـ 27 من شهر كانون الثاني/ يناير، حاصرت قوات الأسد مدينة معرة النعمان من 3 جهات، ولم تبقَ إلا الجهة الغربية فقط لمن يريد الانسحاب من المقاتلين، إلا أن المقاتل الشاب أحمد الحصري، لم ينسحب مع الذين انسحبوا، إنما ظل مقاومًا في أرضه ومتمترسًا في بيتحتى نفذت آخر طلقاته. بقي أبو النصر يقاتل القوات النظامية الروسية لمدة 3 ساعات أوقف خلالها تقدم قوات الأسد، وبثت وكالة "آنا" الروسية من داخل المدينة تقريرًا أظهر محاصرة القوات المهاجمة لذلك للبناء الذي يتواجد به أحمد، إلى أن عرضت أخيرا صورته قتيلًا بعد أن أوقف زحفها وآخر سيطرة القوات على المدينة.

أما بعد.. فاجلس مع أطفالك وحدثهم عن الثورة، عن جدواها ومعناها ومغزاها، ولماذا قاتل هؤلاء الأبطال ولماذا قُتلوا أو اعتقلوا أو عُذّبوا. ولا يَنصبّنّ كل حديثك مع أولادك عن النظام الوحشي وبطشه وجبروته، فإنّ الحديث عن قيم الحرية والكرامة والعدالة أجدى، والإشادة بالمطالبين بها يمنحهم الأسوة ويدلهم على بداية الطريق.

===========================

موقفنا: في قواعد التحالف السياسي ..تركية والثورة السورية أنموذجا..حول محاولة البعض تعكير ماء الصداقة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

17/ 3 / 2020

وللتحالفات السياسية بين الأطراف ، دولا كانت ، أو قوى ، أو منظمات وهيئات ، قواعدها التي تقوم عليها ، وتنضبط بها ، ويتم تقويم كل خطوة في إطار هذه التحالفات على أساسها . والجهل بهذه القواعد ينشئ عادة الكثير من سوء الفهم ، ومن التشاكس ، ويودي بهذه التحالفات ، بل ويهدمها ، ويفوت المصالح المتحققة منها على أطرافها . وكثيرا ما يعمد المتضررون من هذه التحالفات ، إلى اللعب على بعض التناقضات في طبيعة المواقف، أو على ما تجره المواقف العملية من  تناقضات جزئية أو محدودة .. تقوم الحسابات السياسية دائما على حساب المحصلة العامة ، هل أنا رابح أو خاسر من هذه العلاقة ؟

مثل بسيط على طبيعة التحالفات السياسية نضربه ، بأخوين شقيقين يفتتحان متجرا شراكة بينهما ؛  ومع بساطة المثل ومباشرته إن لم تكن قواعد الشراكة واضحة في كل أبعادها ، ما أسرع ما تنهار ، بل تخسر أحيانا ، وينزغ بين الشقيقين الشيطان .

في الفضاء السياسي العام يجب أن نعلم أن التحالفات السياسة تكون بين المتطابقين ، وبين المختلفين . وتكون بين الأصدقاء وبين الخصوم ، وأحيانا بين الأعداء ، وتكون على أمر كلي ، وتكون على أمر جزئي ، وتكون على استراتيجيات كلية أو جزئية ؛ وإن إدراكنا لطبيعة أي تحالف سياسي هو السبيل الأمثل لاستدامته وللاستفادة منه والحفاظ عليه .

وهناك أمر آخر ينبغي توضيحه ، المشاعر الطيبة ، والحب القلبي ، والرغبة الصادقة في تقديم المساعدة والعون ، ليست من معايير تقويم التحالفات السياسية . فكثيرا ما يرى الأخ أخاه ، والصديق صديقه في أزمة أو في ورطة ، ويتحرق لهفة لمد يد العون له ومساعدته ، وإنقاذه مما هو فيه ، ولكنه حسب طاقته وقدراته لا يجد إلى ذلك سبيلا . وليس من فراغ صاغ الناس مثلهم السائر : العين بصيرة واليد قصيرة .

وبعد كل هذا نعود إلى التأكيد على بعض الركائز فيما نسميه استراتيجية الصداقة التركية للثورة السورية .

وبكل الصراحة والوضوح والمسئولية أقول إن العلاقة التركية - مع قوى المعارضة السورية ، لم ترق إلى مستوى من الندية يضعها في مرتبة هذا الحليف السياسي بعدُ ؛ ولذلك عدة أسباب منها ه قصور المعارضة السورية ، وتشتتها وتنافسها أحيانا . كان المأمول من قوى المعارضة أن تبلغ مستوى من النضج والتجسد يتيح لها أن تبنى تحالفات سياسية واعية مع أطراف كثيرة على أسس وقواعد واضحة ، ولكن كل ذلك لم يكن .

إن الذي القائم  في الساحة اليوم هو موقف تركي إنساني أخلاقي سياسي تسبق إليه الدولة التركية في مد يد العون والمساعدة للشعب السوري في الأطر الإنسانية ، والسياسية وغيرها .وتتشابك عدة عوامل في صناعة هذا الموقف منها الثقافة والتاريخ والجغرافيا أيضا .

إن الذي يجب أن لا ينساه أي سوري هو ما يلي ..

إن القرار التركي محكوم أولا بمعادلة القدرة التركية ، في وسط شديد التعقيد ، تتصارع فيه قوى كبرى . وعلى صانع القرار التركي أن يجيد إعادة حساباته عند كل خطوة ، لأن المتربصين من حوله كثر . ولا أحد يقبل أن يلحق الضرر بمن يساعده ، لينزلق معه إلى حيث لا يحمد المقام .

وثانيا إن القرار التركي محكوم بمعادلة مصلحة الدولة التركية . وإن رئيس أي دولة يقدم مصلحة أي طرف آخر ، على مصلحة دولته وشعبه له اسم في عالم السياسة لا يليق .

 ليس من اللائق أن يطلب الشقيق من شقيقه أن يلحق الضرر بنفسه لينفعه .  كما يتشدق البعض بكلام لا يرضاه عاقل .

وإن الذي يجب أن نعلمه كسوريين نطمع أن يكون صديقنا حليفنا حاملا لكل همومنا معبرا عن كل ما نريد أن  ما كل ما يتمنى المرء يدركه . لأن الأمور لا تجري على ما يشتهي السفن .

عمليا لقد تكشف عنوان " أصدقاء الشعب السوري " عن خدعة كبرى ، وهذا الذي يجب أن ندركه جيدا . ولم يبق لنا من الأصدقاء إلا القليل . وعلى رأس هذا القليل هو الصديق التركي الذي يعمل الكثيرون على حرماننا من دعمه ، لكي نبقى بلا صديق .

ويرد عليك متنطع إن التركي يعمل على مصالحه ، نعم إنه يعمل على مصالحه المتطابقة مع مصالحنا في حدود قدراته وطاقته ، وعلينا أن نستثمر في محيط المصالح المشتركة التي تجمعنا ..

ما رأينا لو ذهبت الدولة التركية مع المشروع الروسي في سورية بالمطلق ، كما تفعل دولا عربية يجمعنا معها الدين والرحم أيضا ؟!

إن الذي يجب أن نعيه كسوريين أن الصديق التركي لا يخطئ حين يقيم معادلته على ساقي مصالحه وإمكاناته باذلا كل جهد يستطيعه لمساعدتنا ، وقد تخلى عنا العالم أجمع ، وأشقاؤنا الأقربون وتُركنا كالأيتام أمام آلة القتل الروسية .

وإن الذي يجب أن نعيه كسوريين أن من واجبنا أن نستفيد أقصى ما يمكن من الدور التركي وأن نتعاون معه في حدود المصلحة المشركة ، وفضاء هذه ممتد وواسع  ، وان ننسق معه على ذلك . وعندما تفترق المصالح علينا أن نمتلك اللغة الدبلوماسية المناسبة لاستدامة الصداقة وتقديم العذر .

وينبغي أن يكون لنا في الوقت نفسه استراتيجيتنا ومشروعنا الذي يزيدنا قوة ذاتية إلى قوة حلفائنا أو أصدقائنا . من المعيب أن نحمّل مسئولية ضعفنا وترددنا لصديق يبذل ما يستطيع لنصرتنا .

في تقديرنا أن الذي خرجوا بالأمس في تجمعات للتنديد بالدور التركي هم واحد من رجلين : قصير النظر عاطفي لا يدرك أبعاد خروجه وتداعياته ولا يعرف من يقف وراء الدعوة إلى هذا الخروج  . وآخر مدفوع به أو له  ليجرد الثورة السورية من آخر أوراق قوتها .

على الذين ينددون بالدور التركي في سورية أن يتأملوا قول شاعرهم القديم :

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم .. أو فسدوا المكان الذي سدوا ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سورية: "التطوير والتحديث" حزب صوري لتسويق الأسد

ريان محمد

العربي الجديد

الخميس 19/3/2020

لم تبدّل سنوات الصراع السوري منذ عام 2011 من طبيعة النظام، بل زادته تمسكاً بالسلطة متجاهلاً التداعيات الكبرى للحرب التي خاضها ضد السوريين المطالبين بالتغيير، إذ لا يزال هذا النظام على نهجه القديم في تجفيف الحياة السياسية بشكل كامل من خلال اللجوء إلى إنشاء أحزاب ديكورية مهمتها تمجيد بشار الأسد وترسيخ سلطته وسلطة عائلته.

وفي هذا السياق، رخص النظام لحزب سياسي جديد، اتخذ من شعار أطلقه بشار الأسد بعد تسلمه السلطة خلفاً لأبيه مع بداية الألفية الجديدة اسماً له، ما يعكس بشكل واضح توجّه هذا الحزب الوليد وخطابه الذي يحاول أن يسبق حزب "البعث العربي الاشتراكي"، الحزب الحاكم في سورية، في تمجيد بشار الأسد ورفعه إلى مستوى أعلى من الشعب والدولة.

ومنحت "لجنة شؤون الأحزاب" برئاسة وزير الداخلية في حكومة النظام اللواء محمد الرحمون، منذ أيام، الترخيص لحزب أطلق عليه مؤسسوه اسم "التطوير والتحديث"، وذلك بعد شهرين فقط من تقدّمهم بطلب الترخيص، في مؤشر على أن قيادات في النظام، منها الأسد نفسه، أعطت الضوء الأخضر لانطلاق هذا الحزب، الذي لا يزال يكتنفه بعض الغموض لجهة الشخصيات التي ستتولى قيادته. وذكرت مصادر في دمشق لـ"العربي الجديد" أن الحزب الجديد بصدد التحضير لمؤتمر عام لاختيار أمينه العام وأعضاء لجنته المركزية.

ويُعرّف حزب "التطوير والتحديث" عن نفسه، عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك"، بأنه "تشكيل وطني يتخذ من فكر القائد الخالد المؤسس حافظ الأسد نهجاً ومنهجاً ويعمل على تطبيق وتنفيذ البرامج التي أطلقها سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد في الإصلاح والتطوير والتحديث من خلال نخب وطنية فاعلة تضم كل شرائح المجتمع السوري التي تتطلع إلى النهوض بالوطن بكل مفاصله في إطار حزب سياسي يعمل قانوناً تحت سقف الوطن". في حين لخص مبادئه الأساسية بـ"تأكيد السيادة الوطنية وتعزيز الوحدة الوطنية والإيمان بالقضايا الوطنية والمركزية ودعم حركات المقاومة العربية والعالمية".

ورأى متابعون أن الحزب الجديد هو إحياء لتوجّهات قديمة لدى بشار الأسد تعود إلى بدايات توليه السلطة في منتصف عام 2000، إذ كثر حينها الحديث عن مساعيه لتأسيس حزب شبابي ليبرالي، ضمن سياسات الانفتاح على الغرب والانقلاب على مفاهيم حزب "البعث العربي الاشتراكي" الذي يتلطى نظام الأسدين خلفه منذ عام 1963. إلا أن العدوان الأميركي على العراق عام 2003، والتداعيات الكبرى التي خلّفها في المنطقة، إضافة إلى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، حالت دون ظهور هذا الحزب الذي كان الأسد يخطط عبره لتسويق نفسه للغرب على أنه منفتح باتجاه تجديد الحياة السياسية في سورية والجامدة منذ عام 1963. وحاول الأسد من خلال المؤتمر العاشر لحزب "البعث" عام 2005 الانقلاب على الحزب نفسه من داخله من خلال تغيير منطلقاته النظرية المعتمدة منذ خمسينيات القرن الماضي. واعتمد الحزب في المؤتمر ما عُرف بـ"اقتصاد السوق الاجتماعي"، والذي اعتُبر في وقتها انقلاباً على الاشتراكية، أحد مبادئ "البعث"، وعلى مكتسبات ذوي الدخل المحدود، وهي الشريحة الأساسية التي حملت النظام على أكتافها لعقود طويلة.

ومن الواضح أن الحزب الجديد لا يحمل أي توجّه سياسي جدي وحقيقي من شأنه الدفع باتجاه حلول سياسية للقضية السورية، بل هو نسخة مكررة من حزب "البعث" لجهة تمجيد شخصية بشار الأسد ورفعه إلى مستوى يعلو فوق الشعب والوطن. واللافت أن أبرز المؤسسين للحزب شاب لا يتجاوز عمره الـ30 عاماً، هو أسامة مرشحة، من مواليد مدينة حلب، ويحمل إجازة في الفنون الجميلة والتطبيقية قسم الديكور. ومن الواضح أن هذا الشاب له نفوذ كبير في النظام بسبب قربه من عائلة بشار الأسد، فهو صاحب عدة امتيازات لوسائل إعلامية على رأسها "وكالة الأخبار الروسية السورية RS"، ومستشار في مجلس الدولة.

وذكرت مصادر في دمشق، لـ"العربي الجديد"، أن "لدى مرشحة شبكة علاقات واسعة مع أركان النظام وحلفائه من حزب الله والإيرانيين، إضافة إلى الروس". وتوقّعت المصادر أن "يقبل على الالتحاق بالحزب الجديد العديد من موالي النظام وكوادر حزب البعث، خصوصاً ممن لم يأخذوا مكتسبات مهمة من عضويتهم في حزب البعث، أو من يريد أن يحافظ على مكتسباته ويطمح إلى مكاسب أكبر".

وكان مرشحة قال في تصريح صحافي إن غالبية المؤسسين "هم من المنتمين إلى فكر حزب البعث العربي الاشتراكي"، موضحاً أن "منهم من كان منتسباً بالفعل للبعث وقد انسحب أخيراً منه لأنه يبحث عن منبر جديد بعد أن أصاب الترهل والبيروقراطية بعض مواقع البعث، إلا أنهم سيبقون حاملين لفكره وسيعملون على توعية الناس بفكر الرئيس الراحل حافظ الأسد". وأضاف: "العمل سيتمحور في اتجاهين متوازيين؛ الأول هو العمل على نشر فكر القائد الخالد حافظ الأسد كنهج أثبت الواقع ضرورته وكشف عن عمق رؤيته وبصيرته، أما الثاني فهو المساهمة خلف قيادة الرئيس بشار حافظ الأسد في تطبيق برامجه الإصلاحية والتطويرية ورفد الوطن بفريق عمل وطني ينتهج برامجه".

من جهته، قال قيادي بعثي سابق، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ"العربي الجديد"، إن "حزب البعث شهد محاولات مشابهة منذ فترة تولي حافظ الأسد للسلطة (1970- 2000)، إلا أنها كانت دائماً تبوء بالفشل". ورأى القيادي "أن أي حزب بحاجة إلى مشروع فكري ليقوم عليه ويضمن الاستمرار، أما إنشاء حزب على أساس نصف ورقة وبعض الاقتباسات والجمل، لا يمكن أن يستمر"، معرباً عن اعتقاده بأن "الحزب الجديد سيكون ملتقى للانتهازيين والمتملقين، الباحثين عن فرص في الوصول السريع، معتمدين أنه حزب قائم على إرادة ورغبة الرئيس الأسد".

وكان الأسد في سياق محاولاته وأد الثورة السورية في عام 2011 سمح بترخيص أحزاب، وبات هناك 20 حزباً مرخصاً في سورية، منها 10 أحزاب رُخصت بعد انطلاق الثورة السورية، ولكن هذه الأحزاب كلها نسخة عن حزب "البعث" ولا تحمل أي توجّه معارض، بل إن بعضها على يمين حزب "البعث العربي الاشتراكي" لجهة الولاء لبشار الأسد. وكان حافظ الأسد قد جمّد الحياة السياسية تماماً بعد المؤتمر القطري الثامن لحزب "البعث" في عام 1985، ولم يعقد الحزب أي مؤتمر له مذ ذاك التاريخ إلا بعد وفاة الأسد الاب، حينها عقد المؤتمر القطري التاسع بين 17 و20 يونيو/حزيران 2000 واختار بشار الأسد أميناً عاماً له كي يتولى رئاسة الجمهورية. ووفق دستور وضعه حافظ الأسد، كان هذا الحزب "هو القائد للدولة والمجتمع"، وتدور في فلكه عدة أحزاب لا وزن لها ضمّها الأسد في كيان واحد هو ما كان يُسمى بـ"الجبهة الوطنية التقدمية".

وفي دستور عام 2012 الذي وضعه الأسد الابن أزيلت المادة الثامنة التي كانت تنص على قيادة "البعث" للدولة، ولكن الوقائع على الأرض لم تتغير، إذ لا يزال "البعث" الحزب المهيمن على الحياة السياسية، ولكن ليس مسموحاً له التدخّل في الشأنين الأمني والعسكري على الإطلاق.

وانعكس التنافس الروسي الإيراني على سورية على الحزب، إذ يحاول كل طرف الهيمنة عليه وتوجيهه بما يتناسب ومصلحته، وهو ما تجلّى قبل أيام، حين جمّد بشار الأسد نتائج الانتخابات على مستوى الفروع والشعب داخل هذا الحزب. وذكرت مصادر في دمشق أن التجميد جاء على خلفية اعتراض الروس على تعيين أمناء الفروع والشعب بسبب ولائهم لإيران، مشيرة إلى أن هناك تناحراً بين قيادات "البعث" أدى إلى تبلور تيارين، الأول موالٍ للجانب الروسي والثاني موالٍ للإيرانيين، مضيفة: لم يبق لحزب "البعث العربي الاشتراكي" إلا اسمه. هذا الحزب الذي يتبنى خطاباً عروبياً، بات اليوم يروّج للسياسة الإيرانية والتي تهدف إلى تغيير الهوية العربية لسورية.

===========================

ماذا تعني محاكمة ألمانيا لضباط من النظام السوري؟

عماد كركص

العربي الجديد

الخميس 19/3/2020

يبدو أنّ عجلة المحاسبة لمرتكبي الانتهاكات في سورية، ولاسيما الضباط والأمنيين المرتبطين بالنظام، قد أخذت بالدوران داخل المحاكم الأوروبية، بعد أن أعلنت محكمة ألمانية عن موعد أول محاكمة لضابطين "منشقيّن" عن النظام السوري، يعتقد أنهما على علاقة بارتكاب انتهاكات وعمليات تصفية بحق معتقلين.

وقال "المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية"، الناشط في مجال محاسبة مجرمي الحرب السورية، ومقره ألمانيا، أنّ المحكمة الإقليمية العليا في مدينة كوبلنتس الألمانية، قبلت الدعوى في قضية الفرع 251 - أمن دولة المعروف بـ"فرع الخطيب"، ضدّ المتهمين أنور. ر وإياد. أ، على أن تبدأ أولى جلسات المحاكمة في 23 إبريل/نيسان المقبل. وستلي الجلسة الأولى جلسات لاحقة، في كل من 27 و28 و29 إبريل، على أن تستكمل في 18 و19 و27 و28 و29 مايو/أيار المقبل.

وتوقّع المركز أن تستغرق المحاكمة فترة تتجاوز نهاية العام، بل قد تستمر لسنوات عدة، مشيراً إلى أنّ المحكمة ستعلن عن مواعيد جلسات إضافية بعد بضعة أشهر من الآن. ونوه المركز إلى أنّ المحاكمة ستكون علنية ومفتوحة للجميع، ويمكن لأي شخص أن يحضر الجلسات في صفوف المستمعين، غير أنه لن تكون هناك تسجيلات سمعية أو بصرية لجلسات المحاكمة، لكنّ المركز أشار إلى أنّ فريقه سيبذل جهداً لإطلاع السوريين على ما يستجدّ في القضية بشكل منتظم.

وفي اتصال مع "العربي الجديد"، أشار المحامي والناشط الحقوقي أنور البني، رئيس "المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية"، إلى أنّ "هذه المحاكمة هي الأولى من نوعها ضدّ مجرمي النظام بشكل عام، فلم يحصل أن حوكم ضابط من صفوف النظام بأي قضية أو جريمة كانت، ولا سيما في قضايا المعتقلين والتعذيب والاختفاء القسري والقتل تحت التعذيب. فلذلك هي أول محاكمة لمجرمين من النظام السوري على هذا المستوى ومن هذا النوع".

ونوه البني، الذي يقيم حالياً في ألمانيا، إلى أنّ أحد الضابطين اللذين سيواجهان المحكمة الألمانية الشهر المقبل، معروف بالنسبة للمعارضة بأنور. ر، كونه قال إنه انشق عن النظام منذ العام 2012، لكنه لم يعلن عن انشقاقه علناً ولم يظهر على الإعلام، وظهر فقط مع وفد المعارضة كاستشاري خلال مفاوضات جنيف. وأشار إلى أنهم تواصلوا في المركز مع الضحايا الذين كانوا اعتقلوا في الفرع الذي كان يرأس فيه المتهم قسم التحقيق، خلال الفترة ما بين 2011 و2012 أي قبل انشقاقه، موضحاً أنهم يعرفونهم كونهم ترافعوا عنهم خلال فترة اعتقالهم، والكثير منهم وصل إلى أوروبا، وإلى ألمانيا تحديداً.

وأوضح البني أنّ أنور. ر مقيم في ألمانيا، وتم توقيفه في شهر فبراير/شباط من العام الماضي، وقد وجّهت له تهم عدة من قبل الادعاء العام الألماني منها: الإشراف على تعذيب حوالي 4000 معتقل، والتسبب بـ58 حالة قتل تحت التعذيب، بالإضافة إلى التورط بعدد من حالات العنف الجنسي والاغتصاب. ولفت إلى أنّ المحاكمة ستجرى حضورياً له وللموقوف الآخر إياد. أ، متوقعاً أن يحضرها الكثير من السوريين أو ضحايا المعتقلات اللاجئين في ألمانيا.

وكانت الشرطة الاتحادية في ألمانيا قد ألقت القبض في فبراير من العام الماضي على العقيد أنور. ر، رئيس التحقيق في الفرع 251 أو ما يعرف بـ "فرع الخطيب"، التابع لجهاز أمن الدولة ضمن مخابرات النظام، وضابط الصف إياد. أ، الذي كان يتبع للفرع ذاته قبل انشقاقهما عن النظام. وتشير المعلومات المتوفرة لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ الأول انشق عن النظام في سبتمبر/أيلول من عام 2012، فيما انشق الثاني في أواخر 2011، أي في العام ذاته الذي اندلعت فيه الثورة.

وحسب بيانات الادعاء الألماني، فقد غادر المتهمان سورية في العام 2012، وتزامن إلقاء القبض عليهما، مع إصدار الادعاء العام الفرنسي أمراً بالقبض على ضابط صف آخر تابع للفرع ذاته 251 في فرنسا. وكان الادعاء الألماني قد نوّه إلى أنّ القبض على الأشخاص الثلاثة تم بالتنسيق بين السلطات الألمانية والفرنسية.

ورأى البني أنّ "هذه المحاكمة ليست فقط لهذين الضابطين، وإنما محاكمة للنظام بكامله، فبالتأكيد سيلجأ الضابطان للدفاع عن نفسيهما، والقول إنهما كانا يتلقيان الأوامر من مستويات أعلى، وكانا يرزحان تحت التهديدات بالتصفية لهما أو لعائلاتهما، ولذلك يجب عليهما أن يشرحا من أين كانت تأتي الأوامر ومصدرها، ومن المسؤول الرئيسي عن هذه العمليات، وبالتالي فإنّ المحاكمة ستشمل كامل بنية النظام".

ولفت البني كذلك إلى أنهم في "المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية"، يقومون بجمع الأدلة عن المتورطين بارتكاب جرائم في سورية، سواء من الذين كانوا في صفوف النظام أو المجموعات الأخرى مثل القوات الكردية أو "جبهة النصرة" أو تنظيم "داعش"، وحتى من المجموعات المرتبطة بـ"الجيش السوري الحر". وأكّد أنّ "أي شخص ارتكب جرائم ضدّ الإنسانية أو جرائم حرب ضدّ المدنيين من تعذيب وقتل وتغييب ستتم ملاحقته". وعلى الرغم من أنه ليس لدى المركز رقم واضح إلى الآن حول عدد هؤلاء، إلا أن البني يتوقّع أن يكون هناك "حوالي ألف مجرم من هذا النوع متواجدين في أوروبا، تحت توصيف لاجئين، أو لم شمل، وتوصيفات أخرى، ويتم جمع الأدلة حولهم، وعندما سيتم بناء ملف كامل سيتم تقديمه إلى المحاكم"، وفق قوله.

ويقود البني فريقاً حقوقياً تمكّن من تحريك 4 دعاوى في ألمانيا عام 2018، استهدفت 27 مسؤولاً أمنياً عالي المستوى، بمن فيهم رأس النظام بشار الأسد. وقد صدرت بحق بعضهم مذكرات توقيف، ولا سيما بحق رئيس جهاز المخابرات الجوية، اللواء جميل الحسن، الذي صدرت مذكرة توقيف ألمانية بحقه في يونيو/حزيران عام 2018. ولفت البني إلى أنّ هناك مذكرات توقيف غير معلنة صدرت بحق الكثير من المسؤولين الـ27، ومنهم علي مملوك (رئيس مكتب الأمن القومي)، وعبد السلام محمود (رئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية بمطار المزة).

وعن لجوء الحقوقيين السوريين لمحاكم ألمانية لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، وعدم اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية في هذا السياق، أوضح البني أنّ "الأخيرة مغلقة أمام الملف السوري، كون سورية غير موقعة على اتفاقية تشكيل المحكمة، وقد فشلت كل الجهود لتحويل الملف إلى المحكمة الجنائية في مجلس الأمن، بسبب الفيتو الروسي أو الصيني. وبالتالي لا مجال لفتح هذه القضايا أمامها، والقضاء الأوروبي هو قضاء مختص بموجب الصلاحية العالمية التي يتمتع بها، وبالإمكان ملاحقة مثل هذه الجرائم ومرتكبيها أمامه".

وتقول "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، إنّ 14.391 شخصاً قتلوا تحت التعذيب في سورية، منهم 14.221 قتلوا داخل أفرع ومعتقلات النظام السوري، وذلك في الفترة من مارس 2011، وحتى مارس 2020، وهذا الرقم هو بناءً على الأشخاص الذين تم توثيقهم بالأسماء، فيما تبقى الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك بكثير، بسبب كثرة المغيبين والمجهولين أو المختفين قسرياً.

===========================

المقاطعة بوصفها أداة لخنق نظام الأسد ومحاصرته عالميًا

تمام أبو الخير

ساسة بوست

الاربعاء 18/3/2020

رسم تغير الواقع الميداني والسياسي والاجتماعي الذي مرت به الثورة السورية خريطة جديدة للربيع السوري، فأصبح التراجع العسكري أمرًا واقعًا وخاصة بعد استجلاب الأسد لكثير من الاحتلالات، مما أدى لخسارة العديد من المناطق الجغرافية والتي كانت تتحصن فيها قوات المعارضة وكانت تعتبر من حواضن الثورة في البلاد.

خسارة تلك المناطق أدت إلى تراجع في الأداء السياسي والاقتصادي وحتى الفكري والثقافي لجمهور الثورة وروادها، لتصل اليوم وعلى أعتاب دخولها في عقدها الثاني، وقد انكفأت بقعتها الجغرافية إلى منطقة محدودة يدور حولها صراع عالمي، إلا أن الثورة لم تكن في يوم من الأيام هي سيطرة على الأرض وإن كان ذلك مهمًا، إنما الحفاظ على الفكرة وإدارة التعامل مع تطوراتها الميدانية ليس عسكريًا وحسب، وإنما ثقافياً وحقوقيًا وإنسانيًا.

ولما كانت فكرة العودة إلى الوراء والقبول بحكم بشار الأسد ونظامه مرفوضةً لدى ملايين السوريين، كان لزامًا رسم خطوط جديدة للتعامل مع الفترة المقبلة، وطرح أدوات جديدة يمكن من خلالها إدارة المرحلة بما يسفر عن خنق نظام الأسد ومواصلة الضغط عليه وإنهائه إن أمكن، ولعل من تلك الأدوات هي المقاطعة على كافة الأصعدة الاقتصادية منها والفنية والفكرية والسياسية.

لطالما مثلت فكرة المقاطعة هاجسًا لدى العديد من الأنظمة الاستبدادية كتلك التي يعاني منها الاحتلال الصهيوني، والتي تقودها "حركة مقاطعة إسرائيل"، وهذه الحركة أتت بعد فشل المجتمع الدولي في وقف انتهاكات الكيان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، لتنطلق نداءات المؤسسة في عام 2005  لتدعو الشعوب الحرة حول العالم إلى مقاطعة دولة الاحتلال، معتبرةً أن المقاطعة شكل من أشكال المقاومة السلمية التي تساهم في تحصيل حقوق الشعب الفلسطيني والتضامن معه، مما جعل تل أبيب تحذر من أن الحركة يمكن أن تشكل "خطرًا استراتيجيًا" عليها مستقبلاً.

تبرز أهمية تفعيل خيار المقاطعة النهائية مع النظام وأزلامه وشركاته بالمساعدة في خنق النظام وزيادة عزلته الاقتصادية والاجتماعية

حظيت "حركة مقاطعة إسرائيل" بدعم العديد من المؤسسات والأحزاب حول العالم، كما أيدتها العديد من الشخصيات المؤثرة، ونتيجةً لهذه المجهودات، أصبح نشاطها يتصاعد بشكل ملموس ومؤثر على سمعة الكيان الصهيوني حول العالم، كما أنها زادت من التعريف بالقضية الفلسطينية، ونجحت بصورة باهرة في إفشال مئات الفعاليات داخل دولة الاحتلال كان مقررًا لجهات وشخصيات عالمية المشاركة فيها.

ربما تكون الحركة الفلسطينية هي الأقرب إلى سوريا، وكونها نموذج رائد وناجح في هذا المجال يمكن أن تُستلهم الفكرة لبحث آليات التنفيذ في سوريا أو تطويرها، وفي هذا التقرير نبحث عن جدوى مقاطعة النظام السوري وإلى أي حد يمكن أن تضرّ به.

قانون قيصر.. أول النجاحات

إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي، منتصف ديسمبر المنصرم، لقانون قيصير، كان أول نجاحات جهود السوريين في مجال فرض مقاطعة على نطاق دولي على نظام الأسد.

بحسب تحليل لوكالة الأناضول، فإن القانون يشكل فرصة ذهبية لقوى المعارضة السورية، لجهة صد اندفاعات بعض الدول والأطراف نحو بناء علاقات مع النظام، كما أنَّه عزز من الضغوط المفروضة على النظام. ويفرض قانون قيصر عقوبات اقتصادية، على أركان نظام بشار الأسد، وداعميه الإيرانيين والروس، وكل شخص أو جهة، أو دولة تتعامل معه، وتعتبر هذه العقوبات حال تطبيقها، الحد الأعلى ما دون التدخل العسكري المباشر، التي يمكن أن يتعرض لها نظام الأسد، ويضع روسيا وإيران وجها لوجه أمام العقوبات الأميركية، خصوصا وأنه يصاحب حملة ضغط شديدة الوتيرة ضد إيران.

وعند تفعيل القانون، ستكون جل المؤسسات الروسية عرضة للعقوبات، ابتداء من الجيش الروسي وقيادته وصولاً إلى منتجي الأسلحة ورجال الأعمال والمقاولين العسكريين الخاصين وصناعة الطاقة.

قيصر

مبادرات صغيرة

شعبيًا.. حصلت بعض حركات المقاطعة غير المنظمة في السنوات الماضية، واستهدفت النظام بشكل عام، وغالبًا ما تكون هذه الحملات إما مبادرات فردية أو عدة أشخاص يعملون على دعوة لمقاطعة منتج ما أو نشاط ثقافي أو فكري أو ربما رياضي، أو محلات تجارية يكون أصحابها إما موالون للنظام أو داعمين له، وهنا نتحدث عن محاولات خارج سوريا.

في الفترة الأخيرة وأثناء عمليات النظام في إدلب وريفها وريف حلب وخلال استيلاء النظام على بعض المناطق الغربية لمدينة حلب، نشر أحد المحلات التجارية السورية ومقرها في مدينة غازي عنتاب التركيّة كلامًا يؤيد في نظام الأسد وعملياته العسكرية ويباركها، فما كان من الصحفي والناشط السوري أحمد بريمو إلا أن أطلق حملةً لمقاطعة المتجر، لاقت دعوته صدىً واسعًا بين ناشطي الثورة ومؤييدها في المدينة، ويقول بريمو لـ "نون بوست"، "إن حملة المقاطعة الشعبية لهذا المحل التجاري من الممكن أن تجعل صاحبه يغلق المتجر".

إذًا المقاطعة على الصعيد التجاري وخاصة في دولة مثل تركيا منهكة جدًا وتقطع بابًا كبيرًا من أبواب التي يمتلكها النظام للترويج له أو لدعمه حتى، خاصة أن هذا البلد يتواجد فيه أكثر من 3 ملايين سوري، والأعمال التجارية الخاصة بهم في تصاعد، وتذكر الأرقام أن الشركات السورية المرخصة المتواجدة في تركيا يفوق الـ 10000 شركة، ويشير الصحفي بريمو: "نحن الموجودين في تركيا نُعتبر من الأشخاص الذين هُجروا قسريُا من قبل نظام الأسد فالبتالي السلاح الوحيد الموجود في يدنا هو مقاطعة كل مؤيد للنظام أو داعم له بكاف المجالات".

لم تقتصر حملات المقاطعة على الأماكن التجارية بل تعدتها للفنية، حيث شهدت السنوات الأخيرة في بلدان لجوء السوريين حركات مقاطعة لحفلات يحييها فنانون مؤيدون لنظام الأسد ويهتفون له، فمثلًا نجح لاجئون سوريون في ألمانيا بإلغاء حفل للفنان الموالي لقوات الأسد والمدافع عنه علي الديك، وذلك بعد تجمهرهم أمام القاعة المخصصة للحفل ومحاصرتها، وعند كل حفل فني يقيمه شخص موالٍ للأسد تكثر دعوات المقاطعة لهذه الفعاليات.

ووصلت حملات المقاطعة إلى علم النظام السوري، حيث تدور دائمًا دعوات لإلغاء وجود هذا العلم واستبداله بعلم الثورة السورية، من قبل طلاب الجامعات أو الناشطين في العديد من الدول.

فعلى سبيل المثال استطاع طلاب جامعة غازي عنتاب في تركيا من وضع علم ثورتهم محل علم النظام السوري بعد إقناعهم لإدارة الجامعة باستبداله، وفي تركيا أيضًا أجبر طالبٌ سوري أحد المطاعم في مدينة اسطنبول على إزالة علم النظام واستبداله بعلم الثورة وذلك بعد إطلاق هذا الطالب حملة على وسائل التواصل الاجتماعي ضد المطعم، الأمر الذي جعل صاحب المطعم يستجيب لهذه الحملة.

وإلى الداخل السوري في الشمال المحرر والذي تسيطر عليه فصائل المعارضة، يتحدث كثيرون عن ضرورة مقاطعة بعض الأوراق النقدية السورية لفئة وخاصة فئة الـ 2000 ليرة سوريّة التي تحمل صورة رأس النظام السوريّ "بشار الأسد" وهي من أحدث إصدارات العملة الورقيّة السوريّة، يليها مقاطعة حقيقيّة من قبل المؤسسات الرسميّة والمجالس المحليّة التابعة للمعارضة السورية، وبالفعل بدأ الكثير من الناس بتلك المناطق بالتعامل إما بالدولار أو بالليرة التركية، وعلى الرغم من أن هذه المقاطعة أتت متأخرة إلا أنها أضرت بالنظام بشكل فعلي كون الشمال السوري يضم أكثر من 4 مليون شخص، وإيقاف التعامل بعملته بين هذا الكم من الناس يسبب كارثة لاقتصاده.

تجريم الأسدية

يجلس اللاجئون السوريون في دول لا تعتبر التطبيع من النظام الأسدي جريمة بل ضرب من ضروب حرية التعبير، لذلك وبحسب الصحفي بريمو فإن الحل يكمن في ما "يمكن أن نفعله نحن كمتضررين من النظام وهو مقاطعة كل من يمت بصلة لبشار الأسد ومؤيديه على كافة الأصعدة"، ويضيف بريمو: "خيار المقاطعة هو سلاح مجدي وفعال بالنسبة للاجئين والمهاجرين، فمقاطعة هذا النظام تدفع المواليين له بالتراجع وإخفاء مواقفهم أو في حال إصراراهم على هذا الأمر فإنهم سينسحبون إلى أماكن أخرى".

يرى بريمو أن هذا السبيل في المقاطعة قد لا يكون له "أثر حقيقي على المستهدفين إنما تكون موقف أثبتت فيه المقاومة الناعمة أو السلمية"، مضيفًا نحن اليوم ليس لدينا "القدرة على المواجهة المباشرة مع النظام ولكن لدينا القدرة على تسجيل مواقف كبيرة في سبيل المضي بالثورة".

من جهتها ترى لينا الشامي الناشطة السورية المعروفة أنه يجب مقاطعة المواليين للأسد والمؤيدين له، وفي تغريدة لها على تويتر ردًا على تخصيص تركيا رقمًا للتبليغ عن مؤيدي الأسد على أراضيها تقول الشامي "الأسدية جرم، وليست وجهة نظر، كما النازية، يجب أن يتحول تجريم الأسدية ومن يدعمها إلى قانون في كل مكان من هذا العالم".

هذه النماذج الفردية التي أحدثت صدىً واسعًا تكشف أن للمقاطعة أهميةٌ كبيرة في مسيرة كفاح الشعب السوري لنيل حريته وإزالة نظام الأسد، ولعلها تبرز كسلاح فعال يلجأ إليه سوريو الخارج والعمل الدؤوب لإنهاء حكم آل الأسد، لكن المؤسسات السورية والأجسام السياسية للمعارضة في دول اللجوء لم تتبنَ إلى الآن طريقةً واضحة في التعامل مع النظام، وهذه الأعمال تحتاج إلى مأسسة وتنظيم كي تكون ذات جدوى وفاعلية، كما رأينا في استهلالنا للمادة بمثال حركة المقاطعة الفلسطينية، فالجميع ينتظر تلك الحاضنة التي تنظم جهودهم وتنقلهم من العمل الفردي إلى الجماعي المنظم ويصبح التركيز أكبر والتحشيد أضعاف مضاعفة ما يثمر النتائج المرجوة.

===========================

المعارضة السورية .. ضرورة تصحيح البوصلة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 18/3/2020

مع حلول الذكرى التاسعة لانطلاق ثورة الحرية والكرامة، تثور أسئلة سوداوية عن المصير والمستقبل، في ضوء المعطيات القائمة أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا؛ وأسئلة عن سبل الخروج من تحت الأعباء الثقيلة والكثيفة التي ترتبت على سياسات النظام الحاكم والقوى الإقليمية والدولية التي دعمته في خياره المدمر للدولة والمجتمع، وعما يستدعيه ذلك من المعارضة السورية، بقادتها وكوادرها ومثقفيها، كي تستطيع لعب دور إيجابي في معركة الخروج من هذا الحال، ووضع البلد على طريق الحرية والكرامة والعدل والمساواة وسيادة القانون والحريات العامة والخاصة، والفصل بين السلطات والمواطنة، في دولةٍ حديثة ونظام ديمقراطي، هدفها المعلن منذ سنين.

لم يكن المسار الذي اتخذته الثورة السورية المجيدة قدرا محتوما، بل نتيجة منطقية وموضوعية لطبيعة القوى الشعبية التي فجرتها، ببنيتها السياسية والثقافية والنضالية الهشّة، من جهة، وللدور الهامشي الذي لعبته المعارضة الحزبية وعجزها عن الالتحام بالثورة وقواها الشعبية، ولعب دور مباشر في فعالياتها الميدانية والمساهمة في التخطيط والتنظيم والحشد السياسي والإعلامي المحلي والإقليمي والدولي، من جهة ثانية، وقوة التدخل الخارجي ونقله الصراع من صراع في سورية بين معارضة سلطة مستبدة وفاسدة إلى صراع على سورية بين قوى إقليمية ودولية، من جهة ثالثة. فالمعارضة الحزبية؛ موضوع هذه المساهمة، بمنطلقاتها العقائدية وبرامجها السياسية وممارساتها العملية التي تبنتها، وقد حوّلتها إلى بقرة مقدسة طوال عقود سابقة على انفجار ثورة الحرية والكرامة، لم تكن جاهزة لدور كبير ووازن في الثورة، في ضوء نظرتها السياسية إلى المشهد السياسي المحلي والإقليمي والدولي، وانطلاقها في التعاطي مع الموقف السياسي المحلي من مسلّمات مرحلة النضال الوطني التي لم تنجح في تجاوزها، حيث بقيت في تحليلها وتقديرها للموقف محكومةً بأولوية التحرّر من الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، وتحقيق السيادة الوطنية وإقامة نظام وطني مستقل؛ والنظر إلى النظام الحاكم باعتباره جزءا أصيلا من قوى التحرّر الوطني، السوري والعربي؛ واعتبار التناقض معه ثانويا، يمكن تجاوزه عبر الانخراط في حوار وتعاون وتحالف معه، لتحقيق الهدف الأكبر: التحرّر الوطني وتحقيق السيادة الوطنية. فالأحزاب ذات الخلفية الماركسية اعتبرته نظاما تقدّميا ومناهضا للإمبريالية، والأحزاب ذات الخلفية القومية اعتبرته نظاما عروبيا، واقتصر تحفظها، الأحزاب، عليه في جزئية الانفراد في السلطة وعدم 

"تحتاج أحزاب المعارضة لإعادة نظر في توجهاتها العامة وتصوراتها السياسية وإقامة رؤية جديدة"إشراكها في إدارة الحكم. تجلى ذلك بوضوح في البرامج التي صدرت في بدايات الألفية الثالثة، "البرنامج السياسي للتجمع الوطني الديمقراطي في سوريا"(2001)، و"البرنامج السياسي العام" لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي (2003)، و"موضوعات المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي" (2004)، غيّر اسمه بعد المؤتمر فأصبح حزب الشعب الديمقراطي، حيث جاءت على شكل خطوط عريضة وتصورات عامة وعدم القطع مع النظام وممارساته وتجاوزاته، فقد بقيت تعتبره في الصف التقدمي والعربي؛ قدم كاتب هذه السطور قراءات نقدية لهذه البرامج ولـ "الميثاق الوطني في سوريا"، وثيقة جماعة الإخوان المسلمين في سورية (2002)، في حينه. كان نائب رئيس الجمهورية، عبد الحليم خدام، قد أضاء لها الضوء الأحمر في محاضرته في جامعة دمشق فبراير/ شباط 2001 باتهامها بدفع سورية نحو الجزأرة والصوملة، لكن ذلك لم يستفزّها ويدفعها إلى الخروج من طمأنينتها، ورهان بعضها على وعود الرئيس الجديد، بشار الأسد، وتجاهلها الطريقة التي وصل فيها إلى السلطة، وأثرها على النظام الجمهوري، ومستدعياته الأولية التي تتعارض مع التوريث؛ حيث لم تصدر عنها بعد ذلك وثائق أو برامج تغطّي المتغيرات التي حصلت في الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، أو دراسات تقوّم التوجهات الجديدة للنظام ومآلاتها، في ضوء انقلابه على وعوده العامة، وعودة التشدّد والقبضة الأمنية والاعتقالات، وتنشيط محكمة أمن الدولة سيئة الصيت، وأحكامها الجائرة، وتكريس السلطة الأسرية والمحسوبية والفساد ونهب المال العام تحت راية "اقتصاد السوق الاجتماعي"، في تجويفٍ كامل للدولة، بالقضاء على عموميتها وحياديتها، حتى إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي؛ الذي ضّم، عند قيامه عام 2005، أوسع تحالف معارض، لم ينجح في تلافي عيوب التشكيلات السياسية السابقة ونواقصها بوضع تصور سياسي وبرنامج عملي للوصول إلى هدفه: نظام ديمقراطي.

لم تنجح أحزاب المعارضة في التعاطي مع المتغيرات المحلية، في ضوء هشاشة بنيتها الفكرية والتنظيمية. ولعب الضغط الأمني دورا وازنا في تكريس هذه الهشاشة، حيث بقي حجمها صغيرا، بالقياس لعدد السكان، وانتشارها محدودا، اقتصر على تجمعاتٍ في عدد من المدن الرئيسة. لم تحاول التعمّق في فهم بنية الوعي السياسي ومحدّداته في التجمعات الشعبية، والعمل على اقتحامها، فافتقرت لمعرفتها ولتقدير حدة احتقانها وتوترها الداخلي، وردود أفعالها المحتملة على سياسات النظام، وانعكاساتها على حياتها وإحساسها بعدم الأمان. وقد برزت سلبية ذلك في الأيام الأولى للثورة، حيث ظهرت غربة الأحزاب عن الجماعات والتجمعات التي خرجت في التظاهرات؛ وتعمّقت الغربة بعد عجزها عن مد جسور التواصل معها، والالتحام بها، والانخراط في الثورة ومعاركها السياسية والإعلامية، ما أفقد الثورة فرصة الاعتماد على أطر للتنسيق والتشبيك، وغرف عمليات وإدارة جاهزة، ما اضطرّها لإقامة هذه الأطر بجهد ذاتي، عبر تشكيل تنسيقياتٍ بقيت هشّة، نتيجة حداثة التجربة وعدم وجود سوابق عملية ومعرفة وثيقة بين المساهمين في إقامتها، وهذا تجلى في أهم عيبين ظهرا في مسيرة الثورة:

الأول، غياب تنسيق عميق وقرار جماعي لفعاليات الثورة وخططها المستقبلية، ما حوّل الحراك 

"لم تنجح أحزاب المعارضة في التعاطي مع المتغيرات المحلية، في ضوء هشاشة بنيتها الفكرية والتنظيمية"الشعبي إلى حراك مناطقي محكوم بقوى محلية وقدرات سياسية وتنظيمية ضعيفة، وتحوّل المناطقية إلى مقياس معتمد في العلاقات بين القوى والمناطق، وقاعدة لمطالب وأدوار في مؤسسات المعارضة التي نشأت لاحقا، وفي تقاسم الدعم الخارجي.

ثانيا، غض النظر عن عيوب الثوار وأخطائهم، وتأييد ما يحصل فيها، أو السكوت عنه، ليس من باب الاقتناع بصحته وسلامة منطلقاته ومآلاته، أو القبول بما يحصل؛ بل تأييدا انتهازيا على أمل تحصيل مقعد في الثورة، والمشاركة في صياغة سورية الجديدة التي ستقوم بانتصار الثورة الحتمي. وهذا قاد إلى تراكم الأخطاء والتخبط والعجز عن الاستدراك ومراجعة مسيرة الثورة وترشيد خطواتها اللاحقة.

تحتاج أحزاب المعارضة لإعادة نظر في توجهاتها العامة وتصوراتها السياسية وإقامة رؤية جديدة، في ضوء دراسة المجتمع السوري ببناه الاجتماعية والدينية والمذهبية وسياسات النظام في رده على الثورة ومطالبها، وانعكاس ذلك على المجتمع والدولة ومستقبلهما، وتحديد أرضية معلوماتية ومفاهيمية للتحرّك واستدراك الأخطاء ومواجهة العقبات، وإعطاء مساحة أكبر للجانب العملي، والتخفف من آليات عملٍ أساسها الاجتماع خلف أبوب مغلقة، على أمل تعديل المسار، والانطلاق نحو إعادة مطالب الثورة إلى الطاولة، لأخذها بعين الاعتبار من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع على سورية.

وهنا يرى كاتب هذه السطور أن أول القضايا التي تحتاج إلى إعادة نظر الموقف من الأديان بعامة، والإسلام بخاصة، لما له من موقع مركزي ودور في تكوين شخصية السوري، وانطوائه على طاقة ثورية عظيمة، ودفع قوي للتضحية في سبيل العقيدة والقيم الأخلاقية، ولموقعه في 

"الاعتبارات التاريخية والثقافية تفرض احترام العامل الديني، باعتباره عاملا مكونا في شخصية المسلمين وثقافتهم وسلوكهم العام والخاص"وعي المواطنين وخياراتهم وتفضيلاتهم؛ وعدم تركه لحركات الإسلام السياسي، توظفه في الحشد خلف رؤاها السياسية والاجتماعية، ما يستدعي تليين النظرة العلمانية المنطلقة من اعتبار الدين أساس اغتراب الإنسان، وتحطيم ذاته وتمزيق شخصيته، واعتبار نبذ الدين وإخراجه من الحياة ونظمها وقوانينها مهمة أولى ورئيسة على طريق التحديث والديمقراطية، بتجاهل تام للدور الذي لعبه الدين وما زال في حياة الإنسان، الفرد والجماعة، وتجاهل ظاهرة تعدّد أنماط العلمانية في التجربة الغربية؛ فهناك النمط الفرنسي المتصلّب، يوصف باللاديني، أو اللاييكي بالفرنسية، الأثير على قلوب علمانيي بلاد المسلمين، والنمط البريطاني الذي قضى بإعطاء الدين دوراً، وإن كان محدوداً، عبر الاعتراف به في حياة المواطنين ومنح الكنيسة استقلالية وحرية عمل اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وإعلامياً، وتعيين 25 رجل دينٍ مسيحيٍ في مجلس العموم البريطاني، والنمط الأميركي المتصالح مع الدين، والمنطلق من نظرة تقول: "إن ثمة إمكاناً لتنظيم العلاقة بينهما وجسر الهوة عبر التنسيق بين فرضياتهما وقيمهما بما يخدم هدفهما المشترك: الإنسان"، ما جعله لا يرى تناقضا بين علمانية الدولة وفرض الصلوات في المدارس الرسمية، وعدم الانطلاق من نظرةٍ أحاديةٍ تقفز على حقائق التاريخ والضرورة الاجتماعية، وتتجاهل مستدعيات التصور العملي والخطة الصائبة بجناحيها: المعقولية والعملية، فالاعتبارات التاريخية والثقافية تفرض احترام العامل الديني، باعتباره عاملا مكونا في شخصية المسلمين وثقافتهم وسلوكهم العام والخاص، والضرورة الاجتماعية تستدعي أخذ التطور المفاهيمي والقيمي والتقني والمؤسسي الحديث في صياغة نظمنا السياسية وعلاقاتنا الاجتماعية خدمة للإنسان في حقوقه وواجباته، بحيث تصبح حياته أكثر أمناً واستقراراً وحرية، ما يستدعي عدم اعتماد مواقف نمطية جامدة واستبعاد هذا العامل أو ذاك، والعمل على جسر الهوة مع الرؤى والقناعات الشعبية ذات الجذر الديني، بالبحث عن تقاطعاتٍ، وطرح تأويلات وحلول وسط تجعل الرؤى والخيارات الحديثة قريبةً من المزاج العام، تمهيدا للدخول في تفاهمات وعقود اجتماعية مناسبة.

===========================

سوريا: البلد الذي تتحاشاه النظرات!

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 18/3/2020

منتصف مارس/آذار الحالي، تدخل سوريا عامها العاشر منذ اندلاع ثورة شبابها عام 2011، حين خرجوا إلى الشوارع يهتفون من أجل الحرية والكرامة، ويعلنون كفايتهم من الذل والاستبداد لنصف قرنٍ من الزمان، على يد قادة متوحشين لا يتورعون عن عمل شيء أبداً، ويعتمدون علناً على سمعتهم هذه.

يغرق أطفال سوريا في المرض وسوء التغذية، ويخضعون لظروف التشغيل والتجنيد العسكري، وتزويجهم أطفالاً واستغلالهم جنسياً، ولانعدام فرص التعليم وانقطاع سلسلته لسنوات، بعد أن توقف ثلث المدارس عن استقبال التلاميذ، وبسبب التدمير أو الانشغال بالقوى المسلحة أو النازحين، من مناطق أخرى.

ولا شيء بعدُ في الأفق ينبئ ببصيص أمل لهذا الشعب المسكين، الذي لم يعلن توبته عمّا فعله أبناؤه الثوار الأوائل، رغم كلّ ما حدث له، ورغم تمزيق البلاد إرباً على مرأى من العالم كله. فقد استبدّ الحلم بانتصار حاسم على النظام في عامي 2012- 2013، بالكثير من المعارضين السياسيين، والعسكريين أو من في حكمهم خصوصاً. ولم تستطع تلك الموجة الدولية العارمة التي أخرجت بيان جنيف1 إلى النور في منتصف عام 2012، ولا تلك الموجة العربية التابعة آنذاك، التي كانت حصيلتها إنجازات مؤتمر القاهرة، بعد بيان جنيف بأسابيع قليلة، أن تتغلب على ميول بعض المعارضين إلى استكمال الحسم على الأرض، مدعومين بدول إقليمية لها برامجها أيضاً، ثم بدعم الولايات المتحدة أيضاً، أو بقيادتها لغرفة العمليات المعارضة.

واستطاع ذلك التيار بالفعل أن يتطور ويتقدم إلى أمام، من خلال توظيف الدعم الإقليمي المتعدد في اتجاهات متعددة، تورّمت القوى الإسلامية من خلالها، وتلك الأكثر تشدداً منها بالضرورة، وبتأثير مستلزمات المنافسة والصراع على سوريا والسوريين. وحدث ذلك في العامين التاليين 20142015، ما جعل دمشق تبدو دانية القطوف في صيف العام الثاني، ولكن للأيدي الأطول والأكثر ميلاً للمغامرة خصوصاً.

فكان أن ظهر التدخل العسكري الروسي المباشر في سبتمبر/أيلول من ذلك العام طبيعياً وعادياً، وربما في مكانه، ليس لأهل النظام وحدهم، بل للعديدين غيرهم من المراقبين، والمتورطين من دون رغبة بمشاهدة حالة متطرفة في دراميتها واحتمالاتها. ولم يكن لذلك إلا أن يؤكد لشباب ربيع 2011- عدداً ونوعاً- صحة انعزالهم النسبي، وللبقية العامة ضرورة اجتياح الحدود المجاورة، ثم حدود أوروبا لاحقاً. في حين أنعش ذلك التدخل والاحتدام حمّى التطرف، وتعاظم حجم وتأثير “داعش” و”النصرة” إلى حدود حاسمة تفرض مجاراتها كلياً أو جزئياً على غيرهما أحياناً.

 

لا شيء في الأفق ينبئ ببصيص أمل للشعب السوري، الذي لم يعلن توبته عمّا فعله أبناؤه الثوار الأوائل، رغم كلّ ما حدث له

 

ولم تخلُ المعارضة هنا أو هناك، والأوساط الدولية الصديقة أيضاً، من بعض تفاؤل بأن يحمل التدخل الروسي بعض الإنعاش لعوامل الحل السياسي، بعد أن كانت القيادة الروسية، قد عكست بعض الحكمة منذ مؤتمر جنيف الأول، وأوحت بأنها لا تتمسك بنظام فاشل إلى حدٍ كبير، وتوافق من ثم على استبداله بهيئة انتقالية كاملة الصلاحيات، ستحاول أن تجعلها لطيفة على النظام وأهله، قدر الإمكان. ازداد ثقل وظلّ الدور الروسي بعد ظهور نتائج التدخل العسكرى السريعة، من خلال موافقة مجلس الأمن على القرار 2254 بعد خمسين يوماً من بدء العمليات. وربما كانت تلك الموافقة الروسية تهدف إلى امتصاص ردود الفعل على المشهد العسكري الفظ آنذاك، فذلك القرار، رغم كل ما أدخله الروس عليه من الغموض، حدّد من جديد مخطط الانتقال السياسي في سوريا، بتشكيل حكومة لاطائفية خلال ستة أشهر، ثم صياغة دستور جديد، فإجراء انتخابات خلال ثمانية عشر شهراً، تحت إشرافٍ أممي، إضافة إلى ضمان إجراءات مكافحة الإرهاب.

ولكن نجاحات التدخل الروسي المتلاحقة، استطاعت تعزيز صلابة الرؤوس الحامية في موسكو، خصوصاً من خلال ظهور ميول الإدارة الأمريكية للابتعاد عسكرياً وسياسية عن القضية المتشابكة. وأصابت تلك الأجواء المتشددة بعدواها رأس النظام وقيادته، التي كانت مراراً على أعتاب اليأس والاستسلام قبل ذلك، فازدادت رفضاً للعملية السياسية، وبناء الخطط على أساس الانتصار النهائي المقبل. فاستحقت المعارضة السورية ما لحق بها، بعد استكبارها في العامين أو الثلاثة التالية، بتحفظ بعضها على العملية السياسية، لتصبح في وضع تتنازل فيه يوما بعد يوم، من دون مردودٍ ولا مقابل.

ولا نظلم المعارضة المتصدرة للمشهد هنا، مع تزايد ضعف تمثيل الشعب السوري في الواقع إلى حدود فاقعة، وازدياد غياب اللون الديمقراطي المدني المعتدل؛ في حين ارتمت أطراف المعارضة الإسلاموية بسعادة وانسجام في أحضان أطراف إقليمية، وابتدأ يظهر عليها ابتعادها عن تأييد طموحات السوريين في التغيير، وبرزت مكانه تكشيرة شامتة بفشل مشاريع تحديث ودمقرطة المنطقة. لم تستطع الأمم المتحدة، رغم تحديث طرائقها بمرونة وتكيّفٍ مرات عدة، أن تجمع طرفي المعادلة السوريين معاً أبداً حتى الآن. كانت ذروة نجاحات ديمستورا في جنيف4، رغم التشاؤم الذي فرضه موقف الإدارة الأمريكية الانسحابي آنذاك، حين استطاع التقاط صورة للوفدين على خشبة مسرح واحدة. وتم الاتفاق في تلك الدورة على بعض إجراءات تتلامس وتتوازى مع خطوط القرار الأممي 2254.

كان طبيعياً ومفهوماً بعد ذلك أن تبدأ علامات الرفض والتعطيل الخرقاء بالظهور في سلوك النظام ووفده، الذي اضطر للذهاب إلى جنيف بعد اللتي واللتيا عدة مراتٍ بعد ذلك، في أجواء تزداد احتفالاً بالانتصارات المتوالية على الأرض، بإسهام رئيسٍ من قبل الجيش الروسي، وطيرانه الحرّ المتطور الحاسم الدور. ولكن الأمر المفاجئ، أو غير المفاجئ أيضاً، هو تزايد الضغوط الداخلية في جهة المعارضة، رفضاً وتشهيراً، مع شبهة تشجيع من أطراف إقليمية لا تجد فرصة لمصالحها في هذه اللحظة، ضمن دائرة العملية السياسية، ولأسباب لا تتعلق بالقضية السورية أبداً، بل بتطورات أخرى، أهمها احتدام الخلاف الخليجي، وبين القطبين اللذين كانا الداعمين الأكبر للمعارضة في الأساس، إضافة إلى بدء تحوّل العدسات إلى ساحاتٍ أخرى، ازدادت أهميتها شيئاً فشيئاً، في ظلّ عطالة المسألة السورية، التي ملّت أطرافها من استثارة الاهتمام الأمريكي بلا جدوى فعلية أو حاسمة.

يُسجّل للأمم المتحدة أيضاً، قدرتها على الالتفاف على تلك الأوضاع، وتطويع مسار أستانة الموازي منذ مطلع عام 2017، باتجاه تطوير أي بنية تجمع السوريين معاً، وتؤسس للمراحل اللاحقة، باعتمادها من قبل الأمم المتحدة. كانت اللجنة الدستورية تلك البنية، بعيوبها الكثيرة، التي لم تستطع مناقشات ومناورات ماراثونية أن تخفف منها كثيراً. ولكن تركيبة تلك اللجنة من الناحية النظرية، وربما من وجهة نظر القانون الدولي، ستسمح لها بأن تكون حقلاً للتفاعل، يمكنه بناء شيء سوري – سوري في المستقبل، ومن أجل المستقبل. وهذا أمل يرى فيه بعض السوريين معادلاً لأمل إبليس بالفردوس، ولكنه الموجود. تحولت معارك قوات لنظام التي ما عادت هي النظام، وقوات المعارضة التي ما عادت هي المعارضة، إلى عبث وموت مجاني، لا يمكن بوجوده تلمّس أي بارقة لوقف شاملٍ لإطلاق النار، والتماس لحظة التقاط الأنفاس منها.. لأن الدولة السورية تهتكت، والبلاد تمزقت، والشعب تفرق في أركان المعمورة.

ولا تنفع نداءات الظفر والنصر هنا وهناك، ولا البكاء على الأطلال أو الزمن الغابر.. ما ينفع – ربما- هو تنشيط الاهتمام الدولي من جديد، وهو الأكثر فعلاً وإمكانياتٍ حالياً، بانتظار أن تثمر محاولات السوريين لتنظيم أنفسهم من جديد، على أسس جديدة، وأرضٍ جديدة، فالنظام تناهى، والمعارضة القديمة تناهت.. ولا بأس بكل ما يوحد ويجمع ويعيد الاجتماع السوري والأمل السوري. ولا يعني ما قيل أعلاه، إننا لا نرفع الصوت عالياً تحيةً لثورة آلسوريين في ذكراها التاسعة.

===========================

كيف نجا الأسد من «الربيع العربي»؟

عبدالله الغضوي

عكاظ

الثلاثاء 17/3/2020

لم يكن الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، يحتاج لأكثر من أربعة أسابيع حتى يفضل مغادرة البلاد، على المواجهة مع الشعب التونسي وانقسام الجيش ليطوي 23 عاما من الحكم دون إراقة دماء، لتدخل تونس في عهد جديد أخرج أرباب الإسلام السياسي «البعبع» إلى واجهة المشهد مرة أخرى.

في مصر كانت العجلة أكثر سرعة بحكم الطبيعة السياسية والعسكرية، إذ بدأت الاحتجاجات في 25 يناير 2011، وسط مواجهات كادت أن تودي البلاد إلى الهاوية إلا أن موقف الجيش غيّر المعادلة على الأرض، وفضل الرئيس الراحل حسني مبارك التنحي في الحادي عشر من فبراير. أما في ليبيا فكان المشهد أطول، إذ دخلت البلاد في حرب أهلية مازالت تجر ذيولها حتى الآن، امتدت هذه المواجهة إلى ستة أشهر انتهت بسيطرة المسلحين على العاصمة طرابلس واعتقال نجل معمر القذافي سيف الإسلام، وإعلان نهاية حقبة العقيد معمر القذافي في أغسطس 2011 بينما قتل في أكتوبر من ذات العام. في اليمن حاول الرئيس الراحل علي صالح الاستمرار في اللعب على تناقضات وانقسام المجتمع، خصوصا وأنه كان ضامنا لولاء الجيش، إلا أن تدخل دول مجلس التعاون الخليجي للحؤول دون تشظي الوضع قادت الرئيس علي صالح إلى التخلي عن الحكم، لكنه بقي يدير اللعبة من الخارج إلى أن انتهت بمقتله على يد حلفائه الحوثيين في ديسمبر عام 2017.

ماذا قال طلاس وخدام؟

في الرابع من نوفمبر عام 2019 أجرى فراس طلاس نجل وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس مقابلة على قناة «روسيا اليوم»، كشف فيها عما قاله والده عن صعوبة إسقاط النظام، وقال إن والده كان متأكدا من أن سقوط النظام السوري سيعني سقوط النظام العالمي.

وأوضح طلاس خلال برنامج تلفزيوني أن أباه جمعه مع أخيه عندما قررا الخروج من سورية، وقال لهما: «هذا النظام لا تستطيعون إسقاطه لا أنتم ولا الدول العربية.. لأن حافظ الأسد هو من نسجه داخل النظام العالمي وسيسقطان معا حال سقوطه».

أما عبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري السابق وكاتم أسرار النظام، فقد قال في أكثر من مقابلة إن نظام الأسد لا يمكن أن يسقط إلا من خلال عملية عسكرية يقودها تحالف بقيادة الولايات المتحدة، أما مثل هذه الاحتجاجات فالنظام قادر على تحويلها إلى حركات تمرد وإرهاب يمكن مواجهته، وحتى الاعتماد على دول داعمة وهذا ما حدث بالفعل، إذ اختلطت الاحتجاجات بتيارات دينية راديكالية أدت في عام 2015 إلى سيطرة داعش على أكثر من 30 % من البلاد.

هشاشة الموقف الدولي ومصلحة إسرائيل

سوريا «الأسد» خالفت القانون العربي، فكل السيناريوهات الماضية لم تندرج عليها، والأكثر من ذلك أساء الجميع التعامل مع الأزمة وتجاهل خصوصية النظام، وفي كل مرة كان هناك عجز دولي عن تفسير مسارات الأزمة المتوقعة، وبعد هذا العجز دخلت البلاد في أزمة تحولت في ما بعد إلى مصدر الأزمات العالمية، نتيجة الموقع الحيوي لسورية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وخبرة النظام في إدارة الأزمات خصوصا الأمنية منها، واللعب على ضعف وهشاشة الموقف الدولي، ناهيك عن الرؤية الإسرائيلية للوضع في سورية والتي لم تكن غائبة البتة عن الحالة السورية.

أما على المستوى السوري الداخلي، فقد كانت علاقة الحكم في سورية بالجيش والأجهزة الأمنية، اللذين بناهما الأسد الأب على هواه ووفقا للمصلحة «العصبية» على حد وصف ابن خلدون أو بالأدق الطائفية، وهي حسب عموم المراقبين الوصفة السحرية الحامية للنظام، وهو ما جعل الحكم في سورية أكثر تماسكا، بسبب طغيان المصلحة العصبية الطائفية على مصلحة «الدولة»، ذلك أن العصبة العسكرية والأمنية تنتمي لتيار ومذهب ديني واحد، وهذا جعل النظام يستخدم الورقة الطائفية بكل خبث، ليعبر نهر الاحتجاجات ويحول الصراع من احتجاجات تطالب بسقوط نظام ديكتاتوري يمارس القمع في الحرب والسلم على شعبه، إلى حرب ضد الإرهاب من خلال مساهمته في صناعة التطرف وإتقان تصديره إلى الدول الإقليمية، بل يرى البعض أن أجهزة الأمن السورية وفرت البيئة الآمنة والمخصصة لنمو الإرهاب، مستدلين بذلك على خروج النظام السريع من دير الزور والرقة اللتين تحولتا في وقت لاحق إلى عواصم لتنظيم «داعش» الإرهابي.

أجندة أمريكا.. إيران وليس الأسد

هذا الشهر تكون الأزمة السورية -أتمت السنوات التسع، وكل شيء في المحيط يتغير إلا الأسد فهو باق في الحكم رغم تدمير ما يقارب 80% من سورية وفق إحصاءات الأمم المتحدة، اختفى الخطاب الدولي الذي بدأ يطالب بداية الأزمة برحيل الأسد، ولم يعد رحيله ضمن هذا الخطاب الذي نادى برحيل مبارك والقذافي وصالح، بل إن دولا كبرى تبدلت مواقفها من الأسد منها فرنسا التي صرح رئيسها أنه لا مشكلة مع الأسد، بينما الولايات المتحدة لا تعير اهتماما لرحيل الأسد أو بقائه بقدر ما يعنيها خروج المليشيات الإيرانية، أما تركيا فلم تتمكن على مدار السنوات من التأثير على النظام، بل حتى العملية العسكرية الأخيرة التي كلفت النظام خسائر فادحة مرت مرور الكرام، فيما بدأت الجامعة تغير خطابها، ودعت في أكثر من مناسبة إلى إمكانية عودة دمشق إلى مقعدها، بينما تتربع روسيا الآن على قمة الدول الداعمة للنظام، أما إيران فقدمت أكثر من 36 مليار دولار لدعمه.

خيار التدخل الخارجي

هل يعبر الأسد نهر الآلام، وهل يكسر قاعدة ما يسمى بـ«الربيع العربي» الذي أزاح زعماء أربع دول عربية؟ وهل يكون رجل الحرب وما بعد الحرب ويكمل مصيره السياسي؟.السرد الماضي للأحداث المحيطة يكشف حجم التعقيد والخلط المتعمد للحالة السورية، إذ استفادت المنظومة الأمنية من كل التجارب العربية، وعلى ما يبدو أنها وضعت سيناريوهات كل دولة وبدأت التعامل معها لتحاشى نفس المصير، لكن السر الأقوى في سورية هو تماسك «الجيش العصبة» والأجهزة الأمنية التي اصطفت مع الأسد من هرم الإدارة.. ولولا هاتان المؤسستان لما تمكنت روسا وإيران من تثبيت الدعم عبر هاتين الركيزتين. وحتى تتغير آراء هاتين المؤسستين في شكل وطبيعة سورية القادمة سيبقى الأسد الورقة الرابحة على المستوى الدولي والإقليمي.. أما خيار التدخل الخارجي، فقد تم إحالته إلى المشاريع الدولية الفاشلة، وكُتب للأسد عمر جديد.

===========================

كيف يمكن للنشاط الحقوقي الفاعل أن يجرّ أركان نظام الأسد إلى العدالة؟

أحمد أبو قيس

نون بوست

الثلاثاء 17/3/2020

من السكين إلى البرميل، ومن الهاون إلى السكود، ومن الكلور إلى السارين، ومن استدعاء مليشيات إيران ومرتزقتها إلى استجلاب الاحتلال الروسي وجبروته، تفنن نظام بشار الأسد طيلة 9 سنوات، في أساليب قمع وإذلال السوريين الثائرين ضد حكمه، ولم يتوانَ -كما هو معلوم- عن استخدام كل سلاح يملكه للبطش بالشعب السوري الذي صمد في ثورته بلا هوادة ولا تردد، حتى لم يعد يجد مع السوريين إلا أسلوب الأرض المحروقة، والتي يليها سيطرته وحلفاؤه على المدن الرافضة لحكمه، وبالتالي تهجير من يجدون فيه معادل الحرب وصفتها وفعلها.

أمام تلك الانتهاكات المروعّة التي قلبت الكيان المجتمعي السوري، من مجازر واعتقالات وخطف وتعذيب وإخفاء قسري وسلب أموال الناس وتهجير أهالي مدن عن بكرة أبيها، كان لزامًا تشكيل مؤسسات قانونية وحقوقية سورية لمتابعة الفاعلين ومحاسبتهم وإيصالهم إلى المحاكم الجنائية وخاصة محكمة العدل الدولية في لاهاي، وعلى رأسهم بشار الأسد، عنوان الوحشية في المقتلة السورية وأيقونتها.

تأتي أهمية المجال الحقوقي وتوثيق الانتهاكات لمرتبكي الجرائم في سوريا، كونه سبيل القصاص لعوائل الضحايا من شهداء ومعتقلين ومختفين قسريًا، استنادًا إلى المبدأ الرئيسي المنصوص عليه في القانون الدولي الذي يؤكد أن "جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية من أخطر الجرائم في القانون الدولي"، ويشير القانون إلى أن "المعاقبة الفعالة لجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية عنصر مهم في تفادي وقوع تلك الجرائم وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتشجيع الثقة وتوطيد التعاون بين الشعوب وتعزيز السلم والأمن الدوليين".

إلا أن تطبيق قوانين حقوق الإنسان والقوانين الأخرى التي تطالب بحماية المدنيين وحرية المعتقلين السياسيين، كان أمرًا غائبًا إلى الآن، ومع غياب العدالة الدولية فقد الشعب السوري المكلوم ثقته في الإجراءات الدولية من قوانين ومواثيق مكتوبة على الأوراق فقط.

لكن نخبة قانونية حقوقية وقفت مع الثورة وأهلها منذ أول لحظة، وحاولوا جاهدين توثيق المعاناة والعمل على إنشاء مؤسسات تعنى بالشق القانون وحده لملاحقة مجرمي الحرب الذين شاركوا في قتل السوريين في مساع لجرهم إلى المحاكم الدولية لينالوا جزاءهم العادل وينال الشعب جزءًا من العدالة المستحقة في محاسبة المجرمين الذين أجرموا بحقه.

مستمر رغم العوائق

ترتبط مؤسسات العدالة الدولية في هذه الأيام بالقرار السياسي للدول وبالتالي فإن بدء المحاكمات ومساءلة المجرمين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يعد أمرًا صعبًا، وبالنظر إلى الحرب في سوريا فإن الاستقطابات التي حصلت فيها والتحالف الذي شكلته الصين وروسيا اللذين يمتلكان حقد النقض "فيتو"، كل هذا جعل المضي بالمحاكمة والمساءلة مرتبطًا بالتسوية السياسية، ويبدو "هذا في المدى المنظور غير واضح أنه سيحصل، لكنه سيحصل في يوم من الأيام".

السياسي والحقوقي السوري أسامة أبو زيد أشار في حديث لـ"نون بوست" إلى أن عدم تحصيل العدالة في الوقت المطلوب أو المرجو حصولها فيه "لا يعني أن نهمل هذا العمل، فالعمل في الوقت الحاليّ قبل الوصول إلى مرحلة المساءلة المرتبطة بالتسويات السياسية أو تغيير ميزان القوى".

مع دخول العام التاسع للثورة السورية لن يكون أمامنا إلا مزيد من العرق والجهد لنيل الحرية وتحقيق العدالة

وبحسب أبو زيد يوجد أمران من المهم جدًا العمل عليهما، وهما ملف التوثيق الذي تعمل عليه المراكز الحقوقية المرتبطة بالثورة السورية كمركز توثيق الانتهاكات في سوريا، مضيفًا: "سابقًا لم توجد الكثير من المراكز التي عملت بهذا المجال لكن مع الوقت عملت عدة مراكز ومنظمات على موضوع التوثيق".

يؤكد الحقوقي السوري ضرورة هذه الأعمال والحاجة إلى التعاون مع المراكز ذات المصداقية وأن تفتح لها أبواب التعاون من كل من لديه معلومات أو شهادة أو أدلة التي هي من أهم وسائل الدعم"، أما ما يحتاج للعمل بشكل أكبر فهو الحضور في الفعاليات أو المحافل الدولية التي تتضمن القضايا الحقوقية والعدالة لكي تكون الثورة ممثلة من خلال هذه المؤسسات الحقوقية السورية، وتكون ممثلة من شخصيات معروفة ونشطة من الأسماء السورية اللامعة التي لديها رصيد كبير من المعرفة بما يخص الموضوع الذي يستند إلى دعم الجمهور لهذه الشخصيات بالرسائل التي تحملها، ليبقى الحديث في كل اللقاءات الدولية التي تتعلق بالحقوق، تقديم دراسات تكشف حجم الانتهاكات التي ارتكبت، بحسب أبو زيد.

مؤسسات ومراكز

بدأت بعض المؤسسات والمراكز العمل على المجال الحقوقي القانوني والتوثيقي منذ بداية الثورة والإجرام الأسدي في البلاد، وما زالت تعمل بشكل كبير حتى إنها وصلت للعالمية وأضحت منبرًا متحدثًا ومطالبًا بحقوق السوريين بالعدالة، ومثال ذلك الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومركز توثيق الانتهاكات في سوريا المنبثق عن المركز السوري للإعلام وحرية التعبير.

الشبكة السورية لحقوق الإنسان

نشأت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في يونيو/حزيران 2011 أي بعد انطلاق الثورة بثلاثة شهور، وتعرف الشبكة نفسها بأنها "منظمة حقوقية، مستقلة، غير حكومية وغير ربحية، لا تتبنى أي أيديولوجيا". وتهدف هذه المنظمة إلى توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا والدفاع عن حقوق الإنسان السوري أمام المحافل والجهات الدولية، كما أن أحد أبرز أهداف هذه المؤسسة هي "ضمان حقوق الضحايا وفضح مرتكبي الانتهاكات كخطوة أولى نحو محاسبتهم من أجل ردعهم ونظرائهم عن القيام بعمليات مماثلة في المستقبل".

ووفقًا للشبكة فإنها تعمل على توثيق الانتهاكات الحاصلة في سوريا، ودائمًا ما تشارك هذه المنظمة في المحافل الدولية كاجتماعات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في الوقت الذي تبذل جهدًا كبيرًا في التواصل مع مختلف وسائل الإعلام وصناع القرار، وتركز المنظمة عملها مع المنظمات الحقوقية والمدنية السورية والدولية، وعلى رأسها المفوضية السامية لحقوق الإنسان.

تعتبر الشبكة واحدة من أهم مصادر الدراسات التي تصدر عن الأمم المتحدة والخاصة بإحصاءات الضحايا في سوريا، ويُذكر أن الشبكة عضو في "التحالف الدولي لمبدأ مسؤولية الحماية" وعضو في "الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان"، كما أنها عضو مؤسس في "مجموعة تنسيق العدالة الانتقالية".

مركز توثيق الانتهاكات في سوريا "VDC"

يعتبر مركز توثيق الانتهاكات أحد أبرز المؤسسات العاملة في مجال التوثيق من حيث عدد العاملين داخل سوريا وفي دول الجوار، ويمتلك المركز قاعدة بيانات كبيرة وله وجود في جميع المحافظات ومعظم المدن.

ومن أجل الوقوف أكثر على عمل مركز توثيق الانتهاكات تواصلنا في "نون بوست" مع غالية مردم بك مديرة المركز، وتعرف مردم بك مؤسستها بأنها "مركز متخصص في توثيق كل أشكال الانتهاكات التي تقع على السوريين وإنتاج التحليلات القانونية لانتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث في سوريا منذ عام 2011"، ويهدف المركز بحسب مديرته إلى "تمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة ومكافحة ثقافة الإفلات من العقاب وصياغة طريق العدالة الانتقالية في سوريا على أساس الحقيقة والإنصاف والمساءلة".

وتذكر مردم بك أنه ومن خلال "اتباع منهجية قوية تلتزم بالمعايير القانونية الدولية يوثق المركز انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي التي ارتكبتها الحكومة السورية والجهات الفاعلة المسلحة الأخرى في النزاع".

وتعطي مديرة المركز أمثلة على عمل المؤسسة ومنها "توثيق جرائم القتل والاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري، واستهداف المنشآت المدنية بالإضافة لتوثيق الأحداث البارزة مثل استخدام الأسلحة المحرّمة دوليًا وخاصة السلاح الكيماوي والتغيير الديمغرافي، والانتهاكات المرتكبة بحق السوريين اللاجئين والإعادة القسرية".

يقدم مركز توثيق الانتهاكات كل أنواع الدعم التوثيقي لبرنامج التقاضي في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير

كما ينشر المركز أيضًا تقارير إحصائية شهرية وسنوية عن القتلى في سوريا، وكذلك تقارير خاصة تركز على حوادث وانتهاكات محددة مثل الهجوم الكيميائي على مدينة دوما والهجوم العسكري على محافظتي حماة وإدلب والهجوم على مخيم قاح الذي استهدف النازحين داخليًا، وكذلك "عملية نبع السلام" في شمال سوريا. وغيرها من التقارير الموجودة على الموقع الإلكتروني.

محاصرة مجرمي الحرب وملاحقتهم

لم تضع الحرب أوزارها، هل علينا الانتظار ريثما تنتهي لنبدأ ملاحقة مجرمي الحرب؟

تقول غالية مردم بك مديرة مركز VDC بهذا الصدد: "إيمانًا من مركز توثيق الانتهاكات بأنه لا يمكن السماح للجرائم المرتكبة في أثناء النزاع بالمرور دون مساءلة مرتكبيها وتعويض الضحايا، فإننا نهدف من عملنا إلى توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة والشهود، لمنع الإفلات من عقاب مرتكبي الجرائم، من خلال المساءلة عبر الفرص المتاحة".

لكن ما هي تلك الفرص المتاحة؟ سألنا مردم بك، فأجابت:

الاستفادة من مبدأ الولاية القضائية العالمية في المحاكم الوطنية لدول الاتحاد الأوروبي، ويسمح هذا المبدأ لهيئات الادعاء الوطنية بملاحقة من يُعتقد أنهم مسؤولون عن جرائم دولية خطيرة بعينها، مثل جرائم التعذيب وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، حتى إن ارتكبوا هذه الجرائم في أماكن أخرى خارج إقليمها.

تظهر إمكانية أخرى للتقاضي في حالة الضحايا من ذوي الجنسية المزدوجة (الذين تم انتهاك حقوقهم في سوريا) إذا كانوا يحملون جنسية البلد الذي سترفع القضية فيه إلى جانب جنسيتهم السورية.

وتضيف مردم بك بأنه بناء على هاتين الفرصتين، يوثق المركز الانتهاكات بتقديم كل أنواع الدعم التوثيقي لبرنامج التقاضي في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير لبناء القضايا التالية:

في فرنسا: 3 قضايا متعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية معتمدة على القانون الوطني الفرنسي، وقضية واحدة خاصة بقضايا التعذيب معتمدة على الولاية القضائية العالمية. كانت نتيجتها إصدار 3 مذكرات توقيف بحق 3 من كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية الخاصة بالنظام هم علي مملوك وجميل الحسن وعبد السلام حمود.

في ألمانيا: 3 قضايا متعلقة بجريمة التعذيب معتمدة على الولاية القضائية العالمية وكانت نتيجتها إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس المخابرات الجوية واعتقال عناصر تابعة للمخابرات طالبة للجوء في ألمانيا

في السويد: قدم تسعة من الناجين من التعذيب شكوى جنائية في ستوكهولم ضد 25 من كبار أعضاء المخابرات السورية والمؤسسات العسكرية والشرطة العسكرية، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

في النرويج: قدم خمسة من الناجين من التعذيب تهم جنائية ضد 17 من كبار المسؤولين في الحكومة السورية التي تشمل اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

في النمسا: قضيتان متعلقتان بالتعذيب مبنيتان على الولاية القضائية العالمية.

ثمار قانون قيصر في حال تطبيقه

مثّل قانون قيصر واحدة من أهم ثمار الكفاح القانوني والحقوقي الذي مارسه سوريون ومنظمات مجتمع مدني معنية بحقوق الإنسان وملاحقة مجرمي الحرب في نظام الأسد وداعميه، وقد فرض القانون عقوبات اقتصادية على أركان نظام بشار الأسد وداعميه الإيرانيين والروس وكل شخص أو جهة أو دولة تتعامل معه، وتعتبر هذه العقوبات حال تطبيقها، الحد الأعلى ما دون التدخل العسكري المباشر التي يمكن أن يتعرض لها نظام الأسد.

يستهدف قانون قيصر نظام الأسد بشكل رئيسي، إلا أنه يضع روسيا وإيران أمام العقوبات الأمريكية، خصوصًا أنه يصاحب حملة ضغط شديدة الوتيرة ضد إيران، ومن شأنه أيضًا، أن يحبط محاولات روسيا لإعادة الإعمار أو عودة اللاجئين دون حل سياسي مستدام.

يتعين على الثورة السورية وحلفائها والدول الداعمة لها، الإسراع في اتخاذ سلسلة من الخطوات والإجراءات خلال الفترة المقبلة، من أجل الاستفادة القصوى من الظروف التي أتاحها قانون قيصر.

تعزز الحملات الإعلامية التي ترافق الجهود الحقوقية في الولايات المتحدة والدول الأوروبية شرح جرائم النظام بحق السوريين، وتعزيز دعم الرأي العام في تلك الدول لأي خطوات تتخذ لمعاقبة النظام، والتنبيه على كارثية المواقف أو التصريحات التي تحاول الدفاع عنه بزعم أن العقوبات تؤثر على السوريين وليس النظام ومسؤوليه.

بهذه الطرق يؤتي قانون قيصر ثماره، وسيكون أول مسمار يدق في تابوت نظام الأسد، وبداية النهاية لنظام أوقد نار الحرب ليس في سوريا وحدها بل في عموم المنطقة، نظام جعل أكثر من نصف الشعب السوري نازحًا لاجئًا طريدًا، ضحية أكبر كارثة إنسانية في العصر.

لا شك أن الجهد الجاد لمؤسسات القضاء ولجان الحقيقة التي تحدثنا عنها سيؤدي دورًا فاعلًا في تحقيق العدالة الانتقالية.

ومع دخول العام التاسع الثورة السورية لن يكون بوسع المنافحين عن حقوق الشعب السوري إلا بذل مزيد من الجهد والسعي، ومزيد من الالتزام بالمبادئ ومزيد من التوق للحرية، التوق الذي جدد أبناء درعا خلال الأيام الماضية التعبير عنه، في تحدٍ شجاع للأجهزة الأمنية التابعة للنظام وآلته المتوحشة، متحدين سلطته الأمنية، ومؤكدين أن لا شيء سيمنع السوريين من استعادة حقوقهم في الحرية والكرامة والعدالة.

===========================

بعيون ساكنيها.. هكذا بدت دمشق بعد تسع سنوات من الثورة

منتصر أبو نبوت-دمشق

الجزيرة

الثلاثاء 17/3/2020

بعد تدافع وانتظار طويل، تظفر ميساء عبدو (اسم مستعار) بمقعد في حافلة النقل العام من محطة في آخر حي الميدان الدمشقي. تتوجه إلى منطقة الحلبوني قرب محطة الحجاز وسط دمشق. تسلك طريقها وهي تتمعن وجوها متعبة داخل الحافلة.

بدا على وجوه المنتظرين ما أثقلتهم به الحياة خلال تسع سنوات خلت، فالمظاهر التي ثار من أجلها الشعب السوري تضاعفت في العاصمة.

تقف ميساء في حديثها مع الجزيرة نت على حصاد ما وصلت إليه دمشق في الذكرى التاسعة لانطلاق الثورة السورية.

لم تصل ميساء إلى وجهتها بعد، فالطريق إلى أي مكان في دمشق لم يعد بالسهولة التي كانت عام 2011، ليس بسبب ازدحام الطرقات فحسب، بل لكثرة الحواجز العسكرية التي تنتشر في أحياء دمشق ويتوجب على الجميع التوقف عندها.

لكن الذي اختلف عن السابق هو الوجوه التي تقف على الحواجز أو تسير في الشوارع، فالمظاهر العسكرية عموما باتت أمرا طبيعيا في العاصمة، ليس فقط من عناصر النظام السوري وإنما من عناصر أجنبية تتبع مليشيات موالية له، صارت تصول وتجول في دمشق وغيرها من المحافظات، بحسب المتحدثة.

تقول ميساء إن جميع السكان يخافون هذه المليشيات لأنهم يعتبرون النظام السوري نفسه لا يملك سلطة كاملة عليها، خصوصا أن إيران هي التي تدعمها، مضيفة أن كثيرا منها يعمل على إدارة ملفات فساد في البلاد رغم كون أفرادها غير سوريين.

وكشفت أن من وصفتهم بشبيحة النظام باتوا بدورهم يتذمرون من هذه المليشيات، لأن الأمور تخرج من بين أيديهم تقريبا، وهذا ما تعتبره ميساء من أبرز التغيرات التي تظهر جلية في دمشق وشوارعها بعد تسع سنوات من انطلاق الثورة.

خدمات معدومة

تقول ميساء إن "وقوفك على جبل قاسيون ليلا للنظر إلى العاصمة كفيل بأن يكشف بشكل واضح الخدمات المعدومة في دمشق"، في إشارة إلى الظلام الذي يخيم على أغلب الأحياء في عاصمة الأمويين.

ويتناوب سكان الأحياء في دمشق على ما يعرف بـ"التقنين" في الكهرباء التي تأتي لحي وتُقطع عن آخر مدة زمنية. وتضيف ميساء أن الأمر لا يتعلق بالكهرباء فحسب، بل إن الخدمات العامة في جميع نواحي الحياة غير موجودة تماما.

وقارنت بين عام 2011 والعام الحالي، معتبرة أن الوقت الذي ثار فيه السوريون على النظام السوري كان الوضع في البلاد أفضل، لكن رغم ذلك لم يحتمل الشعب صعوبات الحياة ونهب خيرات سوريا على حد قولها.

وتحدثت ميساء عن شريحة الموظفين -ومنها والدها- قائلة إن رواتبهم لم تتغير عما كانت عليه عام 2011، لكنها كانت في عام الثورة تساوي ما يقارب 500 دولار، أما اليوم فتساوي أقل من 50 دولارا، وهو ما يعزز مظاهر الرشى في البلاد.

غني وفقير

من جهتها، تقول الشابة السورية شهد شقرة عن الأوضاع في دمشق بعد تسع سنوات من الثورة السورية "الفل يبدأ من دمشق بياضُه .. وبعطرها تتطيب الأطياب"، مستشهدة في حديثها للجزيرة نت بأحد أبيات نزار قباني.

شهد التي تسكن في حي مشروع دمر بالعاصمة، تسلك طريق الربوة خلال ذهابها إلى الجامعة يوميا، وتصفه بالمنظر الرائع والخلاب. ورغم أنه لا يخلو من متاعب المواصلات العامة، فإنه يعبر عن جمال العاصمة.

على جانبي الطريق تشاهد الورد والفل الدمشقي، قبل أن تدخل إلى وسط دمشق حيث المشاهد العشوائية وغير الحضارية بسبب الإهمال العام، بحسب كلامها.

وأكدت شهد أن المجتمع السوري في دمشق بعد تسع سنوات ينقسم إلى طبقتين اثنتين: الأغنياء والفقراء، ولا مكان للوسطى بينهما، معتبرة أن المجتمع السوري سابقا كان يضم عددا كبيرا من العائلات المحسوبة على الطبقة الوسطى التي سُحقت تماما.

وبرأيها، يبدو التناقض واضحا من خلال المطاعم والمحال التي يرتادها الناس، فمنها مثلا ما لا يمكن لشخص من أحياء مثل البرامكة أو دويلعة أو التضامن المرور أمامها -على حد وصفها- بسبب أسعارها الفاحشة، مع ذلك تجد أن هناك من يشتري منها.

وتتقاسم كل من ميساء وشهد طموح السفر والبحث عن فرصة حقيقية خارج البلاد، وهو هدف يسعى إليه حتى المؤيدون للنظام السوري، بحسب قولهما.

===========================

وهل فيروس الاستبداد أقل فتكاً؟!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 16/3/2020

وهل يحتاج عالمنا، الذي ينوء بأحماله، مزيداً من الهزّات أو الجائحات الخانقة كي يصحو؟! هددته النازية يوماً وعملت على اجتياحه؛ ولاقت بداية مهادنةً وملاطفةً من قوى جبارة (بريطانيا) اضطرت للوقوف في وجهها لاحقاً. لم ينتبه كثيرون للمحارق أو يكترثوا بوجع الآلاف في "أوشفتز". زاد في الطنبور نغماً أنه في أوئل الأربعينيات من القرن الماضي، حتى أمريكا أعادت سفناً محملة باليهود الهاربين من مذابح هتلر، ولم تسمح لهم بالالتجاء إليها. صَحي العالم في النهاية، ووقف على حقيقة ما فعله هتلر، وأقْسَمَ ألاً يحدث ذلك ثانية.

بكل أسف تكرّر ذلك ثانية؛ لقد تكرر "الهولوكوست" على أهل سوريا، وإن كان هتلر أجرم بحق مَن اعتبرهم ليسوا بمواطنيه، فالـ"هولوكوست" السوري كان بأيدي منظومة حكم تحمل الهوية السورية. الأمرُّ والأدهى أن الكثير من القوى الدولية الفاعلة والقادرة على وقف الهولوكوست تفرجت وخادعت، وحتى تآمرت مع منظومة الاستبداد، لقد سمعوا ورأوا تلك المنظومة تنفّذ شعارها: "أحكمها أو أدمرها". وأمام أعينهم استمرت المأساة لـ سنين، وما تزال ماثلة أمام أعينهم تذكّرهم بما فعل هتلر، وهم صامتون.

الآن يحبس هؤلاء أنفاسهم في حالة اختناق أمام "فيروس" لا يُرى بالعين، وقد بقيت أنفاسهم كما هي، وحياتهم طبيعية، وهم يشهدون براميل بارود تسقط على منازل مدنيين؛ لا يخرج منها حي. لقد صمت عالمنا على جائحة دكتاتورية دموية تحاصر أطفالاً دون طعام أو دواء أو مأوى؛ صمت على وجود مئات آلاف السوريين المعتقلين تحت التعذيب، صمت على نبش قبورهم من قبل مرتزقة وميليشيات أسدية إيرانية، صمت على اغتصاب سوريات أمام ذويهم من قبل وحوش تجاوزت الهتلرية بمرات..

الآن تكاد تقف عجلة حياة كوكبنا، يستنفر قادة عالمنا بطريقة غير مسبوقة رعباً وخوفاً من "فيروس" الكورونا، إنه العالم ذاته الذي لم يكترث لتوقف الحياة السورية لسنوات على يد فيروس يراه العالم بالعين المجردة، ويشهد فتكه في الحياة البشرية السورية لسنوات.

مَن بقي على قيد الحياة من السوريين لا يكترث كثيراً لكورونا، لأنه رأى الموت بكل أصنافه وبكثرة

مَن بقي على قيد الحياة من السوريين لا يكترث كثيراً لكورونا، لأنه رأى الموت بكل أصنافه وبكثرة. لقد احتاج السوري لقمة الخبز، وكان عالمنا في تخمة؛ وكان ثمن الحصول عليها السجود للأسد. احتاج السوري من يردع ظالمه وقاتله، فأشاح عالمنا الطرف عن مأساته؛ احتاج مَن يوقف "فيتو" بوتين الذي حمى الجائحة الأسدية، ومنْعُ الغذاء والدواء؛ ولم يجد مَن يردّ الصوت؛ احتاج السوري أن يلجأ إلى سقف في بلد يحميه، فتمّت المتاجرة بروحه ومصيره؛ وها هو فيروس كورونا يعبر دون جواز سفر أو فيزا؛ و دون أن يحمل منة أحد؛ "يخبص" "بفشة" العالم ويدخل عنوة.

ها هو "كورونا" يهزم الظالم والصامت والمتخاذل والرمادي. ها هي كل تلك القوة العالمية الجبارة تقف عاجزة أمام فيروس لا تراه العين. فيروس يغلق الجامعات والمدارس والأسواق والطرقات والمشافي والحفلات؛ ويد العصابة الإجرامية كانت تغلق أرواح السوريين، تدمر المشافي والأسواق والمدارس؛ وكان بإمكان تلك القوى وقفها؛ ولم يوقفوها.

كيف يريد العالم للسوري أن ينسى جروحه التي كانت تُخاط دون تخدير أمام ناظري هذا العالم -لأن هناك من قطع الدواء عمداً- والآن يريد أن يوجد دواءً يقيه من فيروس لا يُرى بالعين. لقد غفلت ملايين عالمنا وكثير من قياداتها عن الجائحة التي حلّت بالسوريين، وأشاحوا الطرف عن أوجاع لا تحتملها الجبال؛ وهاهم أنفسهم يئنون تحت وطئة كورونا.

لا يستطيع اليهود أن يحتكروا "الهولوكوست" لأنفسهم. قالوا: "Never Again" / (لا يمكن لذلك أن يحدث ثانية)؛ ولا يمكن لهذا القول أن ينطبق عليهم حصراً؛ ولكننا نشهد تكرره. لقد تكرر من قبل جهة تجاوزت هتلر ونازيته. وكما تفرج العالم بداية على البلاء، ثم استدركه، وحمل مسؤولية عدم تكراره؛ ها هو الأمر يتكرر؛ ولكن دون صحوة أو استدراك أو ردع. متى يتم ذلك؟ تلك هي المسألة. هل يكون فيروس "كورونا" الصاعق للصحوة؟ أيضاً، ذلك هو السؤال.

ليس ما تقدم إلا مسعى لفتح العيون بأننا جميعاً في مركب واحد، وإن لم تشعر ببلاء أخيك الإنسان، لست إنساناً. لو كان السوريون قطيعاً من الماشية، لكانت الاندفاعة لنجدتهم من ذئاب متوحشة أقوى وأكثر احترامًا. تسع سنوات عجاف من جائحة الرعب والحصار والاعتقال والتشرد؛ وما لمَس السوري لفتة حقيقية لإنقاذه وخلاصه من دكتاتورية دموية. أيام على رعب وحصار هذا العالم  بجائحة لكورونا ؛ وسكان كوكبنا يرتعدون كالأرانب. ليتعلم أهل كوكبنا أن وجع فرد فيه، وجع وألم على الجميع؛ ومقاومة الظالم، نجاة ذاتية.

===========================

واشنطن ترفع البطاقة الحمراء بوجه الأستانة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاثنين 16/3/2020

قطعت واشنطن الطريق على الهرولة الروسية السريعة وهي حاملة اتفاق بوتن - أردوغان الأخير في موسكو نحو مجلس الأمن الدولي، فقد حلمت موسكو من خلال التحرك الجديد بإضفاء شرعية على اتفاق يلد اتفاقاً، ومؤتمر يلد آخر منذ سنوات، لينسخ اللاحق السابق، مع تأكيدها وترسيخها أن الحل العسكري والتدميري والمغلّف بقشرة رقيقة من الحل السياسي المغشوش والخادع للبعض، كل هذا من اختصاصها وحدها فقط في سوريا، وأنها لن تقبل شريكاً آخر يشاركها رسم صورة ومستقبل سوريا.

‏لكنّ أميركا وحلفاءها الغربيين قطعوا الطريق باستخدام حق «الفيتو»، ونقلت بعض المصادر المطّلعة على لقاءات الائتلاف السوري المعارض مع المبعوث الأميركي جيمس جيفري، بعد أيام على الاتفاق التركي - الروسي، قوله للوفد إن الأستانة انتهت تماماً، وهو ما يفسّر ربما تلميح أردوغان -خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع بوتن- إلى «اتفاق جنيف» و»قرار 2254» الناصّ على هيئة حكم انتقالي بعيداً عن بشار الأسد، كما كرّر أردوغان التأكيد لاحقاً على «اتفاق جنيف»، وهو الأمر الذي يعني أن الحل في سوريا لا يمكن أن يكون ثنائياً وبعيداً عن أميركا ومصالحها، ولا يمكن لأحد الاستفراد وحده بالحل السوري.

‏التجربة الماضية في التزام روسيا وذيلها في دمشق غير مشجّعة أبداً، فخرق الاتفاقيات هو أكثر ما ميّز ويميّز الاتفاقيات السابقة، وتطبيق بند تسيير الدوريات المشتركة على خط «أم 4» بين سراقب واللاذقية، وهو طريق لا يزال بأيدي الثوار سيثير حالة غضب رهيبة وسط المدنيين؛ إذ بدأ الأهالي منذ اليوم بالتهديد بقطعه بالمظاهرات المدنية، ليذكّروا بأن القرى والبلدات على جانبي الطريق لا يزال أهلها تحت الأنقاض أو في الخيام مشرّدين بفعل القصف الجوي الروسي والأسدي.

‏الواضح أن الدور الأميركي بدأ بالتصاعد في سوريا بعد التطورات الأخيرة، وجاء ظهور المبعوث الأميركي جيمس جيفري مع المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة والسفير الأميركي في تركيا ديفيد ساترفيلد، على الحدود التركية - السورية، ليرسل رسالة واضحة للروس وللأتراك بأن أميركا لن تدع الحل الروسي يُفرض على إدلب، لا سيّما وقد ترافق هذا مع انفتاح إعلامي أميركي وغربي على هيئة «تحرير الشام»، التي كانت قد صُنّف اسمها السابق «جبهة النصرة» على قوائم الإرهاب؛ لكن من الواضح أن التعاطي الأميركي والغربي معها ومع المناطق الخاضعة لسيطرتها هذه الأيام مختلف تماماً عن السابق، وهو ما أثار حفيظة الروس ولافروف شخصياً.

‏المؤكد أن مرحلة ما بعد دخول الوفد الأميركي إلى معبر باب الهوى ليست كقبلها، وأن المرحلة الجديدة سيكون عنوانها أميركياً، لا سيّما بعد الإشارات الأميركية باتجاه تركيا من أنها حليف استراتيجي، وأنها تدرس طلبها الحصول على دفاعات جوية، كما أعلن عن ذلك السفير الأميركي في أنقرة، مشيراً بذلك إلى صواريخ «باتريوت»، وثمة ضغط من الدولة العميقة الأميركية لمساعدة الشريك الاستراتيجي التركي في مواجهة روسيا.

ثمة إشارة مهمة لدى البعض، وهي أن الطرف التركي لجأ إلى اتفاقه الأخير مع موسكو -الذي قُرئ أميركياً ضده وضد مصالحه كونه يُبعدها عن الحل النهائي السوري شيئاً فشيئاً- على أنه محاولة تركية لدفع الأميركيين إلى التدخل الذي حصل، وكان بمثابة لعبة البلياردو، والتي ظاهرها ضرب كرة معينة ولكن الهدف الحقيقي للاعب هو الكرة الأخرى، وهو ما لجأ إلى فعله أردوغان.. فهل كان الأخير يسعى إلى دفع أميركا لتدخّل أوضح وخشن ضد الروس بعد أن كان في فوهة المدفع لسنوات؟

===========================

دولة الأسد العظمى وكورونا التافهة

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 16/3/2020

ينشغل العالم بفيروس كورونا وآثاره المدمّرة على جميع المستويات، أما وزير الصحة لدى نظام الأسد نزار يازجي فيعلن أن "الجيش السوري" طهّر البلاد من الجراثيم! ربما ما يشفع لهذا الوزير أنه لا أحد في سورية يتعامل مع هذا النظام وأركانه بوصفهم مسؤولين يمكن تصديق ما يقولون أو حتى تكذيبه، فهم عدا عن أنهم مفصولون عن الواقع، فإنهم مجرّد واجهات لقوى الاحتلالين، الروسي والإيراني، ينتظرون النشرات التي تصدرها مراكزهم في سورية ليردّدوا ما فيها. أما حكاية الجراثيم، فهي قصة يعرفها السوريون، إذ سبق لرأس النظام وصف المعارضين بالجراثيم، وكلام الوزير يأتي في سياق تهجير جيش عصابات الأسد ملايين السوريين، وجديدهم المليون الذين تم تهجيرهم من أرياف إدلب وحلب وحماة. وبما أن نظام الأسد ينظر إلى هؤلاء أعداء مؤكدين، فإن فعل تهجيرهم يأخذ معنى التطهير بحرفيته.

المثير واللافت أن هذا السلوك يتزامن مع حالة رعب تعم العالم، إلى درجة دفعت رئيس وزراء بريطانيا، بوريس جونسون، إلى تحذير شعبه بأنهم سيفقدون مزيدا من أحبتهم، وأن الأسوأ لم يأتِ بعد. وخرجت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، تصارح شعبها بأن كورونا تحدّ خطير، سيصيب 60% إلى 70% من الألمان (عدد السكان يقترب من الـ100 مليون). وأن تطوير لقاح له سيستغرق وقتاً. وقبلهما خرج رئيس فرنسا، إيمانويل ماكرون، على شعبه، ليخبرهم أن كورونا وباءٌ لا يرحم، وأن فرنسا لا تزال في بداية الأمر. وفي أميركا، تم إعلان حالة الطوارئ لمواجهة تداعيات انتشار الفيروس.

هذه الدول التي يرتجف زعماؤها رعباً، على شعوبهم، من كورونا، متطوّرة، علمياً وطبياً

"قبل الحرب، كان السوريون المتوسطون والميسورون يتعالجون في الأردن ولبنان" وتقنياً، ولديها إمكانات وخبرات هائلة، ولديها خبرة تاريخية في التعامل مع الكوارث والأزمات، فكيف لمسؤول في سورية التي تصنفها التقارير الدولية في ذيل الدول تقنياً ومعيشياً، والقطاع الصحي فيها شبه معدم، فسورية دولة تعمل بربع طاقتها الطبية، وهذه بالأصل متخلفة، فقبل الحرب، كان السوريون المتوسطون والميسورون يتعالجون في الأردن ولبنان، نتيجة افتقاد الثقة بالطب في بلدهم، وتخلف المعدات والأجهزة الطبية التي لم يكن النظام يسمح بدخولها، لاعتبارات أمنية!

السؤال الأهم: على ماذا يخاف نظام الأسد من الإعلان عن وجود إصابات بفيروس كورونا لديه؟ أن يكون لذلك تداعيات على البورصة وسوق الأسهم في البلاد؟ أم هروب الاستثمارات أو تباطؤ حركتها؟ أم من أجل المحافظة على قيمة الليرة؟ أو ربما لتجنب ارتفاع الطلب على المواد الاستهلاكية وهجوم الناس الذين بالكاد يؤمّنون قوت يومهم، على المولات غير الموجودة والبقالات الفارغة أصلا؟ هل تنطبق، أصلاً، على دولة الأسد، صفة الدولة، وبالتالي احتمال حصول ما يحصل في الدول؟ ومن ثم فهم يخافون من التداعيات.

يتعاطى نظام الأسد مع كارثة كورونا من زاوية وجوب إظهار الصلابة، فليس الأسد الذي 

"على ماذا يخاف نظام الأسد من الإعلان عن وجود إصابات بفيروس كورونا لديه؟"واجه "المؤامرة الكونية" من يخرج على الشاشات، متعاطفاً مع الشعب في هذه الكارثة، هو رئيسٌ يخبر بالانتصارات وحسب، وعلى الشعب أن يفهم ذلك، وعليهم أيضاً تقدير هذا الواقع، فهو ليس بخفّة زعماء أوروبا وأميركا المنتخبين بنسبة 50 الاثنين 16/3/2020 واحد، ولا هو رئيس عابر، فترة أو فترتين، هو سليل عائلة حاكمة، وسيورث الحكم لابنه، ثم ما هذه كورونا التي سيخرج الرئيس للإعلان عن عجزه على مواجهتها، وهو الذي واجه ما واجه من قوى وجيوش!

تعوّد نظام الأسد إدارة الأزمات عن طريق أجهزة الأمن والجيش، الاعتقال والاغتيال والتدمير. أما الأزمات الأخرى فليست من اختصاصه، هو يهتم بالأزمات التي تؤثر على الحكم. يتذكّر السوريون أزمة الجفاف التي ضربت منطقة الجزيرة السورية، وكيف أن النظام رفض التكفّل بالمنكوبين، وتأمين مبلغ 25 مليون دولار إسعافية لتأمين حاجات بسيطة للمنكوبين، ورمى المسألة على أكتاف الأمم المتحدة، وهبّ السوريون لمساعدة المنكوبين الذين حطوا رحالهم على أطراف دمشق. لم يعترف يومها بالأزمة إلا بعد أن ضجّت بها المنظمات الدولية ووكالات الأنباء. ويعاصر أغلب السوريين أزمة النزوح، وكيف يسرق نظام الأسد المساعدات التي 

"تعوّد نظام الأسد إدارة الأزمات عن طريق أجهزة الأمن والجيش، الاعتقال والاغتيال والتدمير"تجلبها الأمم المتحدة والمتبرّعون الدوليون.

اعتاد السوريون إدارة الكوارث التي يمرّون بها بأنفسهم، بإمكاناتهم الذاتية، بصبرهم ومهارتهم، بل على العكس كانت أجهزة الأسد تساومهم على الحلول التي يبتكرونها للخروج من أزماتهم. اعتاد السوريون تدبير أمورهم وكأن لا دولة لهم ولا حكومات. لم يكونوا يوماً متطلبين، تكيّفوا مع أقصى الظروف سوءاً، ومرّروا أحلك الأيام بصمت وصبر، وصنعوا من التحدّيات فرصاً لتطوير واقعهم. يعتقد أشقاء كثيرون في دول الجوار أن كون سورية بلداً لا ديون عليه إنجاز يُحسب لحكم عائلة الأسد، ولكن ما لا يعرفه أحد أن السوريين عاشوا في حدود الممكن، ولم يطلبوا من نظامهم لا زيادة في المرتبات ولا تأمين رفاهية وحياة ناعمة لهم.

السوريون اليوم في وضع صعب، بل وضعهم هو الأصعب في العالم، حيث تجتمع عليهم حزمة كوارث، بعد سنوات طويلة من المعاناة والجوع والألم، ويبقى الأمل في قدرة السوريين على مواجهة الكوارث والخروج بأقل الخسائر. ونظام الأسد أعلن عن تعطيل المدارس والجامعات وتخفيض دوام الموظفين، في بلد لم يعلن فيه عن إصابة واحدة، أو عن الاشتباه بأي حالات.. هذه دولة الأسد التي تختلف عن الدنيا كلها.

===========================

السنة العاشرة للثورة أو البحث عن السلام في سورية

برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 16/3/2020

 

من الصحيح، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، أن استمرار الشعب السوري، ممثلا بفصائل المعارضة المسلحة والسياسية والمثقفة، في خوض معركةٍ غير متوازنة أكثر من تسع سنوات، يشكل وحده عبرة لمن يعتقد أن المسألة حسمت، وإنجازا بطوليا في مواجهة نظام غدر بشعبه عندما وضع مصيره في يد قوى كبرى، تنتظر الفرصة منذ عقود، وبعضها منذ قرون، للحصول على موطئ قدم على الضفة الشرقية للمتوسط، ووضع اليد على الفريسة السورية. ولعل هذا الإنجاز يزداد قيمةً عندما نضعه في سياقه التاريخي، من الافتقار للتضامن الدولي والتشتت والانقسام الفكري والسياسي لأحزاب المعارضة، والظروف القاسية التي واجهت السوريين في سعيهم إلى الخروج من نفق العبودية الذي أراد نظام الأسد أن يدفنهم أحياء فيه إلى الأبد.

ولكن من الصحيح أيضا أن ثمن هذه المقاومة البطولية للهمجية والانتصار على الضعف والخوف الإنسانيين معا، كان باهظا جدا، دفعه السوريون من أرواح مئات الألوف من أبنائهم وبناتهم، واقتلاع الملايين منهم من منازلهم وأحيائهم وقراهم ومدنهم ورميهم في المجهول، مع حرمان ملايين الأطفال من الحد الأدنى من التعليم والتأهيل في مواجهة تحدّيات مستقبل غامض، وإلحاق الدمار بالعمران البشري، الاقتصادي والسياسي والمدني معا. ومما لا شك فيه أن أخطر ما فقده السوريون، في هذه المحنة الطويلة، وحدة إرادتهم وضياع قرارهم المستقل،

"أخطر ما فقده السوريون وحدة إرادتهم وضياع قرارهم المستقل، واضطرارهم إلى تسليم أمورهم إلى حلفائهم/ مستخدميهم" واضطرارهم إلى تسليم أمورهم إلى حلفائهم أو/ وأكثر فأكثر إلى مستخدميهم. وارتهان معارضاتهم، بمسمياتها المختلفة، ومؤسساتها، وأشخاصها، إلى أجندات وأولويات القوى التي تتنازع على الحلول محلهم في حكم بلادهم واقتسام مصالحهم الوطنية.

ينطبق هذا الوضع على ما يسمى النظام والمعارضة معا، فلا يوجد أي شك في أن النظام المافيوي قد نجح في أن ينفذ تهديده: الأسد أو نحرق البلد. بل ذهب، في ذلك، إلى أبعد مما كان من الممكن لأكبر المتشائمين تخيّله، فدمّر مؤسساته ووزّع موارده على حماته من الدول التي جاءت لنجدته، حتى تحوّلت أراضيه إلى حقل منذور للحروب الإقليمية والمواجهات الدولية، مزروع بمئات القواعد العسكرية ونقاط المراقبة الأجنبية، وإلى ميدان تدريب واختبار للجنود وللأسلحة الجديدة الروسية والإيرانية والإسرائيلية والأميركية. لكنه خسر مقابل ذلك ملكه وتحوّل، بأشخاصه ومؤسساته، إلى قناة لسلطة احتلال متعدّد الأطراف، ودليل مليشياتها، وتغطية قانونية لانتهاكاتها الشاملة حقوق السوريين وسيادتهم.

ولكن النتيجة الأبرز لهذا النصر الملتبس كانت أسوأ من هزيمة، بمقدار ما عنى استمرار الحرب ومآسيها في كل مكان، تحت سيطرة النظام وفصائل المعارضة سواء، بالإضافة إلى تحوّلها إلى حرب بالوكالة، وقودها السوريون ومستقبل أجيالهم ووطنهم، ومخرجاتها تعميق الشرخ فيما بين جماعاتهم حتى أصبح من المشروع التساؤل، كما يفعل كثيرون، فيما إذا كان لا

يزال لدى السوريين ما يكفي من الثقة للعودة إلى العيش المشترك، بل والحديث عن وطن واحد قادر على احتضان جميع أبنائه، بينما لا تكفّ معالم الانقسام والتقسيم عن الانغماس عميقا في القلوب والمشاعر والتطلعات قبل أن تتجسد في الواقع وتفصل بين مناطق وعوالم تنكر بعضها بعضاً، وترفض أن ترى الواقع والحاضر والمستقبل إلا من خلال ما تعيشه من مخاوف وتتغذى به من أوهام.

ومع ذلك، لم يفقد السوريون الأمل أبدا، حتى في مخيمات التشرّد والمنافي والعراء، لا يزالون مؤمنين بأنهم لم يقولوا كلمتهم الأخيرة، وإنهم على الرغم من التدخلات الأجنبية المستمرة هم وحدهم الذين سيصنعون في النهاية قدرهم. وبدل أن ينتظروا التشجيع من قادتهم، يبادرون هم أنفسهم إلى تشجيع من شبّه لهم أو من ظهرت عليه في هذا الوقت أو ذاك علامات القيادة والشجاعة، ويدعونهم إلى أخذ المبادرة. بينما يكاد الشعور بالعجز لا يترك لعناصر النخب السياسية سوى اليأس والإحباط.

وفي النهاية، يمكن القول، باختصار، بعد تسع سنوات من الثورة التي أريد لها أن تتحول، وقد تحوّلت بالفعل، إلى حربٍ دولية وأهلية معا، يدفع ثمنها السوريون من مختلف الاتجاهات، لكن 

"لا ينبغي الخلط بين خطاب الحرب ومنطقها، ونحن اليوم في أسفل مراحل الحرب وأكثرها مشقّة وشقاء، وخطاب حالة السلام ومنطقه"على أرضية الصراعات والأجندات الدولية، أن كلينا ربح رهانه وانتصر على أخوانه، لكننا خسرنا جميعا وطنا وسلاما وأمنا وربما مستقبلا. والتحدّي الذي نواجهه الآن هو امتلاك الشجاعة لوضع حد لهدر الأرواح والموارد، والبحث عن الحلول الناجعة لتجاوز أسباب الانزلاق نحو الحرب، والرهان على وعي جميع السوريين وقدرتهم على التسامي على آلامهم والتضحية من أجل مستقبل أبنائهم، لإرساء أسس التفاهم والمبادئ التي ستقوم عليها سورية الجديدة، بعيدا عن التمييز والظلم والاستبداد والاستقواء بالأجنبي، فلم يعد من الممكن اليوم تحقيق الديمقراطية، ولا القضاء على الديكتاتورية وإزالة الظلم الواقع على الجماعات الدينية أو القومية أو القبلية، من دون استرجاع السوريين حقهم الأول في ملكية وطنهم الذي يكاد يسرق منهم، إن لم يحصل بعد. فقد أصبح من الواضح، في نظري، أن ما يجري في سورية منذ تسع سنوات هو عملية سطو مسلح لعصابة من الدول على شعبٍ ممزق، لطرده من وطنه وانتزاع أرضه، وإحلال شعب أو شعوب وجماعات غريبة مكانه، واستخدامه، موقعا وطوائف وبشرا، أدوات في خدمة المشاريع الجيوستراتيجية لهذه الدول، وكل ذلك بموافقة السلطة العائلية القائمة وتعاونها، سواء كان هذا التعاون عن جهل وحمق أو بسبب رغبة بدائية لا ترتوي في الانتقام. لذلك لا أحد يشكّ اليوم في أن هذا التدخل والتوطن العسكري والبشري المتوسع في الأرض السورية لا يحصل إرضاءً لسلطة شاذّة، يعترف الجميع بسفاهتها وفسادها ومحدودية تفكيرها. إنه يعني بالعكس، إنهاء الوكالة الحصرية التي تمتعت بها عائلة الأسد لإدارة أحد أهم المواقع الجيوستراتيجية شرق المتوسط، بسلطاتٍ استثنائية، ولخمسة عقود، لقاء ضمانها إخضاع الشعب السوري وتحييده في معادلة القوة الإقليمية. كما يعني وضع سورية منذ الآن تحت الإدارة المباشرة للدول التي شاركت في استعادته من بين أيدي الشعب الثائر، تتقاسم ريعه فيما بينها، وتتنازع عليه في الوقت نفسه.

والسؤال: هل لا يزال هناك أمل في رأب الصدع، والتغلب على مشاعر الحقد والضغينة والكراهية التي أنتجتها سنوات، بل عقود طويلة من العنف والاستئثار بالحكم وسوء استخدام السلطة؟ وما هي احتمالات وفرص عودة السوريين، من مختلف المشارب الفكرية والسياسية والدينية، إلى منطق التعاون والتكاتف في سبيل الهدف الأسمى المتمثل باسترجاع حقوقهم الجماعية، كما فعلوا في مواجهة الاحتلال الأجنبي في النصف الأول من القرن الماضي؟ وقبل ذلك هل تستطيع نخبهم العاملة في السياسة، والطامحة إلى قيادة المرحلة المقبلة، بما تضمه من جيل المعارضة القديم وجيل الناشطين الجديد الذي ولد من رحم الثورة، وفي معاركها وأهوالها، 

"لم يفقد السوريون الأمل أبدا، حتى في مخيمات التشرّد والمنافي والعراء، لا يزالون مؤمنين بأنهم لم يقولوا كلمتهم الأخيرة"أن تتجاوز خلافاتها وتوحد إرادتها وجهودها للسير بالشعب والبلاد إلى بر الخلاص، بعيدا عن الانشغالات والمعارك الصغيرة التي تشتت وعيها وتفتت جهودها وتهدر طاقاتها؟ كيف أو ما هو الطريق إلى ذلك؟

هذه هي الأسئلة الرئيسية المطروحة اليوم على السوريين من كل المواقع والانتماءات والتطلعات، والتي تشكل الإجابة الناجعة عنها مفتاح المستقبل السوري، وأوراق الاعتماد في يد الطامحين إلى تبوّؤ مركز القيادة الوطنية التي يتطلع لولادتها أكثر السوريين، على جميع مستوياتها الفكرية أو السياسية أو العسكرية. كما تشكل المدخل إلى حل أو مواجهة مشكلة الاحتلالات الأجنبية، ومن ثم تحقيق التغيير السياسي والانتقال من نظام التعسف وسلطة الأمر الواقع إلى نظام سياسي يعكس إرادة السوريين، ويستجيب لتطلعاتهم، التي لا تختلف عن تطلعات شعوب العالم كافة اليوم.

2

بالتأكيد، لن يكون من السهل على جمهور فقد أو كاد لغة التواصل بين جماعاته، الطائفية والقومية والثقافية، أن يحرّر ذاكرته من صور الغدر والخيانة التي رافقت مسيرة الحرب الطويلة الماضية، ويفتح صفحةً جديدة في تاريخ مشترك لا توجد بعد إشارات قوية على إمكان كتابته. هذا على الأقل ما تشير إليه تعليقات وردود وحوارات كثيرة يتداولها السوريون على وسائل التواصل الاجتماعي، كما تؤكد معظم التحليلات والنقاشات التي تدور بين أوساط النخبة السورية، والتي تكاد تجمع على أنه لم يعد لسورية، بعد المقتلة الكبرى التي عرفتها في السنوات الماضية، أي مستقبل مشترك على الأغلب، وربما انتهت إلى الأبد.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نخلط بين خطاب الحرب ومنطقها، ونحن اليوم في أسفل مراحل الحرب وأكثرها مشقّة وشقاء، مع خطاب حالة السلام ومنطقه. ولا يشك أحد بأن الميل إلى السعادة والتعلق بالحياة يظل الأقوى عند المجتمعات، وبشكل خاص تلك التي تعرّضت لمعاناة قاسية واستثنائية، بما في ذلك حرب الإبادة الجماعية.

وهذا الميل الطبيعي هو الذي يفسّر همود مشاعر النقمة والانتقام سريعا بعد وقف الأعمال 

"الجماعات المتطرّفة لا تعتقد أن هناك حلاً ممكناً لنزاعها أقل من الإبادة الجماعية للطرف الآخر"العدوانية، والنزوع إلى التحرّر من العواطف السلبية والتقاليد المحافظة، وذلك ببساطةٍ لأن قيمة الحياة تظهر على حقيقتها، وبشكل أقوى بعد انتهاء الحروب التي تزهق فيها أرواح كثيرة، ويصل فيها الشقاء إلى مستوياتٍ غير محتملة. وليس هناك سوى الأمل في حياة جديدة ما يحرّر الأفراد الذين سكن القلق والرعب والجوع قلوبهم سنوات، ما يعيدهم إلى الواقع، ويشعرهم بوجودهم وقيمتهم. ولهذا غالبا ما يظهر الضحايا أكثر استعدادا لأن يغفروا لجلاديهم بعد نهاية الحروب من أولئك الذين لم يشاركوا فيها، فكثيرا ما يحول هؤلاء، لسبب أو آخر، معاناة الضحايا إلى رأسمالٍ يوظفونه في خدمة مآربهم السياسية، وأحيانا الاقتصادية، عندما يطالبون بتعويضاتٍ أو منافع أو امتيازات يستفيدون منها خاصة.

والأمثلة على تفوّق روح التسامح لدى الضحايا على مشاعر الحقد ونداءات الانتقام، من دون أن يعني ذلك الانتصار دائما عليها، كثيرة. وأقواها وأكثرها مغزى نهاية النظام العنصري الذي سيطر على جنوب أفريقيا قرونا عديدة، فالأفارقة الذين مارست عليهم الأقلية البيضاء شتى أنواع العنف لتقضي على مقاومتهم وتحويلهم إلى عبيد يخدمونها لم يتردّدوا في إظهار تسامحهم مع جلاديهم، حالما قبل العنصريون البيض تفكيك نظامهم العنصري والعيش بسلام في دولة جنوب أفريقية ديمقراطية تساوي بين جميع أبنائها. لم يقل أحدٌ عن هؤلاء السود أنهم نسوا عذابات أجدادهم وآبائهم وإخوانهم الذين حرموا مئات السنين من المعاملة الإنسانية، ولا أنهم فقدوا كبرياءهم وكرامتهم، وقبلوا بالتخلي عن حقهم في الانتقام، بل بالعكس من ذلك تماما. لقد نظرت الشعوب جميعا، بما فيهم جلادوهم العنصريون، إلى تغاضيهم عن حقارات خصومهم التاريخية على أنه تجسيدٌ لسموهم الأخلاقي، ونضج وعيهم السياسي، وتفوق حسهم الإنساني. وكتب اسم مانديلا الذي أصبح رمزا لهذا السمو والتفوق السياسي والأخلاقي لشعب أفريقيا الجنوبية في سجل الخالدين من صانعي تاريخ الإنسانية.

والمثال الثاني من رواندا، البلد الذي شهد بين 1990 و1994 حربا أهلية دموية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، راح ضحيتها مليون ضحية، وحطمت بنياتها ومؤسساتها، وأصابت اقتصادها بالخراب. ونزح عنها أصحاب الكفاءات والرساميل جميعا، حتى وصل متوسط الدخل السنوي 

"لا يوجد أي شك في أن النظام المافيوي قد نجح في ان ينفذ تهديده: الأسد أو نحرق البلد"للفرد إلى أقل من 30 دولارا. ولكن كانت تكفي خمس سنوات لنظام الحكم الجديد الذي حقق السلام، حتى نسي الناس أحقادهم وثاراتهم، وحولوا بتعاونهم رواندا من أرض خراب وموطن حروب قبلية همجية إلى القُطر الذي يتمتع بأعلى معدل نمو على المستويين الأفريقي والعالمي. وكان الفضل في ذلك للحكومة التي وظفت الثقة التي أولاها لها الشعب المُدمى في تطبيق سياسات تنموية جريئة، راهنت فيها على حشد الطاقات المبدعة لشعبها من كل المناطق والإثنيات، وشكلت المجلس الاستشاري للاستثمار والتطوير الذي ضم ذوي الكفاءات العليا من الروانديين المنتشرين في العالم، وعاملتهم من دون تمييز، فصارت رواندا مثالا للانتقال الناجح من بلد الحروب والنزاعات القبلية إلى أرض السلام والأمن والاستقرار، ومن بلد النزوح الجماعي إلى أحد أهم المقاصد السياحية في أفريقيا، ومن الفقر والبؤس والبطالة إلى أحد أكثر عشرة بلدان أفريقية استقطابا للاستثمارات، ومن أكثرها تقدما وانفتاحا على العالم. ومن النادر أن يذكر اسم رواندا اليوم في التقارير الدولية من دون إضافة صفة المعجزة إليه، بمقدار ما أصبحت مثالا حيا لقدرة الشعوب، عندما تتوفر لها القيادة المخلصة، على تجاوز مصاعبها وانقساماتها.

ما سهّل هذا الانتقال من الحرب إلى السلام في الحالتين هو تحقيق العدالة، وفي مركزها الاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات، والاعتراف بمعاناة الضحايا وتعويضهم ومحاسبة الجناة على جرائمهم، في إطار ما تسمى اليوم العدالة الانتقالية التي تعنى بتطبيق قوانين استثنائية للعدالة، تأخذ بالاعتبار ظروف الحرب وطبيعة النزاعات الأهلية. فتحقيق العدالة هو الشرط الأول لتحقيق السلام، ليس لأنها تساعد على تحرير أهالي الضحايا والذين عانوا من ويلات الحرب من كوابيس ذاكرتهم، وتمكنهم من إنجاز الحداد على ضحاياهم وماضيهم القريب فحسب، ولكن لأنها تعفيهم أيضا من واجب الثأر والانتقام، وتحول دون أن تصبح الجريمة أمرا عاديا، لا يمكن أن تقوم معها حياة اجتماعية طبيعية.

لا أذكر هذا على سبيل الدعوة الأخلاقية، وإنما وصفا لواقع حي وعبرة تستحق التأمل. لكنني ذكرته أيضا لأشير إلى أن الاستمرار في القتال ليس الخيار الوحيد، بل ليس خيارا منطقيا على الإطلاق، وأن الشعوب قادرة، إذا وجدت من يأخذ بيدها من أصحاب الثقة والمسؤولية، ويحول 

"ليس للتنوع القبلي والطائفي والقومي، بحد ذاته، أي دور في اندلاع الحروب الأهلية التي عرفتها مجتمعات عديدة"بينها والجماعات المتطرّفة التي لا تعتقد أن هناك حلاً ممكناً لنزاعها أقل من الإبادة الجماعية للطرف الآخر، على السمو بمشاعرها وأفكارها، والبحث عن فرص التفاهم من حول أهداف وغايات نبيلة ومشتركة، والتعاون في إعادة البناء السياسي والعمراني لوطنها ومجتمعها.

فبعكس ما تسعى إلى تأكيده تحليلاتٌ تبسيطية أو مغرضة، تروّج نظريات خطيرة وخاطئة، ليس للتنوع القبلي والطائفي والقومي، بحد ذاته، أي دور في اندلاع الحروب الأهلية التي عرفتها مجتمعات عديدة. بالعكس، يشكل التنوع أحد مصادر ثروة الأمم وقوة ابتكارها وعظمة مدنيتها، ويكفي للبرهنة على ذلك النظر إلى تاريخ الإمبراطوريات التي كانت الحاضنة الأساسية للحضارات الكبرى وموطن إخصابها، من إمبراطوريات سورية القديمة وما بين النهرين إلى الصين والهند، فالتنوع هو خاصية الأمم الأعظم اليوم، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، التي تكاد تكون دولة التعدد القومي والديني والمذهبي والإثني بامتياز. وهذا لا يعني أن التنوع لا يقود حتما إلى الحروب الأهلية فحسب، وإنما يعني أكثر من ذلك أن هذه الحروب ليست نابعة من تعدّد الثقافات، ولا هي حتمية في أي مجتمع، وإنما هي صناعة سياسية، تلجأ إليها عادة نخب "مزنوقة" أو مأزومة تحاول فك عزلتها، وفتح طريق للنجاة من مصير محتوم، قادها إليه فسادها وظلمها وإفلاس سياساتها، لكن على حساب دماء شعوبها وحقوقهم ومستقبلهم، فهي لا تهدف من زجّ الشعوب في حروب داخلية إلا إلى حرف أنظارها عن مسؤوليتها هي في خلق المشكلات المستعصية على الحل، ودفعها إلى تفريغ شحنة غضبها في قتال بعضها بعضا، وفي خلط الأوراق السياسية والاجتماعية للبقاء في الحكم، واستعادة شرعية مصطنعة باسم الحفاظ على الأمن، تمكّنها من العودة إلى استخدام العنف على نطاق أوسع، وتحويله إلى أسلوب حكم.

باختصار، قليلة هي الشعوب التي لم تعرف الحروب الأهلية وغير الأهلية في تاريخها. وعلى طريقة إنهائها والخروج منها توقف، في أغلب الأحيان، مستقبلها، إما العودة إلى التفاهم والتعاون والاتحاد والتقدم إلى الأمام كما حصل في رواندا، وقبلها جنوب أفريقيا أو السقوط في الفوضى والانقسام والعنف المعمم، كما هو حال أفغانستان والصومال وأقطار كثيرة أخرى.

3

هل يمكن أن يأمل السوريون بمخرج "مشرّف" من الحرب الراهنة يوفّر المزيد من المعاناة والخسائر البشرية والمادية، وينقذ سورية من المصير المشؤوم لميدان حروب داخلية وخارجية لا نهاية لها؟ الجواب ببساطة أنه لا توجد نزاعات مستعصية على الحل. إنما توجد عقبات ومصاعب ينبغي تذليلها لشق طريق السلام. وهنا أود التركيز على عقبتين كأداءين بالفعل، الأولى الانخراط الدولي الواسع النطاق في هذه الحرب، حتى لم يعد للسوريين مكان فيها سوى الالتحاق بالاستراتيجيات الدولية المتصارعة، وصعوبة توصل السوريين إلى تفاهمٍ معها، وربما صعوبة توصل هذه الدول الأجنبية فيما بينها إلى تفاهم يوفر الحد الأدنى من شروط العودة بسورية إلى السلام. والثانية نزوع أغلب السوريين إلى تجاهل وجود مشكلات وقضايا تثير 

"هنالك من يصرّ على أن الخلافات الدينية والقومية والمناطقية لم تكن سوى خلافات مصطنعة أو ناجمة عن التدخلات الأجنبية"النزاع الداخلي، أو الاستهانة بكثير مما برز منها خلال الحرب، وبسببها أيضا، على منوال هؤلاء الذين يردّدون دائما إننا كنا عايشين ولم يكن هناك ما يعكر صفو حياتنا، أو أولئك الذين يصرّون على أن الخلافات الدينية والقومية والمناطقية التي تجلت بشكل واضح خلال الثورة لم تكن سوى خلافات مصطنعة أو ناجمة عن التدخلات الأجنبية. وهذا ما يمنع الاعتراف بها، ولا يشجع على التفكير فيها بموضوعية ومواجهتها بشجاعة في سبيل بلورة وعي مشترك بها والتداول في إيجاد الحلول الناجعة لها. وربما تطلب هذا بداية الفصل بين أسباب النزاع الخارجي والداخلي وعدم الخلط بين رهاناتها المختلفة أو التغطية على واحدها بالآخر.

ولأنني لا أعتقد أن في مصلحة الدول المنخرطة في الحرب السورية التوصل إلى تفاهم بينها، ولا إلى حلولٍ للقضايا المثيرة للنزاع بين السوريين، بل إنها تسعى، بالعكس، إلى تعقيدها وصب مزيد من الزيت عليها، لاستخدامها في تنفيذ خططها الخاصة، فلا أرى مدخلا لمواجهة مسألة الخروج من الحرب المستعصية على الحل، حيث تحوّلت سورية إلى ساحةٍ لاستعراض عضلات القوى الإقليمية والدولية، سوى في يقظة السوريين أنفسهم، وسعيهم الجدي إلى التوصل فيما بينهم لمثل هذه التفاهمات المشتركة. وليس هناك طريق آخر لذلك سوى مواجهة القضايا المثيرة للنزاع، والتعرف الصحيح عليها، وتقديم التنازلات المتبادلة التي تساعد على حلها، من دون تلكؤ أو انتظار أن تقوم الدول الأجنبية/ المحتلة بهذه المهمة، لأنها كما ذكرت لا تملك الرغبة ولا المصلحة في ذلك، وربما ليست قادرة عليه. وهذا يعني أن النظر في خلافاتهم هي مسؤولية السوريين وحدهم، وحلها أو وضع الأسس الواضحة لحلها، وعدم انتظار الوسطاء الدوليين، هو الشرط الذي لا غنى عنه لمواجهة التحدّيين الأكبرين: تحدّي الاحتلالات الأجنبية واستعادة السيادة على الأرض، وتحدّي بناء النظام الديمقراطي الذي يجسّد هذا التفاهم، ويضمن تعميقه وولادة الوطنية السورية التي يشكو كثيرون من غيابها.

وسوف أكتفي هنا في التذكير بهذه القضايا الرئيسية، على أمل العودة إليها بالتفصيل في مقالات لاحقة. وأهم هذه القضايا التي تحتاج إلى حوار موسع بين السوريين، جمهورا ونخبا، هي: العقدة الطائفية وعلاقة الأديان والمذاهب بنظام الحكم، ومكانة الطائفية في الصراع السياسي 

"الثورات هي نوع من الحروب السياسية التي قد تصبح مسلحّة أيضاً"الراهن، والعقدة الإسلاموية ودور الحركات الإسلامية المتطرّفة والمعتدلة في إثارة المخاوف من الثورة الشعبية وعليها، ومن التحول الديمقراطي أيضا، والتمييز بين الإسلام والحركات الإسلامية، والمسألة الكردية السورية التي تفتح على مسألة الهوية والمسألة القومية وعلاقتها بالدولة الحديثة وبالديمقراطية، ومسألة العلاقات الإقليمية والدولية ومكانتها وموقعها في إعادة بناء السياسة السورية، والمسألة السياسية بما تمثله من تحديد الخيارات والتوجهات الفكرية والعقدية والاجتماعية والاقتصادية للدولة الديمقراطية المنتظرة، وأخيرا الأخلاقيات المدنية التي من دونها لا توجد ضوابط للعلاقة بين الأفراد أو بالأحرى حوافز لاتحادهم وراء هدف أو قضية.

تنشأ النزاعات والحروب، والثورات هي نوع من الحروب السياسية التي قد تصبح مسلحّة أيضا، من حول مصالح تعبر عن نفسها عادة ضمن قضايا أو مسائل، يصوغها أصحابها حسب معطياتهم الفكرية والسياسية والظرفية، ويضيفون إليها أحلامهم وأمنياتهم، وربما جزء من معاناتهم التاريخية، وهي تنير طريقهم، وتوجه سلوكهم تجاه الجماعات الأخرى. وصياغتها تنطوي بالضرورة على قسط كبير من الذاتية والحسابات الأنانية التي تنعكس، في تعدّد السرديات التي ينطوي عليها أي نزاع اجتماعي. وتعكس لذلك أشكالا مختلفة من التجاهل أو إساءة التقدير لمصالح منافسة أو المبالغة في عرض مصالح أصحابها وحقوقهم. ولا يمكن التوصل إلى تفاهم بين الأطراف المتنازعة إلا بإخضاع هذه السرديات لمناقشة مفتوحة وتقييم متبادل، تعيد أصحابها إلى الواقع، وتحدّ من الشطط في الأحلام والتمنيات على حساب مصالح الآخرين وحقوقهم، وتساعد على التوصل إلى حلولٍ عادلة، تقوم على توازن المصالح وتجنب طغيان واحدتها على الأخرى. هذه هي الخطوة الأولى التي لا مهرب منها للتقدّم على طريق السلام وضمان نهاية غير كارثية للحرب.

===========================

كورونا الأسد والمقاومة الشعبية

بسام يوسف

سوريا تي في

الاحد 15/3/2020

هل كان توفيق الحكيم يتوقع- عندما كتب مسرحيته "نهر الجنون"- أن يأتي يوم، يكون الواقع المعاش أكثر غرابة مما فيها؛ فقد كان نهر مسرحيته ماءً، وكان الناس يشربون من مائه، أما اليوم فقد تحول نهر الماء إلى نهر دم، وقد صارت الناس تغرق فيه.

لم يتخيل أحد- عندما تقرر إلحاق سوريا باسم عائلة مغتصبها، حافظ الأسد، فأصبح اسمها "سوريا الأسد"- حجم الكارثة التي بدأ تأسيسها، يومها كان الجميع يظن أنها تسمية بلا معنى، وأن لا أهمية لها، وأن الزمن وحده كفيل بأن ينهي هذه المسرحية التافهة.

وها إن عقوداً مضت، وكل ما في سوريا ملك لعائلة الأسد. حسناً، إذاً لماذا لا تكون حصة سوريا من فايروس "كورونا" ملكاً حصرياً لهذه العائلة؟ وعلى هذا، وحرصاً على تسلسل النتائج من مقدماتها الصحيحة، لماذا لا يحمل هذا الفايروس اسم هذه العائلة، وكل منهما أكثر قرباً من شرف قرينه الرفيع، وأكثر جدارة له، مادام كل منهما شديد التطابق مع آخره في الجوهر والمعنى، وفي المبنى والأثر؛ فيكون الاسم: كورونا الأسد، أو عائلة كورونا؟

وبالتتابع، وفي نفس السياق: أليس الأجدر للمعارضة، التي تجد أن من الضروري والوطني والثوري أن تنخرط في انتخابات مجلس الشعب القادمة التي ستجرى في سوريا، أن تحمل هي أيضاً اسم هذه العائلة؛ فتكون قوى الأسد، أو قوى كورونا، للمعارضة الداخلية (من المهم جداً توضيح أنها معارضة داخلية، تمييزاً لها عن قوى المعارضة الخارجية العميلة والخائنة وفق رؤية منظرها العتيد)، لا سيما أنها معارضة توشك أن تقول قول شبيحة النظام: (ليست المشكلة في الرئيس، إنها في المؤامرة الكونية عليه) لكن، لأنها معارضة من طراز ماركسي خاص، ولأنها تستمد لغتها وحكمتها من مقولات الديالكتيك والمادية التاريخية؛ فإنها تقولها بلغة أقل فجاجة.

إنها السوريالية السورية التي تبتكر كل يوم فصلاً جديداً من عبثيتها، فيفيض نهر الجنون، أو نهر الحقد؛ ليصبح الحديث عما يجري هو الجنون بعينه.

لنحاول أن نقول الأمر بقول آخر، بعيداً عن غرابته وعبثيته وجنونه، إن استطعنا:

لقد أصبح واضحاً للجميع، كيف قررت سلطة الأمر الواقع أن تتعامل مع فايروس كورونا، وعبره مع الشعب السوري، حين اعتمدت منهجها الدائم في مثل هذه الحالات، وهو: منهج التجاهل وطمس الحقائق، مهما تكن نتائج هذا التجاهل وهذا الطمس.

هكذا قرر النظام - بكل راحة وأريحية- عدم الاعتراف بفايروس كورونا، وبجرة قلم من قلمها المعهود ألغت وجوده، وتركت لمن يفتك بهم هذا الفايروس أسبابها الأخرى.

ولأن المهزلة عادة تجر إلى مهزلة لا تقل عن سابقتها غرابة، فقد جاءت الدعوة التي أطلقها تيار التغيير السلمي للمشاركة في انتخابات مجلس الدمى، المسمى مجلس الشعب السوري، ولكي يعطي لسفاهته هذه وجهاً آخر؛ فقد أضاف إليها ما توهم أنه يجملها ويلبسها ثوب الوطنية، فأوضح: أن هذه المشاركة ستكون مقدمة لخلق مقاومة شعبية تأخذ على عاتقها تحرير سوريا من الاحتلالات. وبالتالي، عن أية مهزلة يمكن الحديث، عندما يريد أن يصبح بطل التحرير من طالب مراراً بقدوم جيوش الاحتلال؟

إن السوريين لا يفتقدون مفارقات كثيرة لا تقل غرابة عن قرار عدم الاعتراف ب "كورونا"، ولا تقل سخفاً عن بطولة التحرير المتوهمة عند تيار التغيير السلمي؛ فعلى مساحة هذا البلد المنكوب تتوالى الأحداث الصادمة، فهناك سوريون ينقسمون، ويختلفون، حول مناصرة أي احتلال من احتلالات بلدهم، وهناك سوريون ينقسمون، ويختلفون، حول عدد الكيلومترات التي نص عليها اتفاق سوتشي، ومتى يكون هذا العدد انتصاراً، ومتى يكون هزيمة.

قد تكون نعمة الجغرافيا التي أحالها الطغاة إلى نقمة، كأن سوريا لا يكفيها أربعة عقود من حكم قد جفف كل ما فيها، ليعقبها عقد خامس من القتل والتدمير والتهجير واستقدام الجيوش والمرتزقة، ثم تكتمل حلقات الفجيعة بأن تتصارع على أرضها ثلاث دول مأزومة، تاريخها سلسلة من الحروب فيما بينها، ترى أن خلاصها من أزمتها سيكون على هذه الجغرافية المسماة سوريا.

ولقد قالت تلك الأم السورية التي كانت تقف أمام تابوت ابنها الضابط القتيل في حرب الجنون، بعد أن تقدم إليها الضابط الذي رافق التابوت؛ لكي يسلمها العلم: إنها مستعدة أن تذهب هي إلى ساحة المعركة؛ لكي تقاتل حتى بأسنانها؛ ولقد تعالت الزغاريد، ودمعت أعين الرجال من شدة التأثر، وانتفخ صدر الضابط بعد أن شعر بالفخر فجأة. أية مسرحية عبثية هذه! وأي فاجعة يمكنها أن تحتوي هذا الحقد الذي يتغول، ويبتلع كل شيء؟

حتى اليوم لا يزال القسم الأعظم من السوريين يدير ظهره للحقائق التي كشفت عنها تسع سنوات المقتلة، ولا يزال القسم الأعظم من السوريين على عناده في قراءة الحالة التي وصلنا إليها بدلالات لم يعد بطلانها خافياً على أحد، فلا المؤامرة قادرة على تفسير ما جرى ويجري، ولا الطوائف، ولا السماوات. وحده الدم المراق، والقهر الذي ينام السوريون كلهم تحت وطأته، يمكنه أن يقرأ هذه الحال كما ينبغي؛ هذا إذا لم يعمنا نداء الحقد.

لم يعد لهذا الجنون حد، فقد استفحل الحقد إلى الحد الذي بات فيه مجرد الحديث عن الحكمة والتعقل خيانة، ومجرد لفت النظر إلى سبب هذا البلاء وأسّه كفيل بأن يحيل الحاضرين إلى كتلة من غضب؛ يمكنها تفتيت جسد هذا الذي يقول ما لا يريدون سماعه. لقد أصبحنا حشوداً متعطشة للقتل.

ولكي تكتمل فصول الفاجعة، فيغدو الخلاص أقرب ما يكون إلى الاستحالة؛ تتمدد اللوحة لتكشف عن عالم يفيض بالوحشية، عالم لا يتردد قادة دوله الكبرى عن نزع قناع القيم والحقوق عن وجوههم معلنين: أن صياغة جديدة للنهب والتوحش ستكرس على هذه الأرض مهما كان عدد ضحاياها.

هل يمكن إنقاذ شعب أعزل، ومقسم، ومستباح؟ وهل يمكن إنقاذ شعب فاض نهر الدم فيه؛ ففاض نهر حقده؟ وهل يمكن إنقاذ شعب يتزعمه الخونة وتجار الدم؟ وهل يمكن إنقاذ شعب يحاصره الموت من ست جهات الأرض؟

هذه أسئلة الكارثة المفجوعة التي تستحق أن نقف جميعاً في حضرتها عراة إلا من سوريتنا.

===========================

موقفنا : بين أنسنة المواجهة مع الفيروس وبين تسييسها .. هذا فقهنا للذين لا يفقهون

زهير سالم

مركز الشرق العربي

21 / 3 / 2020

كورونا عدو الحياة ، عدو الإنسان والإنسانية ، عدو الحضارة والعمران ، وما لم يتعامل معه البشر جميعا على هذا الأساس ؛ لن ينتصروا عليه بحال .. إلا أن يشاء الله .

وبين أنسنة المواجهة مع الفيروس وبين تسييسها وخندقتها وتمييزها ؛ يكمن سر النجاح أو الإخفاق ، وسر الانتصار أو الهزيمة ، لا قدر الله ..ومع قسوة التحدي ، وخطورة المسارات ؛ فإن حال الإنسانية لا يبشر بخير فيما تخوض من غمرات .

وتبدأ استراتيجية المواجهة مع كورونا - في فقهنا الإنساني - من مستوى الشعور ؛ فتصحيح المشاعر الإنسانية تجاه هذا التهديد الرعيب خطوة أولية ، لمصادرة خطل الفرح بانتصار الوباء على قاعدة تصنيف البشر " متجانسين وغير متجانسين " .. ثم تتدرج هذه الاستراتيجيات من المشاعر الفردية والجماعية إلى ترتيبات السلوك الفردي والسلوك الجماعي ، والسياسات المحلية ،والسياسات العالمية ؛ في سلسلة محكمة مترابطة كلها تضع الحفاظ على الحياة الإنسانية في المقصد الأول . كلها تحفظ من التوراة والإنجيل والقرآن أنه ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ..) ومن هذا القتل فرد يصر على الانغماس في الناس وقد نُهي ، وصاحب قرار رمى الناس بالإهمال فأرداهم .

استراتيجية عالمية مركزية شاملة مترابطة

مواجهة فيروس كورونا تحتاج - في تصورنا - إلى غرفة عمليات إنسانية عليا تجعل سلامة الإنسان هي المقصد الأول تقدر وتدبر وتقرر .

 وتحتاج إلى آليات تنفيذية عليا تواجه فيروس كورنا على الساحة العالمية بشمولية وبلا حدود كما يواجه هذا الفيروس العالم شموليا ولا بحدود .

احذروا الثقب في السفينة :

إن مواجهة فيروس كورونا تقتضي سد كل المنافذ والثغرات . والأخذ على يد كل من يسعى إلى إحداث الخروق . إن سكان " المسكونة " اليوم في قارب واحد . ووصول فيروس كورونا القاتل إلى أي فرد في هذه السفينة يعني وصوله إلى الجميع . بين ظهراني البشر حمقى كثيرون ، من البشر مع الأسف حمقى كثيرون ، وما يزالون يظنون ، وما يزالوا لا يبالون ..!!

المصير البشري أمام فيروس كورونا على مفترق طرق ؛ بين تعميم الخوف والمرض وتعظيم المأساة والموت أو تعميم الأمن والسلامة والرجاء واختزال المعاناة والانتصار للحياة ..

( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ )

نعم إن فيروس كورونا جند من جنود الله .

جندي يحمل إلى الإنسانية أجمع رسالة أن تعود إلى إنسانيتها . وأن تستشعر ضعفها ، وأن تخرج من دوامات العداوة والبغضاء .

هو رسالة إلى قابيل أن يكف عن القتل ، ورسالة إلى الذي استغنى أن يشفق . وإلى الذي استأثر أن يعلم أن هذه " المسكونة " أكبر من بيضة ، يتصبح بها صاحب ياقة بيضاء .

نشأنا وفي آذاننا عبارة " الواحد الذي يملك المليون والمليون الذين لا يملكون واحد " وصرنا إلى حكاية الواحد " الذي يملك المليار أو المليارات والمليار الذين لا يملكون واحدا . وأعجبه أن هذا الواحد الذي يملك المليارات من أول أمره إلى آخره موظف عام كل ما يدخل عليه محفوظ معدود .

 إن لتصدي لفيروس كورونا يفرض على البشرية جمعاء ، على مستوى الدول والحكومات ، وعلى مستوى المجتمعات والشعوب ، كما على مستوى الأفراد ؛ وحدة في المواجهة . ففيروس كورونا ليس قنبلة موقوتة ، يدسها إرهابي في صف من يعتبره عدوه ثم يعتد انفجارها وضحاياها انتصارا له وللمتجانسين معه !!

لا يمكن للفرد أن يقول أنا أتحمل مسئولية قراري ، سواء كان أميا أو مثقفا أو أميرا أو رئيسا ، إن صاحب هذا المنطق هو ثقب السفينة الذي يتهدد بالقتل سكان الأرض جميعا .

وفيروس كورونا لا يميز بين الرئيس والغفير . وهو دائما لخفائه قادر على أن يصل إلى حيث يريد. وفيروس كورونا لا يميز بين الطبيب والمريض ، ولا بين السجين والسجان ، ولا بين الأبيض والأسود والأحمر ، ولا بين وبين وبين ... مهما تكن خلفية البينيات التي زرعها البشر بين ظهرانيهم . فيروس كورونا تحد علوي ، تحد خارج الإرادة البشرية يفرض نفسه هذه الأيام على البشر أجمعين . ويقول للبشر جميعا هدفي : بنو آدم أجمعون ..فهل ننادي : يا بني آدم اتحدوا ..

وحقيقة استراتيجية أخرى في مواجهة الفيروس القاتل ..

ثم إن مواجهة كورونا لا تكون انتقائية ..

وتقديم المساعدة للمصابين به لا يكون انتقائيا ، وهو كلام سمعناه مع الأسف ، من ساسة ، لم يقدروا الكلمات التي يتلفظون بها حق قدرها . نقول إن قدر هلاك من تحب قد تكون بسبب إهمالك لمن تكره أو لمن لا تبالي ..لا يمكن في علاج فيروس كورونا أن يُقدم إنسان ذو أمل في الشفاء على آخر ، ولا عنصر بسبب لونه ، ولا غني بسبب غناه ..وما أدراكم من أين تخرق السفينة ، ثم ما أدراكم من أين تخرق السفينة ؛ وهل خرق السفينة إلا تماد في الظلم ، وتجاوز في الطغيان !! وكان أمر الله قدرا مقدورا .

ثم .. وثم .. وثم

حين يقرر بعض المسلطين أو المتسلطين على بني البشر أن يحاصروا كورونا في سجن ، أو في مخيم ، أو في جغرافيا ...فإن فيروس كورونا سيكون عادلا ؛ وسيخترق رغم أنوف الجميع كل الأسوار ..وكل السدود .

 لم يصبح العالم قرية صغيرة لتأمين انسيابية بيع البرغر والكولا فقط بل ولانتشار ما لا نحبه ولا نحب انسيابيته بحال !!

وحين سيتمسك بعض القابضين على أعناق البشر على كل خطوط الطول والعرض باستراتيجيات التمييز والعزل ، واعتبار كورونا مسننا في مطحنتهم التي يطحنون بها القيم والبشر ، ويتخففون به من كل ما يظنونه حمولة زائدة ، أو أناسا غير متجانسين ، فإن سحر كورونا ما أسرع ما ينقلب على الساحر مثلما نرى وترون !!

ينادي فيروس كورونا على الإنسانية المؤمنة جميعا أيها الناس عودوا إلى ربكم .

ينادي فيروس كورونا على كل المدعين والمغرورين أن كفوا عن ادعائكم وغروركم فلا قبل لكم بجنودي ، إن لم تكونوا بشرا أسوياء كما خلقكم خالقكم ( فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ).. والأرقام المروعة تنذر عداداتها مع كل صباح ومساء .

ينادي فيروس كورونا على كل الذين يستهدفهم بالسوية أن أعيدوا نظرا فيما أنتم فيه . فإن التحدي الذي أفرضه عليكم جميعا جد وليس بالهزل

فهل يوحد فيروس كورونا في مواجهته الإنسانية والعالم والمجتمعات ..؟!

هل تصادر الحرب على فيروس كورونا كل الصراعات والحروب الظالمة القاطعة المروعة ..؟!

مواجهة فيروس كورونا ، تحتاج إلى عقول جديدة ، وقلوب جديدة ، ونسأل الله أن يرزق العلم للذين لا يعلمون ..

وأن يفتح للإنسان بابا من العلم يحيط به عما يحتاج في هذه المواجهة إليه . نوقن أن علاج فيروس كورونا موجود وقريب . وكل الذي تحتاجه البشرية اليوم : الإذن العلوي للوصول إلى ما تترقبه مع الصباح والمساء . هكذا نفهم ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء ..).

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

تسع سنوات من الثورة السورية: من الأوج إلى الانحسار

عماد كركص

العربي الجديد

الاحد 15/3/2020

تدخل الثورة السورية عامها العاشر، بتحوّلات وانعطافات نقلت سورية من سيطرة المعارضة المسلحة على غالبية أراضي البلاد، مروراً بالتدخّل العسكري الإيراني، وبعده الروسي، وبروز جماعات متطرفة بدّلت بوصلة الأهداف الغربية والعالمية في سورية، وصولاً إلى استعادة نظام بشار الأسد المبادرة، في الفترة الأخيرة، بعد انخراط روسي كبير وإدارة اللعبة، لتتقلص سيطرة المعارضة على الأرض مع بداية شهر مارس/آذار الحالي إلى نحو 11 في المائة من الجغرافيا السورية. وبات النظام، ومن معه، يسيطرون على نحو 62 في المائة، وما تبقّى من الأراضي السورية يخضع لسيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) بنسبة تفوق الـ25 في المائة.

وشهدت الثورة تقلّبات عديدة ومفصلية، سياسياً وعسكرياً، كان أهمها سيطرة المعارضة المسلحة على مساحات شاسعة في سورية، وصلت إلى أكثر من 70 في المائة في العام 2013، قبل أن يأتي التدخّل الروسي إلى جانب نظام الأسد بشكل مباشر في خريف العام 2015، ما أدى إلى تراجع المساحات التي كانت تفرض عليها المعارضة سيطرتها وانحسارها، بالإضافة إلى ظهور أجسام وتشكيلات غير متوقعة على أرض الواقع، تكيل معارضةً للنظام، لكنها لا تعتبر الثورة والحراك الثوري مرجعية لها.

الكثير من العوامل جعلت من الثورة السورية في حالة جيدة في مراحل، وتراجع يصل إلى مستوى التدهور في مراحل أخرى، ولا سيما في العامين الأخيرين، مع زيادة عدد الفاعلين والمؤثرين في الملف السوري، على الصعيدين الإقليمي والدولي، دولاً وتنظيمات. أما عداد الضحايا فلم يتوقف، إذ وصل عدد المدنيين القتلى فقط منذ مارس/آذار 2011 وحتى مارس من هذا العام، إلى 226247 من الموثقين لدى "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، 200 ألف منهم قُتلوا على يد قوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية، فيما تعد الأرقام الحقيقية أكثر من ذلك بكثير، نظراً للأعداد الكبيرة للمختفين والمغيبين قسراً، وغير الموثقين بالاسم. وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس السبت، إن الحرب أدت إلى مقتل 384 ألف شخص على الأقل، بينهم أكثر من 116 ألف مدني. وبين القتلى المدنيين أكثر من 22 ألف طفل و13 ألف امرأة.

انقلاب المشهد

كان عاما 2018 و2019، الأسوأين في تاريخ الثورة، إذ ابتلعت روسيا والنظام في 2018 ثلاث مناطق من "مناطق خفض التصعيد" الأربع المتفق عليها في مسار أستانة، ولم يتبقَ تحت سيطرة المعارضة إلا إدلب المدينة وبعض بلدات ريفها، التي تدخل ضمن "منطقة خفض التصعيد الرابعة"، التي تضم كامل محافظة إدلب وأجزاء من أرياف حماة الشمالي والغربي، وحلب الجنوبي والغربي، واللاذقية الشرقي، بالإضافة إلى المناطق الخاضعة للنفوذ التركي شمالي حلب وشرقي الفرات.

وحاولت روسيا الضغط في نهاية 2018 على إدلب عسكرياً، بعد انتهائها من الاستحواذ على كافة المناطق السابقة، فيما سعت تركيا لتجنيب المحافظة سيناريو سابقاتها، من خلال اتفاق سوتشي الموقّع بين موسكو وأنقرة في سبتمبر/أيلول 2018، والذي يقضي بنشر نقاط مراقبة حول إدلب، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في محيطها. إلا أن روسيا ضربت الاتفاق، ومخرجات أستانة التي سبقته، عرض الحائط، ودعمت قوات النظام والمليشيات الإيرانية التي اجتاحت "منطقة خفض التصعيد" في إبريل/نيسان 2019، وسيطرت في المرحلة الأولى من الهجوم، التي امتدت حتى أغسطس/آب، على كامل الريف الشمالي من حماة التابع لـ"منطقة خفض التصعيد"، بالإضافة إلى سيطرتها على مدينة خان شيخون ومحيطها جنوبي إدلب.

وتوقّف الهجوم حينها باتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أن قوات النظام، وبدعم روسي من الجو، وإيراني على الأرض، استأنفت هجومها البري أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتقدّمت جنوب وشرق إدلب وجنوب وغرب حلب، وقضمت أجزاء واسعة من "منطقة خفض التصعيد الرابعة"، من بينها مدن معرة النعمان وكفرنبل جنوب إدلب، وسراقب في الريف الأوسط، بالإضافة إلى حيان وحريتان وعندان ومحيطها غربي حلب، وخان طومان وخان العسل وكفر حلب جنوبها، وغيرها من القرى والمدن، ما أدى لنزوح نحو مليون ونصف المليون مدني نحو الحدود الشمالية للمحافظة مع تركيا.

كل ذلك استدعى تدخلاً تركياً، جاء متأخراً، فأرسلت أنقرة مزيدا من الأرتال إلى إدلب، وأنشأت نقاطاً جديدة، إضافة إلى 12 نقطة سابقة. وعندما استمر النظام في تقدّمه، على الرغم من التهديدات التركية بضرورة الانسحاب إلى ما وراء حدود اتفاق سوتشي، شنّ الجيش التركي، بالتشارك مع فصائل المعارضة، عملية "درع الربيع" في 27 فبراير/شباط الماضي ضد قوات النظام. إلا أن العملية توقفت باتفاق جديد بين الروس والأتراك في السادس من الشهر الحالي، بقي مبهماً وغامض التفاصيل، ما يشير إلى إمكانية تجدد المواجهات، لتحديد هوية الطرف المسيطر على إدلب.

وسبق ذلك إطلاق روسيا مسار أستانة، بالتشارك مع إيران وتركيا بداية العام 2017، مع استغلال موسكو تدخّلها العسكري بالعمل على مسار سياسي بعيداً عن أجندات الأمم المتحدة، ودور الولايات المتحدة الفاعل فيها، وتراجع الدور العربي والأميركي في الملف السوري، بالإضافة إلى عجز الأوروبيين عن تقديم أي إضافة مع تعنّت النظام والروس، لجهة تطبيق القرارات الدولية لصالح الشعب السوري وثورته. وكان من أبرز ما تمخض عن مسار أستانة، اتفاق "مناطق خفض التصعيد الأربع"، وهي: درعا والجنوب، غوطة دمشق، شمالي حمص وجنوب حماة، وإدلب ومحيطها. وكانت تركيا قد أظهرت نيّتها السيطرة على الشريط الحدودي الشمالي تباعاً، من خلال معركتها الأولى، "درع الفرات"، ضد تنظيم "داعش" في كل من جرابلس والباب شمالي حلب في أغسطس/آب 2016، ومن ثم عملية "غصن الزيتون" ضد "قوات سورية الديمقراطية" في عفرين ومحيطها شمالي حلب أيضاً.

لكن روسيا، عملت في ما بعد، على الالتفاف على اتفاق "مناطق خفض التصعيد" تباعاً، من خلال سياسة "المصالحات" التي اتّبعتها في تلك المناطق، وهي سياسة هدفت لتهجير المعارضين للنظام (مدنيين وعسكريين) نحو الشمال السوري وإدلب. فأخذت موسكو والنظام بابتلاع تلك المناطق بالتدريج، وبدأت من الغوطة في مارس/آذار من عام 2018، ثم ريف حمص الشمالي وحماة الجنوبي بعد شهرين من ذلك، ثم درعا والجنوب في يوليو/تموز من العام نفسه. وقبلها عمدت، بالمشاركة مع إيران، إلى حصار بعض المناطق لإرغام أهلها على تركها، ولا سيما في حمص القديمة وحي الوعر، والريف الغربي من دمشق، والأحياء الشرقية من حلب، بعد معارك طاحنة مع قوات المعارضة.

كيف انطلقت الثورة؟

يختلف السوريون على موعد تحديد موعد انطلاق ثورتهم، ما بين 15 مارس/آذار 2011، حينما خرج عشرات المتظاهرين في سوق الحميدية داخل العاصمة دمشق، وطالبوا بالحرية ونادوا بسلمية الحراك، وما بين 18 مارس من العام ذاته، حين خرجت التظاهرة الأولى في درعا، والتي واجهتها أجهزة النظام بالعنف، ليسقط أول قتلى الثورة السورية. وحين طالب وجهاء درعا بالإفراج عن عدد من الأطفال، كتبوا على جدران مدرستهم عبارات مناهضة للنظام اعتقلهم النظام وعذبهم، أهان الوجهاء الذين طالبوا بالإفراج عنهم، لتندلع الاحتجاجات داخل المحافظة بشكل واسع. إلا أن الشرارة الحقيقية لاندلاع الثورة، وكسر حاجز الصمت في وجه النظام، والخروج بحراكٍ شعبي أو تظاهرة شارك فيها نحو 1500 مواطن دمشقي، كانت في حي الحريقة داخل العاصمة في 17 فبراير/شباط 2011، حين وصف المتظاهرون أجهزة الأمن والشرطة بـ"الحرامية"، بعد اعتقال أحد الشبان من أبناء أحد تجار الحريقة، ليتجمع أهالي الحي للمطالبة به، بهتاف "الشعب السوري ما بينذل"، ما استدعى تدخّل وزير الداخلية الذي أرسله الأسد للتخفيف من احتقان المتظاهرين.

عموماً، تمددت الثورة وانتشرت على معظم الأراضي السورية، وكان الخيار الوحيد المقدّم من قبل أجهزة الأمن لبشار الأسد في التعامل مع الحراك، الذي أخذ بالانتشار سريعاً، هو الخيار الأمني والقمع منذ البداية، إلا أن ذلك كان عاملاً في توسيع رقعة التظاهرات وتعاظم حجمها في الأشهر الثلاثة الأولى من عمر الثورة. ومع زيادة حجم القمع والاستهداف للمتظاهرين من قبل النظام، وانشقاق عدد من الضباط عن صفوف قواته، اتخذت الثورة جانباً مسلحاً إلى جانب الحراك السلمي لحمايته، فولد "لواء الضباط الأحرار" على يد المقدم حسين هرموش، ومن ثم تشكل "الجيش السوري الحر" بإعلان من العقيد رياض الأسعد، في يوليو/تموز 2011.

مجموعات بأهداف مختلفة

منذ بداية عسكرة الثورة، ظهرت الكثير من المجموعات المسلحة التي أعلنت انتماءها لـ"الجيش السوري الحر"، إلا أن هذه المجموعات افتقدت للترابط والتنسيق في ما بينها، وعدم تكوين مركز رئيسي لإدارة عملياتها وحتى تشكيلها من الأساس، فغلبت العشوائية على التخطيط وتنفيذ العمليات. وربما يعزو البعض ذلك لكون العقيد رياض الأسعد ترك الباب مفتوحاً أمام الثوار من المتطوعين المدنيين للانخراط في تلك المجموعات، بعد أن كان منحى هرموش مختلفاً تماماً، من خلال حصر عسكرية الثورة بالضباط والعناصر المنشقين عن قوات النظام، ومن ثم تأهيل المتطوعين في مرحلة لاحقة.

وفتح ذلك الباب أمام تشكل مجموعات، لم يكن يستهويها إعلان تبعيتها، ولو شكلياً، لـ"الجيش الحر". فتشكّلت تلك المجموعات، التي أصبحت في ما بعد كتائب، وأخذت صبغة إسلامية، لا سيما كتائب "أحرار الشام" في إدلب وحماة التي أصبحت "حركة" منظمة في ما بعد، و"لواء التوحيد" في حلب، ومن ثم تشكيل "جيش الإسلام" في ريف دمشق، والذي قام على تحالف نحو 40 فصيلاً، معظمها كانت تبدي ولاءً لـ"الجيش الحر". ولا شك أن لتشكيل "جبهة النصرة لأهل الشام"، التي تأسست أواخر العام 2011، وأعلن عنها بداية 2012، والتي تعتبر فرع "تنظيم القاعدة" في سورية، كان له أثره الكبير على مفاصل مهمة من عمر الثورة في ما بعد.

في المقابل، ومع سيطرة المعارضة على أجزاء واسعة من سورية، بين عامي 2013 و2015، بات النظام مهدداً بالانهيار والسقوط، خصوصاً أن محيط دمشق كان بشكل شبه كامل تحت سيطرة المعارضة، فاندفعت إيران للتدخّل، والذي جاء عبر مراحل وبشكل تدريجي دعماً للأسد. وقد أكد أكثر من مسؤول إيراني، من مستويات مختلفة سياسية وعسكرية، أنه لولا تدخّل إيران و"حزب الله" في سورية لكان النظام سقط خلال بضعة أسابيع، ولا سيما في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، حين اقتربت فصائل المعارضة من أسوار العاصمة، بل والوصول إلى بعض أحيائها، قبل وبعد ذلك التاريخ.

ثم كان التدخّل الروسي عسكرياً بشكل مباشر إلى جانب قوات الأسد، ولا سيما من خلال الإسناد الجوي، الحدث الأبرز والأهم في تاريخ الثورة السورية، والذي شكّل محطة مفصلية على صعيد تغيير خرائط السيطرة على الأرض لصالح النظام، جنباً إلى جنب مع التدخّل الإيراني، الذي زاد من حجم تواجده على الأرض، من خلال الزج بمزيد من المليشيات من العراق وأفغانستان، بالإضافة للتواجد والنفوذ الكبير لـ"فيلق القدس" والحرس الثوري الإيراني، اللذين تسلما زمام المبادرة في إدارة المعارك على الأرض. وفيما بعد كان للدور الروسي جانب سياسي، في تغيير المعادلة السياسية إلى جانب التدخل العسكري، ما زاد من ضعف الثورة لصالح الأسد.

في موازاة ذلك، كان تنظيم "داعش" قد أعلن عن نفسه بعد انشقاق العديد من عناصره وقيادته عن تنظيم "جبهة النصرة"، ومبايعتهم "تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام"، ومركزه العراق. وأخذ التنظيم يكبر ويتمدد على حساب قتال فصائل الثورة التابعة لـ"الجيش الحر"، أو الفصائل الإسلامية الأخرى، حتى وصل الأمر لقتال تنظيم "جبهة النصرة"، الذي يشبهه من حيث الفكر الراديكالي، والمعتقدات والفلسفة الدينية السلفية الجهادية. وتوسع "داعش" حتى أعلن "دولة الخلافة" في العام 2014، وعاصمتها مدينة الرقة شرق سورية.

وفي الوقت ذاته، طفا إلى السطح الكيان العسكري الكردي، "وحدات حماية الشعب"، المؤسس منذ العام 2004 (تتضارب التواريخ الرسمية حول تأسيسها بشكل منظم بين 2004 و2012)، والذي يعد الجناح العسكري لحزب "الاتحاد الديمقراطي"، فرع حزب "العمال الكردستاني" في سورية. وتوسع هذا الفصيل وتعاظم نفوذه وحجمه، باتباعه سياسة التجنيد الإجباري وقتال تنظيم "داعش" شرقي سورية، بدعم أميركي، ومن ثم تشكيل "قوات سورية الديمقراطية"، من فصائل عربية وكردية شرقي سورية، ونواتها الأساسية "وحدات حماية الشعب" بقيادة كردية.

وكان قتال "داعش" للفصائل بداية الاقتتال الفصائلي في سورية، والذي ظهر كذلك في ريف دمشق، حين ابتلعت فصائل كبيرة فصائل أصغر منها حجماً. وامتد الاقتتال إلى الشمال السوري، ولا سيما في إدلب وحلب، وهنا بدأت مرحلة التشظي الفصائلي في الثورة، والذي كانت نتيجته ضعف الجناح العسكري، والارتهان إلى يد الدول الإقليمية والدولية المتنفذة في الثورة، والذي امتد حكماً إلى جناحها السياسي.

التطورات السياسية

سياسياً، حظيت الثورة بتعاطفٍ دولي في أيامها الأولى، تُرجم من خلال قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد من معظم دول العالم. وكان مؤتمر أصدقاء الشعب السوري، الذي استضافته العاصمة التونسية في بداية العام 2012، بمشاركة نحو 70 دولة، توسعت دائرتها في ما بعد، حدثاً هاماً على صعيد الدعم الدولي للثورة سياسياً. وحظي "المجلس الوطني السوري"، الذي كان يقود المعارضة السياسية في ذلك الوقت، باعتراف تلك الدول كممثل شرعي للشعب السوري، قبل تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة".

في ما بعد، انخرطت المعارضة السياسية في المسار التفاوضي مع النظام، تحت رعاية الأمم المتحدة في جنيف، واستطاعت تحصيل بيان "جنيف 1" عام 2012، الذي يتبنّى تشكيل "هيئة حكم انتقالي" لتحقيق انتقال سياسي شامل في سورية. وفي ما بعد كان للضغط الأميركي في مجلس الأمن دور في إصدار القرار 2254 لعام 2015، الذي أكد تطبيق بيان "جنيف 1"، ولا سيما في ما يخص الانتقال السياسي، وتحديد سلال أربع للعمل على تكريسها من خلال مسار جنيف، وهي: الانتقال السياسي، والإفراج عن المعتقلين، وصياغة دستور جديد، والانتخابات. وأضاف إليها النظام في جولات تفاوضية لاحقة في جنيف ملف "مكافحة الإرهاب"، لمساعدته في استثمار الوقت والالتفاف على القرارات لجهة عدم تطبيقها. وتعددت جولات مسار جنيف الأممي، حتى وصلت إلى تسع جولات، من دون أن يكون لأي من مخرجاتها، ولا حتى القرارات والبيانات الأممية حول سورية تطبيق فعلي على أرض الواقع.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com