العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22-01-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

من يدفع فواتير الصراع؟ .. باسل الحمادة

العربي الجديد

الاربعاء 18/1/2017

بات مؤكداً أنّ الصراع السوري ليس محكوماً بالتطورات الداخلية السياسية والعسكرية، إنّما هو حلقة في سلسلة طويلة من تصارع القوى الدولية في البحث عن أمنهم القومي، والجري خلف نفوذهم ومصالحهم، وليست حروب أفغانستان وفيتنام والعراق بعيدة. وهنا، تبدأ المساومات حول الأوراق الدولية الأخرى ليكون الحل الأخير لأي معضلةٍ بتفادي الصدام المباشر لهذه الدول. وبذلك، يتم توزيع هذه الأوراق الدولية، وتقسيم مراكز النفوذ والثروات فيما بينهم.

لذا، يصعب قراءة الملف السوري بمعزلٍ عن الملف الأوكراني، أو حتى اختصار الشأن السوري على سلطة ومعارضة أو حتى بمشاركة روسية وأميركية، فالواقع يشير إلى مدى توّغل دول عظمى وصغرى، ليس في هذا الملف أو ذاك فحسب، وإنّما في كلّ ملفات الدول (غير ذاتية القرار)، وتحريك المشهد على أرض الواقع بما تقتضي مصالحها وأمنها القومي.

الثورات، والتي كثيراً ما تستغلها تلك الدول لتحوّلها إلى حروب، كما في ثورات الربيع العربي، ليست اللعبة الوحيدة لرسم السياسات الدولية فهناك الانقلابات وانقلابات الضد.

ما تعيشه دول الصراع في العالم أينما كانت ما هو إلا حروب تنفذها جيوش بالوكالة عن تلك الدول العظمى، لتحقيق غايات خطّطت لها، وسنحت الفرص لتحقيقها، فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتحويله إلى دول عدّة، والولايات المتحدة الأميركية مستمرة بالعمل على نشر منصاتها الصاروخية ضمن مشروع الدرع الصاروخية، مستثمرة انهيار الاتحاد السوفيتي، على الرغم من التوقيع على معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، المعروفة اختصاراً باسم إيه بي ABM ، والتي بدأت تشغيل آخرها في شمال رومانيا في منتصف شهر مايو/ أيار الماضي، وبذلك انضمت إلى منصات عديدة حول العالم، في الولايات المتحدة وتركيا وتشيكيا وبولندا ورمانيا وغرب أوروبا والخليج العربي وبريطانيا وإسرائيل وتايوان وكوريا الجنوبية، وتجري دراسة لإقامتها في إسبانيا والبرتغال، ليصبح هدف الحزام الأميركي ليس التصدّي لهجوم الدول التي وصفتها بالمارقة، مثل إيران وكوريا الشمالية وكوبا، وإنّما حصار روسيا مباشرة، لتشعر موسكو بخطر يطوّقها ويهدّد أمنها، خصوصاً أنّ هذه المنصات من الممكن أن تحمل رؤوساً نووية وصواريخ هجومية، تهدّد أمنها، ليصرّح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عقب تشغيل المنصة بيوم أنّ بلاده ستدرس إجراءات "لمواجهة التهديدات" التي تشكلها الدرع الأميركية المضادة للصواريخ المنصوبة في شرق أوروبا، مهدّدا "بكل ما هو ضروري"، لكنّه أكد أنّه لن يخوض سباق تسلّح جديد.

تأخذ السياسة الروسية في التعامل مع الملفات الدولية صفة الخاسر الذي لا يوجد هناك ما يخسره، لتسيطر عسكرياً على شبه جزيرة القرم، نتيجة تخلّي الحكومة الأوكرانية عن تحالفها معها، جرّاء قيام الثورة البرتقالية وانحيازها للأوروبيين والأميركان، وأيضاً في سورية، خصوصاً أنّها تدير قاعدتها العسكرية على الساحل السوري ووجود استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات النفط والغاز السوري، بعد شطب الديون المتراكمة جرّاء استيراد الأخيرة أسلحة ومعدات عسكرية، لتثبّت وجودها في الشرق الأوسط وسواحل المتوسط، وتسعى أيضاً جاهدة إلى دعم التدخل العسكري لحليفها الإيراني في اليمن وسورية والعراق.

لم يكن هذا التحالف جديداً، فقد حظي المشروع النووي بدعم الروسي منذ بداياته، بالإضافة إلى دعم روسيا الإيرانيين في عملية التفاوض مع الأميركان لحل الأزمة النووية الإيرانية، وإنهاء العقوبات، ولتمارس الضغوط أيضاً على دول الخليج العربي وتركيا بإيجاد صيغة لحل سياسي مصبوغٍ بنكهة المنتصر في سورية واليمن، والعمل على التلاعب بنتائج الانتخابات الأميركية.

يحاول الروس من كلّ هذه التطورات في المنطقة إيقاف النفوذ الأميركي الذي يسعى جاهداً إلى الحفاظ على أمنه القومي، كما يدّعي، والتي عمدت الولايات المتحدة تحت اسم الأمن القومي، على تعزيز شركائها في العالم وربط اقتصاد العالم وسياسته بها، وأيضاً بالتدخل العسكري هنا وهناك. وهذا كان هاجس الدولتين، خصوصاً روسيا، كونها تأثرت بانهيار اتحادها السوفيتي وانفكاك عقدها مع دول عديدة، ساعية إلى لملمة أوراقها، لوقف الإدارة الأميركية عند هذا الحد من السيطرة والتحكم والانفراد باتخاذ القرارات، وتبادر في سعيها إلى إيقاف هذا التمدّد .

لذا، تبدو ملفات المنطقة ليس لها أيّ أمل منظور، فاللعبة مستمرة، وحرق الأوراق وإيجاد أوراق جديدة مستمر، في حين أنّ الشعوب هي من يدفع فواتير هذا الصراع.

========================

موقفنا : الأستانة .. نور الحقيقة وهالة الوهم .. زهير سالم

17 / 1 / 2017

مركز الشرق العربي

لا نحتاج إلى كثير قول لنؤكد أن الشعب السوري بشكل عام ، والثورة السورية وحاضنتها وأنصارها وثوارها بشكل خاص ، بحاجة إلى يد عون تسعفهم ، من تآلب أشرار العالم عليهم ، في حرب مكشوفة يشاركون فيها بطرائق مباشرة وغير مباشرة ..

ولا نحتاج إلى كثير قول لنؤكد اعترافنا بدور الأصدقاء المساندين من الأشقاء العرب والأتراك على مدى سنوات مضت من عمر الثورة . وكذا للتأكيد على الخصوصية ( الجيوسياسية ) التي تلعبها الشقيقة تركية الجغرافيا والديموغرافيا والقيادة . إن الاعتراف بالفضل ، والشكر على الدور ، لا يعني تجاهل المفارقات في تحديد الأولويات ؛ في ظرف متغير ندرك فيه جميعا ما يعايشه كل شقيق من خصوصيات داخلية وخارجية .

إن من حق شعبنا الذي ما يزال يخوض معركته منذ ست سنوات ، والذي قدم على طريق تحرره التضحيات بالملايين من شهداء ومصابين ومعتقلين ومشردين ، أن يحدد أولوياته ، وأن يتمسك بثوابت ثورته ، وأن يحدد في كل مرحلة الأسلوب الذي يختار والطريق الذي يريد . كما أن ذلك من حق الآخرين ليس لأحد أن يضارهم فيه .

إن الذي يجب على الجميع أن يدركوه ، والذي سنظل نردده عند كل مقام وفي كل مقال :

* إن الذهاب إلى الحرب في سورية لم يكن خيار شعبنا . وإنما كان خيار الآخرين . ولقد فُرضت هذه الحرب الآثمة منذ أول يوم على شعبنا الأعزل المسالم المطالب بالعدل والحرية ؛ ولذا فنحن لسنا بحاجة إلى التأكيد دائما أننا مع كل وقف للنار ، مع كل وقف لهذه الحرب القاطعة الظالمة التي لم نكن يوما أصحاب قرارها ولم نكن يوما من جناتها ، كما لم نكن يوما من المالكين لأدواتها..

* إن الحرب التي فرضها علينا بشار الأسد ، وحسن نصر الله ، والولي الفقيه ومن ثم نصيرهم الأول بوتين هي حرب وجودية ، حسب اعترافهم وتعبيرهم . وحقيقة الحرب الوجودية تعني أن وجودا لا يقبل الشراكة مع آخر. وأنهم بحربهم الوجودية التي أعلنوها وما يزالون علينا ينوون استئصالنا من أرضنا تقتيلا وتهجيرا ؛ إن أي تعامل مع المشهد بعيدا عن إدراك هذه الحقيقة فيه ضلال وتضليل ، لا يقبل شعبنا من أحد أن يقبل به أو أن ويتغاضى عنه .

* ثالثا ، لقد كانت روسية ، على مدى السنوات الست الماضية ، شريكا في كل ما جرى على شعبنا : على الصعد العسكرية والتعبوية والسياسية والدبلوماسية . ظلت روسية شريكة في التسليح ثم في القتل والتدمير ثم في الدعم السياسي والدبلوماسي المفتوح . الدبلوماسية الروسية اتخذت ستة قرارات فيتو في مجلس الأمن لدعم القاتل المجرم . الطيران الروسي شن عشرات الآلاف من الغارات على وطننا وأهلنا . كذب الروسي لم يقصف كما زعم الإرهابيين . 8% من غاراته فقط استهدفت من يقال لهم الإرهابيون . الطيران الروسي قصف الأطفال والنساء والأحياء السكينة ، وقصف المساجد والمدارس والمستشفيات والمخابز ؛ قتل المدنيين ، وشرد الأبرياء ، وما يزال ينظر بعين العدوان إلى ما يجري على كل الأرض السورية ؛ ثم يقال لنا هلموا إلى حل سياسي يرعاه هذا الوسيط النزيه ...بالله على هؤلاء الذين يدعون إلى الأستانة كيف يحكمون ؟!

* ثم يدعون إلى الأستانة ، لفيف من الفصائل ، شركاء متنافسون ، إن لم نقل متشاكسون ، لا تضبطهم مرجعية ، ولا يفيئون إلى رأي كبير ، تتفاوت رؤيتهم ورؤاهم وأحجامهم وأثقالهم ، ويلقى بهم طعمة ليلعب على اختلافهم وتباينهم الروسي والإيراني ، ويغيّب عن المشهد المرجعية السياسية الحقيقية التي ارتضاها أكثر السوريين ، بعد رحلة طويلة من الاختيار والموازنة ( هيئة التفاوض العليا ) في خطوة مقصودة ، للالتفاف على الثورة ، ورمي عباءة المسئولية على غير أكتاف أصحابها ..

* وفي الوقت الذي تأخذ بعنق الأستانة ومن فيها دولتان تحتلان سورية ، وتساندان القاتل المجرم بشار الأسد ، يدعم الأولى أسطول جوي ، ويدعم الثانية مائة ألف مقاتل على الأرض ، يغيّب دور دول عربية ، وسورية عضو مؤسس في الجامعة العربية . كما تنحى عن المؤتمر المرجعية الدولية التي تشكل بتشاكستها نوعا من التوازن ، المعقول !!

* هذا هو لقاء الأستانة ... اللقاء المعمى ، الذي لا نزال في جهالة من جدول أعماله الحقيقي ، ومن العاملين عليه الحقيقيين ، ومن المشاركين فيه والحاضرين فيه الحقيقيين !! الأستانة الذي يريد منه ثلثا الداعين إليه تصفية ثورة شعب لم يشهد العالم الحديث لها مثيلا ..ثم يعتبون لأن هناك من لا يؤيد ، ولأن هناك من يتردد أو من يصمت أو من يشكك ..

* إننا ومع إدراكنا لتداعيات التحولات الخطيرة في مواقف بعض الأصدقاء من جيران سورية بشكل خاص ، وما يمكن أن يجره هذا التحول الخطير ، ليس على قطرنا وثورتنا فقط ، بل على المنطقة أجمع ، وعلى حاضر الأمة ومستقبلها الوجودي بشكل عام نؤكد من موقع المسئولية الشرعية والتاريخية والوطنية :

أولا – نعلن رفضَنا لكل أشكال الاحتلال الواقع على أرضنا ، وفي مقدمته الاحتلال الروسي والاحتلال الشيعي الصفوي بكل تجسداته ومذنباته . ونعلن إصرارنا على تحرير وطننا من كل هؤلاء المحتلين . وندعو إلى مشروع وطني سورية لمقاومة الاحتلال ، وللتصدي لآثاره وتداعياته ، وإبطال آثاره .

ثانيا – نؤكد تمسكنا بحقنا الثابت في وحدة أرضنا ومجتمعنا في ظل دولة حرة مستقلة يسودها العدل والحرية والمساواة ، ويضبطها دستور يجمع أبناءها ويحمي حقوقهم جميعا .

ثالثا – نعلن استئناف طريقنا لنصرة ثورتنا وأهدافها بكل الوسائل المشروعة ، وإصرارنا على التمسك بثوابت هذه الثورة العادلة حتى يفتح الله بيننا وبين عدونا بالحق وهو خير الفاتحين .

رابعا – نؤكد وفاءنا لدماء الشهداء ، ودفاعنا عن حقوق المستضعفين ، إحقاقا للحق ، وإقرارا للعدل . ورفضنا لأي محاولة لمكافئة المجرمين مهما كان عنوانها ، ومهما كانت دوافعها .

خامسا – نحن طلاب حق ، ومدافعون عن قيم إنسانية كونية ثابتة ، لا نريد بغيا ولا علوا في الأرض ولا فسادا .. نحرص على حقنا من أقرب الطرق ، ومن أيسر السبل ...

فمن أحب أن يمد يده بالعون على الخير فأهلا به ..وإن تكن الأخرى فإن الله حسبنا وهو نعم الوكيل .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

لا مكان لإيران في سورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 18/1/2017

دة للغاية. ويتأتى التعقيد من الضعف العربي الداعم للوطنيين السوريين، ومن ضعف الأخيرين، وهيمنة العقلية الماقبل وطنية على أغلبية السوريين، ومن رضىً أميركي على التغلغل الإيراني في أكثر من دولة عربية. مشكلة إيران هي في غياب رؤية استراتيجية للمنطقة، تتجاوز البعد الطائفي والاعتماد على مجموعات طائفية مغلقة، تقرّ بمسألة ولي الفقيه الإيراني والطاعة له؛ هذه المجموعات محصورة في الطائفة الشيعية (والحوثيين في اليمن) ومجموعات سياسية عربية معزولة عن وسطها الاجتماعي المحيط، وتستفيد من هيمنتها على الدولة الهشّة والحروب. وبتوقف تلك الحروب، ستذوب تلك المجموعات تلقائيا، فلا الدعم الإيراني سيستمر، ولا المجتمع المحلي سيتقبلها.

سمحت الفصائل الجهادية والاحتلال الروسي للمليشيات الطائفية التابعة لإيران بتوهم إمكانية السيطرة على سورية. قبل ذلك، كان النظام وإيران وحزب الله في حالة ضعف شديدة. توهمت إيران أنها ستنافس روسيا، وربما تزيحها من سورية، حالما تندثر الثورة الشعبية. هذه محض أوهام، فمن حسم المعارك منذ نهاية 2015 في سورية هو السلاح الروسي، ولدى روسيا هذه مصالح دولية وإقليمية. ولهذا، تسمح بوجود إيراني أو تركي وسواه في سورية، عدا عن الدرس الأفغاني في الإخفاق الروسي هناك، وإمكانية أن يتكرّر الأمر ذاته، إن تورّطت برياً بشكل واسع.

ما حدث في سورية من تطورات منذ 2011، ودخول روسيا قوة احتلال، وباتفاقية طويلة الأمد مع النظام، لا يترك مجالاً للمقارنة لحسم السيطرة لصالحها، وخروج إيران من الدور المسيطر في سورية، وهذا ما يلحظ من خلال تهميشها عبر التوافقات الروسية التركية. إيران ذاتها تتّكِئ على روسيا في أكثر من مسألة إقليمية ودولية، وبالتالي، لا يمكنها معاندة روسيا بما يخصّ شكل السيطرة على سورية، أي أنّ من أكبر الأوهام الاعتقاد أن إيران يمكن أن تتبنى إستراتيجية مناهضة لروسيا في سورية، حينها ستكون إيران وحيدة أمام العالم.

لم تَسلم مدينة أو قرية سورية من الممارسات الطائفية لإيران، وانتهت كل أسطورة حزب الله 

"مشروع إيران طائفي وحربي في آن وهذا سببٌ مركزي لانهياره لاحقاً" حزباً مقاوماً، وتكشّف حزباً إيرانياً وشيعياً، بل تشعر غالبية السوريين ومن كل الطوائف بامتعاضٍ كبيرٍ، وترفض الممارسات الطائفية الإيرانية، والتي تبرز أفعالاً مناقضة لكل ما يخص السوريين من عادات وتقاليد وإيمان وأغانٍ وتديّن، عدا عن شعور سنّي سوري عام بأنّ إيران أذلّتهم في كل مدنهم وقراهم، ويُنهي هذا الأمر أية علاقة طبيعية في مستقبل الأيام، وليس فقط يحتّم خروجها من سورية.

لعبت إيران، عبر حزب الله وبقية المليشيات الشيعية المأمورة من حرسها الثوري، ولاحقاً تدخلت بألويةٍ منه، دوراً رئيسياً في تهجير مئات القرى من ريف القصير والقلمون وحمص وحلب وسواها؛ وقد ضاعف ذلك من حدّة الرفض الشعبي والمجتمعي ضدها. ونزعم أن الصامتين عنها والموالين للنظام سيكون لهم الشعور نفسه، حينما تبدأ العملية السياسية التي ستتضمن، بالضرورة، إخراج إيران وكلّ مليشياتها من سورية، أي سيكون السوريون "الموالون" أمام سؤال جديّ، وربما لأول مرة، لماذا سمحنا لإيران، ومن ثم روسيا، باحتلال سورية وقتل آلاف الشباب "الموالين"، ولا سيما أننا كنا نعلم أن النظام مخفقٌ، ولن يتمكّن من استعادة المدن والقرى تلك. أقصد أن نظام ولي الفقيه مرفوضٌ في إيران، وكذلك الحال في سورية. تتطلب المسألة وقتاً وسيكون العرب، وليس السوريون فحسب، رافضين وبشكل نهائي كل السياسة الإيرانية، وربما كل علاقات معها.

تصاعد الطموح الإيراني مع حقبة أوباما، مع الانكفاء الأميركي لمواجهة الصين وحل المشكلات الداخلية، وكذلك بعد انهيار العراق عبر الاحتلال الأميركي 2003، ورفض علي عبد الله صالح تسليم الحكم، وقوة الثورة الشعبية في سورية، وبسبب النظام الطائفي القوي في لبنان. استطاعت السعودية تحجيم التدخل في الخليج بفضل قواتها في البحرين، وبفضل الأهمية الحيوية لتلك المنطقة عالمياً، وأميركياً بشكل خاص. كاد هذا الطموح القديم في الوصول إلى البحر المتوسط يتحقق بفضل الانهيار الكبير للنظام العربي، ولا سيما بعد سقوط حلب، واحتمال سقوط الموصل بفضل المليشيات الطائفية المستقدمة من كل الدول.

مشكلة الطموح الإيراني في طائفيّته بالتّحديد، فهو يثير طائفيّةً مضادّةً وحروباً مستمرّة، 

"بقاء إيران ومليشياتها، وبدءاً بحزب الله، ستتهيأ كل الشروط لرحيلهم من سورية" فمشروع إيران طائفي وحربي في آن. هذا سببٌ مركزي لانهياره لاحقاً، أي أن قوته متأتيةٌ مما ذكرنا، وسيكون ضعفه لأسباب محلية وإقليمية ودولية، فهناك تغيّر في السياسة الأميركية بخصوص إيران، كما يصرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهناك توافق روسي تركي كبير، وشعور روسي بأن إيران طامحة لتحل مكانها في سورية والشرق العربي، عدا عن الرفض العربي المتصاعد ضدها، وتسمح هذه الأسباب بالقول إن لا مكان لإيران في سورية، وربما ستحجم وجودها في اليمن والعراق ولبنان.

لن يتم تحجيم إيران بشكل جاد قبل بداية إيجاد آليات محدّدة للانتقال في سورية نحو العملية السياسية، ووضوح موقف السوريين من الوجود الروسي في سورية، وكذلك قبل مشاركة فصائل الجيش الحر في الحرب على الجهادية، أكانت "داعش" أم "فتح الشام" أم أية قوى لها الرؤية الجهادية ذاتها؛ فروسيا التي خيضت حروبٌ عنيفة ضدها في الشيشان وأفغانستان لن تقبل بأيّ حلِّ سياسيٍّ، ولن تسعى جدياً نحوه ما لم تنظف الأرض من هذه القضايا. في ذلك الحين، أعتقد أن بقاء إيران ومليشياتها، وبدءاً بحزب الله، ستتهيأ كل الشروط لرحيلهم من سورية. قبل ذلك، ستظل روسيا توظف إيران في الحرب ضد الثورة الشعبية، وضد الجهادية، وضد كل الرافضين لوجود الاحتلال الروسي لسورية.

========================

سورية 2017... فرص ومخاطر .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 18/1/2017

توشك الأزمة السورية، بعد نحو ست سنوات على بدايتها، أن تدخل مرحلةً جديدة، مختلفة كلياً عما سبق، وهو أمرٌ يتطلب، من قوى المعارضة خصوصاً، إعادة قراءة المشهديْن، الإقليمي والدولي، والتصرّف بناء عليه، سواء فيما خصّ الوضع الميداني على الأرض، أو المسار السياسي الذي تدفع كل من روسيا وتركيا به من محطة الأستانة، على أمل أن يصل إلى جنيف. وهناك على وجه التحديد متغيران أساسيان يجب التوقف عندهما:

الأول، رحيل إدارة أوباما يوم 20 يناير/ كانون الثاني الجاري، وأخذ سياساتها معها، وهذا أمر تترتب عليه فرصٌ كما يحمل في ثناياه مخاطر. فمن جهةٍ تستعد إدارة ترامب التي جنّدت ألد أعداء إيران، وجلهم من الجنرالات، وسلمتهم أكثر المناصب حساسيةً فيها (مستشار الأمن القومي مايكل فلين، وزير الدفاع جيمس ماتيس، وزير الأمن الداخلي جون كيلي، وجميعهم مطرودون من إدارة أوباما بسبب مواقفهم المتشددة من إيران) تستعد هذه الإدارة لاتخاذ إجراءات تحد من "التغول" الإيراني في المنطقة (Roll it back)، منهيةً بذلك سنواتٍ من التفاهم الضمني بين واشنطن وطهران لمواجهة "التطرّف السني" في سورية والعراق. ويبدو واضحاً أن ترامب، إذا تمكّن من التغلب على المقاومة الشديدة التي تبديها المؤسسة الحاكمة لتوجهاته، خصوصاً الاستخبارات والبنتاغون، ينوي استبدال التنسيق غير المعلن على الأرض مع إيران بآخر معلن مع روسيا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. لكن التنسيق الروسي-الأميركي المحتمل في سورية يحمل في ثناياه، من جهة أخرى، مخاطر جمة، اذ يرجّح أن يكون على حساب المعارضة السورية، ومكاسبها السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية، سواء لناحية الاعتراف الأميركي بشرعيتها، أو دعم مطالبها في انتقال سياسي وتحوّل ديمقراطي.

المتغير الثاني، والذي لا يقل أهمية، هو التقارب الروسي - التركي الذي بدأ ربيع العام الماضي، وبلغ ذروته بعد المحاولة الانقلابية الصيفية الفاشلة في تركيا. وقد أفصح هذا التقارب عن نفسه في توصّل الطرفين إلى اتفاق حلب الذي خرجت بموجبه فصائل المعارضة من المدينة، ثم في اتفاق أنقرة الذي أقرّ وقفاً لإطلاق النار، استعدادا لإحياء المسار التفاوضي من الأستانة. ويحمل هذا التقارب في ثناياه أيضاً فرصاً كما يحمل مخاطر.

من جهةٍ، تبدو روسيا وتركيا اللتان دخلتا حرب وكالة في سورية بين عامي 2011-2015، قبل أن تتحول هذه الحرب بينهما إلى تدخل عسكري مباشر (روسيا سبتمبر/ أيلول 2015 وتركيا أغسطس/ آب 2016)، مصممتين، كلٌ لغاياتها، على الدفع باتجاه حل سياسي ينهي ست سنوات من الصراع الدامي، وهو تطوّر لا يمكن وصفه إلا بالإيجابي، أخذاً بالاعتبار أن تنافس القوى الإقليمية والدولية جعل من سورية وثورتها مسرحاً للتناحر على النفوذ والسيطرة، فشرّد أهلها ودمر اقتصادها، وأحال نسيجها المجتمعي خراباً. كما أن التفاهم التركي - الروسي يعدّ بالغ الأهمية، لجهة تفويت الفرصة على محاولات تفتيت البلد، حيث تبدو واشنطن مستعدةً لمكافأة الأكراد على "تضحياتهم" في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بإقطاعهم إقليماً على الحدود السورية - التركية، يستوجب تغييراً ديمغرافياً حتى يصبح، كما يطمح الأكراد، متصلاً جغرافياً. ومنذ بدأ التنسيق التركي - الروسي الصيف الماضي، أخذنا نشهد تراجعاً في سقف الطموحات الكردية في شمال سورية، كما تبدّى في اجتماع الرميلان للقوى الكردية، أخيراً، حيث تم، بناء على ضغط روسي، إسقاط اسم "روجافا الفيدرالية" التي تم الإعلان عنها بدعم أميركي في مارس/ آذار 2016، علماً أن روسيا نفسها كانت دعمت الأكراد السوريين بقوة، رداً على إسقاط تركيا طائرتها الحربية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. فوق ذلك، فإن أي تقارب روسي -تركي سوف يحسم بالضرورة من حساب النفوذ الإيراني في سورية، وهذا لا يحتاج إلى تفصيل.

لكن، للتقارب التركي-الروسي مخاطر يجب الانتباه إليها أيضاً، فهناك مخاوف مشروعة من وجود تفاهمات عميقة بين الجانبين حول سورية، تبدّت منذ أغسطس/ آب الماضي، حين سمحت روسيا لتركيا بإطلاق عملية درع الفرات ضد الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية. ويُخشى أن تكون تركيا أخذت في المقابل تمارس ضغوطاً على المعارضة، للقبول بتسوياتٍ لا تحقق أدنى مطالبها، أو تكون بدأت باستخدام سورية ورقة لتحقيق مزيدٍ من التقارب مع روسيا. على أية حال، هذه بعض الفرص والمخاطر التي يحملها العام 2017 للقضية السورية، والتي يتوجب درسها جيداً، حتى يصار إلى تعظيم الأولى وتصفير الثانية.

========================

المشروع الإيراني في عهدة صقور واشنطن .. مرح البقاعي

الحياة

الاربعاء 18/1/2017

هل المواجهة الأولى التي سيفتتح بها الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، حكمه ستكون مواجهته لطهران وملاليها بعد أن كان أعلن مراراً، أثناء حملته الرئاسية وبعد انتخابه رئيساً، أنه يريد نقض الاتفاق النووي معها؟ وهل تكون لهذه المواجهة الأولوية والتقديم على معالجة قضايا دولية ملحّة وساخنة وفي مقدمها الإرهاب وانفلات عمليات تنظيم الدولة في العالم، وكذا انكشاف التجسس الروسي الاستخباراتي، أم أن العملاق الصيني أهم على أجندة ترامب؟

ينشغل مستشارو العلاقات الخارجية في فريق ترامب، ومنذ اليوم الأول لتشكيله، بإعداد السيناريوات لكيفية التعامل مع الاتفاق النووي. فبعضهم يجتهد بأنه يمكن الإبقاء على الاتفاق مع تشديد العقوبات على طهران. والبعض الآخر الأكثر تشدّداً يرى في الاتفاق ضعفاً شديداً واستسهالاً بدور الولايات المتحدة وموقفها المناهض للسياسات الإيرانية، ويطالب بإلغائه وإعادة مناقشته. إلا أن الجدل يقوم هنا حول المدة الزمنية التي انقضت على توقيعه ومدى تأثير هذا التقادم على إمكانية خلق ظروف موازية لتلك التي أرغمت طهران حينذاك على الرضوخ لمشيئة الولايات المتحدة والدول الراعية والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

ويبدو أن الرأي المرجّح الآن يتّجه نحو تلافي أي قرار كبير وأحادي من الولايات المتحدة، على الأقل في الأيام الأولى لدخول ترامب إلى البيت الأبيض، إلى أن يستقر له الحكم، والعمل على تغيير طريقة التعامل مع الخروقات الإيرانية في ما تعلّق بالاتفاق، كاتخاذ إجراءات فورية ورادعة إذا ما تكرّر إطلاق الصواريخ الإيرانية البالستية، لا كما حدث مع إدارة باراك أوباما التي انتظرت ثلاثة شهور لتدين هذا الخرق، ولتفرض على طهران حداً أدنى من العقوبات لا يتناسب على الإطلاق مع حجم تجاوزاتها.

ويرى المستشارون أنه إثر تشديد المراقبة والعقوبات، تبدأ إدارة ترامب بالتعامل مع أذرع إيران الميليشياوية التي تمدّها في المنطقة، وتزودها بالعديد والعتاد لزعزعة استقرار الدول المجاورة.

الصقور الجمهوريون الذين يعيبون على ترامب أنه وصل إلى البيت الأبيض من خارج المؤسسة السياسية الجمهورية العريقة، ومعظمهم عارض ترشيحه عن الحزب لانتخابات الرئاسة، كانوا من المعارضين الأشداء لتلك الاتفاقية التي أبرمها سلفه باراك أوباما. وهم يرون ضرورة إعادة فتح ملفها، وإعادة التفاوض بمعايير جمهورية حازمة بهدف ربط شروطها مع توقّف إيران عن رعاية ودعم الميليشيات الطائفية وفي مقدمها حزب الله وفروعه في سورية والعراق واليمن، وكذا الكف عن تدخلاتها الإقليمية بل عدوانها المباشر على السوريين في غير موقع ومدينة، ومراجعة ملف حقوق الإنسان الذي تشوبه بقع الدم والقهر منذ اندلاع الثورة الخضراء عام 2009 حتى هذا اليوم. ويرى هؤلاء الصقور أن إدارة أوباما فوتت فرصة كبيرة في ردع نظام الملالي في حينه، ولو أنها دعمت ثورة المستنيرين الليبراليين من طلاب الجامعات والمثقفين والسياسيين الإصلاحيين، لكان الطريق أقصر بكثير لكبح جماح طهران النووي، والعقائدي التوسعي أيضاً.

فعلى رغم العقوبات الاقتصادية التي وُضعت إيران في خانتها، فإنها لم تتخلّ عن دعمها المادي والعسكري والسياسي لحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي ومشتقاته في العراق، وعشرات الميليشيات بكافة المسمّيات والممارسات الإرهابية التي ترتقي إلى جرائم حرب في سورية، وذلك إلى جانب النظام السوري حين تهالك جيشه.

ومن المؤسف أن أوباما الذي انبنت استراتيجيته الخارجية على النأي بالنفس عن تعقيدات الشرق الأوسط إثر اندلاع ثوراته الشعبية، ثم الانعطافات التي أحدثت فجوة في هذه الحركات تسلّلت من ثغورها القوى الظلامية مدعومة بالأنظمة الاستبدادية عينها التي خرجت الثورات أصلاً على طواغيتها، كان قد دفع لطهران ما يمكننا أن نسميه مجازاً بالرشوة، وبما يعادل 700 مليون دولار شهرياً حتى تجلس إلى طاولة المفاوضات، وتوّج هذه المكرمة الشهرية بفدية دفعها نقداً وبالعملة الورقية حيث نُقل بطائرة خاصة من واشنطن إلى طهران ما قيمته 1.7 بليون دولار للإفراج عن رهائن أميركيين معتقلين في إيران. كل هذا لأن أوباما أراد أن ينهي فترة حكمه الذي بدأه بتلقي جائزة نوبل للسلام بالطريقة نفسها التي دخل بها المكتب البيضاوي، وأن يسلّم مفاتيح الشرق الأوسط الملتهب بنيران حروبه لجوقة أصحاب العمامات السود.

وأوباما الذي تمكّن ببلاغته اللفظية من إقناع المجتمع الأميركي والدولي بأهمية عقد الصفقة النووية مع إيران، وما سيكون لها من مردود مباشر وإيجابي على الأمن القومي الأميركي وأمن واستقرار دول العالم بعامة، والشرق الأوسط بشكل خاص، يغادر مخزياً بما وصل إليه الأمن والاستقرار في العالم، حيث مشاهد الموت العبثي جليّة من الموصل إلى حلب إلى باب المندب، ودورة العنف اليومي تولّد إرهاباً متوحشاً منفلتاً من عقاله، وعابراً للقارات.

يبقى أن يحدّد الرئيس الأميركي الجديد أدواته الخاصة في التعامل مع طهران، في الملف النووي تحديداً، الذي منه تنطلق كافة المسارات وإليه تتوجه السياسات الخارجية لترامب التي سيحددها بناء على معطيات ما بعد حروب الشرق الأوسط، سواء بالترغيب عن طريق «الجزرة»، كما فعل سلفه أوباما، أم برفع العصا والعودة إلى النقطة الصفر في المواجهة بين طهران وموسكو، متمثّلاً سياسات الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، لا سياسات سلفه جيمي كارتر.

========================

إحراجات المعارضة السورية على عتبة مفاوضات آستانة .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 18/1/2017

أمر محرج أن توافق المعارضة السياسية السورية على المشاركة في مفاوضات آستانة، بعد انقلاب توازنات القوى في غير مصلحتها بفعل التدخل العسكري الروسي، وهي التي لم تكل أو تمل الحديث عن دور روسيا المناهض للثورة، وعن أن هدف قيادة الكرملين من دعواتها الى مؤتمرات ومفاوضات، بدءاً من مؤتمر موسكو إلى مؤتمر آستانة وبينهما اجتماعات جنيف وفيينا، ليس إيجاد حل حقيقي يهدئ النفوس ويرضي مطامح الناس، بل ربح مزيد من الوقت لتمكين السلطة وإضعاف المعارضة وخلق مزيد من الخلافات والانقسامات بين صفوفها، بما في ذلك إقصاء الهيئة العليا للتفاوض أو تهميشها كمقدمة لتأهيل طرف مطيع يشارك في تكريس حل سياسي جديد لا يقوم على المرجعيتين القانونية والأممية، لا سيما بيان جنيف 1 والقرار الدولي 2254.

وأمر محرج أيضاً، أن تتخذ المعارضة السياسية موقفاً مناهضاً لخطة موسكو تسوية الصراع القائم وترفض المشاركة في مؤتمر آستانة، لأن ذلك يضعها في مواجهة مع الفصائل العسكرية الموقعة على اتفاق أنقرة، ومع ميل غالبية السوريين نحو التهدئة والخلاص من استمرار العنف والتدمير وما يخلفه من معاناة وآلام، فكيف الحال وهي تدرك أن رفضها لن يقدم أو يؤخر ما دامت لا تمتلك وزناً فاعلاً على الأرض، وما دامت «ورقة الشرعية» التي أنعم بها المجتمع الدولي عليها قد تهتكت ولم تعد تجدي في تمكينها لعب دور مختلف؟ وكيف الحال وقد طاولتها انتقادات حادة وصل بعضها إلى اتهامها ونزع الثقة بها وتحميلها المسؤولية الرئيسة عما وصلت إليه أحوالنا بما في ذلك النتائج المريرة لمعركة حلب.

وكم هو محرج للمعارضة السورية حين تتزاحم بعض قياداتها على استجداء تركيا وروسيا الضامنتين اتفاق أنقرة والعملية التفاوضية، كي تحجز مكاناً لها في آستانة؟ أو عندما تقف ذليلة تراقب، بعين الحسرة، التداول بين الراعيين على اختيار رموز من صفوفها تناسب جدول أعمال المؤتمر، مكتفية بإبداء تحفظ خجول حول ما رشح عن نية موسكو دعوة ست شخصيات اختارتهم للمشاركة في المحادثات وفي المرحلة الانتقالية العتيدة، من خارج التشكيلات الرئيسة للمعارضة السياسية والهيئة العليا للتفاوض؟ وما يزيد الحرج حرجاً، أن يكون للجماعات المسلحة الموقعة على اتفاق أنقرة، دور رديف في هذا الاختيار، وفي تزكية رموز معارضة، أقرب إلى أجندتها، كي تمثلها سياسياً، والأنكى أن لهذه الجماعات لوناً أيديولوجياً وسياسياً واحداً، حتى وإن ألحقت بها بعض فصائل الجيش الحر لإعطاء المشهد بعداً أوسع، ويزيد الطين بلة ما رشح عن استعداد قيادة المعارضة لحضور مؤتمر آستانة ضمن وفد مشترك مع الفصائل العسكرية، من دون أن تنتبه إلى أن هذا الخيار يدشن نهاية دورها كطرف رئيس في المفاوضات وعملية الانتقال السياسي.

وأيضاً، كم يبدو محرجاً أن تضطر المعارضة السورية الى الصمت أحياناً وتعديل مواقفها أحياناً أخرى، كي تنال رضا الأطراف المؤثرة في مستقبل الصراع السوري. فأي معنى لصمتها المريب عن تراجع مواقف الجار التركي وقد خيّب أملها وخذلها بانتقاله إلى التفاهم مع روسيا لمحاصرة الخطر الكردي وتحصيل بعض النفوذ الإقليمي، ضارباً عرض الحائط بادعاءاته ووعوده الداعمة لها؟ وكيف يفسر استسهال تغيير خطابها تجاه التدخل الروسي من اتهامه باحتلال البلاد، إلى الاعتراف بدوره كطرف رئيس في الحل السياسي، أو تراجعها عن خطوط حمراء حول تغيير النظام ورموزه، كانت تعتبرها اشتراطات لا تنازل عنها للمشاركة في المفاوضات؟ ثم كيف يفهم اندفاعها لرهان مبالغ فيه، على خلافات بين روسيا وإيران حول مسار التسوية السورية، والبناء على اعتراضات طهران المعلنة ضد تفرد أنقرة وموسكو في ترتيبات مؤتمر آستانة، وعلى الخروقات المتكررة لحلفائها في وادي بردى؟

وما يزيد الموقف حرجاً، أن المعارضة صاحبة الكليات والإطلاقيات، ومن كانت تسخر من أية خصومة أو خلافات في الحلف الداعم للنظام وتعتبرها مجرد لعبة أو مسرحية لتبادل الأدوار، باتت هي ذاتها من يتحدث اليوم في التفاصيل والجزئيات وترى بعين، تحسبها بصيرة، دقائق الأمور والمسافات الصغيرة لتفاوت المصالح والسياسات بين قوى هذا الحلف!

ويزيد الحرج حرجاً عندما تعجز المعارضة عن تحقيق توافق مرضٍ على موقف واحد من مؤتمر آستانة، أياً يكن هذا الموقف، نتيجة اختلاف الاجتهادات وتباين الإملاءات التي يطلبها هذا الطرف الداعم أو ذاك، أو عندما تفتك ببعض قياداتها الحسابات الأنانية والضيقة، وتندفع إلى التطرف والمزايدة على الآخرين رافعة سقف الاتهامات كي تميز نفسها في المشهد السياسي، بما في ذلك استسهال المطالبة بتسعير الصراع رداً على مؤتمر آستانة ورفضاً لما تعتبره هزيمة واستسلاماً، مستهترة بما يخلفه استمرار العنف من شدة ومعاناة لقطاعات شعبية واسعة لم تعد قادرة على تحمل المزيد.

هل يكمن السبب وراء ما تعانيه المعارضة السياسية من إحراج وتردد، في حالة الحصار المطبقة على مشروع التغيير السوري وما تعرض له من غدر وأضرار وتشوهات؟ أم فشلها في الالتحام بالثورة ونيل ثقة أبنائها نتيجة أمراضها الذاتية وتغلغل النزعات والمصالح الأنانية في صفوفها؟ أم الأمر ناجم عن رهاناتها الخائبة وتراكم أخطاء قصر النظر في قراءتها الأحداث، وعجزها عن تفعيل دورها السياسي وتحمل المسؤولية لتصويب ما يكتنف مسارها من مثالب وعثرات؟!.

والحال، باتت المعارضة السورية في وضع لا تحسد عليه، وإذ يرى البعض أن دورها قد استهلك وانتهى وأن عليها الاستقالة كي لا تغدو عنواناً للخيبة والفشل والإحباط، يرى آخرون أن قدرها اليوم هو القبض على جمرات الثورة وحمايتها من العبث والتشويه والتغييب، وتسخير إنتاجها النقدي، سياسياً وثقافياً، لاستخلاص الدروس والعبر مما جرى، ما يمكّن المؤمنين بالخيار الديموقراطي خوض غمار الخلاص من محنة الاستبداد، بأقل الأخطاء والآلام.

* كاتب سوري

========================

"الكفر" في حلب! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 17/1/2017

في معمعان الصراع على حلب، كانت هناك أوساط تعمل بصيغة دؤوبة على تأريث ذلك، ملفَّعاً بمطلب خروج الحلبيين، أهل المدينة، من مدينتهم بدعوى أن هؤلاء هم حملة الكفر مقابل الإيمان. في تلك الأثناء كانت أطراف الصراع تتمثل وفق الإشكالية التي نعالجها هنا، وهي تلك التي تقوم على ثنائية الإيمان والكفر. أما الطرف الذي رفعها وجعلها منصة للصراع فكان يتمثل بمقاتلين وبدعاة إيمان ديني مقابل الكفر الديني.

أما الجانب الأكثر طرافة واستفزازاً في ذلك الصراع فيتمثل ليس بين طرفين سياسيين، وإنما في قاعدة الإيمان والكفر! وإذا كان تحديد طبيعة الصراع هنا قائماً على أساس ديني، فإن الاختلاف السياسي الاستراتيجي لم يعد ذا أهمية، حتى حين يكون هذا الاختلاف قائماً على أساس سياسي أو قومي (بين عربي وإيراني). لقد حصل «الانتصار»، هنا بين إيرانيين وعرب، ما يجعلنا نستعيد تاريخ الصراع بين الفريق الإيراني والآخر العربي على أنه صراع بين الفرس بأديانهم وبين العرب بإسلامهم، فلا ننسى هنا وقْع ذكرى معركة القادسية التي حشر فيها الفرس وفاز فيها العرب.

إن الرؤية الإيرانية الحالية هي استعادة لما حدث بين الفرس والعرب الفاتحين، وفي هذا خلط للأشياء بين المذاهب والقوميات، وبهذه الصيغة يراد لنا أن نفهم الخلاف الاستراتيجي الإيراني مع القومية العربية، وهذا بدوره يراد له أن يكون صراعاً بين الأديان، مما يعيق فهم التطور العالمي للأحداث الراهنة بين إيران والعرب، في حلب وغيرها، وإلا لا نكون قادرين على فهم اجتياح سوريا من قبل إيران وغيرها، وتحديداً حين نواجه بخُطب قدمها أئمة إيرانيون يُعلنون فيها أن الانتصار على الحلبيين إن هو إلا انتصار للإيمان الشيعي على أهل الكفر في حلب!

ليس أمراً معقداً أن نتبين في الخطاب الإيراني الديني خطاً من الخطاب القائم على الخلط بين القيم الدينية والانتماءات الإثنية والقومية والعرقية. أما النتيجة لتبيّن الخلط المذكور فتتمثل في مراحل تاريخية سابقة وراهنة، وفي صراعات ومناكفات تأخذ وظيفة التزوير التاريخي والصراعات الطائفية الدينية وغيرها.

أما الجانب الآخر الذي يضمه خطاب التفاوت الطائفي هذا، فيقوم على ذرّ الرماد في الاختلافات والخلافات التي تنشأ لدى البشر، وبلا حضور للأديان في العالم، لأن هذه الأديان تقوم على طوائف ومذاهب وتيارات، وهذه تتحول إلى نزعات تسلطية تبرز كأسلحة توجه ضد الخصوم في مجالات كثيرة، منها الاختلافات والصراعات الدينية. وفي هذا الحقل تتدخل المصالح الأنانية المادية والتسلطية والذهنية، التي تتمظهر كصراعات دينية أو مذهبية. لقد تحدث أحد المسؤولين العراقيين يوم 11-1-2017 عن إيران باعتبارها تحمل «مشروعاً استعمارياً» حيال العالمَين العربي والإسلامي. ومع هذا التصريح وبدونه، نعلم أن إيران تحاول استغلال المجريات الحالية، من موقع المذهب الشيعي، خاصة في سوريا المنظور إليها باعتبارها «بيضة القبان».

إن محاولات إيران تفسد العلاقة بينها وبين محيطها العربي الإسلامي كله. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن صراعاً طائفياً قد حدث في التاريخ الإسلامي، وذلك على نحو أخضع قراءة المذهب الإيراني بطريقة تفضي إلى صراعات دامية، علماً بأن «الاختلاف في الإسلام رحمة»، ومن ثم نلاحظ أن تلك الصراعات، خصوصاً الدامية منها، إن هي إلا صراعات يمكن حلها بأساليب سلمية، إنما بشرط أن يبتعد المعنيون في هذا الحقل عن التعنت في القراءة التأويلية وفي التأويل الإسلامي نفسه.

========================

القضية السورية في القبضة الروسية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 17/1/2017

أرخ التدخل الروسي العسكري في سوريا أواخر العام 2015 لمرحلة جديدة من علاقات روسيا بالقضية السورية؛ إذ نقلها من دور الداعم والمساند القوي لنظام بشار الأسد، إلى دور المتدخل المباشر في القضية، وصيرورتها طرفًا في الصراع السوري وفي الصراع الإقليمي– الدولي حول سوريا، وبحكم الوزن النوعي السياسي والعسكري الذي جعل نظام الأسد وإيران يوافقان على مشاركة روسيا في القضية السورية، ما لبثت روسيا، أن تقدمت لأخذ الدور الرئيسي في التحالف الثلاثي المعادي للشعب السوري.

ورغم أن الوجود الروسي في سوريا بدأ باعتباره قوة عسكرية، هدفها قلب التوازنات الميدانية التي كانت تميل لصالح المعارضة على الأقل في موضوع السيطرة على مساحات أكبر من الأراضي السورية، وقدرتها على منع تمدد تحالف الأسد مع إيران وميليشياتها في المناطق الخارجة عن سيطرتهما، فإنه سرعان ما أخذ يتمدد في مختلف جوانب القضية السورية، وكان الأبرز في هذا، تدخله في ثلاثة مفاصل أساسية.

الأول تحسين واقع وجوده ونفوذه على الأراضي السورية. وبعد أن كان الروس يسيطرون على القاعدة البحرية الصغيرة في طرطوس، حولوا مطار حميميم إلى قاعدة جوية لهم، وصار لهم وجود في أغلب المطارات السورية، وأقاموا عددًا من المعسكرات في مناطق الساحل، ثم أضافوا إلى ذلك جلب قطع من أسطولهم لترابط قبالة الساحل، وكله تزامن مع زيادة تدخلهم في الشأن السوري عبر ضبط سياسات حكومة الأسد في ثلاث من الوزارات السورية وهي الخارجية والإعلام والمالية، إضافة إلى وزارة الدفاع التي كانوا أحكموا السيطرة عليها عبر الاتفاقية، التي وقعوها مع النظام قبيل تدخلهم العسكري في سوريا.

والمفصل الثاني سعي الروس إلى ضبط الحركة المشتركة لتحالفهم الثلاثي مع نظام الأسد وإيران من الناحيتين السياسية والعسكرية بهدف تنسيق المواقف والتحركات والأهداف داخل سوريا وخارجها، وجرى تجسيده العملي من الناحية السياسية في مشاورات وزيارات متواصلة بين موسكو وطهران ودمشق، وعسكريًا من خلال التعاون والتنسيق في العمليات العسكرية وخاصة الكبرى منها، والتي كانت آخرها عملية حلب، حيث شارك فيها الثلاثة بأعلى فاعلية من أجل السيطرة على الجزء الشرقي من المدينة، وإخلاء التشكيلات المسلحة وأهالي المدينة منها.

والثالث، توسيع الدور الروسي في التعامل مع المعارضة السياسية والعسكرية، رغم أن الروس غالبًا ما وصفوا كل خارج عن نظام الأسد بأنه إرهابي، ووصفوا تنظيمات المعارضة كلها بالإرهاب، واندرج في سياق توسيع الدور الروسي في التعامل مع المعارضة سعيهم لإقامة علاقات مع بعض القوى خارج سوريا، فعقدوا لتنظيماتها عددًا من اللقاءات في موسكو وآستانة، وأقاموا اتصالات مع بعض رموز مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، وعلاقات مع تنظيمات بينها قوات الحماية الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ثم أضافوا إلى هذا النسق، قيامهم بخلق جماعات معارضة مرتبطة أو وثيقة الصلة بهم، فشكلوا ما بات معروفًا باسم معارضة حميميم نسبة إلى القاعدة الجوية، التي تتولى قيادة الوجود الروسي في سوريا.

والمفصل الرابع، سعي روسي لانتزاع تفويض واعتراف إقليمي ودولي بدور روسيا الأساسي في سوريا، والتضييق على أي دور يتعارض مع التوجه الروسي، وفي هذا السياق، كان رفض الروس التفاهم حول القضية السورية مع دول إقليمية بينها قطر وتركيا، بل رفضوا (مثل نظام الأسد وإيران) أي دور لهم بسبب موقفهم من نظام الأسد، وعززوا علاقاتهم مع كل من العراق وسوريا، ليكون موقفهما قريبًا من الموقف الروسي، إن لم يكن متطابقًا معهم، كما هو حال العراق، ثم دفعوا الولايات المتحدة لإعطائهم الدور الأساسي في سوريا، وهو أمر لم ترفضه الدول الأوروبية، التي طالما أكدت أنها مستقرة في موقفها تحت العباءة الأميركية، وأنها لا يمكن أن تتخذ مواقف في سوريا، تتناقض أو تختلف مع الموقف الأميركي.

لقد كرس تمدد روسيا في سوريا تقوية وجودها في القضية السورية، ثم جاءت معركة حلب الأخيرة لتدفع الدور الروسي نحو قفزة جديدة، وهو أمر لم تسببه النتائج العسكرية للمعركة فقط، بل عاملان آخران؛ أولهما نجاح الدور الروسي في رعاية المصالحات المحلية والهدن، التي تمت في المناطق المحاصرة، مما أعطى الروس فرصة لعلاقات مع المجتمع المحلي وقياداته من جهة، وفرصة للتعامل مع التشكيلات المسلحة من جهة أخرى، والثاني يمثله التحسن المطرد في العلاقات الروسية – التركية وانعكاساته على القضية السورية، وهي نقاط ثلاث، تسعى روسيا لجعلها قاعدة في خطتها لإحكام القبضة الروسية على سوريا، عبر توافق روسي إيراني تركي عبر عنه إعلان موسكو للحل في سوريا، ثم في وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في اجتماعات أنقرة مع تشكيلات المعارضة المسلحة، والاتفاق مع الأخيرة للذهاب إلى مؤتمر آستانة للتوافق مع نظام الأسد لوضع تصور للحل السوري، يتم اعتماده في اجتماعات جنيف بالرعاية الدولية.

وكما هو واضح، فإن الرؤية الروسية لمؤتمر آستانة في تطويع التشكيلات المسلحة وفي الحل السوري، لا تبعد كثيرًا عما تم في نموذج الهدن والمصالحات المحلية، حيث سيكون وفد المعارضة في آستانة أمام خيارين؛ إما الاستجابة لمطلب الحلف الروسي مع النظام وإيران بمصالحة مع النظام تبقي عليه، ومشاركته في الحرب على الإرهاب، أو الرفض بما يعنيه من اعتبارها جماعات إرهابية، ووضعها على قاعدة استهداف وجودها في إدلب وما يحيطها في أرياف حلب وحماه وحمص، في معركة قد لا تكون نتائجها بعيدة عن نتائج معركة حلب، مما يضع معظم سوريا في القبضة الروسية.

========================

كي تكون أستانا (ورقة قوة) .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاثنين 16/1/2017

مفارقة غريبة أن يكون الأحرص على نجاح روسيا في “مشروعها السوري” الذي تدرّج من لقاءات أنقرا إلى إعلان موسكو إلى التفاتة “خجولة” من الإمم المتحدة وصولاً إلى {لقاء أستانا} جهتان فقط: تركيا– شريكها في ضمان فصائل الثورة السورية وفصائل النظام؛ والسوري الذي يحرص على وقف دمار بلده ونزف دمه (الذي لا يزال يُراق دمه حتى اليوم على يد طائرات موسكو ذاتها).

المفارقة العجائبية الأكبر ان الجهة التي تدين ببقائها لروسيا /”النظام”/ هي التي تسعى لنسف هذا الاتفاق. وبالطبع يفوقها بذلك المتضرر الأساس من وقف القتل والدمار في سورية /إيران/؛ وهي التي احتاجت إلى الآلة التدميرية الروسية لتثبيت مشروعها في سورية. هناك بالطبع قوى دولية وإقليمية- ولأسباب مختلفة- ليست حريصة وغير مغرمة بأن تحقق روسيا أي نجاح وخاصة في أستانا.

الأغرب من كل ذلك هو أن تكون موسكو ذاتها غير عابئة إلا تكتيكياً بنجاح مشروعها؛ فلا يستقيم أن تستمر  ك “ضامنة لوقف اطلاق النار” بإطلاق العنان لآلة قتلها في سورية او أن لا تضع حداً لمن ضمنتهم عندما يستمرون بعملياتهم العسكرية؛ وبالقول للضامن الآخر/تركيا/ بأن مَن تضمنهم من الفصائل بإمكانهم الرد على النيران.

كل المؤشرات تدل على أن أستانا لن تكون أكثر من خطوة أو محطة تكتيكية تقنية قوامها تداخل حاجات فرقاء يعانون مختلف صنوف الضعف، ولكن عينهم على استمداد القوة من هذه المحطة لسد ثغرات ضعفهم؛ ولكنهم في الوقت ذاته يحرمونها من القوة التعزيزية اللازمة المتوفرة لدى بعضهم والمحضورة على آخرين.

ما يُراد له أن يكون الحلقة الأضعف (المعارضة بفصائلها) في هذا اللقاء، حيث هناك أسباب ذاتية وموضوعية تحول دون قدرتها على المساهمة في انجاح اللقاء. ففي الذاتية هناك التشرذم وضعف الامكانيات وتشتت الرؤية والإحساس المرير بذلك بعد حلب؛ وفي الموضوعية محاولات الخنق الخارجية، واجندات المتدخلين المتضاربة بالشأن السوري، ومحاولات تصفيات حساباتهم على الأرض السورية. وكأننا بها تذهب الى الاستانة لالتقاط الانفاس وللاستمرار بالتواجد على خارطة الصراع كأم الصبي؛ علها تأخذ بعض زخم القوة ليعادل ما تخشى ضياعه في عدم الذهاب.

الحلقة الأضعف الحقيقية تتمثل بالنظام الأسدي الذي يعتاش على قوة القتل والتدمير كضامن للبقاء، والتي إن تخلّى عنها، كي يعطي لقاء أستانا فرصة في النجاح، يستشعر نهايته. نقطة قوته الأخرى تتمثل بأخذه ما يسيطر عليه من سورية رهينة عبر الحصار والتجويع  والاعتقال، وهي سياسات يستلزم نجاح أستانا التخلي عنها كبوادر حسن نيّة. يقابل تمسكه بتلك الأوراق المدمّرة حاجته الماسة إلى البقاء في اللعبة لأن مصيره في الميزان؛ فهو يخشى أن تبيعه روسيا كجائزة لمكسبها العالمي بتقديم أوراق اعتمادها للغرب وثمناً لملفاتها الثقيلة؛ ويخشى المصير ذاته على يد إيران إن هي تعرضت لاختناق تلوح ملامحه في الأفق عبر تكاتف اقليمي دولي يأتي على مشروعها. وكما هو وقف النار مقتل للنظام، هو أيضاً مقتل أكبر لإيران ومشروعها الذي لم يكتمل بعد؛ ومن هنا إرادتهما بوأد استانا قبل أن تولد عبر استمرار القتل.

تركيا، بخذلان الغرب لها، و بكل طيف معاناتها المتمثل بهذه السلبية الغربية تجاهها وبمحاولات خنق اقتصادها واحداث هزّات أمنية في قلبها؛ تسعى الى استدرار شيء من القوة عبر بعض الدفء الروسي والأمن الإقليمي والانخراط الأكثر بالمسالة السورية؛ علّ كل ذلك ينجيها سياسياً وأمنياً وإقتصادياً.

روسيا، صاحبة مشروع أستانا، تطمح لامتلاك ورقة قوة جديدة كقطب عالمي على الساحة الدولية ينشد اعترافاً عالمياً- وخاصة غربياً- والغرب لا يمنحها هذا الشرف. ولكن روسيا لا تزخّم اللقاء بفعل استراتيجي حاسم (كوقف كلي لاطلاق النار في سورية)؛ وهي قادرة، ولكن لأسباب غير واضحة المعالم لا تفعل، وبيدها تضعفه. فبدل أن تكون الأستانا محطة قوة تستمد منها روسيا تلك القوة السياسية التي تحتاجها، تراها تضعفها بيدها؛ فتراها تظهر بانها تستطيع الانفراد بإنجاز سياسي ، وتجدها مضطرة إلى إسناد ظهرها الى الأخرين وعلى رأسهم أمريكا؛ فتتخبّط مثلاً بدعوة إدارة “ترامب” القادمة، وإدارة أوباما لاتزال في الساحة؛ وهي من مكّنها من الورقة السورية. وإن كانت هذه الخطوة تكتكة فهي رخيصة؛ والأمريكييون أول من يدركون ذلك. وتراها تصرُّ على معادات الهيئة العليا للمفاضات السورية، وفي الوقت ذاته تتحدث عن توسيع طيف محطة استانة. تتصرف بمبدأ رفع العتب تجاه أصدقاء سورية وجنيف؛ وفي الوقت نفسه تريد ان تنال الاعتراف الدولي كقطب عالمي. وكاننا بروسيا تريد إيصال الوضع السوري إلى واقع جديد يقدم لمَن له القول الفصل عالمياً كورقة اعتماد تحملها موسكو الى الملعب السياسي العالمي. ولكنها في الوقت نفسه تغفل الألغام التي تحملها حقيبة الإعتماد تلك، والمصنوع معضمها بأيدي روسية بمعرفة أو بغفلة.

كي تكون أستانا ورقة تستمد منها موسكو وغيرها قوة يلهثون وراءها، لا بد من أخذ جوهر المسالة السورية بعين الاعتبار؛ إنه صراع شعب من أجل الحرية والأمان والكرامة في وجه استبداد استراتيجيته حكم سورية أو تدميرها. إن لم يكن ذلك هو السمت والأساس الذي يأخذ من محطة استانا أساسا وتمهيداً لعملية انتقال سياسي حقيقي في سورية، فلا أستانا سيكون لها فرصة نجاح، ولا فريق يمكن أن يستمد منها أية قوة؛ بل على العكس تماما، ستكون حلقة أخرى في الحبل الذي يشتد على أعناق منخرطة في المسألة السورية. إذا كان ما يُراد من استانا مجرد ورقة إضافية استنزافية تكتيكية؛ فليبشر المنخرطون بالمسألة بالمزيد من الحريق الذي سيطال الجميع. من هنا فإن أي تعويل كبير عليها ليس إلا وهماً آخر اهتماماته مصير سورية وأهلها. وحده ذلك يعطي قوة للجميع؛ ولا يتحقق إلا بإرادة دولية وقرار دولي دون فيتو يعيد سورية لأهلها برعاية دولية.

أخيراً حق السوريين الذين أُصليوا العذاب والدمار لست سنوات يقف كالرمح، وما من قوة يمكنها تجاوزه. وإن لم تكن الثورة وجماهيرها وفصائلها حالياً في أحسن حالها، إلا أنها بأي لحظة يمكنها التحوّل إلى الحلقة الأقوى، وما هي بهاوية أن تهيء للسيد بوتين ورقة قوة إضافية يقدمها كجزء من أوراق اعتماده للسيد ترامب. لا بد لهذه الحلقة أن تجهز نفسها للدفاع عن شعبها، حتى لو ذهبت إلى الاستانا.

لن يستقيم مُنجز سقيم مبني على التكتيكات البوتينية الرخيصة. قضية شعب سورية الذي ينشد الحرية والكرامة دون وجود استبداد جلب الاحتلال لسورية أكبر منه. سعيُ بوتين ليكون فاعلاً في جنيف وفي الجهد الدولي لحل حقيقي في سورية مرحب به، عندما يقوم بواجبه المتمثل بوقف آلة دماره وآلة القتل الايرانية الاسدسة في سورية. ويستطيع. تلك هي ورقة قوته الوحيدة التي يمكن أن يُقبل على أساسها.

========================

من المسؤول عن تفشيل المشروع الوطني للثورة الشامية؟ .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 16/1/2017

من المسؤول عن تفشيل المشروع الوطني للثورة الشامية؟من المسؤول عن تفشيل المشروع الوطني للثورة الشامية؟

بعد ست سنوات من الثورة الشامية العظيمة التي قدمت ضحايا تقازمت أمامها ثورات الأرض كلها في ظل التآمر العالمي الذي لم تتعرض له ثورة في تاريخ العالم كله، يجدر بنا الغوص في المتسببات عن تفشيل المشروع الوطني للثورة الشامية ولا يزال، يأتي هذا الطرح في ظل مؤتمر الأستانة التي نجد حرصاً رهيباً من روسيا أولاً على استبعاد هيئة التفاوض والائتلاف الوطني، يرافقه حرص أكبر على إدخال الجماعات الشامية المسلحة لساحة التفاوض وهي التي كانت تُرفض بالأمس من قبل روسيا ودول إقليمية للمشاركة في مؤتمر جنيف وغيره.

لا بد من البحث عن الذات وسببها ودورها في تفشيل المشروع الوطني وقد خاطبنا القرآن {قل هو من عند أنفسكم} فلا شك أن القوى السياسية والعسكرية لها الدور الأكبر في تفشيل المشروع الوطني الموحد، فقد عجزت عن تمثيل الثورة بشكل كافٍ، ولم تفلح في تقديم نفسها على أنها البديل للعصابة الطائفية، فلم تنقل مكاتبها وفعالياتها إلى داخل الأرض المحررة لتتملك مصادر ومنابع القوة التفاوضية وتعززها مع الوقت، وبالتالي تفرض نفسها قوة لا يمكن الاستغناء عنها على الأرض، وفشل الجسم العسكري التابع للقوى السياسية في الائتلاف عن فرض ذاته على القوى العسكرية السياسية يوم كان هناك هيئة أركان ونحوه، فظل كل فصيل يغني على ليلاه.

سيحدثونك عن دور الجماعات الجهادية وغيرها في هذا التفشيل، ولكن بالمحصلة لو لم يكن هناك فراغ لما ملأه أحد، وحين تحررت إدلب وكانت نصف حلب أو أكثر بأيدي المجاهدين لم نر أي دور للقوى السياسية ولا للقوى العسكرية التابعة للائتلاف وغيره داخل الأراضي المحررة، وكنا نرى المفاوضين والسياسيين يطيرون من خارج سوريا، ولا نرى وجوداً لمعظمهم بين الثوار والشعب السوري ليستمدوا قوتهم ودعمهم منه، بينما كنا نرى القوى الكردية لا تلتقي بالآخر إلا في داخل أراضيها التي سيطرت عليها.

برزت خلال الثورة ظاهرة المفاوض الفردي؛ إذ إنه بالأمس يكون الشخص قائداً في هذا الجسم الثوري أو ذاك، واليوم نراه مستقيلاً من منصبه ولكنه يواصل نفس المهمة، وهو ما تسبب في خلط وخربطة للأوضاع، ما ساعد على تشتيت المشروع الوطني أولاً، وقدم المبررات التي يبحث عنها العدو من أنه لا ممثلين للثورة وبالتالي يجتمع العدو مع المعارضة بحد زعمه، الأمر الذي يوفر له الغطاء الشرعي الثوري لكل جرائمه ومجازره بينما طبخة الحصى تتواصل بالنسبة له وبالنسبة لذلك المفاوض الفردي ونسي أنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

تبقى مسؤولية الدول المؤيدة للثورة التي فشلت فشلاً ذريعاً في دعم مؤسساته الوطنية للثورة الشامية، فلا منظمة التحرير الفلسطينية كان بإمكانها أن تكون جسماً موحداً ممثلاً للشعب الفلسطيني، ولا التحالف السباعي للمجاهدين الأفغان ولا المجلس الوطني الليبي كذلك، لو لم يكن هناك توحيد الدعم السياسي والقانوني والمالي والعسكري لهذه القوى، ولكن في الحالة الشامية كان لكل دولة للأسف فصائل وقوى عسكرية، ودخل الكل على الخط، ما شرذم الثورة وفصائلها، وهو ما يدفع الشعب السوري والثورة الشامية ثمنه حتى الآن.

لا بد لكل جهة أن تحترم العنوان الذي تحمله فالقوى العسكرية شرعيتها عسكرية، والقوى السياسية شرعيتها سياسية وكذلك الإعلامية والقضائية ووو، وعلى كل قوة أن تعمل على شرعيتها وألا تتداخل الشرعيات بين هذه القوى، فلا السياسي يعمل عمل العسكري، ولا الإعلامي يعمل عمل القضائي، ولا المستقيل الذي خرج من الباب يعود من الشباك ليمارس نفس مهامه يوم كان مسؤولاً ومتحللاً من المحاسبة والمساءلة.;

========================

روسيا والقضم التدريجي .. حسام كنفاني

العربي الجديد

الاحد 15/1/2017

لا يبدو أن تمدد النفوذ الروسي عالمياً يقف عند حدود، فمن الواضح أن إدارة الرئيس فلاديمير بوتين عازمةٌ على سحب كل الملفات التي كانت الولايات المتحدة صاحبة نفوذ أساسي فيها، وسحب البساط من تحت الأقدام الأميركية، وخصوصاً في هذه المرحلة التي تبدو فيها واشنطن متخبطةً في مرحلةٍ انتقالية، من الواضح أنها صعبة، مع ما يرافقها من نزاعاتٍ داخليةٍ تؤشر إلى أن مستقبل الحياة السياسية في البلاد غير واضح الأفق.

اعتمدت الاستراتيجية الروسية في هذا المجال سياسة القضم التدريجي، مستفيدةً من التراجع والانكفاء الأميركيين في عهد الرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما، وهي سياسةٌ لا يبدو أنها ستتغير مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بل ربما ستزيد بفعل الانشغال الحالي بالصراعات الداخلية، واهتمام ترامب الأساسي بالملفات المحلية، الاقتصادية بالدرجة الأولى. كانت البداية الروسية من أوكرانيا، والتي لم تنفع المعارك ولا العقوبات الكثيرة في كبحها، بل زادت من التعنت الروسي مع ضم شبه جزيرة القرم، والانتقال لاحقاً إلى ساحات صراع أخرى.

كانت سورية المحطة الثانية التي سعت فيها موسكو إلى مزاحمة نفوذ الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، مستفيدةً أيضاً من حالة التخبط وعدم اليقين التي شابت سياسة الإدارة الأميركية في الملف السوري، في وقتٍ كانت أهداف موسكو فيه صريحةً وواضحة، وخياراتها صارمةً في دعم نظام بشار الأسد، وهي لم توفر وسيلةً لفعل ذلك، لا سياسية ولا عسكرية، ولا اقتصادية. وها هي موسكو اليوم تقطف ثمار هذه الاستراتيجية، إذ باتت اللاعب الأوحد على الساحة السورية، وأصبحت تستقطب المحسوبين على معسكر الثورة في اتفاقاتٍ تصب عملياً في صالح النظام، والإشارة هنا إلى الاتفاق الروسي التركي، والتحضيرات لمؤتمر أستانة برعاية روسية مباشرة، وبغياب الأمم المتحدة والولايات المتحدة، واللتين إنْ وجهت إليهما الدعوة للحضور، فإن وجودهما لن يكون أكثر من ضيوف شرف ضمن الديكور الذي تسعى موسكو إلى إضفائه على المؤتمر، خصوصاً وأن الولايات المتحدة فقدت تقريباً كل أوراقها على الأراضي السورية.

ومن الواضح أن موسكو، بعدما استتبّ لها الوضع السوري، ذاهبةٌ باتجاه ملفات أخرى. وها هي تنسج اليوم تدخلاً في ليبيا على المنوال السوري نفسه، عبر دعم خليفة حفتر في مواجهة خصومه في طبرق وطرابلس. السيناريو السوري نفسه في طريقه إلى التطبيق في ليبيا، وأيضاً في ظل تخبط وعدم يقين غربي بالنسبة للطرف الشرعي الذي يجب دعمه، فيما يبدو أن موسكو حاسمةٌ وجازمةٌ في خياراتها، وهي قرّرت الوقوف إلى جانب حفتر. لا يزال التدخل في أوله. لكن، من غير المستبعد أن تؤدي نتائجه إلى الأمور نفسها التي آلت إليها الأوضاع في سورية، عبر تمركز روسي على الأرض والجو، وسيطرة على القرار، وإدخال ليبيا ضمن أوراق اللعب الكثيرة التي باتت تمتلكها موسكو في المنطقة، ولاحقاً المساومة عليها.

وقبل أن يستفيق الغرب من خبر التمدد الروسي إلى ليبيا، خرج، أول من أمس، مؤشر إلى نوايا موسكو الإضافية، مع إعلان وزير الخارجية، سيرغي لافروف، عن استعداد بلاده لاستضافة المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية. وقفز إلى ملف الانقسام الفلسطيني، كاشفاً عن "أن المجموعات الفلسطينية المختلفة ستلتقي في موسكو الأسبوع المقبل"، قائلاً "لا بد أن تلتقي تلك المجموعات، وتناقش خلافاتها وتتوصل إلى موقفٍ مشترك. في حال تمكّن الفلسطينيون من الوحدة، سيتمكنون من التفاوض مع إسرائيل بفعالية أكبر".

يأتي الدخول الروسي المفاجئ إلى الملف الفلسطيني بالتزامن مع التحضيرات لمؤتمر باريس، والذي تقاطعه إسرائيل، وهو ما ترى فيه موسكو أيضاً فرصةً لإضافة ملف آخر إلى سلتها في مواجهة الغرب، مستفيدةً من العلاقة الوطيدة مع إسرائيل، والخلاف المستجد بين الأخيرة والولايات المتحدة.

بالنظر إلى هذه النقاط السابقة، لا يبدو أن الطموح الروسي للعب دور عالمي سيقف عند حدود، وربما تكشف الأيام المقبلة مزيداً من النفوذ في مناطق جديدة، وسحب مزيدٍ من الملفات من يد الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً.

========================

إسقاط الأسد أمام الكنيسة في إدلب .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 15/1/2017

لم تدم هناءتنا بالثورة السلمية طويلاً، ففي أواخر سنة 2011، وبينما كنا نتظاهر أمام جامع السعد في الجنوب الغربي من مدينة إدلب، إذ شاهدنا مجموعة من الشبان يرقصون على شكل حلقة، وينشدون عبارة "الشعب يريد تسليح الثوار". وخلال شهرين من هذه الحادثة، أصبحنا نسمع بأسماء الأشخاص الذين اشتروا بنادق وذخائر، وأصبحوا مسلحين على غرار ما حصل في حمص وجسر الشغور وغيرهما.

لم تكن عملية التسلح ناجمةً عن مشاورات، أو اتفاقٍ بيننا نحن الثوار، والذين اعترضوا على هذه الخطوة، وأنا منهم، ووجهوا بسيل من التبريرات المنطقية، في مقدّمتها أن النظام قَتَلَ، خلال الأشهر السابقة، عدداً كبيراً من الأهالي المتظاهرين، ولم يقدّم أية تنازلات أو إصلاحات، أضف إلى ذلك أن السجون زادت، والمعتقلين أصبحوا بمئات الألوف، وعمليات تمشيط المدن والبلدات من مخابرات النظام تترافق مع اغتصاب النساء، وشحط الرجال من بيوتهم، وكأنهم خرافٌ تساق إلى المسالخ.

ونتيجة هذا الوضع الجديد، وفي الفترة بين ‏نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 ‏ومارس/ آذار‏ 2012، كان ثلثا مدينة إدلب قد أصبحا تحت سلطتنا نحن الثوار، بينما بقي ثلثُها المؤلف من شارع القصور وحارة الشيخ وطريق أريحا؛ أو ما عُرف باسم المربع الأمني، تحت سلطة النظام. ولم يكن أحدٌ من الطرفين ليُقْدِمَ على اجتياز منطقة الآخر، لئلا يحصل ما لا تحمد عقباه من اشتباكات. وحينما حدث ذلك الإقدامُ، مرةً، واتجهتْ مظاهرة قوامُها يزيد عن 25 ألف مواطن نحو القصر العدلي، مُضْمِرَةً اجتياحَ شارع القصور من طرفه الشمالي، وإسقاطَ تمثال الديكتاتور حافظ الأسد المنتصب أمام مبنى المحافظة، فَتَحَتْ ميليشياتُ النظام النار علينا، وقُتل أربعة شبان، وتفرّقت المظاهرة، على إثر ذلك، وهي غارقة بالدماء.

بناءً على هذا التقسيم للمدينة كنا ننام، نحن الناشطين الثوريين، في بيوتنا، بأمان، ونزور جرحانا في مشفى الهلال الأحمر الذي أصبح مخصّصاً للثوار، بينما المشفى الوطني للنظام، ونتحرّك بسياراتنا في مناطقنا، من دون أن يتمكّن النظامُ من إيذائنا.

في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2011، تفتقت أذهانُ مجموعة "أحفاد هنانو" والناشطين، مازن عرجة ومحمد أبو الدهب وأحمد مشقع وصلاح شامية وقتيبة أصفري، عن فكرة الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح ورأس السنة أمام كنيسة الروم الأرثوذكس. ولأن المكان أمام الكنيسة ضيّق، اقترح أحدُ الأصدقاء أن يكون الاحتفال في ساحة البازار القريبة من الكنيسة، ونحن أيّدناه.

كانت ليلةً باردة جداً. لذلك، نصحتُ صديقي الأديب تاج الدين الموسى أن نغادر، أنا وهو، الاحتفالَ بعد ساعة من بدايته، باعتبار أنني مريضٌ بالقلب، وهو مصابٌ بسرطان الرئة، وقد استؤصلت إحدى رئتيه. ولكنه رفض فكرة المغادرة بشدة، قائلاً إن حلم حياته كان أن تقوم ثورة في سورية على حكم بيت الأسد، وأن يكون للثورة علاقة وطيدة بالسوريين كلهم. وأضاف:

- أنظر. ما أحلى هذا المنظر. المسلمون يحتفلون مع المسيحيين قرب كنيستهم. يا سلام. شي يرفع الراس. واليوم، لعلمك، اشترك عشرة شبان مسيحيين في مظاهرة بعد الظهر.

كان تاج عضواً في الحزب الشيوعي، "‏جناح يوسف الفيصل"‏، وكانت ‏مشاركته في الثورة بصفته الشخصية، لا الحزبية، وكذلك الحال بالنسبة ‏للمهندس ماجد حاج خلف الذي أعلن انشقاقه عن الحزب الشيوعي، لأن ‏الحزب نأى بنفسه عن الثورة. وقد اعْتُقِلَ ماجد شهرين، تعرّض فيهما ‏لتعذيبٍ وحشي.‏

في تلك الليلة، أصيبت رئةُ تاج الوحيدة بالتهاب حاد، ونُقل‏، في الصباح الباكر، إلى مشفى الهلال الأحمر، وكنا نزوره فنرى خراطيم الأكسجين في أنفه، بينما هو مُبْحِرٌ في اللابتوب، يتابع أخبار المظاهرات، ويحلم بسقوط نظام الأسد... واستمر هذا الوضع حتى يوم 22 فبراير/ شباط 2012، عندما فارق الحياة.

رحمه الله، وكل عام والثورة بخير.

========================

الشعب السوري والتدجين الذاتي .. سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الاحد 15/1/2017

قبل أكثر من عامين، عندما لم يكن الحال السوري قد وصل إلى هذا البرزخ المستعصي، كنت ما زلت أظن نفسي قادرةً على النبوءة، وأنني أستطيع استقراء الواقع واستحضار ما خزنته الذاكرة من دروس التاريخ وأحداثه، معتمدة على حجج أدوات المنطق التي تضع المقدمات اللازمة، لتصل ببرهان رياضي إلى النتائج المتوقعة، وأظن أن هناك غيري من تنبأ على هذا الأساس، في مناحٍ عديدة للحالة السورية.

لم أتكهن باكراً، وبعد شهور قليلة على الحراك الشعبي السوري، بأن الأزمة انتهت بأقل الخسائر، ولم أطلق شعار "خلصت"، فكان لدي من الهواجس ما يكفي لأن أخاف من أن أطلق أحكاماً كهذا الحكم، وأنا أرى العنف وقد بدأ باكراً يغرز أنيابه في الصدور العارية التي انطلقت تنادي للحرية، وأرى كيف بدأ الدم يستصرخ مع أولى خيوط نزيفه من شرايين هذا الشعب.

لكنني، بعد أكثر من ثلاثة أعوام، وقد وصل العنف إلى حدٍّ رأيته حينها غير مسبوق في تاريخ البشرية، وكانت سورية قد صارت ساحةً لصراعات المصالح، وميداناً لإدارة الحروب، مع دخول مقاتلين من بلدان كثيرة، لمساندة النظام من جهة، وللقتال ضده من جهة أخرى، وصار التطرّف والدعوات الجهادية والخطابات العنفية والإقصائية هي المسيطرة على الوضع الميداني. وبعد ظهور هذا الكيان المتغول الذي انبثق مكتملاً كالأساطير "داعش". وفي الوقت نفسه، جبهة النصرة والفصائل الملحقة بها، وكلها صادرت ثورة الشعب وطبيعتها المدنية السلمية، ورأيت التردّي المعيشي الذي وصل إليه الشعب السوري، توقعت أن ثورة جياعٍ ستندلع، وكتبت في "العربي الجديد" تحت عنوان "ثورة جياع تقترب في سورية"، مستندةً على قرائن تدعم نبوءتي، وهي أن الشعب السوري ما زال يتذكّر ممارسات الطغمة الحاكمة، 

"صرنا أسرى اللحظة، بلا ماضٍ نستعيد منه ما يجعلنا ندرك أننا أحياء" ومن يدور في فلكها، فعلى الرغم من القلة، وتدني المستوى المعيشي لغالبية الشعب السوري، لم يكن الفقر في سورية يحمل أنياباً، لم يكن يعضّ، لكنه كان يؤجج مشاعر الهوان، ويزيد في إضرام نيران الإحساس بالظلم وهدر الكرامة، عندما كان المواطن يرى ويلمس، كل يوم، ازدياد البون بينه وبين شريحةٍ من الأثرياء، يزداد ثراؤها ويزداد فجورها في الوقت نفسه، فرأس المال الذي نما بسرعةٍ قياسية، وتبرعم مثل فطور فوق مستنقعاتٍ من الفساد، كان وثيق الصلة بالسلطة، وكان يعرف كيف يعقد التحالفات مع أركان النظام. وأن الشعب يعرف أيضاً أن رؤوس أموالٍ تتكدّس على حساب كرامته قبل لقمته. لكن ثورة الجياع لم تحدث، فهل كانت حججي ضعيفةً إلى درجة استقراء نتيجةٍ كهذه، أم إن الواقع أعقد بكثير وأدهى من قدرتي على فهمه؟

في الواقع، هناك جوع نبتت له أنياب، وصار يعضّ أصحابه. لكن، لماذا صرنا بلا ذاكرة، على الرغم من أن طبقة المستفيدين من الفساد صارت أكبر وأشمل، وأن الفساد صار أكثر تنوعاً وأقدر على فتح قنواتٍ ليغرف منها طامحو الثراء الجدد ما شاؤوا مما تبقى من خيراتٍ في الوطن، ومن حياة إخوتهم وحقوقهم فيه؟

من أكثر ملامح الانهيارات المجتمعية التي أحدثها الزلزال السوري الانهيار القيمي، فقد صارت غريزة البقاء بأدنى أشكالها في سلم التطور الحافز للسلوك البشري أمام آلة العنف غير المسبوق، والذي واكبه تأجيج وشحن طائفي وعاطفي رصدت لأجله وسائل الميديا بزخم كبير. أمام هذا الزخم، وبعد تحوّل الإنسان في عصر الصورة والشبكة المفتوحة إلى كائن بصري بامتياز، تزداد عزلته، ليتقوقع على نفسه ضمن فضاء افتراضي، يقدّم له بديلاً مقنعاً عن واقع حقيقي، يتشارك فيه الحياة مع أفرادٍ يشبهونه، صار الفرد السوري معلقاً في فضاءٍ لزج، صار رهين اللحظة الدموية والخبر السريع الكثيف والصورة البليغة النافذة، وصارت ذاكرته تتثقّب خلسة عنه، بلى، صارت للسوري ذاكرة مثقوبة، ينسلّ منها ماضيه القريب والبعيد. ومن هذه الثقوب، تضيع الملامح، تضيع الهوية، يضطرب إدراك الذات.

صرنا أسرى اللحظة، بلا ماضٍ نستعيد منه ما يجعلنا ندرك أننا أحياء بشكل استثنائي. وعلينا أن نفهم هذه الحياة، لنعرف كيف نمسك بمصيرنا، ولا قدرة على الانفلات من تأثير المشهد والواقع الذي تقدمه الميديا والشاشات، بعد عمليات مونتاج موجهة، لننتبه إلى أن هناك مستقبلاً علينا العمل من أجله. نحن أسرى حاضر ينفلت بسرعةٍ من بين الأصابع قبل أن ندركه، أسرى العنف ولم يترك مساحةً في كياننا الإنساني إلا اعتدى عليها مهما صغرت، أسرى الهلع من المشاعر الضاغطة التي تنتابنا من هذه العدمية، بعدما فقدنا أي أملٍ في إمكانية النهوض. صارت الحياة بالنسبة إلى السوري هي التشبث بالبقاء، حتى لو كان على حساب أي قيمةٍ أخلاقية، وشُلّ تفكيره كاملاً بعدما عانى عقوداً من العطالة، تحت نير القمع والاستبداد.

خطفتنا اللحظة المصنوعة بحرفيةٍ عاليةٍ من ذواتنا، غرّبتنا عن أنفسنا، حوّلتنا إلى قطيعٍ فاقت قدرته في التدجين الذاتي أية وسائل أخرى، مهما بلغت من المكر والقسوة في تمكين التدجين والترويض.

لم يعد مكان لنبوءتي في حقل المنطق، بدوت مغفلةً في نبوءاتي كلها، من يشاهد الطرق 

"الانهيار القيمي من أكثر ملامح الانهيارات المجتمعية التي أحدثها الزلزال السوري" والأساليب التي يتبعها الشعب السوري للتأقلم مع حياة الفاقة والقلة، الحياة التي أعادته إلى ما قبل الحالة المدينية، سوف يمتلئ باليأس، كيف يعيش الناس بلا كهرباء، بلا تدفئة، بلا محروقات، بلا غاز للطبخ، بالحد الأدنى من سد الرمق، وبجانبهم وعلى الملأ هناك حيتان الفساد وأثرياء الحرب، أولئك الذين انبثقوا كالفطر، بيدهم أموال ورساميل حصلوا عليها من محنة الشعب، ودمائه وتهجيره ودماره، سيشكلون، أو بدأوا بتشكيل طبقةٍ اجتماعيةٍ بلا رصيد قيمي أو معرفي. هؤلاء المتاجرون بمصير الشعب ليس لديهم أي نوع من الروادع الأخلاقية، بل ليس لديهم أي معرفةٍ أو اعترافٍ بالأخلاق. والناس المغلوبون على أمرهم يعيشون معهم فوق الأرض نفسها، ويشمّون الهواء نفسه، لكنهم يعانون الجوع، الفقر، الفاقة، انعدام الأمل، ويعيشون بلا حافز أو دافع، ليس في وجدانهم مكان لثورةٍ من أجل لقمتهم ولا كرامتهم. ولا حتى لعطشهم.

هل تستقيم الحياة وتسير من دون الماء؟ ها هي تسير في سورية من دون الماء، أو أقله في الحد الأدنى الشحيح منه، لاقى سوريون كثيرون طرقاً يمسكون فيها الحياة من رقبتها تحت ضغط العطش وانقطاع المياه، بل يبتكرون وتمتلئ مواقع التواصل، بابتكاراتهم حول تحدّي مشكلة المياه، كما مشكلة التدفئة، كما مشكلة الغاز. يبدعون في تلقف النكت والسخرية السوداء من واقعهم، فهذه عبوة مياه "بقين" يمسكها أبٌ، ويقول لابنه بقين تعني: بق الصبح وبق المسا. وآخر يضع صورة أسطوانة غاز طبخ، وعليها لوحة مفاتيح، وولد يرجو أباه أن يعطيه كلمة السر، ليعمل كأس شاي، وامرأة شامية ثقبت عبوة بلاستيكية معبأة بالماء، لتصبح مثل صنبورٍ تقوم بالجلي تحته، وهي تتفاخر بأن أهل الشام لا تفرق معهم، حتى لو قطعوا مياه الفيجة. فأي اغترابٍ يعيشه معظم السوريين؟ وأي ابتعادٍ عن كينونتهم الإنسانية؟ وأي ذاكرةٍ هربت منها ملامح شخصيتهم؟ وما الذي صنعه العنف المدجج بحربٍ إعلاميةٍ رهيبةٍ جعلت السوريين أسرى لحظةٍ غير معينة، فلا هم يمتلكون ماضياً، ولا هم قادرون على فهم المستقبل.

هربت من بالهم معظم المعاني، حتى الثورة كمفهوم انسلّ من قواميسهم، ولم يعد هناك مكان لنبوءة بثورة جياعٍ تقترب في سورية، على الرغم من الجوع المتوحش.

========================

مبادرة في وقتها .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 15/1/2017

أصدر مثقفون سوريون ورقةً سياسيةً، تناولت مسار الثورة في السنوات الماضية، وما شابها من نواقص وعيوب، وأحاط بها من تحدّيات ومخاطر، ومورس عليها من تدخّل، واعتمده ممثلوها من مواقف، وتوفّر لها أو غاب عنها من مؤسسات وبرامج وخطط وقيادة ثورية، لو امتلكتها لتولّت توجيه خطاها بتبصّر وعقلانية، ولأمدّتها بمستلزمات النجاح، كتعزيز مواقع وأدوار حواملها المجتمعية، وتوحيد نخبها الثورية وتفعيلها، وإبعادها عن العسكرة القاتلة التي أخضعت السياسة لبندقيةٍ، قادها تمذهب قوّض هوية الثورة المجتمعية، فضلاً عن تنظيم مقاومتها، بما فيها إخضاع المقاتلين لقيادة سياسية، ينفذون خطها الاستراتيجي، وبرنامجها المدافع عن الحرية هدفاً وحيداً، لن يتم بلوغه من دون وحدة المجتمع والدولة، والبديل الديمقراطي وقيمه كالعدالة والمساواة، وتجريم نهج التأسلم الذي وزّع المواطنين إلى طوائف لا تنتمي إلى نسيج مجتمعي واحد، بل هي متعادية/ متنافية.

... وقد جاءت الورقة في وقتها، بينما تعلن قطاعاتٌ سوريةٌ واسعة من السوريات والسوريين انفكاكها عن مشروع التأسلم/ المتمذهب، وتمسّكها بالحرية هدفاً للشعب السوري الواحد الذي كان الحراك قد تبنّاه قبل أن يدمر النظام قطاعه المدني الحديث، ويُرغم، بعنفه المسلح وممارساته الطائفية، قطاعها الأهلي على هجر نهجها السلمي، وحمل السلاح دفاعاً عن نفسه، بينما ساعدت سياسات النظام الإجرامية تنظيم القاعدة على إبعاده عن مشروع الحرية وقبوله بالعسكرة والتمذهب والتطييف. في هذه الأجواء المعادية للثورة، تكامل عجز التنظيمات الفصائلية السياسي/ العسكري مع الانخراط الخارجي المتعاظم في الحرب، لتكون النتيجة إنزال سلسلة هزائم ب"الثورة"، كان آخرها كارثة حلب التي كشفت فشل بنى الفصائل في التصدّي للأعداء أو الصمود ضدهم، وما يسم وعي أغلب قادتها من ضحالة، فضلا عن افتقارهم إلى العلاقات الصحيحة مع السوريين التي لو توفرت لهم، لما رفضوا عرضاً بإخراج مائتي عنصر فقط من جبهة النصرة إلى خارج المدينة، في مقابل بقاء قواتهم فيها، واستمرار مجلسها المحلي المنتخب في إدارتها، ثم وبعد إنجازاتهم في "ملحمة حلب الكبرى"، قبلوا بحماسةٍ خروجهم وخروج السكان، بشروط مذلة أجبرتهم على التخلي عن سلاحهم، وركوب باصات الأسد الخضراء، بشفاعة جيش روسيا الذي كانوا يعلنون، إلى ما قبل سويعاتٍ، تصميمهم على سحقه وإخراجه من سورية.

كانت هزيمة حلب سياسية أيضاً، وإلا لما انتقلت الفصائل من عداء روسيا إلى قبول خططها، بل والاحتماء بها، ومن الالتزام باولوية دور "الائتلاف" وهيئة التفاوض العليا في البحث عن حل سياسي، إلى شرعنة دورها هي جهةً تحل محلهما في هذا البحث. لا عجب أن أدّت فضيحة حلب إلى انفكاكٍ مجتمعي متزايد عنها، ومطالبتها بالخروج من المناطق المدنية، وتجدّد دور الشباب في تعبئة قدرات الشعب وراء مشروع الثورة الوطني/ الديمقراطي المعادي للطائفية، وحدوث استفاقةٍ وطنيةٍ يبشر استمرارها واتساعها باستعادة مرحلة الثورة الأولى، المجتمعية والسلمية، وتلاشي مرحلتها الثانية، المتأسلمة / المتعسكرة، جالبة الكوارث للسوريين.

تنضوي ورقة المثقفين في إطار محدّد هو: التصميم على تزويد الحراك بالبرامج والخطط والرؤى الاستراتيجية والتكتيكية التي سيحتاج إليها خلال تحوله المطلوب إلى ثورة على صعيدي السياسة والمقاومة، لم يمتلك ما يماثلها في المرحلة السلمية المجتمعية، ولعب غيابها دوراً خطيراً في انزياح التمرد نحو العسكرة والتمذهب والتطييف، ودورانه في حلقة مفرغة انحدارية الاتجاه. بهذا المعنى، هي ورقة أولى في مشروع سياسي/ فكري، يريد تزويد الحراك برؤية سياسية وعملية، يجنّبه امتلاكها الأخطاء التي يفيد منها عدوّاه: النظام وأتباع التأسلم المتعسكر المعادي للحرية. إذا كانت الورقة قد قدّمت جرداً أوليا لمسار الثورة ونقدته بموضوعية وعقلانية، فإن ما سيليها من أوراق سيذهب في منحىً مختلف، يمدّها ببرنامج وخطط تتيح، عند نقطةٍ معينةٍ، بلورة قيادةٍ ثوريةٍ يرتبط انتصار الشعب بها، كي لا يفتقر استئناف الحراك للطابع المجتمعي/ السلمي، ويخلو من نواقص مرحلة التمرد الأولى وعيوبها وشعبوياتها.

بهذه المقاصد، سينصبّ الجهد على بناء الوضع الذاتي للثورة الذي يتوافق وظروفها الموضوعية، ويفيد من إيجابياتها، ويستهدف إقناع الآخرين باستحالة تحقيق مصالحهم من دون قبول مطالب السوريين، وفي مقدمتها رحيل الأسد ونظامه، وقيام نظام ديمقراطي يضمن الحرية والوحدة للشعب السوري، وإقناعه أيضاً بأن فشل الحرية لن يكون كارثةً بالنسبة لسورية وحدها، بل سيكون كذلك بالنسبة لجميع شعوب وبلدان العالم، لن ينجو أحد من عواقبها الوخيمة.

========================

البحث عن اليقين والقربان في «مراجعات» سوريا .. ياسين الحاج صالح

القدس العربي

الاحد 15/1/2017

تتواتر دعوات إلى «المراجعة» في أوساط معارضين سوريين، بارتباط ظاهر مع إعادة احتلال حلب من قبل الدولة الأسدية، وأسيادها من الروس والإيرانيين، وإدراك منتشر بمنعطف كبير في مسار الصراع السوري، تزامن مع نهاية عام 2016 المنقضي. ومنذ الآن هناك نصوص ومشاريع في هذا الشأن.

لكن ما هو متاح من مقاربات يبدو أكثر تعجلاً من أن يكون مراجعة شاملة، وأقل بكثير من أن يكون مراجعة جدية. وهو في عجلة من أمره حتى أنه لا يخصص سطوراً لتقدير ما قد يعقب حلب: هل تترك إدلب مثلاً أكثر لتكون بؤرة قاعدية، يضفي وجودها الشرعية على الترتيبات الجديدة؟ والرقة التي بيد «داعش» هل تبقى موطناً آخر، محاصراً ومعزولاً، مخصصاً لمنبوذين لا يريد أحد عودتهم إليه، ما دام هناك فيتو أمريكي على دعم أبناء الرقة من أجل استعادة مدينتهم؟ وبعد تكتيف الأمريكيين وحكومة الأردن (وإسرائيل في الخلفية) للجبهة الجنوبية طوال ما يقترب من عامين، هل يجري تسليمها للنظام، ضمن ترتيب خاص يستبعد إيران وتابعها اللبناني إلى مسافة معينة؟ والغوطة الشرقية؟ والتفاوض الوشيك في كازاخستان مع فصائل مسلحة، وباستبعاد المعارضة السياسية؟

لا يبدو أن «المراجعين» يملكون من الإجابات ما هو أوضح من عموم السوريين. وهم لا يستخلصون من قلة المعرفة شيئاً يخص قلة التحكم، ليس تحكمهم بمسارات الأوضاع السورية، بل بمسار حركة المراجعة نفسها، وما يؤمل تحصيله منها من وضوح أكبر وتوجه أسلم. ليس في المتاح من مراجعات ما يقول لماذا يعتقد أصحابها أن محصلتها، أياً تكن، ستجد سبيلها إلى ترجمة سياسية أكثر إقناعاً وتأثيراً مما تجري مراجعته.

هناك ما يشبه هلعاً من الحيرة، من حال اللايقين الواسمة لأطوار التحول والانعطافات الكبيرة. وتحت وطأة هذا الهلع تجري المسارعة إلى اعتناق يقين جديد، هرباً من الفراغ وفقدان التوجه. اليقين الجديد لا يقول شيئاً يبنى عليه، ولا يصمد أياماً.

وغير البحث عن اليقين، يتخلل الدعوات السورية إلى المراجعة تلهف إلى البحث عن أكباش فداء، إلى مخطئين يتحملون المسؤولية، ومن شأن التخلص منهم أن يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

ويبدو أن هذين النازعين، إلى اليقين وإلى قرابين، مترابطان بصورة وثيقة. فمن شأن التخلص من الآثمين أن يطهر الجماعة أو «يزكيها» حسب التعبير الإسلامي، ويوفر اليقين بأننا على الحق، فيكون سنداً صلباً للأفراد، والعروة الوثقى لالتحام لا ينفصم لجماعة جديدة؛ ومن شأن اليقين، بالمقابل، أن يكون سنداً لإجماع صلب، ولإرادة قوية للأفراد، أي أيضاً إجماع أمر الواحد منا على معتقده. اليقين في الاعتقاد والذبيحة التضحوية مترابطان على نحو وثيق (حسب مؤدى تحليل رينيه جيرار في «العنف والمقدس»). عقائد اليقين تترابط مع عنف ضد من يرون مهددين للإجماع، بما في ذلك إجماع الفرد ضد تعدده الداخلي. اليقين لذلك مخيف. وهو في كل حال من مطالب الاجتماع وليس من مطالب المعرفة، وارتباطه بالإجماع وثيق.

في سوريا اليوم أزمة قربانية (أو تضحوية، أو افتدائية)، إن استخدمنا عبارة رينيه جيرار. هناك «نظام ثقافي» مختل اختلالاً عميقاً، أعني مجمل النظام الاجتماعي والسياسي والرمزي والفكري، تفجرت الثورة بفعل اختلاله وأظهرت مدى هذا الاختلال، وكان من شأن التخلص من بشار الأسد ونظامه أن يكون فعل تأسيس لنظام جديد. لم يحدث، بسبب ما تلقاه المذكور من دعم قوى باطشة ما كان يستطيع السوريون مجابهتها، أياً تكن سياستهم. وبفعل فشل الثورة، هناك اليوم أزمة متفجرة في الأوساط السورية المعارضة، يبدو أنها تحفز إلى البحث عن قرابين.

لكن أياً تكن أخطاء المعارضة السورية المنظمة، و«المراجعات» جارية في صفوفها حصراً وموجهة لها، فتأثيرها على مسار الثورة محدود بفعل انطلاق ديناميكية تجذر وعسكرة وأسلمة بعد إخفاق الاحتجاجات السلمية في إسقاط النظام أو دفعه في عام 2011 أو 2012 إلى تسوية تاريخية تغير البيئة السياسية في البلد تغيراً أساسياً. لم يكن للمعارضة السورية في أي وقت سيطرة أو حتى تأثير على هذه الديناميكية التي أطلقها تطرف النظام وعنفه وطائفيته. وهو ما تفاقم بعد دخولنا طور الصراع السني الشيعي في ربيع 2013، ثم طور المتحكمين الإمبرياليين، الأمريكيين والروس، الذين عملوا على إلحاق الصراع السوري ككل، ب«الحرب ضد الإرهاب».

ومن باب ضرب مثال واحد شهير، فإنه ما كان لموقف المعارضة المنظمة من ظهور «جبهة النصرة» أن يحدث فرقاً بخصوص مسار الثورة على الأرض، ما دام الموقف المفترض غير ذي أثر على ديناميكية التشدد والعسكرة والأسلمة التي انطلقت تدريجياً بفعل الحرب على الثورة. جبهة النصرة ليست نتاجاً حصرياً لهذه الديناميكية، لكن الركن الأول في أية سياسة لمواجهة النصرة وعزلها هو تعطيل هذه الديناميكية. وما كان يمكن إنجاز ذلك بينما النظام يواجه الثورة بالعسكرة والطائفية، ويتوسع في حربه ضد بيئات الثورة، ويغلق باب السياسة طوال الوقت.

بالمناسبة، لا تكاد تتوفر كتابات «موضوعية» جدية من طرف المعارضة المنظمة حول الثورة في أي وقت، وخلال ست سنوات. أعني كتابات غير ظرفية، تستند إلى معطيات موثوقة بقدر الممكن، وتحاول الإحاطة بمجمل عملية الثورة. هذا أساسي كي يكون للكلام على المراجعة معنى. فلكي نراجع، يجب أن نعرف أين نحن اليوم، وكيف وصلنا إلى هنا، وما هي الأطوار الأساسية في الصراع، وما الديناميكيات التي حركت الوضع السوري في كل طور، وما كانت هوامش مبادرتنا ومساحات حريتنا، وتالياً دور أخطائنا المحتملة في فشل الثورة. دون هذا النظر «الموضوعي»، من المحتمل جداً أن يحرك المراجعة البحث اللجوج عن يقين وقرابين.

وتقدير كاتب هذه السطور أن النظر «الموضوعي» يفيد بأنه منذ أخذ ينهار الإطار الوطني للصراع السوري، في النصف الثاني من عام 2012، لم يعد لخيارات المعارضة تأثير مهم على الأوضاع العامة. فقد فاقم هذا الانهيار ما كان أصلاً تمايزاً في المنشأ والتكوين بين الثورة والمعارضة، تمايز كان من شأن سقوط مبكر نسبياً للنظام فقط أن يحد من آثاره أو يطلق ديناميكيات مغايرة تنزع نحو الاستيعاب والاعتدال والسياسة. ربما كان من شأن خيارات المعارضة أن تؤثر على أوضاع المعارضة بالذات، فتصون شيئاً من كرامتها أو تهدرها بمزيد من التبعية للاعبين مقررين، إقليميين ودوليين، لكن ليس على مسار الصراع ذاته. حين تشكل الائتلاف في أواخر عام 2012 كان سلفاً يلعب في الوقت الضائع، وكان ظاهراً منذ البداية أنه تعبير عن تقدم تبعية المعارضة الرسمية لفاعلين إقليميين ودوليين.

يمكن لوم المعارضة على أنها لم تصن كرامة «ثورة الكرامة»، لكن لعله مما لا يرضي الانفعالات الظامئة إلى اللوم اليوم القول إن نصيب أخطائنا ومخطئينا في أوضاع الثورة محدود، قياساً إلى قوة أعدائنا وفجورهم الإجرامي، الدولة الأسدية أولاً، ثم شركائها الطائفيين الإيرانيين واللبنانيين والعراقيين، ثم روسيا الامبراطورية، وعلى سندان نظام دولي تمييزي لا يقيم شأنا لحياة عموم السوريين. وليس في إطلاق عملية بحث عن المخطئين في كل اتجاه، وتوزيع الاتهامات في كل اتجاه، ما يمكن أن تبنى عليه سياسة مغايرة أو يثمر وضوحاً أكبر أو يصون كرامة المعارضين.

وكما أننا لم نهزم بسبب أخطائنا، لم تفز دولة الأسديين بفضل سياسة صحيحة، بل بفضل روسيا وإيران وأتباعهما. قول هذا ضروري لتجنب منطق أكباش الفداء النشط اليوم. وهو منطق يهدر كرامة الثورة السورية، وينزلق بهلع نحو تبرؤ ذاتي من شركاء في الضعف، ما يضعف الجميع أكثر، كما يشكل غطاء لانتهازيين متنوعين، ممن لم تكن الثورة قضيتهم في أي وقت.

ولعل من المفيد التذكير في هذا المقام بتفاعل جيل سابق من أجيالنا مع كارثة حزيران 1967.  بانفعال، نزع المثقفون إلى نسبة الهزيمة إلى تقصير ذاتي في بنانا الاجتماعية والثقافية، ومزج السياسيون بين مزايدة كاذبة، وبين قمع كل اعتراض. في واقع الأمر كانت إسرائيل مكفولة الانتصار على ما ظهر بعد ستة أعوام حين بذلت بلداننا أحسن طاقاتها المتواضعة. كانت خطة أسلم لو عملنا بتواضع على تحسين تلك الطاقات المتواضعة، وتقبلنا العمل على تطوير مجتمعاتنا، تعليمياً واقتصادياً وسياسياً، دون تجريح للذات تطور إلى مرض جمعي في العقود اللاحقة، ودون الأوهام السلطانية التي أفضت إلى خراب بلداننا وعودة بعضها، ومنها أول جمهورية عربية، والبلد الأقدم استقلالاً، سوريا، تحت احتلالات أجنبية وسيطرة طائفية. وإلى جانب ذلك معرفة أفضل بإسرائيل والعالم المعاصر، و«مراجعة» الحرب التي أذللنا فيها تلك المذلة الخارقة بالذات. في سوريا لم يصدر كتاب واحد مهم خلال خمسين عاماً يتكلم عن تلك الحرب، وهذا بارتباط ظاهر مع كون وزير دفاع الهزيمة، حافظ الأسد، هو الذي حكم البلد عقوداً بعدها بقليل، قبل أن يجعلها ملكا وراثياً في سلالته.

كان هناك كلام كثير على «الهزيمة»، لكن ليس أي بحث مدقق في الحرب التي انهزمنا فيها. هذه السيرة مرشحة للتكرر اليوم.

اليوم، أعداؤنا يخلقون شروط حرب مستمرة، مثلما خلقت عدوانية إسرائيل وعنصريتها شروط الحرب المستمرة في «الشرق الأوسط». وهذا مسوغ إضافي لأن لا نكون وقوداً لمعارك جانبية، ننساق إليها بقصر نظرنا، حين قد يكون النهج الأنسب التروي واستعداد للتحيّر، وأن نختار من بين الخيارات المتاحة ما يصون كرامتنا، بلداً وقضية وأفراداً.

وليس في ذلك ما يقول إن المعارضة السورية لم ترتكب أخطاء كبيرة، لكن ليس لهذا تفشل الثورة. كل نقطة مما يرد في المتاح من مراجعات تقتضي تناولاً مفصلاً، يحول دون انقلاب المراجعة إلى رجعة إلى أفكار سبق لوْكها، أو إلى محاكمة الثورة ذاتها من وراء قناع من الحرص عليها. ليس المراجعون سيئي النية حتماً، لكن المراجع المتعجل قد يكون متراجعاً غافلاً، وقد يخدم عدوه من حيث لا يدري. كانت معارضتنا غير محترمة وغير مستقلة، وهذا جعل الهزيمة أكثر مرارة. وتركنا مفتقرين إلى سند موثوق، في مواجهة وضع نحتاج فيه إلى أن نحول إخفاقنا إلى بداية لشيء جديد. لكن لا سند موثوقاُ ولا بداية مغايرة في دعوات المراجعة الحالية التي تبدو منذ الآن استمرارا للشيء نفسه، يتواتر أن يدعو إليه الأشخاص أنفسهم أيضاً.

========================

"الرمح الذهبي": تيسير أم تسعير؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 15/1/2017

زحف «الجيش الوطني» اليمني على ذوباب ومخا، مدعوماً بطلعات جوية مكثفة من تحالف «عاصفة الحزم»، ضمن العملية المسماة ب»الرمح الذهبي»؛ لا يدشّن أبرز المبادرات العسكرية ضدّ الحوثيين وأنصار علي عبد الله صالح على امتداد الساحل الغربي، فحسب؛ بل يعيد إحياء الخيار العسكري، بصفة إجمالية، ويستأنف الأعمال القتالية ذات النطاق الواسع، بعد أن توقفت عملياً طيلة أسابيع.

وإذا جاز القول، كما تعلن قيادة «الجيش الوطني» على الأقلّ، أنّ هذه العملية الجديدة تسعى إلى استعادة مناطق واسعة تقع اليوم تحت سيطرة تحالف الحوثي  صالح، بحيث يصبح استهداف تعز وإب أيسر منالاً أمام نيران الجيش؛ فإنّ الغرض الآخر، الستراتيجي بدوره في الواقع، يرمي إلى السيطرة على باب المندب، وقطع الطريق أمام إمدادات الحوثي، مقابل تسهيله أمام إمدادات «الشرعية».

ورغم الخسائر الفادحة التي يتكبدها «الجيش الوطني»، في الأرواح بادئ ذي بدء، فإنّ التقارير المحايدة تشير إلى تقدّم مضطرد؛ قد يثمر، بالفعل، عن انتزاع مساحات ذات قيمة في منطقة العمليات، وقد يبدّل المشهد العسكري على الأرض لصالح القوات الزاحفة. في المقابل، تتسبب أعمال القصف الجوي، والصواريخ الموجهة عالية التدمير، في إلحاق المزيد من الخسائر في صفوف المدنيين، وتدمير المزيد من المرافق والمنشآت؛ أكثر، بكثير ربما، مما يلحق بتحالف الحوثي  صالح من أذى.

تُغفل، في غمرة عجيج القتال وضجيج المعارك، حقيقة كبرى يتوجب أن تقترن بكلّ قراءة موضوعية للحرب الأهلية في اليمن؛ تلك التي تقول إن العمل العسكري الذي لا يقرّب الحلّ السياسي، ولا يُدني التسوية، إنما يسفر عن العكس، أي صبّ الزيت على نار النزاع، وتعميق شقة الصراع. وبهذا المعنى فإنّ عملية «الرمح الذهبي» ينبغي أن توضع في سياقات ما تيسّره من فرص السلام، الباهتة الراكدة المتعثرة أصلاً؛ وليس ما تسعّره من حرب، ذات أوار وخراب ودمار، منذ ابتدائها.

ومن جانب آخر، سياسي وتكتيكي هذه المرّة، يخصّ طرازاً مختلفاً من التسعير، يتوجب أن ينجم عن أيّ نجاح ميداني يمكن أن تحققه عمليات «الرمح الذهبي»؛ أي تعميق الخلافات التي نشأت مؤخراً بين الحوثي وأنصار صالح، خاصة في صفوف الحرس الجمهوري، واستغلال كلّ بارقة شقاق لإضعاف الخصمَين معاً، وتفرقة صفوف لم تتآلف أصلاً إلا على ركائز واهية. وهنا، أيضاً، يتوجب على أيّ جهد في هذا المضمار أن يتوخى تسهيل تقريب الأطراف من هدف التسوية على أسس وطنية سليمة وعادلة، تفضي إلى تأسيس شرعية وطنية جامعة.

وثمة علائم خير في الواقع، حتى إذا بدت خجولة ومحدودة، كما في حال الاستقرار النسبي الذي أخذت تعيشه مناطق حضرموت والمكلا؛ أو إعادة استئناف تصدير النفط من الشحر، عبر شركة «غلينكور» مثلاً، التي اشترت قرابة ثلاثة ملايين برميل من الحكومة اليمنية، السنة الماضية، طبقاً لتقرير نشره مؤخراً موقع «ستراتفور» الجيو  سياسي.

وفي الخلاصة، بصدد تعقيدات النزاع الأهلي في اليمن؛ يكفي التذكير بأنّ ستّ جولات من الحرب كانت قد اندلعت بين صالح حين كان رئيساً، والحوثيين حين كانوا مجرّد دعوة محلية ذات مطالب مذهبية واجتماعية، وأنّ الطرفين الآن في تحالف ضدّ «الشرعية»؛ والتذكير، أيضاً، بأنّ المملكة العربية السعودية هي التي احتضنت صالح بعد الإطاحة به، وتغافلت عامدة عن تمدد الحوثي في سائر اليمن، وهي اليوم تقود التحالف ضدّ الاثنين معاً. في هذا الإطار تحديداً، صبح مشروعاً طرح الأسئلة الحارقة: عملية «الرمح الذهبي»، أهي تيسير أم تسعير؟ وكسب المعارك على الأرض، هل يخدم السلام في قاعة المفاوضات؟ وأيّ ثمن فادح يواصل سداده الشعب اليمني، الخاسر الأوّل والأكبر؟

========================

الطريق إلى أستانة! .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 15/1/2017

أستانة أو أستانا، هو الاسم التركي للعاصمة الجديدة التي بناها الرئيس الكازاخي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانفصال الجمهوريات الآسيوية القوقازية عن روسيا، وقيام دولة كازاخستان المستقلة. وللتذكير فإنّ الأستانة كانت اسماً من أسماء عاصمة الدولة العثمانية، مثل إسطنبول أو إستانبول، وتعني دار السلام.

إنّ المقصود هنا ليس الحديث عن الدولة الكازاخية الجديدة، وهي أهم جمهوريات آسيا الوسطى وأقربها إلى روسيا بوتين، بل المقصود التأمل في اختيارها مكاناً لمفاوضات حلّ الأزمة السورية، وما يعنيه ذلك بالنسبة لسائر الأطراف، وهل للحلّ أُفُق؟

إنّ اختيار العاصمة الكازاخية يعني بالطبع السيطرة الروسية على مفاصل حلّ الأزمة السورية، ويعني أيضاً قوة موقع تركيا في هذا الحلّ إن كان. فالدولة الكازاخية صديقة لتركيا أردوغان، وهي حليفةٌ حتى في مواجهة «غولن» ضمن العالم التركي لتلك الجمهوريات. وما أعنيه أنّ روسيا ليست غريبةً عن كازاخستان، وكذلك تركيا. ولا شك أن الاختيار كان مشتركاً للتهرب من جنيف، لأنّ الأخيرة تعني السيطرة الغربية على المحادثات، وما عاد الأمر كذلك بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا قبل سنتين. وفي السنوات العشر الأخيرة صارت كازاخستان بيئةً لمؤتمرات إقليمية وعالمية حول الاقتصاد، وحوار الحضارات، ومكافحة التطرف، وربط أجزاء العالم التركي، والتلاقي ضمن هذا العالم مع روسيا الاتحادية.

لقد كانت العواصم الغربية مكاناً للمفاوضات عندما كانت الولايات المتحدة تلعب الدور الرئيسي، ولم تعد مكاناً عندما تغيرت توازُنات القوة، فتقدمت روسيا باعتبارها قوةً غلاّبةً، وتمثّل النظام السوري (والإيرانيين!). وتقدمت تركيا باعتبارها ممثلاً (اختاروا تعبير الضامن!) للمعارضة السورية المسلَّحة، ولمصالحها كمتضرر من تصدع النظام السوري وظهور الأكراد والدواعش على حدودها.

لقد كانت الأولوية، لو كانت السلطة السورية رشيدةً، أن تكون الاجتماعات في دمشق. لكنّ الأسديات لا تقبل أي مفاوضات مع من يعتبرون أنفسهم معارضين. لذلك ذهبت المفاوضات إلى الجامعة العربية بالقاهرة. وأرسلت الجامعة مراقبين ثم مبعوثين. لكنّ الأزمة استمرت في التصاعد، وقال النظام إنه لا يقبل الوساطات مع الإرهابيين. والمعارضون السياسيون والمسلحون ازدادت آمالُهُم في إسقاط النظام، وتركوا دمشق، ثم الجامعة العربية، لأنهم ما اعتبروها مفيدة في تحقيق هدفهم. ومن الجامعة ذهبت المفاوضات رأساً إلى جنيف، وحضرت سائر الأطراف ما عدا إيران، وكان الروس مقودين. لذا كان منطق «جنيف-1» الدخول في عملية لانتقال السلطة، بحيث يزول حكم الأسد خلال سنتين (2012-2014). وفهمت إيران الأمر فتدخلت فوراً عبر «حزب الله». وأمكن تثبيت النظام المتداعي لعام ونصف العام. وخلال ذلك فشلت المحادثات لأنّ الفكرة الانتقالية ما كانت تناسب الأسد والإيرانيين. ولأنّ تركيا كانت تساعد المعارضة، وكذلك الولايات المتحدة، فقد وصل الأمر إلى ما يشبه التوازن. ثم حصل ما يشبه الانقلاب في المشهد بظهور «داعش» والتدخل الغربي الكاسح. واعتقد الإيرانيون والروس أنهم سيفقدون الزمام في سوريا والعراق، فتدخل الروس تدخلاً ساحقاً في سوريا، وتوصلوا إلى إنقاذ نظام الأسد، ودفعوا المعارضة المسلحة إلى الوراء وما يزالون. فكان الخروج من حلب، وكان الانتقال من جنيف إلى كازاخستان.

هل للمحادثات أُفق؟ الأطراف الحاضرة عديدة. أما الرئيسيون فهم النظام والإيرانيون والسوريون المسلَّحون المعارضون. أما المعارضون السوريون السياسيون فمهمشون وقد لا يحضرون. لذلك فحظوظ «الحل السياسي» ليست قوية. وإيران تريد الأسد ولا أحد غيره. والروس يقولون لا بأس بسنتين أو ثلاث! وتستطيع تركيا فرض الأمن على حدودها ضد «داعش» والأكراد، لكنها ليست من القوة بحيث تفرض حلاً سياسياً. وبالطبع لا يمكن الحديث عن دور للعرب حتى وإن حضرت بعض دول الجامعة. فمن ليس له عسكر على الأرض، ليس له حق الكلام!

إن أهم ما يمكن للروس والأتراك فعله في هذه المرحلة هو تثبيت وقف إطلاق النار. وسيقبل النظام والإيرانيون ذلك إذا أمِنوا من المحادثات السياسية! أما الحل السياسي فيحتاج إلى توازن لا يتوافر إلا في جنيف وفي ظروف أُخرى.

========================

القطيعة مع الرهانات الخاطئة للسوريين .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت 14/1/2017

تركت المآلات الكارثية التي وصلت إليها المعارضة السورية، بشقيها السياسي والعسكري، أثرها البالغ في أكثر من اتجاه، طارحةً أسئلةً عديدة يمكن أن تبدأ من تساؤلات السوريين حول ماهية المشروع الوطني الذي خرجوا من أجله، في ظل الصراع العسكري الذي تصدّر المشهد واقعاً وتفاوضاً؟ وما هي الأخطاء التي أثبت الواقع تفاقمها، في ظل إداراتها المتعدّدة؟ وكيف بدّدت السنوات الست رهانات الكيانات المعارضة الخاطئة، لتجد نفسها أمام استحقاق المصارحة والاعتراف، وربما المطالبة الشعبية بتنحّي الشخصيات المهيمنة في هذه المؤسسات عن العمل السياسي؟

في هذا المناخ السياسي المتخبط، ظهرت وثيقة على شكل نداءٍ، أصدرته مجموعة من المعارضين السوريين، تضمن مراجعة نقدية لأداء المعارضة وخطاباتها السياسية والإعلامية، ومصارحة صادمة حول الرهانات التي ثبت خطؤها وضررها على السوريين وثورتهم.

وبشكل موجز، بدأت هذه الوثيقة بتمهيدٍ عرضت فيه للمبادئ الأساسية التي انطلقت من أجلها الثورة السورية، والمتمثلة بإنهاء نظام الاستبداد، ومن أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية والعدالة والدستور، واستعادة الدولة، فهذا هو معنى الثورة. ثم تحدّثت عن التعقيدات التي اتسمت بها الثورة السورية، والمداخلات الخارجية التي أثرت عليها، سلباً، والأهوال غير المسبوقة التي تعرّض لها السوريون، والتي اعتبرت أن النظام هو المتسبّب الرئيس فيها. وأكدت الوثيقة أن النظام ما كان له أن يفعل كل ما فعله، لولا تساهل النظام الدولي، وسكوت الدول الكبرى أو تلاعباتها، وخصوصاً الولايات المتحدة، وبعض الدول الإقليمية والعربية التي حرصت على تخريب الثورة، وحرفها عن أهدافها، خشيةً من تأثيراتها في محيطها، في المشرق العربي، وعلى إسرائيل ذاتها. والفكرة الأساسية التي طرحتها الوثيقة في مقدمتها أن الثورة السورية، وعلى الرغم من أنها لم تستطع تحقيق أهدافها، إلا أنها لم تنهزم، ولم تستسلم، بسبب روح الحرية التي أطلقتها في عقول معظم السوريين وقلوبهم، وأن الذي انهزم هو الأوهام والمراهنات التي انبنت عليها.

ضمن هذه الرهانات، بحسب الوثيقة، التعويل على الخارج، وطغيان العسكرة على حساب 

"نداء أصدرته مجموعة من المعارضين تضمن مراجعة نقدية لأداء المعارضة" المظاهرات الشعبية، وتصدّر الخطابات الطائفية والدينية، ودخول المنظمات المتطرّفة والإرهابية والتكفيرية على خط الصراع الدائر في سورية.

أما بالنسبة للمعارضة، السياسية والعسكرية والمدنية، فأخذت عليها الوثيقة أنها "مفتّتة، وأنها تشتغل بمعزلٍ عن حواضنها المجتمعية، ومن دون أية توسّطات أو شبكات متبادلة، كما تتمثل بضعف إدراكاتها لمكانتها ودورها وانضباطها للدور المرسوم لها، من الفاعلين الدوليين والإقليميين، وعجزها عن تطوير أحوالها، بتوسيع هيئاتها، على قواعد مؤسّسية وتمثيلية وديمقراطية، وقواعد تنظيمية سليمة".

من حيث البدائل، حاولت الوثيقة طرح مجموعة أفكار، منها: "استعادة ثورتنا خطاباتها أو مقاصدها الأساسية التي انطلقت من أجلها، بتأكيد طابعها ثورةً وطنية ديمقراطية... من أجل التحرّر من نظام الاستبداد والفساد، وإقامة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين أحرار ومتساوين في دولةٍ مدنية، تنتهج النظام الديمقراطي، وتوفر العدالة الاجتماعية في الحكم، وفي العلاقة بين سائر مكونات المجتمع والدولة". و"الاشتغال على بناء كيان سياسي جمعي جبهوي للسوريين، تعترف الأطراف المشكلة له ببعضها، بمشتركاتها واختلافاتها، وتجتمع على الهدف الأساسي للثورة، بغضّ النظر عن الخلفيات الفكرية، وبعيداً عن العصبيات الأيديولوجية أو الهوياتية أو الدينية". و"بلورة تيار وطني ديمقراطي في الثورة السورية"، عبر "خطوات مدروسة ومتدرّجة" مع تثمين "كل المبادرات والتصورات التي تشتغل في هذا الاتجاه، بعقليةٍ منفتحة، بعيداً عن الاستئثار والاحتكار، وعن ادّعاءات المركز والأطراف، أو فوق وتحت، أو النخبة والقواعد". وبالنسبة لأشكال الكفاح، اقترحت الوثيقة ضرورة إعادة تنظيم الشعب، وبناء كياناته السياسية والمدنية، لإطلاق موجةٍ جديدة من الكفاح الشعبي، وبحسب الإمكانات، بما يقلل من أكلاف الصراع، ويحقق أفضل الإنجازات، ولو على المدى الطويل. وأكّدت الوثيقة أهمية بذل الجهود لإنشاء كياناتٍ أو ممثليات شعبية في الداخل والخارج، عبر تنظيم مؤتمراتٍ، ينبثق منها ممثلون على أساس الكفاءة والنزاهة والروح الكفاحية وبوسائل الانتخابات، حيث أمكن ذلك. وبخصوص المسألة القومية، وخصوصاً الكردية، انحازت الوثيقة إلى تبني منهجٍ ينبثق من قيم الحرية والمساواة والعدالة في الثورة السورية، وأن حل المسألتين، الكردية والقومية، لبقية المكونات حلاً عادلاً، في هذه المرحلة، يأتي ضمن الثورة الوطنية الديمقراطية. وضمن ذلك مثلاً الاعتراف للكرد بحقوق المواطنة المتساوية كسوريين، وبحقوقهم الجمعية والقومية، 

"أحد أهم أسباب تعقد المسألة السورية ناجمٌ عن وجود إسرائيل التي ترى في النظام بمثابة حام لأمنها" كشعب، في إطار الوطن السوري. وبخصوص العلاقة مع الخارج، أكدت الوثيقة على "توسيع معسكر الأصدقاء، ووعي المعطيات المحيطة بها دولياً وإقليمياً وعربياً، لإيجاد مقاربةٍ سياسيةٍ بين أهدافها والقيم العالمية، قيم الحرية والمساواة والمواطنة والديمقراطية والعدالة"... وتأكيد حق شعبنا "المشروع في استعادة الجولان السورية المحتلة، ومساندة حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، علماً أن أحد أهم أسباب تعقد المسألة السورية ناجمٌ عن وجود إسرائيل التي ترى في النظام بمثابة حام لأمنها، فضلاً عن كونها كياناً استعمارياً واستيطانياً وعنصرياً، يتناقض مع ثورة الحرية والكرامة والمواطنة، ومع قيم العصر، فالحرية لا تتجزأ".

لكن، كما أي نص موضوع، لا يمكن تجاهل بعض الملاحظات النقدية حوله، منها مثلا استرساله بشرح مسهب عن تقييم المرحلة السابقة، ونقد رهاناتها وأوهامها، في حين ترك باب الحلول التي يمكن من خلالها معالجة الأخطاء، مختصرة، كأن واضعي الوثيقة ينتظرون، أو يعدون بوثيقة ثانية مكملة، في مرحلةٍ لاحقة، لتقديم تصورهم للمهام المقبلة.

وفي ما يتعلق بالمسألة الكردية، كان يفترض بالوثيقة مخاطبة المكوّنات الكردية للتوافق على تصور معين لحل المسألة الكردية، وإنهاء الخلافات الكردية الكردية، بما يضمن وحدة سورية، وحقوق الأكراد، أفراداً وجماعة قومية. أيضاً، ثمة سؤال يمكن طرحه هنا، فما الذي تعنيه الأسماء الموقعة، والتي يقارب عددها الأربعمئة، ضمت نخبةً كبيرةً من المثقفين والسياسيين والنشطاء، إذا لم يكن لدى واضعي الوثيقة تصوّرا محدّداً وعملياً، لبلورة تحرّكهم، أو لتقديم أنفسهم في كيانٍ سياسي، يمكن أن يسهم بتشكيل واقع معارضاتي جديد، يلبي تصور هذه المجموعة، والتي كنتُ ممن وقّع عليها، لصراحتها وشفافيتها، واتساع صدور من كتبوها في تحمل عبء الاعتراف الذي يكاد يرتفع إلى منزلة الاعتذار؟

========================

الثورة مهددة لهذه الأسباب .. ميشيل كيلو

البيان

السبت 14/1/2017

هناك علاقة وثيقة ومتبادلة بين الخيارات والوسائل، التي تستخدم لتحقيقها، هذا ما يعرفه كل متابع للشأن العام وتطور الأحداث، الصراعية منها والسلمية، وهذه العلاقة المهمة والحاسمة، لا تكون صحيحة دوماً وبالضرورة، إذ كثيراً ما تفشل الوسائل في ترجمة الخيارات إلى وقائع، أو تجافي الخيارات الوسائل، التي يراد تحقيقها من خلالها.

فتقع في الحالتين مشكلات تتصل بالتناقض بين الغاية والوسيلة، وبالتنافر بين الطريق والهدف. ثمة حالات تاريخية عديدة فشلت فيها الخيارات، بسبب قصور الوسائل التي استخدمت لتحقيقها، أو عجزها عن خدمة أهداف ليس لها القدرة اللازمة لتنفيذها.

برزت مشكلة الخيارات والوسائل، خلال الثورة السورية بصورة واضحة، فقد اختار النظام القضاء على الثورة بالقوة العسكرية، إلا أن قوته لم تكن كافية لتحقيق هدفه، أو أنه استخدم ما كان متوفراً له من قوة بطرق فاشلة حالت دون تنفيذ خياره.

بدورها، جعلت الثورة خيارها القضاء على النظام وإخراج بشار الأسد من السلطة، بيد أن وسائلها لم تمكنها من بلوغ هدفها، وتحقيق خيارها، لذلك بدا التناقض جلياً بين خيارها ووسائلها، التي لم تشمل فقط وسائل التنفيذ المادية كالسلاح، بل طالت أيضاً الأساليب القتالية والخطط العسكرية والبنى التنظيمية، وسواها من المكونات والعناصر التي تجعل الوسائل حاسمة الأهمية في أي صراع.

وجعلت بعض الاستراتيجيين يعتبرونها اكثر أهمية من الخيارات، بالنظر إلى أن هذه لا تتجسد بصورة مادية ملموسة إلا عبر الوسائل، التي تترجمها إلى واقع ينشد صاحب الخيارات إقامته، ويرتبط تحقيقه بما سبق قوله حول القدرة على بلوغ درجة معينة من التوافق بين خياراته ووسائله اللازمة لتحقيقها.

في المقابل واجهت القوى، التي تدخلت في الشأن السوري مشكلة الهوة، التي لم تتمكن من جسرها بين خياراتها ووسائلها، حدث هذا لإيران، وكذلك لروسيا، رغم أن الأولى استخدمت كل ما تمتلكه من وسائل وأدوات كي تبقي النظام الأسدي تابعاً لها، بينما لجأت الثانية إلى وسائل جبارة، غير أنها لم تمكنها طيلة عام وشهرين من تحقيق ما تريده في سوريا، بسبب عجزها عن كسر مقاومة شعبها.

تمتلك الثورة السورية خيارات تتفق وقيم الحق والخير، بينما تعتبر خيارات النظام وحلفائه الإيرانيون والروس ظالمة ومعادية لحق الشعوب والأفراد في الحرية والعدالة.

في هذه النقطة، يكمن تفوق خيار الثورة ووسائلها على خيار الأسد وداعميه ووسائلهم، لكن هذا لا يجوز أن يدفعنا إلى تجاهل السلوك الأسدي لبعض من يحسبون أنفسهم على الثورة من إرهابيين وأمراء حرب، وإلى التعامي عن وسائلهم، التي تقوض تفوقها الأخلاقي، لذا، من الحيوي أن تحول الثورة دون تضارب وسائلها إلى الحد الذي صار يهدد بتدمير خياراتها، إن كانت لا تزال راغبة في مقاومة جيش النظام ومرتزقة إيران وعسكر روسيا.

ومؤمنة بحتمية تطهير صفوفها من أعدائها، الذين تتعارض خياراتهم ووسائلهم مع خيارات الثورة، وتؤسس لازدواجية قاتلة فيها، لن يبقى لديها بسببها أية خيارات حرة ووسائل أخلاقية، بخاصة بعد أن أخذت تضع تنظيماتها في مواجهة عنيفة بعضها ضد بعض، مثلما يحدث في بعض المواقع.

حيث يقتتل فصيلان يزعم كلاهما تبني خيارات الثورة، واتباع نهجها واستخدام وسائلها، والدفاع عن قضيتها المقدسة، لكن مزاعمهما لم تكن كافية إلى اليوم لجسر خلافاتهما وإنجاح مصالحة بينهما توقف تربص أحدهما بالآخر.

وتنقذ الغوطة الشرقية من سقوط متتال أطاح بقسم كبير من مناطقها المحررة، ومكن النظام من اختراقها بعمق في أكثر من موقع، وبدد قسماً كبيراً من قواهما في قتال إخوة أعداء، نسوا خيار الثورة، واستبدلوا الحرية بخيار نقيض هو: قضاء أحدهما على أخيه الذي صار عدوه.

فشلت ثورات وحروب كثيرة بسبب التضارب بين خياراتها ووسائلها، أو تضارب خيارات ووسائل القوى المنخرطة فيها، أو حتى تضارب وسائلها. ويهدد تضارب الخيارات والوسائل ثورتنا اليوم كما لم يهددها أي شيء آخر، ومن الضروري التصدي لهذه المشكلة، لأن انتصارنا قد يكمن في التخلص منها.

========================

آستانة: لقاء الضعفاء على حساب الدم السوري .. أنور البني

الحياة

السبت 14/1/2017

منذ انتهت معركة حلب بدأت روسيا بمحاولة استثمار نتيجة هذه الحرب، عبر تحويلها إلى مردود سياسي من خلال الاجتماع الثلاثي مع كل من تركيا وإيران، ودعوتها إلى مؤتمر حوار بين النظام والمعارضة (بما فيها المعارضة المسلحة) في مدينة آستانة، بمشاركة تركيا وإيران. ومنذ ذلك الوقت، تجري ترتيبات ولقاءات وحوارات كثيرة بين المدعوين إلى المؤتمر تمهيداً له، لتصدر تباعاً من كل طرف تأويلات مختلفة للقاء آستانة، ودوره، والنتائج المرجوة منه، بينما تأمل الجهة المبادرة (روسيا) بأن يكون الخطوة الأولى نحو حل سياسي يساهم في تكريسها قوة عالمية، وتثبيت نفوذها في سورية.

ما هو ملاحظ بهذا الوضع أن صاحب المبادرة (روسيا) لم يعلن عن نقاط الحوار، أو المسائل التي ستُناقش في هذا اللقاء. وليس من الواضح إن كانت روسيا لم تفعل لأنها لم تضع الباقين في انتظار استخلاصها الأنسب من الحوارات الجارية، أم لأنها لا تريد أن تترك للأطراف مجالاً للمناورة قبل اللقاء. فليس واضحاً إن كان اللقاء تثبيتاً للهدنة (التي لم تصمد حتى الآن، وما زالت الأطراف المدعومة من روسيا تمعن في خرقها ليل نهار) ووضع آلية لمراقبتها، أو أنه سيتطرق الى مجمل القضية ويضع أجندة للعملية السياسية اللاحقة. كذلك لم يُعلن، حتى الآن، عن الأطراف التي يمكن أن تشارك في هذا اللقاء، حيث ما زال هناك غموض كبير حول الأطراف المحلية والإقليمية والدولية التي ستُدعى، وتكثر التصريحات الروسية التي تتمنى، أو تقترح، أو تؤكد، مشاركة الأمم المتحدة وأميركا والسعودية ومصر وقطر وغيرها، من دون أن يُصرح، حتى الآن، عن توجيه دعوة رسمية الى أي طرف.

وهو ما يبعث على الاعتقاد بأن لقاء آستانة لقاء الضعفاء الذين يحاولون الاستقواء بآستانة لتحسين مواقعهم، أكثر من كونه يهدف إلى وضع المسألة السورية على مسار الحل. وبالتالي، الاعتقاد بأنه لن يكون هناك أي تطور على صعيد الوضع السوري مع هذا اللقاء إن حصل.

فروسيا الضعيفة التي غرقت بالحرب في سورية أساساً لتحسين وضعها الدولي، تحاول الإمساك بهذا اللقاء كورقة قوة تجذب إليها اهتمام أميركا وأوروبا لإعادة الاعتبار إليها كلاعب دولي كبير، وعلى أمل بدء محادثات جادة معها حول الأوضاع في العالم، خصوصاً الوضع في أوكرانيا، ودول أوروبا الشرقية، وعلى أمل رفع العقوبات عنها. لكن الغرب ما زال يتجاهلها، ويمدد العقوبات، ويتمدد عسكرياً في شرق أوروبا، ويرفض الدخول في حوار سياسي معها حول أوكرانيا وشرق أوروبا ما لم تنصَع للمطالب الغربية بالانسحاب من القرم وأوكرانيا. وهو قلل من أهمية ما تفعل حين لجأت الى مجلس الأمن لأخذ شرعية دولية لاتفاق الهدنة، حيث صدر القرار الأممي بعدم تبني الهدنة من قبله وإنما اكتفى القرار بأخذ العلم بها، أي أنه لم يعط الشرعية الدولية لاتفاق الهدنة التي فرضتها روسيا. لذلك فروسيا في حاجة الى هذا اللقاء، على أمل أن تحسّن وضعها مقابل الغرب، أو، في الحد الأدنى، أن تظهر قوتها على الأطراف الإقليمية وتحسّن وضعها الإقليمي.

أما تركيا، فخذلتها أميركا وأوروبا وتركتاها وحيدة تواجه روسيا وإيران، ووضعها الداخلي يتّجه الى الهشاشة بعد الانقلاب العسكري الفاشل وتراجع الليرة وازدياد نفوذ الأكراد في منطقة الشريط الحدودي في سورية، وازدياد الهجمات الإرهابية على أراضيها، أكان من حزب العمال الكردستاني أو من «الدولة الإسلامية». وتجد تركيا في هذا اللقاء ما يرجع إليها دورها القوي المؤثر ويجنبها مزيداً من الخسائر عبر الاستقواء بالأطراف الإقليمية تجاه الغرب وأميركا.

وتترقب إيران ما ستأتي به الإدارة الأميركية الجديدة تجاهها، وتجاه روسيا، والمنطقة. فلقاء آستانة فرصة لتبقى محمية مترقبة ما هو آتٍ، وتحديداً أن ما صدر عن الرئيس المنتخب دونالد ترامب يوحي بأن إدارته ستحاول أن لا تواجه تناقضات المصالح بينها وبين روسيا في الملف السوري، بل أن تسايرها وتنخرط معها عبر الاعتماد عليها.

وتبحث المعارضة السورية بشقّيها السياسي والعسكري الضعيف، والذي لم يجد حقيقة من يمد له يد المساعدة الكافية، بخاصة بعد خسارة حلب وموجة التمدد العسكري للنظام في ريف دمشق عبر الحسم العسكري أو ما يسمى المصالحات، عن أي مكان يمكن أن يقدم ضمانات حقيقية لوقف القتل والدمار في سورية، مع الفوز بشرعية ما.

والنظام السوري في حاجة الى هذا اللقاء ليبقى ضمن اللعبة ويحفظ موطئ قدم تحسباً لما هو مقبل. فهو لا يعرف بالضبط أين تتجه به المقادير، ومن سيمسك بدفة سفينته في النهاية، أكانت روسيا التي يمكن أن تفاوض عليه وتبيعه لمصالحها الكبرى مع أميركا وأوروبا مقابل مصالحها في أوكرانيا وشرق أوروبا، أو إيران التي يمكن في النهاية أن تخسر الحرب كلها وتنحسر إلى داخلها وتتركه وحيداً بعد أن يفشل مشروعها في التمدد (تحديدا إذا اجتمع ضد مشروعها كل من أميركا وروسيا والغرب وتركيا والخليج وفق ما تنبئ به سياسة الإدارة الأميركية الجديدة).

ختاماً، يبقى الكثير من الأسئلة معلقاً مثل: هل يمكن روسيا وإيران وتركيا، مع اختلاف مصالح كل منها في ما خص سورية، فيما هي جزء من المشكلة، وتقاتل على الأرض، أن تكون جزءاً من الحل؟ ومن سيرعى هذا الحل ويضمنه؟

لقاء آستانة إن تم هو لقاء الضعفاء الذين لا يملكون الآن سوى الاستقواء بلقائهم غير المبني على أسس متينة، ما يرجّح أن يكون حوار طرشان. وللأسف، ذلك كله تقطيع للوقت على حساب دم السوريين ومعاناتهم، وعلى حساب تدمير سورية.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com