العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-10-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الثورة السورية

رضوان زيادة

الحياة

الخميس 18/10/2018

من الضروري تحقيب الثورة السورية إلى خمس مراحل رئيسية وفقاً لطبيعة وتصنيف انتهاكات حقوق الإنسان ووفقاً للفاعلين ومرتكبي هذه الانتهاكات، فقد مرّت الثورة السياسية بخمس مراحل رئيسيّة. أوّلها مرحلة سلميّة شهدت خروج المظاهرات مطالبة برحيل الرئيس بشار الأسد وإدخال تغييرات جذرية على شكل النظام السياسي بما فيها انتخابات رئاسية وبرلمانية وتغيير الدستور الحالي لعام 2012 نحو دستور ديمقراطي يسمح بالتعددية السياسية والحزبية، إلّا أنّ هذه المظاهرات تمّ التعامل معها منذ الأسبوع الثاني من شهر نيسان (أبريل) 2011 من قبل النّظام وفقا لسياسة “Shoot to kill policy”، «إطلاق النار ليس بهدف تفريق المتظاهرين وإنما بهدف قتلهم» والذي سعى من خلال هذه السياسة إلى قتل أكبر عدد من المتظاهرين بغاية ترهيبهم. ولذلك كانت كل الإصابات في القلب والرأس حسب تقرير توثيقي قامت بها منظمة «هيومن رايتس واتش». كما تمّ تسجيل مقتل أكثر من 6300 ناشط سلمي خلال الفترة الممتدّة من آذار(مارس) 2011 إلى أيلول (سبتمبر) 2011 وذلك من أجل إخماد الثورة السّوريّة نهائيّا.

أدّى ذلك إلى تحرّك المنظمات الدولية وخاصّة جامعة الدّول العربية في محاولة لإيجاد حل سياسي عبر إرسال المراقبين لإقناع النّظام بالتخلّي عن قتل المتظاهرين بالرصاص الحيّ والسماح بالمظاهرات السلمية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

المرحلة الثانية كانت مرحلة تحول الثورة السورية إلى العنف، وهو ما أصبح يطلق عليه البعض بالثورة المسلحة حيث لعبت عوامل عدة في تحول الثورة السورية السلمية إلى ثورة مسلّحة. أوّلا، اندلاع الثورة الليبيّة وانتشار السلاح وتدخل ال»ناتو» الذي تفاءل به السوريون ليساعدهم على إطاحة نظام بشار الأسد. ثانياً، ارتفاع عدد القتلى من المتظاهرين السلميين وعدد المعتقلين وكل من لهم علاقة بالنشاط السلمي ومنع النظام الجرحى من العلاج وأبرز هذ الحالات كان قتل الناشط غياث مطر صاحب فكرة تقديم الورود خلال المظاهرات إلى الأجهزة الأمنيّة كرسالة سلام للنظام، وتعذيب الطفل حمزة الخطيب وتامر الشرعي وغيرهم. ثالثاً حجم التعذيب الممارس ضد الناشطين السلميين داخل السجون السورية والتي أدت إلى مقتل الكثير منهم تحت التعذيب. هذه العوامل دفعت السوريين إلى التسلّح في أواخر عام 2011.

المرحلة الثالثة وهي مرحلة العسكرة الكاملة للثورة السورية عبر تزايد الانشقاقات الفرديّة والأفقيّة عن الجيش السوري. كما أنها تميزت على المستوى الدّولي، عبر تدخل كل من روسيا والصين في كل المنابر الدولية بما فيها مجلس الأمن الدولي من أجل حماية نظام الأسد حيث استخدمت روسيا الفيتو 13 مرة داخل مجلس الأمن لمنع أي إدانة للنظام السوري. وهو ما أعطى ضوءاً أخضر للنظام السوري أنه تحت شكل ما من أشكال الحماية الدولية شجعته على استخدام سلاح الجو. فمن تموز (يوليو) 2012 وحتى اليوم استخدم النظام السوري سلاح الجو وخاصة البراميل المتفجرة (عبارة عن صندوق حديدي توضع داخله قطع من الحديد وكمية كبيرة من مادة شديدة الانفجار وتبلغ تكلفته من 8 إلى 10 دولارات) عبر إلقائها في شكل عشوائي وهو ما يعتبر في القانون الدولي الإنساني الدولي جريمة حرب.

أمّا المرحلة الرابعة فهي مرحلة استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيماويّة. فمقابل صمود المعارضة وتمكّنها من تحرير بعض المناطق في الشمال السوري وريف دمشق. استخدم النظام السلاح الكيماوي 31 مرّة. فقد سقط في الغوطة الشرقية في آب (أغسطس) 2013 ما يفوق 1400 شخص بينهم 400 طفل في أوسع عملية لاستخدام السلاح الكيماوي. حيث أطلق النظام السوري 7 صواريخ محملة برؤوس كيماويّة على منطقة يقطنها مدنيون بالكامل في الغوطة الشرقية وبحدود الساعة الثانية صباحاً، ما ضاعف عدد القتلى نتيجة استخدام هذا السلاح الكيماوي.

أمّا المرحلة الخامسة والأخيرة من الثورة السورية فهي في أيلول (سبتمبر) 2015. مع بداية التدخل العسكري الروسي لمصلحة النظام بهدف سحق المعارضة المسلحة في شكل نهائي، مهما كانت تكلفة ذلك على المدنيين كما بدى ذلك واضحاً في العملية العسكرية التي قادتها روسيا في حلب في كانون الأول (ديسمبر) 2016 ثم في الغوطة الشرقية في عام 2017 وقد صرّح وزير الدفاع الروسي بوجود 63 ألف جندي روسي على الأراضي السوريّة.

كانت الحرب متوازنة تقريباً بين النظام والمعارضة، إلّا أنّ موازين القوى انقلبت عند التدخّل الروسي. فتمّت السيطرة على شرق حلب من قبل الميليشيات الإيرانيّة التي انتهجت سياسة لا فرق في القتل بين المدنيين والعسكريين مثلها مثل روسيا. فانسحب ما يقارب 35 ألف من المدنيين السوريون حفاظاً على أرواحهم. وقد لجأ معظمهم اليوم إلى تركيا الذي يتواجد فيها ما يفوق عن 4 مليون لاجئ سوري. وتكرّر السيناريو ذاته في كثير من المناطق مثل حمص ودرعا وإدلب. ونتيجة هذه الفوضى، تكوّن «داعش» عام 2013 الذي كان يقاتل المعارضة السورية ويسيطر على المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة من أجل الانتشار والسيطرة على أكبر مساحة من الأراضي في سورية والعراق مع تطبيق نظام حكم قروسطي، في منتهى الانتهاك لحقوق المرأة والطفل في شكل خاص ومن دون أي احترام للحقوق الأساسية والسياسية منها في شكل خاص.

ومع بدء «داعش» إعدام عدد من الصحفيين الغربيين والسيطرة على الموصل في العراق تحرك التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركيّة للقضاء على التنظيم من دون اكتراث لما يحصل في الأرض السورية، حيث استمر نظام الأسد باستهداف المدنيين وقتلهم بكل أنواع الأسلحة التقليدية.

لقد انتهت سورية التي نعرفها ونتيجة الحرب انخفض عدد السكان من 23 مليوناً عام 2011 إلى 15 مليون ساكن فقط. والرؤية الوحيدة لما يسمى الحل السياسي في سورية هو اتّفاق جنيف الذي توصّل إليه الأمين العامّ السابق للأمم المتحدة كوفي عنان في 2011، والذي يقوم على تشكيل حكومة انتقالية مشكّلة من قبل النظام والمعارضة ولهما حق الفيتو المتبادل وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والسماح بالتظاهرات السلميّة والتخلي عن الأسلحة الثقيلة في المدن. غير أنّ ما حدث خلال السنوات السبع الأخيرة كان عكس ذلك تماماً. حيث أصبحت سورية ساحة لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يومياً وفق تعبير لجنة التحقيق الدولية المستقلة.

* كاتب سوري

==========================

موقفنا : والعدل في الأرض ...

زهير سالم

20/ 10 / 2018

مركز الشرق العربي

مرّ على التاريخ الإنساني عهود كثيرة من التوحش والبدائية والظلم . في البدايات كان الظلم فرديا " قابيل يقتل هابيل " ومع نشوء أشكال السلطة الأسرية والقبلية بدأ التأسيس للتخويف وللظلم المنظمين . كان مفهوم السلطة يعني أن يخاف المعتدي الظالم ولكنه لم يطبق كذلك في كل الأوقات ؛ بل تحول دائما مع المتغلبين أصحاب الجور والعسف إلى أن يخاف من يجب أن يأمن ..

ثم أصبح التوحش والظلم يعبران عن مفهوميهما على خلفيات مكانية أو عائلية أو عشائرية أو اعتقادية . في مصر الفرعونية مثلا نشبت معركة بين بقايا أبناء يعقوب الذين جاؤوا مصر في عهد يوسف وبين الفراعنة ، وظهر سيدنا موسى النبي لينقذ المظلومين . في اليمن كانت حكاية ذي نواس اليهودي وأصحاب الأخدود من المؤمنين بالسيد المسيح . من قبل كان النمرود وسيدنا إبراهيم . لم تكن خلفيات الصراع بين الظالم والمظلوم دائما دينية ..فتقتيل الأبناء ( الرجال لكي لا يكونوا محاربين معارضين ) واستحياء النساء ( البنات ليكن مادة للخدمة والمتعة ) ظل وما زال سياسة للظالمين حتى أيام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان . وحتى في عهد هذه المواثيق وعهود رؤساء مثل أوباما وترامب وأولاند وماكرون ظل ( الاغتصاب ) هو الطريقة المفضلة والمقرة عمليا لعقاب النساء المشتغلات في الشأن العام ..

أزعم أن المسكونة - والمسكونة تعبير مسيحي كهنوتي - لم تشهد من التوحش والظلم وتعميم الخوف والتخويف - والتخويف هو المعبر الحقيقي عن مفهوم الإرهاب - مثلما هي عليه في هذا الزمان البئيس ، الزمان الذي يقول فيه المتسلط الكبير لعميله : يا حيوان على رؤوس الناس ، ثم لا يمنعه ذلك من استمرار استئجاره ..

لم تشهد المسكونة عهدا عمت فيه سياسات التوحش والظلم والتخويف والخوف كما هو عليه الحال في عصرنا هذا وعن الربع الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين للميلاد أتحدث ؛ وذلك بسببين

:الأول هذا التصحر الذي أصاب النفوس البشرية ، والذي نشأ عن اعتقاد الناس أن واحدهم وليد صدفة عابرة ، وأن الحياة ظرف متاح للاستحواذ والمتعة . وأن الله قد مات - نيتشة - وأنه بموت الله قد أصبح كل شيء مباحا - ديستوفيسكي - وأن القيم الأخلاقية مثل العدل والظلم والصدق والكذب مجرد قيم برجوازية مهترئة قررها المستضعفون ليدارو بها ضعفهم ، ويضحكوا بها على أنفسهم - ماركس - .

خطر هذا التصحر وهذا الخواء لا يتجلى في نفوس كريهة موحشة مثل نفس بشار الأسد والسيسي وحسن نصر الله وقاسم سليماني فقط بل يتعدى هؤلاء إلى نفوس أصحابها أكثر نفوذا وهيمنة وأكثر خواء وتصحرا مثل بوتين ونظرائه والذين ما زلنا نسمع ونرى منهم المدلهمات على المستويين النظري والعملي .

لقد تابعنا عبر القرآن الكريم حوارات النمرود مع سيدنا إبراهيم ، وحوارات فرعون مع موسى وأخيه ، وحوارات كل الأقوام الضالين مع رسلهم فلم نسمع واحدا من هؤلاء يتكلم بالغطرسة والفجاجة التي يتكلم بها هؤلاء ، ولم نر طاغية يفعل بأعدائه ما يفعله العالم أجمع ممثلا ببوتين وترامب في سجون بشار الأسد ، التي وثق روايتها الشاهد الموثوق الذي فضحهم قبل أن يفضح عميلهم . الأمر الوحيد الذي لم يتهم فيه بوتين وترامب الإرهابيين ، هو ما يجري في السجون السورية على أيدي وكيلهم فيها بشار الأسد ..

والسبب الثاني لانتشار التوحش والظلم وتعميمه وتعميقه وتجذره ..

هو طول أظافر هذا الظلم والفجور وامتداد قرون استشعاره ، عبر الأدوات التطورات التقنية الحديثة . فهؤلاء الظالمون اليوم يتابعون الإنسان المظلوم إن قام وإن قعد وإن تكلم وإن صمت . يحصون عليه أنفاسه ، ويحاسبونه على مشاعره ..في هذا العصر - عصر حقوق الإنسان أقصد - يعرفك الظالم يعرف مدخلك ومخرجك ، ومقامك ومقعدك ، يعرفك بأناملك العشر وببصمة عينك وبنبرة صوتك . يحسب لك من خلال بطاقتك البنكية من أين اشتريت ، وماذا اشتريت ، وكم أنفقت على طعامك أو على لباسك .. . يعرفك أيها المظلوم ويتغافل عن كل ما لشريكه في الظلم ، حتى حين ، لذلك تسمعونه اليوم ينادي : الصفقة ..الصفقة ..المهم الصفقة ، 110 مليارات وليذهب الإنسان وحقوقه وكل خرافات الكتبة إلى الجحيم . كل ذلك لتتحقق سنة الله في الظالمين (( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )).

فكرة تراودني في فهم القرآن الكريم هي أن بعض آيات القرآن الكريم يأتي تأويلها في زمن بعد زمن . وأن هذه الآيات تظل مثل الكنز المتلألئ المخبوء يمر بها الناس فيبهرهم لألاؤها حتى يأتي تأويلها فيفهمون بكل الحق والجد معناها ..

وأن من هذه الآيات قوله تعالى (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )).

وها هم الناس بعض ثمرات فسادهم يذوقون ..

ـــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

بدايات جديدة: السوريون يتلمّسون الطريق 

وائل السوّاح

سوريا تي في

الاربعاء 17/10/2018

لقد سارعت الحكومة السورية مع تحول الأحداث في سورية إلى أحداث دموية مؤسفة إلى طرد الصحافيين الأجانب واعتقلت بعضهم وضيقت على المراسلين المحليين لوكالات الأنباء والصحف والفضائيات العربية والدولية، بحيث صار الوصول إلى المعلومة صعبا للغاية.

بالمقابل، راحت وسائل الإعلام السورية الحكومية وشبه الحكومية تصور حركات الاحتجاج وكأنها حركات غوغاء يقوم بها مندسون ومتآمرون وسلفيون، إلخ. عندها تنادى النشطاء السوريون، وجلُّهم من الشباب غير المسيَّس، إلى ضرورة ملئ الفراغ الذي خلفه غياب وسائل الإعلام العربية والدولية. فبدأت شبكات من الشباب المنتشرين على الميدان في كل المحافظات بالحصول على المعلومات عن طريق المصادر الأولية، وتصوير الأعمال الاحتجاجية، وتبادل الأخبار فيما بينها، ومن ثم إيصالها إلى وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

لقد بدأت التنسيقيات السورية بالوجود. ومع مرور الأيام والأسابيع، بدأ حجم الأخبار والفيديوهات يتزايد بحيث صار من المستحيل تداولها وتبادلها من دون تنسيق عال، ومن دون وجود غرفة أخبار مركزية، وهو ما تم من خلال تأسيس غرفة أخبار (newsroom) على سكايب، Skype، تم من خلالها جمع كل الأخبار وكليبات الفيديو، ويقوم عليها فريق عمل متطوع، بدأ يكتسب خبراته كل يوم وكل ساعة. ولكن غرفة الأخبار لوحدها لم تعد كافية، وبات من الضروري وجود مكان إعلامي، تقوم هذه المجموعات بنشر ما تحصل عليه من أخبار وصور ومقاطع فيديو، فظهرت الحاجة إلى تأسيس صفحات على الإنترنت، وخاصة صفحات على الموقع التواصلي الأوسع والأكثر انتشارا: فيسبوك.

لقد انتشرت الحركات الاحتجاجية عبر البلاد، وكانت في مجملها حركات سلمية، تحدد مطالبها بالحرية والكرامة والوحدة الوطنية. ولكن رغم أن الجزء الأعظم من الحراك كان سلميا، كان بعض النشاز يظهر في الممارسات التي يقوم بها بعض المحتجين هنا وهناك. فقد تم حرق بعض المؤسسات الحكومية واعتدي أحيانا على بعض موظفي الحكومة ورجال الأمن. ولم تكن قوى المعارضة السورية التقليدية قد بدأت تفيق بعد من مفاجأة الثورة السورية، ولا هي غدت قادرة على متابعة التطورات المتسارعة وأخْذِ مواقف سياسية وأخلاقية مما يجري على الأرض.

ومن هنا، بدأت فكرة تشكيل إطار سياسي للناشطين الشباب الذين لم يكونوا، كما أسلفنا، مسيَّسين في معظمهم. فماذا يكون هذا الإطار وأي اسم يختار؟ كان على الناشطين الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية قبل اختيار شكل الإطار واسمه. السؤال الأول: هل نريد تشكيل حزب سياسي؟ لقد كانت الإجابة السريعة والحاسمة: لا، فالأحزاب موجودة، ولن يكون إضافة حزب جديد مكسبا فعليا للحراك الثوري. هم إذن لا يريدون حزبا ولا تنظيما صارما. البديل كان إذن: اللجان. السؤال الثاني كان: ما هو الهدف الرئيس لهذه اللجان؟ والجواب جاء بعد نقاش: التنسيق بين القوى الثورية على الأرض. فاستقرت مجموعة من الناشطين على اسم "لجان التنسيق." أما إضافة صفة "المحلية" فكان لأن هذه اللجان تنسق بين النشاطات التي يقوم بها ناشطو الحراك الثوري على الأرض في مناطق محلية شتى في سورية، ولكنه أيضا جاء ردا على اتهامات الإعلام الرسمي للناشطين السوريين بأنهم ينفذون مؤامرة خارجية ويتلقون تعليمات من الخارج. وولدت لجان التنسيق المحلية في 22 نيسان/ابريل، 2011.

 التنسيقيات

وواقع الحال أن لجان التنسيق أو "التنسيقيات" كما يسميها السوريون عموما وجدت كحل عملي لفقدان وسائل الاتصال والإعلام والتنسيق بين شتى الناشطين على امتداد الأرض السورية. وتكاد لا تخلو مدينة أو بلدة أو قرية من تنسيقية واحدة على الأقل، وكلما كبرت البلدة ازداد عدد التنسيقيات. وقد توجد التنسيقيات وفق الأحياء أو المناطق أو المهن أو الانتماءات النقابية. أما الهيئات الكبرى التي تجمع ما بين هذه التنسيقيات فأهمها ثلاث هيئات: لجان التنسيق المحلية التي نأخذها كنموذج، واتحاد تنسيقيات الثورة السورية، والمجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية.

ويعرف الباحث والناشط حسان عباس التنسيقيات بأنها "تجمعات حرة من الشباب التقوا بفضل صداقاتهم السابقة للتظاهرات أو بفعل تواجدهم في نفس المنطقة. وتتكون التنسيقية من عدد من المتطوعين الذين يتقاسمون العمل حسب مهاراتهم بدءا من اختيار الاسم الذي ستقوم تحته مظاهرات يوم الجمعة وكتابة اللافتات وتحضير الشعارات وانتهاء بتنظيم عمليات التصوير ونقلها إلى الوسائل الإعلامية العالمية. وتختلف بنية كل تنسيقية عن الأخرى باختلاف المنطقة المتواجدة فيها، فهي تضم شبابا علمانيين من الجنسين في منطقة، وتضم متدينين في منطقة ثانية، ونشطاء سياسيين في ثالثة، الخ."  وتمثل هذه التنسيقيات الشكل الأكثر تنظيما للحراك. حيث شكلت النوى المنظَّمة التي استطاع المجتمع من خلالها توفير الخدمات والاحتياجات اللازمة لبقاء الحراك على قيد الحياة.

المعارضة السورية

في سورية، ينتمي كلا السلطة والمعارضة إلى الجذور الاجتماعية والفكرية ذاتها. وهما، متكاملان، يشكلان جزءا مما يسمى بحركة التحرر الوطني التي ندين لها بالتغيير القسري للمجرى الطبيعي للتاريخ في العديد من الدول الآسيوية والأفريقية، والتي تقبع الآن، مصادفة، في أسفل السلم الحضاري والاقتصادي العالمي.

تعود السلطة السورية، في جذورها التاريخية على الأقل، إلى البنية الاجتماعية التي نشأت عليها المعارضة. فهي ترجع إلى الفئات الريفية التي تعلمت وهاجرت إلى المدينة، فالتحمت مع مثقفي الطبقة الوسطى المدينية الذين كانوا يبحثون عن حلول اجتماعية لمشاكلهم الروحية؛ ولقد وجدوا تلك الحلول، وهم الذين درسوا في فرنسا ودولا أوروبية أخرى، في النظريات التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك، والتي يمكن جمعها في مجموعتين نظريتين إحداهما قومية، والأخرى هي النظريات الاشتراكية بتلويناتها المختلفة من فوضوية وبلانكية وسانسيمونية وكونتية وأهم من ذلك كله، ماركسية. وإنما من هاتين المجموعتين العريضتين، المنفصلتين أحيانا والمتداخلتين أحيانا، نشأت الحركات السياسية التي شكلت حركة التحرر الوطني والتي تقاسمت منذ نهاية الخمسينات ومطلع الستينات مقاعد السلطة والمعارضة.

وبقليل من التمحيص، نستطيع أن نعيد أحزاب السلطة والمعارضة كليهما إلى حزبين اثنين هما حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوري. وتتوزع هذه الأحزاب، بالتساوي تقريبا، بين الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة والمعارضة. وهي تتشارك الأيديولوجيا نفسها والبرنامج السياسي ذاته.

وحينما فاجأ الحراك الثوري السوري المعارضة السورية، كانت تعيش واقعا مزريا

وحينما فاجأ الحراك الثوري السوري المعارضة السورية، كانت تعيش واقعا مزريا. وكانت تنقسم ما بين إعلان دمشق الذي كان يعاني من صعوبات حقيقية بسبب ملاحقة السلطة المستمرة لأعضائه وقياداته من جنب، وبسبب الانشقاقات المستمرة التي تجري بين صفوفه وبين القوى والتنظيمات القومية والماركسية التي خرجت من إعلان دمشق بعد خسارتها في الانتخابات الداخلية فيه. لقد عقد إعلان دمشق مؤتمره الوطني في شهر كانون الأول/ديسمبر، 2007. وشهد المؤتمر خلافات كبيرة أدت إلى فوز التيار الليبرالي داخل التيار بقيادة رياض الترك ورياض سيف وهزيمة التيارات القومية والماركسية بقيادة حسن عبد العظيم وعبد العزيز الخير. وكان أن أعلنت القوى القومية واليسارية خروجها من الإعلان أو تجميد عضويتها فيه.

وقد سارعت السلطات السورية إلى اعتقال أهم قادة الإعلان وسجنهم لمدة ثلاثين شهرا. وكانت النتيجة إضعافا متزايدا للإعلان وقوى المعارضة. وعندما خرج هؤلاء القادة، استقال بعضهم، ومنهم رئيس هيئة الأمانة رياض سيف، من مهامه في الإعلان، مما أسهم أيضا في مزيد من الإضعاف له. وقد فاجأ الحراك السوري إعلان دمشق وهو في هذه الحالة.

أما القوى القومية واليسارية، فقد كانت منشغلة بترتيب بيتها الداخلي وبعقد اجتماع لإحياء تحالف قديم أسس في العام 1979 تحت اسم "التجمع الوطني الديمقراطي" وبث الحياة فيه من أجل مواجه الإعلان، أكثر ما هو من أجل مواجهة النظام، ولكن تلك المحاولات كانت أشبه بالنفخ في قربة مثقوبة.

 في خضم السياسية

ومن هنا، وجد الناشطون السوريون أنفسهم بدون آباء شرعيين لنشاطهم السياسي، ومن دون تنظيم أو تحالف أو برنامج سياسي يستندون إليه. وقد كان ذلك مبررا قويا لشباب لجان التنسيق المحلية للبدء بتطوير موقف سياسي يدعم التحركات الثورية للسوريين ويؤسس سندا سياسيا لمطالبهم. 

ولسوف تدخل الحركة الثورية السورية منعطفا جديدا مع صدور أول بيان للجان التنسيق المحلية يحدد المطالب الأساسية لحراك السوريين. فقد استيقظ السوريون صبيحة يوم 22 نيسان/ابريل ليجدوا أمامهم بيانا موقعا من عدد ممن أسموا أنفسهم لجان تنسيق محلية في عدد من المدن والبلدات السورية بلغ عددها أربع عشرة لجنة أهمها لجان درعا وحمص وبانياس ودمشق وريف دمشق.

وذكر البيان الذي نشر تحت اسم "بيان عن لجان التنسيق المحلية في سوريا" أنه غدا من الضروري أن "نوضح بشكل لا لبس فيه المطالب التي نرجوها من وراء ثورتنا هذه، منعا للالتباس وكي لا يتم الالتفاف على مطالبنا سواء من قبل السلطة ومناوراتها أو بعض من يحاول التحدث باسمنا عبر وسائل الإعلام المختلفة." ثم حدد المطالب كما يلي: وقف استخدام القتل و الاعتقال التعذيب والعنف ضد المتظاهرين السلميين؛ تحمل الدولة السورية لمسؤوليتها عما حصل و تقديم اعتذار رسمي بهذا الخصوص، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة المجتمع المدني مهمتها كشف ملابسات الأحداث الأليمة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم؛ حل الأجهزة الأمنية الحالية والاستعاضة عنها بجهاز أمني محدد الصلاحيات وفقا لقانون واضح؛ الإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي و السجناء السياسيين في سورية؛ إنجاز التعديلات الدستورية التي تفسح بالمجال أمام التحول الديمقراطي وتكريس سوريا كدولة مدنية وبما يحترم التعدد القومي والاثني والديني في البلاد، بما فيها إلغاء المادة 8 من الدستور و تحديد مدة و عدد الدورات لرئيس الجمهورية وحصرها بدورتين غير قابلة للتجديد أو التمديد و توسيع سلطات مجلس الشعب؛ احترام الدستور للتنوع الثقافي والعرقي في سورية وضمان الحقوق الثقافية والقومية لكافة مكونات و أشكال النسيج الوطني السوري ووقف كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو الدين؛ تأسيس هيئة وطنية سورية للإنصاف والمصالحة وفقا لمعايير العدالة في المرحلة الانتقالية و ذلك بهدف إزالة كافة بؤر الاحتقان من المجتمع السوري و طي صفحة الماضي إلى الأبد؛ وإصدار قانون جديد للإعلام يضمن الحريات الصحفية وفقا للمعايير الدولية.

ولسوف يرى السوريون أن حراكهم الثوري قد بدأ يلبس لبوسا جديدا. فعندما نشرت لجان التنسيق المحلية بيانها المطلبي هذا لم يكن قد صدر عن أية هيئة سورية سياسية أو مدنية أو ثقافية أي بيان محدد بهذا الشكل. ولا بد من ملاحظة أن البيان كان يتخوف من “الالتفاف" على مطالب الحراك سواء من قبل السلطة أم من بعض من كان يحاول ركوب الموجة و"التحدث باسمنا".

كما لا بد من ملاحظة أن هذا البيان، ورغم صدوره عن مجموعة من الشباب غير السياسي، كان مصاغا بلغة سياسية دقيقة إلى حد بعيد، مركزا على أولوية وقف الحل الأمني، ومنتبها إلى أهمية روح المصالحة الوطنية من خلال إعلان حداد وطني عام من أجل "جميع" الضحايا في سورية "من مدنيين وعسكريين." ولكنه لم يقف عند هذا الحد بوقف القتل والاعتقال وإطلاق سراح المعتقلين، بل طالب، أبعد من ذلك، بإصلاحات تأسيسية حقيقية من مثل حل الأجهزة الأمنية الحالية والاستعاضة عنها بجهاز أمني محدد الصلاحيات وفقا لقانون واضح، وإنجاز التعديلات الدستورية التي تفسح بالمجال أمام التحول الديمقراطي وتكريس سوريا كدولة مدنية وبما يحترم التعدد القومي والاثني والديني في البلاد. وانتبه إلى أن ذلك لا يتم من دون "تعديل قوانين الانتخاب الخاصة بمجلس الشعب والمجالس البلدية بالشكل الذي تسمح به بإيصال صوت الناخبين الحر ووضع إراداتهم وخياراتهم الحرة موضع التنفيذ." كما تنبه موقعو البيان إلى أن ذلك كله يفترض تأسيسا وسائل إعلام حرة ومنفتحة وقانونا جديدا لهذا الإعلام.

هذه المطالب ستغدو المطالب الرئيسة التي ستتبناها بعد هذا التاريخ جهات سياسية عديدة تقليدية وجديدة

ولسوف يلاحظ المراقب السياسي والباحث أن هذه المطالب ستغدو المطالب الرئيسة التي ستتبناها بعد هذا التاريخ جهات سياسية عديدة تقليدية وجديدة. وسنعثر على هذه المطالب نفسها في معظم البيانات التي سيصدرها السياسيون التقليديون، ليس فقط في المعارضة التقليدية من مثل إعلان دمشق والتجمع الوطني الديمقراطي وهيئة التنسيق الوطني والقوى السياسية الكردية، بل وأيضا في الاتجاهات السياسية شبه الموالية للنظام من مثل بعض القوى الشيوعية والقوميين السوريين وبعض الذين خرجوا من عباءة النظام وأسسوا مبادرات سياسية، من مثل النائب محمد حبش والوزير السابق محمد سلمان.

لقد نقل بيان اللجان الحركة الثورية السورية من مرحلة العمل على الأرض إلى مرحلة العمل السياسي الموازي، ولسوف يرى العديد من القوى السياسية والأفراد الذين لهم تاريخ سياسي معروف أن عليهم أن يتحركوا بسرعة إذا كانوا يريدون أن يلحقوا بركب الحراك الثوري الذي كان يتطور على الأرض بمتوالية هندسية بينما كان تطور السياسيين يسير بمتوالية حسابية بسيطة.

==========================

واشنطن وموسكو على صفيح ساخن

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 17/10/2018

شكّل إسقاط طائرة التجسّس الروسية (إيل 20) ومقتل طاقم العمل، 15ضابطا، يوم 17 سبتمبر/ أيلول الماضي لحظة كاشفة لواقع العلاقات الأميركية الروسية، حيث تواترت التصريحات والمواقف التصعيدية من كلا الطرفين.

كشفت التعليقات الروسية على الحادث توجهاً روسياً تصعيديا عبّر عنه يوري شفيتكن، نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما، بقوله "على الطائرات الأجنبية العسكرية التي تعبر الحدود السورية بنيات غير واضحة، ألا تشعر بقدرتها على الإفلات من العقاب، يجب أن تدرك من الآن أنه يمكن ضربها في أي لحظة، وأنها ستكون عرضة للهجوم إذا كان هناك تهديد لقواتنا. سيكون هذا أحد العوامل الرادعة للنشاط الإجرامي من الدول التي تشن هجمات على سورية أو تخطط للقيام بذلك"، وإبلاغها إسرائيل "أن مهاجمة أهداف في سورية أمر يتعارض مع مصالحها في المنطقة"، وتسريبها مؤشراتٍ على توجه روسي إلى تعزيز التعاون مع طهران في سورية، لجهة غضّ النظر عن تعزيز الوجود العسكري الإيراني في بعض المناطق، بحسب مصدر عسكري روسي، تحدث إلى صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا، وإعلانها، ردا على الموقف الأميركي من برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، حق إيران السيادي في تطوير قدراتها الصاروخية، وتعهدها لإيران بتوفير حماية جوية لمواقعها الإستراتيجية في سورية، وتقديم 

"ارتبط التصعيد الروسي بتحرّكات ومواقف أميركية تصعيدية، أعلنها صقور الإدارة" مظلة دفاع جوي لها، ما يُعد نكثاً بالتعهدات التي التزم بها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يوم 11 يوليو/ تموز، وللرئيس الأميركي في قمة هلسنكي يوم 16 يوليو/ تموز، وإيقاف الاستخبارات العسكرية الروسية خطة كانت أعدّتها لمكافحة الأنشطة الإيرانية عبر إرسال وحداتٍ من القوات الخاصة البرية من "لواء العمق" لشن عمليات نوعية سرّية ضد شخصيات ومراكز قيادة ومنشآت استخباراتية إيرانية؛ والتزام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرئيس الإيراني حسن روحاني يوم 7 سبتمبر/ أيلول بوضع الإمكانات الروسية تحت تصرف إيران، لمساعدتها في مواجهة العقوبات الأميركية التي ستدخل حيز التنفيذ في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وقرارها الأخير تسليم النظام السوري بطاريات صواريخ إس - 300، وإنشاء نظام إدارة موحّدة لقوى الدفاع الجوي ووسائله في جميع أنحاء سورية؛ بما في ذلك وسائل الحرب الإلكترونية، ووسائل إطلاق النار؛ بإنشاء نقطة قيادة مركزية موحّدة، سيتعرف جيش النظام من خلالها على الهدف. وفي الوقت نفسه، سيتأكّد الروس من هوية الطائرات المغيرة، ويؤكّدون لقوات النظام لمن تعود، لخصمٍ أو لصديق، ونشر أجهزة تشويش كهرومغناطيسية على طول الساحل السوري في شرق المتوسط، أجهزة متطوّرة قادرة على تعطيل كل أنظمة التحكّم في الطائرات والسفن الحربية والأقمار الاصطناعية؛ كما التشويش على الاتصالات بتردّدات على الموجات القصيرة والتردّدات العالية. كانت قد حشدت قوة عسكرية كبيرة قبالة الساحل السوري (26 سفينة، وغواصتان و34 طائرة، حاملات الصواريخ الإستراتيجية "تو - 160" وطائرات مكافحة الغواصات "تو - 142" و"إيل - 38"، إضافة إلى مقاتلات "سو-33" و"سو- 30")، وأجرت مناوراتٍ بالذخيرة الحية استمرت أكثر من أسبوع، أبقت على هذا الحشد البحري حاجز صد أمام السفن الأميركية والإسرائيلية والبريطانية والفرنسية التي تتخذ مواقع هجومية قبالة السواحل السورية، وشنّت حملة إعلامية وتصريحات نارية ضد الوجود الأميركي في سورية؛ غير الشرعي بنظرها، وانتقاد دورها شرق الفرات واتهامها بالعمل على تشكيل دويلة كردية هناك، والدخول في مغامرة خطيرة في كردستان العراق، عبر اللعب على فكرة ما يسمّى كردستان الكبرى، وفق تصريح وزير الخارجية، سيرغي لافروف. هذا بالإضافة إلى تراجعها عن تنفيذ التفاهمات التي توصلت إليها مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بخصوص اللجنة الدستورية السورية؛ عبر اشتراط موافقة النظام السوري على قائمة ممثلي المجتمع المدني، وتأييد طلبه الحصول على رئاسة اللجنة وأغلبية الثلثين فيها.

ارتبط التصعيد الروسي بتحرّكات ومواقف أميركية تصعيدية، أعلنها صقور الإدارة (مستشار الأمن القومي جون بولتون، وزير الخارجية مايك بومبيو، ممثل الولايات المتحدة الخاص في سورية جيمس جيفري) وجنرالات البنتاغون (وزير الدفاع جيمس ماتيس، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة جوزيف دانفورد، قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزيف فوتيل)، ردا على الاستعدادات الروسية لشن عملية عسكرية في محافظة إدلب، ارتفعت حدّتها بعد إعلان روسيا عن نيتها تسليم صواريخ إس 300 للنظام السوري (بولتون: القرار "خطأ فادح"؛ ويهدّد بـ "تصعيد خطير" في المنطقة، بومبيو: توريد روسيا منظومة "إس 300" للدفاع الجوي إلى سورية "تصعيد خطير"، فوتيل: تسليم المنظومة "رد غير محسوب")، وشروع القوات الأميركية في إنشاء قاعدة جوية في منطقة الشدادي في محافظة الحسكة، واتخاذ المدمرة الأميركية "يو أس أس سوليفان" وقاذفة القنابل البحرية الإستراتيجية "بي 1- بي"، والسفينتين الحربيتين "يو إس إن إس كارسون سيتي"، و"سان أنطونيو"؛ مواقع هجومية في البحر المتوسط والخليج العربي، وتعزيز القدرات التسليحية للقوات الأميركية في شمال شرق سورية (أسلحة ثقيلة ورادارات ثابتة ومحمولة)، والحديث عن توجه أميركي لإحياء التحالف الثلاثي (الفرنسي- البريطاني-الأميركي) لتوجيه ضربةٍ ثلاثيةٍ جديدةٍ ضد النظام وحلفائه الإيرانيين. كانت حرباً كلامية واستخباراتية قد دارت بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث أشعر الروس القوات الأميركية خطياً يوم 6 سبتمبر/ أيلول بأنهم سينفذون ضرباتٍ دقيقة ضد "الإرهابيين في التنف" التي تعتبر منطقة "عدم تصادم"، ما دفع بالقيادة العسكرية الأميركية للتأكيد على أنها لن تتردد في "استخدام القوة للدفاع عن قواتنا وعن قوات التحالف أو قوات شركائنا كما برهنا على ذلك في حوادث سابقة"، وأعلن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد يوم 9 سبتمبر/ أيلول "أن إرسال قوات مشاة البحرية (المارينز) للقيام بمناورات بالذخيرة الحية يعتبر رسالة لكل من يعتقد أن قاعدة التنف هدف سهل"، واقتراب مجموعة من السفن الحربية الغربية، وفي مقدمها: فرقاطة "دي رويتر" التابعة للبحرية الهولندية، والمدمرات الأميركية "كارني" و"روس" و"ونستون تشرشل" 

"توقع صدام عسكري بين روسيا وأميركا، مباشر أو عبر وكلاء" المزوّدة بصواريخ توماهوك، وغواصة "تاينت" النووية البريطانية المزودة كذلك بصواريخ توماهوك، وثلاث غواصات نووية أميركية، إضافةً لسفينة ماونت ويتني القيادية التابعة للأسطول السادس الأميركي، يوم 16 سبتمبر/ أيلول؛ من الحدود السورية البحرية، في رسالة تحذير وردع لروسيا، وتسريب معلومات عن قيام البنتاغون بتطوير سيناريوهات عسكرية في سورية، من ضمنها استهداف سلاحي الجو والقوات الخاصة الأميركية والإسرائيلية العمود الفقري للقدرات العسكرية الإيرانية في سورية، وتوجيه ضربات موضعية للأذرع الخارجية للحرس الثوري، وفي مقدمتها "فيلق القدس" و"الباسيج"، ونحو 21 مليشيا شيعية عراقية وأفغانية وباكستانية، بما في ذلك "حزب الله" اللبناني، وتعهد الولايات المتحدة بتوفير مظلة دفاع جوي أميركي للغارات الإسرائيلية في عمق الأراضي السورية، وخصوصا التي تتم بالقرب من الحدود العراقية والتركية، أو المهام التي يتم تنفيذها ضد الأهداف الموالية لطهران في العراق، كما تعهدت الولايات المتحدة بوضع قواتها البرية في المنطقة على أهبة الاستعداد، تحسباً لأي تصعيد يمكن أن ينتج عن عمليات القصف الجوي، وفق اتفاق جون بولتون ــ بنيامين نتنياهو في شهر أغسطس/ آب الماضي، وتهديد المندوبة الأميركية لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) كاي بايلي هاتشيسون بتوجيه ضربة عسكرية لتدمير نظام صواريخ متوسطة المدى مخالف للاتفاقات المعقودة بين البلدين حول الحد من التسلح النووي تقوم موسكو بتطويره سرا. هذا إلى جانب تحرك سياسي ودبلوماسي على عدة محاور: التحرّك في الأمم المتحدة لتثبيت ربط إعادة الإعمار بالانتقال السياسي، تشكيل جبهة دولية للتصدي للهجمات السيبرانية الروسية في ضوء هجماتها ضد الولايات المتحدة الأميركية ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والتحرّك لإقامة "تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي" (ميسا)، يضم الولايات المتحدة والكويت والسعودية والإمارات وقطر وعُمان والبحرين ومصر والأردن، بحيث يغطي عمله مناطق الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك المعابر المائية الثلاثة التي تربط هذه المساحات المائية، وهي مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، لمراقبة الملاحة وتهريب الأسلحة، من جهة، وتشكيل قوة برية يمكن أن تنتشر إلى جانب القوات الأميركية في منطقة شرق الفرات، من جهة ثانية، وتفعيل القانون الفيدرالي المسمّى "مواجهة أعداء أميركا من خلال قانون العقوبات" بفرض عقوبات على كل دولة تشتري أسلحة من روسيا. ما دفع محللين إلى توقع صدام عسكري بين الجانبين، مباشر أو عبر وكلاء، صدام يوتّر الأجواء ويخلط الأوراق، تمهيدا لتفاهماتٍ جديدة.

==========================

لا بد من ولادة وطن

يحيى العريضي

سوريا تي في

الثلاثاء 16/10/2018

لم يولد في أمريكا؛ أمضى فقط بضع سنين، وحصل على جنسية ذلك البلد؛ أصابته عدوى العبارة المشبِعة للروح؛ والتي تقول "I am an American" /أنا أمريكي/. الآن يمكنه استعارة هذه العبارة وإطلاقها بتلذذ ولكن بحسرة شديدة، لأن رغبته الأساس كانت إطلاق عبارة: "I am Syrian" بفخر، ولكنه حُرم من ذلك.

الآن، وبعد أن مُنِح تلك الصفة البشرية الحقوقية الجديدة، مثله مثل أي مواطن يعتز بنفسه، ببلده، بدستوره، بأمنه، بسيادة بلده، وباحترام حقوقه. قالها /أنا أمريكي/ وغصّ. فجأة تذكّر مسقط رأسه، دمشق. رافق الذكرى أغنية /أنا سوري، آه، يا نيالي/. وقعت كلماتها كالسياط على ظهره العاري في أقبية مخابرات بلده. كان كبل كهرباء رفيعاً؛ لا تزال الندبات ظاهرة على جلد ظهره.

ولا أحد يدري كيف تستقيم الحكاية الروسية الأسدية بتحرير البلد من نصف سكانه وتدمير نصفه

دستور أمريكا منحه جنسية ذلك البلد؛ ودستور مسقط رأسه حرمه المواطنة حيث رأى النور. والآن، يسعى المحتل الروسي لمسقط رأسه أن يعيده إلى حضن مخابرات مسقط الرأس كي يقول العالم إن الحاكم ومخابراته يعيدون الأمان إلى البلد بعد تحريره من الإرهاب. ولا أحد يدري كيف تستقيم الحكاية الروسية الأسدية بتحرير البلد من نصف سكانه وتدمير نصفه؛ والآن يريدون هؤلاء "الإرهابيين والخونة والعملاء والمندسين" أن يعودوا.

يفتح جواز سفره الجديد، فيقرأ: " أساطيل هذا البلد تتحرك، إذا أصاب حامل هذا الجواز مكروها أو اعتدى عليه أحد"؛ ويتذكر أن النظام حيث وُلد استدعى أساطيل روسيا حتى يعتدي عليه ويهينه ويحافظ على ممتهن كرامته.

يستمع إلى تسجيل صوتي لـ "سيد" بلده الأم يتحدث عن السيادة؛ ويتابع في الأخبار أن عشرات الدول تستبيح سماء بلده الأم وأرضه.

النظام من جانبه يريد عودة نوع معين من السوريين؛ تحديداً أولئك الذين لا يخلّون بالانسجام الذي بشّر به رئيس ما كان بلده

حال إياد تماما كحال أكثر من عشرة ملايين سوري طلبوا جرعة من أوكسجين الحرية فكانت مواجهتهم بجرعات كيماوية وبارود ونابالم. وروسيا وصهر الجنرال عون - رئيس محمية لبنان الإيرانية- يريدون إعادة اللاجئين. النظام من جانبه يريد عودة نوع معين من السوريين؛ تحديداً أولئك الذين لا يخلّون بالانسجام الذي بشّر به رئيس ما كان بلده.

إياد لن يسكت ولن تسكن روحه حتى يرى مسقط الرأس وقد عاد إلى ما أراد عام 2011.

يريد سورية حرة ديمقراطية، وطناً لكل سوري، وطناً لا استبداد فيه ولا إرهاب ولا جيوش احتلال ولا ملالي خبث تسحب العالم قروناً إلى الخلف المظلم الظالم.

إياد وملايين السوريين - رغم وجع الوطن وآلام الغربة- يتعلمون اللغات؛ يغتسلون بماء الحرية، بالعقل النقدي الوقاد، بألق الحضارة، بمعرفة الحق والواجب؛ إنهم يتذوقون معنى أن تكون مواطنا. هؤلاء سيعودون ويعيدون بناء الوطن الذي يستحقهم ويستحقونه.

==========================

التنين الصيني والفريسة السورية

سلام الكواكبي

سوريا تي في

الثلاثاء 16/10/2018

يطيب لبعض المتطرفين أوروبيا من اليمين ومن اليسار، دعوة دولهم إلى إسراع القبول بصفقة إعادة الإعمار الروسية والانخراط في مسارها. هؤلاء هم حلفاء في موقفهم من الملف السوري. وهم يلتقون بشدة على دعم استمرار الانتهاكات بحق السوريين والسوريات تحت حجج واهية ومتنوعة، تذهب من حماية الأقليات يميناً مروراً بنظرية المؤامرة الغالية على الشعبويين، ووصولاً إلى مقارعة "الامبريالية" المُتخيلة يساراً.

وفي كل محفل برلماني يجمع ممثلوهم الداخلون حديثاً إلى أكثر من مجلس نواب أوروبي في ظل صعود اليمين المتطرف المُصاحب لصعود الشعبوية من كل الاتجاهات، لا يتردد ممثلو هذه التيارات من أن يكرروا على مسامع محاوريهم أو سامعيهم عبارات التودد لموسكو فلاديمير بوتين وإيران علي خامنئي. وفي مرحلة قريبة، صارت الصين تظهر أكثر فأكثر وضوحاً في تصريحاتهم السياسية كصاحبة مشروع إنمائي حضاري جبار يتمثل بـ "طريق الحرير الجديد" المزمع تنفيذه بأحدث وسائط التكنولوجيا.

الصين إذاً، صاحبة النظام الديكتاتوري الأمني من جهة، والتنين الاقتصادي الذي لا يتوقف عن النمو والازدهار من جهة أخرى

الصين إذاً، صاحبة النظام الديكتاتوري الأمني من جهة، والتنين الاقتصادي الذي لا يتوقف عن النمو والازدهار من جهة أخرى، صارت اليوم مضرب الأمثلة لدى كثيرين في مدى القدرة على اتباع نهجها الاقتصادي والوصول إلى معدلات النمو المحققة لديها. فأهل اليمين يعتبرون بأن الشيوعية المركانتيلية القائمة في بكين تنافس أعتى الرأسماليات الغربية في تحررها من كل قيد اجتماعي أو من احترامها لأي حق عمالي. وبالتالي، فمرونة الأعمال مشجعة وجاذبة وهي مثال يجب أن يُحتذى به بعيداً عن أية قيم أو مبادئ. وأهل اليسار يرون في الصين نجاح العلاقة غير الشرعية بين التحرر الاقتصادي وبقاء حزب شيوعي أصم على سدة الحكم.

أما مسألة حقوق الناس والانتهاكات التي يتعرض لها المعارضون أو التجاوزات غير الإنسانية التي يخضع لها العمال في ورشات التصنيع، فهي مسألة تحتمل وجهات النظر. فلربما يعتقد البعض بأن الحديث عنها والإشارة إليها هو تضخيم تقوم به أجهزة الإعلام الغربي "المغرضة" لمحاولة تشويه سمعة هذا التنين الذي لا يُخرج من فمه ناراً إلا تجاه شعبه، وأما لسانه، فهو يلتقط كل ما لذّ وطاب من ثروات وموارد الشعوب الأخرى حصيلة استثمارات مدروسة في مواقع عدة تمتد من شرق آسيا مروراً بإفريقيا ووصولا إلى اللاتيني من أميركا.

احتفل الإعلام الروسي بشكل مسبق باحتمال دخول التنين هذا إلى سوق إعادة الإعمار المادي في سوريا في ظل عجز روسيا المفلسة وإيران الأكثر إفلاساً عن تمويله، كما في ظل تردد الغرب الأوروبي بسبب عدم حصول الانتقال السياسي والمساومة الأميركية على انسحاب ايران من سوريا كشرطٍ وحيد لخوض هذه المغامرة. وقد عنونت قناة "آر تي" الروسية مقالاً افتتاحياً لموقعها بالتالي: "دخول التنين، الدور الأساسي للصين لاكتساب السلام في سوريا".

وبما أن هذه الوسيلة الإعلامية الروسية، هي انعكاس شبه مؤكد لرغبات الكرملين، فيبدو أن هذا المقال هو رسالة واضحة لدعوة الصين إلى المساهمة في عملية إعادة الإعمار لتحقيق "السلام" في الربوع السورية المدمرة. وهي أيضاً رسالة روسية واضحة الهدف إلى الأوروبيين المترددين والأميركيين الشارطين، فحواها أننا لن ننتظر تراجعكم وسنسعى إلى الحليف الغني المتلهف لاستثمارات جديدة في الشرق الأوسط.

رهان موسكو على الصين إذاً يهدف، إضافة إلى إنقاذ روسيا من ورطتها الاقتصادية على أقل تقدير، إلى أن يخسر الغربيون آخر ورقة ضغط يمكن لهم أن يتداولونها فيما يتعلق بالملف السوري وهي وضع اليد في المحفظة وإخراج المال لإعادة الإعمار.

ولجذب بكين، يتحدث الإعلام الروسي عن وجود أكثر من خمسة آلاف مقاتل أيغوري إلى جانب العناصر الإرهابية التابعة للقاعدة أو لداعش

ولجذب بكين، يتحدث الإعلام الروسي عن وجود أكثر من خمسة آلاف مقاتل أيغوري (وهي أقلية مسلمة مضطهدة من الصين) إلى جانب العناصر الإرهابية التابعة للقاعدة أو لداعش. وبذلك، فالاهتمام الصيني "الإنساني" بهذا المكون المسلم في مجتمعها لا يجب أن يكتفي بوضعهم في معسكرات اعتقال وإعادة "تكوين" على أراضيه، إنما يجب على بكين أن تلحق بمن تسرب منهم إلى أرض "الجهاد" وتقضي عليه. ولن يتم ذلك إلا بالانخراط في الحرب السورية إلى جانب روسيا وإيران، وفي عملية إعادة الإعمار لاحقاً.

الدعم الدبلوماسي الصيني للنظام السوري قائم في كل المحافل الدولية، كما أنه لا يُمكن التشكيك بوجود دعم عسكري متناسب مع الانغماس في قضايا المنطقة بشكل نسبي. ولكن يبقى الرهان على انخراط بكين في عملية إعادة الإعمار واستثمار البلايين من الدولارات فيها هو رهان غير موفق، لأن الصين، ورغم طموحاتها السياسية المعلنة، إلا أنها تُدير استثماراتها بحيث أن يكون في صلب أعينها الربح والمردود المتناسب مع حجمها. وفي ظل غياب دولة القانون والافتقاد لوجود قضاء، على الأقل تجاري ومالي، عادل ومستقل، فلا يمكن لعاقل مهما تشيطن أن يستثمر أموالاً يعرف بأن منظومة الفساد ستأكل نصفها إن لم يكن أكثر.

في الأشهر الأخيرة، منحت بكين الحكومة السورية عطاءً وقدره عشرون مليون دولار، وهذا ما يمكن للسياسة الصينية أن تكرره بعيداً عن الأرقام الكبيرة التي لن تخرجها من محفظتها للمشاركة الفعلية والفعالة في عملية إعادة الإعمار كما تريد موسكو. التنين الصيني يدعم سياسياً الديكتاتوريات ولكنه قبل كل شيء يُفكر بالعوائد.

==========================

فشل الأمم المتحدة في سوريا

د.رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 16/10/2018

لقد ناقش مجلس الأمن الدولي الموضوع السوري في عام 2017 أكثر من 33 مرة - فهو الموضوع الأكثر تكراراً - في المشاورات غير الرسمية. ومنذ عام 2012، اعتمد المجلس 23 قراراً أممياً بشأن سوريا أو متعلقاً بشكل كبير بسوريا. كما واستخدمت روسيا حق النقض الفيتو 13 مرة لقرارات تتعلق بسوريا تمنع فيها إدانة النظام السوري أو السماح لمحكمة الجنايات الدولية في التحقيق في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا.

أما الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث لا وجود لحق النقض الفيتو فقد أصدرت أكثر من سبعة قرارات بشأن حقوق الإنسان في سوريا، وهذا بحد ذاته حدث نادر للغاية حيث تتحفظ دول العالم على إدانة بعضها البعض سياسياً في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة بيد أن فظاعة انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في سوريا منذ عام 2011 جعل دول العالم تتحدث بصوت واحد ضد هذه الانتهاكات، ففي 19 من كانون الأول/ديسمبر 2011 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 133 صوتاً على القرار 66/176 بعنوان "حالة حقوق الإنسان في الجمهورية العربية السورية" حيث أدان بشدة "مواصلة السلطات السورية انتهاك حقوق الإنسان على نحو خطير ومنهجي، من قبيل الإعدام التعسفي والاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين والمدافعين عن حقوق الإنسان واضطهادهم وقتلهم والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء معاملة المحتجزين، بمن فيهم الأطفال".

تتحفظ دول العالم على إدانة بعضها البعض سياسياً في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة بيد أن فظاعة انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في سوريا منذ عام 2011 جعل دول العالم تتحدث بصوت واحد ضد هذه الانتهاكات

ثم صعدت الجمعية العامة للأمم المتحدة من لهجة قرارها رقم 67/183 الصادر في 20 من كانون الأول/ديسمبر 2012 بأغلبية 135 دولة حيث أدان القرار "مواصلة السلطات السورية وميليشيات ’’الشبيحة‘‘ الموالية للحكومة انتهاك حقوق الإنسان والحريات الأساسية بشكل خطير منهجي واسع النطاق، من قبيل استخدام الأسلحة الثقيلة والقصف الجوي واستخدام القوة ضد المدنيين والمذابح وعمليات الإعدام التعسفي والقتل خارج نطاق القضاء وقتل المتظاهرين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين واضطهادهم والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والحيلولة دون الحصول على العلاج الطبي والتعذيب والعنف الجنسي وسوء معاملة الأشخاص، بمن فيهم الأطفال".

وأضاف القرار إدانة نظام الأسد سياساته اتجاه الأزمة الإنسانية التي بدأت بالتصاعد في سوريا عبر مطالبة السلطات السورية " أن تنفذ على الفور وبصورة تامة خطة الإغاثة الإنسانية المتفق عليها، بوسائل منها ضمان وصول العاملين في مجال تقديم المساعدة الإنسانية فورا على نحو آمن وتام دون عوائق إلى جميع السكان الذين هم بحاجة إلى المساعدة، وبخاصة المدنيين الذين هم بحاجة إلى الإجلاء، وإيصال المساعدة والخدمات الإنسانية على نحو آمن وتام دون عوائق إلى المدنيين المتضررين"، بالطبع لم يتحقق شيء من ذلك أبداً حيث بدأت السلطات السورية بتطبيق خطة منهجية في "الحصار" ضد كل المناطق التي تصنف أنها "معارضة" في معاقبة صريحة لكل المدنيين الذين كانوا يقطنون في هذه المناطق فوصل عدد الأشخاص الذين طبقت عليهم سياسة الحصار أكثر من مليون و300 ألف شخص وفقاً لقرار مجلس الأمن 2268.

قرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الخاصة بسوريا، إذ يبلغ عددها 25 قراراً بدءاً من أول قرار صدر عن المجلس في نيسان/أبريل2011

لن ندخل في تفاصيل أكثر فيما يتعلق بقرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الخاصة بسوريا، إذ يبلغ عددها 25 قراراً بدءاً من أول قرار صدر عن المجلس في نيسان/أبريل2011 والذي أدان "بشكل قاطع استخدام السلطات السورية العنف القاتل ضد المحتجين المسالمين وإعاقة الوصول إلى العلاج الطبي" وطالب الحكومة السورية "بالإفراج الفوري عن "سجناء الرأي وعن الأشخاص المحتجزين بصورة تعسفية" وطالب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بتشكيل لجنة تقصٍ للحقائق تقدم تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان في اجتماعه القادم" ، طبعا لم تسمح السلطات السورية لها بالدخول أبداً إلى الأراضي السورية، بعدها قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف بناء على تقرير لجنة التحقيق الذي أقر "بارتكاب السلطات السورية وأفراد القوات العسكرية والأمنية انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان في أماكن مختلفة من الجمهورية العربية السورية منذ آذار/مارس 2011 وهي انتهاكات يمكن أن تشكل جرائم ضد الإنسانية" وبعدها قرر مجلس حقوق الإنسان تشكيل لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي ما زال يرأسها البرازيلي بنييرو والتي أصدرت إلى اليوم ما يفوق عن 12 تقريراً توثق فيها لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا.

برغم كل ذلك لم يجد أيٌّ من قرارات مجلس الأمن خاصة الخاصة بالانتقال السياسي 2254 أو تلك القرارات الخاصة بوضع حقوق الإنسان طريقها إلى التنفيذ في سوريا، إن ذلك يكشف حجم الفشل الأممي في سوريا ويتطلب على المبعوث الأممي أن يراجع حصيلة الأمم المتحدة وفشلها السياسي المطلق في سوريا، حيث إن استراتيجية النظام في تغيير الوقائع على الأرض عبر الإبادة والقتل المستمر حولت هذه القرارات إلى قرارات لا معنى لها، وربما تصبح سابقة في تحدي الدول لقرارات الأمم المتحدة لأنها لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

==========================

السلطة الأبدية تفرض الطاعة أو المقاومة

راتب شعبو

العربي الجديد

الثلاثاء 16/10/2018

يدرك أي سوري يعتبر نفسه موالياً لسلطة الأسد اليوم، أو في أي يوم سابق، أنه يوالي سلطة وليس نهجاً أو خطة أو خياراً سياسياً تمثله هذه السلطة، فهو يدرك جيداً أنه لا يستطيع أن يكون معارضاً لهذه السلطة، إذا ما غيرت نهجها في لحظة معينة، إلى نهج قد يراه خاطئاً أو حتى مدمراً، ولا يستطيع أن يتمايز سياسياً عن السلطة بأي مقدار، من دون أن يغامر بانهيار حياته إلى حدود الجحيم، بصرف النظر عن كل تاريخه "الموالي" السابق. الموالاة إذن هي إما تسليم من دون نقد (حال الغالبية الشعبية الموالية)، أو قبول من دون قناعة (حال الموالين المثقفين)، وفي الحالين يشكل الخوف أساس الموالاة لهذه السلطة.

على هذه الحال، تكون الموالاة هي الطاعة، والطاعة هي القبول بما لا تقتنع به، لأن الطاعة القائمة على القناعة ليست حقيقية، فأنت في هذه الحالة تطيع رؤيتك للأمور ولا تطيع السلطة، هذه طاعة داخلية، أما الطاعة الحقيقية فهي مفروضة من الخارج، هي خضوع واع لسلطة، وهذه الطاعة تسهل كثيراً على السلطة مهمة إقناع المحكومين للحصول على ولائهم. على أن الجمهور الواسع يخضع للسلطة من دون استعداد نقدي، وكنوع من العادة، كما لو أن السلطة قوة طبيعية لا تستطيع ردّها، ولا معنى لمعارضتها.

ويدرك أي سوري موال اليوم، أو في أي يوم سابق، أن السلطة التي يواليها تنظر إلى نفسها على أنها "أبدية"، أي أنه يدرك أن السلطة السياسية (محور الصراع السياسي) تقع خارج 

"الموالي للسلطة الأسدية ينبغي أن يكون موالياً أبدياً بما يواكب أبدية السلطة" مجال الصراع السياسي السلمي بين موالاة ومعارضة، فهي معطى "أبدي". لا رجاء لمعارضةٍ في أن تكسب مساحة أكبر في الوعي العام، وأن تمارس بفعل ذلك تأثيراً على السلطة من خارج السلطة، أو أن تصل ربما إلى السلطة بآليةٍ سلميةٍ ما. لا سبيل مشروعاً إلى تغيير السلطة الأبدية التي تغلق بدأب كل الأبواب دون ذلك. عليك أن تواليها، كما هي وكيفما كانت سياستها وكيفما تبدّلت، فتسلم من عدائها المباشر، أو أن تعارضها فتصبح عدواً ليس للسلطة السياسية فقط، بل للدولة ككل. أو بعبارة أصح، تصبح الدولة كلها، بكل إمكاناتها الأمنية والاقتصادية والقانوية.. إلخ، معادية لك إذا ما تحولت يوماً عن الولاء للسلطة التي تستعمر الدولة وتستوطنها.

في منظور السلطات الأبدية التي تشكل سلطة الأسد نموذجاً مدرسياً عنها، صوابية الخط أو القرار السياسي ليست مستقلة عن الجهة التي يصدر عنها الخط أو القرار، لا يكون الولاء للخط السياسي أو القرار مستقلاً عن الجهة التي تتبناه أو تصدره، الولاء للخط أو للسياسة ناقص، لأنه ينطوي على إمكانية التحول عن الولاء إذا ما تغير الخط أو السياسة. الولاء الحقيقي أو الكامل يكون للسلطة الأبدية. بمعنى أن ما يصدر عن السلطة هو الصواب، أو قل لا يصدر عن السلطة سوى الصواب. لا يوجد مقياس خارجي لقياس صوابية نهج أو قرارات السلطة الأبدية، ولا يخضع نهجها أو قراراتها لاختبار الزمن، ولا تنقض صحتها ما يترتب عليها من نتائج. السلطة الأبدية هي منبع الصوابية (أي هي منبع الوطنية، وخدمة مصالح الشعب، ومصالح الأمة، والتحرير، وهي قلعة معاداة الإمبريالية.. إلخ). مقياس الصواب السياسي هو مصدره. ينتج عن هذا أن ما يصدر عن "الغير" في الداخل يقع تلقائياً خارج الصواب، وفق منظور السلطة الأبدية. وأي قبول في طرح صادر عن "الغير" يعني القبول بـ"الغير" ومعاداة السلطة، ويضع الشخص في خانة "الأعداء". ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إن أي محاولة للاطلاع على ما يطرحه "الغير" تنطوي على تشكيكٍ في صوابية ما تطرحه السلطة الأبدية، وتحيل الشخص تلقائياً إلى خانة "الأعداء" أيضاً. كانت سجون سلطة الأسد الأبدية مليئةً بشبابٍ جريمتهم "قراءة جريدة" حزب معارض.

لا وجود في تصوّرات السلطة الأبدية لمفهوم التنوع السياسي، ولا معنى له. هناك فقط صواب تمثله السلطة وخطأ يمثله "الغير". هناك مصدر للصواب والوطنية.. إلخ، هو (أنا) السلطة الأبدية، ومصدر للانحراف والتخريب والخيانة هو كل (آخر) لا يوالي السلطة الأبدية.

هذه النظرة تعني أن الموالي للسلطة الأسدية ينبغي أن يكون موالياً أبدياً بما يواكب أبدية السلطة. وتعني أنه لا مكان لمعارضة في منظومة المفاهيم الخاصة (البارادايم) بهذه السلطات الأبدية. لا يُفهم من القول المعارض، بحسب هذه السلطات، اقتراحاً سياسياً مختلفاً أو رؤية مختلفة من منظور مصالح مختلفة.. إلخ، فالمعارضة هي ببساطة خروج عن الصواب الذي تفرزه السلطة الأبدية "كما تفرز الكبد الصفراء". كما من طبيعة الكبد أن تفرز الصفراء، كذلك من طبيعة السلطة الأبدية أن تفرز الصواب السياسي.

يسقط، وفق هذا المنظور الحاكم، كل معنى للنقاش أو الحوار أو الجدال مع الآخر الداخلي. نقاش جماعة السلطة الأبدية مع الآخر الداخلي، إن حدث، هو نمط جديد من علم الكلام الذي لا يبحث عن حقيقة، بل يستخدم فنون الكلام لإثبات حقيقته الجاهزة سلفاً، والتي تشكل الحقيقة النهائية، وهذه الحقيقة هي صوابية السلطة الأبدية. وبالقياس، فإن علم السياسة، وفق منطق هذه السلطات وفهمها لذاتها ولعلاقتها بالمجتمع، يتحوّل إلى علم الاحتفاظ بالسلطة وسد الثغرات التي يمكن أن تهب منها رياح التغيير، وبكل الوسائل الممكنة. علم السياسة، على هذا، يتحوّل إلى ما يمكن تسميته علم السلطة.

ما سبق يفسر تراجع سلطة الوريث في سورية عن شعار "الإصلاح والتطوير" الذي تبنته في بداية عهدها (عام 2000)، وسرعان ما عدّلته، بناء على عِلم السلطة، إلى "التحديث والتطوير" لأن كلمة "الإصلاح" تنطوي على معنىً يفيد بأن السلطة الأبدية السابقة "سلطة الأب المورث"، كانت على خطأ أو اعوجاج يحتاج إلى إصلاح، وهذا يتناقض مباشرةً مع "المعصومية" التي هي في صميم فكرة "الأبدية".

معصومية دائمة عن الخطأ، وديمومة لا نهائية، في هذا، كما هو واضح، نوع صريح من

"كانت سجون سلطة الأسد الأبدية مليئةً بشبابٍ جريمتهم "قراءة جريدة" حزب معارض" تقديس السلطة. المنطق الأسدي هذا يصل آلياً إلى أن تعي السلطة ذاتها على أنها تحوز فعلاً الحق بمعاقبة أو إلغاء "العصاة" أو "الكفرة"، (وليس المعارضين)، لأنه لا وجود لفكرة المعارضة في تصورات السلطة الأبدية.

وعي السلطة نفسها على هذه الصورة، يرسم فاصلاً نوعياً بينها وبين الشعب الذي يبدو، والحال هذه، مجرد موضوع هيمنة وحكم. وفي المقابل، سوف تبدو السلطة بالنسبة للشعب موضوع تقديس أو كفر. الشعارات التي واظب "الموالون" على ترديدها، تحمل بوضوح أثر هذا الفارق النوعي المكرس، "تأليه" السلطة في مقابل تفاهة "الشعب" وصغر شأنه. بدءاً من الاستعداد للتضحية (بالروح والدم)، إلى ترديد شعاراتٍ غير معقولة (إلى الأبد) أو (الأسد أو لا أحد)، وكأن الهدف من فرض ترداد هذه الشعارات، على لا معقوليتها، نوع من إذلال الناس، وجعلهم يهتفون هراء عقلياً. وصولاً إلى درجةٍ سفلى في الانحطاط العقلي، ودرجة عليا في الاغترار السلطوي، بالمطالبة بإزاحة الله عن مكانه، لكي يجلس الأسد محله.

على هذا، فإن معارضة "السلطة الأبدية" تكون عملاً أقرب إلى المقاومة منه إلى المعارضة السياسية. لا محل للعمل المعارض في منظومة مفاهيم السلطة الأبدية، ولا محل حتى للعمل السياسي المستقل. كل عمل معارض أو مستقل سيواجَه بالقمع، فإما أن يعود الناس إلى "الطاعة" أو يتم إلغاء وجودهم السياسي، على الأقل. الأمر الذي يجعل السلطة الأبدية شبيهةً بسلطة الاحتلال التي تواجه بالمقاومة، لا بالمعارضة، لأنه لا حل مع الاحتلال سوى الرحيل.

==========================

مآل التحديث العربي.. من الدولة إلى العصابة

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 16/10/2018

شهدت معظم المجتمعات العربية، منذ بدايات النهضة في القرن التاسع عشر، تطورا كبيرا للفكر السياسي والاجتماعي الحديث، انعكس في ما يمكن تسميتها الثورة الدستورية التي شارك فيها العرب مع الشعوب المسلمة الأخرى، المتطلعة إلى اللحاق بالعصر، في إطار السلطنات القديمة المتداعية. وقد استمر هذا التطور بعد الانفصال عن السلطنة العثمانية، وتسارع، ولو مع كثير من المخانق، في ظل الوصاية الاستعمارية، وعبر عن نفسه من خلال تمسّك الحركات الاستقلالية بالدستور وبالسيادة الوطنية، ورفض التبعية، ومقاومة السيطرة الأجنبية، والسعي إلى الاستقلال الكامل والناجز. وورثت بلدان عربية عديدة، في المغرب ومصر وسورية والعراق ولبنان والسودان وغيرها، بعد الاستقلال، نظما تعدّدية ديمقراطية الطابع، على الرغم مما كان يشوبها من نواقص وتشوهات، لم يكن من المستحيل التغلب عليها، وتجاوزها مع الزمن.

لكن السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية شهدت، في البلدان العربية كما الحال في معظم بلاد العالم، صعودا عاصفا لأفكار الثورة الاجتماعية، وتبنّت أفكارها، كما حصل في روسيا الشيوعية وصين ماو تسي تونغ، نخب "طليعية"، على أمل أن يفتح القضاء على احتكار السلطة والثروة من شرائح قليلة من المجتمع، طريق التقدّم الصناعي والزراعي، ويمكّن المجتمعات من اللحاق السريع بالدول الصناعية الغربية. وقد أنشات هذه الأفكار التي انتشرت في بلدان العالم المتأخرة جميعا، سواء وصل أصحابها إلى الحكم أم لا، مناخا جديدا بدت فيه النظم الليبرالية أو شبه الليبرالية، في مقابل ما يقدّمه النموذج "الثوري" الروسي أو الصيني من فعالية وإنجاز، مهترئة وبالية، لا تفي بالمطالب الشعبية، ولا تستجيب للتطلعات العميقة إلى السيادة والنهضة الحضارية. وخلال السنوات القليلة التي أعقبت الاستقلال، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، اكتسحت الثورات والانقلابات التي ارتبطت بها القسم الأعظم من الدول الصغيرة التي ولدت من حركات تصفية الاستعمار، وعلى أرضية انحسار الهيمنة الأوروبية في القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

بيد أن الأزمات العديدة التي بدأت تعاني منها هذه النظم الثورية، منذ السبعينيات، والزوال

"أصبحت النظم السياسية رهينة مباشرة للمؤسسة الأمنية العسكرية التي لا هدف لها سوى الحفاظ على نفسها" السريع للأوهام التي ارتبطت بها، وإخفاقها في تلبية المطالب الاجتماعية، والرد على التوقعات التي ولدتها في مرحلة صعودها، كل ذلك وضع حدا للأمال القديمة المعلقة عليها، وأحبط الشارع الشعبي، وأدخل النخب السياسية التي التحقت جميعها تقريبا بالمشروع "الثوري" في أزمة أيديولوجية عميقة، دفع أكثرها إلى العودة إلى "النموذج السائد، أي إلى نظام التعدّدية والتنافس على السلطة، لإعادة بناء الشرعية. كانت بلدان أميركا اللاتينية التي شكل مقتل شي غيفارا صدمة كبيرة لشعوبها، هي السباقة للدخول في هذا الطريق عبر مفاوضات صعبة للتسوية السياسية بين حركات المقاومة المسلحة والنخب اليمينية الحاكمة. لكن ستعقبها بسرعة الكثير من الدول الأفريقية قبل أن تلتحق بها، منذ نهاية الثمانينيات، الكتلة السوفييتية برمتها، أعني الاتحاد الروسي ودول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى جميعا.

 

(1)

لم يختلف وضع الدول العربية التي دخلت في التجربة ذاتها عن ذلك، فقد كانت مصر سبّاقة لاكتشاف مأزق نموذج النظام السوفييتي، أولا بسبب هشاشة الأسس النظرية والسياسية التي قام عليها هذا النموذج فيها. وثانيا بسبب الضربة المعنوية القاسية التي أصابت السلطة العربية "الثورية" نتيجة الهزيمة المؤلمة التي تكبّدتها في مواجهة القوات الإسرائيلية، وحليفها الأميركي عام 1967. وهكذا بينما بدأت القاهرة في التحلّل من أوهامها الثورية، والعودة إلى طريق الليبرالية، لكن بعد تفريغها من مضمونها السياسي الرئيسي، وهو احترام الحريات العامة وتعزيزها، منذ وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وتسلم أنور السادات السلطة من بعده، كانت السلطة "الثورية" في سورية والعراق وليبيا واليمن والسودان وغيره لا تزال تتخبط من دون أن تصل إلى قرار. أما في الجزائر فقد عوّضت الموارد النفطية الكبيرة عن إفلاس النموذج نفسه، وسمحت باستمراره من دون هزات كبيرة حتى التسعينيات، لتلحق تطوّره بنموذج النظم الخليجية الريعية، ولو في ثوب جمهوري.

لم يكن هناك من حيث المبدأ ما يمنع البلاد العربية التي اختبرت النموذج السوفييتي من الخروج السلمي والتدريجي من حكم الحزب الواحد إلى النظام التعدّدي، كما حصل في كل بقاع العالم، باستثناء كوبا وكوريا الشمالية. لكن ما حصل كان معاكسا لذلك. فبدل الخروج من أزمة النظم "الثورية" من باب العودة إلى التعدّدية والديمقراطية، فضلت البلاد العربية الخروج من باب الكمبرادورية الاقتصادية والفاشية السياسية، وإعادة بناء النظم الاستبدادية على أسس جديدة، سواء ما تعلق بالقاعدة الاجتماعية التي تقوم عليها، أو بنوعية الأجهزة والمؤسّسات التي تستند إليها في فرض سلطتها وإرادة أصحابها، أو بالأيديولوجيا التي تعبر من خلالها عن مصدر شرعيتها. فبالإضافة إلى الطلب الدولي، أو بالأحرى الغربي، على النظم الاستبدادية التي تضمن "الاستقرار"، وتوفر شروطا أفضل للاستثمار الاقتصادي والاستراتيجي، وجدت النخب السياسية والثقافية العربية في التوظيف في المسألة القومية، مع اختصارها في الاعتراض على التوسعية الإسرائيلية، أو دعم القضية الفلسطينية، أفضل وسيلة لإنقاذ نموذج حكم الاستثناء. وهكذا لم تعد ثورية النظم مرتبطةً بتلبيتها تطلعات الجمهور الشعبي من عمال وفلاحين وتقليص الفوارق بين الطبقات، وتسريع وتائر التنمية الاقتصادية وبناء القاعدة الصناعية والتقنية والعلمية للبلاد، وإنما في تأكيد الوحدة الداخلية والإبقاء على النظم القائمة من دون تغيير، فأصبحت الثورية في العقيدة والممارسة رديفا لحكم الاستثناء والمحافظة على قوانين الطوارئ وإلغاء الحقوق الفردية والحريات العامة واستباحة السلطة للفضاء العام السياسي والمدني والديني وإزالة كل "الخصوصيات".

وكما احتلت البيرقراطية المتحالفة مع أطراف وكسور عشائرية وطائفية واجتماعية محل طبقة العمال والفلاحين مكان الحاضنة الاجتماعية للنظم المتجددة، حلت عقيدة الحفاظ على الأمن، أو مقاومة الصهيونية والوقوف في وجه الاستعمار أو كليهما، موردا للشرعية محل شعارات 

"وجدت أكثر الشعوب العربية نفسها في مأزقٍ يصعب الخروج منه" الثورة الاجتماعية والصناعية والعلمية. وأخذت الأجهزة الأمنية المتقاطعة والمليشيات الموازية والمتنامية التابعة للإرادة الشخصية للحاكم الفرد، تحتل المكانة التي كانت من اختصاص الجيوش الشعبية والعقائدية في تأمين شبكات الدفاع والحماية للنخب الحاكمة، بل في ضمان اتساق النظام بأكمله، وضبط حركته، وتوحيد مؤسّساته، وتسييرها، بما في ذلك تجديد النخب نفسها، والعناية بتأمين العناصر القيادية السياسية والإدارية اللازمة لتشغيل النظام. وشيئا فشيئا، أصبحت النظم السياسية رهينة مباشرة لهذه المؤسسة الأمنية والمليشيات العسكرية التي لا هدف ولا برنامج لها سوى الحفاظ على نفسها، وتخليد الوضع القائم، وتثبيت زعاماته وأعوانه في مواقعهم وأدوارهم، والقضاء في المهد إذا أمكن على احتمال ظهور أي عامل أو عنصر يمكن أن يشكل في المستقبل تهديدا للنظام، فكريا كان أم سياسيا أم اقتصاديا أم تقنيا.

وصار إلغاء الحقوق والحريات وتعليق القانون وتعميم الملاحقات الأمنية وتهديد الأفراد في وجودهم وأرزاقهم علامة الوطنية، أو القومية التي أصبحت تعني الاهتمام بفلسطين، وبرهانا عليها. وما كانت هناك شروط أفضل من ذلك، لتعميم الفساد والرشوة ونهب المال العام، والتخلي عن مسؤوليات الحكم والقيادة لصالح تكوين شبكة المصالح الشخصية من الممسكين بالسلطة والثروة، وتحويل الدولة إلى عصابة، تستخدم القوة والعنف لتحقيق أهدافها الخاصة، ولا تتورع عن أي عمل من أجل ضمان استمرارها وتنمية مواردها وثرواتها ونفوذها.

وبمقدار ما قاد السطو العلني، و"شبه القانوني"، على موارد الدولة والمجتمع إلى تنظيم حرب ضدهما واستعمارهما من الداخل، وقوض في النهاية أي فرصة للتقدم الصناعي والتقني والعلمي للبلاد، وقاد إلى الكساد الاقتصادي وتعميم الفقر وتعميق التفاوت الصارخ بين الطبقات، سوف يقود إلى الثورات الشعبية، ويدخل المجتمعات منذ نهاية العقد الماضي، في حقبة طويلة من الحروب والنزاعات الأهلية.

 

(2)

ولدت من رحم النظم "الثورية"، أي الانقلابية والاستثنائية، نظم مغلقة كليا، تسير بقوة دفعها الذاتية، وحسب منطقها الداخلي، لا تدين للمجتمع بشيء، ولا تتأثر به أو تلتفت إلى ما يقول، وتقتصر علاقتها به على تحييده، ومنعه من المبادرة أو الحركة أو الاحتجاج. نحن في الواقع أمام آلاتٍ لا يمكن النفاذ إليها، ومن باب أولى فتح حوار معها أو التفاوض، بأي صورة كانت، حول السياسات التي تتبعها. ذلك أنها لا تخضع، هي نفسها، في سلوكها أو سيرها إلى أي 

"قادت الثورات المضادة الطغم الحاكمة إلى تبني سياساتٍ أكثر تطرّفاً في العنف والإقصاء والاستثناء" مفهوم سياسي، وليس لها علاقة بالسياسة أو بالمجتمع. إنها عوالم قائمة بذاتها، تعيش في فلك خاص بها، وتتبنّى مفاهيم وتعتمد معايير من تصميمها، لا علاقة لها بالمعايير القائمة في العالم الخارجي المحيط بها. وبعد أن استملكت موارد البلاد التي وضعت يدها عليها، لم تعد بحاجة كي تضمن بقاءها إلى التعامل أو التفاعل مع أحد من خارجها. ولا للتواصل مع المجتمع أو التعامل معه إلا عبر المؤسسات التي خلقتها هي نفسها، والتي تشكل جزءا من جهاز أمنها، بما فيه المؤسسات غير الأمنية. والمكان المفضل لديها للتواصل مع أفراده، والاتصال بهم هو مكاتب فروع الأمن المنتشرة في كل قرية وحي ودوار. هذه هي الوضعية الوحيدة التي يجد فيها أعضاؤها الأمان والثقة الضروريين، واللغة الرئيسية لبناء علاقاتها مع أفراد الشعب في أثناء ممارستها حياتها الطبيعية، ووسيلتها لفرض الخوة والأمر الواقع عليهم.

هكذا وجدت أكثر الشعوب العربية نفسها في مأزقٍ يصعب الخروج منه، فهي في وضعية يائسة لا تفيد فيها الثقافة ولا السياسة، ولا يمكن أن ينمو فيها أي أمل بالحوار، ولا ينفع معها لا الضغط ولا الاحتجاج ولا الاعتصام. إنها أمام غول نشأ في احشائها، ونما في رحمها، وهو يمتلكها من الداخل ويستبد بكل مواردها ومؤسساتها وإمكاناتها العقلية والمادية معا، ويتحكم بها حتى يكاد يحصي عليها أنفاسها وتنهداتها. ومن هذه الأوضاع الاستثنائية خرجت السياسة الاستثنائية أو سياسة الاستنثاء الأقصى للسياسة، إلغاء الشعب والقضاء عليه وتشريده من طرف، والانتفاضات الشعبية الانتحارية من طرف آخر.

كان من الممكن لثورات الربيع العربي أن تشكل فاتحة لتغيير في علاقات السلطة يعيد الطغم الحاكمة، سواء أكانت طبقات أو شرائح أو نخباً لقيطة، إلى الواقع، ويدفعها إلى القبول بحد أدنى من المساومة على حكم الاستثناء الذي تريد تخليده، ومعه إلغاء أي مفهوم للحقوق والواجبات والقانون والعدالة والمواطنة بل وللسياسة، والاعتراف بوجود شعب، مالك الأرض، تجمع بين أفراده رابطة سياسية تتجاوز بهم الولاءات الأهلية والعصبيات الطبيعية، من طوائفية وعشائرية وأقوامية، لتؤسّس لالتزامات متبادلة يحكمها الولاء المشترك للقانون، وبالتالي الكف عن التعامل معهم كما لو كانوا قطيعا من الماشية، وفي أحسن الأحوال أتباعا وموالين شخصيين. لكنها فعلت العكس. هكذا قادت الثورات المضادة الطغم الحاكمة إلى تبني سياساتٍ أكثر تطرّفا في العنف والإقصاء والاستثناء، فأطبقت على شعوبها بقبضة آلتها الجهنمية الأمنية، لتعيدها إلى أوضاع أسوأ بكثير من السابقة، بعد أن قوّضت أركان الدولة ومؤسساتها، ووضعت المجتمعات في دوامة الفوضى العارمة التي تحتاج فيها إلى زمن طويل، قبل أن تستعيد توازناتها وسكينتها و"رشد"ها وتتمكّن من بناء رد منظم على استباحة فضائها ومحرّماتها.

لكن، بتقويضها دولها ومجتمعاتها حولت هذه الطغم الأزمة من أزمة سياسية وطنية إلى أزمة إقليمية ودولية، ورفعتها إلى مستوىً يجعلها خارج سيطرتها، ونقلتها إلى داخل مجموعة النظم العربية التي اعتقدت أنها، ببنياتها الأبوية وولاءات جماعاتها العشائرية والدينية والمحسوبية، يمكن أن تنأى بنفسها عنها، وتحتمي بها من عدوى فكرة المواطنة والحقوق السياسية والمعنوية المتعلقة باحترام الأفراد والكف عن اغتصاب إرادتهم وضميرهم وتجريدهم من إنسانيتهم، لتسهيل استتباعهم. وأمام شعورها بضغط الأزمة الإقليمية الجارف، لا تجد هذه النظم الأبوية اليوم سوى ارتداء الدرع ذاتها التي ارتدتها من قبل النظم الثوروية المجهضة، واستبدال سياسة الاستثمار في علاقات الولاء الشخصية، على أساس العرف أو الدين أو القرابة أو المحسوبية، بعلاقات الإخضاع الآلي، وبالتالي إعادة بناء آله الحرب الداخلية التي تعتقد أنها الوحيدة التي تضمن وجودها وسيطرتها. لا نعرف بعد من قتل الكاتب السعودي، جمال خاشقجي، بالتحديد، لكننا ندرك أن القتل أصبح العملة السياسية الوحيدة المتداولة في حقل السياسة، في مشرق العالم العربي ومغربه. وما يبدو احتكارا للعنف من طرف واحد في البداية لن يلبث حتى يصبح الرأسمال الأكثر شيوعا ومجانية بين أيدي الجميع في مرحلة ثانية.

هل سيكون لدى المجتمعات العربية القدرة من جديد على تحطيم هذه الآلة الجهنمية، أقصد "الدولة العصابة"، أم سوف تستمر الشروط الإقليمية والدولية التي ساهمت في نشوئها واستمرارها تحول دون ذلك، وكيف؟ هذا سؤالٌ يستحق التفكير، حتى لو أن الإجابة عنه ليست بالضرورة جاهزة.

==========================

الحروب البينية في المعارضة السورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 15/10/2018

تعدّدت خلافات السوريين، وباتت أوسع من القضية الأساسية التي أطلقوا من أجلها ثورتهم قبل ثمانية أعوام، في الوقت الذي حافظ فيه النظام على خطابه ونهجه وهدفه ووفده وأسلوبه في تفتيت إجماعات السوريين عن الدولة المنشودة، ليبقى مسار النظام  واضحاً، وأدواته تعمل في سياق متسق ومتكامل، في حين بدّدت قيادات المعارضة شعبيتها وشرعيتها، وغابت عنها مسارات الطريق الصحيح لتحقيق هدف السوريين الأساسي في الحرية وبناء دولة المواطنة، الأمر الذي منح النظام فرصة السخرية من حروبٍ بيْنيةٍ معارضاتية، ليحوّلها إلى استثمار ناجح لتشويه أجسام المعارضة وتقويض شرعية الثورة، وتوسيع الفجوة بين كيانات المعارضة أولاً، ثم بينها وبين السوريين في كل أماكن وجودهم وانتشارهم الطوعي والقسري.

مثلاً، أهدر الكيان الرسمي الأول للمعارضة، أي المجلس الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، حالة الإجماع الشعبي التي حظي بها، وإلى جانبه الجيش الحر بالتوازي أواخر عام 2011، إذ أظهرت الخلافات الشخصية بين القيادات حالةً من النكران لمتطلبات الثورة في أن يكون لها تمثيل جامع لكل شرائحها، يمكن من خلاله صياغة مشروع وطني، يلتفّ حوله كل السوريين، ما أثبت عجز المجلس، وقوّض الإجماع حوله، وبرّر التدخل الدولي لإحداث الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والذي أيضاً لم يُثبت أهليته، لا في توحيد جبهة المعارضة، ولا في قيادتها، بسبب الطريقة التي بُني بها، والعقليات التي تحكّمت به والحسابات الضيقة والخاطئة التي سيطرت على أطرافه. وهكذا حل الائتلاف مكان المجلس الوطني الذي تنازعته وتحكمت فيه أطرافٌ، لا أحد يعرف كيف أتت، وكيف تحكّمت، سوى أولي الأمر من الفاعلين والداعمين الخارجيين.

لذا، لم يكن "الائتلاف" أفضل من سابقه، أي المجلس الوطني، بل ربما بدا أكثر هشاشةً

"لم يكن "الائتلاف" أفضل من سابقه، المجلس الوطني، بل ربما بدا أكثر هشاشة وارتهاناً" وارتهاناً، ومجاملة للفصائل الإسلامية، وحتى لجبهة النصرة التي لم تخفِ عداءها للثورة وأهدافها، والتي مارست كل شيء لنزع مشروعية الثورة، وإنهاء وجود الجيش الحر، وتوارث مناطقه المسيطر عليها، وبالتالي تقويض ثقة العالم والسوريين بقدرة المعارضة على إيجاد البديل للنظام. وفي كل الأحوال، ما كان للائتلاف أن يكون حاضنة لكل قوى الثورة، ولم يكن جامعاً لكل المعارضين، ولم يفعل شيئاً لإعادة ثقة السوريين بمعارضتهم، ولا في صوغ إجماعاتٍ جديدةٍ لهم، بل كان مدعاةً للتشظّي، وسبباً في تعدّد الكيانات، وفقدان الأمل، مع كل ما أبداه من ارتهانٍ في قراراته ومساحة حركته.

وبذلك، فقد السوريون إيمانهم بكل ما أنتجته المعارضة، وتشاركت معها في ذلك القوى الدولية، ما أنتج كياناً جديداً للتفاوض عبر مؤتمري الرياض 1 والرياض 2، ووفوداً تتبدّل حسب المصالح الدولية وتبعيات أعضائها، ما أدى إلى استشعار الناس خطر ما يُحدق بهم فيما إذا استمرت الهيئة العليا للمفاوضات في مساراتها، وهكذا إلى أن وصلنا إلى يوم الجمعة 5 /10، حيث أطلق الناس، في مظاهراتٍ حاشدةٍ، شعار "هيئة التفاوض لا تمثلني"، وهي الهيئة التي حلت محل هيئة سابقة، بدون أي وجه مفاضلة بين الاثنتين، ومرّر السوريون من خلالها رسالتهم إلى قيادات المعارضة، معلنين افتراقهم عنهم في حال استمرار الأداء وفق نهج مصالح الدول، وليس المشروع الوطني البديل للنظام القائم.

أي أننا أمام ملامح إنذار شديد اللهجة من أهل الثورة إلى من يتولّى قيادة المفاوضات عنها، لكن الأمر تجاوز ذلك إلى أبعد من هذا، ما يجعلنا نستشعر أن ثمّة حرباً قاسية أخرى تحدث اليوم بين عموم مناهضي نظام الأسد، بأسلحة وسائط التواصل الحديثة، في مجاراة الحرب المسلحة الدائرة على السوريين، أحدها بين النظام السوري وكل فئات الشعب المناهضة له، برعاية وأدوات دولية يتسلح بها طرفان، مقابل أطراف دولية تشن حربها الخاصة في سورية، تحت أجندات وطنية شعاراتية غير حقيقية، وحرب ثانية عميقة مجتمعياً، وهي تتساوى بحجم خسائرها التراكمية مع الأولى، ما يعني أننا أمام حربين، أولاهما تزهق الأرواح، والأخرى تذهب بآخر ما تبقى للسوريين من قدرة على التعايش المشترك، وتحمل المسؤولية الجمعية في استعادة الحياة السورية، بعيداً عن تنميط السوريين إلى قومياتٍ وأحزابٍ وتجمعاتٍ ومذاهب، وأخيراً بين شريحة قيادات معارضة وثوار.

لقد دمّرت الحرب العسكرية البنية التحتية السورية، وحصدت أرواح ما يفوق عن مليون

"السوريون اليوم بأمس الحاجة للبحث من جديد عما يجمع بينهم" سوري، وشرّدت نحو نصف الشعب السوري بين لاجئ ونازح داخلياً وخارجياً، لكن الحرب البينية بين قيادات، وشخصيات، ومعارضين، وثوار على النظام، قد تذهب بما يمكن تسميتها مبادئ العيش المشترك، فحيث يتحصن بعضهم طائفياً وفق آلية تشظٍّ داخلية أيضاً، يلجأ كل من السوريين إلى خصوماتٍ شخصية، ومهاتراتٍ غير مسؤولة، من شأنها أن تكون قيمة مضافة لنصر عسكري على الثورة، وليس لها ما يجعل التساؤلات مطروحةً عن الاصطفافات الأفقية والعامودية التي أصبحت اليوم الشغل الشاغل لرواد وسائل التواصل الاجتماعي على امتداد مساحة الدولة الافتراضية، التي تفوق مساحتها مجموع دول الحدود الجغرافية على تعددها.

أي أن السوريين اليوم، قيادات وقواعد، بأمس الحاجة للبحث من جديد عما يجمع بينهم، مناهضين لحكم الاستبداد، من دون إنكار حقهم في الاختلاف، وإبداء الرأي واحترامه من الآخر الذي يفترض أنه يمثلهم "كيانياً"، وهو ليس فوق النقد والمساءلة، وحتى المحاسبة التي طالبت بها المظاهرات، كما أنه ليس من حق أحد أن يمارس على الشعب دور الوريث للحكم قبل حتى استلامه، وتمثل خطاب النظام في مواجهة المظاهرات وادّعاء أنها مخترقة و"مندسّة" بين صفوف السوريين، ما يعني أن الحاجة إلى إعادة النظر في هيكلية الجسم التفاوضي، وتمثيله وتمثّله مشروع "النظام البديل"، باتت ملحةً قبل أن ينبت من جديد كيان معارضاتي، تؤسسه الدول عن السوريين، لمواجهة مظاهراتهم بالحجج والإدانات نفسها.

==========================

متاهات المصالح الإقليمية والدولية في سوريا

حسين عبد العزيز

عربي 21

الاثنين 15/10/2018

موقعها الجيوسياسي جعل منها معبرا استراتيجيا؛ لا بد منه لمن يريد الهيمنة على مفاتيح ودهاليز قضايا المنطقة. ولذلك، سرعان ما وقعت البلاد بعد الثورة في قلب نزاع جيواستراتيجي واسع ومعقد؛ يصعب تحديد معالم التداخل / التخارج فيه بين المصالح الإقليمية والدولية.

أدت الثورة السورية في البداية إلى ظهور تصدع ثنائي واضح في المواقف الإقليمية والدولية، بين محورين رئيسيين: الأول يؤيد الثورة والثاني يؤيد النظام.

لكن بعد سنوات قليلة من الثورة ونشوء مخاطر جديدة، حدث تغير كبير في خارطة التحالفات المحلية والإقليمية والدولية، على الرغم من بقاء المحورين الرئيسيين (المؤيد والمعارض) للنظام قائمين.

تباينت الأهداف الجزئية داخل كل محور، ونجم عنها اصطفافات مؤقتة وأخرى أكثر ديمومة، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان تحديد بوصلة التحالفات وتحديد وجهة الصراع.

بين أطراف الأزمة الإقليميين والدوليين تباينات كبيرة، لكن بينها تقاطعات سياسية، وبين حلفاء المعارضة تفاهمات واسعة، لكن بينهم خلافات عميقة أيضا، وهذا الواقع أفرزته حدة التباينات بين مختلف الأطراف، إن على صعيد الأهداف القريبة والبعيدة، أو على صعيد الآليات والوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف.

قراءة بسيطة لتطورات النزاع الدولي في سوريا تكشف هذه التناقضات، خصوصا ما جرى في الأشهر الأخيرة. فقد تنوعت التحالفات بقدر تنوع الأهداف، وأضحى من الصعوبة بمكان اعتماد معادلة التحالفات القديمة التي ترسخت خلال السنوات السابقة.

تلاقت المصالح الروسية - الأمريكية في عدم إسقاط النظام بالقوة العسكرية، سواء أكان من الداخل أم من الخارج.

على المستوى الأمريكي، هناك خشية من انهيار الدولة ومؤسساتها، كما جرى في العراق بُعيد الغزو الأمريكي، وإلى حد ما في ليبيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى حرب طائفية وربما إثنية، سرعان ما تتجاوز الحدود الجغرافية السورية.

وعلى المستوى الروسي، هناك خشية من سقوط أهم حليف في المنطقة، وخسارة الورقة الاستراتيجية الكبرى خارج حدودها الإقليمية.

كما تلاقت المصالح الروسية - الأمريكية في ضرورة إضعاف فصائل المعارضة وقطع شرايين الدعم الإقليمي المتعدد، وحصر المعارضة المسلحة في بقعة جغرافية واحدة وتحت هيمنة دولة واحدة.

هذه الأهداف المشتركة جعلت واشنطن لا تغض الطرف عن التدخل العسكري الروسي في سوريا فحسب، بل تمارس أيضا ضغوطا قوية على حلفائها الإقليميين لتغيير استراتيجيتهم، فقد أصبح هؤلاء أكثر تهديدا للمخططات الأمريكية في سوريا.

لكن التفاهم الأمريكي - الروسي هذا دونه خلافات كبيرة؛ بين طرف يريد إعادة إنتاج النظام وفق تغيرات شكلية تحافظ على بنيته وتمنع وصول شخوص من شأنهم أن يكونوا أقرب إلى الغرب، وبين طرف يسعى إلى إحداث تغيرات في بينة الحكم على المستوى البعيد، ويمنح فرصة لشخوص المشاركة في السلطة تكون علاقتهم مع الغرب معقولة.

الخلاف على شكل وطبيعة الحل من جهة وموقع سوريا الاستراتيجي من جهة ثانية، وعدم امتلاك كل دولة كل أوراق الضغط اللازمة من جهة ثالثة، جعل كل طرف يوسع من مروحة تحالفاته المحلية والإقليمية.

بدأت واشنطن - بعد تردد - بالعودة إلى تنسيق تفاهماتها مع الدول الأوروبية الفاعلة، في وقت بدأت توسع تفاهماتها مع الدول الإقليمية لتشمل مصر.

أما روسيا، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى تقديم ثلاثة تنازلات مهمة لتركيا (منطقة درع الفرات، عفرين، اتفاق إدلب المؤقت)، في حين قامت الأخيرة بتخفيف حدة استراتيجيتها حيال النظام السوري، إن كان على المستوى العسكري أو المستوى السياسي.

وهكذا نشأ تحالف استراتيجي بين الدولتين فرضته تطورات الأوضاع في سوريا، فيما حاولت طهران ودمشق ضرب هذا التحالف كما جرى في عفرين، وكما يجري الآن في إدلب.

وعليه أصبح المشهد كالتالي، روسيا الداعمة للنظام تجري تفاهمات مع المعارضة والطرف الداعم لهم، في حين تمنع تركيا المعارضة من محاربة النظام، والقبول بمسارات سياسية لا تتوافق مع الشرعة الدولية بقدر ما تتوافق مع متطلبات المصلحة الثنائية.

لم يقتصر هذا التباين على تركيا، فقد أقامت روسيا تفاهمات قوية مع إسرائيل سمحت للأخيرة بحرية الحركة في الأجواء السورية لمدة ثلاثة أعوام، وضرب أهداف إيرانية وأهداف تابعة للنظام.

المقاربة الإقليمية - الدولية تقوم على التالي: تركيا المعارضة للنظام السوري هي جزء رئيس من المحور الروسي الإيراني، بل هي أعطت هذا المحور ومسار أستانة قوته وشرعيته، وإيران الداعم الراديكالي لدمشق هي جزء من المشكلة التي تواجهها كل من موسكو وواشنطن.

وبهذا أصبح الحليف الاستراتيجي (إيران) جزءا من المشكلة بالنسبة لروسيا، في حين أصبح الحليف المؤقت (تركيا) جزءا من الحل.

==========================

موقفنا : العرب والمسلمون ... والتنافس الفجائعي

زهير سالم

١٩/١٠/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

أينا فاجعته أكبر ؟! أينا قاتله أكثر وحشية ودموية ؟!

مع الأسف ، ويستوردون لمزيد من عناصر الاختلاف بين العرب والمسلمين و أصبحت تلك الأسئلة هي القضية .

لم يعد التنافس الفجائعي مادة للمراء والجدل فقط بل أصبح يولد حالة من الاحتقان والتنابذ غير الحميد بين أصحاب القضايا - القضية الواحدة .

علو المرقب وحده هو الذي يجعل المراقب يبصر وحدة هؤلاء الذين يدبون حول حصنه الواحد في اليمن والشام والعراق ومصر وموريتانيا والسودان ..

ويتهيل البنيان العربي . وان يوظف بعض أطراف النزاع بعض الفطائع في مشروعهم لا يكبر فاجعة ولا يصغر أخرى إلا لدى أولئك المستهدفين بالتضليل الإعلامي ولا يجوز للنخب ان تكون منهم .

ما سمعناه من إحدى الفضائيات مثلا عن الطالب الإيطالي جولياني يفوق ما سمعناه عن الشيخ أحمد ياسين أو عن محمد الدرة أو حمزة الخطيب .

هذا الواقع لا يجوز أن يغير شعوري أو موقفي من جريمة اغتيال جولياني ولا ممن اغتاله ولكنها تجعلني أقوم بشكل أفضل تلك القناة التي بثت عن مقتل جولياني أكثر مما فعلت عمن هو أقرب منه رحما من المفجوع بهم والمفجوعين .

شعوبنا الحيوية تقول : من حكم في ماله ما ظلم . فالذي يملك فضائية من حقه ان يملأ وقتها بما يخدم مصالحه . ولكن ليس من حقه ان يدعي علينا وليس من حقنا ان نسلم له بدعواه!! كما يريدنا سكارى الزبيبي أن نكون.

أيها المسلمون ... أيها العرب قضيتكم واحدة . فجائعكم واحدة . مدير الهلكسوت الذي يدار عليكم واحد ...

إن آخر شيء يمكن ان تختلفوا عليه هو لون عيني قاتلكم أو طراز ثيابه هل هو عباءة عربية أو سترة أجنبية .

كل قاتل هو نتنياهو هو بشار هو قاسم سليماني هو السيسي هو حفتر هو حسن نصر الله هو عبد الملك الحوثي هو كل هؤلاء الذين يفسدون في الأرض ويظلمون الناس.

١٩/١٠/٢٠١٨

ــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

المكان الأسوأ للعيش في العالم

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 14/10/2018

طبقاً لأكثر المعطيات المتوفرة مصداقية، فإن مخيم الركبان للنازحين السوريين هو المكان الأسوأ للعيش في العالم. فمن الناحية الجغرافية، يقع المخيم في قلب بادية الشام، بالقرب من نقطة التقاء الحدود الأردنية - العراقية، ويبعد عن آخر نقطة تسيطر عليها قوات نظام الأسد نحو سبعين كيلومتراً، ويندر في المنطقة تلمس أي وجود للحياة، من بشر وماء ونبات، باستثناء قلة من الزواحف من حيات وعقارب اعتادت العيش في بيئة المكان.

لم يكن أي من سكان المخيم هناك قبل عام 2014، والبذرة الأولى لهؤلاء فارون من مناطق القتال، نواتهم الأولى جاءت من منطقة دير الزور عندما هاجمها «داعش» في عام 2014، على أمل العبور إلى الأردن، للانضمام إلى أفواج اللاجئين السوريين هناك، بحثاً عن ملاذ آمن يوفر احتياجات الحد الأدنى للعيش بعيداً عن الموت.

ولأن السبل تقطعت بالمتجمعين في الركبان، حيث لا طريق للعودة، ولا عبور إلى مناطق سيطرة النظام، فقد أملوا في أن يمررهم الأردن في وقت لاحق، وعزز الأمل وصول قدر محدود من مساعدات أبقتهم على قيد الحياة. وبدل أن تحل مشكلة تجمع الركبان، أخذ عددهم يتزايد، في ظل توسع سيطرة «داعش» على الرقة ودير الزور ومناطق واسعة من البادية، فوصل عددهم إلى نحو سبعين ألفاً، جاءت غالبيتهم من محافظات ريف دمشق وحمص ودير الزور ومناطق أخرى.

المشكلة الأهم المحيطة بمخيم الركبان أن غالبية سكانه جاءت من مناطق تخضع للمعارضة المسلحة في ريف دمشق وريف حمص، التي كانت مستهدفة من جماعات التطرف: «داعش» و«النصرة». فجرت فيه تفجيرات واغتيالات عززت شكوك الأردن حول وجود خلايا نائمة لجماعات إرهابية بين سكانه، فطبق الأردن قواعد متشددة للتعامل مع المخيم وسكانه.

سعى سكان الركبان، في ظل واقع بقائهم الإجباري في المكان، إلى تنظيم أنفسهم قدر المستطاع، فأقاموا مجلساً مدنياً محلياً من وجهاء وشيوخ العشائر في المنطقة وفعاليات مدنية، تواصل مع الأردن من جهة، ومع منظمات إغاثية، لتأمين احتياجات المخيم، لكن الطرفين لم يوفرا سوى قدر محدود كاد يقتصر على الماء وقليل من الغذاء، وتكاد تنعدم فرص العمل وخدمات التعليم والصحة، بل الأخيرة لم تعد موجودة من الشهر الماضي، حيث أغلقت منظمة «اليونيسيف» نقطتها الطبية في جوار المخيم، وتوفي في الشهر الماضي عدد من السكان لغياب أي رعاية صحية، وبينهم أطفال صغار.

لم يقتصر تفاقم أوضاع سكان المخيم على الجانبين الأمني والصحي، إنما امتدت إلى الجانب الغذائي نتيجة تشديد قوات نظام الأسد على المنافذ التي تصل المخيم بمناطق سيطرة النظام، بعد أن سيطر الأخير على منطقة ضمير في القلمون الشرقي، وعلى درعا، فأغلق حتى المسارب الصغيرة التي كانت تمد المنطقة بالقليل من الغذاء والدواء، كما أغلقت السلطات الأردنية منفذه الذي يصل المخيم بالأردن، وتم منع بعض المساعدات الغذائية بطلب من الروس، في إطار ضغوطات على سكان المخيم للانتقال إلى مناطق سيطرة النظام.

مخيم الركبان على وضعه الإنساني البائس محط اهتمام واسع من جانب أطراف متعددة، تتمنى جميعها أن يختفي المخيم وسكانه من الوجود، لكن سكان المخيم راغبون في حل مشكلاتهم الحياتية، إن لم يكن بالعودة إلى مدنهم وقراهم الأساسية، فعلى الأقل تأمين احتياجاتهم الأساسية، خصوصاً حاجاتهم من الغذاء والدواء وتعليم الأطفال. الأردن لديه مخاوف أمنية من متطرفين يقال إنهم موجودون في المخيم، ونظام الأسد مستمر في سياسة إذلال السوريين، وتجويعهم وصولاً إلى الموت، والأميركيون الذين لديهم وجود عسكري، ولهم أنصار من المعارضة المسلحة في منطقة التنف، قريباً من المخيم، يرغبون في تسوية أوضاع المخيم بالشراكة مع الأردن، والروس يسعون من أجل تسوية مع أهالي المخيم، تضمن انتقالهم إلى مناطق سيطرة النظام. وجرت في ظل هذه المعادلة مفاوضات خلال الأسابيع الماضية بين النظام ووفد يمثل المخيم، وتم التوصل إلى اتفاق يضمن موافقة النظام على مرور المساعدات الإنسانية للمخيم، والسماح بنقل الحالات المرضية إلى مشافي دمشق، لكن النظام امتنع عن التنفيذ.

وسط تلك اللوحة في مخيم الركبان وحوله، تستمر الأوضاع هناك في بؤسها وانحدارها: حصار وجوع، ومرض يؤدي إلى الموت، وتقاعس من كل الأطراف والجهات عن القيام بمسؤولياتها، وانسداد في أفق معالجة وضع يطال نحو سبعين ألفاً طحنتهم الحياة في السنوات الأربع الماضية، ولا تزال.

==========================

هل اللجنة الدستورية السورية حلٌّ أم خدعة دولية؟

محمد ياسين نجار

الجزيرة نت

الاحد 14/10/2018

يتناقل الجميع -دولا وسياسيين ومهتمين بالشأن السوري- قضية تشكيل اللجنة الدستورية وأهمية ذلك في الوصول إلى الحل السياسي في سوريا، علما بأن جمهور الثورة والسياسيين المحسوبين عليها تتملكهم هواجس كثيرة من أن تكون مجرد محطة في عملية حرف مطالب السوريين عن الانتقال إلى دولة المواطنة والديمقراطية، وإعادة إنتاج لنظام القمع والاستبداد.

فمشكلة السوريين لم تكن كامنة في الدستور بل هي أعمق من ذلك بكثير، وهي أنَّ النظام الحاكم اختزل كافة السلطات في يد الحاكم، فالرئيس يرأس السلطة التنفيذية والقضائية، والبرلمان تحت سيطرته المطلقة.

وللمفارقة فإنَّ أفضل من أعطى الدستورَ حجمَه الحقيقي في وجدان الشعب، هو الممثل المنحاز للنظام دريد لحام في مسرحية "ضيعة تشرين"، عندما قال إن الدستور أكله الحمار.

لقد كانت المحكمة الدستورية العليا مغيبة ولا يعلم بوجودها غالبية السوريين، وكلنا نذكر كيف تم تعديل سن رئيس الجمهورية في لحظات عام ٢٠٠٠، من أربعين عاما إلى 34 ليناسب "ابن الرئيس"، لتتم لاحقا إعادة سن رئيس الجمهورية إلى الأربعين في دستور عام ٢٠١٢، مما يدل على مدى الاستهزاء به وعدم التعويل عليه.

لكن إذا ما انتقلنا إلى مناقشة ذلك الملف بشكل مهني داخلي بعيدا عن المؤثرات الخارجية، فسنرى أن هناك الكثير من المسائل المسكوت عنها يمكن أن تجعل اللجنة الدستورية ملفا تفجيريا، يجعل سوريا دولة فاشلة إلى أمد غير منظور.

السؤال الأهم -إذا ما سلمنا بتلك القضية الإشكالية- هو: كيف يمكن أن تكون اللجنة الدستورية محطة مهمة في إنجاح الحل السياسي الذي طالما تكلم عنه المجتمع الدولي، وليست خدعة لبعض الدول المتآمرة على سوريا أو مرحلة شكلية لسلق الحل السياسي وفرضه على السوريين مهما كانت النتائج كارثية؟

وهنا لا بد من التعريج على نقاط أربع رئيسية متعلقة بهذه اللجنة الدستورية: أولا: كيفية اختيار أعضاء اللجنة؛ ثانيا: صلاحياتها؛ ثالثا: آليات عملها؛ رابعا: كيفية تحويل المخرجات إلى دستور مقبول وطنيا وغير مفروض دوليا.

"السؤال الأهم هو: كيف يمكن أن تكون اللجنة الدستورية محطة مهمة في إنجاح الحل السياسي الذي طالما تكلم عنه المجتمع الدولي، وليست خدعة لبعض الدول المتآمرة على سوريا أو مرحلة شكلية لسلق الحل السياسي وفرضه على السوريين مهما كانت النتائج كارثية؟"

أولا: اختيار الأعضاء: إن الآليات التي يتكلم عنها المجتمع الدولي لتشكيل اللجنة أصبح جليا أنها قضية محاصصة دولية، بعيدة عن الكفاءة والديموغرافيا والخلفية الثقافية للمجتمع، والتخصص بالشأن الدستوري والخلفية التاريخية للدساتير المنجزة التي وضعها السوريون منذ بداية القرن العشرين، وهذه قضية خطيرة سوف يدفع السوريون ثمنها غاليا.

فالمطلوب وضع آليات محايدة مهنية لاختيار الأعضاء، من تمثيل جغرافي يناسب التوزع السكاني، وهذا تم تجاوزه مرارا في مؤسسات الثورة لصالح مناطق أخرى تمركز فيها التمثيل، إلى قطاعات مهنية واختصاصيين في القانون الدستوري وتمثيل الجميع سياسيا ودينيا وطائفيا وإثنيا، بما يتناسب مع أوزانهم الفعلية في سوريا من دون تهميش أو إقصاء.

إن المشاركة في اللجنة الدستورية مسؤولية وطنية جسيمة وليست قضية رغبوية، وتتطلب من المختارين مهارات خاصة قانونية وإدارية ولغوية وتوفيقية، ومقدرة على الخروج من المآزق.

ففي دستور ١٩٥٠ -الذي ترأس لجنته الدكتور ناظم القدسي وذكر أنها درست ١٥ دستورا أوروبيا قبل أن تنجز مهمتها- برزت مشاكل عديدة، من بينها قضية إصرار البعض على أن يُنصّ دستوريا على أن دين الدولة الإسلام، وكيف أن البعض رفض ذلك فتم التوصل لاحقا -وبجهود من الدكتور مصطفى السباعي- لأن يستبدل عنها بأن دين رئيس الدولة الإسلام.

ثانيا- الصلاحيات: والسؤال المهم هنا هو: ما الصلاحيات المنوطة بهذه اللجنة؟ هل هي صلاحيات مطلقة أم محددة مسبقا؟ ومن الذي يضع تلك الصلاحيات ويشرف على تنفيذها؟ وكيف يتم الاعتراض عليها؟ ومن يرأس اللجنة؟ ومن يكون المقرر فيها؟

إن المتابع للشأن السوري يرى أن هذه الأسئلة تم تجاهلها لجعلها ألغاما مؤجلة يستخدمها الجميع، من نظام ودول مؤثرة لإيقاف صيرورة الحل السياسي.

إن المطلوب قبل اختيار أعضاء اللجنة هو وضع صلاحيات واضحة من قبل مختصين محايدين وغير موجودين في اللجنة، ليتمكن الأعضاء لاحقا من إنجاز مهمتهم بيسر، من دون أية عقبات متوقعة الحدوث تبرز خلال إنجاز مهمتهم بين فترة وأخرى.

ثالثا: آليات العمل: وهي قضية بالغة الحساسية؛ فما مدة عمل اللجنة؟ وكيف تعتبر جلسات اللجنة صحيحة الانعقاد؟ وكيف تُقرُّ المواد؟ هل بالإجماع أم بالأغلبية المطلقة أم النسبية؟ وكيف يعوَّض عن المستنكفين أو المتوفين... إلخ.

إن ما يسري على الصلاحيات يجب إنجازه في الآليات، فهي قضية إجرائية دقيقة يتسلل لها البعض لمنع إنجاز المهمة على أكمل وجه.

رابعا: تحويل المخرجات إلى دستور مقبول وطنيا غير مفروض دوليا: إذا ما سلمنا بإنجاز اللجنة مهمتها على أكمل وجه؛ فكيف ستقرّ تلك الوثائق؟ هل سيتم التصويت عليها شعبيا؟ وفي حال تم رفضها من السوريين.. ما الإجراء المتخذ؟ أم سيتم فرضها عبر مجلس الأمن الدولي مما ينجم عنه دستور مفروض دوليا، يكون أشبه بنظام وصاية دولي بعيد عن إرادة السوريين.

وإضافة إلى هذا؛ يمكن الكلام عن المحاذير في مضمون منتج اللجنة الدستورية، التي يمكن أن يكون لها منعكس طويل المدى على سوريا وشعبها، وهي كما يأتي:

"لا بد من دراسة كافة السيناريوهات المتوقعة والسيناريوهات المضادة للوصول إلى أفضل حل سياسي ممكن، طالما حلم به السوريون منذ انقلاب البعث وحكم عائلة الأسد المقيت، من دون أن يسمح للدول الطامعة أو للمستبدين بإعادة سوريا إلى الدوران في حلقة مفرغة، لم نستطع الخروج منها منذ عهد الاستقلال"

١- دستور طائفي شبيه ببعض دول الجوار، تنتج عنه دول ضعيفة غير قادرة على تأليف حكومات والانتقال بأوطانها إلى مصاف الدول المتقدمة، رغم ما تملكه من خيرات وكفاءات.

٢- دستور غير ملائم لثقافة المجتمع وتاريخه، وأظن أن البعض يذكر ما حصل في دستور الخمسين، وحتى في معركة الدستور عام ١٩٧٣ التي حاول فيها حافظ الأسد تجاوزه، ولكنه فشل بعد مقاومة مشهودة من الدكتور إبراهيم محمد السلقيني الذي توفي خلال الثورة في ظروف غامضة.

٣- دستور لا يكرس الحريات ومحاسبة مرتكبي الجرائم سابقا وحاضرا ومستقبلا، وخاصة الأحداث التي تمت منذ مجيء حزب البعث وانقلاب حافظ الأسد الشهير، مثل مجازر تدمر وحماة وصيدنايا، بالإضافة إلى ما جرى خلال الثورة السورية من استخدام للسلاح الكيمياوي والبراميل وجرائم التعذيب والمختفين قسريا.

٤- دستور غير محصن وغير ملزم تنفيذه للسلطة التنفيذية، من خلال فصل السلطات وتشكيل أجهزة أمنية مهنية ملزمة بتنفيذ الأحكام القضائية على كافة الجهات والشخصيات من دون خوف أو وجل؛ فقد لوحظ خلال الثورة أن المؤسسة الأمنية والعسكرية كانت مجرد سوط في وجه الشعب وليست مؤسسة مهنية تدافع عن الشعب ودولته.

إن المطلوب من المؤسسات التي تمثل الثورة أن تمارس دورها بالتعامل مع هذه القضايا الحساسة بمهنية عالية، من حيث الوجود أو الاختيار أو القضايا الإجرائية، دون عاطفة أو مزايدات.

وذلك من خلال دراسة كافة السيناريوهات المتوقعة والسيناريوهات المضادة للوصول إلى أفضل حل سياسي ممكن، طالما حلم به السوريون منذ انقلاب البعث وحكم عائلة الأسد المقيت، من دون أن يسمح للدول الطامعة أو للمستبدين بإعادة سوريا إلى الدوران في حلقة مفرغة، لم نستطع الخروج منها منذ عهد الاستقلال.

==========================

بين خيارين

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 13/10/2018

ليس هناك ما هو أسوأ في أي ثورةٍ من الشعبوية: من السير وراء العفوية التي غالبا ما نتصّف بها نحن البشر، فتحركنا عواطفنا التي تملي علينا ردود أفعالٍ تعجز عن التعامل العقلاني والناجح مع مشكلاتنا. بدل أن تسير الكثرة وراء ما تضعه القلة من خطط برامج سياسية، تعبر عن مطالبها ومصالحها، يفضي الافتقار إلى الخطط والبرامج إلى هيمنة الكثرة على النخب التي يفترض بها امتلاك ما يكفي من معرفةٍ وخبرةٍ لتكون قائدة، وبالكثرة ما يكفي من حسٍّ سليمٍ تميّز بواسطته بين ما يقدّم لها من أفكار وتصوّرات، فتمنح ما تختاره قوة مادية تجعل تحقيقه ممكنا، وفي حالات كثيرة حتميا، كما قال فلاسفة عديدون.

ليس هذا التصنيف إدانة للحس السليم، على الرغم من أنه غالبا ما يكون متنوعا إلى درجة الانقسام والتعارض. لذلك، تؤكد الخبرات التي قدّمتها تجارب تاريخية متنوعة أن العفوية لا تصلح لوضع خطط وبناء نظم وقيادات ثورية، وأن سير من النخب وراءها يكون كارثةً تدمر أي ثورة، مهما كان اشتراك الشعب فيها كثيفا، وكانت رهاناته نبيلة ونزيهة. وقد أدّى هذا الوضع المقلوب إلى فشل ثوراتٍ كثيرة، من الضروري لنجاة الثورة السورية منه أن تمتلك أخيرا قيادة ذات صدقية، بدل أن تغرق معظم نخبها نفسها في التملق لما اعتقدوا أنه الشعب، بنتائج مأساوية، أهمها كثافة التضحيات التي على الشعب تقديمها، ما كان انتصار الثورة يتطلب جزءا منها، لو نجحت نخبها في بناء قيادةٍ، وقدّمت لشعبها برامج عمل وخططا تفيد من قدراته الهائلة التي لم تتعطل بغياب البرامج والخطط الضرورية لانتصار أي ثورة، بل أخضعت الشعب لمن دفعوه إلى الهاوية، وسط بحرٍ من دمائه، بزعم أن الثورة تتطلب ذلك، مع أنهم كانوا حرصوا على حياة الشعب، لو كانوا ثوريين حقا.

قال أحد الفلاسفة: تنتصر الثورة في الواقع بقدر ما تكون قد انتصرت في الوعي، وبقدر ما تنجو من العفوية والارتجال. هذا النقص في الثورة غطّى عليه تفاني الشعب الرائع في الصراع مع الأسدية. لكنه، وما أن وقع التراجع، خصوصا منذ سقوط حلب، حتى تبين أن غياب الثورة في الفكر كان سبب تراجعها في الواقع، وما وقع من خداع للمواطن العادي الذي منح ثقته لمن تملقوه، وخصوصا منهم الذين حوّلوا ثورته من أجل الحرية إلى ثورةٍ مذهبيةٍ معاديةٍ للحرية، ولوحدة السوريين شعبا، واستخدموا سلاحهم ضد أنصار الثورة الأولى ورهاناتها، وكتموا أنفاسهم باسم وعد اتضح، بكل جلاء بعد حين، أن تحقيقه مستحيل، هو إقامة دولة إسلامية، لم تخدم مطالبتهم بها، وخلافاتهم الدموية حولها، أحدا غير بشار الأسد وروسيا وإيران، كما قوّضت فرص انتصار ثورة الحرية، الأصلية والأصيلة.

واليوم، ليست الثورة السورية بخير، لأن هؤلاء يحاولون، من جديد، إحكام قبضتهم على يقظة جديدة في ما بقي من سوريين في الشمال السوري، الخارجة عن سيطرة الأسدية بدعم تركيا. لذلك تراهم يطعنون الثورة في الظهر، كما فعلوا في سنواتها السبع الماضية، عندما نظروا إلى وطننا ومجتمعنا بدلالة أحزابهم المذهبية، المؤدلجة والفاشلة، بدل أن يروا أحزابهم وأنفسهم بدلالة وطنهم وحريته، وحق شعبهم في العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

.. ولن يكون السوريون بخير، إذا لم يقاوموا هذا النهج الذي أجهز على ثورتهم الأولى، ويحاول اليوم خنق ما يبدو من إشاراتٍ إلى استعادة ثورة الحرية والشعب الواحد الأصلية، وإذا لم يرفضوا تغليب العداء بعضهم لبعض على العداء للنظام، قبل فوات الأوان، وتبديد الوقت القليل الباقي لهم.

==========================

آخر الأتراك في ظل نبينا (أو الدفاع عن المدينة)

عرض ودراسة بقلم : يحيى حاج يحيى

"صورة جديدة عن العلاقات العربية التركية في أوائل القرن العشرين بعيداً عن التاريخ الموجه، ودراما الفضائيات"

يتحدث هذا الكتاب عن السنوات الأخيرة في حياة الخلافة العثمانية، ويركز على فترة الحرب العالمية الأولى، والكتاب غني بالوثائق التاريخية، أما مؤلفه فهو الصحفي التركي "فريدون قاندمير" أحد أفراد هيئة الهلال الأحمر، وآخر المنسحبين من المدينة المنورة بعد قبول القائد فخري باشا بالخروج منها.

تظهر الحاجة إلى مثل هذا الكتاب في هذا الوقت للكشف عن كثير مما يعرض في كتب التاريخ الموجهه، وفي المسلسلات التلفزيونية التي تعكس جانباً واحداً من العلاقة بين العرب والأتراك من زاوية نظر معينة، وتقتطع من الأحداث ما يخدم خلفيات فكرية مغرضة، واطر تاريخية جاهزة؟!!

إن المتتبع للكتابة التاريخية المعاصرة التي تعالج هذه الفترة، والمسلسلات التاريخية في عدد من وسائل الإعلام يجدها تركز على بعض الأمور التي لا يكاد يخلو منها تاريخ أمة، ووقائع دولة، حيث يتم التركيز على السنوات الأخيرة من حياة الخلافة العثمانية، متناسية سيطرة الاتحاد والترقي وتوجيهه للأحداث منذ عام 1908م. فهي تختصر تاريخ هذه الفترة اختصاراً مخلاً؟! فالتشكيل والوقائع والانتصارات والنقط المضيئة والفتوحات، والوقوف في وجه الهجمات الإستعمارية التي كانت امتداداً للحروب الصليبية يتسم الحديث عنه بوصفه بحكم السلاطين والنظام العسكري والهيمنة، والتقوقع الذي حرم الشعوب المنضوية تحت ظل الخلافة من الانفتاح على العالم، والمشاركة في النهضة التي بدأت أوربا تشهدها، مع تناسي وتجاهل حجم التآمر الغربي والشرقي على العالم الإسلامي آنذاك، والجهود العملاقة التي بذلها كثير من هؤلاء السلاطين في الحفاظ على بلاد المسلمين، ورد الطامعين عن ديارهم؟! وفي المقابل نجد إصرارا على إبراز دور جمال باشا وأنور باشا وكمال أتاتورك وجمعية الاتحاد والترقي، والنزعة الطورانية، وكأنه يمثل تاريخ الدولة العثمانية بأسره كما في عدد من المسلسلات مثل (أخوة التراب - تراب الغرباء - الشوكة السوداء)؟!! في صورة تفتقر إلى الواقعية والصدق والموضوعية، فهي تشارك عن وعي منها، أو عن غير وعي، الدوائر الاستعمارية التي زيفت تاريخ هذه الفترة، وجهدت على إبراز العلاقة بين العرب والترك وغيرهم من الشعوب الإسلامية على أنها علاقة استيلاء واستعلاء واستلاب، في حرص شديد على تمزيق جميع أنواع الروابط والوشائج المعنوية والمادية، وتشويه الصورة الحقيقية، ونشر ما يضادها ويخالفها؟! وقد فضح الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين هذا التوجه، في بيانه الذي ألقي أمام اللجنة البريطانية الموفدة إلى فلسطين في يناير 1937م فقال: "لقد كان العرب يؤلفون جزءاً مهماً من كيان الدولة العثمانية، ومن الخطأ أن يقال: إن العرب كانوا تحت نير عبودية الأتراك، وإن نهضتهم ومساعدة الحلفاء لهم في الحرب العامة إنما كانت ترمي إلى تحريرهم من ذلك النير؟!! فقد كانوا يتمتعون في كيان الدولة العثمانية بجميع أنواع الحقوق التي كان يتمتع بها الأتراك سياسية أو غير سياسية، وذلك بحكم الدستور الذي وضع أساس حكم واحد لجميع البلاد والعناصر التي كان يتألف منها كيان الدولة العثمانية، وكان العرب يشاطرون الأتراك جميع مناصب الدولة العثمانية المدنية والعسكرية، فكان منهم وزراء ورؤساء وزارات وقواد وفيالق وفرق، وسفراء وولاة ومتصرفون، كما كان في مجلس النواب والأعيان العثماني عدد كبير من الأعضاء العرب بنسبة أعدادهم وفقاً للدستور وقانون الإنتخاب العثماني، وفوق ذلك كانت البلاد العربية تدار بحكم يستند على مجالس إدارية، ومجالس عمومية في الأقضية والألوية والولايات، وكان لهذه المجالس صلاحيات واسعة في الإدارة والمالية والتعليم والعمران".

وفي كتابنا الذي نحن بصدده ما يؤكد هذه الحقيقة، ويصور مدى حرص الإنكليز على فصم العرى، وتمزيق وحدة المسلمين؟! وقد تحدث المؤلف عن ثلاثة من أخطر مفجري الديناميت من الإنكليز، وعن حرصهم على نسف الخط الحديدي الحجازي، وإسقاط المدينة المنورة، وفصل الحامية التي فيها عن بقية أجزاء الدولة فيذكر أنهم مهندسون مهرة في زرع الألغام ونسف خطوط البرق، وأنهم كانوا يبقون بدون طعام أسابيع ملتصقين بالسكة الحديدية، وأن حرصهم على التحطيم والتخريب لم يكن له حد؟!

بل كان أحدهم -كما نقل العرب الذين شاهدوه- يعض القضبان الحديدية وكأنه يريد أن ينتزعها بأسنانه إذا نفد الديناميت، أو إذا لم ينفجر؟! وإنه من حرصه كان ينام ورأسه فوق القضبان. وعن طبيعة العلاقات رغم ما أثير من فتن، ومن شحن للنفوس، ينقل المؤلف هذه الصورة بعد دخول القوات الهاشمية إلى المدينة وبعد الاتفاق على إخلائها وبقاء هيئة الهلال الأحمر التي ترعى الجرحى والمرضى يقول المؤلف: قدم وفد مؤلف من ثلاثة أشخاص ليزوروا المستشفى وبعد شرب القهوة قال أحدهم: يلزم ألا يبخل الهلال الحمر التركي بشفقته وعونه علينا، وبما أننا كلنا مسلمون فلا فرق بيننا، ويعلق المؤلف الذي كان أحد أعضاء الهيئة: لقد ذابت الثلوج بيننا، واطفأ ت القلق، وشعرنا بالفرح والسرور، ولا سيما عندما قال أحدهم وهو يشرب القهوة: إننا مشتاقون منذ سنين للقهوة التركية، وإننا متأسفون لهذا الطالع الذي ساقنا إلى ذلك، ولكن الذي حدث حدث وعلينا الآن أن ننسى الماضي.

ومن الصور التي ينقلها المؤلف صورة للجنود الجرحى الذين بقوا في المدينة وهم يزورون المسجد النبوي: لقد استقبِلوا من قبل أهالي المدينة حتى من البدو، بمودة وترحاب وأخوة نادرة، وبعد صلاة الجمعة أصروا عليهم أن يتناولوا طعام الغداء معهم، وعند رجوعهم إلى المستشفى كان يحيط بهم جمع غفير من الأهالي يودون البقاء معهم. يقول المؤلف: قال لي الأمير عبد الله الذي شاهد هذا المنظر عند ما لقيته في الغد: أيها السيد! إن الإسلام رابطة قوية، إن مثل هذه الرابطة لا يستطيع أحد  أن يقطعها، ولابد لنا ان نعرف قيمة هذه الرابطة مع الأتراك وسوف نعرفها، ويعلق المؤلف: كان بودي أن أقول للأمير: ليس هناك أحد كالأتراك عرف قيمة هذه العلاقات وأراق دمه في سبيلها وينقل عن أحد المجاورين في المدينة من أصل جزائري: يا أولادي! إن الأتراك من أكثر الأمم التي خدمت الإسلام، وإنكم نماذج إنسانية إسلامية أتيتم من إستنبول من أجل غاية شريفة...

وعند الاستعداد للرحيل من المدينة، بعد محادثات مع القيادة العربية كان بين الجنود جنود من أصل عربي: هذا شامي وهذا مقدسي وهذا من حيفا ومن بيروت وعندما سمعوا بكلمة الأسر رفضوا ذلك كما رفض زملاؤهم الأتراك، وأخيراً استطعنا أن نقنعهم بواسطة بعض الضباط العرب للرضوخ للأمر الواقع.

وبينما كان الجنود يودعون زملاءهم الشهداء في مقابر المدينة كان أهل المدينة الذين عرفوا أنهم سيغادرون يظهرون له التقرب والمودة ولا يعرفون كيف يحتضنونهم ويعانقونهم ويعلق المؤلف: ولا زلت متألماً حزيناً لأني لم أجد آلة فوتوغرافية لأصور هذا المنظر ذا الدلالة العظيمة ساعة الفراق التي دامت ساعات، ومضى بهم القطار والأيدي تلوح بالوداع.

وحين جاء ياسين باشا ممثلاً للقيادة العربية يقول المؤلف: كنا نتحدث كأصدقاء أو حسب تعبيرة كالأخوة، وكان يقول: إن العرب والترك بحسب خلقتهم شعوب لا يفترق بعضهما عن بعض، وليس على وجه الدنيا أمتان مترابطتان مع بعضهما مثلهما.. وهذه حقيقة تاريخية إن الأتراك هم الذين قبلوا الإسلام الذي ظهر في جزيرة العرب أولاً، ونشروه إلى الجهات الأربع، وجاهدوا في سبيل ذلك، وهم يريقون دماءهم. فكروا في قول النبي وهو يبشر بفتح القسطنطينية لقد وفق الأتراك لهذا، وأسسوا استانبول وجعلوها دياراً إسلامية، وهم الذين نشروا السكينة في الجزيرة وحرسوها، وجعلوا العرب تاجاً فوق رؤوسهم نحن العرب لا ننسى هذه الحقيقة التاريخية.. ثم يبدي ياسين باشا تعجبه من الواقع الذي تظهر فيه العداوة، وفي جزيرة العرب بالذات، ويرجع ذلك إلى الإتحاد والترقي الذين أساؤوا إلى العرب، وأدخلوا الدولة في الحرب، وجروها إلى الكارثة.. ويرد المؤلف: بأن الخروج على الدولة مقابل وعود الإنكليز وطعنها في أحلك الظروف أجج العداوة، وأن المستقبل القريب أثبت كذب وعود الإنكليز فهم لم يفوا للعرب منها بشيء؟!!

ويعترف ياسين باشا بأن الصداقة التي بين العرب والأتراك قد اهتزت كثيراً بتحريض الأجانب في الأيام الأخيرة، وهذا الإهتزاز أدى إلى أحداث دامية، وأن جنود الأتراك الفارين من فلسطين قد تعرضوا لأذى عظيم من قبل بعض الناس الذين حرضهم الأجانب؟!

يقول المؤلف وهو يتصور هذا الموقف عندما كان في طريقه إلى دمشق: زاد خوفنا أننا سندخل إلى دمشق بزينا المميز.. وفي الفندق أغلقوا الباب على أنفسهم وكأنهم مساجين، وبعد مقابلة الملك فيصل وترحيبه بهم وقوله لهم: كان يجب أن لا تقع هذه الأحداث، يجب على الطرفين نسيان الماضي القريب، وأن يعملا على إحياء الأخوة والصداقة القديمتين.. ومما قاله فيصل وهو يبدي إعجابه بالشاعر التركي الكبير محمد عاكف: أحمد الله أن شاعركم مسلم، وبهذا الإعتبار نستطيع أن نعده شاعرنا جميعاً لأنه شاعر مسلم... ثم يتحدث المؤلف عن العلاقات مع السوريين على المستوى الشعبي، وكيف أن المخاوف قد تبددت، فحين دعاهم الملك فيصل إلى حفل فني لم يفكروا بشيء سوى السلامة.. دخلنا ونحن خائفون، وبينما نحن نبحث عن مكان جلوسنا ارتفعت صيحة عالية من القاعة المليئة بالمدعوين: الأتراك! الأتراك! الإخوة الأتراك، فركز جميع من في القاعة عيونهم وأخذوا يصيحون: فليعش الإخوة الأتراك، وقامت عاصفة من التصفيق والترحيب فأصبحنا لا ندري كيف نستقبلها؟ وكيف نتصرف؟ وامتدت الأيدي لمصافحتنا.. لقد كانت الصداقة العربية التركية تأخذ طريقها، وكأنها لقاء بين الأحبة بعد أشواق السنين وحسرتها. وحين دخل الملك فيصل أخذ الحاضرون يهتفون "فلتعش الأخوة العربية التركية" لم نكن نفكر بأننا سنقابل بمثل هذه الحفاوة، وعند الخروج كان الجمع أكبر والميدان يرن بأصوات "يعيش" وقُبَل وعناق وهتافات.

ويتساءل المؤلف ما الذي حمل الدمشقيين أو على الأصح العرب على ذلك، لقد كشف السوريون ألاعيب الإنكليز كما كشفها عرب الجزيرة وأخذوا يعانقوننا قائلين ( يا إخواننا الأتراك.. وهم يلعنون الإنكليز ويسبونهم، ولا يعرفون ماذا يفعلون ليأخذوا ثأرهم منهم.. وهكذا تغير المواطن السوري وهو لا يعرف كيف يكرم أول من يقابلهم من الأتراك.. عدد الذين يأتون لزيارتنا كبير. الناس يدعوننا لتناول القهوة، وفي الدكاكين بقدمون لنا الهدايا ويرفضون أخذ ثمنها؟! الصحف تكتب عن وصولنا وترحب بنا.. الناس يتناشدون قصائد محمد عاكف، ويهتزون لمعانيها الإسلامية.. ثم يضيف: كان من المقرر أن نسافر عن طريق حلب إلى أضنة لنصل في يوم واحد، ففوجئنا بالسفر عن طريق البحر الذي يطول أياما؟!! ثم عرفنا أن الإنكليز وراء هذا التغيير المفاجئ؛ لقد فكروا في احتمال أن يظهر أهالي حلب وحماة وحمص مودتهم لنا، فيتظاهروا ضدهم كما حدث في دمشق! فاختاروا طريق البحر، وكأنهم يهربوننا.. أحد البغداديين قال لنا في آخر لقاء على وليمة في دمشق: أقسم بالله أيها السادة إن حديث الصداقة عبث، فإننا إخوة، وقد امتزجنا منذ سنيين طويلة، وأي واحد منا لو بحث عن شجرة عائلته، وحلل دمه ستظهر له هذه الحقيقة.. ويختم المؤلف هذه المشاهد يقوله: إن جميع الحركات كانت بسبب السياسة التي تشحذ السكين لذبح الإسلام وبدسائس الجاسوس لورنس.. إن السوريين الذين هجموا على الأتراك دون أن يدروا شيئاً عما يدبر لهم.. إنهم بعدما مرت عليهم عدة شهور من هذه الأحداث يخجلون من ذكرها ولا يعرفون كيف يظهرون حبهم للأتراك.. الحمد لله لقد قدر لنا أن نرى هذه التطورات قبل أن نصل إلى استانبول، ونحن فرحون.

__________________

•آخر الأتراك في ظل نبينا؛ أو (الدفاع عن المدينة).

•تأليف: فريدون قاندمير.

•ترجمة: أديب عبد المنان.

•مخطوطة (آلة كاتبة) في مركز "بحوث ودراسات المدينة المنورة" في المدينة المنورة / 254 صفحة من القطع الكبير.

=======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com