العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-08-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

استعراض القاذفات الروسية يفضح ارتباك حلفاء الأسد .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 18/8/2016

الخطوات العسكرية المتباعدة التي تتخذها روسيا والولايات المتحدة، الأولى في إيران وسورية والثانية بالقرب من الصين وكوريا الشمالية، تعكس الافتراق الكبير في اهتمامات الدولتين الكبريين، وبالتحديد في منطقة الشرق الأوسط. ففي حين مدّ الروس انتشارهم العسكري إلى إيران، في سابقة منذ العام 1941، وأرسلوا إلى إحدى قواعدها قاذفات استراتيجية لقصف مواقع يتبع معظمها للمعارضة السورية المعتدلة، كان «البنتاغون» يعلن حشد قاذفات أميركية مماثلة في جزيرة غوام في المحيط الهادئ، على بعد آلاف الأميال من سورية، حيث يسود توتر بين القوى الإقليمية نتيجة النزاع على الموارد.

رد فعل واشنطن الذي كشف علمها المسبق بالخطوة الروسية، على رغم أنها «فوجئت» بالتوقيت، جاء ليؤكد أن ما فعلته موسكو لم يتخطّ حدود الاتفاق على تلزيم «الحل» في سورية إلى الروس. فالأميركيون المنكفئون لديهم أولوية وحيدة: دحر تنظيم «داعش»، من دون اهتمام فعلي بما سيحصل لاحقاً، وهم سيتعاطون مع الوقائع المستجدة في وقتها، مثلما يفعلون في العراق، وقد يوافقون على الطرح الروسي الذي قبلته تركيا بتشكيل حكومة «وحدة وطنية» في سورية تشمل الأسد، على رغم ميلهم الى وجوب رحيله.

ومن الواضح أن إسرائيل أيضاً كانت على علم مسبق بالإجراء الروسي، وإلا لكانت رادارتها ستعتبر القاذفات «المجهولة» المنطلقة من إيران باتجاه سورية عبر العراق تهديداً مباشراً لأمنها، ولأطلقت صافرات الإنذار في مدنها.

لكن هل لنشر القاذفات الروسية الذي أكدت إيران أنه ليس دائماً، تأثير كبير على سير المعارك في سورية، وخصوصاً في منطقة حلب المستعصية على خطط موسكو وطهران؟

من المفترض أن تكون موافقة إيران على هذا الخرق الطوعي للسيادة الوطنية، ولو كان موقتاً، أملتها أسباب تفوق بأهميتها قرار السماح بنشر قوة أجنبية على أراضيها. صحيح أن هناك مصالح كبيرة مشتركة بدأت تتبلور بين موسكو وطهران بعد رفع العقوبات الدولية عن الأخيرة، لكنها لا تبرر وحدها مثل هذه الخطوة، إلا إذا كان الإيرانيون يستشعرون خطراً وشيكاً يتهدد ما يعتبرونه «معركة مصير» في حلب التي يستهدفها القصف الروسي بشكل خاص.

والواقع أن القوات الإيرانية، من «حرس ثوري» وميليشيات شيعية متعددة الجنسية، تلقت صفعة قوية في حلب قبل نحو أسبوعين عندما نجح المعارضون السوريون في فك الحصار عن شرق المدينة، ويواصلون هجماتهم في مناطق أخرى منها متوعدين بتحريرها بالكامل. وعنى ذلك أن القيادة الإيرانية لمعركة حلب تواجه صعوبات تدفعها إلى الاستعانة أكثر بالدعم الجوي الروسي، مع ما يستلزمه ذلك من القبول بمطالب روسية بينها استخدام القواعد الإيرانية، علماً أن خبراء عسكريين غربيين يعتقدون جازمين بأن هذا الانتشار لا يشكل فرقاً كبيراً على الصعيد العسكري، لأن القصف الروسي متاح من قاعدة حميميم ومن السفن المنتشرة قبالة الساحل السوري، ومن جنوب روسيا نفسها، ولم يمنع مقاتلي المعارضة من التقدم.

من الواضح أن نتائج معركة حلب أربكت حلفاء نظام الأسد، كونها فضحت عجز مرتزقة طهران، ودفعت موسكو الى استعراض مسرحي لقوتها بعدما عجز طيرانها وصواريخها عن حسم المواجهة، ذلك أن هدفها الفعلي تقديم دعم معنوي إلى إيران ونظام الأسد، وتوجيه رسالة إلى العالم بأن روسيا هي التي تدير معركة سورية، وأنها الطرف الأقدر على ملء الفراغ الأميركي في المنطقة.

========================

موقفنا : الطائرات والبوارج الروسية وجيش التحرير الشيعي لفرض الحل العسكري .. بيد عمرو وليس بيدي .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

20/8/2016

يستقبل السوريون بأجساد أطفالهم ، كل ساعة المزيد من قذائف وصواريخ الطائرات والبوارج الروسية ، وكذا طائرات التحالف الأمريكي ، والمزيد من قتلة ما يسمى ( جيش التحرير الشيعي ) متعدد الجنسيات ، تعمل كل هذه القوى مجتمعة ‘على فرض حل عسكري على الشعب السوري ، تحت عنوان ما يسميه هؤلاء الكائدون الماكرون ( الحل السياسي ) الذي يعد له السيد ديمستورا في جنيف القادم . والذي ينتظره المنتظرون !!

لا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء ليدرك أن الحل الذي يفرض بقصف أسراب الطائرات العملاقة ، والبوارج البحرية ، وعصابات القتل الشيعية متعددة الجنسيات ليس حلا سياسيا ، وإنما هو حل عسكري بامتياز ، يتواطأ عليه كل هؤلاء المتواطئون .

 يتابع المواطنون السوريون ( الحل السياسي ) المزعوم ، على الأرض في صور أطفالهم ، وفي شخص الطفل "عمران قنديش " سعيد الحظ الذي كتبت له السلامة ، بينما تحول عشرات الأطفال من إخوانه إلى أشلاء ، أو ساخوا في الأرض تحت التراب ...

ويتابع السوريون ( الحل السياسي ) المزعوم قراءة في التقارير الإنسانية التي توثق يوميا أخبار حرب الإبادة التي تشن عليهم بالأسلحة الكيماوية والحارقة بأنواعها والقنابل الفراغية والعنقودية . هذه الأسلحة التي يستمعون إليها تكرر على مسامع كل من بقي حيا منهم اليوم موعدنا غدا أو بعد غد ..

يتابع السوريون بنود ( الحل السياسي ) الذي ينتظره المنتظرون ، ثم يرفعون رؤوسهم فتسد عليهم أفق جهادهم وصبرهم ومصابرتهم وتضحياتهم صور بعض المتكئين على كراسي المسئولية في هيئات المعارضة المختلفة ، فيرونهم ينتظرون ما يفعل بهم أو لهم ، وكأن كل هذا يجري لا يعنيهم ، وإنما هم ينتظرون أن يدعوهم (الراعي) ديمستور إلى مذبحه المخملي في جنيف حيث سينتهي دورهم بوضع بصمة التوقيع ..

إن السؤال المحير بحق ، هل استغرق العجز هؤلاء الناس بحيث أصبحوا عاجزين عن الإعلان عن عجزهم ؟! وإصرارهم على أن دورهم هو مناقشة حل سياسي ، وليس التوقيع على حل عسكري ما زال الروس وحلفاؤهم يحاولون فرضه على الشعب السوري منذ أحد عشر شهرا !!

لقد كانت الدعوة الأصلية إلى جنيف هي للتوافق على حل سياسي ، فهل عجز هؤلاء السياسيون أن يصدروا بيانا يعلنون فيه للمجتمع الدولي أن الحل السياسي لا يكون تحت وقع حصار المدنيين ، وتجويع الأطفال ، وقذائف الطائرات والبوارج الروسية ، وحمم قذائف النابلم ومشتقاته وغاز الكلور ومرادفاته ...

هل عجزوا أن يصدروا بيانا يقولون فيه للأمريكيين الذين لم يحركهم سارين بشار الأسد ، ولا كل أسلحته المحرمة دوليا ، والذين لم تؤثر في ضمائرهم صورة الطفل عمران ولا عشرا ت الآلاف من صور السوريين المعذبين الموثقة لديهم ، وحركهم في بعض ساعة قصف عارض عابر نال على الحدود التركية بعض عملائهم ؛ لقد أسفر الصبح ، وحصحص الحق ، وأدركنا زيف ( الحل السياسي ) الذي إليه تدعون .

بيان واحد من هيئة التفاوض العليا ومن الائتلاف الوطني ومن كل قيادات قوى المعارضة ، بيان واحد ، يتعاطف مع صورة الطفل عمران ، ومع ضحايا قصف النابلم الحارق ، والكلور الخانق ، وضحايا الحصار في جوف الجوع والعطش والمرض ، بيان واحد يرفض التوقيع على (الحل العسكري) الذي تعمل عليه الأساطيل الجوية والبحرية الروسية والأمريكية ، ويعززه على الأرض جيش (لتحرير الشيعي ) متعدد الجنسيات ، ووحدات حماية الشعب الكردية وكل المشتقات الفئوية والطائفية ..

بيان واحد وتغير كل شيء ، أو يبرئ صادق نفسه أمام الله ثم أمام الناس .

كل المنتظر من القوى السياسية الملتحفة لعلم الثورة السورية ، أن تعلن رفضها أن تكون معبرا ( للحل العسكري ) الذي تسعى كل القوى الدولية إلى فرضه على السوريين .

ومع أن ثورة المجاهدين من أبناء الشعب السوري تسير في طريق آخر وتتخذ معراجها إلى العلى ، وتملك من العزيمة والتصميم ما يجعلها تؤكد بصدق وتصميم : أخي أنا ما سئمت الكفاح ...

نقول لكل المساكين المتورطين في حبال الماكرين : ليقل كل واحد منكم : إن كان ولا بد فليكن بيد عمرو وليس بيدي ...

اقبلوها نصيحة واعلموا أن جيل الشهادة لن يرحم المتخاذلين والمفرطين والمستسلمين مهما كانت معاذيرهم ومباديهم ..

يستحق جيل الثورة والشهادة ممثلين يليقون بالثورة والشهادة ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

zuhair@asharqalarabi.org.uk

=========================

بوتين في أنجرليك «الخليجية» .. زهير قصيباتي

الحياة

 الاربعاء 17/8/2016

فارق «بسيط» بين قتال الفصائل المسلحة المعتدلة في سورية بأسلحة متواضعة وبلا غطاء جوي، و «نضال» الروس ضد مَن تسمّيهم موسكو «عصابات إرهابية»، من دون أي تمييز بين المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد، ومَنْ كانوا في «جبهة النصرة»، ومَنْ لا يزالون في صفوف «داعش».

فارق «ضئيل» بين قذائف «الهاون» في أيدي الفصائل والقاذفات الروسية الاستراتيجية التي اقتربت من مواقع «الإرهابيين التكفيريين» في سورية، باتفاق مع إيران، بعدما ارتضت فتح كل منشآتها للروس، لحسم المعركة في حلب.

هكذا بات القيصر في الخليج، ومن بحر قزوين إلى المتوسط يدشّن عرض عضلات نادراً منذ الحرب الباردة، فيما الأميركيون منهمكون بمعاركهم في حملة الانتخابات الرئاسية. وإذا صحّ القول أن الرئيس باراك أوباما اختار لتفادي التورُّط بالمستنقع السوري، «تلزيم» الحرب والحل إلى القيصر، فيصدق كذلك استنتاج صفعة قوية وجّهها الكرملين أمس إلى إدارة أوباما وسياسته «الناعمة»، حين كشف نشر قاذفات من طراز «توبوليف 22» في قاعدة جوية إيرانية، باشرت قصف مواقع في سورية.

في المشهد الأولي، تقتدي موسكو بواشنطن التي تستخدم قاعدة انجرليك التركية لقصف «داعش» في سورية. وإن باتت إيران تحت المظلة الجوية الروسية إلى حين، بذريعة خفض زمن طلعات الطيران الروسي الذي يستهدف مسلّحي التنظيم في الأراضي السورية، فما لا يحتاج إلى أدلة هو توافق موسكو وطهران على سحق كل معارضة للنظام السوري ترفع السلاح في وجهه.

الأهم، عشية بدء عمليات «توبوليف 22» من القاعدة الجوية الإيرانية، هو توافق موسكو وطهران على طمأنة أنقرة، وتحييد مصير الأسد عن أولوياتها، في مقابل سحب ورقة التشجيع الروسي لإدارة كردية في شمال سورية، بما يرضي تركيا وإيران معاً، وعدم ممانعة الرئيس رجب طيب أردوغان في درس تدويل الرقابة على الحدود التركية- السورية. الهدف الواضح هو قطع شرايين التسليح والتمويل، ولكن، مرة أخرى يجدر التساؤل عن المتضرِّر الأول والثاني، «داعش» وحده أم كذلك «جبهة فتح الشام» والفصائل التي كسرت حصار النظام السوري للأحياء الشرقية في حلب؟

بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، تبدّل موقع أنقرة في حسابات «التسوية» السورية، انطلاقاً من التقارب الروسي- التركي الذي شجّع أردوغان على قبول سيناريو «حكومة الوحدة الوطنية» في دمشق، والتي لا تقصي الأسد، ضمن مهلة محددة. باتت وحدة سورية أولوية، باتت معادِلة لوحدة تركيا التي حرص الأميركيون على تسريب «مخاوف من حرب أهلية» فيها، و «قلق» على مصير أسلحة نووية مخزّنة في قاعدة إنجرليك.

وقبل الحديث عن المبادئ الثلاثة للحل في سورية، وعن التوافق بين موسكو وطهران وأنقرة، كانت التلميحات التركية الى «مفاجآت»، بعد نفي توجُّه أنقرة الى التطبيع مع نظام الأسد. «توبوليف» في همدان أم «المفاجآت» التي تطلق يد القيصر فلاديمير بوتين في رسم ما يعتبره ملامح لنظام دولي جديد، فيما واشنطن منكفئة الى قوتها «الناعمة».

وبين غرفة عمليات روسية- إيرانية- عراقية، وتنسيق روسي- إيراني- تركي، و «قاعدة» قرب همدان بعد طرطوس وحميميم، يستعجل القيصر حسم المعركة. إنها الخريطة الجديدة لنفوذ الكرملين، عدّل أول خطوطها في شبه جزيرة القرم، قبل استنساخ الأرض المحروقة في الشيشان لملء الفراغ «الأميركي» في الشرق الأوسط.

لا تتعفف طهران عن «تلزيم» موسكو مهمة سحق معارضي الأسد، ما دامت اعتبرت سورية محافظة إيرانية، لكنّ العرّاب الروسي الذي أدخلها «نفق» التفاوض مع الغرب لطيّ الملف النووي، مثلما قايض بقاء الأسد بنزع الترسانة الكيماوية السورية، يثبت بجدارة أنه تلقّف رسالة «تصدير الثورة» الإيرانية، وأرخى مظلة روسية على «الهلال الشيعي»... ليستعيد المبادرة في مواجهة «زحف الحلف الأطلسي» إلى شرق أوروبا.

صواريخ «مجنّحة» روسية في أجواء العراق وإيران، لضرب «الإرهاب» في سورية. لا مواجهة بين كبار الحرب الباردة، وما يتطلع إليه بوتين بات أبعد بكثير من استئصال دولة «داعش» بين دجلة والفرات.

صواريخ وبوارج وقاذفات تفتح أجواء المنطقة العربية ومياهها للقيصر العائد بخيبات أوباما. ولن يكون مفاجئاً أن يدعم الدور الإيراني في اليمن، فيما لا تفوّت الأمم المتحدة فرصة إلا وتشكّك في شرعية تحرُّك التحالف العربي في مواجهة الانقلاب على الشرعية.

بداية النهاية؟ الصراع على النظام العالمي الجديد في بداية فصل آخر.

========================

عن حقيقة إنفكاك «النصرة» عن «القاعدة»! .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 17/8/2016

لم يهدأ الجدل حول إعلان زعيم «جبهة النصرة» الانفكاك عن تنظيم «القاعدة» واعتماد «جبهة فتح الشام» اسماً جديداً، بل ازداد حدة وعمقاً بعد التقدم العسكري الذي حققته المعارضة المسلحة في مدينة حلب، ربطاً بالوزن والدور الكبيرين لجبهة فتح الشام في ذلك، وما نالته من سمعة وتعاطف في أوساط شعبية سورية.

وجهة النظر الأولى تجد أن الانفكاك شكلي وأشبه بلعبة أو مناورة، والدوافع كثيرة، تبدأ بالتفاف «جبهة النصرة» على تصنيفها، كمنظمة إرهابية، في محاولة للتغلب على تصاعد التحديات السياسية والعسكرية، التي تواجهها بعد تقارب أميركي مع روسيا، يشجع على خصها بضربات جوية مثل «داعش»، مروراً بالاستجابة لضغوط بعض رعاتها الإقليميين لتسهيل تمرير دعمهم لها، وتسويغ حضورها في المستقبل السياسي السوري، وإنتهاءً بتوسل الاسم الجديد لمعالجة تردي علاقاتها مع جماعات من المعارضة المسلحة تحسب على الاعتدال، وصلت في بعض مناطق إدلب وحماة إلى صدامات عسكرية، بما في ذلك الحد من ردود الأفعال الشعبية الرافضة لتسلطها واستئثارها ولتعديها على أهم الناشطين المدنيين والإعلاميين، كما حال التظاهرات المناهضة لها في مدينتي مورك ومعرة النعمان.

وتساق لإثبات صورية الانفكاك أدلة كثيرة، أهمها إحجام المولود الجديد عن إعلان انفصاله فكرياً وعملياً عن نهج السلفية الجهادية العنفي، ومجاهرته بموقف رافض للديموقراطية وشرعة حقوق الإنسان، مؤكداً التزامه بجوهر الأهداف والأساليب التي يدعو إليها تنظيم «القاعدة»، مثل العمل على إقامة دين الله وتحكيم شرعه، والسعي الى خدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم، عبر حماية الجهاد الشامي ورص صفوفه لتحرير أرض الشام، فكيف الحال إن صحت الرواية بأن إعلان الانفكاك تم نتيجة مشاورات مسبقة بين قيادتي «النصرة» وتنظيم «القاعدة»، ليتم الاتفاق على العبارات التي توحي بفك الارتباط، من دون أن تطاول المقاصد الشرعية والتنسيق الضمني بينها؟!

وجهة النظر الثانية تعتبر الانفكاك جدياً وتدرجه في إطار انفصال تنظيمي وسياسي حقيقي عن «القاعدة»، حتى لو احتفظت «جبهة فتح الشام» بالخلفية الإيديولوجية وبقنوات دعم خفية مع الجهادية العالمية.

ولتأكيد الجدية يستند أصحاب هذا الرأي إلى عوامل داعمة، منها أن «جبهة النصرة» تمثلت بلا شك دروس ماضٍ مرير لتنظيم «القاعدة»، مثقل بالعجز والتخبط وعدم الجدوى، ربطاً بثقل المشهد المأسوي السوري، والثمن الباهظ الذي دفعته القطاعات الشعبية السنية من سياسات التصعيد الجهادي، ومنها أن جل العناصر المنضوية في «جبهة النصرة» من السوريين، وهم أقرب إلى العمل المحلي والوطني منه إلى الأممي، وغالبيتهم أكرهت على الالتحاق بالنصرة لتفادي عنف النظام وحماية أنفسهم وتأمين الدعم المادي والعسكري، الأمر الذي يفسر حذر «النصرة» من الاندماج بخطط «القاعدة»، وإحجامها عموماً عن القيام بأية عملية إرهابية خارج البلاد ضد أطراف إقليمية ودولية معادية له.

واستمراراً للجدل السابق تصاعد السجال أيضاً في صفوف المعارضة السياسية السورية حول خيار التعاطي، سلباً أم إيجاباً، مع «جبهة فتح الشام»، كاشفاً ثلاثة آراء متباينة.

ثمة من ينظر إلى الأمر من زاوية أولوية إسقاط النظام، ويدعو إلى التعاون مع «جبهة فتح الشام»، حتى وإن كانت تضمر غير ما تظهر، والغرض شد أزر المعارضة المسلحة في لحظات ضعفها وتمكينها من مواجهة جيش نظامي تتنامى قوته مدعوماً من حلفاء مخلصين، مشيراً إلى أهمية دورها في معركة فك حصار مدينة حلب، ومكرراً لازمة طالما حكمت مواقفه بأن لا مستقبل للتيارات الجهادية في المجتمع التعددي السوري، وأنه لن يمضي وقت طويل بعد سقوط النظام، حتى يخسر الجهاديون ما جنوه جراء الرفض العام لطرائقهم المتطرفة في تطبيق الشريعة ولفقدانهم برنامجاً تنموياً قادراً على تلبية حاجات الناس، ويعزز هؤلاء رهانهم بفكرة تقول، إن تداعيات إعلان الانفكاك، ستكره «جبهة فتح الشام» على التعاطي السياسي وأخذ مصالح حلفائها بالاعتبار، ما يعزز وزن المعتدلين في صفوفها، ممن يهمهم نيل رضا الناس وقبولهم.

وفي المقابل، ثمة من يحذر من أخطار تمرير هذه الخطوة ويطالب بفضحها وكشف صوريتها، على قاعدة رفضه لكل الجماعات الاسلامية التي تحمل مشروع سلطة دينية واصطفاء تلك التي ترفع شعارات وطنية تهم عموم السوريين، مذكراً بمثالب تغطية المعارضة السياسية لـ «جبهة النصرة» عند نشوئها، وما خلفته من أضرار شوهت ثورة السوريين ومكنت أعداءها منها، ومنتقداً من يستهين بوزن «جبهة فتح الشام» ومستقبلها، التي باتت تمتلك اليوم الكثير من القوى وحوافز الاستمرار وتعتاش على مناخ حاضن يتميز بتفاقم الصراع المذهبي في المنطقة وبتراجع ملموس للسياسة على حساب تقدم العنف، وبعجز قوى التغيير الديموقراطي عن كسب ثقة الناس والتقاط زمام المبادرة، فكيف الحال، إن شكلت جبهة فتح الشام، ملاذاً لبقايا المتطرفين المنضوين في داعش، إذا صحت التصريحات الأميركية باقتراب هزيمته؟!

ويتساءل هؤلاء، إذا كان فك الارتباط جدياً وحاسماً، ألا يتطلب خطوات تتجاوز الكلمات المرصوفة إلى إحداث تبدلات جوهرية في بنية «جبهة فتح الشام» وأفكارها وشعاراتها؟! هل يمكنها التنازل مثلاً، عن هدف إقامة دولة إسلامية، وتبني شعار السوريين في دولة ديموقراطية ديدنها الحرية والعدالة والمساواة؟! وهل تتجرأ على التخلي عن المجاهدين الأجانب الذين لا يزالون يؤثرون في قراراتها، والوقوف نقدياً من ممارساتها القمعية السابقة، كاغتيال واعتقال وتهجير أهم قيادات تشكيلات المعارضة وكوادرها، ثم أساليبها في الإخضاع والاضطهاد والقصاص بحق سكان المناطق التي تسيطر عليها؟!

وبين هذا الرأي وذاك يتساءل معارضون بحسرة عما حل بثورتهم؟ أين أصبحت شعاراتها الوطنية الجامعة؟ هل مصيرها أن تغدو رهينة المفاضلة بين استبداد واستبداد، أو بين تيار إسلاموي وآخر؟ هل قدرها أن تستباح في لعبة الأمم؟ وألا تكفي التضحيات التي قدمها الشعب السوري المنكوب لكسر هذه الدورة من المعاناة والألم؟!

========================

فرص تفاهم ثلاثي حول سورية .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 17/8/2016

ما إن عاد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من زيارة إلى روسيا، احتل الملف السوري حيزاً مهماً من نقاشاتها، حتى وصل وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إلى أنقرة، لمناقشة الموضوع نفسه، وقد بات مرجحاً أن يزور أردوغان طهران قريباً. أثارت اللقاءات الروسية –التركية – الإيرانية تكهناتٍ حول محاولة الأطراف الثلاثة التوصل إلى تفاهماتٍ بشأن سورية بعيداً عن واشنطن، بناءً على معطيين: الأول، أن المسألة السورية شأن إقليمي، على دول المنطقة أن تحلها بعيداً عن أية تدخلاتٍ خارجية (روسيا باتت تعتبر نفسها من دول المنطقة!). والثاني، يستند إلى افتراض أن الأطراف الثلاثة توصلت، بعد خمس سنوات من الصراع على سورية، إلى قناعةٍ باستحالة انتصار طرفٍ على آخر، خصوصاً بعد أن تمكّنت قوات المعارضة، بدعم تركي كبير، من كسر الحصار الروسي-الإيراني عن حلب، من جهتها الجنوبية الغربية.

لكن واقع الحال يقول إن التوتر مع واشنطن، وليس الإحساس بالحاجة إلى التوصل إلى حل للصراع في سورية، هو الدافع الرئيسي للتقارب الراهن بين الأطراف الثلاثة. روسيا مستاءة بسبب اختطاف الغرب أوكرانيا منها، وحرمانها من حلم إنشاء الاتحاد الأوراسي، الذي غدا آسيوياً أكثر بعد خسارة أوكرانيا. تركيا غاضبةٌ بسبب اتخاذ واشنطن الأكراد حلفاء في سورية، ثم بسبب موقفها "المائع" من المحاولة الانقلابية أخيراً، أما إيران فما عادت قادرةً على "مداراة" خيبة أملها في نتائج الاتفاق النووي، بعد أن تبين أن مسيرة رفع العقوبات لن تكون سهلةً أو قصيرة.

مع ذلك، وباعتبار أن الغضب على واشنطن هو الدافع الرئيسي للتقارب الجاري، وباعتبار أن الخلاف حول سورية كان السبب الرئيسي في القطيعة، يصبح السؤال: هل تستطيع الأطراف الثلاثة حقاً التوصل إلى تفاهماتٍ بشأن سورية بعيداً عن واشنطن؟

تركت المواقف الإيرانية والروسية من محاولة الانقلاب الفاشلة أثراً إيجابياً على العلاقة مع تركيا، بعكس الموقف الأميركي المتردّد، لكن هذه المواقف لن تكون على الأرجح كافيةً للتغلب على خلافاتهم في سورية. أقصى ما يمكن أن يتحقق في هذه المرحلة هو العودة إلى الصيغة التي كانت سائدةً قبل التدخل العسكري الروسي المباشر، والمواجهة الإيرانية - التركية حول حلب، أي عزل الصراع على سورية عن مسيرة التعاون الثنائي (الاقتصادي والتجاري)، فحجم التضارب في المصالح بين تركيا وكل من إيران وروسيا في سورية كبير جداً، وهو ناجم أصلاً عن اختلاف حاجات كل منهم في هذا الصراع، إذ تسخره روسيا لخدمة غاياتٍ ومصالح لها خارج المنطقة، أما إيران فتعتبره جوهر مشروعها الإقليمي، في حين تنظر إليه تركيا باعتباره مسألةً تخص أمنها ووجودها.

الأمر الآخر أنه، بمقدار من يمثل الخلاف مع واشنطن الدافع الرئيسي للتقارب، فإن الأطراف الثلاثة تمضي فيه، وعينها على الشريك الأميركي، عسى أن يشعر بالغيرة ويعود أدراجه. والأرجح أن التقارب الراهن، على الرغم من أهميته الاقتصادية لتركيا خصوصاً، ما كان ليحصل، ربما لو أن أنقرة وجدت دعماً أميركيا كافياً في مواجهتها مع روسيا، ولما اضطر أردوغان ربما إلى الاعتذار عما لا يصح الاعتذار بشأنه، وهو الدفاع عن أجواء بلاده التي اخترقتها الطائرات الروسية بصورة متعمدة عشرات المرات.

أخيراً، وهو الأهم، أن واشنطن التي تعد بمثابة الفيل في الغرفة، ليس ممكناً تجاهلها، خصوصاً بعد أن أصبح لها وجود عسكري مباشر على الأرض السورية (تبني قاعدة عسكرية كبيرة في عين العرب وأخرى في الرميلان) ولها أدواتها على الأرض، وهي لن تقبل من ثم أي تفاهمٍ بمعزل عنها. صحيح أن إدارة أوباما أبدت زهداً كبيراً في الصراع السوري، لكن هذا الزهد كان يهدف إلى إنهاك الجميع. أما عندما يحين وقت الاتفاق، فهي لن تسمح بتجاوز دورها، خصوصاً من عين الأطراف الثلاثة التي حاولت إغراقها في الوحل السوري.

========================

في احتمالات التقارب التركي الروسي الإيراني .. سمير صالحة

العربي الجديد

 الاربعاء 17/8/2016

مع انفجار البركان السوري، قبل ست سنوات، كانت القيادات السياسية التركية تردد أن المسالة ستحسم خلال ستة أشهر ليسقط النظام، وتذهب سورية نحو التغيير والديمقراطية. الأحداث في سورية مستمرة وسط أرقام وإحصاءات عن عشرات آلاف من القتلى والجرحى، ومليارات الدولارات من الخسائر، من دون وجود أيّ بادرة تفاؤل حقيقية بشأن احتمال انتهاء الأزمة هناك. أطلّ رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، الذي لا يتحدّث كثيراً في الملفات الخارجية أخيراً، ليقول إن سورية أمام احتمال حدوث مفاجآت جديدة في الأشهر الستة المقبلة. ولم يكشف عن أي نوع من المفاجآت ستكون، إيجابية أم سلبية، لكنه لا بد أن يكون استفاد من تجارب سلفه أحمد داود أوغلو وأخطائه، في الحذر الشديد، عندما يتحدث عن موقف أو تصريح سياسي في المسألة السورية يصعب تنفيذه، أو المضي فيه، بسبب تشابكات المشهد السوري وتداخلاته، بأبعاده، المحلية والإقليمية والدولية.

معنويات يلدريم عالية في هذه الآونة. سحقت تركيا الانقلابيين والمراهنين عليهم، وهي ستمضي وراء شعار التغيير والتجديد في سياساتها الداخلية والخارجية، وتتصالح تدريجياً مع روسيا وإسرائيل والعراق، وتعمل على تحسين علاقاتها مع إيران، وهي توجه الانتقادات اليومية للعواصم الغربية التي تخلت عن تعهداتها معها في اتفاقية اللجوء، وذهبت في منحى توتير العلاقات مع تركيا، في افتعال أزمات تسحبها من الأدراج والأرشيف، وتمسح عنها الغبار، للتخلي عن التزاماتها حيالها، أوروبياً وأميركياً، ما دفع الإعلام الغربي إلى الوقوف إلى جانب تركيا، في مواجهتها هذه باسم التصدّي للانقلاب، ولإسقاط حكومات منتخبة وإسكاتها، وهو الموقف الذي لم تتخذه عواصم أوروبية كثيرة ليلة الخامس عشر من يوليو/ تموز المنصرم.

ارتدادات لقاء الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين في سان بطرسبورغ، الأسبوع الماضي، ثم حصيلة زيارة وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أنقرة في مقدمة الأسباب التي شجعت يلدريم على إعلان هذا الموقف، فالخلوة الروسية التركية استغرقت ساعتين، لكن التركية الإيرانية تجاوزت الثلاث ساعات، وقيل فيها الكلام الكثير. فما هي

"نقاط التباعد الثلاثي في سورية لا تعدّ ولا تحصى، بينها تعريف الإرهاب، والموقف من رحيل الأسد" الاحتمالات والسيناريوهات والرسائل المتوقعة التي لم يفصح رئيس الوزراء التركي عنها؟

تريد تركيا تقديم خيار الحلول الإقليمية على الدولية، تحديداً في التعامل مع الملف السوري، وهو ما ردّده يلدريم نفسه في أثناء وجود الرئيس التركي في سان بطرسبرغ، بقوله، إن دول المنطقة أفضل من تحلل وتقدم الحل الصحيح لأزماتها. رسالة توافقية مع دول الجوار، لكنها تصعيدية في غاية الخطورة مع أصحاب المصالح الكبار في الغرب الذين دعموا أو تجاهلوا استهداف تركيا على هذا النحو، لكنها، في الأساس، رسالة رد التحية، وموقف شكر لروسيا وإيران على تضامنهما الكلي مع حكومة "العدالة والتنمية" ليلة الخامس عشر من يوليو/ تموز.

تسلمت تركيا رسالة تحريك القوات الكردية في شمال غرب سورية، وتجاوز الخط الأحمر الذي حددته بغرب الفرات، وهي تعرف تماماً أن وحدات صالح مسلم (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردية لم تكن لتفعل ذلك، من دون التشجيع والتخطيط الأميركيين. وكلام يلدريم هنا يقرأ على أن تركيا سترد عبر التنسيق مع الشركاء والحلفاء الجدد على هذه النقلة في الدخول العسكري الثلاثي المباشر في معركة القضاء على "داعش"، لمنع لعب ورقتها في سورية تحديداً ضدها بعد الآن. لكن، ما لم يقله رئيس الوزراء التركي هو احتمال وجود تفاهم تركي روسي إيراني لتعطيل مشروع المساس بوحدة سورية والتلاعب بتوازناتها العرقية، كما حدث في العراق، ونقطة البداية هي وقف التمدّد الكردي نحو أقصى الشمال الغربي ثغرة البحر التي يريدها أكراد المنطقة ككل، منفذاً تجارياً واقتصادياً واستراتيجياً، يحمي حصتهم في مشروع الخرائط الإقليمية الجديدة.

يحضر نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى تركيا، في الأسبوع المقبل، على عجل. ليس حتماً لتهنئة الأتراك على سلامتهم من قطوع المحاولة الانقلابية، بل لإقناعهم أن واشنطن لا تريد سوى الخير لشركائها، وإن فتح الله غولن ورقة منتهية، لا يجوز تضخيمها، وجعلها سبباً في توتر العلاقات على هذا النحو، وإن التقارب التركي الروسي الإيراني لا يتعارض مع ما تقوله الإدارة الأميركية في الملف السوري، وإن أكراد سورية هم، في النهاية، يعرفون المكان الذي لا بد أن يتوقفوا عنده في طموحاتهم السياسية والدستورية. أراد يلدريم قطع الطريق باكراً على أي مشروع أو اقتراح أميركي جديد، رفضته واشنطن مراراً، وها هي تركيا تحاول إنجازه مع الروس والإيرانيين مباشرةً، مثل اقتراح المنطقة الآمنة ورفض المشروع الفدرالي في سورية، وتفعيل خطة المرحلة الانتقالية السياسية والدستورية في سورية. وكان يلدريم قد أشار سابقاً إلى تورط جماعة غولن في إسقاط المقاتلة الروسية، لكنه يكاد يقول هنا، إن هناك قوى خارجية متورطة أصلاً في تشجيع جماعة غولن على توتير العلاقات التركية الروسية، ثم تنفيذ الانقلاب العسكري، عندما قرّرت تركيا مراجعة سياساتها الخارجية.

تحدّث بنعلي يلدريم، قبل أيام أيضاً، عن مبدأ موازنة العلاقات مع الشرق والغرب، أساسياً في شعارات السياسة الخارجية التركية، لكن يلدريم يعرف جيداً أن استطلاعات الرأي التركية بعد محاولة الانقلاب تقول، إن أرقام الرهان على التقارب التركي الأوروبي والتركي الأميركي تتراجع بشكل سريع، وإن غالبية الأتراك رحبت بالتطبيع مع روسيا وإسرائيل. فهل يريد يلدريم أن يرمي الكرة في ملعب الشارع التركي الذي لعبت قيادات "العدالة والتنمية" ورقته باحتراف منذ شهر، ليرد هو على المقولات الغربية التي تتجاهل قصف المدنيين الأبرياء بالطائرات، وتذكّر، في الوقت نفسه، تركيا بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؟

يريد يلدريم إحياء التحالف الاقتصادي التجاري مع روسيا وإيران، قبل أي تحالف سياسي

"يريد يلدريم إحياء التحالف الاقتصادي التجاري مع روسيا وإيران، قبل أي تحالف سياسي إقليمي" إقليمي، وهذا ما تعرفه وتقوله موسكو وطهران أيضاً، في إطار السياسات البراغمانية التي كانت قمة باكو، بين الرؤساء الروسي بوتين والإيراني حسن روحاني والأذربيجاني إلهام علييف في 8 أغسطس/ آب الجاري، وخططها الإنمائية جزءاً منها. تنقل تركيا الطاقة الروسية الإيرانية إلى أوروبا، وتساهم في حل المشكلة الأوكرانية، وروسيا وإيران تفتحان الأبواب أمامها للعبور استراتيجياً نحو جنوب شرق آسيا والعالم التركي وأرمينيا أيضاً، فالملف السوري لن تكون له الأولوية، على الرغم من أهميته وعاجليته، وتحسين العلاقات التجارية الذي سيستغرق ستة أشهر على الأقل يعني أن الملف السوري سينتظر دوره بعد هذه الفترة.

يعرف رئيس الوزراء التركي، أكثر من غيره، أن نقاط التباعد الثلاثي في سورية لا تعدّ ولا تحصى، بينها تعريف مصطلح الإرهاب والإرهابي، والموقف من رحيل بشار الأسد، والمشروع الكردي في سورية، ومصالح لاعبين إقليميين ودوليين كثيرة، فكيف ستزال كل هذه العقبات بهذه السرعة؟ إلا إذا كان يلدريم سيفاجئنا بتحرّك ثلاثي عسكري أمني سياسي، على أكثر من جبهة في الملف السوري في إطار عملية تفاهم وتنسيق، أعد لها بعيداً عن الأعين تدعمها أوروبا أيضاً للخروج من أزمة اتفاقية اللاجئين التي تهدّد مسار العلاقات التركية الأوروبية بشكل كبير.

خيّب التحرك التركي الإقليمي، أخيراً، آمال كثيرين، كانوا يقولون، قبل شهرين فقط، إن موسكو هي شريك أكراد سورية في رسم الخريطة الجديدة هناك. وها نحن اليوم نقرأهم، يقولون إن الورقة الكردية ليست بيد روسيا وحدها، فهناك أميركا أيضاً. من ابتعد عن الثورة السورية في إطار حسابات ضيقة، تطاول التركيبة العرقية والدينية واللغوية لسورية، لا بد أن يدفع ثمن تغريده خارج سرب الثورة وأهدافها وتطلعاتها.

فيما كنا نستعد لقراءة أبعاد اللقاء بين بوتين وأردوغان وتحليله، دخل الوزير الإيراني جواد ظريف على الخط، ليقول لا تنسوا أن تشركونا في المعادلة الجديدة. وفي مقدور يلدريم أن يكون متفائلاً حتى النهاية، لكن تفاؤله هذا، وما يقوله، لا بد أن يأخذا بالاعتبار مصالح شركاء بلاده في العالمين العربي والإسلامي الذين وقفوا إلى جانبها في أصعب الظروف، وأن يتذكّر قرارات القمة الإسلامية في أسطنبول في أبريل/ نيسان الماضي، وإن أي تقارب ومسار إقليمي جديد بالنسبة لأنقرة لا يمكن أن يكون على حساب علاقاتها مع آخرين، وهي حتماً ستتنبه لذلك.

========================

لمصلحة من يتخلى حكام عرب عن الشعب السوري؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

 الاربعاء 17/8/2016

معظم رؤساء الدول العالمية لا يريد للشعب السوري أن ينتصر في ثورته، ولكل أسبابه. ما يجمعهم هو العداء الاستعماري الموروث. أما الحكام العرب فأغلبيتهم الساحقة تقف في خندق واحد ضد الثورة السورية،لا لأنهم يخافون على عروشهم فحسب، بل لأنهم يخافون أن ينتصر الشعب السوري فيقف إلى جانب باقي الشعوب العربية التي ستثور ضد حكامها.

السوريون وقفوا دائما مع الشعوب العربية في ثوراتها ضد المستعمر، ابتداء من وقوفهم مع الشعب الفلسطيني الذي قاتل اليهود في النصف الأول من القرن العشرين. كان السوريون قاتلوا يهودا في فلسطين ودافعوا عن المسجد الأقصى بقيادة الشيخ مصطفى السباعي. ومن قبل قاد عز الدين القسام الجهاد في فلسطين حتى استشهد عام 1936. مع ذلك هذا أحمد جبريل يرسل مجموعات من الفلسطينيين لتقاتل السوريين، جنبا إلى جنب، مع «حزب الله» اللبناني في حلب تحت راية بشار الأسد.

أما في الجزائر فقد وقف السوريون مع ثورتها ضد فرنسا في خمسينيات القرن العشرين حتى أرغمت فرنسا على الجلاء بعد اتفاقية إيفيان عام1962. حكومة الجزائر رفضت أن تقف ضد بشار الأسد، بل أنها تحفظت عن طرد نظامه من الجامعة العربية في عام 2012.

أما مصر، فللسوريين معها أحاديث وأشجان. فيوم أن أمم جمال عبد الناصر قناة السويس عام 1956، أعلنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل الحرب على مصر فيما سمي العدوان الثلاثي. لم يقف السوريون مكتوفي الأيدي، بل سارعت الحكومة السورية الوطنية بوضع جيشها تحت تصرف الحكومة المصرية لمؤازرة الأشقاء في مصر، وقتل الضابط السوري «جول جمال» الذي كان يدرس البحرية في مصر. وجه طوربيده إلى المدمرة الفرنسية «جان بار»، فأغرقها وعلى متنها 88 ضابطا فرنسيا و2055 جنديا. وقد قتل معه الضابط السوري «نخلة سكاف» وضابط مصري ثالث بعد أن فجروا بطوربيدهم المدمرة الفرنسية.

وحين قامت الثورة السورية استقبلت مصر آلافا من السوريين. وقد احتضنهم شعب مصر في عهد محمد مرسي. وفتحت المدارس المصرية وجامعاتها لهم أبوابها، وأجرت هيئات الإغاثة المصرية على السوريين ما يلزمهم. وحين قام عبد الفتاح السيسي بانقلابه على الرئيس محمد مرسي تم ترحيل آلاف السوريين من مصر، وغرق منهم المئات في البحر.الأعجب من ذلك أن مندوب مصر في مجلس الأمن وبتوصية من السيسي رفض مطلع شهر آب/اغسطس التوقيع على بيان رئاسي يستنكر مجازر حلب وقد وقع أعضاء مجلس الأمن كلهم البيان بما فيها روسيا ورفض مندوب مصر التوقيع. نسي هذا المندوب أن «سليمان الحلبي» قتل الجنرال الفرنسي «كليبر» نائب نابليون بونابرت في القاهرة قبل أكثر من مائتي عام، وقد كان حلبيا.

وحين قامت ثورة العراق في تموز/يوليو من عام 1958، هب الشعب السوري بأكمله مساندا لثورة العراق التي حاربتها دول أوروبا، واحتفل حيدر العبادي في ذكراها قبل أيام. ففي ذلك الوقت قطع العمال السوريون خطوط أنابيب التابلاين (TAPLINE) التي تنقل البترول عبر سوريا حتى ميناء صيدا في جنوب لبنان، وذلك انتصارا للثورة العراقية ليحرم الغرب من تدفق النفط العربي إليه. الميليشيات العراقية التي تمولها حكومة العبادي ومن قبله حكومة المالكي تحاصر الشعب السوري في مدينة حلب، ولا تقطع عنه النفط فقط، بل تمنع عنه الغذاء والماء والدواء ردا لجميل السوريين الذين وقفوا مع العراق في ثورته عام 1958.

القائمة تطول في تعداد من وقف من الحكومات العربية موقفا مخزيا من الشعب السوري ومنع عنه الغذاء والدواء. بل سمحت لقوات أجنبية من بريطانية وفرنسية وأمريكية أن تعمل داخل سوريا لفرض أجندتها إذا ما استطاعت المعارضة المسلحة أن تحرر حلب وما بعدها.

نحن نعتقد بأن القوات الأجنبية تخفي نوايا سيئة تجاه الثورة السورية حتى عن الدول التي تعبر حدودها. فقد ذكرت صحيفة التايمز اللندنية في حزيران/يونيو أن قوات بريطانية خاصة تعبر حدود سوريا بشكل مستمر لمساعدة «جيش سوريا الجديد»(ممن يتشكل هذا الجيش ولمصلحة من يعمل؟) وسيطر على قرية «التنف» الحدودية، بعد أن طرد تنظيم الدولة منها. هذه المعلومات فاجأت السوريين، مثلما فاجأ الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الليبيين في20 تموز/يوليو الماضي، عند ما أعلن أن ثلاثة عسكريين فرنسيين لقوا حتفهم في ليبيا في حادث مروحية كانوا على متنها، وقد كانوا ينفذون على أرض ليبيا»عمليات استخباراتية محفوفة بالمخاطر».

ما نعتقده أن هذه الدول الأجنبية لن تقف عند حدود القضاء على تنظيم الدولة، خصوصا بعد أن صار لهذه الدول موطئ قدم بعد سيطرة ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية الكردية على مدينة «منبج» بعد طرد «تنظيم الدولة» منها يوم 12 آب/اغسطس الجاري، وإن كانت هذه الميليشيات تحوي وجودا عربيا، لكنه وجود هامشي لمقاتلين من عشائر عربية.

٭ كاتب سوري

========================

حلفاء الأسد اليوم وغًدا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 17/8/2016

كرس الصراع في سوريا بين نظام الأسد وأكثرية السوريين حلًفا إقليمًيا دولًيا، اختار منذ البداية الوقوف إلى جانب النظام في حربه على الشعب السوري، وطور المنتمون إلى حلف النظام على مدار خمس سنوات ونصف السنة، مواقفهم ودورهم في الصراع السوري، فانتقلوا من تأييد سياساته ومواقفه في مواجهة ثورة السوريين، إلى دعمه اقتصادًيا وتقنًيا عبر إرسال المال والمساعدات والخبراء، ثم تطور دعمهم إلى حد إرسال القوات والمشاركة في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير البنى المادية والإدارية والتنظيمية للدولة والمجتمع في سوريا.

إيران أول أطراف حلف نظام الأسد، وهي الأهم في هذا التحالف، نظًرا لعلاقاتها القديمة والوثيقة بنظام الأسد ولاهتمامها بسوريا، التي تشكل حلقة أهم في استراتيجيتها الإقليمية، سواء في إطار الشرق الأوسط أو في الحيز الأصغر منه الواقع في شرق المتوسط، ولكلا السببين وأسباب أخرى، كانت إيران بين أول من دعم وساند الأسد في مواجهة الثورة، وقدمت له كل المساعدة، ثم ضغطت على أدواتها من الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية للانضمام إلى حرب النظام ضد السوريين، بل إنها شكلت ميليشيات من متطوعين إيرانيين وأجبرت أفغاًنا مقيمين فيها على الانخراط في ميليشيات للحرب في سوريا. غير أن الأهم في دور إيران السوري، أنها وبالتوازي مع دعم ومساندة نظام الأسد، عملت على إقامة بنية ديموغرافية سياسية واقتصادية ¬ اجتماعية تتبعها، وتشكل امتداًدا لإيران، والأبرز في معالم هذه البنية، إعلان وتوسيع عملية التشييع في أوساط السوريين، وإقامة بنية اقتصادية إيرانية في مناطق سيطرة النظام، تشمل شركات ومؤسسات خدمية وإنتاجية، وقامت بشراء عقارات سكنية وتجارية، وأطلقت مؤسسات اجتماعية وثقافية تتبع الحكومة الإيرانية، إضافة إلى تعزيز شبكة نفوذ إيراني في أوساط سوريين، بينهم مسؤولون في الدولة وأجهزتها، وشخصيات اقتصادية واجتماعية وثقافية، ربطتهم معها من خلال المصالح الشخصية.

وسط تلك المعطيات والوقائع المحيطة بموقع إيران في القضية السورية، ليس هناك أدنى شك في أن الأخيرة ذاهبة إلى الحد الأقصى في دعم ومساندة نظام الأسد، لأن انهياره وسقوطه ستكون لهما تأثيرات استراتيجية على إيران ووزنها الإقليمي وعلاقاتها ومستقبل سياساتها الإقليمية والدولية. وذهبت روسيا في موقفها من نظام الأسد قريًبا من الموقف الإيراني، فأخذت جانبه منذ بداية ثورة السوريين، وقدمت له مساعدات عسكرية، تضمنت أسلحة وذخائر وعتاًدا، قبل أن تتولى الدفاع عنه في الأمم المتحدة، وتتزعم الدول المعارضة لإدانة سياساته في قتل السوريين وتدمير بلادهم عبر استخدام الفيتو في مجلس الأمن، الأمر الذي أخرج المجلس والأمم المتحدة ومنظماتها من دائرة التأثير الفعال في القضية السورية، وشجع دولاً أخرى على تأييد نظام الأسد ودعمه. لقد تصاعد الدور الروسي مع خطوة موسكو إرسال قواتها إلى سوريا أواخر عام 2015 ،حيث أرسلت طائرات وسفًنا حربية وقوات برية وخبراء للقتال مع جيش النظام، تحت حجة محاربة الإرهاب وتنظيم داعش، بناء على توافق مع نظام الأسد وإيران، مما أدى إلى تغييرات جوهرية في موازين القوى السياسية والميدانية في الصراع السوري.

لكن هذه التغييرات على أهميتها وفي خلال نحو عشرة أشهر من الوجود الروسي ودوره في سوريا وسط دعم وتفويض أميركي لموسكو، لم تتمخض عن نتائج حاسمة، وهو ما أشارت إليه أخيًرا معركة حلب بين تحالف النظام وقوات المعارضة المسلحة، مما يضع الوجود الروسي أمام واحد من احتمالين، استمرار الدور الروسي على ما هو عليه في العجز عن تحقيق نتائج حاسمة، أو زيادة حجم وقوات التدخل الروسي، الأمر الذي يجعل موسكو أمام تجربة يحوطها الفشل، على غرار التجربة السوفياتية في أفغانستان في سبعينات القرن الماضي.

وللحق، فإن روسيا بوصفها دولة عظمى، تقع في مكانة مختلفة عن بقية حلفاء نظام الأسد من حيث علاقاتها الدولية، ومصالحها، التي تتجاوز التركيز على بلد محدود المكانة والأهمية، ويعاني نظامه من انهيار شامل في كل المجالات والمستويات، مما يجعل روسيا قابلة وسط متغيرات سياسية محدودة للمضي في تعامل مختلف مع القضية السورية واحتمالات حلها. ولعل من البديهي القول إن الأطراف الأخرى من حلفاء نظام الأسد، مثل النظام الحاكم في بغداد والميليشيات الشيعية، هي الأقرب إلى الموقف الإيراني في القضية السورية، والسبب لا يكمن في طبيعة تلك الأطراف، من حيث تبعيتها الآيديولوجية والسياسية لنظام الملالي، إنما أيًضا لمصالحها المباشرة. فمصلحة مجموعة الفساد في النظام العراقي وميليشياتها الطائفية، تكمن بشكل خاص في قتل أي مشروع تغيير مجتمعي في سوريا، ومصلحة حزب الله اللبناني، ألا يتغير نظام الأسد الذي وفر له مجالاً حيوًيا للبقاء، رغم مشكلاته في مستوى لبنان والإقليم. خلاصة القول في حلفاء الأسد، إنهم رغم كل ما قدموه من دعم ومساندة للنظام، فإنهم لم يستطيعوا تحقيق انتصار له، بل إنهم لن يستطيعوا في المستقبل، لأنه فقد أي أهلية سياسية أو أخلاقية، بل إنه فقد القدرة الإدارية والاجتماعية لحكم سوريا والسوريين، ولأن الأمر على هذا النحو، فإن روسيا يمكن أن تغادر هذا الحلف في مرحلة ما، بينما إيران مستمرة فيه، لأنه حلف وجود بالنسبة لها، أما الأدوات العراقية واللبنانية، فهذه موقفها مربوط بنظام الملالي، ليس أكثر ولا أقل.

========================

في شأن الحل العادل لصراعنا.. تصوّر سوري .. ياسين الحاج صالح

الجمهورية

الثلاثاء 16/8/2016

ما هو الحل في سورية؟

لا يمر وقت دون أن نسأل، نحن السوريون المشتغلون بالشؤون العامة، عن تصورنا للحل في سورية. قلما كان السؤال استفهاماً خالصاً في شأن ما يمكن أن يكون حلاً عادلاً لصراع السوري، بل هو أقرب إلى تسليم بأن الأمر «معقد»، وأن المسألة مستحيلة الحل، أو قد لا يكون لها من حل غير الرجعة إلى ما قبل آذار 2011. وفضلاً عن ذلك، فالسؤال مبنيٌ غالباً على جهل مطبق بتاريخ الاعتراض السياسي في سورية، وبالكفاح المحبط لجيل سابق من السوريين من أجل التحول الديموقراطي، وهو منفصل من جانب آخر عن إحاطة، ولو متواضعة، بمراحل الطور الحالي من صراعنا وديناميكياته وتحولاته.

هذه المقالة تتعامل، مع ذلك، مع هذا السؤال بجدية، واضعةً في البال قارئاً مجهولاً مُخلِصاً، يتطلع بالفعل إلى حل عادل أو قريب من العدالة للمحنة السورية المتمادية.

فلندخل في صلب الموضوع مباشرة: الحل العادل في سورية يقوم على بناء أكثرية سياسية جديدة في البلد، تتعرف فيها أكثرية متسعة من السوريين على تمثيلها السياسي، فتقطع مع الحكم الأقلي (الأوليغاركي)، وتؤسس لسورية جديدة بنظام سياسي استيعابي. وهو ما يقتضي التخلص من الحكم الأسدي، ومن داعش وأي مجموعات سلفية جهادية، والمساواة السياسية والثقافية للكرد دون سيطرة قومية، والتأسيس لسورية ديموقراطية قائمة على المواطنة.

من شأن ذلك أن يلبي مطلب العدالة السياسية، ويوسع قاعدة الحكم، ويفتح آفاقاً أقل قتامة للتطور السياسي في البلد، ويحدّ على مدى أطول من احتمالات التفجر السياسي العنيف.

كان الطابع الأقلّي لحكم البلد قد تمأسَس في مطلع القرن بفعل توريث السلطة في السلالة الأسدية، أو التحول السلطاني الذي أجهز على الجمهورية في سورية، وتغيّر الدستور الباطن للدولة ليصير ضمان استمرار السلالة. وتعززت الصفة الأقلية للحكم بفعل لبرلة الاقتصاد وفق الوصفات الليبرالية الجديدة، والتلاحم غير المسبوق بين الاستئثار بالسلطة والنفاذ الامتيازي إلى الموارد الوطنية من قبل برجوازية جديدة من القرايب والحبايب والمحاسيب. وخلال سنوات الأب والابن اعتمدت الدولةُ الأسديةُ الطائفيةَ أداةً أساسيةً للحكم، تُفرقُ بها المحكومين وتُخوِّفهم من بعضهم، وتوفر تماهياً تفاضلياً بالدولة لقطاع أهلي من السكان، العلويين، يتشكل منه أساساً درعها الأمني.

وهذا الطابع الأقلي المتعدد الوجوه، الذي تتراكب فيه القِلّة بالمعنى الاجتماعي مع الأقلية بالمعنى الطائفي، كان مصدر توتر وحرب أهلية باردة، نعلم أنها تفجرت ساخنة مرتين خلال ثلاثة عقود. ولا تسمح البنية إذا استمرت إلا بتفجرات عنيفة من هذا النوع، لأنها قائمة جوهرياً على الحجر السياسي على السكان وتغذية عدم الثقة والخوف بينهم، والاستئثار المتصاعد بالموارد العامة من قبل المركز السلطاني وقطاع البرجوازية الجديدة الذي سميته في تناول آخر «البرجوازية المركزية» أو أيضاً «البرجوازية الخارجية»1.

قطْعُ هذا التاريخ الدوري يقتضي القطع مع الحكم الأقلّي، وتشكل أكثرية سياسية جديدة.

أي أكثرية سياسية؟

الأكثرية الجديدة في سورية لا تعني الأكثرية العربية السنية، بل هي بالضرورة تعني أكثرية اجتماعية عابرة للجماعات الأهلية. وهذا ليس فقط لأن السنيين ليسوا موحدين أو متقاربين سياسياً، تُفرِّقهم انقسامات جهوية وطبقية تعادل أو تفوق الفوارق بينهم وبين غيرهم، وإنما بخاصة لأن الصفة السُّنّية لا تحول دون الحكم الأقلّي إلا بقدر ما حالت العروبة دونه، والعرب أكثرية كبيرة جداً بين السوريين. وهو قدر معدوم.

يمكن تصور أن أكثرية الأكثرية الجديدة مكونة من منحدرين من منابت سنية، هذا مرجحٌ فعلاً، لكنه بحد ذاته لا يهدد فرص قيام أكثرية مستقرة إلا إذا توحد السنيون السوريون أو تصرفوا كجماعة متجانسة خاصة. وهذا ممتنعٌ في رأيي على ما يُظهرُ تاريخ خمس سنوات ونصف تقريباً من الثورة السورية. وهو لا يتحقق، إن تحقق، دون إكراه واسع يستهدف البيئات السنية قبل غيرها، فيؤول إلى حكم أقلي مضاعف: أقلي سنياً وأقلي سورياً.

ورغم أنه يمكن تعريف الإسلاميين بإرادة تطييف السنيين وتوحيدهم، فإنه إذا دانَ الحكم للإسلاميين، فلن يناسبهم بقاء ثلثي السكان موحدين ناشطين. فإما أن يعملوا على تفريقهم وإعادتهم إلى السلبية، أي فرض حكم أقلي سني وتجديد الاستبداد على أرضية إسلامية، أو، إن بقي السنيون ناشطين، فستجد قطاعات منهم شركاء وحلفاء من الجماعات الأهلية الأخرى. ويُحتمل أن تتشكل من المجموع أكثرية سياسية من الصنف الذي ظهر في مطلع ثلاثينات القرن العشرين ضد الفرنسيين، أو ضد الشيشكلي إثر مؤتمر حمص عام 1954.

الأكثرية السياسية المأمولة في سورية هي أكثرية اجتماعية عابرة للجماعات الأهلية، لا تستبعد مبدئياً غير الموالين النشطين للدولة الأسدية (تقضي العدالة بأن يُحاكم بعض، ويُحجر سياسياً على بعض، مع تعريف هؤلاء وأولئك بأفعالهم وليس بأصولهم)، وتعملُ على تقريب قطاعات السكان الأوسع من مختلف الجماعات الأهلية التي لم تكن شريكاً للأوليغاركية الأسدية في سورية الجديدة.

وليس في هذه الكلام أي اختراع جديد. فهو مضمون التطلعات الديموقراطية التي جرى التعبير عنها مراراً وتكراراً منذ ما قبل الموجة الأولى من مقاومات الحكم الأسدي إلى اليوم، وبالتزامن مع تفاقم الطغيان الأسدي وبدايات ظهور البرجوازية الجديدة في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي. لكن يكتسب الكلام على الديموقراطية خصوصية في سورية اليوم بحكم تصاعد حضور التكوينات الأهلية في الحياة العامة، والخشية على الأقليات وحقوقها، مما لا بد من قول شيءٍ في شأنه.

معلوم أن في أنساب (جينيالوجيا) فكرة «حماية الأقليات» الصعودُ الإمبريالي في أوروبا وظهور «المسألة الشرقية» (وهي في الواقع «مسألة غربية» بحسب أرنولد توينبي). ومن الأنساب أيضاً أن من يُخشى منهم على الأقليات هم تحديداً وحصراً الأكثرية المسلمة. نحن هنا حيال دراما رومنسية، يتولى فيها الأوربيون العادلون العاقلون حماية أقليات مسكينة ضعيفة من المعتدين المسلمين الأشرار. لم يكن سياقُ الحماية هذا في أي وقت سياق عدالةٍ وحريات، ولا حتى «عقلنة» (من جهة فُرِضَت تنظيمات «عقلانية» من فوق، ومن جهة أخرى واكبتها على الفور استثناءات وحمايات وامتيازات لمحظيي القوى الأوروبية). كان السياق بالضبط سياق توسعٍ وسطوٍ مسلح، وتكالبٍ من «الضواري الإمبريالية» على المجال العثماني. هذا مسوغٌ كافٍ للحذر الشديد في استخدام التصور، الذي عاد إلى الظهور في أجواء دولية مشابهة، وبينما تعاني بيئات الثورة السورية ذات الأكثرية السنية، وقد تطلعت إلى الحماية الدولية صراحة منذ صيف 2011، من الانكشاف وانعدام الحماية والحيلولة دون تمكينها من الدفاع عن نفسها.

الجديد في حماية الأقليات المعاصرة عن سابقتها هو توسيع الأقليات المرعيّة لتشمل الكرد، وبالحركة ذاتها تحديدٌ أكبر للأكثرية المهدِّدة لتكون العرب المسلمين السنيين. لكن ما يقوله المفهوم قبل التوسيع وبعده هو أن «الأقليات» مهدَّدَة حصراً من قبل الأكثرية المسلمة أو العربية المسلمة، وأننا نحن، القوى الغربية وروسيا، عازمون على بذل «الحماية» لها من هؤلاء المهدِّدين، مع إعطاء الانطباع بأن العدالة وحدها هي دافعُ الحُماة. نظام الحماية سبقَ الاستعمار التقليدي في معظم بلداننا، فأسهمَ بقوة في صنع المشكلة الطائفية، قبل أن يقترن بالاستعمار وبسياسات طائفية صريحة في سورية ولبنان، وطبعاً في فلسطين، من قبل المستعمرين والمنتدبين الغربيين. ووُجِد دوماً وكلاءُ محليون للحُمَاة، الفرنسيين والبريطانيين والروس في وقت سبق، واليوم الأميركان والروس وغيرهم، يُروِّجون في الوقت نفسه لخطر الأكثرية الإثنية والدينية وتوحشها.

لماذا ليس نظام محاصصة؟

ألا يمكن بناء أكثرية سياسية عبر نظام تحاصٍّ طائفي في سورية، يوفر «حمايةً» للأقليات ويضمن حقوقها (سأناقش البعد الكردي من الحل السوري في فقرة مستقلة)؟ الغريب أن أحداً من دعاة حماية الأقليات والقلقين على حقوقها لم يَدعُ إلى ذلك في أي وقت. ولا يصعب تبين السبب وراء ذلك، فنظام المحاصصة لا بد أن يراعي النسب السكانية، ومن شأنه تالياً أن يضع في يد ممثلي الأكثرية العربية السنية ثلثي السلطة، وإن وفر لممثلي الأقليات مشاركة مضمونة في السلطة. وليس في هذا ما تريده أمهات حنون للأقليات، من مثل روسيا وأميركا وإيران. يمكن التفكير في نظام يقوم على «مناصفة» بين مجموع الأقليات و«ضمانات» لمصلحتها، وهو ما دعا إليه كمال ديب في كتابه «أزمة في سورية»، الكندي اللبناني الموالي لبشار الأسد، بعد مزايدة لائقة في وجوب العلمانية. ليست «المناصفة» بين ربع السكان وثلاثة أرباعهم، وهذه هي النسب التي يعطيها ديب نفسه، غير خطوة إلى الأمام في العنصرية، لا في العلمانية ولا في الديموقراطية. وليس في المثال اللبناني القائم على مناصفة بين ثلث السكان وثلثيهم مما يُقتدى به.

لكن الديموغرافيا السورية التي حالت دون دعوة الغيارى على حقوق الأقليات إلى نظام تحاصٍّ طائفي في البلد، تحول بذاتها من وجه آخر دون قيام هذا النظام، حتى لو سعى إليه هؤلاء الغيارى. وهذا بسبب ما سبقت الإشارة من امتناع توحد السنيين السوريين. ناقشتُ هذه القضية في مقالة موسعة قبل سنوات قليلة 2. وهي إن كانت تُدخِلُ الأسى إلى قلوب عتاة الطائفية السنيين، إلا أنها يمكن أن تكون مصدر حركية ومرونة في أي نظام سياسي سوري ما بعد أسدي، يقوم على أكثرية سياسية جديدة. قد يمكن القول إن السنيين السوريين أقرب إلى «طوائف» متعددة، بفعل تمايزات جهوية صلبة، أو تمايزات إيديولوجية وحياتية لا تقل صلابة، إلى درجة تلغي الواقعة الإحصائية الخاصة بكونهم، كمجموع، أكثرية. وعليه فإن من شأن نظام أكثري أن يقوم على الأرجح على ائتلافات بين ممثلين لمنحدرين من مجموعات سنية مع منحدرين من جماعات أهلية غير سنية وغير مسلمة، ومن أفراد مستقلين و«لاجماعات» (لا يعرّفون أنفسهم بمنابت أهلية). وهو ما من شأنه أن يكسر ديناميكية التطيُّف، فيحدَّ من تجانس الجماعات الأهلية الداخلي، ومن تعازل الجماعات وانفصالها عن غيرها، ويسمح بنشوء مساحات لا طائفية تتسع. هذه العمليات الثلاثة، التجانس الداخلي والتعازل الخارجي وانسحاق المساحات اللاطائفية في المجتمع وفي الفضاء العام، هي أوجه ديناميكية التطيف العام التي خبرناها في سورية في الحقبة الأسدية. انكسار ديناميكية التطيف لن يؤدي، بالمقابل، إلى زوال السنيين والعلويين والمسيحيين والدروز والاسماعيليين والشيعة…، لكنه يعاكس وجودهم في صيغ طائفية، متجانسة ومتفاصلة.

ومبعثُ الخشية في نظام أكثري من هذا الصنف ليس هيمنةً سنيةً تُقصي الأقليات أو تستتبعها من مواقع أدنى، ذِمّية؛ مبعثُ الخشية، بالأحرى، هو احتمالُ أسر الحياة السياسية السورية في ائتلافات مركبة، جهوية-طائفية-طبقية، بما يُهمش ما يُحتمَل ظهوره أو انبعاثه من تشكيلات سياسية غير طائفية. ليس هناك ضمانات مسبقة بعدم حدوث مثل ذلك للأسف. لكن ما يتيحه النظام الأكثري من مساحات مستقلة لا طائفية، ينشط فيها يساريون وليبراليون ومنظمات نسوية وشبابية وثقافية…، هو موضع الرهان على نزع طائفية الحقل العام. ولدينا من تاريخ سورية قبل البعثي مثال نستأنس به. فمحور انقسام الحقل العام وقتها كان جهوياً (شامياً حلبياً بصورة خاصة) وليس طائفياً، وهو لم يَحُل دون ظهور تيارات وتنظيمات لا طائفية مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث نفسه. كانت الجماعات الأهلية أقل تجانساً داخلياً وأقل تعازلاً.

والحال أن الثورة السورية أظهرت من جديد انقسامات جهوية، كان أخفاها الحجْر السياسي العام والحضور الطاغي للانقسام الطائفي في الوعي العام (الجزيرة و«سورية المفيدة»). أظهرت الثورة أيضاً انقسامات طبقية جهوية على محور ريف مدينة (علاقة دمشق بريفها وأحيائها الطرفية، مما لا يمكن فهم ديناميكيات الصراع حول العاصمة دون وضعه في مركز الاعتبار، وكذلك انقسام حلب)، وهذا فضلاً عن الانقسام الإثني على محور عربي كردي بخاصة. والتقابل الطائفي السني العلوي ذاته هو بقدر كبير تقابل اجتماعي سياسي جهوي، يستوجب لتجاوزه إعادة نظر واسعة في هياكل توزيع السلطة والموارد العامة في البلد لمعالجته.

ومحاور الانقسام هذه تفيض من كل الجوانب على الانقسام الطائفي، وعلى دوغما «حماية الأقليات» التي لا تصلح لمعالجة الانقسام الطائفي (هي مصدر تغذية له في واقع الأمر)، ولا من باب أولى لمعالجة الانقسامات الاجتماعية السورية المتنوعة. ومن شأن تعدد محاور الاستقطاب أن يكون مصدر تعقيد للحياة السياسية في سورية ما بعد الأسدية، لكن له فضيلةَ كسرِ الاستقطاب الطائفي والحدّ من الشحن الخفي المستمر للحياة العامة في البلد بالنوازع والمخاوف والانقسامات الطائفية.

تُزكّي تلك الانقسامات المتعددة إعادة نظر جذرية بالنظام السياسي السوري فيما وراء الحقبة البعثية والأسدية، وبالتأكيد فيما وراء الحقبة السابقة أو زمن ما بعد الاستقلال، باتجاه مزيد من اللامركزية ومن مشاركة السكان المحليين في إدارة مناطقهم وفي الحياة السياسية العامة. وباتجاه العلنية. كانت الصفة السرّية المتأصلة في تكوين الدولة الأسدية مصدراً لتسميم الحياة العامة بالشكوك والمخاوف والأساطير، وحائلاً دون تفكر السوريين في أوضاعهم ونشر المعلومات والتحليلات والتصورات العملية في شأنها.

يبقى أنه كان للحقبة الأسدية المديدة، وسنوات الحرب الأسدية الثانية الطويلة، أثرٌ مُحوِّلٌ عميقٌ على المجتمع السوري يُسوِّغ التحفظ على القياس على ما قبلها، والحنين إلى ما قبلها. لكن لا يبدو أن هذا الأثر المحوِّل يطال امتناع التوحد السني على ما أظهرت سنوات الثورة، وتالياً عدم وجاهة الخشية على الأقليات من إجماع سني ضدها.

وماذا بشأن التهديد السلفي الجهادي؟

ربما يقال: لكن ها هم السلفيون والسلفيون الجهاديون يتكلمون على النصيريين والجيش النصيري والنظام النصيري، ويصدرون عن نظام فكري يخفض من شأن الأقليات في أقل تقدير. هذا صحيح جداً، وهو مثار قلق واسع، «نصيري» وغير «نصيري»، ويشمل قطاعات من السنيين.

والحال أن البلاء الأشد لهذه المجموعات وقع، حتى اليوم، على سنيين في مناطق الجزيرة والشمال السوري وغوطة دمشق الشرقية، ويكفي للقول إننا هنا نخرج من إشكالية «حماية الأقليات» كلياً. يغدو الموضوع هو حماية حياة السوريين والأمن المتساوي للسوريين، أياً تكن أصولهم وفصولهم، وأياً يكن مهدِّدوهم، من أسديين وسلفيين. فإذا كان هذا هو منطلقنا، أوجبَ الأمن المتساوي إدراجَ حماية وأمن أي سوريين في سياقٍ يكفل حماية وأمن كل السوريين. وما أصاب منحدرين من أقليات على يد المجموعات الطائفية السلفية، وقد وقع بحق علويين في مناطق شمال اللاذقية وبحق درورز ومسيحيين في مناطق إدلب، وبحق علويين من جديد في عدرا العمالية…، ينفتح تالياً على قضية المساواة الحقوقية والسياسية، ومنها المساواة في الأمن. وهو ما يوجبُ إقرارَ مبدأ المساواة التأسيسية بين الجماعات واللاجماعات (مرة أخرى، أي أفراد أو مجموعات لا يعرّفون أنفسهم بأي أصول موروثة) السورية، فيما يتجاوز تعريف سورية ذاتها تعريفا قومياً أو دينياً، ومن باب أولى نسبتها إلى سلالة. الأمان العام يتأسس على ميثاق وطني يقضي بأن سورية للسوريين المتساوين، لا أحد منهم ضيفٌ عند أحد، ولا أحد محميٌ من أحد، ولا أحد ذِمّيٌ لأحد.

هناك نقاش سوري غائب في هذه الشؤون للأسف، وغيابه يُكمّل المصادرة الأسدية للحقل العام، وقد اقترنت على الدوام بتشدد في قمع نقاش هذه القضايا، وبالتزام أكثر المثقفين بممارسة رقابة ذاتية عالية في هذا الشأن، بل وتطوعِ بعضِهم لحراسة التابو الطائفي ونهشِ من يتجاسر على تحديه.

ونحن ندفع اليوم ثمن النقاش الغائب حين نسأل في كل وقت: ما الحل؟

في شروط اليوم، كيف يمكن أن تتشكل أكثرية سورية جديدة؟

قبل كل شيء، بطيّ صفحة الحكم الأسدي. لا حلَّ في سورية دون ذلك. لا يرتد الأمر إلى أننا حيال حكم أقلي تكوينياً، وإنما يتعداه إلى ما استوجبه هذا التكوين من اعتماد موسع متكرر على إخضاع المحكومين بالقوة المسلحة.

لكن بات واضحاً منذ عام 2013، وبخاصة بعد ظهور داعش، أنه يتعذر بناء أكثرية سورية جديدة ضد الدولة الأسدية وحدها. داعش تثير نفور الأقليات كلها، وأكثرية السنيين السوريين أيضاً. وهي فوق ذلك ليست مجرد قوة طائفية متطرفة، إنها قوة احتلال خارجي أيضاً، أو هي تشكيل خاص يمتزج فيه استعمار استيطاني إحلالي مع سلطة فاشية طاحنة للبشر مع منظمة إرهابية تمارس عنفاً عشوائياً لا يبالي بحياة المدنيين. وهي ليست خطراً سياسياً واجتماعياً على سورية، وإنما هي خطر كياني لا مناص من القضاء عليه.

الأكثرية السورية الجديدة لا يمكن أن تتكون دون مواجهة داعش أيضاً.

لكن ليس داعش وحدها بحال، مثلما تتوجه السياسة الأميركية منذ التدخل الأميركي في سورية والعراق في أيلول 2014، بل داعش والنظام. هذا أيضاً ليس مجرد خطر سياسي واجتماعي، لقد تطور منذ ما قبل الثورة إلى حكم سلطاني لا وطني، مالك للبلد والسكان، وتطور أثناء الثورة إلى خطر كياني مباشر، واحتمى بمحتلين أجانب لا يُكنّون وداً لأكثرية السكان في سورية ولتاريخ البلد.

لا أحد تقريباً من جمهور الثورة السورية مستعد لمحاربة داعش إن لم يكن جرى التخلص من الدولة الأسدية، أو في سياق مُفضٍ قطعاً إلى التخلص منها. هذه نقطة مركزية، ولا ينبغي أن تكون مجهولة من أحد، وهي تفسر فشل الأميركيين المتكرر في بناء قوة سورية عربية وازنة تحارب داعش وحدها. من له أجندة سورية عامة، لن يحارب داعش إلا كوجه من وجوه عملية سياسية وعسكرية تتضمن طيَّ صفحة الدولة الأسدية نهائياً. لن يضع من هم أمثالنا، من يساريين وعلمانيين وليبراليين أيديهم في أي أيدٍ تحارب داعش حصراً، مستندة إلى الأميركيين و/أو الروس، لنحصل في النهاية على أسدية جديدة، بفجور طائفي أشد، وبتشبيح إجرامي أكبر. هذا لن يكون خيانة لقضية الثورة، ولا لأرواح ما لا يحصى من الضحايا، بل اندراجاً في مخططات قوى لا تشغل العدالة للسوريين موقعاً ولو ثانوياً في أجنداتهم.

وليس تقديرُ أن الأسدية المتجددة ستكون أكثر توحشاً من أسدية ما قبل الثورة تقديراً ذاتياً، إنه «قانون موضوعي» إذا انتصر الأسديون. المنتصرون سيكونون في وضع يحررهم من أي عوائق أمام التشبيح والتوحش، وأكثر تحرقاً للانتقام ممن تجاسروا على تحديهم وكسروا احتكارهم للقوة طوال سنوات، وتسببوا للمعسكر الأسدي بخسائر بشرية كبيرة. لدينا على كل حال من تاريخنا السوري القريب سابقة تمثيلية. بعد عام 1982 أي بعد قتل عشرات الألوف في حماة وتدمير ثلث المدينة، وكان عشرات الألوف في السجون وقتها، ومنهم يساريون ونقابيون و«حالات فردية» لا تُعد، تحققت «ثورة» في الاعتقال والتعذيب وكتابة التقارير والنهب والسرقة، وفي الكذب وعبادة حافظ الأسد. سيكون الحال أسوأ بمائة مرة إذا انتصر أسديو بشار، وهم سلفاً تحت حماية غزاة أجانب أكثر توحشاً: شيعة لبنانيون وعراقيون وإيرانيون، فضلاً عن الغزاة الروس.

وخلاصة الكلام أنه لا يمكن بناء أكثرية سورية جديدة ضد الدولة الأسدية وحدها منذ صعود داعش، ولكن لا يمكن بناؤها ضد داعش وحدها. ما يمكن أن يبنى ضد داعش وحدها هو حكم أقلي متجدد تحت حماية أجنبية، وبكفالة دولية.

وغير داعش، ماذا بشأن الآخرين؟

يثارُ حتماً في شأن التساؤل عن مستقبل سورية وضع مجموعات مقاتلة إسلامية، ومنها سلفية جهادية مثل «جبهة النصرة»، «فتح الشام» حالياً (وهي تضم عناصر غير سورية بنسبة 10% على الأقل)، ومجموعات أخرى صغيرة، أو مجموعات كبيرة تنضبط بمقادير متفاوتة بالباراديغم السلفي الجهادي مثل «أحرار الشام» و«جيش الإسلام». في السياقات السورية الراهنة تجمع هذه المجموعات بين مواجهة الدولة الأسدية وبين السيطرة على مجتمعات محلية. وهي سيطرة أثارت مقاومات متنوعة، وارتكبت المجموعات المعنية جرائم متنوعة في سياق مواجهتها. وقت معركة حصار حلب في أواخر تموز 2016 انحازت أكثرية جمهور الثورة إلى مقاومة هذه المجموعات للأسديين وحلفائهم، بما فيها مجموعة نور الدين زنكي التي كانت أثارت اشمئزازاً واسعاً باحتفائها بذبح أسير يافع في وقت أبكر من الشهر نفسه. هذا لأن مصير 300 ألف في حلب كان على المحك، وبصورةٍ ما مصيرُ الثورة ككل.

والقصد أن هذه المجموعات تضطلع بوظيفة مقاومة عامة، مع كون تشكيلات أساسية بينها ذات تكوين إيديولوجي طائفي وبالغ الضيق. هنا التناقض المكوِّن لهذه المجموعات: مقاومة عامة ضد تحالف عدواني طائفي، تتعارض عموميتها في كل حين مع بنيتها الطائفية الضيقة. وهذا تناقضٌ لا يُحلُّ خارج إطار تغير أوسع في البيئة السياسية السورية يطال الدولة الأسدية.

ومن المفهوم أن قاعدة هذه المجموعات تتسع حين تقوم بوظيفة دفاعية، أو حين ينحصر صراعها بمواجهة الدولة الأسدية المعتدية، بينما يضيق حين تفرض مثالها الاجتماعي على السكان المحليين أو تواجه غير الأسديين، لتظهر كمجموعات نخبوية مترسخة في عقيدتها الخاصة ومشروع سلطتها، وليس في بيئة اجتماعية حية، على ما أظهرت مقاومات محلية ضد «جبهة النصرة» في معرة النعمان وغيرها، وضد جيش الإسلام في الغوطة الشرقية ودوما نفسها. هذا التشكيل الأخير يفرض سلطته بالاغتيالات والخطف والحرب، مثلما فعلت النصرة في مناطق إدلب. لكن لا سبيل لبناء اعتراض اجتماعي قوي في وجهه هذه التشكيلات طالما هي تواجه تحالفاً أسدياً إيرانياً روسياً عدوانياً.

من شأن التخلص من الأسديين ومن الدواعش في إطار التوجه العازم نحو سورية جديدة أن يكشف التكوين النخبوي الأقلي لهذه المجموعات، وأن يساعد في عزلها. مقاومات أهالي معرة النعمان، وهم مسلمون سنيون محافظون، ضد «جبهة النصرة» بمجرد وقف إطلاق النار في شباط الماضي ترجح فكرة أن قطاعات أوسع من السوريين ستكون في وضع أفضل لمقاومة هذا التشكيل في شروط التخلص من الأسديين والدواعش. ومثل ذلك بخصوص مقاومة سلطة «جيش الإسلام». وأُرجح أن تجنح مجموعات أخرى، أقرب إلى التكوين الأصلي لـ«الجيش الحر» إلى الاندراج في الحياة السياسية لسورية الجديدة ما بعد الأسدية، أو إلى أن تكون مشكلة أمنية مزعجة، لكن ستكون الشروطُ أنسبَ لمواجهتها أكثر من أي وقت مضى.

وماذا بشأن الكرد السوريين؟

في فقرات سابقة جرت مناقشة الأكثرية السورية الجديدة المرغوبة من مدخل الطوائف. لكن في سورية مشكلة كردية، ولا حل عادلاً في سورية دون معالجة هذه المشكلة. فكيف يمكن أن تكون هذه المعالجة؟

المبدأ يبقى نفسه: الكرد جزء من الأكثرية السياسية السورية الجديدة، مع الحقوق اللغوية والثقافية لجماعة قومية مساوية تأسيسياً لغيرها، ومع أوضاع خاصة في مناطق الكثافة الكردية في عفرين وكوباني/عين العرب، وأجزاء من محافظة الحسكة.

ويتعارض هذا التصور الأولي مع ثلاثة أوضاع. أولها بطبيعة الحال الوضع السابق للثورة الذي ينكر الوجود العام للكرد (الجميع «عرب سوريون»)، لكنه يتعامل معهم سياسياً ببراغماتية، ويحرص على تقسيم وإضعاف تعبيراتهم السياسية. الثاني هو الوضع الذي نراه اليوم بعد الثورة، بما يتضمنه من تعاون قوات بي واي دي مع النظام وإيران، ومع الروس والأميركان، ومن فرض نظام حزب واحد في مناطق سيطرته، ومن نزعة توسع قومي في مناطق ذات أكثرية عربية. ثم إن هذا التصور يتعارض ثالثاً مع مشروع قومي خاص يطلق عليه كردياً «كردستان الغربية».

لا وجه عادلاً للكلام على كيان كردي مستقل يشمل جزءاً من سورية، إلا في إطار قيام دولة كردية تتشكل من كردستان العراق الحالية وأجزاء من تركيا وإيران. ربما يكون هناك استمرار أرضي وسكاني في هذه الحالة للمناطق الكردية مع مناطق من سورية، وإن كان محتملاً أن يشمل هذا الكيان الكردي الكبير أقليات عربية وغير عربية. لكن في النطاق السوري الحالي، هذا الاستمرار غير قائم. وهذه واقعة جغرافية وديمغرافية صلبة، هي ما يطمسها متخيل «كردستان الغربية» أو «روجافا»، وهي ما لا يمكن لمعالجة سياسية وحقوقية عادلة للمشكلة الكردية أن تقفز فوقها.

هنا أيضاً لدينا تناقض بين وظيفة المقاومة العامة في وجه الدواعش أو أي اعتداءات على البيئات الكردية، وبين أفعال عدوانية متواترة معلومة بحق عرب وغيرهم، تصدر عن أجندة فئوية خاصة مستقوية بداعمين أقوياء. وهنا أيضاً سنكون في وضع أفضل لحل هذا التناقض إن تخلصنا من الأسديين والدواعش.

لدينا في سورية، والإقليم، قضية كردية عادلة وتحررية، استولى على مضمونها التحرري من قبل التنظيم الكردي الأكثر حصرية واستبعاداً لغيره والأضيق أفقاً، لكن الأفضل تأهيلاً للعسكرة بحكم روابطه المُكوِّنة بحزب العمال الكردستاني في تركيا، على نحو يذكر بتأهيل السلفيين في السياق السوري العربي. وهو مثل الأخيرين يشمل لا سوريين، ويبدو أن مركز القيادة والتخطيط لا سوري كلياً. التنظيم المذكور وضع نفسه في إطار استراتيجيات الأميركان والروس غير العادلة وقصيرة النظر، مستعدياً البيئات المحلية العربية وغير العربية في سورية. وله علاقات مريبة بالدولة الأسدية، وبإيران، وضعته منذ وقت مبكر في موقع غير متفهم للثورة السورية وللمجموعات الكردية الأقرب لها، وهو موقف متسق ومستمر، بلغ ذروةً رمزيةً مشينةً حين روّج صالح مسلم، الوجه السوري للتنظيم، لإنكار مسؤولية الدولة الأسدية عن المذبحة الكيماوية قبل ثلاث سنوات.

وتطورت خلال السنوات الثلاثة نفسها، على نحو مفاجئ جداً ومن العدم تقريباً، سردية تفوق قومية كردية تخلق تماهيات مع الطبقات الوسطى الغربية بقدر ما هي تنزع التماهيات الاجتماعية والسياسية بالسكان المجاورين في البيئة السورية، وتحل محلها تعبيرات عدائية صادمة في حدتها وعنفها.

تُورِّد هذه السردية إلى السياق السوري خبرة تنظيم بي كي كي الكردي التركي المنتشر في أوروبا في مخاطبة الرأي العام في الغرب والتشكل وفق توقعاته. في سورية قامت هذه السردية بدور مزايدة رخيصة، جمعية وهوياتية، تفتقر إلى البعد التحرري والعمق الاجتماعي، وبلا أساس فكري أو نقاش على الإطلاق، ودون إدماج القضية الكردية في قضية سورية عامة من أي نوع. حلت الدعاية الحزبية في أسوأ أشكالها محل النقاش، وسردية التفوق المفتقرة إلى سند اجتماعي محل الأفعال التحررية والعادلة.

ولقي الدعم الاجتماعي والإعلامي الغربي ترجمة عملية فيما تلقاه التنظيم القومي الكردي المسيطر في مناطق من شمال وشرق سورية من دعم أميركي ضد داعش، ودعم روسي ضد مجمل معارضي الدولة الأسدية. وظاهرٌ أن العدالة ليست بين دوافع القوتين الداعمتين. لو كان الأمر كذلك لساعدوا الثائرين على الأسديين، لعاقبوا المتصرف الأسدي على المذبحة الكيماوية، إن لم يكن على سجل جرائمه كلها، وهي موثقة جداً. الدافع هو إيجاد سند وركيزة موثوقة في إقليم يتبادلون مع أكثرية سكانه عدم الثقة.

لكن أليس هذا منهجاً استعمارياً تقليدياً؟

وليس لمواجهة داعش أن تسوغَّ تطلعات خاصة، تعبر عن نفسها بصيغ متعجلة وقصيرة النظر، وتعمل على تطوير نظريات ماهوية عن الحق التاريخي، اقترنت في كل مكان بالتوسع القومي.

فإذا حاولنا النظر من وراء سحب الترويج والتضليل، والتسفيه، كان مسوغاً لنا الخشية من أن يكون هذا المشروع نذيراً بصراعات دموية في منطقة لم يسبق أن عرفت صراعات عنيفة بين سكانها.

لماذا هذا الطرح متفوق على غيره؟

لأنه ديموقراطي، يشكل من جهة استمراراً لجولات سابقة من كفاح السوريين ضد الطغيان، ويتجاوب من جهة ثانية مع ما يُفترض أنه إجماع عالمي على الديموقراطية.

ولأنه، من جهة ثانية، عادل، يأخذ باعتباره الجماعات السورية كلها، وليس تعبيراً عن غلبة أهلية، لا يمكنها إلا أن تكون باباً لحروب متجددة ولتبعيات إقليمية ودولية على ما يُظهر المثال العراقي.

ولأنه، من جهة ثالثة، قابل للاستدامة. الوضع الحالي متفجر. بقاء الأسديين يقتضي عملياً وقوع البلد تحت الاحتلال الخارجي. والروس والإيرانيون وأتباعهم الذين حموا الأسديين لن ينصرفوا إلى شؤونهم إذا تحقق لهم وللأسديين ما أرادوا. سيكون الأسديون واجهة لنفوذ الحُماة، المتنازعين أو المتوافقين. هذا بينما من شأن العمل على بناء أكثرية سورية جديدة أن يكون أساساً صلباً لحل مستدام، يعزز نفسه بعد حين بالانتخابات الحرة وبدستور يُجرِّم التمييز الطائفي والقومي.

وتتضح ميزات هذا التصور الاستيعابي الإيجابية إن قابلناه بثلاثة تصورات استبعادية قائمة اليوم لسورية. أولها بطبيعة الحال «سورية الأسد»، أي سورية قاعدة لحكم سلالي أقلي. وسورية القائمة على أكثرية سياسية ديمقراطية عابرة للجماعات الأهلية، تطوي الصفحة الأسدية دون أن تلحق الضيم بالعلويين، بل هي الأضمن لأمانهم وحقوقهم وكرامتهم على المدى الأطول. وثانيها التصور القومي العربي لسورية كقطر عربي، سكانه «عرب سوريون». وليس في تصور سورية كجمهورية ديمقراطية، دولة لسكانها العيانيين، ما يُلحق الضيم بالعرب، أو ما يحول بينهم وبين الاهتمام بقضايا محيطهم، مع كونه يوفر المساواة التأسيسية والسياسية للكرد، دون أن يفصلهم بدورهم عن الاهتمام ببيئات كردية حولهم. وثالث التصورات هو الدولة الإسلامية في سورية، مما يتطلع إليه السلفيون الجهاديون وأشباههم.

التسوية التاريخية في سورية يمكن أن تقوم على استبعادٍ متبادلٍ للأسدية والإسلامية. وليس في استبعاد الدولة الإسلامية ما يُلحق الضيم بالمسلمين السنيين بوصفهم كذلك. المشروع الإسلامي في بلد معقد التكوين وصفةٌ لتحطيم المجتمع السوري على يد نخبة حكم لا يمكن إلا أن تكون أقلية، ولا يمكن لحكمها إلا أن يكون طغيانياً متوحشاً. وكرامة المسلمين المؤمنين تصان في مجتمع حر عادل أكثر مما تصان في مجتمع يسوده الإسلاميون، بشهادة ما نرى في بلدنا بالذات.

إجرائياً، كيف يمكن التأسيس لقيام نظام أكثري؟

الأكثرية السورية الجديدة، العابرة للطوائف، تتكون في إطار تسوية تاريخية كبرى، يمكن أن يبلورها مؤتمر وطني سورية بمساعدة دولية، تطوي صفحة الدولة الأسدية وأجهزة القتل التابعة لها، فتكسبُ بيسرٍ أكثريةً ساحقة من السوريين ضد داعش وأشباهها، وتكسب كل العالم.

يمكن التفكير في أن يتمخض المؤتمر عن مؤسسة حكم عليا، تجسد المساواة التأسيسية للجماعات الأهلية السورية، ومنهم الكرد طبعاً، في الوقت الذي تطوي فيه صفحة حكم الفرد أو السلالة. السوريون محتاجون إلى إبداع مؤسسي، والصراعات الكبرى مناسبة لهذا الإبداع. لسنا ملزمين بفكرة الدولة المركزية القائمة على المجانسة، ولا بنظام المحاصصة التوافقي. ما نحن ملزمون به فقط هو توفير أقصى حد من العدالة لأكبر أكثرية من السوريين. إن لم يتحقق شيء من هذا، الباب ينفتح لحروب وصراعات وانتقامات لا تهدأ حيناً إلا كي تتفجر مجدداً بعنف أكبر.

سؤال: لماذا ينبغي للدول الكبرى والأمم المتحدة أن تدعم تحولاً سورياً في هذا الاتجاه؟ جواب: بالضبط لأنه الأكثر ديموقراطية وعدالة والأكثر قابلية للاستدامة.

سؤال: لكن هل الدول معنية بحلول عادلة، تضع نصب عينيها مصلحة السكان المحليين؟ جواب: حسناً، كل ما تقدم هو محاولة سورية لقول شيء عن كيف يمكن أن يكون الحل عادلاً في سورية. إذا كان المطلوب حلاً آخر، فليس السوريون العاملون من أجل العدل في بلدهم هم من يُسألون عنه.

لكن «العالم» جزء من مشكلة سورية، أليس كذلك؟

ولمصلحة القارئ المجهول، ينبغي القول بوضوح تام إن مشكلة سورية اليوم لا تقتصر على النظام وداعش وجبهة النصرة وتنظيم البي واي دي القومي الكردي. هناك طرفٌ ثالثٌ كبير، بل الأكبر، هو القوى الدولية، بخاصة الأميركان والروس، وقد عرض موقفهما منذ عام 2013 على الأقل تقارباً لافتاً، وصل إلى مستوى التنسيق العسكري والسياسي المباشر بعد التدخل الروسي في أيلول 2015. وهؤلاء، مساندو الأسدية الصرحاء كالروس، أو الرافضين لسقوط الأسدية كالأميركيين، ليسوا فقط قوى لا يمكن تجاهلها في تصور الحل السوري، وإنما هم القوى التي تُسأل اليوم عن تصورها للحل وعن موقع العدالة في هذا التصور. ولم يعرض الطرفان خلال سنوات الصراع السوري اهتماماً يذكر بقضايا العدالة والديموقراطية والاستدامة.

هذه القوى تتحكم بمجلس الأمن والأمم المتحدة ووسائل الإعلام الأقوى، وتحدد أجندات النقاش العالمي في الملتقيات الدولية التي تشارك فيها، على ما تفاخرَ باراك أوباما قبل شهور.

فإذا أخذنا هذا البعد الثالث للصراع السوري، البعد الدولي، كبعد أساسي من المشكلة، توجب طرح سؤال الحل على تلك القوى الدولية المتدخلة، وهي أقوى بكثيرٍ من الدولة الأسدية وحلفائها، وأقوى بكثيرٍ من أي مقاومين سوريين، ومن داعش، ومن «البيدا».

ومن موقع سوري يبدو أن الحل الذي تدفع باتجاهه هذه القوى يتراوح بين التسليم باستمرار الأوضاع الحالية من حرب وانقسام واقعي للبلد، أي التضحية بسورية من أجل بقاء النظام الأسدي، ودون حتى أفق واضح للقضاء على داعش، وهذا ما يبدو أنه التفضيل الأميركي اليوم، وبين استعادة المناطق الخارجة على سيطرة الدولة الأسدية لمصلحتها، اي استعادة «سورية الأسد».

هنا نحن، على كل حال، وراء الأقليات والأكثريات، في عالم القوة المحض التي قد تفرض منطقها إلى حين، مع بقاء الباب مفتوحاً للسؤال: متى موعد الانفجار القادم؟

إن كان العالم جزءً من المشكلة، فمن أين يأتي الحل؟

ليس هناك حل في سورية، أيها القارئ المجهول العزيز، لأن القوى التي تقود العالم جزء من المشكلة، إن لم تكن المشكلة كلها. هذه القوى غير عادلة، وحال العالم كله، وليس سورية وحدها، يمعن في التدهور بسبب سياساتها. لا يسمح هذا الواقع باقتراح مخارج عادلة وعقلانية، بل هو عامل تفجير في سورية وتوتير في محيطها، ويبدو الحال العالمي ككل مستسلماً لميول التوتر والتفجر.

نحن اليوم أمام طريق مسدود: من تعنيهم العدالة يفتقرون إلى القوة، ومن يملكون القوة لا تعنيهم العدالة.

نشعر مع ذلك أن الوضوح واجب. نشهد على أنفسنا وعلى زمننا، وعلى العالم. ونخاطب عبرك، أيها القارئ المجهول، قراءً آخرين متجردين، قد لا يوافقون على عناصر من هذا الطرح، قد يرون وجوب التركيز بقدر أكبر على بعض عناصره، أو إدخال عناصر واعتبارات إضافية، لكن يحركهم مثلنا مطلب العدالة، أكبر عدالة لأكبر عدد من الناس.

ورأي كاتب هذه السطور في النهاية أن المشكلات واضحة، والمسؤوليات واضحة، وأوجه اللاعدالة واضحة، وأفق العدالة واضح. نحتاج إلى كثيرٍ من الانتباه والشغل على التفاصيل، وإلى كثيرٍ من الأفكار العملية المبدعة، وقبل ذلك إلى مشاركة أكبر عدد من الناس في التفكير والنقاش والعمل. ما نتكلم عليه ليس مجرد حل لأزمة سياسية في سورية، بل إعادة تأسيس وطني، يطال بنيان الدولة وعلاقات المجتمع ووعي الهوية، مما يتعين أن يُقَارَب بروحٍ من الاعتدال والبراغماتية والإنصاف.

ما لا نحتاج إليه هو انقضاء جيل من اليوم، وكوارث جديدة أكبر، كي يقول أيٌ كان إنه لم يكن يعرف. الجميع يعرفون، وإن لم يكونوا قلة من يمشون بعيون مفتوحة نحو الهاوية.

========================

من أفغانستان إلى الشام.. القيصر لم يتعلم شيئاً .. د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الثلاثاء 16/8/2016

عشت التجربة الأفغانية بتفاصيلها، فكنت مؤرخاً للحظتها كصحافي، لكن يبدو أن ذاكرة الروس كأسلافهم السوفييت والقياصرة من قبل مثقوبة، فأول درس أفغاني كان على الروس أن يتعلموه من تجربة كلفتهم 15 ألف قتيل وتمزيق بلدهم، أن الأرض لأصحابها الحقيقيين. لم ينفع بوتن من سبقه قوة وجبروت السوفييت، ولا مدد حلف وارسو، ولم ينفعه قربٌ جغرافيٌ متصلٌ بأفغانستان يُسهل عليه الحركة بخلاف الشام البعيدة عنه، ولم ينفعه حزب شيوعي عقائدي أفغاني عريق، فكيف ينفعه من هو دون ذلك بكثير في الشام.

اليوم وبعد أن انكمش الاتحاد السوفيتي إلى 15 دولة ممزقة ومفتتة، واقتصاد منهار، يظن قيصر الكرملين أن بمقدوره كبت شعب شامي صمد في وجه آلة حرب احتلال داخلية مخيفة، استكلبت مليشيات طائفية مجرمة ومعها قوة إقليمية أشد إجراماً كإيران، لإعادة الشاميين إلى قمقم الاستبداد، لكن ست سنوات لم تكن كافية، ويبدو أنها لم تكن كافية ليتعلم منها الاحتلال.

سيفيثلانا الكسيفيتش الفائز بجائزة نوبل للآداب كتب أخيراً كتابه «أصوات روسية من حرب منسية» عن المآسي التي أفرزتها حرب أفغانستان ولم يتعافَ منها الاتحاد السوفيتي بكبره الجغرافي والديمجرافي رغم مرور ثلاثة عقود على الهزيمة، فكيف بالمآسي التي ستجرها الشام على دولة تشكل عُشر ما كان يشكله الاتحاد السوفيتي جغرافية وديمجرافية وسياسة ومالاً يومها.

الدب الروسي لا يعرف إلا تكسير كل من يقف في طريقه، ولا يعرف المناورة، فكيف إن كان زعيمه لاعب جودو وكاراتيه، لا يعرف إلا الضربة القاضية للخصم أو ينتظرها منه، لكن نسي أو تناسى دائماً أن أجواء الشام لا تناسبه، ولذا لا بد أن ينكفئ مجدداً كما هي سيرته الأولى إلى سيبريا، فإن كانت أفغانستان قد تكفلت بتقليم أظافره فإن الشام لن تقبل بأقل من تقطيع أطرافه وليس حتى أطراف أصابعه.

بدأ بوتن من حيث انتهى جورباتشوف فقد استخدم القوات الخاصة المعروفة بـ»السبيتناز» فور غزوه الشام، وهو ما لم يفعله السوفييت إلا في معارك جاجي على الحدود مع باكستان أواخر عام 1985.

ظن القيصر أنه استفرد بالحلبة السورية، ولا يدري أن غريمته أميركا جرّته إليها، وهو ما لم يخفهِ نظيره أوباما حين حذره من أول يوم دخلت فيه قواته سوريا أنه يتوجه إلى الوحل السوري، وهو ما ذكرنا بما قاله زبيجينو بريجنسكي مستشار الرئيس الأميركي كارتر يوم الغزو السوفيتي لأفغانستان أنهم كانوا يجرون القدم السوفيتية إليها.

راهنت موسكو أيام الغزو لأفغانستان على العنصر «الأقلوي» ولذا فقد أطاحت مباشرة بالرئيسين طراقي وأمين البشتونيين ونصبت بابرك كارمل عميلاً لها من العرقية الطاجيكية، لكنها عرقية مجاهدة قاتلت وأحبطت مخططات موسكو، ثم راهنت على الأوزبك والهزارة، ولكن كل ذلك لم ينفعها، ومن يريد أن يعرف صحة ذلك فلينظر إلى النفوذ الروسي الصفري اليوم في أفغانستان.

يتكرر اليوم المشهد الأفغاني في حلبته الشامية، فالأميركيون والغربيون يحذرون من التقسيم كما حذروا من قبل في أفغانستان، بينما المصلحة الروسية إبقاء الدول متماسكة، للتأثير عليها كدول بدل محميات فمصلحتها بوجود دول حليفة لها متماسكة للتأثير عليه، أو لخشيتها من أن تنسحب عدوى التقسيم إلى حزامها الرخو.

مأزق السياسة الروسية كما هي الأميركية وغيرهما أنهما لا يزالان حبيسي الماضي بالتعاطي مع الشعوب والدول، من خلال سياسة احتواء الدول، لكن الزمن تغير كثيراً، فلا أحد قادر على احتواء شعوب انتفضت وتمردت وأدركت طريقها، واستعدت للتضحية بنصفها وربما بأكثر من ذلك ثمناً للحرية، وما يجري في الشام وجرى في تركيا درس لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأكبر جنرال في صالح الشعوب اليوم هو جنرال الوقت، تماماً كما هو أشد الأعداء عداوة للاحتلال والغزاة.;

========================

الجرح السوري والنظام العالمي .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 16/8/2016

طلع علينا المرشح الجمهوري الأميركي للرئاسة دونالد ترامب في خطاب ألقاه أمام جمهوره مؤخراً، في العاشر من هذا الشهر، وشن فيه هجوماً عنيفاً على الرئيس الأميركي أوباما، وقال: إنه هو الذي أوجد «داعش». وبغض النظر عن موقف ترامب من أوباما، نذكّر بما أعلنه هذا الأخير منذ أكثر من ثلاث سنين، من أن ضربة «ماحقة ستستهدف سوريا». أما البعض في روسيا فربما سلك مسلك صراحة مباشرة، بعد التدخل في سوريا عبر إطلاق هجمات بالطيران على أهداف سورية، مسوغاً ذلك بأنه يجرب سلاحه الروسي! ومن طرف ثالث تتدخل إيران عسكرياً في سوريا مباشرة، وبوساطة حسن نصر الله رئيس «حزب الله» اللبناني، منطلقين في ذلك من أن دمشق، إنما هي إحدى عواصم عربية أربع تملكها إيران. ونضيف أخيراً أولئك الوافدين من بقاع متعددة أفغانية وباكستانية وغيرها، ليكملوا المهمات «المقدسة» في سوريا، حتى لو تمّ ذلك بأموال «مبيضة»، مثلاً من إيران!

وهنا تستحق الواقعة التالية أن تذكر، وهي أن حسن نصر الله أعلن، منذ بعض الوقت وعلى التلفزيون، جهاراً وبوضوح أن تمويل العمليات العسكرية، التي يقوم بها «حزب الله» في سوريا، إنما يتم بأموال إيرانية، وبالمناسبة، كنا في سوريا وغيرها حين يُعرف أن فلاناً شخصاً كان أو حزباً يتلقى أموالاً من بلد أجنبي، تقوم الدنيا ولا تقعد تعبيراً عن استنكار ذلك. والمهم في الأمر أن منظومة جديدة من القيم السياسية والأخلاقية والثقافية غزت وتغزو عالمنا الراهن في ظل العصر العولمي الجديد، وبتسويغ من «منظومة المابعديات»، كأن نقول: ما بعد الثقافة أو السياسة أو الوطن أو الحرية أو الكرامة والشرف!

لقد أتينا على هذا للإشارة إلى تلك المنظومة الفاضلة بين حالتين أو عصرين.. إلخ، وهي حالة يتوافق ظهورها مع العولمة، التي أتينا عليها في كتابة أو كتابات سابقة، أي التي عرّفناها بكونها النظام الجديد في قلب العالم الرأسمالي الليبرالي الراهن، المؤسس على سوق مطلق تبتلع كل شيء في الطبيعة والمجتمع، لتتقيأه سلعاً ومالاً، في هذه المرحلة الفارقة. وفي سوريا تجتمع تلك القوى الشريرة وفي نفسها خنق سوريا المدججة بشعلة الحرية والكرامة، وتحويلها إلى «أمّ عاقر» يستحيل أن تلد أبناءً وأحفاداً لآبائها وأجدادها من طراز يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش وصالح العلي وفارس الخوري وخيرو الشهلي ونظير النشواتي، إلى آخر قائمة المجاهدين والمناضلين من كل المدن السورية وغيرها من القرى والبلدات.

إن أولئك ومن التفَّ حولهم في الدفاع عن سوريتهم، بدءاً بما قبل الفرنسيين السايكس- بيكوين وانتهاءً بهذه اللحظة المعيشة الدامية، لا يرفضون، بأكثرياتهم العظمى، المشاريع التقسيمية الطائفية والمذهبية والعرقية والثأرية وما التقى بها همساً أو جهاراً فحسب، بل يدينونها ويعملون على إسقاطها وبعثرتها شذر مذر، وهم، في هذا وذاك، يسعون بكل الإمكانات المتاحة داخلاً وخارجاً لرفع راية وحدة الشعب السوري العربي ومن معه من أحرار الوطن والعالم.

لقد التأم شمل الآخرين من أصقاع العالم على فكرة دونها الأزمنة سابقاً وراهناً ومستقبلاً هي تشظية الوطن وفق مصالحهم، معتقدين أن أسلحتهم الحديثة وجشعهم الخبيث ومسالكهم الطائشة سيفعلون بها ما يقلب التاريخ رأساً على عقب، بيد أن الشعب السوري العملاق سيلقنهم دروساً تحفر في الذاكرة، كما هو الحال حتى الآن. إن النظام العولمي الطامع في إعادة بناء العالم، سيجد في الشعب السوري، كما في الشعوب العربية، وكذلك في طلائع القوى التنويرية الديموقراطية الداخلية والعالمية ذات الصلة بالشرف الوطني وبمنظومة الديموقراطية التعددية واحترام الإنسان بإطلاق، أقول سيجد كل أشكال المقاومة بمختلف الصور من قوى الحرية والكرامة والسلام العادل، إضافة إلى كل الراغبين في الانخراط في بناء عالم جديد لكل الشرفاء.

========================

قانون نيوتن الثالث ومنبج .. هاني أحمد

العربي الجديد

الثلاثاء 16/8/2016

يعتبر علم الفيزياء من العلوم التجريبية الذي يهتم بدراسة سلوك المادة وتفاعلاتها في إطارها الزماني والمكاني. ومن قوانين الفيزياء، قانون نيوتن الثالث في الميكانيكا، "لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار، ومعاكسة في الاتجاه"، ولتطبيق هذا القانون لابد من وجود جسمين على الاقل، أحدهما مصدر قوة الفعل، وآخر مصدر ردة الفعل، وهو قانون قوة، وليس قانون حركة، فهو يحدّد القوة المؤثرة على الجسم، ولا يحدّد حركته.

يمكن تطبيق هذا القانون في مجال السياسة والحياة الاجتماعية أيضا، وليس في الفيزياء وحدها، فبعدما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مدينة منبج في 23 يناير/ كانون الثاني 2014، فرض قوانينه وأسلوب حياته على الناس بالحديد والنار، فمنعوا من التدخين، وفرض عليهم اللباس الشرعي الأسود (العباءة والخمار)، ومنعوا الفتيات من التعليم، وفرضوا اللحى والصلاة، ومنعوا أصحاب بعض المهن من العمل، كالحلاقين والمحاميين وأطباء النسائية والهواتف والإنترنت والتلفاز وخروج النساء بدون شخص محرّم، وفرضوا الدورات الشرعية وحلقات التعليم في المساجد، واستغلوا الأطفال، فضموهم في صفوفهم وكلّ مخالف لهم ولسياساتهم مصيره الموت، كما فرضوا ذلك كله تحت المساءلة والعقوبة التي تترواح ما بين حفر الخنادق في الجبهات المشتعلة، والجلد والصلب حتى الموت في الساحات العامة.

اتسمت المدينة بالسواد والكآبة، وهجرها قسم كبير من سكانها إلى تركيا وأوروبا، وإلى مناطق سيطرة الجيش الحر، فأصبحت مثل مدينة أشباح، بعد أن كانت تعج بالحياة والناس، وكأنها قلب نابض من شدّة الحركة، فسياسة التنظيم القمعية لا تميّز بين صغير أو كبير، رجلاً كان أو إمراة، ففي بداية يونيو/ حزيران 2016 بدأت حملة عسكرية بقيادة "قوات سوريا الديمقراطية"، وبدعم من طيران التحالف الدولي لـ "تحرير" المدينة، استمرت شهرين ونصف، رافقها حصار خانق على المدينة والمدنيين، وقصف ممنهج ومئات القتلى والجرحى، وأسفرت الحملة عن انسحاب داعش من المدينة باتجاه مدينة جرابلس، مستخدمة المدنيين دروعاً بشرية، لمنع قصفها من طيران التحالف الدولي والقوات المحاصرة.

ما سبق يمثل مصدر قوة الفعل، أما ردّة الفعل فكانت من السكان بعد انسحاب داعش، وتمثلت في حلق اللحى وحرق اللباس الأسود، وتدخين النساء في الشوارع والغناء والرقص، فكثرة الضغط تولّد القهر، والقهر يولّد الانفجار، فحجم ردود فعل الناس الناتجة عن الظلم والاضطهاد والقمع تتناسب مع الضغط الواقع عليها.

فرح الناس وتصرفاتهم هذه ليس حباً بـ "قوات سوريا الديمقراطية"، وإنما بسبب خلاصهم من المحتل الداعشي، ومن الحصار الذي عاشوه شهرين، وقصف طيران التحالف الذي ارتكب مجازر بحق المدنيين بحجة وجود داعش بينهم، فهم يدركون أنهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، وأنّ المحتل الجديد لا يختلف عن المحتل القديم، فما أشبه اليوم باﻷمس، لسان حالهم يقول.

======================

روسيا وتركيا: التاريخ والجغرافيا و... المصالح .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاثنين 15/8/2016

تركيا دولة آسيوية في القسم الأعظم من جغرافيتها، وهي دولة مشرقية بثقافتها، وتاريخها، وطبيعة تديّنها، وسلوكية أهلها، ولكنها اختارت حتى في مراحل من عهدها العثماني أن تكون قريبة من الغرب، مستفيدة من تجربته ومعارفه وتقنياته. ولكنها في الوقت ذاته كانت تبحث عن بدائل تمكّنها من التحرّك بحرية في محيطها المشرقي، بعيداً عن الحروب والتهديدات الروسية المستمرة.

ويبدو أن الغرب، بخاصة في مرحلته الأميركية، وبعد تجاوز تبعات تآمر الحلفاء ضد الدولة العثمانية الذي بلغ ذروته في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، وجد في تركيا قاعدة عسكرية استراتيجية متقدمة، وحجماً بشرياً يُعتد به في مواجهة أخطار الانتشار الشيوعي، الذي كان على مدى عقود تلت الحرب العالمية الأولى فزّاعته الأكبر. ولكن تركيا كانت تطمح باستمرار إلى مكانة تتجاوز دورها العسكرياتي، وتدرك أن إمكانياتها، وموقعها، وحجمها، وخبرة أهلها، كلها مقوّمات تؤهلها لإنجاز نهضة اقتصادية تكون نموذجاً للشرق الإسلامي، نهضة تفتح لها الأبواب بيسر وسهولة، ومن دون الحاجة إلى تحمّل تكاليف المشاريع التوسعية التصادمية، كما هو الحال بالنسبة إلى المشروع الإيراني على سبيل المثال.

وقد بدأ هذا التوجه مع الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال منذ أواسط الثمانينات حتى وفاته في 1993. وتمثّل لاحقاً في تجربة حزب العدالة والتنمية التي بدأت عام 2002. وقد حققت هذه التجربة في وقت قياسي من الإنجازات التي اعتبرت في منظور المواطن التركي، وحتى بالنسبة إلى المتابعين للشأن التركي، ضرباً من المعجزة.

ومنذ البداية كان من الواضح أن حزب العدالة يسعى لإثبات استقلالية قراره، ويحاول الخروج من رداء التابع المنقاد. ولعل هذا ما يفسّر قراره بعدم الموافقة على فتح قاعدة انجرليك والحدود البرية أمام القوات الأميركية في حرب إسقاط صدام حسين في 2003.

وفي الوقت ذاته، كانت هناك جملة من التحديات الداخلية بالنسبة إلى هذا الحزب تستوجب اتخاذ موقف منها، وذلك للقطع مع الصورة النمطية التي كانت عليها مواقف الحكومات التركية السابقة على صعيد علاقاتها مع المؤسسة العسكرية، أو مقاربتها للمسألة الكردية في البلاد. وبعد وصول الثورة الشعبية إلى سورية التي تعتبرها تركيا حديقتها الخلفية، برزت تحديات جديدة.

كانت تركيا تدرك منذ البداية أن سورية دولة مفتاحية، وهي نقطة استناد مهمة في الاستراتيجيات الروسية الشرق أوسطية. أما النظام الإيراني، فقد اتخذ من سورية القاعدة الأساس لتمرير مشروعه التوسعي التعبوي في المنطقة. وتركيا كانت، وما زالت، ترتبط مع الدولتين بأوسع العلاقات الاقتصادية، بخاصة في النفط والغاز، والتبادل التجاري، والقطاع السياحي. ولعلها من أجل ذلك حاولت في المرحلة الأولى من الثورة السورية إقناع النظام بضرورة إجراء إصلاحات حقيقية، كان من شأنها المصادرة على الكثير من النتائج الكارثية اللاحقة. ولكن النظام المقتنع بأن أية عملية إصلاح فعلية هي بداية النهاية بالنسبة إليه، رفض الأخذ بالنصائح التركية، كما رفض الأخذ بالنصائح العربية، وكان ما كان.

وقد اعتقد الجميع، بخاصة بعد تشكيل مجموعة أصدقاء الشعب السوري، بأن الأمور ستحسم سريعاً في سورية، وستستعيد المنطقة توازنها الإقليمي وفق المعطيات الجديدة، الأمر الذي لم يحدث. ومع الوقت تعقدت الوضعية أكثر، واختلفت الأولويات. ودخلت روسيا على الخط مباشرة، بعد أن تيقّنت من عدم الجدية الأميركية، ورفعت شعار مكافحة الإرهاب للتغطية على دعمها للنظام. وجاءت حادثة إسقاط الطائرة الروسية، وهي حادثة كانت تحوم حولها التساؤلات منذ البداية، لتشعل أزمة غير عادية بين تركيا وروسيا، أزمة تجلّى عمقها عبر تمددها إلى العلاقات الاقتصادية بين البلدين، الأمر الذي أقلق الجانبين، وألزمهما بالبحث سريعاً عن المخرج. وخطت تركيا، انسجاماً مع التوجه ذاته، خطوة باتجاه إسرائيل أيضا، بهدف تحصين الموقف السياسي بعد حالات الجفاء والتردد التي شهدتها العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية تحديداً، ومع أوروبا على وجه العموم.

غير أن المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة، أعادت خلط الأوراق، وارتفعت حدة الفتور بين تركيا وحلفائها الغربيين، وكان التوقع هو أن العلاقات ستصبح أكثر حرارة مع الروس لألف سبب وسبب، بعيداً عن الالتزامات الأيديولوجية وكوابحها.

لقاء القمة الذي كان بين الرئيسين الروسي والتركي ما زال حديث العهد، والذي يستوقف هو أن كل طرف يحاول أن يستثمر هذا اللقاء، وما سيترتب عليه، في حساباته مع الغرب. روسيا لديها الرغبة في انتزاع تنازلات غربية لمصلحة مشاريعها في أوروبا الشرقية، وآسيا الوسطى، وحتى في الشرق الأوسط. وتركيا تريد أن تبين من خلال هذا اللقاء أنها ما زالت تمتلك بدائل قوية، وأن التمنّع الأوروبي في مواجهتها لم يعد سراً مكتوماً، كما أن البرودة الأميركية التي تلمسها تركيا لمس اليقين العياني عند العديد من المنعطفات الحرجة، باتت تثير ألف استفهام واستفهام.

هل سنشهد تفارقاً بين تركيا وذهنيتها المبرمجة غربياً، وسنكون أمام فصل أشبه بذاك الذي كتبه هنري كيسنجر حينما حقق اختراقاً مع الصين في بداية السبعينات؟ أم أن الموضوع لن يخرج عن نطاق التذكير ودق جرس الإنذار لتعيد الإدارة الأميركية ترتيب أولوياتها، وتعمل على مراجعة الإشكاليات الاستراتيجية التي أوجدتها إدارة أوباما، وهي إشكالاليات تستوجب المزيد من التحليل والفهم، ليصل المرء إلى قناعة بخصوص طبيعتها الفعلية.

ما يهمنا هنا قبل كل شيء هو أن يساهم التفاهم الروسي - التركي في إيجاد حل واقعي ممكن، يرتقي إلى مستوى تضحيات وتطلعات السوريين. ومن دون أن ننسى أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق السوريين أنفسهم، فالمصير يخصهم، ومن واجبهم التقدّم بمبادرة متوازنة تراعي هواجس الجميع، علّها تُعتمد أساساً لحل قادم، وسط كل ما يحصل من تطورات دراماتيكية ميدانية، وأخرى سياسية، إقليمية ودولية.

========================

النخب العربية وثورات الربيع العربي .. محمد فاروق الإمام

بعد ست سنوات على انطلاق الثورات العربية أين يمكن أن نتلمس دور النخب العربية بالتفاعل مع هذه الثورات سلباً أو إيجاباً؟

سؤال كبير يمكن أن يطرحه كل مواطن عربي على النخب التي ما فتئت تنظّر وتحلل وتتنبأ وترسم وتخطط.

وبعد الدراسة والقراءة الجادة لهذه النخب نجد أن البعض منها يعيش أوهام الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب ويريد استنساخها بقوالب مستجدة تدغدغ عقول عامة الناس ومشاعرهم، وهذا ما حدث في مصر وتونس واليمن وليبيا، حيث تمكنت هذه النخب من التلاعب بعقول عوام الناس وأنصاف متعلميهم وسرقة الثورة عن طريق جوقة من البلطجية والشبيحة والزعران، الذين تعج بهم بلدان الربيع العربي، والذين يتقنون فن النفاق والرياء والتدليس والكذب والافتراء والتملق، وهم نتاج ثقافة الأنظمة الديكتاتورية في تلك البلدان، والتي كانت تحيط نفسها بمثل هذا الجيش العرمرم من الفاسدين لأكثر من نصف قرن.

في حلقة الاتجاه المعاكس التي يقدمها الإعلامي البارع الدكتور فيصل القاسم من قناة الجزيرة الإخبارية يوم الثلاثاء الماضي 16/8/2016 تحت عنوان: (حق الشعوب العربية في التحرر من الظلم والطغيان، وإمكان أن ينجحوا ثوراتهم على الاستبداد، أم أن الشعوب ومستبديها وجهان لعملة واحدة؟)والتي استضاف فيها كلاً من (أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية الهادي شلوف) و(أستاذ العلاقات الدولية في جامعة السوربون محمد هنيد).

يقول الأستاذ الهادي شلوف: إن الحكام العرب هم سبب المصائب التي لحقت بالشعوب، لكن ثورات الربيع العربي بينت أن الحكام والشعوب ليسوا سوى وجهين لعملة واحدة، وأن طموح هذه الشعوب كان الوصول إلى دولة القانون والعدالة، وما أن جاءت الثورات حتى اكتشفنا أن الشعوب أسوأ من الحكام،وأن ديدن التاريخ العربي المعاصر من الاستعمار إلىالحكام العرب بعد الاستقلال إلى ثورات الربيع العربي، ينطبق عليه البيت الشعري: "رب يوم بكيت منه .. فلما صرت في غيره بكيت عليه".

أما الأستاذ محمد هنيد فهويعتقد إن الشعوب العربية قابلت قتلها على يد المستبد وقابلت فرق الموت المستوردة بصدور عارية وهي تنشد حريتها بسلمية قل نظيرها في العالم.

على هذه السلمية -يواصل القول- قامت الشعوب بما يقع على كاهلها من مهمة إسقاط جدار الخوف والاستبداد، أما المرحلة التالية فهي مرحلة البناء وهذه ليست مسؤولية الشعوب وإنما النخب.

لكن هذه النخب -التي يسميها نخب العار- هي في الأصل صناعة المستبد، ولا تستطيع أن تتنفس دكاكينها إلا من خلال صانعها، وعليه اضطلعت بعد الثورات بإعادة إنتاج الاستبداد.

ويرد الأستاذ شلوف قائلاً: إن لدى العرب مشكلة، فهم ينتمون إلى شعوب غير قادرة على الإنتاج وليس لديها رقي، وإن الإسلام أعطاهم هوية شعب، بينما كانوا قبل ذلك يأكلون السحالي.

ورفض محمد هنيد القول الأخير لشلوف وقال إنه أكاديميا وعلميا لا يجوز اعتبار شعب قابلا للرقي وآخر غير قابل، منبها إلى أن الأنثروبولوجيا الاستعمارية هي من كانت تقسم الشعوب إلى متحضرة ودونية.

ومضى يقول إن العرب يعيشون وعي الهزيمة الذي أنتجته ثقافة سايكس بيكو وفعّله الاستعمار العسكري المباشر ثم كرسه الاستبداد العسكري. ورأى أن خطورة هذا الوعي في ترويجه عبر النخب مما سمح للإمبراطوريات المجاورة أن تتمدد بحجة الانتصار للمهزومين كما يجري على يد المشروع الصفوي الإيراني.

واستكمالاً للفائدة نورد بعض التعليقاتعلى الحلقة من قبل القراء العرب:

يقول أحدهم:

"إن النخبة لم تقدم الدليل المقنع الذي يشفي الصدور ويجعل الفرد واثقا من نفسه بأنه على حق وأن هذا البديل فقط بمجرد معرفته تتحقق سعادة داخلية وما إن يطبع حياة المجتمع تتحقق الرفاهية والراحة النفسية. نعم ربما تكون البداية معنوية بحيث تصحح الأفكار والعقائد ثم تصقل شخصية الفرد المرادة التي يمكنها بناء المجتمع أو تغيير النظام أو التصدي لانقلاب وهذا مسار طويل يتطلب العمل الدؤوب وطول النفس والموضوعية في جميع المجالات التي تمس حياة الناس".

ويقول آخر:

ذو القرنين جهز جيشا من العلماء والأطباء والمهندسين ورجال دولة ودين وجنود وسار في رحلة لاستكشاف حالة الشعوب وهي خمس أجناس ومنغلقة وهدفه استطلاع أمرها ومساعدتها ومدها بما يلزمها لإكمال نضجها وردع بعضها عن الباطل ورسم طريق الحق لاتباعه وسد طريق الباطل لاجتنابه، الشعوب قد تخدع لفترة وتخطىء وتخاف ولكن عندما ترى طريق الحق تتوق إليه ويعمل فكرها وتتحرك جوارحها وتطلق حناجرها طلبا له وترفع السلاح اذا اقتضى الأمر،وهذا قمة النضج بعد الانتصار المحتوم، لأن الجيوش قد تخسر معارك لكن الشعب لا يخسر المعركة،إنه يتسلق قمة النضج".

وأخيراً يقول بعضهم:

"الشعوب العربية هي من صنعت الطغاة بسكوتها وخنوعها كل هذه السنين وعندما قام شبابها بالثورة عادت الشعوب لتحمل جلاديها على أعناقها، المشكلة مشكلة جيل تعود وعود على الخنوع، هو جيل: خليك في حالك وابعد عن السياسة، يبقى الأمل في الأجيال القادمة لو وجدت توعية إعلامية".

=================================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com