العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-07-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية .. الهمجية الروسية وحملة الأمعاء الخاوية

عمار ديوب

العربي الجديد

الخميس 18/7/2019

منذ استدعت إيران روسيا لتنقذها من انهيارها وانهيار النظام في سورية في سبتمبر/ أيلول 2015، والاحتلال الروسي لا يتورّع عن ارتكاب كل الجرائم، ويستهدف بشكل رئيسي الشعب الواقع تحت سيطرة الفصائل، وتدمير البنية التحتية من مدارس ومشاف وبيوت ومساجد وغيرها؛ وعكس ذلك، فإن عملياتها ضد الفصائل المتشدّدة، سلفية أم جهادية، نادرة الحدوث واستثنائية، وتستهدف شخصيات بعينها، بما يبقيها، ويمد من نفوذها، وربما لولا وجود قرار دولي بإنهاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لظل الأخير يبني خلافته ودولته الإسلامية، وبإشراف كل من أميركا وبوتين والمرشد الإيراني خامنئي.

منذ أكثر من شهرين، وروسيا تحاول استعادة شمال حماة وإدلب وإنهاء المنطقة الأخيرة من خفض التصعيد؛ فشلت كل تشكيلاتها السورية في ذلك، وفشل الروس أنفسهم، وقبالة ذلك قَصفَ الطيران الروسي والسوري بآلاف الطلعات الجوية تلك المناطق. النتيجة أكثر من ألف قتيل، وتشرّد مليون سوري تقريباً، ودمار كبير للقرى والبلدات وحرق للمحاصيل. هذا ببساطة ما تفعله روسيا، وعلى الرغم من ذلك أضيف: لولا مساعدة كل من أميركا، المسيطرة على شمال شرق سورية، وتركيا وإيران وإسرائيل، لما استطاعت موسكو استعادة أيٍّ من مناطق خفض التصعيد!

همجية الروس هذه دفعت رئيسة المجلس المحلي لحلب الحرة السابق، بريتا حاجي حسن، إلى 

"هناك مساحة حقيقية للفعل، لم يتم الشغل عليها من قبل، ينتظرها السوريون وسواهم" إعلان الإضراب عن الطعام، ومرّ الآن قرابة شهر على ذلك، وبعده بدأ كثيرون ينضمون إلى الإضراب، وقد تنوع بين سوريين وعرب وأجانب، ولاحقاً تشكل ما يشبه "القيادة" لمتابعة "حملة الأمعاء الخاوية"، وبدأت بإصدار البيانات، والتصريحات، وأُعلن عن متحدثٍ رسميٍّ عنها، وربما تعدُّ الحملة المدنية هذه من أفضل الحملات التي تُظهر مدى وحشية الروس والنظام وهمجيتهما، ومحاولة إيقاف الدمار والقتل والإفراج عن المعتقلين، والوصول إلى حل سياسي ينهي المأساة السورية.

أثارت الحملة نقاشات سورية كثيرة، ومالت كفة أغلبيتها إلى تأييد الحملة، واقتراح أفكار لتطويرها، منها أن دلالة الإضراب رمزية، ويمكن إيقافه ومتابعة آخرين له، وبالتالي أعادت شيئاً من الروح، بعد مأساة استشهاد عبد الباسط الساروت، وشعور الناس بالخذلان العميق. الحملة تتطور يومياً، وينضم لها كثيرون، ومن دول متعددة، وهي بذلك تقترب لتصبح عالمية، وهذا يوضح أهميتها وضرورة الدقة في كل خطواتها، والانفتاح على أية مقترحات جديدة، يمكن أن تساهم في جعلها حركة عالمية قوية ومسموعة دولياً، من المثقفين والسياسيين والحكومات والمؤسسات الدولية، كمجلس الأمن وهيئات الأمم المتحدة وسواها.

الحملة مدنية الطابع، وتهدف إلى التحشيد العالمي أولاً، وهذا يعني المثقفين والجامعات والنوادي الثقافية والنقابات، وربما الأحزاب الأوروبية، وقد بدأوا بالانضمام إليها، ولكن أيضاً تستهدف السوريين في الخارج خصوصا. وعدا ما ذكرت من أشكال التضامن مع المضربين، بدأت الاعتصامات والندوات تتصاعد هنا وهناك، وهذا يعني أن هناك مساحة حقيقية للفعل، لم يتم الشغل عليها من قبل، ينتظرها السوريون وسواهم، ومن أجل تفعيل نشاطهم، وبما يُوقف تلك الهمجية وينقل سورية إلى الحل السياسي.

قلت إن الحملة مدنية، وليست سياسية، ووفق برنامج تصعيدي محدّد مسبقاً، وليست تابعة لأية مؤسسة للمعارضة (مجلس وطني، هيئة تنسيق، الائتلاف الوطني، هيئة التفاوض، و.. و.."، وقوتها وامتدادها وتطور أشكالها، والتي تجاوزت الانتماء السوري، يوضح أهميتها، وبالتالي كل محاولة لتتجاوز الطابع المدني لها يتم إفشالها وإضعاف أهمية الالتفاف حولها، وكذلك كل إدارة غير نوعية لها سيُضعفها بالضرورة، وبالتالي يجب أن تستقطب أشخاصاً وفاعلين غير إشكاليين، وفاعلين ومؤثرين، ولهم قيمة معنوية، وكذلك طاقات شبابية تتميز بالروية والهدوء والتعقل.

التيار الرافض للحملة، أو المنتقد لها، ينطلق من هامشية دورها مما يحدث على الأرض، وقلة

"التيار الرافض للحملة، أو المنتقد لها، ينطلق من هامشية دورها مما يحدث على الأرض، وقلة مردوديتها إزاء الهمجية"  مردوديتها إزاء الهمجية. وطبعاً لن نعدم أشخاصاً يشكّكون في امتناع وإضراب بعض عن الطعام، وهذا ما يؤسّس لإضعاف مصداقيتها بشكل كبير، ولو وجد بعض المتسلقين على الحملة والكذبة بخصوص الإضراب عن الطعام، فسيكون الأمر كارثياً على مستقبلها.

هنا نطرح قضية رمزيتها وقدرتها على إثارة العالم؛ تتأتى رمزيتها من الامتناع عن الطعام، وكونها أبدعت سياسة انتقال الإضراب من شخص إلى شخص آخر، حيث يتوقف الأول لأسباب متعدّدة، ويتابع آخر وينضم آخرون وهكذا، وباعتبارها تستقطب الإعلام وفعالياتٍ كثيرة، فإنها تستقطب بالتأكيد المتسلقين والانتهازيين من السوريين وسواهم إليها، وبالتالي يقع على قيادة الحملة متابعة كل تطوّراتها السلبية والإيجابية، وتشكيل لجانٍ متعددة للإشراف على نشاطاتها. وأقول ذلك لأن فكرة الإضراب جديدة على السوريين. ومن هنا، يجب إنهاء كل عمل فردي، أو شللي، يحاول السيطرة على الحملة ونشاطاتها، وكذلك رفض كل شكلٍ من التجيير لها لصالح مؤسسات المعارضة وتشكيلاتها الفاشلة بامتياز.

هناك عائقٌ كبير أمام الحملة، ليس فقط ما ذكر أعلاه من الفردية والشللية، حيث ضعف التنسيق بين السوريين، والرؤية الضيقة للوقائع والمتغيرات، والتي لم يتجاوزوها على الرغم من كل المآسي. الحملة والواقع السوري يقتضيان أشكالاً جديدة من التفعيل والنشاطات والتواصل، وتغيير المسؤولين والمتحدثين عنها، وطرد المستقلين والانتهازيين، ووضع قواعد 

"الحملة والواقع السوري يقتضيان أشكالاً جديدة من التفعيل والنشاطات والتواصل" للنشاطات، والانفتاح، في الوقت ذاته، على كل مبادرة جديدة، تنسجم مع أهداف الحملة. الحملة حديثة الولادة ولديها كل يوم فاعلية جديدة، وبالتالي هي تدريب للسوريين على العمل، المدني والثوري الجماعي، والمنفتح على مؤسسات وفعاليات غير سورية كذلك، وهذا جديد كليا، حيث كان السوريون يخشون المشاركات الفوق وطنية، وليست لديهم أية تجارب إقليمية أو دولية، وهذا خصوصا بعد تأسيس الدولة الأمنية مع الحركة التصحيحية، حيث بداية تأسيس الدولة الشمولية، وتغييب كل شكل للعمل المدني والسياسي خارج الأطر الأمنية؛ وأقول الأمنية، لأنه لا قيمة لحزب البعث، ولا اتحاد الطلبة، أو شبيبة الثورة، وكذلك لكل أحزاب الجبهة. قصدت من ذلك كله أنه ليست لدى السوريين تراكمات في الفعل المدني أو السياسي وسواه، وهذا يعني إمكانية الانهيار المجتمعي أو، وبمصطلح الطيب تيزيني، الحطام العام.

انتقدَ رسام الكاريكاتير العالمي المعارض، علي فرزات، الحملة، وقلّل من أهميتها. وعلى الرغم من خطأ موقفه هذا، فإن ردود الفعل كانت كارثية، وكفّرته وشيطنته. وهذا يعني أننا لم نتجاوز الفعل ورد الفعل، أي البافلوفية المحضة. الحملة مهمة، ويمكن أن تتطوّر بشكل كبير، ولكن ذلك يتطلب تجاوز قضايا كثيرة، وقد حاول هذا المقال مناقشتها.

===========================

موقفنا: "اللسان الذي أكله القط"

زهير سالم

مركز الشرق العربي

18/ 7/ 2019

وهذا مثل شعبي قديم . يضربه عامة الناس للرجل أو الجماعة يعجز أو يعجزون عن الوفاء بحقوق أنفسهم . أو شرح قضيتهم ، أو الدفاع عنها .

وسمى القرآن الكريم هؤلاء في سياق آخر : ( فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ..) وانظر تناسب المعطوفين وتتابعهم وتدرجهم .

وقال في سياق ثالث معللا ضعف المرأة بتربيتها على الترفع والدلال ( أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) فعموم النساء بسبب الحياء الملازم لتربيتهن لا يقدرن على الدفاع عن أنفسهن في خصومة . ووصف المرأة بالحياء وصف مدح شائع عند العرب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياء من العذراء في خدرها . فهل من الحياء أن يكون الرجل أو المرأة أو الجماعة من الناس ممن لا يرد يد لامس ، ولا افتراء مفتر ، ولا كيد كائد ..أظنها تحتاج عند البعض إلى كثير من التفكير .

عندما يتحدثون عن أولويات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في المدينة ، قليل من يذكر أنه مع بناء المسجد ، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وكتابة الصحيفة الوثيقة ؛ انتدب لدعوته شاعرا يزود عنه وعنه ويرد على أعدائها . وأنه عندما عرض عليه بعض الشعراء المجيدين أنفسهم مثل كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة جزّاهم خيرا حتى صار الأمر إلى الشاعر الأجود حسان .

وأعود إلى اللسان الذي أكله القط ...

 لآؤكد حقيقة مؤلمة فاجعة قاصمة وهي أن الإخفاق الذي نُكب به السوريون في واقع حالهم لم يكن فقط ذلك الذي وقع عليهم في الميدان نتيجة حرمانهم من السلاح المناسب ، ونتيجة مكر العالم بهم ، وتآمر الكثيرين عليهم .... ُبل إن الإخفاق الأكبر كان في ميدان " الكلمة " الكلمة الموظفة ، والكلمة المعوّمة ، ّ والكلمة المرسلة، والكلمة الشاردة ، والكلمة الطائشة ، والكلمة المهملة ؛ وكل كلمة من هذه الكلمات يمكن أن يُكتب فيها مقال ، ويُفتح حولها بحث ودرس وتحقيق ..

وكل هذا " واللسان الذي أكله القط " غائب أو مغيب بفعل فاعل، أو بإهمال مهمل ، أو بعجز عاجز ، أو بادعاء مدع ..

وأصبحنا في مشهدنا السوري كما قال الأول :

لقد عظم البعير بغير لب .. فلم يستغن بالعظم البعير

يذلل ثم يُضرب بالهراوى .. فلا عرف لديه ولا نكير

أكتب هذا وأنا أتابع انشغال ألسنة السوريين ببعضهم . وتشاغلهم عن نصرة حقهم الأبلج كوجه الشمس في قسمات قضيتهم ..

كثير منهم يتكلم في الأمر العظيم وهو لايدري عن قواعد النحو ولا قواعد الفقه ، ولا قواعد السياسة ولاقواعد الكلام ولا آدابه . منذ أيام كنت أقرأ لمتكلم يظن نفسه مفوها لكثرة ما يستضيفه المستضيفون يقول : أعيته الحيلة في إقناعنا أن الدول تعمل لمصالحها . أحببت أن أقول له ونحن أعيتنا الحيلة أن نقنعك أن الألف لا شيء عليها وأن الباء نقطة من تحتها ؛ فخشيت أن أستجر . عندي نصيحة عابرة لشراب العرق من المعارضين السوريين أن لا يكتبوا وهم سكارى حتى يعلموا ما يقولون !!

أكتب هذا وأنا أتابع الدعاية السوداء تدب بها عناكب بل عقارب السوء الأسدية فتقتحم على السوريين مهاجرهم . وتقلقهم في ديارهم الجديدة وهي ديار كرام آووا ونصروا وقدموا وهم مستعدون أن يعطوا أكثرلو كان للسوريين حسن مري وجميل إبساس ..

فقد علمت االعرب أنه حتى الضرع يحتاج إلى ما قال الحطيئة :

ولقد مريتكمُ لو أن درتكم ... يجيء بها مدحي وإبساسي

تبسبس للكريمة الحلوب ، وتمسح الضرع وتطبطب عليه حتى يدر ، فتقول عن القوم والمضيفين : " لله درهم " أي ما أجمل وما أطيب وما أغزر درهم .

وهذا عدونا يهجونا بالباطل ، ويشوهنا بالافتراء ، وعملاؤه ينفخون في كير الإفك ، ومن ملكوا أمرنا مع كل ما في أيدينا من سطوع الحق يكبُون ..أو يكبُّون!!

كنا نتشكى من سمعة سيئة سبقتنا إلى اندونيسيا وماليزيا أو إلى بوليفيا والبرازيل ، واليوم نشكو من ذلك في دول الجوار التي تحيط بنا بين أهل جيرتنا وشركائنا في مصيبتنا . ونظل نسب الشيطان والاستعمار والمؤامرة ولم نقف يوما أمام المرآة نستطلع قسمات عجزنا وتقصيرنا ...!!

يقول الرسول الكريم لحسان : اذهب إلى أبي بكر يخبرك عن حقيقة القوم ، أنسابهم وأخبارهم . الإعلام علم وليس مجرد كلام .!! والكلمة كَلم يفتح فلا يغلق .

كل ما يقال في الشعب السوري السوري ، وكل ما يقال في الثورة السورية ، وكل ما يقال عن الثوار السوريين ، وكل ما يقال في المهجرين السوريين من سوء وتشكيك تنتجه مراكز دراسات مختصة ، أظلم إن قلت نازية أو فاشية أو ستالينية ، فقد تجاوزت عنصرية ، ما بعد الحداثة ، هذه المصطلحات بأشواط وأمداء لا تحد.. عنصرية القرن الحادي والعشرين على لسان ترامب بلغت حدا أن يدينها الكونغرس الأمريكي . هذه هي العنصرية الترامبية البوتينية الصهيونية الصفوية والعميّة أيضا هي التي تفتك بالسوريين فتؤلب عليهم مهاجرهم ، وتقض مضاجعهم . وهم في غمراتهم ...

عناكب السوء تنسج حول السوريين السوريين وحول ثوارهم ومهجريهم أوهن البيوت ، ولكن الذين أكل لسانهم القط لا يستطيعون ..وربنا أخبرنا ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ).

كثيرا ما نسمع القادة والمحللين يتحدثون عن ضرورة وجود غرف عمليات ثورية موحدة تقود المشهد العملياتي في مواجهة ما يخطط له من يرصدون تحركات ثوارنا عبر الأقمار الصناعية الروسية والأمريكية والصهيونية متعددة الجنسيات .... ونعمت الدعوة هي ؛ ولكن لا يقل عنها شأنا وشأوا وضرورة وإلحاحا أن تكون لنا غرفة عمليات موحدة للموقف نتخذه ، وللبيان نصدره ، وللتصريح نصرح به ، وللمقال نكتبه ، وللقصيدة ننظمها . غرفة عمليات تبين للسوريين السوريين الأسس ، وتوضح لهم القواعد ، وتحدد لهم قوس الرماية ..

غرفة عمليات لقصف الكلمات ، سلاحها المصداقية والعلمية ، والوعي والإدراك ..

أتساءل كيف يغلبنا الهوام على عقول أهلينا وأبنائنا وإخواننا بالافتراء والبهتان ، ونحن صمت خفت كقبور وعظت يوما أبا نواس فأرته نفسه في القبور وهو حي لم يمت كما يرى كثير من السوريين أنفسهم اليوم ..

وعظتك أجداث صمت .. ونعتك أزمنة خُفت

وأرتك نفسك في القبو ... ، وأنت حي لم تمت

يعتقد عامة الناس في وطننا أن ثمة فرقا بين الجسد الحي وبين شل التبن . ولكن بعض الناس لا يعلمون !! فربما هذه النظرية تحتاج منا إلى برهان كبير .

وقال كبير وفد تميم حين جاء يفاخر في مسجد رسول الله : إن هذا الرجل لمؤتّى ، بتشديد التاء ، لخطيبه أفصح من خطيبنا . وشاعره أشعر من شاعرنا .

( نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ).

أيها السوريون السوريون : بشراكم .. يزفها إليكم مولاكم .

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

استهداف الدورية الروسية مؤشر لـ«صراع نفوذ» في ريف درعا

درعا (جنوب سوريا): رياض الزين

الشرق الاوسط

الخميس 18/7/2019

تصاعدت مؤخراً ظاهرة الاغتيالات في مناطق جنوب سوريا الخاضعة لاتفاق التسوية بين فصائل معارضة وروسيا، منذ يوليو (تموز) العام الماضي. وسجل معظم قتلى عمليات الاغتيال قادة من «فصائل المصالحات» أو ضباطاً للنظام السوري أو شخصيات محسوبة على إيران. لكن للمرة الأولى منذ بدء اتفاق التسوية في مناطق جنوب سوريا، شهدت المنطقة استهداف دورية تابعة للشرطة العسكرية الروسية أثناء جولتها في مناطق خاضعة لاتفاق التسوية جنوب البلاد.

وقالت مصادر محلية إن مجهولين استهدفوا بعبوة «ناسفة»، ظهر السبت الماضي، رتلاً فيه قوات من الشرطة العسكرية الروسيّة وقوات من الفيلق الخامس الذي تشرف عليه روسيا في المنطقة، بعد مرورها على الطريق الواصلة بين بلدة السهوة ومدينة بصرى الشام بريف درعا الشرقي، دون وقوع خسائر بشرية، واقتصرت الأضرار على الماديات، تلتها حالة استنفار لقوات الفيلق الخامس في المنطقة.

وعلقت روسيا على الحادثة في بيان صادر عن مدير مركز المصالحة في قاعدة حميميم الروسية في سوريا اللواء ألكسي باكين، مساء السبت، قائلاً: «تم يوم 13 يوليو 2019 تفجير عبوة ناسفة يدوية الصنع عن بعد، مزروعة في جزء من طريق أمام مسار دورية للشرطة العسكرية التابعة للقوات المسلحة الروسية في محافظة درعا، دون أي خسائر بين العسكريين الروس أو أضرار للمعدات العسكرية»، مضيفاً في بيانه أن «المعلومات الأولية تشير إلى أن العملية الإرهابية التخريبية نفذت على يد مسلحين من التنظيمات الإرهابية وغير الشرعية، التي تعمل بشكل مفرق في جنوب سوريا، بهدف تصعيد الوضع في هذه المنطقة». ودعا، في ختام البيان، قادة التشكيلات المسلحة غير الشرعية إلى «التخلي عن الاستفزازات المنفذة باستخدام السلاح، وسلك سبيل التسوية السلمية للأوضاع في مناطق سيطرتهم».

من جهتها، قالت مصادر مطلعة من جنوب سوريا إن حادثة استهداف القوات الروسية في منطقة خاضعة لاتفاق التسوية لها تداعيات كثيرة تخص مناطق التسويات، خصوصاً بعد أن حظيت فصائل المعارضة التي كانت في المنطقة بعلاقات جيدة مع الجانب الروسي، ومنها من انضوى ضمن قوات الفيلق الخامس الذي تشرف عليه روسيا في سوريا، وحظيت بتأييد روسي في مواقف عدة ضد خروقات لقوات النظام السوري في المنطقة، وذلك بهدف إخضاع المنطقة لنظام أمني مشدد، وتراجع روسيا عن ثقتها بهذه الفصائل التي أجرت عمليات التسوية، أو بهدف خلق نوع من التوتر وزعزعة استقرار المنطقة، التي يقتصر وجود قوات النظام السوري فيها على وجود رمزي، ويمنع قيامها بمهام عسكرية كالمداهمات أو الاعتقال، بموجب اتفاق التسوية بين الجانب الروسي وفصائل المعارضة.

واستبعدت المصادر أن تكون الفصائل المعارضة سابقاً في المنطقة تقف خلف عملية التفجير، باعتبار أن معظم عناصر وقادة هذه الفصائل انضموا إلى تشكيلات الفيلق الخامس الروسي في المنطقة الشرقية من درعا بقيادة أحمد العودة، وهو قيادي سابق في المعارضة لـ«قوات شباب السنة»، وبات قائداً للواء الثامن في الفيلق الخامس في جنوب سوريا (مقره في مدينة بصرى الشام) بعد اتفاقيات بين المعارضة وموسكو أواخر شهر يوليو من عام 2018 انتهت بتسليم المعارضة المنطقة للنظام بإشراف روسي.

واعتبر آخر أن استهداف القوات الروسية في المنطقة الجنوبية هو حالة متطورة من صراع النفوذ التي تشهده مناطق جنوب سوريا بين دول حليفة للنظام السوري، خصوصاً أن روسيا عملت منذ بدء اتفاق التسوية في المنطقة إلى كسب قادة وعناصر فصائل المعارضة التي بقيت في المنطقة، ورفضت التهجير إلى الشمال السوري، ولعدم ترك الساحة في الجنوب لأطراف أخرى، وكسب قوة عسكرية أكبر لها في جنوب سوريا تحت قيادتها، تنفذ تطلعاتها مستقبلاً، وتحد من الوجود الإيراني في المنطقة الجنوبية التي تعهدت روسيا أمام دول إقليمية بإبعاد ميليشيات إيران و«حزب الله» عنها، قبيل سيطرة النظام السوري على المنطقة بدعم روسي قبل عام، كما عملت روسيا على كسب تأييد شعبي في جنوب سوريا من خلال تسيير دوريات للشرطة العسكرية الروسية في مناطق التسويات ومنع قوات النظام السوري من ارتكاب تجاوزات، وتلقي شكاوى من المدنيين، وتسهيل عودة الأهالي إلى مناطقهم بعد دخول القوات السورية لها.

ونفت مجموعة تطلق على نفسها اسم «سرايا الجنوب» التابعة لـ«الجيش السوري الحر»، ظهر اسمها بعد سيطرة النظام السوري على المنطقة، في بيان لها مسؤوليتها عن التفجير، واتهمت الميليشيات الإيرانية بتنفيذ الحادثة عبر ما وصفته بأذرع لها داخل هذه الميليشيات.

وتزايدت عمليات الاغتيال التي تشهدها مناطق جنوب سوريا، التي خضعت لاتفاق التسوية بين المعارضة وروسيا منذ شهر يوليو الماضي، حيث وثقت أكثر من 15 حالة اغتيال خلال الشهرين الماضيين، كان آخرها استهداف مجهولين، يوم السبت الماضي، سيارة تقل ضابطاً وعنصرين مِن قوات النظام، بانفجار عبوة ناسفة على الطريق الواصلة بين السويداء وبلدة بصر الحرير شمال شرقي درعا، سبقها بأيام اغتيال أحد أعضاء وفد المصالحة في بلدة اليادودة غرب درعا.

===========================

سوريا و نظريّة الأسد

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 17/7/2019

حسب العميد المنشق مناف طلاس في لقائه مع الصحفي الأمريكي سام داغر قبل إصدار كتابه المشهور "الأسد أو نحرق البلد" الصادر باللغة الإنكليزية عن دار هاجت للنشر في نيويورك عام ٢٠١٩، أنّ بشار الأسد كان يردد ضمن دائرته المقربة أن الشعب السوري لا يحكم إلا بالصرماية، والصرماية باللهجة السورية تعبير غير مؤدب عن الحذاء، يردده السوريون عندما يشعرون بالغضب أو القرف ويستبطن الكثير من العداء نحو الشخص أو المجموعات الموجهة نحوها هذه الأداة. هذا يضع بالاعتبار ليس نفسية الأسد فقط بل نهجاً كاملاً تربى عليه في بيت والديه الراحلين حافظ الأسد وأنيسة مخلوف، و يعبّر عن إحساس عميق بعدم شرعية نظامهم واعتماده الرئيس على القمع كأداة للسيطرة وإدارة سوريا. يدرك السوريون تجليات الصرماية الأسديّة - التي سنسمّيها لضرورات الذائقة الأدبيّة بنظريّة الأسد -  فهي بالتعريف الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية الغير مصنفة تحت الجيش الوطني مثل الحرس الجمهوري ووحدات الدفاع الوطني ومن قبلها سرايا الدفاع والوحدات الخاصة ومنظمات حزب البعث المسلحة.

تقدم خطابات الأسد الأب و تصريحات بعض أركان نظامه أمثلة عديدة على القوّة العارية كمنهج للحكم وإدارة المجتمع. لم يتردد الأسد الأب مثلا باتهام السوريين أنهم عملاء و يجب سحقهم ليس فقط سياسياً بل جسدياً في الكثير من خطاباته أثناء صراعه ضد الطليعة المقاتلة بين عامي ١٩٧٨-١٩٨٢، وحتى أن وزير دفاعه وأهم أركان نظامه الراحل مصطفى طلاس كان قد صرّح "نحن حصلنا على السلطة بالقوة وإن كانوا رجالاً ليأخذوها منا بالقوة".

تعتبرُ القوّة العارية أنّ كل ما قد يشكل أداة ضبط لها مثل حرية التعبير والمعتقد وسيادة القانون والانتخابات الحرة والتمثيل البرلماني وفصل السلطات ومنظمات المجتمع المدني أعداءً لا يمكن السماح لهم بالوجود مستقلين عن السلطة الأسديّة.

لم يُخفِ أقطابُ النظام احتقارهم وعداءهم لأدوات ضبط السيطرة المطلقة. مثلا طالب ابراهيم طبيب الأسنان الذي تحول إلى محلل سياسي يدافع فقط عن نظام الأسد، صرح علنا أن "منظمات المجتمع المدني هي وسائل تجسس أمريكية". خطورة هذا التصريح أنه يمهد لعملية سحق منظمات المجتمع المدني تنظيمياً وإزالة أعضائها جسدياً تماماً كما حدث مع حركة الإخوان المسلمين في سوريا بين عامي ١٩٧٨ و ١٩٨٢. لا أعرف كيف يتخيل طالب ابراهيم مجتمعاً بلا منظمات مدنية تنظّم الناس حول تحقيق مصالحهم من أصغر مهمة مثل تنظيف شوارعهم والحفاظ على أشجارهم مثلا إلى مشاكل أكبر مثل إعادة الأمان والمشي بعجلة الاقتصاد وتنظيم البحث العلمي وغيره من وظائف المجتمع المدني الأوسع نطاقاً من وظائف الأحزاب السياسية وحتى الدولة.

النظريّة الأسديّة لم تكن إلّا وسيلة لأسلوب حكم اعتمد منهج العنف والاستثناء من الحياة العامة أو الحياة البيولوجية مثل الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب الممنهج والإعدام ضد المعارضة السياسية و المسلحة على السواء.

حسب سلوى إسماعيل في دراستها عن دور العنف والإذلال والذاكرة المنشورة في كتاب لها باللغة الإنكليزية منشور عن كامبردج عام ٢٠١٨، فهي أي الكاتبة أمضت عدة سنوات في دراسة المجتمع السوري تحت حكم الأسد وتوصلت إلى أنّ العنف أي الطريقة الأسديّة لا تكون وسيلة قمع فقط بل وسيلةً لتشكيل المواطنين حسب رغبة السلطة، أذلّاء ومستعدين للهوان بسهولة، أي أن العنف حدد علاقة المواطنين بالسلطة. بهذا المعنى حتى و لو أنكر الأسد أنه صاحب تصريح "الصرماية" أعلاه فإن سلوكه تجاه مواطنين السوريين سواءٌ أكانوا معارضين أم موالين يؤكد اتساقه مع مفهومه للحكم بالحديد والنّار. و توصلت سلوى إسماعيل إلى أن الاستزلام والتوريط في أعمال غير قانونية مثل التهريب في ظل غياب القانون شكلت أدواتٍ لزرع الخوف في المجتمع و تقسيم السوريين إلى موالين مستفيدين و مضبوطين عبر الاستزلام والتورط في أعمال غير قانونية، وغير موالين لكن أيضا مضبوطين عبر منظومة الخوف والشك والحذر من كل خطاب انتقادي.

أصبحت "النظريّة الأسدية" عنوان حياتنا منذ ولادتنا كمشروع معتقل أو مصفق إلى مشروع مشنوق أو لاجئ أو منفي، حلّ القهر محلّ أوكسجين الحياة في سوريا. السوري إما مقهور ومحايد أو مقهور ومستزلم لأحد أعلى منه في دولة الحرب المستمرة ضد كل ما يهدد عصابة النهب الأسدي. نظم الأسد عبر منظمات الشبيبة والفصائل البعثيّة المقاتلة الشعب السوري في منظومة الفساد، فالفقراء ضمن السلطة مثل جند المخابرات والحرس الجمهوري، والقاطنين في أحياء البؤس في مساكن الديماس وجديدة والقابون تحولوا إلى حلقات صغيرة في سلسلة الفساد الاقتصادي والحماية الاستزلامية، والفقراء خارج منظومة المليشيات الأسدية تحولوا إلى مشروع جهاديين بعد أن سحق الأسد منظمات المجتمع المدني وكل الأحزاب السياسية التي كان لها أن تقدم لهؤلاء بديلاً عن المشاريع الجهادية الإسلاموية.

لم يقدم سام داغر أو سلوى إسماعيل أي تحليل حول أسباب نشوب الثورة السورية في آذار ٢٠١١، لكنهما قدما صورة عما سبب عدم سقوط نظام الأسد رغم بسالة السوريين وتضحياتهم الثمينة. فالعنف المطلق و المعمم منذ عهد الأسد الأب وتقسيم المجتمع وتقاعس المجتمع الدولي والتدخل الكارثي لدول الخليج وغيرها من دول الجوار عوامل ساعدت بشار الأسد على تجنب السقوط إلى حين.

أصبحت "النظريّة الأسدية" عنوان حياتنا منذ ولادتنا كمشروع معتقل أو مصفق إلى مشروع مشنوق أو لاجئ أو منفي

أقول إلى حين لأن سوريا لن تعود إلى سابق عهدها فقد دفعت الثورة السورية بشار الأسد نحو أقسى وأقصى خيارته وكشفت أن النظريّة الأسدية في الحكم لم تستطع أن تبقي سوريا مملكةً للصمت. حتى يستطيع نظام الأسد أن يعود بسوريا إلى ما قبل ٢٠١١ فلا بد من وسائل سيطرة مختلفة عما انتهجه سابقاً ولا بد من إعادة إعمار سوريا التي دمرها بغبائه المستعصي على الوصف.

من تبعات الإيمان المطلق بنظريّته المذكورة، أنّ الأمن والاستقرار حسب التعريف الأسدي لن يعود إلى سوريا، لأن الدولة الأسدية لم تستخلص من السنوات الثمان السابقة أي درس يساعدها على إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والأمنية والسياسية. لتصريح طالب إبراهيم السابق دلالات أعمق مما تفوّه به، فهو بالدرجة الأولى تعبيرٌ مصفّى عن إيمان مطلق بالدولة الأمنية فقط، و ملخص لقناعة بشار الأسد والدولة الأسدية "أنّ الشعب السوري لا يحكم إلا بالصرماية".

هذا يضع الشعب السوري المؤيد والمعارض على حدّ سواء وكافة أشكال المعارضة السياسية أمام تحديات تفكيك السلطة الأمنية. التدخل الروسي والإيراني ساعدا الأسد على الانتصار على الثورة عسكريّاً، لكن مهمات الحكم وإعادة الإعمار وحلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أكثر تعقيداً من النصر العسكري على الشعب السوري الأعزل منه والمسلح. أصبح الروس الذين ساعدوا بشار الأسد على تحطيم سوريا أمام معضلة حقيقية، فسوريا دُمّرت ليس بسبب الثورة أو الحركات الجهادية بل بسبب السلطة الأمنيّة نفسها التي ساعدت نظام الأسد على البقاء في الحكم منذ عام ١٩٧٠، والآن أصبح الإيرانيون والروس مسؤولين عن إنهاء المعضلة السورية التي نتج عنها دولة فاشلة في العمق وإن كانت تبدو متماسكة ظاهرياً.

 حل المعضلة السورية يتطلب تفكيك السلطة الأمنيّة و تحديث وسائل السيطرة. لكن الأسد غير قادر على سلوك طريقة أخرى لإدارة البلد غير "العصا" أي الدولة المخابراتية نفسها. فكيف لروسيا وإيران بمشروعين غير متسقين أن تعيدا بناء البلد وإعادة تأهيل نظامٍ ليس بقادرٍ أن يزيل الحذاء من رأسه، و بنفس الوقت فإنّ هذا الأسلوب لن يستطيع أن يخرج الأسد من السلطة ولا البلد من أزمته، لأن الداء لا يصبح دواءً مهما حاول الديكتاتور ليّ عنق الزمن.

===========================


القضية السورية والمراجعات الخاطئة

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 17/7/2019

على الرغم من التطورات الكبيرة التي شهدتها ساحة الحرب المشرقية المتعدّدة الأطراف في الأشهر القليلة الماضية، لم تتقدّم القضية السورية كثيرا. يمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى التطور اللافت للموقف الأميركي تجاه طهران، منذ مجيء الرئيس ترامب إلى السلطة، وبشكل خاص منذ تولي الفريق اليميني مقاليد السياسة الخارجية، ونقل محور الجهد والمواجهة من القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى تحجيم الدور الإيراني الجيوسياسي، بدءا من وضع حد لأحلامها النووية وصناعة الصواريخ الباليستية. وإيران هي القوة الرئيسية التي تتناقض مصالحها بالمطلق مع أي حلّ يمهد لتطبيع الحياة السياسية والاجتماعية في سورية، ويفتح طريق المصالحة الوطنية.

ولا تقل عن ذلك أهمية نتائج مواجهات الشهرين الماضيين في ريف حماة وحلب وإدلب، والهزائم المتكرّرة التي تعرضت لها قوات الأسد على أيدي فصائل أكثرها من الجيش الحر، على الرغم من الدعم الروسي الكثيف لها بالطيران الحربي، حتى اعتبر بعض المحللين أن تثبيت حدود وقف النار في المواقع الراهنة، وحرمان المحور الروسي الإيراني الأسدي من أي إمكانية للتقدم، يشكلان هزيمة عسكرية وجيوسياسية لروسيا التي حلمت بأن تكون دولة الانتداب الوحيدة على سورية.

ومن هذه التطورات، وفي السياق نفسه، يدخل تشديد العقوبات على طهران وحرمانها من الحد الأدنى من مواردها النفطية، كما يدخل تراجع دول عربية وأوروبية عن عزمها الذي لم تخفه، حتى أشهر معدودة من هذا العام، على إعادة العلاقات مع منظومة الأسد، والسعي إلى تأهيلها السياسي من جديد، على أمل إعادة تجنيدها ضد الحركات الإسلامية السياسية التي أصبحت البعبع الذي يسكن مخيلات النظم التسلطية العربية، ويقضّ مضاجعها.

ولا يقل أهميةً في هذه التطورات تنامي الصراعات بين أطراف الحلف الروسي الإيراني الأسدي ذاته، والمعارك التي تدور بين الدولتين على احتلال مواقع السلطة والقرار، الأمنية والعسكرية، والتنافس على وضع اليد على الموارد الاقتصادية، ولا التخبّط الذي يشهده نظام القتلة، نتيجة الضربات المؤلمة التي يتعرّض لها، وبداية انفكاك حاضنته الاجتماعية عنه، على مختلف انتماءاتها الطائفية والمناطقية، نتيجة فقدانها الأمل بمخرجٍ قريب، ينقذ رهاناتها ويجنبها الإفلاس القريب.

وفي المقابل، ومن الطبيعي أيضا في مثل هذا الوضع، والتعثر المستدام في إيجاد حل سياسي

"لا تزال المراجعة الواسعة التي يشهدها الوسط السياسي السوري المعارض تسير في الطريق الخطأ" ينهي الحرب، ويخرج البلاد من النفق المظلم الذي وضعت فيه، أن تبدأ بعض القوى السياسية التي عملت في دائرة السلطة أو المعارضة باسترجاع أنفاسها، والتفكير في العودة إلى القتال، ولكن هذه المرة من خلال وحدات مقاومة صغيرة هنا وهناك، وأن تستعيد روح الثورة التي اعتقد كثيرون من أبنائها أنفسهم أنها خمدت، وخفت اتقادها من جديد، كما تشير إلى ذلك التظاهرات والمظاهرات التي تخرج من وقت إلى آخر، حتى في مناطق السيطرة الروسية الإيرانية ضد الأسد وبقائه، كما حصل في أكثر من مدينة ومنطقة سورية.

أقول على الرغم من كل هذه التطورات والمؤشرات الإيجابية المؤهلة للاستمرار والتطور بشكل أكبر، لتغلق أي أفق للتفكير في إمكانية تأهيل النظام، أو تثبيت الأسد في الحكم، فإنني لست متفائلا في حصول أي تقدم في حل القضية السورية التي هي، قبل أي شيء آخر، قضية شعب قدم ملايين الضحايا من الشهداء والمعتقلين والجرحى والمهجّرين، من أجل تأكيد حقه في سيادته على وطنه، ورفضه أن يتنازل عن حقوقه وحرياته وكرامته، وأن يقبل بتحويل هذا الوطن إلى مزرعة عبوديةٍ لأسرةٍ تعمل لصالح الدول الأجنبية، وتستقوي بها على شعبها، أو إلى مناطق نفوذ لهذه الدول ذاتها.

مصدر القلق والخوف وضعف التفاؤل هو استمرار النخبة السياسية السورية المعارضة التي التحقت بالثورة، أو انشقت عن الأسد، أو التي هي في طريقها إلى أخذ مسافتها عن نظامه، في تبعثرها وانقسامها، وعجزها عن الخروج بنفسها من حالة التخبط والإحباط التي لا يبدو أن لديها القوة والحنكة اللازمتين لتجاوز عقباتها في القريب، والانتقال إلى مرحلةٍ جديدةٍ تمكّنها من تنظيم نفسها، والتعاون في ما بينها، على بلورة مشروع سياسي واضح، ومقبول لدى أطرافها، ولدى الجمهور المتطلع إليها، والعمل بجد وثقة على إنجازه، فالذي يهيئ لقيام الدولة وتوحيد المناطق المتناثرة والمتباعدة التي انفصلت عنها، أو استقلت بنفسها، بسبب الحرب الطويلة وانقطاع التواصل في ما بينها، هو وجود نخبة موحدة، أي تعمل على مستوى البلاد، وتفكر على هذا المستوى الشامل أيضا. ومن دون هذا النمط من النخب السياسية، لا يمكن إقامة دولة، ولا إعادة بنائها، إلا كما حصل للأسد والنظم الملكية المطلقة التي سادت في القرون الوسطى، أي على أساس القوة والشوكة، وتوفر الوسائل لتجنيد جيشٍ قوي من المرتزقة، المحليين أو الأجانب، والتي كانت فكرة الجيش الانكشاري التابع مباشرة للسلطان، والمستقل كليا عن المجتمع والرعية، التجسيد المثالي والأقصى لها. وهو ما لا تملك نخب المعارضة أي وسيلةٍ لتحقيقه.

لا يخلو الأمر بالتأكيد من ظهور إرهاصات تجسّد داخل صفوف الثورة والمعارضة تقدّم نداء 

"ظهور إرهاصات تجسّد داخل صفوف الثورة والمعارضة تقدّم نداء الدولة على نزعة السلطة المليشياوية السائدة" الدولة على نزعة السلطة المليشياوية السائدة، وتنامي الشعور بضرورة اختيار قيادة مركزية قادرة على توحيد النخب السياسية وراءها، وإدماجها في حركة واحدة، في ما وراء انتماءاتها الأهلية الطائفية والطبقية والمناطقية والقومية. وقد عبر عن شيء من هذا التطور الالتفاف الواسع حول عبد الباسط الساروت، وتتويجه، بعد استشهاده، رمزا للثورة ولكفاح السوريين البطولي، وعزة أنفسهم وكرامتهم. وكذلك تنامي الوعي بضرورة التحرّك على الأرض، والانخراط في العمل السياسي الحقيقي الذي يستطيع وحده تغيير الوقائع والتصورات التي ارتبطت بالثورة، وإعادة تأهيل القضية السورية قضية حرية وتحرّر شعب، لا حربا أهلية طائفية، كما عبرت عنه حركة التضامن مع إضراب رئيس المجلس البلدي السابق لمدينة حلب، بريتا حاجي حسن عن الطعام، احتجاجا على الصمت العالمي على القتل المستمر للأطفال والمدنيين عموما في إدلب وتهجير سكانها.

ولكن لا تزال هذه الإشراقات للأسف ضعيفة ومحدودة، بالمقارنة بما يسود صفوف النخبة السياسية التي نشأت في حضن الثورة والمعارضة من تخبط وغرق في مستنقع انعدام الثقة المتزايد، والتشكيك بالنفس، وعملية التحطيم المتبادل للرموز والقوى والأفكار والقيم على حساب تقديم المثال الإيجابي، والإشادة بالتضحيات الكبرى، والتركيز على روح التسامح وتعميق التواصل والحوار بين الأفراد الذي لا يمكن من دونه إعادة توحيد القوى وتأسيس جماعة ذات إرادة واحدة، واعية لأهدافها وقادرة على تلمس طريقها، والانتظام في مشروع عملي لتجديد مسارها.

(2)

للأسف، لا تزال المراجعة الواسعة التي يشهدها الوسط السياسي المعارض، وفي أغلب الأحيان، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تسير في الطريق الخطأ، لأنها بدل أن تركّز تفكيرها على البحث في القضية وملابساتها وتعقيداتها، والخيارات السياسية التي كان من المطلوب اتخاذها، ومعرفة صواب ما طبّق منها وخطئه، تكاد تقتصر في انتقاداتها على المحاسبة على النوايا والتشكيك فيها، والتركيز على الخصائص الشخصية للأفراد الذين تبوأوا مناصب أو مواقع قيادية هنا وهناك، وتصب جميعا في دائرة الانتقام وتغذية الصراعات والأحقاد المتبادلة. وقد نجمت عن هذا النهج نزعة قوية لتعميم الاتهامات، وضرب ثقة السوريين بعضهم ببعض وبأنفسهم، ولجلد الذات وسيلة للتحرّر من عقدة الذنب الذي يمثله الفشل في تحقيق الأهداف المنشودة، وفي النهاية التباري في التشكيك في أمانة الأفراد ونزاهتهم وإخلاصهم، كائنا من كانوا. وبدل أن تبرز الشروط الموضوعية للفشل وتناقش، وتنتقد الخيارات السياسية والاستراتيجية والتنظيمية لهذه القيادة أو تلك، أو لمن أتيح لهم تسلم قسط من المسؤولية والمناصب القيادية في المؤسسات السياسية أو العسكرية أو الإغاثية، تركز جهد النقاد على البحث عن مثالب "خصومهم" أو شركائهم الأخلاقية، واختلاق ما أمكن منها إذا احتاج الأمر، واستسهال الإدانة والإعدام السياسي للأشخاص الذين تحمّلوا المسؤولية، وتوجيه اللوم لهم وإلصاق التهم الجزافية بهم، باعتبار ذلك هو التفسير الرئيسي، بل الوحيد، للفشل الذي واجهته الثورة، والطريق الصحيح لتجاوزه. من هنا، نشأ خطاب التخوين، ليس لأشخاصٍ محدّدين وبالعلاقة مع أخطاء واضحة ومعروفة، وإنما للمعارضة ذاتها، بصرف النظر عن الأشخاص والتنظيمات، ومن ورائها للسياسة ذاتها التي وضعت في مواجهة الثورة بوصفها أصل الفساد الذي أصابها، بل تجاوز الأمر ذلك إلى التشكيك في وجود شعبٍ سوريٍّ بالمعنى البسيط، أو هوية سورية يمكن الاستناد إليها، لإعادة لملمة أشلاء الدولة والمجتمع الممزّق وإحيائهما.

لا يمكن لمثل هذه المراجعات أن تصحح الأخطاء التي وقعت فيها قيادات الثورة ونشطاؤها،

"لا يمكن لمثل هذه المراجعات أن تصحح الأخطاء التي وقعت فيها قيادات الثورة ونشطاؤها" وهو الغاية من أي مراجعةٍ سياسية، تختلف عن المحاكمة والمحاسبة التي لا تعني سوى المذنبين الذين ثبتت عليهم بالقرائن أمور فساد أو أعمال مناقضة للثورة ومنهج تفكيرها وخياراتها الأخلاقية والسياسية. إنما هي تسعى، من خلال إدانة بعضهم والتبرؤ منهم، إلى تبرئة نفسها من المشاركة في الفشل، على سبيل انتزاع مواقع القيادة من الجيل الأول، بينما تبقى الأسباب الحقيقية، والأخطاء الفعلية التي ارتكبتها القيادات السابقة في خياراتها السياسية والاستراتيجية والأيديولوجية بعيدة عن أي مناقشة أو انتقاد، وبالتالي عن أي تعديل أو إصلاح. هكذا يبقى الفكر المعارض و"الثوري" يدور في حلقةٍ مفرغة من الاتهامات المتبادلة، وتضخيم العيوب والمآخذ الشخصية والنفسية. وتكون الحصيلة الوحيدة لهذه المراجعة، كما هو واضح اليوم، توسيع الشرخ وتغذية روح الخصومة بين الأفراد والتيارات والقوى التابعة لمعسكر المعارضة والثورة، وتعميق مشاعر العداء في ما بينهم، وتنفير بعضهم، أكثر من قبل، من بعض.

ولكن الخاسر الأول من هذا النمط من المراجعات التي تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي على يد نشطاء أصابهم الإحباط واليأس والخوف من المستقبل المظلم، هو الحقيقة ذاتها التي تجد نفسها ضحية تصفية الحسابات الشخصية، والحرب غير المعلنة للتحلل من المسؤولية ورميها على الآخر. وفي موازاة ذلك الاستسلام لمعارك التدمير الذاتي، والتشويه المتبادل، واختراع ما يشبه محاكم تفتيش تحاسب على النوايا والاعتقادات، وتغذّي روح الكراهية والانتقام داخل المعسكر الواحد ذاته. ومن الواضح أن هذه المراجعات تقود بالضبط إلى عكس المطلوب تماما، أي إلى قتل المجتمع السياسي الجديد الناشئ والخارج من بين أنقاض نظام العبودية والاستبداد، وقطع الطريق على أي مراجعة سياسية جدّية، تبدأ بالمسائل السياسية والاستراتيجية والتنظيمية الأساسية، لا بالمشكلات الشخصية، وتقوم على تصويب الخيارات وإصلاح العلاقات والتحالفات الداخلية والخارجية، في سبيل الحفاظ على روح المقاومة ورفض التسليم بالأمر الواقع، والاستسلام من وراء التعزّي بالشكوى، والبكاء على الأطلال الدارسة.

(3)

يسود اليوم اعتقاد عميق بأن الثورة الشعبية كانت ستحقق أهدافها وحدها، لولا تدخل المعارضة السياسية وأحزابها وشخصياتها. وأن الحل يكمن في العودة إلى الثورة العفوية التي تعرف طريقها بنفسها، ولا وسيلة لذلك إلا بالتخلّص من المعارضة، والتبرؤ منها، ودفن مؤسساتها وأحزابها وإعدام رجالاتها الذين فشلوا في فهم الشعب، والرد على مطالبه، وتنفيذ إرادته وتصوراته. بعد ذلك ستولد الثورة حتما من رمادها من جديد، وتفرز قياداتها الأصيلة، المتماهية معها والمرتبطة بها، ويحصل التقدّم ويتحقق النصر.

والحال أن ما تبطنه هذه الفكرة أمران يغلقان أي باب على التقدم والاستمرار في المقاومة.

"الخاسر الأكبر هو الحقيقة ذاتها التي تجد نفسها ضحية تصفية الحسابات الشخصية" الأول تشييء المعارضة والنظر إليها باعتبارها شيئا، لا وظيفة سياسية، وإدانتها كمؤسسات فاسدة وكفكرة معا، والتعلق بوهم نوعٍ من الشعبوية الخالية من السياسة، والمعادية لروح العمل المسؤول والمنظم والتخطيط الاستراتيجي الطويل المدى. والثاني قتل السياسة مسبقا، من خلال النظر إليها بوصفها مصدر الفساد والانتهازية والوصولية، ومطابقة مفهومها مع التفسير الشائع للمكيافيلية، والسعي وراء المصالح الشخصية السلطوية والمادية. وينجم عن ذلك تفريغ العمل الثوري من مضمونه العقلاني والتاريخي، وتخفيضه إلى انفعال وأفعال منفردة ومتراكمة، ونشاطية فائرة، بصرف النظر عن فائدتها ومآلاتها.

والحال، ليس هناك جدار يفصل الثورة عن المعارضة. بالعكس، تتقدّم الثورة بمقدار ما تنجح في إفراز جماعة منظمة، تفكر بمنطق السياسة وحساباتها، وتفاوض، في اللحظات المناسبة، على تسوياتٍ تضمن لها تحقيق الأساسي من تطلعاتها، كما نشهده اليوم في تطورات انتفاضتي السودان والجزائر، اللتين تلعب القوى السياسية والنقابية المنظمّة فيهما دورا محوريا بمقدار ما تحظى بثقة الجمهور الثائر الذي يرى في ما تطرحه تجسيدا إلى هذا الحد أو ذاك لتطلعاته. وهذا هو الدور الذي فشلت في الاضطلاع به المعارضة السورية لضعفها، ولم تعرف بسبب ذلك كيف تتفاعل مع الثورة الشعبية، فهاجم بعضها الشعب، واتهمه بالطائفية والإسلاموية، والتحق بها بعضها الآخر من مستوى التبعية، ولم يقدم لها أي إضافة سياسية أو فكرية.

تبين التجربة السورية المرّة أن الشعبوية كانت أسوأ مرشدٍ لمعارضةٍ تريد أن تكون ثورية بالفعل، أي أن تقوم بواجبها، وأن تساهم، وهذه هي إضافتها الرئيسية، في عقلنة الجهد الشعبي الهائل، وتوجيهه نحو الطرق السالكة، وتثمير التضحيات الهائلة في مكاسب سياسية واضحة وملموسة، يصعب التراجع عنها، وعدم زجّ الثورة في معارك جانبية أو وهمية، أو إطالة أمد الصراع من دون طائل.

لا يوجد أي حل في تحطيم فكرة المعارضة، كبناء للاستراتيجيات والخطط والتنظيمات والتحالفات السياسية، ولا في إدانتها والتخلص منها، بذريعة العودة المستحيلة إلى عفوية الانتفاضة الثورية، فالانتفاضة أنجزت هدفها وانتهت، ولم يبق بعدها مجالٌ لمتابعة مسيرة الثورة، واستكمال مهامها سوى في تطوير العمل السياسي، وبناء قطب المعارضة المنظّمة، السياسية وربما العسكرية أيضا، أي القائمة على حساباتٍ عقلانيةٍ وواقعيةٍ وواعيةٍ لا عفوية. والحل بالنسبة لتشكيلات المعارضة القائمة المنتهية صلاحيتها، ليس في إعدام المعارضة ذاتها كفكرة وممارسة، ولكن في تثوير خياراتها وإصلاح مؤسّساتها، وطرد المتسلقين عليها، وبناء منظماتٍ سياسيةٍ جديدةٍ، أكثر فاعلية وتواصلا مع الجمهور الشعبي من سابقتها.

وبالمثل، لا يوجد أي حلٍّ في الطلاق من السياسة، بسبب تعهيرها من نظام الطغيان، لتجريد الشعب من قدرته على التفاهم والتجمع والمقاومة، وإنما يكمن الحل في تغيير مفهومنا الفاسد للسياسة، أو عن السياسة الذي ورثناه من حكم العبودية، والذي ارتبط عن حق بالانتهازية والبحث عن المصالح والمنافع الشخصية، وإبداله بإرساء مفهومٍ صحيحٍ وسليم للسياسة، يضع في مقدمة أهدافه، أولا تأكيد أولوية المصلحة العامة واستقلالها عن المصالح الخاصة، وضروة احترامها وتطويرها من أجل بناء أي اجتماعٍ سياسي حي ومستقر. وثانيا تعظيم معنى

"لن تكون نتيجة المساعي التي يقوم بها المجتمع الدولي منذ ثماني سنوات لحل "الأزمة" سوى شرعنة التقسيم الراهن للبلاد" المسؤولية السياسية، وما تتضمنه من حق الشعب في المساءلة والمحاسبة لأي مسؤول أو صاحب سلطة أو ولاية عامة، مهما كانت الظروف. وهذا يعني استعادة السياسة بوصفها إطارا للعمل العام في نظام ديمقراطي، يشترك فيه الجميع بالقرار، عن طريق ممثليهم المنتخبين، لا استخدام وسائلها للتكسّب ومراكمة المزايا والمنافع الخاصة مقابل خدمة السلطان، ومساعدته على تحقير الشعب، واستعباده والاستهتار بالدولة والقانون، كما هو الحال في ظل النظم القائمة على القهر والاستبداد.

بمقدار ما تبتعد عن السياسة، وتفشل في إعادة إحياء منطق عملها، وفي استبطان قيمها ومبادئها، من حيث هي خدمة الشأن العام وإصلاح أموره، وتعلم حمْل المسؤولية لتحقيق غاياتٍ سياسيةٍ أخلاقية ومنشودة، كالحرية والعدالة والمساواة، وبناء دولة القانون، تقضي المراجعات الراهنة على أمل بناء معارضة بالمعنى الحقيقي والتاريخي للكلمة، وفي استعادة السياسة والسيادة للشعب، وتحكم على أصحابها بالانتحار، بدل أن تفضي، كما يقتضي مفهومها، إلى إعادة توحيد النخبة السياسية وتقويم سلوكها ونزع العداوة من قلوب أعضائها، وإعادتها إلى الشعب كنخبة وطنية متضامنة ومتفاعلة معه، لا يمكن من دونها بناء أي ديمقراطية، وبالأحرى تلبية نداء تأسيس الدولة أو إعادة تأسيسها.

وما دمنا لم ندخل بعد في هذا الطريق القويم، ولم ننجح في توحيد النخب السياسية واستعادة الثقة فيها، أو إعادة بناء نخبة سياسية جديدة وفاعلة، لن نحصد من التقدّم الذي يحصل على مستوى تغير توازنات القوى، في الصراع الدائر على الأرض السورية منذ تسع سنوات، شيئا للقضية السورية والسوريين، فمن دون نخبة سياسية موحدة، ومتفاهمة على مرجعية وطنية واحدة، لا يمكن تشكيل سلطة، ولا استعادة الدولة وسيادتها، ولا الخروج بالتالي من منطق إمارات الحرب السائد اليوم، ولا إعادة توحيد المناطق المتباعدة والمدفوعة إلى إقامة ما يشبه الحكومات الذاتية المنفصلة بعضها عن بعض. المستفيد الوحيد من ذلك سوف يكون الدول التي سوف توظف نهاية الصراع الدموي على سورية، من أجل تبادل الاعتراف بمناطق نفوذها، وترسيخ قواعد وجودها على الأرض، وتحويلها إلى ما يشبه المحميات والمستعمرات، وتحويل السوريين، في المقابل، إلى لاجئين داخل سورية وخارجها. وفي هذه الحالة، لن تكون نتيجة المساعي التي يقوم بها المجتمع الدولي منذ ثماني سنوات لحل "الأزمة" سوى شرعنة التقسيم الراهن للبلاد، وتكريس غياب الدولة السورية، وتغييب شعبها عن مصالحه وحقوقه وحرياته ومستقبله.

===========================


إحياء ملف الأسلحة الكيميائية في سورية يثير قلق روسيا

أمين العاصي

العربي الجديد

الثلاثاء 16/7/2019

عاد ملف استخدام الأسلحة المحرمة دولياً في سورية، إلى واجهة الأحداث مع إعلان منظمة دولية متخصصة، تشكيل فريق تحقيق لتحديد الجهة المسؤولة عن مقتل مئات السوريين خلال هجمات بغازات سامة، وهو ما يثير مخاوف روسية من تبعات أي تحقيق مستقل يثبت استخدام النظام لهذه الأسلحة، إذ إن ذلك يفتح الباب واسعاً أمام تقديم رموز هذا النظام إلى محاكمات دولية. وكانت وكالة "رويترز"، قد نقلت منذ أيام عن مصادر مطلعة قولها، إن "فريقاً جديداً شكلته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتحديد الجهة التي استخدمت ذخائر محظورة في سورية، سيحقق في أنباء عن وقوع تسع هجمات كيميائية في سورية، منها هجمات في بلدة دوما". وحددت المنظمة حالياً الأماكن التي ستجري فيها أول تحقيقاتها خلال السنوات الثلاث المقبلة. وأيدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الاقتراح الذي قادته بريطانيا لتشكيل الفريق المؤلف من عشرة أعضاء في حين عارضه النظام وحلفاؤه، على رأسهم روسيا وإيران.

 وقال رئيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية فيرناندو أرياس في تعليقات للدول الأعضاء بالمنظمة، نُشرت الشهر الماضي، إن "النظام السوري يرفض إصدار تأشيرات دخول لأعضاء الفريق أو تزويده بالوثائق المطلوبة". وتوصلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تقرير لها، في الأول من مارس/آذار الماضي، إلى وقوع هجوم بالأسلحة الكيميائية في دوما وأنه كان على الأرجح بالكلور، غير أنها لم تحدد الجهة المسؤولة عن الهجوم. وأثارت تحركات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مخاوف روسية من توجيه الاتهام بشكل مباشر للنظام باستخدام أسلحة محرمة دولياً في مناطق سورية عدة، أبرزها مدينة دوما في غوطة دمشق الشرقية في إبريل/نيسان 2018.

وشكك ممثل روسيا الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ألكسندر شولغين، يوم الجمعة بتقرير المنظمة، فادّعى أن "هناك تناقضاً في تقرير منظمة حظر الأسلحة الذي قدمته في مارس الماضي، الذي خلص إلى أن تحليل العينات الطبية والبيئية التي حصلت عليها البعثة خلال تفتيشها المنطقة أظهر استخدام مادة الكلور". ولطالما حاولت روسيا تبرئة النظام السوري من استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، محاوِلة تحميل "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) المسؤولية، رغم أن الوقائع الميدانية دامغة بتورط النظام، الذي يتحدث دائماً عن "مسرحيات" استخدام الكيميائي من قبل عناصر الدفاع المدني.

وأكدت مجموعة من ناشطي الغوطة الشرقية، أن طائرات المروحية تابعة لقوات النظام استهدفت مدينة دوما في الغوطة الشرقية في 7 إبريل 2018 بقنبلتين محملتين بغازات سامة "السارين"، وسط حي مأهول بالمدنيين بالقرب من آخر نقطة طبية كانت فعالة في المدينة، بعد أن خرجت كافة النقاط الطبية والإسعاف عن الخدمة، بسبب القصف الجوي والمدفعي. وكشفوا في بيان لهم يوم الجمعة الماضي، أنه "قُتل حينها 43 مدنياً معظمهم من النساء والأطفال وأصيب أكثر من 800 شخص جراء الهجوم".

 وأوضح النشطاء أن "وفد نظام الأسد وحليفه الروسي قدّما لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية شهادات ضمن محكمة لاهاي، لإثبات أن الهجوم الكيميائي الذي ضرب مدينة دوما عبارة عن مسرحية مفبركة من قبل عناصر الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، في محاولة لإثبات براءة نظام الأسد". وذكروا أن "النظام اعتقل الشهود بعد خروج فصائل المعارضة من المدينة، وتم سوقهم إلى الأفرع الأمنية رغم اتفاق التسوية والمصالحة، وإجبارهم على تأكيد رواية نظام الأسد وحليفه الروسي أمام اللجان الدولية"، مضيفين أنه "هناك معلومات مؤكدة وردت من داخل المدينة باعتقال معظم الأشخاص العاملين سابقاً في المجال الطبي والإسعاف وضمن منظومة الدفاع المدني على وجه الخصوص، وهم ما زالوا مغيّبين في المعتقلات منذ أكثر من 8 أشهر، لا يوجد أي معلومات حول مصيرهم".

واستخدمت قوات النظام على مدى سنوات الثورة، الأسلحة المحرمة دولياً مرات عدة، ما أدى إلى مقتل وإصابة الآلاف من المدنيين، أبرزها مجزرة الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق (ومعضمية الشام بالغوطة الغربية في اليوم ذاته في 21 أغسطس/آب 2013)، التي أودت بحياة نحو 1500 مدني.

ولجأ النظام إلى السلاح الكيميائي مرات عدة في غوطة دمشق الشرقية وحي جوبر الدمشقي، خصوصاً عندما تتعرض قواته لهزائم على يد فصائل المعارضة السورية إبان سيطرتها على المنطقة، الذي انتهت مطلع العام الماضي. وارتكب النظام مجزرة كيميائية في مدينة خان شيخون بريف إدلب بتاريخ 4 إبريل 2017، ومجزرة مماثلة في مدينة دوما في 7 إبريل 2018، لإجبار فصائل المعارضة على الانسحاب من المدينة. ودان المجتمع الدولي هذه المجازر، ولكن فعلياً بقي الجناة من دون أي مساءلة حتى الآن، فاكتفى مجلس الأمن الدولي بإصدار القرار رقم 2118 الذي دان الهجمات الكيميائية وصدر في 28 سبتمبر/أيلول 2013، أي بعد خمسة أسابيع من ارتكاب مجزرة الغوطتين. وعقب استخدام النظام للأسلحة الكيميائية في دوما العام الماضي، استهدفت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في منتصف إبريل 2018 بنحو 110 صواريخ، مقار عسكرية للنظام قال التحالف الغربي إنها تستخدم لتصنيع السلاح الكيميائي.

واعترفت العواصم المهاجمة بأن أهداف الضربة كانت محدودة، لأنها لم تكن تنوي منها إلا إضعاف القدرة الكيميائية لنظام الأسد وليس إسقاطه، وهو ما حصل بحسب إعلانات الدول الثلاث. وطاولت الضربات مواقع عسكرية مهمة أبرزها مركز البحوث العلمية في برزة، التابع لوزارة الدفاع السورية، ويُعتبر مركزاً يتم فيه تطوير قدرات قوات النظام عسكرياً، كما يُعتقد أنه من المراكز التي تتم فيها عمليات تطوير السلاح الكيميائي السوري.

كما طاول القصف أيضاً مطار المزة العسكري، في جنوب غربي العاصمة دمشق، ومواقع عسكرية للنظام السوري في مناطق القلمون الشرقي، ومطار الضمير العسكري، إضافة لاستهداف "اللواء 105"، وهو من أهم المواقع العسكرية التابعة للحرس الجمهوري قرب دمشق. وكانت الولايات المتحدة اتفقت مع روسيا عقب استخدام الأسد للسلاح الكيميائي في عام 2013، على تسليم النظام السوري ترسانته من الأسلحة الكيميائية، ولكن استخدامه هذا السلاح لاحقاً يؤكد أنه لم يسلم كل ما يمتلكه من هذا السلاح. وفي سياق محاولاته طمس الأدلة التي تدينه، عمد النظام إلى نبش قبور الضحايا في أكثر من مجزرة في الغوطة الشرقية بأسلحة كيميائية، ومنها مقبرة زملكا، التي دُفن فيها ضحايا مجزرة 21 أغسطس 2013، لـ"إخفاء آخر الدلائل" حول المجزرة.

===========================

موقفنا : رهاب التصريحات المهددة يتمكن من اللاجئين .. هل بدأت مرحلة شيطنة اللاجئين السوريين

زهير سالم

مركز الشرق العربي

16/ 7/ 2019

منذ أكثر من عام والشيطانان بوتين ولافروف يحملان ملفين سوريين يجوبان بهما العالم وهما : إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار .

في الرؤية السياسية فإن هذا تعبير عن انتصار روسي في سورية بطريقة غير مباشرة ، يريد بوتين القول : أنا انتصرت ، وكل شيء انتهى . وسورية أصبحت آمنة فليعاد اللاجئون ، وانتهى عهد الحرب والتدمير فليبدأ عهد التعمير !!

وعلى الرغم من أن دعوات بوتين ولافروف في جولاتهما حول العالم لم تلق الاستجابة " المباشرة " أو المناسبة ؛ ولكن يبدو أن الذين ما زالوا يلعبون على دم الشعب السوري قد التقطوا الرسالة جيدا ، وبدأت ماكينة كذبهم التي التقطت التعليمات بشكل جيد بالعمل الجاد المنظم والمنهجي لخدمة هذا المشروع .

لقد مرت الثورة السورية على مدى سنواتها العشر تجارب مماثلة من عمليات التشويه الممنهج وأبرزها تحويل الأخطاء الفردية إلى جماعية ثم إلى حالة . وأحيانا اصطناع الأخطاء ثم رصدها وتضخيمها . تذكروا " العلوي على التابوت والمسيحي على بيروت " وغيرها وغيرها كثير .

ثم تذكروا ضرب مكونات الأجسام السياسية السورية أو مكونيها ببعضهم . تذكروا حكايات السفراء الذين كانوا يصرحون لكل من لاقاهم أنهم معجبون بخطابه وأدائه وأنه يمكن أن يكون معتمدهم .

ثم نتذكر اللعبة الأخطر في تدعيش الثورة - وليس أسلمتها - لعبة التدعيش التي اشترك فيها كل دواعش العالم في مواقع القرار الدولي .

العجيب اليوم أن بعض السوريين عن سذاجة بالغة ، أو ادعاء طهورية كاذبة ، أو عن علم وقصد مبيتين ؛ يشتركون في عملية تشويه أنفسهم ، والنيل من ذواتهم ، ولكل من هؤلاء طريقته وأسلوبه ..

الحملة المتمادية التي نتابعها اليوم حول العالم وحول الإقليم ضد اللاجئين السوريين ليست فقاعة في هواء . بل هي حملة ممنهجة يقودها القابعون في جحور الشر العالمي في كل مكان . والأعجب فيما أرصد أن إعلام دول لم يكن لها حظ كرامة في استقبال لاجئ سوري واحد " بصفة " لاجئ تدخل على خط الشكوى والأنين . ومنها دول كانت مرتعا لشبيحة الأسد ولغسل كل قذارات أسرته وتحطب في غابة عودة اللاجئين.

ابدأنا نشعر أن بعض الناس بدؤوا يكتشفون اليوم أن اللاجئين " يشهقون ويزفرون " وأن زفيرهم ربما يوسع من ثقب الأوزون فوق بلادهم !!

بالأمس أقرأ خبرا عابرا في أحد المصادر : سقط غصن شجرة فأصاب ثلاثة أشخاص وسوري . مصداقية الخبر أو دلالته ستنقص لو قال صاحب الصياغة أربعة أشخاص . بل لعل خصوصية الجاذبية التي يحدثها السوري هي التي جذبت الغصن فخر مغشيا عليه !!

تصريحات التخويف والتحذير المبالغ فيها باتت توجد نوعا من الرهاب والقلق عند عموم اللاجئين وخصوصا عند الفتيان والفتيات من اللاجئين ، وبات هاجسهم : كيف يسترضون الزملاء والزميلات من العرق الأبيض في الحي وفي المدرسة ماداموا كلهم موضوعين كما توحي التصريحات تحت المجهر خشية أن عينا لهم تطرف. الرهاب الذي تحدثه هذه التصريحات لا تقل وقعا عن رهاب القصف المتوقع بالبراميل المتفجرة في المناطق الموسومة بخفض التصعيد البوتيني .

وزاد من تصعيد أزمة الرهاب المذكور أن دولة عربية أقدمت منذ أيام على تسليم ثمانية مواطنين مصريين إلى جزارهم . تذكرت يوم تحول شعب هذه الدولة بمن فيهم أميرها إلى لاجئين . وللعلم ما كل اللاجئين فقراء. والفقر ليس عيبا .

والأمن في الدار نعمة شكرها بالإحسان إلى من حرم منها . ومدح ربنا قوما آووا ونصروا فقال : ( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ).

طبعا لا أحد يريد أن يداري على خطأ لاجئ . وبالطبع كانت منذ البداية أخطاء في استراتيجية التشجيع على الهجرة , وفي إدارة ملف المهجرين . والأخطر في هذا السياق أن أجهزة الخوف الأسدية لم تتوقف عن أن تدس في صفوف اللاجئين من يسيء إليهم باسمهم .

الأخطاء لا تصحح بالأخطاء . وعلى السوريين السوريين أن يبادروا ..

وعلى الذين يديرون دولاب بوتين اللئيم أن يتذكروا أنهم يعبثون بمشاعر بشر مستضعفين يألمون ويألمون ..

السوري دخل الإسلام منذ 1400 عام . ولم يولد حاملا خطيئة على عاتقه . بل هو أسلم وحين أسلم تعلم أنه ( لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ).

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سوريا.. دستور المحرقة الروسية

بشير البكر         

تلفزيون سوريا

الاثنين 15/7/2019

هل كان كل هذا الخراب في سوريا من أجل كتابة دستور جديد يحدد مواصفات وصلاحيات رئيس الجمهورية؟

يصفعنا هذا السؤال منذ حوالي عامين، ورغم أن القاصي والداني يدرك تهافت هذه المسألة، فإنها تكاد تصبح الشغل الشاغل للأوصياء على الملف السوري وسط المحرقة التي نصبها فلاديمير بوتين وحلفاؤه الإيرانيون لإبادة الشعب السوري.

كل شيء في سوريا بات يسير بالمقلوب، الأخبار لا تتوقف منذ عدة شهور عن تشكيل اللجنة الدستورية، رحل غير المأسوف عليه مندوب الأمم المتحدة المكلف بالملف السوري ستيفان دي ميستورا، وترك لخلفه غير بيدرسون مهمة تشكيل اللجنة الدستورية التي لا تريد مغادرة النقطة الحرجة التي وصلتها.

ومكمن الحرج هو الاختلاف على ستة أعضاء من أصل 150 عضواً تتشكل اللجنة منهم بالمثالثة، 50 عضواً للنظام و50 للمعارضة والثلث الأخير تسميه الأمم المتحدة من ناشطي المجتمع المدني، والأعضاء الستة محل الخلاف هم من حصة الأمم المتحدة، وأطرف ما في هذه المسرحية السوداء هو أن النظام يعترض على اثنين من المرشحين لعضوية اللجنة رغم أنهما من مؤيديه.

لا شيء يفوق هذا استهتاراً ومرارة، حتى الضحك على الذقون يبدو أقل كوميدية، لقد تجاوز الجميع السخرية من السوريين والتلاعب بأعصابهم ومصائرهم، وبات الضحك من تحت الحزام في هذه اللعبة التي باتت مملة، واختلط فيها الجد بالهزل.

لا أحد يستطيع أن يقدم تلخيصاً مفيداً للرأي العام السوري وغير السوري عن حال القضية السورية، وفي أيّ اتجاه تسير، ذهب بيدرسون إلى موسكو في الأسبوع الماضي قبل أن يهبط إلى دمشق لأنه يعرف أن قرار بشار الأسد لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ومن روسيا طارت الأنباء السارة في أن الروس حلوا عقدة الستة في اللجنة الدستورية، ولهذا ذهب بيدرسون على عجالة ليجتمع مع وزير خارجية النظام وليد المعلّم، وخرج ليدلي بتصريحات تتحدث عن أنباء إيجابية، ولكن هذه الإيجابية لم يلمسها الوفد السوري المعارض الذي التقاه المبعوث الأممي في إسطنبول، بينما كانت طائرات الروس الحربية وبراميل الأسد تطارد قاطفات الباذنجان السوريات في أرياف حماة وإدلب وحلب.

لولا كل هذه المجازر المريعة بحق السوريين العزل، لما كان أحد سوف يكترث بهذه اللجنة أو بالأمم المتحدة، الرأي العام السوري بات مقتنعاً أن كل ما يجري من حول سوريا هو ثرثرة وتقطيع وقت وتمييع للقضية، وليس هناك حلول مطروحة على طاولة البحث، ولن يكون هناك بصيص أمل قبل أن تتوافق الأطراف المتحكمة بالجغرافيا السورية على تقاسم الحصص، ولا شك أن الرئيس بوتين هو الذي يقف عائقاً في وجه القسمة لأنه يريد الحصة الأكبر، ويعمل على إخراج بقية اللاعبين من دون أيّ مكاسب معتبرة، وفوق ذلك يصر على تثبيت الأسد على غرار الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، الذي يشكل رمزاً للإذعان والذل على شعب قاتل من أجل حريته واستقلاله.

لن يتجنى أحد إذا وصل إلى استنتاج بأن ما يطمح له بوتين ليس النصر في سوريا وحيازة القسم الأكبر من الكعكة فقط، كل أفعاله تؤكد أن لا خصم له في هذه المعادلة غير السوريين الذين يرفضون أن يرفعوا الراية البيضاء، ويعلنوا الاستسلام أمام الجيش الأحمر الروسي، وما يسانده من بيادق محليين مثل سهيل النمر ومن التحق به من الحثالات.

وعلى هذا المنوال تأتي كل التحركات الروسية، سواء قبل التدخل العسكري المباشر في سبتمبر/أيلول 2015 أو قبل ذلك حين وظف بوتين الدبلوماسية الروسية من أجل إفشال كافة المساعي الدولية التي كانت تحاول منع انزلاق الوضع السوري نحو الهاوية.

===========================

"النظام يفرض رؤيته" ما شاء الله!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 15/7/2019

في زمن لا مكان فيه للحق، أو للقانون، أو لاحترام الحياة الآدمية؛ في زمن تسوده القوةُ منطقاً، والقتل شريعةً، والكذب منهجاً؛ يتحول باعة الأوطان إلى حماةٍ للسيادة، والمتعاملين مع العدو محتل الأرض إلى مقاومين وممانعٍين، والذين يستمرون في السلطة بفعل المحتل إلى أصحاب رؤيةٍ يفرضونها على المجتمع الدولي وأممه المتحدة. مناسبة هذا الكلام قول النظام في دمشق بأنه "فَرَضَ رؤيته" بخصوص كل ما يتعلق باللجنة الدستورية، عند استقباله الأخير للمبعوث الدولي لسوريا " غيير بيدرسن".

أي فرض للرؤية هذا، عندما تكون /القواعد الإجرائية/ الناظمة لعمل هذه اللجنة - بما في ذلك رئاستها المشتركة بين المعارضة والنظام، ونسبة التصويت، والجدول الزمني، والأثلاث الثلاثة، والخمسة عشر عضوا من كل ثلث لكتابة دستور جديد؛ قد تم رضوخ النظام لها مسبقاً؟!  ذلك لم يكن باختيار النظام؛ وإنما بفعل روسي مأزوم، وتحت ضغط دولي ولَّده فشل روسي نابع من عجز روسي بإنتاج أي خرق سياسي على الساحة السورية.

وفِي هذا السياق لن يفيد النظام -الباقي مؤقتاً بفعل الاحتلال- رفضه لرعاية الأمم المتحدة للعملية السياسية. وما قوله بأن العملية سورية وبرعاية سورية، إلا تحصيل حاصل. الأمم المتحدة - من جانبها - لا تقول غير ذلك، والمعارضة أيضاً لا تقول غير ذلك؛ ولكن "الرعاية السورية" حسب فهم نظام الاستبداد تعني إشراف مخابراته على هذه العملية؛ أما الأمم المتحدة والمعارضة فتقولان بإشراف دولي يهيئ بيئة آمنة محايدة نزيهة سليمة؛ وذلك كي تكون العملية سورية صحيحة يمارس السوري، الذي هاجسه بلده، حقّه في تقرير مصير بلده وحياته، لا مخابرات النظام وعصاباته، التي هاجسها كرسي الدم.

من هنا، وبسبب ذلك، يسعى النظام إلى عرقلة أي ملمح للعملية السياسية، كخلقه لمشكلة الأسماء وغيرها. وإن حدث وعبَّر عن إيجابية تجاه تلك العملية، فيكون حصراً بسبب الضغط الذي تمارسه حاميته الأساسية، روسيا المأزومة بدورها. وهذا بالضبط ما كان وراء زيارة مبعوث بوتين الخاص "لافرنتيف" ومعاون وزير الخارجية الروسي إلى دمشق. لقد كانا هناك لتثبيت ما خرج به المبعوث الدولي "بيدرسن" من إيجابية، وللمساعدة في الإبقاء على بعض ماء الوجه الذي ادّْعاه النظام عندما قال بأنه "فرض رؤيته".

ليس غريباً على هكذا عصابة، أن تقول بأنها "فرضت رؤيتها"

ليس غريباً على من ادعى "النصر" وأن الأمور "طبيعية"!؛ وعلى من قال "خلصت"!؛ وعلى من جَلَبَ الإرهاب، وادّعى أنه يحاربه؛ وعلى من جلب كل أصناف الاحتلالات، ليبقى؛ وعلى من يدّعي محاربة إسرائيل، ويستمر بفعلها؛ وعلى من ادعى بأن الأطفال، الذين قضوا بالسلاح الكيماوي، قد جلبهم الإرهابيون من الساحل السوري.. ليس غريباً على هكذا عصابة، أن تقول بأنها "فرضت رؤيتها".

الآن ستخرج اللجنة إلى النور؛ ومؤكد أن النظام سيسعى إلى عرقلتها وتعطيلها في كل ما يقوم به. وسيفعل ذلك لأنها من المؤكد لن تكون كما يدّعي لـ"مناقشة الدستور". من جانب آخر، مَن قال أساساً إن اللجنة هي الحل في سوريا؟! لقد كان لدى سوريا "دستور"؛ ولكن، هل احترم نظام الاستبداد هذا الدستور؟! وهل كانت "دساتير سوريا الأسد " أساساً إلا تفصيلاً على مقاس دكتاتورية الفرد وسلطاته شبه الإلهية؟!

الزمن لا يقف؛ وسوريا لا يمكن أن تعود إلى ما قبل 2011. إن آخر ما يمكن أن يحتويه دستور لسوريا، هو تثبيت لمنظومة أرادت ذبح سوريا كي تبقى في كرسي الدم؛ كما يتصوّر النظام. على منظومة الاستبداد أن تفكّر بنصف سكان سوريا الذين تبعثروا في أربع أصقاع الأرض، وبنصف آخر على ضفته يعيش الخوف والرعب والعوز والإهانة والجراح التي لا تندمل، وبمقاومة عرّفَتْهُ بقيمته المهترئة في الشمال الغربي السوري؛ وبمناطق سُميّت "مصالحات" تنتظر لحظة الانقضاض على مَن أهانها وأوجعها، وبحصار خانق له ولِمَن يشاركه بقتل السوريين؛ وبإعادة إعمار أو عودة لاجئين لن تتم طالما كان إجرامه هو السائد، وبمصالح دول كانت مسؤولة عن بقائه كل هذه السنين؛ والأكثر من كل شيء بملفات توثِّق إجرامه تتراكم يوماً بعد يوم، وبلجان تحقيق لن تترك قراراً بالاعتداء على السوريين أو فعلاً إجرامياً إلا وستضمنه في تلك الملفات.

رغم أن فكرة اللجنة الدستورية كانت روسية أساساً، وجزءاً من المحاولات التكتيكية الروسية لإجهاض عملية الانتقال السياسي؛ فإن روسيا لا بد أن تجد نفسها وقد دخلت عبر هذه البوابة -التي تواطأت في تغطية عرقلة النظام لها- ستدخل مختارة أو مضطرةً إلى مسار يفضي بالضرورة إلى انتقال سياسي في سوريا؛ وأنها إن لم تفعل ذلك فستجد نفسها تغوص في مزيد من الاستنزاف والغرق في القضية السورية. إنها تحمي نظاماً استبدادياً منفصماً عن الواقع يغطي هزائمه في كل شيء- والأخلاقية على رأسها- بمنظومة من الكذب والتزييف والخبث لا مثيل ولا سابقة لها. قال "فرض رؤية" قال !!!!

===========================


مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سورية: روسيا تعمل على تشويه الحقائق

جلال بكور

العربي الجديد

الاحد 14/7/2019

قال مركز توثيق الإنتهاكات الكيميائية في سورية، إن روسيا تسعى إلى تشويه الحقائق ونفي استخدام النظام السوري لغاز الكلور في هجوم على مدينة دوما بريف دمشق، تم تنفيذه في إبريل/ نيسان العام الماضي.

وفي بداية مارس الماضي، أكد تقرير لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن غاز الكلور استخدم في الهجوم على مدينة دوما في الغوطة الشرقية لدمشق في إبريل/ نيسان 2018، إلا أن التقرير لم يشر بأصابع الاتهام للنظام.

وكان الهجوم قد أسفر عن مقتل 40 شخصاً وإصابة العشرات، بحسب ما أفاد به مسؤول التنسيق في "مركز توثيق الإنتهاكات الكيميائية في سورية" وسيم الخطيب لـ"العربي الجديد"، مضيفاً أنه "على المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته الأخلاقية، وعدم التزام الصمت على جرائم النظام المستمرة بحق الشعب السوري".

وأوضح الخطيب أن "روسيا تحاول جاهدة عرقلة وتأخير أي قرار يصدر عن فرق التحقيق لتحديد هوية مستخدمي الأسلحة الكيميائية، وما تشهده لاهاي اليوم من تحركات روسية هي مجرد دراما بالية لا صحة لها على الإطلاق، نحن لدينا أدلة وعينات قدمت أصولا ونسعى ونعمل في المركز حتى الوصول إلى العدالة المنتظرة لذوي ضحايا الأسلحة الكيميائية في سورية".

وبيّن الخطيب أن  "كل ما يُطلق اليوم من الروس هو مجرد عملية، الغاية منها كسب الوقت وحرف الحقيقة، وعدم سماح النظام في دمشق مؤخراً بوصول فريق التحقيق يؤكد تورطه، ولكن الفيتو الروسي هو المظلة الحامية للأسد في كل مرة".

وذكر المركز في بيان اطلع عليه "العربي الجديد" أن السفارة الروسية في لاهاي، عقدت يوم أمس الجمعة، مؤتمراً صحافيا "سعت من خلاله لتشويه ونفي حقائق استخدام غاز الكلور في مدينة دوما التابعة لريف دمشق في إبريل 2018".

وأضاف البيان أنه خلال المؤتمر "عرض الروس بعض الشهادات للسكان المحليين في المدينة، للطعن بتقرير بعثة تقصي الحقائق الصادر بنهاية إبريل الماضي، والذي أكد من خلاله استخدام الكلور الجزئي بواسطة برميل ألقي من السماء".

وأكد مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية على امتلاكه أدلة دامغة، وشهادات مخالفة تماماً، تؤكد استخدام السلاح الكيميائي في دوما.

وأوضح المركز أن السفارة الروسية في هولندا تبذل "قصارى جهدها لإقناع متابعيها من الدول الأعضاء في المنظمة بعدم صحة التقارير الصادرة عن مخابر لاهاي في ما يخص هجوم دوما، وذلك لقطع الطريق على الآلية الدولية آي آي تي (المختصة بتحديد المسؤولية) ولنفي صحة تقاريرها المستقبلية"

وبيّن المركز أن روسيا عملت مع النظام السوري على "منع دخول خبراء منظمة حظر الاسلحة الكيميائية لأسبوعين إلى موقع الحادث، وهذه مدة كافية لطمس معالم الجريمة ومسح الأدلة".

وأضاف المركز: "كما عملت على تقديم 12 شاهداً اختارتهم بنفسها في 26 إبريل 2018 لمنظمة حظر الأسلحة في لاهاي، بعدما رفض فريق بعثة تقصي الحقائق إجراء مقابلات معهم في دمشق، حيث قام هؤلاء الشهود بنفي حدوث أي هجمات بالأسلحة الكيميائية، لكن لم يدم الوقت طويلاً حتى صدرت نتائج التحليلات عن مخابر لاهاي، والتي نسفت كافة المزاعم الروسية وروايات الشهود الذين قدمتهم في لاهاي ودمشق".

===========================


العلمانية الزائفة وجه من مأساة السوريين

عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 14/7/2019

“إذا انطلقنا من الأوضاع الداخلية في البلاد، فعلينا أن نكون في المعارضة. ولكن السياسة الخارجية التقدمية التي تنتهجها سوريا، تلزمنا بتأييدها”. بمثل هذه العبارات، أو ما معناها، كان الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش يسوّغ وقوفه إلى جانب النظام السوري، وذلك منذ سيطرة حافظ الأسد على مقاليد الحكم في بداية سبعينات القرن الماضي عبر انقلاب عسكري، سوّقه تحت اسم الحركة التصحيحية، ليسدّ الطريق على تهديد الخصوم المحتملين.

تمكّن حافظ الأسد في ذلك الحين، وفي أجواء الحرب الباردة، من بناء العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، وشكّل في الداخل الجبهة الوطنية التقدمية بقيادته وأوامره، ولكن تحت يافطة حزب البعث.

أما الحزب الشيوعي البكداشي، فقد تحوّل بصورة غير مباشرة إلى جزء من النظام نفسه عبر الجبهة المعنية، وكانت حجته في ذلك أنه يساند سياسة النظام التقدمية التي تقوم على التحالف مع الاتحاد السوفييتي، ومساندة حركات التحرر والأحزاب الشيوعية والعمالية في العالم. هذا في حين أن الجميع كان على علم بأن ألف باء السياسة الوطنية تقوم على تأمين حاجات الناس، وتأمين فرص العلم والعمل والرعاية الصحية لهم، وتحسين مستوى دور الأطفال ورعاية المسنين والنظام التقاعدي، وغير ذلك من الأمور التي تمس حياة الناس في الصميم.

ونحن اليوم إذا أمعنا النظر في المجتمعات التي تحترم شعوبها، نلاحظ أن ميدان التنافس بين أحزابها هو السياسة الداخلية. أما السياسات الخارجية فنادرا ما تؤثر في خيارات الناخبين، أو لا أثر لها على الإطلاق. وإذا أثّرت فإنما ذلك بفعل النتائج التي تتركها سلبا أو إيجابا على معيشة المواطنين، ونوعية الخدمات التي تُقدم لهم، وانعكاسات كل ذلك على الاقتصاد الوطني.

ومع بروز مؤشرات واضحة، تؤكد التوجهات الطائفية لنظام حافظ الأسد على المستويين الداخلي والإقليمي، كان الحزب المعني يصر على نفي ذلك، ويقدّم تحليلات مدرسية مملة حول التحالف الحاصل بين البرجوازيتين الطفيلية والبيروقراطية، ويؤكد أن ما يحصل في سوريا هو صراع طبقي. هذا في حين أن الأسد، رأس النظام الذي كان يتحكّم بكل شاردة وواردة في الدولة والمجتمع، وحتى على مستوى الأفراد، عبر الأجهزة الاستخباراتية الكثيرة، المتداخلة الوظائف، ورغم أنه كان المهندس الفعلي لنظام الاستبداد والفساد الذي بدأ بالتشكل في سوريا منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، كان يبقى خارج دائرة المساءلة والمحاسبة، وذلك مقابل الحصول على فتات لا يُذكر من المنافع السلطوية، والظفر برضى “الرفاق السوفييت” الذين كانت ورقة اعترافهم وتأييدهم تُستخدم أداة للاستقواء في مواجهة “الرفاق المعارضين” ضمن الحزب.

وهكذا تمكّن نظام الأسد من تحييد الحزب الشيوعي السوري، إلى جانب الأحزاب الناصرية بأسمائها المختلفة، وكانت المواجهة الكبرى مع جماعة الإخوان المسلمين في بداية الثمانينات، وذلك بعد أن تمكّن النظام من جر الجماعة المعنية إلى المنازلة الطائفية التي كان قد أعد لها مسبقا، ليقدّم نفسه بوصفه النظام العلماني، التقدمي، الحريص على مواجهة القوى الظلامية المتطرفة.

وتتويجا لجهوده الرامية إلى شيطنة الجماعة، أصدر حافظ الأسد القانون 49 لعام 1980، الذي نص بالحرف: “يعتبر مجرما ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين”، حتى ولو لم يكن قد شارك في الأعمال العسكرية. وسكت الحزب البكداشي عن القانون المذكور الذي أقرّه مجلس الشعب؛ والسكوت كما نعلم علامة رضا، خاصة في الحسابات السياسية.

وهكذا تمكّن حافظ الأسد من تأجيل الانفجار السوري لمدة عقود، بعد أن أفلح في تدجين “العلمانيين” وشيطنة الإسلاميين.

وبدا الأسد يعد العدة لعملية التوريث، ولكن اللافت هنا أن الحزب البكداشي سبقه في هذا الميدان، فكانت زوجة الأمين العام هي الخلف، ثم جاء الابن.. مَن كان يقتدي بِمن: النظام بالحزب أم الحزب بالنظام؟

وما نتج عن ذلك وغيره الكثير، هو أن الحزب الشيوعي المعني هنا فقد رصيده الكبير بين المثقفين والجمهور الواسع من العلمانيين وحتى الليبراليين والديمقراطيين والمتنورين، وتحول إلى ناد مغلق، يتنافس أعضاؤه ويتصارعون على المكاسب التي كان يغدقها النظام على الحزب، مقابل تحوله إلى مجرد أداة دعائية رخيصة في ماكينة النظام الديماغوجية.

وقد تكرّر المشهد ذاته تقريبا في عهد الأسد الابن الذي بذل قصارى جهده، بمشورة رعاته الإيرانيين، من أجل سحب الثورة السورية إلى ساحته المفضلة، وتمكّن من فرض العسكرة عليها، واستطاع عبر شبكة علاقاته الواسعة مع الجماعات الإرهابية التي كانت تتخذ من التشدد الإسلاموي غطاء لها، من التغلغل إلى داخل الفصائل العسكرية التي فرضت نفسها على السوريين، وحوّلت ثورتهم المدنية السلمية التي كانت من أجل الحرية والكرامة والعدالة، إلى مجرد صراع مسلح بين جماعات غريبة طارئة مقحمة، تعلن الجهاد من أجل الخلافة؛ ونظام لم يترك جريمة وإلا وارتكبها، وحصل على كل الدعم من بوتين، ابن النظام الشيوعي السابق، الذي كان الحزب البكداشي يلزم السوريين بتحمّل أزمات الوضع الداخلي من أجل مساندته.

وإمعانا منه في إبعاد الثورة عن أهدافها، لجا النظام بموجب استراتيجيته إلى إغراق الثورة بالإسلاميين المتشددين، وذلك عبر الإقدام على اطلاق سراحهم من سجونه، وهو على تمام الإدراك بأنهم سيلتقون مع أولئك المتشددين الذين كان النظام قد صنعهم، وأعدهم. وهكذا دخلت البلاد في دوامة صراع دموي، وأصبح الرأي العام الإقليمي والعالمي أمام بديلين سيئين: إمام الفوضى والإرهاب، أو القبول باستمرارية بشار الأسد رغم كل ما ارتكبه نظامه من جرائم.

ومن الواضح جدا أن اختزال الوضع السوري ضمن هذه المعادلة التي تضافرت جهود مختلف الأطراف لتشكيلها وإخراجها على هذه الصورة كان يتناسب مع حسابات القوى الدولية والإقليمية، وهي القوى التي لم تكن تريد التغيير في سوريا خشية انعكاساته عليها. وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد. فقد تنطح العلمانيون من بقايا العقلية البكداشية وحزبه، أو من كان يتمثّل في ذاته منطقها المعكوس، وإصرارها على تشويه الوقائع، لتأتي منسجمة مع المواقف المعدة سلفا بناء على المصالح والالتزامات الانتهازية لا الحقائق والمصالح الوطنية؛ فقد تنطح هؤلاء ليعلنوا بأن المعركة هي مع الظلامية الإسلاموية، وأن النظام العلماني هو الحامي للأقليات والوحدة الوطنية. أما السؤال عن طبيعة العلاقة بين هذا النظام ونظام ولي الفقيه، وحزب الله، والفصائل العراقية أو الأفغانية المذهبية التوجه التي أدخلها النظام الإيراني إلى سوريا لتقتل السوريين بالتنسيق مع نظام الأسد، فكل ذلك لا يتوقف عنده أبدا أدعياء العلمانية هؤلاء، تماما كما كان يفعل الحزب البكداشي في تعامله مع شكاوى السوريين من تجاوزات استبداد نظام الأسد الأب وفساده لكل الحدود.

الأمور باتت واضحة ومكشوفة إلى درجة أن الحديث عنها قد أصبح من المكرر الممل.

وكل ذلك أدى إلى انعدام ثقة السوريين بالشعارات والأقوال الثوروية الزائفة المزيّفة. فقد أدرك السوريون بتجربتهم الأليمة أنها كلها تُسوّق للاستهلاك المحلي. تُستخدم لإثارة المشاعر وتجييش الناس لصالح تأبيد الاستبداد الفاسد المفسد.

إن وعي ناسنا بما جرى، ويجري، هو مقدمة لتحوّل نوعي سيكون في المستقبل بجهود الشباب السوري، الذين حصّلوا خلال السنوات الثماني المنصرمة، ورغم قساوة الظروف التي عاشوها، خبرة غير عادية في ميدان معرفة مجتمعهم، ومواقع وتطلعات القوى الفاعلة فيه، وطبيعة مشكلاته واحتياجاته، كما تيقّنوا من مدى تهافت التسويغات والشعارات التي كانت، وما زالت، تسوّق من أجل استمرارية نظام يمثّل مصدر كل الشرور والمشكلات التي عانى منها كل السوريين، ومن دون أي استثناء.

===========================


مستقبل سورية في انتظار شبابها

عبد الباسط سيدا

جيرون

السبت 13/7/2019

متى سيكون الفرج؟ هل من أمل؟ سورية إلى أين؟ ما هو المستقبل الذي تتوقعه لسورية؟

هذه الأسئلة وغيرها تُطرح في اللقاءات العامة والخاصة، وغالبًا ما تكون مصحوبة بمسحة من الحزن المجبول بألم مكبوت في أعماق أصحابها.

أما الدوافع لإثارة مثل هذه الأسئلة، فهي تتجسد في الرغبة في الاطلاع، ومعرفة التوقعات التي تخص مصير سورية، بل وجودها، والحرص على وحدة نسيجها المجتمعي، وربما تكون الدوافع متمثلة أيضًا في السعي للتشارك والتعاضد عبر التفكير معًا بصوت مرتفع. ولكن بصورة عامة هناك شعور بالخيبة والإحباط وفقدان الأمل، في ظل واقع القتل الذي حصد نحو مليون سوري، والتهجير الذي شمل نصف السوريين، والتدمير الذي شهدته بلادهم، وتهتّك النسيج المجتمعي الوطني.

ما يضفي المزيد من القتامة على المشهد في منظور السوريين هو انصراف الدول، الشقيقة منها والصديقة، التي كانت تُحسب على مجموعة أصدقاء الشعب السوري، إلى مراعاة أولوياتها، والتنصّل من الوعود اللفظية التي أعلنتها مرارًا وتكرارًا، وتنامي النبرة العنصرية ضد اللاجئين السوريين في دول الجوار، وتحويل قضيتهم إلى مادة لتصفية الحسابات الداخلية، ووسيلة لتسويغ الإخفاقات في مجال الإدارة، والتعتيم على ظاهرة الفساد التي باتت مَعلمًا من معالم دول المنطقة.

بدأ السوريون ثورتهم، والنظام كان في أوج قوته، خاصة على صعيد تبادل شبكة المصالح على المستويين الإقليمي والدولي؛ وامتلاكه الأجهزة الأمنية الكثيرة، المتشعبة والمتداخلة المهمات والأدوار، المتحكمة في مفاصل الدولة والمجتمع، إضافة إلى سيطرته على الجيش الذي كان قد حوّله إلى أداة من أدوات القمع في مواجهة الشعب. ولكن السوريين مع ذلك ساروا في تظاهرات واعتصامات مهرجانية في معظم أنحاء البلاد، وطالبوا بالكرامة والحرية والعدالة. واستمروا في ثورتهم على مدى سبعة أشهر، وهم يتعرضون للقتل والضرب والتنكيل والاعتقالات، ولم يتراجعوا، وكان الاعتقاد أن المجتمع الدولي سيتحرّك، وأن الضمير العالمي لن يتحمّل المزيد من الجرائم بحق السوريين. وما عزز الأمل أكثر هو ما حصل من تغييرات، وإن كانت شكلية، في كل من تونس ومصر واليمن، وإسقاط حكم القذافي في ليبيا. ثمّ تبيّن لاحقًا أن الحسابات الدولية كانت مختلفة بالنسبة إلى الموضوع السوري، ولم تكن الجهود الفعلية التي تُبذل لمساعدة الشعب بمستوى الوعود المعلنة. وعلى الرغم من نجاح السوريين في تشكيل مجلس وطني، كان الأمل أن يكون صوتهم في المحافل الدولية والإقليمية ويقود جهود جمع الطاقات وتركيزها وتوجيهها؛ لم يحصلوا على الدعم المطلوب، بل واجهوا التلكّؤ والتسويف والتشكيك والتدخلات على مختلف المستويات.

وما كان يساهم في تبديد الطاقات، ويصادر إمكانية حدوث تراكمات، هو الافتقار إلى وجود أحزاب قوية تمتلك برامج وطنية متكاملة، أحزاب كان من شأنها مراعاة الخصوصية السورية من جهة التنوع الديني والمذهبي والقومي، وتحرص على إزالة العراقيل التي تحول دون وحدة السوريين وتوافقهم على ما يضمن مستقبل أفضل لأجيالهم المقبلة. فالأحزاب الموجودة لم تكن قادرة، نتيجة ضعفها الشمولي تنظيميًا، وفكريًا، وسياسيًا، على مواجهة التحديات، واتخاذ المواقف المسؤولة منها انطلاقًا من المصلحة الوطنية السورية في المقام الأول. أما بالنسبة إلى الأفراد المعارضين الذين ظهروا في المواقع القيادية، سواء في المجلس الوطني أم في الائتلاف لاحقًا، فقد كانوا في معظمهم يعانون من تباين المواقف والرؤى، والاختلاف حول الأولويات، ولا يمتلكون الخبرة السياسية المطلوبة. والأخطر في الموضوع برمته هو أن الجميع التزم العقلية الاتكالية، وتوهموا أن المجتمع الدولي سينجز المهمة عوضًا عن السوريين الذين سيتمكّنون من استعادة بلدهم ومقدراته، وسيعملون معًا من أجل غدٍ أفضل بعد الخلاص من السلطة المستبدة الفاسدة المفسدة.

ولكن الذي حصل لاحقًا أظهر نقيض ما تمناه السوريون. فلم يقدم المجتمع الدولي الدعم المطلوب لحل أزمتهم سياسيًا أو عسكريًا؛ بل تحوّل الموضوع السوري إلى مادة للبازارات والمساومات بين الدول العظمى منها والإقليمية، حتى غدت سورية ساحة مفتوحة أمام الجميع، وأصبحت الحجة أن الأولوية هي لمكافحة الإرهاب، على حين ظل مصدر الإرهاب وراعيه ومروجه المتمثل في النظام ذاته خارج دائرة المساءلة والمحاسبة، هذا على الرغم من الإعلانات والمواقف التنفيسية التي كانت تطلق على ألسنة مسؤولي بعض الدول والمنظمات الدولية.

الوضعية السورية الراهنة بتعقيداتها وتشعباتها لا توحي بأي إمكانية للوصول إلى حلٍ يكون في مصلحة السوريين، ويرتقي إلى مستوى تضحياتهم وتطلعاتهم. فالمعارضة في تشتت مستدام، والقوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الملف السوري منصرفة إلى حساباتها، ولن تكون هناك أي معجزة تنقذ السوريين مما هم فيه؛ ما لم يتحملوا بأنفسهم مسؤولية العمل من أجل مستقبل أفضل لشعبهم وبلدهم. وأمر مثل هذا يستوجب وقتًا كافيًا، وجهودًا مخلصة، يعمل أصحابها بتفانٍ من أجل توحيد وتفعيل طاقات السوريين، الشبابية منها على وجه التحديد، سواء في الداخل أم في الخارج؛ وهذا لن يتحقق من دون مبادرات تنظيمية وطنية، تُنهي المشاريع التجارية الانتهازية التي كانت حتى الآن، وهي المشاريع التي حاول أصحابها التسلق من بوابة منظمات المجتمع المدني والمجالس المحلية، وعبر الأحزاب التي تم الإعلان عنها على عجل، من دون التفكير في الإمكانيات الواقعية لاستمراريتها.

نحن في حاجة ماسة إلى منظمات المجتمع المدني، كما نحتاج إلى المجالس المحلية وإلى الأحزاب الوطنية، ولكننا لن نتمكن من كسب الثقة والمصداقية؛ ما لم تستند تلك المنظمات والمجالس والأحزاب إلى الهمّ الوطني أولًا، لترتقي به إلى مستوى الموجه والهدف.

لقد اكتسب السوريون، بعد تجارب السنوات الطويلة القاسية منذ انطلاقة ثورتهم، الكثير من الخبرات والمعارف. فقد تعرفوا على مجتمعهم وتكوينه وتاريخه وجغرافيته، واطلعوا على أبعاد المشكلات التي يعانيها. كما تعرفوا إلى بعضهم، وتمكنوا بفضل التجارب الحية الملموسة من التمييز بين الجادّين والمتسلّقين، واستطاعوا تحديد بواعث الخلل وطبيعة الأخطاء التي كانت، وازدادوا معرفة بأسس وماهية العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية، وتوسعت دائرة اطلاعهم عبر امتلاك ناصية اللغات والتقنيات الحديثة في ميدان الاتصالات والتواصل. وكل ذلك ينتظر التأطير والتنظيم والتوحيد. وأمر كهذا يستوجب المبادرة من قبل مجموعة أو مجموعات تمثل النواة الصلبة، في أي مشروع وطني مستقبلي طموح. فليس من الضرورة أن يضم جسم تنظيمي واحد الجميع، بل يمكن بناء منظمات المجتمع المدني وفق الاهتمامات والمناطق. كما يمكن بناء الأحزاب الوطنية وفق التوجهات الفكرية والسياسية المختلفة. ولكن في المحصلة يمكن إدراج كل هذه الجهود في إطار تجمع أو تحالف وطني شامل. أما أن نسعى كأفراد لبناء هكذا تحالف، أو الدعوة إلى مؤتمر وطني، وذلك اعتقادًا منّا بأن ذلك يختزل المسافات، ويوفر الوقت والجهد، فهذا أمرٌ أثبت عدم واقعيته، على الرغم من اللقاءات والمتابعات العديدة التي كانت من أجل ذلك.

المحنة السورية ستطول، وستأخذ المزيد من الوقت؛ ما لم يبادر السوريون بأنفسهم إلى التمسك بحقهم المشروع في تحديد مصيرهم ومستقبلهم.

ولكن في حال الاستسلام لواقع الحال القائم، والقبول بدور الأدوات في مشاريع الآخرين أو واجهة لها، فإن كل الاحتمالات السوداوية تمتلك قابلية التحقق، بما في ذلك التقسيم الذي ما زال السوريون في غالبيتهم يجمعون على رفضه.

===========================


فليطمئن لبنان

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 13/7/2019

قتل حزب الله أعدادا كبيرة من السوريين، ورحّل أعدادا ممن نجوا بحياتهم من المناطق التي اجتاحها، فكان من الطبيعي أن يذهب قسم منهم إلى جيرانهم في لبنان، طلبا للأمن، لاعتقادهم أنهم سيلقون معاملة لائقة كالتي خصّوا بها قبل أعوام قليلة مئات آلاف اللبنانيين الشيعة الذين كان من الطبيعي أن يقصدوا سورية، ويتوقعوا معاملة أخوية من أهلهم وإخوتهم هناك، وهكذا كان، فقد تسابق السوريون على الترحيب بهم واستضافتهم في منازلهم، ولم يسكن أحد منهم خيمة، أو في مخيم.

أذكّر بهذا، لأن من الضروري تفادي انهيار ما في علاقات الشعبين الشقيقين من مودة وتراحم، بينما تتربّص بهما تحديات دمرت المجتمع والدولة في سورية، ولن توفر لبنان الذي ربطه حزب الله بإيران، وتعهد بزجه في حربٍ لا ناقة له فيها ولا جمل. تقول إسرائيل إنها ستستهدفه بكل ما لديها من قوة، ستترتب خسائرها البشرية ومآسيها العمرانية على التزامات طرفٍ لبناني صغير بخطط إيران التوسعية، ومشكلاتها الكثيرة مع جوارها والعالم، علما أنها لم تُقم يوما وزنا لسلامة وأمن شيعة لبنان أو غيرهم، ولا يهمهما إن قتلوا أو غادروا مواطنهم إلى سورية، المنكوبة بنظامها وبحزبهم وبملاليها، حيث سيتعرّضون لا محالة للتشرّد والحرمان، بسبب ما يتعرّض له السوريون منهما، وهم شعب كريم عزيز، أرغم على الإقامة في خيام لم يكن يوما من سكانها، ولم يتسول أطفاله في شوارع مدنه، ولم يرتع في نعيم الفقر والجهل، كما يعتقد بعض اللبنانيين، بل حظي، في سنوات ثورته ضد الاستبداد والإجرام، باحترام من تعزّ الحرية عليهم، كمثقفي لبنان الذين أصدروا بيانا أخلاقي الدوافع، إنساني المقاصد، يثمّن إصرار السوري العادي على نيل حريته، ويدين ما يتعرّض له من تجنٍّ وظلم في لبنان، بقيادة حزب الله، ومشاركة عالم السياسة السفلي، بشخص ممثله جبران باسيل الذي وجّه حماه برفض منح إقامات للسوريين، وبسحب ما منح منها في أول فرصة، بينما تصدر دوائر حزبه أوامر بمنع دخول السوريين إلى مناطقها، وأخرى بمنعهم من السكن فيها، لتحريض اللبنانيين عليهم، باعتبارهم السبب في فساد الحياة العامة في بلاد الأرز، وإجبارهم على العودة إلى النظام الأسدي المجرم الذي يقتل من سلمهم لبنان الرسمي من منشقين عن جيشه إليه، بما يجعله شريكا في جريمة ضد الإنسانية.

اتخذت بلدية في إسرائيل عام 1957 قرارا بإخراج جثمان نمساوي مسيحي، قتل خلال حرب السويس، من مدفن البلدة، لأن وجوده بين موتى اليهود يزعجهم. ألا تقف عقلية كهذه وراء قرار منع دفن موتى السوريين في مقابر بعض البلديات؟!

سوّغت النازية جرائمها بالدفاع عن نقاء العرق الآري، ويسوّغ جبران باسيل جرائمه بنقاء جيناته. ومثلما أشعل هتلر حروبا قتل خلالها ملايين الآريين الأنقياء انتهت بانتحاره، سيؤجج من اكتشف فرادة جيناته نارا لن تنطفئ، تهدد منذ اليوم مصير لبنان، بإدخاله السوريين في صراعاته السياسية، ووقوفه إلى جانب مجرم دمشق.

لا يحب السوريون الخيام، ولم يرفضوا الذل في وطنهم ليقبلوه خارجه، ولن يرتضوا بديلا عن سوريتهم. وقد بدأت أعداد متزايدة منهم تعود من أوروبا إلى المناطق الآمنة نسبيا في "غصن الزيتون" و"درع الفرات" والشمال السوري. وهم شعب معتدل الطباع، ويحب العمل، وينتمي، في معظمه، إلى فئات وسطى متعلمة، وتكره العنف، وسيشكرون شعب لبنان، وهم يغادرونه على ما قدّمه لهم.

فليطمئن لبنان. إن سورياً واحداً لن يبقى في خيامه وجروده، بمجرّد أن يتوقف الأسد عن قتل العائدين منهم إلى مسلخه الكبير، في مصانع الإبادة الجماعية ومحارقها التي يسميها سجونا، وعلى جبهات القتال، حيث يتخلص منهم، ومن شعبهم بأيديهم.

===========================


من وليد المعلم إلى جميل حسن: أسباب التآكل قبيل الانقراض

  صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 13/7/2019

نقلت وسائل إعلام النظام السوري أخبار اجتماع غير بيدرسون، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، مع وزير خارجية النظام وليد المعلم، في دمشق، هكذا: «جرى خلال اللقاء بحث تشكيل لجنة مناقشة الدستور وآليات وإجراءات عملها، حيث كانت وجهات النظر متفقة بين الجانبين على أن العملية الدستورية هي شأن سوري وهي ملك للسوريين وحدهم وأن الشعب السوري هو وحده من يحق له قيادة هذه العملية وتقرير مستقبله من دون أي تدخل خارجي». وبذلك فإنّ تقارير وسائل الإعلام تلك قد تغافلت، تماماً، عن حقيقة وصول بيدرسون إلى العاصمة السورية قادماً من موسكو؛ الأمر الذي يعني أنّ الملفات معلّقة في العاصمة الروسية أيضاً، أو لعلها تُحسم ــ إن حُسمت، في أي يوم ــ عبر بوّابات الكرملين، أوّلاً وأساساً.

وتحت قبّة ما يُسمى «مجلس الشعب»، أعلن عمار الأسد، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، أن موافقة بريطانيا وفرنسا على إرسال قوات إلى شمال سوريا «لا يخرج عن أوراق الضغط المصحوبة بالتهويل لتحقيق أي مكاسب في تلك المرحلة التي تجري فيها مناقشة أسماء أعضاء اللجنة الدستورية». وأضاف نجل بديع الأسد، أحد أبناء عمومة رأس النظام، أنّ «السوريين يناقشون في الوقت الراهن أسماء اللجنة التي ستقوم بإعداد الدستور الجديد للبلاد، وهذا يؤكد أنهم يريدون تعطيل العمل بأوامر أمريكية، لأنهم كانوا يريدون فرض صيغ يرفضها الشعب السوري الذي يؤكد حرية قراره واستقلاليته ووحدة الأرض وعدم التنازل عن المقدسات».

هذان نموذجان يجسدان حقيقة أنّ النظام السوري، في المستوى الدبلوماسي والسياسي الرسمي، لم يتعلم الكثير من الدروس خلال ثماني سنوات ونيف من عمر الانتفاضة الشعبية السورية وانتقال ملفات البلد بين أكثر من عاصمة إقليمية ودولية، وأكثر من مركز قرار وإدارة. وهذه الحال من الإدقاع، أو المراوحة في المكان بما تعنيه من إصرار على إعادة إنتاج الماضي، تشمل أيضاً ممارسات أمنية/ عسكرية صرفة، وأخرى أمنية/ استخباراتية، وثالثة أمنية/ سياسية، ورابعة أمنية/ دعاوية… ترتكز، في الإجمال، على الخطاب الديماغوجي أياً كانت درجات افتضاحه في ضوء الحقائق الساطعة خارج دائرة النظام؛ وعلى تفضيل العنف، أياً كان هزال مكاسبه الميدانية بالمقارنة مع عواقبه الجسيمة.

وهكذا، في المعرفة الأمنية/ العسكرية، ازدادت «خبرات» ضباط الفرقة الرابعة، أسوة بصفّ ضباطها وأفرادها، العاملين مثل المجنّدين، في كيفية انقلاب استباحة حيّ، أو قرية أو بلدة أو مدينة بأسرها، إلى رياضة باردة جديرة بالقاتل المأجور، أو القاتل المرتزق، أو القاتل الشبّيح. وفي غمرة هذا الازدياد، تتنامى طرائق القيام بدور الأداة الطيّعة، وأنماط الوفاء لشبكات الولاء المرتبطة بمنظومات مصالح سياسية واجتماعية واقتصادية متباينة أو متجانسة، لا تغيب عنها غرائز الانضواء الطائفية أو العشائرية أو المناطقية. كأنّ القتال صار عندهم معركة وجود أو عدم، ليس ضدّ شرائح واسعة من مواطنيهم المسالمين العزّل وحدهم، بل أيضاً ضدّ «الوطن» الذي ينتمي إليه المتظاهر، بوصفه خائناً أو مندساً أو عميلاً أو سلفياً أو…

يستوي أن يبقى الحسن على رأس الجهاز الدموي، أو يُحال إلى التقاعد فيتقدّم بديله الذي كان قائد الظلّ؛ ما دامت طرائق عمل الجهاز لا تتابع نهج التوحش ذاته فحسب، بل تضيف إليها المزيد من التنويعات والأفانين

وفي واحد من أبرز مستويات هذه الحصيلة أنّ الفرقة الرابعة، بوصفها نخبة نخب ما تبقى من تشكيلات عسكرية في حوزة النظام، انسلخت عن شخصيتها العسكرية بأي معنى مهني أو تعبوي أو لوجستي؛ فصارت عيّنة مصغّرة عن عصبة أو عشيرة أو طائفة، أو لعلّها في الواقع كفّت عن الحاجة إلى أي تصنيف ومسمّى، ما خلا أنها أداة دفاع عن النظام، صمّاء عمياء بكماء! وليس غريباً، إذن، أن ينشب قتال بين كتائب هذه الفرقة، والكتائب التي يقودها سهيل الحسن في صفوف الفيلق الخامس، التشكيل العسكري ــ الميليشياتي الجديد. هنا تتفتّق نوازع، عصبوية وعشائرية وطائفية، كانت كامنة في باطن شبكات الولاء ذاتها؛ فتتوزّع بعد التفتّق، وتسير في مسارب أكثر تلبية لـ«خبرات» العنف.

وفي مستوى المعرفة الأمنية/ الاستخباراتية، حدث مراراً أن أصيب ضابط مثل اللواء جميل حسن، رئيس جهاز استخبارات القوى الجوية حتى عهد قريب، بعُصاب من طراز جنوني خاصّ، تفاقمت أعراضه الباثولوجية بين حدّين أقصَيَن: إرضاء الحلقة الأمنية العليا (الضيّقة، المغلقة، التي لم يحظَ بـ«شرف» الانضمام إليها)، عن طريق استعراض عضلات جهازه، وارتكاب المزيد فالمزيد من الفظائع؛ وبين العجز عن نيل ذلك الرضا العسير، لأنّ نتائج العنف لا تعطي الحصيلة المرجوة التي ينتظرها سادة اللواء. وفي هذه الحال يستوي أن يبقى الحسن على رأس الجهاز الدموي، أو يُحال أخيراً إلى التقاعد فيتقدّم بديله الذي كان نائب اللواء وقائد الظلّ؛ ما دامت طرائق عمل الجهاز لا تتابع نهج التوحش ذاته فحسب، بل تضيف إليها المزيد من التنويعات والأفانين.

ولن يعثر المرء على أحد من زبانية النظام يمكن أن ينوّع، فكيف أن يخالف، تفاصيل مشهد خضوع النظام لإرادة روسية طاغية هنا، أو إملاءات إيرانية أقلّ طغياناً هناك؛ وهنا أيضاً تستوي الأداة الإعلامية، مع أداة العنف والبطش، وأداة النهب والفساد. الكون السوري، وفق منظور رأس النظام، كان ويظلّ مؤامرة على حكم «ممانع» و«مقاوم»، حاكها الغرب فخرج النظام فيها منتصراً (لا يمرّ شهر، في واقع الأمر، إلا ويعلن أحد وجوه السلطة أن «المؤامرة» انتهت وصارت وراء النظام).

والكون السوري، عند الأسد دائماً، ثمّ عند زبانية النظام على اختلاف مراتبهم، مثال يُحتذى في الديمقراطية وحقوق الإنسان، ورأس النظام جدير بقيادة المعمورة في أربع رياحها وليس سوريا وحدها، كما هتف أحد دُمى ما يُسمّى «مجلس الشعب» ذات يوم. وأمّا «الإصلاحات» التي ناقشها بيدرسون وأسلافه في مهمة المبعوث الأممي، فإنها لا تأتي، إذا أتت حقاً، إلا وقد صار اعتمادها وراء المطلب الشعبي الفعلي، وأدنى بكثير من سقوفه، ولم تعد قيمتها تساوي الحبر الذي كُتبت به، فكيف بالدماء الزكية التي أُريقت في درب المطالبة بها على وجه أمثل، غير مزيّف وغير ملفّق.

ورغم أنها تأتي في المرتبة الأخيرة من هواجس نظام آيل إلى اهتراء، ولا تواصل ضمان بقائه سوى التدخلات الخارجية للقوى العظمى، فضلاً عن قوى إقليمية تبدأ من إيران وتركيا ولا تنتهي عند دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ فإنّ «المعارف» الدبلوماسية لأمثال وليد المعلم وفيصل المقداد وبشار الجعفري تطلّ على استحياء بين حين وآخر، حين تشترطها اعتبارات خارجية أساساً. على غرار ذرّ الرماد في العيون بصدد التعامل مع مبعوثي الأمم المتحدة أو تحركات بريطانيا وفرنسا على الأرض السورية مؤخراً، أو ــ في الذروة الأعلى، بالطبع ــ مقابلات الأسد الصحافية التي باتت، على قلتها، رياضة مفتوحة في التشدق اللفظي واستغفال العقول. أو على قياس ما ذهب إليه المعلّم من إزالة أمم بأسرها من الخريطة. بيد أنّ الدبلوماسية ليست، بالطبع، هذه الـ»حرتقات» الصغيرة، بل هي أيضاً ذلك التبرّم الذي يعتري خطاب حلفاء النظام، من روسيا إلى الصين إلى إيران؛ وارتفاع «المنسوب»، اللفظي على الأقلّ، للتوصيفات التي صارت تصدر عنهم لدى الحديث عن حاضر ومستقبل سلطة آل الأسد.

والخلاصة في هذا كلّه أنّ «خبرات» النظام، من وليد المعلّم إلى جميل حسن مروراً بابن بيت السلطة عمار الأسد، لا تُراكم إلا أسباب الاهتراء والتآكل، المفضية بالضرورة إلى انقراض.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

===========================

موقفنا : لا يحسّن أن تظل خلافاتنا في السياسات المستحقة معلقة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

١٥ /٧/٢٠١٩

حين أطرح بعض القضايا العامة المهمة من قضايانا الأساسية ويختلف علي في تقديرها رجال ثقات من الذين يعتد الإنسان  بعقلهم وحسن تقديرهم ؛ لا يصعب عليًّ تقبل هذا الخلاف بل يحفزني أكثر لإعادة التأمل والتفكير وتقليب الأمر على وجوهه لإدراك الراجح من وجه الحق فيه .

الذي يصعب عليّ ويزيد من قلقي وتوجسي هو السؤال : لماذا لم نحسم مثل هذه القضايا على أهميتها بتفكير جمعي كل قضية في إطارها دينية أو سياسية أو اجتماعية ؟! ولماذا لم نحسم القول فيها بشكل مسبق وقد فُرضت علينا  منذ بضع سنين ؟!

حين كتبت ما كتبت منذ أيام عن تحبيذي بقاء غير المضطر للهجرة من وطننا سورية في سورية ، جاءتني اعتراضات وجيهة من أشخاص اعتد باعتراضهم ، وإذا كنّا جميعا في حال الباحثين عن الحق والحقيقة فلماذا لم نبادر إلى حسم القول فيها أو ترجيحه وذاك هو المهم الأكبر .

أفتى بعض العلماء في مرحلة ما منذ عقود بأنه يجب على الإخوة الفلسطينيين أن يغادروا فلسطين التاريخية وان لا يعيشوا في دار الكفر ، حسب تعبيره ، في ظل الكيان الصهيوني !! وكانت الفتوى موضع رفض واستهجان عند جمهور العلماء من المسلمين..

ومع أنني أعتبر أن  مصطلح دار إسلام ودار كفر  من المصطلحات الفقهية التاريخية التي تجاوزها العصر بمعطيات جديدةً ؛ أعود فأسأل : ما هو حكم هجرة السوريين الذين يعيشون تحت سطوة بشار الأسد ؟! بل ما هو حكم بقاء السوريين في أرضهم وديارهم تحت سطوة بشار الأسد ؟ والسؤالان متلازمان والجواب عليهما واحد .

فهل الهجرة من سورية الأسيرة واجبة ، كما كانت الهجرة من مكة إلى المدينة ؟!

رغم انه بقي في مكة مؤمنون لم يهاجروا وفيهم نزل قوله تعالى ( وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ ..)

ونزل ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ) فأثبت الإيمان وأسقط حق النصرة .

والسؤال الأكثر استراتيجية اليوم  أيهما أقوى لسورية أن يبقى فيها رجال صالحون ونساء صالحات ،  أو أن تفرغ من كل هؤلاء ؟! ولمصلحة من سيكون هذا أليس لمصلحة مشروع المجتمع المتجانس الذي يعمل عليه بشار  الأسد ؟!

أيهما أقوى لسورية أن يبقى في مساجدها أئمة يصلون بالناس بوضوء، ويفتونهم بالحق في أمر دينهم وعباداتهم  أو يكون أئمتهم ممن يصلون بالناس يحدثهم الأكبر كما يفعل شبيحة الأسد ؟!.

أسئلة كثيرة تفرض نفسها على عقولنا وقلوبنا ونحن نتابع أحيانا الضجيج المفتعل حول مصالح ومفاسد لا يريد البعض أن يستبين وجه الحق في مقاربتها .

ودائما أقول لا بد لكلمة الحق من حامل . ولا بد لحامل الكتاب أن يأخذه بقوة..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

 هل انتهت الحرب السورية على الطريقة الإسبانية؟

  د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 13/7/2019

يقدم السفير الفرنسي السابق في دمشق، ميشيل دوكلو، الذي يعمل الآن مستشاراً خاصاً في معهد مونتين- في كتابه «ليل سوريا الطويل»، تحليلاً للعجز الغربي في وجه الصراع السوري، متسائلاً: هل الصراع السوري الذي لا نهاية له هو تكرار «للحرب الإسبانية» في بداية القرن الـ21؟ ويعقد السفير مقارنة دقيقة بين الوضعين السوري الآن والإسباني أيام الديكتاتور فرانكو في ثلاثينيات القرن الماضي، ويصل إلى نتائج مذهلة على صعيد التشابه بين الحالتين. ويقول دوكلو إن بشار الأسد تمكن من البقاء في السلطة باستخدام العنف والإرهاب، كما فاز في حرب الدعاية بطريقة ترضي أصحاب الرأي الذين تناسوا بسهولة كل الجرائم التي ارتكبها حتى قبل الحرب الأهلية.

وعلى هذا الأساس، فإن النظام السوري لن يتغير ما دام يعتقد أنه كسب الحرب. ويؤكد السفير على أن الحرب السورية بالنسبة للغرب تشبه الحرب الأهلية الإسبانية إلى حد كبير، فكما أن حكومة الجبهة الشعبية بإسبانيا واجهت انتفاضة عسكرية في عام 1936، اندلعت انتفاضة شعبية في سوريا ضد قمع السلطات القائمة، وأن هناك صلة ما تربط بين الجمهوريين الإسبان والمتمردين السوريين، إذ حاول كل منهما مواجهة دكتاتورية راسخة.

وفي كلتا الحالتين نشأت المشكلة نفسها بالنسبة للغرب، فهل يجب عليه التدخل في حرب أهلية لدعم أولئك الذين يعتبرهم قريبين منه أو على الأقل من يقاتل خصومه؟ لقد اختارت الديمقراطيات الغربية ضبط النفس، في حين لم يتردد معارضو الديمقراطية في التدخل -كألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية اللتين دعمتا فرانكو عسكرياً على نطاق واسع- تماماً كما تدعم إيران وروسيا اليوم (الرئيس السوري) بشار الأسد. ولا ننسى كيف أن الديمقراطيات تركت جهات تتصرف، مثل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في عهد ستالين لصالح الجمهورية، وبالمثل تتمتع دول الخليج وتركيا بمجال حر لتوجيه المعارضة السورية المسلحة.

وينبه الكاتب إلى نقطة تشابه أخرى، وهي أن الدول الغربية افترضت مسبقاً أن الجبهة الشعبية الإسبانية مخيفة، والشيء نفسه بالنسبة للتمرد السوري المشتبه في كونه إسلامياً منذ البداية، حتى عندما كان سلمياً وتظاهر من أجل أفكار قريبة من أفكار الغرب. ويرى السفير أن لوحة «حلبونيكا» للرسام البرتغالي فاسكو غارغالو لمدينة حلب التي دمرتها الطائرات الروسية لا تختلف عن لوحة غرنيكا للرسام بيكاسو عام 1937 لقصف مدينة نايرني التي دمرتها الطائرات النازية خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) إلا في أبطالها بوتين والأسد.

 إن الأسد لم ينتصر ولم يفز في أي شيء وإنه بات مجرد ديكتاتور منبوذ مكسر الأضلاع يحكم دولة فاشلة قائمة على الفوضى والعنف والخراب

وكانت روسيا قد ضمنت الأمن السيبراني والدفاع الجوي للنظام قبل التدخل المباشر في خريف 2015، ثم تدخل الأتراك ضد الأكراد السوريين المدعومين من قبل الأميركيين والفرنسيين في سياق الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، فأصبحت هذه الحرب الأهلية إقليمية ثم تحولت إلى صراع عالمي تتواجه فيه إيران وإسرائيل وروسيا وأمريكا وتركيا، فضلاً عن إرهابيين متعددي الجنسيات.

صحيح أن نظام فرانكو لم يكن نظاماً طائفياً كنظام الأسد، إلا أنه صمد بفضل اعتماده على الإرهاب والعنف المفرط في وجه معارضيه. لماذا لم يتزعزع النظام السوري، في حين جرفت موجة «الربيع العربي» بن علي من تونس ومبارك في مصر والقذافي في ليبيا؟ السبب الأول هو طبيعة النظام السوري الذي أسسه حافظ الأسد عام 1970 والذي يقوم هيكلياً على أقلية، لأنه يعتمد على الطائفة العلوية ويضمن الاستمرار عن طريق العنف والإرهاب. وضرب الكاتب مثالاً على ذلك بمذابح حماة في عام 1982 حين لجأ حافظ الأسد إلى أقصى حدود العنف، ما تسبب في قتل ما بين 15 ألفاً و20 ألفاً حسب الكاتب، واعتبر النظام أنه أباد جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، ما منحه -حسب تعبيره- ثلاثين عاماً من الهدوء. والسبب الثاني أن بشار الأسد في مواجهة التحدي اختار التوجه إلى أقصى حدود العنف ضد المظاهرات الأولى في درعا عام 2011، م أدى إلى حمام دم لوقف الثورة التي تم الإعلان عنها، وكانت فرصته الكبيرة هي اندلاع التمرد في وقت سئم فيه الرأي العام الغربي وصناع القرار -خاصة في الولايات المتحدة- من التدخل الخارجي، وترك المجال مفتوحاً لروسيا بوتين.

وهكذا سمح الصراع السوري لروسيا بأن تصبح قوة عظمى بعد أن استغل سيد الكرملين هذا الفضاء ليظهر للغربيين أنه لم يعد يقبل تغييرات النظام التي يفرضها الغرب على حلفائه وأتباعه. ومن خلال التدخل العسكري في سوريا في خريف عام 2015 أراد بوتين استعادة مرتبة روسيا على الساحة الدولية بعدد قليل جداً من الوسائل العسكرية، وحقق نجاحاً يفوق توقعاته، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تحدث أزمة في الشرق الأوسط دون أن تلعب الولايات المتحدة دوراً مركزياً فيها.

وكما أن التقاعس الغربي ساعد فرانكو في ثلاثينيات القرن الماضي، فإن انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط اتضح في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2013، وذلك عندما استخدم نظام الأسد الأسلحة الكيميائية ضد مواطنيه، واستسلم الرئيس الأميركي باراك أوباما ولم ينفذ الضربة التي كان من المتوقع أن تترتب على تجاوز «الخط الأحمر» الذي رسمه هو نفسه.

وكما ربح فرانكو المعركة الإعلامية ضد معارضيه، فإن النظام السوري فاز بحرب الدعاية في الوقت الراهن، خاصة أنها كانت دعاية فعالة قائمة على عناصر حقيقية ولها صدى قوي؛ لأن صعود الإسلاميين كان حقيقة واقعة، وقد استطاع النظام -الذي كان مسؤولاً إلى حد كبير عن ذلك- أن يظهر في ثوب السلطة العلمانية الحامية للمسيحيين. صحيح أن هذا الصراع الديني لم يكن موجوداً في الحرب الأهلية الإسبانية، إلا أن النتائج واضحة عند المقارنة بين الحالتين السورية والإسبانية.

لكن، هل ستنتهي الحرب السورية على الطريقة الإسبانية بعد كل هذا الخراب والدمار والجرائم التي ارتكبها نظام الأسد؟ من المعلوم أن الديكتاتور الإسباني لم يتعرض لأي عقوبات شخصية رغم كل ما فعله بإسبانيا والإسبان، وظل يعيش في إسبانيا بسلام حتى مات ميتة طبيعية عام 1975، وبعدها انتقلت إسبانيا من المرحلة الديكتاتورية إلى المرحلة الديمقراطية. هل سيبقى الأسد ونظامه جاثماً على صدور السوريين نفس الوقت الذي مكثه فرانكو بعد انتصاره في الحرب الأهلية؟ مجلة فورين بوليسي الأمريكية تقول في آخر دراسة موثقة للوضع في سوريا إن الأسد لم ينتصر ولم يفز في أي شيء وإنه بات مجرد ديكتاتور منبوذ مكسر الأضلاع يحكم دولة فاشلة قائمة على الفوضى والعنف والخراب.

===========================


دمارات السوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 13/7/2019

عندما يتأمل السوريون والمهتمون بالقضية السورية، ما يحيط بسوريا من ظروف ومعطيات، يدركون مقدار الدمار الذي لحق بالسوريين في الفترة التي تلت استقلاله اعتباراً من عام 1949 الذي يؤرخ لبداية الانقلابات العسكرية، وقد أخذ دمار سوريا شكلاً تصاعدياً وصولاً إلى ما صار إليه، بعد ثلاثين عاماً من حكم الأسد الأب كرّس فيها ديكتاتورية عسكرية، أورثها لابنه، فجعل الأخير في نحو العشرين عاماً الماضية من حكمه نموذجاً، لم يعرف العالم أسوأ منه في الديكتاتورية العسكرية، مضت إلى الأبعد في دمار السوريين والسعي لاستعبادهم، وهو مسار مستمر ومتصاعد طالما استمر النظام الحاكم، قابضاً على رقاب السوريين وزمام السلطة في بلدهم.

ويقودنا الحديث عن الدمار، للوقوف عند بعض تفاصيله ومنها أنواعه، وهي ثلاثة؛ أولها دمار قابل للعلاج والتجاوز، كما هي حالات تدمير الممتلكات، التي يمكن إعادة إعمارها أو بناء ما هو أفضل منها بوقت قليل، عندما تتوفر الإمكانات المادية والتقنية، وهي متوافرة في عالم اليوم، ويبحث ويتنافس مالكوها على الفرص الاستثمارية حين إطلاقها.

وثاني أنواع الدمار، ما صعب إصلاحه، ومنه ما يتعلق باستعادة القدرات كما في حالة القدرات البشرية، التي فقدتها سوريا بفعل القتل والعطالة والتهجير والهجرة؛ الأمر الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل بعض المعطلين، وتعويض الأكثرية المفقودة بكادرات جديدة، يتطلب تأهيلها عقوداً من السنوات عبر عمليات تعليم وتدريب طويلة المدى، وكلها ستكون ممكنة بما هو متاح اليوم من إمكانات وخبرات في التنمية البشرية، وبما هو معروف عن السوريين من قابليات.

والنوع الثالث من الدمار هو دمار عميق ومديد ومركب في كثير من حالاته بفعل تشعباته وصلاته بموضوعات أخرى، وهذه بين عوامل تجعل السوريين، يحتاجون إلى عقود من السنوات لعلاج هذا النوع من الدمار، وإذا استطاعوا معالجة شيء، فإن بعضاً آخر منه، سيحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد والإمكانات للتخلص منه، وبخاصة الدمار المتعلق بالفقد والتباعد والمعاناة الفظيعة، التي تعرض لها السوريون، ومثلها ما أصاب العلاقات الإنسانية من تشوهات في إطار الشخصية السورية، والتبدلات التي طرأت في نظرة السوريين إلى غيرهم، ونظرة الآخرين لهم، وكلها تفاصيل في عنوان كبير هو دمار الذات السورية.

إن العنف الذي مُورس ضد السوريين، كان سبباً رئيسياً في خلق كل أنواع الدمار. وبفعل العنف اندفعت موجات من هجرة السوريين خارج سوريا، كما حدث في عقود الاستقلال الأولى، وكان يمكن معالجة هذا الملف بإجراءات تقوم بها السلطة لاستعادة مواطنيها المهجرين والمهاجرين، لكنها امتنعت عن ذلك، وذهبت سلطة الأسد الأب إلى الأبعد في عمليات عنفها الواسع والعميق والمتنوع في الثمانينات، فصار الدمار أكبر، شاملاً مئات آلاف السوريين في سوريا وخارجها، قبل أن تغرق سلطة الأسد الابن في عنفها المتواصل من عام 2011، فصارت دمارات السوريين أكثر من أن تعد وتحصى، ولم تقتصر على المهجّرين والمهاجرين وقد زادوا على سبعة ملايين، بل شملت بقية المقيمين في سوريا؛ مما جعل ذلك مثالاً لدمار عميق ومركب له أبعاد سياسية واقتصادية وإنسانية وقانونية وحقوقية، سوف يصعب علاجه بصورة كلية وشاملة في مدى منظور.

ووسط خليط من السياسة والعنف مزق النظام تركيبة الجماعة الوطنية في سوريا. وكرّس انقسامات حادة بين مكوناتها القومية والدينية والمذهبية وأضاف إليها العشائرية والمناطقية، وزاد إلى ما سبق شيطنة بعض المكونات على نحو ما فعل مع السوريين الكرد وقد نزع عنهم جنسيتهم، وأطلق دعاياته عن ارتباطهم بالمشاريع الاستعمارية والسعي للانفصال وتمزيق وحدة الكيان السوري، وقد ذهب في اتجاه مقارب في التعامل مع الأكثرية من المسلمين السنة بعد ثورة عام 2011، حيث ربطهم بـ«المؤامرة الدولية» والقوى المعادية، وممارسة العنف المسلح والتطرف والإرهاب الموصول بـ«داعش» و«القاعدة»، وفي الحالتين وغيرهما أدت سياسات النظام وممارساته إلى دمار عميق في واقع الجماعة الوطنية، التي كانت جسدت توافقاتها الأولى قبيل الاستقلال عام 1946 في شعار شهير «الدين لله والوطن للجميع»، ثم جاء عهد الأسدين ليهدمها، وسيكون على السوريين القيام بجهود استثنائية على مدى العقود المقبلة لمعالجة ما صار إليه الدمار في هذا الميدان من الحياة السورية.

إن مثالاً من الدمار العميق الذي سببه النظام في السنوات الأخيرة للسوريين، يجسده الوجود الأجنبي في سوريا، سواء الوجود الحليف لنظام الأسد من الإيرانيين والروس وهو الأساس، أو الوجود الآخر الأميركي والتركي، وكلاهما جاء نتيجة ما صارت إليه الحالة السورية في استدعاء الخارج إلى الداخل بهدف تدويل الأزمة، والعيش على تناقضاتها على نحو ما تظهر عليه حالة نظام الأسد اليوم.

لقد سلم النظام كل مقدرات السوريين السياسية والاقتصادية لحليفيه الإيرانيين والروس. ففرض الاثنان رؤيتهما في التعامل مع السوريين في السيطرة عليهم وتنظيمهم وإعادة توزيعهم ديموغرافياً وصولاً إلى تهجيرهم وقتلهم، ثم تجاوزا ذلك بتحويل السوريين إلى رهائن تحت الاحتلال، تتم بهم مساومة الدول الكبرى والإقليمية على قضايا وموضوعات لا تتصل بالقضية السورية، ولا تعني السوريين في شيء، بل إن إيران وروسيا، أعادتا رسم خطط وسياسات حضورهما في شرق المتوسط انطلاقاً من واقع وجودهما في سوريا، وكلها تفاصيل في دمار سيحتاج السوريون إلى كثير من وقت وجهد وبيئات محلية وإقليمية للخلاص منه.

===========================

مخابرات ومناقلات وتكهنات

  بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 11/7/2019

تحدثت تقارير صحافية، مؤخراً، عن جملة مناقلات في أجهزة مخابرات نظام بشار الكيماوي، فسرتها بالتنافس الروسي ـ الإيراني على التحكم بعميلهما، بغية الاستفراد بمصير التركة الأسدية. فما هي القصة؟ وهل لها معان سياسية بما يتجاوز غريزة الأمن الذاتي للنظام؟

لعل التغيير الأبرز، في المناقلات المذكورة، يتمثل في تعيين محتمل، لم يتأكد رسمياً بعد، لرئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك بصفة «نائب رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية»، إضافة إلى إعفاء جميل الحسن من رئاسة مخابرات القوات الجوية. الواقع أن صحيفة «المدن» الإلكترونية سبق ونشرت تقريراً عن اجتماع عقد، بإشراف روسي، في الجنوب بين ضباط إسرائيليين وسوريين، ترأس الأخيرين منهم اللواء جميل الحسن.

ما جاء في التقارير الصحافية بشأن تفسير إعفاء الحسن من منصبه، وربط ذلك بالاجتماع الأمني مع الضباط الإسرائيليين، في إطار رغبة روسية مفترضة بالتخلص من النفوذ الإيراني في مفاصل النظام، لا يعدو كونه تكهنات لا يمكن التأكد منها، إلى الآن، ولا نفيها أيضاً. ما هو مؤكد أن الحسن، وقادة آخرين في أجهزة المخابرات، قد تجاوزوا سن التقاعد، وجرى التمديد لهم سنة بعد سنة. ويفترض روتين التعاملات بين قيادات تلك الأجهزة ورأس النظام تغييرات دورية، ترفيعاً في الرتب أو إحالات إلى التقاعد، من غير أن يحتمل الأمر إضفاء دلالات سياسية عليه.

ولكن هناك عاملاً آخر له علاقة بـ«فلسفة» حافظ الأسد في شؤون أمن النظام، أو غريزة الأمن الذاتي للعائلة الحاكمة. واحد من أهم بنود تلك الفلسفة أو الغريزة يتمثل في السعي إلى عدم نشوء مراكز قوى داخل بنية النظام، كما كانت الحال قبل 1984، حين كان ضباط كبار في الجيش وأجهزة المخابرات، كرفعت الأسد أو علي دوبا أو علي حيدر أو شفيق فياض أو محمد ناصيف أو محمد الخولي، يشكلون رؤوساً يتمتعون بولاءات خاصة بهم من ضباط فرقهم العسكرية أو أجهزتهم، تعلو على الولاء العام لرأس النظام. كان كل من هؤلاء يلقب بـ«المعلّم» لدى أتباعه.

تعود كلمة «المعلم» إلى نظام الحرف، حيث يكون على الأجراء طاعة المعلم طاعة عمياء، فهو الذي يعلمهم الصنعة، ويراقب عملهم، ويحدد ساعات العمل وأجوره، ويملك عليهم سلطة أعلى من أي سلطة أخرى، بما في ذلك سلطة الأب. إن الخروج على سلطة المعلم تكافئ معنى الخيانة أو الكفر، حتى لو كان مرد ذلك إلى طاعة سلطة أخرى خارجية أكثر جبروتاً. واستخدمت كلمة المعلم في سوريا في مجال الأعمال، الصناعة والتجارة وغيرها، إضافة إلى الجيش والمخابرات، وحتى في مؤسسات الدولة البيروقراطية والخدمية والاقتصادية، للتعبير عن علاقة السلطة بين الرؤساء والمرؤوسين، في صورتها التقليدية التي تجاوزها العصر. الطاعة والولاء الأعميان هما عماد «أخلاقيات» نظام المعلم/التابع.

 

أجهزة المخابرات السورية، كثيرة متعددة، ذات عقيدة واحدة هي حفظ أمن الحاكم أو العائلة الحاكمة، واختراق المجتمع وتلغيمه بشبكة مخبرين واسعة، وشن الحرب عليه إذا اقتضى الأمر

 

بمرور الزمن، يتحول «المعلم» في قطعة عسكرية أو جهاز مخابرات إلى مصدر خطر محتمل، بما أنه قادر على إصدار أوامر ملزمة لمرؤوسيه بالهجوم، مثلاً، على قصر الرئيس أو مبنى الإذاعة والتلفزيون، لإصدار البيان رقم واحد. وقد حدثت محاولات انقلابية عدة على حافظ الأسد في السبعينيات جرى القضاء عليها في مهدها، غالباً بسبب تخاذل أحد المشاركين في المحاولة ووشايته برفاقه، أو بفضل شبكة المخبرين داخل الجيش وأجهزة المخابرات التي طورها حافظ الأسد بصبر وثبات. كانت آخر تلك المحاولات هي تلك التي قادها شقيقه رفعت الأسد حين كان حافظ طريح الفراش، فتصدى له «المعلمون» الآخرون، علي حيدر وشفيق فياض وعلي دوبا، لينتهي الأمر بالمجموعتين إلى الإقصاء من «جنة السلطة».

تلعب المناقلات الدورية دور الترياق لخطر استتباب الأمر للمعلمين، فينقل رئيس جهاز الأمن السياسي إلى رئاسة أمن الدولة، أو رئيس إحدى الفرق العسكرية إلى رئاسة الأمن العسكري، وهكذا… بهذه الطريقة يجري قطع الطريق على حفاظ أي معلم على ولاء قطعته العسكرية أو جهاز المخابرات الذي يرأسه، بصورة مستدامة، فلا يشعر الضابط باستقرار مديد ليكوّن ولاءات جديدة. كذلك يتيح نظام المناقلات هذا نشوء تنافس بين كبار الضباط من قادة الأجهزة والقطع العسكرية، وفقدان الثقة فيما بينهم، بحيث يكون كل منهم في خوف دائم على منصبه المرتبط بقرار بسيط من «المعلم الكبير». لنتذكر، على سبيل المثال، كيف استدرج رئيس شعبة الأمن العسكري، علي دوبا، اللواء علي حيدر إلى مقره وقام باعتقاله ووضعه في زنزانة منفردة.

لا رؤوس كبيرة في نظام الأسد الأمني. هذه هي القاعدة التي كرسها حافظ بعد 1984. فلا معنى لنقل هذا اللواء أو ذاك من رئاسة جهازه إلى رئاسة جهاز آخر.

إلا إذا صحت التكهنات بمدى النفوذ الروسي على «المعلم الكبير» الذي تضاءل شأنه كثيراً في السنوات السابقة. هذا ما لا يمكن تخمينه بإسناد الأخبار إلى «مصادر مجهولة».

إلى ذلك، هذه مناسبة للتمييز بين أجهزة المخابرات السورية وأجهزة الاستخبارات المعروفة في كل دول العالم. فالأخيرة تتبع، عادةً، السلطة السياسية المتبدلة وفقاً لمبدأ تداول السلطة، وتكمن مهمتها الرئيسية في حفظ الأمن الوطني في الداخل وإزاء الخارج، فتجمع المعلومات عن كل ما يمكن أن يشكل خطراً محتملاً على أمن وسلامة الدولة والمجتمع. أما أجهزة المخابرات السورية، فهي كثيرة متعددة، ذات عقيدة واحدة هي حفظ أمن الحاكم أو العائلة الحاكمة، واختراق المجتمع وتلغيمه بشبكة مخبرين واسعة، وشن الحرب عليه إذا اقتضى الأمر. ويحمي القانون أي «تجاوزات» من تلك الأجهزة، بما في ذلك التعذيب والقتل وجبي الخاوات ومشاركة عصابات التهريب وغيرها من الأنشطة غير القانونية في أرباحها… بما يجعل من التجاوزات قانوناً عاماً في حقيقة الأمر.

أما بخصوص تعيين مملوك في منصب نائب الرئيس للشؤون الأمنية، فهو نوع من تكريم نهاية الخدمة لا أكثر. فبحدود علمي، الشخص الوحيد الذي شغل منصباً بهذا الوصف هو رفعت الأسد بعد القضاء على محاولته الانقلابية في العام 1984.

===========================


حوافز أميركية ومسارات روسية مغلقة في سورية

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 10/7/2019

انعقد الحلف الثلاثي، روسيا وإيران وتركيا، في إطار مرحلةٍ سابقةٍ من تطور الصراع في سورية؛ كان واضحاً أن روسيا هي من يتحكّم فيه، ويوزّع الأدوار والعائدات، ولكن مبرّراته انتهت، فليس من حروبٍ كبرى تخوضها روسيا لتدعيم نظام الأسد، وعكس ذلك تريد كل من تركيا وإيران منافستها في الاستفادة من سورية. المشكلة أن حلفها هذا لم يمنع أميركا من الوجود في سورية، ولم يمنع إسرائيل كذلك. هنا تعقدت المشكلات أمام الاحتلال الروسي، فتركيا تريد حصةً كبيرة، وهي تدعم الفصائل في حلب، وشمال حماه وإدلب خصوصا، وإيران تناور وتناور، بغية البقاء في سورية وتوسيع مصالحها، فتارة نقرأ أنها تعيد انتشارها مجدّداً في درعا وحلب ودير الزور، وأخيرا تعمل على مدّ سكة حديد تبدأ بإيران، وتمر ببغداد وتنتهي باللاذقية. إذاً يجب إعطاء دور أكبر للدول التي تستطيع المساهمة في تحجيم تركيا وإيران. ومن هنا، نفهم التقارب الإسرائيلي الروسي الأميركي، وهنا لا يجوز نسيان الغرام بين الرئيسين الأميركي ترامب والروسي بوتين، وضعف موقف الأخير إزاء ضمّ الجولان لإسرائيل، وقصف الأخيرة أغلبية مواقع إيران في سورية، وتجدد ذلك كل فترة. وبالتالي هناك صفقةٌ ربما بدأت في اجتماع القدس بين أمنيي الدول الثلاث، وقد تتعمّق عبر اجتماعاتٍ لاحقة؛ روسيا تريد صفقة تعيد بها إنتاج النظام، والسيطرة على شرق الفرات، والبدء بعملية إعادة الإعمار. وهذا لا يتحقّق إلا عبر إخراج قوات إيران، وتحجيم تركيا، ومغادرة الأميركان أراضي شمال سورية، وضمان مصالح قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وبالتالي هناك ضرورة لترتيب الوضع في سورية؛ وربما هذا ما يبرّر الكلام مجدّداً عن اللجنة الدستورية، وترتيب وضع النظام السوري بكليته، وبما يحدث تغييراً فيه، ولكن ذلك سيتم لاحقا. لا ضرورة لتفسير ذلك مجدّداً، حيث لا إمكانية لدعم النظام الحالي مالياً، وبالتالي هناك ضرورة للتغيير فيه، ليُدعم مالياً واقتصادياً، وكي يعود السوريون، وتبدأ روسيا جني الأرباح.

تثق إسرائيل بروسيا، وتريدها أن تسيطر على سورية، وهذا سيعني احتلالها، وغياب أي دور 

"لن تتغير الأوضاع كثيراً، تنتظر لقاءاتٍ سرية أو علنية، لوضع حد نهائي للوضع السوري" إقليمي سوري، وتسهيل إقامة السلام مع إسرائيل، في حال تشكّل نظام سوري هزيل وتابع. تريد أميركا لروسيا احتلال سورية، فهي منشغلةٌ بالخليج وبالعراق بشكل رئيسي، وبالضد من إيران، ولا سيما في هذا المرحلة، وبالتالي كل مساعدة أميركية لروسيا في سورية ستعني مساعدة روسيا لأميركا في تدعيم سيطرتها على الدول المذكورة، وكذلك تهميش تركيا وإعادتها إلى بيت الطاعة الأميركي، أو إلى حدودها الجغرافية! النتيجة هنا، فرض روسيا وأميركا وإسرائيل سيطرة كاملة على المنطقة.

تتحرّك أوروبا والصين واليابان ضمن سياسات الحلف الثلاثي الجديد، ولا تخرج هذه الدول عما ترسمه الدول الثلاث لها. ومن هنا، لا توجد أي خلافات حقيقية بين الدول التي أشرت إليها ومصالح روسيا وأميركا وإسرائيل في منطقتنا، ربما الأمر متعلقٌ بتضييق مساحات التناقض بين هذه الدول، وربما هو شكل جديد لتقاسم العالم كذلك. ما لا أراه صحيحاً هو الكلام عن أقطاب متعدّدة في المنطقة، حيث إن أميركا هي القطب الرئيسي الذي يوزّع الأدوار ويصنع السياسات، والجميع يلتزم فيها بشكل أو بآخر؛ من يرفض هذه السياسات سيتعرّض للضرّر الكبير. ومن هنا نلاحظ الحصار الشديد لإيران، وعدم إعطاء تركيا ما ترغب به من نفوذٍ في سورية أو العراق. من ذلك كله، هل وصلت روسيا إلى التسليم بما تقرّره لها أميركا في المنطقة؟ أعتقد أن تجربة روسيا في شمال حماة وإدلب، وفشلها في إنهاء آخر منطقة لخفض التصعيد، يعطيان درساً لها، فإمّا التسليم بإبقاء تلك المنطقة موجودة، والبدء بالبحث عن توافقات مع الولايات المتحدة لإنهاء الوضع السوري، أو إغراق روسيا بتلك المناطق وتراكم الخسارات، وحينها ستكون روسيا أمام تعقيد أكبر، وستضطر لإعادة التحالف مع إيران، ولكن ذلك سيضعف علاقتها مع تركيا، ويدفع الأخيرة نحو أميركا. هناك تعقيداتٌ بدأت روسيا تفهمها جيداً، وليس اجتماع القدس إلا محطةً في التخلص منها، وقد يكون الاتفاق على اللجنة الدستورية محطةً أخرى، وربما توسيع لجنة التفاوض، وضمّ "قسد" محطة ثالثة. قصدت من ذلك كله أن هناك جديداً في السياسة الروسية، وهذا سيعود بأسوأ الأضرار على إيران، وربما تركيا أيضاً. لن أقول إن هناك بوادر صفقة ستحدث بين أميركا وروسيا، وتتخلص بها روسيا من إيران وتركيا، وقبالة ذلك، تترك أميركا سورية لروسيا، ولكن معطياتٍ كثيرة تسير نحو ذلك الطريق.

لن تتغير الأوضاع الحالية كثيراً، وهي تنتظر لقاءاتٍ سرية أو علنية، لوضع حد نهائي للوضع

"أميركا هي القطب الرئيسي الذي يوزّع الأدوار ويصنع السياسات، والجميع يلتزم فيها بشكل أو بآخر" السوري؛ اجتماع القدس والعمليات الإسرائيلية الواسعة ضد الوجود الإيراني مهمة للغاية، وكذلك التشدد الأوروبي ضد تهديد إيران بتوسيع التخصيب النووي، ويجب قراءة التصريحات الأميركية بحذرٍ شديد، حيث رفضت ذلك التخصيب بشكل قاطع، وهدّدت بإفناء أقسام من إيران. إسرائيل والسعودية والإمارات سعيدة بهذه التطورات. تتحرك إيران بخطواتٍ تجاوزت حافّة الهاوية، فهي تستخدم النار كذلك، وأيضاً أميركا تحشد في الخليج، وفي الساحة الدولية، لنبذ إيران. تتموضع روسيا بشكل كبير إلى جانب أميركا وإسرائيل، وتصريحاتها المتعدّدة، والتي قد يفهم منها أنها لم تلغِ العلاقات الجيدة مع إيران، ليست هي الأساس، فالآن هناك كعكعة سورية، والوجود الآمن في منطقتنا، ولا يمكن أن تستقر لها الأوضاع من دون تعزيز العلاقات مع أميركا وإسرائيل.

تركيا متورّطة بين روسيا وأميركا؛ وعدا عن تطورات الوضع الداخلي وصعود نجم مناوئي أردوغان، فهي تفضل مصالحها الكبرى مع روسيا وأميركا على تصعيد الخلاف مع الدولتين، بخصوص الوضع السوري، ولا سيما أن أي اتفاقية بخصوص سورية ستشمل بالتأكيد إلغاء سلاح "قسد"، وتقليص ما حصلت عليه في شمال سورية، وكذلك ستشمل الاتفاقية مصالح هامشية للمعارضة وللفصائل التي تسيطر عليها. قصدت من ذلك أن المصلحة الروسية في هذه الآونة تتعمق إلى جانب الأميركان وإسرائيل، ويفقد حلفُها مع إيران وتركيا مبرّراته الحقيقية.

===========================


تغييرات في أجهزة النظام السوري الأمنية: استعداد لمرحلة التنازلات؟

أحمد الإبراهيم

العربي الجديد

الثلاثاء 9/7/2019

أجرى النظام السوري تغييرات في أجهزته الأمنية المتعددة، شملت أهم المناصب، حيث استبعد عدداً من كبار الضباط الذين ظلوا في الواجهة الأمنية، قبيل وأثناء سنوات الثورة السورية، وكانوا اليد السوداء التي بطشت بقوى الثورة المدنية والعسكرية، ما جر عليهم عقوبات غربية لم تردعهم عن ارتكاب المجازر بحق السوريين. وخرج أخيراً اللواء جميل الحسن من رئاسة الجهاز الأخطر لدى النظام، وهو المخابرات الجوية، ذات الطابع الطائفي الواضح، والتي فتكت بالسوريين منذ عام 2011، حيث تعد مسؤولة عن عمليات القتل الجماعي والقتل تحت التعذيب. وحل محله نائبه اللواء غسان جودت إسماعيل، وهو من الطائفة العلوية كسلفه، ويتحدر من محافظة طرطوس التي تعد خزاناً لمؤيدي النظام.

وكان النظام مدد لجميل الحسن ست سنوات بعد انتهاء خدمته، حيث كان الحسن من أركان النظام، لكنه كما يبدو تعرض لوعكة صحية شديدة أخيراً، ما استدعى الاستغناء عن خدماته رغم تاريخه الأسود المليء بالدماء، والولاء لنظام بشار الأسد. وعيّن النظام اللواء حسام لوقا رئيساً للمخابرات العامة (أمن الدولة)، وهو وفق مصادر إعلامية معارضة من أصول شركسية ويتحدر من بلدة خناصر جنوب شرقي مدينة حلب. وبذلك استبعد اللواء ديب زيتون المتحدر من منطقة القلمون، والذي كان له دور كبير في البطش بالمتظاهرين السلميين، كما كان العراب لعمليات المصالحات التي مكّنت النظام من السيطرة على مناطق المعارضة.

كما عيّن اللواء ناصر العلي رئيساً لشعبة الأمن السياسي، وهو من عشيرة الحديديين العربية من قرى منبج. وكان شغل منصب رئيس الأمن السياسي في حلب قبل الثورة، ثم رئيس الأمن السياسي في درعا خلفاً لعاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، والذي أدت معاملته السيئة لأهل درعا لانتفاضتهم في وجه نظام الأسد في العام 2011. وانتقل اللواء ناصر ديب المتحدر من مدينة القرداحة من منصب نائب رئيس شعبة الأمن السياسي إلى منصب مدير إدارة الأمن الجنائي. وتعد هذه التغييرات الأكبر والأعمق في أجهزة النظام الأمنية منذ 2012، العام الذي شهد تفجير قاعة اجتماعات ما كان يُسمى بـ "خلية الأزمة" والذي أدى إلى مصرع عدد من أركان النظام، في حادث لا يزال الغموض يكتنفه. وكانت شعبة المخابرات العسكرية شهدت تغييراً مماثلاً قبل نحو شهر، إذ تم تعيين اللواء كفاح ملحم رئيساً لها بدلاً من اللواء محمد محلا.

وللقادة الأمنيين الجدد في النظام، تاريخ حافل بالانتهاكات طيلة سنوات الثورة، وهو ما أهّلهم لتولي أخطر المناصب في نظام يعتمد على البطش والتنكيل لإخضاع السوريين. ووفق موقع "مع العدالة" المعني بتوثيق انتهاكات الأجهزة الأمنية للنظام، فإن غسان جودت إسماعيل "برز من خلال الجرائم التي ارتكبها، عندما كان يشغل منصب رئيس فرع المهام الخاصة، إذ شارك مع الفرقة الرابعة في عمليات اقتحام داريا في عام 2011، وتنفيذ إعدامات جماعية واعتقال وإخفاء مئات الناشطين والمدنيين في السجون التابعة للنظام". وشغل إسماعيل منصب رئيس فرع أمن الدولة في السويداء في عام 2016، وهم متهم بالضلوع في عمليات خطف وطلب فدية خلال شغله للمنصب. ويتحدر غسان جودت إسماعيل، بحسب مصادر محلية، من قرية جنينة رسلان، الواقعة في ريف اللاذقية على الساحل السوري، وهو من مواليد 1960، ومعروف بولائه الشديد للنظام، وكان يشغل منصب نائب مدير إدارة المخابرات الجوية قبل تعيينه خلفاً لجميل حسن، حيث تمت ترقية غسان إسماعيل لرتبة لواء مطلع العام الماضي. ونقلت "هيومن رايتس ووتش" عن أحد المنشقين عن قوات النظام قوله إن "غسان إسماعيل، قائد وحدة العمليات الخاصة، أعطى أوامر شفهية بإطلاق النار على المتظاهرين، عندما تم إرسال وحدته لقمع تظاهرة في داريا أثناء عملية أخرى في يونيو/حزيران 2011، مع الفرقة الرابعة". وطبقاً للمنشق، كانت أوامره "لا تطلقوا النار في الهواء، صوبوا مباشرة على المتظاهرين". ويقول موقع "مع العدالة"، المختص بتوثيق الجرائم والانتهاكات في سورية، إن اللواء غسان إسماعيل هو المسؤول المباشر عن حوادث الاختفاء القسري لآلاف المدنيين، وعن تصفية عدد كبير من المعتقلين في سجن المزة العسكري، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي، في يوليو/تموز 2012، لتضمين اسمه في الحزمة 17 من عقوباته على النظام، في قائمة تضم 27 مسؤولاً في النظام السوري.

ويعتبر اللواء حسام لوقا من أبرز الشخصيات الأمنية التابعة للنظام السوري، وهو أسهم في قمع المتظاهرين في مدينة حمص إبان تسلمه رئاسة فرع الأمن السياسي فيها. وفي عام 2012 أدرج الاتحاد الأوروبي اللواء لوقا على قائمة العقوبات، بسبب مشاركته في تعذيب المتظاهرين والسكان المحليين في المناطق التي ثارت ضد نظام بشار الأسد. كما يعد اللواء ناصر ديب، الذي يتحدر من منطقة القرداحة في محافظة اللاذقية، من الأذرع السوداء للنظام في عمليات القمع الواسعة التي شهدتها البلاد. وهو وفق موقع "مع العدالة" جمع "ثروة كبيرة، تقدر بملايين الدولارات، كما يمتلك عدداً من السفن، وذلك من خلال استغلال الوظائف التي تولاها، حيث يُتهم بالفساد والاختلاس وتلقي الرشى" وفق الموقع.

ويعد الجهاز الأمني في النظام من أكثر مؤسساته تماسكاً، بسبب حرصه على تعيين الضباط الأكثر ولاءً له، بغض النظر عن الكفاءة. كما يحرص النظام السوري، منذ عقود، على تولية ضباط من الطائفة العلوية في المناصب الحساسة لضمان عدم حدوث أي عمليات اختراق، وهو ما يفسر قلة الضباط الذين انشقوا عن النظام من الأجهزة الأمنية خلال سنوات الثورة، بخلاف جيش النظام الذي انشق عنه آلاف الضباط. ويعتمد النظام على جهاز المخابرات الجوية، الذي أنشأه الأسد الأب في سبعينيات القرن الماضي. وأكدت مصادر مطلعة في المعارضة السورية، لـ"العربي الجديد"، أن إيران اخترقت هذا الجهاز القمعي من خلال رئيسه السابق جميل الحسن، مشيرة إلى أن الأخير "موالٍ لإيران، وورّثَ هذا الولاء لخلفه غسان إسماعيل". وأكدت المصادر أن القرار في جهاز المخابرات الجوية "إيراني أولاً وأخيراً"، مشيرة إلى أن "الأجهزة الأمنية الإيرانية كانت ولا تزال تعمل من داخل جهاز المخابرات الجوية".

ومارس هذا الجهاز عمليات قتل تحت التعذيب منذ الشهور الأولى من الثورة، والناشط السلمي غياث مطر، الذي قتل تحت التعذيب في العام 2011، أبرز دليل على همجية ضباط وعناصر هذا الجهاز. وأكدت ذات المصادر أن اللواء ناصر العلي الذي تولى جهاز أمن الدولة "ميوله نحو الروس"، مشيرة إلى أنه "ليس لديه تاريخ موغل بالإجرام كسلفه"، مضيفة "لكن دور هذا الجهاز في البلاد محدود قياساً بدور المخابرات الجوية والعسكرية، والتي عادة لا يتولى القيادة فيهما إلا ضباط دمويون". وأشارت المصادر إلى أن دور جهاز الأمن الجنائي يقتصر على القبض على مرتكبي الجرائم الجنائية، ولا يتدخل عادة في القضايا الأمنية والعسكرية، وهو تابع لوزارة الداخلية، مثله مثل جهاز أمن الدولة، في حين أن تبعية المخابرات الجوية والعسكرية لوزارة الدفاع التي أطلقت يد هذين الجهازين في ارتكاب المجازر وتعذيب المعتقلين حتى الموت.

ومن الواضح أن التغييرات التي أجراها النظام السوري تندرج في سياق استعداد لمرحلة جديدة، ربما يضطر فيها إلى الولوج في العملية السياسية، تحت ضغط روسي، لذا يحاول استبعاد أغلب الشخصيات ذات السجلات السوداء خلال سنوات الصراع والتي باتت تثقل كاهله. وتطالب المعارضة السورية بحل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام في أي حل سياسي قادم، وتأسيس جهاز جديد يتولى قضايا أمن الدولة تحت إشراف مباشر من وزارة الداخلية والجهاز القضائي. ومن المتوقع أن تصر المعارضة السورية على تضمين الدستور القادم مادة واضحة تجعل الأجهزة الأمنية والجيش تحت إشراف الحكومة والبرلمان، وتجاوز المرحلة التي تحولت فيها هذه الأجهزة إلى أدوات قمع خارج سلطة القانون.

===========================


من كيسنجر إلى كوشنر.. المأساة والمهزلة

وائل السواح

العربي الجديد

الثلاثاء 9/7/2019

كان ماركس يحب أن يكرّر عبارة هيغل "الأحداث التاريخية والشخصيات الكبيرة تكرّر نفسها مرتين"، ولكنه كان يضيف من عنده أن المرّة الثانية غالباً ما تكون نسخة مهزلة عن المرة الأولى. ويدلّ على ذلك بشخصية كوسيدير مقارنة بدانتون ولويس بلان مقارنة مع روبسبيير، ولويس بونابرت مقارنة بعمّه نابليون بونابرت. يمكن أن تصدق هذه المقولة أكثر ما تصدق على جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

سيبدو صعباً تصديق أن شخصاً تنقصه الحكمة والذكاء وقوّة الشخصية مثل كوشنر، يمكنه أن يحلّ صراعاً تاريخياً فشل فيه كبار السياسيين والدبلوماسيين، مثل وزير الخارجية الأميركي المخضرم هنري كيسنجر، ومبعوث الرئيس باراك أوباما، جورج ميتشل. في أي مقارنة، سيبدو جاريد كوشنر مثل طفل يلعب بمسدّس والده... وفي هذا الشاب كثير من صفات عمّه (والد زوجته) ترامب، فتراه يميل مثله إلى تضخيم الأمور واستخدام صيغ المبالغة، وحين يجيب عن سؤال يطنب في تفاصيل زائدة، وتراه يجيب عن كلّ شيء آخر ما عدا السؤال الموجّه إليه فعلاً.

وقبل أيام، أنهى كوشنر مؤتمر البحرين الذي أقل ما يمكن وصفه به أنه فشل قبل أن يبدأ.

"ما يريده كوشنر: "لا تأكل خبزاً مقسوماً، ولا تقسم رغيفاً صحيحاً، وكلْ حتّى تشبع!"" ولطالما فشلت الإدارات الأميركية المتعاقبة من قبل في حلّ المسألة. ببساطةٍ، لأنها لم تقارب المسألة من زاويتها الصحيحة: حقوق الشعوب في تقرير مصيرها. واليوم يأتي كوشنر من زاوية جديدة: زاوية تاجر الشنطة.

جوهر فكرة كوشنر لحل عقدة العقد التي ما زالت تتشابك وتتعقّد على مدى العقود السبعة الفائتة هو: "تخلَّوا عن فكرة الدولة المستقلة وحلّ الدولتين أو الدولة الواحدة التي تضمّ عرباً ويهوداً وحقّ العودة، نعطِكم 50 مليار دولار". مَثَله مَثَل ترامب، يعتقد كوشنر أن النقود قادرة على تحقيق أي غاية، ولكنه مثل ترامب أيضاً لا يدفع شيئاً، وإنما يعد بالدفع مستقبلاً، وغالباً من جيب غيره. ولم يخف الرجل غايته، ففي مؤتمر صحافي على الهاتف أجراه ترامب من المركز الإعلامي الأميركي في لندن، قال كوشنر إن أحداً لم يتعهّد بعد بتقديم أي أموال للفلسطينيين. وهو بيّن أن الفكرة ليست "إذاً دعنا نمضِ قدماً، ونبدأ في استثمار الأموال في هذا المجال. لقد جرّب الناس ذلك وقتاً طويلاً. وللأسف، أنت تعلم أنه قد يندلع صراع في غزة، ثم يتمّ تدمير الكثير من البنية التحتية وتدمير للاستثمار الذي تم إحرازه وتعطيل التقدم. هذه خطة كبيرة لا نريد البدء بها حتى يكون هناك فهم حقيقي للسلام، بطريقةٍ نعتقد أنها عادلة وطويلة الأجل قابلة للحياة. ومرة أخرى".

وبوضوح أكبر، يضيف كوشنر: "كان الهدف من ورشة العمل وضع خطة اقتصادية لما يمكن أن يحدث في المنطقة في حال وجود حل سياسي. لا توجد خطة للقيام بهذه الاستثمارات قبل التوصّل إلى حل سياسي. لا توجد خطة للقيام بهذه الاستثمارات قبل تحقيق تقدم سياسي. ثم في ما يتعلق بالخطة الاقتصادية، كان من المفترض أن تكون خالية من السياسة. لذا حاولنا أن نجعل الأمر يبدو متعلّقاً بالنتيجة السياسية. وهذا ما حاولنا القيام به." ما يريد كوشنر قوله هنا بكلّ بساطة: "لا تأكل خبزاً مقسوماً، ولا تقسم رغيفاً صحيحاً، وكلْ حتّى تشبع!"، بمعنى

"حلّ كوشنر لا ذكر فيه لدولة فلسطينية، سواء أكانت القدس عاصمتها أم لا، ولا ذكر فيه أيضاً لحقّ العودة للّاجئين الفلسطينيين"  آخر: لن نعطيكم الأموال حتى توافقوا على الحلّ السياسي، ولن نصل إلى التسوية السياسية قبل الموافقة على الشقّ اقتصادي.

ولكن أي حلّ سياسي يريده كوشنر؟ هو حلّ لا ذكر فيه لدولة فلسطينية، سواء أكانت القدس عاصمتها أم لا، ولا ذكر فيه أيضاً لحقّ العودة للّاجئين الفلسطينيين. وفي تبريره رفض حقّ العودة، يأتي كوشنر بنظرية غريبة عن عدد متساوٍ من اللاجئين اليهود والفلسطينيين. فرداً على سؤال من صحافي لبناني عمّا إذا كان يحق للّاجئين الفلسطينيين في لبنان العودة إلى ديارهم، يأتي كوشنر بنظرية لم يأت بها أحد قبله. "بدأ هذا الأمر برمته عندما كان ثمّة 800 ألف لاجئ يهودي خرجوا من جميع البلدان المختلفة - مختلف بلدان الشرق الأوسط، و800 ألف لاجئ فلسطيني تقريباً. وما حدث للاجئين اليهود أنه تم استيعابهم في أماكن مختلفة، بينما لم يستوعب العالم العربي الكثير من هؤلاء اللاجئين بمرور الوقت"، والحلّ إذاً هو توطين الفلسطينيين في الدول العربية.

أعتقد أن تجنيس من يريد من الفلسطينيين أمر محقّ، ومن المعيب أن يظلّ الفلسطينيون في سورية ولبنان والكويت وغيرها بدون جنسية بعد سبعين سنة من المنفى، ولكن التجنيس شيء وحقّ العودة شيء آخر، وهو ما لا يريد كوشنر طبعاً أن ينظر إليه. ومنطلق كوشنر أن 

"التجنيس شيء وحقّ العودة شيء آخر، وهو ما لا يريد كوشنر طبعاً أن ينظر إليه" المسؤول الأول عن مشكلة الفلسطينيين ليس الإسرائيليين، بل قيادة الفلسطينيين أنفسهم. ولئن كان في كلام كوشنر بعض الحق، فالقيادة الفلسطينية البائسة في رام الله وغزّة مسؤولة قطعاً عمّا آل إليه حال الفلسطينيين، إلا أن إغفال أن ذلك كله كان نتاجاً للسياسة الإسرائيلية اليمينية والعنصرية والمتعجرفة، هو إغفال لجوهر القضية.

كوشنر وترامب من أسرتين مترفتين، وقد كانا يُعطَيان كلّ ما يطلبان. وهما لا يتخيّلان أنهما يريدان أمراً فلا يحصلان عليه. والحال أن الرجلين ليسا على درايةٍ مطلقاً بالتاريخ، ولا يعرفان الشعب الفلسطيني أبداً. ببساطة، عزيزي جاريد، لا يمكن لحميك أن يهب القدس والجولان لإسرائيل، ثم تأتي أنت بسذاجتك وصلفك لتتوصّل إلى حلّ للصراع التاريخي في المنطقة. ما عليك فعله قبل خططك ومؤتمراتك هو أن تقرأ بعضاً من التاريخ، وتراجع مثلاً، مذكّرات هنري كيسنجر، وهذا أضعف الإيمان.

===========================

الحديث في السياسة في حضرة المأساة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 8/7/2019

في ثقافة الشعوب وعاداتها وتقاليدها، لا مكان للفرح في حضرة الحزن؛ ولا للهزل في لحظة الجد؛ ولا للغناء والرقص في لحظة المأساة. غير مألوف أن تطلق الدعابات المضحكة في العزاء، أو تنوح أو تلطم في فرح. صحيح أن أكثر الناس عمقاً وخطراً في السياسة والحياة هم أولئك الذين لا تقرأ وجوههم التي تشبه وجوه لاعبي البوكر. يبقى أحد الاستثناءات، على أي حال، الرقص في ساحة الأمويين بدمشق بعد قصف الصهاينة في سوريا؛ وابتسامات "السيد الرئيس" مع أشلاء الأطفال، والكيماوي. رغم أن هناك أولئك الذين يبتسمون وقلوبهم تتقطع من الألم لمأساتهم الخاصة أو مآسي الآخرين؛ ولكن في الحالة السورية أن تكون منفصماً عن الواقع ناكراً له؛ ليس إلا مرضاً شَهِدَه السوريون في منظومة حتى اللحظة لا تشعر بوجود كارثة في سوريا، ولا تقِرُّ بما فعلته بسوريا وبأهلها.

مناسبة هذه "المقدمة النفسية – الفلسفية"، الحديث عن العملية السياسية في سوريا في حضرة عشرات الطائرات البوتينية - الأسدية وبراميلها وصواريخها وما تخلّفه من أشلاء في الشمال الغربي السوري، ومئات الآلاف الذين يفترشون الأرض، ويلتحفون الأشجار في تلك المناطق. لم يعد هؤلاء، ولا مَن يشبههم بمأساتهم من السوريين، يتحمل سماع كلمة "سياسة" أو "الأمم متحدة" أو "بوتين" أو "الأسد" أو "الائتلاف" أو "بيدرسون". يرى هؤلاء أن العالم ضدهم ولا يكترث لأوجاعهم؛ وكل كلام السياسيين والسياسة ليس إلا تخديراً لموتهم المحتّم. من هنا يجد مَن ينشد الكتابة في موضوع سياسي نفسه مكبلاً ببلائهم أكثر من تكبله بألاعيب السياسة والمصالح؛ وكأن ذلك يحدث على حساب كرامتهم ودمهم.

يذهب بيدرسون إلى موسكو، وخلال أيام سيلتقي نظام الأسد وهيئة التفاوض، بعد أن أطلق تصريحاً يقول بفك عقدة أسماء اللجنة الدستورية إثر ضغط شكّله تصريح المندوبين الأميركي والفرنسي على الروسي؛ الذي بدوره ضغط على نظام الأسد؛ ليكون هناك ما سمّاه بيدرسون انفراجاً أو خرقاً في مهمته

الخطاب السائد يقول: لنفرض أن تلك اللجنة تشكلت، وبدأت عملها ضمن رئاسة مشتركة بين المعارضة والنظام، وحسب قواعد إجرائية ناظمة لعملها؛ وتمخض عن عملها دستور، ولا أحلى؛ فهل هذا الدستور سيلقى القبول!؟ وهل سيكون قادراً على العيش في بيئة تسودها البلطجية والعنف وقهر المخابرات والطائرات والبراميل!؟ وأي انتخابات أو جسد سياسي انتقالي إذا كانت منظومة الاستبداد لا زالت متمترسة عند شعارها الانتحاري بأن تحكم وتتحكم بكل شيء، أو تدمر كل شيء!؟ كيف ستتم إعادة سوريا إلى سكة الحياة، وخمس قوى ضاربة بعسكرتاريتها هاجسها مصالحها؛ حتى لو استلزم ذلك تمزيق هذا الجسد السوري نهائياً!؟ أي سياسة تنفع في ظل هكذا حال!؟ كيف تتحدث في السياسة، والموت هو الحاضر الوحيد في كل ما حولك!؟

وفي الرد على هذه الرؤية، لا بد من تَذَكُّر لحظة انطلاق صرخة الحرية السورية، وكيف كانت سلمية بالمطلق، وكيف سعى نظام الاستبداد إلى قتل أي إمكانية لأي حوار، وكيف قاتل بشراسة تلك القرارات الدولية التي تتحدث عن عملية سياسية تعيد سوريا إلى سكة الحياة؛ وكيف وظّف الإرهاب بكل أصنافه، وصولاً إلى جذب جملة من الاحتلالات، حتى يجعل أي حوار أو عملية سياسية غاية في التعقيد، إن لم تكن مستحيلة.

من هنا ربما تكون العملية السياسية وبوابتها "اللجنة الدستورية" الخطوة الأولى على طريق نهاية هذه المنظومة الاستبدادية، وبدء تعافي سوريا. من هنا قد يكون الحديث في العملية السياسية – والذي يبدو في غير مكانه أو غير سياقه في حضرة الدم والألم- هو طريق الخلاص. وبوتين حتى عنقه بالدم السوري، ذهبت هيئة التفاوض السورية إلى موسكو، لأنها تعرف أن مكمن الداء هناك؛ ولا بد من وضع ذلك المحتل أمام الحقائق المأساوية التي يصنعها على الأرض السورية، ويتركها سجلاً لا يُنسى في الذاكرة السورية كمُدًمِر للبشر والحجر من أجل منظومة لا شبيه لها في التاريخ السياسي. تحمّلت الهيئة كل صنوف الهجوم المعنوي من أهلها؛ ومع ذلك لم تيأس، وتحوّلت إلى رقم صعب يُربك موسكو التي سعت إلى ضرب مصداقيتها بكل ما أوتيت من وسائل دعائية رخيصة، وإجراءات دولية خبيثة.

ترى موسكو أن كل الأبواب موصدة في وجهها إلا وجْهَة العملية السياسية. وهي الآن أمام أحد خيارين: إما مقاربة المسألة بشكل صادق وجاد يوصل إلى تطبيق فعلي وحقيقي للقرارات الدولية؛ ومآله الأخير انتقال سياسي يضع سوريا على سكة الحياة، أو الاستمرار بالبهلوانية والتكتكة التي تعيد التجربة بالأدوات ذاتها

والآن، ومع كل المأساة القائمة، واستحالة الحسم العسكري في ظل مقاومة من الذين لم يبق لهم ما يخسرونه، وبضغط عالمي يأخذ في الحسبان أربعة ملايين سوري في الشمال الغربي، ومع استعصاء مسألتي إعادة الإعمار وعودة اللاجئين السوريين، ومع حصار إيران الظاهر، ومع خشية أوروبا من موجة نزوح سورية جديدة؛ ترى موسكو أن كل الأبواب موصدة في وجهها إلا وجْهَة العملية السياسية. وهي الآن أمام أحد خيارين: إما مقاربة المسألة بشكل صادق وجاد يوصل إلى تطبيق فعلي وحقيقي للقرارات الدولية؛ ومآله الأخير انتقال سياسي يضع سوريا على سكة الحياة، أو الاستمرار بالبهلوانية والتكتكة التي تعيد التجربة بالأدوات ذاتها معتقدة أنها تصل إلى نتائج مختلفة؛ ولكنه لن يزيد روسيا إلا غرقا في المغطس السوري وتعقيداً أكبر في ملفاتها الأخرى.

من هنا، مَن شَرِب البحر، لا يغصُّ بالساقية. كل الأطراف المتدخلة بالشأن السوري وصلت إلى ذروة ما تريده؛ ولم يبق أمامها إلا الانحدار، وربما الاندحار؛ إن هي استمرت بالنهج ذاته. وحده السوري الحقيقي هو الذي لم يبق لديه ما يخسره. وهو إن صَمَد قليلا، لا بد أن ينجو، ويعود سيداً على أرضه وفي وطنه. زمن الانحدار وصل نهايته الحتمية؛ وما أمام السوري إلا الفوز حتى بفعل العطالة؛ فما بالك إن صَمَدَ وعَمِلَ واجتهد. إنه إلى سكة الحياة عائد.

===========================


الدستور... ثورة الأسد على "المعارضة"

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 8/7/2019

يصف كل من المجتمع الدولي، ممثلاً بمبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسون، وروسيا تشكيل لجنة دستورية مختلطة بالخطوة الحاسمة على طريق إطلاق حل العملية السياسية في سورية وفق قرار مجلس الأمن 2254، على الرغم من أن تشكيل اللجنة في القرار المذكور يأتي نتيجة عملية انتقال سياسي في غضون ستة أشهر (من تاريخ استصدار القرار في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2015) الذي نصّ على: "قيام حكم ذي مصداقية يشمل الجميع، ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولاً زمنياً، وعملية صياغة دستور جديد"، إلا أن المجتمع الدولي الذي يردّد، في كل اجتماع، ضرورة تنفيذ القرار تجاهل كل ما جاء به، مكتفياً بتنفيذ بند واحد، هو جمع منصّات "معارضة" متناقضة في أجندتها ورؤيتها تحت اسم وفد التفاوض، وتشكيل لجنة دستورية لا تزال مهمتها وآليات عملها حسب المعارضة ذاتها غامضة، وغير معلومة لهم.

وتجمع اللجنة بين ممثلين عن النظام السوري، وأسماء من كيانات المعارضة، وممثلين عن المجتمع المدني، من دون تحديد حتى اللحظة للمهمة الفعلية المناطة بها، وضوابط عملها، وآليات قراراتها، والأهم الفترة الزمنية التي ستعمل خلالها، والجهة المعنية بتحويل ما يخرج عنها من قراراتٍ أو مشاريع قرارات إلى عملٍ ينتج عنه عملية "سياسية" شاملة، في ظل وجود أكثر من 17 قراراً أممياً وبيانات دولية، عجزت كل الدول، والأمم المتحدة، عن تحويلها من قرارات على الورق إلى مساراتٍ عملية على الأرض، ومنها ما يتعلّق بأولويات حقيقية سورية، مثل وقف إطلاق النار والسماح للمساعدات الفورية والإنسانية بالوصول إلى المحتاجين وإطلاق سراح المعتقلين، ما يعني أننا نخوض معركة وهمية للدخول في معركة جدلية، اسمها 

"تجمع اللجنة الدستورية بين ممثلين عن النظام السوري، وأسماء من كيانات المعارضة، وممثلين عن المجتمع المدني" اللجنة الدستورية، تجمع بين وفود يمثل كل منها جهته التي يدافع عنها ومن أجلها.

وبينما يشكّل وفد النظام الأغلبية العددية في تلك اللجنة، إذ حصّته العلنية ثلث اللجنة (خمسون عضواً)، وضع النظام السوري أسماءها بكامل إرادته، وضمن ما يمكن تسميته أنهم كتلة واحدة، ينطقون جميعهم بلسان واحد، ويدافعون عن مشروع واحد، ويصوّتون داخل اللجنة على القرار نفسه، من دون أي شكوكٍ في خلافات أو وجهات نظر متباينة، إضافة إلى ما يمكن أن نسميها حصته من الأسماء في الثلث المخصص للمجتمع المدني (خمسون عضواً). وتعد المعركة الدبلوماسية التي خاضها النظام ضد الأسماء الستة المرفوضة منه، والتي بقيت عصيةً على الحل أكثر من عام كامل، مثالاً توضيحياً لما تعنيه هذه اللجنة له في مضمون عملها وآلياته التي لا تزال المعارضة لا تعرف عنها أي شيء، فيما هو يستعد لكل السيناريوهات، ويضع لها ما يناسب من إمكانات، للحفاظ على أن تكون كلمته داخلها هي الكلمة الفصل، سواء بالتصويت أو التعطيل.

وإذا تجاهلنا تصريحات النظام وادعاءاته عن حضوره الفاعل في كيانات المعارضة ذاتها، ما يعني وجود أسماء تمثل رؤيته، أو تساندها، داخل شق اللجنة المحسوبة على المعارضة، فإن ما يمثله وفدها في اللجنة، والمكون من "منصات وفد التفاوض المنبثق عن مؤتمر الرياض 2"، وما يدور بين هذه المنصّات من حرب بياناتٍ تدحض بل وتنفي اتفاقها في أساسيات العمل الثوري وضروراته، فإننا أمام لجنةٍ دستوريةٍ، ثلثها "المعارضاتي" مختلف فيما بينه علناً، إذ تقول منصّة موسكو في بيان صدر عنها في 20 يونيو/ حزيران 2019، رداً على مؤتمر صحافي لرئيس الهيئة العليا للتفاوض، نصر الحريري، في ختام اجتماع دوري للهيئة في

"النظام يستعد لكل السيناريوهات، لكي تكون كلمته داخل اللجنة الكلمة الفصل، سواء بالتصويت أو التعطيل" الرياض: "بات من المعلوم أن سلوك الهيئة والمواقف التي تصدرها، وبشكل خاص مواقف رئيسها، لا تمثل بأي شكل من الأشكال رؤية ومواقف منصة موسكو". وبينما ترى هذه المنصة أن الهيئة تضم متشدّدين، يمثلون وجهة النظر الأميركية، فإنها تطرح نفسها في البيان نفسه مدافعاً عن حصة روسيا، وحتى إيران، في الحل السوري. بل وتعتبر منصة موسكو "أن ارتفاع مستوى سذاجة الطروحات السياسية التي يلقيها المتشددون، سواء في مواقفهم المعادية لأستانة أو مواقفهم من مسائل إعادة الإعمار والعقوبات واللاجئين والملف السياسي عموماً، وبشكل خاص طبيعة الاصطفاف الدولي ضمن القسم الفاشي من المعسكر الغربي، وبشكل سافر وعلني يشير، ضمناً إلى حجم المأزق الذي يعيشه المتشددون، ويشير إلى أن عملية عزلهم وخروجهم من أي عملية سياسية باتت أقرب من أي وقت مضى".

ويعني هذا أن ثلث اللجنة المحسوبة على المعارضة، والمشكلة من منصات وفد التفاوض (الرياض 2)، تعيش حالة تفكّك في رؤيتها إلى كل المسائل المتعلقة بالعملية السياسية، بل وهناك طرفٌ يبشّر طرفاً آخر أنهم يقتربون من الخروج الكامل من المشهد السياسي، ما يجعل الذهاب إلى لجنةٍ دستورية، في واقع "المعارضة" الحالي وخلافاتها في الرؤية والهدف والمشروع الوطني برمته، انتصاراً لإرادة النظام السوري، حيث يشكل الكتلة المتماسكة الوحيدة داخلها، فضلاً عن وجود خبراء في وفده، عاشوا تجربة صياغة دستور 2012، ويعرفون خباياه ونقاط قوته التي سيدافعون عنها لحماية رأس النظام، قبل حماية النظام ذاته، وهو ما يفسّر محاولة إبعاده أسماء شخصيات مستقلة خرجت عن طاعته إلى طاعة "وطنيتها" فقط، وليس لتنضم تحت جناح أيٍّ من منصات معارضاته التي لم يخش منها أي اسم، ويسر تداول 

"ثلث اللجنة المحسوبة على المعارضة تعيش حالة تفكّك في رؤيتها إلى كل المسائل المتعلقة بالعملية السياسية" أسمائها وأبقاها بعيدةً حتى عن متناول إعلامه.

ربما من المفيد التذكير أن النظام، منذ بدء ملامح الثورة، لم يتأخر في رمي سلة التعديلات الدستورية أمام السوريين، بل وسار في هذا الأمر منفرداً، أي أنه أراد أن ينقلب على الثورة بإجراءاتٍ داخلية مسيطر عليها، ومنها إلغاء المادة الثامنة من دستوره النافذ والمعمول به منذ 13 مارس/ آذار 1973، أي أن ما جرّ النظام إليه المعارضة، بعد ثمانية أعوام من الثورة وتضحيات كبيرة من السوريين، وصلت إلى أكثر من مليون شهيد، ومثلهم من مصابي الحرب، وتشريد نصف سكانه بين لاجئ ونازح، هو الطريق نفسه الذي اعتمده منذ بداية الثورة، وأعلن عن موافقته عليه، وترجمه بدستور 2012، ما يعني أن الأسد نجح في ثورته على المعارضة. وفي أي اتجاه سارت عملية التعديلات الدستورية المرتقبة، سيكون المنتصر الوحيد داخل اللجنة، وعبر أعضائها، ما لم يستطع كل المحسوبين على المعارضة فصل السلطات، ووضع حد للنظام الرئاسي المعمول به حالياً، والانتقال إلى نظام برلماني، يتيح مشاركة كل الأطياف السورية (عرب وكرد وشركس وأرمن وتركمان وسريان وآشور، وغيرهم)، وتتويج ذلك ببندٍ واضح في الدستور يقرّر: أن كل من تولّى رئاسة سورية لولايتين، قبل الثورة أو بعدها، هو خارج سياق التنافس على منصب الرئاسة في "سورية ما بعد الحرب"، لأن سورية ما بعد الثورة في ظل ممثلي المعارضة الحالية أصبحت ضرباً من الماضي ليس إلا.

===========================

موقفنا : ارفعوا أيديكم عن سورية .. الوطن والإنسان

زهير سالم

مركز الشرق العربي

14/ 7/ 2019

يتداول بعض السوريين هذه الأيام وثائق ودعوات تطالب بعض دول العالم بوضع الدولة السورية والشعب السوري تحت الوصاية ، على نحو ما كان عليه الأمر في مرحلة في فترة ما بين الحربين .

وبغض النظر عن خلفية هذه الدعوات وبواعثها ، والقراءة السياسية للذين يتبنونها ويدعون إليها ويقدمون مبرراتها ومعاذيرها ؛ فإن الدعوة إلى مثل هذا لا تليق ولا تستقيم ..

فهذه الدعوات ، ومرة أخرى بغض النظر عن بواعثها وخلفياتها ، لا تليق بشعب وارث حضارة وصانع ثورة ستكون عندما تدرس في الغد القريب مضرب المثل في المضاء والنقاء والتضحية والفداء ...

ولن يستطيع أحد كائنا من كان أن يشوش علينا الرؤية في جمال ثورتنا ونقائها ومضائها وتعاليها وإنجازاتها وأثر الآخرين في تشويهها ، وكلما قال قائل فيها تذكرت قول سيدنا يوسف ( أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ )..

وهذه الدعوات إلى وضع سورية تحت الوصاية تتجاهل أن عهد الوصاية والانتداب الأول هو الذي أسس لسورية الحاضرة ، سورية الطائفية "عبر جيش الشرق وحزب الطوائف ، والتعبير للمرحوم منيف الرزاز الأمين العام الثاني للحزب المذكور ، في شهادته المعنونة بالتجربة المرة .

الذين يدعون إلى فرض وصاية على سورية بأي أسلوب من أساليب الوصاية ، يشهدون على أنفسهم ، بوصفهم سوريين ، وضمنا على شعبهم أنهم فاقدون لأهلية التفكير المستقيم ، والتدبير السديد . وهي حالة عنون لها القرآن الكريم بالسفه ، وما كان السوريون بجمعهم ، يوما عاجزين ولا قاصرين ولا سفهاء ..وهم في الوقت نفسه يشهدون للآخر - أيا كان هذا الآخر - أنه يريد صلاحا وفلاحا ونجاحا للسوريين !! وهل أورد السوريين هذه الموارد ، وأدخل ثورتهم هذه المضائق ؛ إلا ثقة بعض الناس "بالآخر " واتكالهم أو تواكلهم عليه .

العجيب أن بعض الذين يؤيدون الدعوة لوضع سورية تحت الوصاية ، لا ينسون أن يفذلكوا دعوتهم وأنها بشرط وبقدر وكان الذي يقرر أن يسلم قياده للآخرين ينتظر منهم أن يطيعوه في تحديد طريقتهم كيف يقودون ؟!

قد تكون الدعوة إلى وضع سورية تحت الوصاية تعبيرا عن يأس أو عن إحباط أو محاولة من الهروب من مخرجات واقع يتخبط فيه الكثير من المتخبطين .

وكل ما سبق من قول لا ينكر الواقع الصعب والأليم الذي انتهى إليه المشهد الوطني في سورية . سورية التي أصبحت الدولة الرابعة في الهشاشة والفشل على مستوى العالم وبعد السودان والصومال واليمن وحسب معايير وإحصاءات مؤسسة " الصندوق الأمريكي للسلام " .

نحن في سورية لا ينقصنا " عقل " ولدينا من العقول أكثر بكثير مما كان لدى رجال المؤتمر السوري العام " 1920 " ربما الذي يفصلنا عنهم هو خلفية نفسية متسربلة في مثقفينا " بثقافة الانتظار " ثقافة الذين ينتظرون من الآخرين أن يفعلوا ولو بالوصاية يفرضونها علينا ، وكم قرأنا في كتب تاريخ حالات لأرقاء يستطيبون الرق ويرفضون الحرية ..

ونحن في سورية لا تنقصنا " الإرادة " وإن شعبا ضحى أبناؤه بمئات الألوف من الشهداء ، وبأمثالهم من المعتقلين وبملايين المشردين لا يحتاجون إلى " آخر " جديد يفرض عليهم نفوذه وهيمنته ، ويسوسهم كما يريد ..

الموقف ضنك ، والمعادلة صعبة ، والمخرج عسير ؛ ولكن أول الطريق إلى " سفر الخروج " أن نعيد التأسيس على حقيقة أننا يجب أن نتحمل ، وأننا قادرون ، وأننا مستعدون . وبين العجز الذي يفرضه علينا العاجزون وبين الضعف الذي نعيشه بفعل عوامل كثيرة أهمها " الأوصياء " الظاهرون والمستترون ، أمداء كثيرة ؛ يمكننا أن نعتمد عليها في الاستئناف إلى غدنا الجديد ..

أيها السوريون السوريون السوريون ..

وكيف إذا تحدث الناس أن الثوار السوريين يطلبون فرض الوصاية على بلادهم من مستعمر جديد ؟!

إن المخرج الأول لما نحن فيه كما تعلمه سنوات الثورة العشر أن يستغرق قلوبنا حال صوفي ينادي على كل الأغيار : ارفعوا أيديكم عن سورية الوطن والإنسان . وأن يكون هذا الشعار حالا قبل أن يرتفع شعارا ومقالا . وأن يكون الجنب السوري للسوري ألين .

أيها السوريون ..السوريون ..السوريون ..

بالثورة على نظام الوصاية " الوظيفي " خرجنا ، ومن أحب أن ينافس على هذا المقام فإن هذا مستنقع ماله عند زمرة الأسد من قرار ..

أيها السوريون السوريون السوريون ..

تذكروا وثيقة العار التي وقعها قوم طالبوا فيها المستعمر الفرنسي بالبقاء وما زلتم عن عارها تتحدثون..

( يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً )

_________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

إدلب بين إهمال وصمت

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 8/7/2019

تستمر العمليات العسكرية المشتركة لتحالف نظام الأسد مع الإيرانيين والروس على محافظة إدلب السورية ومحيطها القريب من أرياف محافظات حماة وحلب واللاذقية منذ شهر مضى، وتتواصل غارات الطيران الحربي الروسي وصواريخه إلى جانب شقيقاته من حوامات نظام الأسد، التي تلقي البراميل المتفجرة، فيما تتشارك قوات النظام والإيرانيون وميليشياتهم في الهجمات الأرضية، بدعم جوي من طائرات الروس والنظام.

وتشكل العمليات العسكرية خرقاً لاتفاق مناطق خفض التصعيد الذي توصلت إليه الدول الراعية لمفاوضات «آستانة»، ووقّعته تركيا وروسيا وإيران في مايو (أيار) 2017. وشمل في حينها 4 مناطق، آخرها إدلب. الأمر الذي جعل إدلب ملاذاً لمن غادروا المناطق الثلاث الأخرى الأولى، التي استعادها نظام الأسد، بمعونة الروس والإيرانيين في العامين الماضيين، في خروقات تماثل خرق الاتفاق في إدلب، ما يؤكد أن هدف العمليات الراهنة النهائي استعادة سيطرة النظام على إدلب ومحيطها، وهو ما يفسر عنف هجمات النظام والإيرانيين من جهة، وسعي الجماعات المسلحة في إدلب للدفاع عن معاقلها الأخيرة.

لقد تسببت الهجمات على إدلب في الشهر الماضي بمقتل نحو 500 قتيل من المدنيين، أغلبهم من النساء والأطفال، إلى جانب آلاف الجرحى، وقارب عدد المهجرين الفارين من قراهم ومدنهم 100 ألف نسمة، أغلبهم مشرد في حقول الزيتون والأشجار، فيما انضم قسم منهم إلى سكان مخيمات البؤس في الشمال السوري، وجرى تدمير واسع للمنشآت العامة، وخصوصاً للمشافي، إضافة إلى آلاف البيوت والمحال التجارية، وتدمير وسرقة المحاصيل الزراعية، ما أدى إلى تردٍ متزايد في مستوى حياة السكان، من خلال تدمير ممتلكاتهم، وفرض أعباء جديدة عليهم، وضياع فرص حياتهم، التي كانت قائمة، رغم ضعفها وتدهورها.

والنتائج السابقة بمأساويتها، لا تمثل سوى القليل من نتائج أشد فظاعة ستحدث، إذا مضت العمليات العسكرية نحو هدفها النهائي باستيلاء النظام على إدلب، التي تضم اليوم نحو 4 ملايين سوري، سيقعون في عمق كارثة إنسانية غير مسبوقة، ملامحها قتل وجرح وتشرد وفقر وجوع، ما يثير مخاوف كثير من الدول، في مقدمتها تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، الذين يتوقعون موجة جديدة من اللاجئين السوريين، يمكن أن تفوق موجة عامي 2014 - 2015. كما يثير الأمر حفيظة منظمات الإغاثة الدولية، التي باتت عاجزة عن تأمين مزيد من احتياجات النازحين واللاجئين.

ورغم وضوح الاحتمالات المأساوية المحيطة بإدلب وجوارها، فإن ردة الفعل الدولية وفي الأمم المتحدة، تنوس بين سكوت يقارب الإهمال، وتحرك بطيء يقارب رفع العتب، ما يعكس تدنياً في مستوى المسؤولية الدولية في مستوياتها السياسية والأخلاقية والإنسانية؛ حيث تُترك العمليات العسكرية للاستمرار والتصاعد، ومعها يتصاعد القتل والدمار وعمليات النزوح، دون التوصل إلى اتفاق على سياسات أو اتخاذ خطوات عملية لإيقاف الكارثة عند حدودها الراهنة، ومتابعة عملية سياسية تعيد القضية السورية إلى إطار الحل الدولي وفق جنيف، وما طرأ عليه من تطورات وملحقات.

الحجة الأساسية لموقف التراخي الدولي والسكوت عن العمليات العسكرية في إدلب ومحيطها، هو القول بوجود جماعات إسلامية متطرفة في المنطقة، وهو تعبير فضفاض، يبدأ من حدود أن المقصود به وجود «جبهة تحرير الشام» («النصرة» سابقاً)، ثم يتم تمديده ليشمل كل التشكيلات المسلحة، ثم يمدد ليشمل كل سكان المنطقة، على اعتبارهم حاضنة للمتطرفين، وهذه مقولة نظام الأسد على الأقل، ولا تختلف كثيراً عما يقوله نظام ملالي طهران في وصف سكان إدلب ومحيطها.

وهذه الحجة لا يمكن الاستناد إليها في تبرير عمليات القتل والتدمير والتهجير الراهنة، التي تركز على الأهداف المدنية من سكان ومنشآت أساساً، خصوصاً أن مساعي سكان إدلب ومحيطها طوال السنوات الماضية انصبت باتجاه تمييز أنفسهم عن جماعات التطرف، والعمل على مقاومتها بكل السبل المتاحة، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد ولا برهان، ففي العام 2014 ساهم سكان إدلب ومحيطها بصورة رئيسية في طرد مسلحي «داعش» من المنطقة، وقدّموا مئات الشهداء في المواجهات العسكرية مع «داعش»، بالتوازي مع نشاطات مدنية دعمت الجهد العسكري، وتكررت الجهود ذاتها مرات في العامين الأخيرين في مواجهة «هيئة تحرير الشام»، ليس فقط من خلال إطلاق نشاطات ومبادرات مدنية في أنحاء مختلفة من المنطقة، بل في الدخول في صدامات مع سياسات التطرف والتشدد، ورفضاً لوجود تنظيماتها المسلحة وسياساتها، واعتراضاً على تحويل سكان إدلب إلى دروع بشرية ورهائن لجماعات التطرف.

لا بد أن تجتهد الأمم المتحدة لإيجاد سبيل لوقف العمليات العسكرية على إدلب، فقد بات ذلك أمراً ضرورياً، لأن المأساة الإنسانية المتواصلة بلغت حدوداً يصعب احتمالها، والانتقال منها نحو تنشيط عملية سياسية لمعالجة الوضع في إدلب في إطار عملية الحل السياسي لعموم القضية السورية. وإن لم يحدث ذلك، فالاحتمال الممكن انتقال إلى انفجار كارثة عميقة في إدلب ومحيطها، وعندها سيكون من الصعب التعامل مع نتائج ما يحدث من تطورات في المنطقة ومحيطها الإقليمي.

===========================


معسكر اعتقال نازي

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 6/7/2019

قتل هتلر عددا لا يُحصى من الأجانب في كل مكان من أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا، ولكنه لم يُرغم أحدا منهم على الهجرة من وطنه. وقتل حزب الله عددا كبيرا جدا من السوريين، كبارا وصغارا، ورحّل الأحياء منهم بعيدا عن مواطنهم، فذهب قسمٌ منهم إلى لبنان، لاعتقادهم أنهم سيلقون معاملةً لائقة بهم كشعبٍ استقبل، قبل أعوام قليلة، مئات آلاف اللبنانيين، كان من الطبيعي أن يقصدوا سورية، حيث عوملوا كإخوة ينتقلون من غرفة إلى أخرى في منازلهم، ولم ير أحد فيهم عبئا ثقيلا يحب رفضه، علما أن أحدا منهم لم يُرسل إلى مخيم أو يسكن في خيمة، على الرغم من أنهم كانوا هاربين من الموت، ومن دون موارد أو أموال تكفي لاستئجار بيوت، والإنفاق على أنفسهم.

أذكّر بهذا، لأن التذكير به ضروري، لتفادي مشكلة كبرى تهدّد بتقويض ما بين الشعبين الشقيقين من علاقات إخاء وتعاضد، في زمانٍ تتربص بهما تحدياتٌ لن توفر اللبناني منهما، بعد أن ربطه حزب الله بإيران، وتعهد بزجّه في حربٍ ليست خياره، لن تبقي ولن تذر، قد تنشب بين طهران وواشنطن وبلدان الخليج العربي، إن شارك الحزب فيها استهدفت إسرائيل بيئته الشيعية التي لا نتمنى لها غير الخير والأمان، ولكن التزامات الحزب الإيرانية قد تقودها مرة أخرى إلى سورية، حيث لا يريد أحدٌ لها أن تُعامل بطريقة تعامل الحزب مع السوريين: الشعب الكريم العزيز الذي لم يسكن الخيام في سورية، ولم يرسل أطفاله للتسول أو للعمل أجراء بلا حقوق، ولم يرتع في نعيم الفقر والجهل، كما يعتقد بعض اللبنانيين، ويجب أن يحظى باحترام كل من تعز الحرية عليه، لأنه ثار من أجلها، وقدم مليون شهيد وأكثر من أجلها، ولم يثر كي يهاجمه حزب الله ويقتل أطفاله ونساءه، ويهجّره إلى لبنان، حيث يلاحقه بحقدٍ قاتل، ويحرّض اللبنانيين عليه زعيم عالم لبنان السفلي، وزير الخارجية جبران باسيل الذي أوصى أمرا إلى مدير الأمن العام اللواء عباس إبراهيم بمنع إعطاء أي إقامة للسوريين، وبسحب إقاماتهم منهم في أقرب فرصة ولأي سبب، و"يناضل" كي يعاملهم نظامه مثلما عامل هتلر سجناء معسكراته النازية، ولو استطاع أن يبقى لأبادهم بغاز السيكلون. دفاعا عن لبنان، تفقد تصريحات اللواء قوامها الأخلاقي، وإلا فما معنى اتخاذ قراراتٍ تمنع دفن أي سوري في الأرض اللبنانية، وهل من المستبعد أن يتخذ، من الآن فصاعدا، قرارا يشبه قرارا اتخذته عام 1957 بلدية رامات جان في إسرائيل، إخراج جثمان نمساوي مسيحيين من مدفن يهودي، كان قد قصدها للمشاركة في الحرب على مصر، وقتل. يومذاك، سوّغت البلدية قرارها بأن وجوده بين موتى اليهود يزعجهم، كما يزعج السوريون اليوم حزب الله وشركاءه وسفلة لبنان.

سوّغت النازية مواقفها بالدفاع المتطرّف عن مصالح عرقها أو قومها، فكانت النتيجة حروبا كاد يباد فيها عرق هتلر الآري النقي. وبما أن الوزير اللبناني، جبران باسيل، اكتشف فرادة جيناته، فإن مصير لبنان لن يكون مختلفا، في حال تركت قيادته لأمثال الوزير المذكور.

لن يبقي سوري واحد في لبنان، فالسوريون لا يحبون الخيام، ولم يرفضوا الذل في وطنهم ليقبلوه خارجه. لذلك، أطالب، مع الذين دانوا الفاشية الرسمية من مثقفي لبنان، بالتخلي عن النهج الحالي تجاه اللاجئين، لما سيُلحقه الموقف اللاأخلاقي الحالي تجاه السوريين من ضررٍ بشعب لبنان، ولأن مستقبل النازية في مشرقنا قاتم، ولن ينقذها جبران باسيل، وحزب الله الذي يوهم نفسه أنه أنقذ العصابة الأسدية، ودمّر حصن الحرية الحصين: شعب سورية الذي شرب بحر الأسدية وجيشها الطائفي، وصمد ثمانية أعوام ونيفا في وجه إيران وقتلتها المحترفين، وروسيا وجنرالاتها المجرمين، ولن يرهبه حزب الله، ولا جينات جبران باسيل، مهما طال الزمن.

===========================


إسرائيل تظاهرت بدعم الثورة السورية ثم حمت النظام من السقوط

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 6/7/2019

تظاهرت إسرائيل منذ اليوم الأول للثورة السورية بأنها مع انتفاضة الشعب السوري وإسقاط النظام. وقد تعاطف إعلامها مع المتظاهرين السوريين، وكان بين الحين والآخر يفضح همجية الجيش السوري ووحشيته في التعامل مع السوريين الثائرين. وقد ساد انطباع لدى قوى المعارضة السورية أن إسرائيل تقف إلى جانبها في مواجهة النظام الفاشي وإسقاطه. وقد ابتلع بعض المعارضين المغفلين الطعم وبدأ يزور تل أبيب للتنسيق مع الإسرائيليين وطلب العون منهم لتحرير سوريا من ربقة النظام الطائفي. وقد شاهدنا بعض المعارضين على الشاشات وهم يقابلون المسؤولين الإسرائيليين ويستقوون بهم على النظام. وكي تلعب إسرائيل اللعبة على أصولها وتخدع السوريين الثائرين كانت تستقبل الجرحى والمصابين من الفصائل المعارضة على الحدود مع سوريا وتعالجهم في مستشفياتها أمام الكاميرات، مما جعل النظام السوري وحلفاءه يصفون قوى المعارضة والفصائل بأنها خائنة وعميلة للكيان الصهيوني. وكان النظام يستشهد دائماً بعلاج بعض المعارضين في المستشفيات الإسرائيلية على أنه أقوى دليل على وقوف إسرائيل مع معارضيه الخونة، وبأنه يمثل الوطنية السورية.

ولا ننسى أن إسرائيل كانت عنصراً قوياً داخل غرفة الموك في الأردن التي كانت تدير العمليات في جنوب سوريا. وقد عمل معظم فصائل المعارضة السورية في الجنوب تحت امرة إسرائيل وتوجيهاتها، وحققوا الكثير من الانتصارات على قوات النظام خاصة في درعا، مما جعلهم يأمنون جانب إسرائيل ويعتبرونها سنداً حقيقياً لهم في مواجهة الأسد. لم يدر في خلد أي معارض أو مقاتل في تلك الفترة أن إسرائيل كانت تستخدمهم ليس لإسقاط النظام بل فقط لتحقيق أهدافها في سوريا والمنطقة.

دارت الأيام لنكتشف أن أصدق تصريح سمعناه خلال الثورة السورية كان تصريح رامي مخلوف مدير أعمال بشار الأسد التجارية حينما قال في مقابلة شهيرة في بداية الثورة السورية مع صحيفة واشنطن بوست الأمريكية جملته التاريخية: « أمن إسرائيل من أمن النظام». بعبارة أخرى أن الأمن الذي حظيت به إسرائيل منذ أربعين عاماً كان بفضل كلب الحراسة السوري تحديداً، وإذا سقط هذا الكلب فإن أمن إسرائيل سيصبح في خطر. تلك الجملة الشهيرة فضحت كل شيء وأماطت اللثام عن التحالف المخفي بين زعيم الممانعة والمقاومة المزعوم والمحتل الإسرائيلي. مع ذلك لم ينتبه المعارضون السوريون لجملة رامي مخلوف جيداً، وظلوا يراهنون على الدور الإسرائيلي لعل الدولة العبرية تحقق أحلامهم وتسقط النظام الذي ثاروا عليه. لكن ساعة الحقيقة حانت أخيراً واكتشف المعارضون الملعوب الإسرائيلي عندما دخل الروسي والإيراني إلى سوريا بشكل مفضوح وراحا يستهدفان كل القوى المعارضة للنظام بضوء أخضر إسرائيلي بالدرجة الأولى. وقد سمعت أحد كبار الضباط السوريين المنشقين في الجنوب وهو يصف الاتفاق الروسي الإسرائيلي لتسليم درعا للنظام وإرسال المقاتلين المعارضين إلى إدلب بأنها أكبر مؤامرة على الثورة. صح النوم.

إسرائيل هي من أوعزت للروس والميليشيات الإيرانية أن تتدخل في سوريا في اللحظة المطلوبة لإنقاذ النظام وتدمير قوى المعارضة

لاحظوا كيف انتقلت إسرائيل بلمح البصر من داعم مزعوم للثورة السورية إلى حليف للروس والإيرانيين الذين دخلوا سوريا تحديداً لإنقاذ النظام والقضاء على معارضيه بمباركة أمريكية وإسرائيلية لا تخطئها عين. هل يستطيع أحد في العالم أن يدخل سوريا من دون إذن إسرائيلي؟ هل وصل قاسم سليماني إلى بحيرة طبريا لمواجهة الثوار السوريين دون أن تراه إسرائيل؟ بالطبع لا، بل إن إسرائيل هي من أوعزت للروس والميليشيات الإيرانية أن تتدخل في سوريا في اللحظة المطلوبة لإنقاذ النظام وتدمير قوى المعارضة. والسؤال البسيط الذي لا بد من طرحه:

هل كانت إسرائيل لتسمح للروس والإيرانيين أن يدخلوا سوريا بكل قواتهم لدعم الأسد لو كانت إسرائيل فعلاً تريد إسقاط النظام؟ بالطبع لا. لقد قالت روسيا إنها جاءت إلى سوريا تحديداً لمواجهة الإرهابيين، وفي اليوم التالي وجدنا الروسي ينسق كل خطواته في سوريا مع الإسرائيلي بحيث قال وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان وقتها إن إسرائيل تنسق مع روسيا على مدار الساعة. كيف تكون إسرائيل عندئذ حليفة للفصائل السورية وفي الوقت نفسه تنسق مع الروس لحظة بلحظة للقضاء على تلك الفصائل؟

وقد فضح الاجتماع الثلاثي الذي جمع الروس والأمريكيين والإسرائيليين في القدس قبل أيام لحل المسألة السورية، فضح الدور الإسرائيلي بشكل كامل. وقد قال الرئيس الروسي حرفياً إننا ذاهبون إلى إسرائيل لإيجاد حل للمعضلة السورية. بمعنى آخر فهو يقول إن الكلمة الأولى والأخيرة لإسرائيل فيما يخص القضية السورية.

وفعلاً قالت إسرائيل كلمتها في الاجتماع التاريخي الذي ضم مستشاري الأمن القومي لكل من روسيا وأمريكا وإسرائيل. ما الحب إلا للحبيب الأول قالتها تل أبيب. نحن مع بقاء النظام وربما إعادة تأهيله ولن نسمح لأي قوة خارجية أن تبقى في سوريا بعد أن أنجزت المهمة التي طلبناها منها كإيران مثلاً، وهي حماية النظام من السقوط وتأجيج الوضع المذهبي في سوريا بين الشيعة والسنة. قالتها إسرائيل بالفم الملآن: انتهت مهمتك يا إيران في سوريا ولا بد أن تغادري قبل أن نبدأ بتهشيم ميليشياتك وقواعدك في جارتنا السورية.

لهذا لا بد أن تضحك بملء شدقيك وأنت ما زلت ترى بعض المعارضين السوريين وهم يشدون الرحال إلى إسرائيل لتحريضها على نظام الأسد. يا إلهي ما أغباكم وما أسخفكم؟ من أنتم لتقارنوا أنفسكم مع النظام؟ من أنتم لتختاركم إسرائيل وتترك النظام الذي قدم لها خدمات تاريخية بشكل مباشر أو غير مباشر لم تحلم بها في تاريخها؟

لقد نجحت إسرائيل في تحقيق كل أهدافها في سوريا من خلال دعم المعارضة والنظام في آن معاً. وأول هذه الأهداف تحطيم سوريا وتدمير جيشها وتهجير شعبها وتحويلها إلى بلد منكوب لعشرات السنين لا تقوم له قائمة بوجود نظام مهيض الجناح مكسور الإرادة ينفذ كل ما هو مطلوب منه ويكون لعبة في أيدي الكبار كما هو الحال الآن حيث أصبح النظام ورئيسه يتلقى الأوامر الإسرائيلية عبر الوسيط الروسي الذي بات ينسق كل خطواته في سوريا مع الحليف الإسرائيلي.

===========================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com