العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-06-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

آخر أخبار النظام السوري

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 18/6/2020

تتوالى الأخبار القادمة من سوريا وبخصوصها في غير ما يشتهي نظام الأسد وحلفاؤه. وكأن ما كانت تغطيه أصوات انفجارات القنابل والصواريخ فوق رؤوس المدنيين والمرافق الصحية والمدنية، صار يسمع بصورة مضخمة. فقانون سيزار الذي يتضمن تدابير اقتصادية قاسية قد بدأ مفعوله قبل نفاذه عملياً، ومظاهرات السويداء التي رفع فيها شعار اسقاط النظام وعلم الثورة بدت وكأن بواكير الثورة السورية في آذار 2011 قد عادت بكل زخمها، والهبوط الحاد والمتواصل لقيمة الليرة السورية يعطي الانطباع بأنها باتت في خبر كان، ومعها الاقتصاد والاجتماع السوريين ككل، ليبقى فقط شبح نظام متداعٍ ينتظر من يطلق عليه طلقة الرحمة.

مدينة السويداء التي شهدت، في مطلع العام الحالي، مظاهرات مطلبية ووجهت من قبل النظام بالتخوين، فانكفأت، ثم طواها النسيان بفعل دخول فايروس كورونا إلى المشهد، عاد نشطاؤها إلى الميدان مجدداً، رافعين هذه المرة، شعارات أكثر راديكالية. كان لافتاً بطء استجابة النظام تجاه الموجة الجديدة من المظاهرات، بطء فسره البعض بعدم رغبة النظام في مواجهة مكون أهلي محسوب على الأقليات المذهبية. لكني أكثر ميلاً إلى تفسير ذلك بالإنهاك المعنوي الذي أصاب النظام وأدواته القمعية، بفعل توالي الأحداث المثبطة في الأسابيع الأخيرة، مما أضفى على أدائها نوعاً من البلادة الحميدة.

فـ»مجتمع النظام» إذا جاز التعبير، الذي لم يصح بعد من صدمة الحملة الإعلامية الروسية على رأس النظام، تلقى صدمة انشقاق رامي مخلوف «من عظام الرقبة»، ليترنح بفعل استباحة روسيا لأراضي الساحل بقرار من الرئيس الروسي الذي رسم سفيره في دمشق ممثلاً له مقيماً في العاصمة جاثماً فوق صدر النظام، ثم دخل نفق اليأس مع اقتراب تطبيق قانون قيصر وسقوط الليرة السورية سقوطاً حراً بلا قرار. وهكذا سرعان ما نسي المجتمع المذكور أهازيج النصر التي كانت تسكره، قبل أقل من سنة، واعدةً إياه بمستقبل وردي من «خيرات» إعادة إعمار موهومة، فرأى أن «صموده» طوال تسع سنوات في وجه المستقبل لم يثمر استيلاء منه عليه، بل جاء بنتائج أسوأ من أسوأ كوابيسه.

المسؤولية الأولى في خراب سوريا ومأساة السوريين تقع على عاتق نظام مجرم متصلب يرفض تقديم أي تنازل لشعبه. فحتى قانون قيصر نفسه إنما يطالب النظام بأمور هي نفسها بعض مطالب الشعب السوري

أمام هذا الوضع، انتعشت سيناريوهات كثيرة حول ترتيبات دولية مفترضة بشأن طي صفحة نظام الأسد، تدور غالباً حول وصول القيادة الروسية إلى نهاية الطريق في تمسكها ببشار الأسد واضطرارها للبحث عن بديل له من داخل النظام يفتح الباب أمام تسوية سياسية تبقي على النظام وعلى المصالح الروسية في سوريا ما بعد الأسد. ويتم تعزيز هذا السيناريو بحراك أمريكي يلاقيه، من خلال الضغط الهائل الذي سيشكله تطبيق قانون قيصر، وإعادة فتح القنوات الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو من أجل التوافق على تسوية سياسية في سوريا، تلحظ ضمناً الوضع الخاص في منطقة الجزيرة التي تحظى بحماية القوات الأمريكية، الأمر الذي رأينا مؤشراته من خلال الحوار الكردي – الكردي الذي تشرف عليه الولايات المتحدة وفرنسا بخصوص مستقبل الإدارة الذاتية في تلك المنطقة الشاسعة التي تحتوي على أهم ثروات المواد الخام في سوريا من حبوب ونفط.

أما إيران فهي الغائب الحاضر الذي لا يمكن تجاهله، فوجودها في سوريا مستهدف من واشنطن وتل أبيب، مع عدم اكتراث روسي وتركي. أما تركيا التي حقق تدخلها في ليبيا نتائج ميدانية لمصلحة حليفها المحلي، حكومة الإنقاذ، فهي ماضية في فرض وقائع على الأرض في المناطق التي تسيطر عليها في شمال سوريا: من إدلب إلى عفرين ومثلث درع الفرات والمستطيل الواصل بين تل أبيض ورأس العين، بتعزيز قواتها العسكرية من جهة، وإدخال الليرة التركية إلى التداول في تلك المناطق بدلاً من الليرة السورية المنكوبة من جهة أخرى.

وفي حين تتنازع الرأي العام المعارض مشاعر متباينة من مفاعيل قانون قيصر على السوريين العالقين في مناطق سيطرة النظام، بين متحمس يرى فيه مدخلاً محتملاً لتغيير النظام، ورافض مستاء من آثاره الكارثية على حياة ملايين السوريين، فثمة اتفاق على أن المسؤولية الأولى في خراب سوريا ومأساة السوريين تقع على عاتق نظام مجرم متصلب يرفض تقديم أي تنازل لشعبه. فحتى قانون قيصر نفسه إنما يطالب النظام بأمور هي نفسها بعض مطالب الشعب السوري، كإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والتعاطي بجدية مع التسوية السياسية وفقاً لقرارات مجلس الأمن والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى كافة المناطق، شروطاً للتخفيف من عقوبات قانون قيصر وصولاً لإلغائه. فإذا كان الحرص على معيشة السكان هو الدافع وراء رفض الرافضين لقانون قيصر، فالأحرى بهؤلاء إلقاء اللوم على نظام مستعد أن يجوّع شعبه على ألا يطلق سراح سجناء لن يشكلوا أي خطر عليه. نظام يرفض الامتثال لقرارات مجلس الأمن التي لا مفر من الامتثال لها في نهاية المطاف، إلا إذا كان يراهن على الإفلات من موجباتها كما أفلتت إسرائيل قبله.

بدلاً من التعامل بجدية مع هذا الوضع الكارثي، يستعد النظام لإجراء انتخابات مجلس الشعب التي سبق وتم تأجيلها بسبب وباء كورونا، في مطلع شهر تموز المقبل. وبدلاً من مراجعة «السياسة» التي اتبعها طوال تسع سنوات في مواجهة الحراك الثوري، عاد إلى الطريقة الوحيدة التي يعرفها في مواجهة مظاهرات السويداء، أي القمع واعتقال النشطاء وتنظيم مسيرات مضادة.

اعتدنا على وصف هذا الوضع بانفصال النظام عن الواقع. اليوم وقد بلغ هذا الانفصال درجات غير مسبوقة يمكن التساؤل عما إذا كان النظام موجوداً في سوريا أم هو في كوكب آخر؟

===========================

موقفنا : محاكمة رفعت الأسد .. وأربعون سنة من العمل الدؤوب الجاد .. بطاقة شكر وتقدير للجنة السورية لحقوق الإنسان

زهير سالم

مركز الشرق العربي

20/ 6/ 2020

اللجنة السورية لحقوق الإنسان ، لجنة حقوقية مستقلة ، معنية بالشأن الإنساني السوري ، تأسست في لندن من ثمانينات القرن العشرين . وما زالت تقدم جهدها في الميدان الحقوقي الإنساني ، وفق المعايير الإنسانية المعتمدة قريبا من أربعة عقود .

وقد نشرت اللجنة السورية لحقوق الإنسان منذ أيام تقريرها الموثق والدقيق عن تاريخ نضالها في الدفاع عن حقوق السوريين ضد إحدى الشخصيات السورية " رفعت الأسد" المتهمة بكثير مما أعلم وتعلمون ..

لم يكن جهد اللجنة السورية لحقوق الإنسان خلال أربعة عقود خلت ، في أبعاده الحقوقية مقتصرا على التحرك على هذا المحور فقط ، بل لو أننا تتبعنا فرشة المحاور والأهداف ، التي عملت عليها اللجنة خلال العقود المنصرمة ، لوجدناها الأكثر حضورا في كل ساحة تخص السوريين .و لوجدنا أنفسنا بحق أننا أمام جبال من الإنجاز تستحق الإشادة والتقدير .

وحتى لا يكون كلامنا ادعاء في هواء ، فيكفي أن أذكر أن اللجنة مأجورة مشكورة قد وثقت إنجازاتها بتقارير سنوية مؤرخة موثقة تحمل الحقائق . وتذكر بالوقائع والإنجازات العملية خلال كل عام . وكل ذلك كان يفصل عن الوضع الإنساني والحقوقي في سورية في زمن كان مخابرات حافظ الأسد تقتل الناس في بيروت وفي باريس وفي مدريد , وكانت اللجنة ورئيسها تضع الحقائق كاملة مجردة بين يدي المنظمات الإنسانية المعنية ، ومؤسسات القرار السياسية ، وبين يدي الراغبين بالاطلاع من منظمات الرأي العام ..

أكتب هذا من موقع ، متابع ، ومن موقع مطلع ، ومن موقع مشارك في بعض الأنشطة المحدودة ، في عملية التوثيق والمتابعة والأنشطة من خلال مركز الشرق العربي ، وإن كان مما لا يحسن أن أدعي فضلا هو في جملته من جهد وحق المنظمة ورئيسها والفريق العامل فيها.

عقود مضت واللجنة ورئيسها يقدمون للقضية السورية ، وللسوريين أفرادا وجماعات ما لم يقدمه أحد . في عصر كانت فيه بعض اللجان العربية المعنية بحقوق الإنسان تتجاهل قضايا السوريين ، وفق موازين المصالح في العلاقة مع نظام كان يتقي شره الكثيرون .

في زيارات عديدة كنت أقوم بها لبريطانيا ، يوم كنت أنزل بريطانيا زائرا ، كان يتصل بي رئيس اللجنة يعلمني أو يدعوني إلى نشاط تقوم به اللجنة لوقفة احتجاج أمام السفارة الأسدية ، وأحضر وأجد بعين الإنصاف ما تقدمه اللجنة من جهد ومن دور في شرح قضايا السوريين ، وفي تحمل أعبائها ؛ في الوقت الذي كان بعضهم يتردد على السفارة للطعة دبس ، واليوم يحتل كل واحد منهم منبر من منابر السيادة والريادة وأنه في أمر هذه الثورة وهذا الوطن هو الأول والآخر والظاهر والباطن ..!!

نحن نشجع كل السوريين على العمل ، ونشكر كل العاملين على الإنجاز الذي يحققونه، ونرى أن الوطن حق للجميع ، والعمل له شراكة بين الجميع . ونرى أن من حق كل صاحب إنجاز أن يفرح بإنجازه ، ويعتد بما أنجز ، وان يجعل من إنجازه مادة للإشهار والدعاية والإعلان ، نسلم للناس بهذا... ولا نرتضيه لأنفسنا ، فنحن والحمد لله من مدرسة لا تعمل لتفخر أو تدعي أو لتمنّ على الناس ..ولكن الذي لا نقبله ولا نرتضيه أن يجعل بعضهم من إنجازه مهما عظم أو تعاظم منبرا لغمط الناس ، والافتراء عليهم ، ونبذهم والتقليل من شأنهم ودورهم .. لن نسمح لأحد أن يستجرنا إلى معركة ليست من أولوياتنا مهما كان شأنها ، ولكننا في الوقت نفسه لن نسكت عن بغي باغ ولا تطاول متطاول .. ولولا تطاول المتطاولين ، وافتراء المفترين لما خطر ببالنا أبدا أن نسطر مثل هذه الكلمات . مع أن شكر المحسن حق وواجب .. ومن حق أن نشكر أخا لنا أنجز وأفاد وأجاد .. ليس ادعاء ولا اعتدادا ولا فخرا ولا تطاولا على الناس ، ولكنه رد على افتراء المفترين

تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان ، وقد رفعت رابطه من منذ يومين بين أيديكم ، يشرح لكم الدور ، والجهد ، موثقا مؤرخا في متابعة جزار الثمانينات ووقفات اللجنة ومديرها بين يدي القضاة وفي ساحات المحاكم بين مدريد وباريس ..ويبقى أن تعلموا أن ذلك كان في شتاء قارس طويل ..

وحيانا تقتضيك البساطة التي يتحلى بها بعض الناس ، أن تخرج عن صمتك ، فتنقض غزلك أنكاثا : يسألك ساذج أو ماكر: ولماذا هذه الوكالات العالمية تنقل عن "غير" ولا تنقل عنكم ، سؤال جوابه يحتاج فقط إلى قليل من العقل السياسي ؟!

 لماذا هذا الإعلام العالمي معروف الهوية والمرجعية ، يمول أو يشجع أو يشهر من تسمعون عنوانه أو ترون شخصه كل صباح ومساء ولا ينقل عنكم أنتم ..معضلة حلها يحتاج إلى مزيد من الاعتبار ..

في التقرير الذي أصدرته اللجنة السورية لحقوق الإنسان عن محاكمة رفعت الأسد أجابت عن أسئلة ، وشرحت حقائق ، وردت على ادعاءات ، وسيبقى منهجنا نعمل ولا نحتكر ، بل ننادي على الجميع أن اعملوا ..وسيظل شكرنا موصول لكل العاملين دفاعا عن المستضعفين ..نعمل وندعو إلى العمل ولا نغمط ولا ندعي ولا نحتكر ولا نستأثر .

وبقى أن نقول إن إدانة رفعت الأسد الأخيرة في محاكم باريس ، لم تتضمن إدانته بأي ممارسة من ممارساته في حق السوريين . وإنما فقط بقضايا مالية وضريبية ربما أراد فيها الذين أدانوه أن يذهبوا بكل ما في سلته من عنب ..

 أحببت باسم كل المظلومين والمضطهدين والمفقودين أن أسجل الشكر والعرفان والتقدير لكل من عمل ويعمل ، ولكل من جد ويجد .. وأخص بذلك اللجنة السورية لحقوق الإنسان ومديرها الأستاذ وليد سفور ، تقبل الله جهده ، وشكر سعيه ، وزاده من فضله وأنشده البيت الذي أُحبه :

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

مخلوف وإدارة أملاك العائلة

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 17/6/2020

عندما قررت السلطات السورية الترخيص لشركات الخليوي بالدخول إلى الأراضي السورية دخلت شركتان إلى السوق السورية هما سيريتل وشركة 94 قبل أن تتحول إلى شركة MTN ، ليس لرامي مخلوف أية خبرة في كل هذه الأعمال على الإطلاق وبالتأكيد شركة الخليوي تحتاج إلى تركيب معدات خاصة وكلفة لذلك تحالف مع شريكه الملياردير المصري نجيب ساويرس صاحب الVodaphone  من أجل إدخال وتركيب المعدات الخاصة، لكنه ما لبث أن اختلف معه وطرده من السوق السورية كليا بعد الاحتجاج من قبل ساويرس على طريقة إدارة مخلوف للشركة، ولم يحل الخلاف الذي وصل إلى المحاكم الدولية إلا بعد أن تدخل الرئيس السابق حسني مبارك في اتصال شخصي مع الرئيس بشار الأسد.

كان واضحا أن تخلي الدولة السورية عن حقوقها في عقود شركات الخليوي سوف يضيع على الخزينة السورية مليارات الدولارات، وهو ما دفع النائب السابق رياض سيف إلى إثارة هذا الموضوع علنا تحت قبة مجلس الشعب السوري وصدر كتابا موثقا بالكامل يكشف حجم التلاعب الكبير في تأسيس الشركة وفي العقود على حساب الخزينة السورية، يكفي أن تأسيس شركة سيريتل هو في جزر العذراء البريطانية برأسمال قدره 50 ألف دولار فقط، فإذا ما أفلست الشركة لا تستطيع الحكومة السورية مقاضاتها أبدا.

والأهم أن الحكومة السورية تعطي الحقوق للشركتين المشغلتين لمدة سبع سنوات وفق عقود P.O.T   لكن وبعد انتهاء السبع سنوات في عام 2012 بقيت الشركتان هما نفسهما ولم تعد ملكيتهما للدولة أبداً، بل جرى تجديد العقود بصيغ أخرى مع الاحتفاظ على ملكية سيريتل للنسبة الأكبر على حساب الدولة والتي تبلغ الآن 50 بالمائة.

إثارة هذا الموضوع علنا وداخل قبة البرلمان دفعت الأجهزة الأمنية للتحرك فورا واعتقال النائب رياض سيف، رغم حصانته في تلك الفترة والحكم عليه بالسجن خمس سنوات، وفي ذات اليوم الذي اعتقلت فيه الأجهزة الأمنية سيف اجتمع مجلس الشعب السوري ليصوت بالإجماع دون أي صوت مخالف على عقود الدولة السورية مع الشركتين المشغلتين للهاتف الخليوي، كشفت قصة عقود شركة سيريتل أن رامي مخلوف هو مجرد واجهة شكلية لعائلة الأسد في إدارة الأملاك الخاصة بعائلتي الأسد ومخلوف.

رامي مخلوف هو ابن محمد مخلوف الذي هو خال الرئيس السوري بشار الأسد وأخو والدته أنيسة مخلوف، لمحمد تاريخ طويل في الفساد المشرعن عبر انتقاله من المؤسسة العامة السورية للتبغ "الريجي" إلى البنك العقاري الذي أصبح يحصل على نسبة 5 بالمئة من كل القروض الممنوحة، ولذلك لقب بالسيد خمسة بالمئة، لكن مع وفاة الأسد الأب وجَدَ بشار الأسد في رامي مخلوف وإخوته إيهاب الذي هو شريك رامي في الإدارة والإشراف على كل هذه الشركات والأخ الثالث العقيد حافظ الذي يتبوأ موقعا مرموقا في الاستخبارات السورية، فقررت عائلة الأسد مشمولة بالوالدة أنيسة مخلوف وبشار وماهر أما الأخ الثالث لبشار مجد فيعاني من إدمان واختلال عقلي، قررت العائلة توسيع ممتلكاتهم الشخصية عبر السماح لعائلة مخلوف في توسيع الثروة من خلال الشراكة مع كل الاستثمارات الأجنبية التي يمكن أن تدخل سوريا بعد العام 2000.

طبعا يتداول السوريون قصصا كثيرة عن رامي مخلوف وتدخله في السيطرة على امتيازات الشركات الأجنبية العاملة في سوريا لصالحه عبر فرض شراكة إجبارية هي أقرب للإتاوة كما أنها لا تكلفه أي حاجة لخبرة إدارية أو رأس مال وأشهر تلك القصص شركة مرسيدس التي استقرت على عائلة سنقر بوصفها الوكيل لكل مبيعاتها في سوريا، حاول رامي مخلوف مرارا انتزاع الوكالة من عائلة سنقر لكن الشركة الألمانية الأصل أصرت على الاحتفاظ بوكيلها في سورية ممثلا في سنقر فأجبر رامي مخلوف رئيس الوزراء حينها محمد ناجي عطري بإصدار قرار يمنع استيراد كل السيارات وقطع الغيار من شركة مرسيدس، لكن وكما يعرف الجميع مرسيدس ليست ماركة السيارات الفارهة (التي هي سيارة المسؤولين السوريين بالمناسبة) فحسب بل إنها عملاق سيارات النقل والمواصلات الضخمة في العالم وكل الوزارات السورية بدون استثناء لديها أسطول ضخم من هذه الباصات وسيارات الشحن فضلا عن السيارات الفارهة لكبار المديرين وكل هذه تحتاج إلى قطع غيار وتبديل بشكل يومي تقريبا ولذلك اضطرت كل الوزارات السورية للجوء إلى التهريب بشكل شرعي عبر الحصول على هذه القطع من لبنان المجاورة بسبب هذا القرار العدائي الذي أراد منه مخلوف تأديب الشركة الألمانية ووكيلها السوري سنقر ضاربا عرض الحائط بكل الخسائر الفادحة التي يمكن أن تمنى بها المؤسسات السورية.

هذه الحادثة تشير أيضا إلى مدى العلاقة الثلاثية الوثيقة بين ثروة مخلوف وثروة الأسد وارتباط كليهما وتسخير مؤسسات الدولة كلها من أجل الإثراء غير المشروع الذي تحصل عليه العائلتان.

===========================

قانون قيصر بين الخليج وسوريا

د. ظافر محمد العجمي

العرب القطرية

الاربعاء 17/6/2020

استخدمت عواصم خليجية عدة في فترات قريبة كلمة «الحكومة» بدلاً من «النظام»، لوصف قادة سوريا، ولم يكن الأمر بحاجة لإعادة طرح سؤال نزق إن كنا خليجيين أولاً أم تجاراً أولاً؟! والآن نعيد طرحه مع توسيع التعريف فيما يخص سوريا إن كنا في الخليج عرباً أولاً أم تجاراً أولاً؟! نزعة التاجر الخليجي الموصومين بها تم تكييفها لتبدو مقبولة بالترويج القائل إن مراكز أبحاث صهيونية ترى توظيف المال الخليجي لإعادة إعمار سوريا عبر إقناع من موسكو، التي عليها التعهد بإخراج الإيرانيين من سوريا أولاً، وبذا تكتمل الحبكة. ولنتذكر أن إعادة إعمار البلدان المدمرة بعد الحرب هو مجال استثماري مغرٍّ لكل صاحب رأسمال من سوليدير في بيروت إلى البوسنة والهرسك؛ حيث كان المستثمر الخليجي هناك.

ولا بد أن نشير أولاً إلى بدء سريان قانون قيصر الأميركي الموجه ضد الحكومة السورية، والأفراد والشركات التي تقدم التمويل أو المساعدة لرئيس سوريا، بما في ذلك تلك المُتعلِّقة بالبنية التحتية، مما أدى إلى أزمة اقتصادية حادة في سوريا، قد تكون مفيدة للخليجيين، وقد لا تكون تبعاتها كذلك. فقد أدت لانهيار الليرة السورية حيث أراد الأسد أن يكون هناك «سوريا المفيدة» وسوريا «غير المفيدة»، لكنه فشل وخسر النظام كما يقول خبراء سوريون ثلثي ثروات سوريا، وكل مصدر للعملة الصعبة كالنفط والماء والغاز ومحطات الكهرباء والقمح والقطن والزيتون، فالأراضي التي فيها الخيرات إما تحت سيطرة المعارضة السورية والأتراك أو الأكراد أو الأميركان بذريعة منع داعش من الاستيلاء على حقول النفط.

ويقال إن العقوبات الأميركية السابقة على سوريا قبل قانون قيصر قد فشلت، مما يعني أن قانون قيصر قد لا يسقط الرئيس بشار الأسد أو قد لا يسقط النظام برمته، مما يجعل الباب مفتوحاً لدخول المستثمر الخليجي لإعادة إعمار سوريا. فمن غير المعقول استبعاد الدول الخليجية من العملية الاقتصادية برمتها، وهم جزء من معظم العمليات السلمية والقتالية أيضاً هناك. مع إمكانية تكرار سيناريو العراق حيث عمل الخليجيون بجد لمساعدة إخوانهم العراقيين وقتئذ ، لكن المشاريع ذهبت لشركة Halliburton هاليبرتون الأميركية، ووصل كل شيء عبر العقبة بشاحنات أردنية، رغم أن الكويت أقرب!

كما قام الأسد قبيل سريان قانون قيصر بمحاولات لجذب شركات من دول عدة لإعادة إعمار سوريا، فنصف السكان بلا مساكن، وهناك تدمير تام لنصف المرافق العامة، مما يجعل الإعمار ضرورة ملحة تصل قيمتها 600 مليار دولار وليس خيارا بين خيارات؛ لذا روج الأسد إلى قيامه بتوفير بيئة استثمارية آمنة بإيجاد الشفافية، والوضوح في حقوق المستثمر، وما هي واجباته، ويسر ومتانة الجوانب القانونية، خصوصاً تطوير قانون الاستثمار استناداً إلى المعايير الدولية.

بالعجمي الفصيح

لو تجاوز الخليجيون قانون قيصر لإعادة إعمار سوريا، ببقاء أو زوال الأسد، فالمهم أن لا يتركوا شَرْطي بدء عملية سياسية مراقبة دولياً، بعيدا عن قوى التحالف هناك

===========================

سوريا وقانون قيصر ونماذج شبيهة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 17/6/2020

دخل قانون قيصر حيز التنفيذ اليوم، وأيدي السوريين جميعاً على قلوبهم من أن يكونوا ضحيته، فيستهدف الشعب أكثر مما يستهدف عصابة مجرمة قادرة على التكيف والتلاعب بالقانون، كما تكيفت وتلاعبت مع من سبقه، وهي التي تعيش أصلاً خارج السياق الزماني والمكاني، ولا تنطبق عليها قوانين ولا تنظمها نظم، لا سيما أن الجميع قد رأى انهيار العملة السورية يضرب أول ما يضرب المواطن العادي الذي يعجز اليوم عن توفير المادة الأساسية الخبز، فضلاً عن احتياجاته الأساسية الأخرى، ويحصل هذا في ظل عجز القوى الثورية، ومن خلفها في تأمين العملة البديلة في المناطق المحررة.

لقد أثبتت الأنظمة الشمولية والديكتاتورية قدرة كبيرة في التلاعب مع قوانين العقوبات، وأمامنا ما شهده العراق حيث كانت العقوبات الدولية على العراق تستهدف الشعب أول ما تستهدف، فكان الضحية موت مليون عراقي ومعاناة لا حصر لها، لتتجه واشنطن في النهاية نحو الخيار العسكري لإسقاط النظام العراقي، والأمر نفسه ينسحب بطريقة أخرى أو بأخرى على كوبا وفنزويلا وإيران وغيرها من الدول التي فرضت أميركا عقوبات اقتصادية لسنوات، وربما لعقود عليها، دون أن تلحق الضرر بالأنظمة بشكل كبير، وإنما ألحقته بالشعوب في الغالب.

أليس هناك من خيار آخر لإسقاط عصابة استخدمت كل المحرمات في حربها ضد البشرية والإنسانية كالكيماوي والبراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية وقصف الطيران للمدن والقرى والمشافي والأسواق، وبين هذا كله صور التعذيب المرعبة التي كشف عنها قيصر، وصور ما وصفت بالمسالخ البشرية في السجون السورية، فضلاً عن استجلاب العصابة لاحتلالات متعددة وميليشيات طائفية عابرة للحدود. فهل واشنطن بحاجة إلى استعداء شعب جديد هو الشعب السوري، كما حصل مع الشعب العراقي، وما استتبع ذلك من عداوة مع الشعوب العربية والإسلامية، بعد معاناة الشعب العراقي.

لأميركا الحق والواجب في دعم ميليشيات كردية لم تتعرض لواحد بالمائة مما تعرضت له الأغلبية السنية الثورية على أيدي الاحتلالات الأجنبية وذيلها العصابة الأسدية، ولكن ليس من واجبها أن تفي بما تعلنه وترفعه من قيم وشعارات وتعهدات في لجم عصابة تستخدم الكيماوي وغيره من الأسلحة المحرمة دولياً، بل تفرض شروطاً على الآخرين في عدم تسليح الجيش الحر بمضادات الطيران لوقف الموت جواً على يد العصابة ولعقد كامل، وهي نفسها أميركا التي أوقفت كل أشكال الدعم والمساندة لقوى الجيش الحر وانسحبت من المعركة أمام روسيا وإيران، والأعجب من هذا كله هو أنها أميركا نفسها التي تدعم ميليشيات كردية مفروضة على الشعب الكردي قبل أن تكون مفروضة على الشعب السوري، وعلى استعداد لإفساد علاقاتها مع الحليف التركي التقليدي لعقود من أجل هذه الميليشيات.

لن ينطلي على الشعب السوري التحركات الأميركية الأخيرة، فعلى الرغم من أن ظاهرها يستهدف النظام ومن وراءه فإنها تستهدف أيضاً وبشكل مباشر السوريين في مضاعفة معاناتهم، تماماً كما تستهدف بشكل عميق بنية الدولة واقتصادها، ويجعل البلاد رهينة للبنك الدولي والمؤسسات النقدية الدولية لسنوات وربما لعقود، فتدمير البلد ما كان له أن يتم بهذا الشكل المخيف لو لم يأمن طاغية الشام وعصابته العقوبة الدولية والعقوبة الأميركية تحديداً، ليأتي المبعوث الأميركي جيمس جيفري بعد كل هذا الخراب والدمار ويعلن أن إسقاط الأسد لا يعني رحيل النظام ومؤسساته، ولا أدري ماذا تبقى من مؤسسات بعد كل هذا الدمار والخراب سوى مؤسستي القتل الجيش والمخابرات، وهما المؤسستان اللتان يبدو أن النظام الدولي مصرٌّ على إبقائهما كسيف مسلط على الشعب للفتك به إن حاول ثانية الانتفاض ضد جلاديه، أما تدمير المؤسسات الخدمية الأخرى من تعليم وصحة ونحوهما فلا يعني المجتمع الدولي.

رهن الدول ومنها أميركا نفسها بالإبقاء على مؤسسات النظام إنما هو اصطفاف فاضح وواضح إلى جانب القاتل لعقد كامل، ويستلزم ذلك تحمل مسؤولية بشكل متساو كمسؤولية النظام نفسه، فلا مندوحة للعالم كله أن ينحاز لربيع عربي وسوري ليس حكراً على وطن دون وطن ولا جغرافية دون أخرى، ونحن نرى ونلمس عولمة الربيع العالمي من الماء إلى الماء.

===========================

نهاية بروتوكولات الأسد الأب

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الاربعاء 17/6/2020

هل لم تزل العلاقة التي تربط نظامي الحكم، الثيوقراطي المتطرّف في طهران والبعثي المستبدّ في دمشق، تشكّل العروة الوثقى التي لا انفصام لها بين الطرفين، خاصة بعد وقوعهما معا في براثن مشترك أعظم هو فخ العقوبات الأميركية التي تكاد تقسم ظهر اقتصاداتهما المترنّحة؟

وهل لم تزل بروتوكولات الأسد الأب، التي اتخذها نهجا لحلفه مع ملالي طهران سارية المفعول بنوازعها الطائفية، وقد أرسى قواعد لها في المجتمع السوري الذي لم يعرف أي شكل من أشكال التمييز المناطقي أو الديني أو القومي حتى وصلت العائلة إلى الحكم بعُقدها التاريخية، عقدٌ تختصّ ببيت الأسد وحدهم، ولا علاقة لها، ثقافية كانت أو عقائدية أو سياسية، بالطائفة العلوية التي ادّعت عائلةُ الأسد تمثيلَها، فاتّخذتها رهينة، كما اتّخذت الجسم المجتمعي السوري الجريح بكليّته؟

من نافلة القول أن الامتداد الإيراني في سوريا ليس بحديث العهد، لكنه انتقل من موقع الشريك في حقبة حافظ الأسد، إلى موقع المحتل في عهد ابنه بشار.

فالابن “الوريث” للحكم الجمهوري في سوريا لم يرتقِ إلى المستوى الذي تمتّع به والده في إدارة الأحلاف، التي كان يشكّلها لتضمن استمراره وعائلته في السلطة في الأوقات الحرجة؛ أبرزها كان حلفه العقائدي مع طهران، وقد غيّر ذاك الحلف سمات الخارطة الجيوسياسية في المنطقة، وأحال سوريا إلى قاعدة متقدّمة لوجستية وبشرية لمشروع إيران التوسّعي المترامي الأطراف في منطقة الشرق الأوسط، ووصولا إلى شمال أفريقيا.

ولكي نقرأ الواقع بحيثياته وتراكمه الزمني، لا بد لنا من العودة إلى الوراء قليلا لنقلّب صفحات التاريخ الداكنة لحكم عائلة الأسد في نصف القرن الأخير من عمر سوريا.

ففواتح علاقة حافظ الأسد مع إيران أتت نتيجة رغبة عميقة لديه بطعن خصمه اللدود، صدام حسين، برأس حربة موجع إثر فشل المحاولة الانقلابية التي قادها بعثيو سوريا في العام 1979 لإسقاط جناح بعث العراق، وقد شكّل رأسه كابوسا مستمرا للأسد يهدّد بتقويض أركان حكمه.

تزامن فشل الانقلاب البعثي مع اندلاع الثورة الإسلامية التي أوصلت آية الله الخميني إلى السلطة بعد الإطاحة بشاه إيران. اتخذ حافظ الأسد في حينها القرار الأخطر وهو أن يكون الظهير العربي لدولة الملالي، وكانت سوريا الدولة العربية الوحيدة التي اصطفت إلى جانب إيران في حربها ضد العراق وقد امتدت ثماني سنوات ابتداء بالعام 1980 حتى 1988.

حدث ذلك في تناقض صارخ مع شعارات الأسد التي تدعو إلى الوحدة والتمسّك بشعارات القومية العربية، تلك التي يردّدها طلاب المدارس السورية في باحاتهم كل ذات صباح تماما كما يرددها أعضاء القيادتين القطرية والقومية للبعث الحاكم كل ذات ليل.

ومن أجل تعزيز موقعه ضمن دوائر نفوذ القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، ولكي يتحوّل إلى لاعب رئيس ومؤثر فيها، دعم تأسيس حزب الله في لبنان في العام 1982، وهو الميليشيا التي ستحمل المورّثات الطائفية وأسباب الفرقة والاحتراب الأهلي إلى الساحة العربية.

وهكذا شرع الأسد الأب بالتحكّم في مواقع النفوذ الإقليمي عن طريق تركيب الفتن وإشعال الحرائق السياسية، وذلك انطلاقا من لبنان الذي أحاله حزب الله إلى بروكسي لفك شيفرة غزو إيران العقائدي، تلاه العسكري، لسوريا والمنطقة.

أما الأسد الابن فعلاقته مع إرث والده من الأحلاف كانت أقرب إلى علاقة التابع بسيّده. فمن التوغّل المخابراتي والعسكري لإيران في عهده، إلى انتشار الحلقات التبشيرية واندلاع حركة تشيّع واسعة في صفوف الطبقات الفقيرة، إلى التدخل المباشر في رسم السياسات في قصر المهاجرين وقد سيطر على مساراتها الضباط الإيرانيون بشكل كامل، قبل أن يتقاسموا مرغمين مع موسكو هذا الامتياز، إثر التدخل العسكري الروسي المباشر في العام 2015 بطلب من بشار الأسد لقمع الثورة الشعبية وقد استعاد أبناؤها 70 في المئة من الأراضي السورية، بينما اقتربت المعارضة المسلّحة من تحرير سوريا كاملة.

اليوم، وتحت وطأة الانهيارات الاقتصادية التي يعاني منها النظامان في طهران ودمشق، ومع إصرار الولايات المتحدة على رفع مستوى هذه العقوبات لتطال كل من يدعمهما بالمال أو الموارد أو السلاح، ومع دخول قانون قيصر للعقوبات الاقتصادية على النظام السوري دائرة النفاذ، قد ينقلب السحر على الساحر بسرعة قياسية غير محسوبة من الطرفين.

إن أي انهيار في هيكلية الحكم في سوريا ستتبعه حُكما انهيارات في ولاية الفقيه الإيرانية. فالارتباط العضوي بين المنظومتين، وخضوعهما معا لعقوبات قصوى من المجتمع الدولي، قد أحالهما إلى حافات الإفلاس، وجفّفا الموارد التي كانت تُنفق على الميليشيات العابرة للحدود التي شاركت في عمليات القتل والتهجير القسري الممنهج لأبناء الشعب السوري الخارج في ثورته العادلة؛ ووصل جفاف التمويل إلى الذراع الإعلامية الدولية لإيران، وهي قناة “العالم” الفضائية الناطقة بالعربية، حيث أعلنت عن قرب إقفالها لشحّ في خزينتها.

بشائر انقطاع الموارد عن أدوات القتل والتدمير الإيرانية الداعمة لاستمرار النظام السوري، واضطرارها بالتالي إلى العودة إلى داخل حدودها لإصلاح ما يمكن إصلاحه متخلية عن دعمها للأسد المتهاوي مع سقوط سعر صرف العملة إلى الدرك الأسفل، ستكون عاقبتها قريبة.

في ذكرى مرور 20 عاما على موت الأسد الكبير، نكاد نشهد فصلا من فصول نهايات الطائفة الأسديّة التي صاغ بروتوكولاتها حافظ الأسد بنفسه ولنفسه، وجعلها إرثا من الدم الموصول ومرتعا شائعا له ولعائلته وحرّاس هيكله في خمسين سنة من عمر سوريا عجاف.

===========================

عن "قيصر"

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 17/6/2020

كما شأن كل تفصيلٍ يخصّ قضيتهم التي تزداد تعقيدًا، ينقسم السوريون (في المعارضة في حالتنا هنا خصوصاً) بشأن الموقف من "قانون قيصر"، بين مؤيد ومعارض ومتحفظ. يتمحور القانون الذي استغرق العمل عليه سنوات، وتم تمريره من الكونغرس الأميركي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ليكون جزءاً من قانون ميزانية وزارة الدفاع، حول فرض عقوبات شديدة على النظام السوري، بسبب الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين على مدى السنوات الماضية، ومنع كل أشكال التعامل معه ودعمه، ومعاقبة كل من يفعل ذلك أو يحاول. يأمل مؤيدو القانون أن يحقق ما عجزت عنه الوسائل الأخرى، بما فيها العسكرية، أي إسقاط النظام. كيف يتحقق ذلك؟ من خلال تضييق الخناق عليه، ومحاولة إحداث صدعٍ في بنيته، وخلخلة قاعدة دعمه الشعبية، ودفع السوريين الذين يعيشون تحت سلطته إلى الثورة عليه وإسقاطه. وفي معرض الدفاع عن موقفهم بشأن التأثير المحتمل للقانون على حياة الناس العاديين، يجادل المؤيدون أن القانون يستثني من العقوبات المواد الغذائية والدوائية والمساعدات الإنسانية، وهو لهذا لن يطاولهم.

تعاني هذه المقاربة من عطبٍ فكري وسياسي شديد، خلاف التناقض الكامن فيها بين النظر إلى القانون باعتباره وسيلة لدفع الناس إلى الثورة على النظام من جهة، والقول إنه لا يمس قوت يومهم واحتياجاتهم الأساسية من جهة أخرى. إذ إنها تنطلق أيضاً من تفكير رغبوي بشأن قدرة القانون على تحقيق أغراضه، وتظل أيضاً أسيرة تصوّرات سياسية ساذجة، تتمحور حول أن واشنطن مهتمة حقاً بمصير سورية، دع جانباً الاهتمام بمصالح السوريين، أو تحقيق العدالة لهم، أو التوصل إلى حل سياسي عادل، ينهي مأساتهم المستمرة منذ سنوات.

أولاً، يجد المرء صعوبة بالغة في ذكر حالة واحدة أدّت فيها العقوبات الاقتصادية إلى إسقاط أي نظام، في القرن الأخير على الأقل. لم يحصل هذا في كوبا ولا في كوريا الشمالية ولا في إيران ولا في العراق أيام نظام الرئيس صدّام حسين. ثانياً، تعد محاولات الفصل بين النظام والناس في تطبيق العقوبات بائسة، في الحد الأدنى. لا بل يكون تأثيرها وضررها على الناس عادة أكبر وأشد. وقد أثبت النظام السوري، مثل كل الأنظمة الاستبدادية، خصوصاً في سنوات الحرب، قدرة استثنائية على الاستفادة من أزمات الناس وآلامهم، ابتداءً من استغلال قضايا المعتقلين لتقاضي العمولات والرشى، إلى أعمال النهب و"التعفيش"، وحتى بيع أنقاض البيوت بعد تهديمها. "قانون قيصر" لن يكون إلا أداة إضافية في "صندوق العدّة" للاستمرار في هذه الممارسات. العقوبات التي يفرضها "قيصر"، مهما حاولنا التلاعب بالألفاظ، لتخفيف آثارها، ستؤدي إلى معاقبة عامة الناس، وجزء كبير منهم ليس لهم ذنب إلا أنهم وجدوا أنفسهم يعيشون في مناطق سيطرة النظام. لقد أدّت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق بين 1991 - 2003 إلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، ولم يسقط النظام الذي لم يكن له أي حلفاء يعينونه حينها، إلا بغزو عسكري أميركي شامل. وبعد نحو عقدين على سقوطه، ما زالت آثار تلك العقوبات الصحية والنفسية والمادية ماثلة في الواقع، وفي أذهان العراقيين ونفوسهم.

أخيراً، تبدو فكرة أن هدف "قيصر" أميركياً تحقيق تغيير في سورية، منفصلة تماماً عن الواقع، فإدارة ترامب، وعلى لسان المسؤول الأول عن الموضوع السوري فيها، جيمس جيفري، لا تسعى إلى تغيير النظام، بل دفعه إلى إخراج إيران من سورية، وفي الحد الأقصى إبداء مرونة كافية تسمح بحل سياسي، لا يتفق بالضرورة مع رؤية المعارضة. فوق ذلك، من الصعب تصوّر أن تستسلم روسيا وإيران "لقيصر"، بعد أن أفشلت محاولات إسقاط النظام عسكرياً، حتى لو خرج الناس عليه.

لو أن المعارضة تبدي اهتماماً أكبر بمصير الناس وحياتهم في مناطق سيطرة النظام، وتتوقف عن النظر إليهم باعتبارهم مؤيدين له، بل جزءاً بائساً، مغلوباً على أمره، من شعبٍ ضاع، لربما زاد ذلك من مصداقيتها عندهم، ولربما حصدت نتائج ذلك لاحقاً. حتى الآن، لا يبدو الفرق واضحاً لديهم بين شعاري "الأسد أو نحرق البلد" و"إسقاط الأسد أو نحرق البلد".

===========================

المحور حين يتحدّى قيصر

أرنست خوري

العربي الجديد

الاربعاء 17/6/2020

ينتمي قانون قيصر، أو قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا بحسب مسماه الأميركي الرسمي، الذي يدخل حيز التنفيذ اليوم، إلى زمن سوري آخر. كان زمن الاشتباك العالمي بين توجهين في ما يتعلق بالشأن السوري: إطاحة بشار الأسد ونظامه، وهو ما حملت لواءه مجموعة من دول أطلقت على نفسها لقب "أصدقاء الشعب السوري"، أو "إصلاحه"، أو قل إقناعه بتغيير سلوكه، بحسب المصطلحات الأميركية أيضاً. انقسام سياسي كان باراك أوباما، مدعوماً برخاوة أوروبية هي خليط من وهن ونفاق، قد حسمه منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة/ الحرب السورية على طريقته بتفضيل الحلول المهادِنة للإبقاء على القتلة في دمشق بحجة عدم رغبته في تجاوز القانون الدولي والتدخل عسكرياً من دون قرار من الأمم المتحدة، فمَنَع وصول أسلحة كاسرة للتوازن إلى أيدي معارضي الأسد، في وقت لم يكن هناك لا داعش ولا جبهة نصرة، بل ملامح بديل جدي، عسكري (الجيش الحر) وسياسي (محاولات مجلس وطني وائتلاف...)، سرعان ما تم القضاء عليه. وعندما انشق الضابط، مصوّر الفظاعات، الذي يُرمز إليه بـ"قيصر"، وعرض شهاداته أمام الكونغرس الأميركي، عام 2014، كانت النقاط تتساقط على حروف الاتفاق النووي الذي وُلد بعد ذلك بعام واحد، ليقدم إلى طهران ما لم يكن يحلم به حكامها. عشرات مشاريع القوانين قُدمت في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين في ما يتعلق بمعاقبة نظام الأسد على الإبادة التي يرتكبها، لكن لم يصل أي منها إلى مستوى قرار بإزاحة رأس النظام، فظلت فلسفة أوباما مهيمنة على المشهد الذي صار مع الوقت منقسماً إلى تيارين اثنين: نضغط كثيراً أو قليلاً على النظام السوري لإجباره على وقف القتل؟

مرّت سنوات خمس ليدخل القانون، وهو مزيج من مشاريع قوانين عديدة، حيز التنفيذ قبل خمسة أشهر من مغادرة دونالد ترامب البيت الأبيض ربما، هو الذي أقسم اليمين عند تسلمه الرئاسة على ألّا يزج قواته في أي ساحة حرب جديدة، توفيراً للمال، لا بل عقد العزم على الخروج من ورطات أسلافه، وهو ما يتحقق بالفعل من العراق وأفغانستان إلى سورية نفسها. صحيح أن قانون قيصر (مدته خمس سنوات) وقعه ترامب وبدأ التنفيذ في عهده، إلا أنه فعلياً ينتمي إلى زمن باراك أوباما، إذ تشوبه سخافة الاقتناع بأن هذا النظام ممكن أن يصلح نفسه، أو محتمل أن يقتنع بالحل السياسي وبالتوقف عن القتل.

يتعامل هذا القانون مع النظام السوري على أنه بالفعل يتخذ القرارات ويقرر الاستراتيجيات، بينما يفيد الواقع بأنه صار، منذ فترة لا بأس بها، مجرد أداة للثلاثي الروسي ــ الإيراني ــ الحزب الإلهي. ثلاثي يدرك تماماً أن أي تنازل من النظام في القضايا التي نص عليها قانون قيصر، أو أي إعراب عن استعداد للتنازل في مسائل القتل والديمقراطية والحريات والحل السياسي، لن يكون إلا مدخلاً للإطاحة بالنظام.

ولما كان هذا المحور الروسي ــ الإيراني ــ الحزب الإلهي مستهدفاً اقتصادياً ومالياً أيضاً من "قيصر"، لعلّه يقتنع بالضغط على الأسد، أمكن ملاحظة الاختلافات الجوهرية في الوقاية منه على طريقة التهدئة في المتن والشغب في الهوامش: روسيا تعرف أطر التفاوض مع أميركا على ملفات تبدأ من فنزويلا ولا تنتهي بكوريا الشمالية مروراً بالصين وليبيا ومناطق انتشار صواريخ حلف شمال الأطلسي وقواعده في أوروبا الوسطى والشرقية. طهران تتبادل وواشنطن إطلاق سراح العلماء والعملاء ويهدأ التصعيد والتوتر في الخليج، وتطلب فجأة مساعدة فرنسا في تحليل الصندوق الأسود للطائرة الأوكرانية. أما رد إيران في سورية وفي لبنان، أي في الهوامش، فشغب صرف، من نوع فتح المعابر "غير القانونية" بالكامل من لبنان باتجاه سورية لتصل الدولارات الشحيحة والبضائع إلى دمشق لعلها تؤخر انتفاضة حرية وجوع جديدة للسوريين. ثم تعيين شخص ما يُدعى حسين عرنوس رئيساً للحكومة السورية، وهو مشمول بعقوبات أوروبية وأميركية منذ عام 2014، لكي "يتحدّى واشنطن" بحسب العنوان ــ النكتة الذي اختاره إعلام حزب الله في بيروت، وليسود "التفاؤل الحذر" في دمشق مثلما ترغب قناة العالم الإيرانية الحكومية أن نصدّق.

===========================

راهن روسيا في سوريا واحتمالاته

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 17/6/2020

كيف يبدو راهن روسيا في سوريا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده، لأن محاولة الإجابة عنه، لا تفسر فقط السلوك الروسي في سوريا وحولها، بل ترسم في الجانب الآخر احتمالات سلوك موسكو المقبل في سوريا وحولها في المستويين الإقليمي والدولي.

وتبيّن نظرة سريعة للمشهد السوري والأطراف المنخرطة فيه، أن الروس هم الأكثر غرقاً في حيثياته وتفاصيله. فهم اليوم في مساعي حوار مع الولايات المتحدة حول القضية السورية، ويمكن أن يدخلوا في حوار مع الأوروبيين، إذا صدرت عن الأخيرين إشارات بهذا الصدد، وفي المستوى الإقليمي، فإن موسكو تتابع مع تركيا الملف السوري بكل حساسيات أنقرة حيال الأكراد السوريين باختلافاتهم، وبصدد مناطق شمال غربي سوريا وفي مركزها إدلب، التي تتقاسم السيطرة عليها تركيا مع «هيئة تحرير الشام (النصرة)» وبقايا تشكيلات مسلحة، أغلبها وثيق الصلة بتركيا، وبعضها أبعد ما يكون، وتسعى موسكو للحفاظ على علاقات تقليدية مع إسرائيل، تتضمن، إضافة إلى تنسيق المواقف في نقاط معينة، موافقة موسكو الضمنية على ما تقوم به إسرائيل في سوريا، وما تسعى لتحقيقه، خصوصاً في موضوع خروج إيران من سوريا، وإن كانت لا تجاهر في ذلك.

وسط وضع دولي إقليمي معقد، تتابع روسيا ارتباطها بالقضية السورية، وكان من الممكن لموسكو أن يكون وضعها أفضل في سوريا، لو أن أوضاعها الداخلية طبيعية من جهة؛ وعلاقاتها جيدة مع طرفي تحالفها في سوريا نظام الملالي الإيراني ونظام الأسد من جهة ثانية. لأنه في الحالتين، يبدو الوضع صعباً ومعقداً بالنسبة لموسكو، التي تواجه أزمة في تدني مواردها المالية؛ سواء لما ترتب من آثار جائحة «كورونا»، ولتدني أسعار النفط وتدني كميات إنتاجه، وإن كان ذلك لن يؤثر بصورة كبيرة على تمويل وجودها وعملياتها في سوريا، فإنه لن يساعد في تنمية استثماراتها هناك؛ بل إن الاستثمارات الروسية لن تبدأ هناك، ما دامت عملية إعمار سوريا، التي تراهن عليها روسيا، لا موعد لبدئها، بل مؤجلة بعد أن تم ربطها من جانب واشنطن وبموافقة أغلب الداعمين الأوروبيين والعرب بتحقيق تقدم في مسار العملية السياسية وفق قرار مجلس الأمن الدولي «2254»، والتي يذهب الأسد نتيجتها.

وبدل أن يسير شريكا موسكو معها نحو تأهيل النظام وإعادته إلى المجتمع الدولي، كما ترغب الأخيرة، فإنهما يصران على الذهاب عملياً في مسار العزلة والتمرد بتأكيد ذهابهما إلى النهاية في تحدي المجتمع الدولي بصورة مكشوفة على طريق استراتيجية التمدد الإيراني في الشرق الأوسط، التي جعل الأسد نظامه جزءاً منها، وهذا بين أسباب التوتر، التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة في علاقات موسكو مع طهران ودمشق، وظهرت فيها مؤشرات قوية في اتجاهين: رغبة موسكو في خروج إيران من سوريا من جهة؛ وإصرارها على إعادة ترتيب الوضع السوري من جهة أخرى.

ومما لا شك فيه، أن الراهن الروسي، لم يعد يسمح باستمرار سياسة النفس الطويل الروسية وغض النظر أو السكوت عن تصرفات إيران ونظام الأسد وسلوكهما في سوريا، مما دفع بموسكو، ليس فقط للانفتاح على المتدخلين الآخرين في القضية السورية، لا سيما الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وإسرائيل، والتدقيق بالمشهد السوري واحتمالاته؛ بل دفع إلى إعادة ترتيب العلاقة مع حلفائها، فكانت الخطوة غير المسبوقة بتعيين مبعوث للرئيس الروسي في دمشق، ينسق سياسات موسكو في القضية السورية فيما يتصل بالعلاقات مع نظام الأسد وإيران، تمهيداً لدور روسي أكبر في المرحلة المقبلة، لا شك في أنه سوف يستفيد من أمرين يتركان أثرهما على حليفي موسكو؛ أولهما التشارك الأميركي - الإسرائيلي لإخراج إيران من سوريا، والذي يجد له تأييداً دولياً وإقليمياً واسعاً، والثاني بدء الولايات المتحدة تنفيذ «قانون قيصر» لحماية المدنيين في سوريا الذي سيترك تأثيرات مهمة على نظام الأسد والمتعاملين معه بمن فيهم إيران وروسيا.

ويفترض بسير موسكو نحو تعزيز وتقوية دورها، أن يؤدي إلى قبول نظام الأسد الرؤية الروسية أو الاقتراب منها أكثر على طريق خطوات تؤدي إلى تحسين صورة نظام الأسد، وإعادة تسويقه للمجتمع الدولي، وإقناعه للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، وأهم الخطوات المطلوبة، قيام النظام بخطوات إصلاحية؛ من بينها معالجة الفساد الشائع في الإدارة الحكومية، والحد من عمليات نهب القدرات المحدودة للدولة والمجتمع من قبل أركان النظام وبطانته، وتوفير ما أمكن لمعالجة ترديات الوضع الاقتصادي الراهن، والاتجاه نحو معالجة أوضاع اللاجئين السوريين انطلاقاً من الموجودين في لبنان وإعادتهم إلى سوريا، وتحقيق مستويات ولو دنيا من انفراج أمني في مناطق المصالحات، وتفكيك الميليشيات التي ظهرت في سنوات الصراع الماضية بما فيها التابعة لإيران، ودمجها في إطار قوات النظام، وإنهاء التدخلات الإيرانية في المفاصل الأساسية للمؤسستين الأمنية والعسكرية ووقف ربط كبار الضباط بإيران. وإذا تم تطبيق هذه الإجراءات، وخففت إيران من وجودها في سوريا، فإن روسيا ستعمل على ترجيح بقاء الأسد على الأقل حتى الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2021، وقد تؤيد مشاركته فيها - إذا توفر وسط ظروف معينة - لتجديد بقائه في سدة السلطة لسبع سنوات جديدة.

ورغم أن المطالب الروسية لما ينبغي أن يقوم به نظام الأسد، تبدو متواضعة مقارنة بالحاجة السورية للخروج من الكارثة التي صار إليها السوريون في السنوات الماضية، فإن ثمة شكوكاً مستمدة من التجربة حول قدرة النظام على القيام بما هو مطلوب، بل إن الشكوك تحيط برغبته في القيام ببعضه حتى، وهذا ما يشترك فيه نظام الأسد مع إيران في رؤيتهما للوضع السوري وسبل معالجته، مما يفتح الباب أمام موسكو للذهاب في اتجاه فك الارتباط مع الأسد وبقائه في الرئاسة، سواء عبر جهود روسية أو عبر عملية سياسية دولية، تستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي «2254»، وهو اتجاه مرجح في ضوء مواقف نظام الأسد وإيران من جهة؛ والتوجهات الأميركية - الغربية المستندة إلى «قانون قيصر» لحماية المدنيين والأبرز في أهدافه دفع النظام على طريق تسوية سياسية، يكون من نتائجها إبعاد الأسد عن السلطة في سوريا؛ من جهة أخرى.

لقد بذل الروس جهودهم، فمنعوا سقوط نظام الأسد بعد تدخلهم العسكري الواسع في 2015، وساعدوا في استعادته سيطرته على مناطق رئيسية في غوطة دمشق والقلمون ودرعا وبعض مناطق الوسط السوري إلى حدود إدلب في الشمال الغربي، لكن نظام الأسد وحلفاءه الإيرانيين عجزوا عن التوافق والتناغم مع الموقف الروسي الذي ما بإمكانه أن يكون مثلهما؛ لأن روسيا دولة كبرى، تختلف في منطلقاتها وسياساتها، ولا يمكنها تحمل تبعات سياسات الأسد والإيرانيين، حتى لو اعتقد البعض غير ذلك.

===========================

وثائق قيصر تتحوّل لقانون يعاقب النظام السوري

عقاب يحيى

القبس

الثلاثاء 16/6/2020

بعضٌ قليل من جرائم النظام السوري بحق المعتقلين تمكّن العسكري المنشق قيصر أن يوثقها بالصور في الفترة من بدايات انطلاق الثورة السورية وحتى منتصف عام 2013، وبلغت 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل ممن تمّت تصفيتهم، تمكّن قيصر من تصويرها كحقيقة دامغة لما يقوم به النظام من جرائم بحق الإنسانية. الصور التي انتشر بعضها هزّت ضمير العالم الذي شاهد بعضها وكانت صادمة جداً وهي تُظهر بقايا بشر، وهياكل عظمية تعرّضت للقتل والتعذيب بطريقة رهيبة تدوس كل قوانين حقوق الإنسان، وحياته، وتشكّل إثباتاً دامغاً على ارتكاب فظائع ترقى إلى مستوى الجريمة الموصوفة بحق البشرية والتي لا تموت بالتقادم. تلك الصور لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من الجرائم المرتكبة بحق المعتقلين، والتي تقدّر بعشرات الآلاف من السوريين الذين جرت تصفيتهم بتلك الوسائل الرهيبة، فيما يعرف بقصة المفقودين التي يرفض النظام الاعتراف بمصير عشرات الآلاف منهم، وقد اعتبرها عديد منظمات حقوق الإنسان العالمية «الهولوكست» السوري المنظم كفعل جرمي يتحمل النظام المسؤولية القانونية عنه. ورغم ما أحدثته تلك الصور المروّعة من تأثير على الصعيد العالمي والدولي، إلا أنها أهملت ولم تجرِ قوننتها واتخاذ إجراءات لمعاقبة الفاعل من قبل الهيئة الأممية، أو الدول، خاصة تلك التي تهتمّ بقضايا حقوق الإنسان، ومتابعة الأفعال الجرمية التي ترتكب بحق البشرية، خاصة في الولايات المتحدة. لكن فريقاً من الناشطين السوريين والمنظمات المدنية المعنية بحقوق الإنسان، وبمشاركة عدد من منظمات حقوقية أوروبية، ودعم شخصيات أميركية، ومنهم أعضاء في الكونغرس، نجحوا في تقديمها إلى مكتب التحقيقات الفدرالي الذي تأكّد من صحتها، ثم العمل على تحريك الملف، وتقديم قيصر لشهادته أمام الكونغرس، وصياغة مسودة «قانون قيصر» في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما، وقد رفض مجلس الشيوخ عام 2017 النظر فيه، واستمر تعطيل صدور القانون زمناً طويلاً، لكن جهوداً كبيرة كانت تبذل من قبل «اللوبي السوري» خاصة «المجلس السوري الأميركي»، وعدد من الناشطين السوريين وهيئات أميركية مختلفة، والتي نصحت بتمرير القانون ضمن ميزانية وزارة الدفاع، وقد تمّت الموافقة على الميزانية في 11 ديسمبر من عام 2019، وبتاريخ 17 من الشهر نفسه أقره الكونغرس ورفعه للرئيس للتوقيع عليه، وقد جرى توقيعه من دونالد ترامب بتاريخ 20 ديسمبر، ليصبح نافذ التطبيق خلال مدة أقصاها ستة أشهر، أي أن سريان القانون سيبدأ في 17 يونيو من هذا العام. *** ينص «قانون قيصر» على فرض عقوبات على الأجانب المتورطين ببعض المعاملات المالية أو التقنية لمؤسسات الحكومة السورية، والمتعاقدين العسكريين والمرتزقة الذين يحاربون بالنيابة عن الحكومة السورية أو روسيا أو إيران، أو أي شخص فُرضت عليه العقوبات الخاصة بسوريا قبلاً، وكل من يقدّم الدعم المالي أو التقني أو المعلومات التي تساعد على إصلاح أو توسعة الإنتاج المحلي لسوريا من الغاز والنفط أو مشتقاته، ومن يقدّم الطائرات أو قطعها أو الخدمات المرتبطة بالطيران لأهداف عسكرية في سوريا. كما يفرض عقوبات على المسؤولين لجهة انتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين أو أفراد عائلاتهم. وحدد مجموعة من الأشخاص المقترح أن تشملهم العقوبات، بينهم رئيس النظام بشار الاسد، ورئيس الوزراء ونائبه، وقادة القوات المسلحة البرية والبحرية والاستخبارات، والمسؤولين في وزارة الداخلية من إدارة الأمن السياسي والمخابرات والشرطة، فضلاً عن قادة الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والمسؤولون عن السجون، ورؤساء الفروع الأمنية. ولإظهار اهتمام الإدارة الأميركية بتطبيق القانون سيتمّ الإعلان عن ذلك من داخل مبنى وزارة الخارجية وبحضور الوزير مايك بومبيو، ومن المتوقع الإعلان عن قائمة تضمّ نحو 25 ـ 40 شخصية من المسؤولين في النظام لفرض عقوبات جديدة عليها. *** لا شكّ أن تطبيق قانون قيصر بشمولية البنود التي يتضمنها، وإشراك الأمم المتحدة والدول دائمة العضوية في واجب تنفيذه سيخلق واقعاً جديداً على النظام يزيد أزمته الاقتصادية، وحتى العسكرية تأزماً، ويقطع عنه أوردة مالية مهمة تتجاوز سوريا إلى لبنان والعراق وإيران، وبما ظهر جلياً في انهيار قيمة الليرة السورية بشكل متسارع. من جهة مقابلة، هناك من يتناول آثار تطبيق القانون على المواطن السوري بأنه سيكون المتضرر الأول منه، وستزداد معاناته بشكل متسارع، وستهبط فئات كثيرة من الطبقة المتوسطة، خاصة من أصحاب الدخل المحدود إلى ما دون خط الفقر، في حين تتحدّث الوقائع أن نحو %80 من السكان هم فعلاً تحت خطّ الفقر، وأن عصبة النظام لن تتأثر كثيراً بتلك العقوبات، خاصة أن معظمهم يملك ثروات ضخمة وأرصدة موجودة في دول خارجية. ضمن ذلك هناك رهان على أن إضعاف النظام بقطع شرايينه الاقتصادية سيجبره على الدخول بالعملية السياسية والانصياع للقرارات الدولية، التي عارضها على مدار السنوات، وإلا سيكون عليه الرحيل وترك البلاد لشعبها الذي يقرر مستقبله، واختيار النظام السياسي الذي يريده.

===========================

===========================

هل يتلمس بوتين سيف قانون قيصر؟

عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 16/6/2020

تسع سنوات هي عمر المأساة السورية؛ تكفلت روسيا فيها بحماية النظام، وحوّلت حياة السوريين إلى تراجيديا سوداء؛ الموت ثم الموت. لم يستطع الرئيس بوتين إيقاف الحرب ودحر الإرهاب، بل أصبحت سورية دولة فاشلة بامتياز. للدقة، الإدارة الروسية لم تحارب الإرهاب، وهي من شن الحرب على المدن السورية، وبإشرافها دمرت بلادنا أكثر فأكثر. بوتين هذا، ورجاله الفاعلون في سلطته، لم يقاتلهم أحد على سورية. لا الأميركان ولا الأتراك ولا الإيرانيون ولا الإسرائيليون، ولا سواهم. الجميع أعطوها الحق باحتلال سورية، ولكنها رفضت ذلك كله، وأرادت احتلالها بطريقتها: حروباً واتفاقيات. وفي النهاية، عادت الدول المتدخلة، وأصبحت لها مصالح وجيوش في سورية؛ وها هي أميركا وتركيا وإيران تفرض سيطرة على مناطق واسعة من سورية.

حاولت أميركا، بكل السبل، مساعدة الروس في إخضاع سورية لها، وهذا هو المعنى المطابق لترك روسيا تختط طرقاً أخرى غير اتفاق جنيف 2012، أي وبدءاً من قرار مجلس الأمن 2254، واتفاقيات خفض التصعيد وأستانة وسوتشي واللجنة الدستورية وسواها. أميركا هذه، اكتفت بمنطقة محدّدة في سورية، ولم تمدّ نفوذها إلى سواها، وتخلّت عن درعا مثلاً، ولكن روسيا لم تفهم أنَّ عليها ملاقاتها وعقد تسوية، تخص سورية. يحق لروسيا أن تطمح إلى تقاسم العالم، فهي ترى نفسها دولة عظمى، ولكن ذلك يتطلب أن تكون كالاتحاد السوفييتي أو أميركا أو الصين، ولكنها ليست كذلك؛ فهي دولة أكبر من إقليميةٍ وأقلّ من عظمى وتقودها مافيا 

"أميركا اكتفت بمنطقة محدّدة في سورية، ولم تمدّ نفوذها إلى سواها، وتخلّت عن درعا مثلاً"تسلطية. روسيا لا تعي ذاتها العميقة هذه، وهذا ما ورّطها في مشكلات في محيطها الأوراسي وفي سورية، وبالتالي تجاهلت كل المحاولات الدولية للخلاص من الموضوع السوري، والآن تتورّط في ليبيا.

تم إقرار قانون روسيا في 2019، ولم تعط روسيا أهمية تذكر، لم تول أهمية حقيقية لتدهور الوضع السوري برمته، فليس فقط تركيا وإيران وأميركا في سورية وتعمل من أجل مصالحها، بل وهناك تفكك عائلات السلطة الحاكمة وفسادها ونهبها. ذلك كله، ومع التحذيرات الأميركية المستمرّة بضرورة إخراج إيران من سورية، بل وموافقتها على إخراج قواتها إن خرجت إيران. على الرغم من ذلك، تابعت روسيا تجاهلها، وكأن بوتين مجرّد دكتاتور غبي، ولا يعرف مصلحته، ويقود نفسه إلى التهلكة. نهاية استخفاف الروس كانت مع اقتراب موعد تطبيق قانون قيصر غدا (17/6/2020) والذي يضع معايير محدّدة، لإيقاف تطبيقه، وكلّها، تتوافق مع القوانين الدولية الخاصة بسورية، وإيقاف الحروب والانتقال إلى حكومةٍ ذات مصداقية، وقد كرّر الأمر ذاته الساسة الأميركان بعد إقرار القانون، ولكن عبثاً.

سيدخل القانون حيز التنفيذ الآن، وسيكون عصا غليظة بيد الأميركان، وسيحاصر كل حلفاء النظام السوري، وبدءاً بروسيا وإيران وحزب الله، وسيلاحق كل أشكال العلاقات مع النظام، العلنية والخفية؛ فأميركا أصبحت لديها خبرة كافية، عن تلك العلاقات، وهي ترصدها جيداً، وبالتالي سيتدهور الوضع السوري برمته، المتأزم أصلاً، وبدأت تباشير ذلك بمظاهراتٍ مطلبيةٍ في سببها الرئيسي، وتتضمن شعاراتٍ تطالب بإخراج القوات الأجنبية، ولا سيما الإيرانية 

"كأن بوتين مجرّد دكتاتور غبي، ولا يعرف مصلحته، ويقود نفسه إلى التهلكة"والروسية. روسيا بذلك تتحوّل إلى عدوٍ للسوريين، وغداً ستزداد المظاهر الاحتجاجية ضدها، وقد تتخذ أشكالاً عنفية، خصوصاً أن قواتها ومصالحها أصبحت واسعة وممتدة، ويسهل استنزافها.

تشمل بنود قانون قيصر، بصفة خاصة، التشدّد إزاء التمويل لمشاريع إعادة الإعمار، وطبعاً ستتوقف أموال المساعدات البسيطة للأهالي، والتي كان النظام يصادرها، وطبعاً تتشدّد ضد مختلف أوجه الحياة الاقتصادية، ولن تشمل فقط المؤسسات التابعة للنظام أو أعوانه، وطبعاً ستتأثر بها كذلك المواد الغذائية والدوائية، والتي لا يشملها القانون؛ حيث من غير الممكن أن تُستثنَى بشكلٍ دقيق، وليس من موظفين أميركان على الحدود السورية لمراقبة عمليات التجارة، وسواها، وبالتالي أغلب الظن أن تلك المعفية ستتعرّض للعقوبات بدورها.

خطورة هذا القانون أنه يأتي في لحظةٍ حساسةٍ في تاريخ النظام، وروسيا وإيران، فالدولتان محاصرتان ومعاقبتان، ولديهما أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة، والنظام أَفرغ خزائن بلاده من المال والثروات، والاقتصاد شبه متوقف فيه، بفعل سياساته الفاشلة منذ 2011، وقبل ذلك. وبالتالي ستكون للقانون آثار كبيرة على مختلف أوجه النظام، وكل منها سيؤثر على الوجه الآخر، وسيكون النظام أمام انهيار عام. وحتى شعبياً، وهناك مؤشرات على تمرّدٍ أوسع، وهذا يعني أن الوضع في أزمة كبيرة، ويتطلب تسوية كبيرة أو حلاً، يتجاوز النظام الحالي بالضرورة.

لا تعني الإشارة هنا إلى وضع النظام أنه ما زال فاعلاً، بل القضية تكمن عند الروس. وسعوا أخيرا من سيطرتهم العسكرية والاقتصادية، وأرسلوا مبعوثاً رئاسياً بمثابة مندوبٍ سامٍ، ولكن ذلك لم يوقف قانون قيصر، وربما ستجد نفسها "عاريةً" على الرغم من كل وجودها في سورية، فهي لا تستطيع الاستفادة من مناطق سيطرتها في سورية، ولا تشغيل استثماراتها،

"المعارضة لا تعي خطورة القانون على الشعب، وتتوهم أن جمعية خيرية اسمها أميركا، ستنفذ القانون ضد النظام ولصالح الشعب بطريقة "شيل الشعر من العجين"" وحتى إخضاعها النظام السوري، لن تستفيد منه. إذاً سيكون عليها، وحينما يدخل القانون حيز التنفيذ، وتتالى حزم العقوبات ومراقبة التطبيق، أن ترى بأم العين أنها أضاعت فرصاً كثيرة للتسوية من قبل، وتعقدت التسوية ذاتها، وقد أصبحت أميركا تشرف، وبشكل مباشر على كل ما يخص علاقات النظام السوري مع العالم، وكذلك في شكل سيطرته على الشعب السوري.

لا ريب في أن النظام هو من أتى بقانون قيصر، بتجاهله، لحظة إقراره، ولحظة تطبيقه، وهو المسؤول عن كل مآلات الوضع السوري، قبل 2011 وبعدها. هذا ما لا جدال فيه، وهو يتحمّل مسؤولية وجود هذا القانون وإقراره، بل ونتائج تطبيقه. ولكن أيضاً، لا يمكننا إشاحة العقل والعين عن آثاره التي ستكون بأغلبيتها من نصيب الشعب. ربما سيستطيع النظام تفادي الآثار عليه، ولكنه، وباعتباره أصبح تابعاً، سينتظر قرار الروس بخصوصه، وهذا أكثر ما يخيفه، وسيتضاعف الأمر في المستقبل. قرار بوتين هو الحاسم في كل تطورات الوضع السوري. من هنا، علينا التدقيق في آثار "قيصر"، حيث ستكون نتائجه كارثية، وبالتالي سيحاول الروس في مقبل الأيام والأشهر البحث عن تسويةٍ، تضمن مصالحهم، وسيكون المحور فيها إخراج الأسد من السلطة.

الآن، ماذا تفعل المعارضة السورية؟ وفقاً للمتداول في وسائل التواصل الاجتماعي، وآراء هنا وهناك، فهي لا تعي خطورة القانون على الشعب، وتتوهم أن جمعية خيرية اسمها أميركا، ستنفذ القانون ضد النظام ولصالح الشعب بطريقة "شيل الشعر من العجين"، فالآثار على النظام والفوائد للشعب، وعدم إيقاع الظلم عليه. هذا التفكير بائس بامتياز، ولا يعي مصالح الدولة الأميركية، والتي لا تُقرأ من زاوية مصالح الشعوب، لا من قريب ولا بعيد؛ ولو كانت كذلك، لأجبرت النظام وروسيا على عقد تسويةٍ وتطبيق القرارات الدولية الكثيرة من قبل.

القانون سيطبق، ولن يتمكّن النظام من الالتفاف عليه عبر لبنان أو إدلب ومناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكذلك لن تتمكّن روسيا وإيران المتوقفتان عن إمداده من قبل بالمال أو الغذاء والنفط، مساعدته في مواجهة آثار القانون. في كل الأحوال، آثار القانون، وقبله سياسات النظام والروس الفاشلة، بدأت تظهر، فهناك تفكّك في العائلات الحاكمة، وهناك انهيار للعملة،

"القانون سيطبق، ولن يتمكّن النظام من الالتفاف عليه عبر لبنان أو إدلب ومناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد)" وكذلك اندلاع التظاهرات، وسيكون الأمر أعقد فأعقد في الأشهر المقبلة.

تطبيق القانون يجب أن يترافق مع حملة مناهضة له، ودفع الأمور نحو تسويةٍ سياسية، ومحاولة إعفاء الأغذية والأدوية وأموال التحويلات للوصول إلى أغلبية الناس. هذا ليس سهلاً، ولكنه أيضاً مهمة تقع على عاتق السوريين. النظام لن يهتم بهذه المهمات، فهو معني بالتمديد لنفسه عبر الروس فقط، ولن ينجح هذه المرّة كما يبدو.

الأساسي، في لحظتنا الراهنة، تقديم مبادرات للخروج من الوضع السوري، وهي مهمة الفئات المنشغلة بالهم الوطني، وبكيفية الخروج من الأزمات التي أصبحت عليها سورية، والتي تبدأ بالاحتلالات وبقانون قيصر وبأزمات معقدة، تتناول كل أوجه الحياة السورية، فهل تعي الإدارة الروسية حجم تلك الأزمات، وإمكانية ان تُدخِل نفسها بالمستنقع، بدلاً من السير بتسويةٍ. كل تأخير في إجراء التسوية سيقود نحو مواجهاتٍ عنفية، وسترسل بموجبها جنودها قتلى إلى بلادها.

نعم الوضع السوري يمر بمرحلةٍ جديدة، وهو قابلٌ للحل وقابل للتفاقم. بوتين هو المايسترو في ذلك كله... تأييد المظاهرات المتجدّدة قضية أساسية حالياً، وتأييد البعد الوطني فيها بالتحديد، وأيضاً دعمها لتتجذر وطنياً واجتماعياً وسياسياً؛ هي واحدة من القضايا التي لم تفهمها الفئات المتنفذة في المعارضة، وصار عليها أن تتعلم أن الشعب لا يطالب بالحرية فقط، بل يطالب بها، وبوطنٍ حر، وبعدالة اجتماعية، وبديموقراطية مواطنية، وبرفض كل شكل من أشكال التمييز، فكيف لا نرفض "قيصر"، وكل أشكال التدخل في سورية، وقد رفضنا قبلهما النظام ذاته؟!

===========================

===========================

"قيصر" قد يؤتي ثماره!

محمد العبد الله

المدن

الاثنين 15/6/2020

العقوبات الأميركية قاسية بطبيعتها. لا مجال فيها للسخرية أو العنتريات التي تطلقها حكومة النظام السوري على مرأى ومسمع شعبها شبه الجائع. التوتر السياسي والاقتصادي الذي تشهده سوريا طبيعي ومتوقع، فالعقوبات المزمعة التطبيق ستكون الأقسى والأبعد مدىً وتأثيراً. ستطاول الحكومة السورية بمصرفها المركزي، قطاع النفط، إضافة للقطاع العسكري، لا سيما سلاح الجو. لكنها ستطاول أيضاً حلفاء النظام، أو أي من تسول له نفسه (حكومات أو أفراد) خرق العقوبات ودعم النظام السوري اقتصادياً أو عسكرياً.

الجو العام في الإدارة الأميركية اليوم يركز على "تكثيف" استخدام العقوبات بشكل عام. عقوبات على إيران وعلى حزب الله وعلى الصين وفنزويلا وسوريا وغيرها. التوجه الأميركي في تشدد عام في هذا الإطار. جوبهت رسالة الدول الثماني المُعاقبة أميركياً للأمين العام للأمم المتحدة للمطالبة بتخفيف العقوبات مع بدء انتشار جائحة كورونا برفض أميركي قاطع. ردت وزارة الخزانة الأميركية بنشر ملخص عن "الاستثناءات الإنسانية والطبية" التي تتيحها أنظمة العقوبات هذه لتقطع أي طريق على مجرد طرح فكرة تخفيف العقوبات. العقوبات تروق الرئيس ترامب شخصياً. لا تكلفه الكثير، يملك فيها سلطة استنسابية كبيرة، حصادها الانتخابي (لا سيما عقوبات إيران والصين) ممتاز للرئيس الذي يمر في إحدى أكبر أزماته منذ تولي سدة الرئاسة.

لا يملك حلفاء النظام السوري أي حلول عملية، لا سيما أن الدولتين تخضعان لعقوبات أميركية مباشرة. ففيما تستمر روسيا وإيران بالسباق في ما بينهما لتقاسم ما بقي من مناطق نفوذ أو ثروات طبيعية سورية، سرعت روسيا تسليم طائرات "ميغ 29" للنظام السوري قبل بدء العقوبات الأميركية، وبدأت إيران عقد استكشاف البترول وإنتاجه في البلوك رقم (12) في منطقة البوكمال.

حكومة الأسد لا تملك بدورها، أي حلول بعيدة عن الهراء المعتاد الذي تترأسه مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان، والتي سبق أن أعلنت أن الاقتصاد السوري أصبح أفضل ب50 مرة مما كان عليه قبل عام 2011. تصريح شعبان الأخير بضرورة "الصمود والتصدي" لقانون قيصر يقدم فكرة واضحة عن خطة الحكومة السورية تجاه العقوبات المزمعة.

لا تنظر دمشق في "صمودها وتصديها" لقانون قيصر وتبعاته الى حلول للضائقة الاقتصادية والمعيشية التي ألمت بالمواطنين والتي ستساهم بشكل مباشر بضعف قدرتهم الشرائية. الاهتمام الوحيد كان دائماً وسيبقى المحافظة على السلطة والنظام وعلى المصالح الاقتصادية للعائلة، على الأغلب عبر الانخراط في أنشطة مشبوهة للالتفاف على العقوبات وتهريب الأموال.

وعلى الرغم من التصريحات الأميركية العلنية بأن الهدف من العقوبات ليس تغيير النظام وإنما الضغط على النظام لتغيير سلوكه والعودة لطاولة المفاوضات، فإن العقوبات القادمة تهدد وجود النظام أكثر من أي وقت مضى. النظام السوري اليوم ربما في أسوأ ورطة قد يواجهها منذ انطلاق ثورة الشعب السوري في آذار/مارس 2011. حالة التململ الشعبية العامة، وحالة الرفض والاستهجان الكبيرين في صفوف موالي النظام خاصة باتت أكثر وضوحاً، وأطلقت شرارة جديدة للتظاهرات في السويداء جنوب سوريا، مع كل ما سببه رامي مخلوف ومقاطعه المصورة من ضرر مباشر لشخص الأسد ولماهية "الصمود والتصدي" التي يرتب لها النظام السوري، كلها مجتمعة مع انهيار الليرة السورية السريع حتى قبل بدء سريان العقوبات الأميركية الجديدة، تقدم للمرة الأولى صورة واضحة عن هشاشة النظام من الداخل.

يحمل قانون قيصر في طياته مطالب أميركية واضحة يتوجب البدء في تنفيذها لإيقاف أو تخفيف العقوبات. تركز هذه المطالب في معظمها على حماية المدنيين وحقوق الإنسان (إطلاق سراح المعتقلين، وقف استهداف المشافي والمدارس، وقف استخدام سلاح الجو من قبل الطائرات السورية والروسية لقصف المدنيين، السماح بوصول المساعدات الإنسانية للمناطق المنكوبة)، وصولاً إلى العودة لطاولة المفاوضات وفق قرار مجلس الأمن 2254.

الضغوط الروسية على النظام للقبول ببعض التنازلات والبدء بنقاش بعض الملفات المطروحة، لا سيما ملف المعتقلين السياسيين، قد تكون إحدى نقاط المناورة الوحيدة التي يملكها النظام الآن، لكنها ليست سهلة على الإطلاق. فمع إشتداد الضائقة الاقتصادية في سوريا وتسارع انهيار العملة وارتفاع الأصوات المطالبة بالتغيير (الذي أنتج تغيير رئيس الوزراء واستجلب موجة سخرية كبيرة حتى بين موالي النظام) أصبح النظام في سباق مع الليرة المنهارة، مع تخبط كبير وشائعات حول رفض شخصيات في النظام السوري الأوامر من الجانب الروسي الذي يقود المفاوضات مع الجانب الأميركي، والذي بدوره لا يبدو على عجلة من أمره في نقاش موضوع تخفيف العقوبات في أي وقت قريب.

تنفيذ المطالب أعلاه أو جزء منها، أمر لا يمكن أن يتحمل نظام "الصمود والتصدي" كلفته السياسية داخلياً. والبقاء على الوضع الحالي قد يفجر الوضع في سوريا وفي أوساط الموالين للنظام، بدعم أو تحريض غير مباشرين من رامي مخلوف. العقوبات القادمة قد تحمل مفاجآت للجميع؛ للسوريين حول هشاشة النظام المنتصر عسكرياً، وللأميركيين كونها العقوبات الأميركية الأولى التي قد تؤتي ثمارها بالفعل.

===========================

من وحي خطاب الشباب في حراك السويداء

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 15/6/2020

وجّه شباب السويداء خطاباً يوم الجمعة الماضية إلى ما تبقى من الأدوات الوحيدة التي يمكن لنظام الاستبداد أن يستخدمها في مواجهة حراكهم السلمي. وعبارة "الوحيدة" تعني ها هنا أن جعبته قد فرغت من الحجج التي استخدمها تقليدياً لقمع السوريين: فلا حجة اتهامهم بالإرهاب تستقيم، ولا الفتنة بين سهل حوران وجبل العرب نجحت، ولا الخطف أتى بالنتيجة المرجوّة، ولا التهديد والوعيد أرعبهم، ولا التجويع أركع الناس أو أخرسهم؛ ومن هنا أتت عبارتهم: "يحتار النظام في طريقة تعامله معنا".

 يدرك هؤلاء الشباب أن الحجج التي ساقها النظام لقتل رفاقهم في سائر أنحاء سوريا، لم يعد لها سوق؛ وخاصة في السويداء؛ فداعش والنصرة والوهابية قد تنطلي على البعض في أمكنة مختلفة في سوريا إلا في السويداء. كما يدركون أنه يصعب على النظام أن يكسر مقولة "حماية الأقليات" المستَلطفة في الغرب، التي طالما دغدغ فيها مشاعراً دولية كحامٍ للأقليات.

بعد تقديم الاحترام، يذكّر الشباب الزعامات التقليدية وبعض المشايخ في المحافظة بأنهم للأسف كانوا أداةً اختارها النظام لقمع صوت الحرية والكرامة والانعتاق من الاستبداد، عندما يقولون لهم: "نعرف أننا وضعناكم في موقف حرج". وهنا يستشعرون إرباك هؤلاء وتمزقهم بين المبادئ والقيميات التي تبقيهم في سدة قيادة محيطهم، والتحكم به أخلاقياً من جانب؛ والسلطة القمعية التي حوّلتهم إلى وكلاء وعيون وممثلين لها بين "ناسهم" من جانب آخر. ويلخص الشباب ذلك بخطابهم: "نعرف أنكم بين مطرقة السلطة، وسندان الوقوف بوجه أهلكم"؛ ولكنهم يحسمون لهم الأمر بالإصرار على قرار الحرية الصعب. وبكل نُبْلٍ يعفونهم من تحمل مسؤولية مناصرة خيارهم كقدوة "مفترضة"، شريطة ألا يطعنوا بهذا الخيار، لأنه قرار الحق؛ ويدعونهم ألا يناصروا القهر والظلم، مذكرين تلك الزعامات بأنهم "أهل الحق". وهنا أيضاً يخاطبونهم بالقول: "لا تسمحوا للمعتدي أن يستخدمكم حجة لهدر دمنا". وبذا نجدهم يحملون مَن يخاطبونهم المسؤولية، إذا تم الاعتداء على الشباب، باستخدام تلك الزعامات والمشايخ أداة وذريعة لتنفيذ مآرب قمعية. ولا يفوت الشباب بخطابهم أن يقدموا وساماً تاريخياً لهم كـ "حٌماةٍ للحقوق ملتزمين بالدستور والقانون؛ عندما يقولون لهم: "سيسجّل التاريخ لكم، أنكم حميتم حرية شبابكم وحقوقهم المشروعة دستورياً وقانونياً".

تتسع دائرة هدف الخطاب ليكون لعموم سوريا فاضحاً ممارسات منظومة الاستبداد في الفساد والإفساد والإفقار الذي طال البلد وأهله. وهنا يسلّطون الضوء على ممارسات النظام ببيع أرض الوطن، ونهب ورهن مقدّراته من أجل البقاء؛ واستحالة السكوت عن ذلك. وفي هذا الصدد يقول خطابهم عن زمرة النظام: "إنهم يريدون جيلاً يرى أرضه ومنشآته العامة تُباع، ومقدرات وطنه تُنهَب؛ ومع ذلك يصمت".

يفضح خطاب شباب السويداء أنانية تلك السلطة وانتهازيتها؛ حيث تطلب من الناس الصمت على تلك الجرائم، والصمود في وجه تلك الكوارث التي تحلُّ بأهل سوريا. وفي الوقت ذاته يذكرون بأن "أبناءهم (أبناء مَن في السلطة) لا يعانون معاناتنا، ولا يخافون على مستقبلهم؛ في حين يطلبون من الناس أن تصمد"؛ بينما هم وأولادهم يتمتعون بالحاضر الرغيد، والمستقبل المضمون. وهنا يرون أن من واجبهم العلنية وعدم المواربة تجاه ما يحدث في سوريا، ويقولون: "إننا لن نختبئ وراء إصبعنا". بأذهانهم- كما في ذهن كل سوري- لم يعد الصمت يجدي، ولا عاد الاختباء وراء الإصبع مقبولاً، ولا عاد مسلك النعامة لائقاً؛ فلا تُبنى الأوطان إلا بالصراحة والشفافية والمكاشفة وفضح الأخطاء والنقد البناء.

يطالب شباب السويداء بحقهم الطبيعي في تحميل المسؤولية لمن يجب أن يحملها. فلا أيديهم فعلت ذلك بسوريا، ولا مؤامرة أو قوة خارجية استطاعت أو تمكنت من فعل ذلك. وهنا يعبّرون عن حقّ وحرية الكلمة بتحميلهم المسؤولية للمرتكب؛ ويقولون: "لن نخاف مِن تحميل المسؤولية لمن يجب أن يحملها". وكي لا يحمّلوا أحداً أوزاراً، أو يكرروا أخطاءً ارتُكبَت سابقاً في الحراك الثوري؛ يَعِدُ الشباب بترتيب أوراقهم، ويوسّعوا طيف مطالبهم الحق بالوطن الذي يريدون، ويحددون شكله كوطن مدني، أداته الديمقراطية، وشعاره الحق والقانون؛ ويقولون: "سنرتّب أوراقنا بما يرضي الوطن والديموقراطية والمدنية والحق".

لقد قدّم شباب السويداء بياناً للوطن؛ قدموا ملامح مشروع لسوريا، لا للسويداء. لقد ذكّروا أهل سوريا ببيان الثورة السورية الكبرى؛ والذي كان عنوانه / إلى السلاح/؛ إلا أن عنوان بيانهم كان: (إلى الحرية...) إلى وطن يكون فيه الإنسان قيمة القيم؛ وطن يحكمه القانون لا شريعة الغاب؛ وطن تكون فيه كرامة السوري ودمه فوق كل اعتبار؛ وطن قيَّمُهُ الحكمة والخبرة والمعرفة والعمل، لا الخوف والتزلف والولاء الغبي؛ وطن لا يُباع للحفاظ على كرسي التسلط؛ وطن لا يحتكر خيراته عصابة تهدده بلقمة عيشه؛ وطن خيراته ومقدراته له، لا لعصابة تتحكم برقاب العباد والبلاد؛ وطن لا يُقَدَّس فيه إلا الله معبودا، والقانون مستندا، والديموقراطية منهجا، والحرية روحا.

===========================

“الفرقة الرابعة"... مساعٍ روسية إلى تحجيم دورها في سورية

أمين العاصي

العربي الجديد

الاثنين 15/6/2020

ارتبط اسم "الفرقة الرابعة" في قوات النظام السوري بالبطش والترهيب الذي مارسته على السوريين منذ آذار/ مارس من عام 2011، إذ اعتمد عليها النظام لمحاصرة الثورة، لكونها الفرقة الأهم في جيشه، تسليحاً وتدريباً، فضلاً عن كون أغلب ضباطها وعناصرها يوالون النظام ولاءً مطلقاً. وعادت هذه الفرقة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام السوري بشار الأسد، إلى واجهة الأحداث مجدداً، مع محاولة عدة عناصر الانشقاق عنها في ريف دمشق، بالتزامن مع محاولة روسية لتحجيم دور هذه الفرقة المحسوبة على الجانب الإيراني.

وقُتل ثمانية عناصر من الفرقة الرابعة، أول من أمس السبت، نتيجة مواجهات على خلفية محاولة انشقاقهم في مدينة الضمير في ريف دمشق الشمالي الشرقي، وفق شبكة "صوت العاصمة" المحلية، التي أشارت إلى أنّ أربعة من العناصر هم من أبناء المدينة ممن كانوا قد وقّعوا على تسوية مع النظام عام 2018. وأكدت الشبكة أنّ قيادة الفرقة الرابعة استقدمت تعزيزات كبيرة، مدعومة بأكثر من 10 آليات عسكرية بين دبابات وعربات "بي أم بي"، إلى محيط منطقة المحطة على أطراف مدينة الضمير، مشيرةً إلى أنّ النظام استخدم طائرات حربية نفذت ثلاث غارات جوية على الأقل، استهدفت مكان تحصن المجموعة، بالتزامن مع إغلاق قوات النظام جميع مداخل ومخارج الضمير.

ويأتي الحادث في ظلّ حديث عن أوامر روسية للفرقة بسحب جميع حواجزها المنتشرة في جميع المناطق التي لا تزال تحت سيطرة النظام، وفق "المرصد السوري لحقوق الإنسان" الذي أشار إلى أنّ "ماهر الأسد رفض الأوامر الروسية رفضاً قاطعاً". لكن مصادر محلية أكدت لـ"العربي الجديد" أنّ الفرقة سحبت بالفعل حواجزها التي كانت موجودة في الجهة المقابلة لمعبر "أبو كهف" الذي يربط مناطق النظام مع منطقة منبج في ريف حلب الشمالي الشرقي، ومن معبر "الطبقة" الذي يربط مناطق النظام مع محافظة الرقة من الجهة الجنوبية الغربية.

ومع بدء الثورة السورية في مارس/ آذار من عام 2011، برزت الفرقة الرابعة إلى واجهة المشهد السوري، إذ اختارها النظام لمواجهة الاحتجاجات التي كانت تتصاعد، بسبب ثقته المطلقة بها، لكون أغلب ضباطها وعناصرها مختارين بعناية من أصحاب الولاء المطلق للعائلة الحاكمة للبلاد منذ خمسين عاماً. كذلك أنّ ماهر الأسد كان القائد الفعلي لهذه الفرقة التي تتخذ من مناطق عدة في محيطي دمشق الشمالي والغربي نقاط تمركز لها. وكان موقع "زمان الوصل" السوري المعارض قد نقل عمّا وصفه بـ"مصدر عسكري مختص" قوله إنّ "معسكرات الفرقة الرابعة تنتشر في المنطقة الممتدة من غربي العاصمة دمشق، وصولاً إلى الحدود اللبنانية، على مساحة تقدر بآلاف الدونمات، في منطقة تعتبر من أجمل مناطق ريف دمشق، وتصنف كأغلى منطقة عقارية في سورية، حيث يبلغ سعر المتر المربع الواحد فيها آلاف الدولارات".

ومع تصاعد الحراك الثوري في البلاد، بدأت تطرق أسماع السوريين أنباء المجازر التي ترتكبها الفرقة في درعا وحمص، ولاحقاً في الساحل السوري وفي شمال البلاد. وأراد النظام من خلالها ترهيب السوريين، كي يتراجعوا عن ثورتهم، لكن المجازر التي كانت تُرتكب دفعت الثورة السلمية إلى العسكرة، إذ اضطرّ السوريون إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، خصوصاً أنّ عناصر الفرقة الرابعة انتهكوا الأعراض، فضلاً عن شروعهم لاحقاً في ما بات يُعرف بـ"التعفيش"، أي سرقة بيوت السوريين وبيع محتوياتها في أسواق خاصة انتشرت في مدينة حمص وفي الساحل السوري.

ويعود تأسيس الفرقة الرابعة إلى عهد الأسد الأب، الذي بدأ مع تسلمه السلطة في عام 1970 في سياسة تعزيز نفوذ الموالين له من أبناء الطائفة العلوية في الجيش السوري والأجهزة الأمنية للحفاظ على السلطة. وتؤكد مصادر متقاطعة أنّ رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، كان له الدور البارز في إنشاء هذه الفرقة التي كانت حكراً على أبناء الطائفة العلوية؛ ضباطاً وعناصر. وبعد إبعاد رفعت الأسد عن سورية، عقب محاولته الانقلاب على شقيقه في عام 1984، دُمجَت "سرايا الدفاع" التي كان يقودها في "الفرقة الرابعة" التي بلغ عدد أفرادها في عام 2011 نحو 15 ألفاً. وكانت مهمة هذه الفرقة قبل الثورة حماية النظام في دمشق، حيث كانت تتبع لـ"الحرس الجمهوري"، ولكن بسبب عدم الخشية من حصول انشقاق في صفوفها، زجّ بها بشار الأسد في مواجهة السوريين في الأيام الأولى من الثورة، إذ أرسلت قطعة منها إلى محافظة درعا التي انطلقت منها الثورة السورية.

ومع اتساع نطاق الثورة السورية، وزّع النظام كتائب هذه الفرقة وألويتها على المناطق المشتعلة في حمص وحماة وإدلب والساحل السوري، حيث عمدت على الفور إلى ارتكاب المجازر بحق السوريين المنتفضين بوجه النظام. واستخدمت الفرقة التي تعدّ الأفضل تسليحاً وتدريباً في جيش النظام، الأسلحة الثقيلة، وخصوصاً الدبابات الروسية في عمليات الاقتحام للمدن السورية، ولا سيما في مدينة حمص التي سُوّيت أحياء كاملة فيها بالأرض.

وكان ضباط سوريون منشقون قد تحدثوا عن أنّ الفرقة الرابعة تضم لواءي دبابات، ولواء مشاة، ولواء مشاة محمولاً، وفوج إنزال، وكتيبة مهام خاصة، إضافة إلى كتائب كيمياء واستطلاع ونقل وإشارة، ومظلات، وشرطة عسكرية، وتسليح. وتؤكد مصادر في المعارضة السورية أنّ آلاف العناصر التابعين للفرقة قتلوا في المعارك مع فصائل المعارضة، إضافة إلى نحو 1800 ضابط، مشيرةً إلى أنّ الفرقة "تتدارك على الفور النقص بالعناصر والضباط من الفرق الأخرى في الجيش". وفتحت الفرقة خلال العامين الأخيرين الباب أمام مقاتلي المعارضة الذين أجروا تسويات مع النظام، للانضمام إليها، وذلك للزج بهم في المعارك مع فصائل المعارضة، من أجل التخلّص منهم.

وينشر ماهر الأسد حواجز لفرقته على كل الطرق في مناطق النظام، من أجل تحصيل إتاوات من المدنيين، إذ تؤكد مصادر مطلعة أنّ الفرقة الرابعة تجني أموالاً طائلة من وراء "أخذ الإتاوات والابتزاز الممنهج" على حواجزها.

في السياق، أوضح العميد المنشق عن جيش النظام، فاتح حسون، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "الفرقة الرابعة موالية للجانب الإيراني"، مشيراً إلى أنّ النظام "صرف الأموال الباهظة عليها، لتكون القوة الضاربة الأولى والأكثر تميّزاً لدى نظام الأسد الأب ثمّ الابن". وتابع بالقول: "هذه الفرقة هي التي طوّقت مدينة حماة في عام 1982 ونفذت الهجوم عليها، حيث ارتكبت مجازر بأهلها، وبالتالي تحمل إرثاً كبيراً من الإجرام". وأوضح حسون أن الفرقة الرابعة تضمّ "متطرفي الطائفة العلوية"، مشيراً إلى أنّ عدد ضباط الفرقة وعناصرها الآن "يبلغ نحو عشرين ألفاً".

ولفت حسون إلى الدور الذي اضطلعت به الفرقة في قمع ثورة الشعب السوري، قائلاً إنها "انتشرت في معظم المدن السورية، ومنها حمص التي انتشرت فيها دبابات الفرقة الرابعة الحديثة والمتطورة من نوع تي 72. وكانت مجزرة الساعة الشهيرة (عام 2011) من أولى المهام التي قامت بها هذا الفرقة في مدينة حمص، ثمّ تتالت عمليتها الإجرامية بسلاح الدبابات والمدفعية، إذ دكّت أحياء بابا عمرو والخالدية. كذلك حاصرت مدينتي الرستن وتلبيسة في ريف حمص الشمالي".

وأشار حسون كذلك إلى أنّ هذه الفرقة "شاركت بعمليات قمع وتدمير وتهجير وقتل السوريين في حلب، وجبل الأكراد في الساحل"، مضيفاً: "وفق توثيقاتنا، شاركت الفرقة في حصار درعا والرستن وتلبيسة وجسر الشغور وبانياس، وخاضت معارك همجية في حمص ودمشق ووادي بردى والقابون وجوبر وحرستا وغيرها". وعن مستوى تسليح الفرقة الرابعة، قال حسون إنها "تمتلك أسلحة مميزة".

===========================

ربيع سورية من درعا إلى السويداء

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 15/6/2020

أعادت هتافات المتظاهرين في محافظة السويداء خلال الأيام المتواصلة الماضية إحياء الذاكرة المرعبة لرئيس النظام السوري، بشار الأسد، حيث أيقظت في داخله من جديد مخاوفه من السقوط السريع، كما كان حاله مع بداية الحراك السلمي الشعبي في درعا، والتحاق المحافظات السورية بذلك الحراك، ما جعله يسارع في تحويل الثورة إلى صراع مسلح ينتزع منها التعاطف الدولي، ويحوّلها إلى مجرد ملفٍّ على طاولة المفاوضات الدولية، ولكنه اليوم يعود إلى نقطة البداية مع ثورةٍ شعبية بما أنجزته من شعاراتٍ سياسيةٍ مرفوعةٍ في ساحات التظاهر، وإبداعات غنائية وطنية جامعة، وطرق بصرية وتعبيرية جديدة لمواجهته مباشرة ورفض حكم الأسد الأب والابن معاً، وبما يجعلها منيعةً على تزوير محتواها، كما فعل مراسلون من المحسوبين على أجهزة الأمن لمحطات تلفزيونية محلية ودولية، أن "المظاهرات هي تنديد بقانون قيصر والعقوبات الأميركية".

وفي الآن نفسه، أعادت الثورة المتجدّدة في السويداء الثقة إلى السوريين بأن مفاتيح الحل لا تزال وطنية، على الرغم من كل التلاعبات الدولية، وهيمنة الحرب الشرسة على واقع السوريين، وتمزّق كيانات المعارضة بين أجندات الدول والارتهان لمصالحها، وإحلال مصالح تبادل السلطة مع النظام مكان شعارات الثورة بتغيير النظام وبناء دولة المواطنة المتساوية التي عبرت عنها هتافات 2011 "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد"، وتلاقت معها هتافات 2020 في السويداء ودرعا وإدلب ودير الزور وأنحاء عديدة من سورية، ما أفشل خطط الطائفية والمناطقية التي انتهجها النظام على مدار السنوات التسع الماضية، وجرّدها من مضمونها الذي اعتمد في تعامله مع المحافظات والطوائف السورية السياسة الإسرائيلية في 

"روسيا عينت نفسها وكيلاً عن النظام أمام المجتمع الدولي، واستبقته بتعيين مبعوث خاص للرئيس بوتين في دمشق"الأراضي المحتلة "فرّق تسد".

ودعت صرخات الثورة المتجدّدة، في التوقيت ذاته، حلفاء النظام إلى إعادة ترتيب جدول أولوياتهم، ووضعت روسيا على وجه التحديد في مأزق تصريحاتها المتكرّرة بشأن دعمها سورية الدولة، وليس شخص الأسد وعائلته، ما يسمح من جديد للثورة السورية بأن تستعيد أحقيتها في طرح مشروعها الوطني، وبناء دولةٍ سوريةٍ على أسس ديمقراطية تتيح لكل السوريين فرص المشاركة بالتساوي في مواطنتهم، ووقف هدر مواردهم ومحاسبة الطبقة الفاسدة سياسياً واقتصادياً وجنائياً، وهو ما يفرض على روسيا البحث عن حلولٍ بعيداً عن سلاحها الجوي المساند للنظام منذ عام 2015، والتوجّه إلى مشاركة المجتمع الدولي سيناريو حل جديد يوقف الغضب الشعبي، ويمهد لانتزاع سورية من تفرد عائلة الأسد بحكمها.

يمكن لقانون قيصر (وهو نسبة إلى ضابط سوري منشق قدّم الصور التوثيقية لجرائم النظام ضد المعتقلين أمام الكونغرس الأميركي)، والعقوبات التي يفرضها على النظام وأزلامه والمتعاونين معه، أن يمثل نقطة انعطافة في مواقف مساندي النظام، لكنه في مضمونه هو بداية انطلاقة الحل السياسي الذي يجب أن تنتهجه روسيا الدولة التي عينت نفسها وكيلا عن النظام أمام المجتمع الدولي، واستبقته بتعيين ما سمته مبعوثاً خاصاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في دمشق، يتولى مهمة سد الفراغ القراراتي، وتوحيد قرار النظام داخلياً بشأن التسوية السياسية، وهو ما يفسّر اللقاءات والاتصالات الأميركية - الروسية التي تجري لصياغة "مقاربة تدريجية"، أي تسوية سياسية تعيد سورية إلى المجتمع الدولي، حسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، تبدأ نقطة الصفر فيها من انطلاق أعمال اللجنة الدستورية 

"هدف إقالة عماد خميس، وتعيين حسين عرنوس تخفيف الضغط الشعبي، وتحميل المظاهرات صفة المطلبية"المشتركة (معارضة - نظام) في جنيف، مرورا بتسوياتٍ جزئيةٍ في درعا وإدلب. وبناء عليها، تمت أيضاً معالجة واقع هيئة التفاوض في الرياض بحلول ترقيعية لخلافاتها.

وبينما يستمر النظام في سياسة الإنكار التي اتبعها منذ تسعة أعوام، فإن واقع تدهور الليرة السورية فرض عليه إجراءات داخلية، منها إقالة رئيس الحكومة عماد خميس، وتعيين حسين عرنوس (المعاقب أميركياً) بديلا منه، في محاولةٍ لتخفيف الضغط الشعبي، وتحميل المظاهرات صفة المطلبية، بدلاً من الصفة السياسية التي تجلت بوضوح في هتافاتها الأيام الماضية. وعلى أهمية ما يحمله التغيير للسوريين، إلا أنه لن ينتج أي حلول في واقعٍ يزداد سوءاً، حيث يحتاج وقف التدهور السعري لليرة إلى تمتين الاقتصاد في حالاتٍ طبيعية، وهو ما يمكن أن يعالج بالالتفات إلى محاربة الفساد، وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين، ووقف هدر المال العام، وتمكين الصناعيين من أدوات عملهم، ومنها النقد الأجنبي والمحلي. ولكن هذه المطالبات تكون، في غضون حربٍ عسكرية وثورة سياسية ضد النظام الفاسد من داخله، مع أهمية تحقيقها، "فائض سطحية" ليس أكثر.

وما يستطيع فعله عرنوس في رئاسته الحكومة السورية وبقية التعيينات لشخصيات معاقبة دولياً (من الولايات المتحدة وأوروبا، لارتكابها أو الاشتباه بضلوعها في جرائم حرب) توجيه رسالة إلى مؤيدي النظام، وتحديداً لمريدي ابن خال الرئيس الأسد، رامي مخلوف، أن النظام حريصٌ على مؤيديه وشركائه الداخليين، خلافاً لما حاول مخلوف، في تسجيلاته وبياناته المكتوبة، أن يوحي به: في بدء النظام التخلي عن المقرّبين منه، اصطفافاً مع زوجته أسماء الأخرس، في صراعها على السلطة المالية والاقتصادية التي كانت تديرها عائلة مخلوف بالنيابة عن الأسد، من خلال شركات الاتصالات والشركات القابضة، وحتى الخدمية الاجتماعية، كما يدّعي.

سابقاً طالبت الإدارة الأميركية النظام وروسيا باتخاذ قراراتٍ صعبةٍ لتحقيق التسوية الدولية بشأن سورية، متجاهلة أي قوة للسوريين في الحل، لأنها ترى النظام من نافذة روسيا، وترى الثورة من واقع ترامي الاتهامات بين كيانات المعارضة المنقسمة والمتهالكة والمتراكضة على

"أميركا ترى النظام من نافذة روسيا، وترى الثورة من واقع المعارضة المنقسمة والمتهالكة والمتراكضة على تقاسم السلطة" تقاسم السلطة، إلا أن ما حدث في السويداء ودرعا وإدلب وأماكن متفرّقة من مظاهرات، بعد طول قمع النظام لها، وشدّته عليها في السنوات الماضية، كان هو القرار الصعب الشعبي الحقيقي، الذي من شأنه أن يغير من معادلات التفاوض: من تسويةٍ بين أطراف مسلحة متحاربة، إلى حل سياسي يفرض سورية جديدة شكلاً ونظاماً.

ومع كل هتاف يعيد الثورة السلمية إلى ساحات مدن سورية وأحيائها، يستعيد السوريون ليس فقط قدرتهم على تحقيق أهداف ثورتهم في حريتهم وحفظ كرامتهم من التشرّد والجوع والموت تحت أنقاض بيوتهم، بل تمكّنهم من حياكة ما تمزّق من وحدتهم الوطنية التي عملت كل أطراف النزاع المسلح المأجور (نظاماً ومعارضة) على الإمعان في تفجير خلافاتها على قاعدة تحقيق التباعد الطائفي والمناطقي والإيديولوجي بين السوريين.

يُزهر ربيع سورية اليوم في السويداء، على الرغم من كل ما يقوله الأسد، وإجراءاته التي تبقى قفزاً في المكان، ما لم يقرأ قرار مجلس الأمن الدولي 2254 بعناية، ويسقط فلسفته على قانون قيصر ومضامينه، ويتوقف عن شرح المشروح في خطاباته.

===========================

===========================

“قانون قيصر”: الشعب ضحية والنظام باحة خلفية

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 14/6/2020

من حيث منطوق الحيثيات ونطاق التطبيق، يختلف “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” عن كثير من أنساق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، سواء بقرار من البيت الأبيض أو بتشريع من الكونغرس، على العديد من الأنظمة؛ في الشرق الأوسط بصفة خاصة، ولكن أيضاً على قوى عظمى مثل روسيا على سبيل المثال. ذلك لأنه يستكمل، في المقام الأوّل أغلب الظن، سلسلة سياسات استهداف إيران عبر أذرعها في المنطقة؛ وهذه خيارات اعتمدتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ البدء، وصادق عليها بقوّة صقور الحزب الجمهوري في الكونغرس. كما يتابع القانون، على نحو أو آخر، تلك “الفلسفة” التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ولم ينقضها تماماً خَلَفه ترامب، حول دفع الكرملين إلى مزيد من الغرق في أوحال “المستنقع السوري”.

في عبارة أخرى، صحيح أنّ القانون يسمّي سوريا البلد، ويعلن حماية “المدنيين السوريين” على وجه التحديد، إلا أنّ النظام السوري ليس سوى الباحة الخلفية التي تتصدرها ستراتيجيات واشنطن ضدّ باحتَيْ طهران وموسكو في قلب المعادلة السورية؛ التي لا تنفصل، إلا عند السذّج، عن باحات لبنان والعراق، وربما اليمن وليبيا استطراداً. وصحيح، من جهة ثانية، أنّ الضغط على النظام عبر بوّابة الاقتصاد هو العنوان الإجرائي المعلَن للقانون، مثل غالبية العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة هنا وهناك؛ إلا أنّ اقتصاد النظام، في حالته الراهنة، لا يتطلب المزيد من التركيع لأنه راكع أصلاً وشبه منهار، خاصة في الآونة الأخيرة حين فقدت العملة الوطنية نحو 70 في المئة من قيمتها أمام غالبية العملات الصعبة.

وأمّا من حيث مقادير الأذى التي يُلحقها القانون بالشعب السوري ذاته، أو بالأحرى “المدنيين” الذين يزعم حمايتهم، فإنّ “قانون قيصر” لا يختلف كثيراً عن أيّ طراز من العقوبات التي تٌفرض للضغط على الأنظمة؛ فتؤذي ــ بالدرجات الأولى والثانية والعاشرة ــ الشعوب ذاتها، قبل إيذاء رؤوس الأنظمة ومجرمي الحرب ومؤسساتهم الأمنية والعسكرية. وفي مثال الشعب السوري تحديداً، وربما أكثر من الشعب الإيراني اليوم، أو الشعب العراقي في زمن صدّام حسين؛ ثمة في “قانون قيصر” ابتداع لطرائق جديدة من حشر المواطن السوري بين مطرقة نظام الاستبداد والفساد والتبعية للخارج وأهوال احتلالات متعددة الأطراف والجبهات، وسندان الغلاء وجنون الأسعار والبطالة القصوى وعطالة الاقتصاد وانهيار العملة وانسداد سُبُل العيش الأبسط…

ولا يُدهش المرء إزاء تصريحات جيمس جيفري، مبعوث الإدارة الأمريكية الخاصّ إلى سوريا، من أنّ انهيار الليرة السورية “يثبت أنّ روسيا وإيران لم تعودا قادرتين على تعويم نظام الأسد”؛ متناسياً أنّ وكالات الأمم المتحدة ذاتها، بعلم الولايات المتحدة والسادة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، مكّنت النظام السوري من التنعّم بما قيمته 30 مليار دولار من “المساعدات الإنسانية”؛ وتلك كانت واحدة من أكثر عمليات القرصنة الدولية وضوحاً وانكشافاً و… صفاقة! تلك المليارات لم تقدّم رغيف الخبز أو علبة الدواء للمواطن السوري، بل ضخّت المزيد من الملايين في جيوب رؤوس النظام وفاسديه وصيارفته، وأمدّت أجهزته الأمنية والعسكرية بأكثر من شريان حياة.

وفي نهاية المطاف، ألا يتواصل تعويم نظام الأسد منذ بدء الانتفاضة الشعبية السورية، في ربيع 2011؛ ليس من جانب إيران وروسيا وحدهما، بل كذلك في أكثر من عاصمة على نطاق العالم، في واشنطن كما في تل أبيب، وفي الرياض أسوة بالقاهرة؟ وأيّ نظام ذاك الذي أسقطته العقوبات الاقتصادية، أممية كانت أم أمريكية، و”ذكية” قاسية كانت أم “غبية” متسامحة؟ ألم يحدث العكس في الواقع، إذْ أتقنت الأنظمة المعاقَبة استغلال تلك العقوبات من أجل فساد أكثر واستبداد أشدّ، فضلاً عن انتهاج نفاق أعلى وقاحة في ادعاء دور الضحية؟

===========================

قانون قيصر .. نهاية وبداية

بيار عقيقي

العربي الجديد

السبت 13/6/2020

عادةً كل نهاية لأي شيء في العالم هي بداية جديدة لشيء آخر. الطبيعة بماديّتها وما ورائياتها ترفض الفراغ. قانون قيصر كذلك، حدٌّ فاصل بين نهاية وبداية. يُمكن تصنيفه بحدّ ذاته نهايةً لوضعية ما نشأت جرّاء تراكماتٍ سلبيةٍ متلاحقة، وعلى عجل، بطريقةٍ لا يُمكن إصلاحها أو تعديلها، وبداية لمرحلة جديدة لن تكون سهلة، لا على النظام السوري المعني مباشرة بالقانون ولا على حلفائه من لبنان غرباً إلى الصين شرقاً، وما بينهما من العراق وروسيا وإيران. كان يُمكن للقانون أن يشابه قراراتٍ صادرة عن الأمم المتحدة، أي لا تُطبّق بمعزلٍ عن رغبة طرفٍ قويٍّ في تطبيقها، ولو كرّرتها المنظومة الأممية آلاف المرّات. الشواهد كثيرة من الشرق الأوسط إلى كل الكوكب، غير أن هذا القانون ليس قراراً أممياً.

بدءاً من يوم الأربعاء المقبل، تاريخ سريان "قانون قيصر"، سيلمس كثيرون مفاعيله، وسيتأثر كثر به اقتصادياً واجتماعياً. وكل من لم ينزح أو يلجأ سيُصبح مشروع نازح أو لاجئ. هل تقتضي الحتمية ذلك؟ التاريخ لعينٌ في الشرق، دائماً يحضر العقل بعد وقوع الواقعة، على اعتبار أن حضوره قبلها يعني "تنازلاً"، وهو ما يلامس غضب "الإيغو" الشرقي عموماً. يدرك بعضهم أن الواقعية، غير المقترنة بالرفض والنكران، بل بمحاولة "إنقاذ ما تبقّى"، هي مفهوم ناقص في الشرق الأوسط. الجميع يحيا على وقع مبدأ "القوة" التي قد تكون فخاً في أحيانٍ كثيرة. لا قوة تأتي من فوق، بل تولد من أرحام التكتلات البشرية وتعاضدها، فإذا فرّقت هذه التكتلات تضعف القوة من فوق، مهما أوحيت بوجودها. لذلك، ستبدو المواجهات، في مرحلة ما، بعد وقوع الواقعة وكأنها ردود أفعال متلاحقة وعشوائية، غير قادرة على تلبية متطلبات المواجهة بحدّ ذاتها، خصوصاً إذا كان منطق "قانون قيصر" يتجاوز مفهوم الحروب العسكرية، سواء الحروب التقليدية بين الجيوش أو حرب العصابات أو العمليات الخاطفة، إلى مفهوم الحروب الاقتصادية.

المسألة لا تتعلق بتأييد القانون الأميركي أو رفضه. يفترض أن يكون امتياز هذا النقاش غير مطروح، خصوصاً أن الوقت ليس في صالح المعنيين بالقانون. بالتالي، يُمكن طرح سؤال وحيد: كيف ستتعامل الأطراف المعنية مع القانون وانعكاسه على الناس؟ العقوبات عادة لا تؤثر بالأنظمة بشكل محدّد، لكنها تضرب عمقها البشري، خصوصاً العصب المؤيد لها، سواء باختياره أو خشية منها. يكفي النظر إلى لبنان مثلاً، الذي بدا وكأنه مرتبك إزاء التعامل مع مفاعيل "قانون قيصر". لا قضية المعابر مع سورية حُلّت، ولا خطة موضوعة لحماية الناس من تداعيات القانون، فضلاً عن أن لبنان بالذات يعاني أزمةً اقتصادية غير مسبوقة، أدّت إلى ارتفاع نِسَب البطالة والفقر بشكل غير مألوف في تاريخ البلاد. حتى إن "فشّة الخلق" الأخيرة مساء الخميس ـ الجمعة لم تكن كافيةً لدفع السلطة إلى إجراء تعديلاتٍ جذرية على ملفها الاقتصادي. لا بل تكمن الخشية في ترك الأمور على غاربها.

أما في العراق، فيبدو أن الحوار أو المفاوضات بين العراقيين والأميركيين ستفتح باباً ما لحكومة مصطفى الكاظمي، لاستيلاد حالة توازنٍ مفقودة منذ الاجتياح الأميركي ـ البريطاني للعراق عام 2003. توازن قد يفضي إلى ترك الحرية للكاظمي للعمل ضمن مفهوم "العراق أولاً". صحيحٌ أنه عنوان مطاط، ويحمل معاني كثيرة، إلا أنه قد يرتبط بمطالب المتظاهرين العراقيين الذين باشروا انتفاضتهم منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. قد يكون هذا التوازن بالذات مطلوباً في لبنان، خصوصاً أن الوفد الأميركي في بغداد يضمّ ثنائياً يعرفه اللبنانيون جيداً، وهما ديفيد هيل وديفيد شينكر. إلا أن المعضلة تكمن في مدى قدرة السلطة في لبنان على تمهيد الأرضية اللازمة لإجراء مثل هذا التفاوض، تحت عنوان "لبنان أولاً". غير ذلك، فإن البداية الجديدة ستُفرض على اللبنانيين فرضاً.

===========================

شيشنة سورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 13/6/2020

غزت روسيا سورية بطلب من رئيسها للحرب على الإرهاب، لكن الرئيس بوتين أخبر جنرالاته بأنهم سيحتلون سورية لإنقاذ رئيسها بشار الأسد، وهذا ما نفاه الاستراتيجي الأسدي خالد عبود، وقال إن ما حدث كان العكس، وإن الأسد هو الذي أنقذ بوتين، ولو غضب منه لأخرجه بخنصره من الكرملين، فهل يعقل أن يكون بوتين ناكرا للجميل إلى الحد الذي يجعله يخاطر بمصيره، ويُغضب اللواء المتقاعد بهجت سليمان، فيدمّر قاعدة حميميم ومرفأ طرطوس في نصف ساعة، وهو زمن طويل جدا، ويعادل ستة أضعاف الزمن الذي حدّده جنرالات الحرس الثوري لتدمير إسرائيل!

أمام هذه الولدنات، كان من الطبيعي أن يبادر بوتين إلى تحصين وضعه في سورية، لسببين: أولهما أن الدولة السورية التي برّر غزوها بالمحافظة على مؤسساتها لم تعد موجودة، ولم يبق من وظائفها ما يمكنه إنقاذه غير المخابرات التي تتولى تهديده، فلا كهرباء، ولا ماء، ولا رواتب، ولا مواصلات، ولا مدارس، ولا مشافي، ولا عمل، ولا دواء، ولا دخل، ولا عملة سورية، بعدما زاد سعر الدولار عن ستين ضعف ما كان عليه عام 2011، وتجاوز عتبة الثلاثة آلاف ليرة. بعد قرابة عشرة أعوام من الانتصارات على مؤامرة الحرية، اختفت الدولة باختفاء وظائفها، جميع وظائفها الداخلية والخارجية، ووزارتها وحزبها. بما أن بوتين لا يستطيع بعث رمادها وهو رميم، لأسباب تتصل، بين أسبابٍ أخرى، بضيق ذات اليد، فقد قرّر استبدالها بدولة روسية بدأ تأسيسها بتعيين رئيس روسي لها، يساعده رئيسها الذي انزلق من موقعه منسقا أعلى لأجهزة المخابرات إلى موقع "رئيس ظل"، واستكمله قبل أربعة أيام بتعيين محافظين روس للمحافظات السورية التي سيتولون إدارتها بمساعدة محافظيها الذين صاروا بدورهم "محافظي ظل"، فمتى يعين مدراء النواحي، والمالية، والنفوس، وجباة مؤسستي الكهرباء والمياه، ورجال الشرطة وحرّاس الليل ومخاتير القرى، استكمالا لـ"شيشنة "بلادٍ، يعني انهيار دولتها افتقار الاحتلال الروسي إلى حامل سياسي محلي، وعجزه عن إيصال قدميه إلى أرض سياسية صلبة يقف عليها، بينما يواجه مصائب إعادة الإعمار، وتطبيق قرار مجلس الأمن 2254، والوجود الإيراني في حياة سورية الذي ينشط كمنافس في إهاب عدو، وسيستغل متاعب موسكو المنتظرة ليزيدها تعبا، حسب استراتيجية خالد العبود الذي أبلغ بوتين بأنه استدرج إلى سورية ليردع أميركا، وأن الأسد استبق قدومه بتحالفه مع إيران، لإبقاء روسيا تحت العين واليد. تلاشت دولة بيت الأسد التي جلبت بوتين إلى سورية، فهل تبقي دولة بوتين على رئيسٍ ظلٍّ هدّدها زعرانه بتدمير قواعدها خلال نصف ساعة؟

ثاني السببين أن احتلال سورية، بجيشها وحده، لا يضمن مصالح روسيا، فالروس لا يستطيعون إفراغ سورية من ثرواتها، ما لم تكن حاضرةً في كل مكان، وما دامت شروط إعادة إعمار ما دمّره غير متوفرة، فإن توفرت وطبق القرار 2254، رحل الأسد وزالت سلطته التي سيكون آخر ممثلٍّ لها، وواجه بوتين عندئذٍ مطالبته بالخروج من بلادٍ ساهم في تدميرها، ورحل من دعاه إلى غزوها، فإن نال المطالبون برحيله عن وطنهم دعما خارجيا مؤثّرا، حلت كارثةٌ بسياسة الانفراد بالساحة السورية التي قرّر استخدامها للقفز إلى الدول المجاورة، وأعاده فشله إلى موسكو بخفّي حنين، أو ورّطه في ما لا تحمد عقباه.

تغلق إجراءات بوتين باب الحل السياسي، وتأخذ الصراع على سورية وفيها إلى مواقع وخيارات تبعد السلام أكثر مما هو بعيد اليوم. يرجع ذلك إلى تمسّكه بالأسد الذي لم تعد لديه دولة، لأن بوتين ساعده على تدميرها، وسيواجه شعبا جدّد تظاهراته ضدهما، ويطالبهما بالرحيل، بعد عشرة أعوام من فتكهما به وإعلانهما الانتصار عليه.

سيد بوتين: لن تتمكّن من إنقاذ الأسد، أنقذ نفسك، سورية لن تصبح شيشانية.

===========================

عشرون حافظ الأسد: حين شهدت جنيف تلويحة العجز الأخيرة

 صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 13/6/2020

لعلّ المحطة الأهمّ خلال الأسابيع القليلة التي سبقت وفاة حافظ الأسد (1930 ـ 2000) كانت لقاءه مع الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلنتون في جنيف، أواخر آذار (مارس) 2000؛ والتي انتهت إلى الفشل، إذا نظر المرء إلى نتائج القمّة بمنظار ما كان الأسد ينتظر منها على الأقل. قبل هذه المحطة، وبعيد مقتل باسل نجل الأسد البكر، كانت المحطة الحاسمة هي ترقية النجل الثاني، بشار، كي يتولى التوريث بعد أخيه، الأمر الذي اقتضى سلسلة تدريبات أمنية وسياسية وعسكرية وعقلية، لم تغب عنها ملفات السياسة الخارجية للنظام. وهكذا، اجتمع الوريث الأكيد مع وفد رفيع من «حزب الله»، لأنّ العلاقة مع إيران كانت ورقة أساسية في معادلات الأسد الأب الإقليمية، ولكن الداخلية أيضاً. كما جرى إرسال الفتى (وكان في الرابعة والثلاثين من العمر، للتذكير) في زيارات خارجية إلى الجزائر والسعودية والكويت وعُمان والبحرين ومصر وإيران؛ وهو نشاط «دبلوماسي» بلغ ذروته مع زيارة العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر 1999، والتي ـ للمفارقة الصارخة ـ كان رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني يومذاك هو الوسيط خلف ترتيبها.

غير أنّ اللقاء مع كلنتون في جنيف كان مسؤولية الأسد الأب، غنيّ عن القول، رغم اشتداد المرض عليه واعتلال صحته؛ إذْ أنّ الأجندة المتفق عليها، والنتائج المحتملة، كانت أشدّ خطورة من أن تُترك للفتى غير الخبير وغير العارف وغير المدرّب بما يكفي بعد؛ حتى على مستوى الحضور الرمزي، والاستماع الصامت. وبعد انفضاض القمّة لاح أنّ السؤال الأكبر، الجلي تماماً في المقابل، هو ذاك الذي يفيد فشل القمة المعلن، أم (احتمال) نجاحها المضمر وغير المنكشف إلى حين؛ وكذلك المعيار الواجب استخدامه، منطقياً، للإجابة على السؤال: أهو انصراف كلنتون والأسد من دون الإشارة إلى استئناف قريب للمفاوضات بين النظام السوري ودولة الاحتلال؟ أم هو أوسع من مجرّد استكشاف الآفاق حول هذا البند تحديداً، وقد يكون جدول الأعمال انطوى على ما لا يُعلن، وعلى ما يبرر تصريح فاروق الشرع، وزير خارجية النظام يومذاك، بأنّ القمّة لم تفشل ولم تنجح؟ وهل يعقل أنّ الأسد تجشم عناء السفر، ومثله فعل رئيس القوّة الكونية الأعظم، لكي يقضيا ثلاث ساعات (تهبط مدتها إلى النصف إذا اقتُطع زمن الترجمة)، ثمّ يعود كلّ منهما أدراجه من دون أثر صاخب دراماتيكي مدوّ؟

المنطق غير البسيط كان، في المقابل، يشدد على أنّ تطوراً طرأ على موقف الأسد من النقاط الخلافية مع إيهود باراك، رئيس حكومة الاحتلال يومذاك؛ وأنّ ذاك التطوّر كان من طراز نوعي جدير بتشجيع كلنتون على قطع آلاف الأميال بين شبه القارّة الهندية، حيث كان يختتم جولة آسيوية، وجنيف. كذلك يجوز القول إنّ باراك أبدى تجاوباً مع التطوّر الطارئ ذاك، ولعله اعتبر أنّ لقاء كلنتون ــ الأسد قد يكون التمرين الأقصى قبيل اللقاء الرسمي الأخير الذي سوف يشهد توقيع الأسد على اتفاقية سلام سورية ــ إسرائيلية. لكنّ انقطاع المحادثات بين كلنتون والأسد بعد وقت قصير من افتتاح الجلسة الثانية عنى، والتسريبات اللاحقة أكدت، أنّ المشاورات الهاتفية بين كلنتون وباراك لم تسفر عن تنازلات تستجيب لمطالب الأسد، حول تواجد الاحتلال على الضفة الشرقية لبحيرة طبرية تحديداً؛ كما تردّد، في المقابل، أنّ ما قدّمه الأسد من تنازلات لم يكن كافياً في نظر باراك.

 

لعلّ باراك أدرك، جيداً أغلب الظنّ، أنّ الأسد لا يذهب إلى جنيف من أجل شدّ الحبال بل من أجل إرخائها، وأنه آتٍ لكي يعرض «حاجات» النظام وما يراه «حصّة» من مغانم السلام

 

ولأنّ النظام السوري لم يعوّد العالم على الحدّ الأدنى من المصارحة في تبيان ما يتفاوض عليه، أو حتى ما ينجح في التوصّل إليه؛ وكذلك لأنّ كتاب بثينة شعبان «مفكرة دمشق: عرض من الداخل لدبلوماسية حافظ الأسد حول السلام، 1990 ـ 2000»، الذي صدر بالإنكليزية، بائس في هذا المستوى مثل بؤس مؤلفته في المستويات كافة؛ فإنّ المرء مضطر إلى استقراء الروايات الأمريكية والإسرائيلية، عند أمثال دنيس روس الذي كان شاهداً بوصفه أحد كبار مساعدي كلنتون، أو عند أمثال الأكاديمي الإسرائيلي إيال زيسر في كتابه «حُكْم سوريا: بشار الأسد والسنوات الأولى في السلطة». وهذه، وسواها، تثبّت حقيقة أنّ باراك تعنّت في نهاية المطاف، وأغلق باب التنازلات، بعد أن توصّل إلى يقين بأنّ تلهّف النظام السوري على إتمام اتفاق مع دولة الاحتلال لم يكن مجرّد «خيار ستراتيجي» كما صرّح الأسد نفسه، بل هو في الواقع حاجة ستراتيجية يريد الأسد الأب حمل أثقالها شخصياً في ما تبقى من عمره، قبل أن تؤول إلى وريثه في غيابه فتضيف المزيد من المخاطر أمام إمساك الفتى بزمام الأمور، وسط نظام الذئاب والضباع الذي يخلّفه لابنه.

اعتبارات بارك الأخرى كانت تستبطن، أيضاً، حقيقة أنّ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سوف يحوّل هذا الملفّ من ورقة ضغط رابحة في يد النظام السوري، إلى عبء ثقيل يُلقى على كاهل الأسد ووريثه من بعده. ويومذاك كان جبران تويني، رئيس تحرير صحيفة «النهار» الذي سيلاقي حتفه اغتيالاً على أيدي وكلاء النظام السوري في لبنان، قد كتب افتتاحية يطالب فيها الأسد الابن، وليس الأسد الأب، بسحب القوّات السورية من لبنان. وكان جلياً، بالتالي، أنّ الاعتبارات الجيو ــ سياسية خلف سيرورات التوريث تتجاوز مفاوضات النظام مع دولة الاحتلال إلى ملفات إقليمية شتى، بعضها ظلت زمناً طويلاً بمثابة أوراق رابحة في ألعاب النظام المختلفة.

كذلك بدا واضحاً أنّ هذا الآتي إلى جنيف، متوكئاً على أمراض عضال، ليس حافظ الأسد مطلع السبعينيات أو مطلع الثمانينيات، بل هو رأس نظام ينوء بما حمّله على كتفيه من أثقال استبداد وفساد ومجازر، فضلاً عن أرق مسابقة الزمن لترتيب البيت العاصف أمام وريث هشّ ضعيف الخبرة مضطرب التكوين؛ وليس من فضائل دولة الاحتلال أن تأخذ بيد الأب الآن، وهو في متاهات تدريب الابن! إنه، باختصار بليغ، الأسد في هذه السياقات الملموسة المكشوفة من حصيلته الراهنة، الصحية أوّلاً، وتلك التي ترسم محددات نظام «الحركة التصحيحية» بأسره ثانياً، ثمّ المعطيات الإقليمية والعالمية ثالثاً؛ وليس إقدامه على امتداح باراك، بأنه «قويّ وشجاع»، سبباً لإقبال الأخير على تفهّم الحال، إذْ تبيّن أنّ العكس كان هو الصحيح في الواقع.

كلّ هذا على الرغم من أنّ الأسد ذهب إلى جنيف ضمن اعتبارات ربما كانت طارئة في التفاصيل، ولكنها لم تكن طارئة في الجوهر الذي تبلور منذ كانون الأول (ديسمبر) 1999، حين وافق النظام على استئناف المفاوضات مع دولة الاحتلال «من حيث توقفت»، ومن دون شروط مسبقة. ولعلّ باراك أدرك، جيداً أغلب الظنّ، أنّ الأسد لا يذهب إلى جنيف من أجل شدّ الحبال، بل من أجل إرخائها؛ وأنه آتٍ لكي يعرض «حاجات» النظام وما يراه «حصّة» من مغانم السلام (مع دولة الاحتلال ومع الولايات المتحدة، في آن معاً)، ولم يذهب لتحسين مسوّدة الاتفاق الذي صاغته الخارجية الأمريكية بعد جولات شبردزتاون.

وعلى امتداد كامل إرث الأسد الأب مع دولة الاحتلال، ابتداءً من إعلانه سقوط مدينة القنيطرة سنة 1967 قبل وصول أيّ جندي إسرائيلي إليها، مروراً باتفاقيات سعسع 1974، والتواطؤ الصامت على الاجتياح الإسرائيلي في لبنان، وليس انتهاءً بمفاوضات السرّ والعلن هنا وهناك؛ لعلّ خيبة آمال الأسد، من لقاء جنيف 2000 مع كلنتون، كانت بمثابة تلويحة العجز الأخيرة.

===========================

أين بشار الأسد؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 13/6/2020

لم تمر سوريا في تاريخها بهذا الوضع الكارثي المأساوي حتى في أعتى أيام الثورة والصراع بين النظام وقوى المعارضة والشعب السوري. لا عجب إذاً أن النظام كان يحاول على الدوام أن يؤخر نهاية الأحداث أقصى المستطاع، لأن الحرب تناسبه أكثر بكثير من السلم ولأنها تطيل في عمره. وقد قلناها مرات ومرات أن الوضع السوري الذي سيواجهه النظام أو غيره بعد أن يبرد الحدث السوري سيكون أصعب وأخطر بعشرات المرات من وقت الحرب. لماذا؟ لأن الجرح لا يؤلم صاحبه كثيراً وهو ساخن، لكنه يكون في غاية الوجع والإيلام بعد أن يبرد. وهذا ما يلاحظه السوريون الآن وفي مقدمتهم العصابة الحاكمة. سوريا الآن في وضع جهنمي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وخاصة بالنسبة للمؤيدين الذي دعموا النظام وساعدوه على مدى التسع سنوات الماضية في تدمير سوريا وتشريد شركائهم في الوطن، ويبلغ عددهم أكثر من نصف الشعب السوري.

لقد ضحك بشار الأسد وزبانيته على مؤيديه قبل سنوات ووعدهم بعد انتهاء الحرب بتطهير سوريا من العملاء والخونة وهم في الغالب أكثر من ثلاثة أرباع الشعب السوري، وبأنه سيصنع بعد ذلك مجتمعاً متجانسا خالياً مما أسماهم طاغية الشام في أحد خطاباته بالجراثيم والبكتريا، ويقصد طبعاً كل من يعارضه أو لا يقبل به من السوريين حتى لو كانوا يشكلون تسعة وتسعين بالمائة من الشعب السوري. لكن العتمة، كما يقول المثل الشعبي لم تأت على قد يد الحرامي، فها هي الحرب قد وضعت أوزارها تقريباً بفضل الدعم العسكري الروسي والإيراني المدفوع إسرائيلياً وأمريكياً، لكم عصابة الأسد تشعر الآن بغصة كبرى لأنها لم تعد قادرة على التسويف وتأجيل مطالب واستحقاقات المؤيدين إلى وقت أطول، فها هم المؤيدون وأبناء الأقليات الذين إما وقفوا مع النظام أو على الأقل وقفوا على الحياد، ها هم الآن يرفعون أصواتهم ويرددون نفس الشعارات التي أطلقها الثوار قبل تسع سنوات. ولو نظرت إلى شعارات انتفاضة السويداء الآن لوجدت أنها أكثر حدة من شعارات الثورة الماضية، لا بل إن المحتجين تحدوا الأسد بشكل شخصي في إحدى المظاهرات قبل أيام ورفعوا له الأصبع الوسطى، وهددوه باستخدام الرصاص إذا اقتضى الأمر لأول مرة بعد أن كان الأسد يعتبرهم من حلفه، خاصة وأنه يرفع منذ سنوات شعار حماية الأقليات، لكن الأقليات الآن باتت أكبر خطر يهدد النظام، فالوضع المعيشي الكارثي في ظل انهيار الليرة السورية، بات أكبر خازوق يواجه النظام ويهز أركانه. وكما يقول المعلق السوري الشهير فراس الأسد ابن رفعت، وهو من الأصوات الثورية الصادقة والنظيفة رغم انتمائه لعائلة الأسد، يقول في آخر منشور له على صفحته في مواقع التواصل: «هل المنتفضون في السويداء داعشيون؟ هل خرجوا من الجوامع؟ هل يحملون فكر العرعور؟ هل يؤمنون بفتوى ابن تيمية؟ هل ينشدون «بالذبح جيناكم»؟ هل يريدون قيام دولة إسلامية؟» بالطبع لا، ولهذا من الصعب جداً الانقضاض عليهم وتبرير البراميل المتفجرة بأنها تستهدف الدواعش والمتطرفين. النظام يواجه الآن الأقليات التي ادعى أنه حاميها من الدواعش والإسلامجيين التكفيريين.

لم تمر سوريا في تاريخها بهذا الوضع الكارثي المأساوي حتى في أعتى أيام الثورة والصراع بين النظام وقوى المعارضة والشعب السوري. لا عجب إذاً أن النظام كان يحاول على الدوام أن يؤخر نهاية الأحداث

ولا يختلف وضع الأقليات في الساحل السوري معقل النظام عن وضعهم في السويداء، فالجوع كافر، وبدل أن يحقق بشار الأسد المجتمع المتجانس لمؤيديه، ها هو اليوم يواجه أخطر قانون أمريكي يهدد سوريا في تاريخها، ألا وهو قانون قيصر الذي بدأ يخنق النظام اقتصادياً قبل أن يبدأ تنفيذه بعد أيام. لقد بات الوضع في سوريا على كف عفريت فعلاً، لا بل إن المعارضين الذي فشلوا في تغيير النظام يشعرون الآن وكأنهم قد حققوا من خلال قانون قيصر الأمريكي أكبر نصر على الأسد في تاريخه. لهذا تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بالشماتة مما وصل إليه وضع النظام ومؤيديه داخل سوريا، حيث بات أقرب المقربين يستهدف رأس النظام شخصياً بالشتائم بعد أن طفح بهم الكيل ولم يعودوا قادرين على شراء رأس بصل، وبعد أن صارت سندويشة الفلافل طعام الفقراء في سوريا حلماً بعيد المنال بسبب انهيار الليرة السورية أمام الدولار ليصل سعرها قبل أيام أربعة آلاف ليرة للدولار الواحد علماً أن أفضل راتب في سوريا لا يتجاوز الخمسين ألف ليرة، أي ما يعادل أربعة عشر دولاراً فقط لا غير.

وبالرغم من أن سوريا تواجه كارثة معيشية لم تشهدها منذ تأسيسها، إلا أن بشار الأسد لم يكلف نفسه للحظة واحدة بتطمين السوريين أو على الأقل شرح الكارثة أو حتى تبريرها، فقد ترك المهمة للشمطاء الشهيرة مستشارته بثينة شعبان لتطلب من السوريين أن يصمدوا في وجه المؤامرة الكونية، مما أثار غضب واستهجان المؤيدين قبل المعارضين. وقد وصل الأمر بالسفير السوري السابق في بريطانيا سامي الخيمي المحسوب على النظام إلى السخرية من النظام وشعاراته البالية في مواجهة أخطر أزمة تهدد البلاد. وقال الخيمي في منشوره: «بس يخبرك ابنك أنه جوعان ومشتهي اللحمة أو الموز، احكيلو عن المؤامرة الكونية، احكيلو عن الصمود والتصدي، احكيلو عن تحــرير القدس ومحاربة الرأسمالية والإمبريالية، واذا ما اقتنع بيكون ابنك منــدس عميل للصــهيونية، اقتــلوا وريح الوطن منه».

واضح تماماً أن الثورة الآن تشتعل في صفوف المؤيدين للنظام، بينما بشار وزوجته منشغلان هذه الأيام فقط في الاستحواذ على مليارات رامي مخلوف والتكويش على ثروات الحيتان الكبار.

وقبل أسابيع قليلة دفع بشار ثلاثين مليون دولار حسب صحيفة روسية ثمن لوحة فنية قدمها هدية لأسماء الأسد «ماري انطوانيت الشام»، بينما مؤيدوه في الساحل السوري يأكلون من الزبالة بعد أن قدموا له مئات الألوف من شبابهم كي يبقى على عرشه الذليل. لا أحد يسمع صوت الرئيس المزعوم في أخطر مرحلة تمر بها سوريا ومؤيدوه كي لا نقول معارضيه. أين بشار الأسد؟ ألا يستحق مؤيدوه الجائعون الآن كلمة مواساة على الأقل عبر سكايب؟

البعض يزعم أن بشار يمضي معظم وقته وهو يلعب البلي ستيشن. وكثيرون من السوريين لا يستبعدون ذلك.

===========================

حقائق حول «قانون قيصر»!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 13/6/2020

بعيداً عن المبالغة والاندفاع إلى حد اعتبار «قانون قيصر» بمثابة إعلان حرب لإطاحة النظام السوري، وبعيداً عن التقزيم والاستهتار بتأثير هذا القانون على نظام منهك ومأزوم اقتصادياً وسياسياً، واعتاد ألا يقيم وزناً للعقوبات، ثمة خمس حقائق تستحق الوقوف عندها لفهم حدود هذا القانون، وما يثار عن أسبابه ونتائجه.

الحقيقة الأولى، هي الدور الجديد والمثابر الذي لعبته الجالية السورية في الولايات المتحدة، على اختلاف مكوناتها، لنصرة هذا القانون، بدءاً بمساهمتها في صياغته والترويج له قبل أكثر من ثلاث سنوات، حتى إقراره، منذ شهور، في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين؛ حيث لم يبخل أبناؤها من فتيات وفتيان عانوا الأمرين من اضطهاد السلطة أو شخصيات سورية نافذة ذات مكانة في الحياة الأميركية، يدعمهم عدد غير قليل من منظمات المجتمع المدني الأميركية - السورية، لم يبخلوا في بذل المال والوقت والجهد لإشهار مشروعية هذا القانون، متوسلين الصور الفظيعة والمرعبة التي سُربت لآلاف المعتقلين السوريين الذين قضوا تحت تعذيب وحشي في سجون ومعتقلات النظام، ثم دعمها بقرائن وجرائم جديدة ارتُكبت بحق المدنيين السوريين، إلى أن تمكنوا من حفز مزيد من المؤيدين له في الهيئات التشريعية والتنفيذية الأميركية، الأمر الذي شكَّل فاجعة ومفاجأة لنظام يعتقد بأنه لا يزال بمنأى عن هذا المستوى من فتح النار الأميركية عليه، ولا يقيم وزناً لأولئك الذين شرَّدهم في شتى بقاع الأرض، بأنهم قادرون على المبادرة وتشكيل مركز قوة مؤثر في مواقف وسياسات الحكومات الغربية، لمساندة أهلهم ووطنهم.

الحقيقة الثانية، هي القيمة الوازنة لنصرة العدالة؛ حين يمنح «قانون قيصر» سلطات واسعة لوزارة الخارجية الأميركية، من أجل دعم المؤسسات التي تقوم بجمع الأدلة، وتتابع الملاحقات القضائية، ضد من ارتكبوا جرائم حرب في سوريا، محفوفاً بمطالبة صريحة بوقف الاعتقالات وإطلاق سراح السجناء، وكشف مصير المفقودين، وتمكين مراقبين دوليين من إجراء جولات في المعتقلات والسجون السورية. ولعل الإشارة إلى أن مثل هذه الجرائم ضد الإنسانية لا تموت ولا تخضع لمبدأ التقادم، تضع كافة المرتكبين، مهما طال الزمن، تحت سيف المساءلة والمحاسبة، وتنذرهم بأنهم مهما تمادوا في غيهم وجبروتهم، وحاولوا إخفاء جرائمهم، فلا بد من أن يخضعوا للعقاب، ويحصدوا ما زرعوه من آثام، ليبدو الأمر كأنه استمرار لجهود حقوقيين سوريين تعاونوا مع مؤسسات قضائية أوروبية، في ألمانيا وفرنسا والنمسا، لمتابعة ومحاكمة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية في سوريا، وإنزال القصاص بمن مارسوا التعذيب والاغتصاب والقتل بحق المدنيين.

الحقيقة الثالثة، أن هذا القانون يحبط بصورة حاسمة شهية السلطة لإعادة الإعمار بعد ادعائها الانتصار، ويجهض تالياً مختلف الخطط والمشروعات التي كانت تعد على نار حامية، من قبل مستثمرين سوريين أو غير سوريين، ومن شركات أوروبية وأميركية وصينية وروسية وإيرانية، وضعت نصب أعينها تقاسم ملف إعادة الإعمار؛ حيث إن عقوبات «قانون قيصر» تطال كل الشخصيات والمؤسسات الأجنبية التي تتطلع لتمكين النظام أو أي جهة تقدم دعماً مالياً أو تقنياً أو بضائع، أو تنخرط بصفقات مع السلطة السورية لتساعدها في استعادة سيطرتها على البلاد والعباد، هذا فضلاً عن أنه يوجه تحذيراً لدول عديدة نشطت في الآونة الأخيرة للتطبيع السياسي والدبلوماسي مع النظام السوري، كالمجر وقبرص وإيطاليا، بما في ذلك ردع انفتاح السلطة اللبنانية على حكام دمشق، وتعميق أزمتها بحكم التداخل بين الاقتصادين، وتراجع رهان الرساميل اللبنانية على المساهمة في إعادة إعمار سوريا.

الحقيقة الرابعة: يساهم «قانون قيصر» في تفعيل الدور الأميركي في الملف السوري، بعد قرارات متعجلة للبيت الأبيض بتركه لمصيره، والانسحاب من تبعاته، ليغدو هذا القانون اليوم أشبه بورقة ضغط بيد واشنطن ضد التفرد الروسي، وللمشاركة في رسم المستقبل السوري، وما يزيد الأمر وضوحاً عودة القوات الأميركية لتثبيت مواقعها في شرق سوريا وشمالها، فارضة استمرار وجود التحالف الدولي بقيادتها في شرق الفرات، واستمرار سيطرتها على الموارد الاستراتيجية من نفط وغاز، وكأنها تخطط للبقاء هناك فترة طويلة الأمد.

وإذ نعترف بأن الإدارة الأميركية قد تلكأت كثيراً في حماية المدنيين السوريين، وأنها أهملت وتنصلت من «قانون قيصر» الذي صيغ في عهد الرئيس أوباما، مثلما تنصلت وأهملت الخط الأحمر الشهير الذي أنذرت فيه النظام السوري برد حاسم، في حال تكرار استخدام السلاح الكيماوي، نعترف أيضاً بأن مثل هذا القانون لم تتبنَّه القيادة الأميركية لدوافع إنسانية أو أخلاقية فقط؛ بل خضع أساساً لحسابات المصالح ولغايات سياسية، بدليل أنه منح الرئيس الأميركي هامشاً من المناورة في تطبيقه، وحتى تجميده في حال وجد جدية من قبل المتحكمين في الوضع السوري في التعاطي مع الحل السياسي، تاركاً الباب مفتوحاً لتمرير تسوية للصراع السوري وفق مقررات جنيف، تحاصر النفوذ الإيراني، وتضمن لواشنطن حصة وازنة فيها.

الحقيقة الخامسة: صحيح أن عقوبات «قانون قيصر» لا بد من أن تنعكس بمزيد من الضرر والأذى للشعب السوري المتضرر أصلاً من قهر السلطة القائمة وفسادها، وصحيح أنها لن تكون مؤذية كثيراً لنظام لا توجد صلات اقتصادية أو مالية مباشرة بينه وبين واشنطن، ولا يخجل وحاشيته من التنعم بحياة الرخاء والرفاهية، وتحميل الدول الغربية مسؤولية تجويع السوريين وإفقارهم؛ لكن الصحيح أيضاً أن تداعيات هذا القانون سوف تضعف بلا شك المصادر المتنوعة التي كانت تساعد أهل الحكم في الالتفاف على مختلف العقوبات التي اتخذت ضدهم، كما تضعف من قدراتهم على إعادة إنتاج قاعدتهم الاجتماعية، ولملمة المخلفات السلبية لحربهم الدموية، ويرجح أن تساهم في تشديد التوتر والخلاف بين مراكز القوى السلطوية، في ظل تجميد إعادة الإعمار، وما تشهده الليرة السورية من تدهور، وأحد وجوهه تنامي الخلافات والاتهامات بين رأس النظام ورامي مخلوف، هذا عداكم عن أنها قد تشجع غالبية السوريين الجوعى والمنكوبين على التمرد، وتحفز هممهم للوقوف في وجه نظام حكم أوصلهم إلى هذا الدرك من الفقر والعوز، وربما تكون أخبار عودة المظاهرات السلمية المطالبة بإسقاط النظام في مدينتي السويداء ودرعا، هي بداية الغيث.

===========================

موقفنا : الاستراتيجية الأمريكية في سورية الاشتراك في الحرب على المنبوذين السوريين

زهير سالم

مركز الشرق العربي

18/ 6 / 2020

طبقة المنبوذين في الهند . طبقة من البشر بلا ملامح إنسانية . بلا مكانة ، ولا حقوق . ويقولون في الهند ديموقراطية!!

الهولكست النازي الملعون لم ينفذ ضد ضحاياه من اليهود فقط ، وإنما نفذ أيضا ضد الكثير غيرهم من الأقليات والغجر ..لم نجد أحدا عندما يستنكر الهولكست يذكر الغجر!!

وكذلك حال المنبوذين في سورية . وأخطر ما فيهم أن " عبد الدار " فيهم يخدع عبيد الحقل . وبالله نستعين ..

وما سبق توصيف عام للدور الأمريكي في سورية . والذي يمكن أن نزيده وضوحا ببضعة سطور ..

السطر الأول :

 كان السطر الأول في الاستراتيجية الأمريكية في سورية ، تمكين المجرم وشركائه من تنفيذ جريمتهم بكل أبعادها القاسية والبشعة . والامتناع عن تقديم أي جهد للأخذ على يده . وقد قامت هذه الاستراتيجية على معطى صهيوني أعمق خلاصته : أن يتفانى السوريون .وأن يدمر بعضهم بعضا .

 وكان بشار الأسد وعلي خمنئي وحسن نصر الله ثم بوتين بعد الاضطرار ، هم الأداة المناسبة ؛ فخاضوا معا بحار الدم . استراتيجية اعتمد الأمريكي تمريرها ، ولم يتوانَ عن الاشتراك في تنفيذها ، عندما اقتضاه الحال .

الخط الأحمر الأمريكي الوحيد في الحرب على الشعب السوري اخضرّ منذ الأعوام الأولى . وفتحت على الشعب السوري حرب متعددة الجبهات بلا خطوط ولا حدود .

للحق وبالحق أقول : إن منع الجريمة أهم للضحايا من معاقبة المجرمين . وعلى هذا قامت كل نظريات الأمن الاجتماعي . ولذلك فإن من خداع الذات أن يفرح بعضنا الآن أن من مكّن القاتل من القتل يريد أن يحاسبه !! وهل عقوبة المجرم ترد على الأم طفلها ، وعلى اليتيم أباه ؟!

السطر الثاني : الحرب مفتوحة على المنبوذين

 اعتمد الأمريكيون منذ اليوم الأول للثورة ، التصنيف الأسدي للمجتمع السوري ، تصنيف ( هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) وتشاركوا هذا التصنيف مع الروس والشيعة الروافض . للوصول إلى العنوان الأسدي " المجتمع المتجانس " وكل متهم بالتشويش على التجانس : يقتل أو يعتقل أو يشرد .

 وكان هذا التصنيف ركيزتهم ، في إدارة الصراع . من حيث تقديم الدعم ، أو توجيه بوصلة أسلحة الدمار . وحتى في بناء هياكل ما يسمى زورا وبهتانا هيئات " المعارضة " وانظروا على مناصاتها ، وأعيدوا إجراء الحسابات ..

وكان اعتماد هذا التصنيف القاسم المشترك الأعظم بين الدول الثلاث ..

- الشيعة الرافضة الشعوبيون يحاربون في سورية تحت شعار : يا لثارات الحسين .

- الروس وعلى لسان لافروف وشويغو : يحاربون لحماية المسيحيين والأرثوذكس منهم بشكل خاص .

والأمريكان وتحالفهم الدولي يعتمدون العصابات التي نرى ، ويحتلون الأرض كما نرى ، وترامبهم يقدم جهارا نهارا 500 مليون دولار فقط لمساعدة الأقليات في سورية . للأقليات المساعدات وللمنبوذين في سورية القاذفات والصواريخ . ما نثبته من أقوالهم الصريحة القبيحة ، لا نتقول عليهم ولا ننسب إليهم .

السطر الثالث والأخير والقصير : المبعوث الأمريكي جيفري يفرح أن الروس قد طالبوا بشار الأسد أن يفصل دستورا جديدا ليوم العيد.

يعني أن يعيدوا بشار الأسد إلينا بعقدة عنق جديدة !!

تصريح طازج على لسان جيفري القديم .

بعض الناس يحبون من يكذب عليهم لكي يقولوا خدعونا ..!! وكل من فيهم يعلم ماذا يريدون وماذا يريد ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

النذالة وقتل النساء !؟

يحيى حاج يحيى

تضرب العرب مثلاً لمن لايقتل النساء بقول حاتم الطائي في الجاهلية حين لطمته امرأة ، فامتنع عن الرد عليها : لو غير ذات سوار لطمتني ( وهو في جاهلية ) !

وامتناع أبي دجانة عن ضرب امرأة مشركة كانت تلبس لباس الرجال وتقاتل ، فشد عليها ، فولولت ، فقال : إني لأربأ أن أضرب امرأة بسيف النبي ! و( هذا في الإسلام )

وأما الأنذال في بلدنا المنكوب بهم  فلا يعرفون أخلاق العرب في الجاهلية ولا مكارمهم في الإسلام !؟ 

ولا يزال سجلُهم الإجرامي يتضخم منذ انتفاضة الثمانين إلى يومنا هذا ! في قتل الحرائر العزلاوات !؟ بدءاً من قتل شفاء جولاق ، وخديجة عزت آغا  وغنية حمدو ، واغتيال بنان علي الطنطاوي في ألمانيا  و.... وإلى مئات بل آلاف النساء بعد انتفاضة ٢٠١١ في شتى المحافظات تحت القصف !؟ وفي السجون  والمعتقلات !؟

===========================

حضرات القضاة الفرنسيين !

يحيى حاج يحيى

أتقدم أنا المواطن السوري المهجر من بلده منذ ١٠ آذار ١٩٨٠ بمايلي :

حكمتم على العريف الآ بق من بلدنا المنكوب بأربع سنوات لقضايا محددة !؟ وهناك قضيتان نتقدم بهما ، الأولى  : تزوير الشهادات العلمية التي حصل عليها ، ويُسأل عنها  الدكتور زياد شويكي ( كما أشار إلى ذلك العماد  مصطفى طلاس في كتابه ثلاثة أشهر هزت سورية  !؟ ، والأخرى : تزوير الرتبة العسكرية ، فحصل على رتبة لواء !؟ ويُسأل عنها محمد محمد الخطيب الذي شغل منصب وزير للأوقاف ، وكان قبل سنوات مدير ناحية في أريحا ، حيث كان المتهم يخدم لديه برتبة رقيب  !!؟

وإذا تعذر حضور الشهود لوفاة أو سفر أو خوف انتقام فبإمكانكم تشكيل لجنتين : علمية لاختبار المتهم في مدى إحاطته بمفردات وأفكار المؤلفات التي نسبت إليه !؟ وعسكرية لاختباره في مدى إتقانه لأي معلومات تؤهله لنيل أي رتبة أكثر من رتبته السابقة !؟

آملين أن تضعوا هاتين القضيتين في ملف العريف المذكور وشكراً

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com