العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-04-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

التكتيك الأميركي حيال سورية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس  18/4/2019

يشهد الملف السوري منذ أشهر حالة من الجمود السياسي والعسكري بشكل ملحوظ، إلى درجة يستدعي الأمر التوقف لقراءة ذلك. جبهة إدلب متوقفة على ما هي عليه منذ اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا، فلا روسيا قادرةٌ على ضرب الاتفاق، فذلك يكسر التفاهمات مع تركيا، الأمر الذي ينعكس في ملفاتٍ كثيرة، خصوصا أن موسكو تبدو بحاجة إلى أنقرة في المراحل المقبلة أكثر من حاجتها إلى إيران، ولأن تركيا قادرة على تغيير موازين القوى داخل المحافظة. مسألة الانسحاب الأميركي من شرق الفرات، وما تلاها من الحديث عن إنشاء منطقة آمنة، ومن ثم تدخل عسكري تركي، أصبحت في حالة سبات، وترتب على ذلك توقف الحراك المحلي والإقليمي والدولي حيال هذه المنطقة: تركيا غير قادرة على انتزاع تنازلات من روسيا والولايات المتحدة، في حين يبدو أن واشنطن وموسكو تميلان إلى بقاء الأكراد قوة عسكرية ذات وزن في المعادلة الجغرافية لشمال سورية. كذلك شهد الانفتاح السياسي والاقتصادي العربي على دمشق تراجعا حادا، نتيجة الضغوط الأميركية على مصر والأردن ودول الخليج. وتسود حالة تريث واضحة في عملية التفاوض السوري، بدأت قبل أشهر من ترك مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، منصبه، وهي مستمرة، ولا يبدو في الأفق أن ثمّة رغبة دولية بإعادة تحريك المفاوضات في هذه المرحلة، لعدم توفر الشروط السياسية لذلك.

من الواضح أن الجغرافيا العسكرية السورية ستشهد ثباتا إلى أجل غير معلوم، ولن يستطيع المحور الروسي الإيراني السوري تغييره، في وقتٍ تبدو الإدارة الأميركية بصدد التمسّك بحضورها الاستراتيجي في الشمال السوري، بغض النظر عن شكل هذا الحضور، لأن ذلك سيكون أداة قوية في تنفيذ سياساتها السياسية والاقتصادية الخانقة ضد النظام السوري.

يترافق ذلك مع لجوء الولايات المتحدة إلى اعتماد القوة الناعمة استراتيجيةً لممارسة ضغوطٍ

"الجغرافيا العسكرية السورية ستشهد ثباتاً إلى أجل غير معلوم" كبيرة على النظام السوري وإيران وروسيا، ويمكن تحديد القوة الناعمة هذه في ثلاثة مستويات:

سياسي، تمثل واضحا في الضغوط الأميركية من جهة، والأوروبية من جهة ثانية، تجاه بعض الدول العربية المهرولة نحو النظام. وقد بدأت ملامح هذا التوجه تؤتي ثمارها، فقد جمّدت جامعة الدول العربية فكرة مناقشة دعوة النظام السوري لحضور القمة العربية، في وقت جمّدت الإمارات عملية الانفتاح، وكذلك الأردن إلى حد ما. وقد استطاعت المؤسسات الأميركية المختلفة إقناع الرئيس ترامب بأن تطبيق سياسة القوة الناعمة تجاه النظام السوري لا تكفي، إن لم تكن هناك قوة عسكرية على الأرض، تحمي الإنجازات العسكرية التي تحققت.

اقتصادي، تمثل في الخناق الكبير الذي يعانيه النظام السوري، وأزمة الكهرباء والغاز أكبر مثال على تأثير العامل الاقتصادي. وقد نجحت الولايات المتحدة في دفع الأردن إلى تجميد عملية الانفتاح الاقتصادي تجاه سورية، وقد اجتمع لأجل ذلك الملحق التجاري الأميركي لدى عمّان، مع ممثلين عن قطاع الصناعة والتجارة، وما صدر عنه من توجيهاتٍ بقصر التبادل التجاري والمساهمات في الإعمار على العراق.

وجاء التحذير الأميركي واضحا، من حيث أن التبادل الاقتصادي يشكل خرقا للقوانين الأميركية

"المناخ الدولي مع تفعيل القوة الناعمة ضد دمشق" ذات الصلة، ويضع من يخترق هذه القوانين تحت طائلة العقوبات الأميركية المباشرة. ويعتبر الموقف الأميركي هذا تحذيرا لحلفائه في المنطقة، قبيل إقرار قانون "قيصر" في الكونغرس الأميركي، والذي ستوازي قوته فعالية العقوبات المفروضة على إيران وكوريا الشمالية.

المستوى الثالث هو المستوى القانوني، إذ شهدت مؤسسات الأمم المتحدة حراكا قانونيا متسارعا لم تعرفه السنوات الماضية، فقد عقد مجلس الأمن منذ أكثر من شهر اجتماعا لبحث استخدام السلاح الكيميائي في سورية.

ومع أن مجلس الأمن لم يحدد مسؤولية الطرف الذي استخدم الأسلحة الكيميائية، إلا أن اللافت هو تحرّك منظمة حظر السلاح الكيميائي نحو تشكيل فريق لتحديد مسؤولية من استخدم هذا السلاح في سورية، وقد كانت هذه إشكالية كبيرة بين الولايات المتحدة وروسيا، فالأخيرة تطالب دائما بأن تحديد المسؤولية يجب أن يكون من اختصاص مجلس الأمن، أي الدول الرئيسة فيه، مع ما يعنيه ذلك من تسييس هذا الملف، في حين تطالب واشنطن، ومعها باريس ولندن وبرلين، أن تكون مهمة تحديد المسؤولية من منظمة حظر السلاح الكيميائي.

استُتبعت هذه الخطوات برفع دعويين في محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد أركان النظام السوري، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الثورة السورية. وعلى الرغم من أن الدعويين جاءتا بمبادراتٍ فردية من محامين، إلا أنهما تعكسان المناخ الدولي المتبلور نحو تفعيل القوة الناعمة ضد دمشق.

===========================

موقفنا : الأزمة الاقتصادية في سورية أزمة ذاتية وليست حصاراً اقتصادياً .. "قال ائتني بقلب أمك يافتى"

زهير سالم

مركز الشرق العربي

20 / 4 / 2019

ما يعيشه السوريون من أزمات في بقايا " الدولة " التي يديرها بشار الأسد ليس إلا بدايات . وأزمة من لا يجد الرغيف ليملأ معدته أشد وأقسى من أزمة من لا يجد الوقود ليملأ سيارته . وإن كان اهتمام الرأي العام بالثاني أكثر وأشهر .

ولو أردت أن أكتب بقلم محايد وليس بقلم معارض ، وهو صعب عليّ ، لذكّرت بشار الأسد ولفيفه بحكاية ذلك الابن العاق ، الذي قيل له ائتنا بقلب أمك ففعل !!

 أعلم أن بشار الأسد ليس ابنا لسورية ، وسورية ليست أما له ، ولكنه فعل عندما قيل له اقتل ودمر فقتل ودمر ، ثم تُرك الآن ليواجه أزمته ليس في دمشق وحمص وحماة وحلب فقط بل في عقر داره في القرداحة أيضا ، التي ظن بعض من ينتمي إليها أنهم منتصرون . وإذا كان بعض الناس اليوم يشكون من أزمة  الوقود ، فقد شكا أناس قبلهم من أزمات وأزمات وستتبع  أزمة الوقود هذه من بعد أزمات وأزمات.

والأزمات في الحقيقة ، بحسب تصنيفها أمنية أو أخلاقية أو اجتماعية أو اقتصادية أو تعليمية ، هي مخرج من مخرجات السياسات العامة المعتمدة من قبل أصحاب القرار يتخذونه  تارة اختيارا وتارة اضطرارا . وكان قرار القتل والتدمير اختياريا أسديا بامتياز عبر الخبث وسوء الطوية وحجم الحقد والكراهية .

إن أي سوري منتم بحق إلى وطنه وإلى شعبه لا يمكن أن يفرح بالضائقة تصيب الناس الذين ينتمي إليهم ولو على طريقة الجبر لا الاختيار ، فأنت وأنا ونحن وهم سوريون ولا يد لنا في هذا الانتماء . وهو انتماء ينشئ بيننا نوعا من الرابطة الموضوعية والعاطفية ستجعلنا جميعا نتحسس الألم الشاعري في مثل عبارة بدر شاكر السياب ...

مطر ..مطر ..

وفي العراق جوع . ...

وتنفتح كلمة الجوع على المدى تحمل جناحيها حجم التناقض بين عراق الرافدين وبين الجوع المستشري في موطن الوفرة والخصب ومهد الإنسان

وإذا أنت تجاريه بالقول بل تزيد حين تقول  : وفي الشام جوع ..وأي جوع ؟!

نحن نعلم أن بشار الأسد وعصابته المقربين لا يجوعون ..

وأنهم يجدون دائما الدواء لمرضاهم وأهلنا لا يجدون ..

وأنهم يجدون دائما الوقود لسياراتهم ولآلياتهم ودباباتهم ..

وأنهم يجدون الحشوة لبراميلهم ، يجدون حشوتها من إثم ومن كراهية ومن بارود ..

ونعلم أن هؤلاء الذين يعانون وسيعانون هم من المستضعفين الظالمين لأنفسهم ، كما سماهم القرآن الكريم ، وكم هو الفرق بين الذين يظلمون أنفسهم وبين الذين يظلمون الناس ؟!

فرق علينا أن ندركه وأن نتفهم ظروفه ودواعيه وأن نبني عليه أيضا في رؤيتنا وفي فقهنا وفي فكرنا .

يجب أن ندرك أن الأزمات التي تحيط ببقايا الدولة التي ما زال يتحكم بها بشار الأسد اليوم هي مخرج طبيعي لسياساته التدميرية ؛ إن أي دارس موضوعي يدرك أن انعكاسات السياسات الدموية والتدميربة التي انتهجها بشار الأسد سوف تستمر في التأثير في العقول والقلوب وفي الجغرافيا والديموغرافيا على مدى عقود أو قرون من الزمان . سياسات سيشهد عليها الحجر والشجر والبشر . وسوف تستمر مخرجاتها على الصعد كافة جيلا بعد جيل ، ليس في صورة أزمة خبز ووقود وغاز فقط بل في صور من أزمات الثقة والمحبة والتعاطف والتعاون ، أزمة ستستمر ، مهما حاول تطويقها الراشدون  جيلا بعد جيل ..

من قبل نادى المهلهل على جساس :

يا أيها الجاني على قومه  ..  جناية ليس لها بالمطيق

نعم تلك الجناية هي الجريمة الأسدية الأكبر . الجناية على سورية الدولة ، وعلى سورية الحاضر والمستقبل وعلى سورية العمران و الإنسان .

ويبقى أن ننهي أن الأزمة التي تعيشها بقايا الدولة في سورية اليوم هي أزمة بنيوية ذاتية داخلية كما تفجرت الثورة الشريفة الرائدة كذلك . وهي أزمة ستتبعها أزمات وأزمات ..

نؤكد هذا  حتى لا يسخرنا بشار الأسد في مشروع النواح على قرارات حصاره التي ما رفعت الضيم عن معتقل أو معتقلة . قرارات العقوبات الدولية ميت لا يستأهل الجنازة ، ومع ذلك يريدنا البعض أن نبكي منها أو عليها.  وإن كان للأمريكي والأوربي والروسي يد في هذه الأزمة فهو أنهم شجعوا بشار الأسد على ارتكاب الجريمة ، وأطلقوا يده فيها ، وسكتوا عنه حتى تمادى وما يزال .

إن قرارات العقوبات الدولية ليست بذات دور مباشر في الأزمة أو الأزمات التي تعيشها سورية وتعيشها يران هذه الأيام . إن استشهاد بعض الدارسين بالشكوى المرة التي أطلقها حسن نصر الله عن أنهم يبيعون أعضاءهم خدمة لقضيتهم يعني أن فينا من لا يزال يصدق الكذابين !!

إن الدور الدولي الذي صب في حجر بشار الأسد 91% من أموال المانحين على مدى سبع سنين ، كان يريد لهذا المجرم أن ينتشي ليرتكب المزيد .

ثمة حقيقة موضوعية سياسية قائمة منذ قديم الزمان : الدول لا تقوم بلا مقومات . ومن حولنا أمثلة عديدة حتى لدول الوفرة التي تتوفر فيها المادة وينقصها الإنسان . وهذا الكيان الصهيوني منذ سبعة عقود لا يزال حتى الآن يعيش ويتقوى بسيل المعونات و المساعدات. يتلقى هذا الكيان المصنوع  النسبة الأعلى من المساعدات على مستوى العالم  بالنسبة لعدد السكان !!

هل ستحظى دولة بشار الأسد ، أو أي كيان سيؤسسه الروس والأمريكان في سورية بمثل هذه الامتيازات التفضيلية ليبقى ؟!  نظن أن ذلك سيتوقف على الدور والظرف الجيوسياسي إلى حد كبير .

يجب ألا يخدعنا الزعيق الأسدي أو الإيراني من وقع العقوبات فهو زعيق مصطنع مكذوب هنا وهناك ، وهو جزء من غبار التضليل الإعلامي للمزيد من الابتزاز والمزيد من التلميع  والمزيد من الادعاء .

ولكن أليس مشروعا أن نتساءل كيف تعيش سورية والسوريون أزمة وقود والشاحنات الإيرانية تنقل إلى دمشق وحلب ودير الزور رواد المقامات والمزارات ولا تستطيع أن تنقل الوقود الذي يضيء الشموع حول هذه المقامات ..

شيء ما في العلاقة الأسدية الإيرانية أوقف دوران المحركات .. والأهم من كل ذلك أن يعي بشار الأسد أن مريض اللوكيميا لن تسعفه طويلا عمليات نقل الدم ..

وأن الدول لا تبقى تحت أجهزة الإنعاش

ــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الجلاء المسروق ولحظة الحقيقة

 نزار السهلي

جيرون

الاربعاء 17/4/2019

طقوس الاحتفاء بيوم الجلاء السوري، أو الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، لها أثرٌ مميزٌ في عهد النظام الأسدي، فقد كانت الصرخات والدبكات والاحتفالات المقامة في عموم المحافظات السورية، من تلفزيونه في ساحة الأمويين إلى نقطة “الحدود” مع الجولان المحتل، تنتهي بخطاب الصيحة المتبادلة، وتأكيد جملة من شعارات بقيت لأكثر من خمسين عامًا راسخة عن الجلاء المؤجّل، حتى الاحتفاء به في 17 نيسان/ أبريل كل عام، وسُمح بموجبه للسوريين آنذاك بالوصول إلى أراضي سورية في الجولان، من دون تصاريح أمنية، والأهم في أثر الاحتفاء بيوم الاستقلال أن تملأ صور طاغية سورية الساحات والميادين، لتغطي على يوم الاستقلال ورجالاته وبطولاته.

كان أثر الاستقلال السوري، في كتبٍ وثقافةٍ رسمية سورية، مادةً دعائية واستعمالية من قبل النظام يتعكز عليها في ترسيخ صورته وسطوته، أملًا في طمس و”إخصاء” قدرة السوري على التفكير في الاستقلال المكثف لمعنى الحرية، وهو ما فعله النظام حين فصل بين مفهوم الاستقلال عن المستعمر، وبين الحرية، على اعتبار أن النظام جزءٌ من الاستقلال القائم، وامتداد له مع نسله الحاكم، وهو جهدٌ بذله النظام من خمسين عامًا، لربط نفسه بمفردات الاستقلال والكرامة الوطنية ومقاومة المستعمر، مع ربط نفسه ربطًا وثيقًا بشعارات الممانعة والمقاومة، حتى تفجرت ثورة الشعب السوري.

عكست سنوات الثورة السورية مقدار الترابط الحقيقي، بين نظام سرق استقلال السوريين الحقيقي، وبين قوى استعان بها لتقضي على ما تبقى من حلم إنجاز التحرر الفعلي، وللحفاظ على التزامات ملموسة مع مستعمرين جدد، لجأ النظام إلى التفريط بمقدرات سورية البشرية والاقتصادية لصالح المستعمرين في طهران وموسكو، ومنحَهم عقودًا ضخمة اقتصادية وقواعد عسكرية، لا يُقال عنها سوى أنها رهن الوطن كله للمستعمر، مقابل أن يكون النظام جلادًا على كرسي الحكم.

تعرّى النظام السوري من كل شيء، وظهرت وثيقةٌ من حقبة المستعمر الفرنسي، في آب/ أغسطس 2012، ترد على مندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري، على لسان السفير الفرنسي جيرار آرو، تقول: “بما أنكم تحدثتم عن مرحلة احتلال فرنسا لسورية، فمن واجبي أن أذكّركم أن جدّ رئيسكم الأسد قد طالب فرنسا بعدم الرحيل عن سورية ومنحها الاستقلال، بموجب وثيقة رسمية وقّع عليها، وهي محفوظة في وزارة الخارجية الفرنسية، وإن أحببتم فسأعطيكم نسخة منها”، ونُشرت الوثيقة في ذلك الحين، لتضاف إلى آلاف الوثائق والشواهد.

ما ذهب إليه سلوك النظام، في حقبة الأسد الأب والابن، بما يخص “عيد الاستقلال” عن المستعمر، يعكس بوضوح الهدف لقطع الطريق أمام السوريين لإتمام ما أنجزوه قبل سبعة عقود، فقد أوقف الأسد الأب الزمن خمسين عامًا، وسرق أعوام ما بعد الجلاء وأخفاها في جيب ابنه، طاغية سورية الجديد، وحاول تلطيخ تلك الفترة المُنيرة ما بعد الاستقلال بمواثيقها وهياكلها وممارساتها، يطغيان صورته على كل شيء تلا مرحلة طرد المستعمر.

شهد الربع الأول من القرن الماضي ولادة الثورة السورية الكبرى على الانتداب، والعشرية الثانية من القرن الحالي تشهد المولود الثاني لثورة السوريين على الطاغية وقوى احتلاله المتعكز عليها بتدمير ومقاومة السوريين. الاستقلال ما زال قيد التطور، والسوريون في معترك معركة معقدة ومركبة ليس مع المستعمرين فقط، بل مع خفير المحتل في دمشق الذي استعان بهم لقتل منجز الاستقلال الثاني.

لحظة الحقيقة، في يوم الجلاء، تقول إن حرية وكرامة ومواطنة أهل سورية، هي الاستقلال بالانعتاق من الطاغية وجرائمه، ودون التخلص من فاشي سورية، وقطع جذوره الاستعمارية، سيبقى الجلاء دبكة وصيحة وشعارًا، وخطابًا أمام صنم القاتل، وتلك خديعة لم تعد تنطلي على حقائق من دم وأشلاء سورية وشعبها.

===========================


ترامب والجولان السوري المحتل

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 17/4/2019

وقع الرئيس الأمريكي ترامب أمرا تنفيذيا ينص على اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية فوق الجولان السوري المحتل، وذلك بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتتنياهو الذي وصف الخطوة بأنها "تاريخية"، الاعتراف هذا لم يصدر من خلال تشريع أمريكي عبر الكونغرس كما هي حال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وإنما جاء كـ"هدية" من قبل ترامب إلى صديقه نتنياهو الذي يمر بأيام صعبة سواء من خلال التحقيقيات القضائية غير المنتهية بحقه أو من خلال تدهور شعبيته في استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات البرلمانية التي ستجري منتصف الشهر القادم.

لقد سبق إعلان الرئيس ترامب هذا نيته القيام بذلك من خلال  تغريدة على حسابه على التويتر عبر فيها عن نية الولايات المتحدة الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية فوق هضبة الجولان السورية المحتلة مما أثار عاصفة من المفاجأة في الشرق الأوسط حيث أدانت كل من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحتى الاتحاد الأوروبي وعدد من قادة الدول العربية هذه الخطوة التي سيكون لها تداعيات خطيرة ليس على سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بسورية التي يعتريها الكثير من التخبط وانعدام الاستراتيجية، وإنما فيما يتعلق بالقانون الدولي الذي تعتبر الولايات المتحدة أحد الدول الرئيسية في إرساء دعائمه منذ الحرب العالمية الثانية.

ولذلك أتى موقف الرئيس ترامب ليشير إلى اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية فوق الجولان بينما وزير الخارجية الأمريكي بومبيو يزور إسرائيل قبل الانتخابات المقررة منتصف الشهر القادم والتقى برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي اعتبر هذه الخطوة بأنها "تاريخية" وقبل هذه الخطوة أسقطت الخارجية الأمريكية تعبير "المحتلة" في صفتها للجولان عند إصدار تقريرها عن حقوق الإنسان في العالم فيما اعتبر مؤشرا على تغيير الوضعية السياسية للجولان المحتل وفق الخارجية الأمريكية.

هذه الخطوة تزيد من اضطراب السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط حيث تضع سياسة ترامب ليس في الصف الإسرائيلي فحسب وإنما تعبر عن دعم أعمى لسياسة اليمين المتطرف في إسرائيل وسيكون لها انعكاسات خطيرة على القانون الدولي وعلى السياسة المستقبلية للولايات المتحدة في العالم العربي.

قرار ترامب هذا لا يمثل تشريعا بقدر ما يعكس قراراً سياسيا من إدارة ترامب يستطيع أي رئيس أمريكي لاحق أن يلغيه

وهكذا فقرار ترامب هذا لا يمثل تشريعا بقدر ما يعكس قراراً سياسيا من إدارة ترامب يستطيع أي رئيس أمريكي لاحق أن يلغيه، لكن خطورة هذا القرار على القانون الدولي تعتبر مؤذية للولايات المتحدة نفسها، حيث رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بالسيادة الروسية فوق شبه جزيرة القرم التي احتلها بوتين من أوكرانيا واعتبرها جزء من الأراضي الروسية، وعندها رفضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذه الخطوة وقاموا بفرض عقوبات بحجة أنه لا يجوز اقتطاع أراضي الغير بالقوة واعتبارها جزءا من أرضها كما ينص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة، باعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية فوق الجولان يكون قد نسف الموقف الأمريكي من القانون الدولي، لكن وكما نعرف فإن ترمب قلما يقيم اعتباراً للقانون الدولي أو تطبيقاته.

إذ رفضت الولايات المتحدة خلال إدارة أوباما أن تعترف بضم الرئيس الروسي بوتين شبه جزيرة القرم لأنه يخالف القانون الدولي الذي يمنع ضم أراضي الغير بالقوة، وبموجب ذلك فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات قاسية على روسيا بسبب رفضها الانسحاب من القرم، ولذلك فباعتراف الولايات المتحدة اليوم بالسيادة الإسرائيلية على الجولان تكون قد ناقضت سياستها في روسيا، وهو ما عبر عنه الكثير من أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين.

ولذلك فالقرار التنفيذي الذي وقعه ترامب سيكون له تداعيات خطيرة على القانون الدولي وفي العلاقات الدولية التي يقوم ميثاق الأمم المتحدة اليوم بتنظيمها وينص بشكل صريح على رفض ضم أراضي الغير بالقوة، لكن وكما هو واضح فإن إدارة ترامب نادرا ما تعير اهتماما لحقوق الإنسان أو القانون الدولي وخاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فقد اتخذت إدارة ترامب مجموعة من القرارات المتتالية ضد الفلسطينيين يهدف من خلالها ما يسمى الاعتراف بالحقائق على الأرض ورفض حل الدولتين، هذه الكلمة التي رفض وزير الخارجية الأمريكي ذكرها خلال جلسة استماع في الكونغرس وكرر أكثر من مرة أننا يجب أن نتعامل مع الحقائق على الأرض كما هي ، في مدخل للتطبيع مع المنطق الإسرائيلي القائم على القوة وامتلاك أراضي الغير وبعدها المماطلة في الحلول السياسية حتى تصبح غير واقعية.

للأسف لم يقابل موقف ترامب إلا بقرار هزيل من جامعة الدول العربية، ويبدو النظام السوري معدوم القوة أو الإرادة أو القدرة السياسية على القيام بأي شيء ذي معنى يغير من الحقيقة القائمة على السيطرة الإسرائيلية على الجولان بعد أن استنفذ كل قواه في تدمير مقدرات سورية وتدمير كل قواها البشرية والمادية، مما حول المجتمع السوري إلى مجتمع مشلول بالكامل منعدم الأمل مسلوب الإرادة،  وهو ما يعني بالنهاية أن القانون الدولي بجانب الموقف السوري لكن القوة الدولية بجانب الموقف الإسرائيلي ودائما ما يكون الموقف الدولي انعكاساً للقوة على الأرض، ولذلك ليس لدى السوريين من عزاء اليوم سوى التفكير في بناء سوريا المستقبل القائمة على القوة واحترام القانون وحقوق الإنسان، فهو ما سيعيد لهم سوريتهم وجولانهم. 

===========================

بين مطرقة روسيا وسندان إيران

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 17/4/2019

بعد أن تهاوت أركان النظام العسكريّة والأمنيّة، وبعد أن خرجت عن سيطرته أغلب مساحات الأراضي السورية، وبعد أن عجزت قوات جيشه المتهالكة وأجهزة أمنه المتعدّدة عن وقف تمدّد قوّات الجيش السوري الحر، وبعد أن عجزت قوّات حُلفائه الإيرانيّين وما أرسلته من ميليشيات طائفيّة تابعة لها عن وقف هذا التدهور الحاد، بات من الضرورة بمكان استدعاء التدخّل الروسي المباشر.

اعتمد الحليفُ الروسي منذُ تدخّله العسكريّ نهاية أيلول 2015 في سوريا، مبدأ القصف الهمجي العشوائي الذي يحرق الأخضر واليابس من جهة، ومبدأ المراوغة السياسيّة والمقايضة مع القوى الدولية والإقليميّة الفاعلة في الملف السوري من جهة ثانية، ولم يغب عن باله أن يطرح في التعامل مبدأ التهدئة مع المجتمعات المهزومة من تلك المحسوبة على صفّ الثورة، وحاول أن يبني بعض جسور التواصل معها، وحاول أن يكون بمثابة مرجعيّة عليا يحتكم لها الناس بمواجهة عسف النظام، لكنّ نجاحاته بقيت محدودة جدّاً وضئيلة الأثر.

يفتقر المحتلّ الروسي لفهم عقليّات الاستبداد المغرقة في التخلّف والتشبيح والعبوديّة، ولا يستطيع التعامل مع آليّات عملها وطرائق تشغيلها، ورغم أنّ المجتمع الروسي لا يعيش في بحبوحة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، إلّا أنّه استطاع تجاوز مرحلة العبوديّة الستالينية إلى حدٍّ ما، واستطاع أن يكرّس بعض أشكال الحراك السياسي والعمل المجتمعي المدني المعارض ولو بحدوده الدنيا، إضافة إلى أنّ روسيا – رغم كل التحفّظات على أنظمة الحكم فيها منذ عهد لينين وحتى اللحظة - تبقى بلد بوشكين وليرمنتوف وأستروفسكي وديستوفيسكي وتوليستوي وتشيخوف وغوركي وغيرهم من الشعراء والأدباء والمفكّرين والموسيقيّين الذي أثروا الفكر الإنساني، كما إنّها بلد استطاع الوصول إلى الفضاء وأنتج التصنيع العسكري بدرجة معقولة، فهي تبقى إذن ذات إرث ثقافيّ ومجتمعيّ متقدّمٍ نوعاً ما عن ذلك الإرث وتلك المرجعيّة الاستهلاكيّة السائدة في سوريا منذ خمسين عاماً وأكثر، كذلك هي مختلفة عن الإرث الإيراني الذي تكرّس خلال أربعين عاماً من سيطرة الملالي على الحكم، وهو ما طبع سياسة البلاد برمّتها والمجتمع الإيراني بغالبيّته الظاهرة للمراقب عن بعد على الأقلّ، بذلك الطابع المتزمّت المتخلّف الموغل في العنصرية والطائفية والعدائيّة للآخرين.

العقليّة الروسيّة غير قادرة على التعامل مع كتلة النظام الصمّاء المجبولة من مزيج هائل وخلائط لا تُحصى من الرعب والذلّ والعنجهيّة الفارغة والغباء المستفحل والعبوديّة السافرة

لذلك نجد العقليّة الروسيّة غير قادرة على التعامل مع كتلة النظام الصمّاء المجبولة من مزيج هائل وخلائط لا تُحصى من الرعب والذلّ والعنجهيّة الفارغة والغباء المستفحل والعبوديّة السافرة والمقتِ الشديد لكلّ ما هو مُبدعٌ وخلّاقٌ وحرّ. كما إنها بالمقابل غير مؤهّلة بعد للتعامل مع أذرع أخطبوط الملالي التي استطاعت اختراق مجتمعات جميع الدول التي تدخّلت بها وسيطرت عليها.

لقد استطاعت قوّات الاحتلال الإيراني أن تحقّق نجاحات ملموسة في هذا المجال، فهي ببساطة استثمرت في الولاء المطلق الذي أظهرته لها مجموعة من السوريّين منذ اليوم الأول للثورة، تلك المجموعة التي انحازت لولائها المذهبي الضيّق وتحزّبت للعبودية المطلقة لمبدأ ولاية الفقيه، بدل أن تقف مع فضاء الحريّة الواسع الذي فتحت آفاقه الرحبة صرخاتُ الحريّة الأولى وشعارات الثورة في مرحلتها السلميّة النظيفة من كلّ شائبة، قبل أن تلوّثها أفعالُ أجهزة مخابرات النظام و مخابرات الدول الفاعلة في الملفّ السوري، وقبل أن تصبِغ رايتَها الخضراءَ راياتُ التنظيمات المتطرّفة التي أنتجت وخمّرت فكرها العفن في أقبية سجون النظامين السوري والعراقي تحديداً.

قد يقول قائل: إنّ النظام الروسي لا يختلف عن النظام الإيراني من حيث طبيعة الدور التخريبي المعادي لتطلّعات الشعب السوري الذي لعبه كل ّمنهما، لكنّ الأمر حقيقة مختلف بشكل جذري، فالاحتلال الروسي كأي احتلال آخر يسعى لتحقيق مكاسب سياسيّة في منطقة هامّة جدّاً من حيث موقعها الإستراتيجي في العالم، والغاية النهائيّة له هي أن تُترجم هذه المكاسب السياسية على أرض الواقع إلى منافع اقتصاديّة ذات طابع مدني أو عسكري، تجاري أو صناعي، استثماري خدماتي أو بأي شكل أو توصيف آخر، وليس في سوريا فقط، ولكن في المنطقة كلّها بدءًا بتركيا وليس انتهاءً بمصر والسودان وليبيا والجزائر ودول الخليج العربي.

النظام الإيراني بقبول ومساعدة من النظام السوري قام بأكبر عمليّة تهجير قسري للسكان في العالم

بينما يمكننا إطلاق صفة الاستعمار أو الاحتلال ذي الصبغة الكولنيالية الإحلاليّة على التدخّل الإيراني في سوريا وفي أغلب الدول العربيّة التي طالتها أذرعها المحليّة، من اليمن إلى العراق فلبنان. وما يميّز الحالة السوريّة عن غيرها، أنّ النظام الإيراني بقبول ومساعدة من النظام السوري قام بأكبر عمليّة تهجير قسري للسكان في العالم في العصر الراهن، حيث تمّ تهجير فئات محدّدة من الشعب السوري بما فيهم سكّان قرى ومدن بأكملها، من أجل إحلال سكّان جدد محلّهم ينتمون لفئة أو طائفة مختلفة.

لم يُضطرّ الاحتلال الإيراني للقيام بذلك في كلّ من العراق واليمن ولبنان، لأنّ الفئة المحليّة من السكان التي قبلت على نفسها نقل التبعيّة الوطنيّة من مكانها الطبيعي أي الوطن، إلى مكان آخر بعيد جغرافياً لكنّه قريب مذهبيّاً وطائفياّ، أي إلى الولي الفقيه، كانت فئة ذات حضور نسبيّ كبير وفاعل في هذه البلدان، بينما في سوريا لم تتعدّ نسبتها الـ 3% في أفضل أحوالها.

يجعل هذا الأمر من المقارنة بين الاحتلالين وأثرهما بعيد المدى على سوريا والمنطقة برمّتها أمراً بالغ الأهميّة. فالاحتلال الروسي لن يتشبّث بأرض أو بمنطقة ليس له فيها منافع، ويمكن تصوّر الوصول إلى تفاهمات بين السورييّن والروس في المستقبل تؤدي إلى جلاء القوات الروسية كما تمّ سابقاً مع الاستعمار الفرنسي. لكن بالنسبة للاحتلال الإيراني، فإنّ الأمر أكثر تعقيداً بما لا يُقاس.

يتّخذ نظام الملالي من القدس ذريعة تعبوّية لمخاطبة بعض الفئات والشرائح من المجتمعات العربيّة المُلحقة بطائفة اليسارويّين أو القومجيّين، الذين لا يرون من القضيّة الفلسطينية سوى أسباب الاسترزاق على عتبات الحكام الديكتاتوريّين. كما يتخذ من ذريعة الانتقام لمقتل الحسين ومظلوميّة آل البيت رافعة تعبويّة لتحشيد عموم الغوغاء والمتخلفين من الطائفة الشيعيّة وبعض الأقليّات المتحالفة معها. وفي كلتا الحالتين لا يخرج سلوكه عن مبدأ تصدير الأزمة الداخلية لتحويل أنظار الشعوب الإيرانيّة عن وجهتها الحقيقيّة.

يعاني الشعب الإيراني الويلات جرّاء سياسات نظام الملالي منذ أربعين عاماً ونيّف، وما إن يُفكّر أبناؤه بالتحرّك لتغيير واقعهم المرير، حتى تقف في وجههم كلّ شياطين الملالي وأجهزتهم القمعيّة. إنّ خلاص الشعب السوري سيكون له تبعات كبيرة على المنطقة، فاندحار وهزيمة مشروع الهيمنة الإيرانية في سوريا يعني هزيمتها في المنطقة برمّتها وفي إيران ذاتها، ويعني بالنهاية الخلاص والتحرّر للشعب الإيراني أيضاً.

لقد بدأت موجة الربيع العربي الثانية بالارتفاع، وها هي بشائر التغيير تأتينا مع نسائم الحريّة عبر سواعد وحناجر أهلنا في السودان وفي الجزائر. إنّها عجلة التاريخ التي لن تتوقف مهما وضعت العصّي فيها، فطوبى لمن ثار من هذه الشعوب، وطوبى لمن ينتظر الوقت المناسب والظرف السانح، وطوبى لمن أيّد وساند ودعم هذه الشعوب في مطالبها المُحقّة.

===========================

الجلاء طريق السوريين نحو راية عالية وحدود مصونة وشعب حر

شمس الدين الكيلاني

سوريا تي في

الاربعاء 17/4/2019

عندما استلم الرئيس القوتلي راية الجلاء/الاستقلال، وعد شعبه بألا يخفق في سماء سوريا بعد الآن "إلّا علمكم، ولا تعلو فيه إلّا إرادتكم"، وقد حافظ السوريون على عهد رئيسهم وقائدهم الوطني، فلم يسمحوا بأن يدنِّس أرضهم معتدٍ، أو تُرفع راية فوق علم الاستقلال، فقط لمرة واحدة اتفقوا مع رئيسهم القوتلي على رفع علم الوحدة السورية - المصرية (علم الجمهورية العربية المتحدة )، ثم أعادوا رفع علمهم ذي الثلاثة نجوم بعد حدوث الانفصال (بانقلاب عسكري) بين سوريا ومصر، وبقي هذا العلم مرفوعًا في سماء سوريا، وحافظوا على حدود وطنهم حتى أصبحت عصية على العدوان الإسرائيلي إلى أن قام حافظ الأسد ورفاقة بانقلابهم الغادر في (8 آذار 1963) الذي أسس لقيام دولة ضد الشعب ومعها التفريط بالعلم الوطني وبأرض الوطن وبحرية السوريين.

فقد عملت هذه الطغمة على التغطية على جريمتها الانقلابية - كعادتها التي لازمتها دائمًا  - بادعائها الكاذب أن هدفها استرجاع الوحدة مع مصر  (الجمهورية العربية المتحدة) مع ضم العراق، فثابرت على عقد الاجتماعات والمؤتمرات، والمواثيق مع الرئيس عبد الناصر وقادة العراق تحت حجة السعي لقيام وحدة ثلاثية بينهم، بينما كانت تقوم هي بالفعل وفق مقاصدها الحقيقية المتمثلة بتثبيت وجودها بالسلطة، فكان من الطبيعي أن تكون حصيلة تلك الاجتماعات المديدة المراوغة هو رفع علم الاتحاد الثلاثي على سماء سورية ومصر والعراق، لكن بدون أن يقوم الاتحاد، رفعوا علم الاتحاد وحاربوا  الاتحاد، وهذه مفارقة غريبة أقدموا عليها دون حياء، بل أعقبوا فشل هذه الاجتماعات (الوحدوية) افتعال العداء مع مصر عبد الناصر، ثم مع العراق فحرموا السوريين زيارة العراق لأكثر من عشرين سنة، ولم يتورعوا عن شرب الأنخاب عندما إعلن الرئيس عبد الناصر الاستقالة عقب هزيمة حزيران 1967، وقد غاب عن ذاكرتهم مسؤوليتهم عن هذه الهزيمة!

لقد استغلت هذه الطغمة مباحثات الوحدة لتعزيز مواقعها السلطوية في الجيش والمخابرات والمؤسسات السلطوية الأخرى وفي تسريح الضباط الوطنيين بذرائع مختلفة حتى فرغوا الجيش من القوى الوطنية لحساب اللحمة الطائفية ولتكوين عصبة عسكرية طائفية، فأسست بذلك لانقسام أبناء الوطن، بل بنت القاعدة الصلبة لحرب تلك العصبة العسكرية الطائفية على الشعب، وهو ما أقدمت عليه في كل مرة حاول فيها الشعب السوري أن ينهض في مجابهتها. فبينما كانت المظاهرات في عام 1963، تعمّ المدن السورية كافة، مطالبة باستعادة الوحدة مع مصر، كانوا هم ينشطون على جبهتين، يعملون في الأولى على قدم وساق لتأسيس مؤسسات تابعة لهم ولنهجهم الفئوي التسلطي مستقوين بتظاهرهم بالإخلاص لقضية الوحدة، ومن جهة ثانية جهدوا على تشتيت انتباه الشعب السوري والقيادة المصرية في مباحثات واجتماعات لاطائل منها مع عبد الناصر والعراقيين.

لم يقتصر ضررهم على مجال الخيانة للوحدة وعلى القيام بتمثيلة غريبة وهي رفع علم الوحدة والعمل ضدها في الوقت نفسه

لم يقتصر ضررهم على مجال الخيانة للوحدة وعلى القيام بتمثيلة غريبة وهي رفع علم الوحدة والعمل ضدها في الوقت نفسه، بل كرَّروا تمثيل مسرحية الإخلاص للوحدة، وطبقوها على المقامرة بالأرض الوطنية ليبرروا ابتعادهم عن الوحدة، فقد رفعوا شعارًا مضللًا وهو: عبر تحرير فلسطين نحو الوحدة العربية، لمواجهة الشعار الذي رفعه عبد الناصر: عبر الوحدة والتقدم الاجتماعي نحو تحرير فلسطين.

لهذا الغرض حركوا الحدود لتصبح مسرحًا (استعراضيًا) لـ(نضالهم) لإحراج سياسة عبد الناصر التي سمحت بتمركز قوات الطوارئ الدولية على الحدود بين مصر و(إسرائيل). فاستقدموا مجموعة من الفلسطينيين للقيام بعمليات عسكرية داخل الحدود، دون اكتراث بالتبعات والعقابيل، فكان همّهم الأساسي التعريض بسياسة عبد الناصر الفلسطينية والهروب من استحقاقات الوحدة والتضامن العربي، والتنافس على الموقع القومي الأول، كل ذلك لكسب الشرعية أمام الشعب السوري المجبول دمه بالعروبة وفلسطين، باختصار كانت جماعة الأسد تلعب لعبة جهنمية كلَّفت السوريين والعرب بما فيهم الفلسطينيين الأرض والعرض ونهر من الدماء.

والحال، فبينما كان الأسد وطغمته يلهون بمسرحيتهم المضلِّلة، كانت (إسرائيل) تبتهل الفرص للانقضاض على العرب، وتبحث بشكل محموم عن الحجج والذرائع للتوسع مجددًا، ولاستجلاب اعتراف العرب بها كأمر واقع لا يمكن إزاحته، فلقد بنى بن غوريون تصورًا استراتيجيًا مفاده أن إسرائيل تحتاج لهزيمة العرب مرة ثانية لتكسب اعترافهم. ولقد خلق نظام الطغمة في سوريا الحجج المناسبة وأيضًا الضعف المناسب في الجيش والمجتمع السوريين، وفي الصفوف القيادية التي بدلًا من أن تهيئ نفسها لحماية حدود الوطن انصرفت للهو في الخمارات، وعلى إيقاع أغاني لودي شامية: (من قاسيون أطل ياوطني)، تاركين حراسة الحدود للأغنية الشهيرة: نهر الأردن ما بيتحول!؟

وهكذا، هيأ النظام كافة الشروط السياسية والعسكرية  لاجتياح (إسرائيلي) للأرض العربية، فاستطاعت جرّ أقدام عبد الناصر إلى المعمعة وهو غير مهيأ لها تحت الضغط النفسي والمعنوي والدفاع عن الموقع القيادي، فأقدم عبد الناصر تحت ضغط (المسرح) الذي أُعدَّ على حدود الوطن السوري، وتحت تأثير تشجيع الاتحاد السوفياتي للانخراط بجدية في مجابهة الخطر الذي يحيط سوريا من قبل الحشود الإسرائيلية، فسحب عبد الناصر قوات الطوارئ الدولية من على حدوده وأغلق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، فاعتبرت (إسرائيل) هذا الأمر بمثابة إعلان للحرب، وصدقها العالم كله، ثم ما كان منها إلّا أن اجتاحت في الخامس من حزيران 1967 أراضي مصر والأردن وسوريا: غزة  وسيناء، الضفة الغربية، الجولان السوري العصي عن الاختراق بحكم الطبيعة، ووطنية شعبه، قاومت مصر بعدة رصاصات ومثلها الأردن، أما النظام السوري صانع مسرح الجريمة/ الهزيمة فلم يطلق رصاصة واحدة، بل سلّم وزير الدفاع (حافظ الأسد) القنيطرة عاصمة الجولان بإعلانه الكاذب: أن القوات الإسرائيلية احتلت المدينة، فاتخذت القوات الإسرائيلية هذا الإعلان بمثابة السماح لها باحتلالها بينما كان وزير الصحة السوري يتجول في شوارعها فما كان منه إلّا أن قدَّم استقالته احتجاجًا على ما فعله وزير الدفاع، وفعلًا احتلتها إسرائيل بعد ساعات من إعلان الأسد المشبوه. فعلّق حنّا بطاطو على سلوك الأسد بالقول: من المحتمل أنّ الأسد اختار  التضحية بأرض سورية وبمصالح الجيش من أجل المحافظة على النظام. وما عزز ذلك الشك أنّ وحدات الجيش الضاربة -خصوصًا اللواء 70 المدرع بقيادة العقيد عزت جديد، وكتيبة الدبابات بقيادة النقيب رفعت الأسد - كانت أوّل من ترك الجبهة تحت جنح الظلام.

وزير الدفاع الذي سلّم الجولان بدون طلقة رصاص هو  نفسه ملأ الأرض بشعارات تحرير فلسطين كمقدمة للوحدة العربية

والغريب في الأمر، أن وزير الدفاع الذي سلّم الجولان بدون طلقة رصاص هو  نفسه ملأ الأرض بشعارات تحرير فلسطين كمقدمة للوحدة العربية، أما المفاجأة الكبرى، هو ارتقاء وزير الدفاع المهزوم إلى موقع الرئيس، فلقد كوفئ أو كافأ نفسه بأن نصَّب شخصه رئيسًا للجمهورية وأودع زملاءه السجون حتى الموت! مفتتحًا فصلًا من المظالم لبناء مملكة الرعب ،فتحولت سوريا في عهده إلى سجن كبير،  وأبقى على علم الوحدة مرفوعًا بدون وحدة بل مع العمل ضدها، وحوَّل علاقات سوريا مع الجوار العربي إلى مستوى من العداء لم تشهده من قبل، بل أصبحت أكثر توترًا وقلقًا من العلاقة الحدودية مع (إسرائيل). وبدلًا من صرف طاقة سوريا وإمكانياتها لتحرير أرض سوريا، جند قدراته المعززة من الاتحاد السوفياتي ضد جيران سوريا العرب، أغلق الحدود مع العراق لأكثر من عشرين عامًا، ولم يتردد في الوقوف مع إيران، الدولة الثيوقراطية، في حربها على العراق، وجند عملاءه الكثر ضد الأردن، غير أن لبنان كان الضحية الكبرى لبراثن قواته الأمنية العمياء، ليعطي أسوأ مثال للعلاقة بين بلدين عربين.

وبين هذا وذاك نسي الأرض السورية، اكتفى باحتلال لبنان بعد أن رتب الخطوط الحمر مع إسرائيل، والخطوط الخضر على مرتفعات الجولان. لكنه والحق يُقال لم يُقصر هو وخليفته من بعده، في تنظيم الخطب بإحياء ذكرى الجلاء بعد أن حول تلك الاحتفالات إلى مناسبة لإعلان الولاء للقائد الخالد.  أما الشعب السوري فكان الضحية الأول لنظام الطغمة.

لذا كانت  ثورة الشعب السوري عام 2011  عميقة وشاملة بقدر الألم والظلم والعسف الذي شملت مصائبه، الشعب السوري من جنوبه إلى شماله، ارتفع صوته الحر المليوني في آذار 2011، مطالبًا بالحرية والكرامة، مؤكدًا أن الشعب السوري واحد، رافعًا مجددًا علم شكري القوتلي، وأجيال الاستقلال، لا كرهًا بالوحدة فالسوريون هم صنّاع الوحدة، ومن مآذن دمشق صدح صوت العروبة عاليًا، بل قرَّر السوريون إنهاء المهزلة وعبث النظام (يرفع علم دولة الوحدة ويقوم بكل ما هو ضار بالعروبة والعلاقة العربية وراهنًا سوريا لدولة ولاية الفقيه في إيران)، رفع الشعب رايته مجددًا فكان بذلك صادقًا مع الواقع والمبدأ، وأوقف بذلك مهزلة الهزء بالوحدة، وأنهى هذه الفضيحة والمفارقة اللفظية والتاريخية.

وأكد السوريون على وحدة أرض الوطن شبرًا شبرًا، وعلى كرامة الشعب وحريته، وهي وصايا سطرتها قيادة نضالنا الوطني، في مقدمتها القوتلي وهاشم الأتاسي وفارس الخوري وباشا الأطرش وصالح العلي وإبراهيم هنانو، التي دمجت بين النضال من أجل الاستقلال والحياة الدستورية الديمقراطية، وكانت سورية سبَّاقة في تسطير دستور ديمقراطي منذ عام 1920، في مؤتمرها الوطني الجامع، سبقت فيه العديد من الدول الأوربية، ولحقتها مصر بعد ثورة 1919 بدستور 1923، فكان هذان الدستوران بمثابة الإعلان ببدء مرحلة بناء الدولة الوطنية العربية على أسس ديمقراطية، لم يستمر هذا في سوريا قطعه الاحتلال الفرنسي، واستمرت مصر بتجربتها إلى أن قطع تطورها الدستوري الوطني، نظام جديد اعتمد المركزية الاقتصادية وعلى رأسه العسكر، وقدَّم وعودًا عريضة انتهت بالنتيجة على صورة الرئيس السيسي الذي وقف وراءه القومجية ورفاق عبد الناصر وأبنائه.

لكن إذا استخدمنا المقارنات تكون تجربة سوريا مع العسكر أشد وطأه، كانت كابوسًا ممتدًا يخلو من الأحلام والوعود، فهي عسكرية ملوثة بالطائفية والتمييز الطائفي والتي توجّها النظام الأسدي بمذابح في كل الأرض السورية، ولم يكتفِ بذلك بل استقدم المستعمرين من كل صوب، استجلب إيران مع تقيحاتها الطائفية وميلشياتها التي استقدمتها من كل صوب من لبنان إلى أفغانستان، ومعها الرغبة بالاستيطان على حساب السوريين، فعمل النظام على قتل مئات الألوف من شباب ونشطاء سوريا في سجونه، وطرد نصف السوريين خارج الحدود أو داخلها خارج ديارهم ودمّر المدن والقرى والدساكر بادئًا بالأفران والمدارس والمستشفيات، ولما عجزت إيران وجيشه الذي تحول إلى ميليشيا طائفية موصفة، استقدم جيوش روسيا فدمرت الكثير مما تبقى من بناء ومدنية، وأعادت تدمير ما تدمَّر وعقدت الصفقات مع إسرائيل، وعمل النظام أيضًا على تسهيل فتح الطريق لقدوم داعش والقاعدة (النصرة) كي يوصم الثورة السورية النبيلة بالإرهاب، وليجعل المسألة الأساسية أمام العالم والنظام الدولي هي الإرهاب، فيتوارى إجرامه وراء تلك الصورة المرعبة للإرهاب. ثم أقدم على مشاركة تنظيم أوجلان الإرهابي في إدارة الجزيرة السورية، ليضع الأكراد في وجه العرب وليمهد الطريق أمام الولايات المتحدة لتركب حصان هذا التنظيم الفاشي لتقتحم أرض الجزيرة السورية، وهذا ما حصل فالرئيس ترامب بحسه التجاري المقامر وجدها مناسبة ليستخدم هذا الجسم الإرهابي للسيطرة على شمال سوريا، مع بترولها ولتحجيم دور تركيا المتنامي.

هكذا أورث النظام المجرم، السوريين بلدًا ممزقًا تتناهشه الدول الغازية، وتلطِّخ ربوعه ميليشيا مجنونة استقدمتها إيران من كل أصقاع الأرض، وإلى جانبها وفوقها قوى الاستبداد الأبدي الروسي، ومن ورائهم جيش ترامب، وميليشيا قنديل ،فحول النظام وطننا السوري إلى مسرح للغزاة والمستعمرين والميليشيات المعتوهة، فيبدو المشهد السوري العام أننا بصدد وضع استعماري أخطبوطي متطاول الأبعاد، يبدو أمامه الاستعمار الفرنسي نوع من لعب الأطفال قياسًا إلى صراع الحيتان الذي يدور على أرض بلادنا الحبيبة، فهذا النظام المجرم لم يترك نوعًا من الشر إلّا واستخدمه ضد الشعب، فوضع أمام السوريين مهام وطنية عظمى لا يحتمل القيام بها سوى الرجال والنساء الشجعان، فعلى السوريين أن يعدوا العدة لبناء إطار جامع يحضنهم كلهم، ليقود نضالهم على طريق الاستقلال والحياة الدستورية الديمقراطية، مقتدين بجيل (الكتلة الوطنية) الأوائل الذي ربط في نضاله الكبير من أجل الاستقلال الوطني بالحياة الدستورية الديمقراطية، ويشد من عزمهم أصوات موجات الربيع العربي الهادرة في الجزائر والسودان، وأيضًا حصيلة تجربة الثورة السورية نفسها ما بين نقاطها المضيئة وعثراتها، ولتكون هذه الدروس والتجارب هدايا لنا لبناء مستقبل سوريا الحرة الأبية لكل مكوناتها، وكلنا ثقة أن الشعب السوري يملك المقدرة والتجربة والحكمة الكفيلة بتذليل كل الصعاب والعثرات الجسام في طريقه لنيل الحرية والكرامة والعيش الكريم، فقد دخل العرب أخيرًا في مرحلة الانتقال العسيرة والنبيلة نحو الديمقراطية.

===========================


إعلان دمشق.. استكمال "القصة الكاملة"

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 17/4/2019

كتب الصديق جورج صبرة مقالته "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي... القصة الكاملة"، ونشرت في "العربي الجديد" (6/4/2019)، عرض فيها خطوات تشكيل تحالف إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، معتبرا أن ما أورده، كما يشير العنوان، هو "القصة الكاملة". لكن القصة التي رواها لم تكن كاملة، فقد بقيت فصول مهمةٌ منها لم تتم الإضاءة عليها، أقصد المشهد السوري العام، النظام بشكل خاص، الذي كان حافزا لإطلاق فكرة "إعلان دمشق" بصيغتها الأولى، وما حصل داخل مؤسسة "الإعلان" الرئيسة: "مكتب الأمانة العامة" في الفترة بين تأسيس "الإعلان" وعقد مجلسه الوطني.

كان النظام الحاكم يعد لعقد المؤتمر العاشر لحزبه، البعث، في شهر يونيو/ حزيران 2005، عقد من 6 إلى 9 منه، مدفوعا بتطوراتٍ سياسيةٍ وميدانيةٍ ضاغطة: قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الذي صدر في 2 سبتمبر/ أيلول 2004، والقاضي بخروج جميع القوات الأجنبية من لبنان، والمقصود جيش النظام. اغتيال رئيس الوزراء اللبناني (السابق في حينه) رفيق الحريري يوم 14 فبراير/ شباط 2005. تشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق باغتيال الحريري، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1595 في 7 إبريل/ نيسان 2005، بدأت عملها يوم 16 يونيو/ حزيران بقيادة المحقق الألماني ديتليف ميليس الذي بدأ التحقيق مع مسؤولين كبار في جهاز مخابرات النظام بشأن دورهم في عملية الاغتيال؛ ومعاينة مواقع على الأرض السورية، قيل إن السيارة التي فجّرت بموكب الحريري أعدّت فيها. تشكيل محكمة خاصة للبنان للتحقيق في اغتيالات ضد سياسيين وصحافيين بدءا من عام 2004، تأسست بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1757 عام 2007.

وقرر النظام عقد المؤتمر العاشر للبعث، في محاولةٍ منه للتغطية على مجريات التحقيق الدولي، والمصاعب التي يواجهها، واضطرته إلى سحب جيشه من لبنان بسرعة، وبشكل غير منظم، 

"سجالات أخذت شكل حوار صاخب ومهاترات، لم تخل من تجريحٍ شخصي، بين مندوبي قوى رئيسة" يوم 26 إبريل/ نيسان 2005، بالحديث عن إصلاحاتٍ عميقةٍ وجذريةٍ في بنية الحزب الحاكم، أو الحزب القائد في المجتمع والدولة، وفق المادة الثامنة من الدستور السوري الدائم الصادر يوم 13 مارس/ آذار 1973، والذي صاغه حافظ الأسد على مقاسه.

لم يكتف النظام بتسريب أنباءٍ عن هذه "الإصلاحات"، بل ودعا معارضين ومثقفين للمشاركة في إعداد أوراق حولها (شارك حسين العودات وميشيل كيلو في إعداد بعضها)، كما فتح لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية باب المشاركة في "الهمروجة" بإجراء مقابلات، وعقد ندوات حوارية بشأنها (عقدت إذاعة بي. بي. سي ندوات في قاعة في فندق الشام، شارك فيها معارضون ومستقلون).

ونظرا إلى خطورة الموقف والأثر الذي ستتركه قرارات مؤتمر "البعث" على حاضر سورية ومستقبلها، عقدت "لجنة المتابعة في لجان إحياء المجتمع المدني"، المكونة من حسين العودات (رحمه الله) وميشيل كيلو وحميد مرعي وفايز سارة وأكرم البني وحازم نهار ورضوان زيادة ومعاذ حمور وعلي العبدالله، اجتماعا في أواسط شهر إبريل/ نيسان 2005 في مكتب حسين العودات في البرامكة، ناقشت فيه فحوى التسريبات عن قرارات المؤتمر الإصلاحية، ومدى مطابقتها أو تلبيتها لتطلعات المجتمع، ومدى اقترابها من تصورات المعارضة. انتهى الاجتماع إلى اقتراح قدّمه رضوان زيادة بصياغة "إعلانٍ"، يتضمن تصور المعارضة للإصلاحات المطلوبة تحت اسم "إعلان دمشق"، وتوقعه قوى المعارضة، وإصداره قبل عقد المؤتمر العتيد لتشكيل رأي عام حول الإصلاحات، والضغط على المؤتمر للتجاوب مع بعض هذه المطالب. نوقشت الفكرة مع عدد من قوى المعارضة، بعد أن كتب ميشيل كيلو مشروعا للبيان، صار أساسا لوثيقة تحالف "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" بعد إجراء تعديلاتٍ اقترحتها قوى المعارضة.

أما الفصل الثاني الذي لم يرد في "القصة الكاملة" التي رواها الصديق جورج، ولا يقل أهمية عن الأول، فيتعلق بما دار في مكتب الأمانة العامة لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي؛ المكون من مندوبين عن الأحزاب والقوى والشخصيات المشاركة في "الإعلان"، 12 مندوبا، والذي كلف بإدارة نشاطات "الإعلان" الإعلامية والميدانية، استمر عمله من تأسيس "الإعلان" يوم 16/10/2005 إلى عقد المجلس الوطني يوم 31/12/2007 وانتخاب "أمانة عامة". وقد عرفت اجتماعات "مكتب الأمانة العامة" ظواهر سياسية وأخلاقية، لا تعكس سياسات إدارة المشتركات، وأدبيات التحالف التي جمعت أطراف "الإعلان"، من بينها:

أولا، سجالات أخذت شكل حوار صاخب ومهاترات، لم تخل من تجريحٍ شخصي، بين مندوبي قوى رئيسة، خلفيتها السعي إلى الإمساك بعنق "الإعلان"، والتحكّم بمواقفه ومساراته، بلغت، في بعض السجالات، درجة التخوين (فاجأ فاتح جاموس، وكان مندوبا عن حزب العمل الشيوعي، أعضاء المكتب بورقة مطوّلة، أكثر من عشرين صفحة، يردّ فيها على ما دار في اجتماعات سابقة فيها تشكيك بالنوايا بلغ درجة الاتهام بالعمالة. والطريف قوله خلال الحوار حول الورقة في تبريره موقفه إن ابنته مايا تُستدعى للتحقيق في أحد فروع المخابرات، وأنه يضطر للبقاء عند الباب ساعات بانتظارها). كان الاجتماع يستمر، وسطيا، عشر ساعات، والمحصلة، في الغالب عدم اتفاق.

ثانيا، عدم التزام بعض الأحزاب والقوى بما يتم الاتفاق عليه من خطواتٍ ميدانية، مثل الحشد 

"لم يتورّع مندوب حزب سياسي من تسريب مضمون الاجتماعات، بعد إعادة صياغتها بطريقةٍ تظهر ضعف مواقف أحزاب وقوى سياسية منافسة، مقارنة بقوة موقفه" يوم الاعتصام، أو دفع الالتزام المالي في موعده. (كانت لجان إحياء المجتمع المدني التي تشرفت بتمثيلها في المكتب طوال عام 2007 الأكثر التزاما في هذين البندين).

ثالثا، تهرّب بعض الأحزاب من تقديم تقارير لاجتماعات "المكتب" عن المهمات التي كًلفت بها في المحافظات والمناطق السورية.

رابعا، محاولة أحزاب وقوى سياسية خرق سقف التوافق الذي تأسس "الإعلان" في ضوئه: التغيير الديمقراطي، بالسعي إلى إقحام مواضيع اتفق على اعتبارها شأنا خاصا بكل حزب أو قوة أو شخصية تقوم بها خارج نطاق "الإعلان" وفعالياته، مثل مواجهة الامبريالية والصهيونية، والقضايا العربية الساخنة، مثل دعم الشعب الفلسطيني، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية.

خامسا، الصراع على حصص قوى "الإعلان" في مؤتمر المجلس الوطني الجاري التحضير لعقده.

سادسا، الصراع على ترشيح شخصيات وطنية مستقلة من خارج قوى "الإعلان"، للمشاركة في المؤتمر. كان الموقف من أي مرشح، رفضه أو قبوله، يرتبط بمن طرح اسمه لا بمواصفاته، وما يمكن أن يضيفه للمؤتمر من وزن وخبرة.

سابعا، سجال مرير على نص البيان الختامي الذي سيصدر عن المؤتمر، إذ استنزف الاتفاق على النص اجتماعات طويلة.

ثامنا، لم يتورّع مندوب حزب سياسي من تسريب مضمون الاجتماعات، بعد إعادة صياغتها بطريقةٍ تظهر ضعف مواقف أحزاب وقوى سياسية منافسة، مقارنة بقوة موقفه.

أدى المناخ غير السياسي، وغير الودي، الذي ساد فترة عمل "مكتب الأمانة العامة" إلى تمزق الروابط وتلاشي الروح الإيجابية التي جمعت قوى "الإعلان" لحظة تأسيسه، حوّلته إلى جسد بلا روح، وإلى انفجار الخلافات داخل مؤتمر المجلس الوطني، وهو ما قاد إلى انسحاب حزبي الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي والعمل الشيوعي، وإلى توريث أحقاد تجسّدت مع انطلاق ثورة الحرية والكرامة، بفشل كل محاولات عقد اتفاقٍ يجمع قوى المعارضة، للتعاطي مع الحدث العظيم بنيةٍ صافيةٍ وحركةٍ منسّقة.

لا يريد هذا السرد الرد على العزيز جورج صبرة، وإنما تصوير المشهد وسياقاته بدقة، وإنصاف "لجان إحياء المجتمع المدني" التي تعرّضت لهجوم قوى حزبية، على خلفية خوفها على دورها وإيقاع حركتها الذي بدا باهتا قياسا بما تفعله "اللجان"، بإطلاق تسميةٍ تحقيريةٍ 

"تهرّب بعض الأحزاب من تقديم تقارير لاجتماعات "المكتب" عن المهمات التي كًلفت بها في المحافظات والمناطق السورية" عليها "لجان الدفاع المدني" للحط من قدرها وأهمية دورها، بعد أن لعبت، منذ تأسيسها عام 2000، دورا بارزا في تنشيط الحركة السياسية والمدنية السورية (طرحت وثيقة سياسية لجمع المعارضة على قاسم مشترك: توافقات وطنية؛ حرّكت فعاليات ميدانية: زيارة ضريح الشهيد يوسف العظمة في منطقة ميسلون، تبعد حوالي 25 كيلومترا غرب دمشق، يوم ذكرى عيد الجلاء يوم 17 إبريل/ نيسان من كل عام، بدءا بالعام 2002، لإعادة الاعتبار له وللتاريخ الوطني الذي سعى النظام، خصوصا بعد الحركة التصحيحية، إلى طمسه وإبراز دور حافظ الأسد). واضطر هذا الدور النظام لإعادة الاعتبار للرجل بترميم ضريحه، وإرسال وفد عسكري في الذكرى لوضع أكليل ورد عليه؛ كما أعاد نصب تمثال له في ساحة المحافظة في دمشق، بعد أن كان قد أزال تمثالا سابقا له من هذه الساحة؛ شوهد التمثال ملقى في حديقة نادي الضباط في بوابة الصالحية. وتمت الدعوة إلى اعتصام في ذكرى إعلان حالة الطوارئ يوم 8 مارس/ آذار من كل عام، بدءا بالعام 2004، وذكرى الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة يوم 5/10/1962 الذي حرم آلاف الكرد السوريين من الجنسية.

===========================


السوريون؛ بين القهر والأمل

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 15/4/2019

لأسباب يصعب حصرها، تعقّدت قضية السوريين بحيث يكاد كل ما يحدث في عالمنا يلمسها من بعيد أو قريب؛ وبعض تلك الملامسات كبير جدا؛ فما عودة ربيع طلب الحرية – أكان في الجزائر أو في السودان – إلا من عبق ذخرها الذي لا يزول. ومن هنا لا يحدث أمر في هذه الدنيا، إلا وترى عيون السوريين وعقولهم معلقة به، علّه يكون بارقة أمل تعيدهم وبلدهم إلى سكة الحياة.

يضغط الداخل الأمريكي على ترامب، ويحاصره الحزب الديمقراطي بأخطاء أو سقطات وقع فيها، فتنفرج أساريرهم، آملين أن يترجم ترامب ذلك ضغطاً على روسيا (المتهم بمغازلتها)، علّ الأخيرة تستشعر ضغطه؛ وبدورها تضغط على منظومة الاستبداد الأسدية، وتجلبها إلى حل سياسي، أو على الأقل تخفف من اقتصاصها من الشعب السوري، لأنه يعارض منظومة الاستبداد التي تساندها.

يقرر ترامب ذاته التوقيع على ضم الجولان؛ يتمزق السوريون بين غضبهم عليه، واحتقارهم للنظام الذي هيّأ له ولنتنياهو هكذا فرصة لاستباحة حقهم؛ والأمل يحدوهم

يُشاع أن جهات معينة تريد إعادة علاقاتها مع نظام الأسد، فيشعر كثير من السوريين بالخيبة، ويستذكرون خذلان هذه الجهات لهم في رحلة مواجعهم

بأن ما حدث كشّاف لنظامهم الكاذب، وبأنه لم يعد صالحا أو مؤتمناً على وطن؛ وما سرديته حول "المقاومة والممانعة" إلا كذبة مكشوفة. يهدد ترامب إيران، ويسعى إلى خنقها عبر حصار اقتصادي وإسدال سمة الإرهاب على عصب حياتها المتمثل بـ" الحرس الثوري"؛ فيستبشر السوريون أن الضغط الأمريكي على إيران سيخنق من خنق سوريا وأهلها. وحتى إسرائيل – محتلة الأرض ومغتصبة الحقوق – غدت بوابة " فشة غل " عندما تستهدف إيران في سوريا.

يُشاع أن جهات معينة تريد إعادة علاقاتها مع نظام الأسد، فيشعر كثير من السوريين بالخيبة، ويستذكرون خذلان هذه الجهات لهم في رحلة مواجعهم. ترفض الجامعة العربية عودة تلك المنظومة إليها- حتى ولو كان في سياق مواجهة إيران- فيشعر السوريون بأن نظام الأسد لايزال منبوذاً؛ الأمر الذي يساعدهم ربما على الخلاص منه. وفي السياق ذاته، يخرج تصريح من جهة عربية توصّف نظام الأسد بما هو، فيزيدهم ذلك أملاً بأن هناك من يشاركهم ما يشعرون به تجاه نظام الاستبداد. يدرج الاتحاد الأوروبي أسماء من النظام بقائمة إرهابية، فيقول السوريون إنه ما زال في هذه الدنيا من يرى النظام الأسدي على حقيقته.

 رغم أنّ عودة من خرج من سوريا إلى بيته تشكل حلما لا يفارق أي سوري، إلا أنّ تصريحا دوليا- يقول إن لا عودة للاجئين السوريين طالما استمر هذا النظام، وطالما لم تأخذ العملية السياسية مفاعيلها، ومالم تتوفر البيئة الآمنة والكريمة لعودتهم-  يبث- رغم مرارته- أملا بأن هذه المنظومة الاستبدادية إلى زوال. الامر ذاته يمكن استشعاره في الحديث عن إعادة الإعمار في سوريا؛ فعندما يقال إن لا إعادة إعمار طالما ذلك المستبد المستعد لهدم ما يمكن أن يُعَمَّر مستمر في السلطة. ذلك لأن الرغبة الأساس لكل سوري أن يرى بلده وقد عاد عامراً معمرا.

 تتضارب مشاعر السوريين تجاه مساهمة إسرائيل بامتداد عذابات السوريين؛ فترى بعضهم يرى بفوز نتنياهو استمرارا لنظامهم الإجرامي، والبعض الآخر يرى أن كل ما كان يعمله نتنياهو أساسه داخلي وتجارته بالإبقاء على منظومة الأسد، أما الآن فقد تتغير التوجهات؛ ويدير نتنياهو ظهره بعد أن حصل على ما أراد.

يشعر السوري بفرحة شديدة عندما يرى بلدا كالجزائر وقد أزاح رئيسا قرر مَن حوله أن يبقوا جاثمين على صدر الجزائر؛ وفي الوقت ذاته يستشعر المرارة لعدم إزاحة المنظومة الاستبدادية الجاثمة على روح سوريا حتى الآن. والأمر ذاته ينتابه عندما يرى ترجمة لإرادة إخوته في السودان لإزاحتهم لدكتاتور يشبه دكتاتورهم والأقرب إليه؛ ولكنهم من جانب آخر يتيقنون بأنهم كانوا الذخر والخميرة التي حركت شعب الجزائر وشعب السودان. هذا يحدث بعد أن كان كل من يسعى للاستمرار بأبدية سلطته يحذرهم من مصير كمصير السوريين.

 وبالعودة للمشاعر المتضاربة، يشتد العوز في سوريا- حتى في حاضنة النظام- تنتشر الجريمة؛ يتفاقم الفساد؛ فترى بعض السوريين

تجد السوريين- ونظرا لوجعهم المستدام- يرون أن أي أمر يزيح الأنظار عن قضيتهم الأعقد والأمر في العالم- إعلامياً أم غير ذلك- يشعرهم بحسرة شديدة

غير آبه حتى لوضع إخوته السوريين؛ لأن وضعاً كهذا بذهن البعض يفضح النظام، ويعريه، ويكشفه أمام كل السوريين؛ فتراه يحدوه الأمل بأن ينتفض هؤلاء على الجريمة والاستبداد.  يتم شحن رأس النظام إلى موسكو أو طهران (رغم أن ذلك في النهاية إهانة لكل سوري من قبل الاحتلالين الإيراني والروسي)؛ إلا أن كثيرا من السوريين يشعرون بالراحة لأن رأس المنظومة التي فعلت بهم ما فعلت، تتم إهانته.

أخيرا تجد السوريين- ونظرا لوجعهم المستدام- يرون أن أي أمر يزيح الأنظار عن قضيتهم الأعقد والأمر في العالم- إعلامياً أم غير ذلك- يشعرهم بحسرة شديدة.

يبقى أن كل ما أتى يمكن تصنيفه في خانة ردة الفعل القهرية؛ وهذا ليس عيبا أو مطباَ؛ ولكن ما هو مطلوب من السوريين- ومع عودة ربيع الحرية إلى الساحة العربية- أن يركزوا أكثر على الفعل لا ردة الفعل، مؤمنين بما خرجوا من أجله، ومتمترسين عنده؛ عبر رصِّ صفوفهم، وتوحيد كلمتهم، وتقديم الأنموذج الأمثل الذي يستحق الحرية وتليق به.

===========================

السوريون يشتهون انقلاباً

معن البياري

العربي الجديد

الاثنين 15/4/2019

تُبادر قيادة الجيش في الجزائر إلى إزاحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في تدخّلٍ منها على خط الأزمة التي استجدّت في البلاد بعد دفع الأخير إلى الترشّح لعهدةٍ رئاسيةٍ خامسة. يصبح الجيش صاحب المبادرة، ويُمسك دفّة الانتقال إلى متغيّرٍ جديد. وشعبيا، يُؤخذ تحرّكُه هذا موضع امتداحٍ أولا، قبل أن يدخل الحراك الجماهيري معه في مقايضةٍ بشأن استحقاقات التغيير المنشود. وفي السودان، كان منتظرا، منذ الأسبوع الأول للحراك الساخط على نظام عمر البشير، أن يُقدِم الجيش على فعل شيءٍ ما. ولم يكن متوقعا أن يتنحّى البشير، ويُسلّم السلطة لمتظاهرين في الشارع. ما كان منتظرا (ومطلوبا؟) في السودان، جرى يوم الخميس الماضي، ثم تدحرجت مستجداتٌ أكّد الجيش فيها نفسَه جسرا يتم عليه العبور إلى التغيير، أو مقادير منه، يحدّدها ما ستُحرزه التشكيلاتُ المدنيةُ والأهلية من المجلس العسكري، ومعها أحزاب المعارضة، في مسارٍ انتقالي، يأمله السودانيون ديمقراطيا، ويستوفي شروط الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. وفي الأثناء، يُنتبهُ بكثافةٍ إلى الحدثين الجزائري والسوداني، وتتصدّر الفضاءَ الديمقراطي والوطني العام محاذيرُ عريضةٌ من احتيالٍ قد يستهدف مطالب شعبي البلدين، بكيفيةٍ تُشابه وثوبَ قيادة الجيش المصري، ممثلةً بوزير الدفاع الأسبق، عبد الفتاح السيسي، على السلطة، بانقلابٍ عسكري. إذ تشيع هذه المحاذير، المسوّغة، لا يغيب عن الأذهان، في كل الأحوال، أن الجيش في مصر هو من أمسك بلحظة الانعطافة التي أرادتها ثورة 25 يناير في 2011، وسار بالبلاد إلى تمرينٍ ديمقراطي أول، معلوم التفاصيل، بدا واعدا، قبل الضربة الارتدادية إياها التي أجهزت عليه.

يُؤتى هنا على هذا الأرشيف القريب، للانتهاء إلى أن السوريين راقبوا تلك الوقائع، وقبلها وفي أثنائها، الدور بالغ الإيجابية الذي أدّاه الجيش التونسي، وهو يكتفي بدوره حاميا لبلاده، وحارسا لها، إبّان الثورة التي أزاحت بن علي، وتالياً عند ارتحال التونسيين إلى مزاجٍ سياسي مغاير. ولا يحتاج واحدُنا إلى عقل أنشتاين ليلحظ التأسّي الفادح في حواشي السوريين، وهم يلهجون بسؤالٍ ينمّ عن حنقٍ غزير وأرطالٍ من الحسرة، ويتعلق بالأسباب التي تجعل الجيوش في مصر والسودان والجزائر وتونس تستشعر لنفسها دورا في أوطانها غير الذي يُنيط به نفسَه الجيش السوري، أي تجريد حملةٍ عسكريةٍ، قوامُها التمويت، بالبراميل وغاز السارين والقذائف العمياء، على الشعب، في الأسواق والميادين والمستشفيات والشوارع، والكنائس والمساجد إن لزم الأمر. لقد بات السوريون يشتهون انقلابا عسكريا، من أي نوع، يُبادر إليه أي ضابط، طالما أن فعلا كهذا سيعني، بداهةً، تغيير رأس النظام وعائلته الحاكمة. كتب كثيرون منهم على حيطان مواقع التواصل الاجتماعي بانفعالٍ عن سوء حظ السوريين، إذ لم يتمتّعوا بجيشٍ يشتهي السلطة، بعد أن نجح وزير الدفاع في 1970، حافظ الأسد، في أن يجعل انقلابه العسكري آخر الانقلابات في سورية، وهو التاسع في 21 عاما. ولم ينعموا بجيشٍ يُسعف مواطنيه بأي خريطة طريقٍ من أي لونٍ نحو أي تغيير، فيوقِف المقتلة المشهودة في البلاد، ثم يأخذ السوريين إلى مرحلة التقاط أنفاس، ينحسر، في غضونها، نزيف نزوحِهم عن بلدهم الذي يُتغنّى بجماله، ويباشرون تمرينا سياسيا يجادلون فيه أنفسهم بشأن أي المعابر في وُسعها أن تمضي بهم إلى شيءٍ من الديمقراطية والحريات والكرامة الإنسانية.

اجتهد باحثون ومثقفون ودارسون، سوريون وغير سوريين، في تحليل منظومات الدولة السورية، بعد الاستقلال (أو الجلاء الفرنسي عنها) في 1946، وعشيّته، وموقع الجيش فيها، والمراحل التي تمأسس في مسارها هذا الجيش. وتُيسّر هذه الاجتهادات إجاباتٍ عن سؤال السوريين المضني. ومن أحدث المساهمات وأبرزها في هذه القضية ما طرحه عزمي بشارة في كتابه "الجيش والسياسة.. إشكاليات نظرية ونماذج عربية" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2017)، حيث اشتمل على بابٍ مخصص للجيش السوري. وبإيجاز كثير، مخلٍّ بالضرورة، لقد تحول هذا الجيش من مؤسّسةٍ حديثةٍ تنتج هويةً وطنيةً إلى مؤسسةٍ حديثةٍ تكرّس البنى الطائفية التقليديةـ وترسّخها، وتحولها إلى طبقاتٍ من الحاكمين والمحكومين. إنه جيشٌ صيّره الأسد الأب مؤسسةً "يُحكَم" بها، بإنتاج عصبيةٍ معينةٍ يسيّجها هذا الجيش.. القصة كبيرة وعويصة إذن.

===========================

انقلاب الأسد في سورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 15/4/2019

لا يمكن وصف ما يجري في سورية اليوم، من تطاول روسي على سلطة الأسد ونظامه وداعمه الإيراني، جيشاً أو أجهزة أمنية، إلا بأنه انقلاب عسكري، ولكن ليس بأدوات سورية أو بهدف انتزاع السلطة لمصلحة المنقلبين، كما حال الانقلابات في البلدان العربية، إنما هو انقلابٌ لتغيير وجه النظام إعلامياً، وتغيير موازين القوى أمنياً، وإنهاء ملفات المنطقة سياسياً، بما يضمن مصالح إسرائيل وأمن حدودها، ورغبتها في استقرار التطبيع "فوق الطاولة" معها عربياً، وفق ما يمكن تسميتها صفقة القرن التي أنتجت مفاهيم جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي، وصنعت أجندةً جديدةً لأولويات شعوب المنطقة، ليس من بينها تحرير ما اغتصب من أراضيها، بل ترويضها وتدجينها تحت طائلة معاقبتها بأنظمتها الاستبدادية إلى الأبد.

ولكن، وفي حقيقة ما جرى، لم تكن سورية في منأى عن حدوث انقلاب عسكري وشيك من داخل النظام، وعبر رموزه الحاكمة في مواقع حزبية وأمنية وعسكرية، وحتى مدنية، على طريقة ما يحدث اليوم في البلدان العربية، ينهي حكم الأسد نظاماً وعائلة. إلا أن التعقيدات والتفاصيل التي تربط أجهزة الدولة الأمنية بالأجهزة العسكرية وقياداتها، وقدرة إيران على التوغل داخل منظومة الحكم في سورية منذ الأيام الأولى التي عمّت فيها التظاهرات في درعا، ثم امتدت إلى باقي المدن السورية، بدءاً من عاصمتها وريفها القريب، امتداداً حتى مدنها في الوسط وعلى مقربة من الحدود على كل انفتاحاتها، أحبطت تلك المحاولات قبل أن تتبلور تارة، أو خلال مراحل تنفيذها، كحال ما جرى لخلية الأزمة التي اجتثت بكامل أعضائها الفاعلين والمؤثرين أمنياً وعسكرياً وانتماءً دينياً.

استثمر قادة الانقلاب في سورية انشغال السلطات الأمنية والحزبية في تشكيل حكومة رياض حجاب، التي أعلن عنها في 23 يونيو/ حزيران 2012، وقادوا حراكاً سرّياً داخل أروقة  

"التطاول الروسي على سلطة الأسد ونظامه، وداعمه الإيراني، جيشاً أو أجهزة أمنية، ليس سوى انقلاب عسكري" القيادة القُطرية وبين مكاتب المسؤولين في أجهزة الأمن ووزارة الدفاع، وقد أتاحت لهم اللقاءات التي كانت تجري تحت غطاء تشكيل حكومة حجاب، وفي التوقيت الزمني نفسه، أن يختبروا إمكانية جمع عدد غير قليل من مفاصل القيادات والوزارات ضمن ما يمكن تسميتها حكومة انقلابية، تدعمها جهات عربية ودولية، لتقويض حكم الأسد من داخل النظام والأسرة الحاكمة، بعد استنفاذ تلك الدول فرص الوساطة لتغيير مسار الصدام بين نظام الأسد والشعب، الذي اجتمعت إرادته على التغيير الكامل لنظامه. وهنا يمكن الربط بين انكشاف تحركات الانقلابيين وتوقيت عملية إطاحتهم (18 يوليو/ تموز 2012)، التي جاءت بعد تشكيل حكومة حجاب بأقل من شهر، وتسارع حركة هرب بعض القيادات في الجيش والأمن من سورية بعد عملية الاغتيال المدبرة.

والحديث هنا عن انقلاب ثلةٍ من الأسماء المعروفة في النظام السوري، لتغيير مسار الثورة وإزاحة بشار الأسد، لا يعني بالضرورة أنه انقلابٌ لتحقيق إرادة الشعب السوري، وحقه في تقرير مصيره، وإنما يمكن وصف ما كان يخطط له بأنه "انقلاب" في إطار احتواء الأزمة أو تبريدها، ضمن ما كان يصفه أحد المشاركين في المخطط بأنه إبعاد للخطر الذي يحدق بالأسد شخصاً وبسورية بلداً، وفي الوقت نفسه، يمكن تفسيره بأنه عملية تصفية حسابات عائلية، تأخر فيها الانتقام المبيّت، الذي أسهم بتبني صهر الرئيس عملية الانقلاب المرتقب، إذ انتشرت الحكايات عن خلافاتٍ مصلحيةٍ بين قائد العملية الانقلابية، آصف شوكت، ونسيبه الأسد، ما جعله أساساً ضمن قائمة الأعداء المتوقعين، وأسهمت الرقابة المشددة في كشف العملية "المبيتة"، فسارع النظام ومساندوه إلى تفجير قاعة الاجتماع مع كل مريديه في عملية استخباراتية أودت بحياة كل المطّلعين والمخططين للانقلاب من أعلى القيادات في الحزب والأمن والجيش. ما يعني أن رئيس النظام السوري استطاع مبكراً أن يطيح الانقلابيين من جيشه، وأن يستثمر في قتلهم، وأن يحوّلهم من فاعلين متهمين بعملية الانقلاب إلى ضحايا للإرهاب الذي يطيح البلاد، مستفيداً من صلة القرابة التي تجمعه مع اللواء آصف شوكت، زوج أخته بشرى الأسد، أحد أهم أهداف التفجير الذي طاول مبنى الأمن القومي السوري على وجهين مختلفين:

أولهما تأكيد أن ما يعصف بالبلاد هو حربٌ بين الدولة، التي يمثلها نظامه ورموزه (ومنهم

"انكشاف تحركات الانقلابيين  (18 يوليو 2012)، مرتبط بتسارع حركة هرب بعض القيادات في الجيش والأمن من سورية بعد عملية الاغتيال المدبرة" الخلية الأمنية التي تم اغتيالها لتجنب سيناريو انقلابها الذي كان قاب قوسين أو أقل) ومجموعات إرهابية نافذة، استطاعت التغلغل داخل المجتمع السوري، وصولاً إلى أن يصبح لها أدوات تنفيذية داخل أكثر الأماكن تحصيناً، وهو مبنى أعلى جهة أمنية، حيث بمقتل أحد أفراد عائلته ضمن المجموعة التي تم تصفيتها، ومنهم: رئيس مكتب الأمن القومي هشام بختيار، ورئيس خلية إدارة الأزمة اللواء علي تركماني عضو القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم، ووزير الدفاع داود راجحة ونائبه اللواء آصف شوكت، ما ينفي توجيه التهمة لنظامه أو لداعمه الإيراني.

وثانيهما أنه وجّه رسالة حاسمة إلى قادة الجيش والسلطة، أن المهمة الموكلة لهم لم تعد حماية الحدود المحاذية لدولة الاحتلال الإسرائيلي التي تحتل، إضافة إلى الأراضي الفلسطينية، الجولان السوري منذ عام 1967، أو تلك الحدود مع تركيا التي تقتطع لواء إسكندرون شمالاً، أو مع العراق العاصف بالأحداث والتفجيرات الإرهابية شرقاً، بل إن المهمة الأساسية هي حماية كيان النظام القائم من الشعب السوري، الذي ينادي بإسقاطه في تظاهرات عمّت معظم المدن السورية آنذاك (منتصف 2012)، ما يوحي بأنها غير قابلة للانحسار، على الرغم من محاولات قمعها التي وصلت إلى قتل الجيش والأجهزة الأمنية ما يناهز مائة من المتظاهرين يومياً، واعتقال العشرات، وصولاً إلى ما يزيد عن مائة ألف معتقل سياسي، وحصار المدن ومنع وصول أغذية الأطفال إليها، أي إنه وضع أجهزة الجيش والأمن أمام خيار الاعتقال أو الموت، أياً كانت مكانتهم العسكرية أو حتى العائلية، بعد أن أصبح مقتل اللواء شوكت فزاعة النظام بوجه قادته العسكريين والأمنيين، ما حدا برموز قمعية أن تغادر سورية بصمت أو علانية، تحت مسمى انشقاقات ضباط سجلت مئات الضحايا في سجونهم وفي ساحات المدن التي قمعوا تظاهراتها.

ربما تجاوزت سورية مرحلة الانقلاب "المحلي" بسبب طبيعة تكوين الجيش، وربط مفاصله ومصالحهم برئيس النظام مباشرة، إلا أن الانقلاب الدولي في طبيعة العلاقات المصلحية المتحرّكة بين الدول الفاعلة في الصراع السوري، التي اتخذت من سورية ساحة لمعاركها هو أقسى بكثير في نتائجه على النظام، والشعب بشقّيه المعارض والمؤيد، وسورية الدولة اللينة حتى "الانعصار".

===========================

الثورات العربية الجديدة وضرورة النقد

 عمار ديوب

جيرون

السبت 13/4/2019

أشاع انتصار الثورات المضادة، في مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية، أجواءً من الهزيمة المرّة، وشعورًا بأن الثورات لن تتجدّد، وفي حال تجدّدها، فإن مصيرها كحال سابقاتها. هذه الأجواء ظلّت تقوى وتشتد، ورفضت كل ما جرى في المغرب والعراق والأردن وسواها، وكانت انتفاضات البلدان الأخيرة تقول إن الثورات لم تنتهِ، وهي تتجدّد وستتجدّد باستمرار؛ ما لم تلبَّ حاجات الأغلبية المفقرة، وهذا لن يتحقق في الأمد المنظور، وبالتالي الثورات متواصلة ومستمرة.

مع نهاية 2018، حتى شباط/ فبراير 2019، شهِدَ العالم ثورتين عربيتين جديدتين، ثورتين شعبيتين كذلك. يومياتهما وأحداثهما تشبه الثورة التونسية. هذه المشابهة لها علاقة بوجود حياة سياسية أولية في تونس، كما حال الجزائر والسودان. الأمر مختلف في سورية وليبيا بالتحديد، حيث هناك قمعٌ معمّمٌ وشاملٌ لكافة أشكال الحريات. المثال اليمني مختلف، وهو يشبه سورية وليبيا من جهة التدخل الإقليمي والدولي الواسع، ولا سيما في السنوات اللاحقة على اشتداد الثورة وقابليتها للانتصار، وبالتالي انتقالها مثل بقية الدول العربية. لن نتكلم عن ثورة البحرين التي سُحقت بتدخلٍ سعودي.

الثورات الجديدة تقول إنّ هناك عوامل غير سياسية باعثة لها، وهي تتعلق بوضعية الأكثرية المفقرة للشعب، ووجود أسباب اجتماعية تدفع نحوها. في السودان، كان ارتفاع الأسعار والإفقار الواسع سببًا مركزيًا، حيث هناك حركات سياسية قوية سابقة، وهناك حركات مسلحة، والاثنتان لم تستطيعا إحداث ثورة حقيقية في البلاد. الانهيار الاقتصادي والاجتماعي كان ذلك السبب. وبالتالي لم يعد هناك من سببٍ للصمت، وانهارت أكاذيب النظام عن المؤامرة والأسلمة، ولم يعد القمع يصمد أمام ذلك الانهيار. في الجزائر، أيضًا، هناك أزمة اقتصادية كبيرة، وأما شرارة الثورة فهي ترشيح بوتفليقة للعهدة الخامسة. ومن الضرورة هنا رؤية الحالة السودانية المتفجرة، التي ساعدت الجزائريين في النهوض بالثورة والمطالبة بتغيير النظام. تجدّدت الثورات العربية إذًا، وعلى الرغم من اختلاف شرارة الثورات، فإنها دفعت بكتلة بشرية هائلة إلى الشارع، وهذا يجب قراءته بدقةٍ وإمعان؛ فهذه الكتلة لن تندفع دون أن تكون أوضاعها منهارة بالكامل، وبالتالي يجب رؤية حاجات المجتمع للتغيير، وهي ليست فقط ضرورة الديمقراطية، بل هي كذلك ضرورة تغيير السياسات الاقتصادية السائدة، التي هي سبب كل هذا الانهيار، أي يجب طيّ صفحة السياسات الليبرالية الجديدة، واعتماد سياسات اقتصادية تراعي مصالح الاقتصاد الوطني، تنطلق من بناء اقتصاد صناعي وزراعي أولًا، وبعد ذلك يتم ضبط مختلف أشكال الاقتصاد، من تجارة وسياحة وسواها.

هل ستنتصر الثورات الجديدة؟ إن خيار الأنظمة السودانية والجزائرية يؤشر إلى رفض الخيار العسكري لمواجهتها، وبالتالي ليس هناك من إمكانية أخرى للنظامين إلا التفكك كما يحصل في الجزائر، وربما الرحيل كما قد يحصل في السودان. في كلتا الحالتين، هناك معارضة تاريخية، وهناك مراقبة دقيقة لما جرى في سورية وليبيا واليمن، ورفض تلك الخيارات، فهي ستكون وصفة مجربة للانتحار والدمار والفشل. إذًا في السودان والجزائر، يتم تدوير الزوايا، ويبدو أن الجيش، كما الجيش في تونس، يميل إلى تغيير الوجوه الأساسية في النظام، محاولًا إيقاف الثورة، وتجميل صورة النظام القديم.

نتائج ثورات 2011 العربية تقول بضرورة رفض هكذا خيار “نتائج”، وتقول أيضًا بعدم انتهاج خيار التصعيد الشامل مع الأنظمة، ولا سيّما الجيش، ومن هنا نجد رفضًا للتدخل الخارجي، ورفضًا للعسكرية وأيضًا للأسلمة، وهذا ما يحاصر تلك الأنظمة، ويجبرها على إيقاف أكاذيبها التاريخية، حول المؤامرة الخارجية والأسلمة والعمالة لـ “إسرائيل”.

ربما تتمكن الثورتان الأخيرتان من الانتصار والانتقال الديمقراطي، لكنهما بالتأكيد لن تذهبا نحو تغييرٍ اقتصادي حقيقي، كما ذكرنا أعلاه. انتصارهما سيؤكد بدوره أن الشعوب تنتصر، وأن الشعوب لن تنتظر قرونًا عديدة ليتشكل وعيها المثالي، وأن تلك الفكرة مجرد أكذوبة لرفض فكرة الثورات، وهي تعبيرٌ عن هزيمةٍ مرّة أو وعي مشوش أو تحالف مصالح، وربما هناك أسباب أخرى تؤدي إلى تلك الآراء، التي تؤكد ضرورة الوعي أولًا، ثم الثورات ثانيًا، وربما يُقصد بضرورة الوعي أولًا أن الأنظمة تنتظر تَشكُل الوعي، لتقوم بالتحوّل الديمقراطي. وهذه تفاهة كاملة.

الثورات الجديدة استفادت من نتائج الثورات السابقة، ولكنّها كذلك لها خصائصها المميزة، فهي حدثت ضد أنظمة مختلفة كذلك. عدم الوصول إلى نهاياتٍ محددة للثورات تلك، يمنع التسرّع بتقديم الاستنتاجات عن مستقبلها، ولكن حدوثها بذاته يدفع إلى قراءة أسباب فشل الثورات العربية السابقة 2011؛ وفي ذلك لا أعتبر تونس تجربة ناجحة، فالشعب، منذ انتصار ثورته، ينتفض وينتفض، ويعلن بوضوحٍ شديد أن حاجات الأغلبية لم تُلبَّ بعد، وأن النظام القديم استعاد زمام القيادة، و”الديمقراطية” المنخفضة في هذا البلد تؤكد أن هناك ضعفًا كبيرًا في الطبقات الحاكمة، وفي الحياة السياسة بمجملها، وهذا ربما فرض ذلك الشكل من الديمقراطية؛ هامشيتها تتأتى من مرور ثماني سنوات، وفشلها في معالجة أي قضية اقتصادية أو اجتماعية حقيقية.

إعادة النظر بنتائج الثورات ما زالت أمرًا هامشيًا، والنقد ما زال خافتًا، وخجولًا، ومتشنجًا أيضًا؛ حيث ما يزال النقد قاصرًا على الأنظمة، بينما يتم التخفيف من دور المعارضات، في تلك الهزيمة، وفي نشر أجواء الإحباط والاكتئاب؛ وبالتالي هناك ضرورة لعقد ندوات فكرية لمناقشة جدية لتلك النتائج، وتحديد مسؤولية المعارضات، بل الثورات ذاتها.

التركيز على الثورة المضادة والأنظمة القديمة أصبح مستهلكًا، وبالتالي هناك ضرورة لدراسة أوجه الثورات كافة، وكيفية حدوثها وتطورها ونجاحاتها وسيئاتها، وأسباب إخفاقها عن تحقيق أهدافها الكبرى. ربما سيساهم هذا النقاش في الوصول إلى برنامج وطني جديد، وبوصلة للتحرك الوطني، الذي يتكرّر هنا وهناك، وفي هذا نلاحظ في سورية، عودة كتابة الشعارات القديمة ذاتها على الجدران، كما يجري في حمص القديمة والغوطة الشرقية ودرعا وسواها. غياب النقاش، وتحديد المسؤوليات، سيدفع دائمًا بعض القيادات المعارضة إلى التقدم بمبادرات فردية، كحالة معاذ الخطيب، أو ستندفع بعض الأطراف إلى عقد مؤتمرات هزيلة كـ (مسد) مثلًا، وكالحوار الطائفي في برلين مؤخرًا.

أعتقد أن تجدّد الثورات العربية يؤكد أن الثورات لم تنتهِ بعد، وستتجدّد طالما لم تحلّ أزمة الأغلبية المهمشة، وبالتالي، ألا يستدعي كلُّ ذلك صياغة برنامج وطني للثورات، يشمل أوجه الدولة كافة، والتخلص من التسييس والتطييف والأسلمة وسواها؟

===========================

هل الوحدة الوطنية السورية حقيقة واقعة؟

 عبد الباسط سيدا

جيرون

السبت 13/4/2019

من الأمور الكثيرة التي كشفت عنها الثورة السورية، وقائعُ تخصّ طبيعة وبنية الاجتماع السوري، وما نعنيه بذلك ظهور التنوع السوري، بأبعاده الانتمائية المختلفة، وهشاشة مفهوم الوحدة الوطنية التي ما زالت تُعدّ من المصطلحات التي تجمع بين السوريين على الصعيد النظري، إلا أنها على الصعيد العملي مجرد تعبير رغبوي، يُستخدم في إطار المجاملات الخالية من أي مضمون، وتكون عادة وسيلة للتغطية على ظاهرة التهرّب من الاستحقاقات، أو التركيز على الولاءات ما قبل الوطنية، وإن اقتضى ذلك التفاعلَ مع المشاريع العابرة للحدود التي لا تقيم أي اعتبار أو احترام للحدود الوطنية السورية، وهي حدود لا ينكر أحد أنها تشكلت بمعزل عن إرادة السوريين، قبل نحو قرن من الزمان.

ولعل هذه النقطة هي التي تفسر تطلع التيارات السياسية التي شهدتها الساحة السورية نحو الخارج. فالاتجاهات الإسلاموية كانت ترى أن الحل يتمثل في الدول الإسلامية، دولة الخلافة، التي توحّد الأمة، وتمنحها العزة والثقة. في حين أن التيارات القوموية، سواء العربية منها أم الكردية، كانت تعتبر الوحدة القومية الهدف المبتغى، ولا ترى في الحالة الراهنة سوى مرحلة اضطرارية، مفروضة، لا بد من العمل على تجاوزها.

أما التيار الشيوعي، الاشتراكي، فقد كان يتعالى فوق الأطروحات القوموية والإسلاموية “الرجعية” وفق تقييماته ونظرياته، ويؤكد أن الحل الأمثل، وربما الحتمي، وفق توجهه الستاليني المتكلس، هو الاندماج في المشروع الاشتراكي الأممي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وفي بعض الدوائر الضيقة كان القيادة تُمنح للصين.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وقبله كان انهيار المشروع القومي العربي ببعديه الناصري والبعثي عام 1967، ومع انهيار هذا وذاك، خرج علينا من يقول: “إن الإسلام هو الحل”، من دون أي تخصيص أو تحديد لطبيعة الإسلام المعني، أو ماهية الحل المقترح.

لعل من الملاحظ أن القاسم المشترك بين الاتجاهات أو التيارات الثلاثة هو تغييب المشروع الوطني، وذلك بناء على توجهات أيديولوجية نكوصية، أو مستقبلية تبشيرية. وهكذا ضاع الوطن المعاش وأهله بين مشاريع حالمة، وأخرى لم تتمكن من تجاوز عُقد الماضي “الذهبي”.

وعلى الرغم من الجهود الجادة التي بذلها رواد الاستقلال السوري، في السنين الأولى بعد جلاء الفرنسيين عن البلد، وقد استهدفت بناء دولة وطنية، تحرص على طمأنة سائر مواطنيها، فإن تلك الجهود سرعان ما تعثرت مع أول انقلاب عسكري وكان بقيادة حسني الزعيم عام 1949.

توالت الانقلابات التي قام بها ضباط الجيش الذي كان من المفروض أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، إلا أنه أصبح الأداة الأكثر حسمًا في إطار المساعي الرامية إلى السيطرة على السلطة، والتحكّم بمصاير الدولة والمجتمع والأفراد، شرط مراعاة الخطوط المرسومة دوليًا، وذلك بموجب عملية مقايضة ألقت الثورة السورية الضوء الساطع على أسرارها، وتداخلاتها ومآلاتها.

فالمشروع البعثي الذي فُرض على السوريين، عبر انقلاب عسكري في الثامن من آذار/ مارس 1963 تحت ستار شعار الأهداف الثلاثة الكبرى: وحدة حرية اشتراكية، لم يكن سوى مجرد مشروع تضليلي للتغطية على الصراعات المزمنة بين أجنحة الحزب المعني، وهي الأجنحة التي كانت تلتقي حول كيفية الانقضاض على الداخل الوطني.

نحن هنا لا ننكر أن قِطاعات واسعة من الشعب السوري قد آمنت بهذا المشروع، وعملت وضحّت وتحمّلت من أجله، لتكتشف في ما بعد أنها استُخدمت لتكون مجرد حشود شعبية لا وزن لها في حسابات المتصارعين على السلطة في سورية، هؤلاء الذين كانوا يحرصون أشد الحرص على تحقيق الانسجام بين حساباتهم وحسابات القوى الدولية المتصارعة هي الأخرى على سورية. فالوحدة العربية، التي أُعلنت هدفًا، ظلت حلمًا، وكانت قيادات البعث على دراية تامة بأن مثل هذه الوحدة لن تتحقق أبدًا في ظل طبيعة العلاقة بين واقع الأنظمة العربية من جهة، والاستراتيجية الدولية من جهة أخرى.

كما أن الصراعات الداخلية، والممارسات الفعلية لتلك القيادات كانت تؤكد أن همّها الأساس قد تمحور حول كيفية المحافظة على السلطة، والاستفادة منها على الصعيد الفردي والشللي، والجهوي، والطائفي، والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تُحصر.

أما الحرية، فقد كانت مجرد شعار للتستر على الطابع الدكتاتوري الذي التزمته السلطات العسكرية والأمنية في سورية، منذ منتصف القرن المنصرم، حتى يومنا هذا. بينما كانت الاشتراكية مجرد عنوان للتغطية على حالات الفساد والإفساد، والسرقة من المال العام والخاص، وهي حالات بدأت متواضعة، وأصبحت مع الوقت وباء قاتلًا على المستوي الوطني، أفقيًا وعموديًا.

لقد أدرك السوريون، بعد عقود من حكم الأجهزة الأمنية تحت يافطة حزب البعث، أن كل الشعارات الكبرى التي دغدغت مشاعرهم لم تكن سوى وسيلة للانقضاض على الداخل الوطني.

مع انطلاقة الثورة السورية، شدد المتظاهرون على الوحدة الوطنية، وأهمية مراعاتها. ولكن النظام من ناحيته كان قد أتقن لعبة تمزيق النسج المجتمعي الوطني، وراهن عليها في استراتيجيته التي بنيت على أساس إعطاء انطباع زائف عن الثورة السورية، مفاده أنها لا تخرج عن دائرة صراع بين القوى المتشددة المتطرفة، التي تمثل الأغلبية السنيّة، في حين أن النظام نفسه، من موقعه العلماني، هو ضمانة المحافظة على الأقليات.

وعلى الرغم من معرفة السوريين بعدم صحة مثل هذه المزاعم، فإن الخطوات الميدانية التي اتخذها النظام من جهة، والأخطاء التي وقعت فيها المعارضة من جهة ثانية، قد أوصلت الأمور إلى درجة بات الحديث عندها، عن وحدة وطنية سورية، أشبه بحديث التمنيات. فقد انخرط السوريون -على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم- في مشاريع عابرة للحدود لا تقيم أي وزن أو احترام للوطنية السورية، وإن كانت تتاجر بها.

اليوم، بعد مرور ثمانية أعوام على بداية الثورة، تبدو الوضعية السورية، على الرغم من كل ما حصل من قتل وتغييب وتدمير، أكثر قابلية للتفكير جديًا في مشروع وطني سوري، يكون بكل السوريين ولكل السوريين على أساس احترام الخصوصيات والحقوق. فسورية بلد متعدد الأديان والطوائف والقوميات والتوجهات، وهذه خاصية أصيلة في الاجتماع السوري، لا بد أن نأخذها بالحسبان، لنبني عليها ثقافة وطنية جامعة، تساهم في توحيد المتنوع السوري في صيغة بنّاءة، تفتح المجال أمام جميع الطاقات للمشاركة في إدارة البلد، وحل مشكلاته، والعمل من أجل تنميته وتطويره نحو الأفضل. وسورية تمتلك إمكانات كبرى متكاملة، يمكن أن تكون أساسًا لنهضة حقيقية. ولدينا أمثلة كثيرة في العالم، تؤكد تمكّن العديد من الدول الصغيرة من فرض احترامها على الجميع، وذلك حينما استطاعت قطع الفساد، واعتمدت الشفافية والنزاهة نهجًا لها؛ فتمكنت من استقطاب رؤوس الأموال الاستثمارية، وارتقت إلى أعلى المراتب بين الدول المتقدمة. وسنغافورة الدولة التي لا تتجاوز مساحتها 720 كليو مترًا، وعدد سكانها نحو خمسة ملايين ونصف، خيرُ مثال، في هذا السياق.

سورية لديها مخزون مقبول في قطاع النفط والغاز، وتمتلك سهولًا زراعية واسعة صالحة للزراعات الاستراتيجية. كما أن خبراتها الصناعية والحرفية هي مثار إعجاب العالم بأسره. ولدى ناسها خبرة تجارية مصرفية، ومؤهلات علمية متميزة، ولديها بيئة سياحية مناسبة لكل فصول السنة. ولكن إلى جانب ذلك كله، أثبت أبناؤها وبناتها قدرتهم على بلوغ أعلى المراتب العلمية والبحثية، في مختلف بلدان اللجوء القسري.

ما نحتاج إليه في سورية هو إدارة مخلصة لشعبها ووطنها.. إدارة شاغلها هو الهمّ الوطني، ولا تجعل سورية ساحةً لمعارك الآخرين، ومشاريعهم الماضوية، وميدانًا لتصفية الحسابات البينية، بل تجعل سورية جسرًا للتواصل بين الجميع، على أساس احترام حقائق التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.. إدارة تمتلك المشروعية الشعبية عبر انتخابات ديمقراطية سلمية، لتتمكن من اتخاذ القرارات المطلوبة للحفاظ على الوحدة الوطنية، وضمان الاستقرار والأمن الإقليميين عبر مبادرات جريئة مسؤولة، تتعامل مع الوقائع بعقلانية بعيدة النظر، وذلك على النقيض من العقلية الشعبوية التي تكتفي بإطلاق الشعارات، وتوجيه الاتهامات والأوصاف القدحية يمينًا وشمالًا، من دون أن تقدم حلًا واقعيًا مفيدًا لأبسط المشكلات.

ما تحتاج إليه سورية هو ثقافة وطنية جامعة، تعمل على ترسيخها وتوسيع مداها نواةٌ صلبة من مختلف المكونات السورية، تجمع بين من يؤمنون بالمشروع الوطني السوري، بل يعشقونه، إذا صح التعبير، ويسعون بكل طاقاتهم لمدّ جسور التواصل مع سائر السوريين الذين يرون أن الملاذ هو الوطن السوري المشترك، الذي يكون إطارًا جامعًا لكل التنوع السوري.

ما لم نتحرر من أوهام القبيلة والكهف والمسرح والسوق؛ فإن البلد في طريقه نحو الضياع، والسوريون سيشهدون مزيدًا من التشتت والتشرذم، والاندماج في مشاريع الآخرين.

===========================

موقفنا : الهدف المتقدم لشبكة الأعداء اليوم إحداث الوقيعة بين الشعبين السوري التركي....فاحذروا .. تنبيه هام لكل السوريين الأحرار .

زهير سالم

مركز الشرق العربي

19 / 4 / 2019

لقد ظل استهداف إعلام بشار الأسد وحلفائه للدور التركي ، ولحكومة العدالة والتنمية، ولشخص الرئيس أردوغان بالذات بالتشكيك والتشويه قائما ومستمرا ولم يتوقف للحظة منذ انطلقت هذه الثورة المباركة . ومنذ محاولات الدولة التركية الأولى لتجنيب سورية والسوريين هذه المخاضات ، بتقديم النصح وعرض الوساطات ولكن يبدو أن طريق بشار الأسد في قتل السوريين وتدمير سورية كانت مرسومة خطواته واضحة معالمه. ولذا فقد سار فيه واثقا آمنا مطمئنا وما يزال يتابع مهمته المريبة حتى اليوم .

ولكن الذي نتابعه هذه الأيام ، ونتيجة لتطورات الأحداث ، وصيرورتها إلى المواقف الفاصلة ولا سيما فيما يتعلق بشمال سورية وشرقها ، واختلاط الأوراق فيها على نحو غير مسبوق : صهيوني وأمريكي وروسي وإيراني وأسدي وعنصري ؛ الذي نتابعه هذه الأيام هو التصعيد الإعلامي ضد الدور التركي في سورية والمنطقة تصعيد يشترك فيه أطراف وأطراف وأطراف حتى بدا هذا التشكيك يتسرب على ألسنة بعض السوريين الأحرار الشرفاء ، يرددونه وهم لا يشعرون..

المشتركون في تشويه الدور التركي أو التشكيك فيه في هذه المرحلة هم أولا :

الأمريكيون الذين يكيدون لقيام كيان عنصري ، شمال سورية - جنوب تركية ؛ يستكمل دور الكيان الذي أقاموه جنوب سورية - شمال مصر ؛ لتمزيق عرب المشرق عن عرب المغرب ، وعرب آسيا عن عرب أفريقية . كيان يفصل تركية جغرافيا عن عمقها المسلم العربي ، كما رفضوا حتى الآن الاعتراف بها كامتداد للاتحاد الأوربي .

كما يشارك في عملية التشكيك المريبة الروس وقد وصلت اتفاقات بوتين مع أردوغان في فضاء آستانة إلى العقدة الأخيرة ، التي يبدو أن بوتين يريد أن يتملص من استحقاقاتها بأي ثمن . وهو يلعب مع أردوغان لعبة عض الأصابع بصمت ليفرض بالتالي حلوله على السوريين أولا ولو استطاع لفعلها من خلال الدور التركي .. ولا تزال تسمع من الإعلام الروسي تصريحات وأقوال تحاول جهدها التشكيك بالدور التركي وإلحاق الأذى بشخص الرئيس أردوغان ..

ثم يشارك في العملية بعض دول الإقليم التي ترى في الدور التركي منافسا بدلا من أن ترى فيه مساعدا ومكملا في إطار ما يرفعون من شعارات معركة مزعومة مع الولي الفقيه ومشروعه المريب .

ثم الدور الصفوي بسياساته الباطنية الخفية الذي يحسن توظيف اللحظة بكل معطياته ، ويتقدم بخطاب موحد ، ويعمل على مشروع هيمنة ونفوذ واضح الأبعاد مرسوم الخطوات .

ثم الإعلام الأسدي بكل غثائيته وزيفه وكذبه وادعائه ...دون أن ننسى في هذا السياق بعض العنصريين الذين ارتضوا أن يكونوا أداة بيد الأمريكيين ضد أوطانهم وشعوبهم ، وهم يرفعون بطريقة مضحكة شعارات الحرية والديموقراطية وما يسمونه زورا تقرير المصير .

ولن ننسى في السياق الحديث عن دور بعض التجمعات والفئات في المجتمع التركي المتضررة من مشروع العدالة والبناء بأبعاده الوطنية التركية والحقوقية الإنسانية . هذه الفئات التي نزعت عن تنافسها الذي لها كل الحق فيه صفة الوطنية لتجعله شكلا من أشكال الكيد ضد الوطن ومصالحه .

إن الذي يجب أن نحذره نحن السوريين الأحرار هو الانسياق مع هذه الموجة من التشويه والتشكيك . بحيث نخدم مشروع أعدائنا ونحن لا ندري ..

إن علينا في كل كلمة نلقي بها في هذا الفضاء الإعلامي أن نلتزم بوصلتنا الثورية ، ومصلحتنا الوطنية العليا بعيدا عن الصغائر والعنعنات والطروحات الساذجة التي تقوم في فضاء المثاليات التي لا ارتسام لها في واقع سياسي محموم ...

للحديث عن المنتظر من الدور التركي علينا أن نفهم بشكل جيدا مفهوم " الحليف السياسي "

 لا يمكن للأخ أن ينتظر من أخيه الشقيق أن يضر نفسه لينفعه . ولتبقى قاعدتنا الأولوية : الاستفادة من جميع الحلفاء . والقبول منهم . وإعذارهم . ورفض الانجرار إلى معاركهم البينية إن كانت . ومن ثم التوقف عن إلقاء أعبائنا عليهم :

ما حك جلدك مثل ظفرك .. فتول أنت جميع أمرك

لا نشك حقيقة بنصاعة الدور التركي من قضية الشعب السوري . وكذا في موقف العديد من دول المنطقة من الأشقاء العرب الذين حاولوا جهدهم أن ينصروا وأن يعينوا ؛ ولكن علينا دائما أن نميز بين المواقف المطلقة في الضمائر والقلوب وبين المواقف العملية على أرض الواقع ، المواقف المحكومة بشبكة معقدة من العوامل والمؤثرات . التي تملك أصحابها في كثير من الأحيان ولا يملكونها . لا الأب ولا الأم ولا الأخ الكبير قادر على كل شيء كما يظن الأطفال الصغار ..

إن إعلام بشار الأسد وحلفائه بعد أن عمل طويلا على تشكيك السوريين في بعضهم، وتشويه صورهم في مرآي بعضهم ، وأشرك في ذلك أقواما باسم الثورة وباسم الطهورية وباسم الدين ..يعمل اليوم جاهدا على التشكيك في دور حلفاء الثورة والشعب عامة وفي دور الجار التركي الشريك الوفي القوي بشكل خاص ..

علينا أن نكون حذرين ..

وأن ننظر إلى مآلات كل كلمة نقولها فقد حصحص الحق ..

وأن نحرص على استدامة الشعرة بيننا وبين الناس جميعا ، والحلفاء منهم خصوصا فكيف بنا إذ نقطع ما بيننا وبين أهل الثقة من حبال وثيقة كالتي بيننا وبين الحليف اتركي . " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ "

ـــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

ربيع لا ينقضي

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 13/4/2019

شكر بعض الساسة الذين واجهوا مظاهرات الشعبين، السوداني والجزائري، ربهم، لأنها لا تشبه ما حدث في سورية، وحذّروا من تكرار الحدث السوري في بلديهما.

صارت سورية أنموذجاً يخوف الحكام شعوبهم به. وصارت ثورتها واقعا يخشاه أعداء الحرية في كل مكان. يخوف هؤلاء شعوبهم، لأنهم هم خائفون من الربيع العربي الذي يزهر ويورق في بلدانهم، ويوشك أن "يفوّتهم بالحيط"، كما يقول اللسان الشعبي، بعد أن وضعهم في مواجهة شعوبٍ تطالب بالحرية، تبين في الحالة السورية أن إرادتها عصية على الكسر، على الرغم من أنها تواجه، منذ نيف وثمانية أعوام، أحد أشرس نظم القتل في التاريخ، من دون أن تستسلم له، حتى في المناطق التي توهم أن عودة أجهزته إليها تعني قبولها به. وها هي تخبره يوميا أنه منبوذ ومرفوض، وأن ناسها هجروا السلاح، لكنهم لم يهجروا حريتهم، وخرجوا من الحرب، لكنهم لم يخرجوا من ثورتهم، وأن عليه إرسال قوى أمنية لحراسة تمثال الطاغية، حافظ الأسد، من شعب الجنوب السوري.

ليست ثورات السودان والجزائر غير امتداد لثورة الشعب السوري العظيمة. هذا ما يؤكده مطلب الحرية الذي رفعه الحراك الشعبي في الحالتين، وخوف الحاكمين الذين لا يخشون من طرح السؤال التالي على أنفسهم: إذا كان رفع سعر الخبز أو تجديد ولاية الرئيس بوتفليقة هو سبب المظاهرات المباشرة، وكان سيستجيب للمتظاهرين، لو طالبوا بإلغاء القراريْن، لماذا لا يطالب الشعب بما يمكنه تحقيقه، وينزل إلى الشوارع من أجل ما يرفضه النظامان: الحرية؟ أليس لأنه يرى فيها الخبز الذي لا تستقيم حياة بدونه، فإن فقده الإنسان غدا بهيمةً تعيش لتأكل: إن نقص طعامها توسلت، وإن كفى أو زاد شكرت؟

ومثلما ارتفعت قبضات ملايين السوريين، من أجل الحرية، وهتفوا لها، وصدحت حناجرهم بأغانيها، كذلك يفعل شبان السودان والجزائر، وهم يهتفون للحرية سلميا، مثلما فعل أقرانهم السوريون، الذين استشهد عشرات الآلاف منهم تحت الرصاص، وهم يقولون بآخر أنفاس الحياة المتلاشية: سلمية، سلمية. ومثلما تدفق البشر من جميع المنابت والبيئات كالطوفان إلى أزقة قرى وبلدات ومدن سورية وشوارعها، غير آبهين بما سيتعرّضون له من رصاص واعتقال وتعذيب، كذلك يفعل السودانيون والجزائريون الذين غزوا الشوارع بالملايين، شأن إخوتهم السوريين الذين نزل منهم، ذات يوم من عام 2012، ثمانية ملايين إنسان إلى الشوارع، رفضا للاستبداد والطغيان، في واحدةٍ من أندر ما عرفته الثورات على مر التاريخ، هتف خلالها واحدٌ من كل ثلاثة سوريين للحرية، وهو يعلم علم اليقين أنه يعرّض نفسه للاغتيال برصاص السلطة.

ومثلما ثبت في سورية أن الرصاص ليس علاجا ناجعا لمن يضنيهم شوقهم إلى الحرية، وعيشهم بدونها، كذلك لن يجدي السلطة استخدام العنف، ومواجهة الشعب برصاص الطغاة وأجهزتهم الأمنية والعسكرية، وتهمة الإرهاب الذي ينسبونه إلى شعب الحرية، على غرار ما فعل القتلة ضده في سورية، حين بدأ حراكه السلمي، ورد الطغاة عليه بعنفٍ مفرط، ليجبروه على الرد بعنفٍ مماثل، ويفصلوا مطلب الحرية عن السلمية ودورهما في توحيد الشعب، ويمزّقوه بعنفهم وعنفه المقابل، ويضعوا حجر الأساس لحرف الثورة عن هدفها الذي تعاون النظام واختراقاته المسلحة لإنجازه.

يخوّف بعض الساسة السودانيين والجزائريين مما وقع في سورية، خشية أن تسقط السلمية مسوّغات عنفهم، ويجدوا أنفسهم مجبرين على الاستماع لنداء الحرية الذي انطلق قبل أعوام من درعا، وما زال صداه يتردّد في آذان من يريدون حريتهم في كل مكان، ودخلوا في الحالة السورية، تاركين لحكامهم أن يختاروا بين أن يكونوا جلادين وقتلة، أو ما يزعمونه دوما: خدما لأوطانهم، ويتنحوا في الحالتين.

===========================

إعمار سورية... «أسد طروادة»!

أحمد الصياد 

الحياة

السبت 13/4/2019

طبيعي أن يشعر النظام السوري بأن الموضوع «مسألة وقت» لا أكثر، وسيعود إلى موقعه في البيت العربي؛ إذ يعتبر بشار الأسد أن غياب بلاده عن مقعدها في قمة تونس، التي عقدت في 31 آذار (مارس) الماضي، يُعد تجاهلاً لا يليق بما أحرزه من تقدم عسكري على الأرض، يستدعي بالضرورة استرداداً تدريجياً لما فقده سياسياً، سواء عربياً أم دولياً، جراء استمرار سريان قرار جامعة الدول العربية، 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، تجميد مقعد سورية، وفرض عقوبات سياسية واقتصادية عليها، بعد نحو ثمانية أشهر من بدء الاضطرابات السورية، ولجوء بشار الأسد للخيار العسكري لقمع معارضيه. ولطالما حاول نظام بشار فتح نفق يمر منه إلى الداخل العربي. وفي ذلك لم تفلح زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، 16 كانون الأول (ديسمبر) 2018، ولا شفع غيرها؛ إذ أقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة على فتح سفارتها في دمشق، في 27 ديسمبر 2018. وبعد يوم واحد طيَّرت وكالات الأنباء ما أعلنته وزارة الخارجية البحرينية من «استمرار» العمل في سفارتها في دمشق، وكذلك في السفارة السورية في المنامة، وأن الرحلات الجوية بين البلدين «قائمة من دون انقطاع». وكانت سلطنة عمان أبقت على علاقاتها الديبلوماسية مع دمشق، وعارضت الكويت تسليح المعارضة وقادت حملة جمع تبرعات إنسانية للشعب السوري تحت مظلة الأمم المتحدة. وأيقن النظام السوري انسداد الأفق أمامه إلى قمة تونس، حتى أن اجتماع الدورة 151 لوزراء الخارجية العرب، المعني بالتحضير لقمة تونس، كان قد اختتم أعماله في القاهرة في السادس من مارس الماضي، من دون التطرق إلى عودة سورية. حسب ما صرَّح به الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط. وعليه، غاب نظام بشار عن قمة تونس، وإن لم تغب الأزمة السورية؛ فقد أكد «إعلان تونس»: «ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية تُنهي الأزمة القائمة في سورية، استناداً إلى مسار جنيف، وبيانات مجموعة الدعم الدولية لسورية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بما يضع حداً لمعاناة الشعب السوري الشقيق ويحقق تطلعاته في العيش في أمن وسلام، ويحافظ على وحدة سورية وسيادتها واستقلالها». وفي مواجهة الاعتراف الأميركي الجائر بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، أكد «إعلان تونس» أن: «الجولان أرض سورية محتلة، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وباعتراف المجتمع الدولي».

وعلى هذا النحو، فصلت قمة تونس، عن حق وحكمة، بين الحقوق المشروعة للشعب السوري الشقيق، ورغبة نظام بشار في القفز داخل البيت العربي بشروط تتجاهل مضمون وروح الحقوق الإنسانية ذاتها التي دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً جراء تمسكه بها منذ انتفض عام 2011.

ولا تشير علينا دروس التاريخ المقارن إلا بأن بشار «المنتشي» بانتصاره العسكري الواضح والسياسي المحدود، سيندفع إلى مزيد من التشبث بالسلطة، متخذاً من عملية إعمار بلاده المدمرة «حصان طروادة»، ينطلق به داخل محيطه العربي، بل وفي عمق المجتمع الدولي، متاجراً بآلام الشعب السوري إلى آخر رمق. وبثبات موقف القمة العربية، والمجتمع الدولي، تتسع الفواصل وتعلو الحواجز أمام «أسد طروادة» إلى آفاق بعيدة شاهقة تعانق التطلعات المشروعة للشعب السوري الشقيق في حياة كريمة حرة. ما يجعل الانحياز للشعب السوري لا يصب في رصيد بشار، ولا يتيح الفرصة أمام «أسد طروادة» للقفز على الشرعية الدولية. وواقع الأمر أن «أسد طروادة» يُخطئ لو راهن على أن تخفيف الوجود العسكري الأميركي في بلاده، سيتبعه انسحاب سياسي مماثل، لتخلو الساحة لروسيا وإيران. مثلما يتورط أكثر لو شارك إيران الانتظار توقعاً لاحتمال عدم التمديد لترامب لفترة رئاسية ثانية بعد نحو عامين. وخطأ «أسد طروادة» وارد أيضاً فيما لو توقع أن تمتد إلى إعمار «سورية بشار» ما حصلت عليه الأمم المتحدة من وعود المانحين في مؤتمر «دعم مستقبل سورية والمنطقة»، الذي اختُتمت أعماله في 14 مارس الماضي في بروكسل؛ فكلها مساعدات إنسانية، (نحو سبعة بلايين دولار)، لضحايا نظام بشار، في الداخل والخارج، وليست لبناء ما هدمته «شهوة» بشار للسلطة.

وكانت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، قدرت كُلفة إعادة إعمار سورية بنحو 400 بليون دولار، 65 في المئة منها لقطاع الإسكان وحده، بحسب بيانات صادرة عن صندوق النقد الدولي. وفي الطريق إلى هذه البلايين الضخمة، سيواجه «أسد طروادة» عقبات شتى؛ فالاتحاد الأوروبي لن يشارك في إعمار سورية ما لم يتحقق الحل السياسي وبرعاية أممية. وأميركا ترامب، بشعبويته، تنفض يدها من الإنفاق الخارجي. وعربياً؛ فإن معاناة قطر مؤكدة جراء المقاطعة «الرباعية» المفروضة عليها من جانب السعودية ومصر والإمارات والبحرين. وإعادة الإمارات فتح سفارتها في دمشق بعد نحو سبع سنوات من الإغلاق وقطع العلاقات لا تكفي لما يخطط له «أسد طروادة»، ومصر ليس لديها ما تمنحه لسورية إلا العمال والشركات المنفذة من دون أن تنفق أموالاً على الأرض السورية. وللتدليل على إدراك السعودية لمخطط «أسد طروادة»، أُذكرك بأن بشار كان انتقد ما تعهدت به السعودية، في مؤتمر وزاري للتحالف الدولي عُقد في بروكسل في تموز (يوليو) 2018، وهو عبارة عن دعم قدره 100 مليون دولار لصالح «مشاريع استعادة مصادر الرزق والخدمات الأساسية»، ينفذها التحالف الدولي بقيادة أميركا، في مناطق شمال شرق سورية، بعد تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي. وعليه فإن مشاركة سعودية فاعلة وكافية لا سبيل إليها ما لم يتحرك «أسد طروادة» في اتجاه مغاير لأطماعه متجهاً إلى تلبية استحقاقات الحل السياسي الأممي بتفسيره الصحيح، والبحرين التي أعادت فتح سفارتها في دمشق لا تكفي أبداً، ولا الكويت، التي كانت أعلنت عن «سعادتها» لو عادت سورية إلى جامعة الدول العربية. فحقيقة الأمر أن السعادة ستكون جماعية لو عادت سورية على أسس إنسانية تحمل منطقاً سياسياً يقبله المجتمع الدولي. أما حلفاء بشار في إيران وروسيا ففي حال صعب. فمعاناة إيران شديدة جراء العقوبات الاقتصادية الأميركية، ولا تصدق ما يردده الرئيس الإيراني حسن روحاني من أن بلاده «تلتف على العقوبات الأميركية». فقد انخفض تصدير النفط الإيراني بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً بحسب «أوبك» بعد أن وقَّع ترامب حزمتين من العقوبات على إيران في 2018 عقب انسحابه من الاتفاق النووي (5السبت 13/4/20191) في أيار (مايو) من العام نفسه. أما الدب الروسي فلن يستطيع تنفيذ تعهداته المعلنة حول «دور قوي» له في إعادة إعمار سورية، وهو الذي أنفق 1.2 بليون دولار سنوياً، وفق تقرير نشره أخيراً «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، في مشاركته العسكرية على الأرض السورية منذ 30 أيلول (سبتمبر) 2015 بطلب من بشار الأسد. فضلاً عن ضغوط العقوبات الأميركية المفروضة عليه، حتى أن وزارة التنمية الاقتصادية الروسية كانت قد أعلنت أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2018 وبوضوح أن مطلع العام 2019 سيكون «المرحلة الأكثر تعقيداً للاقتصاد الروسي».

على هذا النحو ترتفع الحواجز أمام «أسد طروادة»؛ وإن ظل متمسكاً بميوعة قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر في 18 ديسمبر 2015، كونه لم ينص صراحة على مستقبله ودوره في عملية الانتقال السياسي؛ مستنداً إلى تشديد القرار على حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه. ليحدثنا التاريخ أن كثيراً ما أنقذت الشعوب جلاديها، مثلما أتاحت ميوعة صيغ قرارات الشرعية الدولية فرص إهدارها.

* كاتب مصري.

===========================

إلى نظام الأسد ومعارضيه: لماذا تتقاتلون بينما كفلاؤكم متحالفون؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 13/4/2019

حتى الطيار الروسي الذي أسقط طائرته الأتراك، أو أولئك الطيارون الروس الخمسة عشر الذين سقطوا بخطأ «سوري» لطائرة عاثرة الحظ أتت بمرمى النيران السورية حين التصدي لعدوان إسرائيلي في خريف العام 2018، لم يحظوا بذات الاهتمام، أو حتى بقدر ضئيل من الوداع الجنائزي المهيب، التي حظيت بها مجرد رفات لقتيل إسرائيلي سقط في مواجهة عسكرية منذ سبعة وثلاثين عاماً بالتمام والكمال، ما يعطي فكرة كافية عن القيمة والمكانة الاستثنائية المعنوية العالية والصاخبة إن للحدث بحد ذاته، أو لهوية وصاحبه لدى ثلة من نخبة من المشيعين وكبار القوم في روسيا وإسرائيل يتقدمهم نتنياهو و«القيصر» أبو على بوتين صاحب الحظوة الخاصة عند المقاومين. وبصرف النظر، حتى، عن كل تلك الاعتبارات والنواحي والمعايير الإنسانية والمشاعر العاطفية التي رافقت عملية تسليم رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل فإن العملية قد أماطت اللثام عن جوانب أخرى أكثر أهمية مما ظهر حتى الآن عند التدخل الروسي في سوريا لجهة الالتزام المطلق بأمن إسرائيل وكونه يتصرف كوكيل معتمد وموثوق لإسرائيل أكثر مما هو «مقاول» أو مقاوم، ولا ضير، يدغدغ أحلام، ويرضي غرور المقاومين.

وبدا واضحاً، اليوم، أن واحداً على الأقل من الاهتمامات والهواجس الروسية الكبرى بتدخلها العسكري له جانب وبعد إسرائيلي عظيم لا يمكن القفز فوقه يفكك الكثير من شيفرات وألغاز «المصالحات» وعمليات التسليم والاستسلام الكبرى التي جرت هنا وهنا، إن لجهة الوقوف متفرجاً ومكتوف الأيدي حيال الطائرات الإسرائيلة وهي تسرح وتمرح بالأجواء السورية ملقية السلام على جنرالاته الأشاوس فوق حميميم وهي غادية وبادية، أو لجهة العمل كنباش وحفار قبور و«حانوتي» وربما كـ»كشّاش» حمام في قادم الأيام، وبدا فيها القيصر الروسي كلها صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وسيد القرار، لكنه كان ينفذ إملاءات وتصورات نتنياهو بالذات، وهذا ويا للسخرية، والمفارقات الكبرى، ما دأب الموالون على تسميته بالانتصارات.

ولا يمكن اليوم، حقيقة، إحصاء وتتبع عدد المرات التي قام بها نتياهو بزيارات مكوكية لموسكو، والتي يحرص الجانب الروسي على إظهارها بمنتهى الود والحميمية وأبعد من بروتوكولية، وكلها باتت تؤكد أن العلاقة بين الجانبين أكثر من مجرد تحالف استراتيجي لتنسف تلك الرؤية السطحية والصبيانية «البطولية» الساذجة لعاصفة السوخوي التي أتت بالمطلق وفق توافق وغض طرف وترتيب وضوء أخضر أمريكي إسرائيلي. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فلا يمكن، والحال، تجاهل التعاطي الشخصي الذي قابل به «القيصر» حليفه السوري، خلال أكثر من لقاء بينهما وقد خلا من أدنى البروتوكول الرئاسي المعمول به حتى مع أصغر الدول حجماً وأقلها تأثيراً وثقلاً استراتيجياً ونوعياً، بالتزامن مع نشر صور مهينة، وغير لائقة، للرئاسة السورية، تظهر بما لا يدع أدنى مجال للتخمين والتأويل أن القيصر كان يتعامل مع صاحبه ليس بصفة رئيس بالحدود الدنيا المتعارف عليها، ولا حتى ربما بصفة التابع و«الشغـّيل» المياوم الرخيص، بل ربما أقل من ذلك بكثير وبما لا يسمح بذكره هذا المقام الرفيع.

القيصر بوتين كان يتعامل مع صاحبه بشار ليس بصفة رئيس بالحدود الدنيا المتعارف عليها، ولا حتى ربما بصفة التابع و«الشغـّيل» المياوم الرخيص، بل ربما أقل من ذلك بكثير

إن الصمت الروسي المطبق حيال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والرفض المطلق حتى اليوم لتشغيل بطاريات الـS300، الروسية، مع الاستبعاد الكامل لمنح السوريين المنظومة الأكثر تطوراً من السلالة الصاروخية الشهيرة، تشي وتؤكد بالضرورة أن المشرف وصاحب القرار الأول والأخير بالعملية هو نتنياهو، ذات نفسه، وليس القيصر أبو علي بوتين الروسي حبيب الشبيحة والموالين، وحين سيتم تسليمها أو تفعيلها، قد لا يكون هناك أية ضرورة لاستخدامها، وقد تتحول لخردة في مواقعها، بعد أن تكون إسرائيل قد ذرعت سوريا جيئة وذهاباً، وطولاً وعرضاً بغاراتها على الأهداف التي تقلق راحتها، وتمنع جنرالاتها، حتى الآن، من السبات المريح والعميق وقد أحالتها-أي الأهداف- لأطلال.

واستطراداً، وفي الجوانب العسكرية والأمنية المحضة، فإن التنسيق سيصل لمستويات ومراحل متقدمة جداً من الكرم الحاتمي الروسي لإسرائيل بتسليم كل المعلومات والملفات وقواعد البيانات مما بات يمتلك وينام عليه هؤلاء من معطيات عسكرية سورية حساسة جداً تخص مختلف الفرقاء باتت كلها اليوم في أدراج جنرالات جيش الدفاع.

ومن هنا، بالتالي، لا يمكن الحديث عن اتفاق وتنسيق روسي-إسرائيلي دون استذكار وإقحام الجانب الأمريكي كمعني مباشرة، ومنخرط مشارك وراء الستار، بكل ما يجري من ترتيبات وتطورات نظراً للعلاقة الاستراتيجية الخاصة جداً مع الإسرائيليين.

وبذا، وبعدما تبين مدى متانة التحالف الروسي-الإسرائيلي-الأمريكي والتنسيق بينهما على كافة المستويات فهذا سيحيلنا لمستوى وجانب أدهى وأدق للقضية برمتها وهو العلاقة بين المعارضة والموالاة اللتين يبدو أنهما تلتقيان بالنهاية، وبشكل ما، تحت سقف لاعب أو حلف واحد وتعملان لصالح وتحت جناح تكتل وقيادة واحدة مع بلوغ التنسيق الأمريكي الروسي الإسرائيلي آفاقا لا يمكن تصورها وتخيلها على أعتى دهاة وجهابذة التحليل والتنظير الاستراتيجي وما ظهر منه غير رأس جبل الجليد في همروجة الرفات والله وحده يعلم أين ينتهي ذلك الحلف والتنسيق بين الثعالب الثلاث.

مبروك للمعارضة والنظام هذا الحلف غير المباشر، وهذه الشراكة الاستراتيجية الأغرب بالتاريخ..والمعادلة هي كالتالي: المعارضة رسمياً كانت تتمول وتتلقى توجيهاتها وتشتغل عند السيد الأمريكي وبالمقابل بات النظام بقبضة القيصر ويعمل تحت إمرته من الباب للمحراب، فيما اللاعبان الكبيران الروسي والأمريكي يقدمان الخدمات يشتغلان لمصلحة السيد الإسرائيلي…

ومن هنا يلوح عمق ومتانة الشراكة الاستراتيجية، وإن بدت غير مباشرة، أحياناً، بين المعارضة والنظام وعملهما الدؤوب والمشترك لغاية واحدة وهي تقويض وإضعاف وتفكيك البلد وتسليمها لـ«الأغيار».

لماذا تتحاربون أيها الموالون والمعارضون السوريون بينما كفلاؤكم متحدون؟

===========================

الجولان... وإهمال النظام بناء الجيش الوطني

حسن عبد العظيم

الشرق الاوسط

السبت 13/4/2019

تؤكد التطورات الدولية منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في ظل انفراد أميركا بقيادة النظام الدولي، أن هذا العصر هو عصر الأقوياء وأن حقوق الشعوب العربية والإسلامية وغيرها من العالم الثاني ستبقى مهدورة لأن الحق الذي لا تحميه القوة مهدد بالضياع.

إن تغريدة الرئيس الأميركي في 25 مارس (آذار) الماضي بالموافقة على قرار إسرائيل ضم هضبة الجولان والتأييد الفوري من وزير الخارجية الأميركي مع تجاهل مطلق لجميع القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة، ما كانت لتحصل إلا لأن تغريدته السابقة في الذكرى 101 لوعد بلفور، لم تواجَه إلا ببيانات إدانة من النظام السوري أو من النظام العربي.

لقد أهمل النظام الحاكم المسيطر على الدولة واجبه ومسؤوليته الوطنية في بناء الجيش الوطني، وإعداده لوجيستياً وتسليحاً لتحرير الجولان بعد احتلاله في 9 يونيو (حزيران) 1967 وانشغل بالصراع الداخلي على السلطة، بتصفية الجناح القومي اليساري من حزب البعث بتاريخ 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1970 تحت شعار «الحركة التصحيحية» وتنكر لوعوده التي أطلقها في بيان 16 نوفمبر حول الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية والوحدة الوطنية وبناء الحركة العربية الواحدة، واحترام حقوق الإنسان، لكسب حلفاء من الوطنيين والقوميين واليساريين ما لبث أن أحرجهم فأخرجهم من «الجبهة الوطنية التقدمية» بعد إصراره على حشر المادة 8 من دستور 1973 التي تحصر «قيادة الدولة والمجتمع» في حزب واحد ورئيس قائد.

كما دفع الجبهة إلى الخلف تحت قيادته لتتحول إلى جبهة شكلية، فأفرغها من مضمونها، وخاض حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 بجبهة داخلية مفككة، وأبرم مع إسرائيل اتفاقية فك الاشتباك في عام 1974. وحرم وجرّم أي محاولة من الشعب السوري أو من أبناء الجولان لمقاومة قوات الاحتلال، وما زال حتى اليوم مشغولاً بالصراع الداخلي والحل الأمني العسكري رغم اتفاق سوتشي بين الاتحاد الروسي وتركيا في العام الماضي الذي حصل على التأييد الدولي والإقليمي، وما زال يصر على خرق اتفاق خفض التصعيد في إدلب للسيطرة عليها من دون أن يدرك أن الشباب السوري المطلوب لخدمة العَلَم الإلزامية أو الخدمة الاحتياطية يتهرب منها باللجوء إلى الخارج وأوروبا، لكي لا يكون وقوداً في حرب عبثية بين السوريين معارضة وموالاة والجميع فيها خاسر، ولو كان الهدف تحرير الجولان لالتحقوا من تلقاء أنفسهم، مع عشرات آلاف من المتطوعين.

ومع أن الظروف مهيأة للعملية السياسية وفق بيان جنيف والقرار الدولي 2254 وثمة إجماع دولي عليها واللجنة الدستورية التي تمثل المعارضة والنظام والمجتمع المدني تم إنجازها، كما صرح بذلك المبعوث الأممي بيدرسون، غير أن الرحلة الرئاسية إلى طهران والتحالف الإيراني العراقي السوري في اجتماع رؤساء الأركان ووزير الدفاع السوري هي محاولة لتعطيل العملية السياسية التفاوضية في جنيف بموافقة الاتحاد الروسي، تشكل محاولة لوضع عقبة جديدة أمام حل نهائي للأزمة السورية وإنقاذ البلاد والعباد من خطر الإرهاب وتوفير الظروف لاجتثاثه والقضاء عليه، وإنهاء الاستبداد من جهة، وإخراج القوات العسكرية الأجنبية والإقليمية، والجماعات المتدخلة والميليشيات المسلحة التي وصلت إلى سوريا إلى جانب السلطة أو المعارضة من جهة أخرى وتهيئة الظروف لتوفير البيئة الآمنة في سوريا لتشكيل هيئة الحكم، وصياغة الدستور المؤقت والاستفتاء عليه، وتعديل القوانين وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وإنجاز الحل السياسي في سوريا، كمدخل لحل أزمات المنطقة في ليبيا واليمن والعراق.

كما أن الوضع العربي الراهن غير مؤهل للمواجهة، بخصوص القدس والضفة الغربية والجولان، بسبب الضعف والانقسام والتفكك، فالجامعة العربية في اجتماع المجلس الوزاري، وفي اجتماع القمة، لم تتمكن من الاتفاق على خطوات وإجراءات وقرارات في مستوى خطورة التحديات التي طرحها الرئيس ترمب، ولم تتخذ قراراً بوقف التطبيع، كما لم تتخذ قراراً بسحب المبادرة العربية للسلام على أساس الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967. وحل الدولتين، وقد تجاهلها رئيس الوزراء الإسرائيلي تماماً، واستمر في السيطرة على الضفة الغربية، والعدوان على قطاع غزة، والاستمرار في هدم البيوت في القدس الشرقية، وطرد السكان، والتوسع في استيطانها، والعدوان على المسجد الأقصى، وعلى قطاع غزة، وأصدر قانون التحول إلى كيان يهودي، ويطالب بضم الضفة الغربية، لإنهاء حل الدولتين، واتخاذ الرئيس ترمب قراراً بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بكونها عاصمة «الدولة اليهودية».

نستخلص من ذلك عدم الرهان على الوضع العربي الحالي والجامعة العربية في دفع الإدارة الجمهورية للتراجع عن قرارها بالنسبة للقدس، أو بالنسبة للجولان.

يبقى الأمل في صمود الشعب الفلسطيني، ونضاله المتواصل في فلسطين بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948. وفي الشتات وتمسكه بحق العودة وتحرير فلسطين، ومتابعة مسيرات حق العودة والأمل في الشعب السوري الصامد في التمسك بالجولان وتحريره بجميع الوسائل المشروعة بما فيها مقاومة الاحتلال، بعد الحل السياسي والأمل في ثورات الربيع العربي، التي تجددت في السودان، وفي الجزائر، وفي ليبيا.

وعلى القوى الثورية من التيارات الوطنية والقومية واليسارية، والليبرالية، في العمل والتنسيق لبناء حركة عربية واحدة تتجاوز حدود «سايكس - بيكو» وتهدم أسوار التجزئة والتخلف للحاق بسياق العصر، وسباق الأقوياء.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com