العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-03-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هلمّوا لإنقاذ بشار!

عمر قدور

المدن

السبت 13/3/2021

هناك، في القصر المطل على جبل قاسيون، قائد لقسم من العسكر والمخابرات والشبيحة بمرتبة رئيس. هو الآن "على الأرجح" متمارض بزعم إصابته بكورونا، لعل الزعم يعفيه مؤقتاً من مسؤولياته إزاء المجاعة التي تنهش محكوميه، بعدما لم تأتِ نصيحته بإلغاء برامج الطبخ من التلفزيون بالنتيجة المرجوة لوقف الجوع. هو لا يكترث بتصديق السوريين قصة مرضه، المهم أن يتظاهر عدد منهم بذلك لعل عدوى التصديق تصيب آخرين، والأهم أن تصل رسالة تمارضه إلى الجهات الخارجية المعنية فتبادر إلى إنقاذه من دائه الحقيقي.

في موازاة التسول العاطفي المبتذل داخل سوريا، قام وزير الخارجية الروسي بجولة خليجية شملت الإمارات والسعودية وقطر، بذل خلالها جهداً واضحاً لتسول الدعم الخليجي المالي لمريضه في دمشق. الاستعداد الإماراتي "غير المشروط" للمساعدة سبق لواشنطن لجمه، والعائق الوحيد أمامه بحسب وزير الخارجية الإماراتي هو قانون قيصر. الرياض جددت موقفها المعروف منذ استقبالها علي مملوك في صيف 2015، عندما اختصرت هاجسها السوري بوجود الميليشيات الإيرانية، ليُضاف إليه لاحقاً هاجس إخراج تركيا. ما بدا أنه تجاوب قطري في الشق الإنساني، بالتعاون مع أنقرة، سيبقى محكوماً بموقف واشنطن إذ يستحيل المضي في برنامج ضخم من المساعدات من دون موافقتها.

مع التحرك الروسي، ازدهر من جديد سوق التكهنات حول الصفقة الممكنة، بما فيها وضع سيناريوهات متفائلة بقرب تنحية بشار وعدم السماح له بتجديد ولايته. لكن، كما نعلم، التمهيد لمثل هذه الصفقة لا يمر عبر العواصم الثلاث، ولا يكون بغياب واشنطن، وفي مناخ من البرود الذي يحكم علاقتها حالياً بموسكو. هذا إذا وافقنا على الافتراض بأن واشنطن وتل أبيب ترغبان في تنحية بشار الآن، وإذا افترضنا وجود رغبة خليجية مشتركة في ذلك.

على العكس من الافتراض السابق، تمدّنا وقائع السنوات العشر الماضية بالنقيض تماماً. أي أنه كلما وصل بشار إلى حالة من الضعف تهدد بسقوطه فُتحت لها منافذ النجاة، بل ظهر كأن أكبر تهديد يوجهه بشار لقوى تناصبه العداء ظاهراً هو الإعلان عن ضعفه وعدم قدرته على الصمود. رأينا ذلك في خريف 2012، عندما أوشكت فصائل معارضة على محاصرة دمشق، لتتدفق الميليشيات الشيعية والحرس الثوري على نحو لا يمكن حدوثه بلا موافقة من تل أبيب وواشنطن. رأيناه لاحقاً، بعد فشل الميليشيات الشيعية وفقدانه ثلثي الأراضي السورية، عندما خرج بشار في خطابه الشهير ليعلن عدم قدرته على السيطرة سوى على قليل من الأراضي، لتأتي ماكينة الإبادة الروسية بموافقة ضمنية من الغرب كله، وبموافقة من بعض دول الخليج، إذا لم نصدق رواية الدعم المالي الذي نالته من إحدى دوله.

بين التاريخين السابقين، تابع العالم كله مسرحية التنصل من معاقبة بشار على استخدام السلاح الكيماوي صيف 2013. كان صريحاً آنذاك تلكؤ أوباما في انتظار مخرج من اعتباره استخدام الكيماوي خطاً أحمر، ومن المرجح أنه فعل ذلك على سبيل اللغو في أحسن الأحوال، أو لإعطاء رخصة للقاتل باستخدام ترسانته التقليدية بلا حدود وفق تأويل أكثر واقعية. ثبت فيما قبل الكيماوي وما بعده أن الخط الأحمر الوحيد الحقيقي هو بشار نفسه، وهو استنتاج لا يبقى صالحاً إلى الأبد، بل أكثر ما يصلح له إبقاؤه كوصفة للاستعصاء السوري.

للتذكير، في مناسبتين أو ثلاث رداً على اتهامات غربية بحماية بشار، لمّح مسؤولون روس إلى قدرة الغرب على إسقاطه لو أراد ذلك، فتكون موسكو قد لعبت دور إبليس بتنفيذ المشيئة إذا استلهمنا تعبيراً من اللاهوت. لكن يبقى من مصلحة موسكو مجاراة العالم بالتركيز على أنها حامية بشار الأولى، فهذا ما يمكن تصريفه داخلياً كنجاح للتدخل العسكري في سوريا، وما يمكن تصريفه خارجياً للمطالبة بالثمن متى حانت لحظة المساومة والتسوية.

منذ أُنقِذ بشار عسكرياً تراجع الحديث الأممي عن الحل السياسي، وتُرجم ذلك بعدم الاكتراث بانهيار مسار جنيف، وبعدم تدخل واشنطن في مسار أستانة أو المسار الدستوري المنبثق عن سوتشي. بالطبع، كانت واشنطن تتوقع صدور الاستغاثات من بشار جراء الانهيار المحتم للاقتصاد، أو جراء ما دمّره هو وحلفاؤه من بنية تحتية. قانون قيصر أتى بمثابة تسريع لعملية الانهيار المحتمة، ومن ضمن التسريع عدم السماح بجرعات تسكين قد تأتي من هنا أو هناك.

نظرياً، ليس من خطر مباشر على بشار جراء المجاعة التي أوصل البلاد إليها. مع آلة القمع التي يسيطر عليها، ومع الميليشيات الإيرانية وقوة الإبادة الروسية، من المستحيل بروز مخاطر عسكرية بالمعنى التقليدي. هذا لا يمنع بشكل قاطع حدوث ما لا يمكن توقعه، بأسلوب يصعب توقعه أو التعامل معه، كأن يحدث انفجار لفوضى لا تنجح معها الأساليب المخابراتية والعسكرية المعتادة، وقد يكون هذا هو التحذير الذي حمله لافروف في جولته الخليجية.

على نحو أو آخر، لسان حال لافروف تحت عنوان التحذير من الفوضى والمجهول: هلمّوا لإنقاذ بشار. عسى أن تكون دول الخليج وسيطاً لدى واشنطن المطالَبة بالتراخي في تطبيق عقوباتها، أو الشروع بمنح استثناءات تفرغها من مضمونها. موسكو غير قادرة على إنقاذ بشار اقتصادياً، وهذه الخلاصة تعني فشل تدخلها في تحقيق الاستقرار، لذا تسعى إلى وضع الآخرين أمام "مسؤولياتهم"، أو إلى التذكير بأن المسؤولية عن الوضع السوري الحالي هي مسؤولية مشتركة.

في الأيام الأخيرة نقل إعلام الأسد تظاهرات مواليه الذين شكّلوا بأجسادهم الدعوة له "بالشفاء العاجل"، الأيام المقبلة ستكشف لنا ما إذا كان السعي الروسي سيُقابل بنوايا طيبة تشبه تلك الدعوات لا أكثر، أم أن صدى الاستغاثة سيلقى اهتمام واشنطن. بشار بحاجة حقاً إلى ذلك الترياق الذي ينقذه، لكن لا كما يوحي إعلانه عن المرض، إذ ربما كانت معالجته من كورونا تقتضي أولاً إرغامه على استنشاق الفيروس.

=========================

وجهة نظر : سنة عاشرة ثورة .. ومليون سوري منسي من أولي الضرر ..!!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

16/ 3/ 2021

ورقم آخر منسي ، خلفه الحل السياسي الأسدي - الروسي - الأمريكي ... مليون أو يزيدون من السوريين أولي الضرر ..

و" أولو الضرر " هو المصطلح الذي اختاره البيان القرآني ، لتسمية من يطلق عليهم في هذا العصر أصحاب الاحتياجات الخاصة ..

" أولو الضرر" هم الرجال والنساء والأطفال الذين دمرت منهم البراميل الأسدية، والقذائف الروسية، والصواريخ الأمريكية ، بعض بنيتهم الجسدية، وجعلتهم فاقدين لأحد أطرافهم ، أو لسمعهم أو لأبصارهم أو ...نالت من أجسادهم ولكنها لم تنل أبدا من أرواحهم وعزائمهم وإصرارهم ، وتمسكهم بالأمل والحلم ..

وحين نجمل العدد تحت العنوان الإنساني الأكبر من دمر بنيتهم الجسدية بشار الأسد، ومن دفعهم على طريق التدمير، سنجد أنفسنا أمام رقم أكبر وأبهظ. وربما تدخل سورية الوطن موسوعة غينيس بالعدد الأكبر من " أولي الضرر" على مستوى دول العالم أجمعين ..

وحين نتحدث عن مليون إنسان في تعداد عشرين مليون ، فإننا نتحدث عن رقم بكل المعايير الإنسانية والدولية كبير ، ومثقل لحاضر المجتمع وغده ، ومثقل للفضاءات النفسية لهؤلاء الضحايا المعذبين ..

" أولو الضرر " عامل آخر يجب أن يدخل في معادلة الحل السياسي ، الذي لا يجوز أن يفكر فقط في مصالح الطبقة المخملية من العفن الأبيض والأخضر والأصفر ..

ويشكل " أولو الضرر هؤلاء " عاملا جديدا يجب رعايته وإدخاله في المعادلة الوطنية المستقبلية بكل أبعادها ..

وجل هؤلاء الذين دفعوا من بعض بنيتهم الجسمية ثمنا لثورتهم ولأحلامهم وفيهم الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ...ما زالوا يحلمون بسورية الأجمل... وعلى العالم أجمع ، وعلى من يسمون أنفسهم ممثلي الثورة السورية أن يحسنوا تمثيلهم ..

فأولو الضرر هؤلاء ، على اختلاف درجات ضررهم ، هم طرف أقوى في معادلة الغد الآتي ، وإن حسبهم الذين لا يعلمون أنهم الأضعف !!

وأصيخ إليهم فأسمعهم بجمعهم يهتفون : وسورية بدها حرية ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

ماذا تبقى من الثورات سوى المرتزقة؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 13/3/2021

أينما ولّيتَ وجهك هذه الأيام فثمة رائحة ووجه وأخبار المرتزقة في اليمن وسوريا كما في ليبيا والعراق ولبنان وحتى تونس. للأسف الشديد، صار الارتزاق واللبننة عنوان المرحلة في بلاد الثورات. لم يعد أحد يتحدث عن ثورة، ولم يعد أحد يعمل لصالح الشعوب، بل صار كثيرون يعملون لصالح القوى التي تدخلت في بلاد الثورات لإجهاضها أو احتلالها تحت حجج واهية. أين ثورة اليمن الآن؟ ماذا بقي منها؟ هل مازالت الفصائل المتصارعة في اليمن تعمل لأجل البلد، أم صارت مجرد أدوات وبيادق في أيدي مشغليها المتصارعين على ثروات اليمن وموقعه الجغرافي الاستراتيجي؟

خذ الحوثيين مثلاً. هل لديهم أجندة وطنية فعلاً لتحرير اليمن وإنجاح أهداف الثورة التي رفعها الشعب اليمني، أم إنهم صاروا مجرد أدوات مفضوحة في أيدي الغزاة الإيرانيين الذين يتفاخرون بأعلى أصواتهم الآن أنهم باتوا يسيطرون على خمس عواصم عربية. وقد كان أحد الإعلاميين الإيرانيين صريحاً جداً عندما قال بالحرف الواحد إن صنعاء صارت مربط خيلنا. بعبارة أخرى، فإن الحوثي لا يسيطر على العاصمة اليمنية بل يعمل أجيراً لدي المحتلين الحقيقيين لليمن. لا تقل لي إن الحوثي هو الذي يخترع الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، ولا تقل لي إنه يشتريها حتى، فالصواريخ التي تنهمر على الأراضي السعودية والطائرات المسيرة التي تصل إلى عمق المملكة ليست ملكاً للحوثي، بل هي أدوات إيرانية لا تخطئها عين، وأن الحوثي مجرد أجير عند مشغله الإيراني. لا تقل لي إن الحوثي يحمل مشروعاً وطنياً، لا أبداً بل هو ينفذ المشروع الإيراني في اليمن. ولو لا سمح الله انتصرت جماعات المرتزقة الحوثية في اليمن، فهذا يعني أن اليمن أصبح مستعمرة إيرانية كالعراق ولبنان وإلى حد ما كسوريا. لقد كنا طوباويين كثيراً عندما ظننا أن الثورات قد تنتج أنظمة وطنية، لا أبداً، فأي طرف ينتصر في الثورات سيكون في النهاية مجرد عميل لدى القوى التي مكنته من الانتصار. وهذا ينطبق على الحوثي والسوري والعراقي والليبي والتونسي وغيره. وليس هناك شك بأنه لو انتصرت قوى المعارضة السورية على النظام فلن تمثل السوريين لاحقاً بل ستمثل مصالح الدول والقوى التي مكنتها من الانتصار على النظام في سوريا. ما حدا أحسن من حدا. الأنظمة تشتغل لصالح مشغليها وكذلك معارضوها الذين ظننا أنهم ثوار.

وما ينطبق على الحوثي ينسحب على قوات ما يسمى بالشرعية. وقد قالت مجلة التايم الأمريكية الشهيرة إن المرتزقة اليمنيين أرخص مرتزقة في العالم، بحيث لا يصل سعر المرتزق في جنوب اليمن الذي تديره الإمارات إلى مئة دولار وأحياناً إلى مئتين. وبذلك يتوزع المرتزقة اليمنيون على ثلاث جهات. مرتزق يقبض ويقاتل من أجل السعودية، والثاني من أجل الإمارات والثالث من أجل إيران. حقيقة مرة، لكنها حقيقة.

لقد انتقلت بلاد الثورات للأسف الشديد من الثورة إلى اللبننة والارتزاق. ويبدو أن الأمور تتفاقم أكثر فأكثر

ولا يختلف الأمر في لبنان وسوريا. هل لدى حزب الله أجندة وطنية لبنانية، أم إن حسن نصرالله يصرخ بأعلى صوته أنه جندي في خدمة الولي الفقيه في إيران؟ وكما أن النظام نفسه في سوريا تحول إلى أداة في إيدي داعميه الروس والإيرانيين، فإن قوى المعارضة صارت تعمل أيضاً لدى داعميها ومشغليها. وهل مثلاً ما يسمى بالجيش الوطني المعارض، هل هو جيش سوري فعلاً، إم إنه يعمل لدى مشغليه وموجهيه؟ هل خاض أي معركة لصالح سوريا أم لصالح مموليه؟ من المحزن جداً أننا شاهدنا مرتزقة سوريين مما كان يعرف بالجيش الحر يقاتلون في ليبيا. كما شاهدنا أيضاً مرتزقة سوريين تجندهم روسيا يقاتلون إلى جانب الفصائل التي تدعمها في ليبيا. وما رأيناه في سوريا من قتال بين الأدوات السورية، رأيناه لاحقاً في ليبيا. سوري يقاتل سورياً آخر لصالح الجهات المتصارعة على الأرض والثروات الليبية. ولا ننسى السوريين الذين يقاتلون لصالح الأمريكي والإسرائيلي والفرنسي في شمال شرق سوريا. وكيف ننسى السوريين المساكين الذين جندتهم روسيا للقتال حتى في فنزويلا مقابل دخل هزيل بالدولار.

وحتى في ليبيا ذاتها، نرى أن الليبيين توزعوا على القوى المتنافسة على أرضهم. هذا يقاتل لصالح الروسي وذاك يقاتل لصالح الإماراتي، وذاك يقاتل لصالح التركي. وهلم جرا. حتى المشير خليفة حفتر الذي كان يملأ الدنيا ويشغل البشر اختفى فجأة من التداول الإعلامي بعد اتفاق جنيف الذي رعته الأمريكية ستيفاني وليامز. لم نعد نسمع بحفتر الذي أصبح نسياً منسياً عندما اتفقت الجهات المتصارعة على ليبيا على الحل وجاء الأمر الأمريكي بتسوية الأزمة الليبية. بعبارة أخرى، فقد كان حفتر وميليشياته التي تزعم الوطنية مجرد مرتزقة عند مموليهم ومشغليهم المعروفين. وعندما يقرر المشغل، ينتهي دور المرتزق. وهو أمر يسري على كل القوى المرتزقة في سوريا وليبيا واليمن. الغزاة يقررون ومرتزقتهم المحليون ينفذون.

وحتى تونس التي ظن البعض أنها نجت من تبعات الثورات تعاني بطريقتها مما تعانيه سوريا واليمن وليبيا. هل ما يقوم بها بعض جماعات المعارضة داخل البرلمان التونسي يمثل الشعب التونسي أم يمثل ممولي وداعمي تلك الأبواق والجماعات التي تشاغب داخل قبة البرلمان؟

كي لا نكذب على بعض، لقد انتقلت بلاد الثورات للأسف الشديد من الثورة إلى اللبننة والارتزاق. ويبدو أن الأمور تتفاقم أكثر فأكثر. في لبنان مجموعة قوى وطوائف مرتهنة للخارج منذ عقود، ويبدو أن الحالة اللبنانية بدأت تنسحب على سوريا والعراق واليمن وليبيا وربما تونس. قبل الثورات كان يحكمنا عميل ومرتزق واحد يعمل لصالح مشغليه في الخارج. أما اليوم في بلاد الربيع العربي فقد صار لدينا مرتزقة محليون كثيرون بدل مرتزق واحد، وكل فصيل من هؤلاء المرتزقة يعمل لصالح مموليه، وبذلك بدل أن تتحرر بلادنا من الظلم والطغيان صارت دويلات وإقطاعيات يقودها الصبيان والعجيان. ماذا تبقى من الثورات سوى المرتزقة؟ وسلامتكم.

=========================

كورونا الأسد والحل الإلهي

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 13/3/2021

بشار الأسد وزوجته أسماء مصابان بفيروس كورونا، وقرّرا أن يحجرا نفسيهما أسبوعين. ووسط تضارب ردود الفعل، جاء بيان من الرئاسة الروسية يأمل "أن لا يشتد مرض كورونا على الرئيس الأسد وزوجته"، بينما غلب على الأوساط السورية، في الموقع الآخر، التشكيك في النبأ والتعامل معه باستخفاف شديد، وجرى النظر إلى قضية المرض على أنها لعبة سياسية تهدف إلى تقطيع الوقت، قبل أن يتقدّم الأسد للانتخابات الرئاسية المزمع أن تجري في يونيو/ حزيران المقبل. ويرى أصحاب هذا الرأي أن النقمة تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة بقوة، بسبب تدهور الوضع المعيشي في مناطق سيطرة النظام، والذي بلغ مستوياتٍ عاليةً في الرداءة، حتى أن الأسد ذاته طلب أن تتوقف القنوات التلفزية عن بث برامج الطبخ "لكي لا تزعج السوريين بصور طعام بعيدة المنال". واستدعى رد الفعل هذا من صحيفة نيويورك تايمز وصف الرئيس السوري بالقائد "المنفصل عن شعبه"، قائلة إنه ظل متمسكا "بالتفاهات التي يتميز بها خطابه".

استطاع بشار الأسد أن يصمد عشر سنوات في وجه ثورة شعبية عارمة، كادت أن تطيح حكمه في عام 2015، لكن روسيا تدخلت عسكريا لإنقاذه. وقبل ذلك، لم يكن في وسعه مواجهة الحراك السلمي الذي بدأ في منتصف مارس/ آذار 2011 من دمشق، لو لم تقف إيران بكل ثقلها إلى جانبه، وكاد أن يُسقط حكمه أكثر من مرّة، إلا أن طهران كانت في نجدته، وهي التي وضعت له خريطة الطريق منذ الأيام الأولى للثورة، بما في ذلك خيار اللجوء إلى القوة لمواجهة المظاهرات السلمية، وهناك أكثر من شهادةٍ تؤكد أن إيران جرّبت في سورية الأساليب التي اعتمدتها في قمع الثورة الخضراء عام 2009. ومن ثم تولى الحرس الثوري، بإشراف قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، مهمات القتال داخل سورية، عن طريق حزب الله ومليشيات عراقية وأفغانية وباكستانية.

وكلما تقدم الزمن، يبدو بقاء الأسد ضرورة لكل من روسيا وإيران. والمسألة تتعلق بالاستثمار الكبير الذي وظّفه البلدان من أجل استمراره في الحكم، وليست هناك مؤشّرات إلى أنهما سوف يتخليان عن النظام قبل استرداد ما صرفاه، وأكد ذلك الأسبوع الماضي أمين عام مجمع تشخيص النظام في إيران، محسن رضائي، الذي قال، في حديث مع صحيفة فايننشال تايمز "سوف نستعيد كل دولار أنفقناه في سورية والعراق". وهذا ما يفسّر عدم اكتراث موسكو وطهران بغير ما يحفظ لنظام الأسد الاستمرارية، ولا تبدوان معنيتين بتدهور الأوضاع المعيشية للشعب السوري تحت سلطة النظام ولا بالانهيار الاقتصادي، ومن ذلك قيمة الليرة أمام الدولار، والتي تجاوزت أربعة آلاف للدولار الواحد، وبات مرتب الموظف الحكومي قرابة 20 دولارا، وموظف القطاع الخاص نحو 50 دولارا. وأفادت أرقام الأمم المتحدة بأن أكثر من 13 مليون سوري بحاجةٍ إلى مساعدات إنسانية، وأكثر من 12 مليون شخص داخل سورية يكافحون لإيجاد طعامٍ يسدّ رمقهم كل يوم، وفق برنامج الأغذية العالمي، و60% من الأطفال يواجهون الجوع، بحسب منظمة "أنقذوا الأطفال".

من دون شك، هناك من يأمل بنهاية إلهية للأسد، وأن يقبض كورونا روحه، عسى أن يفتح ذلك بابا لنهاية المأساة السورية بعد عشر سنوات، تبدو فيها الحصيلة فادحةً على جميع السوريين، باستثناء فئة محدودة من الذين يعيشون على الحرب والخراب. وربما يفتح رحيل الأسد طريق الحل، ولكن الفاتورة كبيرة، وتؤكد كل التقديرات على أن عودة سورية إلى وضع الدولة المستقلة ليس في المدى المنظور، فهي مثقلة بالديون الروسية والإيرانية، ومقسّمة إلى مناطق نفوذ تسيطر عليها جيوش أجنبية.

=========================

"لا تندهوا، ما فيه حدا"

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 13/3/2021

ها هو بشار الأسد يعالج اليوم مجاعة الموالين له بالأسلوب الذي تصدّت مخابراتُه به لمن طالبوه بالحرية عام 2011 من معارضي نظامه، وشمل أنماطا متنوعةً من التخويف والاعتقال والتعذيب، ناهيك عن القتل داخل معتقلاته وسجونه وخارجها. يلجأ النظام الأسدي إلى العنف في أيامنا لمعالجة مشكلة تحل بتوفير الطعام للجياع، ولا تحل بالعصا الكهربائية والدولاب والشبح، على يد أجهزة سرية تعد نفقاتها ومخصصاتها، التي تبلغ نيّفا وربع الدخل الوطني السوري، أحد الأسباب الرئيسة لإفقارهم وتجويعهم، سواء بمدّ أيديها إلى جيوبهم وأرزاقهم، أم بدورها في حماية نظامٍ أدمن على نهب البلاد والعباد، ورئيسٍ أحاط نفسه بعصابات لصوص وسرّاق، صاروا بالمئات والآلاف مليونيرية ومليارديرية خلال الحرب التي قتلت السوريين جوعا، حتى أخذ الآباء يبيعون أطفالهم، والشباب ينتحرون، بعد أن يئسوا من الاستغاثة بالرئيس ومناشدته أن يردّ عنهم غائلة جوعٍ أخذوا يكتشفون، بعد أن زالت غشاوة التضليل عن أعينهم، أنه المنتفع الأكبر منه، بصفته رئيس أخوية لصوص تحيط به وتحتضنها زوجته، يلعب فسادُها غير المسبوق الدور الرئيس في تجويع وتركيع من يستغيثون بـ"سيادته" ويناشدونه أن يرأف بحالهم، ويتذكّر أنهم هم من نصره ومات دفاعا عنه، فلا أقلّ من أن يردّ الجوع القاتل عنهم. .. وتتجاهل استغاثات السوريين أمرين:

أولهما، أن الأسد لا يدين لشعب سورية بشيء، وأنه بقي رئيسا بفضل أغراب وأجانب استدعاهم لإنقاذه واحتلال سورية. أما الموالون الذين هلك خلق كثير منهم دفاعا عنه، فلم يعد أمرُهم يعنيه بعد "النصر"، ولو ملأوا الكون "نقّا" لما اهتم بهم، لأنه يفضل ألف مرّة أن يموتوا على أن يحرم المخابرات والجيش من المال الذي سيكرّسه لإطعامهم، ويرفض مدّ يده إلى الثروة التي يمتلكها، وتلك التي ورثها عن أبيه. وإذا كان قد أطعمهم "حبة بطاطا" في اليوم إبّان الحرب، فإن هذه صارت من الماضي، وذهب معها نصيبهم من الطعام، بعد أن أخذوا يخاطبونه باللغة التي استخدمتها الثورة من قبل، وردّ عليهم بالمخابرات، ومن قاتل معها من شبّيحة ومليشيات وإيرانيين وروس، ولن يتردّد في الرد عليهم بالطريقة ذاتها، لمجرّد أنهم جياع.

وثانيهما: أن المخابرات ليست مؤسسة خيرية، بل هي أجهزة قمع وقتل وإزهاق أرواح، ورئيسها ليس رجل برّ وإحسان، فيمدّ يده إلى جيبه، لينفق من حرّ ماله على جياعٍ يستطيع سحقَهم تحت أحذية مخابراته، ويزعم بعضهم أن استجابته لمطلب الإصلاح الذي لطالما وعد بإنجازه، كانت ستصون سورية من الاحتلالات الخمسة التي استقدمها لحمايته، ومن تدميرها بسلاح جيشه ومخابراته، وحرس إيران الثوري ومرتزقته، وطيران بوتين في الجو وجماعة فاغنر في البر، فضلا عن تهجير نصف شعبها، وقتل مئات آلافٍ منه في أقبية التعذيب. يدّعي هؤلاء إنه ما كان أحدٌ ليجوع، لو أنه أصلح نظامه وأحوال الذين توهموا أن دفاعهم عنه هو دفاع عن أنفسهم، وها هو يتركهم للموت بسلاحي الجوع وكورونا، ويقبل ما يرفضُه كل شريفٍ يدّعي تعرّضه لمؤامرة إمبريالية/ صهيونية، وهو شراء إسرائيل عددا مهينا من اللقاحات لتحصينه ضد الفيروس و"مؤامرتها"، ولحماية قادة مخابراته وشبّيحته الذين لم يقلعوا يوما عن قتل السوريين بتهمة العمالة للعدو الصهيوني، وأبادوا مئات الآلاف منهم في الأعوام العشرة المنصرمة، بتهمة التآمر معه!

أيها الذين تستجيرون ببشار الأسد: لا تندهوا، ما فيه حدا. إنه لا يردّ عليكم، بالمناسبة، لأنه ربما كان يستحي أن يخبركم أنه لا يتناول، هو نفسه، صحن فول، من دون موافقة الروس و/ أو الإيرانيين. وهو "مطنشكم"، لأن كرسيه الذي يحميه الغزاة وقتلة المخابرات، منكم، يكفيه، ولم يعد بحاجةٍ إليكم.

=========================

التحالفات الديمقراطية السورية .. سطور في رمال

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 13/3/2021

مع اقتراب الذكرى العاشرة للثورة السورية، يتساءل المرء عن أسباب التعثر المتكرّر لمحاولات تجميع القوى الديمقراطية السورية، بين الذاتي والموضوعي. هل المشكلة في أن السوريين لا يجيدون العمل المشترك فيما ينجحون أفراداً؟ أم أن الحدود الموضوعية (تعقد الموضوع السوري وهامشية تأثير السوريين على موضوعهم وشأنهم الخاص، بعد تحوّل سورية إلى مناطق نفوذ، وتوضع قوى سورية مسيطرة على الأرض من طبيعة متشابهة وتشكل موطئ قدم لنفوذات خارجية مباشرة.. إلخ) تثقل على المحاولات، وعلى النفوس، وتحبطها عن العمل؟

ماذا يمكن للذات السورية التي تهدف إلى تحرير الدولة السورية من قبضة سلطةٍ تستعمرها وتسخّرها لمصالحها الضيقة، كي تعود (الدولة) إلى كونها مؤسسةً عامة، وتريد تحرير سورية من سيطرة القوى الأجنبية، وتحرير الإنسان السوري من سيطرة جماعات محلية تفرض نفسها بالقوة: ماذا يمكن لهذه الذات أن تفعل في الظروف المتاحة اليوم؟ من أين تبدأ، من تثقيل حضورها السوري، كي تتمكّن من بناء علاقةٍ متوازنةٍ مع قوى خارجية من موقع غير تابع؟ ولكن هل تستطيع في الظروف القائمة أن تعزّز ثقلها السوري من دون مساندة ودعم من قوى خارجية؟ أم تبدأ ببناء علاقة مع قوى خارجية، بحيث تستثمر هذه العلاقة بتثقيل حضورها السوري؟ ولكن هل تستطيع أن تحافظ على استقلالها ونزاهتها في علاقتها مع الخارج، فيما هي لا تملك ثقلاً سورياً؟ أليس هذا حال الهيئات الرسمية للمعارضة السورية التي تشكل تبعيتها المبرّر العام لسعي الديموقراطيين السوريين للبحث عن بديل؟

هل المشكلة في أن السوريين لا يجيدون العمل المشترك فيما ينجحون أفراداً؟ أم أن الحدود الموضوعية تثقل على المحاولات، وعلى النفوس، وتحبطها عن العمل؟

يشكّل ما سبق خلفية التعثر المتكرّر للمحاولات التنظيمية السياسية للديموقراطيين السوريين في الخارج. ومن النماذج التي يمكن عرضها عن هذه الحال تجربة اللقاء السوري الديموقراطي، وهو إحدى المحاولات المشار إليها.

التقى في يوليو/ تموز 2018 في باريس ممثلو 24 مجموعة سياسية ومدنية سورية، بمبادرة من "حركة ضمير" غير السياسية، والتي تحرّكت بدافع "ضميري" سياسي، لتفعيل عمل مشترك بين مجموعاتٍ لا يوجد ما يبرّر تناثرها وتباعدها، وربما جهلها بعضها بعضاً. لدينا ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن كون حركة ضمير غير سياسية، فضلاً عن القيمة المعنوية لأفرادها وجهدهم في التواصل والتنسيق مع المجموعات، كان من أهم أسباب نجاحها في لمّ شمل هذه المجموعات التي كان يمكن أن تتردّد، باعتقادنا، لو جاءت الدعوة من طرف سياسي قد تبدو دعوته في عيون بعضهم مسعى للبروز وتحقيق القيمة التي يستجرها بشكل تلقائي مجرّد السعي إلى جمع إرادة السوريين.

على أي حال، رأت القوى المجتمعة أن التشكيلات المعارضة السورية المعترف بها دولياً واقعة تحت تأثير الدول التي تحتضنها، وغير مستقلة في قرارها، ولا يمكنها بالتالي أن تمثل الشعب السوري في سعيه إلى التحرّر. على هذا، تم الاتفاق على تشكيل جسم تحالفي مستقل في قراره وفي تمويله (تمويل ذاتي)، يسعى إلى ملء ما اعتبروه فراغاً أو شبه فراغ للمكان الديموقراطي في اللوحة السورية التي سيطر عليها النظام من جهة والقوى الإسلامية والكردية غير الديموقراطية من جهة ثانية. وعلى تفاوت حجمها وثقلها وتاريخها، كان لدى هذه المجموعات ما يكفي من التقاطعات، ومن الحماس للعمل المشترك، وعبر بعضها عما يتجاوز العمل المشترك إلى أفق الاندماج، أو حتى الاندماج المباشر، سيما أن التباين السياسي بينها ليس كبيراً، ولا يتعدّى ما يمكن وجوده بين أعضاء الجماعة الواحدة.

التشكيلات المعارضة السورية المعترف بها دولياً واقعة تحت تأثير الدول التي تحتضنها، وغير مستقلة في قرارها

سمّت المجموعات لقاءها الأول "اللقاء التشاوري" بما يدلّ على طبيعته بوصفه محطّة للتشاور والتفكير في العلاقة التي يمكن صياغتها فيما بينها، وبما يمكن التوافق عليه، وما يمكن عمله.. إلخ. بعد سنة ونصف من هذا، وبعد وضع ورقةٍ سياسيةٍ مشتركة ونظام داخلي (استغرق وضعها كثيراً من العمل والاجتماعات، وقد وقع العبء الأساسي على كاهل بضعة أفراد تجاوزوا الجميع في جهدهم ومثابرتهم وحرصهم على نجاح اللقاء)، نجحت هذه القوى بعقد مؤتمرها الأول في باريس أيضاً، في يناير/ كانون الثاني 2020. خلال هذه الفترة، انسحبت بضع قوى، منها من انقطع عن التواصل من دون سبب واضح، ومنها من اعترض على الورقة السياسية، وهذا شمل، بوجه خاص، القوى الكردية التي كانت مشاركةً في اللقاء التشاوري، فوصل اللقاء إلى مؤتمره الأول، ناقصاً في عدد القوى، وخالياً من أي قوةٍ كردية.

انتخب المؤتمر هيئة تنفيذية، وسرعان ما برزت أمامه مشكلةٌ لم تكن في الحسبان، وهي أن الهيئة التنفيذية اختارت لموقع منسق اللقاء شخصية نشيطة، ولكن لها مشاركة في اللجنة الدستورية، وفي مبادرة سورية الاتحادية التي كان لها حضور في ذلك الوقت، وهما محط خلاف بين القوى المعارضة. رأت القوى المتحالفة أن هذا الاختيار سوف يعطي للقاء هوية محدّدة، لا تعكس هويته، على اعتبار أن هوية الشخص الأول في أي تشكيلٍ تؤخذ على أنها هوية التشكيل.

نموذج عن محاولةٍ استهلكت الوقت والمال والجهود، وانتهت من دون أن تترك أثراً في الموضوع الذي تصدّت له

حين حاولت القوى معالجة الأمر في اجتماع استثنائي وافق فيه الجميع (ما عدا المكوّن الذي تنتمي إليه الشخصية المشار إليها) على استبعاد هذه الشخصية من الموقع الأول في اللقاء، انسحبت الشخصية ومكونها من اللقاء، فاستكملت الهيئة التنفيذية، واختير شخصٌ آخر ذو خبرة ليكون منسق اللقاء. بعد أسابيع قليلة، استقال هذا الشخص فجأة من دون أن يوضح السبب، ثم انسحبت الجماعة التي ينتمي إليها من اللقاء. ليتبيّن لاحقاً أن السبب هو خلاف شخصي مع أحد أعضاء الهيئة التنفيذية. بعد ذلك، أُعيد انتخاب هيئة تنفيذية جديدة بمنسّق جديد، تولت العمل حتى المؤتمر الثاني الذي عقد في 24 فبراير/ شباط 2021.

يمكن عزو التعثر المذكور إلى أن اللقاءات تحتاج إلى بعض الوقت كي تستقر. ولكن السنة الفاصلة بين المؤتمرين تميّزت بضعف النشاط والحماس، وكانت كافيةً لأن يصبح عدد القوى المشاركة عشرة فقط، ولأن تفكّ القوى في المؤتمر الثاني تحالفها، وتتحوّل إلى منصّة أو ملتقى للنقاش وتبادل الرأي، وربما الاتفاق على بيان أو حملة مناصرة أو ما شابه، من دون قيادة ومن دون التزام متبادل.

نموذج عن محاولةٍ استهلكت الوقت والمال والجهود، وانتهت من دون أن تترك أثراً في الموضوع الذي تصدّت له، كأنها خطّت سطراً في رمال. يبقى ما يلفت النظر أن القوى التي شاركت في هذا التحالف تستمر في نشاطها، وكانت غالبيتها، طوال الوقت، أكثر حضوراً من اللقاء السوري الديموقراطي نفسه. كما لو أنه كلما اتجهنا صوب الفردية، كان الأداء أفضل.

=========================

منصة سورية جديدة.. عربية روسية تركية هذه المرة؟

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 14/3/2021

آثار الاجتماع الروسي التركي القطري في الدوحة أكثر من تساؤل حول أهدافه وغاياته. كانت هناك مواقف متباينة حول الأولويات في سوريا لكن كان هناك أيضا كثير من الرؤى المشتركة حول ضرورة تسريع الحل وتجنيب البلاد الكارثة الأكبر.

ما الذي استوقفنا في بيانات وتصريحات التحرك الثلاثي الجديد في الدوحة؟ بيان روسي تركي قطري مشترك يحمل رسائل سياسية واضحة حول استبعاد الحسم العسكري في سوريا وضرورة دعم الحل السياسي وتسريعه. رفض أي تحرك انفصالي يهدف لشرذمة سوريا والمساس بوحدتها وبنيتها وقرار التنسيق لمواجهة المجموعات الداعمة لهذا المخطط. الدور العربي لا يمكن إغفاله في التعامل مع الملف بعد الآن. الحالة الإنسانية والمعيشية القائمة في سوريا لم تعد تطاق ولا بد من تحرك سياسي سريع يساهم في صناعة المشهد الجديد لقطع الطريق على أزمة إقليمية أكبر هناك.

جهد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتمرير رسالة أن اللقاء الثلاثي الذي جمعه بنظيريه التركي مولود جاويش أوغلو، والقطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني لا يحتمل أيّ تأويلات في التعامل مع الملف السوري فهناك منصات وطاولات حوار لا يمكن تجاهلها لكن ما قرأناه وسمعناه على لسان المشاركين يقول إن جدول الأعمال والمناقشات قدمت ملف الأزمة السورية ومسارها وسيناريوهات التسوية المحتملة على غيرها من الملفات إذا لم نشأ القول إن سوريا كانت الملف الوحيد الذي تم بحثه.

ما هي النتائج التي عاد بها وزير الخارجية القطري من القاهرة والمتعلقة بالشق السوري من المباحثات؟ ما الذي دفع موسكو للتحرك الجديد الواسع نحو العواصم العربية الفاعلة والمؤثرة في الملف السوري؟ لماذا يذهب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على عجل إلى الدوحة وسط كل هذه التحركات الإقليمية؟ هل يحتاج المشهد السوري إلى منصات إقليمية جديدة؟ لا طبعا لكن الأمور قد تكون مختلفة عبر طاولة تنتج الحل البديل بتنسيق عربي روسي تركي هذه المرة.

تمثل قطر اليوم الجناح العربي المعارض لعودة بشار الأسد إلى الجامعة وليس عودة سوريا إلى الجامعة

الواضح هو تعمد الوزيرين التركي والروسي عقد القمة الثلاثية في الدوحة بعد الحراك القطري والروسي الإقليمي الأخير وتتويجه بطرح الموضوع السوري كهدف أساسي لكل هذا المسار بمساهمة مصر والسعودية في التحرك المرتقب ولتكون جامعة الدول العربية شريكا في صناعة التفاهمات الجديدة.

تمثل قطر اليوم الجناح العربي المعارض لعودة بشار الأسد إلى الجامعة وليس عودة سوريا إلى الجامعة. أسباب تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية في 2011 لا تزال قائمة كما تقول لكنها تقول أيضا إنها لن تتردد في المشاركة بتحرك عربي جماعي يعمل على التنسيق مع موسكو وأنقرة لحلّ الأزمة السورية في الفضاء الإقليمي الجديد. الهدف هو إقناع موسكو بدعم التخلي عن فكرة الانتخابات الرئاسية ومحاولة تعويم بشار الأسد ونظامه في سوريا مقابل طرح خريطة طريق سياسية بضمانات عربية وتركية. الهدف الأهم هو إقناع موسكو أن مصلحتها هي بدعم التمييز بين إعادة سوريا إلى الحضن العربي وبين إعادة النظام وإبقائه على كرسي الحكم وسط المشهد السوري المأساوي المتفاقم. هناك محاولة إقليمية لإقناع الروس باستبدال طاولة حوار سياسي جديدة بالعملية الانتخابية الرئاسية في سوريا لتفعيل الحلول والتسويات نحو مرحلة انتقالية تشارك فيها قوى المعارضة لكن في إطار خريطة طريق جديدة برعاية عربية مدعومة من قبل روسيا وتركيا.

يؤكد وزير الخارجية القطري أن الأسباب التي أدت إلى خروج سوريا من الجامعة العربية ما زالت قائمة، متمنياً حدوث تقدم سياسي في سوريا لأنه السبيل الأسلم لعودتها إلى الجامعة. وهو التصور الذي تدعمه كما يبدو الرياض والقاهرة والإمارات التي ترفض التخلي عن مسار مشروع قيصر بشقه الإيراني. ويقول وزير الخارجية التركي في المؤتمر الصحافي الثلاثي المشترك في الدوحة، إن التعامل مع النظام في الوقت الراهن يشجعه على انتهاج سياسات سلبية ويزيد من عدوانه. باختصار ما تقوله القيادات التركية والقطرية والسعودية والمصرية التي يبدو أنها تحولت إلى شركاء في المنصة الخماسية الجديدة يتعلق بالحل السياسي الذي تريده موسكو اليوم بدعم عربي تركي بعدما دخلت الإدارة الأميركية الجديدة في الأسابيع الأخيرة في محاولة خلط أوراق الملف السوري على حساب تكتل أستانا وبالتنسيق مع بعض العواصم الأوروبية.

النقطة العالقة الآن هي معرفة حقيقة ما الذي تريده وتسعى إليه إدارة بايدن في سوريا؟ هل سيبقى همها لعب الورقة الكردية هناك فقط لحماية نفوذها وحصتها والتمسك بما تقوله وتريده تل أبيب حول مصالحها وحتمية تبديد المخاطر الإيرانية في المنطقة أم هي ستجد في النهاية نفسها ملزمة بدعم هذا التحرك الإقليمي الجديد إذا ما أرادت أن لا تتحمل وزر عرقلة الحل والتسويات في سوريا؟

هناك قناعة روسية تركية بضرورة المحاولة مجددا بالتنسيق مع المجموعة العربية وضرورة وجودها كطرف أساسي وفاعل هذه المرة لدفع الأمور نحو الحلحلة

يردد وزير الخارجية الإماراتي على هامش لقائه بلافروف، إن "عودة سوريا إلى محيطها أمر لا بد منه، وهو من مصلحة سوريا والمنطقة ككل"، مشيراً إلى أن "التحدي الأكبر الذي يواجه التنسيق والعمل المشترك مع سوريا هو قانون قيصر". ويعلن وزير الخارجية السعودي، أن الأزمة السورية تتطلب حلاً سياسياً، رابطاً عودة سوريا إلى محطيها العربي بإيجاد مسار سياسي يؤدي إلى التسوية. ما يجري اليوم له علاقة بحالة الانسداد السياسي الإقليمي والدولي في الملف السوري وأن هناك قناعة روسية تركية بضرورة المحاولة مجددا بالتنسيق مع المجموعة العربية وضرورة وجودها كطرف أساسي وفاعل هذه المرة لدفع الأمور نحو الحلحلة. يبدو أيضا أن هناك قناعة عربية جديدة تتعلق ببروز الفرصة لاسترداد سوريا عربيا أمام طاولة حوار مع روسيا وتركيا تأخذ بعين الاعتبار التحولات والأجواء الإقليمية القائمة وللحؤول دون انفجار أكبر في سوريا يهدد الأمن القومي بكامله.

حقيقة أولى لا يمكن إغفالها وهي أن إيران تواجه ضغوطات واعتراضات إقليمية كثيرة في هذه الآونة وربما قد يتحول ذلك إلى فرصة لتفعيل خريطة تفاهمات سياسية جديدة بدور عربي أوسع ودعم تركي وروسي وغطاء دولي لفتح الأبواب أمام مرحلة انتقالية في سوريا. حقيقة أخرى ربما تتعلق بهاجس أن إدارة بايدن تريد مواصلة مشروع أوباما الذي ظل عالقا في موضوع الربيع العربي وأن واشنطن تعد لتحريك الملف مجددا وهو ما قد يدفع العديد من العواصم للإسراع في تنسيق مواقفها وقطع الطريق على أوراق قد يلعبها الفريق الرئاسي الأميركي ضدها في المنطقة.

المسألة هذه المرة قد تكون أبعد من موضوع من يمثل سوريا في الجامعة العربية بل التحضير لمرحلة انتقال سياسي تسبق العودة السورية إلى الحضن العربي برعاية عربية وفي إطار ضمانات إقليمية ودولية. ما يجري قد يكون ليس بحث مسألة عودة سوريا إلى الجامعة العربية بل عودة الجامعة إلى سوريا.

=========================

الثورة السورية.. محكومون بالأمل

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 14/3/2021

يمكن أن نكتب الكثير عن الذكرى العاشرة للثورة السورية. نبدأ ولن نتوقف إذا أردنا الحديث عن الانقلاب على المنظومة التي عاش عليها أهل هذا البلد طيلة أربعين عاما من حكم عائلة الأسد. وهي منظومة قامت على الخوف الذي صار مع مرور الوقت ثقافة السوريين العلنية التي أتقنها الكبير والصغير. يجدر بنا في هذا اليوم أن نمتدح هذا الحدث العظيم، وأن نقف بلا تردد لننظر إليه بكل ما نملك من أدوات النقد والمراجعة لأنه خيارنا الوحيد. ويصح أن نفرح ونحزن في ذات الوقت. أن نعتز بما حققناه، ولا نلوم أنفسنا لأننا لم نصل إلى ما كنا نصبو إليه لأن درب الثورة ما يزال في أوله.

لم يكن أحد يظن أن السوريين الذين عاشوا أربعين عاما تحت سقف الخوف سوف يكسرون باب السجن الكبير كي يصلوا إلى ما نحن عليه اليوم، ولكن المقدمات لا تدع مجالا لنتائج أخرى، فالحياة التي عاشها السوريون في ظل حكم الأسدين لم تكن لتولد غير هذا الانقلاب على الخوف والسجن الكبير الذي استطالت جدرانه إلى حد لم يعد يرى السوريون ما وراءه. لقد كان سجنا بملايين الجدران التي بناها نظام كان همه الأساسي منع الشعب السوري من الحرية والحياة.

بعد عشر سنوات لم تحقق الثورة هدف إسقاط النظام الذي رفعته في مرحلة مبكرة، ولكنها أسقطت الخوف من النظام، وكلف ذلك الكثير من الدم والدمار والتهجير، فالنظام الذي بناه الأسد الأب ليدوم إلى الأبد كان قد استعد جيدا لهذه اللحظة التاريخية، ولذلك جاء رده قاسيا وعنيفا. رد أراده بالدم والدمار والتهجير الجماعي للمدن والأرياف، وهو بذلك قال كلمته منذ البداية إنه لا مجال لأي حل وسط أو تسوية في منتصف الطريق. أدرك النظام أن السوريين قاموا من أجل الحرية التي تعني الخلاص من حكم آل الأسد الذي حبسهم أربعين عاما، ومنعهم من الحياة الكريمة. والحرية مع نظام له هذه التركيبة لا يمكن أن تتم بالتدريج وعلى مراحل، فإما أن تكون أو لا تكون.

هناك إجماع على أن الثمن الذي جرى دفعه لن يذهب هباء، بل سوف يمكث في الأرض التي تنتظر الربيع

ليس هناك من بين السوريين من لم يذق طعم الخسارة بمعناها الخاص. والغالبية العظمى من الذين ثاروا على النظام باتوا خارج الحدود، وفقدوا بيوتهم وأملاكهم. ورغم ذلك فإن كل استطلاعات الرأي التي تخير الناس بين العودة إلى الوضع السابق وبين ما هم عليه اليوم، تنتهي إلى أن الغالبية ترفض الحياة في ظل النظام، حتى اليافعون الذين لم يعيشوا وقائع سنوات القمع والذل يعارضون العودة إلى سوريا في ظل وجود النظام الحالي. هناك إجماع على أن الثمن الذي جرى دفعه لن يذهب هباء، بل سوف يمكث في الأرض التي تنتظر الربيع.

وإذ يقف السوريون اليوم على عتبة العام الحادي عشر للثورة، فإنهم لم ييأسوا أو يتعبوا لأنهم محكومون بالأمل

عشر سنوات على الثورة السورية مرت مثل زلزال سريع ضرب هذا البلد من أقصاه إلى أقصاه، ولم يترك ركنا على ما هو عليه. تحركت الجغرافيا السورية كما لم تعرف في تاريخها، ومثلما حصل في الثورات الكبيرة في التاريخ، فإن الثورة السورية تجاوزت الحاجز الأول في طريقها إلى الحرية وهو حاجز الخوف، ولم يبق أمامها سوى إعادة ترتيب نفسها كي تعمل على تحقيق أهدافها، وهذا أمر لن يتم بين يوم وليلة، ولن يتوقف على الذين حققوا الإنجاز الأول، بل سيتجاوزهم مثل نهر جارف نحو بناء سوريا الجديدة التي لا مكان فيها للقمع والتمييز ومصادرة حريات الناس.

وإذ يقف السوريون اليوم على عتبة العام الحادي عشر للثورة، فإنهم لم ييأسوا أو يتعبوا لأنهم محكومون بالأمل.. أمل الخلاص والحرية.

=========================

الطريق إلى سورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 15/3/2021

تبعد سورية عن الشعب السوري مسافة عشر سنوات من المآسي والفقدان وعشرات المجازر، ومئات آلاف الجثث من الضحايا والشهداء، وأكثر من مئتي ألف معتقل يدفعون ثمن الحرية طريقا إلى الحياة، ولا يزال الزحف إليها هدفاً نبيلاً لا مساومة عليه، يتبنّاه بعضنا جهاراً سواء داخل سورية أو نحن بحكم بعدنا عن سوط الديكتاتور وجغرافية نفوذه، وبعض منّا محكوم بمكانه وأمانه وحيّزه الجغرافي، يلوذ بالصمت القابل للانفجار، والذي يستشعر ناره النظام السوري، ويتلظّى من وهج لهيبه، وربما تحترق منه روابط المصالح الجامعة لهم كأسرة حاكمة بأبعادها (الأسد، الأخرس، مخلوف) وأجهزة أمنية وتجار وأثرياء حرب.

الطريق إلى سورية الساعية إليها الثورة، هي كما عبر عنها أهلها قبل عشر سنوات، وقبل أن تمتد الأيدي الكثيرة لتغير معالم تلك المطالب وجدول أولويات الثوار، وسبلهم السلمية وتعبيراتهم عن تلك الأهداف، وتترك أمر ثورتهم بين من ليس منهم، وتربط حراكهم بمصالح الدول المتصارعة على "الغنيمة السورية". وليس هذا الطريق، على الرغم من وعورته، بعيداً إلى درجة اليأس والتسليم ببقاء النظام الحالي، بكل مكوناته وأدواته، عبر بوابة إعادة انتخاب بشار الأسد ولايته الرابعة، وسط دعم روسي - إيراني، ومن بعض الدول العربية، سواء التي جاهرت بعلاقتها مع الأسد (الإمارات مثالاً)، أو تلك التي تلعب من تحت الطاولة الأميركية. وحتما هو ليس درباً معبداً يسهل العبور من خلاله إلى حق السوريين، ما يعني أن العمل للوصول إلى سورية يتطلب إزالة الألغام والمطبّات التي تمترس النظام خلفها، وبعضها صنعتها المعارضة بنفسها.

استطاعت روسيا، وقبلها إيران، أن تساند النظام في حربه على السوريين، وأن تعيق سقوطه حسب تصريحات الطرفين، لكنهما حتى اليوم لم تعلنا انتصارهما على الثورة

الرهان على خسارة السوريين حقهم في سورية موحدة، يتظللون بعدالة دستورها لأبنائها، بمختلف تلويناتهم السياسية والمذهبية والقومية، وتحكمهم حقوق المواطنة وواجباتها هو رهان مبكّر جداً في سياق انتصار الثورات الشعبية في العالم، ولكنه قد لا يعني حتمية الانتصار، بخاصة إذا بقيت الثورة السورية تحمل أكثر من معنى، ويعبّر عنها أكثر من مشروع، وتنقسم معارضاتها إلى منصّات وأجندات، وتتحوّل قياداتها إلى موظفين صغار عند أجهزة مخابراتية، أو أذرع لاحتلالات إقليمية أو دولية لجزءٍ هنا أو هناك من الأرض السورية، ويصبح التمسّك بوطنية السوري عيبا يؤخذ عليه ويجرّده من شراكته في ثورة عظيمة، كان هدفها ولا يزال حرية الإنسان وكرامته.

استطاعت روسيا، وقبلها إيران، أن تساند النظام في حربه على السوريين، وأن تعيق سقوطه حسب تصريحات الطرفين، لكنهما، أقصد الدولتين، حتى اليوم لم تعلنا انتصارهما على الثورة، أو هزيمة المعارضة أمام النظام، وذلك لأسبابٍ منها:

أن العمل العسكري بإدارة دولتين كبيرتين، واستخدام أسلحتهما بكل أنواعها، مع استخدام السلاح الكيماوي للنظام وجيشه الجرّار، ضد فصائل "معارضة" مشتتة أهدافاً وتبعيات وتمويلاً وأجندات، ليس إنجازاً تفخر به دولةٌ بحجم روسيا، بما تحاول أن تقدّم نفسها قطبا عالميا يقف في مواجهة القطب الأميركي، وهو ما جعلها تحاول فتح مسارات التسوية بين النظام وأصدقاء المعارضة أو مموليهم، بدءا من مسار أستانة بين الشركاء الثلاثة (روسيا، إيران، تركيا)، وصولاً إلى المسار الإنساني الذي استبعدت فيه إيران لتضم قطر إليها، وكما تحاول موسكو تغييب دمشق عن صنع قرارها، فقد استطاعت تحجيم المعارضة، وتجاهلهم عند عقد اتفاقات التسوية مع داعميهم، ويأتي هذا الحراك الروسي نحو دول الخليج لأسباب منها:

محاولة إعادة كرسي جامعة الدول العربية لدمشق جزء من مهمة اقتصادية لموسكو لإنقاذ الأسد، واجهتها قطر بالرفض، بينما سارعت الإمارات إلى تبنّيها والموافقة عليها

أن العمل الاقتصادي في سورية في ظل عقوبات تشمل الثلاثي (النظام ، إيران، روسيا) ليس مجديا، وهو عبءٌ لا يتحمّله الداخل الروسي المنهك من العقوبات من جهة، وتبعيات التدخل الروسي في سورية من جهة ثانية، وأخيرا جائحة كورونا بظلها الثقيل على العالم بأسره، فكيف ببلدٍ أتعبته الملفات الخارجية والمعارضة الداخلية، ما يلزمها البحث عن مساندةٍ ماليةٍ لا يمكن أن تتحمّلها إلا دول الخليج العربي التي تريد أن تتكئ على جناح آخر بعد خوفها من تخلي الجناح الأميركي عنها؟

تعمل موسكو على تفتيت قرار مجلس الأمن 2254، بالعبث في مراحله، من دون أن تعلن رفضها له، وهي تسحب البساط من تحت المعارضة عبر التقارب مع داعميها، لأن ذلك الطريق يسهل عليها الوصول إلى سقف تطلعاتها بإعلان فقدان الطرف الآخر المقابل للنظام، فالتحاصص مع الدول أسهل من التفاهم مع ثورات الحرية.

ويمكن النظر إلى المسارات الجديدة التي تؤسّسها موسكو، سواء الإنساني الذي أعلنت عنه الأسبوع الماضي (11 مارس/ آذار) مع قطر وتركيا، أو الآخر الذي لم يتبلور تحت مسمّى واضح مع الإمارات أو السعودية إلى ضيق واقع خيارات روسيا للوصول إلى "تسوية غير عادلة" بين النظام والمعارضة، أو فتح الطريق أمامها حتى لا تنهار "جهودها العسكرية" تحت وطأة الجوع الجماعي الذي يعاني السوريون منه جميعاً، وهو الذي يؤسّس لثورةٍ أخرى، بدأت ملامح الخشية منها داخل أروقة النظام الذي تهزّه أصوات خافتة تنتقد واقع المعيشة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن محاولة إعادة كرسي جامعة الدول العربية لدمشق جزء من مهمة اقتصادية لموسكو لإنقاذ الأسد، واجهتها قطر بالرفض، بينما سارعت الإمارات إلى تبنّيها والموافقة عليها.

تقع مسؤولية الشخصيات الوطنية السورية من خلال الإصرار على الوقوف على واقع المؤسسات الناطقة باسمها، وإلزامها الإعلان عن مشروعها وتوحيد أهدافه بكل التفاصيل

وهنا تقع مسؤولية الشخصيات الوطنية السورية والأقلام الحرّة في تسليط الضوء على ما يجب أن تتصدّى له المعارضة السورية التي لا تزال تؤمن بمشروعها السوري، من خلال الإصرار على الوقوف على واقع المؤسسات الناطقة باسمها، وإلزامها الإعلان عن مشروعها وتوحيد أهدافه بكل التفاصيل، وإصلاح محتواها التنظيري والبشري، بما يحقّق وجود قياداتٍ فاعلة غير مرتهنة، واللجوء إلى الحاضنة الشعبية مرجعية وحيدة لهم، وتحقيق مهمتها في النهوض بمؤسسات المجتمع المدني، لأداء وظائفها في الدفاع عن حقوق السوريين جميعها، من الصحية إلى الاقتصادية والبيئية، حتى التعليمية، ومعايرة أداء المؤسسات السياسية لضمان أدائها بما يحقق أهداف السوريين ومصالحهم أولاً.

الطريق إلى سورية أقصر من أن نستصعب السير عليه، وأقرب من الطرق المؤدّية إلى عواصم الاحتلال، لكن تذكرة العبور فوقه تحتاج كل توافق سوري – سوري، قبل أن يكون توافقاً مع الدول، لمعرفة هوية السائق وضمان حسن قيادته إلى سورية، وزرع الثقة بأنها دولة لكل السوريين، تمنح السلام لأهلها ولجوارها وأصدقائها.

=========================

في الذكرى العاشرة للثورة.. (المراجعة المطلوبة)

عقاب يحيى

سوريا تي في

الاثنين 15/3/2021

تطرق الذكرى العاشرة للثورة أبوابنا ورؤوسنا بوقفة تتجاوز الشكليات والشعارات إلى البحث في أوضاعها، وظروفها، ومآلها وفقاً لجملة المعيقات التي حالت دون تحقيق الأهداف التي انطلقت لأجل تحقيقها، والتي بلورتها بثمن كبير من التضحيات الشاملة والتي لا تتناسب ـ حقيقة ـ مع النتائج وما وصلت إليه أوضاع بلادنا من مأساة اعتبرت أنها الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، والمتراكبة مع أكوام من التعقيدات التي تسدّ الأفق على حلّ، أو مخرج قريب يلبي الحدّ المقبول من مطالب الشعب السوري بالتغيير، وبناء النظام البديل.

الكثير يحاول ترحيل أسباب هذا الواقع شديد التعقيد إلى العوامل الخارجية عبر تحميل المسؤولية في الذي جرى للدول الأجنبية، خاصة صاحبة العلاقة بالتأثير في الملف السوري وأنها هي من خذل الشعب السوري، وهي التي وضعت يدها على الملف وعملت على تدويله وتهميش الأطراف السورية ـ جميعها ـ في إخرجها من المعادلة كطرف رئيس.

أثبتت الوقائع أن غياب قيادة مركزية للثورة كان ضمن عوامل التشتت وانتشار أشكال كثيرة من الصيغ والهيئات المتنافسة

نعم العوامل الخارجية كانت رئيسية وفاعلة، وسنقف عندها، لكن الأساس في الذي جرى يرتبط بالعامل الذاتي انطلاقاً لأنه هو الذي أفسح في المجال للنتائج التي وصلنا إليها، وهذا العامل الأساس لا يمكن الهروب من تحمّل المسؤولية فيه، ولا من الشجاعة في كشفه ومواجهته وصولاً إلى بلورة البدائل وقابليتها على التجسيد، ويمكن تلخيص أهم عوامله بـ:

1 ـ عجز قوى المعارضة "التقليدية" عن قيادة الثورة لأسباب بنيوية وواقعية، مقابل أن الثورة انطلقت بطريقة أقرب للعفوية والتوزّع، أي دون وجود قيادة مسبقة لها تمتلك رؤية أو برنامجاً لخطواتها وعملها، ولئن اعتبر البعض أن تلك الخصيصة عامل إيجابي يحمي الثورة من بطش النظام ـ فيما لو كانت لها قيادة ـ سيعمد على تصفيتها، فقد أثبتت الوقائع أن غياب قيادة مركزية للثورة كان ضمن عوامل التشتت وانتشار أشكال كثيرة من الصيغ والهيئات المتنافسة، وكثيرها يحمل برامج مختلفة، ومتناقضة أحياناً، بما في ذلك إفساح المجال لأنواع من التنافس والصراع حتى داخل قرى ومناطق صغيرة، ناهيك عن المدن.

نتيجة التحولات السريعة ودخول عوامل متعددة على خطّ الثورة، ومنها التحوّل القسري للعَسكرة، بات صعباً أن تلد الثورة من صلبها قيادة موحدة، فتعددت الرؤى والمواقف ومراكز القرار.

2 ـ جاءت ولادة الهيئات الممثلة للثورة بطريقة قيصرية، بل وغير طبيعية تداخلت فيها، وتدخّلت مجموعة عوامل تركت أثرها على بنية تلك الهيئات، وممارساتها، ومدى قدرتها على تمثيل الثورة وقيادتها، ونخصّ بالذكر هنا ظروف نشأة وتركيبة المجلس الوطني، ومن بعده الائتلاف، في ظلّ غياب الانتخاب الديمقراطي الذي يكرّس نوعاً من المشروعية في التمثيل، وقبول الحاضنة الشعبية، وفي التركيبة التي رجحت فيها اتجاهات معينة على حساب فئات أخرى يجب تمثيلها ووجودها.

3 ـ الرهان الأكبر على التدخل الخارجي لإنهاء النظام اعتقاداً أن ما حدث في ليبيا، بشكل خاص، وفي بلدان ثورات الربيع العربي، عموماً، سيتكرر ـ حكماً ـ في سوريا، وقد ولّد هذا الرهان مجموعة من الآثار والظواهر، وأبرزها:

آ ـ الاستعاضة عن الحاضنة الشعبية والعلاقة معها بحركات وعلاقات دولية تهدف إلى التعجيل بالتدخل، بما أوجد هوّة بين تلك الهيئات وبين الحراك الثوري راحت تكبر وتتعمّق مع مرور الزمن، ومع ما عرفته الثورة من "مناقلات" ومتغيّرات، كبروز العَسكرة ومفاعيلها.

ب ـ انعكاس ذلك الرهان على الحياة الداخلية في تلك الهيئات، والذي برز في تقصير فترة الرئيس لمدة شهرين فقط ضمن اعتقاد وجوب تداول أعضاء المكتب التنفيذي على ذلك الموقع تقديراً من أغلبهم أن الأمور قاب قوسين وأدنى من الحسم باتجاه نهاية النظام، وأثر ذلك على عملية الاستقرار، والصراعات التي خيضت والتي تظهر كمّ الخطأ في التقدير، وكمّ الرهان على الدور الخارجي.

ج ـ فتح ذلك الرهان أبواب التدخل الخارجي باتساع وازداد قوة وفعالية مع انتشار العَسكرة.

4 ـ العَسكرة وتداعياتها..

الثورة في جوهرها، وانطلاقتها كانت سلمية وشعبية، تطرح مطالب محقة لخّصتها بالحرية والكرامة والعدالة، وانتهجت المظاهرات سبيلاً للتحقيق بعيداً عن العنف واستخدام السلاح.

لكن تطورات متلاحقة دفعت لولادة، ثم طغيان العَسكرة وما أنتجت من وقائع تركت أثرها الكبير على مسار الثورة والمؤسسات القائمة.

لقد حاول النظام منذ البدايات تشويه الثورة باعتبارها حركة إرهابية، وإسلاموية، وأداة لمؤامرة خارجية، وأنها مصنّعة من قبل عناصر مرتبطة بالخارج، وعمل بتنهيج على حرف مسارها وتحويلها إلى صراع عسكري، أو وصفها بـ"الحرب الأهلية"، وقد استمرت الثورة لأكثر من ستة أشهر سلمية تواجه رصاص وعنف النظام بالصدور العارية والمطالب المحقّة، وترفض التسلّح، لكن مستوى العنف الذي مورس من قبل النظام في القتل والاغتيال والاعتقالات الجماعية، وترافق ذلك مع انشقاق عدد من الضباط العسكريين ممن رفضوا توجيه السلاح لصدور شعبهم، وتقدّمهم الصفوف لحماية المظاهرات فرض بدايات التسلّح الذي سرعان ما انتشر بقوة وسيطر على المشهد الميداني، ثم طغى على السياسي، وما عرفته تلك الظاهرة من تطورات كان في مقدمها:

آ ـ طغيان العسكري على السياسي درجة التهميش، وأثر ذلك على المؤسسات التي تمثل الثورة (المجلس الوطني ثم الائتلاف)، ووجود رأسين في الثورة، بل مجموعة رؤوس تعبّر عن ذلك التوسع الذي عرفته ظاهرة انتشار الفصائل، وغياب، أو ضياع القرار السياسي.

ب ـ حاجة العمل العسكري لإمكانات مالية ضخمة لم يكن بمقدور العامل الذاتي (الثورة والسوريين) تغطيتها فتحت الأبواب لأشكال من التدخل الإقليمي والخارجي تحت عناوين الدعم وتقديم مستحقات تطور العمل العسكري، وصولاً إلى تحكّم تلك الجهات بمسار وقرار معظم تلك الفصائل الممولة من الخارج درجة التبعية.

ج ـ انتشار الفصائلية بتلك الطريقة الغرائبية أدّى إلى التشتت، وغياب الاستراتيجية الموحدة، وعمليات التنسيق.

والأهم من ذلك استحالة توحيد تلك الفصائل عسكرياً، وتحت مظلة سياسية موحدة، ونعرف أن أحد أهم نقاط وثيقة ومبررات تأسيس الائتلاف كان في النصّ على "توحيد الفصائل العسكرية بقيادة سياسية"، بينما جرى تشكيل "هيئة الأركان" بعد فترة وجيزة من تأسيس الائتلاف دون علم، أو قرار منه، وما ترتّب عن ذلك من وجود جسم منفصل صعّب أكثر من عملية التوحيد، وفي إخفاق الجهود المتواصلة لتوحيد الفصائل وبناء علاقة لها مع الائتلاف، ثم في المسارات اللاحقة التي اتسمت بالتراجع والانزياح، خاصة بعد تدخل الاحتلال الروسي وما فعله.

د ـ ترافقت تلك العملية مع تهميش عدد كبير من الضباط المنشقين، وضمور وجود فصائل تابعة للجيش الحر على حساب نمو فصائل كثيرة بخلفيات وأسماء إسلاموية عملت على احتكار الثورة وفقاً لخلفيات أيديولوجية متناقضة مع أهداف الثورة التي قامت لأجلها، والتي لخصتها في شعاراتها، وأدّى ذلك إلى حدوث تغييرات كبيرة في مواقف الحاضنة الشعبية التي لم تقتصر على "المكوّنات" غير الإسلامية، وغير السنيّة وحسب، وإنما على قطاعات واسعة من الشارع السني.

ه ـ بوجود غرفتي "الموم" والموك وقيادتهما من قبل الدول، خاصة أميركا، بدأ التدويل الفعلي للمسألة السورية، ووضع القوى السورية ـ بكل جهاتها ـ على الهامش، أو بموقع التابع لإرادة تلك الدول، ثم التخلي عن الخيار العسكري لصالح "الحل السياسي"، وتأكيد مواقف تلك الدول الفاعلة بأنها لا ترغب بحسم عسكري يوم كان ذلك متاحاً، ويوم كانت الفصائل العسكرية تسيطر على أكثر من 70% من الأرض السورية.

النظام يرفض بالقطع أي خطوة سياسية ويعتبرها تنازلاً يؤدي إلى نهايته، وتلك حقيقة لم تكن مجهولة لجميع من يعرف بنية ونهج النظام

5 ـ الحل السياسي.. وإخفاقاته..

حين أفصحت الوقائع عن رفض الدول الفاعلة للحسم العسكري، وفرضت الحل السياسي خياراً وحيداً وافق الائتلاف على بيان جنيف، وعلى الحل السياسي ضمن بنود ذلك البيان، ولو عبر صراع كبير داخله، ولجهة تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، ووفق جدولة زمنية مدتها 18 شهراً، تبدأ فيها المرحلة الانتقالية بعد ستة أشهر، تبيّن عبر جولات جنيف 2 أن النظام يرفض بالقطع أي خطوة سياسية ويعتبرها تنازلاً يؤدي إلى نهايته، وتلك حقيقة لم تكن مجهولة لجميع من يعرف بنية ونهج النظام، ورهانه على استهلاك الوقت، وإغراق جولات المحادثات في التفاصيل لزمن مفتوح، وهو ما حصل فعلاً.

لقد حصلت دحرجة في مسارات ومضمون المفاوضات، والانتقال من بيان جنيف إلى القرار 2254 التي تبدو فيه البصمة الروسية واضحة لجهة إشراك منصات أخرى في وفد المفاوضات، وضمور أساس بيان جنيف خاصة لجهة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ونتج عن ذلك أن الائتلاف لم يعد الطرف الوحيد في المفاوضات.

الائتلاف، ورغم الوقائع العنيدة لمسار المفاوضات، وقناعته الواضحة بعبثية جولاتها بغياب إرادة دولية فاعلة، ونخصّ بالتحديد الموقف الأميركي غير الحاسم والذي ما زال يتعاطى مع المأساة السورية بطريقة هامشية، فإنه، أي الائتلاف، مضطر للاستمرار في تلك الجولات غير المنتجة (تشاركه جميع أطراف المعارضة)، لأسباب متعددة في مقدمها أنه لا يملك خيارات بديلة، وأن أوراقه ضعيفة لا تسمح بممارسة الضغط المطلوب، ناهيك عن مواقف الأطراف الصديقة التي تلحّ على الاستمرار في المفاوضات.

6 ـ كان على الائتلاف من سنوات وسنوات أن يفكر بالبدائل، وأن يشرع في تجسيدها وفق برنامج واقعي ليس لأجل قرار مسبق بالانسحاب من المفاوضات، وإنما لتدعيم موقفه فيها من جهة، والقيام بخطوات موازية، ومناهضة لنهج وممارسات النظام من جهة أخرى.

ومن المعروف أن جوهر وأساس البديل هو العودة إلى الحاضنة الشعبية لاكتساب المشروعية منها، أولاً، وإشراكها في القرار ثانياً، وبناء أوسع علاقات وتحالفات مع القوى والفعاليات الشعبية والسياسية ثالثاً ، وقد تأخر الائتلاف كثيراً في خطواته تلك، وهو يحاول تدارك ذلك الخطأ الكبير ضمن برنامج طموح، وتغيير الخطاب الوطني بالتوجه إلى كافة شرائح ومكوّنات المجتمع السوري في مختلف المناطق، بما فيها تلك التي يسيطر عليها النظام، أو الواقعة تحت سلطات الأمر الواقع، وبناء علاقات مستدامة معها عبر تطبيق شعار التشاركية والاصطفاف الوطني.

في الذكرى العاشرة للثورة تفرض علينا الوقائع العنيدة أن نعمل بهديها، وهي التي تؤشر إلى الانسداد السياسي لجهة أي حلّ مقبول، وما يستوجبه ذلك من خطوات ضرورية وفي مقدمها إصلاح واقع ومؤسسات الائتلاف، وترسيخ التشاركية مع فعاليات شعبنا وفق مهام عملية قابلة للتحقيق، ومواجهة الاستحقاقات الصعبة بما تستوجبه من متغيّرات ضرورية في مختلف المجالات.

=========================

أسئلة في الأفق لكن بلا أجوبة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 15/3/2021

ها هي تكتمل عشرة عجاف من التاريخ السوري؛ ولازال الجرح مفتوحاً؛ والأسئلة في الأفق تتزاحم؛ ولكن يبقى أكثرها بلا أجوبة. 

في علم الدلالة والمنطق، يجب ألا يحمل السؤال حكم قيمة، كي يكون موضوعياً ومحايداً؛ ولكن في الحالة السورية، لا بد أن يحمل السؤال حكم قيمة، كي يشع على المأساة وغرابتها؛ فلا حياد في القضية السورية.

لقد وصل السوريون إلى حالة لم تعد فيها حتى الأسئلة الحادة النفّاذة ذات وزن أو تأثير؛ وممل أصبح توصيف الحال؛ فإذا كان أفق اليوم مسدوداً بفعل دمار الأمس، فماذا سيكون عليه، وأي شكل سيأخذ الغد المبهم!؟

هل نقاوم بيدنا عبر حرب تحرير شعبية لم يعد في الأفق جدوى إلاّ هي؟! وهل زمننا زمن الحروب الشعبية، بعد أن سدّت اليد الوحشية الداخلية والخارجية هكذا احتمال؟ 

هل نسامح آل الاسد ومَن لف لفيفهم بتعب العمر ومسقط الرأس والذكريات والوطن، الذي ليس لنا غيره؟

ماذا نقول لعشرات آلاف المعتقلين في مقابر الأحياء.. زنازين نظام الإجرام؟

ماذا عن إخوتنا السوريين الآخرين الذين سمّتهم منظومة الأسد "المجتمع المتجانس" فحوّلتهم إلى رهائن، ليختص بعضهم بالتشبيح، وآخرون بالارتزاق؛ وقلة بلا حول أو قوة، تجمعهم الإهانة ويقتلهم الصمت؟

ماذا نقول لمن سمح لمخدرات إيران أن تعبث بهم، ولروسيا أن تحتقرهم، ولميليشيات محلية أن تعربد وتخطف وتقتل دون رادع أو واعز أخلاقي يوقف النزيف؟

أي جيش أو "حماة ديار" تبلّدت مشاعرهم ليصبح في ذهنهم المستبيح حامياً، والقاتل مخلّصاً، والمبعثر موحداً، والعبد الذليل سيداً؛ كل ذلك ليهون عليهم وطن وشعب خرجوا من صلبه ليحموه ويدافعوا عن سيادته، فإذ بهم أداة الجريمة بحقه؟

أمام هذا التشظي المجتمعي، والبروز الفاقع للهويات المغلقة ما دون الوطنية، كيف يمكن استعادة سوريا الوطن بهوية تشاركية متجددة بعيداً عن القمع والخوف اللذين كرستهما وعاشت عليهما منظومة الاستبداد، التي حولت السوريين إلى رهائن للعوز والخوف والقهر والصمت؟!

ماذا عن منظومة استبدادية منفصمة عن الواقع وعن الأخلاق والمسؤولية؛ تكذب كما تتنفس؛ لم نشعر أنها سوريا أصلاً؟!

أي ثوابت تلك التي تتبخّر؟ ومتى وُجدت تحوّلت إلى حبال تخنقنا أو قوالب تجمدنا؟

 من يشبع نهم الصهاينة، وهم يجدون مَن يتسابق على نيل رضاهم وتقديم ما لم يحلموا به، أكان الأسد للبقاء في السلطة، أو بوتين لتُقبَل أوراق اعتماده أميريكياً وأوروبياً؟

إذا كان مَن ساهم بتمزيق سوريا وهتك سيادتها لازال يتبجح بوحدتها وسيادتها، دون الالتفات إلى بعثرة روحها وجوهر وجودها؛ فهل يمكن أن نعوّل على محتلٍ بصفة حليف، وصاحب مصالح خبيثة بصفة منقذ؟ ماذا يفعل كل الغرباء في بلدنا؟ ومَن تسبب بوجودهم؟ أليس الخلاص من الحجة والذريعة طريقاً للخلاص واستعادة بلدنا؟!

ما هذا الهوس الداخلي السوري والإقليمي والعالمي بإبقاء النار السورية مشتعلة؟ أو بتضميد الجرح السوري الغائر بعفنه؟ أو بالإبقاء على أساس وسبب المأساة السورية، وعدم تكليف النفس بوقفة ضميرية على جوهر ما حدث ويحدث؟ أو باستمرار خلق الحجج والأعذار الزائفة لتحقيق مصالح صغيرة تؤذي الملايين وتخدم غايات خبيثة تجعل من عالمنا مكاناً مقرفاً وخطراً وغير آمن للحياة البشرية؟!

ما معنى أن تستميت روسيا بحفر ونبش مقابر في مخيم اليرموك للعثور على رفاة جاسوس إسرائيلي كي تدعم نتنياهو في انتخاباته، علّه يساعدها في رضى الغرب عنها وفي إعادة تكرار رفاة النظام الأسدي؟!

لماذا لم يطلب وزير خارجية الإمارات من نظام الأسد التجاوب مع الحل السياسي الذي يضع سوريا والسوريين على سكة حياتهم (التي يقلق عليها) كي يتم رفع عقوبات قانون قيصر، وعندها يعيد سوريا إلى الجامعة العربية؟!

باستثناء شبيحته و "نبيحته"، هل يعتقد بشار الأسد وحرمه المصون أن ادعاء إصابتهما بالكورونا سيجلب التعاطف مع مَن ينتظره ما يقارب المليون وثيقة توثق إجرامه بحق شعبه، وتعيد تكراره رئيساً؟!

ليست جامعة مانعة هذه الأسئلة؛ ويمكن إضافة مئات عليها. حَسْبُها أنها تسلط الضوء على ملامح طريق الخلاص. ضاق مكان الحرب. لن ينسى سوريٌّ آل الأسد أو يسامحهم، ولن يغفر لمن هدر الدم السوري؛ ولكنه جاهز لتضميد الجراح والعودة إلى الحياة. يريد السوريون معتقليهم؛ يتطلعون إلى التعايش وبتجانس كما كانوا، ولكن ليس على الطريقة الأسدية. أتعبتهم مخدرات ملالي طهران وسكاكين ميليشياتها وصواريخ وطائرات بوتين وسياسات لافروف البهلوانية؛ يريدون جيشاً يحمي الديار لا الاستبداد والجرائم؛ يريدون هوية يعتزون بها ووطناً حراً كريماً يتساوون فيه بالحقوق والواجبات تحت قانون هم فيه الأسياد لا الأقنان. عندها بكل ثقة وفخر يستعيدون ما احتُل من أرضهم من إسرائيل التي حمت من قمعهم مقابل التبطح على حقهم. وعندها فقط نستعيد الوطن.

=========================

عشر سنوات بحثاً عن خلاص السوريين

عمر كوش

العربي الجديد

الثلاثاء 16/3/2021

أسئلة كثيرة تتبادر إلى أذهان غالبية السوريين مع مرور عشر سنوات على الثورة السورية، التي انطلقت في منتصف مارس/ آذار 2011، تطاول المدى الذي يمكن أن تمتد إليه الأوضاع الكارثية في سورية، وممكنات الوصول إلى نهاياتٍ قريبةٍ للمآسي والمصائب التي ألمّت بالسوريين، بسبب النهج الدامي الذي اتبعه نظام الأسد في تعامله الوحشي مع الثورة وحاضنتها الاجتماعية منذ البداية، وأسهم في تحويل بلدهم إلى مسرحٍ لصراع إقليمي ودولي، تستعر فيه حروبٌ متعدّدة الأطراف الإقليمية والدولية، وأخرى بالوكالات على مناطق النفوذ والسيطرة، وسوى ذلك.

ولا يجد سؤال الخلاص من نظام الاستبداد الأسدي لدى السوريين الذين خرجوا في ثورتهم من أجله سوى غصّات ثقيلة تطبق على قلوبهم، في ظل بقاء نظام الأسد جاثماً على صدورهم، وغياب أي جهودٍ دوليةٍ من أجل إيجاد حلّ سياسي ينهي معاناتهم، واستمرار صراع تخوضُه خمس قوى دولية في بلادهم وعليها، سواء عبر تدخلها العسكري المباشر أم عبر وكلاء محليين وإقليميين، تنفيذاً لأجنداتها ومصالحها الخاصة والمختلفة.

جاء تدخل النظام الروسي العسكري المباشر إلى جانب نظام الأسد، ليُحدث تحوّلاً كبيراً في ميزان القوى لصالح النظام، ويعيد تثبيته

وتعيد ذكرى مرور عشر سنوات على انطلاقة الثورة السورية إلى الأذهان تلك المظاهرات والوقفات الاحتجاجية السلمية، التي انطلقت في بداياتها، بعد أن خطّ تلاميذ إحدى مدارس مدينة درعا على جدار مدرستهم عبارة "إجاك الدور يا دكتور"، وخروج سوريين كثر إلى الساحات والشوارع كاسرين حاجز الخوف الذي بناء النظام الأسدي في نسختيه، الأب والابن، ومتحدّين بأجسادهم العارية رصاص عناصر استخبارات النظام وسكاكين شبّيحته وسيوفهم. في ذلك الوقت، اكتشف السوري المقموع صوته وجسده، ولسان حالة يقول: "أنا إنسان.. ماني حيوان"، وراح يعبّر عن ذاته في تظاهراتٍ وتجمعاتٍ احتجاجية، غير مكترثٍ بالثمن الذي يدفعه، نتيجة خروجه من القوقعة التي حبسته فيها أجهزة النظام مدة تزيد عن أربعة عقود.

وارتبطت على مدى أشهر عديدة من بداية الثورة شخصية المحتج السوري ببطولة مفهومية في مشهدية حدث الثورة، جسّدته جموع المتظاهرين السلميين في شوارع وساحات مختلف المدن والبلدات والقرى السورية، جنوباً وشمالاً، وشرقاً وغرباً. لكن ذلك كله تحطم، بعد أن تخلى عنهم المجتمع الدولي، وخصوصاً قواه الحيّة عن السوريين، وتركتهم يواجهون كل أنواع القتل، مكتفية بالوقوف متفرّجة على مشهديات تحولهم إلى ضحايا قمع نظام الأسد العنيف والوحشي الذي استقدم مليشيات نظام الملالي الإيراني الطائفية متعدّدة الجنسيات للدفاع عنه. ثم جاء تدخل النظام الروسي العسكري المباشر إلى جانبه، ليُحدث تحوّلاً كبيراً في ميزان القوى لصالح النظام، ويعيد تثبيته.

القوى الدولية الفاعلة لم تكترث لمصاب السوريين خلال السنوات العشر الماضية، لا على المستوى الأخلاقي، ولا على المستويين، الإنساني والحقوقي

وعلى الرغم من انقضاء عشر سنوات على انطلاقة الثورة، لا يزال خلاص السوريين بعيداً، ذلك أن كل محاولات الحل السياسي باءت بالفشل، سواء في جنيف أو أستانة أو سوتشي وسواها، بسبب عدم جدّية المجتمع الدولي في إيجاد حل سياسي، وعراقيل نظام الأسد وحلفائه في النظامين الروسي والإيراني وألاعيبهم، إذ حتى اللجنة الدستورية، التي حظيت بموافقة المجتمع الدولي ودعمه، وكانت بمثابة تغطيةٍ لعجزه حيال تنفيذ القرارات الأممية المتعلقة بالقضية السورية، لم تثمر جولاتها الخمس سوى الفشل والخيبة. ومع ذلك، لم يجد المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسون، سوى الإعلان عن خيبة أمله من تعثر عمل اللجنة، لكنه لم يجرؤ على تحميل النظام مسؤولية إفشال أعمالها، وترك الباب مفتوحاً لمزيد من التوسّل والبهلوانيات الدبلوماسية، من دون أن يقدّم أي مقترح لتفعيل عملها سوى التعويل مجدّداً على زياراته إلى كل من موسكو ودمشق وطهران وسواها، ليبقى الباب موصداً حيال أي مسعىً إلى إيجاد حلّ سياسي في سورية، الأمر الذي يظهر، مرة أخرى، إفلاس هيئات الأمم المتحدة ومبعوثيها الخاصين إلى سورية، وعجزهم حتى عن مجرّد إلقاء اللوم على نظام الأسد أو تحميله مسؤولية إفشال مساعيها.

والمفارق في الأمر أن القوى الدولية الفاعلة لم تكترث لمصاب السوريين خلال السنوات العشر الماضية، لا على المستوى الأخلاقي، ولا على المستويين، الإنساني والحقوقي، إذ كل ما قيل وكُتب عن القيم والمبادئ العالمية، عن حقوق الإنسان والحرية والعدالة ونصرة الضحايا وسواها، كان من باب المبالغة في كونيتها، بينما أثبت التعامل مع الثورة السورية أن تلك القيم والمبادئ محدودة ونسبية، وتخضع لتوظيفات (وإرادات) القوى المهيمنة والمسيطرة، التي لم تتحرّك لمنع نظام الأسد من قتل المحتجين السلميين أو المدنيين العزّل، أو ردعه عن استخدم كل أنواع الأسلحة الفتاكة، وحتى المحرّمة دولياً، بما فيها السلاح الكيميائي الذي استخدمه النظام ضد المدنيين العزّل في غوطة دمشق الشرقية في أغسطس/ آب 2013، على الرغم من أن استخدامه كان يمثل خطّاً أحمر، وضعه الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، بنفسه، ثم ابتلعه في صفقة مشبوهة مع النظام الروسي في مقابل تسليم النظام محزونه من المواد الكيميائية، فيما لا يزال من ارتكب جريمة الهجوم الكيميائي حرّاً طليقاً. كما لم يعاقب أحد في النظام الدولي نظام الأسد على جرائمه العديدة الموثقة في تقارير المنظمات والبعثات الأممية، بل ولم ينزع أحدٌ في المجتمع الدولي شرعية تمثيله سورية والسوريين، حيث بقي نظام الأسد يمثل سورية في المحافل والمنظمات الأممية.

تزداد معاناة السوريين في الداخل السوري، سواء في مناطق سلطة النظام أم في مناطق سلطات الأمر الواقع

ويبدو أن سؤال خلاص السوريين سيبقى ماثلاً، ما دامت فصول المأساة السورية قائمة وعميقة، ولا تلوح في الأفق ممكناتُ نهايةٍ قريبةٍ لها، ولا يوجد ما يشير إلى سير الأمور نحو الأفضل، بل تزداد معاناة السوريين في الداخل السوري، سواء في مناطق سلطة النظام أم في مناطق سلطات الأمر الواقع، وكذلك الأمر في بلدان المهجر والشتات، حيث يعاني أكثر من نصف الشعب السوري من تبعات التهجير والنزوح، فيما تزداد أهوال معاناة الناس في مناطق سيطرة النظام التي تفاقمت إلى درجةٍ بات فيها السوريون يمضون كل يوم ساعات عديدة في طوابير طويلة، من أجل الحصول على المواد الأساسية لمعيشتهم، كالخبز والغاز والمازوت، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتدهور سعر صرف الليرة، فضلاً عن تفشّي البطالة وانتشار الجريمة وانعدام الأمن والأمان وسوى ذلك. وبالتالي، لا يزال خلاص السوريين يمرّ في مخاض مرير وطويل.

=========================

شعارات الثورة السورية... 10 سنوات من التحولات والتحديات

جلال بكور

العربي الجديد

الاربعاء 17/3/2021

بدأت الثورة السورية بشعارات أطلقها ناشطون كانت تعبّر عن مطالبهم وأحلامهم بنيل الحرية والكرامة، والوصول إلى مرحلة تُحترم فيها حقوقهم كمواطنين وتصونها حكومة تمثلهم. وتعرّضت تلك الشعارات مع تطوّر الأحداث في خضم الثورة لمواجهة من شعارات أخرى حملت طابعاً دينياً، كما كانت شعارات الثورة أيضاً في مواجهة لشعارات النظام وحزب البعث، فحين كان هناك من ينادي "الشعب السوري واحد"؛ كان في الضفة الأخرى من ينادي بالقومية أو المناطقية أو يمجّد بحكم الديكتاتور.

ولعل من أبرز الشعارات التي رفعتها الثورة السورية منذ أيامها الأولى "الموت ولا المذلة، حرية للأبد غصباً عنك يا أسد، الشعب يريد إسقاط النظام، واحد واحد واحد الشعب السوري واحد"... وغيرها الكثير من الشعارات التي تحوّلت إلى هتافات ومطالب تؤكّد أن الثورة السورية غايتها الوطن الواحد والكرامة والديمقراطية.

رحلة بدأت برفض المذلة

أول شعار بإجماع الكثير من السوريين كان "الشعب السوري ما بينذلّ"، وجاء مع إرهاصات الثورة الأولى، وخاصة مع شرارة الثورة في أسواق دمشق التي انتقلت إلى درعا بشعار "الموت ولا المذلة"، والذي جاء رداً على إهانة أهالي درعا من قبل مسؤول في أمن النظام يُدعى "عاطف نجيب"، بعد اعتقال أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام.

10 سنوات على الثورة السورية: شعب ضحية نظام

وتوالت بعد ذلك الشعارات في طول البلاد وعرضها، تنادي بمؤازرة درعا في وجه النظام، وتنادي بقية الشعب السوري بالقول الواضح "واحد واحد واحد ...الشعب السوري واحد"، وكان ذلك الشعار السلاح الأبرز أمام مزاعم النظام التي ذهبت لترويج أن ما يحدث هو "فتنة طائفية".

وصدرت شعارات كانت رسالة للنظام ورسالة لمناطق أخرى ثائرة، وبخاصة المناطق التي تعرّضت لبطش النظام من الأيام الأولى، ومنها شعارات "يا درعا... نحنا معاكِ للموت"، "يا حمص... نحنا معاكِ للموت".

ومن الشعارات التي جاءت رداً على النظام أيضاً "الله سورية حرية وبس"، والذي كان رداً واضحاً على شعار مؤيدي النظام "الله سورية بشار وبس"، ثم جاء "حرية للأبد" رداً على "الأسد أو نحرق البلد"، وانتهى الأمر بشعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، الذي بات المطلب الأوحد للسوريين الثائرين جميعاً.

وكان الوصول إلى شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" نتيجة طبيعية لتعنّت النظام في الاستجابة لمطالب الثوار، وإصراره على استخدام الحل الأمني القائم على الاعتقال والقتل والملاحقة، تلك المواجهة العنيفة للمظاهرات دفعت الثوار إلى تبني الشعار والإصرار عليه.

وكانت ثمة شعارات كثيرة تواجه النظام وآلته الإعلامية والترويجية، ومنها "ما في للأبد، ما في للأبد، عاشت سورية ويسقط الأسد"، والذي كان مواجهاً لشعارات حزب البعث التي تقول "قائدنا للأبد الرئيس حافظ الأسد". ومن شعارات الثورة الكثيرة في السياق ذاته "يلا ارحل يا بشار"، و"خاين يللي بيقتل شعبه".

كانت ثمّة شعارات تحمل طابعاً دينياً، ويبدو أنها كانت من أول التحديات التي تواجه الثورة في فكرها الذي تعبّر الشعارات عن جزء كبير منه، ومنها شعارات "قائدنا للأبد سيدنا محمد" الذي شكل معادلاً لشعار مؤيدي النظام "قائدنا للأبد الرئيس حافظ الأسد"، وشعار "لبيك.. لبيك.. لبيك يا الله"، ومع انتقال الثورة شيئاً فشيئاً إلى العسكرة، بدأت تظهر شعارات جديدة ورايات جديدة مع قدوم فصائل عسكرية تحمل أسماء دينية، مثل: الفاروق، جيش الإسلام، الجبهة الإسلامية، جيش الأمة، جيش الفتح، فيلق الرحمن، تجمّع فاستقم،... وغيرها الكثير من الفصائل التي كانت لها غايات مختلفة على اختلاف داعميها. إلى جانب شعارات رفعتها الفصائل والجماعات المتطرفة، كشعار "باقية تتمدد" والذي كان أبرز شعارات تنظيم داعش، بالإضافة لشعار "بالذبح جيناكم"، والذي روّج له تنظيم جبهة النصرة.

ولم يمنع هذا المد الديني الكبير بعض الفصائل من المحافظة على شعارات الثورة ورايتها التي اعتمدت علم سورية في فترة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، ودخلت هذه الفصائل أيضاً في قتال مع تنظيم داعش ومع جبهة النصرة، حيث برز في تلك المرحلة شعار "زائلة وتتبدد"، والذي كان رداً على شعار تنظيم داعش.

وعلى الرغم من المراحل المتعددة والتطورات الكبيرة التي عاشها مسار الثورة السورية؛ فإن الحراك المدني السلمي المتمثل بالمظاهرات ضد النظام ما زال مستمراً في المناطق الخارجة عن سيطرته، وما زال الناشطون فيه يرفعون راية الثورة ويهتفون بشعاراتها التي تطلب إسقاط النظام قبل كل شيء.

=========================

اجتماع الدوحة: عمودياً على طريق إيران

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 17/3/2021

صدر في ختام اجتماع الدوحة الثلاثي منذ أيام، بيان مشترك مهم في مضمونه المباشر، تصدّرت نقاطه مسألة «الحفاظ على سيادة سوريا، واستقلالها ووحدة أراضيها، وفق ميثاق الأمم المتحدة»، ثم المرور على نقطتين عمليتين لازمتين، تؤكّد أولاهما على عدم وجود حل عسكري للصراع، وتعرب ثانيتهما على موقف إيجابي من عمل اللجنة الدستورية، وضرورة التفاعل المستمر مع الأطراف السورية، من أجل استدامة عملها الفعّال، من خلال دعم جهود غير بيدرسون ممثل الأمين العام للأمم المتحدة.

ذلك مهم ويمكن العودة إليه بعد قليل، ولكن الأهم منه هو انعقاد ذلك الاجتماع وتوقيته وتركيبته. فانعقاده بالذات تغيير مهم على المحاور والتوجّهات. ويثير الانتباه بقوة تحوّل الروس من تركيز آمالهم على السعوديين والإماراتيين لتحقيق اختراق في عملية إعادة لصق فتات بشار الأسد وشظاياه، إلى الذهاب إلى الدوحة التي تؤكد – مثل تركيا – على أولوية التسليم بالانتقال السياسي. يلفت أيضاً هذا الاستبدال «القاسي» لإيران بقطر، بعد مسار ثلاثي آخر طويل، ابتدأ في آستانة، وكاد ينهي مسار جنيف أحياناً لمصلحته.

لا بدّ أيضاً من الإشارة إلى تواقت الاجتماع مع ذكرى مرور عشر سنوات على الثورة والحرب والأزمة في سوريا. وقد اهتمّت أطراف رئيسة في العالم بهذه المناسبة، وأصدرت بيانات وعقدت اجتماعات وجدّدت مطالب، في حين لم يكن ذلك على طاولة الدوحة، ولم يجر التطرّق إليه في البيان الختامي، ولا حتى من ناحية الشكليات والبلاغة في البلاغ. على الرغم من كلّ ذلك، للاجتماع أهمية ودلالات، لابدّ من ملاحقتها، ربّما لفترة طويلة. أوّل ذلك، كما أسلفنا، هو غياب إيران والانعطاف إلى قطر، من دون أن نغرق في ذلك عميقاً، قبل التثبّت من صموده في ما بعد. وفي ذلك تنعكس سمات عديدة، منها عروبة قطر، على سبيل المثال، وأهميتها في توجّهات مقبلة تعود فيها بعض جسور العلاقة بين تركيا والعرب. وكان من الطبيعي أكثر المرور على طريق دول الخليج الأخرى الأقرب إلى مصر من الناحية السياسية، كما فعل لافروف بالفعل. لكن الطريق القطري أكثر موثوقية كما يبدو، في سياسة تعتمد على تأسيس عوامل الضغط قبل عوامل المرونة والنوايا الحسنة، وذلك ليس غريباً في السياسة الدولية، والإقليمية خصوصاً. وهنا تلتقي المبادرة كذلك مع استعادة قطرية تقوى بالتدريج للاستراتيجية المستندة إلى قوة وإمكانية «الوساطة»، بدلاً من بعض ما ساد بها سابقاً من المظاهر الأكثر عنفاً، كما حدث في سوريا وليبيا. انعكست دبلوماسية الوساطة مؤخّراً بنجاح في القضية الأفغانية، ويمكن أن تكون لها قريباً مساحة للتحرّك باتّجاه إيران، مع كلّ خصومها، ومع احتدام سجالات الاتفاق النووي، حتى قول نتنياهو إنه «لن يسمح بامتلاك سلاح نووي، مع اتفاق أو بدونه».

الأكثر غرابة في توجهات أطراف الاجتماع، كان الموقف الروسي، الذي هجر- من حيث الشكل على الأقل- مثلثاً عاش طويلاً بوجود إيران والاعتراف بدورها في المسار السوري، على الرغم من كون الطرفين الروسي والتركي هما الفاعلان المباشران في المسار المذكور، كون أحدهما في العديد من الحسابات متعهداً للنظام، والآخر متعهّداً للمعارضة. وسوف تتمّ إضافة ذلك المعنى إلى مؤشّرات معروفة يتزاحم فيها النفوذ الروسي مع الإيراني على جسد النظام السوري، ويصل ذلك أحياناً إلى حدّ الصدام هنا وهناك على الأرض.

«تحتفل» سوريا بالذكرى العاشرة لثورتها، ولا يبدو على وجهها الفرح كما ينبغي، مع انسداد الآفاق أكثر وأكثر في الأعوام الأخيرة

تحتاج السياسة الروسية إلى مدخل قطري في المسألة الأفغانية، يُضاف إلى مدخل تركي على المسألة ذاتها من خلال المؤتمر المزمع عقده قريباً في إسطنبول. وقد طال بالفعل ابتعاد الروس عن أفغانستان، في حين أنّ لهم جذوراً قوية هناك، دفعوا من أجلها هزيمة وخسائر وضحايا كبرى في السابق، بذلك يمكن لروسيا أن تستملك ورقة جديدة – زائفة في جوهرها- تلعب مع الأمريكيين والغرب عموماً بوجودها وعلى هوامشها. لا يستطيع الإنكار الروسي لتلك المعاني لاجتماع الدوحة أن ينفيها عملياً، بل هو يؤكّدها بشكل غير مباشر، حين يتمّ ربطها بوجود استراتيجية جديدة في واشنطن، وسياسة محتملة لها أكثر نشاطاً. ذلك مهم جداً للروس، الذين يرغبون بربط الملفات المختلفة، التي تجمّعت في علاقتهم مع الولايات المتحدة وأوروبا، بعد أن حققوا ما أرادوه شرق المتوسّط، وبقيت إشكالات أخرى ينبغي عقد «البازار» عليها الآن، وأهمها إنهاء العقوبات الغربية.

تحتاج تركيا بدورها إلى تعزيز مكاسبها، واستعادة بعض أوراقها التي خسرتها في العاصفة، وتطوير إمكانية دعم الاقتصاد الوطني، وتجميع آثار التشدّد في سياساتها شرق المتوسط، خصوصاً بعد انخراطها في مسار التسوية الليبية وتصفية عوالقها هناك، مع جباية الأرباح والفوائد الممكنة، لذلك لا بدّ من إعادة بناء سياستها العربية، وتحسين علاقاتها مع مصر والسعودية والإمارات، كما ابتدأ يلوح بالفعل في الأفق.

ولكن ما يحتاجه الأتراك أكثر من أيّ شيء آخر، هو ما عبّر عنه بيان الدوحة في نقطته الأولى، من دعم لوحدة أراضي سوريا، ومواجهة التوجّهات الانفصالية، وبالتالي تحقيق دعم روسي وقطري للاستراتيجية التركية الأكثر مركزية وحساسية في وجه حزب العمال، وأخطار وجود قوة كردية مستقرة مدعومة على الحدود، تراها قابلةً للتحوّل إلى كيان يصعب اجتثاثه إذا قام وتأسس على الأرض. هنا يرغب الأتراك – ويدعمهم الطرفان الآخران بشكل غير مباشر على الأقل – في مواجهة السياسة الأمريكية الجديدة، استناداً إلى وضعية أكثر قوة، تضرب كلّ الاحتمالات الضارة التي يمكن أن تتفرّع عن الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية، انطلاقاً من دورها المطلوب في مواجهة «داعش»، التي ينبغي ألّا تنساها أي محاولة لرؤية سياسية جديدة. ولا يحقق مسار آستانة ووجود إيران ما يمكن لمسار الدوحة الواعد أن يحققه.

وهنالك مثلث آخر يجري تمويهه أحياناً، له علاقة ما بما جرى في الدوحة، هو الأمريكي- الروسي- الإسرائيلي. وتجتمع أطراف الدوحة كلها على قلب واحد، في ما يخصّ ذلك الاتجاه. فالروس يريدون التأكيد على ثبات مركزهم هناك، ليس من خلال دور في استعادة جثمان جاسوس، أو التزامات متحركة بالحفاظ على مسافة تواجد الإيرانيين وجماعاتهم على الحدود مع سوريا، بل في الضغط على إيران أكثر فأكثر من أجل التخلي عن سياساتها النووية والصاروخية، وطموحاتها الإقليمية التي نمت بشكل خطير حتى الآن.. تحتاج تركيا لاحقاً إلى تموضع أفضل مع إسرائيل في ما يخص شرق المتوسط وصفقاته المقبلة، وتحتاج روسيا إلى تكريس موقع لها أكثر استراتيجية في السياسة الإسرائيلية. وتحتاج قطر إلى الالتفاف على ما تشكّله اتفاقات إبراهام من خطر عليها، مباشر أو غير مباشر.

وملاحظة هامشيّة: ربّما شكّل انتهاء الحقبة الترامبية، وابتداء حقبة أخرى تبدو مختلفة أكثر من المعتاد، فرصةً لاسترداد الأنفاس للعديد من الأطراف، لتستعيد البراغماتية مركزها ودورها في استراتيجياتها، بعد أن كان الارتجال والعصبية أهمّ ردود الفعل أمام الخوف والقلق حتى الآن.. يظهر مثل هذا التحوّل في سياسات أطراف مثلث الدوحة الجديد بأشكالٍ مختلفة.

أما سوريا الحقيقية نفسها، فربما ينعكس عليها نشاط هذا المحور الجديد آمالاً بمقاربة عملية لمشكلتها، تكون الأكثر قوة منذ عام 2012 ومؤتمر جنيف وبيانه… سوريا التي فقدت مئات الآلاف من مواطنيها، وربما الملايين من الضحايا، وتشرّد نصفهم في الأرض، وابتعدت آمالهم في بناء وطن حرّ ديمقراطي يؤمن لهم الكرامة والمواطنة المتساوية. إنّها «تحتفل» بالذكرى العاشرة لثورتها، ولا يبدو على وجهها الفرح بذلك أبداً، كما ينبغي، مع انسداد الآفاق أكثر وأكثر في الأعوام الأخيرة. لأهل تلك البلاد، ربّما يكون احتمال تفتيت ما بقي من شرعية للطاغية بتطوير حملات المحاسبة والتجريم، وإجباره على الدخول في عملية تفاوض حقيقية من أجل الانتقال السياسي، وزيادة عزلة وضعف النظام الإيراني، بكلّ ما يشكّله من أخطار داهمة؛ مكسباً مؤكّداً قد يكون هنالك دور لاجتماع الدوحة فيه.. وقد لا يكون.

=========================

عقد من الثورة نحو سوريا الجديدة

نصر الحريري

سوريا تي في

الاربعاء 17/3/2021

الانتصار في جوهره أمل، والهزيمة في جوهرها يأس، ومع تمام عشر سنين من عمر هذه الثورة العظيمة التي كانت تتجلى حقيقتها للعالم كله يوماً إثر يوم بأنها ثورة أمل وأن حرب النظام وحلفائه ورعاته والصامتين عنه، على الرغم من ضراوة هذه الحرب ووحشيتها هي حرب يائسة، وقد أيقن أصدقاء هذا النظام قبل أعدائه أنه لا أمل له في النجاة.

الشعب السوري هو شعب الجبارين فعلاً، وقلما روى لنا التاريخ نموذجاً قريباً من السوريين بأنفتهم وكبريائهم وحبهم للحياة، والأهم عشقهم للحرية وتوقهم لامتلاك مصيرهم.

ومن الأمور العجيبة والمثيرة للإعجاب بالوقت نفسه أن يجتمع على هذا الشعب ما اجتمع عليه من أسباب الموت والإحباط والخذلان ثم تراه إلى اليوم يطلق أهازيج الحرية ويلحن أغاني الحياة في مديح الحرية، وعلى رغم ما اجتمع عليه من الأعداء والقتلة ابتداء بنظام بلده مروراً بإيران وعشرات الميليشيات الإرهابية والطائفية والانفصالية وليس انتهاء بروسيا؛ ما تزال إرادته بل عزيمته على الانتصار راسية كالجبال لا يثنيه عنها تقصير شقيق أو خذلان صديق.

نعم الثورة صنعت الشعب السوري من جديد وأشاعت روح الشجاعة والحرية في النفوس، ولها كل الفضل في خلق سوريا الجديدة

السوريون الذين عبروا عن وعيهم العميق بفساد هذا النظام وعمالته وإرهابه من خلال الثورة السورية العظيمة وملاحمها المتتابعة، واجههم النظام بجرائم تصغر دونها جرائم النازية كما عبر رئيس اللجنة المستقلة من أجل العدالة الدولية والمحاسبة السيد ستيفن راب، وكان أشد ما يحزّ في نفوس أبناء سوريا الثائرة هو وقوف بعض أبناء وطنهم مع النظام المجرم، اليوم هذا النظام المشؤوم والمطبوع على سفك الدماء؛ حتى هؤلاء القلة الذين ساندوه وكذلك من صمت خوفاً من بطشه وبقي في أماكن سيطرته "أشبه برهينة"، لم يسلموا من بطشه وحربه عليهم حتى بلقمة العيش، وقد ضجروا من فشله وفساده وانقلبوا عليه، وتجرأ كثير من الصامتين على رفع الصوت ضده، لدرجة مطالبته بالرحيل.

 نعم الثورة صنعت الشعب السوري من جديد وأشاعت روح الشجاعة والحرية في النفوس، ولها كل الفضل في خلق سوريا الجديدة التي تتبلور يوماً بعد يوم والتي سنعيشها قريباً وتكون لأطفالنا خير وطن.

أقدر تقديراً عالياً كل هؤلاء الذين يسخّرون حياتهم لصون ثورة الشعب السوري وتضحياته، ولإحقاق العدل تجاه الجريمة المستمرة بحق هذا الشعب وما قدمه من تضحيات خلال ثورته العظيمة رغم تطاول السنين. كما أقف إجلالاً أمام جهود جميع أبطالنا على مختلف جبهات الميدان والمجتمع والسياسية والصحة والخدمة، مؤكداً أن الحرية تستحق النضال من أجلها، وتستحق صونها.

خطابنا اليوم لا بد أن يكون بعيداً عن الشعارات وقريباً من الواقع، بعيداً عن الأحلام وقريباً من الأهداف، بعيداً عن التمنيات وقريباً من الإمكانات. خطاباً يتجنب المزاودة والإقصاء والتشكيك والتخوين، ويؤمن بحق الجميع في تقديم رؤاهم وتصوراتهم.

نريد اليوم أن نعطي الأولوية للخطوات المدروسة والمنظمة والقائمة على استبيانات واستطلاعات وتجارب وأوراق عمل حقيقية ودراسات علمية ومبادرات للتكتلات والأحزاب والتجمعات الوازنة والمؤثرة، مع الأخذ بعين الاعتبار أولوية الشباب والأجيال الجديدة وحقها بالتمثيل والحضور السياسي.

اليوم أدعو الشباب السوري والأجيال الجديدة إلى الانخراط في العمل الثوري والسياسي والمدني في كل مكان، في الداخل والخارج، في المهاجر والمنافي، صحيح أن أحلك الليل آخره، ولكنه آخره على كل حال، وقد شارفت جهودنا على أن تؤتي أكلها، واقتربت آمالنا من التحقق في أرض الواقع، علينا أن نصب الخبرات التي تراكمت لدينا خلال السنوات لتكون عوناً لنا في متابعة الطريق نحو النصر والحرية والسلام، نحو سورية المستقبل، نحو سوريا الجديدة.

=========================

دروس من ثورة الحرية والكرامة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 17/3/2021

لم تكن الثورة السورية وليدة فعل قوى سياسية واجتماعية منظمّة، بل ردّة فعل شعبية على غطرسة رجال السلطة واستهتارهم بكرامة المواطنين وحقوقهم؛ وغضب واحتقان عميقين زرعتهما سياساتٌ مديدةٌ من الإذلال والقهر الممنهج اتبعها النظام في تعامله مع المواطنين. وهذا جعلها من دون رأسٍ يقود ويوجه وخطةٍ ترشد وتصوّب، ما سمح لقوى سياسية منظمّة معارضة من خارج صفوف الثوار بالقفز إلى مقعد القيادة والتحدّث باسم الثورة والادّعاء بتمثيل الثوار الذين وجدوا أنفسهم تابعين لشخصيات وأطر منظمة، ليسوا على تواصل مسبق معها، وليسوا على احتكاكٍ مباشر بها، أو تعاون وتنسيق في الساحات والميادين؛ لكنهم استسلموا للموقف، بحكم الضرورة، وعلى أمل أن يملأ هؤلاء فراغ القيادة، ويعزّزوا الثورة بخبراتهم وقدراتهم، ما رتّب نشوء حالة هجينة: جماهير تحرّكها العفوية والارتجال وأطر سياسية منظمة تتحرك بمعزل عنها ومن دون محاولة التأثير فيها وتوجيهها وترشيد خطاها؛ ما أسّس لمعادلة تفاضلية بينهما، حيث فقد الحراك الشعبي استقلاليته وقراره، وفقدت الأطر، مع مرور الوقت، وزنها ومكانتها السياسية، في ضوء عدم التقدّم على طريق تحقيق أهداف الثورة سياسيا، وخسارة الحراك الثوري معاركه ومواقعه.

قاد عدم وجود قيادة ذاتية للثورة، وعدم تفاعل القيادة السياسية في الخارج مع الثوار، إلى تكرّس حراك ثوري محلي بقوى وخطط محلية؛ فغدت الثورة ثوراتٍ تلتقي على تطلعات عامة، لا تجمعها خطة واحدة أو قرار واحد، تتضامن بالبيانات والتصريحات الإعلامية، وتتسابق على الموارد وتتصارع على الدعم الخارجي، فتضعف بعضها وتقلّص هامش تحرّكها وفرص انتصارها. وهذا قاد إلى خسارته "الحراك الثوري" معارك متتالية، وفقدانه السيطرة على مساحاتٍ شاسعة، كان قد استولى عليها في مرحلة الصراع بينه وبين النظام، بعد تحوّل الصرع إلى صراعٍ على سورية بانخراط قوى عربية وإقليمية ودولية وازنة فيه، وحصول النظام على دعم كبير، سياسي وعسكري ومالي، من إيران وأذرعها المذهبية ومن روسيا، ما أفقد القيادة السياسية للثورة في الخارج أوراق قوتها ووزنها، وكشفها التأثيرات العربية والإقليمية والدولية، وحوّلها إلى تابع ضعيف للدول الداعمة، وحوّل أطرها إلى ساحة صراع لهذه الدول، تجسّد في تبادل المواقع القيادية وتدويرها، وفي الرضوخ للضغوط الخارجية والتلاعب الدولي.

لم تقف أخطاء القيادة السياسية عند عدم انخراطها في تفاعلٍ مباشر مع الثوار؛ وذلك ببقائها خارج ساحات الصراع وميادينه، حتى عندما كانت ساحاتٌ وميادين كثيرة تحت سيطرة الثوار وفصائل المعارضة المسلحة، بل زادت الطين بلة بانعزالها عن المواطنين، وحواضن الثورة الذين أجبروا على ترك قراهم وبلداتهم ومدنهم تحت ضغط القصف الوحشي، وبمختلف صنوف الأسلحة، الرشاشات الثقيلة والهاونات والراجمات والصواريخ والطائرات والبراميل المتفجرة والغازات السامة، والحصار والتجويع وقطع الماء والكهرباء والأدوية، في مواقع نزوحهم وهجرتهم؛ ليس لمواساتهم ومد يد العون لهم، وهذا أضعف الإيمان، بل ولتنظيمهم وتحويلهم إلى قوة فاعلة في معارك الثورة السياسية والإعلامية، للتأثير على مواقف الدول والمنظمات الأممية والرأي العام الدولي. ما انعكس سلبا على معنويات النازحين والمهجّرين، وتسبب بقطيعةٍ نفسيةٍ بينهم وبين القيادة السياسية، ترتب عليها انعدام الثقة وتوقع أي إيجابية يمكن أن تأتي عن طريقها. وهذا زاد في ضعف القيادة ومكانتها الوطنية ووزنها لدى القوى العربية والإقليمية والدولية.

وكانت نقطة ضعف القيادة السياسية الصارخة على هذا الصعيد، صعيد علاقتها بالثورة والثوار والحواضن الشعبية، احتفاظها برؤاها وتقديراتها السياسية والاجتماعية السابقة والتمسك بها، من دون اعتبار للبيئة السياسية والاجتماعية التي ترتبت على انطلاق الثورة والمشاركة الشعبية الواسعة غير المنظمة فيها، حيث بقي الشيوعي شيوعيا والقومي قوميا والإخواني إخوانيا. وحاول كل حزبٍ أو صاحب موقف من الشخصيات الوطنية توصيف الموقف، بما يؤكّد صحة منطلقه الفكري وموقفه السياسي، وكأن شيئا لم يحدُث في واقعنا المحلي والعربي والإقليمي والدولي، وكأن تغير المناخ السياسي والاجتماعي لا يستدعي تغييرا في الفكر والممارسة والتعاطي مع المتغيرات بأفكار ومواقف وخطط معدّلة أو جديدة، استجابة للواقع الجديد، فالتمسّك بأفكار ومواقف قديمة، قد تكون منطقيةً في ظروف أخرى، جزء هام من مسبّبات تعثرها وتخبطها وترهلها.

التمسّك بأفكار ومواقف قديمة، قد تكون منطقيةً في ظروف أخرى، جزء هام من مسبّبات تعثر الثورة وتخبطها وترهلها

أما على صعيد تحرّك القيادة السياسية لتمثيل الثورة السورية لدى المحافل العربية والإقليمية والدولية، فكان خطأها، يمكن القول فشلها، أكبر، وضرره على الثورة أخطر من أخطائها سالفة الذكر، فقد اعتمدت في تحرّكها على قراءات وتقديرات تقليدية مرتبطة بخلفياتها القديمة، أو تقديرات سطحية، تتوقع حماية دولية على خلفية الشائع من شعارات وإعلانات عن قيم حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني الذي يحمي الشعوب من حكامها وجلاديها؛ في تجاهلٍ تام للقواعد والأعراف السياسية التي تحكم سياسات الدول والأنظمة المرتبطة بتحقيق مصالح الدول، أولا وأخيرا، وأسبقية المنفعة على القيم، والارتكاز على مؤسّساتٍ تقدّر وتوجه، ما يجعل رأي المسؤول، الرئيس أو الوزير أو المدير، محكوما بالمصلحة والمؤسسة، على الضد من السائد في الدول العربية وسورية، حيث لا دور فعليا للمؤسسة، والذي برز في تقديرات القيادة السياسية بشأن سياسة الإدارة الأميركية الجديدة إزاء الملف السوري، من خلال معلوماتها عن الشخصيات التي عينها الرئيس الأميركي الجديد، جوزيف بايدن، في البيت الأبيض والوزارة، في تعارض تام مع القواعد السياسية الأميركية، حيث الرئيس هو صاحب القرار في السياستين، الداخلية والخارجية، وقراراته تستند إلى تقديراتٍ مدروسةٍ بعناية، فحسابات الدول العظمى والكبيرة كونية، وتدخل فيها عمليات مساومات ومقايضات وربط ملفات ولجوء إلى المناورة بالتأجيل والتسويف والتمنع، والمراوحة في المكان لاستنزاف الطرف الآخر، وإرهاقه ودفعه نحو التسليم بالحلول والصيغ المطلوبة، ما يعني أنها متحرّكة متغيرة وفق المصالح والمنافع والظروف والتطورات. ودور مؤسسات البيت الأبيض والحكومة وشخوصها تقديم معطياتٍ وتقديرات موقف واقتراحات للرئيس، كي يأخذ قراره بعد الاطلاع على هذه المعطيات والتقديرات، وربطها بممكنات تحقيق الأهداف والمصالح الأميركية، ما يجعل دور موظفي الإدارة وقناعاتهم الشخصية ثانويا وغير مؤثر، ما لم ينجحوا في إقناع الرئيس بها.

يستدعي إكمال المشوار، وقد دخلت الثورة عامها الحادي عشر، إجراء مراجعة دقيقة وموضوعية للثورة، وأطرها السياسية والعسكرية

وهذا يجعل مهمة القيادة السياسية للثورة وأطرها دقيقةً ومعقدة، بدءا من الفهم قبل الحكم، والفهم يستدعي أن تتقمّص دور صاحب الموقف أو القرار، وتفكر فيه من زاويته هو أولا، ومصالح بلاده، ثم تنظر في انعكاسه على الثورة، ومدى تأثيره على أهدافها ومصالحها، وتحكم عليه قبولا أو رفضا أو تحفظا، بما ينسجم مع أهداف الثورة وتطلعات السوريين، والسعي إلى إقناع الدول بأهمية هذه الأهداف والتطلعات وانعكاسها الايجابي على مصالحهم وبناء تقاطع مصالح مع كل منها يخدم الطرفين لدفعها إلى الانخراط في حلٍّ يلبي تطلعات المواطنين السوريين، ويحقق مطالبهم في الحرية والكرامة، عبر إقامة نظام يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، في ظل الدستور وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية. وهذا يستدعي عملا مؤسّسيا منسقا تقوم به أطر متفاهمة ومتعاونة، وهو ما لم تنجح القيادة السياسية في توفيره، حيث سادت الفردية والعصبوية والاختلافات والتندّر، فغلب على مواقفها وتقديراتها النمطية أو الغريزية التي كثيرا ما اتسمت بالقطعية والحدة، ما ضيّع عليها فرص التأثير على مواقف قوى سورية وعربية وإقليمية ودولية.

يستدعي إكمال المشوار، وقد دخلت ثورتنا المجيدة عامها الحادي عشر، إجراء مراجعة دقيقة وموضوعية للثورة، وأطرها السياسية والعسكرية، تقوم بها المؤسسات بمشاركة القوى السياسية والاجتماعية والمثقفين السياسيين، بعقد ندوات مفتوحة واجتماعات نخبوية، والاستعانة بخبرات عربية وصديقة، لإيجاد مخرج من حالة الركاكة والمراوحة في المكان، وفتح طريق للتقدم إلى الأمام في العملية السياسية، تطبيقا لقرار مجلس الأمن 2254 ومرتكزه بيان جنيف 1 الصادر في العام 2012.

=========================

انتصار الأسد!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 18/3/2021

حملت نهاية العام العاشر لثورة السوريين على نظام بشار الأسد، مزيداً من الإعلانات عن انتصار بشار الأسد في الحرب على السوريين وثورتهم، ولم تكن الإعلانات مقتصرة على نظام الأسد وبعض حلفائه من دول ومؤسسات، بل إن أطرافاً أخرى، وفيها أطراف مصنفة في قائمة «أصدقاء الشعب السوري»، انضمت إلى جوقة أصحاب الإعلانات، واعتبرت أن الأسد انتصر في حرب السنوات العشر.

فكرة انتصار الأسد في معناها، ليست واحدة عند القائلين بها ومروجيها. الأكثرية منهم ترى أن بقاء بشار في منصبه واستمرار وجود نظامه، هو النصر بعينه، وبعض هؤلاء يزيدون في تأكيد النصر، بالإشارة إلى أن نظام الأسد يستعد لإجراء انتخابات رئاسية قبل منتصف عام 2021، ستؤدي إلى فوز بشار بصورة مؤكدة، وتوليه فترة رئاسية جديدة مدتها سبع سنوات، وبعض القائلين بانتصار بشار، يرون أن النصر إنما يعني استعادة سيطرة الأسد على القسم الرئيسي من الأراضي السورية، التي خرج أكثرها عن سيطرته في السنوات الأولى من الثورة، ولا يرى هؤلاء في المناطق التي يسيطر عليها الأتراك ومجموعات متحالفة معهم بمن فيهم «هيئة تحرير الشام» في شمال غربي سوريا، و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تسيطر على شرق الفرات بدعم من الولايات المتحدة، إلا حالتين مؤقتين، سوف تتم استعادتهما في وقت قريب.

وبخلاف كل من سبق من القائلين بـ«انتصار الأسد»، فإن حلفاء الأسد الأساسيين، وخاصة روسيا وإيران، يرون انتصار الأسد من خلال وجودهما في سوريا؛ لأنهما موجودان برغبة منه، وإذا كان الأمر عند الإيرانيين في إطار المسلّمات والبديهيات، فإنه عند الروس مؤكد وحتمي وسيكون لاحقاً، وهذا ما كرره وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مرات. وثمة نوع آخر من القائلين بـ«انتصار الأسد»، لا تستند رؤيتهم في ذلك إلا إلى تقديرات وأوهام ورغبات في «انتصار الأسد»؛ الأمر الذي يمكن أن يعطيهم دوراً ومكانة سياسية في سياسات شرق المتوسط وفي مستقبل سوريا، وبعضهم يتصور أن ذلك سيعطيهم فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية من خلال مشاركتهم في إعادة إعمار سوريا بعد الحرب.

غير أن مقولة «انتصار الأسد» على تعدد وتنوع خلفيات رؤى ومواقف القائلين بها، لا تجد ما يسندها في الوقائع السورية. فأي «انتصار» هذا بعد كل ما فعله الأسد ونظامه بالدولة والمجتمع في سوريا من تدمير وقتل وتهجير طوال عشر سنوات مضت، كان الأهم في نتائجها ابتلاع السلطة للدولة، ومع الفشل الذريع الذي أصاب الأولى، فقد تحولت الثانية إلى دولة فاشلة، وصارت مؤسساتها وأجهزتها مجرد أدوات لعصابات إجرامية مغرضة، تسيطر بالقوة والإرهاب ليس أكثر، وحيث عجزت عن تأمين سيطرتها، فإنها استدعت دولاً وميليشيات وعصابات مسلحة أغلبها موصوف بـ«الإرهاب» من جانب المجتمع الدولي من أجل إحكام سيطرتها وتكريسها، حيث حوّلت المجتمع إلى كيان مدمر من الناحيتين البشرية والمؤسساتية، ومن الناحية البشرية صار نصف السوريين لاجئين في عشرات من دول العالم، كما صار ربعهم قتلى ومعتقلين ومختفين وجرحى معاقين، وتحول ما تبقى من السوريين إلى أدنى درجات الفقر، وتدهور مستوى حياتهم الإنسانية إلى حدود غير مسبوقة، وخاصة في مناطق سيطرة النظام.

وبدا من الطبيعي، أن ينعكس تدمير البنية البشرية للمجتمع السوري على واقع مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فتم تدمير أغلبها، وتهميش وإلحاق ما لم يدمر. وعلى سبيل المثال، فإن جميع المؤسسات السياسية والمنظمات الاجتماعية، إما جرى فرط عقدها بحجة مكافحة «الإرهاب» أو أصبحت ملحقة بفروع المخابرات وخاضعة للسيطرة الأمنية، أو تم إضعافها بحيث لا تستطيع أن تفعل شيئاً، وهكذا لم يعد للنظام وليس لرئيسه فقط أي قدرة على الفعل والتأثير خارج الخط الأمني، بل إنه في هذا ليس أكثر من واجهة، تختفي وتتصرف من ورائها قوى الأمر الواقع، وخاصة تلك المحسوبة في عداد حلفاء نظام الأسد روسيا وإيران وميليشياتها، وكلها غير معنية بأي مسؤولية أو عمل حيال السوريين أو أي تقدمات لهم، ما عدا تكريس وجودها وسيطرتها من أجل مصالحها الحصرية.

ولأن الأسد ونظامه وصلا إلى هذه الحدود، فلم يعد بإمكانهما القيام بأي دور في معالجة الأوضاع القائمة ومواجهة تداعياتها، أو السعي للخروج منها سواء على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الخارجي، وبالتالي فالأمور جميعها إلى تفاقم على كل المستويات، ولعل الأبرز على الصعيد الداخلي، تزايد التفسخ في البنية الاجتماعية الداعمة للنظام، وكان بين تجليات التفسخ في المستوى الأعلى صراع داخل الحوزة الصلبة للنظام بين آل الأسد وآل مخلوف، وانتهى بتدمير رامي مخلوف والاستيلاء على مؤسساته واستثماراته لصالح بشار الأسد وزوجته، ومن تجليات التفسخ على صعيد مؤيدي النظام وبطانته وداخل أجهزته حالات الموت الغامض لضباط وشخصيات محسوبة على نظام الأسد، وما يحصل في الجهاز الإعلامي – الدعائي للنظام الذي شهد اعتقال واختفاء عشرات المؤيدين العاملين فيه في الآونة الأخيرة.

ومما لا شك فيه، أن تدهور سياسات النظام وأوضاعه على الصعيد الداخلي، تتماثل مع خط موازٍ للسياسات على الصعيد الخارجي، وهو ما يظهر في تعامله مع خصومه الذين صنفهم في مقدمة الفاعلين في المؤامرة الدولية على الأسد ونظامه؛ إذ يتابع مهاجمتهم من جهة، وتمرير رسائل التودد لقبوله كما هو، وكأنه لا يدرك حجم ما ارتكبه من جرائم، تتجاوز في نتائجها وتداعياتها الواقع السوري إلى المحيطين الإقليمي والدولي، ومن الصعب أن يتوافق الاثنان في مسامحة النظام على جرائمه وارتكاباته... ويتابع الأسد سياساته وجرائمه بدلاً من أن يذهب إلى ملاقاة المساعي الدولية نحو حل سياسي على أساس القرار الدولي 2254 مقابل استعداد الفاعلين للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، وتشجيع الدول الأخرى على ذلك، ويمتد هذا السلوك بصورة ما إلى علاقاته مع حلفائه الذين كان لهم الفضل الرئيسي في بقائه واستمرار نظامه، أعني الروس والإيرانيين، ليس فقط في سياسة التلاعب والتذاكي والكذب معهما، أو تشجيع التنافس بينهما، والاستيلاء على بعض مساعدات يقدمها الطرفان، يستولي عليها رأس النظام أو بعض بطانته، وقد تسربت في العام الماضي من المصادر الروسية، وأقل من المصادر الإيرانية عن خلافات الاثنين مع نظام الأسد بسبب تلك الحالات.

وسط تلك المحصلة من تردي نظام الأسد وتدهور سياسات رئيسه، تتوالى إعلانات «انتصار الأسد». وإذا كان ذلك من السهل قوله من جانب النظام ورئيسه الذين أعلنوا انتصارهم منذ الأيام الأولى للثورة، ورددوا مئات المرات كلمة «خلصت» تعبيراً عن انتصارهم، فإن من الغريب صدور تلك الإعلانات عن آخرين في وقت يعرفون ويعرف العالم كله وقائع ومعطيات وحقائق، تؤكد استحالة انتصار الأسد في الصراع السوري.

=========================

لو غاب الأسد

غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 18/3/2021

يطرح خبر إصابة رأس النظام السوري، بشار الأسد، بكورونا، على معارضيه ومؤيديه، في الآن نفسه، السؤال عن تأثيرات رحيله عن المشهد السوري على مسار الأزمة، وإمكانية حصول تغييرات معينة في هذا المسار، وكيف سيكون شكل المخرج من هذا الوضع.

الأكيد أنّ الأسد أحد أكثر الفاعلين أهمية في هذه الأزمة، وبعيداً عن التأثيرات الإيرانية والروسية، فهو حجر الأساس في النظام السوري القائم، بل هو صانعه إلى حد بعيد، فعلى الرغم من وراثته هذا النظام الذي يعود الفضل في هندسته إلى والده حافظ الأسد، إلاّ أنّه أجرى تغييرات كثيرة في النظام الحالي، وفي بناه الإدارية والأمنية والعسكرية، وفي سلوكه الاقتصادي وعلاقاته الاجتماعية، بعضها كان شكلياً، الغرض منه إمساك الوريث بالحكم، وقد تجلت بتغيير وجوه أمنية وعسكرية، والمحافظة على الهياكل، وبعضها الآخر كان عميقاً، مثل علاقاته بالطبقات والفئات والنخب الاجتماعية، والتي وصلت إلى ذروتها في الحرب، عبر هندسة اجتماعية جديدة، وصولاً إلى المجتمع المتجانس الذي يعتبره الأسد شبكة الأمان لنظامه.

ولكنّ جملة هذه التغييرات التي أوجدها الأسد أفرزت واقعاً متناقضاً، فالأسد، باعتباره رأساً للنظام، بدا قوياً إلى درجة يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، إيجاد رأس آخر غيره يستطيع إدارة الأمور في سورية، وقد ظهرت هذه المعادلة في مرحلة الحرب بشكل جلي، إذ أعاد الأسد تصميم النظام قطاعياً وبشكل مؤقت، ووزّع قوّة النظام، بشكل متساو، على مساحة واسعة من المهمات، وبأوزان منخفضة لا تصل إلى حد القدرة على الإدارة العامة للبلاد. وهكذا ظهرت شخصيات مؤثرة في مرحلة الحرب، أمثال سهيل الحسن وغياث دلة وحتى علي مملوك، لكنّ تأثيرها ظلّ ضمن حدودٍ معينة، كما أنّها لا تملك توافقاً عليها داخل النظام، ولا حتى ضمن البيئة المؤيدة للأسد.

الأسد، باعتباره رأساً للنظام، بدا قوياً إلى درجة يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، إيجاد رأس آخر غيره يستطيع إدارة الأمور في سورية

في الوقت نفسه، وبمقدار ما كان الأسد قوياً، كان النظام ضعيفاً، نتيجة هندسة الأسد، إذ لا يمكن مقارنة النظام في سورية بالأنظمة الديكتاتورية العسكرية الشبيهة له في العالم، والقادرة على تجديد نفسها في حال غياب الرأس، وهو نظامٌ ضعيفٌ إلى حد التهلهل لعدم قدرته على مواجهة الأزمات التي مرّت عليه في السنوات الأخيرة، نتيجة اشتغال أجزائه بشكل منفصل، وهذا ما يفسّر، إلى حد بعيد، تقاسم روسيا وإيران تلك الأجزاء وتشغيلها لترسيخ هيمنة البلدين في سورية.

وعلى مدار الأعوام السابقة، استهلكت قضية رحيل بشار الأسد أو بقائه في السلطة الجزء الأكبر من جهود المعارضة والمؤيدين، كما انصبّت فاعلية اللاعبين الخارجيين حول هذا الهدف، سواء ضد أو مع. وعلى الرغم من أنّ الأزمة السورية أفرزت أزمات كثيرة، بقي مصير الأسد محور اهتمام جميع الأطراف، والمحرّك الأساسي لنشاط اللاعبين وتشكيل توجهاتهم نحو الأزمة، ما يعني أن غياب الأسد عن المشهد السياسي في سورية سيكون متغيّراً ذا أهمية كبيرة لجميع اللاعبين.

بعد رحيل الأسد سنكون إزاء معارضةٍ مختلفةٍ، وسينصبّ اهتمامها حول قضايا من نوع إعادة إعمار البلد وترميم النسيج الوطني والحفاظ على الوحدة الجغرافية لسورية

بالنسبة للمعارضة، سيؤدي رحيل الأسد إلى تغيير التركيبة الحالية كلياً، إذ ستذهب أجزاء من المعارضة إلى تغيير شروط الحل، وستعتبر أن رحيل الأسد فرصةٌ يجب اغتنامها، وستطالب بتعديل الموقف من النظام، وستجد تشجيعاً إقليمياً ودولياً في هذا المنحى، ما يعني أنّنا سنكون إزاء معارضةٍ مختلفةٍ، وسينصبّ اهتمامها حول قضايا من نوع إعادة إعمار البلد وترميم النسيج الوطني والحفاظ على الوحدة الجغرافية لسورية.

وبالنسبة للأطراف الخارجية، الداعمة لبشار الأسد، وتحديداً روسيا وإيران، ستجدان نفسيهما في مأزق إيجاد بديلٍ مناسب، يستطيع تحقيق القبول من الأجزاء غير المتماسكة في النظام، وإقناع البيئة المؤيدة بقدرته على الحكم والإدارة في سورية. وهي مهمة صعبة ومستحيلة، إذا تم إجراؤها خارج تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يحدّد شكّل الحكم وطريقة انتقال السلطة وكيفية بناء نظام سياسي جديد يتوافق مع المتغيرات، في حين أنّ روسيا وإيران لا ترغبان بهذا الحل، وتحاولان سحبه إلى حلولٍ من صناعتهما، مثل سوتشي وأستانة. ثم ما مدى إمكانية التوافق بينهما على بديل للأسد، ذلك أيضاً أمرٌ مشكوكٌ به، فطريقة تقاسمهما مؤسسات النظام الأمنية والعسكرية لا توحي باحتمالية حصول توافق حول رأس جديد للنظام في حال غياب الأسد.

استهلكت قضية رحيل الأسد أو بقائه الجزء الأكبر من جهود المعارضة والمؤيدين

ولعلّ الموقف الأكثر أهمية يتمثل بمواقف الأطراف الإقليمية والدولية من الأزمة السورية في حال رحيل الأسد، خصوصاً الولايات المتحدة والغرب ودول الخليج، وهي أطرافٌ كان، وما زال لبعضها، تأثيرات معينة في مسارات الأزمة، كما أنّها الأطراف التي يتم الرهان عليها لإخراج سورية من الأزمة، عبر مساهماتها المالية في إعمار سورية وإنعاش اقتصادها المحطّم الذي فاقت خسائره، حسب أحدث التقديرات، التريليون دولار، الأرجح أن هذه الأطراف، وخصوصا الغرب منها، لم يعد متحمساً للحلّ السوري، إلاّ بمقدار ما يجنّبها تداعيات الأزمة، سيما على صعيد الهجرة واللجوء. وبالتالي من غير المتوقع انخراطها بشكل جدي في الحل، في ظل الأزمات المالية التي تمر بها هذه الأطراف، نتيجة وباء كورونا وتعطّل الاقتصاد العالمي. وينطبق الأمر نفسه على دول الخليج التي لن تستطيع تحمّل فاتورة الإعمار وحدها. وسواء دول الغرب أو الخليج، لن تقدم على ما تعتقده هذه الأطراف إلقاء طوق نجاة لروسيا وإيران من المستنقع السوري.

وربما لهذه الأسباب، يشكل بقاء بشار الأسد مصلحةً لأطراف كثيرة في اللعبة السورية، بعيداً عن تصريحات مسؤوليها وبيانات وزارات خارجيتها، ذلك أنّ بقاءه أقلّ تكلفة من رحيله، ما دام الشعب السوري هو من يدفع أثمان بقاء الأسد حاكماً على خراب سورية، ومشرفاً على ضياع أعمار أبنائها.

=========================

اصطفافات جديدة في الصراع على سوريا

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 18/3/2021

ترافق مرور عشر سنوات على بداية الثورة السورية مع حراك سياسي ودبلوماسي متعدد بشأن الصراع في سوريا وعليها، لعل أبرزها اجتماع الدوحة الثلاثي الذي جمع وزراء خارجية كل من قطر وتركيا وروسيا، وأعلن عن تشكيل «آلية ثلاثية» ستكون لها اجتماعات لاحقة، في مواعيد قريبة، في كل من أنقرة وموسكو، موضوعها «البحث عن حل سياسي في سوريا». وهو ما يوحي، ضمناً، بأن الآلية الجديدة مصممة لتكون بديلاً عن آلية آستانا ـ سوتشي، وإن كان الروس قد أنكروا ذلك.

ما الذي يعنيه هذا التشكيل الدبلوماسي الجديد؟

يعني قبل كل شيء اعترافاً، ضمنياً، بوصول «الآلية» السابقة إلى طريق مسدود، وهي الحقيقة التي باتت معروفة قبل زمن. ويعني تشكيل الثالوث الجديد، ثانياً، إخراج إيران وإدخال قطر بدلاً منها في المساعي السياسية بشأن سوريا، الأمر الذي يمكن فهمه على أنه ملاقاة للاستراتيجية الأمريكية بشأن عزل إيران، مقابل استدراج الإدارة الأمريكية الجديدة للمساهمة بصورة إيجابية في البحث عن حل للمشكلة السورية، في وقت لم يتضح بعد ما الذي قد تريده واشنطن في سوريا باستثناء مواصلة العقوبات المفروضة على النظام الكيماوي، ومواصلة دعم «قوات سوريا الديمقراطية» في الشمال الشرقي.

كذلك تعني عودة قطر للانخراط في الملف السوري نوعاً من التفاهم على ذلك مع السعودية، بعد إنجاز المصالحة الخليجية، وقد تجلت هذه العودة بأوضح صورها في عودة رئيس الوزراء السابق المنشق رياض حجاب إلى صدارة المشهد المعارض، بعد سنوات من تهميشه من قبل المحور السعودي ـ الإماراتي. في المقابلة التي أجرتها قناة الجزيرة الإخبارية مع حجاب، لاحظنا حرصاً على إظهار التفارق مع الإسلام السياسي «الذي حرف الثورة السورية عن أهدافها» كما قال المحاور محمد كريشان، في حين دعا حجاب إلى «إعادة هيكلة المعارضة بصورة شاملة».

 

هل تتحول دعوة رياض حجاب إلى إعادة هيكلة المعارضة إلى موضوع جديد للتجاذبات المؤذية داخل مؤسسات المعارضة تشغل الرأي العام بدلاً من إنجاز أي شيء ذي قيمة؟

 

بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى، يمكن القول إن انهاء الخلاف الخليجي قد انعكس إيجاباً على القضية السورية، على الأقل من حيث انهاء الوضع المشلول لمؤسسات المعارضة الرسمية بسبب التجاذبات الإقليمية في داخلها. كذلك يمكن اعتبار استبدال «آلية الدوحة» بآلية آستانة، تطوراً إيجابياً بسبب استبعاد إيران منها. يبقى أن انعكاس هذه الإيجابيات النسبية على القضية السورية ستظل مرهونة بعوامل أخرى لعل أهمها الموقف الغربي. كذلك ينبغي توخي الحذر من التفاؤل لأن روسيا بوتين تبقى هي الشريك الأقوى في الآلية الجديدة، كما كانت في القديمة، ودورها حاسم في رسم ملامح الفترة القادمة، لكونها مسيطرة عسكرياً على الوضع في سوريا، إضافة إلى امتلاكها سلاح حق النقض في مجلس الأمن.

ولم تبدر من روسيا أي إشارة إلى التخلي عن حماية النظام الأسدي، بل على العكس من ذلك، رأينا وزير خارجيتها سيرغي لافروف يستبق اجتماع الدوحة الثلاثي بزيارتين لكل من السعودية والإمارات، تقول التقارير الإعلامية إن موضوع مباحثاته مع قادة البلدين ركزت على إخراج النظام الكيماوي من عزلته ومده بالمساعدات ليتمكن من الخروج من أزمته الخانقة. هذا ما يجعلنا، كسوريين، أقل تفاؤلاً بشأن الفترة المقبلة وما يمكن للآلية الثلاثية أن تنجزه في ظل التعنت الروسي في التمسك بالنظام وفي الدفاع عن حقه في إجراء الانتخابات الرئاسية بعد أشهر قليلة.

من جهة أخرى جاءت التصريحات الأوروبية والأمريكية بشأن رفض منح الشرعية للانتخابات المذكورة، استمراراً لمواقف تلك الدول الداعمة لـ«العملية السياسية» في إطار «اللجنة الدستورية» المعطلة، وقد كانت في الأصل هروباً من استحقاقات الانتقال السياسي وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

ويتضح من المقالة التي نشرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في شبكة بلومبرغ، ووجه فيها نداءً إلى الدول الغربية لدعم الموقف التركي في سوريا بصورة فعالة بدلاً من «مراقبة الصراع من المدرجات» على حد تعبيره… يتضح أن تركيا نفسها لا تعول كثيراً على الآلية الثلاثية الجديدة ما لم تدعم بجهود الدول الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة التي خاطب أردوغان رئيسها جو بايدن مطالباً إياه بالوفاء لوعوده في الحملة الانتخابية بشأن سوريا. فالآلية الثلاثية ملغومة سلفاً بسيرغي لافروف الذي لا يفوت فرصة إلا ويكرر فيها أن بشار الأسد هو رئيس شرعي منتخب لسوريا المنكوبة به.

ثمة دعوات في الكونغرس الأمريكي لتشديد العقوبات على النظام الكيماوي وحلفائه، ومحاسبته على استخدامه المتكرر للسلاح الكيماوي، قبل صفقة أوباما بشأنه وبعدها، وثمة تشدد أوروبي تجاه النظام ما زال في إطار البيانات والتصريحات. من المحتمل أن روسيا تستأنف مساعيها المتجددة لفتح قناة دبلوماسية مع الإدارة الأمريكية، على أمل منها لإيجاد توافقات بشأن سوريا وموضوعات الخلاف الأخرى، ويمكن اعتبار استبعاد إيران من الآلية الثلاثية بشأن سوريا نوعاً من «رشوة» للولايات المتحدة بهذا الخصوص.

هل تتحول دعوة رياض حجاب إلى إعادة هيكلة المعارضة إلى موضوع جديد للتجاذبات المؤذية داخل مؤسسات المعارضة تشغل الرأي العام بدلاً من إنجاز أي شيء ذي قيمة؟

كاتب سوري

=========================

وجهة نظر : في الذكرى العاشرة للثورة السورية: تواري الدور العربي ولقاء الدوحة الثلاثي... " قيس ابن عمي عندنا ... يا مرحبا .. يا مرحبا "

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 3/ 2021

ونستطيع أن نؤرخ لتواري الدور العربي على الساحة السورية منذ 30/ 9/ 2015 . أي منذ الاحتلال الروسي لسورية. وتأكد هذا التواري بعد ذلك بسقوط حلب نهاية 2016 ، ثم بما كان في الأستانات المتتالية، وما سمي مناطق خفض التصعيد.

لقد شعرت دول الإقليم العربي على اختلاف توجهاتها، أن مواجهة الاحتلال الروسي لسورية، أمر لا قِبَل لها به، ولاسيما في ظل حكم ترامب المتقلب الرعيب فآثرت ، بشكل أو بآخر ، الانكفاء ، أو الابتعاد .

ولقد كان الشعب السوري الطرف الذي دفع الثمن الأبهظ ، لما سمي بالأزمة الخليجية، بغض النظر عن كل تفصيل آخر فيها.

وقد أدركت الحكومة التركية دورها كدولة إقليمية كبرى، فقررت أن تدير الصراع على طريقتها، في ظل التغيرات الدولية الكبرى ، ولاسيما فيما يخصها من اكتشاف المؤامرة الأمريكية على أمنها القومي، برعاية الانقلاب العسكري، ثم بالتحالف بين الأمريكيين وبين بعض الإرهابيين من حزب البي كة كة بهوياته الثلاث التركية والعراقية والسورية، والذين انصبوا من الأقطار الثلاثة على الأرض السورية ليكونوا أداة أمريكية، تحرك بها أمريكا الصراع ، تهدد مخالفيها ، وتحمي مصالحها. ثم من خلال انقلاب حلف الناتو على الدولة التركية ، الانقلاب الذي اتضحت أبعاده من موقف الناتو بعد تورط الجيش التركي بإسقاط طائرة روسية.

التفت الحكومة التركية على نفسها، وبلع رئيسها ريقه، وتم تغيير رئيس الحكومة أحمد داود أوغلو ، وبالتالي تم اقتراح أرضية جديدة، للتعامل مع الروس، قامت الحكومة التركية من خلالها بإدارة الصراع على الساحة السورية، ولاسيما في المنطقة الشمالية منها، على قاعدة أن السياسة فن الممكن ..

خلال السنوات الخمس الأخيرة من عمر الثورة ، ومن خلال جملة من المتغيرات وأهمها فتح إيران معركة ضد العربية السعودية على أرض اليمن، ومنها الانشغال بالأزمة الخليجية، التي شتت محور الجهد العربي، وكذا من خلال فتح معارك غير مقنعة على الساحة الإقليمية، بعيدا عن محوري الصراع الأساسين المحور الإيراني الصفوي بأبعاده الطائفية والسياسية ، والمحور الصهيوني الكارثي؛ وكلاهما مهددان للأمن القومي العربي، في حاضر الأمة ومستقبل أجيالها . ومن هذه المعارك التي لا معنى ولا حقيقة لها كان المعركة التي فتحت على بعض القوى والشخصيات الإسلامية المجتمعية ، التي كان المطلوب أن تكون نقطة الارتكاز الأساسية في معارك الأمة الحقيقية. ويبدو أن المستشارين الذين أشاروا بافتعال هذه المعارك كانوا يريدون الشر بمن يشيرون عليه، وأقله أن يزجوا به في الحروب التي يدعمونها عن بعد، بغير سلاح ..

لا يقبل من سياسي حقيقي أن لا يستشرف مبكرا أن الحوثي في اليمن ذراع أمريكي - إيراني - صهيوني ، ولا يقبل منه أن يتجاهل حقيقة القطران التي تقمع هذه العلة فترديها. وقديما قال العربي

أخاك أخاك إن من لا أخا له ..كساع إلى الهيجا بغير سلاح

ومرة أخرى يدفع الشعب السوري الثمن الأبهظ لتواري الدور العربي عن الساحة، وانشغاله، أو تشاغله ..!!

ما نكتبه هنا ليس تشكيكا في الدور التركي، وليس تقليلا من كفاءته، وليس انتقاصا لما قدم أو يحاول أن يقدم ..

ولكننا سنكون أكثر اطمئنانا وثقة عندما يجلس لافروف في مواجهة وزير خارجية تركية ووزير خارجية قطر معا، كما جلس في الدوحة بالأمس .. ولن يكون ذلك كما حين يجلس الوزير التركي الصديق في مواجهة الوزير الروسي والوزير الإيراني العدوين .. هي مسألة من أبسط المسائل في علم الحساب. أن يحاصر التركي والعربي لافروف، ولا يعطونه الفرصة ليحاصرهم !!

ومن هنا فإننا كسوريين ما زلنا نتمسك بانتمائنا إلى أمتنا في أفقيها العربي والإسلامي نتطلع ونأمل في دور عربي أكثر حضورا وفاعلية، دور عربي حقيقي واضح البوصلة، يدرك حقيقة المأساة السورية ، وعمقها ، وأبعادها ..

نطمح إلى دور عربي فاعل ومؤثر ينطلق من حقائق : أن الدم ما بيصير مي، وأن الظفر لا يخرج من اللحم ، وأنه لا خير في أمة إذا فسد شامها، بشهادة سيد المرسلين ..!!

نطمح إلى قيادة وإدارة تدير مشروع الأمة الأعز تتحد فيه الرؤية والموقف التركي - العربي ، وإذا تفحصنا خلفيات أي صراع يفتعله البعض أو الأبعاض على محور مفتعل للتناقض العربي - التركي أو العربي - التركي - الكردي فلن نقبض غير الريح، ولن نحصد غير الهشيم .

سورية اليوم هي جبهة من جبهات الأمة الساخنة المفتوحة كما هي في العراق وفي لبنان وفي فلسطين وفي اليمن . ولا يخدع غير أنفسهم المراوغون ..

نطمح إلى جبهة عريضة تركية - عربية تصد عن المنطقة وعن الشام خاصة غزوات المغول ومكر الفرنجة أجمعين ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

لا بد أن تنتهي المأساة السورية

هادي البحرة

سوريا تي في

الخميس 18/3/2021

عشر سنوات مرت منذ أن خرج السوريون يحملون الورود مطالبين بالحرية والكرامة، حين صدحت حناجرهم بما تتوق إليه قلوب كل السوريين بالعيش في وطن تُحترم فيه حقوق الإنسان، ويفتخر أبناؤه بالانتماء إليه والعيش فيه، وطن قائم على المواطنة المتساوية، يصون كرامة مواطنيه ويكفل حرياتهم، وعلى نظام حكم مدني ديمقراطي قائم على التعددية السياسية، دولة تحكمها مجموعة من المبادئ الأساسية والقيم المنظمة للمجتمع ولسلطات الدولة، المبينة لحقوق كل من الحكام والمحكومين فيها، الواضعة للأصول الرئيسية التي تنظم سلطاتها العامة، وعلاقتها ببعضها البعض، تحدد صلاحيات وحدود السلطة السياسية، مع الحفاظ على حقوق وواجبات الأفراد، هذه المبادئ والقيم بمجملها تشكل مشروع دستور سوريا المقبل، استنادا إلى عقد اجتماعي يعبر عن التوافق على الحد الأدنى المشترك بين الأطياف والمكونات الاجتماعية، فهو التعبير القانوني والحقوقي عن الكل الاجتماعي ويشكل مقدمة مشروع الدستور، الذي يعتبر المرجعية الأساسية للتشريعات والقوانين كلها، ويجب ألا يأتي أي قانون يتناقض مع مبادئ الدستور، الذي يقع في قمة الهرم الخاص بقانون الدولة.

مشروع الدستور المقبل هو ضرورة وضمان لإنهاء الاستبداد الذي شرعنه الدستور الحالي الذي أجاز تغول وهيمنة السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية على باقي السلطات، حيث يتضمن مشروع الدستور الآليات اللازمة للتأكد من اتساق الممارسات الدستورية مع مضامينه، ليضمن تطبيقه على أرض الواقع وعدم السماح بالتشريع وإصدار قوانين تتناقض مع مبادئه. وهو المدخل الدستوري والقانوني لتحقيق عملية الانتقال السياسي المنظم.   

رغم مرور عقد كامل، عانى خلاله الشعب السوري قمعاً وتجويعًا وتشريداً وقتلاً ودماراً رهيباً، ما زال السوريون يخرجون إلى الشارع مطالبين بالحقوق نفسها، الحرية والكرامة والعدالة، إن كل المسببات التي دفعت الشعب للثورة ما زالت قائمة، لا بل ازدادت عمقًا وتنوعًا وباتت تطول شرائح أوسع من المجتمع.

وفق الوقائع، من المؤكد أن السوريات والسوريين من كل مواقعهم، لن يتوقفوا عن سعيهم لاسترداد ما سلب منهم من حقوق إنسانية ودستورية وقانونية، وصولًا لتحقيق تطلعاتهم التي ثاروا من أجلها للوصول إلى دولة المواطنة المتساوية التي تصون كرامتهم وتكفل حرياتهم وتضمن لكل السوريين حقوقهم وتلبي مطالبهم، ليكون كل طيف من أطياف ومكونات شعبها لبنة أساسية لا يكتمل دونه بناؤها، دولة القانون والقضاء النزيه والمستقل التي تحقق المساءلة والمحاسبة وتحقيق العدالة، ويرتبط مفهوم السيادة فيها عضويًا بحقوق الإنسان.

آن الآوان لإيجاد آليات فعالة لوقف عذاب المعتقلات والمعتقلين وإطلاق سراحهم، ومعرفة مصير المغيبات والمغيبين قسريًا، آن الآوان لإنهاء معاناة الأطفال وأسرهم في المخيمات، وعودتهم الطوعية والآمنة والكريمة إلى مواطنهم الأصلية التي هجروا أو نزحوا منها، نريد عودة أطفالنا وشبابنا إلى مدارسهم وجامعاتهم واستعادة مستقبلهم الضائع المسروق، يؤسفني جداً أن المجتمع الدولي لم يؤد واجبه كما يجب أمام كل هذه المآسي، ولا يزال يتحرك ببطء وتردد، ولا يقدم السبل الممكنة لوضع حد لهذه المأساة الإنسانية الأكبر في التاريخ الحديث.

من واقع التزامنا بواجبنا تجاه معاناة شعبنا، والمأساة التي يعيشها، نستمر بالعمل على التواصل مع الدول الشقيقة والصديقة لتنسيق جهودنا على المسارات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية بما سيؤدي إلى الضغط الفاعل لدفع العملية السياسية قدماً، وصولًا للتطبيق الكامل والصارم لقرارات مجلس الأمن رقم 2254(2015) و2118(2013) متضمنا بيان جنيف.

إننا نبذل كل جهودنا لأن نصيغ دستورا جديدا لسوريا، يكون الضامن الأساس لحرية المواطن وحماية كرامته، وتحقيق العدالة الاجتماعية للجميع دون استثناء، ودون تمييز على أساس الدين، أو العرق، أو الجنس، أو أي أساس آخر، والفصل المتوازن والواضح بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، لضمان عدم تغول أحدها على الأخرى، ضمانا لعدم تكرار المأساة التي يعيشها شعبنا.

لقد أثبتت السنوات القليلة الماضية أنه من الخطأ الفادح أن نتخيل أن ما يحدث في سوريا ليس له تأثير على العالم، إن إنهاء المأساة السورية هو في مصلحة الدول المعنية في الإقليم وشعوبها بقدر ما هو في مصلحة سوريا وشعبها، وضمان لتحقيق الأمن والسلام الإقليميين والدوليين، على هذه الدول إدراك ذلك، والمضي بشكل جدّي ومسؤول وغير موارب، لدعم الحل السياسي، والاعتراف بأنه لا يمكن تحقيق ذلك الحل إلا إن كان الطرفان السوريان يملكان النوايا الحسنة والإرادة الصادقة للتوصل إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254(2015)، إن الحقيقة التي تم إثباتها منذ بدء مفاوضات جنيف في العام 2014  وإلى الدورة الخامسة من اجتماعات اللجنة الدستورية بتاريخ يناير/ كانون الثاني 2021 ، هي أن النظام لا يؤمن بالحل السياسي لا بل يعمل كل ما بوسعه لإعاقته، إن استمرار المجتمع الدولي بالتغاضي عن هذه الحقيقة  باستخدام مقولة إن العملية السياسية هي عملية سورية-سورية وبقيادة سورية، باتت دافعا بحد ذاتها نحو استمرار تعنت النظام، واستمرار معاناة الشعب السوري، وباتت تعبر عن عدم وجود رغبة من الدول التي عملت ووافقت على قرار مجلس الأمن 2254(2015) لتنفيذه، طالما لم يتم وضع نهاية لتعنت النظام وسياساته التي تدمر سوريا ستستمر معاناة شعبنا ولن يكون ممكنا أن نجعل من هذا العام، عام السلام في سوريا.

في ظل تباطؤ المجتمع الدولي لا سيما الدول ذات العلاقة بالمأساة السورية في الدفع نحو الحل السياسي، الذي يسعى النظام بكل ما يملك للتهرب منه والقضاء عليه، ليحول المفاوضات إلى عملية تفاوضية أمنية وعسكرية بينه وبين الدول، لا بد من إبقاء العملية السياسية حية، كونها هي ما يبقي قرار مجلس الأمن رقم 2254 (2015) حيا، فهو ضمان إبقاء مطالبنا الإنسانية والدستورية والقانونية حية، وهو ما يثبت أنه لا شرعية لهذا النظام ويضع خريطة طريق للحل السياسي.  يتوجب على السوريين الثبات وشق طريقهم باستمرار نضالهم السلمي ضد ثلاثية الاستبداد والفساد والإرهاب التي باتت تقضي على مقومات استمرار حيواتهم وتتغذى من سرقة قوت يومهم وتعتاش على دمائهم وتستلب أرواحهم،  علينا بناء الجسور بين مكونات وأطياف الشعب السوري التي باتت تعاني جميعها من نتائج سياسات النظام، هذه السياسات إن استمرت ستؤدي إلى استمرار بقاء وطننا مقسما وفاقدا لسيادته واستقلاله، وتآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة وإفقار شعبنا الذي بات اثنان وتسعون في المئة منه تحت مستوى خط الفقر، محتلا المرتبة الأولى عالميا، ستعني بقاء النازحين بعيدا عن ديارهم الأصلية واللاجئين خارج وطنهم، التاريخ لن يرحم جيلنا إن لم نعِ استحقاقات هذه المرحلة الخطيرة، على كل سورية وسوري أن ترقى ويرقى لمستوى هذه المسؤولية لاسترداد وطننا ممن دمره واستباح سيادته ورهن مستقبله ببيع ثرواته من أجل التشبث بسلطة متوهمة بحقيقتها مرتهنة وخاضعة لمصالح الآخرين، هذه السلطة تعمل على زرع الكراهية والحقد بين السوريين لتجعل بعضهم عدوا للبعض الآخر، علينا ألا نقع في الفخ الذي رسمه وخطط له النظام.

 إني على ثقة، بأننا كسوريين وسوريات، يداً بيد، قادرون على أن نبني وطننا من جديد، ونداوي الجراح التي نزفت لعقد كامل من الزمن، ونضمّدها، الكراهية لا تعالج بكراهية مقابلة، والظلم لا يعالج إلا بتحقيق العدالة، والجريمة لا يقضى عليها بجريمة مقابلة إنما بالمساءلة والمحاسبة عبر القضاء العادل والمستقل. علينا التحلي بالمسؤولية والإصرار، هذا ما سنقوم به من جهتنا في اللجنة الدستورية، سنمضي قدماً بالمهمة الموكلة إلينا، دون أن نتخلى عن أي هدف من أهداف الثورة وتطلعات شعبنا التي استحقها، وسنطالب بحقوق الجميع، طفلاً وامرأة ومعتقلاً ومنكوباً ومكلوماً، سنسعى لأن يحقق دستور سورية المقبل كل الطموحات، وكل المعايير الدولية للديمقراطية والإنسانية والحضرية الراقية، فحجم التضحيات التي قدمها السوريون لا يعادلها إلا حل يحقق لهم دولة ووطنا يليق بهم، يحقق ما طمحوا إليه وما ضحوا من أجله، هذا ما نعاهدهم عليه أيضاً.  علينا أن نذكر أنفسنا جميعا بأن النصر في سورية، هو كل شيء عن تحقيق العدل وكسب السلام، وليس الفوز في الحرب التي لن تحقق الأمن والسلام المستدامين. هذا هو النصر الوحيد الذي يمكن لجميع السوريين مشاركته ويكونوا جزءا منه.

=========================

زفرات شامية

شعر : يحيى حاج يحيى

أســمعت بأهل الأخدودِ

بالنـار يُؤججُها وغـدٌ ؟!

بألـوف من خير النـاسِ

يلهــو بمصائرهم نـذلٌ

وينـوءُ لفقدهِـمُ شـعبٌ

بنزيف دمـاءٍ في بلدي؟!

 

أقرأت عن الشعب الأعزلْ

تُدميهِ سياطُ الإرهـابِ ؟!

أسـمعت بتدمير المـدنِ

بالشـعب يهاجرُ للأمـنِ

بالأسـرة تُقتـلُ كي تفنى

 بالجثـة تُربـطُ للسّحل؟!

 

أسمعت بشـعب يحكمُه

جـلّادٌ يفخـرُ بالقتـلِ ؟

بحرائر ترسُـفُ بالقيـدِ

بالطفل يُهدّدُ في المهدِ ؟!

 

أقرأت عن الوطن الدّامـي

عن شعب حوصِر بالرّعب؟!

ومدائـن تُحكــمُ بالجوع ِ

وحواجز تُنصبُ في الطّرُقِ

وعصابــاتٍ للإرهـابِ؟!

 

في كلّ مكـانٍ قـد حفـروا

للشـعب أخـاديـد المـوتِ

في القرية، في المدن الكبرى

في الحـيّ الشـعبيّ النائـي

في الطرق وثكنات الجيشِ؟؟!

 

في كـلٰ مكـان ٍ من بلـدي

تلقــى سـاحاتِ الإعـدامِ

وقضـاة القتـلِ بلا سـببٍ

فـي محكمـة للميـدانِ !؟

في كـل مكـان من بلـدي

في كل مكان من بلـدي !!؟

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com