العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-12-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المعارضات السورية .. من أجل كسر الجمود وتجسير الهوّة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 16/12/2020

شهدت ساحات المعارضات السورية، الفكرية والسياسية، كثافة في طرح الأفكار والتصورات والدعوات إلى التحرّك لإقامة أجسام سياسية تعيد لثورة الحرية والكرامة فعلها وألقها، والعمل على تحقيق أهدافها النبيلة: إخراج سورية من نظام الاستبداد والفساد إلى نظام الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. غير أن معظم هذه الأفكار والتصورات قد خلت من آلية عمل مرشدة، تمنح جمهور الثورة علاماتٍ على بداية الطريق؛ تضيء له النفق المظلم الذي دُفعت إليه الثورة المجيدة، فمعظم ما قيل مكرّر ونمطي، أساسه ثنائية التشهير والندب، التشهير بالنظام وحلفائه والندب على ما آلت إليه الثورة المغدورة التي ضيّعها النظام الدولي والمعارضة الرسمية، وينتهي بدعواتٍ ونصائح عامة، لا تسمن ولا تغني من جوع، كما يقول المثل الشعبي، ما يجعلها وصفةً لمزيد من اليأس والقنوط.

لا يشكل الاكتفاء بالتشهير والندب والدعوة العامة خياراً منطقياً وعملياً، وهو، الخيار المنطقي والعملي، ما تحتاج الثورة إليه لاستعادة توازنها ودورها، بل هو تعبير عن حالة عجزٍ ترتبت على أنماط تفكير نمطية وخلفيات عقائدية جامدة وممارسات بدلالة توجيهات وحسابات راعٍ عربي أو إقليمي أو دولي مع افتقار للحساسية السياسية والحركية، تحت تأثير الرتابة والركود والمراوحة في المكان.

معظم الأفكار والتصورات المقترحة لتطوير عمل المعارضة خلت من آلية عمل مرشدة

يلمس المراقب والمتابع لأوضاع هذه القوى السياسية والشخصيات الوطنية بين سطور الأفكار والتصورات المطروحة أنماط تفكير وخلفيات سياسية محكومة إما بمنطق عقائدي يرى صاحبه في منطلقاته العقائدية الحقيقة الوحيدة ودفّة الخلاص، مع أنها، في الغالب، لم تدخل تجارب واختبارات عملية تؤكد صحتها وصلاحيتها لمعالجة المشكلات التي واجهت الشعب السوري خلال العقود الماضية؛ من القمع إلى الفساد ونهب المال العام والفقر والجوع والتشرّد إلى المحسوبية والتمييز والتزلف والانتهازية؛ حيث بقيت أفكاراً نظرية ترتكز إلى حجج عقلية تنتظر النزول إلى أرض الواقع، لمعرفة جدواها ومردوديتها العملية، أو بمنطق حزبي يرى صاحبه حزبه وقيادته المنقذ والمخلّص مع الركون إلى التبرير والتلفيق والتعسف، دفاعاً عن قرارات ومواقف حزبية غير مفهومة أو غير مقنعة أو خاطئة، أو بمنطق ذاتي، شخصي، يرى صاحبه ذاته المفكر الوحيد والسياسي اللامع وصاحب التقديرات الدقيقة والصائبة، نرجسية فاقعة تجعله يرى نفسه مركز الكون، وما يطرحه البلسم الشافي وما سواه ترّهات وأضغاث أحلام. أنماط تفكير وخلفيات سياسية تتوجها ممارسات ومواقف أساسها "أنا" أو "الطوفان".

انعكست هذه الأنماط الفكرية والخلفيات السياسية سلباً على مستوى العلاقات السياسية، وعلى القدرة على العمل الجماعي المنظم، وعلى واقع مؤسسات المعارضة، ليس في بناها فقط، بل وفي واقعها العملي وفعلها اليومي. وهذا، مع ما يضيفه الارتباط والتبعية لدولة عربية أو إقليمية أو دولية على مواقف القوى السياسية والشخصيات الوطنية اليومية والمباشرة من تأثيرات، وما يرتبه من تبعات على المشهد السياسي: صراع حادّ على قاعدة صفرية، نمط العمل السياسي المعارض وقوالبه، وجعله جسداً بلا روح، وعملاً بلا فعالية أو حصاداً حقيقياً، فالمواقف مسبقة، وردود الأفعال جاهزة، والتفاعل منعدم وخارج التداول. 

أنماط تفكير وخلفيات سياسية محكومة إما بمنطق عقائدي أو حزبي ضيّق.

عام 2007، كنا في مكتب الأمانة العامة لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. كنت ممثلاً للجان إحياء المجتمع المدني فيه، نعد لعقد المجلس الوطني للإعلان؛ وكان لي شرف كتابة ورقة سياسية؛ ولما أنجزتها وزّعت نسخاً منها على بقية أعضاء مكتب الأمانة لقراءتها، استعداداً لمناقشتها في الاجتماع التالي؛ وقد حرصت على معرفة آراء الأعضاء بما كتبت قبل الاجتماع، فمرّرت على بعضهم قبل الاجتماع العتيد؛ وكانت دهشتي عندما سمعت تعليق ممثل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، حسن عبد العظيم، عليها. لم يعلق على محتواها، وما فيها من تقديرات واستنتاجات وأين أصابت وأين أخطأت، وأين تحتاج إلى تعديل أو إضافة وتطوير، كان تعليقه الوحيد: هل تعاونت أنت وحزب الشعب الديمقراطي، حزب غريمه رياض الترك، في كتابتها. كانت المعركة حاميةً بين الحزبين وقيادتهما على من يُمسك بناصية "إعلان دمشق"، وهو تحت التأسيس والترسيخ، ويوجهه سياسياً وميدانياً نحو أفكاره وبرامجه السياسية والتنظيمية، وكان كل طرفٍ منهما ينظر إلى ما يتم بدلالة هذه المعركة ونتائجها المنتظرة أكثر من النظر إلى جدواه وانعكاسه على نضال المعارضة، وقدرته على تشكيل فارق يجذب قوى المجتمع السوري، ويدفعها إلى الانخراط في المواجهة مع نظام الاستبداد والفساد، تحقيقاً لهدف الإعلان: التغيير الديمقراطي.

تحوّل الصراع بين المعارضات السورية إلى صراع صريح ومعلن ومكشوف وأكثر حدّة ومرارة

هذا المثال حالة معبرة عما يتم الآن في وسط المعارضات السورية والشخصيات الوطنية، ولكن مع فارق فرضته التطورات والظروف، حيث تحوّل الصراع إلى صراع صريح ومعلن ومكشوف وأكثر حدّة ومرارة، فقد أتاح التطور التقني في مجالات النشر والتوزيع عبر الشبكة العنكبوتية، والظهور على شاشات الفضائيات، خصوصاً وأن فضائيات كثيرة تعمل على صبّ الزيت على نار الخلافات والسجالات، وتوظفها لخدمة مواقف دولها في صراعاتها البينية، أتاح فرص الترويج لكل الراغبين، ولكل فكرة مهما كانت طبيعتها ومستواها أو هدفها ووسائلها، فقد منحهم التطور التقني فرص الطرح والدعاية والرد والدفاع من دون حدود، وتتبع سقطات بعضهم بعضاً، وتصيد عثرات وهفوات بعضهم بعضاً وتضخيمها. وفي الوقت نفسه، سلبهم فرص التخفي والتستر والإنكار، حيث وضعهم تحت المجهر، وبات كل ما يفعلونه ويقولونه مرئياً ومسموعاً، يمكن جمعه واستعادته بكبسة زر؛ وجعل نقاط ضعفهم وتقلّب مواقفهم وفجورهم في معاركهم الإعلامية تحت أنظار الرأي العام السوري، المعارض بشكل خاص، حتى بات من الصعوبة بمكان بالنسبة لكثيرين من المعارضين وحواضن الثورة تخيل وجود جدوى أو فائدة ترتجى من قوى سياسية وشخصيات وطنية كثيرة، وأن يروا في متابعة مواقفها وتصوراتها مضيعة للجهد وهدراً للوقت.

ترتبت على المشهد السابق وتركيبة قواه السياسية وممارساته الفعلية تداعيات خطيرة، لعل أولها سيادة حالة انعدام ثقة عميق بين القوى السياسية والشخصيات الوطنية بعضها بعضاً، وبين القوى السياسية والشخصيات الوطنية والناشطين وحواضن الثورة، ما وضع كل الأفكار والتصورات والتقديرات في سلة واحدة، وأضاع فرص الاستفادة منها أو من بعضها، وهي حالةٌ كارثيةٌ بالغة السوء. 

فكرة مقترحة

هنا فكرة لكسر الحلقة المفرغة، وتجسير الهوة على أمل كسر الجمود المخيّم بفتح كوّة في الانسداد الراهن من خلال محاولة الاستفادة من الأفكار والتصورات والتقديرات الصائبة من المطروح والذي سيطرح لاحقاً والتقدم خطوات على طريق الخروج من عنق الزجاجة.

للفكرة ثلاثة مستويات: مستوى أول قائم على تشكيل لجنة عمل مصغرة لتنظيم وإدارة حوار فكري وسياسي غير مباشر عبر تأسيس موقع إلكتروني أو صفحة خاصة على "فيسبوك"، ودعوة مثقفي المعارضة وسياسييها للكتابة حول عناوين محدّدة ترتبط بتحديد مفاهيم سياسية حول البرنامج السياسي والاجتماعي للمعارضة وحول سورية المستقبل، كما يراها أبناؤها، وسبل تحقيق أهداف ثورة الحرية والكرامة، وتوزيع عنوان إلكتروني على القوى السياسية والكتاب والمثقفين ترسل إليه المقالات والتعقيبات، وتحديد معايير للنشر، مثل الجدّية والاتزان والمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ونشر المادة المقبولة من دون اسم كاتبها، كي تُستبعد الحمولات الشخصية والخلافات المسبقة عن جو النقاش. المستوى الثاني، تطلب اللجنة من القوى السياسية والمثقفين والناشطين التعقيب عليها، أيضاً وفق معايير الجدّية والاتزان والمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ونشر التعقيبات المقبولة من دون أسماء كذلك، لتجنّب ردود وسجالات حزبية وشخصية عقيمة، مع تحديد فترة قبول التعقيبات. المستوى الثالث، تحيل اللجنة النص والتعقيبات على شخصيات مختارة من السياسيين والمثقفين لتحريرها ونشرها، بعد إضافة أسماء الكاتب والمعقبين والمحرّرين، كوثيقة من وثائق المعارضة على الموقع للاطلاع على الصيغة النهائية. 

 انعدام ثقة عميق بين القوى السياسية والشخصيات الوطنية بعضها بعضاً، وبين القوى السياسية والشخصيات الوطنية والناشطين وحواضن الثورة

ومع الوقت تكون لدينا نصوص تغطي أغلب المفاهيم السياسية والاجتماعية، مع تقديرات وتصورات لخطط عمل، يمكن جمعها وطبعها مادة فكرية وسياسية تثقيفية تعبر عن مواقف فكرية وسياسية للمعارضة من قضايا بلدها، ونشرها لكي تكون وسيلةً لتعّرف الشعب السوري على المعارضة وأفكارها وبرامجها السياسية وحلولها العملية، وقاعدة للحكم على مواقفها وممارساتها اللاحقة والمحاسبة عليها في ضوئها ووسيلة لتشكيل رأي عام حول أهداف الثورة المجيدة، ولاستقطاب تأييد شعبي والتزام جماهيري بهذه الأفكار والبرامج والخطط، ولكي تكون أرضيةً لعمل سياسي ونضالي مشترك لقوى المعارضة. 

يمكن للقوى السياسية والشخصيات الوطنية القيام بجهدٍ موازٍ لعمل لجنة العمل الفكري، أساسه تشكيل لجان خاصة داخل القوى السياسية، وتجمعات صغيرة من الشخصيات الوطنية لدراسة المواضيع المطروحة وإخضاعها لعملية عصف فكري جماعي، وصياغة محصلة النقاشات الداخلية في ورقة، أو في رد على ورقة ما يسمح بتحريك الأوساط الراكدة وتنشيط العقول الساكنة، ورفع المعنويات الهابطة، ونشر الأمل بين حواضن الثورة ومناصريها.

بطبيعة الحال، يمكن لهذه الجهود المنظمة والمشتركة توليد تقاطعاتٍ وتطابقاتٍ فكرية وسياسية، تقود إلى فعاليات عامة موازية، وإقامة تشكيلات تنظيمية وحلقات فكرية تنشّط المعارضة ككل، والقوى السياسية والشخصيات الوطنية كل على حدة، فالانخراط في نقاش فكري عام يستدعي بالضرورة الدراسة؛ والدراسة تستدعي البحث والقراءة؛ والقراءة تستدعي التنظيم والتخطيط؛ والتنظيم والتخطيط يستدعي من القوى السياسية إشراك الكوادر في نشاطاتٍ عامة وخاصة من القراءة والدراسة والبحث، وحضور محاضرات تثقيفية للوصول إلى سويةٍ مقبولةٍ من الخبرات والقدرات، تسمح بالمشاركة في النقاشات الدائرة أو التي ستدور بدفع من لجنة العمل الفكري وموقعها الإلكتروني الاختباري.

ليس صعباً على قوى المجتمع السوري اجتراح حلولٍ لحالة الجمود الراهنة، وملء الفراغ بعمل فكري تأسيسي

في حديث محجوب عمر (رؤوف عبد الملك نظمي) عن تنمية قدرات كوادر الأحزاب والقوى السياسية، حدثني عن تجربتهم في الحزب الشيوعي المصري في خمسينيات القرن الماضي، حيث خضعت قيادة الحزب لدورة تثقيفية شاملة مكونة من محاضرات في السياسة والاقتصاد والإعلام، وعن المجتمع المصري، بنيته الاجتماعية والثقافية والطبقية وقضاياه العامة ومشكلاته الحادّة والضاغطة؛ ركز على عشر محاضرات لفؤاد مرسي في الاقتصاد، قال إنها منحت المشاركين قدرةً على فهم آليات عمل الدورة الاقتصادية، وأثرها على السياسة والمجتمع، خرجت قيادة الحزب من الدورة بنشوة فكرية وروح معنوية عالية واندفاع شديد للعمل. وهذا تم تطبيقه مع المستويات الأدنى فالأدنى، فأحدث نقلة فكرية وسياسية ونضالية.

ليس صعباً على قوى المجتمع السوري بقواه الحية التي أطلقت ثورة الحرية والكرامة تحفيز القوى السياسية والشخصيات الوطنية، بالتشجيع والمشاركة الفعالة بالتعقيبات، على اجتراح حلولٍ لحالة الجمود الراهنة، وملء الفراغ بعمل فكري تأسيسي، لا يصوغ أوراقاً سياسية فقط، بل ويطلق طاقات إبداعية تمهد لعمل سياسي وتنظيمي أكثر انسجاماً ورسوخاً ومردودية، فالتطلع نحو مستقبل أفضل يعني "الانتقال من التأمل إلى العمل"، والعمل بدلالة الإنجاز مصهر لفرز الغثّ من السمين من ما طرح وسيطرح ووضع المعايير والمحدّدات الفكرية والسياسية لانطلاقةٍ جديدةٍ تسمح بوضع القدم على طريق الألف ميل. 

أدرك أن الخطة شاقة وطويلة، وظرف السوريين ومعاناتهم مع القتل والتدمير والتعفيش والنزوح واللجوء لا يسمح كثيراً بترف الانتظار، ولكن الحكمة الشعبية تقول "للضرورة أحكام"، فوضع المعارضات يستدعي طريقاً كهذا، وهذا مع تطلعنا أن تكون للفكرة نتائج إيجابية على صعيد التأسيس لانطلاقة سياسية ناضجة، وتخريج كوادر وكفاءاتٍ ستلعب دوراً مؤثراً في سورية الجديدة.

=========================

موقفنا : المفاوض المسترسل وماذا فعل بنا ؟!!! .. كيف عصمنا أهلنا العوام في تربيتهم من الاسترسال...؟؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

19/ 12/ 2020

والاسترسال مصطلح فقهي ، مر معي في فقه البيوع ، فعندما أجاز الفقهاء رد المبيع بالغبن ، وبعضهم قال بالغبن الفاحش ، قال آخرون " ولاسيما إذا كان المشتري مسترسلا ، وقصدوا به المشتري الذي لا يساوم ولا يماكس ، بل يظل يشتري على أول قول البائع ، دون أن يراجعه في شيء .

ومنذ سنين طويلة لاحظت هذا في سلوك المفاوضين من المتصدرين السوريين ، الذين يظلون يستجيبون لكل قول يقال لهم ، ممن يظنونه حليفا أو صديقا ، قوموا فيقومون ، بل يتسابقون للقيام ، اقعدوا فيقعدون ، تقدموا فيتقدمون، تأخروا فيتأخرون ، ولو أنهم كان لهم مواقف واضحة وصامدة ، منذ البداية ويوم كان صوت الثورة والثوار هادرا لجنى السوريون من وراء هذا الكثير ..

وسأروي لكم كيف عصمنا أهلنا من الاسترسال والانزلاق بتربيتهم الواعية مع أنهم كانوا أشباه أميين غالبا لم يقرؤوا غير القرآن الكريم ، وكفى به علما ومعلما ..

عشنا في مدننا الكبرى في بيئة آمنة بشكل عام ، قلما كنا نسمع عن مصطلح " مخطوف أو مفقود " بالنسبة للأطفال . أغلبنا خرج إلى الشارع وإلى السوق وهو ابن أربع أو خمس سنين ، وذهب مستقلا إلى المدرسة لا سيارة تأخذه ، ولا دادا تصحبه ، منذ الصف الأول..

وإليكم بعض الوصايا التي لا تزال ترن في الأذن : أي رجل يقول لك تعال أعطيك ، لا تأخذ ولا تقترب منه . أي رجل يقول لك تعال أوصلك ابتعد عنه . إذا رأيت رجلا يمشي إلى جانبك على الطريق فاسبقه أو تأخر عنه. لا تسمح لأحد أن يلمس ثيابك ولو أراد أن يقول ما أجملها !! أو من اشترى لك هذا القميص . ولو قال لك أحدهم هذا الطريق أقرب إلى بيتكم فلا تسلك إلا الطريق الذي تعرفه ، لا تمش مع رجل لا تعرفه ، لولا خطوة واحدة . لا تسلك الطرق الفارغة من الناس ..وكنا إذا اشتكينا من قسوة معلم قالوا : افرح على الذي يبكيك ولا تفرح على الذي يضحكك .

وتستمر التوصيات في كل مناحي الحياة وعلى الصعيد الاقتصادي ..

 وكانت المساومة في البيع حتى تعرق الجبهتان هي السمة السائدة في الأسواق ... ،إذا قال لك البائع بخمسة فقل له بأربعة ، وإذا قال لك بعشرة فقل له بثمانية ، وإذا أراد أن يبيعك - قص أي كمش - فلا تقبل حتى تشتري وتنقي واحدة واحدة . البائع يضع من أمامك بضاعة جميلة ومن أمامه العفارة فاحذر ، لا تسمح لأحد أن يضحك عليك .

وحتى في ذهابنا مبكرين إلى الكتاب " الشيخ " أو عودتنا متأخرين ، أو في ذهابنا إلى المسجد وعودتنا منه أو في رفقتنا وصحبتنا ، من هذا ؟ وابن من هو ؟ ولا تصاحب من هو أكبر منك في العمر ، وإذا أطعمك رفيقك من زاده أو مما يشتريه فأطعمه ، ولا تقعد للناس تحت واحدة . ولا تصاحب من يصرف أكثر منك ، ولا من يريد أن يتميز عليك ، ولا تجالس من يظن أنه أكرم منك ، أو أقدر منك . ويامتلنا تعالو لينا . ومن رادك ريدو ومن ما رادك بالجفا زيدو . والأجمل مما كانوا يقولون : كُل ما تشتهي والبس ما يليق بالناس . والبطن ما بتشف . وأعرف أسرا حلبية موفورة كانت إذا طبخت الوجبة الرئيسية أكلتها على الترسل ، وطبخت بين اليوم واليوم وجبات دون ذلك ، فإذا سئل أحد أفرادها ما هو طعامكم اليوم لم يقل مجدرة وإنما يقول كبة أو محشي أو لحم بعجين ..!!

هكذا كانت التربية حتى صرنا في هذا الزمان إلى مثل ما ترون من مفاوضي أو مقاولي " خذني جيتك " واطف الضو والحقني " ...

ماذا كان سيحدث لو أن المفاوضين الأوائل منذ مؤتمر أصدقاء الشعب السوري الأول في تونس، بصموا قدما في الأرض وقالوا : لن نقعد على طاولة المفاوضات وبشار الأسد يحتفظ بموقعه برئاسة الجمهورية ..

ماذا كان سيحصل لو أن المفاوضين الأوائل يبسوا رؤوسهم وقالوا : لن نجلس على طاولة المفاوضات وفي سجون بشار الأسد معتقل واحد . أو على الأقل حرة واحدة أو طفل واحد !!

ماذا كان سيكون عليه الأمر لو أن المفاوضين الأوائل قالوا لن نقارب أي دور للأمم المتحدة حتى تعترف بنا الأمم المتحدة على قدم السواء ..

وكانت اللعبة كلعبة إبليس مع أبوينا ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ) دلاهما من يفاع الطاعة إلى وهدة المعصية والانكسار .

ويبوسة الرأس في بعض المواطن واجبة .

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

شعوب منطقتنا بين واقعها وأحلامها

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الاربعاء 16/12/2020

ما تشهده منطقتنا، منذ نحو عقد، حربٌ إقليميةٌ شاملة، مع تدخّل خارجي من أكبر قوتين عسكريتين في العالم، إلى جانب التدخل المباشر، أو غير المباشر، للقوى الدولية المتحالفة مع هذا المعسكر أو ذاك. والحرب الإقليمية هذه تأخذ أشكالاً عدة، منها عسكرية ميدانية، ومنها مخابراتية، ومنها اقتصادية، ومنها مذهبية قومية. أما الحصيلة، فهي حطامٌ بمعناه الكامل على صعيد الاجتماع والعمران والمستوى المعرفي والتقدّم التكنولوجي، فموارد المنطقة البشرية والمالية تتعرّض لنزفٍ كبير. والآثار التراجيدية لحروبها وتناحراتها وصراعاتها مرشّحةٌ للاستمرار إلى ما شاء الله؛ هذا ما لم تأخذ القوى الإقليمية الأساسية قرارات التفاهم والتوافق على إدارة الخلافات، واتخاذ القرارات الصعبة من أجل إيجاد المخارج للعقد المستعصية والمعادلات التي تبدو مستحيلة الحل.

الأزمة السورية ما زالت مسدودة الآفاق. وكذلك الوضع في لبنان. أما العراق، فيعيش على الحد الأدنى من التوافق السلبي بين الأميركان والإيرانيين. والوضع اليمني بات أشبه بالثقب الأسود الذي يبتلع الإمكانات من دون أي أثر، ويسبب مأساة إنسانية كبرى. ومصر تعاني من عدم قدرتها على تحقيق مصالحاتها الذاتية التي من شأنها الارتقاء بها إلى ما يتناسب مع حجمها وتاريخها ودورها الحضاري، الممكن والمنتظر. وتركيا تعاني من أوضاعها الداخلية، السياسية منها بين الحكومة والمعارضة، والاقتصادية التي تتمثل بتآكل قيمة الليرة، وتراجع الانتعاش الاقتصادي الذي كان واعداً في مرحلة من المراحل. هذا إلى جانب الإخفاق في التوصل إلى حل عادل مقبول للمسألة الكردية التي تظل القضية الوطنية الأكبر والأهم على مستويي الدولة والمجتمع في تركيا. وإيران تعاني من أوضاعها الداخلية المعقدة، فالنظام القائم هو في مواجهةٍ مع مختلف المكونات الإيرانية. كذلك فإنه في مواجهةٍ مع الإصلاحيين والمعارضين، الشباب والنساء، وفي مواجهةٍ مع الإصلاحيين الذين هم جزء من النظام نفسه. أما إسرائيل، فهي الأخرى، على الرغم مما يبدو أنها قد استفادت كثيراً من الخراب الذي تعرّضت له المنطقة، تعاني من خلافاتها البينية، كذلك فإنها تعاني من هاجسٍ وجوديٍّ مستدام، ما دامت لم تتمكن من الوصول إلى حلٍّ واقعي مقبول مع الجانب الفلسطيني.

في هذه الأجواء العاصفة الملبدة بالغيوم السوداء التي تُنذر بمزيد من الكوارث، يأتي الحديث عن إمكانية الوصول إلى توافق خليجي بوساطة كويتية - أميركية؛ وبما تؤدي إلى تجاوز الخلاف الحاد الذي استمر، على غير العادة، بين قطر من جهة، وكل من السعودية والبحرين والإمارات، ومعهم مصر، من جهة أخرى.

الأزمة السورية ما زالت مسدودة الآفاق. وكذلك الوضع في لبنان. والعراق يعيش على الحد الأدنى من التوافق السلبي بين الأميركان والإيرانيين

وعلى الرغم من بذل الجهود من الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية بهدف التوصل إلى حلٍّ ما في هذه الدولة أو تلك، فإنها تظل محاولات عقيمة. لقد باتت قضايا المنطقة متداخلةً متشابكةً، تستخدمها القوى الإقليمية الأساسية، والقوى الدولية، أوراق ضغط ومساومة، تحقق بها المصالح، أو تساعدها في تجاوز أزماتها الداخلية عبر عملية الركض نحو الأمام، وإلهاء الداخل بأخبار الانتصارات الخارجية.

تشبه هذه الوضعية، إلى حد بعيد، الوضعية التي شهدتها أوروبا في المرحلة التي امتدت بين الحربين العالميتين اللتين سبّبتا قتل عشرات الملايين من الضحايا، ودماراً هائلاً شمل العمران والإنسان، والعلاقات بين المجتمعات والدول الأوروبية. ولكن أوروبا استطاعت تجاوز الكوارث، حينما قطعت مع أيديولوجيات الحقد والكراهية والسيطرة، وتجاوزت عقلية المظلوميات و"الثارات"، وخضعت لمنطق الحكمة والمصلحة والتزام الموجبات المطلوبة لتجاوز الماضي، والتوجه نحو المستقبل. وقد عرفت أوروبا هي الأخرى الخلافات المذهبية والقومية، وكان يُعتقد أن قضايا كثيرة لن تحلّ أبداً، ولكن حكمة التصميم على بلوغ الحلول الواقعية المقبولة انتصرت، وجعلت الأوروبيين مضرب المثل في ميدان القدرة على تجاوز العقبات، والوصول إلى الحلول التي تكون في مصلحة الجميع.

تركيا تعاني من أوضاعها الداخلية، السياسية منها، والاقتصادية التي تتمثل بتآكل قيمة الليرة، وتراجع الانتعاش الاقتصادي الذي كان واعداً في مرحلة من المراحل

ومنطقتنا بحكم قربها الجغرافي من أوروبا، واستناداً إلى علاقاتها الوثيقة معها عبر القرون، وهي العلاقات التي راوحت بين الصراع والاحتلال والتفاهم، والتحاور الحضاري، والتعاون الاقتصادي، تستطيع الاستفادة من التجارب الأوروبية الغنية على مختلف الصعد، مع مراعاة خصوصية مجتمعاتنا، وطبيعة القضايا التي تؤرّقنا، لتأتي الحلول منسجمةً مع وضعياتنا المشخّصة. ولكنها حلولٌ لا تبدأ من الصفر، بل تستلهم الكثير من الأفكار والنماذج من تجارب قريبة منا، أثبتت نجاحها في ظروف بالغة التعقيد.

لقد أضرّت الأيديولوجيات التعبوية التجييشية بمنطقتنا كثيراً، وسيستمر مفعولها السلبي طالما توجد قوى تستفيد منها، وتسوقها للتغطية على استبدادها وفسادها، وإخفاقها في تأمين المقدمات الأساسية، والمستلزمات الضرورية، لتنمية حقيقية تضمن مستقبلاً أفضل للأجيال المقبلة، فالأيديولوجيات المذهبية والقومية واليسارية، بأسمائها المختلفة، استخدمت في منطقتنا لتضليل الناس، وحشدهم في مواجهة "الآخر"، الخصم المتخيل. وكانت الحصيلة سلسلة طويلة من المصادمات والصراعات والحروب. بل ما زالت هذه الصراعات والحروب مستمرّة، وستستمر لتستهلك مزيداً من الموارد، وتفكّك بنية مجتمعات المنطقة الغنية بثرواتها وإمكاناتها البشرية.تحتاج منطقتنا تفاهماتٍ داخلية أساسها المصالح المشتركة التي ستفتح الأبواب أمام مزيد من التفاهمات والتفاعلات الإيجابية، وعلى جميع المستويات، خصوصاً الثقافية والمعرفية، والحضارية بصورة عامة. وقد تجاوز الأوروبيون عقدة الحروب المزمنة، والخلافات المستعصية، بمشروعٍ اعتبر، في البداية، أنه مجرّد حلم جميل، وقد تمثل في مشروع الفحم والصلب في 1951، ولكنه سرعان ما تطوّر، حتى أصبحنا اليوم أمام الاتحاد الأوروبي الذي يظل التكتل الأكثر إنتاجاً واستقراراً وتأثيراً وديمقراطية، على الرغم من جميع الثغرات التي يعاني منها. فما الذي يمنع دول المنطقة من الاجتماع والتوافق على معالجة أسباب الخلاف عبر معالجة أوضاعها الداخلية أولاً، والتركيز على ميادين التعاون الاقتصادي لمصلحة الجميع؟

أما الاستمرار في إنتاج الفزّاعات، وتسويقها، واتخاذها مسوغاً لمزيدٍ من الإنفاق على التسلح، وزيادة أعداد الجيوش، وشراء مزيد من الأسلحة، ووضع الحسابات المفتوحة تحت تصرّف الأجهزة المخابراتية والقمعية، فهذا لم، ولن، يمكّن المنطقة من بلوغ الأمان والاستقرار، وهما الشرطان اللذان لا استغناء عنهما في أي عمليةٍ تنمويةٍ حقيقية.

أضرّت الأيديولوجيات التعبوية التجييشية بمنطقتنا كثيراً، وسيستمر مفعولها السلبي طالما توجد قوى تستفيد منها، وتسوقها للتغطية على استبدادها وفسادها

قضايا المنطقة معقدة، لا خلاف على ذلك. لكن إمكانات الحلول وإيجاد المخارج هي الأخرى كبيرة، شرط التحرّر من الأوهام: أوهام التاريخ والأيديولوجيا والعظمة المفقودة، والتخلص من عقد الانتقام ونزعات التموضع والسيطرة. مجلس التعاون الخليجي، إذا تمكّن من تجاوز خلافاته، ووحّد صفوفه، وهذا ما نأمله، يمتلك من القدرات المالية، والمؤهلات السياسية والمعنوية ما تمكّنه من أداء دور فاعل على صعيد أخذ زمام المبادرة على المستوى الإقليمي، ودعوة جميع القوى الأساسية في الإقليم إلى الحوار والتفاهم، وأخذ القرارات الصعبة التي لا بد منها للانتقال إلى مرحلةٍ جديدةٍ بعقليةٍ جيدة، وأولوياتٍ جديدة تتمفصل حول مستقبل الأجيال المقبلة، وتقطع مع العقلية الماضوية التي لم تجلب لمجتمعاتنا سوى الكوارث. إذا ما تجاوز خلافاته التي غالباً ما تؤدّي إلى سياساتٍ ارتجالية وردود أفعال لا تتناسب مع الإمكانات المنتظرة، يمكنه مجلس التعاون الخليجي، بحكم علاقات أعضائه مع جميع القوى الإقليمية، واستناداً إلى الإمكانات الاقتصادية التي يمتلكها، والمشاريع الاستثمارية التي يمكن أن يتشارك فيها على أساس المصالح المتبادلة مع دول المنطقة، بل على المستوى الدولي، يستطيع أن يكون بوابة خروج دول المنطقة ومجتمعاتها من أزماتها الداخلية والإقليمية، ويكون رافعةً تنهض بالمنطقة، وتمكّنها من امتلاك شروط التقدّم الاقتصادي الذي سيضمن فرص التعليم والعمل لأجيالنا المقبلة، وهذا ما سيحقّق التوازن المجتمعي والنفسي، ويقطع الطريق أمام نزعات التشدّد والتطرّف والإرهاب. ولكن هذا وحده لا يكفي، بل المنطقة في حاجةٍ ماسّة إلى معالجة قضاياها الداخلية، وإيجاد الحلول الممكنة للمشكلات المزمنة. ويُشار هنا، بصورة خاصة، إلى القضية الفلسطينية، وكذلك القضية الكردية، والخلافات المذهبية، ولا سيما بين الشيعة والسُّنة، بالإضافة إلى بقية القضايا والخلافات التي يمكن إيجاد الحلول لها إذا ما جرى التعامل معها بعقل وقلب مفتوحين.

تحتاج منطقتنا مبادرة شجاعة، واضحة، تدعو إلى تحديد نقاط الخلافات لمعالجتها، وتجاوزها، والتركيز على نقاط التوافق والمصالح المشتركة، للبناء عليها، وتطويرها. هذه المبادرة يستطيع مجلس التعاون الخليجي، المتماسك المتفهم، أن يترجمها على أرضية الواقع، عبر الدعوة إلى لقاء أو مؤتمر عام للتعاون الإقليمي مثلاً، يكون إطاراً عاماً لتفعيل الحوارات والمبادرات بين مختلف الفعاليات الاقتصادية والعلمية والثقافية بأوسع معانيها، فمبادرة كهذه يمكن أن تؤسّس لمرحلةٍ جديدةٍ واعدة، تطمئن مجتمعات المنطقة، وتُبعد عنها شبح المزيد من الانهيارات. كذلك من شأن هذه المبادرة ضمان مستقبل أفضل للجيل الشاب، والأجيال المقبلة، في مجتمعات المنطقة. أما الاستمرار في التخندقات والصراعات، وربما التحوّل مستقبلاً إلى أدوات في لعبة استقطاب دولي جديدة، فهذا معناه قرن آخر، أو أكثر، من الصراعات العدمية العبثية التي ستلتهم المزيد، ولن تحصل مجتمعاتُنا منها، في نهاية المطاف، سوى السراب والخراب. 

هل نحلم؟ ربما. لكن الأحلام المتفائلة تظل، في جميع الأحوال، أفضل من العقلية الانتقامية السوداوية، وتهويلاتها الهستيرية.

=========================

اصطفافات مرحلة بايدن

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 16/12/2020

حتى قبل استلام إدارته السلطة بشكل رسمي في العشرين من الشهر المقبل (يناير/ كانون الثاني)، أخذت تداعيات فوز الرئيس المنتخب، جو بايدن، تظهر في العالم على شكل إعادة اصطفافات وتغير في سلوك الدول والحكومات. وعلى الرغم من أن التحول في المزاج الذي أحدثه فوز بايدن عالمي الطابع، أخذاً بالاعتبار موقع الولايات المتحدة ومكانتها قوة عظمى، إلا أن مظاهره تبدو أبرز في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، حيث تستمد الدول والحكومات الكثير من قدرتها على البقاء والاستمرار من عوامل خارجية، وتنضح من شرعياتٍ غير محلية. في الخليج، تسارعت خطوات طي صفحة الأزمة الخليجية، وإنهاء مظاهر حصار قطر استعداداً لتنصيب إدارة أميركية جديدة، بعد أن فشلت قبل ذلك كل الجهود التي بذلت خليجياً (الكويت) ودولياً لإنهائها منذ انطلاقها في يونيو/ حزيران 2017، علماً أن الأزمة نفسها بدأت بمتغير أميركي/ دولي، تمثل بوصول الرئيس ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة، وأجّجتها العلاقة الشخصية التي بنتها دول المقاطعة، خصوصاً الإمارات والسعودية، معه ومع عائلته، تحديداً صهره جاريد كوشنر. ومن الملفت أن الكونغرس قرّر، هذا الأسبوع فقط، فتح تحقيق بشأن مزاعم عن ارتباط مواقف إدارة الرئيس ترامب من الأزمة الخليجية بمصالح مالية خاصة به وبصهره.

ولأن وصول ترامب إلى الحكم شكل حافزاً أساسياً لاندلاع الأزمة الخليجية، من الطبيعي أن يؤدي خروجه إلى حدوث تغيير في دينامياتها وصولاً إلى حلها، على الأقل بين قطر والسعودية التي تجد نفسها في وضع أكثر صعوبةً مع إدارة بايدن من بقية دول المنطقة. ليس هذا فحسب، بل يؤذن خروج ترامب بنشوء خلافاتٍ بين دول تحالف حصار قطر، وبروز اختلافٍ في استراتيجيات تعاملها مع متغير وصول إدارة جديدة أكثر تمسّكاً بتقاليد السياسة الخارجية الأميركية ومقاربة العمل المؤسساتي. ففي وقتٍ اختارت فيه الإمارات تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، والوصول بها إلى مرحلة التحالف لمواجهة تركيا وإيران، وحماية نفسها من التغيرات في السياسة الأميركية، وتأثيراتها المحتملة على علاقاتها الثنائية معها، تميل السعودية إلى حلٍّ خلافاتها مع قطر والتهدئة مع تركيا، التي تجد، هي الأخرى، نفسَها على طريق صدامٍ محتملٍ مع إدارة بايدن، أخذاً بالاعتبار تصريحات هذا الأخير المعادية لها خلال حملته الانتخابية، وفرض إدارة ترامب، في أيامها الأخيرة، عقوباتٍ على أنقرة، بسبب شراء منظومات صواريخ إس 400 الروسية وتشغيلها، وهو اتجاهٌ يرجّح أن يستمر ويتصاعد مع إدارة بايدن.

وفيما تتطيّر أنقرة والرياض من بايدن وسياساته، تسود أجواء أكثر تفاؤلاً في طهران، مع توقع عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، واحتمال رفع بعض العقوبات عن إيران، خصوصاً المتصلة بتصدير النفط. بدأت انعكاسات هذا الأمر تظهر على العلاقات التركية - الإيرانية، إذ يتوقع أن تتقلّص حاجة إيران إلى تركيا اقتصادياً، بعد أن كانت أنقرة تشكل رئةً لها خلال فترة الحصار الأميركي، خصوصاً أن واشنطن استمرّت في إعفائها من الحظر المفروض على استيراد الغاز الإيراني. ولا تُخفي طهران أيضاً غبطتها بقرب انتهاء فترة السماح التي منحتها واشنطن لتركيا في عهد ترامب، للعمل بحريةٍ في تعزيز وجودها وتثبيت مصالحها من القوقاز إلى ليبيا، مروراً بسورية وشرق المتوسط. يتوقع بناء عليه أن يتصاعد التوتر في العلاقات الإيرانية - التركية، كما حصل أخيراً في ردة فعل إيران الحادّة على بيتي شعر ألقاهما الرئيس أردوغان في احتفالات النصر ضد أرمينيا في أذربيجان، والذي عدّه نصراً له أيضاً، وردة فعل تركيا في المقابل على استدراج إيران رئيس فرع السويد "لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز" إلى إسطنبول واختطافه منها.

انفتاح السعودية على تركيا وابتعاد هذه عن إيران قد يؤدّي إلى خلخلة التحالف السعودي - الإماراتي، وقد لوحظ خلال الأسابيع الأخيرة تراجع الدعم السعودي للقوى الكردية الفاعلة في شمال شرق سورية، فيما تستمر الإمارات في الاستثمار فيها وسيلة لإغضاب تركيا ومحاصرتها. قد نشهد أيضاً برودة في علاقات السعودية بمصر، وتقارباً أكبر بين هذه وكل من الإمارات وفرنسا وإسرائيل في مواجهة تركيا. كل هذا وأكثر يحصل، ولمّا يستلم بايدن بعد مقاليد الحكم في واشنطن، فماذا لو استلم وذهب أبعد قليلاً مما نقدّره حتى الآن؟

=========================

كومندوس إسرائيلي في الجيّة: حروب سرية استكمالاً للانهيار

منير الربيع

المدن

الاربعاء 16/12/2020

يشهد اللبنانيون هذه الأيام تحولاً تاريخياً: تحول لبنان الذي كان دولة في يوم ما، إلى بلد متحلل وساحة مستباحة. واستباحة الدولة اللبنانية لم تكن من عمل الذين دمروا بنية المؤسسات السياسية والدستورية والإدارية للدولة فحسب، باستدخالهم الصراعات السياسية الفئوية في صلبها وصلب عملها واستتباعها.

كومندوس في الجية

فمن أخطر تطورات هذه الاستباحة ومستجداتها – وهي كانت شائعة أيام الحروب الأهلية السابقة – تلك الاستخبارية والأمنية. وكان يحكى عن استباحة إسرائيلية للأجواء اللبنانية، حتى اعتاد اللبنانيون في يومياتهم على تحليق طائرات معادية في سمائهم. لكن المستجد ما كُشف عنه أخيراً: زورق كومندوس إسرائيلي وصل قبل أيام إلى شاطئ الجية، ولم تعرف حقيقة المهمة التي قام بها، ولا ما إذا كان في مهمة استطلاعية فقط.

لذا، يتخوف اللبنانيون من تحول البلاد إلى ساحة لحروب الظل على غرار ما حصل ويحصل في سوريا وإيران، معطوف عليها صراع استخباري يتوسع عمودياً وأفقياً، وهو ليس وليد هذه اللحظة، لكنه قابل للتفاقم والتوسع.

وهذا النوع من الحروب قائم. والدليل عليه سلسلة الأحداث المتفرقة التي حصلت سابقاً، ومنها تفجير سيارة القيادي في حركة حماس محمد حمدان قبل سنتين في مدينة صيدا. وبعدها عملية شارع معوض في ضاحية بيروت الجنوبية، بطائرتين مسيرتين ظل هدفهما مجهولاً، علماً أن أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله كان قد أعلن سابقاً أن قيادة حزبه علمت ما كان مستهدفاً.

ورافق هذه العملية تحليلات كثيرة واحتمالات حول إمكان حصول تسلل إسرائيلي لتشغيل هاتين الطائرتين والتحكم بهما، سواء عبر البحر أو البر.

هدف واحد: الانهيار 

واستمرت الحروب الأمنية والاستخبارية: من عملية استهداف سيارة مسؤولين في حزب الله قرب المصنع الحدودي، إلى عدم إسقاط احتمالات العمل المخابراتي في انفجار المرفأ، وبعده تفجيري عين قانا وجباع.

إذاً، لم يعد من شيء يمنع اتساع أفق مثل هذه العمليات. لا سيما في ضوء الإصرار الإسرائيلي على استهداف حزب الله وبنيته العسكرية والصاروخية. وهذا النشاط قد يُستأنف بعدما تعرقل مسار مفاوضات ترسيم الحدود. وكأن الضغوط التي يتعرض لها لبنان تقود كلها إلى خلاصة واحدة: لا خلاص إلا بالتفاهم مع إسرائيل، على غرار المكتسبات السياسية أو المالية التي تحققها الدول التي تذهب إلى خيار التطبيع.

وبما أن مسار ترسيم الحدود قد توقف، فإن احتمالات التصعيد تتجدد، إلى جانب ممارسة المزيد من الضغوط، وترك لبنان ينهار من دون تكلفة الحرب المباشرة.

ولم يعد لبنان يثير الاهتمام الدولي والعربي، وليس هناك من مستعد لتقديم دعم أو مساعدة في هذه المرحلة. كأن الجميع ينتظر الانهيار الشامل. وبعده يبدأ الكلام والاهتمام.

ماكرون واليونيفيل

والطرف الوحيد الذي يبدي اهتماماً بلبنان هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وهو يزور لبنان في 22 الشهر الجاري، ويلتقي قيادة قوات اليونيفيل في الجنوب، والقوة الفرنسية العاملة ضمن قوات الطوارئ الدولية. وحسب المعلومات، فإن ماكرون سيحمّل مسؤولية الانهيار الكاملة للمسؤولين اللبنانيين الذين لم يتلقفوا ما قدمته لهم فرنسا لإنقاذ بلدهم وحمايته من الانهيار.

ولدى ذكر زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجنوب، سارع مسؤول سياسي بارز إلى طرح سؤال يحمل الكثير من الاستياء، إذ يسأل: "هل سيمرّ ماكرون من الجية؟". وهذا في إشارة إلى حادثة الجية الأخيرة، وربطها بعدم الترحيب بزيارة الرئيس الفرنسي.

وهنا لا بد من الإشارة إلى حجم الضغوط الأميركية والأوروبية على الفرنسيين لتغيير وجهة تعاطيهم مع المعضلة اللبنانية، وخصوصاً مع إيران وحزب الله. ولا بد من انتظار ما سيقوله ماكرون خلال زيارة قوات اليونيفيل التي تسعى واشنطن إلى تعزيز نطاق عملها وصلاحياتها.

الجنوب السوري

سياسياً لا أحد يتوقع أن تحدث زيارة ماكرون تغييراً في الواقع السياسي اللبناني. لا الحكومة ستتشكل ولا الضغوط ستخف، وستكون الأبواب اللبنانية مشرعة على الكثير من الاحتمالات السيئة والخطرة، بما فيها الاحتمالات الأمنية والمخابراتية. إما من خلال استهدافات امنية موضعية، أو عبر تسجيل اختراقات في مناطق متعددة، على غرار ما حصل في الجية مثلاً.

وما يحصل في لبنان ليس بعيداً عن ما يحصل في سوريا. فالأميركيون والإسرائيليون يتوافقون على منع إيران من تشكيل تنظيم جديد مشابه لحزب الله في الجنوب السوري. ومواجهة هذا المشروع تفترض اتساعاً في النشاط العسكري والمخابراتي الإسرائيلي في الجنوب السوري، وربما على الحدود اللبنانية - السورية. 

=========================

جنود وأسلحة ومنصات.. ما طبيعة الدور الذي تلعبه مصر في سوريا؟

رامز الحمصي

ساسة بوست

الثلاثاء 15/12/2020

تقلب الموقف الحكومي المصري تجاه الثورة السورية بشكل جذري بين فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي والحالي عبد الفتاح السيسي، فالأول قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد، وقال إنه «لا مجال ولا مكان للنظام السوري الحالي في سوريا مستقبلًا، وأنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية»، بينما على النقيض كانت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي هي دعم جيش النظام السوري، فضلًا عن تحميل السوريين مسؤولية الانهيار في سوريا بسبب الثورة، من ثم تغير شكل تدخل مصر في سوريا في الفترة الأخيرة بشكل جذري.

ومع بداية إحكام السيسي يده على مقاليد الحكم في مصر، نأت الحكومة المصرية بنفسها عن الانخراط في الملف السوري بشكل علني، وراقبت عن كثب مواقف حلفائها من الدول العربية وخاصة الخليجية، لكنها صوتت في مجلس الأمن الدولي مرتين بشكل مفاجئ، أولها بالموافقة على مشروع القرار الروسي لإحياء اتفاق وقف الأعمال القتالية في سوريا، والذي لم يطالب بوقف الغارات الجوية والآخر بالامتناع عن التصويت على مشروع قرار سعودي يدين نظام الرئيس السوري، في خطوة بدت أنها إعلان خروج عن العباءة السعودية في هذا الملف.

ثم باشرت مصر دورها في تهيئة الأجواء أمام العديد من الاتفاقيات التي أدت إلى تهجير المعارضة نحو شمال سوريا، فالنجاح الأول كان بالوساطة في وقف إطلاق النار بريف حمص أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وكذلك وساطة في هدنة الغوطة يوليو (تموز) 2017، إذ بدت أنها محاولات مصرية حثيثة لتوسيع دورها في الأزمة السورية، ولكن ما طبيعة الدور الذي لعبته مصر خلال حكم السيسي في سوريا بالتحديد؟

احتواء وترويض «معارضة الأسد الناعمة»

لم يفتأ النظام المصري في عقد اجتماعات دولية من أجل تبني الحل السياسي على أرضها، فمؤخرًا احتضنت مصر جهودًا عربية لإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية وإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، إذ عقدت مصر والسعودية والإمارات والأردن، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، اجتماعًا على مستوى وزارات الخارجية لبحث تطورات الحرب السورية.

نتج عن هذا الاجتماع إصدار بيان للخارجية المصرية قالت فيه إن «الاجتماع بين الدول الأربع بحث سبل حل الأزمة السورية وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254»، وهو ما رأى فيه طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، لموقع «المونيتور»، أن القاهرة ستلعب دورًا في ردم الهوة بين دول الخليج والنظام السوري أو على الأقل تقليص الخلافات بين الجانبين.

سابقًا، ومع تفاقم الأزمة السورية، وانسداد أفق التفاوض مع النظام السوري، ظهرت منصتا «القاهرة» و«موسكو» كتجمعات سورية أعلن عنها في كل من مصر وسوريا بين عامي 2014 و2015، إلا أن بعض أطياف المعارضة الأخرى ترى أنهما تحابيان روسيا ونظام بشار الأسد وتملكان توجهات وأولويات تتباين مع أولويات الهيئة العليا للمفاوضات، وكانت أول مشاركة للمنصتين على المستوى السياسي في مفاوضات «جنيف 4» بواقع مقعد واحد لكل منهما ومن ثم ارتفعت إلى ثلاثة مقاعد.

تأسست منصة «القاهرة» التي تتخذ من العاصمة المصرية مقرًا ومركز نشاط سياسي لها خلال مؤتمر المعارضة السورية يونيو (حزيران) 2015، الذي دعت إليه وزارة الخارجية المصرية، تحت عنوان «من أجل الحل السياسي في سوريا». حيث تم الإعلان عن المنصة برئاسة حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق في الداخل السوري، والفنان السوري جمال سليمان، وجهاد مقدسي، الناطق السابق باسم وزارة الخارجية السورية والذي انشق عن النظام.

وتعرّضت المنصة للانتقادات خاصة بعد تصريح حينها لوكالة «سبوتنيك» عضو المنصة الدكتور أنور المشرف، «بأن المعارضة بالقاهرة تتبنى مبادرة، أسستها على نتائج زيارة مستشار الأمن القومي السوري علي مملوك إلى القاهرة، وتقضي باستبعاد المعارضة التي تؤمن بالحلول المسلحة، والإبقاء على المعارضة السلمية المؤمنة بالحل السياسي فقط حلًّا للأزمة السورية».

ويشير المحامي محمد صبرا الذي كان كبير المفاوضين في الهيئة العليا للمفاوضات، في حديث مع «العربي الجديد»، «أن منصة القاهرة متحركة، بمعنى أنها مجموعة أشخاص أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين اجتمعوا في عام 2015، ولولا مشاركة هيئة التنسيق الوطنية في هذا الاجتماع، لما كان له أي صدى وليس من حقهم الادعاء بتمثيل شرائح مجتمعية أو تيارات سياسية، فحتى اللحظة لا نعرف من هم أعضاء منصة القاهرة بالضبط، وبالتالي من المشروع جدًا السؤال عن ماهية منصة القاهرة ومن يقف وراءها، ومدى ارتباطها بالأجندة الروسية في سوريا».

وحديثًا تواردت الأنباء عن اختلاف بين أعضاء المنصة خلال اجتماعهم في ديسمبر (كانون الأول) 2020، إذ نقلت صحيفة «المدن»، عن مصادر مطلعة أن الخلاف نتيجة «الطرح المتداول حاليًّا المتعلق باستبدال أحمد الجربا، رئيس تيار الغد في المنصة، بخالد المحاميد المدعوم من الإمارات، بناءً على توصيات من الخارجية المصرية، إذ ينقسم غالبية أعضاء المنصة بين من هو مرتبط بالخارجية وبين الذين تجمعهم علاقة وطيدة بالمخابرات المصرية، فيما للجهتين حاليًا توجهات غير متطابقة حيال الصراع في سوريا».

مؤتمرات القاهرة لزيادة انقسام المعارضة

خلال السنوات التسع السابقة دار السوريون في دوامة المؤتمرات من مؤتمري القاهرة إلى جنيف واحد إلى اللانهائية، ثم سوتشي وآستانة، وصولًا للدستورية وجولاتها، فضلًا عن مؤتمرات الرياض الثلاث، والآن التحضير لعقد «القاهرة 3» الذي ربما يكون رقمًا هو الآخر، فلا شيء واضح لمخرجاته سوى أن مهمة المؤتمر إنشاء لجنة متابعة لمنصة القاهرة، بحسب الناطقة الإعلامية في «تيار الغد السوري»، مزن مرشد، خلال حوارها مع صحيفة «زمان الوصل».

وقد أضافت مزن خلال الحوار أن «المؤتمر يعقد برعاية جمهورية مصر العربية وتحت رعايتها، وأن هناك لجنة تحضيرية للمؤتمر هي من ستتدارس وتقرر من هي الجهات التي ستتم دعوتها للحضور، من القوى الديمقراطية السورية المؤمنة بضرورة وقف الدم السوري والوصول إلى حل سياسي مرضي يلتزم بثوابت الثورة وقرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 2254».

القاهرة احتضنت مؤتمرين، الأول في يوليو (تموز) 2012، والذي شكل لفتة أمل للمعارضة السورية خرجت عنه «وثيقة عهد وطني» احتوت أبرز بنودها على دعم الجيش السوري الحر، وأن الحل السياسي في سوريا، يبدأ بإسقاط النظام، ممثلًا في بشار الأسد ورموز السلطة وضمان محاسبة المتورطين منهم في قتل السوريين.

أما المؤتمر الثاني والذي عقد في يونيو (حزيران) 2015، بعنوان «من أجل الحل السياسي في سوريا» بحث إقرار خارطة الطريق لتنفيذ مقررات «جنيف واحد»، إذ رأت «المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام»، «أن المؤتمر جاء ليزيد انقسام المعارضة السورية عبر البحث عن قطب سياسي خارج المنظومة الدولية التي دعمت «الائتلاف الوطني»، وخارج المنظومة الروسيةـ الكازاخية التي تعبر عنها «الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير» وبعض القوى المحسوبة على النظام، حيث إن هيئة التنسيق المكون الأساسي لمنصة القاهرة تركز على البعد العسكري والإنساني في وظائف هيئة الحكم أثناء المرحلة الانتقالية، في حين يصر «الائتلاف» على مسألة تشكيل الهيئة الانتقالية وحدودها وصلاحيتها السياسية باعتبارها أولوية لأي حل في سوريا».

تدخل عسكري.. صواريخ وجنود

حافظت مصر في عهد السيسي على العلاقات مع النظام السوري، بزيارات متكررة بين المسؤولين المصريين والسوريين، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2018، زار رئيس جهاز الأمن القومي السوري اللواء علي مملوك القاهرة والتقى برئيس جهاز المخابرات العامة المصري عباس كامل. ولم تكن زيارة مملوك في ذلك الوقت هي الأولى، ففي أكتوبر 2016، قام مملوك بزيارة رسمية إلى القاهرة والتقى نائب رئيس جهاز الأمن القومي في مصر اللواء خالد فوزي.

أما إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مقابلة مع قناة «أر تي بي» البرتغالية عام 2016، إن مصر تنحاز إلى ما أسماه «الجيش العربي السوري»، ثم زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، لدمشق، في مارس (آذار) 2020، ولقاءه مسؤولين في النظام السوري، يفسر حيازة الأخير على الأسلحة المصرية فضلًا عن وجود جنود مصريين وخبراء مشاركين في العمليات العسكرية مع قوات النظام السوري حسب شهادات متعددة.

صواريخ من عائلة «صقر»، التي تنتجها الهيئة العربية للتصنيع، هي من عيار 122 ملم برأس حربي يزن 19 كيلو جرامًا، ومدى يصل إلى 20 كيلومترًا، كانت أبرز ما تم توثيقه وثبت استخدامه من قبل النظام السوري خلال معاركه ضد فصائل المعارضة، إذ صرح الرائد سعد أبو الحزم، قائد اللواء الأول في «فيلق الشام» التابع للمعارضة السورية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، عن السيطرة على عشرات الكراتين من الذخيرة المصرية في مخازن قرية منيان بريف محافظة حلب شمالي البلاد، وتظهر الصور التي نشرها «أبو الحزم»، أن الذخيرة مصنوعة في «مصنع 27» التابع لشركة «شبرا» للصناعات الهندسية المصرية.

وغداة إعلان السيسي دعمه لجيش النظام السوري، كشفت صحيفة «السفير» اللبنانية عن انضمام 18 طيارًا إلى قاعدة حماه الجوية التابعة لقوات النظام، وأن أواخر شهر يناير 2017 سيكون ساعة الصفر التي سترتفع بعدها وتيرة الانخراط المصري العسكري في سوريا، إذ أشارت أن الوحدة المصرية يرأسها أربعة ضباط كبار من هيئة الأركان المصرية في مقرّ الأركان السورية في دمشق، يعمل منهم ضابطان مصريان برتبة لواء، على مقربة من غرف العمليات، وأن اللواءين المصريين يقومان بجولات استطلاعية على الجبهات السورية.

لكن متحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نفي وجود أية قوات مصرية مساندة للنظام السوري آنذاك، ولكن ذلك لم يبدد الحديث عن وجود عناصر من الجيش المصري في سوريا، خاصة بعد المقطع المنتشر حينها الذي يصور عملية أسر ضابط مصري منحدر من القاهرة في معارك مدينة حلب عام 2015، اعترف بوجوده ضمن كتيبة المرابطين التي تقاتل مع قوات النظام.

ومؤخرًا في يوليو 2020، نقلت وكالة «الأناضول» التركية، عن مصادر عسكرية وصول عشرات الجنود المصريين إلى الشمال السوري للقتال بجانب قوات النظام، ينتشرون بأسلحتهم الخفيفة برفقة المجموعات التابعة لإيران على خطوط الجبهة ضد فصائل المعارضة السورية المعتدلة، وهو ما أكده «مضر أبو أحمد» العامل في المرصد العسكري التابع للجيش الحر على جبهات ريف إدلب الجنوبي لـ«ساسة بوست»، «أنهم اعترضوا تسجيلات صوتية لأحد الضباط المصريين، مشيرًا أن العناصر المصرية توزعت بـ50 عنصرًا حول سراقب في إدلب و98 في خان العسل بريف حلب».

كعكة مصر في سوريا.. ملف إعادة الإعمار

الكعكة السورية لم تغب عن رؤية النظام الحكام في مصر، فسوريا تعتبر مقرًا لجلب استثمارات هائلة خاصة أن مصر تأخرت في الدخول إلى العراق لإعمارها، وهنا لا يريد «السيسي» تكرار الخطأ نفسه، لا سيما أنه الآن يحيط بدول مليئة بالحروب وهي أرض خصبة لتربعه على الاستثمارات فيها كفلسطين وليبيا والسودان، وحليفه النظام السوري، فبدأت وزارة التجارة والصناعة المصرية تحركاتها واتصالاتها الواسعة مع الشركات المصرية، بنهاية نوفمبر (تشرين ثاني) 2018 تمهيدًا للمشاركة في إعمار سوريا، ووفق بيان المجلس التصديري لموادّ البناء.

ويوضح المجلس التصديري أن غرضهم من الانخراط في السوق السورية هو بغرض تعزيز الدور المصريّ في إعادة الإعمار خصوصًا أنّ هناك بالفعل طلبًا كبيرًا على منتجات الحديد والصلب والنحاس والألومنيوم ومصنوعاتها والسيراميك والمواد العازلة والأدوات الصحية، بحسب بيان المجلس، كما شاركت مصر رسميًا في معرض دمشق الدولي في يوليو 2017 الماضي بجناح على 610 متر، وفقًا لما نشرته وكالة الأنباء الرسمية السورية، وشاركت 30 شركة مصرية في المعرض، لتعظيم دور القطاع الخاص المصري في إعادة إعمار سوريا، وفقًا لما أعلنه اتحاد الغرف التجارية المصري.

وعلى الصعيد ذاته، أطلقت لجنة التشييد والبناء في جمعية رجال الأعمال المصريين، وهي منظمة تصنف نفسها أنها غير حكومية ولا تهدف للربح، وتعمل على دعم التنمية الاقتصادية ورفع كفاءة الكوادر البشرية بحسبها، مبادرة لإعادة إعمار سوريا، بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة، في نوفمبر 2017 من خلال شركات المقاولات المصرية، مع تشكيل مجموعات عمل لتحديد متطلبات عمل ووسائل ضمان مستحقات الشركات المصرية التي ستشارك في إعادة الإعمار.

لكن المحلل الاقتصادي السوري سقراط العلو في حديثه لجريدة «عنب بلدي»، اعتبر أن دخول الشركات المصرية نابع من سببين، الأول علاقة مصر مع النظام السوري، التي تحسنت عقب وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، والذي حاول اتخاذ موقف الحياد في القضية السورية، إلا أن العلاقة مستمرة وجيدة رغم أنها غير معلنة، خاصة وأن الوقائع على الأرض تشير إلى وصول أسلحة من مصر إلى النظام، والثاني أن دخول الشركات يأتي بدفع من روسيا بسبب التقارب المصري- الروسي.

=========================

شعوب منطقتنا بين واقعها وأحلامها

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 15/12/2020

ما تشهده منطقتنا، منذ نحو عقد، حربٌ إقليميةٌ شاملة، مع تدخّل خارجي من أكبر قوتين عسكريتين في العالم، إلى جانب التدخل المباشر، أو غير المباشر، للقوى الدولية المتحالفة مع هذا المعسكر أو ذاك. والحرب الإقليمية هذه تأخذ أشكالاً عدة، منها عسكرية ميدانية، ومنها مخابراتية، ومنها اقتصادية، ومنها مذهبية قومية. أما الحصيلة، فهي حطامٌ بمعناه الكامل على صعيد الاجتماع والعمران والمستوى المعرفي والتقدّم التكنولوجي، فموارد المنطقة البشرية والمالية تتعرّض لنزفٍ كبير. والآثار التراجيدية لحروبها وتناحراتها وصراعاتها مرشّحةٌ للاستمرار إلى ما شاء الله؛ هذا ما لم تأخذ القوى الإقليمية الأساسية قرارات التفاهم والتوافق على إدارة الخلافات، واتخاذ القرارات الصعبة من أجل إيجاد المخارج للعقد المستعصية والمعادلات التي تبدو مستحيلة الحل.

الأزمة السورية ما زالت مسدودة الآفاق. وكذلك الوضع في لبنان. أما العراق، فيعيش على الحد الأدنى من التوافق السلبي بين الأميركان والإيرانيين. والوضع اليمني بات أشبه بالثقب الأسود الذي يبتلع الإمكانات من دون أي أثر، ويسبب مأساة إنسانية كبرى. ومصر تعاني من عدم قدرتها على تحقيق مصالحاتها الذاتية التي من شأنها الارتقاء بها إلى ما يتناسب مع حجمها وتاريخها ودورها الحضاري، الممكن والمنتظر. وتركيا تعاني من أوضاعها الداخلية، السياسية منها بين الحكومة والمعارضة، والاقتصادية التي تتمثل بتآكل قيمة الليرة، وتراجع الانتعاش الاقتصادي الذي كان واعداً في مرحلة من المراحل. هذا إلى جانب الإخفاق في التوصل إلى حل عادل مقبول للمسألة الكردية التي تظل القضية الوطنية الأكبر والأهم على مستويي الدولة والمجتمع في تركيا. وإيران تعاني من أوضاعها الداخلية المعقدة، فالنظام القائم هو في مواجهةٍ مع مختلف المكونات الإيرانية. كذلك فإنه في مواجهةٍ مع الإصلاحيين والمعارضين، الشباب والنساء، وفي مواجهةٍ مع الإصلاحيين الذين هم جزء من النظام نفسه. أما إسرائيل، فهي الأخرى، على الرغم مما يبدو أنها قد استفادت كثيراً من الخراب الذي تعرّضت له المنطقة، تعاني من خلافاتها البينية، كذلك فإنها تعاني من هاجسٍ وجوديٍّ مستدام، ما دامت لم تتمكن من الوصول إلى حلٍّ واقعي مقبول مع الجانب الفلسطيني.

في هذه الأجواء العاصفة الملبدة بالغيوم السوداء التي تُنذر بمزيد من الكوارث، يأتي الحديث عن إمكانية الوصول إلى توافق خليجي بوساطة كويتية - أميركية؛ وبما تؤدي إلى تجاوز الخلاف الحاد الذي استمر، على غير العادة، بين قطر من جهة، وكل من السعودية والبحرين والإمارات، ومعهم مصر، من جهة أخرى.

الأزمة السورية ما زالت مسدودة الآفاق. وكذلك الوضع في لبنان. والعراق يعيش على الحد الأدنى من التوافق السلبي بين الأميركان والإيرانيين

وعلى الرغم من بذل الجهود من الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية بهدف التوصل إلى حلٍّ ما في هذه الدولة أو تلك، فإنها تظل محاولات عقيمة. لقد باتت قضايا المنطقة متداخلةً متشابكةً، تستخدمها القوى الإقليمية الأساسية، والقوى الدولية، أوراق ضغط ومساومة، تحقق بها المصالح، أو تساعدها في تجاوز أزماتها الداخلية عبر عملية الركض نحو الأمام، وإلهاء الداخل بأخبار الانتصارات الخارجية.

تشبه هذه الوضعية، إلى حد بعيد، الوضعية التي شهدتها أوروبا في المرحلة التي امتدت بين الحربين العالميتين اللتين سبّبتا قتل عشرات الملايين من الضحايا، ودماراً هائلاً شمل العمران والإنسان، والعلاقات بين المجتمعات والدول الأوروبية. ولكن أوروبا استطاعت تجاوز الكوارث، حينما قطعت مع أيديولوجيات الحقد والكراهية والسيطرة، وتجاوزت عقلية المظلوميات و"الثارات"، وخضعت لمنطق الحكمة والمصلحة والتزام الموجبات المطلوبة لتجاوز الماضي، والتوجه نحو المستقبل. وقد عرفت أوروبا هي الأخرى الخلافات المذهبية والقومية، وكان يُعتقد أن قضايا كثيرة لن تحلّ أبداً، ولكن حكمة التصميم على بلوغ الحلول الواقعية المقبولة انتصرت، وجعلت الأوروبيين مضرب المثل في ميدان القدرة على تجاوز العقبات، والوصول إلى الحلول التي تكون في مصلحة الجميع.

تركيا تعاني من أوضاعها الداخلية، السياسية منها، والاقتصادية التي تتمثل بتآكل قيمة الليرة، وتراجع الانتعاش الاقتصادي الذي كان واعداً في مرحلة من المراحل

ومنطقتنا بحكم قربها الجغرافي من أوروبا، واستناداً إلى علاقاتها الوثيقة معها عبر القرون، وهي العلاقات التي راوحت بين الصراع والاحتلال والتفاهم، والتحاور الحضاري، والتعاون الاقتصادي، تستطيع الاستفادة من التجارب الأوروبية الغنية على مختلف الصعد، مع مراعاة خصوصية مجتمعاتنا، وطبيعة القضايا التي تؤرّقنا، لتأتي الحلول منسجمةً مع وضعياتنا المشخّصة. ولكنها حلولٌ لا تبدأ من الصفر، بل تستلهم الكثير من الأفكار والنماذج من تجارب قريبة منا، أثبتت نجاحها في ظروف بالغة التعقيد.

لقد أضرّت الأيديولوجيات التعبوية التجييشية بمنطقتنا كثيراً، وسيستمر مفعولها السلبي طالما توجد قوى تستفيد منها، وتسوقها للتغطية على استبدادها وفسادها، وإخفاقها في تأمين المقدمات الأساسية، والمستلزمات الضرورية، لتنمية حقيقية تضمن مستقبلاً أفضل للأجيال المقبلة، فالأيديولوجيات المذهبية والقومية واليسارية، بأسمائها المختلفة، استخدمت في منطقتنا لتضليل الناس، وحشدهم في مواجهة "الآخر"، الخصم المتخيل. وكانت الحصيلة سلسلة طويلة من المصادمات والصراعات والحروب. بل ما زالت هذه الصراعات والحروب مستمرّة، وستستمر لتستهلك مزيداً من الموارد، وتفكّك بنية مجتمعات المنطقة الغنية بثرواتها وإمكاناتها البشرية.

تحتاج منطقتنا تفاهماتٍ داخلية أساسها المصالح المشتركة التي ستفتح الأبواب أمام مزيد من التفاهمات والتفاعلات الإيجابية، وعلى جميع المستويات، خصوصاً الثقافية والمعرفية، والحضارية بصورة عامة. وقد تجاوز الأوروبيون عقدة الحروب المزمنة، والخلافات المستعصية، بمشروعٍ اعتبر، في البداية، أنه مجرّد حلم جميل، وقد تمثل في مشروع الفحم والصلب في 1951، ولكنه سرعان ما تطوّر، حتى أصبحنا اليوم أمام الاتحاد الأوروبي الذي يظل التكتل الأكثر إنتاجاً واستقراراً وتأثيراً وديمقراطية، على الرغم من جميع الثغرات التي يعاني منها. فما الذي يمنع دول المنطقة من الاجتماع والتوافق على معالجة أسباب الخلاف عبر معالجة أوضاعها الداخلية أولاً، والتركيز على ميادين التعاون الاقتصادي لمصلحة الجميع؟

أما الاستمرار في إنتاج الفزّاعات، وتسويقها، واتخاذها مسوغاً لمزيدٍ من الإنفاق على التسلح، وزيادة أعداد الجيوش، وشراء مزيد من الأسلحة، ووضع الحسابات المفتوحة تحت تصرّف الأجهزة المخابراتية والقمعية، فهذا لم، ولن، يمكّن المنطقة من بلوغ الأمان والاستقرار، وهما الشرطان اللذان لا استغناء عنهما في أي عمليةٍ تنمويةٍ حقيقية.

أضرّت الأيديولوجيات التعبوية التجييشية بمنطقتنا كثيراً، وسيستمر مفعولها السلبي طالما توجد قوى تستفيد منها، وتسوقها للتغطية على استبدادها وفسادها

قضايا المنطقة معقدة، لا خلاف على ذلك. لكن إمكانات الحلول وإيجاد المخارج هي الأخرى كبيرة، شرط التحرّر من الأوهام: أوهام التاريخ والأيديولوجيا والعظمة المفقودة، والتخلص من عقد الانتقام ونزعات التموضع والسيطرة. مجلس التعاون الخليجي، إذا تمكّن من تجاوز خلافاته، ووحّد صفوفه، وهذا ما نأمله، يمتلك من القدرات المالية، والمؤهلات السياسية والمعنوية ما تمكّنه من أداء دور فاعل على صعيد أخذ زمام المبادرة على المستوى الإقليمي، ودعوة جميع القوى الأساسية في الإقليم إلى الحوار والتفاهم، وأخذ القرارات الصعبة التي لا بد منها للانتقال إلى مرحلةٍ جديدةٍ بعقليةٍ جيدة، وأولوياتٍ جديدة تتمفصل حول مستقبل الأجيال المقبلة، وتقطع مع العقلية الماضوية التي لم تجلب لمجتمعاتنا سوى الكوارث. إذا ما تجاوز خلافاته التي غالباً ما تؤدّي إلى سياساتٍ ارتجالية وردود أفعال لا تتناسب مع الإمكانات المنتظرة، يمكنه مجلس التعاون الخليجي، بحكم علاقات أعضائه مع جميع القوى الإقليمية، واستناداً إلى الإمكانات الاقتصادية التي يمتلكها، والمشاريع الاستثمارية التي يمكن أن يتشارك فيها على أساس المصالح المتبادلة مع دول المنطقة، بل على المستوى الدولي، يستطيع أن يكون بوابة خروج دول المنطقة ومجتمعاتها من أزماتها الداخلية والإقليمية، ويكون رافعةً تنهض بالمنطقة، وتمكّنها من امتلاك شروط التقدّم الاقتصادي الذي سيضمن فرص التعليم والعمل لأجيالنا المقبلة، وهذا ما سيحقّق التوازن المجتمعي والنفسي، ويقطع الطريق أمام نزعات التشدّد والتطرّف والإرهاب. ولكن هذا وحده لا يكفي، بل المنطقة في حاجةٍ ماسّة إلى معالجة قضاياها الداخلية، وإيجاد الحلول الممكنة للمشكلات المزمنة. ويُشار هنا، بصورة خاصة، إلى القضية الفلسطينية، وكذلك القضية الكردية، والخلافات المذهبية، ولا سيما بين الشيعة والسُّنة، بالإضافة إلى بقية القضايا والخلافات التي يمكن إيجاد الحلول لها إذا ما جرى التعامل معها بعقل وقلب مفتوحين.

تحتاج منطقتنا مبادرة شجاعة، واضحة، تدعو إلى تحديد نقاط الخلافات لمعالجتها، وتجاوزها، والتركيز على نقاط التوافق والمصالح المشتركة، للبناء عليها، وتطويرها. هذه المبادرة يستطيع مجلس التعاون الخليجي، المتماسك المتفهم، أن يترجمها على أرضية الواقع، عبر الدعوة إلى لقاء أو مؤتمر عام للتعاون الإقليمي مثلاً، يكون إطاراً عاماً لتفعيل الحوارات والمبادرات بين مختلف الفعاليات الاقتصادية والعلمية والثقافية بأوسع معانيها، فمبادرة كهذه يمكن أن تؤسّس لمرحلةٍ جديدةٍ واعدة، تطمئن مجتمعات المنطقة، وتُبعد عنها شبح المزيد من الانهيارات. كذلك من شأن هذه المبادرة ضمان مستقبل أفضل للجيل الشاب، والأجيال المقبلة، في مجتمعات المنطقة. أما الاستمرار في التخندقات والصراعات، وربما التحوّل مستقبلاً إلى أدوات في لعبة استقطاب دولي جديدة، فهذا معناه قرن آخر، أو أكثر، من الصراعات العدمية العبثية التي ستلتهم المزيد، ولن تحصل مجتمعاتُنا منها، في نهاية المطاف، سوى السراب والخراب. 

هل نحلم؟ ربما. لكن الأحلام المتفائلة تظل، في جميع الأحوال، أفضل من العقلية الانتقامية السوداوية، وتهويلاتها الهستيرية.

=========================

سورية .. من الائتلاف إلى مؤتمر القوى الوطنية

عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 14/12/2020

وصل جبل الجليد إلى لحظة انهياره، مع "المفوضية العليا للانتخابات"؛ حيث أعلنت قوىً عديدة وشخصيات وفاعليات سورية معارضة كثيرة رفضاً قاطعاً لقرار الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية هذا. وتشكل الورقة الأخيرة المُقدمة من وفد هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية إلى اللجنة الدستورية تخلّيا آخر عن القرارات الدولية، وانطواءً في حيثيات وفد النظام، أي الاحتكام إلى صندوق الاقتراع! مشكلة هذه القوى والفاعليات ليس في نقدها ورفضها ذلك القرار و"الائتلاف" نفسه، والمطالبة بحلّه، واعتباره لاغياً، ولا يمثل السوريين في أيِّ ميدانٍ أو قضية أو تمثيلٍ دولي. مشكلتها في صمتها الطويل عن أيّ خطوة عملية من قبل، وربما عدم إلمامها بما عليه حال "الائتلاف" ووظيفته في خدمة التنسيق التركي الروسي، لإنهاء الثورة، بل ولإنهاء المعارضة ذاتها، وإعادة إنتاج النظام، وعدا ذلك ربما كانت تنتظر دورها لتكون في قيادته!

مشكلتنا، نحن السوريين، الآن في: إعادة تكريس معارضةٍ ميتة، أو استمرار "الائتلاف"، ووظيفته إعادة إنتاج النظام، فهل من قوّة ثالثة مستقلة؟

سقط "الائتلاف" عملياً، منذ قَبِلَ بتشكيل هيئة مفاوضات جديدة، فيها منصتا موسكو والقاهرة، والتنازل عن شروطٍ واجبة للبدء بأيّة مفاوضات مع النظام، فدخل لعبة الدول المتدخلة، أي صار أداة بيدها، وشكّل حكومة مؤقتة تابعة للأتراك، وصمت عن التنسيق إياه، وهذا أدّى إلى تراجع كبير في موقع الثورة والمعارضة عالمياً، وتقدّمت المشاريع الجهادية من ناحية، وبديلا عنه، ومن ناحية أخرى، مشاريع روسيا: أستانة، سوتشي، واللجنة الدستورية، وأخيرا مؤتمر اللاجئين في دمشق. رفض أميركا وأوروبا هو ما أفشل كل مشاريع روسيا وليس "الائتلاف" الّذي دلّت مسيرته، وقراره الجديد، على أنّه أضاع بوصلة القضية السورية بالكامل، وصارت وظيفته المساهمة في إعادة إنتاج النظام عبر الانتخابات المقبلة، والاشتراك فيها.

هذه أحوال ائتلاف "النظام"، ولكن ما هي أحوال بقية المعارضات؟ لماذا لم تتجمع وتتشارك في معارضةٍ جديدة؟ ألم تشترك فيه شخصياتٌ كثيرة، تنتقده اليوم! لنقل إنهم اكتشفوا ممارساته الرديئة لاحقاً، والسؤال: ماذا فعلتم أنتم؟ لا شيء، بكل بساطة.

سمحت خطيئة "الائتلاف" غير المسبوقة بحركةٍ نشطةٍ وفاعلة، هي ردّة فعلٍ، واستثمار في الخطيئة! وهذا ليس سيئا في حدِّ ذاته. أما السيئ، فإن هذه الحركة لا تتجاوز التشهير بـ"الائتلاف" والدعوة إلى معارضة جديدة، ووفق مبادئ الثورة ذاتها لعام 2011. ولكن السؤال: ألم تكن تلك المبادئ موجودة، وتمّ الابتعاد عنها، واحتُكِرَ العمل المعارض لصالح قوىً محدّدة بعينها. وبعد ذلك، تمّ إشراك قوىً وشخصياتٍ لا علاقة لها بالثورة أو المعارضة، وهي ممثلة لدولٍ خارجية فقط "لنتأمل شخصية خالد الخوجة وأحمد الجربا أو أنس العبدة أو نصر الحريري"!

سمحت خطيئة "الائتلاف" غير المسبوقة بحركةٍ نشطةٍ وفاعلة، هي ردّة فعلٍ، واستثمار في الخطيئة!

ما حدث من تطورات في الوضع السوري، ومنذ العام 2011، هو ما يستدعي معارضةً جديدة، حيث لم يكن الفشل من نصيب "الائتلاف"، بل ومعه كل القوى المعارضة للنظام. هذا يعني أن ذلك الفشل، وارتهان النظام لإيران وروسيا قابله ارتهان المعارضة لدول الخليج ولتركيا ولسواها. وبالتالي، لم تعد القضية سوريّةً، وأصبحت إقليمية وعالمية فحسب. مبرّرات وجود معارضة جديدة تكمن في كيفية استعادة المسألة السورية، وليس فقط المعارضة أو الثورة أو النظام حتى. هذا يعني أن أي معارضةٍ جديدةٍ يجب أن تمثل الغالبية العظمى من السوريين، والتي أصبحت مهجرة أو مفقرة، وتعدّت نسبتها 85%. وعدا ذلك، لم يعد السوريون يعرفون هوية موحدة، أو أرضاً ينطلقون منها للنضال الوطني، وصارت كتل منهم تفضّل تركيا أو إيران أو روسيا أو أميركا أو.. أو.. هذه مأساة لثورةٍ شعبية، حدثت من أجل الانتقال الديمقراطي، والعدالة الاجتماعية وتعزيز الروح الوطنية، وإذا بها تصبح ألعوبة بيد الخارج، وأدوات اللعب هي النظام والمعارضة المكرّسة.

أن تفشل المعارضة المكرّسة يعني أن عليها أن تجلس في بيوتها، وأن تستقيل شخصياتها الأساسية من العمل السياسي

مبرّرات مؤتمر جديد للقوى السورية المعارضة كثيرة، والأساس الصلب فيها هو الإعلان عن مشروعٍ وطنيٍّ يتجاوز كل أشكال الانقسام السوريّة، وشطب المؤسسات المكرّسة حالياً، وهذا ينطلق أولاً من رؤية مصالح الأكثرية المهمّشة في نظام ديمقراطي، وعدالة اجتماعية وتحرّر وطني من كل احتلال أصبح في سورية. وثانياً، إيجاد حل عادل للقضايا القومية. وثالثاً، الإعلان عن نظام سياسي يستند إلى المواطنة والدولة الحديثة، والفصل الدقيق بين الأديان والسياسة، ورفض مبدأ الأحزاب الدينية، وإنما تتشكّل الأحزاب وفقاً لبرامجٍ سياسية عابرة للطوائف والمحليّات والمدن، وسوى ذلك سيعني تعزيزاً للهويات ما قبل الوطنية.

أصبحت الانقسامات السوريّة كارثية، وهي حقيقيّة، وبغض النظر عن مقدار الأوهام فيها أو الحقائق. نقطة الانطلاق في طيٍّ ذلك هي الاعتراف بالمسؤولية عن تلك الانقسامات، وإجراء محاكماتٍ عادلةٍ لمن ارتكبوا جرائم بحق السوريين، كائنين من كانوا. والحركة النشطة للمعارضة بعد نومة أهل الكهف لا يجوز استغلالها من أجل تشكيل جسم معارض بشعاراتٍ رنّانة وحمقاء، أو الاكتفاء بأهداف الثورة في العام 2011 وتكرارها. العودة إلى القرارات الدولية، وبدءاً ببيان جنيف 1 وقراري مجلس الأمن 2118 و2254 وسواها، والانطلاق من هيئة حكم مستقلة الصلاحيات أمر صحيح، ولكن ذلك تقادم وتراكم عليه الكثير. المدخل نحو إعادة المسألة السورية إلى السوريين تستدعي العودة، وعدا عن القرارات الدولية، إلى السوريين أنفسهم أولاً. ما يبعث الاطمئنان ويعيد الناس إلى السياسة، هو إبعاد الشخصيات الأساسية في المجلس الوطني وفي الائتلاف وفي هيئة التنسيق. وبالطبع رفض كل الهيئات المتعلقة بالأسلمة والجهادية، والتخلص من التكتكة الفاشلة باحتضان كل قوّةٍ تعلن عن نفسها أنّها ضد النظام، وكذلك رفض كل مال أو علاقة مع دولةٍ، تنطلق من شروط التبعية؛ أصل الكثير من الفشل لدى المعارضة هنا. وبالتالي، القوى الجديدة مطالبة بمشروعٍ وطني، وبقيادة وطنية ومستقلة، وبتمثيل أغلبية السوريين، ويستثنى القتلة وتجار الحروب، فلهؤلاء المحاكم. المشروع ذاك يجب أن يعكس مصالح أكثرية السوريين، ويخفّف من قلقهم بما يخص الانقسامات، وبالتأكيد عليه رفض كل أشكال الاحتلال.

أغلبية شخصيات المعارضة الرافضة للائتلاف الوطني ليست مؤهلة للعبِ دورٍ ثوري؟ مشكلتنا، نحن السوريين، الآن تكمن في: إعادة تكريس معارضةٍ ميتة، أو استمرار "الائتلاف"، ووظيفته إعادة إنتاج النظام، فهل من قوّة ثالثة مستقلة؟... القدرة على طي صفحة "الائتلاف" الميّت، تفترض ما ذكر أعلاه، وسواه بالتأكيد.

=========================

جو بايدن: حكاية سورية جديدة

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 13/12/2020

يتوالى نقاش متعدد الأوجه، يتصل بنتائج انتخابات الرئاسة الأميركية، والتي حملت جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة، التي من المقرر أن يتولاها في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، وكان بين أكثر النقاشات إثارة ما يتعلق بسياسته في القضية السورية، رغم أن سوريا، لا تمثل نقطة محورية في السياسة الأميركية، لكن قضيتها بما صارت عليه من محتوى وتطورات وتعقيدات ودلالات وعلاقات، تجعلها نقطة مهمة في سياسة واشنطن المقبلة.

النقاش الأولي حول سياسة بايدن المقبلة، ركز من جانب البعض على أن سياسته ستكون نسخة مكررة أو فيها تعديل طفيف عن سياسة أوباما، لأن بايدن شغل منصب نائب الرئيس في عهد أوباما، وهو توقع رد عليه بايدن بصورة غير مباشرة بتأكيد أن عهده لن يكون امتداداً لعهد أوباما، وبهذا غلب فكرة، أن سياسته السورية، سوف تتمايز عن سياسة من سبقه، مؤكداً وجهة نظر الفريق الثاني، وقد شدد المنتمون إليه على قول إن سياسة بايدن ستكون مختلفة بوجه عام وفي القضية السورية بشكل خاص.

واختلاف سياسة بايدن في القضية السورية، يستند إلى ما يتمتع به الرجل من شخصية ذات خصوصية في مزاياها وتوجهاتها وفي تفاصيل أخرى. إذ هو قريب من النزعة الإصلاحية التي جسدها أوباما لكنه لا يتبناها، وهو قريب من اتجاه القوة، التي كانت صفة لسياسة طيف واسع من الرؤساء القادمين من الحزب الديمقراطي، لكنه يقارب القضايا المطروحة عليه بحساسية مختلفة، فلا تكون القوة، خياره الوحيد، وهو يخالف في كل الأحوال نهج سابقه ترمب ليس فقط في محتوى سياسته، إنما أيضاً في طريقة تعامله مع الآخرين من الأميركيين وغيرهم، بل إن بايدن في واحدة من مزاياه، خالف الرئيسين السابقين له، إذ رفع الاثنان شعار الانكفاء نحو الداخل الأميركي بتبني شعار «أميركا أولاً»، فيما رفع بايدن شعار «عودة أميركا»، وهي عودة كما يقدر أقرب الأميركيين إليه، أنها عودة من باب توسيع الحضور والفعل الأميركي في العالم إلى جانب الآخرين، وليس السيطرة على العالم بالقوة والإكراه العنيفين، والخلاصة المكثفة، فإن بايدن في مجيئه، يمثل سياسة وسطية، بعيدة عن تراخي أوباما من جهة وشدة ترمب من جهة أخرى.

شخصية بايدن في أثرها المختلف على القضية السورية، لا تكمن في اختلافه عن الرئيسين اللذين تركا أسوأ أثر أميركي في القضية السورية، بل أيضاً في اختياراته للفريق الصلب في إدارته، والذي بدأ باختيار مجموعة نسائية من صاحبات القضايا لاحتلال مناصب مهمة تنتشر حوله في الحكومة وفي البيت الأبيض على السواء، تتقدمها نائبة الرئيس ومسؤولة جهاز الأمن الوطني، وطاقم الاتصالات في البيت الأبيض، إضافة إلى مرشحات أخريات، يراهن بايدن على دورهن الفاعل في عهده، كما يراهن في جانب آخر على فريق من شخصيات بينهم وزير الخارجية، الذي عمل معه أو قريباً منه إبان عهد أوباما، وأضاف فريقاً ثالثاً من أصدقاء مقربين شاركوا بايدن مراحل من تجربته، مما يعكس نزعته إلى فريق حيوي مجرب وعملي في التصدي لمهمات الحكم والإدارة، والتي سيكون التعامل مع القضية السورية والفاعلين فيها بين المسؤوليات، التي سيباشرها فريق بايدن.

بايدن وفريقه، لن يباشروا سياسته السورية من نقطة الصفر. بل هم أمام معرفة تفصيلية ودقيقة بالقضية السورية ومواقف الأطراف المختلفة فيها بما فيها من مواقف وارتكابات، لم تتأخر إدارتا أوباما وترمب عن إدراكها، والإشارة إلى ضرورة إلى ما ينبغي القيام به من خطوات من أجل التقدم نحو معالجة القضية السورية، ومعاقبة المرتكبين فيها، لكنها وطوال سنوات تراخت في الحالتين، فتساهلت في تفعيل بيان جنيف 2012، وتراخت في تطبيق ما لحقه من قرارات دولية ومنها القرار 2254، وتساهلت في معاقبة أنظمة بينها إيران وروسيا ونظام الأسد، وسكتت عن أشخاص ارتكبوا جرائم لا يمكن تجاهلها ضد السوريين، بينها جريمة استخدام السلاح الكيماوي والمذابح الجماعية وعمليات التهجير والتغيير الديموغرافي، كان بينهم بشار الأسد وأركانه، وهي إلى ما سبق، لم تقم بمتابعة ورعاية ما قررته من عقوبات ضد نظام الأسد وحلفائه الذين ساعدوه في بقائه وتواصل جرائمه وفي الإفلات من العقوبات وخاصة إيران وروسيا، ولعل ما أحاط بتطبيقات قانون قيصر مثال على هذا الجانب من مواقف إدارة ترمب، التي أصدرت قانون قيصر.

مشكلة السياسة الأميركية في عهدي أوباما وترمب، أنها لا تؤثر فقط على سياسات واشنطن، بل تؤثر على سياسات الأطراف الأخرى القريبة من واشنطن والحليفة الموضوعية لها، وهي غالبية دول العالم وفي مقدمتها الدول الأوروبية والدول الإسلامية والعربية، وهذه كلها، تقارب سياسة واشنطن وتسايرها، بل إن بعضها لا يجرؤ على تجاوزها، أما ترديات سياسة واشنطن على دول الخصم، فإنها تدفعها للمضي إلى ما هو أبعد في استراتيجياتها ومشاريعها، ونظام الأسد ما كان ليكرر استخدامه الكيماوي مرات لولا السكوت الأميركي، ولا كان بإمكان إيران وروسيا التدخل إلى المستوى الحالي في سوريا لولا غض البصر الأميركي، وهذه كلها مجرد أمثلة.

إدارة بادين في سياساتها السورية، ستنطلق من هذه المعطيات، وقد أشار بايدن وبعض فريقه بصورة مباشرة إلى بعض المعطيات، على نحو ما فعل المرشح لوزارة الخارجية، ومرشح وكالة المخابرات المركزية، وأكدوا أنها ستكون موضع اهتمامهم ومعالجتهم، وهذا يؤشر إلى ما يمكن أن تكون عليه سياستهم السورية، والتي تعني اختصاراً قيام بايدن وفريقه بإظهار إرادة الرئيس وجديته في التعامل مع القضية السورية وما يتصل بها من تفرعات وتداعيات إقليمية ودولية، وأعتقد أن هذا ما سيحدث بصورة تصاعدية مع تولي بايدن مهامه.

غير أني أحيط تقديري بحذر، هو خلاصة تجربتنا نحن السوريين في عشرات، بل مئات المواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة وأطراف دولية وإقليمية أخرى في تأييد مطالب السوريين في وجه نظام قاتل ومستبد، وفي إدانة النظام وجرائمه وحلفائه، ثم تراجعت عنها، مما أطال زمن المقتلة والتهجير والمعاناة، وهذا جوهر الحكاية السورية، التي يدخل بايدن فضاءها، ليكتب، ربما، فصلاً جديداً فيها، يكون مقدمة لنهاية المأساة، وإن أدركه الحظ، فقد يكون فاعلاً فيها وشاهداً على نهاية المأساة السورية.

=========================

بعد مؤتمر اللاجئين بدمشق هل يصل الملف إلى بيروت؟

إسطنبول ـ فؤاد عزام

سوريا تي في

الاحد 13/12/2020

كثف النظام وداعموه في المدة الأخيرة تصريحاتهم المتعلقة بملف اللاجئين السوريين، وبدا متقدما على ملفات القضية السورية الأخرى خصوصا بعد أن عقدت روسيا أول مؤتمر للاجئين في دمشق الشهر الماضي وإقحام النظام هذا الملف كبند على جدول أعمال اجتماعات لجنة صياغة الدستور التي انتهت جولتها الرابعة قبل بضعة أيام.

وفي حين حاول النظام وداعموه التأسيس من خلال مؤتمر دمشق من أجل تعويم ملف اللاجئين، فإن حراكهم في هذا الإطار اتجه نحو بيروت المحطة الثانية على طريق وضع الملف في البازار الدولي مع إدراكهم أنه وإن اختلفت بعض الأطراف إقليميا ودوليا على بعض عناوينه فهي تلتقي في معظم مفرداته على عنوان واحد منه على الأقل وهو أن القضية السورية باتت قضية إنسانية بعد أن تدحرجت ملفاتها السياسية من نضال شعب يطالب بإنهاء الاستبداد وبالحرية إلى تغيير بعض مواد الدستور.

ومن جانب آخر فإن الطريق لإيصال ملف اللاجئين إلى البازار الدولي تشوبه على الأقل في المدة الحالية عثرات بفعل تجاذبات الدول المتدخلة في القضية السورية وبحكم مصالحها، إلا أن انطلاق هذا الملف باتجاه عقد مؤتمر ثان له في بيروت قد يشكل خطوة إضافية لتسويقه دوليا، وهو ما أراده الروس والجانب اللبناني من خلال التصريحات التي أدلى بها مسؤولو البلدين خلال مشاركتهم في مؤتمر دمشق للاجئين.

ما الذي تريده روسيا من تعويم ملف اللاجئين

تشير تطورات ملف اللاجئين إلى أن أهداف روسيا من عقد المؤتمر الثاني في بيروت هي سياسية بأبعاد اقتصادية، ومن أبرزها تعويم النظام، وهذا اتضح من خلال مؤتمر دمشق إذ ظهر وجود كم من الدول لا تستضيف على أراضيها لاجئين، وتريد الظهور دوليا بأنها تحقق نجاحات في حل سياسي ما ينعكس برأيها بشكل ايجابي في حصولها على دعم غربي بالنسبة لإعادة الإعمار التي يعجز اقتصاد النظام المدمر واقتصادها الهش عن تحقيق تقدم فيه. عدا عن كون روسيا دخلت سوريا ووظفت واستثمرت بآلتها العسكرية بهدف تحقيق أرباح وحضور في المنطقة وليس من أجل توظيف أموال أو مساعدات.

وتنظر روسيا إلى موضوع اللاجئين كما يقول المحلل السياسي الدكتور سامر الياس لموقع تلفزيون سوريا بأنه البوابة الرئيسية من أجل إعادة الإعمار، لأن روسيا لا يمكنها الحديث عن انتصار وترجمة ما حققته آلتها العسكرية على الأرض إلا بتثبيت حل سياسي، وهذا الحل لا يتم إلا من خلال إعادة اللاجئين الذي يعني عودة الحياة طبيعية إلى سوريا.

وفشلت روسيا مرارا في السابق بإقناع الغرب بدعم دعوتها لإعادة اللاجئين إذ وصل بها الأمر للدفع بكنيستها لحض المجتمع الدولي والطوائف المسيحية في الغرب على المساعدة في إعادة الإعمار بحسب ما أعلنه رئيس قسم العلاقات الخارجية في السينودس المقدس لبطريركية موسكو، المطران هيلاريون، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام روسية.

ويربط الغرب بين الحديث عن ملف اللاجئين وبين تهيئة الظروف الملائمة لعودتهم من بينها تحقيق تقدم سياسي بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2254 الصادر في 18 من كانون الأول/ديسمبر 2015 والذي يؤكد ضرورة إنجاز الانتقال السياسي وانتخابات حرة نزيهة بمشاركة المهجرين خارج سوريا.. وتأهيل المناطق المتضررة، وفقا للقانون الدولي، لكي يتم العمل على إعادة اللاجئين بشكل آمن وطوعي تأخذ بالحسبان مصالح الدول التي تستضيف اللاجئين وبدا ذلك واضحا من خلال ما أعلنه المتحدث الرسمي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، بيتر ستانو، إذ كرر تأكيده أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، يحدد إطار العمل للحل السياسي الشامل والمستدام للنزاع السوري، ومعالجة الأسباب الكامنة للنزاع وأزمة اللاجئين والنزوح الداخلي.

هل يرغب النظام بإعادة اللاجئين؟

من جانبه اتخذ النظام بعد مؤتمر اللاجئين في دمشق عدة قرارات بدت وكأنها تصب في إطار التشجيع على إعادة اللاجئين من بينها إعفاء بعض الأشخاص من دفع مئة دولار عند الدخول إلى سوريا عن طريق لبنان، وروج إعلامه عودة بضعة مئات من اللاجئين السوريين من لبنان ولكن ذلك اندرج في إطار بروباغندا إعلامية أكثر مما هي حقيقة، إذ يرجح أن يكون سببها ضغط روسيا الممسكة بقرار النظام السياسي وهو ما اتضح من خلال حديث بوتين مع بشار الأسد خلال اللقاء الأخير إذ قال له : "دعوتكم سابقاً لدعم المبادرة وبذل الجهود لإعادة اللاجئين السوريين، وحينها اتفقنا على متابعة أعمالنا في هذا الاتجاه واتفقنا على تشكيل فريقين للتنسيق من كلا البلدين، واليوم تتخذ الإجراءات ومختلف التسهيلات لتمكين ومساعدة اللاجئين من العودة "

وأقحم النظام ملف اللاجئين في الجولة لاجتماعات لجنة صياغة الدستور بالرغم من أن هذا الملف يعد من القضايا الإنسانية فوق الدستورية، وغير التفاوضية، والهدف من ذلك هو الترويج إعلاميا لهذا الموضوع وأيضا محاولة حرف اجتماعات اللجنة الدستورية عن مهمتها واختصاصها، وجر المعارضة إلى جانبه بالمطالبة بإعادة اللاجئين واستمثار ذلك أمام القوى الغربية بهدف الضغط لتقديم مساعدات إعادة الإعمار ليس أكثر.

ولم يظهر النظام في السابق أية دلائل على أنه معني بعودة اللاجئين، وهو الذي دفعهم للهجرة، وأطلق مصطلح المجتمع المتجانس وسرب قائمة بأكثر من مليون شخص مطلوب اعتقالهم، وكان يطلب من المعارضين مباشرة وبشكل غير مباشر مغادرة البلاد، كما أكد عدد ممن طردهم من وظائفهم لنشاطهم المعارض، ثم إن معظم مناطق خفض التصعيد التي بقي الأهالي فيها وخاصة المنطقة الجنوبية لا تزال تؤرق النظام كما أنه بعث برسائل للاجئين وما ينتظرهم إن هم عادوا فبحسب ما أكده وزير شؤون النازحين في لبنان معين المرعبي، في نوفمبر من العام قبل الماضي قتل النظام واعتقل عددا ممن عادوا من لبنان إلى سوريا.

إضافة لذلك فقد أصدر مراسيم وقرارات تؤكد القطيعة مع اللاجئين من بينها المرسوم رقم 10 في نيسان من العام قبل الماضي والذي وصفته ألمانيا بـ "الغدر" إذ يلزم مالكي المنازل بتقديم ما يثبت ملكيتهم للعقارات في غضون 30 يوما، وإلا فإنهم سيخسرون ملكية هذه العقارات، وتصادرها الدولة، ويحق لها تمليك العقارات لمن تراه مناسبا.

 لماذا يريد لبنان عقد مؤتمر للاجئين  

توازيا مع حراك روسيا والنظام قام لبنان الرسمي بتفعيل اللجنة المكلفة بملف عودة اللاجئين السوريين الأسبوع الماضي بعد أن توقفت عدة أشهر بسبب انتشار فيروس كورونا بحسب ما أعلن على لسان المشرف العام على الخطة الوطنية اللبنانية للاستجابة لأزمة اللاجئين السوريين "عاصم أبي علي" الذي أعلن أن لبنان سيستضيف مؤتمرا دوليا حول اللاجئيبن دون أن يحدد موعدا له.

وكان المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرنتيف بحث مع وزير السياحة والمهجرين اللبناني، رمزي مشرفية على هامش مؤتمر اللاجئين في دمشق، موضوع عقد مؤتمر ثان للاجئين السوريين في بيروت حيث لفت المسؤول الروسي إلى استعداد النظام وروسيا لتقديم العون للحكومة اللبنانية من أجل إعادة اللاجئين في لبنان الذي يقول إن عددهم 1.5 مليون لاجئ في حين لا يتعدى عدد المسجلين منهم لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 885 ألفاً.

ويصف المحلل السياسي الللبناني ورئيس تحرير موقع جنوبية علي الأمين في حديث مع موقع تلفزيون سوريا.. المؤتمر القادم للاجئين في بيروت بأنه مجرد فقاعة إعلامية لن تنتج شيئا بخصوص عودة اللاجئين، وهو ليس أكثر من اللعب في الوقت الضائع والهدف منه محاولة إظهار وجود أطراف لها دور في هذا المجال كلبنان وروسيا

وأورد الأمين سببين وراء مساعي لبنان لعقد مؤتمر للاجئين السوريين أولهما محاولة استقطاب مساعدات دولية ولا سيما أنه يرجع سبب أزمته الاقتصادية إلى وجود اللاجئين على أراضيه، والسبب الثاني يتعلق باللعبة السياسية الداخلية حيث طرح الرئيس ميشال عون أكثر من مرة هذا الموضوع ويحاول استثماره بعد انتفاضة تشرين في لبنان بهدف كسب شعبية له.

وقال الأمين.. إن لبنان ليس قادرا على إنجاز مسألة إعادة اللاجئين لكنه يحاول أن يستثمر في فيها من خلال ابتزاز المجمع الدولي بالمساعدات لكنه لن يقدم على خطوة مناقضة لتوجهات المجتمع الدولي

وأضاف الأمين أنه حتى الآن لم يوضع ملف إعادة اللاجئين على السكة خاصة وأن روسيا ولبنان يدركان أن عودة اللاجئين تتطلب مقدمات أولها اتفاق سياسي وهي النقطة الرئيسة التي تحاول روسيا إنجازها على أمل أن تحظى بدعم أميركي وعربي وهذا لم يتوفر حتى الآن إذ لم توافق الولايات المتحدة حتى الآن على تمرير مسألة عودة اللاجئين إذا لم يكن هناك تفاهم سياسي.

قد ينجح الروس والنظام ولبنان بعقد مؤتمر ثان للاجئين في بيروت للضغط على المجتمع الدولي بهدف تقديم مساعدات إعادة إعمار تستفيد منها الأطراف الثلاثة فقط، وربما يوضع الملف في مرحلة ليست بعيدة على طاولة المجتمع الدولي، ولكن يرجح أن تندرج مسألة حل هذا الملف في إطار مقايضات ومساومات سياسية كما ملفات القضية السورية الأخرى، تصب جميعها في مصالح الدول المتدخلة بشكل رئيس والتي لا تبدو مستعجلة في الحل السياسي، بينما يبقى النازحون في المخيمات داخل البلاد واللاجئون في المخيمات وفي دول الجوار وقسم من اللاجئين في الدول الغربية، ينتظرون حلا سريعا لقضيتهم.

=========================

تدليسات لجنة سوتشي

محمد صبرا

سوريا تي في

الاحد 13/12/2020

يأخذ النقاش السياسي والشعبي والقانوني حول اللجنة الدستورية المنبثقة عن مؤتمر سوتشي الروسي عام 2018، اتجاهات متباينة، تتراوح بين التركيز على سوء أداء لجنة الخمسين، التي تزعم أنها تمثل الثورة، وارتباك أداء لجنة الـ 21 الملحقة بها، والتي تزعم أنها تمثل المجتمع المدني، وبين التركيز على الأسس القانونية لعمل اللجنة، وتناقض ذلك مع القرارات الدولية، وقد ساهم بعض الزملاء في كتابة عدة مقالات ثرية في هذا الصدد، أرى بأنها أضاءت على جوانب هذا الموضوع بشكل جيد.

في مساهمتي هذه سأتجنب أن أكرر ما تفضل به الزملاء سابقاً، وفي الوقت نفسه سأحاول أن أحيط ببعض النقاط التي ما تزال غائبة عن النقاش، لكن لابد بداية أن أخلّص هذا الموضوع من كم هائل من التدليس والركام، الذي يقذفه المدافعون عن لجنة سوتشي وعملها، في وجه كل صوت يحاول أن ينبّه لمكامن الخطر ومواطن الخطورة. 

هل نصّ القرار 2254 على سلال أربعة؟

يزعم أعضاء اللجنة الدستورية المنبثقة عن مؤتمر سوتشي، أن القرار 2254 لعام 2015 قد نصّ على سلال أربعة، منها سلة الدستور، وأنهم يناقشون هذه السلة استناداً للقرار 2254، و هذا الزعم "الإعلامي" والادعاء المتكرر يكذبه ما ورد في الوثيقة التي قدمتها اللجنة نفسها في جولتها الأخيرة، حيث غاب عنها أي ذكر للقرار 2254، واستندت بشكل صريح لمؤتمر سوتشي، أي أن اللجنة تَصدُق مع الأمم المتحدة، وتدلس على السوريين، وبالعودة للقرار 2254 في فقرته الرابعة، نجد أنه نصّ على خطوات محددة بترابط موضوعي وبتحقيب زمني لا خلاف فيه، حيث إن كل خطوة تفضي إلى ما يليها من خطوات، ولا يمكن القيام بالخطوة الثانية إذا لم يتم ابتداء تنفيذ الخطوة الأولى، فالفقرة الرابعة من القرار قالت: "يعرب عن دعمه في هذا الصدد لعملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة، وتقيم في غضون فترة مستهدفة، مدتها ستة أشهر، حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع، ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولاً زمنياً وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة، تجري عملاً بالدستور الجديد في غضون 18 شهراً، تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية، من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ في 14 من تشرين الثاني 2015".

لقد حاول السيد ديمستورا أن يفرض ما سمّاه "السلال الأربعة"، وفي كل مذكراتنا ونقاشاتنا معه في قاعة المفاوضات رفضنا وبشكل قاطع وجود شيء اسمه السلال الأربعة

 ما يعني أن وضع الدستور الجديد، يجب أن يتم بعد تشكيل الحكم الانتقالي وليس قبله، والجهة التي ستشرف على هذا العمل هي هيئة الحكم الانتقالي، لأن القرار 2254 قال صراحة في مقدمته وفي مادته الثانية إنه يهدف لتنفيذ بيان جنيف، الذي نص صراحة في الفقرة (ب) من المادة (9) على أن الدستور في سوريا يضعه مؤتمر الحوار الوطني الشامل، بإشراف هيئة الحكم الانتقالي، والجملة التي يدلس بها أعضاء لجنة سوتشي، والتي تحدثت عن صياغة دستور جديد في الفقرة الرابعة سالفا، هي فقط تحديد جدول زمني للعملية في المرحلة الانتقالية، وبعد تشكيل هيئة الحكم، وليس صياغة دستور أثناء التفاوض أو بعده، ولذا فإن ادعاء اللجنة الدستورية بأن القرار 2254 ينص على السلال الأربعة، هو ادعاء زائف لا يسنده لا نص القرار ولا بيان جنيف مطلقاً.

هل وافقت الهيئة العليا للمفاوضات على السلال؟

هذه الفِرْية التي يسوقها أعضاء لجنة سوتشي الدستورية لتبرير انخراطهم في هذه العملية، قائلين إن الهيئة العليا للمفاوضات وافقت على ما يسمى السلال، تتجاوز التدليس، لأنها تسوق مزاعم لا أساس لها من الصحة، وما يشجعهم على هذه المزاعم هو علمهم المسبق بأن الأعضاء السابقين في الهيئة العليا للمفاوضات، وفي وفد المفاوضات، يلتزمون بقواعد سرية المداولات، واحترام عدم نشر الوثائق والمذكرات المتعلقة بتلك المرحلة.

لقد حاول السيد ديمستورا أن يفرض ما سمّاه "السلال الأربعة"، وفي كل مذكراتنا ونقاشاتنا معه في قاعة المفاوضات رفضنا وبشكل قاطع وجود شيء اسمه السلال الأربعة، أو أن ننخرط في مناقشة أي قضية تتعلق بصياغة دستور للبلاد، ينطلق موقفنا هذا من ثلاثة اعتبارات ذكرناها للسيد ديمستورا كتابة ومشافهة، وهي:

1. ليس من حق المعارضة والنظام كتابة دستور للبلاد؛ لأن هذا الدستور يجب أن يكتب من خلال مؤتمر الحوار الوطني، بعد تشكيل هيئة الحكم الانتقالي وتسلمها لمهامها.

2. إن القرار 2254 واضح في جدوله الزمني وفي تعاقبه الموضوعي، ولذا فإن الأساس هو الانطلاق لتشكيل الحكم الانتقالي.

3. إننا لا نؤيد البحث في أي قضية دستورية الآن، بل إننا نريد بحث إعلان دستوري مؤقت يحكم المرحلة الانتقالية، وقد سبق للهيئة العليا للمفاوضات أن أشارت إلى هذا الأمر في خطة عملها لتنفيذ الانتقال السياسي.

هذا موقفنا في عامي 2016 و2017، ولم نوافق مطلقاً على وجود هذه السلال، أو الانخراط بها، وحتى إن مصطلح السلال بحد ذاته رفضناه، وبقينا حتى آخر لحظة، ونحن نقول ليس من حق المعارضة أو النظام منفردين أو مجتمعين أن يكتبوا دستور سوريا المستقبلي، لأن هذا حق أصيل للشعب السوري، عبر ممثليه المنتخبين، وأن كل ما يجب مناقشته في جنيف هو تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، والإعلان الدستوري المؤقت الناظم لعملها حصراً خلال الفترة الانتقالية. 

هل تشكيل لجنة سوتشي الدستورية قائم على القرار 2254؟

أيضاً من التدليس على السوريين، الزعم أن لجنة سوتشي قد تشكلت استناداً للقرار 2254، ويحاول أصحاب هذا الزعم أن يستندوا إلى ما ورد في مقدمة اللائحة الداخلية للجنة الدستورية، التي أعلنها المبعوث الدولي بتاريخ 26 من أيلول من عام 2019 والمرسلة من قبل الأمين العام  إلى مجلس الأمن في الوثيقة رقم S/2019/775، يقتطع أعضاء لجنة سوتشي الفقرة (2) من مقدمة اللائحة، والتي تقول بالحرف: "وتنفيذاً منه للولاية المسندة إليه بموجب قرار مجلس الأمن 2254 (2015)، بما في ذلك تسهيل المفاوضات السورية - السورية، ومنها وضع مسار دستوري لصياغة دستور جديد، تجري استناداً إليه انتخابات حرة ونزيهة، تحت إشراف الأمم المتحدة، وفقاً لذلك القرار، ومع الاحترام الكامل للسيادة الوطنية لسوريا".

إن أي دارس للقانون يعلم أن هذا النص المرجعي جاء لبيان مستند ولاية المبعوث الدولي، وهذه إحدى قواعد صياغة الوثائق في الأمم المتحدة، حيث لابد من توضيح أساس الولاية القانونية للمبعوث الدولي في كل وثيقة دولية، إذاً هذه الفقرة لا تتعلق بتشكيل اللجنة استناداً للقرار 2254 كما يزعم أعضاء اللجنة، بل هي فقرة إجرائية لتوضيح حدود ولاية المبعوث الدولي، ومما يؤكد ذلك هو أن الفقرة الرابعة من اللائحة قد جاءت بشكل واضح لتقول: "وتفعيلاً للبيان الختامي لمؤتمر سوتشي كإسهام في مسار جنيف بدعم من الدول الراعية لمؤتمر سوتشي"، أي أن قرار تشكيل اللجنة قد تم اتخاذه في مؤتمر سوتشي واستناداً لنتائجه، ما يعني أنه قرار "روسي - تركي - إيراني"، أما الأمم المتحدة فدورها ليس فرض أي مسار، بل تيسير المسارات، بمعنى أن الأمم المتحدة والمبعوث الدولي، لا يستطيعان تشكيل اللجنة، لو لم يوافق عليها طرفاها، أي النظام والمعارضة، وهنا يظهر حجم تدليس أعضاء اللجنة، فتبني الأمم المتحدة لهذا التوافق لا يعني أنها هي التي أنشأته، أو أنه يتم بناء على قراراتها، بل باختصار يعني أن الأمم المتحدة لن تعطل ما يتم التوافق عليه بين النظام والمعارضة أياً كان، فالقاعدة القانونية تقول إنه لا يمكن إجبار أحد على ممارسة حقوقه، والأمم المتحدة تساندك وتقف معك عندما تريد ممارسة الحقوق المنصوص عليها في القرارات، لكنها لن تعارضك عندما تتنازل عن هذه الحقوق، وهذا هو جوهر الموضوع، ومما يدفع إلى غصة في القلب، أن اللجنة تصدقُ مع الأمم المتحدة وتمارسُ التدليس مع السوريين، فهي في وثيقتها المقدمة للأمم المتحدة قالت صراحة: "بناء على المواد 12 التي اعتمدت من الأطراف المعنية وضمنت في البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي"، وليس أوضح من هذا للتدليل على التدليس.

متى يكتب الدستور، ومن له الحق بكتابته؟

يخلط البعض بين مفهومين، هما: مفهوم "وقف النزاع العسكري أو الحرب"، ومفهوم "الحل السياسي"، فوقف الحرب هو غاية بحد ذاته؛ وذلك لحقن الدماء، لكن الحل السياسي هو وسيلة لتحقيق غاية، التي يمكن اختصارها بجملة واحدة، هي أن يمتلك السوريون قرارهم الوطني المستقل، وأن يصوغوا مستقبلهم ومستقبل بلادهم بأيديهم، في ظل أجواء موضوعية تسمح لهم بذلك، وفي هذا الصدد من يقرأ بيان جنيف أو القرار 2118 لعام 2013 أو القرار 2254 لعام 2015، سيجد هذا المبدأ الأساسي موجوداً بقوة، وبوضوح لا لبس فيه.

فالمادة السابعة من بيان جنيف والتي جاءت تحت عنوان "المبادئ والخطوط التوجيهية المتفق عليها للقيام بعملية انتقالية بقيادة سوريا"، حددت أربعة شروط يجب أن تتوافر في التسوية السياسية، وقالت بالحرف:

"أي تسوية سياسية يجب أن تقدم لشعب الجمهورية العربية السورية عملية انتقالية:

 أ- تتيح منظوراً مستقبلياً يمكن أن يتشاطره الجميع في الجمهورية العربية السورية.

ب- تحدد خطوات واضحة وفق جدول زمني مؤكد نحو تحقيق ذلك المنظور.

ج- يمكن أن تنفذ في جو يكفل السلامة للجميع ويتسم بالاستقرار والهدوء.

د- يمكن بلوغها بسرعة دون مزيد من إراقة الدماء وتكون ذات مصداقية".

إذاً، فإن أي تسوية سياسية في سوريا يجب أن تفضي حكماً إلى مرحلة انتقالية، وعملية انتقالية تحقق المبادئ والشروط السابقة، وغير ذلك فإن الحل السياسي يكون غير مطابق لمعايير جنيف، أو القرارات الدولية، والأمر الآخر أن بيان جنيف ومنعاً لأي التباس فإن مادته الثامنة والتي جاءت تحت عنوان "منظور للمستقبل" قد نصت بشكل واضح على أسس وصفات الدولة السورية الجديدة، والتي لا يمكن بناؤها من دون عملية انتقال سياسي للسلطة ابتداءً، وهذا ما أكدته الفقرة "16" من القرار 2118 عندما قالت بالحرف: "يؤيد تأييداً تاماً بيان جنيف المؤرخ في 30 من حزيران عام 2012 والذي يحدد عدداً من الخطوات الرئيسية بدءاً بإنشاء هيئة حكم انتقالي تمارس كامل السلطات التنفيذية..".

إضافة لما سبق فإن المادة التاسعة من بيان جنيف، والتي تحدثت عن الخطوات الواضحة في العملية الانتقالية، قد نصت صراحة في الفقرة "ب" على ما يلي: "الشعب السوري هو من يقرر مستقبل البلد، ولا بد من تمكين جميع فئات المجتمع ومكوناته في الجمهورية العربية السورية من المشاركة في عملية الحوار الوطني، ويجب ألا تكون هذه العملية شاملة للجميع فحسب، بل يجب أن تكون مجدية، أي أنه من الواجب تنفيذ نتائجها الرئيسية".

وتضيف الفقرة "ج" ما يلي: "على هذا الأساس يمكن أن يعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية وتعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام".

يزعم بعض أعضاء اللجنة الدستورية بأن القرار 2254 قد شكل تراجعاً عن بيان جنيف، وللأسف هذا الزعم يدل على سوء قراءة أو سوء نية في قراءة هذا القرار

إذاً، بيان جنيف الذي صدّق عليه قرار مجلس الأمن رقم 2118، والذي جاء القرار 2254 لتنفيذه، وذلك وفقاً للمادة الأولى من هذا القرار، يحدد شكل ومضمون وتوقيت العملية الدستورية، حيث إنها يجب أن تأتي من خلال حوار وطني شامل، وليس من خلال توافق المعارضة والنظام، وهو أيضاً ما نصت عليه الفقرة الرابعة من القرار 2254، التي جعلت الأولوية هي لتشكيل هيئة الحكم الانتقالي خلال ستة شهور، وبعد ذلك خلال 18 شهراً يتم فيها صياغة الدستور الجديد.

ويزعم بعض أعضاء اللجنة الدستورية بأن القرار 2254 قد شكل تراجعاً عن بيان جنيف، وللأسف هذا الزعم يدل على سوء قراءة أو سوء نية في قراءة هذا القرار، فالمادة الرابعة من القرار 2254 أعطتنا ما كنا نفتقده في بيان جنيف، وهو الجدول الزمني القصير، التي نص عليه بيان جنيف في الفقرة "ب" من المادة السابعة سالفة الذكر، كذلك فإن الفقرة الرابعة تحدثت عن الاتفاق على جدول زمني لعملية صياغة الدستور، وذلك لمنع النظام من المماطلة، ولم تتحدث عن صياغة دستور أو تعديله على الإطلاق.

كذلك فإن أي مختص بالقانون الدولي يعرف نظرية الأثر التراكمي للقرار الدولي، فالقرارات الدولية لا ينسخ بعضها بعضاً، بل إنها تبني مجموعة من الخطوات المترابطة موضوعياً وزمنياً، حيث إننا نصبح إزاء منظومة عمل متكاملة، وهو ما نحن في صدده.

للأسف فإن روسيا التي عملت على تفتيت القرار 2254 عبر عدة خطوات، قامت باغتصاب حق السوريين الأصيل في تقرير مصيرهم ومستقبلهم، واغتصبت اسم "مؤتمر الحوار الوطني"، وذلك بعقد مؤتمر سوتشي تحت هذا الاسم، ولم يكن بإمكانها فعل ذلك، لولا أن ساعدها القبول والموافقة الصادران عن "الهيئة السورية للتفاوض" المنبثقة عن رياض 2، والائتلاف الوطني، ومجموعة أستانا، التي ساهمت جميعاً بمساعدة الروس على الخروج السافر، والاغتصاب المهين لحق السوريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

وللعلم فإن جمع المعارضة والنظام لا يعني مؤتمر الحوار الوطني، فكلا الطرفين لا يستطيعان ادعاء تمثيل المجتمع السوري صاحب الحق الأصيل في هذا المؤتمر، فمؤتمر الحوار مفهوم محدد ومضبوط بصفاته وشموله ومخرجاته، والأثر القانوني لهذه المخرجات وفقاً لبيان جنيف في المواد (7) و(8) و(9)، وليس وفقاً لما تراه روسيا والنظام، ومن سار معهما على درب تمييع فكرة الحوار الوطني من المعارضة.

ولذلك فإن ما نعيب به على اللجنة الدستورية، ليس قلة الكفاءة وسوء التشكيل والجهل المتحكم بأركان عملها وحسب، بل إننا ننعي بشكل أساسي على اللجنة الدستورية أنها مغتصبة لحق السوريين في كتابة دستورهم، الذي يجب أن يكون بعد حوار وطني شامل في أجواء آمنة وهادئة يستطيعون فيها أن يحددوا مستقبل بلدهم وشكل دولتهم، فعمل اللجنة الدستورية ووجودها يعتبر تنازلاً غير مبرر عن كل منظومة الحل السياسي التي نص عليها جنيف وقرارات مجلس الأمن، فضلاً عن أنه سيشكل حائلاً أمام قدرة السوريين على صنع مستقبلهم، فنحن لسنا أبناء مظلومية وضحايا حرب همجية فقط، بل نحن أبناء الحياة وأبناء المستقبل، وكما نريد وقف الحرب، فإننا وبالدرجة ذاتِها نريد بناء مستقبل لنا ولأولادنا، في ظل نظام وطني ديمقراطي، يبنيه السوريون جميعاً وليس ثلة من داعمي جرائم الأسد، بمعونة مجموعة نعرف من الذي سماها، ومن الذي جاء بها، فهذا الزواج بين النظام ومعارضته التي تشبهه، لن ينتج لسوريا سوى الخراب والمستقبل المظلم، الذي رأينا بعضاً من ملامحه في نقاشات لجنة سوتشي ووثائقها، إنها ليست عملية دستورية بل هي اغتصاب لحقوق السوريين جميعا.

=========================

جيمس جيفري حينما يتحدث عن سوريا

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 13/12/2020

بين رحيل إدارة أميركية ومجيء أخرى جديدة يبقى الملف السوري بين أكثر الملفات حضورا في الإعلام والكواليس، ويبدو أن السفير جيمس جيفري رئيس فريق وزارة الخارجية المكلف بالمسألة السورية قد قرر أن يقدم ما يشبه جردة وخلاصات عن الفترة التي أمضاها في هذا الموقع من آب 2018 وحتى مطلع الشهر الحالي، حيث عاد إلى التقاعد.

وقبل كل شيء يعد جيفري أحد العارفين بالمسألة السورية بفضل تاريخه الدبلوماسي الطويل في العالم العربي وتركيا، حيث عمل سفيرا في العراق وتركيا، ودبلوماسيا في الكويت وتونس. وعاش جيفري العامين الماضيين من تطورات القضية السورية عن كثب. حضر على الدوام في المنطقة، وظل على درجة عالية من المهنية والالتزام الأخلاقي، ولذلك كان صريحا ومباشرا في مواقفه من بشار الأسد وداعميه روسيا وإيران. ومثال على ذلك الحوار الطويل الذي أدلى به يوم الأربعاء الماضي إلى موقع المونيتور وترجمه ونشره موقع تلفزيون سوريا.

وحفل الحوار بخلاصات ومعلومات من كواليس السياسة الأميركية تجاه سوريا لم نعهدها عن دبلوماسيين آخرين. ومن أبرز ما كشف في الحوار أن هناك قرارا في وزارة الخارجية من طرفه والوزير مايك بومبيو بمنع انتصار روسيا وإيران والنظام سياسيا في سوريا. ويعتبر أن الاساس لهذا القرار السياسي تم بناؤه ومن الصعب تقويضه، ومن هنا تم إفشال مؤتمر اللاجئين الذي عقدته روسيا في دمشق يومي 11و12 من الشهر الماضي، في محاولة للخروج من فشلها العسكري بالذهاب نحو إعادة الإعمار.

وفي التركيز على روسيا وإيران يبدو الموقف تجاه إيران أكثر رسوخا، ويقول جيفري "ولقد قمت مع الوزير بومبيو بإقناع الإدارة بأننا إذا لم نتعامل مع المشكلة الأساسية التي تمثلها إيران في سوريا، فلن يكون بوسعنا أن نعالج تنظيم الدولة معالجة دائمة ومستمرة". هذه أول نقطة في تفكير جيفري والأسلوب الذي اتبعه للجمع بين تلك الأمور ضمن سياسة موحدة تجاه سوريا تندرج ضمن المقاربة الشاملة تجاه إيران وداعش معا.

يقدم جيفري "قسد" خطة ب، في حين أن هدف الخطة أ هو ضمان عدم حصول الروس والأسد والإيرانيين على إجابة شافية بالنسبة للطريقة التي ستنتهي بها كل الأمور

وتمخض ذلك عن نتيجة تمثلت بنجاح نسبي، "لأننا أوصلنا الأوضاع إلى مرحلة الاستقرار، وذلك بمساعدة الأتراك على وجه الخصوص". والمقصود بذلك وقف إطلاق النار في إدلب في الخامس من آذار الماضي في وقت كان كل ما يهم الرئيس دونالد ترامب في سوريا هو هزيمة داعش، ولذلك كان يعلن بين فترة وأخرى عن سحب القوات الأميركية، لأن الحرب بالنسبة له انتهت مع تقويض خلافة داعش المزعومة.

وفي الحوار لا مجال للشك بأن المعركة مفتوحة مع إيران، تحديدا، وروسيا، وعلى هذا الأساس يقدم جيفري "قسد" خطة ب، في حين أن هدف الخطة أ هو ضمان عدم حصول الروس والأسد والإيرانيين على إجابة شافية بالنسبة للطريقة التي ستنتهي بها كل الأمور، و"سيظل هؤلاء مكبلين ولن يستطيعوا أن يعتبروا سوريا انتصاراً بالنسبة لهم"، وبالنسبة لجيفري يمكن القول "إننا منعنا إيران من تحقيق أهدافها بعيدة المدى، وعرضنا وجودها الحالي لضغوطات"، ولكن هل تكفي تلك الضغوطات لرحيل إيران من سوريا؟ "لا أعرف، وهل بوسعنا دحرهم؟ لست أدري. لكنني أعرف تماماً بأن ذلك جزء أساسي من أي اتفاق أوسع، إذ مهما كان حجم الألم الذي سببناه للإيرانيين، لن يرحل الروس أو نظام الأسد إلا برحيل إيران"، وهذه هي المسألة الجوهرية.

يعلن جيفري أنه على يقين منها هي أن "الروس يدركون بأنه ليس ثمة أي انتصار عسكري، ولهذا فكروا وقالوا لأنفسهم: كيف يمكننا أن نحقق انتصاراً سياسياً؟"

ويؤكد جيفري أن الإيرانيين سحبوا كثيرا من رجالهم، ويعود أحد أسباب ذلك إلى الضغط الكبير الذي يتعرضون إليه من الناحية المالية، فقد أصبحت سوريا مكلفة جداً بالنسبة لهم. وقد ازداد عدد الإيرانيين الذين أصبحوا يعزون كل ذلك للوضع الاقتصادي المتردي إلى سوريا، كما لم يعد بوسع إيران أن تضغط على سوريا لتقوم بتسديد الفاتورة الكبيرة.

والخلاصة التي يعلن جيفري أنه على يقين منها هي أن "الروس يدركون بأنه ليس ثمة أي انتصار عسكري، ولهذا فكروا وقالوا لأنفسهم: كيف يمكننا أن نحقق انتصاراً سياسياً؟"، ولم يجدوا وسيلة لتحقيق ذلك غير "اختطاف العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، وذلك عبر الاستعانة بأمور مثل ترشح الأسد لانتخابات 2021 كبديل عن الانتخابات التي ستجري برعاية الأمم المتحدة"، وكذلك عبر عقد مؤتمر للاجئين تترأسه روسيا، لسحب ذلك الملف من الأمم المتحدة ومن المجتمع الدولي، ولوضع ختم روسيا والأسد، ولذلك قامت واشنطن بزيادة عزلة الأسد ورفع منسوب العقوبات بهدف الضغط عليه، "وتمسكنا بموقف عدم تقديم المساعدات اللازمة لإعادة الإعمار، بالرغم من أن البلد بأمس الحاجة إليها إذ رأيتم ما حدث لليرة السورية، كما رأيتم ما حدث لاقتصاد سوريا بكامله، ما يعني أن هذه الاستراتيجية كانت فعالة للغاية".

في الختام تجدر الإشارة إلى أن الحوار يضع الأساس لتقييم السياسة الأميركية تجاه المسألة السورية في الفترة الماضية، ويصلح أن يتحول إلى دليل عمل لقراءة مواقف وسياسات الإدارة المقبلة، وهذه من أهم عناصر القوة فيه.

=========================

هيئات المعارضة السورية وفشل التمثيل

محمد برو

سوريا تي في

السبت 12/12/2020

بالرغم من انكساراتنا المستمرة كسوريين، إلا أننا لا نمل ولا نيئس، وفي كل فصلٍ تقريباً تطل علينا مبادرةٌ جديدةٌ، أو دعوة لإعادة هيكلة أو تشكيل الأجسام التمثيلية للمعارضة، أو إسقاط الهياكل الشكلية للأجسام التمثيلية القديمة، التي لم تعد تعني شيئاً واستبدالها بجسمٍ جديد.

من نتائج هذه السنوات المريرة التي عصفت بحياة السوريين، أنها أسست لدى الكثيرين منهم نظرةً نقديةً، ومحاكمةً عالية التشكك تجاه أي طرح جديد، ربما يكون محض تكرارٍ بطيء لما فعلته الهيئات الثورية والممثلون لها وما أكثرهم، لا سيما أن الهيئات السابقة قامت في بدايات الثورة السورية، الأمر الذي أتاح لها زخماً كافياً من الحماسة والتضحية والتفاعل الدولي والإعلامي، الذي بات مفقوداً اليوم، ومن شبه المحال عودته ثانيةً، بعد كل هذا الفشل المريع والخيبات المتكررة.

كما أن الكثير من الفصائل المسلحة والتي كانت تمثل الشكل المباشر والحاد للمواجهة مع قوات النظام والميليشيات الداعمة له، قد انحرف عن مشروعها التأسيسي، وأصبحت تمارس دورها وسلطتها المسلحة في دائرة نفوذها، تماماً كما كانت تفعل قوات النظام، وتحولت إلى مافيا مصالح ومكاسب وحسب، ولم يعد التنسيق اللازم بينها وبين التشكيلات السياسية ممكناً.

معظم الأسماء التي ظهرت في الصف الأول من المعارضين، الذين تسلموا مواقع قيادية، كان الشطر الأكبر من نشاطهم وإلى اليوم، منصباً على الحفاظ على هذا الموقع

لقد بات العالم اليوم منشغلاً بوقائع أكثر جدةً وأهميةً بالنسبة له، خاصةً في زمن الكورونا، الذي غير سلم الأولويات العالمية والمحلية بشكلٍ حاسم، ولم يعد معنياً بتوق السوريين للحرية، ومقدار ما قدموه من تضحيات على مذبحها.

معظم الأسماء التي ظهرت في الصف الأول من المعارضين، الذين تسلموا مواقع قيادية، كان الشطر الأكبر من نشاطهم وإلى اليوم، منصباً على الحفاظ على هذا الموقع، وفور فوز أحدهم بكرسي رئاسة ما أو أمانة العامة، أو هيئة سياسية، يبدأ سعيه الحثيث في التحشيد للانتخابات القادمة، التي ستكون بعد ستة أشهر أو سنة.

اللجنة الدستورية أو هيئة التفاوض على سبيل المثال، يستطيع فتىً لم يبلغ الحلم بعد أن يكتشف من اللحظة الأولى لإطلاق تلك اللجان، أنها ستدور في مكانها الذي تم رسمه لها، كما يدور الثور في رحاه، لا تملك أدنى قدرة على الانزياح يميناً أو يساراً، كما أن تحقيق أي تقدم على هذا المسار مرهونٌ برغبة الدول المتحكمة بالملف السوري، وهذه الرغبة غير متوفرة بدلالة الوقائع المتكررة.

تتسم هذه الهيئات بالافتقار للمتخصصين في إدارة تلك الملفات الشائكة، التي يبرع النظام وأزلامه في إدارتها، واللعب بحبالها، فمعظم المشاركين في اللجنة الدستورية، لا يفقهون في القضايا الدستورية أكثر مما يفقه بائع حليب في قضايا مسرح الكابوكي الياباني، وليس هذا لافتقار الكوادر السورية المعارضة لهذه الخبرات، بل لأن العملة الرديئة تطرد العملة الصحيحة، وتحرص على تغييبها.

في منتصف عام 2012 سألت أحد أهم وجوه المعارضة يومها وأنشطهم فاعلية، "برأيك لو أسندنا وزارة الكهرباء اليوم لأهم وأوسع فريق في المعارضة السورية ماذا ستكون النتيجة؟ فأجابني بدون تريث وبثقةٍ تامة، ستنقطع الكهرباء سبعة أيامٍ في الأسبوع" وهو حسب رأيي غير مبالغ أبداً، لكن من السخرية المرة أننا اليوم وبعد تسع سنوات، لم تتمكن المؤسسات التمثيلية للمعارضة من بناء فريقٍ من المختصين، أو للاستعانة بمن هو متوفرٌ أصلاً، لإدارة تلك الملفات التي تخاض الحرب عبرها.

في كلِّ مرة تطلب منظمةٌ أو مؤسسةٌ ما موظفا جديداً للعمل في قطاعها المحدود، نجد دفتر شروطٍ متين مصاغ وفق المعايير العالمية، كيما يكون الفائز بتلك الوظيفة مؤهلاً بالفعل للقيام بمتطلباتها، وهذا يحمد لهم، لكن الغريب أننا في المؤسسات التمثيلية للثورة نجد الشطر الأكبر ممن يتبادلون الكراسي بينهم وبشكل منتظم، لا يمتلكون أدنى درجات التأهيل لهذه المواقع، باستثناء التثقيل الثوري، الذي يرتكز أساساً على جملة مزاعم يصعب التحقق منها أصلاً.

هذا لا يعني أن نقطع سلفا مع اللجان أو الهيئات التي تبادر لإملاء الفراغ المرعب، لكن التقدم للتداخل في المسألة السورية الآن أخطر من إمساك الجمر والمناخ هو الأسوأ على الإطلاق، والأمل بالجدوى ينحدر إلى ما هو تحت الصفر، مع الافتقار التام للحماسة التي تدفع السائرين في الدروب الصعبة لتحمل العناء.

هل سنشهد في مقبل الأيام ولادة هيئاتٍ أو تشكيلات معارضة، تستوفي الحد الأدنى من شروط التمثيل، وتمتلك ما يلزم من التفويض عن شعب له تسع سنوات يعاني القتل والتدمير والحصار، ولن يقبل من جديد بممثلين جدد، يهبطون عليه من السماء؟

وهل ستمتلك هذه الهيئات الجديدة بوصلة محددة الأهداف، بدقة وفق رؤيا موضوعية بعيدة عن اللافتات الشعرية، التي لم تعد تسكر أحداً؟

وهل ستمتلك آلية من الممارسة الرقابية التي تدقق وبشكلٍ دوريٍّ ورتيب، بمدى تطابق حركة هذه الهيئة مع الأهداف والمبادئ التي منها انطلقت؟

إن تكرار تجربة الائتلاف الفاشلة والمليئة بالفساد، يقطع الطريق على ولادة أجسام سليمة، تفرزها حالة التأزم الشعبي، التي من طبيعتها أن تفرز ممثليها وتكوّن الإطار المناسب لاستمرار ثورتها.

=========================

الجولان المحتل يقاوم ونظام الأسد لا عين رأت ولا أذن سمعت

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 12/12/2020

يخوض أبناء الجولان السوري المحتل معركة أخرى جديدة ضدّ دولة الاحتلال الإسرائيلي، مشرّفة وملحمية رغم المقدار الهائل من انعدام التكافؤ أمام قوى الاحتلال العسكرية والأمنية والقضائية، واختلال ميزان الأدوات النضالية التي تتيح الصمود والتصميم وتسجيل انتصار معنوي تارة أو نقلة فارقة في روحية وأسلوب المقاومة تارة أخرى. المعركة الجديدة تحمل اسم «توربينات الرياح» نسبة إلى مشروع شركة الطاقة الإسرائيلية «إنرجكس» المدعوم تماماً من سلطات الاحتلال، بزرع 32 مروحية بارتفاع 200 إلى 220 متراً في قلب الأراضي الزراعية لسكان الجولان، التي تُزرع فيها منذ أزمنة سحيقة أشجار التفاح والكرز واللوز. ورغم وجود مستوطنات إسرائيلية في مرتفعات الجولان، فإنّ شركة «إنرجكس» أبعدت التوربينات عن أراضي تلك المستوطنات وجنّبتها بالتالي الأضرار البيئية والزراعية والطبيعية والصحية كي تحمّلها على قرى الجولانيين السوريين الأربع الكبرى، في مجدل شمس وبقعاثا وعين قنيا ومسعدة.

يقف في وجه هذا المشروع، وعلى أصعدة قانونية وإعلامية وسياسية، عدد من منظمات حقوق الإنسان السورية أو الفلسطينية وبعض الإسرائيلية أيضاً؛ خاصة «المرصد ـ المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان» والذي يواصل خوض معركة قانوية شرسة مع «إنرجكس» وذلك في أعقاب إصدار تقريره «في مهبّ الريح» حول الآثار المدمّرة لمشروع توربينات الرياح على حياة السكّان السوريّين، والتبعات الخطيرة على صحّتهم وسلامتهم. وكان المرصد قد سجّل جملة مخاطر، في طليعتها أنّ المزارعين الذين يقضون معظم أوقاتهم في العمل، وعموم السكّان الذين يمكثون أوقاتاً طويلة في الأراضي الزراعيّة المجاورة، حيث تنتشر عشرات المنازل الصغيرة، سوف يكونون الأكثر عُرضة للأذى. متوقّع، كذلك، أن يتقلّص استخدام المزارعين السوريّين لمئات الدونمات من أراضيهم الزراعيّة التي تنتج محاصيل التفاح والكرز منذ عشرات السنين، والتي تشكّل ما يقارب ربع أراضيهم الزراعيّة. هذا إلى جانب حقيقة أنّ إقامة المشروع سوف تسفر عن تقييد التوسّع العمرانيّ للقرى الواقعة تحت الاحتلال، مما سيُفاقم أزمة السكن الخانقة فيها. كلّ هذا عدا التشوهات البنيوية التي ستصيب الاقتصاد والسياحة الزراعيّة والتقاليد الزراعيّة عموماً، وتعريض الحياة البريّة للخطر، وتحديداً الطيور المحليّة والمهاجرة؛ ما يعني أن هذه الأضرار ستطال السكّان والزراعة والبيئة سواء بسواء.

وقد أصدرت 17 منظمة حقوقية بياناً مشتركاً أدانت فيه خطط زرع التوربينات، وأكدت أنّ «هذا المشروع الخطير يشكل خطراً وجودياً على سكان الجولان السوريين والسوريات، ويهدف إلى ترسيخ الاحتلال الاقتصادي للجولان على نحو مخالف لحقّ الانتفاع المنصوص عليه في المادة 55 من اتفاقيّة لاهاي الرابعة المتعلّقة بقواعد وأعراف الحرب البريّة لعام 1907». كذلك طالب البيان دولة الاحتلال، بصفتها السلطة المحتلة القائمة، بأن تلتزم بالقانون الدولي وتوقف هذا المشروع، وكافة أنشطة التوسع الاستيطاني، وتمتنع عن إحداث أية تغييرات في الجولان المحتل، إلا في الحالات التي تخدم أمن ورفاه السكان السوريين، داعين إلى الامتناع عن استغلال جائحة كوفيد-19 من أجل تمرير هذا المشروع وفرضه كأمر واقع. كما شدّد بيان الجمعيات على ضرورة احترم حقّ السكان السوريين في تقرير المصير والسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، بموجب القانون الدولي، وأن تتوقف سلطات الاحتلال عن إصدار تراخيص لاستغلال الموارد الطبيعية في الجولان السوري المحتل، وأن توقف أنشطة الشركات التجارية الإسرائيلية والمتعددة الجنسيات العاملة فيه، لضمان احترام المعايير الدولية ومعايير حقوق الإنسان، والحصول على موافقة السكان السوريين قبل الانخراط في أية مشاريع تستخرج موارد الجولان الطبيعية.

موقف النظام ليس أضعف الإيمان فقط، بل حال نظام لا عين فيه رأت ولا أذن سمعت بنضالات أبناء الجولان طوال 53 سنة، وهو في واقع الأمر أقصى ما يمكن أن يصدر عن نظام وريث حافظ الأسد، وزير «الدفاع» سنة سقوط الجولان المنيع في يد الاحتلال الإسرائيلي.

ومؤخراً توغل مبعوثو شركة «إنرجكس» في عمق الأراضي الزراعية التابعة لسكّان الجولان، تحت حماية مباشرة تولتها أعداد كبيرة من قوّات شرطة الاحتلال ووحدات القوّات الخاصّة، التي لجأت إلى إغلاق الطرقات المؤدّية إلى أراضي قرابة ألف مزارع سوريّ، لتمكين الشركة من مباشرة أعمالها في التجهيز للبدء بتنفيذ مشروع توربينات الرياح. وهكذا أقدمت شرطة الاحتلال على إغلاق الطرق المؤدّية إلى تلك لأراضي الزراعية، ومنعت الاقتراب من المكان. ولقد احتشد المئات من أبناء الجولان للاحتجاج على هذه الممارسات وللتأكيد مجدداً على أنّ الاعتراض على هذا المشروع التدميري ما زال يحظى بإجماع واسع النطاق في صفوف سوريي الجولان المحتل.

ورأى «المرصد» أنّ قيام شرطة الاحتلال بتأمين الغطاء للشركة، بحجَّة فحص التربة في أربع قطع من الأراضي، وبدون إبراز أمر قضائيّ بذلك، ومنع عشرات المزارعين من الوصول لأراضيهم الذي قد يمتد لعدة أيام، فيما يشبه العقاب الجماعي، واستخدام الكاميرات المحمّلة على طائرات مسيّرة عن بعد، هو «انتهاك صارخ لحقوق سكّان الجولان، وترهيب مُمنهج من خلال استقدام المئات من أفراد الشرطة ووحدات القوات الخاصّة، واستعراض القوّة، ووضعهم قُبالة السكّان المدنيّين الذين يمارسون حقّهم بالاعتراض السلمي على مشاريع الاحتلال».

وإذْ تتضامن مع حقوق الجولانيين السوريين منظمات حقوقية مثل «الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان» و«مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» و«مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان» إلى جانب جامعة بير زيت في فلسطين، وجامعة كورنيل في الولايات المتحدة؛ فإنّ السؤال الذي يُطرح بقوّة، وبحكم منطق الأمور الأبسط، هو التالي: أين النظام السوري، الذي لم يسلّم الجولان على نحو طوعي منذ حرب 1967 فحسب، بل لم يتوقف عن التكاذب بخصوص «الممانعة» و«المقاومة»؟ الإجابة يختصرها بيان وزارة الخارجية والمغتربين الذي أدان «الممارسات العنصرية والانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق السكان العرب السوريين في الجولان السوري المحتل». ولم يفت البيان اقتباس «مشيخة عقل طائفة المسلمين الموحدين في سوريا» لجهة تأكيدها «الوقوف مع أهالي الجولان السوري المحتل، والوقوف خلف القيادة السورية والجيش العربي السوري لاسترجاع كل شبر من أرض الجولان العربي السوري المحتل».

والحال أنّ هذا ليس موقف أضعف الإيمان فقط، بل حال نظام لا عين فيه رأت ولا أذن سمعت بنضالات أبناء الجولان طوال 53 سنة، وهو في واقع الأمر أقصى ما يمكن أن يصدر عن نظام وريث حافظ الأسد، وزير «الدفاع» سنة سقوط الجولان المنيع في يد الاحتلال الإسرائيلي. ولعلّ مراسل صحيفة حزب البعث تناسى، إذْ كيف له أن ينسى حقاً، موقف بشار الأسد الشهير حيال المقاومة الشعبية السورية في الجولان المحتل، خلال حوار شهير مع الإعلامي المصري حمدي قنديل. يطرح الأخير السؤال التالي: «أليس في سوريا غيرة أن حزب الله حقق ما حققه وأن كل السوريين يجب أن تكون لديهم الغيرة أننا لم نستطع أن نحرر الجولان حتى تاريخه بأي وسيلة سواء كان بالجيش أم بالمقاومة؟» ويجيب الأسد: «قلتُ إن تحرير الجولان بأيدينا وبعزيمتنا. لكن هذه العزيمة بالنسبة لنا كدولة تأخذ الاتجاه السياسي وتأخذ الاتجاه العسكري. كما قلت بالعودة لموضوع المقاومة هو قرار شعبي لا تستطيع أن تقول دولة ما. نعم. سنذهب باتجاه المقاومة. هذا كلام غير منطقي. الشعب يتحرك للمقاومة بمعزل عن دولته عندما يقرر هذا الشيء».

وهو تحرّك ويتحرك بالفعل، ليس بمعزل عن «دولته» فقط، بل كذلك لأنّ تلك «الدولة» تخوض حروبها ضدّ الشعب في الداخل السوري، بعد أن أسلمت المقادير لاحتلالات إيرانية وروسية وأمريكية وتركية انضمت إلى الاحتلال الإسرائيلي. فكيف، والحال هذه، لا تقف مشيخية العقل خلف جيش انسحب من الجولان المحتل ليستدير تماماً نحو درعا وحمص وحماة وحلب ودير الزور!

=========================

نظرة على واقعنا

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 12/12/2020

صار معظمنا يخشى إلقاء نظرة مدققة على واقعنا، لأنه صار واقعا مخيفا يفضل كثيرون الركون إلى أنه من الصعب أن يكون واقعنا النهائي، بارتداداته بالغة السلبية علينا. 

وأعتقد أن هناك إحساسا عاما بعدم الاطمئنان إلى ما ينتظرنا، نحن السوريين، في مقبلات الأيام، كمجتمع تعرّض لتدمير استهدفه خلال الحرب التي شنتها الأسدية عليه، في سياقٍ دوليٍّ مغايرٍ لأي سياقٍ آخر عشناه، على الرغم مما عشنا من كوارث في العقود القليلة الماضية، كان أخطرها الكارثة الأسدية التي دمرت دولتنا ومجتمعنا منذ عام 1970. 

أتحدّث عن سياق مغاير، تكرّس خلال السنوات العشر الماضية، من خلال الحرب الأسدية على مجتمعنا ودولتنا التي تنضوي في إطار دولي تخلق واعتمد بعد الغزو الأميركي للعراق، وقبله الثورة الإسلامية في إيران، وما أسهمت الأسدية فيه من سيطرة إسرائيلية على المجال الاستراتيجي المحيط بها عربيا، إلى جانب انهيار مشروع النهوض العربي بسبب هزيمة حزيران، والدور المركزي الذي لعبه عسكر "البعث" السوري فيها، وانتهى بالقضاء على مركزها المصري، وبروز مركز أسدي بديل، تبنّى كلاميا مقولاتٍ بدا وكأنها تصف الجهد النهضوي الذي عرفه الوطن العربي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن هدف المركز البديل لم يكن بناء نهضةٍ ما، بل اجتثاث قوى استنهاض العرب عامة، وسورية خصوصا، من جذورها، واستبدالها بكيان ما قبل دولوي، ما دون مجتمعي، يكبح دورة السياسة كفاعلية مجتمعية وعامة، لتعارُضها مع وجوده وتناقض حواملها مع بنيته وممارساته، لكونها تتخطّاه وتتنافى معه، بينما لعبت أجهزته المنظمة دورا جديرا بغزاةٍ يحتلون مجتمعا معاديا، فلا عجب أن أدّت ممارساته إلى القضاء الجسدي على المجتمع السوري، بعد القضاء على دولته، وإخضاعها لسلطته منذ عام 1970.

يغلط كثيرا من يرى الحدث السوري بغير منظار التنافي بين الأسدية ومجتمعنا، ويغلط أكثر من يضعه خارج هذا الإطار، لأنه إن فعل ذلك فقد القدرة على فهم ما وقع، وعلى بلورة بدائل للواقع الذي ترتّب عليه، ولم تعد تنفع معه وفيه الحلول الجزئية والترقيعية التي يقوم بها هذا الطرف أو ذاك، لكونها تفشل في مواجهة ما هو مطلوبٌ لوقف تدميرنا أولا، ثم للرد عليه بأكثر الطرق فاعلية، وبجهود أوسع قطاعات شعبنا، المستهدف الحقيقي من كل ما جرى بيد إيران والروس والأسدية وحزب الله، بعد ثورتنا. 

هذا الواقع التدميري تحرسه اليوم دولٌ كبرى وإقليمية وزعت وطننا إلى حصصٍ كانت تريد الحصول عليها بعد الحل السياسي، لكنها حصلت عليها قبله، فلم يعد مسألة ملحّة أو مستعجلة، خصوصا بعد أن رسمت كل واحدةٍ منها خطوطا حمراء للآخرين ، تمنعهم من تخطّيها، وانضوت المعضلة السورية، وهي صراع بين شعب يطلب الحرية وسلطة ترفضها، في إطار إقليمي انتقل الصراع معه إلى شرق المتوسط وليبيا وأذربيجان العراق واليونان والاتحاد الأوروبي ... إلخ، وصار من الطبيعي أن يتوقف حله على الطريقة التي ستسوّى من خلالها مشكلات هذا الانتقال، العويصة والعسيرة جدا على الحل، وتضمر مخاطر الانزلاق إلى العنف بين دولٍ مسلّحة حتى الأنياب ومفترسة، نشرت قواتها في مسرح الصراع الجديد، وتنتظر جميعها انصياع الآخرين لمطالبها، في وضعٍ متأزّم وانفجاري، يجعل التفرّغ للحل السوري ضربا من المزاح، وما يدور من اجتماعاتٍ دستورية وغير دستوريةٍ نوعا من الضحك على ذقون من يستمرئون الضحك على لحاهم، بل ويرون فيه إنجازا يفخرون به، بينما تتمسّك كل من إيران وروسيا بحصتها وبالخطوط الحمراء التي وضعتها لحمايتها من الآخرين، ويطمئن تابعهما الدمشقي لتنافسهما عليه، ولبؤس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو يتخبّط في غيبوبته، وعجزه عن الانتقال، أخيرا، إلى وضعٍ يصير فيه من حصّة السوريين، ويضع حدّا لارتهانه لغيرهم، والذي يهدد حقوقهم، ويكتم أنفاسه.

=========================

موقفنا : في العلاقة الروسية - التركية

زهير سالم

مركز الشرق العربي

15/ 12 / 2020

العلاقات السياسية ليست صداقات شخصية، ولا علاقة زواج لا ديني ولا مدني ..

ويتشوش على بعض الناس تصور طبيعة العلاقات السياسية بين الدول ، والأجسام السياسية والاجتماعية .

يستحضرون حقيقة الصداقة الأخوية في أرقى صورها ، ويسقطونها على ما يتوقعونه من علاقة سياسية بين دولتين . يتذكرون من كلام أصحاب عقود الزواج في الصحة والمرض ، والغنى والفقر ، والقوة والضعف ؛ فيُجْرونها على اتفاقيات الساسة وأرباب المصالح ، يتذكرون قول أديب العربية مصطفى صادق الرافعي : لا يصح حبٌ بين حبيبين حتى يقول أحدهما للآخر : يا أنا ..، ويطرق عليها الباب ، فتقول مَن ؟ فيجيبها : أنتِ ..ويريدونها في خضم علاقة سياسية تبنى على صراع ، ووسط الأنواء ..!!

كثيرا ما يعلن الساسة عن اتفاق ، على أمر أو أمرين أو سبعة أمور أو صفقات ، مصالح ظرفية زمانية أو مكانية مشتركة تجمعهم ولو حتى حين ، وربما يكون وراء المسائل السبع التي اتفقوا عليها ، سبعون أخرى عليها يختلفون ..!!

هذه الإسقاطات المباشرة الساذجة للعلاقات الشخصية الفردية والاجتماعية على عالم السياسة ، تثير الكثير من الخلل في تصورات الذين يحاولون قراءة السياسة أو متابعتها من بني قومنا الأدنين.

العلاقات بين الدول ، وبين القوى ؛ لا تبنى بالطريقة الشمولية التي تبنى بها العلاقة بين صديقين أو بين زوجين . بل هي أقرب إلى توافق على وجبة غداء أو عشاء ..

ثم هناك أمرا آخر يجب أن نشير إليه في فهم طبيعة العلاقات السياسية ، هي أن من يدخل بازار السياسة ، وفي ذهنه تحقيق معادلة صفرية ، فالأولى به أن لا يدخله أصلا .. إنه أشبه بمن يدخل بازار الملابس ليشتري بدون دفع أثمان ..

إن أوضح مثال لأنموذج العلاقات السياسية النامية والمتطورة - وهذا لا يتضمن مدحا ولا ذما - هو أنموذج السياسة التركية منذ 2015 مع روسية ، في سورية ثم في القرم ثم في أذربيجان . سياسة الاتفاق على " الخصلة " وإن كنا مختلفين على " الشلة " مرة أخرى لا أقول صواب أو خطأ ولكنني أقول مع تصوري لحجم الاختلاف الكبير بين التركي والروسي في سورية مثلا أو في القرم مثلا أو أذربيجان مثلا ، فقد استطاع العقل السياسي للفريقين أن يبني على جسم اختلافهما الصلب اتفاقات ، صمدت مع حجم الهزات ، ومراهنة المراهنين على انهيار هذه الاتفاقات ..

اللهب الخارج من أفواه التنين المتربص بالمشهد الديموقراطي التركي يراهنون في كل لحظة على تفجير هذه الاتفاقات . عشنا عقودا والعالم يقول عن الكيان الصهيوني أنه الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، وربما غاظ بعضهم أن تنكسر هذه الوحدة .

كثيرا ما أسمع من سوريين ملهوفين انتقادات وأحيانا اتهامات ، فالتفكير في الفراغ ، وفيما يجب أن يكون ، وفي الأمير القادر المقتدر ، قد شغلت حيزا كبيرا من العقول والقلوب ..يجب أن نذكر ونذكّر أن العلاقات السياسية هي مجموعة مقاربات ، فقط مقاربة ، وبالعامي الفصيح خد وعين .

ما يزال الكثيرون منا يغنون بغناء جرير : هذا ابن عمي في دمشق خليفة ..

ويبلغ بنا الأمر أحيانا أن نغضي عن كثير من قول الذين لا يعلمون ..

حين يحدثنا بعض الناس بلغة المثال نحب أن نذكرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة بعد رحلة الطائف بجوار المشرك المطعم بن عدي ، وأنه عندما هاجر آوى إلى الغار ، وأنه صلى الله عليه وسلم ، وهو يبني دولة الإسلام جاع حتى شد على بطنه حجرين من الجوع ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

هل يغرّد الجنوب السوري ثانية خارج السرب؟

حسان الأسود

العربي الجديد

السبت 12/12/2020

أطلق نائب رئيس هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية سابقاً، خالد المحاميد، في 27 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) تغريدة على حسابه في تويتر قائلاً: "حان الوقت ليظهر جسمٌ جديد يعبر عّن طموح وآلام السوريين بعيداً عن الأجندات الدولية والإقليمية ويستعيد القرار السوري ويدفع بالحل السياسي وفق القرارات الأممية." وأتبع ذلك بعد يومين، في إطلالة له عبر قناة العربية، بتوجيه انتقادات حادّة لأطراف عديدة في المعارضة السورية، متهماً إياها والنظام السوري بتعطيل جهود حل الأزمة السورية.

ولقراءة هذه التصريحات، ولمعرفة ما إذا كانت صادرة عن خالد المحاميد، واحدا من السوريين المهتمين بشأن بلادهم، أم هي صدىً لمشاريع جديدة بدأت تتبلور على الساحة الدولية لحل الأزمة السورية، علينا أن نحلل البنية المجتمعية التي يمكن أن يرتكز عليها المشروع الذي يطرحه الرجل، علّنا نجد إجاباتٍ عما يدور في الأذهان من أسئلة، ما يفرض علينا أن ننظر إلى خريطة توزع القوى المحلية في حوران، والتي يمكن للمحاميد أن يرتكز عليها لبناء مشروعه المذكور. كما علينا أن نرى الخريطة الخارجية، وإمكانية وجود روافع إقليمية أو دولية لهذا المشروع.

هل يكفي المشروع الذي طرحه خالد المحاميد الانطلاق من بقعة صغيرة في الجنوب، أم له أسس وروافع في باقي المناطق أيضا؟

منذ يوليو/ تموز عام 2018، تاريخ استرجاع قوات النظام السوري سيطرتها على الجنوب، بمساعدة حليفها الروسي وبموافقة دولية، برزت ثلاث مدن رئيسية في صراع البقاء وإثبات الذات في تلك المنطقة الحساسة. أولها درعا مهد الثورة، حيث كانت أعصى المدن على محاولات الاقتحام العسكري، فقد دارت على أطرافها معارك ضارية، حاولت خلالها قوات النظام اقتحامها بالقوة، ففشلت وتكبدّت خسائر فادحة. يتمتع خالد المحاميد بعلاقات قوية مع الفاعلين المحليين من أبناء درعا البلد، مسقط رأسه، ولعلّ أبرزهم ناصر المحاميد الملقب بـ"أبو شريف" وهو أحد القادة الميدانيين السابقين لما كان يعرف باسم "لواء التوحيد". وثانيها مدينة طفس في المنطقة الغربية، والتي قاتل أبناؤها بضراوة قوات النظام والمليشيات الإيرانية المساندة له، وأرغموها على التوقف عن محاولة الدخول بالقوة. ولخالد المحاميد علاقات قوية مع قادة سابقين وحاليين فيها، ولا تزال صلاته بهم قائمة بشكل مباشر أيضاً. ثالثها مدينة بصرى الشام، حيث يعتبر القائد السابق لقوات شباب السنة من الجيش السوري الحر، والقائد الحالي لقوات اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم روسياً، أحمد العودة، الرجل الأول في المدينة والمنطقة الشرقية كلها من المحافظة. في 25 مارس/ آذار 2015، استطاعت فصائل الجيش السوري الحر تحرير بصرى الشام من يد قوات النظام وحزب الله، وكان الفصيل الأكبر الذي قاد عملية التحرير بقيادة أحمد العودة. 

لن يكون للدول الإقليمية، مهما بلغ شأنها، أن تقرّر وحدها شكل الصراع في سورية من دون انتظار موافقة أميركا، أو من دون أخذ مصالحها على الأقل بالحسبان

عندما بدأت حملة النظام لاستعادة السيطرة على المنطقة في يوليو/ تموز 2018، أو ربّما قبل أن تبدأ حتى، تمّ التوصل، أو كان هناك فعلاً اتفاقٌ مُسبق بين قائد فصيل شباب السنّة أحمد العودة، وبوساطة فعّالة من نسيبه خالد المحاميد، الذي كان قبلها بعام نائباً لرئيس هيئة التفاوض، والقوات الروسية، على تجنّب الصدام مع قوات النظام في مقابل عدم محاولتهم الدخول إلى المدن والقرى التي تسيطر عليها قوات العودة. بعد ذلك تمّ ضم هذه القوات إلى الفيلق الخامس، بشرط أن يخدم أفرادها في مناطقهم، وبشرط ألا يشاركوا في أية أعمالٍ قتالية ضد أيٍّ من فصائل الجيش السوري الحر في أية منطقة من سورية. هذه هي خريطة القوى المحلية في الجنوب، والتي يمكن أن تسند مشروع الجسد السوري الجديد.

على الصعيدين، الإقليمي والدولي، يمكن القول إنّ مجمل الظروف لا تساعد على إنشاء أي جسم سياسي جديد لتمثيل السوريين الثائرين على النظام، فلا الوقائع الميدانية على الأرض التي رافقت إنشاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية متوفرة، ولا وجود للحشد الدولي الذي أدّى إلى الاعتراف بهذا الائتلاف ممثلا للشعب السوري، بموجب القرار الصادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة رقم 262/67/5 تاريخ 15/3/2013، ولا الظروف السياسية التي كانت تضع الملف السوري في قمة أولويات المجتمع الدولي هي ذاتها، ولا حتى اهتمام الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإغاثية الدولية هو ذاته، ولا باتت المسألة السورية هي الأولى في أروقة الأمم المتحدة. يُضاف إلى ذلك كله حالة العطالة الدولية السائدة الآن بعد نجاح الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة الأميركية، وهي بكل تأكيد ستغير كثيراً في موازين الصراع في المنطقة. وبالتأكيد، لن يكون للدول الإقليمية، مهما بلغ شأنها، أن تقرّر شكل الصراع وحدها من دون انتظار موافقة أميركا، أو من دون أخذ مصالحها على الأقل بالحسبان، وهذا كله ما يزال قيد المراجعة والدراسة.

وفق هذه الخلفية، يجب قراءة تصريحات خالد المحاميد المذكورة أعلاه. هل كان يشير إلى بعض مخرجات الاجتماع الذي عُقد بين السعودية والإمارات ومصر والأردن على مستوى كبار المسؤولين في وزارات الخارجية، بالتاريخ نفسه، لبحث تطورات الأزمة السورية، والذي قالت عنه الخارجية المصرية إنه بحث "تعزيز الجهود المشتركة لصون عروبة سورية ومقدرات الشعب السوري الشقيق"؟ وهل كانت تلك رسالة من دولة الإمارات، حيث يقيم المحاميد وتتركز أعماله، إلى باقي الفاعلين الدوليين، أم إنها مجرّد توقعات من المحاميد لما يمكن أن يتم العمل عليه، فحاول استباق الأحداث والإعلان عن نيته تشكيل جسم سياسي جديد؟

هل سيكون لمدينة بصرى الشام، حيث للمحاميد صلات نسب وعلاقات مباشرة مع الرجل الأكثر نفوذاً فيها، أي دور في هذا التشكيل السياسي المُنتظر، وهل لدرعا وطفس دور مماثل أيضاً؟ وما هي طبيعة هذا الجسم المعبّر عن طموح السوريين وآلامهم بعيداً عن الأجندات الإقليمية والدولية، وهل يمكن له القيام والعمل في ظل حالة العطالة المجتمعية الهائلة في عموم سورية، وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد خصوصا؟ ما هو المقصود بصون عروبة سورية ومقدّرات الشعب السوري، وهل يكون ذلك بالتعاون مع النظام الغارق حتى قمة رأسه بالمستنقع الإيراني، أم سيكون ذلك كله لمواجهة النظام وإخراج سورية من حضن إيران؟ هل يكفي هذا المشروع الانطلاق من بقعة صغيرة في الجنوب، أم له أسس وروافع في باقي المناطق أيضا؟

لننتظر بعض الوقت لإيجاد الإجابات عن هذه الأسئلة. وإلى حينه، لا نعرف بعد ما إذا كان من الممكن للجنوب أن يغرّد ثانية خارج السرب أم لا.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com