العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-11-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الحاجة إلى ثورة في الثورة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 17/11/2016

حسب علمي، ليس هناك إلى اليوم دراسات عسكرية، خبيرة أو مهنية، عن الحرب التي يخوضها الجيش السوري الحر وشركاؤه ضد جيش الأسد والروس والإيرانيين. وليس هناك كذلك دراسات حول التنظيم الفصائلي، بوصفه جهةً تنهض بالجزء الأكبر من أعباء الحرب، وقياسات علمية حول عائد التجربة العسكري العملي الذي أنتجته أعوام خمسة من التضحيات والمقاومة والصراع المفتوح.

وليس هناك أي اتفاق بين من يخوضون الحرب على نمطها، وهل هي حرب جيوش أم حرب عصابات أم مزيج من الاثنين، أم أنها ليست حرباً، بل مجرد عمليات غزو متلاحقة، هدفها أخذ الغنائم من النظام، يؤكد ذلك اتفاق تنظيمين كبيرين، يقاتلان في ريف حماه على التخلي عن اعتبار الأملاك العامة غنائم يجب تقاسمها بينهما؟ وإذا لم نكن حيال وضعٍ أقرب إلى الغزو منه إلى الحرب، كيف نفسر فوضى التنظيمات والسلاح والزعامات، وتعايش الشبيحة وأمراء الحرب مع وطنيين وإسلاميين مخلصين، والنزوع إلى الانفراد بالمناطق التي يحتلها فصيلٌ بمفرده، أو تجمع فصائل، والاستئثار بما يتركه الجيش الأسدي وراءه من سلاح وذخيرة، بدل اعتباره ملكاً للجيش الحر والفصائل، تتزوّد به جميع الوحدات المقاتلة، ولماذا تنتزع التنظيمات الكبيرة من التنظيمات الأضعف ما تستولي عليه من عتاد النظام وذخائره؟ وكيف لم تقتنع الفصائل بعد بالانضواء تحت هدف وطني، تقول جميعها إنه مشترك بينها هو إسقاط الأسد ونظامه؟ ولماذا تتمسك بالنمط الفصائلي شكلاً وحيداً لتنظيمها العسكري، على الرغم من ثبوت عجزه عن تحقيق هدفها، وبناء ميزان قوى، لا يستطيع الروس والإيرانيون كسره، يستثمر كثافة الانخراط الشعبي في المقاومة، ويؤطره في أشكال من التنظيم العسكري، مرنة وفاعلة؟

في الحروب التي يخوضها ضعيف ضد قوي، يأخذ الضعيف بنمط من الحرب، يكون دفاعياً، فترة تطول أو تقصر، على الصعيد الاستراتيجي، هجوميا على المستوى التكتيكي، يتحول إلى الهجوم الاستراتيجي، بقدر ما تنجح هجماته التكتيكية في استنزاف عدوه، وتُرغمه على الانسحاب من مناطق حاكمة واستراتيجية، وتلحق به من خسائر تستنزف عديده وعتاده، وتعزله شعبياً وسياسياً وتفكك وحدته وتقوّض مؤسساته. السؤال الآن: هل أخذ مقاومونا بأيٍّ من هذه الأنساق، ورسموا خططاً قتالية، تنضوي، في مرحلة أولى، ضمن إطار دفاعي، استراتيجي، يمليه تفوق عدوهم بالسلاح والرجال، وحجم الاحتياطي الاستراتيجي لدى شركائه الروس والايرانيين، علما أن افتقارهم إلى عقيدة قتالية واضحة حول نمط الحرب يحول بينهم وبين مجاراته أو موازنته؟ وهل استخلص مقاتلو الفصائل ما يمليه عليهم وضعهم هذا، وهو أن عليهم خوض حربٍ تعتمد على هجماتٍ تكتيكيةٍ متلاحقةٍ، تنهك عدوهم الأسدي/ الروسي/ الإيراني، وتحطم معنوياته وتدمر مراكزه، تقطع طرق مواصلاته، وتشل مراكز القيادة والسيطرة لديه، وتفكّك وحداته، وتجعلها عاجزةً أكثر فأكثر عن السيطرة على مناطق تمركزها وإيوائها ... إلخ؟

بصراحة: لم تفعل المقاومة هذا أو ذاك، لأسبابٍ منها إبعاد أهل الخبرة من الضباط المنشقين

"نحتاج نحن -السوريين- ثورة في الثورة، تغلب الطابع الوطني والشعبي من نضالنا في سبيل الحرية على الولاءت الجزئية والدنيا" عن قيادة الحرب، ووجود أوهام خطيرة حول دور الخارج في حسم الصراع لصالحنا، وتسليمنا البلاد على طبقٍ من ذهب، بعد إسقاط النظام طبعا، فلا ضير علينا إن دخلنا في صراع مفتوح على النفوذ والسلطة، الساقطة حتماً بأيدي غيرنا، فالوقت ليس لرسم خطط حربية، والتفكير في الحرب ومراحلها، وتعبئة قدرات الشعب وطاقاته، ما دام دورنا فيها مساعدة دهاقنة الحرب وجنرالاتها الذين يعرفون جيداً هوية (ونمط) الحرب التي سيسقطون الأسد بواسطتها، ولا بد أنهم سيفكرون بشتى جوانبها، ليس فقط بسبب ما لديهم من خبرة، وإنما أيضاً لأنهم يريدون كسبها، ولن تفوتهم، بالتالي، أية قضية من قضاياها.

بالنسبة لرسوخ عقلية الغزو في وعينا العام، لسنا، ولا يمكن أن نكون، في مرحلة دفاع استراتيجي، بل إن تصنيف الحرب إلى مراحل لا يخطر ببال أغلب من يقودون معاركنا، ولا يدخل في خططهم، لكونهم ألفوا القتال تجمعات متفرقة ومتنافسة غالباً، فإن تحالفوا مع غيرهم بنوا تحالفهم على حساباتٍ وقتيةٍ أو عابرة، أو إكراهية، سرعان ما يتخلون عنها أو يذهبون إلى نقيضها، فهم اليوم في هذا الحلف، وغداً في نقيضه، وليس في تخطيطهم تعبئة أو تفعيل شيء اسمه قدرات الشعب التي يجب أن تنظم في وحداتٍ تخوض حرب عصاباتٍ متكاملة التكوينات: تستند على تنظيماتٍ محليةٍ ومناطقيةٍ ووطنيةٍ، تنضوي في إطار تنظيمي موحد ومترابط، وتخضع لقيادةٍ تمسك بخيوط الحرب، وتدير معاركها بصورة مركزية، تستخدم جميع وحداتها في أوقات متزامنة، وبصور متكاملة، حسب المتطلبات الميدانية المحلية والوطنية التي تترجم إلى معارك لا تترك للعدو لحظة راحة، ولا تسمح له بالانتشار في أية منطقة، من دون قتال يمنعه من الاستقرار فيها، والإفادة من موقعها... إلخ.

لسنا أيضا في طور تكتيكي، يقوم على شن عملياتٍ متلاحقة تقطع طرق إمداد العدو. ومن يتابع ما يجري يلاحظ أن النظام هو الذي يقوم بمعظم الهجمات التكتيكية، بصورة خاصة، عندما تكثر هزائمه، وينسحب من مناطق مهمة، ويشعر بأن روح أتباعه المعنوية تنهار، أو أنه سيواجه مرحلةً من الصعوبات تتحدّى قدراته، خصوصاً إن كانت ستقطع خلالها طرق إمداده، أو ستضرب مراكز القيادة والسيطرة لديه، وستهاجم مستودعات ذخيرته ومراكزها وثكناته، لوعيه الذي نفتقر إليه بأن الحرب ليست، ولم تكن، يوماً غير حرب طرق إمداد وسيطرة، بينما جعلها بعض كبار خبراء الحروب من جهلة الشيوخ والتجار المحليين وقبضايات الحارات حرب مدن، دمرت معظم مدننا وشرّدت جزءا كبيرا من شعبنا، وبالنتيجة، قاتلت معظم وحدات الجيش الحر والفصائل في شروطٍ عسكريةٍ تتسم بقدر كبير من الارتجال والفوضى، سمحت للعدو بالتحكّم في مجريات الحرب التي دفع الشعب، حاضنة الثورة، ثمناً مرعباً لها، أدى إلى تمزيقه داخل وطنه، وتهجير أكثر من نصفه، وإفقاره وتجويعه واعتقال بناته وأبنائه وتعذيبهم، وقتل أطفاله وشيوخه ونسائه، وتحويل قسم كبير من بلداته وقراه إلى سجونٍ لا يستطيع مبارحتها، على الرغم من موته داخلها بالقنص والقصف والتجويع.

هذا الوضع أنتجه عجزنا عن تعبئة قدراتنا الذاتية، ضمن أشكال تنظيمية تتناسب ونمط الصراع الذي نخوضه، وتفعيلها بطرق تصاعدية، تقرّبنا خطوةً بعد أخرى من هدفنا، وحتّمه فشلنا في

"هذا الوضع أنتجه عجزنا عن تعبئة قدراتنا الذاتية، ضمن أشكال تنظيمية تتناسب ونمط الصراع الذي نخوضه" وقف العدوان الأسدي على شعبنا أو كبحه، وتحقيق ولو نصف انتصار نرسي بواسطته ركائز وشروط ضرورية، لتحقيق تدريجي لما يطالب شعبنا به، منذ قامت الثورة: إقامة وضع ذاتي ثوري ووطني، يقنع العالم برحيل الأسد وتغيير النظام، وبناء نظام ديمقراطي، يضمن الحرية والكرامة والمساواة والعدالة لجميع المواطنين. وأنتجه أخيرا افتقارنا لخطة عسكرية استراتيجية، تترجم إلى برامج محلية ومناطقية ووطنية، تغطي بلادنا بكاملها، لحمتها وسداها في مرحلتنا الراهنة تكتيكاتٌ تراكميةٌ ناجحة، تعبر ميدانياً عن استراتيجية سياسية، تمس حاجتنا إليها، لأننا لا نمتلكها بعد. بما أننا نفتقر إلى جميع هذه المفردات، فإن تحركاتنا تتسم بالتخبط والجزئية والتقطع، ويعقب انتصاراتنا الباهرة هزائم محبطة وغير مبرّرة، وتحتجزنا توازناتٌ هشة، وعلى قدر كبير من الاضطراب والتذبذب، ويتعايش ساستنا وعسكرنا، كل على حده، مع واقع تتحدّاهم تعقيداته التي تصير، بمرور الوقت وتراكم الأخطاء، عصيةً أكثر فأكثر على الحل.

نحن في حاجةٍ إلى ثورة في الثورة، تغلب الطابع الوطني والشعبي من نضالنا في سبيل الحرية على الجوانب والولاءت الجزئية والدنيا التي حكمت حراكنا وأنشطتنا طوال الأعوام الماضية، ولعبت دوراً حاسما في نجاة النظام، على الرغم من أن بعضها استهدف مقاتلته. ونحن في حاجة أيضا إلى إعادة تعريف أوضاعنا السياسية والعسكرية وهيكلتها، بحيث نقوّم اعوجاجها، ونصحّح مساراتها، ونعيد بناءها بما يخدم مصالحنا الوطنية، الجامعة والعليا، ويهمش المصالح الجزئية والدنيا للأطراف المنخرطة في الصراع الذي هو صراع من أجل الحرية، وليس صراعاً على سلطةٍ يحق لنا رؤية مصالحنا الوطنية العليا بدلالتها، بدل أن نحدّدها هي انطلاقا منها، فلا تخدم مواقفنا عدونا: نظام الأسد، من حيث لا نريد. في النهاية، لن تنتصر الثورة ويهزم النظام، إذا لم ننجح في تغليب مشروع الحرية على مشاريع الاستبداد البديلة لها وللنظام، فالثورة لن تنتصر بمشاريع متضاربة، ينفي بعضها بعضاً، يخدم مشروع الأسلمة الاستبدادي منها النظام، بالتقائه معه على معاداة الحرية وتهميش (ومحاربة) حملتها، في صفوف الشعب والثوار في آن.

من دون "ثورة في الثورة"، تغطي سائر مواقفنا وأنشطتنا، لن ننجح في الحد من حجم ضحايانا الهائل الذي سنتمكن من تقليصه، إذا عقلنا دورنا في الصراع وصحّحنا أخطاءنا. وسنفشل في مبارحة الحلقة المفرغة التي ندور فيها، وتأخذ شكل انتصار نحققه اليوم، وهزيمة تلحق بنا غداً أو العكس، بينما يتكبّد مجتمعنا خسائر فادحة في الحالتين، ويعاني وطننا تدميراً شاملاً، ويموت شعبنا تجويعاً وحصارا وتشرداً.

هل يمكن أن تتحقق الثورة المنشودة، إذا لم تتوافق مصالح (ومواقف) جمهرة كبيرة من قادة حملة السلاح والمقاومين معها، ولم يعمل الساسة لامتلاك القدرة التي تتيح لهم القيام بها، ويبادر الشعب الذي صنع ثورةً من أجل حرية المواطن والوطن إلى تنظيم مظاهراتٍ وأنشطة عامة وكثيفة، تعبّر عن خياراته، شعباً متمسكاً بحريته، في مخيماته ومهاجره؟

========================

تحليل سياسي قصير جدا : بدلالة صخرة برميثوس .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

19 / 11 / 2016

ضُرب مثل ..

يقيسون موقع صخرة ( برميثيوس ) على مدرجها، بين القمة والحضيض ، وقبل وبعد ، حتى الحفاظ على الصخرة مرتفعة عن القرارة ، ولو قيد فتر ، يحتاج إلى طاقة وجهد ..

يقول علماء الأخلاق السياسة والاجتماع والاقتصاد : إن موقع الصخرة المقياس ، صخرة ( برميثيوس ) ، على مسارها هو ناتج حصيلة عوامل كثيرة معقدة ومتداخلة ، ولكن مهمة ( برميثيوس ) أن يسيطر عليها ، وأن يواجهها ، وأن يرتقي بصخرته مع حسابها ..وليس لبرميثيوس أبدا أن يرفع يديه ، ولا أن يستريح ..

يقول بشار الأسد : إن الاستعمار والصهيونية والامبريالية والوهابية كانوا السبب في أن يهوي حجر ( سورية ) من الحضيض إلى الهاوية ..

ومع اعتبار سورية ( مجرد مثل ) نبقى أنا وأنتم ، ماذا نقول ؟ وأول العلم : ملاحظة ؟!

(( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

جردة حساب وجيزة للحكم الأسدي المديد .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 17/11/2016

في مثل هذه الأيام قبل 46 عاماً، أطاح حافظ الأسد برفاقه في قيادة حزب البعث، واستولى على السلطة في سوريا، وزج بالمذكورين في سجون حقده، فلم يفرج عنهم إلا أمواتاً أو على حافة القبر. وكان موضع تباه دائم له، ولخطاب النظام الإعلامي، أن هذا الانقلاب العسكري الذي سماه بـ»الحركة التصحيحية» كان آخر الانقلابات العسكرية في تاريخ سوريا الحديث الزاخر بها. هو الانقلاب الذي لا يمكن الانقلاب عليه، وفقاً للنظام الأمني الأخطبوطي الذي صممه وأنشأه بصبر وعناية: نظام تتنافس فيه مراكز القوة على الولاء للحاكم الفرد، وتقوم الوشاية فيه بدور صمام الأمان ضد أي طموحات محتملة لدى النخبة القيادية الأمنية ـ العسكرية التي تشكل الدعامة الأولى الأساسية لاستقرار الحكم، فيما تشكل القاعدة الاجتماعية الأهلية دعامتها الثانية، بديلاً من حزب البعث الذي انقلب عليه الأسد.

في السنوات العشر الفاصلة بين تأسيس النظام، والتمرد الإخواني في العام 1980، كرس الأسد نفسه كلاعب إقليمي تحتاجه القوى العظمى والإقليمية لضبط الوضعين اللبناني والفلسطيني، فبورك تدخله العسكري في لبنان (1976) أمريكياً وعربياً، واضطر الاتحاد السوفييتي إلى الموافقة عليه أيضاً بعد اعتراض أولي. كانت لهذا التدخل آثار كبيرة على نمط حكم الأسد في الداخل السوري. فقد تدربت وحدات قواته العسكرية، في لبنان، على التعامل مع السكان كقوة احتلال بربرية لا تحدها أي حدود قيمية، الأمر الذي سنرى نتائجه «الباهرة» في مدينة حماة التي اجتاحتها تلك القوات، في فبراير/شباط 1982، ونكلت بسكانها، فقتلت منهم عشرات الألوف، ودمرت كثيراً من أحياء المدينة المنكوبة فوق رؤوسهم.

جريمة حماة التي تواطأت على السكوت عليها ودفنها في الظلام، كل دول العالم بشرقة وغربه، ستشكل درساً مزدوجاً للشعب السوري بعمومه، وللقوات المسلحة بمختلف وحداتها. للأول لكي يسلِّم بالحكم الاستعماري الداخلي المطلق تسليماً مطلقاً لا فكاك منه، وللثانية لتتعرف على وظيفتها الحقيقية كقوة احتلال تحمي الحكم من الشعب، ولا تتردد لحظة واحدة في ارتكاب الفظائع بحقه إذا احتاج الأمر.

ولكي «تعم الفائدة» لم يكتف الأسد بضرب التمرد الإخواني، وما افترض أنه حاضنته الشعبية في عدد من المدن أبرزها حماه وحلب وجسر الشغور، بل ضرب معه أيضاً قوى سياسية معارضة من اليساريين والقوميين، ونقابات مهنية، ليؤكد للسوريين أن مشكلته ليست مع الإخوان المسلمين أو طليعتهم المقاتلة أو مع حركة تمرد مسلح، بل مع كل سوري يفكر بالاعتراض على حكمه الدكتاتوري الدموي.

انتصر الأسد، إذن، على المجتمع السوري، انتصاراً ماحقاً، في فبراير/ شباط 1982، وأدت هذه التجربة الكارثية إلى صعود دور أجهزة المخابرات في الحكم، بعدما بات الطلب على عملها كبيراً لضبط المجتمع ومراقبته، تفادياً لتكرار أي تمرد محتمل «من تحت»، في حين سيكون على الأسد ضرب مراكز القوة الكبيرة في الجيش الذي حقق له الانتصار المذكور، تفادياً لأي تمرد عليه «من فوق»، أو حتى لتقييده بضوابط شكل من أشكال القيادة الجماعية التي من شأنها أن تحد من تفرده. فكان تمرد شقيقه رفعت الأسد عليه، إبان مرضه في العام 1982، مناسبةً لتهميش الرؤوس الكبيرة في الجيش التي كانت ترى أن الأسد مدين لها ببقائه في الحكم بعد «انتصار حماه» وهزيمة لبنان أمام الاجتياح الإسرائيلي، في العام نفسه (1982).

في الفترة اللاحقة على كارثة حماة، عمل الجهاز الإيديولوجي للنظام، بكامل طاقته، على صناعة عبادة الحاكم الفرد، لشخص يفتقد أدنى مواصفات الكاريزما المعهودة لدى حكام دكتاتوريين في تجارب تاريخية أخرى، على ما لاحظت ليزا وادين في كتابها «السيطرة الغامضة». والحال أنه لا يمكن لحاكم ليست لديه أي قضية عامة، غير تأبيد حكمه، ولا أي مشروع مستقبلي للبلد الذي يحكمه غير استباحة ثرواته، أن يتمتع بدور «الحاكم الفرد المعبود» مهما تمتع بجاذبية أو كاريزما شخصية. وقد افتقد الأسد للشرطين كليهما، أي المشروع العام والجاذبية الشخصية معاً. وهكذا ستتم صناعة عبادة الفرد، بدايةً من العام 1982، بالعنف والقسر والترويع فقط، وبلا أي عنصر اقناع مما تتطلبه الهيمنة بمعناها الغرامشي.

من المحتمل أن أحلام تأبيد حكم سوريا في عائلته الصغيرة، بتوريثه لابنه البكر، قد بدأت منذ تلك الفترة، ولعل طموح شقيقه المتهور رفعت، وتمكنه من القضاء بسرعة على تمرده، سهلا عليه النقلة التالية باتجاه التوريث، من حيث شكلت محاولة رفعت سابقة وراثية لم تلق اعتراضات جدية من المجتمع الدولي والإقليمي، ووقف السوريون «المضبوعون» أمامها متفرجين.

بعدما انتهى الأسد من ضبط النخبة العسكرية ـ الأمنية، وضبع المجتمع قبل ذلك، فضلاً عن تكريس هيمنته على لبنان، وتوافقاته مع «المجتمع الدولي» والعربي بمشاركته في «حرب تحرير الكويت» تحت قيادة الضباط الأمريكيين، تفرغ، في عقد التسعينات، لشؤون الاقتصاد التي أرسى أولى أسس «لبرلتها» اللاحقة، من خلال ما سمي بقانون الاستثمار رقم عشرة. لعب هذا القانون دوراً مهماً في خلق بورجوازية جديدة موالية، من شأنها أن تشكل شبكة أمان اجتماعية إضافية للوريث المقبل، وخريطة طريق للتخلص من النظام الاشتراكي الذي تمسك الأسد به طوال العقدين الأولين من حكمه، وآن أوان التخلص منه بعد سقوط التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي.

في عقد التسعينات نفسه، بدأ الترويج لباسل الأسد من خلال التغطية الإعلامية اللافتة لأنشطته الرياضية والاجتماعية. ثم جاء مصرع هذا المرشح لوراثة الحكم، فاستبدله الأب ببشار الذي تم إعداده على عجل ليحل محل أبيه بعد موته. كانت أبرز المحطات في عهد الوريث: إخراج جيشه من لبنان بقرار من مجلس الأمن، ودعمه للسلفية الجهادية في العراق المحتل، وثورة السوريين عليه، في ربيع العام 2011.

في غضون عقد واحد من الحكم، نجح بشار الأسد في خسارة كل ما ورثه من أبيه: لبنان، وسوريا، والتوافقات العربية ـ الدولية التي أمنت استقرار الحكم ودوره الإقليمي معاً. صحيح أن التوافقات المذكورة، للإطاحة به هذه المرة، لم تتوفر بعد، لكن الأسد بات رهيناً لقوى داخلية وخارجية، لن يتمكن، بعد كل الكارثة المهولة التي أوقعها بسوريا، من التخلص منها.

========================

ترامب يتبنى إرهاب الدول .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 17/11/2016

لا يقدم دونالد ترامب جديداً بقوله أن المهمة الرئيسية لبلاده في الشرق الأوسط خلال ولايته، ستكون «مكافحة الإرهاب» والقضاء على «داعش» وسواه من التنظيمات الإرهابية، فهذا شعار تعاقبت على رفعه إدارتان، جمهورية وديموقراطية، منذ اعتداءات 2001، لكن الجديد أنه يخلط عمداً بين الإرهابيين وبين المعارضين المتطلعين إلى استعادة حقوق بدهية، ويضفي في المقابل «شرعية» من لدنه على دول وأنظمة تمارس الاستبداد والإرهاب داخل حدودها وخارجها، بذريعة أنها تشاركه مهمته.

وعندما يقرن معركته المزمعة باستعداده للتعاون مع روسيا والنظام السوري، وبالنتيجة إيران، في محاربة «الإرهابيين» في سورية، ويشدد في الوقت ذاته على انحيازه التام إلى إسرائيل في شكل يقارب الوقاحة أحياناً، يكون اختار عملياً الوقوف في صف إرهاب الدول بحجة مواجهة إرهاب الجماعات، ضامّاً إلى هذه الأخيرة الشعب الفلسطيني بأكمله، بعدما انتقى بين معاونيه بعض كبار المغالين في تأييد الدولة العبرية وسياساتها العنصرية.

وإرهاب الدول والأنظمة سابق على إرهاب الجماعات ومشجع عليه. ولو لم يلجأ النظام السوري إلى العنف وسيلة وحيدة للرد على مطالبة شعبه بإصلاحات سياسية لما حمل المعارضون السلاح. وكان فرض قيام دولة إسرائيل بالقوة المسلحة وطرد الفلسطينيين من أرضهم سبباً للمواجهة المستمرة منذ سبعة عقود، ولا تزال إسرائيل تمارس عنفها اللامحدود على سائر محيطها وترفض الاعتراف بدولة فلسطينية ولو على جزء من فلسطين التاريخية.

وقد يعتبر البعض أن ما يقال خلال الحملات الانتخابية أو يتخذ من مواقف في حمأة الفوز بها، إنما هدفه تحفيز الناخبين ومواصلة تعبئة المؤيدين وطمأنتهم، وليس بالضرورة أن يستمر لاحقاً أو يطبق. لكن هذه التصريحات والمواقف تعكس عقلية سياسية وتعبر عن قناعات عميقة لدى فريق ترامب ومؤيديه ستجد بالتأكيد طريقها إلى التطبيق ولو جزئياً.

وباختياره حلفاءه الثلاثة، بوتين والأسد ونتانياهو الذين يعربدون في سورية وفلسطين والمنطقة، يصبح من المنطقي توقع أن الحرب على المعارضة السورية التي حشدت لها روسيا أفضل ما في ترسانتها البحرية والجوية والصاروخية، والتي تشارك فيها إيران بمروحة واسعة من الميليشيات المذهبية، مرشحة للتصاعد بهدف خنق الثورة وإنهائها. ويعني ذلك أيضاً أن العسف الذي تمارسه إسرائيل في الأراضي المحتلة سيشهد طفرة واضحة بدأت إشاراتها قبل أيام باتخاذ سلسلة من القرارات تستهدف هوية الفلسطينيين من خلال الإمعان في مصادرة أراضيهم لمصلحة المستوطنين، ومنعهم من تأدية مشاعرهم الدينية في مدينة القدس.

وكان ترامب وعد خلال حملته الانتخابية بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس التي وصفها بأنها «العاصمة الأبدية للشعب اليهودي»، ودعا الفلسطينيين إلى التخلي عن «مناهج الكراهية التي يدرسونها لأولادهم» والامتناع عن تسمية الساحات في مدنهم وقراهم بأسماء «الإرهابيين». واعتبر أيضاً أن «داعش يشكل خطراً على أميركا أكثر بكثير مما يشكله الأسد»، واتفق مع بوتين على «ضرورة تضافر الجهود في إطار مكافحة العدو الرقم واحد المتمثل بالإرهاب الدولي والتطرف».

لكن ما قاله وما قد يفعله يتناقض تماماً مع حديثه عن «إعادة السلام والاستقرار إلى الشرق الأوسط»، لأنه يفتح الطريق أمام المزيد من العنف والقهر والاستباحة، ويشجع المتطرفين الذين سيجدون في خطواته المنحازة مزيداً من المبررات لرفضهم نهج الاعتدال والبحث عن تسويات عادلة. أي أن ترامب يدعم في شكل غير مباشر الإرهاب الذي يدعي محاربته عبر تبنيه الإرهاب المنظم الذي يمارسه حلفاؤه الثلاثة الجدد، وإلى جانبهم إيران.

========================

(معارضتنا) وحقبة ترامب .. عمر قدور

 المدن

الاربعاء 16/11/2016

سيكون تساؤلاً مثيراً للسخرية، لو وجهناه، عما أعدت المعارضة السورية وداعميها استباقاً لفوز ترامب، ولن يكون الحال بأفضل فيما لو كان التساؤل عما فعلت المعارضة سوى انتظار رحيل أوباما. ما يثير سخرية أكبر أن انتظار رحيل أوباما رسمياً قد يليه انتظار آخر، هو الانتظار التقليدي حتى تنتهي التعيينات في إدارة ترامب وتبدأ عملها فعلياً، وهذا انتظار قد يترافق بالتنويه بمزاجية ترامب وتقلباته ما يستدعي انتظار انقلاب مزاجه لصالح الثورة، أو انتظار تحقيق وعوده في التخلي عن الاتفاق النووي مع إيران، ومن ثم المواجهة المرتقبة معها.

في فترة الانتظار هذه، حشدت موسكو ترسانتها لتغيير الوقائع على الأرض، وذلك لم يكن مفاجئاً إلا لمن يريد التظاهر بالمفاجأة. المعركة على الأرض ليست متكافئة أصلاً، وتبرير خسائر فصائل المعارضة بتفوق العدو الناري وبالزيادة الضخمة في أعداد ميليشياته لا يغير من الوقائع، وإن دلل على بسالة المقاتلين، ففي النهاية يصعب كسب حرب شبه تقليدية مع رجحان كفة العتاد والمقاتلين لجهة الخصم، وبالطبع مع فقدان الحليف الموثوق وخطوط الإمداد المتواصل.

صحيح أن الصراع خرج عن إطاره السوري منذ تدخلت طهران مباشرة، بواسطة حزب الله والحرس الثوري وبعد ذلك بواسطة العديد من الميليشيات الشيعية، ما فتح الساحة السورية على مصراعيها أمام صراع إقليمي. إلا أنه من الصحيح أيضاً أن المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، لم تعمل على تعزيز بنيتها الداخلية، لمواجهة طويلة مع النظام، وأيضاً لتشكيل ثقل حقيقي يمنع استخدام بعض منها وفق أهواء الخارج. يمكن القول بأن المعارضة بقدر ما أهملت عمقها الداخلي، مستندة إلى اتساع رقعة النقمة على النظام، فقدت قوتها إزاء الخارج سواء على صعيد التمثيل السياسي الذي انحسر وزنه باضطراد منذ عام 2012، أو على الصعيد العسكري “في التوقيت نفسه” حيث بدأ الإجهاز على أي طموح لإنشاء تشكيل عسكري وطني جامع.

كما نعلم منذ عام 2012 بدت وظيفة الحرب أميركياً هي الضغط على النظام لإجباره على القبول بتسوية سياسية، هذا هو المعلن مع علم الإدارة باستحالة تحقيقه مع نظام مستعد لتسليم البلاد إلى طهران وموسكو على أن يقبل تسليمها إلى سوريين آخرين ولو كانوا من موالاته. هذا النهج الأميركي كان من الممكن مواجهته بواحد من احتمالين، إما تحقيق انتصارات خاطفة ومؤثرة بخلاف المخطط، وبالتالي فرض أمر واقع على الخارج، أو التلاؤم معه بالتخفيف قدر الإمكان من الخسائر والنزيف المترتب عليه، أي باعتماد تكتيكات قتالية توقع الأذى الأكبر في بنية النظام الأمنية والعسكرية مع الحرص على أرواح المدنيين وممتلكاتهم.

لقد وصل نهج أوباما إلى نتيجته المحتومة التي لم يكن يصعب توقعها، أي إلى تغليب النظام وحلفائه على فصائل المعارضة، لم تفز كلينتون لتغيّر في النهج الأميركي بحسب ما طرحته في حملتها الانتخابية، ومن المرجح أن يتوج ترامب نهج سلفه بنفاق أقل. هذا التخلي المتوقع عن النفاق سوف يجرد المعارضة من أسباب تكاسلها عن مهامها الأصلية، ويسحب منها ذريعة استسهال الاعتماد على خارج لم يكن متشجعاً في أي وقت لحماية السوريين.

يُفترض أن يضع الواقع المستجد المعارضة أمام احتمالين، فإما تقرير أن الحل بيد الخارج الذي لن يزيح الأسد، وتقرير أن الثورة لا تستطيع الانتصار دون اعتماد عليه. بعبارة أخرى: إعلان فشل الثورة نهائياً، أو فشلها عبر حل لا يتعدى إصلاحات شكلية يرحب بها النظام لقاء تطبيع علاقاته دولياً. الاحتمال الآخر، وهو الأكثر مشقة، أن تعلن المعارضة تخليها عن النهج الذي اتبعته حتى الآن، على الصعيدين السياسي والعسكري، وأن تعمد إلى تشكيل تمثيل وطني لها، تمثيل لا يخضع كما هو الحال الآن إلى تجاذبات خارجية، أو ينضوي تماماً تحت مظلة خارجية لها أجندتها الخاصة.

على الصعيد العسكري، يُظهر الاقتتال البيني بين فصائل في حلب المحاصرة الآن، وبين فصائل في الغوطة الشرقية، بؤس ما آلت إليه قيادات فصائل المعارضة من تغليب المطامع الذاتية على المصلحة العامة. فمن المعلوم أن حوادث الاقتتال الدموي هذه تحدث تحت الحصار الخانق وأحياناً تحت القصف الروسي، ولا يشفع لـ”أبطالها” أو لبعضهم مقاومتهم النظام، مثلما لا تشفع المقاومة لبعضهم في ممارسات تعسفية بحق المدنيين الذين يشاطرونهم بؤس الحصار. ذلك من دون التطرق إلى الفصائل المتطرفة التي تجهر بعدائها للحرية والديمقراطية وكافة مثل الثورة، وإلى أيديولوجياتها العابرة للحدود المتنافية مع أي بعد وطني. وليس خافياً أن مشروع تصفية هذه الفصائل، بدءاً بالأكثر اعتدالاً، سار ويسير بخطى حثيثة مع استغلال تشرذمها، وأية استفادة من التجربة لا تلحظ فشل البنى التنظيمية السابقة وفشل التكتيكات المتبعة لن تعني مستقبلاً سوى نوعٍ من العنف العدمي الذي لا يحمل آفاقاً سياسية.

مع الإقرار بأن الظروف لم تكن إيجابية بما يكفي لصالح الثورة، يلزم الإقرار بأن أطر المعارضة كافة أثبتت فشلها خلال خمس سنوات، وتم تعليق الفشل على القوى الدولية، وتالياً تعليق الآمال على تغير في موازين الصراع الدولي. مع مجيء ترامب إلى الرئاسة من المرجح إسدال الستار على هذه الحقبة، ما يتطلب التعويل أكثر من قبل على العوامل الذاتية، وعلى ابتداع أساليب مقاومة أقل كلفة على الثورة، وأقل ارتهاناً للدعم الخارجي، مع قدرتها على منع النظام من الزعم بأنه استعاد سيطرته وأعاد السوريين إلى حظيرته. التحدي صعب لكنه غير مستحيل، فهناك في سجل الثورات العالمية الكثير مما يمكن تعلمه على صعيد الجهد السياسي المديد، والكثير مما يمكن تعلمه عن المقاومة النوعية بأسلحة بسيطة، ولئن برهنت المعارضة السورية على أميتها حتى الآن فالكارثة الأسوأ إذا أثبتت عدم قدرتها على التعلم.

========================

نقلات خطيرة على خريطة الصراع السوري .. غازي دحمان

الحياة

الثلاثاء 15/11/2016

يتميز الصراع في سورية عن سواه من الصراعات بخطورته وحركيته، فإضافة إلى تكتيكات حافة الهاوية التي تستخدمها روسيا، بصفتها اللاعب المحرك الآن، فإن القتال ينتقل بسلاسة مذهلة من أطراف الصراع المحلية إلى اللاعبين الدوليين والإقليمين، ما يعني أن استمرار ذلك، مع عدم توافر آليات لإدارة الصراع، ستفضي حتماً إلى تصادم بين تلك الأطراف.

ما حصل أن أطراف الصراع، الدولية والإقليمية، استخدمت نمطاً من التكتيكات يمكن تسميتها بـ «المغلقة» ولا تنطوي على إمكان للتفاعل أو المساومة، بمقدار ما تفرض خيار المواجهة أو التراجع، وقد كثّفت روسيا من استخدام هذا التكتيك من خلال استراتيجيتها الهجومية وإصرارها على أن جوهر القضية هو الحرب على الإرهاب ومساندة حكومة شرعية، في حين اتّخذت الاستراتيجية الأميركية منحى التفاوض السياسي من دون تحديد خطوطها الحمر، ما أظهر إدارة أوباما كأنها وسيط محايد، والدليل أن مفاوضيها كانوا يضعون في جيبهم، عند كل تعنت روسي، التهديد بالانسحاب من المفاوضات كعقاب لروسيا!

هذه الطريقة في إدارة الصراع، من جانب اللاعبين الكبار، هي المسؤولة عن إيصال الصراع إلى هذه المرحلة من الخطورة، واليوم تجد روسيا نفسها مضطرة لخوض معركة تدمير حلب، رغم إدراك صانع القرار الروسي حجم الأخطار التي سترتبها هذه العملية، ذلك أن التراجع الروسي، بعد كل الاستثمارات اللوجيستية والحرب الدعائية، ستكون له أثار عكسية على الصورة التي يحاول فلاديمير بوتين رسمها عن روسيا الجديدة، كما أنها ستعني بداية التراجع لمشروع عودة روسيا قوة فاعلة على المسرح الدولي.

في المقابل، فإن إقدام روسيا على هذه الخطوة سيضع أميركا في مأزق استراتيجي خانق، إذ عدا سقوط هيبتها، فإن انتصاراً روسياً حاسماً في حلب سيغذي العدوانية الروسية على مسارح أخرى في بحر البلطيق والبحر الأسود وأوكرانيا، وسيدعم رغبة روسيا في مد نفوذها صوب آسيا وأميركا اللاتينية، بعد أن أعلن الكرملين رغبته في إعادة إحياء وجود روسيا هناك.

وهذا الأمر في حال حصوله، سيؤدي إلى إجراءات ملموسة على صعيد تهديد الأمن القومي الأميركي، إذ سيترجم إلى حيثيات من أرض وقواعد عسكرية، وحينئذ لن يكون هامش قدرة المفاوض الأميركي وحده في مجال الخطر وإنما الوجود الأميركي ذاته، في ظل وجود حكام في الكرملين على شاكلة بوتين ونخبة عسكرية تستثمر في المغامرة وتعتبرها أحد عناصر قوة الدولة.

ويبدو أن ثمة إدراكاً متأخراً لدى البيت الأبيض، بأن إنقاذ حلب مسألة باتت صعبة، ما يستوجب البحث عن خيارات أخرى، وهو ما دفع بوزير الخارجية جون كيري إلى القول أن الحرب في سورية لن تنتهي بسقوط حلب، ولكن ما هي البدائل التي تملكها واشنطن لتحويل تهديداتها إلى واقع يدفع روسيا إلى إعادة حساباتها؟

ثمة قاعدة تترسخ يوماً بعد آخر، في مسرح الصراع السوري، مفادها أن الحفاظ على المصالح يتطلب الانخراط المباشر في أرض المعركة. روسيا وتركيا توصلتا إلى هذه القناعة، وأثبتت تجارب الانخراط التركي والروسي أن تكلفة الانخراط المباشر أكثر عائدية وأقل مخاطرة من دعم الوكلاء. فلو أن روسيا لم تتدخّل لسقط نظام الأسد وخرجت من المولد بلا مكاسب استراتيجية، ولو أن تركيا بقيت متردّدة لكان الشريط الحدودي أصبح كردياً بحكم الأمر الواقع، واستمرار تردد أميركا سيجعلها خارج أسوار الشرق الأوسط.

سيكون على الإدارة الأميركية الجديدة التحرر من القيود الكثيرة التي وضعتها إدارة أوباما على نفسها والتصورات الخاطئة التي كبّلت يديها، فيما ظهر بوتين كبطل لأنه لم يضع قيوداً على سلوكه، وتثبت حالة الغليان التي تشهدها المؤسسات العسكرية والأمنية الأميركية احتجاجاً على سياسات أوباما تجاه روسيا، في سورية وغيرها، أن ثمّة خيارات ستكون الإدارة المقبلة مجبرة على اتخاذها.

========================

ترامب وسوريا.. انتظروا أردوغان! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 14/11/2016

في التكهن حول قسمات السياسة الخارجية المقبلة للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، قد يقع المرء في إغواء الانطلاق من سلسلة تصريحاته خلال الحملة الانتخابية؛ والأرجح أنّ هذه الرياضة لن تكون حكيمة، ولعلها ستفتقر إلى الكثير من الصواب، ولن توفّر إجابات شافية. فالرجل، بادئ ذي بدء، لم يفصح عن الكثير في هذا الملفّ، واكتفى بالخلاصات المبتسرة الهزيلة، التي ظلت تتوخى الاجتذاب الشعبوي فلا تخدش السطح أو تذهب إلى أي مستوى من العمق والرصانة.

على سبيل المثال الأول، أعلن ترامب أنّ من حقّ الولايات المتحدة الذهاب مجدداً إلى العراق، والاستيلاء على النفط العراقي، هكذا مباشرة وببساطة: «لقد أنفقنا هناك ثلاثة ترليونات، وخسرنا آلاف الأرواح، وحدث بعدئذ أننا لم نحصل على شيء. تعلمون أنّ العادة جرت على استئثار المنتصر بالغنائم»؛ ولهذا، عند الاستيلاء على النفط العراقي: «أنت لا تسرق شيئاً، بل نحن نعوّض خسائرنا، في الحدود الدنيا. وأنا أقول أكثر: نحن نستعيد 1,5 ترليون لتعويض أنفسنا». فهل يُنتظَر منه، حقاً، أن يرسل جيوش أمريكا وأساطيلها وقاذفاتها وصواريخها… لاحتلال العراق مجدداً، ومصادرة نفطه؟

المثال الثاني من سوريا، حيث تراوحت تصريحاته بين مباركة حرب روسيا على «داعش»، وهذه خلاصة زائفة بالطبع، إذْ العكس هو الصحيح؛ وانتقاد سياسة أوباما، بصفة إجمالية، دون تقديم البديل؛ والتشديد على أنه سوف يضرب «داعش» بأشدّ مما فعل أوباما، دون ربط هذا بإصرار على إسقاط نظام بشار الأسد، الأمر الذي لا يسير البتة على نقيض خيارات أوباما! لكنه أعلن، ذات مرّة، أنّ على دول الخليج أن تستخدم أموالها «لحيازة مساحة شاسعة من الأرض في سوريا، فتقيم عليها منطقة آمنة للناس»؛ فهل يمكن لهذا الاقتراح أن يُحمل على محمل الجدّ، حقاً؟

الأرجح، حتى تتضح الخيارات على نحو ملموس، مرتكز على حدود كافية من منطق الانسجام مع ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية (تلك التي لا يُحاد عنها إلا في النادر الاستثنائي، وأياً كانت هوية الرئيس الحزبية، أو ميوله وعقائده)؛ من الآمن الافتراض أنّ سياسة ترامب في سوريا لن تخالف جوهرياً تلك التي اعتمدها أوباما منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية في سوريا، ربيع 2011. وبالأمس فقط، في أوّل حديث شامل له بعد انتخابه، نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»؛ لم يفصح ترامب عن جديد واضح في السياسة الخارجية (وأبدى، في المقابل، تراجعاً عن تعهدات داخلية قاطعة: إلغاء برنامج أوباما حول الرعاية الصحية، أو تعيين محقق فدرالي خاصّ حول رسائل هيلاري كلنتون الإلكترونية…). الواضح، حتى الساعة، أنه لا يريد الاصطدام مع روسيا في سوريا (كأنّ أوباما اصطدم مع موسكو أصلاً!)؛ ولكنه سيعيد النظر في الاتفاق النووي مع إيران (الأمر الذي سيُلزمه بالاصطدام مع طهران في سوريا!).

في المقابل، كان أحد أقرب مستشاري ترامب في الأمن، الجنرال المتقاعد مايكل فلاين، قد أعلن أنّ إدارة أوباما «لم تفهم تركيا بالشكل الكافي، وبالتالي لابد من إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية بشكل يجعل تركيا ضمن الأولويات»؛ بل ذهب إلى حدّ التأكيد على ضرورة أن تتوقف الولايات المتحدة عن إيواء فتح الله غولن، معتبراً أنّ تركيا «تنظر للأمر كما لو أن الولايات المتحدة تأوي أسامة بن لادن»!

وبهذا قد تكون عملية «درع الفرات»، التي سكتت عنها موسكو وقبلت بها واشنطن بعد تمنّع، هي نموذج التدخّل الذي ينسجم مع «عقيدة ترامب»، حتى بمعنى تقريب الهوة بين أمريكا وتركيا؛ وإذا صحّ احتمال كهذا، فإنّ اللاعب الأبرز في سوريا ما بعد ترامب، قد يكون… رجب طيب أردوغان!

========================

معركة الرقة... الأخطار والأبعاد .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاثنين 14/11/2016

ليس مصادفةً بعد مرور أكثر من 21 يوم على بدء معركة الموصل، والتي شارفت على مرحلة الحسم (إعلامياً) أن يتم الإعلان عن معركة موازية، لعزل الرقة في شمال سورية، بناءً على رغبة واشنطن التي حسمت السجال حول طبيعة الأطراف المشاركة في المعركة، لصالح حصانها طروادة المتمثل "بقوات سوريا الديمقراطية".

كما أنّ التصريح الذي ظهر على لسان الناطق باسم قوات "قسد"، العقيد طلال سلو، في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، ما كان ليكن لولا إعطاء ضوء أخضر أميركي على استلام دفة القيادة في المعركة، مع عدم السماح لفصائل الجيش الحر في المشاركة، إضافةً إلى رفضه المشاركة التركية في المعركة.

عندما تلتقي الأهداف، فلا داعي للأسباب، فما زالت تراهن الوحدات الكردية على تحقيق الحلم الكردي، وما زالت تعوّل على الحليف الأميركي، فهي ترغب في التفرّد في المعركة أرضاً مع إسناد من قوى التحالف جواً، لوصل الرقة بعين العرب (كوباني) على حساب أيّ مكوّن آخر. لذا، أي مشاركة لأي فصيل عربي سيبعدها عن هذا الهدف، خصوصاً أنّ معركة درع الفرات التركية المتواصلة وصلت إلى أواخر مراحلها، وهي على أبواب مدينة الباب، وجميع الأطراف دخلت في سباق زمني للوصول إلى تلك المدينة الاستراتيجية للنظام، وحليفه الكردي من جهة، وتركيا وفصائل الجيش الحر من جهة أخرى، فمن يصل أولاً يقطع الطريق على الآخر.

تنذر معركة الرقة بالخطر إلى اندلاع حرب مذهبية عرقية قد تؤجّج وتوّسع دائرة الفوضى العارمة بين كلّ المكونات في المنطقة، فلا أحد يقبل أن تتحوّل الرقة من احتلال إلى احتلال، والذي يدير هذه الأمور بشكل علني، ويأمر بها، هي أميركا، فلماذا لم توكل المهام لفصائل الجيش الحر، ولماذا لا يتولّى تحريرها أهلها من ثوار الرقة والفصائل العربية، فهم أدرى بأرضهم، وأحق من غيرهم بهذه المعركة، وهل تضمن واشنطن عدم ارتكاب قوات "قسد" مجازر بحق العرب، وتهجيرهم من أرضهم، كما فعلوا بتل أبيض والحسكة وعين العرب كوباني الموّثقة بتقارير دولية.

التزامن في معركة الرقة ومعركة الموصل أمر مدروس أميركياً، لأنّ العمق الاستراتيجي لداعش يكمن في المنطقتين، فمن الممكن تحقيق عدّة أهداف كامنة خلف هذا التنظيم، فعندما يقول وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، إنّ معركة الموصل طويلة، ويصف معركة الرقة بالصعبة، فمن المرجح أنّ هناك لعبة أميركية مجهّزة في الرقة، ربما تهدف إلى المضي في استهداف كلّ المكوّنات الموجودة في الرقة، وخصوصاً العرب السنة.

ولا زالت أميركا ترغب بالتصاعد في الفوضى العارمة في المنطقة، وخلط جميع الأوراق، لاستنزاف كلّ الأطراف في سورية والعراق، ريثما تأتي الإدارة الجديدة إلى البيت الأبيض، ولا أحد يستبعد أنّ واشنطن ترغب في خيار التقسيم المذهبي للمنطقة، على عكس دولٍ ترى في سورية موّحدة الهدف الأساسي لتحقيق مصالحها.

إقليمياً، أميركا قلقة من تمدّد النفوذ التركي، وربما منزعجة منه، فأرادت أن تفرض أمراً واقعاً على تركيا، لتحجيم التمدّد التركي، ووضع حد له عن طريق ذراعها الكردي والنظام السوري، وحتى إيران في مساندة الحشد الشعبي الإيراني، والذي بات خطراً يهدّد الأمن التركي، بتقدمه نحو مدينة تلعفر الاستراتيجية في شمال العراق.

أصبحت الخيارات التركية صعبة مع تقدّم واشنطن خطوة إلى الأمام، وبدا واضحاً الانزعاج التركي من سيطرة المليشيات الكردية على 6 قرى في شمال الرقة مع بدء إعلان المعركة، والرئيس التركي حذّر من عدم استقرار للمنطقة، إلا أنّ الأولوية التركية تكمن في المدى القريب في تأمين حدود المنطقة الآمنة، فالزيارة التي قام بها رئيس هيئة الأركان الأميركية، جوزيف دانفورد، إلى أنقرة، أظهرت نوعاً من التفاهم على المطلب التركي، من خلال تقديم توضيحات من تركيا لواشنطن بشأن إخلاء تنظيم الاتحاد الديمقراطي (الكردي) من مدينة منبج في أسرع وقت ممكن، فإن لم تشارك تركيا في معركة الرقة، فالمؤكد أنّها لن تتنازل أبداً عن استكمال التقدّم والسيطرة على مدينة الباب، لتشكيل جداراً عازلاً، يمنع تقدّم الأكراد، وهذا متعلّق بالتجاوب الأميركي، إلا إذا أرادت أميركا توريط تركيا أكثر في مزيد من الحروب.

========================

سورية.. ترامب بين المعارضة والنظام .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 14/11/2016

أثار انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية المخاوف والتساؤلات بخصوص السياسة التي سينتهجها تجاه الصراع السوري، في موقفه من الثورة السورية، أو من النظام، بالإضافة إلى موقفه من الأطراف الدولية والإقليمية المتصارعة إلى جانب المعارضة أو إلى جانب النظام، لا سيما إيران وروسيا.

تشير كل المؤشرات إلى أن الرئيس المنتخب لن يلجأ إلى إحداث تغييراتٍ على الاستراتيجية الأميركية الذي اتبعها سلفه، والقائمة على عدم التدخل أو التورّط، وترك الأطراف تتصارع فيما بينها، لأن هذه السياسة تتناسب مع أهوائه، ومع تصريحاته المعلنة، ومنها تأكيده على أولوية محاربة الإرهاب.

في هذا السياق، يمكن فهم إعلان وزارة الخارجية الأميركية، بعد ساعات من زيارة ترامب البيت الأبيض ولقائه الرئيس باراك أوباما، موقفها الصريح من جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً)، بإضافتها إلى قائمة الإرهاب، معتبرة أن تغيير الاسم لا ينفي عنها صفة الإرهاب فعلياً، ولا يحجب حقيقة ارتباطها بتنظيم القاعدة. وبحسب بيان الوزارة، فإنه "على الرغم من محاولات التفريق بينها (فتح الشام) وجبهة النصرة عن طريق إنتاج شعار وراية جديدين، إلا أن مبادئ الأولى ظلت مشابهةً للتي لدى تنظيم القاعدة، والجماعة مستمرة في تنفيذ الأعمال

"لن يلجأ إلى إحداث تغييراتٍ على الاستراتيجية الأميركية الذي اتبعها سلفه، والقائمة على عدم التدخل أو التورّط، وترك الأطراف تتصارع فيما بينها" الإرهابية تحت الاسم الجديد. اسم الجماعة مهما تغير سيظل تابعاً للقاعدة في سورية". إضافة إلى ذلك، ظهرت تسريبات صحافية (في "واشنطن بوست" مثلا) تفيد بأن الرئيس أوباما أمر وزارة الدفاع (البنتاغون) بالعثور على قادة "النصرة" وقتلهم في سورية. وتضمن القرار نشر مزيد من الطائرات من دون طيار (الدرون) وتعزيز القدرات الاستخباراتية، واعتبرت الصحيفة أن هذا المنحى ضد "النصرة" يُرجّح أن يزداد مع تولّي ترامب الرئاسة مطلع السنة المقبلة.

ولعلّ هذا الموقف الجديد ـ القديم يؤكد أن الاستراتيجية الدولية، وخصوصاً الأميركية، بشأن الصراع في سورية، ما زالت تنحصر في أمرين: أولهما، إعطاء الأولوية للحرب ضد الإرهاب، ويأتي ضمن ذلك السعي إلى فصل قوات "المعارضة المعتدلة" عن جبهة فتح الشام، وهذا يعني العودة إلى تفاصيل الاتفاق الروسي ـ الأميركي (سبتمبر/ أيلول الماضي). أما ثانيهما، فيتعلق بتعويم مصير بشار الأسد الذي بقي نحو خمس سنوات ونصف متأرجحاً بين التصريح أولاً عن فقدانه الشرعية ثم أولوية خروجه من المشهد السوري، وصولاً إلى التسويات الغامضة التي يمكن تفسيرها بأكثر من معنى في بيان جنيف 1، ثم لاحقاً بيان فيينا. وبعد ذلك ما تسّرب عن لوزان1، مع الحديث عن استفتاء شعبي يحدّد مصيره. وللتذكير، فإن لوزان هي المدينة التي يتفاءل بها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بسبب نجاحاته، على ما يبدو، بإنجاز الاتفاق النووي مع إيران فيها، وهو الانجاز الذي وعد ترامب المرشح بإلغائه في حال نجاحه، ولا نعرف إذا ما كان ترامب الرئيس المنتخب سينفذ وعده أم لا.

بديهي أن نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية التي أوصلت ترامب إلى سدّة الرئاسة فتحت المجال واسعاً لتوقعاتٍ متشائمة، بما يتعلق بملف الصراع في سورية، لأسبابٍ كثيرة، لا سيما منها تقارب وجهة نظر الرئيس المنتخب مع روسيا في ما يتعلق بأولوية الحرب على الإرهاب، ولا مبالاته بما يحصل في سورية. ومع أنه من المفيد التذكير بأن هذه الأولوية كانت، وما زالت، تحتل الحيز الأكبر في استراتيجية إدارة أوباما، إلا أنه يجدر لفت الانتباه إلى فارقٍ مهم جدا، يتعلق بأن إدارة أوباما اعتبرت روسيا شريكاً لها في هذه الحرب، بدليل الاتفاق الروسي ـ الأميركي بشأن حلب، بينما قد يختلف الأمر مع إدارة ترامب عن ذلك على الأرجح. ولعل هذا ما يمكن ملاحظته في خطاب النصر الذي ألقاه الرئيس المنتخب، وأكد فيه أن الولايات المتحدة تأتي أولاً، وأنه معني باستعادة عظمة أميركا، الأمر الذي يستنتج منه أن فكرة الشراكة بالمفهوم الأوبامي ستتراجع، لتصبح مجرد إيجاد أرضية مشتركة مع الدول الأخرى. أي أن "أميركا أولاً"، الترامبية، ربما تعني تولي الولايات المتحدة زمام القيادة والمبادرة، وإظهار قوتها وعظمتها وقيادتها للعالم، وليس شراكتها معه، بل وتخليها عن إعطاء وكالاتٍ للآخرين، ومنهم روسيا. وربما الأهم من ذلك لتعود أميركا العظيمة هو عودتها للدفاع عن حقوق الإنسان، ومبدأ الحريات والتزامها بدورها دولة عظمى.

مع ذلك، ربما ستحتاج الولايات المتحدة، في ظل رئاسة ترامب، إلى فترة فاصلة عن السنوات الثماني الماضية التي حاول فيها أوباما الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، وتوكيل إيران

"نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية التي أوصلت ترامب إلى سدّة الرئاسة فتحت المجال واسعاً لتوقعاتٍ متشائمة، بما يتعلق بملف الصراع في سورية" تارة وروسيا تارة أخرى، للقيام بمهمة لملمة نتائج سياسات بوش الابن، ولاحقاً أوباما، في فترة رئاسته الأولى، تلك السياسات التي كان من نتائجها ترك المنطقة لمصيرها واضطراباتها وانقساماتها الحادة. وكان غزو الأول العراق أدى إلى تفتيت هذا البلد، وتدمير مؤسساته، وجعله مطيةً للنفوذ الإيراني، في حين أن الثاني تعامل مع تداعيات "الربيع العربي" الذي أثمر في تونس، وتعثر في مصر، وأحدث حالة انفلات أمني في ليبيا، وحرباً طويلة الأمد ومتعددة الأطراف في سورية واليمن، بطريقة انتهازية ووظيفية، بعيداً عمّا تعتبره الولايات المتحدة قيمها الأساسية.

اللافت في المشهد، أو في أولويات الإدارة الأميركية في سورية، بعد أن أصبح ترامب رئيساً، ترحيب النظام السوري به، بسبب تقاربه مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الحليف المغامر، وتعامل المعارضة بإيجابية مع وصوله، على الرغم من أجنداته المعلنة في أثناء حملته الانتخابية، وعلى الرغم من التشكّك بموقفه من الثورة المتساوق مع روسيا، علما أن ترامب المقرّب من روسيا هو نفسه ترامب المرحّب به تركياً.

مما يزيد في توضيح سيناريو السياسة الأميركية في المنطقة أنه سيبقى على النهج السابق نفسه في الملف السوري، أي الحفاظ على ديمومة الصراع، وجعل سورية مكاناً لاستنزاف الدول الأخرى، وأولوية الحرب على الإرهاب، وفصل جبهة النصرة عن المعارضة، وعدم تمكين أي طرفٍ من تحقيق الغلبة على الطرف الآخر، إلى حين فرض الحل السياسي الذي تعتقد الولايات المتحدة أنه آن أوان فرضه على الجميع، بمن فيهم روسيا. لذا، كان هناك ما يمكن لموسكو أن تقدمه لواشنطن، فهو القبول بوجهة النظر "الترامبية" الآن التي تريد لأميركا "العظيمة" أن تعود لتصدّر المشهد، وعلى كل الشركاء الآخرين في المشهد السياسي والعسكري التراجع إلى الخلف، ولعل ميدان الصراع في حلب المختبر لذلك كله.

يطرح هذا الواقع على المعارضة السورية (السياسية والعسكرية والمدنية) تكييف نفسها للتعامل مع المستجدات في المعطيات المحيطة بالوضع السوري، وفي المقدمة منه تغيير الإدارة الأميركية. كما يطرح على النظام السوري إنهاء حلمه المشترك مع إيران، وبرعاية روسية، بفرض الحل العسكري الذي سيصيب عظمة الولايات المتحدة بمقتل، حتى ولو كان ذلك بالتوافق مع شريكٍ روسي محتمل للعمل مستقبلاً.

========================

في نقد تفكير مؤيدي الثورة السورية .. محمد الحاج صالح

العربي الجديد

الاثنين 14/11/2016

هناك كثير مما يمكن نقده في تفكير مؤيدي الثورة السورية، وكاتب هذه السطور منهم. من هذه الأمور تشبّثُ مؤيدين للثورة، سياسيين ومثقفين ونشطاء، وبدرجة أقل بكثير عسكريين، بشرح الحقيقة الواقعية أن علاقة وطيدة تربط نظام بشار الأسد وحكومة نوري المالكي في العراق وإيران بتنظيم القاعدة وبعده "داعش". كانت الغاية هي ربط الأطراف المذكورة بالإرهاب وتبرئة النفس، وكأن الأمر سهلٌ ومتاحٌ، ويمكن إقناع الآخرين ببساطة، به، إذْ يكفي أن نورد حقائق من نوع أن:

الأسد أخرج من السجن 900 إسلامي سلفي، جلّهم مرتبط بقاعدة العراق في عام 2011 من سجن صيدنايا. وفي الوقت نفسه، كانت أجهزته تزج في المعتقلات آلاف النشطاء المدنيين. وكان قادة أكبر الفصائل الإسلامية التي اعتبرت ثورية فيما بعد من هؤلاء الإسلاميين.

المالكي سهّل هروب آلاف من السلفيين المرتبطين بـ"الدولة الإسلامية" في العراق من سجن أبو غريب، وما تلاه فيما بعد من انسحاب 40 ألف عسكري وضابط من الجيش العراقي بطريقة مريبة من الموصل. ولم يكن مهاجمو الموصل آنذاك يتجاوزون 800 جهادي.

الإيرانيون أمّنوا ملاذاتٍ آمنة لبعض قيادات "القاعدة". عاش فيها نجل أسامة بن لادن من امرأته السورية إلى أن غادرت العائلة إلى سورية 2011. ولا زالت الأيام تكشف أن قادة آخرين من "القاعدة" ما زالوا مقيمين في إيران.

ومعروف جيداً أن مخابرات الأسد تعاونت، في مراحل متعددة، مع الأميركان والغربيين في الحقل الأمني، وكثيراً ما ذكّر الأسد الغربيين أنه تعاون معهم، وأنه يستأهل المكافأة، وليس غيرها. وأجهزة الأمن العراقية في حالة تعاون تام مع الأميركان، وهي لن تعمل في تعاونها مع الغرب ضد الجهاديين، بمعزل عن الشغل الإيراني.

والحال هذه، يقتضي الأمر أن نعرف أن الكلام عن وظيفيّة دول غير عظمى، كإيران، في التعاون ضد "الإرهاب" مع دول عظمى، عبر رصيد معلوماتها عن الإرهاب، واختراقها له، ليس مجالاً ناجعاً لإقناع الدول العظمى بصوابية وجهة نظرنا. إذْ كيف نقنع أجهزة مخابرات ومراكز قرار في الدول المؤثرة في أن يتخلوا عن مصادر معلوماتٍ ثريةٍ في معلوماتها، وكيف نقنعهم أن يتخلوا عن تعاون مثمر ومريح بالنسبة لهم؟ نحلم.

وللتوضيح أكثر. أعلن العالم، ممثلاً بالدول العظمى في مجلس الأمن، تضاف إليها دول أوروبا والهند، وجزء مهم من الدول الإسلامية، أعلن الحرب على الإرهاب. ما يعني، بوضوح، الحرب على القاعدة وداعش والسلفية الجهادية السنية أينما كانت. لا ينقص هذا من أن يكون هناك هامش تزييني، أو حقيقي، في اتهام أطراف غير سنية، هنا وهناك، مثل الحوادث الفردية من بيض في أوروبا أو أميركا، ومثل وضع حزب العمال الكردستاني (التركي).

ستجرف هذه الحرب على الإرهاب واقعياً معها دولاً ومنظمات وحركاتٍ، وحتى ثورات، تحت مسمى الحرب على الإرهاب. وقد فعلت هذا من قبل في العراق، وظلت مستمرة، ولم تخفت ضد كل ما يخص أي تشكيل عراقي سني، لا يوالي حكومة المليشيات الشيعية. الحرب على الإرهاب بلدوزر ضخم، له وجهة محددة، وسائق غير مدرب على تجنب شيء. كلّه سيُعفس للوصول إلى الهدف. والمصيبة أن الهدف، أي الجهادية السلفية، بفروعها ليست ثابتة في مكان، ولا تعطي نفسها بسهولة. وهي تعتاش على مبرراتٍ كثيرة، على أحقية عملها وكفاحها، ولن ينهيها بلدوزر أهوج.

إذن، وبوضوح، هل تسمع تلك الدول العظمى والدول صاحبة مشروع الحرب على الإرهاب لإيران التي تجمع بيدها أوراقاً عديدة في هذا المجال، أم لنا ولحلفائنا المحصورين في خانات قاتلة؟ هنا الفرق. وهنا ما هو حاصل.

لا يمكن تعديل هذا الميزان غير العادل، إلا بعمل سنوات وسنوات، وبمعرفةٍ وعمل من الدول الحليفة للثورة أن القضية ليست أمنياتٍ، ولا آمالاً، ولا تحشيداً بخطاب طائفي، وإنما بعمل منظم ودؤوب، وبسلوك إلى دروبٍ للعصر، بدلاً من الوقوف على الرصيف، والتمثّل بالسلف. وقد صارت دول كثيرة تحسب الثورة السورية على السلفية السنيّة الأقرب إلى الإرهاب.

وحدهما العمل والخطاب الوطنيان المستبطنان روح العصر في المدنية والعلمانية والديمقراطية هما ما يمكن أن ينقذا الثورة من بلدوزر الحرب على الإرهاب.

========================

موقفنا : أطفال حلب ...هل يعنون للأدعياء شيئا !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

19 / 11 / 2016

المأساة ليست هي المأساة ..

المأساة ليست فيما يجري على بلدات الغوطة أو حمص أو إدلب أو حلب أو مدن الجزيرة السورية ...

المأساة ليست في صور الأطفال الرضع ، يُصفون على الأرض خارج محاضن طفولتهم ، ينتظرون ساعة الموت ..

المأساة ليست في عيني طفلة ياقد العدس ، تقضم ظفرها ، وتوصوص بعينيها تحت طباق ثرى يدفنها حتى صدرها ، ولا تدري أين هي ، ولا ما يدور حولها ..

المأساة ليست في الدماء ، ولا في الأشلاء ، ولا في الدمار ، ولا في الإبادة .. ولا في الاعتقال ..

المأساة ليست في الحصار ، ولا في الجوع ، ولا في العطش ، ولا في العري ، ولا في البرد ، ولا في المرض ، ولا في فقدان الدواء ...

المأساة ليست في الروس ، ولا في المجوس ولا في الأسديين ولا في الاحتلال ، ولا القنابل ولا في الكيماوي ولا في النابلم ولا في مشتقاتها ..

المأساة ليست في الأصدقاء الأدعياء ، لا البعيد منهم ولا القريب ، ليست في الذي تجمعنا به الإنسانية ، ولا في الذي تجمعنا به القومية ولا في الذي يجمعنا به الإسلام الدين ، العقيدة والشريعة ومنهج الحياة ..

المأساة الحقيقية ليست في كل أولئك ولا في كل هؤلاء .. المأساة الحقيقية هي في قوم تقلدوا أمر هذه الثورة ، وزعموا أنهم ولاة أمرها ، والقائمون عليها ، والمالكون لزمامها وقرارها ، والممدون لقويها و الحاملون لكلها وضعيفها ، وأنهم المناضلون عنها ؛ المأساة الحقيقية في هؤلاء ثم نبحث عنهم وسط أمواج الصور تغدو أمام أعيننا وتروح ، هذا رضيع مختنق ، وتلك طفلة موؤودة ، وهذه امرأة مبتورة . المأساة في هؤلاء الذين نبحث عنهم وسط زحام الدم والردم فلا نحس منهم من أحد ولا نسمع لهم ركزا ...

نعم والله هذه هي المأساة الحقيقية التي كتبت علينا كما كتبت الذلة والمسكنة من قبل على بني إسرائيل ...

لكم الله يا أهل الشام كل الشام .. لكم الله .. يا أطفال حلب ..لك الله يا أشجار التين والزيتون في إدلب الخضراء ..لكم الله يا أبناء الوعر الأشداء لك الله يا أرض الجزيرة الشماء

لكم ولنا الله .. وحسبنا الله .. ولا قوة إلا بالله , وإنا لله وإنا إليه راجعون

وإنا بالله لمنتصرون

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

رئاسة ترامب وسورية ولبنان .. رندة تقي الدين

الحياة

الاثنين 14/11/2016

ينقل عن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب أنه كثيراً ما يستشير أعضاء «مركز المصلحة الوطنية» Center of National Interest في واشنطن. ومواقف أعضاء هذا المركز براغماتية وواقعية بالنسبة إلى الشرق الأوسط، خصوصاً سورية.

كتب زميل المركز روبرت كابلان الشهر الماضي أن «مبدأ أساسياً في الواقعية هو أن الفوضى أسوأ من الظلم، فالظلم يشير إلى أن العالم ليس مثالياً، فيما الفوضى تعني أن ليس هناك عدالة لأي كان. بشار الأسد اتبع هذه الفكرة إلى أقصى الحدود غير المحمولة، ومستوى الظلم الذي مارسه يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية». لكن كابلان يستدرك أن «مستوى الفوضى في سورية حالياً وصعود المجموعات الإسلامية المتطرفة يجعل رحيل الأسد الأمور أسوأ».

فإذا كان ترامب سيتخذ مثل هذا الموقف، فسيعني ذلك أن أولويته ستكون مثلما أعلن من قبل هي محاربة «داعش» في الموصل في العراق وفي الرقة في سورية، على أن يترك الأسد ضعيفاً يسيطر على بعض أماكن سورية. وإذا كانت هذه سياسة ترامب فسيعني ذلك أنه سيعقد تحالفات مختلفة لمحاربة «داعش»، أولها تحالف متين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن يترك الأسد في الأماكن التي يسيطر عليها ويزيح «داعش» من أماكن تواجده في سورية والعراق.

وهذه الرؤية ستنشئ تطورات جديدة في المنطقة. ففي لبنان سيجبر بعضهم على التعامل مع واقعية جديدة لأن الأسد يسيطر على أماكن تحيط بلبنان. وزيارة مبعوث الأسد إلى الرئيس ميشال عون قد تكون إحدى إشارات هذا الواقع المرير. وفي الوقت نفسه، يؤيد بعض دول المنطقة، مثل مصر، بقاء الأسد لأنها تعتبر أنه يتصدى للمتطرفين الإسلاميين. والإمارات أيضاً لا تعارض ذلك، فيما الأردن يتخوف من التهديد الإسلامي، وتركيا ستتكيف مع مثل هذا الوضع.

أما في لبنان فسيكون الرئيس سعد الحريري مضطراً إلى التعامل مع هذا الواقع. فكيف سيواجهه مع أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ سوري على أرضه، وكلهم من السنة الذين يخشون العودة إلى بلدهم مع رئيس قتل أشقاءهم وأهلهم وهجرهم وطلب من جيشين أجنبيين و «حزب الله» قصفهم.

التوقعات لسياسة ترامب إزاء سورية ولبنان غير مطمئنة. لكنه في الوقت نفسه معروف بانتقاداته اللاذعة للاتفاق مع إيران في شأن الملف النووي، لقربه من إسرائيل. لكن هل يمكن أن يلغيه؟ هذا مستبعد، لكنه مرتبط بموقف الكونغرس. والسؤال الآخر هو كيف يمكنه إذا أراد انتهاج سياسة الواقعية هذه بالنسبة إلى سورية التوفيق بينها وبين سياسته المعارضة للتطبيع مع إيران، فيما الأخيرة تحارب إلى جانب الأسد في سورية؟

أما القيادات الأوروبية فهناك أيضاً توقعات بالتغيير في صفوفها. فمن سيكون رئيس فرنسا في أيار (مايو) المقبل، وكيف سيتعامل مع سياسة ترامب إزاء الشرق الأوسط؟ وهل يمكن للرئيس الجديد أن يطلق سياسة أوروبية أقوى مما يحدث الآن؟ وهل سيتمكن من تكييف مواقفه مع ترامب حول الشرق الأوسط؟

يطرح هذا كله أسئلة كثيرة عن تأثير انتخاب ترامب على الشرق الأوسط. ولدى ترامب مستشار ديبلوماسي لبناني الأصل هو وليد فارس الذي كان مسؤولاً سابقاً في «القوات اللبنانية»، وخرج من لبنان بسبب الاحتلال السوري. وهو قال إن سياسة ترامب ستكون مبنية على تنظيم مؤتمر سلام لسورية، وهو ما حاولت القيام به إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري لكنها فشلت. ويلعب أيضاً اختيار ترامب لوزير خارجيته دوراً في تحديد مسار السياسة الأميركية إزاء المشرق العربي، بسبب تنوع مواقف الأسماء التي يتم تداولها مثل نيوت غينغريتش وبوب كوركر وجون بولتون.

يمثل ذلك كله أسباباً لعدم اليقين بالمستقبل في سورية والشرق الأوسط، لكنه لن يشكل تغييراً عميقاً عن سياسة إدارة أوباما إزاء سورية، خصوصاً أن الرئيس المغادر لم يتخذ أي خطوة لإزاحة الأسد، واكتفى بإدانة ممارساته فيما رفض تسليح المعارضة، بل واحتقرها. المرجح أن يستمر الخراب والتدمير في سورية لمصلحة بوتين وصديقه ترامب على حساب الشعب السوري.

========================

عن الدولة البربرية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 13/11/2016

على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على تأليفه، بل بالأحرى بسبب ذلك، يقدّم لنا كتاب الدولة البربرية الذي حرّر نصوصه ميشيل سورا في الثمانينيات، وستصدر ترجمته العربية لأول مرة قريباً، مفاتيح أساسية للإجابة على سؤال: كيف وصلت سورية إلى وضعها الكارثي اليوم. ففي محاولته فكّ ألغاز العنف المفرط الذي استخدمه حافظ الأسد لسحق حركة الاحتجاج المدني الذي قادته النقابات والمثقفون منذ 1979، يكشف سورا عن الطبيعة الحقيقية العميقة للنظام، ويفسّر، بصورة ارتجاعية، العنف غير المسبوق الذي واجه به هذا النظام الثورة الشعبية السلمية والمدنية في مارس/ آذار 2011، مع فارق وحيد، هو البعد الإقليمي الذي اتخذه هذا العنف والتدخلات الأجنبية التي أغرقت الثورة في حربٍ إقليمية جيوسياسية وطائفية معاً.

لم تخدع شعارات التقدمية والاشتراكية والعداء للإمبريالية التي كان يظهرها نظام الأسد ميشيل سورا، وأدرك، منذ مقالاته الأولى، بحدسه الرهيف، أنه لا يوجد عند الأسد مشروعٌ آخر، لا بناء أمة ولا بناء دولة ولا إقامة عدالة اجتماعية، وإنما بناء سلطة، وتأمين وسائل القوة الكفيلة بالدفاع عنها. وفي هذا السياق، اكتشف مفهوم العصبية الخلدوني الذي قاده إلى رؤية ما لم يره الآخرون من زملائه الباحثين الغربيين، والإضاءة على وقائع، سوف تظهر أهميتها وصحتها بعد عقود، فالعصبية في نظر ابن خلدون هي الشرط الأول من شروط التداول الطبيعي على السلطة، أو نشوء "ملك" جديد، من بين ثلاثية العصبية والدعوة والملك، فمن دون عصبيةٍ تلحم الأفراد، وتحولهم إلى جماعةٍ متحدة وقادرة على التصرّف على مسرح التاريخ قوة متماسكة، لن يكون للسلطة عصب، أي اتساق يشدّ أركانها إلى بعضها، ويؤمن إرادة القوة والتضحية التي يحتاج إليها كسب الصراع. أما الدعوة فتأتي بعدها، من أجل إضفاء شرعية على كفاحها ومعركتها، وهي مجرد دعوةٍ لا تستدعي حتمية الالتزام بها، أو هي بالأحرى وعد، كوعد السياسيين أنصارهم في زمن الانتخابات. وهذا ما كانت تعنيه الأيديولوجيا القومية والاشتراكية التي تمسّك بها النظام في مراحله الأولى، وتخلى عنها صراحةً فيما بعد، قبل أن يتركها تذبل وتموت من تلقاء نفسها، وكذلك الحزب الذي حمل رايتها وشعاراتها. لكن الهدف من هذا وذاك هو "المُلك"، أي بمصطلحاتنا السلطة والحكم، فهو الغاية الأساسية. ليست العصبية هدفاً بذاتها، إنما هي شرط لإنتاج العنف الذي هو سيف السلطان، ومن دونه لا قيمة لدعوةٍ ولا وجود لمُلك. لذلك، كما كان طلاب السلطة والملك في التاريخ الإسلامي القديم يعرفون أن سلطتهم لا تستقيم وتستمر إلا بالشوكة، أي التفوق في استخدام العنف لردع الطامحين الآخرين، وثنيهم عن

"بقي العنف والتوسّع في إنتاجه وتنويع أجهزته العامل الثابت الحضور في سياسة النظام السوري" التنافس على الحكم، كان الأسد الأب يدرك أنه لن يستطيع أن يفرض نفسه على خصومه ومنافسيه، وتأسيس سلطة تابعة له، سوى بتوفير هذا العنف المنتج لشوكةٍ، من خارج الدولة التي يسعى إلى السيطرة عليها، وبالتالي، من دون إعادة إحياء العصبية التي هي، بالتعريف، تضامنات أهلية أولية آلية. فهي وحدها القمينة بأن توفر له العنف البدائي الأول، الأعمى، والجاهز، الخارج عن القانون، والمرتبط مباشرةً بعلاقةٍ من خارج الدولة والسلطة نفسها. حقيقة العصبية، في ما وراء وهم القرابة الذي يحرّكها، مذهبيةً كانت أم قبلية، هي أنها المرجل الذي يقطر فيه العنف الضروري لفرض الشوكة والهيبة، والذي يشكّل القبض على الدولة جائزتها الأولى.

هذا ما يفسر أن الدولة السورية التي انتزعها الأسد بالقوة الانقلابية لم تعد دولة السوريين المؤسّسة لتنظيم شؤونهم العامة، ورعاية مصالحهم، وضمان أمنهم الفردي والجماعي، وأصبحت، خلال أشهر معدودة، دولة الأسد القائمة لتنظيم شؤون ملكه، وتثبيت أركانه، ورعاية مصالح عصبيته، وضمان توسع نفوذ أصحابها وأمنهم. كانت هذه السلطة التي نشأت على أساس العصبية وسيلةً لتبديل طبيعة الدولة نفسها، وأسلوب عملها وأهدافها وغايتها. وكي ما تستطيع أن تتعزّز وتستمر، ما كان أمامها إلا التوسّع في إنتاج العنف لردع خصومها ومنافسيها، وأولهم الشعب نفسه الذي فقد دولته، من جهة، والتفنّن في التغطية على حقيقة أهدافها وغاياتها، والمصالح التي تخفيها، بتطوير أشكالٍ غير مسبوقة من الخداع والغش والتحايل على الرأي العام المحلي والعالمي، والتستر على الحقيقة، وما يترتب عن ذلك من تحويل الانتهازية والوصولية والازدواجية والرياء والكذب والتلون بكل الألوان إلى الفضيلة والوسيلة الوحيدة للتعايش والاستمرار والنجاح في الحياة العامة والخاصة، من جهة ثانية.

هكذا بقي العنف والتوسّع في إنتاجه وتنويع أشكاله وأجهزته العامل الثابت والدائم الحضور في سياسة النظام، وتعامله مع كل الأطراف الداخلية والخارجية، العنف الجسدي والروحي والفكري والسياسي والعسكري، وذلك بموازاة تحول هذا "المُلك" نفسه من "مُلك" سياسي إلى "مُلك" وراثي، وتطابق السياسة والحرب، بحيث لا يمكن تمييز إحداهما عن الأخرى، ولا فصلها عنها. وبالمثل ربما لم يبلغ نظامٌ في التاريخ، مستوى من التفنّن في تطوير وسائل الخداع، مستعيناً بالتقنيات الإعلامية والتواصلية الحديثة، لقلب الحقائق، وتزوير الواقع، والتهرّب من المسؤوليات، وتحويل الضحية جلاداً والسارق قاضياً، ما بلغه نظام الأسد. كان تسليط الضوء على الواقع كما هو، والحديث عن الحقائق البسيطة، كما هي، أكثر ما يخشاه النظام، ويسعى إلى إخفائه، إلى درجةٍ أصبح فيها إنكار الحقائق بشكل فج ومباشر فناً قائما بذاته. وهذا بالضبط ما أوقع ميشيل سورا، وجعل من هذا النص الذي بين يدينا اليوم من أغلى النصوص التي كتبت في التاريخ الحديث، لأنه كلف كاتبه حياته. كان كشف حقيقة النظام العميقة، أي واقع اختطاف الدولة من السوريين شعباً وأفراداً، وتحويلها إلى أداة للسيطرة وإنتاج العنف وتعميم الأكاذيب وتشويه الحقائق المستخدمة، لإخضاعهم وتجريدهم من إنسانيتهم، يعني موته. ما كان يحرص النظام على إخفائه، ويخشى أن يطلع عليه الناس هو ببساطة أنه كان يلعب لعبة مزدوجة، ويبنى من خارج الدولة والقانون وضدهما دولته وقانونه الخاصين، دولة الأسد وقانون العصبية، ويقوّض أسس الدولة السياسية القائمة، ويحضر لاستعمارها من الداخل، ووضع مواردها في خدمة سلطته وأجهزته وحاشيته وأتباعه. ولذلك، كان الكشف عما يجري ورؤية الوقائع كما هي، سواء جاء على يد مثقفين أو سياسيين أو باحثين من نوع سورا يشكل هوساً دائماً للنظام.

يكاد ميشيل سورا يختصر، في دراسته، الطريقة التي واجه بها نظام الأسد انتفاضة الثمانينيات هذه، وتحويل الاحتجاجات المدنية والنقابية إلى مواجهةٍ بين السلطة والمنظمة الإسلامية

"يكاد ميشيل سورا يختصر، في دراسته، الطريقة التي واجه بها نظام الأسد انتفاضة الثمانينيات" الإخوانية، تاريخ حروب النظام السوري جميعا التي واجه بها الاحتجاجات والانتفاضات التي لم تتوقف رداً على عملية تجريد منهجي للناس من حقوقهم، وتحويل الأفراد إلى غرباء في وطنهم، وأصفار في كل ما يتعلق بتقرير مصيرهم، وإخراج الشعب من السياسة والدولة والثقافة معاً، وتحييده. وكانت آخر هذه الاحتجاجات وأقواها انتفاضة النفس الأخير التي قادتها النقابات السورية، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، قبل أن تدفن حية.

فلا تكاد تختلف استراتيجية الحرب التي يخوضها نظام الأسد الابن اليوم للرد على الثورة التي فجرها السوريون لاستعادة هويتهم شعباً، وكسر قيودهم، وفرض الاعتراف بوجودهم وحقوقهم على سلطة "أجنبية"، لا تختلف عن أي سلطة احتلال، كثيرا عن التي عرض فصولها ووصفها وحلل آلياتها ميشيل سورا، منذ ما يقارب أربعة عقود، لا في خططها ولا في أساليبها ووسائل القمع والتحايل السياسي والإعلامي التي لم تتغير. فكما في كل مرة، لا يعرف نظام الأسد رداً على أيٍّ من تظاهرات الناس، لتأكيد وجودهم وحقوقهم، مهما كانت، سوى اللجوء إلى العنف، ورفض الحوار، والسعي إلى إنهاء النزاع بحمّام دم، يشكل، في نظره، درساً بليغاً يعزّز شوكته ويكسب النظام، كما يعتقد قادته، عقوداً جديدة من الاستقرار، ويردع الشعب، سنوات عن محاولة الخروج عليه، أو المطالبة بحقوقٍ غير ما يريد النظام نفسه أن يقدّمه له. فالمشهد لم يتغير: الشعب ذاته، المغلوب على أمره، في تعدّده وانقساماته وتشظيه وحيرته وخوفه، والقتلة ذاتهم، بخطابهم العنصري والدموي وحماقتهم، وتحايلهم على القانون، واستعداداتهم للذهاب حتى الخراب الشامل، من أجل تأكيد حقهم الحصري في السلطة، واستخدامهم الدولة مطيةً لمصالحهم ومآربهم الخاصة، ورفضهم أي حوارٍ أو تفاوض أو مشاركة أو تقاسم للسلطة مع أي طرفٍ كان، وجاهزيتهم للتعامل مع أي قوة أجنبيةٍ تخدم بقاءهم، والمراهنة على قدرتهم على خداع الدول والمتاجرة بقضية التطرّف، واختلاقها إذا لزم الأمر، ومن ضمن ذلك التلاعب بالحركات الإسلامية، واستثمار خوف الدول الكبرى من الإرهاب، واستخدامه وسيلةً لإعادة الاعتبار لحكم الاستثناء والإقصاء. ما يحصل اليوم هو تماماً ما حصل بالأمس من قتلٍ وإبادةٍ ودمارٍ وتهجيرٍ وتشريد، كل ما هنالك أن ما جرى منذ أربعة عقود على نطاق مدينة حماة، يجري اليوم على نطاق سورية بأكملها، وبعنفٍ منفلتٍ أكبر، فتتحول المجزرة في حماة في الثمانينيات إلى حرب إبادةٍ جماعيةٍ في العقد الثاني من القرن 21.

لذلك، في أكثر من جانب، يفضح هذا الكتاب سياسة الأسد الذي امتهن القتل والكذب طريقةً للحكم، ويشكل وثيقة اتهام فعلية ضد نظامٍ كان، ولا يزال، المنتج الرئيسي للعنف الخارج عن القانون، والموزع له في سورية والعالم.

========================

المشرق العربي وتحوّلات النظام العالمي .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 13/11/2016

لا يصح احتساب ما يحصل في سورية والعراق مجرد حرب أهلية، على الرغم من انطوائه على الأعراض التي يتمظهر فيها هذا النمط من الصراعات، والأصح هو اندماج الصراع الأهلي في إطار صراعٍ أكبر، وتحوّله إلى واحدةٍ من تعقيدات هذه الحرب، بحيث يجري توظيف هذه الجزئية في التغطية على الصراع الأكبر في قمة الهرم الدولي على المواقع والمراتب ومناطق النفوذ، تلك القيم التي طالما كانت المحرّكات الأساسية للصراعات العالمية على مر التاريخ.

ما بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي صراع على عدة مسارح دولية، من الشرق الأوسط إلى بحر البلطيق إلى التخوم الأوروبية، صراع الهدف منه تحريك المعادلات الإستراتيجية العالمية وتوجيهها لمصلحة أحد طرفي الصراع. والمشكلة أنّ هذا الصراع لا ينظر إليه بمناظير الحرب الباردة، التي طالما اعتمدها خبراء الإستراتيجيا في تفسير الصراع الحالي، ليس فقط لعدم امتلاكها آليات مواجهة، مثل التي جرى الاعتماد عليها في الماضي. ولكن، لأن أطراف الصراع لا تعتمد الإطار الزمني نفسه، المفتوح لتحقيق التآكل والانهيار على جبهة الخصم، بل على العكس، لا تحتمل طاقة الخصوم وقتاً طويلاً، وينعكس إدراك هذه الحقيقة على شكل نزق سياسي وتصاعد في حدة التوتر، ما تنتج عنه زيادة في منسوب الخطر.

لا تعكس الاختراقات الإستراتيجية الكبيرة التي حققتها روسيا في سورية ضعفاً أميركياً، بقدر ما يكشف عن لعبةٍ تشكّل أميركا طرفها الآخر، لا بد أنّ التقديرات الأميركية للنهوض الروسي الجديد قد أخذت، في الاعتبار، أنّ التشدّد في ضبط هذا النهوض إلى أبعد درجة، ستكون له تداعيات خطيرة، قد تصل إلى حد إشعال روسيا حرباً كونية، وذهابها إلى هدم المعبد على الجميع، وبالتالي، لا بد من البحث عن الخيارات الأقل ضرراً بأميركا. وبالنسبة لواشنطن، يصعب السماح لروسيا اللعب على مسارح معينة، مثل البلطيق وأوروبا، والأفضل توجيه الجهود والطاقات الروسية إلى أماكن أخرى، مثل الشرق الأوسط، والتي إن لم تستنفد طاقة روسيا، فإنها كفيلةٌ بإشغالها وقتاً طويلاً، كما أنّ موسكو ستشعر أنها حقّقت اختراقاً، ما يتوجب عليها الحفاظ عليه، وتشذيب سلوكها الدولي. وفي كل الحالات، إن لم تكن الخسارة الأميركية معدومة فهي محدودة، ذلك أن التحرك الروسي سيكون محدوداً ضمن الإطار السوري، بإعتبار أن العراق وإسرائيل وتركيا والأردن مصالح أميركية معروفة ومحدّدة، كما أن جغرافيتها تحاصر الوجود الروسي في البقعة الشرق أوسطية، على عكس المسارح الأخرى في البلطيق وأوروبا التي قد تتداعى بشكل أوتوماتيكي، حسب تطورات الصراع.

لكن هذا الوجود الروسي يستحضر إعادة تموضع أميركية في العراق، من أجل تعظيم القيمة

"قوى عالمية مستعدّة لجرف كل شيء في طريق تحقيق مصالحها الإستراتيجية" الإستراتيجية لهذه المنطقة في الصراع، ودفع الروس إلى تركيز مجهودات أكبر فيها، في الوقت نفسه، لضمان بقاء أميركا مشرفةً على إدارة الحراك الروسي في سورية، وضبطه قدر الإمكان، ولا بأس لو فرّغت أميركا مئات أو آلافا محدودة من عناصر قوتها العسكرية والاستخبارية، بصفة مشرفين ومدربين، أو خصّصت بعضاً من عتادها العسكري لإدارة العملية، لا تشكّل هذه التكاليف خسائر مهمة في الحسابات الأميركية، طالما أن فعاليتها تساوي ملاعبة خصم دولي بحجم روسيا.

لكن، تبدو تداعيات ذلك النهوض الروسي، وتلك الإدارة الأميركية له، على المشرق العربي، أكثر من كارثية، ويمكن وصفها جذرية، لجهة إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا، خصوصاً أن الطرفين، الأميركي والروسي، تغاضيا عن إيران، كل لأسبابه ودوافعه الخاصة التي تقوم بدور توظيب الأوضاع على الأرض، من دون أن تلتفت واشنطن وموسكو إلى حقيقة أن الحيز الذي تتباريان فيه هو، قبل أي اعتبار، وبعيداً عن التقييمات الإستراتيجية وأولوياتها، مكان لحياة ملايين البشر واجتماعهم، وأن حقول النفط والموانئ ليست أكثر من وسائل لإنتاج استقرار تلك المجتمعات، واستمرار عيشها، وليست فوائض، يتم الرهان بها في المقامرات الإستراتيجية، أو لتغيير موازين القوة العالمية، ولا لتعديل مزاج ذلك الزعيم أو الحاكم.

في المجمل، وبعيداً عن كل الأوهام، لن ينتهي هذا الدبيب الجاري على أرض المشرق العربي، والذي يتخذ طابع الصراع الإستراتيجي بين القوى الكبرى، قبل إعادة تكوين ما بات يعرف 

"النظام العربي، لا يملك القدرة على مقاومة التغيرات الجارية" بمكونات المشرق، ليصار إلى تشكيلها كياناتٍ سياسيةً على أسس غير الذي تشكّلت عليه المنطقة منذ قرن، فلا العراق ولا سورية سيعودان كياناتٍ كما كانتا من قبل، وسيكون هذا الأمر أكبر من قدرة الحركات الوطنية في البلدين، كما ستخضع هويتهما لتحولاتٍ تتناسب مع التغيرات الإستراتيجية التي سيرسمها الصراع بين القوى الأكبر، وما يعزّز من ترجيح مثل هذا الأمر أن الحاضنة الإقليمية لهما، والمتمثلة بالنظام العربي، لا تملك القدرة على مقاومة تلك التغيرات، ولا حماية سورية والعراق من نتائجها، خصوصاً أن مكونات هذا النظام العربي منشغلةٌ، بدرجةٍ كبيرةٍ، بمشكلاتها الداخلية، وحماية الاستقرار الداخلي، في ظل غياب وجود سياسة عربية موحدّدة.

سيدفع المشرق العربي ثمن تحولات النظام العالمي، ويتصادف ذلك ليس فقط مع وجود قوى عالمية، مستعدّة لجرف كل شيء في طريق تحقيق مصالحها الإستراتيجية، بل المفارقة أن جزءاً من مكونات المشرق يعمل على تسريع الأحداث، للوصول إلى هذا المآل، في ظل تراجع الإحساس بالهوية الوطنية، وصعود الانتماءات الضيّقة.

========================

حكاية الحرب والبلاء في مدينة حلب! .. أكرم البني

الحياة

الاحد 13/11/2016

... والحكاية هي عن مدينة لا تزال تتعرض لحصار ظالم، ابتليت أسوة بغيرها من مناطق الصراع السورية بكل أنواع الفتك والتنكيل في ظل صمت مريب، كأنها في كوكب آخر، أو كأن ثمة مؤامرة كونية للنيل منها، وتركها وحيدة أمام آلة قمع لا ترحم.

مدينة صارت مشاهد موت أبنائها البسطاء وتشريدهم وخراب بيوتهم وممتلكاتهم أشبه بمشاهد روتينية، وكأن مئات ألوف المدنيين المحاصرين فيها، ليسوا بشراً يستحقون الحياة، بل ينتظرهم المزيد من العنف والقهر لأنهم آثروا البقاء في أرضهم، أو لم يتمكنوا من الهرب إلى مناطق آمنة، إما لضيق الحال وإما خوفاً من مصير أسوأ، وقد لمسوا شروط العيش المذلة لإخوانهم المشردين داخل البلاد وخارجها.

مدينة فرض عليها أن تخوض صراع وجودها في وقت يبدو العالم كأنه متواطئ على إبقاء الجرح السوري مفتوحاً واستكمال تحطيم اجتماع السوريين الوطني وحلمهم في الحرية والكرامة، ربما لأن هذا الحلم هو الخطر الأشد عليهم، وربما لأن العالم بشعوبه وحكوماته يسير نحو التقوقع والانعزال وفقد حساسيته الإنسانية ولم يعد يكترث بما يحصل من فظائع وأهوال، وبالأعداد المتزايدة من الضحايا والجرحى والمشردين في بؤر التوتر والصراع، وربما عملياً، لأن سلبية واشنطن وانشغالها بأوضاعها الداخلية أطلقا يد موسكو لتفعل ما تشاء، أو لأنهما توافقتا معاً على تقاسم النفوذ بين العراق وسورية في تزامن لمعركتي الموصل وحلب!

مدينة من سوء حظها أن تغدو في نظر المتحاربين «بيضة القبان» وأن يذهب النظام السوري وحلفاؤه بعيداً في الاعتقاد بأن الانتصار فيها، وإن لم يكن حاسماً، سيحقق انعطافة كبيرة في مسار الصراع، ويقلب طاولة المفاوضات السياسية على رؤوس الجميع، عدا اعتقادهم بأن إنجاز السيطرة على العاصمة الاقتصادية للبلاد، سيمكنهم من التفرغ للعاصمة السياسية دمشق وجوارها، والتعامل بفاعلية أكبر مع المعارضة المسلحة هناك، لاستعادة مناطق خرجت عن السيطرة قبل سنوات.

مدينة أحد وجوه بلائها نظام عاجز عن تقديم التنازلات السياسية، أنكر ولا يزال مشروعية حراك الناس ومطالبهم، ودأب على تصويرهم كأدوات طائفية ومتآمرة يحل سحقهم، وليس من رادع يردعه في استجرار ما استطاع من إمدادات خارجية واستخدام العقاب الجماعي والتنكيل العشوائي في رهان على أخذ المدينة بالقوة، فكيف الحال وحكومة طهران لا تتوانى عن تقديم كل أشكال الدعم وزج أدواتها وميليشياتها لكسب هذا الرهان، في سياق الحفاظ على ما راكمته من نفوذ مشرقي تهدد بفعل تصاعد الصراع السوري؟ وكيف الحال عندما يتطابق الرهان مع مصالح الحليف الروسي، وقد غدا بقوته العسكرية مقرراً في حرب حلب، يمنح الهدن ويلغيها، يوقف القصف ويعاوده، تحدوه دوافع قوية للسيطرة التامة على المدينة ولو تكررت مشاهد غروزني وغيرها من مدن الشيشان، طامعاً في تحقيق وزن ودور جديدين يعيدان الصورة القديمة عن ثنائية القوة العالمية؟!

القصد أن هدف الكرملين من حرب حلب، ليس فقط تصفية الجماعات الجهادية المتطرفة وتحجيم المعارضة المسلحة، وإنما الإمساك بزمام الملف السوري لاستخدامه ورقة ضاغطة في التنازع على حصص السيطرة والنفوذ العالميين وتحسين مستوى الشراكة والتعاون مع الغرب.

وحكاية الحرب والبلاء في حلب هي حكاية معارضة سياسية لم تنجح في نيل الثقة بأن تكون بديلاً آمناً، ولا تزال للأسف، رغم فداحة الدماء والتضحيات، كأنها في رحلة بحث عن ذاتها ودورها، معارضة ستجد نفسها أمام معضلة سياسية وميدانية كبيرة عند خسارة مدينة كحلب بقيمتها الرمزية والمعنوية في الوجدان السوري، يحدوها خوف من أن تؤدي هذه الخسارة إلى تغيير نوعي في التوازنات القائمة، ينعكس سلباً في العمق السوري بدءاً بدمشق، مروراً بمحافظة إدلب، وصولاً إلى كامل المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة، فاتحاً الباب أمام معارك أخرى وربما هزائم أخرى.

وأيضاً هي حكاية بلاء مدينة تنامى فيها حضور الجماعات الإسلاموية المتـشددة ربطاً بتصاعد العنف والاستفزاز الطائفيين، إلى أن انتزعت الحيز الأكبر من المشهد، جماعات لا يهمها احترام التنوع وحقوق الناس، في وطن تعددي، عرقياً ودينياً وطائفياً، كالوطن السوري، بل تدعو إلى أسلمة الدولة والمجتمع متوسلة لغة القهر والإرهاب. ومع الاعتراف بأن بعض هذه الجماعات هو الأكثر استعداداً للمواجهة والتضحية، لكنه الأبعد سياسياً عن شعارات الحرية والديموقراطية، وزاد البلاء بلاءً تكاثر أعداد المقاتلين الوافدين من الخارج وتدخل المال السياسي في تمويل بعضهم بخاصة الأكثر تطرفاً.

في البلاء والحرب لم يعد ثمة شيء يقينيّ أمام الناس المحاصرين في حلب، لا حلول عملية ولا أفكار نظرية، وكل ما هنالك هو غموض وخوف يحاصران الجميع واستشعار مرحلة من تصاعد العنف والتدمير والإمعان في تخريب حيواتهم وممتلكاتهم.

ولكن، أياً يكن المصير الذي ينتظر حلب، لا بد أن يدرك المتحاربون، بخاصة النظام وحلفاءه أن ما يسمى انتصاراً على المدينة هو هزيمة للحياة والعقل والإنسان، هزيمة لوطن حلم أبناؤه بأن يكون رائداً في المشاركة في بناء صرح الحضارة الإنسانية... أن يدركوا أن من المحال أن تستتب الأمور لهم وأن يتمكنوا من حكم شعب منكوب ومفجوع لم يبقَ عنده ما يخسره سوى حالتَي الذل والخنوع اللتين يعيشهما، فأنّى لسلطة يمكن أن تستقر وتصنع مجتمعاً واقتصاداً وسياسة فوق ما صنعته من دمار وخراب؟

صحيح أن التاريخ لن ينسى أن الإنسانية لاذت بالصمت تجاه معاناة الشعب السوري بينما آلة العنف تعمل بأقصى طاقتها، لكن الصحيح أيضاً أن السوريين لن يعودوا إلى ما كانوا عليه قبل آذار (مارس) 2011. فثمة جديد واعد رسخ في الأرض وثمة متغيرات نوعية حصلت وتركت علامات عميقة في ضمائر الناس وطرائق تفكيرهم، لا يمكن أن تمحى أو تزول.

========================

ترامب رئيساً: نظامٌ عالميٌ جديد!! .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 13/11/2016

ترامب رئيساً: نظامٌ عالميٌ جديد!! لم يكن ثمة بدٌ من انتخاب دونالد ترامب رئيساً لأمريكا ليكون هذا المشهدَ الأخير من مسرح الهزل الراهن في السياسة الدولية. وما لم تحدث معجزات لايُعرف مصدرُها في مثل هذا الوضع، فالعالم مقبلٌ على شتاءٍ طويلٍ وقاسٍ، فيه الكثير من الفوضى.

نحن اليوم أمام أربعة عناصر للموضوع نفتح ملفها هنا، والمطلوب أن تغدو مجالاً للبحث والدراسة من أصحاب العلاقة في المستقبل: شخصية الرجل، والعلاقة بينه وبين النظام السياسي الأمريكي، والوضع العالمي في سنوات حكمه، وحال العرب معه.

كلامنا هنا في معرض التوصيف المعروف، بعيداً عن معاني الشتيمة والهجاء، فلا مانع أبداً من الصراحة والشفافية عند الحديث عن خلفية الرئيس القادم لأمريكا باختصار، بعيداً عن الاعتبارات الدبلوماسية.

ستحاول «المنظومة» التقليدية الأمريكية استيعاب النتوءات المتطرفة جداً في طروحات ترامب وسياساته المتوقعة. لكن هذه المنظومة نفسها تحاول أن تقلب كل تحدٍ إلى فرصة، وتصيدَ أكثر من عصفور بطلقةٍ واحدة. من هنا، سيتم فسح المجال لبعض سياسات ترامب تجاه العالم، ما يُشكِّل ورقة ضغطٍ على الدول الكبرى والقوية فيه للحصول على تنازلات، بدعوى أن الرجل رئيسٌ شرعيٌ منتخب نهايةَ المطاف، ولايمكن تجاهل آرائه وتوجهاته كلياً.

هكذا، سنرى مسارين متوازيين في السياسة الخارجية الأمريكية. واحدٌ يمثله الرئيس الجديد بمواقفه المعلنة، وبسقفٍ عالٍ جداً. وآخر دبلوماسي سري، من خلال المبعوثين الخاصين والعسكر وأجهزة الأمن، يفاوض الدول الأخرى، طالباً منها التنازلات (الضرورية) لمحاولة تخفيض السقف المذكور. ومرةً أخرى، سيكون نصيب العرب كبيراً، وكبيراً جداً، من هذه الاستراتيجية.

نحن الآن أمام مشهدٍ عالمي فريد. فبين ترامب في غرب الكرة الأرضية وماري تيريز في وسطها وفلاديمير بوتين في شرقها، لايمكن للعالم بأسره إلا أن يتوقع الأصعب. ثمة تقاطعات حساسة في رؤى القادة الثالثة، تتمحور حول (الشعبوية) مصدراً لاتخاذ القرارات السياسية، وسبيلاً لتصدير مشكلات الداخل إلى الخارج. من هنا، ليس مستبعداً حصول درجةٍ من التنسيق والتعاون بينهم، غير مسبوقة ولامُتوقَّعة. وبحسبةٍ بسيطة تتضمن حجم الأزمات في الدول الثلاثة، من جهة، واستراتيجية تصدير تلك الأزمات إلى العالم خارجها، من جهةٍ ثانية، تبدو نتيجة الحسابات مرعبةً بكل المقاييس.

بالنسبة للعرب. ثمة نوعان من التغيير في عالَمهم دائماً، واحدٌ يحصل بناءً على تخطيطٍ ورؤيةٍ ودراسات. بينما يجري الآخر تحت ضرب المطارق. وفي كثيرٍ من الأحيان، يكون هذا الأخير أكثر جديةً وشمولاً وحسماً.

في خطاب الانتصار، قدم الرئيس المنتخب خطاباً تصالحياً مع الداخل والخارج. كان هذا تكتيكاً حتمياً فرَضَهُ عليه الجميع، بما فيهم فريقه ومستشاروه، وهو في نهاية المطاف تركيبٌ لكلمات استهلاك لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتبت به.

سيكون أسهل على العرب، طبعاً، التعامل مع سياساتٍ تنسجم مع فقرات الخطاب المذكور، إذا حصلت المعجزة في المستقبل وتوافقت سياسات ترامب معها.

لكن الواقعية السياسية تفرض الاستعداد للتعامل مع أسوأ الاحتمالات في جميع مسارات العلاقة العربية الأمريكية. ما من رؤيةٍ سياسية عربية، حالياً، للتعامل مع تلك الاحتمالات، لأن وصول الرجل للرئاسة نتيجةٌ لم يتوقعها أحدٌ أصلاً. وإذ تبقى الوقاية خيراً من العلاج، فإن ثمة استنفاراً مطلوباً لمحاولة تحضير ملامح تلك الرؤية في نافذة فرصة لاتتعدى الشهرين.

هناك قاعدةٌ في أمريكا تقول إن يوم الانتخابات يكون، عادةً، نهاية مهرجانٍ تعود بعده البلاد لحياتها الطبيعية، لكن ثمة إجماعاً بين الإعلاميين والخبراء والمثقفين يؤكد بأنه سيكون، بالعكس، بداية أزمةٍ كبرى فيها. إذا كان هذا هو الواقع، وكانت قاعدة (وجود العدو الخارجي يُؤمِّنُ الوحدة الداخلية) صحيحةً في علم السياسة وعالمها، فلا حاجة لكثير ذكاء ونحن نتوقع القادم من بلاد العم سام.

========================

في النقد السياسي للمعارضة السورية .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 12/11/2016

تعد مراجعة التجربة السياسية، والقصد من ذلك المراجعة النقدية، من أهم العمليات التي يفترض بالحركات السياسية القيام بها، في المحطات المختلفة، سواء في المؤتمرات الدورية، أو في سياق العمل اليومي. إلا أن غالبية حركاتنا السياسية، كما نعلم، لم تختبر هذه المراجعات يوماً، بل إنها، كما بينت التجربة، تستنكر أي ملاحظة حول مواقفها، وتأنف أي موقف نقدي لسياساتها وممارساتها، بل إنها قد تعتبر ذلك جزءاً من عملية معادية لاستهدافها، أو لإضعافها.

لذا فإن حركاتنا السياسية بمعظمها للأسف تظن أنها مخلدة، وتمتلك الحقيقة، بل إنها تعتقد أن شعاراتها وخطاباتها تعد من البديهيات واليقينيات، أي فوق النقاش، بدل أن تشجع على عملية التفكير، وبالأخص التفكير النقدي، لذلك فليس غريباً أن نجد أغلب الجماعات الحزبية بمثابة جماعات مغلقة تتمحور حول بعضها، مثل العائلات والعشائر والطوائف، وتلتف حول حركاتها السياسية، في تماه مع الأنظمة الاستبدادية التي ترى أن الشعب مجرد جماهير ليس لها إلا أن تهزج بشعارات القائد، أو الحزب القائد.

في مواجهة هذا الوضع، من المفيد أن يدخل في إدراكات المنتمين للحركات السياسية، وحتى بعض المعارضين والمثقفين (ومنهم طبعاً الصحافيون) اللامنتمين لأية حركات، أن السياسة تعني المشاركة السياسية، وحرية الرأي والتعبير والتظاهر، وتالياً النقد، وفي أساسه النقد الذاتي، لأن أية حركات سياسية لا تواجه ذاتها ولا تنتقد تجربتها، هي حركات لا تستحق الحياة، إذ إنها تبدو غير واثقة من نفسها، ولا حتى من مسيرتها، فضلاً عن أن ذلك يعني أنها فقدت حيويتها، وقدرتها على التطور والتجديد.

كانت هذه مقدمة ضرورية للتطرق إلى نقد المعارضة السورية ونقد نقدها، إذ واجهتني في نقدي للمعارضة، في المقالات التي كتبتها في هذه الجريدة (وفي غيرها،) بعض المواقف التي أخذت أو استكثرت علي نقدي للمعارضة، بحكم أنني في موقع نائب رئيس «الائتلاف الوطني»، وقد فات هذا البعض أنني مواطنة سورية، قبل أن أكون في هذا الموقع أو ذاك، لذا فمن البديهي أن يكون لي أيضاً موقفي النقدي من المعارضة وكياناتها السياسية وشعاراتها وطرق عملها، علماً أنني حتى قبل أن أكون في أي كيان في المعارضة فأنا كاتبة وإعلامية منذ أكثر من عقدين.

ما أقصده أنه سواء كنا في حزب ما، أو في حركة سياسية ما، لا ينبغي لنا أن نلغي عقولنا، أو أن نلغي ملكة التفكير، بخاصة التفكير النقدي لدينا، وإذا كنا كذلك فما الذي سنضيفه، في هذه الحال، الى الثورة، أو الى عملية التغيير في سورية؟

جاء النقد لمقالاتي النقدية من بعض المنتمين للكيان السياسي ذاته الذي أنتمي إليه (الائتلاف)، ظناً منهم أن هذه الملاحظات ينبغي أن تطرح في الإطار، ما يذكرنا بالأحزاب الشمولية، التي تأنف التغيير وتمنع النقد، وتتحدث عن الالتزام بالأطر، وعدم نشر الغسيل «الوسخ» في الخارج، وهذا يعني تحويل الأحزاب والحركات السياسية الى حركات لزعيم أو لقائد أو لفئة، وتحريم التفكير، والتربية على إلغاء العقل. لكن المفاجأة الأكبر بالنسبة إلي أن مثل هذا النقد جاء من بعض المعارضين، من غير المنتمين لحركة سياسية، إذ استكبر علي هذا البعض نقدي لمؤسسة أنا أنتمي لها، أو لأن لي موقعاً قيادياً فيها، وهذا كلام خاطئ وقاصر، إذ إن نقدي للمعارضة هو جزء من انتمائي للثورة السورية، وجزء من تعبيري عن موقفي كإنسانة وككاتبة، والشجاعة هنا أن أنتقد الإطار الذي أشتغل فيه، بمعنى أنني أحاول أن أنقل أفكاري إلى الفضاء العام، إيماناً مني بالمشاركة السياسية، وبحق الجميع في الاطلاع، ولوضع تجربتنا في موقع الفحص والمساءلة، وأيضاً لتشكيل حالة ضغط شعبية، من خلال توسيع قاعدة الرأي العام التي تشجع على التغيير والتطوير.

طبعاً من حق أي كان أن يفترض أن الموقف الصحيح هو الاستقالة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، في ظروفنا السورية المعقدة: ماذا بعد الاستقالة؟ أو ما هو البديل؟ ثم لماذا لا يكون الأصح أن أستمر في حالة الانتقاد والضغط وصوغ الرأي العام لتطوير الكيان السياسي الذي أشتغل فيه، أو لتهيئة الأوضاع لخلق بديل مناسب له في الظروف المواتية؟ وما أريد أن أنوه به هنا هو أن موقفي من «الائتلاف» ليس جديداً إذ هو قديم، وقبل أن أشغل موقعي كنائب للرئيس في هيئته القيادية، وهذا ما تمكن ملاحظته من هذه المقابلة التلفزيونية المخصّصة لنقد «الائتلاف»، والمسجلة قبل عامين (( https://www.youtube.com/watch?v=0mKG1uJ0fVA )

أود أن أقول إنني أتصرف وفق قناعتي بضرورة إشراك أوسع قطاع من السوريين، وأوسع قطاع من أوساط المعارضة في الرأي، لا سيما الذين يشعرون أن كيانات ومؤسسات المعارضة هي لهم، وتعبر عنهم، ويفترض أن تمثل كفاحهم، بما لها وما عليها، وهذا هو معنى المشاركة السياسية. كما أنني أعتبر أن عملية النقد جزء من العملية الثورية، وجزء من عملية التغيير، أي تغيير وتطوير الأفكار، وهذه مسؤولية كل كاتب ومثقف ضمن الأطر السياسية أو خارجها، وهذه مهمة لا يستهان بها لأنها تسهم في زيادة الضغط على المؤسسات والكيانات السياسية لإصلاح ذاتها وتقويم أدائها وتطوير أوضاعها. أما المراجعات الداخلية فقد تستخدم كوسيلة فقط لصراعات ومنافسات التكتلات داخل الجسم المعارض، وبالتالي كسب أصوات انتخابية تغير في الأسماء أو في الشكل من دون تغيير في المضمون أو الأفكار وأشكال العمل.

على ذلك، فقد كان النقد الذي مارسه كتاب من داخل هذه المؤسسات كميشيل كيلو وفايز سارة، مثلاً، إضافة إلى كتاب من خارج هذه المؤسسات كياسين الحاج صالح وسلامة كيلة وجمال خاشقجي وماجد كيالي وعبد الوهاب بدرخان وعمر قدور وغيرهم، وسيلتنا لإلزام هذه المؤسسات ومنها «الائتلاف»، والضغط عليها، لإصلاح أوضاعها الداخلية، وتوسيع دائرة تمثيل فئات الشعب وإيلاء اهتمام أكبر لقضايا السوريين داخل بلدنا وخارجه. ويأتي بين خطوات الإصلاح توسعة تمثيل المرأة، التي فشل «الائتلاف» بتحقيقها ثلاث سنوات متتالية، ما يفترض مساندتها حتى ولو لم تحقق كل المعايير المطلوبة، لأنها خطوة بالاتجاه الصحيح. المشكلة أنه بدلاً من ذلك فاجأنا البعض بالأحكام المسبقة والمتسرعة عليها بالفشل تارة وبأنها مجرد أدوات تزيينية (ماكياج)، من دون إعطائها فرصة التعبير عن نفسها. والمؤسف أن يكون هذا البعض طالب مراراً بالتوسعة، لكنه عند إنجازها قلل من شأنها بدل الحضّ على تطويرها، كي تكون المرأة شريكاً فاعلاً في صناعة القرار سواء الآن أو في المرحلة الانتقالية، وخلال صياغة كل وثائق سورية التي نريد، كالدولة الديموقراطية التعددية، دولة المواطنين الأحرار المتساوين.

========================

ترامب والحلم الأميركي .. د. رياض نعسان آغا

الاتحاد

السبت 12/11/2016

لا ننكر أننا على صعيد المعارضة السورية سمعنا من هيلاري وعوداً أفضل مما سمعنا من ترامب، لكن تجربتنا مع الإدارة الديموقراطية لم تكن تجعلنا نطمئن إلى الوعود، ولن ينسى العالم أن أوباما أسرف كثيراً في ترديد تصريحه الشهير «على الأسد أن يرحل»، لكن ما فعله في الواقع هو تمكين بقاء الأسد، وتقديم دعم خفي للتنظيمات الإرهابية «داعش» ومشتقاتها بالصمت عليها حتى تكبر وتتمدد! وهي التي حاربت الشعب ووجهت أسلحتها ضد المعارضة الوطنية وجيشها الحر. كما أن إصرار الولايات المتحدة على حظر تسليح الجيش الحر بمضادات الطيران جعل سماء سوريا تمطر وابلاً من القنابل المحرمة والصواريخ التي أبادت الحياة وقتلت البشر، دون أية قدرة على مقاومتها، وهذا ما جعل ملايين السوريين يهربون نازحين بحثاً عن مكان آمن، وقد قتل عشرات الآلاف منهم غرقاً في البحار. كما رفضت الولايات المتحدة إقامة منطقة آمنة تتيح للمدنيين أماناً، وتوقف تدفق الهجرة التي تحولت إلى مشكلة دولية.

وليس سراً أن الولايات المتحدة كانت تدير الصراع، وتدعي أنها تدير مسار الحل السياسي، وقد لبينا دعوتها ودعوة أصدقاء سوريا إلى مؤتمر الرياض في مثل هذا التوقيت من العام الماضي، وعقدنا مع ممثلي الدول التي أطلق عليها اسم «أصدقاء سوريا» عشرات اللقاءات، ووجدنا أن الوزير كيري يريد فقط أن نسافر إلى جنيف وأن نسجل حضوراً. وحين كنا نعلن إصرارنا على تنفيذ القرار 2254، وبخاصة البنود التي حدد القرار كونها مرحلة بناء الثقة وما فوق التفاوض (فك الحصار، إيصال المساعدات، حماية المدنيين، إطلاق سراح المعتقلين وبخاصة النساء والأطفال)، كنا نواجه أجوبة غير منطقية من مثل (ناقشوا ذلك في جنيف)، وكان الهدف تحويل مفاوضات الحل السياسي إلى استجداء لدخول قافلة مساعدات (بعضها يصل فارغاً، وأغلبها يمضي إلى النظام، وبعضها تعرض لهجوم الطيران، كما حدث في أورم الكبرى)! ووجدنا أنفسنا كمن يلاحق وهماً في سيل من التصريحات المتوافقة والمتناقضة في مسلسل (لافروف- كيري)، حتى إن المبعوث «راتني» صارت مهمته ترقيع تصريحات كيري، بينما قال المبعوث الدولي دي مستورا: «نحتاج إلى معجزة إلهية».

لم يكن يغيب عنا أن الضامن الحقيقي لبقاء النظام وتفكيك المعارضة هو هذا الموقف الأميركي الذي فوض بقتل السوريين باسم مكافحة الإرهاب، وطالما رددنا قول أبي الطيب المتنبي «ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى.. عدواً له ما من صداقته بدُّ».

ربما هذا ما دفعني إلى أن أقول مرات على قنوات التلفزة إنني أفضل أن يأتي ترامب على مبدأ «إن خيراً فخير، وإن شراً فشر»، ولم يتبق لدى السوريين الكثير مما يخسرونه.

نأمل أن يكون ترامب بعلنية مواقفه أكثر وضوحاً، ونحن نبحث عن حل عادل لقضيتنا رسمنا رؤيتنا الدقيقة له وأعلنا عنها في مؤتمر لندن وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويعلم ترامب- كما يعلم بوتين قبله- أن تحقيق الانتقال السياسي يعني بدء مرحلة لا وجود فيها لمن ثار الشعب ضد استبدادهم وظلمهم وضد ما ارتكبوا من جرائم إبادة. وأما من لم تتلوث يداه بدم السوريين فقد رحبنا بالتشاركية معه لبناء دولة مدنية ديموقراطية. وقد سمعنا ترامب يتحدث عن حلم أميركا، وبحسب مسؤوليتها كدولة عظمى يجب أن يمتد هذا الحلم القائم على الحرية والديموقراطية، ليشمل الدفاع عن حريات الشعوب وعن حقوقها في الحياة الكريمة، وليس في الدفاع عن آخر وأسوأ الديكتاتوريات في العالم.

========================

عداوة البغدادي لتركيا والسعودية! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 12/11/2016

قبل خمسة أيام خرج زعيم «داعش» في تسجيلٍ عبر وسائل إعلام التنظيم، ليطلق، بالمصطلح الكلاسيكي وبمناسبة حرب الموصل: «نداء النفير» أو «الاستنفار العام». في القسم الأول من التسجيل حثّ أنصاره على الصمود، ودعاهم إلى الاستقتال في مواجهة المهاجمين، وأمَّلهم بالنصر والعزّة، أو بالشهادة (إحدى الحسنييْن). لكنه في القسم الثاني، وعندما كان المطلوب تحديد الأعداء الذين يكون على التنظيم الاستماتة في مواجهتهم، مضى باتجاه تركيا والسعودية، باعتبارهما العدوَّ المستهدَف، وليس إيران مثلاً أو الجيش العراقي و«الحشد الشعبي» المتأيرن. قال إنه سيحوّل أرض تركيا إلى دار حرب، وإنّ المملكة ليست حقيقةً بحماية الحرمين والإسلام، لأنها تُعادي «دولة داعش» وتقاتلها!

لقد استغرب كثيرون هجمة البغدادي المفاجئة على الدولتين السنيتين الكبيرتين بالمنطقة، والسكوت عن إيران؛ بل إنّ كلامه على المملكة، يشبه الكلام الإيراني شبهًا كبيرًا. أما بالنسبة لتركيا؛ فإنّ الأميركيين والروس والإيرانيين ومنذ عام 2014 يتهمون تركيا بمخامرة «داعش»، والتسهيل لعناصره وجرحاه بالمرور ذهابًا وإيابًا. وهو الأمر الذي دفع الروس عندما كانوا مختلفين مع تركيا، للقول إن داعشًا صناعة تركية. بينما أقبل الأميركيون على دعم الأكراد في سوريا لمقاتلة «داعش» بدلاً من الاستعانة بتركيا. ولا يزال الخلاف بين الطرفين قائمًا بعد التدخل التركي المتأخر فيما بين جرابلس والباب.. ومنبج. ولقد عاد الأميركيون أخيرًا فآثروا الأكراد بشرف محاصرة مدينة الرقة واقتحامها، وهذا سببٌ جديدٌ للخلاف التركي مع الولايات المتحدة وحلفائها!

قال لي أستاذ ألماني مختص بشؤون الشرق الأوسط على أثر سماعه البغدادي: «أنتم في محنةٍ بالفعل، فالولايات المتحدة تعتبر المملكة إسلاميةً أكثر من اللازم، و(داعش) يعتبرها إسلاميةً أقل من اللازم. والولايات المتحدة تعتبر تركيا أقل التزاما بمقاتلة (داعش)، والبغدادي يعتبرها العدو الرئيسي لـ(داعش) قبل إيران!».

لقد تناسل «داعش» عن «القاعدة» عبر تطوراتٍ متعرجة ومعقَّدة. وهو، مثل «القاعدة»، انشقاقٌ بداخل الإسلام. وقد قلتُ مرارًا في الدراسات والمقالات الصحافية إنّ الانشقاق إنما ينعكف على أصله الذي انشقّ عنه، ويرمي لإزالته والحلول محلَّه. وهذا يصح في الدين كما صحَّ في الحركات الحزبية والآيديولوجية. فعندما اختلف الصينيون مع السوفيات في أواخر الستينات، أقبلوا على التآمر مع الولايات المتحدة ضد أولئك التحريفيين! كان ماو تسي تونغ يتحدث عن أميركا الإمبريالية باعتبارها نمرًا من ورق، فلمّا اختلف مع الروس على مناطق النفوذ والموارد والمصالح الواقعة بين الطرفين أو بجوارهما؛ صار الروسي هو العدو الرئيسي، وصار الصراع على من يقود الحركة الشيوعية العالمية، إلى حدّ إقبال الصين على دعم ألبانيا الشيوعية المتشددة في وجه التحريفيين الروس!

وبحسب توماس هيغهامر؛ فإنّ بن لادن والظواهري كانا مختلفين في إيثار مجاهدة العدو البعيد أم العدو القريب. ويعتقد هيغهامر أنّ بن لادن هو الذي أخّر مواجهة العدو القريب. لكننا لو تأملنا ما بعد عام 2001، بل وما قبله، لوجدنا أنّ الأمر كان متوازيًا أو مختلطًا. وقد سمعتُ وقرأتُ لـ«القاعدة الأولى» وللزرقاوي ولمفتي «داعش»، وعلى مدى عشر سنوات، كلامًا يقول إن مجاهدة المرتدّين أولى من مجاهدة الكفار والفجار!

نحن مختلفون مع «داعش» حول ثوابت الإسلام، ومختلفون معه بشأن التعامل مع الناس، ومختلفون معه بشأن المصالح والأولويات. فـ«داعش» خرج على ديننا، وكفّر سائر الناس، ومضى لقتلهم وقتالهم. وكنا نسخر من دعاة «حزب التحرير» عندما يسألنا أحد عوامهم: أي الفروض أوجَب؛ الصلاة أم إقامة الخلافة؟! فإذا بـ«داعش» يجعل من «الخلافة» ركنًا من أركان الدين! وكنا نأخذ على الإيرانيين إنشاء التنظيمات الطائفية القاتلة؛ فإذا بـ«داعش» ينشئُ تنظيمًا لا همَّ له غير تقليد الإيرانيين والمتأيرنين في قتلنا وتهجيرنا. ثم ما المصلحة أو المصالح الضرورية للأمة والدين من وراء إقامة سلطةٍ مسخ في المناطق السنية المغلوبة على أمرها في سوريا والعراق، بحيث تصبح هدفًا ليس للأسديين والمالكيين والإيرانيين والأفغان فقط؛ بل وللأميركان والروس والفرنسيين والبريطانيين؟! سمعتُ معلقيْن على إحدى الفضائيات يتجادلان فيمن هجَّر وقتل أكثر من السنة بالعراق؛ «داعش» أم الموالك والإيرانيون والمتأيرنون. وظلا يتضاربان بالأرقام إلى أن ذكر أحدهما سوريا، فانقلب الملفّ لصالح «داعش»، لأن الأسد والإيرانيين والروس قتلوا نصف مليون، وهجّروا اثني عشر مليونًا!

أما الأتراك، فإنهم حاولوا طويلاً ألا يصطدموا بـ«داعش»، وأخذ ذلك عليهم كثيرون، ليس من الدوليين فقط؛ بل ومن العرب والمسلمين. لكنّ داعشًا عندما جرى التضييق عليه على الحدود، انصرف للتفجير في تركيا، وتراجع بسرعة أمام الأكراد بحيث صاروا هم و«داعش» على الحدود التركية، واستعجلوا في إقامة الكيان الكردي، وهو كابوس تركيا الأكثر اسودادًا. ولذلك تدخلت تركيا أخيرًا ضد «داعش» وضد الأكراد، ولولا الإذن الروسي (في مقابل ماذا؟!) لما جرؤت تركيا على التدخل رغم المعارضة الأميركية (!). فكيف تصبح تركيا العدو الرئيسي لـ«داعش»، الذي ينسحب من المناطق التي يهاجمها الأكراد بدعمٍ من طيران التحالف؟! ولو أنّ تركيا تدخلت قبل ثلاثة أعوام كما انتوت، لما ظهر «داعش» ولا ساد الأكراد، ولا نجحت إدارة أوباما في لعبة القط والفأر مع إيران وفي سوريا والعراق!

إنّ الذي أزعمه أنّ مشكلتنا نحن العرب مع «داعش» تتناول الدين والدولة. بينما مشكلة الأتراك معه إنما تتعلق بآيين الدولة، وبالسياسات الاستراتيجية بالمنطقة، ومن ضمنها التنافُس مع إيران. وقد كانت «القاعدة» واضحةً، واليوم «داعش»، في أنّ أعداءهم الرئيسيين هم المملكة والعرب بعامة؛ لكنهم تأخروا حتى اعتبروا تركيا ضمن الأعداء الرئيسيين. وقد كان منطقيًا أن يتلاقى العرب والترك تلاقيًا استراتيجيًا منذ عشر سنوات على الأقل. لكنّ إردوغان آثر صداقة بشار الأسد وخامنئي منذ عام 2004. وعندما راقب حركات الاضطراب العربي عام 2011، راهن على الإخوان المسلمين، وما تحالف مع الخليجيين، إلاّ قطر. وها هم الإيرانيون، وها هم الداعشيون، يعتبرون المملكة وتركيا عدوين لدودين. وهكذا، فإنّ الداعشيين والإيرانيين كادوا يتوحدون في تحديد أعدائهم، لولا أنّ الإيرانيين لا يبحثون عن أصدقاء وحلفاء؛ بل عن عملاء ومرتزقة يستخدمونهم. وقد فعلوا ذلك مع «القاعدة» طويلاً، وها هم يفعلون الشيء نفسه مع «داعش». وقد قال زعيم حركة «النجباء» الشيعية المتأيرنة إنهم يريدون «الثأر» من الموصل وغيرها. وقد مكّنهم «داعش» من ذلك بإنهاك تلك المناطق التي جاء لإنقاذها من الموالك والمماليك الإيرانيين، وها هم الإيرانيون وميليشياتهم يستخدمون الأميركيين في ضرب «داعش»، ويأتون بعدهم للقتل والتهجير بعد أن انتهى توظيفه. ثم ها هو «داعش» يكشف عن أعدائه الحقيقيين: المملكة وتركيا، لأن معهما شرعية الدين، وشرعية الدولة، أما شرعية «داعش» فإنها شرعية قطع الرؤوس وبقر البطون والإحراق، واستعباد النساء واستحياء الأطفال. لقد استجار بكم البعض هربًا من الاستنزاف، فعرضتموهم للقتل والتهجير، وها هم يكادون يتعرضون للإبادة بسبب انصرافكم عن الدفاع عنهم إلى مقاتلة السعودية وتركيا:

المستجير بعمرٍو عند كربته

كالمستجير من الرمضاء بالنارِ

========================

ترامب رئيساَ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 12/11/2016

لم يسقط دونالد ترامب من السماء، لقد أنبتته أرضٌ ألفت إنبات رؤساء ليسوا اليوم، ولم يكونوا بالأمس، أفضل منه، كباراك أوباما الذي لعب دورا مفتاحياً في إنجاحه بانتخابات الرئاسة، وهزيمة هيلاري كلينتون، على الرغم من أنه دعا الأميركيين إلى انتخابها، بيد أنه وضع الأساس اللازم لنجاح ترامب، من خلال سياساتٍ اعتمدها، ناهضت بعنادٍ أي مبدأ يتصل بالحرية، وحقوق الإنسان والمواطن، والنزعة الإنسانية وقيمها الكونية المشتركة التي جعلت حياة البشرية محتملةً وقادرةً على الاستمرار، وتفرّجت بأبرد دمٍ يمكن تصوّره على أفظع مذبحةٍ منظمةٍ، يتعرّض لها شعب سورية الأعزل، من دون أن ترى في وقوعها ما يدعوها إلى فعل أي شيء ضد المجرم بشار الأسد، أو تحجم عن تصفية حساباتها مع إيران وروسيا بدماء ضحاياها السوريين، أو حتى تقلع عن الاستمتاع بمشهد دمائهم، وهي تتدفق أنهاراً من أجساد أطفالهم ونسائهم وشيوخهم، ممن يحاصرهم جيش الأسد وإيران ومرتزقتهما، وقد هدّهم الجوع والمرض، وقضت عليهم صواريخ وبراميل متفجرة تهطل عليهم كالمطر، وقنابل روسية فوسفورية حارقة، وأخرى ارتجاجية، أمر بوتين بتجربتها عليهم، لأن ذلك أفضل من تجربتها في المناورات العسكرية، كما قال لجنرالاته.

في ظل انهيار النظام الدولي، وتداعي النظام القانوني والشرعي الذي نهض عليه، وعطلته تناقضات روسية/ أميركية، ورثاثة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، التي بلغت حدود الجبن، وأعدمت شعوره بالمسؤولية، وفي ظل افتقار العالم إلى حسٍّ أخلاقي يُلزمه بحماية الشعب السوري من القتل والاعتقال والتهجير والتجويع، هل يتوقع أحد أن يخرج من القدر الأميركية غير ما وضعه عهد أوباما فيها من انحطاطٍ سياسي وأخلاقي؟.

كان المرشح الديمقراطي الآخر للرئاسة، بيرني ساندرز، يؤكد، في حملته الانتخابية القصيرة، حاجة أميركا إلى إصلاح هيكلي وعميق، يطاول نظامها، والأسس التي يقوم عليها. وحين

"انحطاط في الطبقة السياسية صحبه انحطاط أشد، وعنصري، لدى فئات مجتمعية واسعة" منعته المؤسسة الديمقراطية، الحزبية والرئاسية، من مواصلة حملته الانتخابية، تصرّفت هيلاري كلينتون وكأن الحاجة إلى إصلاح أميركا انتفت، وتبنت سلوكاً يشبه حكي عجائز الحمامات، جوهره مناقرة ترامب، والنزول إلى مستواه الكلامي و"الرؤيوى"، بينما كان هو يحشد غضب عوام أميركا البيض ضد المسلمين والنساء والسود، وضد الطبقة السياسية الجمهورية/ الديمقراطية ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، ويصوّر نفسه ثورياً مظلوما تنبذه هذه الطبقة، وتتجنى عليه وسائل إعلامها ومراكز أبحاثها، لأنه يدافع عن "القيم الأميركية" الأصيلة. بهذا السلوك الذي حرّض مشاعر عنصرية ومعادية للآخر والمختلف، استغل ترامب أنانية الفئات الميسورة والشرائح مرتفعة الأجر، ورفضها سياسات أوباما الاجتماعية، وخصوصاً منها تلك التي اتّسمت بشيء من التكافل الاجتماعي كبرنامجه الصحي، وأفاد أيضاً من غياب الفكرة الإصلاحية عن الحملات الانتخابية، ليطرح رؤيته المشحونة بقدرٍ من التعصب والأحكام المسبقة لم تألفه حياة أميركا السياسية من قبل، وأوقظ أحقاد البيض على "ملوّني" أميركا الذين اعتبرهم طفيليين ومعادين لها، سواء كانوا عرباً أم أفارقة أم أميركيين لاتينيين... إلخ. في هذه الأثناء، واصلت حملة كلينتون تجاهل حاجة أميركا إلى الإصلاح، وتعامت عمّا كانت حملة ساندرز قد شهدته من إقبال كثيف للشباب، ومن حماسة سياسية للإصلاح تذكر بحماسة شبان العالم العربي للثورة. وفي حين كان هؤلاء ينتظرون أن تكون استمرارا لساندرز وبديلاً لترامب، وجدوا أنها تشبه خصمها الانتخابي، وإن اختلفت لغتها في هذه الجزئية أو تلك عن لغته، وأنها مستسلمةً لعالم زوجها الذي فات زمانه، ولسياسات أوباما الذي غدا محطّ احتقار أميركي عام، بسبب حكمه العديم الدينامية في الداخل، ولم يحقق أيّ نجاحٍ في الخارج غير استكمال تسليم العراق لإيران الذي كانت قد بدأته إدارة بوش الابن، والموافقة على تدمير سورية بيد الأسد وسادته في طهران، فضلا عن تسليمها وحوض المتوسط الشرقي لروسيا.

هذا الانحطاط في الطبقة السياسية الذي صحبه انحطاط أشد، وعنصري، لدى فئات مجتمعية واسعة، خصوصاً في المدن الصغيرة والأرياف، عبّر عن نفسه في النجاح المباغت والساحق لرجلٍ متهتكٍ وجاهلٍ وعدوٍّ للقيم الإنسانية الذي يتباهى بتصميه على اعتبار الحياة العامة ساحةً تربّح كالذي يطبع عمله في شركاته، وعرف كيف يفيد من "انقسام المجتمع الأميركي الأشد عمقاً مما كنا نعتقد"، حسب اعتراف هيلاري، ومن تجميع التيارات العنصرية المعادية لكل ما هو تقدمي وإنساني، غير محافظ أو رجعي، ومن بيع شعاراته للقطاع البروتستانتي والأبيض والأنغلوسكسوني من الأميركيين، المذعور من كثافة اللونين، الأسود والبني، في الشوارع

"هل يتوقع أحد أن يخرج من القدر الأميركية غير ما وضعه عهد أوباما فيها من انحطاطٍ سياسي وأخلاقي؟" الأميركية، ويعتقد أن الملونين والمختلفين غزاةٌ، لا بد من مقاومتهم، في حين عزّز نبذ الطبقة السياسية له شعور هؤلاء بانتمائه إليهم وانتمائهم إليه، وزاد من دعمهم له ما تأكّد من افتقاره إلى أية رؤيةٍ تتجاوز أفقهم المحدود والضيق الذي يحمل سمات (وأحكام) الطبقات الحاكمة المسبقة في بلدان (ودول) الليبرالية الجديدة التي يتصل معظمها بصراع الهويات الدينية والمذهبية، وما تطلقه من أدلجة مسيحيةٍ مذهبية الطابع ومعادية للمغاير. وفي الوقت نفسه، من شعارات مناهضة للتنوير ونزعاته الإنسانية، ولقيمه وتسامحه، ما تجسد في أشنع صوره من خلال ما يتعرّض له الشعب السوري من إبادة، وسط إحجام قادة "العالم الحر" عن فعل أي شيء لوقفها، وشعوبه عن تنظيم مظاهرة استنكارٍ واحدةٍ تطالب بوقف إبادته، أقله لأنه لم يطالب في حراكه بغير قيمة القيم التنويرية التي يدّعي العالم الحرّ تمسكه بها: عنيت الحرية التي يُقال إنها مكتسبٌ لكل إنسان وشعب الحق في بلوغه، والمبدأ الذي لا بد أن يخترق الحياة الدولية، ويحظى بقبولٍ عالمي.

والآن، وقد فاز ترامب، يبقى السؤال: هل سيتحدى رثاثته والشرط السياسي/ الاجتماعي الذي أنجب ظاهرته المرعبة، ووضعه على رأس أكبر وأقوى دولة في العالم خلال أشهر قليلة، في واحدةٍ من أسوأ ظواهر الانحطاط السياسي والقيمي التي عرفها التاريخ، بعد هتلر؟ وهل سنواصل، في المعارضة السورية، تجاهل التصدّي للحاضنة التي أنجبته، أم سنبادر، أخيراً، إلى وضع خطةٍ ثوريةٍ بحق، تتحدّى ليس فقط مفارقات انتخابات أميركا، بل كذلك عصر الانهيار والانحطاط الليبرالي الكوني الذي ندفع ثمنه من دمائنا، ويجعل من بوتين ترامباً روسيا، ومن ترامب بوتيناً أميركيا، ومن الأسد مرتزقاً إيرانياً، ومن خامنئي قاتلاً أسدياً، ويعدنا بمواصلة إبادتنا، إذا لم نخرج منه ونتحدّاه بواقعية برامجنا وثورية مواقفنا وتضحيات شعبنا، فلا يكون هناك، عندئذ، أي خوفٍ من دونالد ترامب وأشباهه، لأن قدرتنا على المقاومة ستتصاعد إلى حدٍّ يجعل من الصعب على أي ترامب، روسيا كان أو أميركياً أو أسديا أو إيرانياً، تجاهل حق شعبنا في الحرية والحياة.

========================

العلمانجيون العرب دواعش بدون لحى .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 12/11/2016

لا أحد يستطيع أبداً أن ينكر بأن الأنظمة العلمانية الحقيقية ما زالت حتى الآن أفضل نموذج للحكم في العالم رغم ما يأخذه عليها خصومها من مآخذ. وكما نعلم، ليس هناك نظام حكم عبر التاريخ كامل الأوصاف. حتى الديمقراطية نفسها وصفها الزعيم البريطاني الشهير وينستون تشيرتشل ذات يوم بأنها «أفضل الأسوأ». وكذلك الأنظمة العلمانية، لها ما عليها، لكنها تبقى الأفضل حتى الآن في إدارة الدول ذات العرقيات والطوائف والأديان والقوميات المختلفة، ولولاها لتحول بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات مثل الهند إلى محرقة عالمية، لكن النظام العلماني الذي حفظ حق كل مكونات المجتمع الهندي المختلفة نجح في الوصول بالهند إلى بر الأمان.

ولو حكم الهندوس في الهند ربما لما بقي هناك مسلم واحد في الهند، ولربما حصل الشيء نفسه للهندوس لو حكم المسلمون أو السيخ أو أي طائفة عرقية أخرى. لنكن واقعيين، مهما امتلك العقل الديني من انفتاح وتحرر، يبقى منغلقاً ومتعصباً لأفكاره وتوجهاته وأدبياته وتعاليمه، وهذا من شأنه أن يؤثر على سياساته تجاه الطوائف والأقوام التي لا تتبع ملته. وبالتالي، لا بد من وجود نظام متحرر تماماً من كل العقد الدينية، ويفصل تماماً بين الدين والدولة لتحقيق المساواة والعدالة بين أطياف المجتمعات المتنوعة والمتصارعة.

وكما يقول الإسلاميون إن الإسلام دين ودولة، يقول إسلاميون آخرون إن التاريخ الإسلامي لم يشهد وجود الدولة الإسلامية، لا بل يعتبرون أن الإسلام نفسه أكد على فصل الدين عن الدولة من خلال الحديث الشريف الشهير: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم». ويستخدم البعض في العالم الإسلامي هذا الحديث للتأكيد على أن الفكر الإسلامي كان أول من دعا إلى تطبيق النظام العلماني. ورغم أن الإسلاميين لا يعتقدون أن هذا الحديث إثبات كاف ودليل دامغ على ضرورة الفصل بين الدين والدولة، إلا المجتمعات الحديثة أثبتت أن ذلك الحديث يجب أن يكون عماد الحكم. لكن أين العلمانيون العرب المزعومون من العلمانية الحقيقية؟

هل العلمانيون العرب علمانيون فعلاً بالمعنى الغربي للكلمة؟ أم أنهم بعيدون عن العلمانية الحقيقة بعد الشمس عن الأرض؟ لو نظرنا إلى تصرفات وأفكار من يسمون أنفسهم علمانيين، لوجدنا أنهم أسوأ من الدواعش، فالعلمانية الحقيقية لا تعادي الأديان مطلقاً، بل تسمح لكل أتباع الديانات السماوية وغير السماوية بأن يمارسوا طقوسهم وعباداتهم وثقافاتهم بكل حرية دون أدنى تدخل من الدولة العلمانية. ونحن نرى كيف يمارس المسلمون دينهم على أكمل وجه في البلدان الغربية تحت حماية النظام العلماني. لم نر فرنسا أو بريطانيا يوماً تدعو إلى حرمان المسلمين من حقوقهم الدينية. أما الحديث عن تضييق الخناق على بعض الأزياء الإسلامية في الغرب، فلم تكن لأسباب عقدية أبداً، بل لأسباب أمنية، فبعض المخربين كان يرتدي النقاب مثلاً كي يقوم بعمليات إرهابية. وهنا من حق الدولة أن تتدخل لحماية المجتمع من الذين يستغلون الأزياء الإسلامية لأغراض إرهابية. وحتى مسألة منع البوركيني في فرنسا لم تمر، فقد حكمت المحكمة العليا لصالح السيدة التي منعوها من السباحة بالزي الإسلامي. وهذا يؤكد على عظمة النظام العلماني وعدالته. هل كان لنظام ديني أياً كان نوعه أن يحكم بمثل هذه العدالة العلمانية؟ لا أعتقد.

أين العلمانيون العرب من التسامح العلماني الغربي الحقيقي مع أتباع الديانات السماوية وغير السماوية؟ إن غالبية العلمانيين أو بالأحرى العلمانجيين العرب هم أقرب إلى الفاشية منهم إلى العلمانية. هم ألد أعداء المسلمين، فبينما تعمل العلمانية الحقيقية على احتواء كل الطوائف تحت منظومة الدولة، نجد العلمانجيين العرب لا هم لهم أبداً سوى التحريض على الإسلاميين، لا بل لو استطاعوا لاستأصلوا واجتثوا الإسلاميين بالقوة الوحشية عن بكرة أبيهم. وقد شاهدنا ماذا فعل الاستئصاليون العلمانجيون في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي ضد الإسلاميين، فهم لم يكتفوا بالانقلاب عليهم عسكرياً، بل راحوا يقتلونهم حيث ثقفوهم بطرق وحشية.

أتساءل أحياناً وأنا أقرأ لبعض العرب الذين يسمون أنفسهم علمانيين: كيف تختلفون عن الدواعش وأنتم على طريقتكم التكفيرية تكفرّون الإسلاميين، وتعتبرونهم مارقين وشاذين، وتريدون أن تجتثوهم من على وجه الأرض؟ ألا ترون كيف تتصرف الأنظمة العلمانية الحقيقية مع الإسلاميين في الغرب؟ هل سمعتم يوماً دولة غربية تريد أن تمنع المسلمين من دخول المساجد، فما بالك أن تدعو إلى تغيير دينهم وإقصائهم من الوجود، كما تفعلون أنتم أيها الكلاب المسعورة يا من تسمون أنفسكم علمانيين؟ أين أنتم من المثل العلماني الغربي الرائع: «عش ودع الآخرين يعيشون»؟ لماذا تريدون أن تفرضوا أفكاركم «العلمانية» على الإسلاميين وغيرهم؟ كيف تختلفون عن الدواعش الذين يريدون أن يفرضوا أفكارهم على كل من لا يواليهم. بالأمس دخل داعش إلى مدينة منبج السورية، فراح يأمر كل رجالها بتربية اللحى، وما أن دخلت قوات سوريا الكردية التي تسمي نفسها ديمقراطية زوراً وبهتاناً إلى منبج وطردت داعش حتى راحت تطلب من كل الرجال أن يحلقوا لحاهم. ومن قال لكم إن كل من يربي لحية متدين أو داعشي. ألم يكن حبيبكم كارل ماركس صاحب لحية أكبر من لحية الدواعش، ولم يكن داعشياً؟ ما الفرق بين من يفرض عليك أن تربي اللحية، ومن يفرض عليك أن تحلقها؟ لا فرق أبداً. لماذا لا تتركون الحرية للناس على الطريقة العلمانية الحقيقية بدل تنصيب أنفسكم أيها العلمانيون قضاة على أفكار الناس ومأكلهم ومشربهم وملبسهم كالدواعش تماماً؟ العلمانيون العرب يقدسون الحريات الشخصية، ويزعمون أن من حق الناس أن يلبسوا أي شيء باستثناء اللباس الإسلامي المحتشم، ممنوع. العلمانيون العرب يسمحون لك بأن تمشي عارياً في الشوارع، لكنهم يعتبرونك شاذا إذا ارتديت لباساً إسلامياً محتشماً، فهذا بالنسبة لهم من الكبائر. العلماني العربي يريدك أن تلبس على هواه، وتأكل وتشرب على هواه، وتتصرف في كل شيء على هواه، ثم يحدثك عن الحرية والديمقراطية.

والله أنكم دواعش بلا ذقون بربطة عنق.

========================

ترامب والقضية السورية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 12/11/2016

بدا في فترة التحضير للانتخابات الرئاسية الأميركية أن ثمة ميلاً للحذر والتخوف في موقف السوريين من ترشح دونالد ترامب للرئاسة الأميركية، وتفضيلاً لأن تأتي المرشحة هيلاري كلينتون إلى هذا المنصب، ليس لأنها أفضل من يتولاه، بل لأنها الأقل ضررًا للسوريين حسب التقديرات، وكان الموقف في أوساط المعارضة السورية، أكثر حساسية في الخيار بين ترامب وكلينتون، وتفضيل مجيء الأخيرة، لأنها وزيرة خارجية سابقة، ولديها خبرة في القضية السورية، وباعتبارها سيدة، قد يضفي وجودها نوعًا من أنسنة للسياسة الأميركية في الموضوع السوري، ولأنها من الديمقراطيين الذين يوصفون بالمعتدلين مقارنة بالجمهوريين، رغم أن كثيرًا من السوريين لا يؤمنون بهذا التمايز فيما يتعلق بقضيتهم.

مصدر قلق السوريين ومعارضتهم من فوز ترامب، كان في مجيئه من خارج النخبة السياسية المعروفة، ومن شعبويته ومن تصريحاته التي رافقت ترشحه، وكان لبعضها معانٍ ودلالات، تتصادم مع منظور السوريين ونخبتهم في النظر إلى السياسة، والسياسة الأميركية بشكل خاص، وهذا يفسر الحذر من وصوله إلى البيت الأبيض الذي سيحل فيه لأربع سنوات، تليها أربع أخرى على الأغلب.

غير أن أسباب الحذر ليست كافية على الأقل، وفقًا لما كشفت المعطيات الأولية، التي ظهرت على الجانب الأميركي. فكون الرجل من خارج النخبة السياسية المعروفة، لا يمكن اعتباره أمرًا يدعو للتوجس والحذر، فقد جاء إلى الرئاسة الأميركية أشخاص من خارج النخبة مثل الرئيس رونالد ريغان، القادم من عالم هوليوود، واستطاع من خلال رئاسته للمؤسسة الأميركية الحاكمة البقاء في منصبه لدورتين في ثماني سنوات، ما بين 1981 و1989، وهذا يرسم ملامح طريق يمكن أن يسير عليه ترامب.

أما في موضوع شعبوية ترامب، فقد ثبت أن لها حضورًا في الواقع الأميركي، وهذا ما أكدته نتائج الانتخابات، وتعبيره عن ميول الأكثرية الأميركية بأخذه أكثرية أصوات الناخبين، ومنهم أكثرية أصوات الأميركيات (53 في المائة)، الذين لا شك أنهم ملوا و«قرفوا» من سياسات النخبة السياسية المعروفة، التي ندد بعيوبها الكاتب الأميركي توماس فريدمان في مقالة عميقة له، نشرها أواخر العام الماضي عن احتمالات الانتخابات المقبلة وخراب النخبة المرشحة، التي كان ترامب في أواخر أسمائها، ومع شعبويته، التي دغدغت أحاسيس الأكثرية الأميركية، وصل إلى البيت الأبيض بخلاف تقديرات مؤسسات ورموز النخبة بما اشتغلته من استطلاعات رأي وتقديرات مراكز الأبحاث وتحليلات في الصحافة الأميركية، التي كانت تترقب هزيمة ترامب المؤكدة في الانتخابات الرئاسية.

أما في موضوعات تصريحات ترامب، التي أثار كثير منها عواصف حول الرجل وسياساته المرتقبة في المجالات الداخلية والخارجية. فإن البعض، ومنهم سوريون، نسي أو تجاهل، أنها جاءت في إطار معركة انتخابية، يقال في كثير من محطاتها، ما لا يقال في مواقع وأماكن وأزمان أخرى خارج المعركة، ويبدو أن محتويات «خطاب النصر» الذي ألقاه ترامب بعد فوزه بمثابة تأكيد ملموس لهذه الحقيقة، التي من الواضح أن كثيرين لم يدركوها، ليس من سوريين فقط، بل وغيرهم بمن فيهم أميركيون في مواقع لا تسمح لهم بمثل هذا الخطأ الشنيع.

لقد تضمن الخطاب المختصر للرئيس الجديد روحًا عالية من المسؤولية، بخلاف كل محتويات مناظراته وخطاباته في المعركة الانتخابية. فشكر كلينتون، وأشاد بها، قبل أن يؤكد ضرورة وحدة الأميركيين، وأنه سيكون رئيسًا لهم جميعًا، وأن الدولة سوف تخدمهم، مؤكدًا أن «أميركا لن تقبل بعد اليوم بأقل من الأفضل»، وواعدًا: «نحن سنحدد مصير بلدنا»، قبل أن يختتم خطابه بالقول: «أقول للعالم إننا سنبحث عن الشراكات لا عن الصراعات، وسنتعامل بعدل مع الجميع».

ورغم أن تحسن الحالة الأميركية يمكن أن يساهم في دور أفضل للسياسة الأميركية في العالم، فإن الأهم بالنسبة للسوريين، هو الإطار الذي يرسم سياسة واشنطن الخارجية، وقد حدده ترامب على أساس الشراكات لا الصراعات، والأهم أنه يقوم على العدل مع الجميع، وإذا وجد هذا الإطار طريقه للتطبيق، فإن سياسة ترامب في القضية السورية، ستكون أفضل من سياسة سابقه أوباما، التي قامت على التخلي عن دورهم، بل وتسليم الملف إلى روسيا رغم أنها طرف في القضية السورية، وحامية مباشرة لنظام الأسد، وقوة لمنع سقوطه وإعادة تأهيله وعودته إلى المجتمع الدولي بعد كل ما ارتكبه وما يرتكبه من جرائم ضد السوريين وما تتركه من تداعيات على المجتمع الدولي.

ليس للسوريين ومعارضتهم أن يراهنوا على سياسة أميركية مختلفة، فهذا مجرد احتمال، خصوصًا بعد أن فشلت رهانات بعضهم على سياسة أوباما وإدارته في السنوات الست الماضية، لكن عليهم أن يعملوا من أجل سياسة أميركية أفضل في عهد ترامب وعودة بأميركا فاعلة وتعامل بعدل، وإن لم ينجحوا كما حصل سابقًا، أو لم تستجب إدارة ترامب لمساعيهم، وتبدلت سياساتها حيال القضية السورية، فلن يخسروا شيئًا، ولن يكون وضع السوريين وقضيتهم بأسوأ مما كانت عليه سياسة أوباما وإدارته في السابق، فقد كانت أسوأ ما يمكن أن تكون عليه السياسة في مجرياتها وفي نتائجها.

========================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com