العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-10-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

فوضى السياسة الأميركية في سورية

رضوان زيادة

العربي الجديد

الخميس 17/10/2019

مع دخول الحرب في سورية مرحلة متقدّمة جدا من الصراع العسكري بين أطراف محلية وإقليمية ودولية مختلفة، تصبح الحقيقة الوحيدة أنه، بقدر ثقلك العسكري على الأرض، تكون قوتك التفاوضية على الطاولة. ولذلك، بدون وجود للقوات الأميركية على الأرض، لن تكون لدى الولايات المتحدة أي قدرة على تحقيق أهدافها في سورية، وفي مقدمتها صد المليشيات الإيرانية المتمركزة في الأراضي السورية، كما كرّر وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أكثر من مرة، أن طرد المليشيات الإيرانية هو أحد أهداف السياسة الأميركية في سورية. بكل تأكيد، سوف يستفيد كل من روسيا وإيران من الوضع الراهن الجديد، في ضوء إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب قواته من سورية، وفرض عقوبات على تركيا بسبب العملية العسكرية التركية داخل الأراضي السورية، فروسيا التي يعتقد أنها في حوار دائم مع تركيا، ضمن ما يسمى مسار أستانة الذي لم تحترم نتائجه في ما تسمى مناطق خفض التصعيد، فإن روسيا الآن تهدّد، وبمساعدة قوات الأسد، بعملية عسكرية كبرى في إدلب، ربما تقود إلى أزمة إنسانية كارثية، سيما مع وجود أكثر من مليوني سوري في مناطق شمال شرقي سورية التي كانت تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، ومناطق أخرى تخضع لسيطرة المعارضة السورية أو القوات التركية في مناطق درع الفرات.

كان على الولايات المتحدة اتخاذ هذا القرار (الانسحاب) ضمن مفاوضاتٍ دبلوماسيةٍ وسياسيةٍ وعسكريةٍ مطولةٍ مع تركيا، وليس فرض عقوبات عليها، وأن تقود إلى بناء استراتيجية كلية

"السياسة الأميركية في سورية لا تزال تعيش تخبّطاً لا مثيل له" تضمن تحقيق الأهداف التي تمنع من ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو التنظيمات المتطرفة الأخرى. والأهم تضمن تحقيق انتقال سياسي بدون بشار الأسد، يمكّن السوريين من العودة إلى بلدهم، والمساهمة في إعادة الإعمار، بدل أن تكون المفاوضات عبر "تويتر" الذي حول هذه المفاوضات إلى عبارات تهديد بين الرئيس ترامب وتركيا.

يمكن القول إن السياسة الأميركية في سورية لا تزال تعيش تخبّطاً لا مثيل له. صحيح أن هذه الأخطاء المتراكمة بدأت مع السنوات الأخيرة لإدارة الرئيس أوباما، ولكن الرئيس ترامب أوصل هذا التخبط إلى حدوده القصوى. ومن الصعب على الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في المنطقة، بعد فقدانها التأثير العسكري والسياسي الضروري، بعد إعلانها الانسحاب الكامل من سورية.

واليوم يدخل صراع القوى في سورية مرحلة جديدة، حيث تخلو الساحة بشكل كامل من الوجود الأميركي، لكن الوجود التركي تعزّز بشكل كبير مع عمليتها العسكرية التي لا نعرف مداها، وما إذا كانت ستستطيع أن تستعيد كل الأراضي التي كانت تسيطر عليها مليشيات قوات الحماية الكردية، وهو ما يعني الانسحاب الأميركي الكامل من كل الأراضي، بما فيها الرقة التي لا تزال فيها قواعد عسكرية. وبسبب الصراع، بل والعقوبات الأميركية على تركيا، بسبب عمليتها العسكرية في سورية، سوف تدفع تركيا دفعا باتجاه روسيا، وهو ما يعني انتصار معسكر نظام الأسد على حساب معسكر المعارضة. وبسبب الانتقادات الشديدة لتركيا، ربما لن تستطيع الوصول إلى منطقة شرق الفرات، وهو ما يعني استفادة نظام الأسد كليا من هذه المناطق.

يمكن القول، إذاً، إن حصيلة الوجود الأميركي في سورية كانت كارثية بكل المعاني. صحيح أنها 

"يدخل صراع القوى في سورية مرحلة جديدة، حيث تخلو الساحة بشكل كامل من الوجود الأميركي"ساعدت السوريين في التخلص من تنظيم داعش الذي أثخن في دماء السوريين، وأشاع فوضى لا مثيل لها فكريا واجتماعيا وسياسيا وعسكريا داخل المجتمع السوري، لكن ترتيبات هذه الحرب ضد "داعش"، وما نتج عنها من تحالفاتٍ أوجد فوضى كبيرة، كان نظام الأسد أكبر المستفيدين منها، وهو اليوم يتقدّم باتجاه الشمال السوري، ليخلف المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات الحماية الكردية، وهو ما يعني أن الحليف القديم عاد إلى حضنه الجديد، بما يعنيه ذلك من تمكّن نظام الأسد من إعادة السيطرة على مناطق كثيرة كان لا يجرؤ على الاقتراب منها، بسبب الوجود الأميركي فيها.

من يتحمّل المسؤولية هو سياسات أوباما التي أصرّت على التحالف مع قوات الحماية الكردية على حساب الجيش السوري الحر، أو القوات المسلحة التركية، وحتى عندما عرضت السعودية في عام 2015 إدخال قوات عربية على سورية، أصرّت الولايات المتحدة على الاعتماد على هذه القوات الكردية التي هي امتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا، والتي ليس لها جذور في الأرض السورية. وفي الوقت نفسه، تريد أن تنقل معركتها مع تركيا إلى داخل الأرض السورية، وهذا ما حصل بالفعل، حيث الصراع العسكري بين قوات الحماية الكردية والقوات التركية على الأرض السورية كان نتيجة حتمية، في ظل الصراع الطويل والمرير الذي يمتد إلى عقود بين القوات التركية وحزب العمال الكردستاني، حيث لا ناقة للسوريين فيه ولا جمل.

باختصار، هذه هي السياسة الأميركية التي لا ترغب بالاستماع إلى المجتمعات التي تعتقد أنها تساعدها كما حصل في العراق من قبل. وبالتالي، تنتهي هذه السياسات كي تصب في مرحلة عداء لهذه المجتمعات، وتنتهي السياسة الأميركية حينها إلى فوضى يكرّرها اليسار الأميركي بالقول إن منطقة الشرق الأوسط في فوضى، من الأفضل عدم الاقتراب منها. ومعلوم أنه لا قدرة لنا على حل مشكلاتنا، بسبب نظام الأسد وغيره، وبالتالي نعود إلى المربع الأول، لا قدرة على نزع شوكنا بأيدينا، وعندما يأتي أحد ما لنزع هذا الشوك، فإنه يزيد غرزه في الجسد بدل شفائه منه.

===========================

موقفنا : اللوبي الصهيوني يستنفر حول العالم ضد عملية " نبع السلام "

زهير سالم

مركز الشرق العربي

17 / 10/ 2019

وكأنما أحد داس للوبي الصهيوني على ذيل ..!!!

وانطلق النباح من غرب إلى شرق ومن شمال إلى جنوب . وكل أجير يريد أن يُعرف مكانه ، فيسارع إلى الحرب معْلما أنه هو ..والمايسترو الباطن الظاهر يدير على أعين شعوب الأرض كل شيء .

في الولايات المتحدة ، والكونغرس الأمريكي بحزبيه تنطلق الحملة الأكبر ، بيلوسي رئيسة مجلس النواب تدخل في حالة هستيريا وترفع صوتها على الرئيس الأمريكي حول مكتبه البيضاوي . الموقف اليوم من عملية نبع السلام أجدى عليها وعلى حزبها من ألف حملة دعاية انتخابية مستقبلية ، وكل سلعة بقيمتها ، ويبدو أن التعليمات من الإيباك مشددة هذه المرة ، فلم يعد بوسع أحد أن يتخلف أو أن يتردد / كما قال بشار الأسد مرة ، نقلا عن بوش الابن نقلا عن الرواية في الانجيل : من ليس معنا فهو ضدنا. !!

ونظل في مجلس النواب الأمريكي لنتابع صدور قرار توبيخي إجماعي يوبخ الرئيس الأمريكي يؤاجر فيه نواب الحزبين . والأشطر هو الذي يثبت صهيونيته أكثر .

وأبسط ما في عملية " نبع السلام " أنها نقضت ما " فتل " الصهاينة لشمال شرق سورية على مدى عشر سنوات ، فجعلته أنكاثا ..، وأتت على البنيان الصهيوني المبني على جرف من القواعد فانهار بأصحابه ...

ولذا يواجه الرئيس الأرعن ترامب اليوم بهذا الحجم من الغضب .. وكل النعيق يتوجه إلى الرئيس أردوغان وإلى الشعبين السوري والتركي على السواء ..ومن حق أن نقول لناطح الصخرة ليوهنها : أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل ..

ونبقى في الولايات المتحدة ، حيث يفقد الإعلام الأمريكي المهني الموضوعي!!! وقاره ، ويخلع في هوى اللوبي الصهيوني عذاره . وأقرأ وأمسح عن عيني الكليلتين أهي هي السي ان ان التي تنقل عن " شهود عيان " أن قوات النظام السوري دخلت عين العرب كوباني بالتنسيق مع .. استحى إعلام بشار وقناة الدنيا ومنبر ...

وأتجه إلى الغرب الأوربي فأجد ، ويا لسوء ما أجد ... باباوات وبطاركة ورؤساء ووزراء وقادة أحزاب ومعارضات هبوا يؤازرون اللوبي الصهيوني العالمي وأدواته في سورية ، ضد إنسانية الإنسان وضد الحرية والكرامة ، ويشتد أوار المعركة حتى يضع كل العقلاء أيديهم على رؤوسهم ألهذا الحد يتناصر المجرمون ، ما لكم كيف تحكمون ؟!

لا استخدام السارين ، ولا القنابل الفراغية ولا العنقودية ، ولا قتل الأطفال والنساء ، ولا تدمير البيوت وقصف المستشفيات والمدارس والمعابد ولا خمسة وخمسون ألف صورة وثقها القيصر كل ذلك على مدى عشر سنوات ؛ لم يثر من عش الدبابير الأوربي هذا ...ما أثارت عملية " نبع السلام" عملية محدودة على مدى أسبوع واحد تهدف إلى إقامة منطقة آمنة لإيواء شعب مشرد حرمه هؤلاء المجرمون من كل شيء..

أشرّق أكثر وأنصت إلى إعلام الضامن الرئيس في أستانا الشر والبلاء ، فأسمعه يقول في عملية " نبع السلام " ..كما قالت السي ان ان وبيلوسي والديمقراطيون والجمهوريون وكما قال الفرنسي والبريطاني والألماني والإيطالي والسويدي والياباني والصيني ..حتى لتخال أن الحقل العالمي مشغول بقطعان وخطام المراييع فيه على طوله بيد واحدة في تل أبيب متى شاء جذب ومتى شاء أرخى ..

تتذكر الصورة الجميلة لطرفة بن العبد يصور هؤلاء البشر تحت سلطان القدر :

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى .. لكالطول المرخى وثنياه باليد ..

وأعود إلى عالمنا العربي ، وإلى مؤسساتنا العربية ، وإلى إعلامنا العربي فأمسك لا عن عي ولا عن عجز ولا عن كلالة ولكن يدفعني أبو الطيب أن انشد ...

وسوى الروم خلف ظهرك روم .. فعلى أي جانبيك تميل

تتبعوا الوقائع ، وتأكدوا من التفاصيل . وابحثوا عن الشواهد ..ثم حاولوا أن تفسروا ؛ أي سر وراء هذا الاستنفار العالمي غير المسبوق ضد عملية نبع السلام ؟! أي سر وراء هذا الاتحاد العالمي غير المتصور ؟ ! كيف تساقطت خلافات الأقوام والملل والنحل ؟! وكيف تناسوا صراعاتهم وخلافاتهم أو مصالحهم وتطلعاتهم ؟! وأي حديث عن إنسانية الإنسان يصح عند رواتهم ..؟!

من وجد تفسيرا غير الذي قلت كنت له من الشاكرين .

هل صح قول من الحاكي فنقبله .. أم كل ذاك أباطيل وأسمار

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

التدخلات الأجنبية والمصير السوري

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 16/10/2019

فجرت الحرب الجديدة التي أعلنتها الحكومة التركية، مدعومة بفصائل من "الجيش الوطني" السوري، في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، ضمانا للأمن القومي التركي وإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ضد قوات الحماية الشعبية، فجّرت ما كان يجري خفيةً من نزاع عميق على الأرض والموارد ومستقبل النظام السياسي ومصير البلاد بين السوريين أنفسهم. فخرجت النفوس عن طورها، وبرز خطاب الكراهية والعنصرية، كما لم يشهده المجتمع السوري في أي وقت، ليس بين النخب الكردية والعربية فحسب، وإنما بين أصحاب المواقف المختلفة من الكرد والعرب على السواء، وتفاقم العداء في صفوفهم، ربما أكثر مما تجلّى ضد المتدخلين الخارجيين.

لا يمكن لوطني، كائنا ما كان دينه وعقيدته، أن يوافق على تدخل قوى أجنبية في بلده، مهما كانت أسبابه وادّعاءاته، ولا يمكن لأي تدخلٍ أجنبي، دعما لهذا الطرف أو ذاك، أن يكون مفيدا للسوريين، أو أن يخدم مصالحهم. وليس هناك اليوم أي متدخلٍ دوليٍّ يدّعي حرصه على مصالح السوريين. والترك، مثل الأميركيين والإيرانيين والروس والأوروبيين وغيرهم، لا يخفون دوافع تدخلاتهم القومية، الأمنية أو السياسية. ومن هذه الزاوية، جميع التدخلات الخارجية مدانة من دون تحفظ، ولا يوجد أي سبب تخفيفي لأي منها.

(1)

البقاء عند الإدانة لا يوقف التدخلات الأجنبية، بل ربما عمّق من الخلاف بين السوريين، وزاد بالعكس من حاجة أطرافهم المتنازعة إلى مزيد منها، في غياب الحلول الذاتية المتفاوض عليها لحروبهم المستمرة. وقد وصلت بهم الحال اليوم إلى نقطةٍ لم يعد فيها أملٌ لطرفٍ في الحفاظ على ما تبقى له من رهاناتٍ إلا في الارتماء على طلب الحماية الخارجية، والقبول بالعمل تحت إمرة هذه الدول الأجنبية، وفي خدمتها، بما يعنيه ذلك من تقديم مزيدٍ من التنازلات لها على حساب مستقبل سورية وسيادتها واستقلالها ومصالحها الوطنية.

ليست متلازمة الانقسام والتدخل حكرا على الحالة السورية، إنما هي قاعدة عامة، يمكن معاينتها 

"لا يمكن لوطني، كائناً ما كان دينه وعقيدته، أن يوافق على تدخل قوى أجنبية في بلده"في كل المجتمعات المنقسمة على نفسها، فكما يغذّي الشقاق الداخلي الطلب على الحماية الخارجية، تغذّي التدخلات الأجنبية الانقسام بين السوريين وتعمّقه، فهي تراهن على تأجيج الخلافات الداخلية، السياسية والمذهبية والأقوامية، لتوسع نفوذها وتعزّز دورها.

ليس من المبالغة القول إن جميع الأطراف السورية قد اعتمدت التدخل الأجنبي سلاحا رئيسيا في رهانها لربح الحرب ضد الأطراف الأخرى. وكان أولها النظام الحاكم الذي فتح أبواب التدخل الإيراني والروسي على مصراعيه، على أمل أن يقضي على ثورة الشعب، ويُحبط إرادته التحرّرية، وحقه في المشاركة في تقرير مصير البلاد وسياساتها. كما لعب الرهان على التدخل الدولي ضد نظام الأسد أيضا دورا رئيسا في إضاعة بوصلة الانتفاضة السلمية السياسية، وتشتيت جمهورها. ولم تشذ النخب الكردية التي اختارت، منذ البداية، طريق العمل المنفرد والأجندات القومية ضد مشروع الديمقراطية السورية عن هذا الموقف. وشجع دعم الدول الأجنبية الأطراف السورية المتنازعة على التطرّف في المواقف، واحدتها تجاه الأخرى، وساهم في قتل روح الحوار أو البحث عن حلول سياسية تفاوضية. وكانت نتيجة ذلك تجذير الانقسام بين القوى السورية وفرض الوصاية العملية عليها، قبل التخلي المفاجئ عن دعمها وتركها لمصيرها، من دون قدرة على الحسم العسكري أو التفاهم السياسي. حصل هذا مع فصائل الثورة السورية، ويحصل اليوم مع الإدارة الذاتية الكردية، أما الأسد فقد تحوّل إلى مجرّد واجهة لسلطات الاحتلال الأجنبية.

(2)

ليست هناك أي حتمية في الاحتراب بين الطوائف والقوميات والأجناس، لا في بلادنا ولا في أي بلاد أخرى. يرتبط الأمر بتصوّرنا لمصالحنا ومصالح الآخرين، ومعايير تعاملنا مع هذه المصالح الذي يعكس أيضا معاييرنا الأخلاقية وقواعد تفكيرنا القانونية والسياسية. وليس هناك أيضا أي سببٍ، ولا أي دافع، ولا أي مصلحة، تفسر التدهور الخطير الذي شهدته في السنوات الأخيرة، بعد الثورة، العلاقات بين العرب والكرد السوريين. وليس من الصحيح أن هناك تناقضات في التصورات والاعتقادات والثقافات تحول دون التفاهم بينهم اليوم، ولا أن هناك مظالم لا يمكن جبرها للكرد عند العرب والعكس.

المسؤول الأول عن الانقسام ونمو المشاعر السلبية التي ترتبط به تجاه الآخر داخل المجتمع الواحد هو التطرّف والأنانية القومية وعقلية "عليهم عليهم، معاهم معاهم"، وسيطرة منطق الغريزة ونفسية القطيع. والمقصود بالتطرّف والأنانية القومية التمركز على الذات واتباع أهوائها وتجاهل مصالح الآخرين، وأحلامهم ومخاوفهم ومشاعرهم وغرائزهم أيضا. ولا تأخذ التدخلات الأجنبية قيمتها إلا لأنها تدغدغ هذه الأنانية القومية والتطرّف وتعزّز اقتناع أصحابهما بأنهم ليسوا بحاجةٍ إلى التفاوض على مطالبهم وأهدافهم ومصالحهم مع الأطراف الأخرى، ولا الاعتراف لغيرهم بحقوقٍ يعتقدون أنهم الوحيدون الذين يستحقونها.

وليس الجمهور العام هو الذي يصوغ فكر التطرّف والأنانية، وإنما هي النخب السياسية 

"جميع الأطراف السورية قد اعتمدت التدخل الأجنبي سلاحا رئيسيا في رهانها لربح الحرب ضد الأطراف الأخرى"والاجتماعية التي تقود الجماهير، وتعرف المصالح العامة لهم، أو ما تعتبره هي، من وجهة نظر مصالحها الخاصة في القيادة والسلطة، بمثابة مصالح أساسية. وعلى طبيعة هذا التعريف، تتحدد طرق الدفاع عن هذه المصالح ووسائل العمل العنيفة أو السلمية لتحقيقها، ومن ضمنها أيضا الابتعاد عن سبل الحوار والتفاوض وتبنّي الحلول العنيفة، أو استسهال اللجوء إلى الدعم الخارجي، لتأمين نجاحها وفرضها أمرا واقعا على الأطراف الأخرى.

ولا شك في أن تجاهل السلطات السورية الطويل حقوق الكرد في الاعتراف بهويتهم القومية، وضمان مساواتهم بمواطنيهم العرب، وتجاهل أي خطط تنموية لمناطق الجزيرة السورية التي تضم أهم موارد البلاد وثرواتها الطبيعية، قد أحدث شعورا عميقا بالإحباط والغربة والإهمال عند جمهور الكرد، وبشكل أكبر عند نخبهم. ولا يوجد شك في أن بعض هذه النخب، والمقصود هنا حزب الاتحاد الديمقراطي الذي نجح في استقطاب جمهور مهم من كرد سورية، اعتقدت، مع الفوضى العارمة التي حلت بالمجتمع السوري نتيجة حرب الإبادة الجماعية، أن الفرصة أصبحت سانحةً لتحقيق الحلم القومي الكردي الذي أجهض في تركيا، وأنها تستطيع، انطلاقا من الجزيرة السورية، وبالتحالف الضمني مع النظام ضد فصائل الثورة، تكوين هيكلية سلطة مستقلة، داخل الدولة أو بموازاتها، تابعة لها وشبه سيدة. ووجدت في تقاطع مصالح الأميركيين معها، الوسيلة الكفيلة بإيصالها إلى مبتغاها. هكذا، بعدما بدأت بمشروع برلمان غرب كردستان، ثم بإعلان تشكيل الكانتونات الثلاثة، أطلقت مشروع "روج آفا". وأغرتها القوة العسكرية التي توفرت لها نتيجة انخراطها مع الأميركيين في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بأن توسع قاعدة سيطرتها الجغرافية، فأنشأت ما سمتها "فيدرالية الشمال"، بعد إلحاق مناطق ليس للكرد وجود يذكر فيها، كمحافظتي الرقة ودير الزور، وأحكمت السيطرة الحزبية عليها، وفرضت عقيدة حزبها الشمولية، ولغتها على سكانها، وجعلت حق الدخول إليها والخروج منها لجميع السوريين، بمن فيهم الكرد غير الموالين لها، منوطا بإرادتها وحدها.

وما من شك في المقابل في أن قسما كبيرا من السوريين الذين أحبطت آمالهم في التحرّر والانعتاق، بمن فيهم قطاعات واسعة من الرأي العام الكردي، لم تجد في هذا المشروع المفروض من جانب واحد، والقائم على أنقاض المجتمعات المحلية العربية وغير العربية، والذي وضع يده على موارد البلاد الاستراتيجية الرئيسية في الجزيرة، من ماء ونفط وغاز ومحاصيل زراعية، إلا تجسيدا لسياسة فرض الأمر الواقع، من دون مراعاةٍ لأي معيار سوى معيار القوة والاستقواء بالأجنبي. وهذا ما حدا بكثيرين منهم إلى رؤية التدخل التركي من منظار الانتقام من سياسة وضع اليد والانفراد بالقرار والاستهانة الكاملة بحقوق الأطراف الأخرى ومصيرها.

والواقع، لم تفعل قوات الحماية الشعبية سوى تطبيق القاعدة التي عمّم استخدامها حكم نظام الأسد التي يفرض فيها كل طرف إرادته على الأطراف الأخرى بقوة ذراعه، من دون النظر في مصالح غيره، أو التفاهم معهم، أو إيلاء أدنى اعتبار لآرائهم أو مشاعرهم أو تطلعاتهم وحقوقهم. وقد اعتمد هذا التغول الذي مارسه الأسد على المجتمع والدولة، وجعل منه أسلوب إدارته الشؤون العمومية، على عنصرين أساسيين: القوة الخاصة المستقلة عن المجتمع، أي المرتزقة الداخلية، والدعم الأجنبي. والسلطة التي لا تنبع إلا من القوة والدعم الخارجي تتهاوى، حالما يزول عامل التفوق بالقوة، أو يتخلى عنها حماتها الخارجيون. وعكسها السلطة التي تقوم على تفاهم بين الأفراد والجماعات على مبادئ العمل الجماعي، وتعريف المصالح العامة والخاصة، وتقاسم الحقوق والواجبات.

هكذا حاولت قوات الحماية الشعبية الكردية أن تعيد إنتاج نظام إدارة الأسد، ولكن على نطاق أضيق هو الجزيرة السورية. واعتبرت أن امتلاكها القوة يخوّلها الحق في الانفراد بالقرار 

"المسؤول الأول عن الانقسام ونمو المشاعر السلبية هو التطرّف والأنانية القومية"وممارسة السلطة الشاملة. ووجدت في الدعم الخارجي، كما فعلت قوى معارضة عديدة، سبيلا مشروعا لتحقيق حلم الكرد القومي، بصرف النظر ومن دون أي اعتبار لمصالح بقية السوريين وأحلامهم، فصار بناء الكيان السياسي الجديد المستقل المصلحة الأولى التي تحكم جميع المصالح الأخرى، وتُخضعها لحسابها، بما في ذلك مصير الكرد أنفسهم. ولذلك لن تكون أجندة الديمقراطية السورية العامة الضحية الرئيسية لهذا الفكر الشمولي فحسب، وإنما جمهور الكرد ذاتهم الذين وقع على كاهلهم عبء القتال المرير من أجل مشروعٍ لا يقوم على أي أسس سياسية مفاوض عليها وثابتة.

بعزوف النخب السياسية السورية عن العمل لبلورة أجندة سورية وطنية واحدة، وسعي كل واحدة منها إلى استثمار ثورة السوريين لتحقيق مشاريع خاصة بها، ما كان يمكن للمصالح إلا أن تصطدم بعضها ببعض، حصل التدخل التركي أم لم يحصل. وكان من الطبيعي أن يهجر الجميع ميدان السياسة الذي يفترض قبول الحوار والتفاوض، للوصول إلى تسوياتٍ مقبولة وثابتة، مما لا ينسجم مع تطلعاتهم القصوى، إلى ميدان الحرب التي يفرض فيها المتغلّب إرادته بالقوة، ويبحث عن القوة حيثما وجدت في الداخل أو الخارج، عند الطوائف والعشائر أو في صفوف الدواعش وفرق المرتزقة ومليشياتها على اختلاف أجناسها وأصولها. كما كان من الطبيعي أن يتغلب خطاب الكراهية وتبادل الشتائم والاتهامات والإهانات العنصرية على أي دعوةٍ فكريةٍ أو مناظرةٍ سياسية. وفي هذا المجال، يصدق قول المسيح: من ليس لديه خطيئة فليرمها بحجر.

(3)

لن يستطيع السوريون التغلب على شهوة التدخل الأجنبي، والعيش في أحضانه، والعمل على أجندته، كما حصل لأسلافهم المناذرة والغساسنة في الماضي غير البعيد، إلا بمقدار ما تنجح نخبهم في تجاوز عقمها السياسي وتمركزها على الذات، ورفضها قبول شركاء لها على الأرض وفي الجغرافيا ذاتها، أي في تخليها عن منطق "أنا ومن بعدي الطوفان" الذي قاد الأسد إلى تدمير وطنٍ كاد يتحوّل إلى ملك خاص له ولأسرته. ولن يحصل ذلك، ما لم تنظر كل واحدة منها إلى مصالح جمهورها الشعبي، وتهتم به، وترأف بحاله، وتسعى إلى التخفيف من معاناته وتقدّمها على مصالحها الخاصة، أي قبل أن ترى في السلطة والقيادة مسؤولية وخدمة عامة لا وسيلة للتسلط والتميز ومراكمة المنافع والمصالح والامتيازات الفردية والفئوية.

ولن تولد نخبة وطنية تسمو بنفسها عن صغائر المحاصصة المادية والسلطوية على المستوى العام، وتضع الدولة وأجهزتها في خدمة الشعوب والمجتمعات، لا في خدمة مصالحها الخاصة، إلا عندما يتطوّر الشعور بالمسؤولية عند النخب والقيادات الأهلية تجاه جماعاتها ومناطقها وأحيائها التي تمارس الزعامة عليها. وعندئذ، يمكن للنخب أن تتجاوز الخلافات العميقة التي تمزّق صفوفها وتشوّش فكرها، وأن تقدم منطق التعاون لتحقيق مصالح مشتركة لجميع الفئات والجماعات على منطق الأنانية الذاتية أو الطائفية أو القومية، وتظهر الحاجة للسياسة، ويصبح من الممكن ليس قبول وجود الآخر المختلف فحسب، وإنما الأمل بتحويله إلى شريك مفيد، بدل أن يكون عدوا، كما هو عليه الحال اليوم في أوضاعنا. فليس هناك، ولا توجد في التاريخ الماضي والحاضر أمم جاهزة وناجزة. نحن الذين نصنع من أجزائنا وشتاتنا أمةً ببناء وشائج القربى وتنمية روح الاعتراف المتبادل، وتعميق التفاهم والتعاون في ما بيننا، فنتحوّل إلى شركاء في 

"البقاء عند الإدانة لا يوقف التدخلات الأجنبية، بل ربما عمّق من الخلاف بين السوريين"الوطن، حاضرا ومستقبلا، ونحن الذين نعمل، أيضا، وبالعكس، على تمزيق ما تبقى من وشائج القربى والعلائق والقرابات والتفاهمات والمصالح المتبادلة، ونتحوّل إلى فصائل وقبائل وإمارات حرب، كما نفعل اليوم، عندما نصمّم على تعميق الخلافات وتضخيم المظالم، وتناحر الهويات المتجاورة، ونترك العنان لغرائز العنف والعداء والانتقام والكراهية التي يغذّيها الإحباط والغضب والمخاوف، تسيطر علينا، ونغطي بها على فشلنا أو تخلينا عن مسؤولياتنا. وهذا ما يقودنا إلى السقوط في فخ العدمية السياسية، حيث يصبح كل شيءٍ مباحا، قبول الوصاية والعمالة والقتل على الهوية.

كما هو الحال عند جميع الشعوب، تزخر حياة السوريين بعلاقات القربى الكثيرة والراسخة، والتي هي ثمرة الانتماء لتاريخ وثقافة وحياة اجتماعية مشتركة. لكنها تفيض أيضا اليوم، كما الحال في مجتمعات عديدة، بكثير من التناقضات والتصورات والمصالح المتنافرة ومشاعر الظلم والكراهية والعداء المتبادل. وإلينا وحدنا يرجع القرار، أو الاختيار في ما إذا كنا نريد أو كان من مصلحتنا أن نستثمر في وشائج القربى، ونعمل على تعزيزها والمساعدة على حل التناقضات وتباين الرؤى والمصالح التي أنتجتها الأحداث التاريخية والجيوسياسية القاسية، أو أن نستثمر في هذه التناقضات، ونسعرها، ونعمل على تعميق القطيعة بين الجماعات والمناطق والتيارات المختلفة التي نسجت تاريخنا، وشكلت هويتنا المتعدّدة والواحدة معا. وليس هناك أحدٌ غيرنا قادرا على اتخاذ هذا القرار، ولا توجد بوصلةٌ تهدينا إلى طريق الصواب سوى محاكمتنا العقلية ورؤيتنا للمستقبل الذي نريد، ووعينا بالممكن والواقعي والمستحيل التاريخي والسياسي معا. وفي نظري أن كلفة تفجير الكيان السوري القائم أو تركه في حالة الخراب والفوضى، وهو بالتأكيد كيان مصطنع، مثل جميع الكيانات السياسية الحاضرة والماضية والمقبلة من دون استثناء، سوف تظل أكبر بكثير من كلفة معالجة الكسور والرضوض والاختناقات التي تشل حركته وتعطل حياته اليوم، ومن الجهود المطلوبة لتجاوز الخلافات وصوْغ التسويات التي تعيد إلى روح الوطنية السورية الحياة، بعدما كادت تقضي تحت ركام حرب الإبادة الجماعية والاحتراب.

ليست هناك حتمية تقضي بأن تظل سورية واحدةً ومستقلةً وحيةً أو أن تزول، ولا بأن نكون أمة واحدة، أو شعبا حرا. ولا ينبغي الاعتقاد أن هناك أمة يمكن أن تقوم وتستمر في عصرنا الراهن على قاعدة الوصاية والقهر والاستزلام وطغيان المصالح الخاصة وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح. وليس هناك ما يساعدنا على تجاوز نداء التطرّف والأنانية القومية والتمحور على الذات سوى الأخذ بمعيار العدل، وهو أن لا تقبل لنفسك ما ترفضه للغير، ولا ترفض لنفسك ما تقبل به لغيرك. وهو مبدأ الحقوق والواجبات المتساوية.

وعندئذٍ، تبرز ضرورة التعاهد على وإرساء مبادئ مشتركة وثابتة: أن لا نقبل بأي تدخل خارجي، وخارج عن إرادتنا حل مشكلاتنا ونزاعاتنا الداخلية، وأن لا نحيد عن قاعدة التفاوض والحوار في حل المشكلات التي تعترض مسارنا الجماعي، مهما كان حجمها ونوعها، وأن نلتزم أمام أنفسنا والعالم بمبادئ العيش المشترك، والعمل من سورية وطنا، لا معبرا للوصول إلى أوطان أخرى متصوّرة، أو مركبا لتحقيق أحلام خارجية، وهمية أو ممكنة. عندئذ فقط يصبح التفكير ببناء سورية بلدا حرا لمواطنين أحرار مركز الجهد الجماعي وغاية كل فرد. على غير هذه القواعد، لا تقوم دولة ولا تستمر جماعة في البقاء. وبخلافها سوف تستمر الحروب وتتوالى التدخلات، أكثر حدّة وشراسة وأذى، وربما تنهي حياتنا أو حياة معظمنا في المنافي والمخيمات.

===========================

تركة ترامب السورية

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 16/10/2019

بخروج الولايات المتحدة، تدخل الحرب في سورية مرحلة جديدة، عنوانها وراثة النفوذ الأميركي في مناطق شرق الفرات. الولايات المتحدة دخلت الحرب في سورية في سبتمبر/ أيلول 2014، لتقود تحالفا دوليا للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية. حاول بعض أركان إدارة ترامب (طُردوا جميعا) تطوير أهداف هذا التحالف، بعد استيفاء الغرض منه، بضم عناصر أخرى له، مثل التصدّي لإيران، ومنعها من إنشاء كوريدور برّي بين العراق وسورية، واستخدام الوجود الأميركي ورقة ضغط باتجاه حل سياسي، الا أن الرئيس ترامب المشغول كليا بمعاركه الداخلية كان غير معنيٍّ بذلك، وهو لم يفكر حتى بمقايضة الوجود الأميركي، مثلا، بالوجود الإيراني الذي زعم محاربته في سورية. قرّر، في نهاية المطاف، سحب كامل قواته، والاحتفاظ بوجود عسكري صغير في قاعدة التنف جنوب شرق البلاد على الحدود مع الأردن والعراق، تاركا الآخرين يتقاتلون على التركة.

بخروج الأميركيين، تغيرت كل ديناميات الصراع، كما حصل تماما عندما دخلت روسيا الحرب عام 2015. وفيما ألجأ التخلي الأميركي الأكراد على العودة إلى قواعدهم الأصلية في حضن روسيا، ليطووا بذلك صفحةً أخرى من تاريخٍ حافلٍ بخيبات الأمل الكبرى، كانوا فيها سقط متاع في سوق السياسة الدولية، غدت سورية مرتهنةً بالكامل للتفاهمات، أو الصراعات، بين أقطاب عملية أستانة الثلاثة (تركيا وإيران وروسيا).

خلال المرحلة السابقة، اتفق الروس والإيرانيون والأتراك على أمر واحد: ضرورة إخراج أميركا من سورية، كلّ لغاياته، وقد نجحوا في ذلك. الأتراك لأنهم رأوا في أميركا عائقا دون تحقيق هدفهم في القضاء على وحدات حماية الشعب، الكردية، عدوهم الأكبر في سورية. روسيا لأنها ترى في أميركا عقبةً أمام استفرادها كليا بالملف السوري الذي تريد، باستعادة مناطق شرق الفرات الغنية بالنفط والغاز والمياه، طي صفحته كليا وإعلان انتصارها على "المؤامرة الأميركية". وإيران ترى في بقاء أميركا خطرا على نفوذها في سورية والعراق، وعقبة أمام استكمال مشروع ربط مناطق نفوذها عبر المشرق العربي. أما وقد خرجت الولايات المتحدة فقد غدا شركاء أستانة الآن في مواجهة بعضهم، يتنافسون على اغتنام أكبر جزء من التركة الأميركية، السباق إلى منبج وعين العرب مثالان فقط على هذه الدينامية الجديدة في الحرب السورية، والتي تشبه نهايات أكثر الحروب، حيث يتسابق المتبقون في ساحة الصراع على أكبر جزء من الغنيمة.

السؤال الآن هو كيف سيحل شركاء أستانة تناقضاتهم، بعد أن نجحوا في طرد أميركا من سورية، وتهميش دور أوروبا والعرب فيها، هل يتكرّر سيناريو إدلب، ويدخلون في صراع وكالة دموي يدفع السوريون ثمنه، أم يتكرر سيناريو عفرين و"درع الفرات"، ونشهد وفقا لذلك "يالطا سورية" يتقاسم فيها المنتصرون غنائم حربهم؟ يرجّح السلوك الروسي الذي بات يمسك خيوط اللعبة كلها السيناريو الثاني، على الرغم من أن الرئيس بوتين لم يُخف يوما رغبته في إخراج الجميع من سورية، والاستئثار بها كلها.

وفيما تدخل الدول الثلاث المنتصرة في الحرب السورية مساوماتٍ ومفاوضات توزيع غنائمها، يجد السوريون، أصحاب الأرض والقضية، مادة جديدة ينقسمون حولها، فهذا يشتم ترامب وينعته بالخيانة، لأنه تخلى عن الأكراد، بعد أن استخدمهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وآخر يشتمه لأنه أخلى الساحة لإيران وروسيا، وثالث يؤيد العملية العسكرية التركية من باب موقفه المتفهم احتياجات تركيا الأمنية والسياسية، ورابع يعد العملية التركية غزوا واحتلالا لأراضي سورية، ويتخوّف من احتمالات ضمها، وخامس يتخوّف من إقامة المنطقة الآمنة، ويرفض توطين اللاجئين السوريين فيها، باعتبار ذلك تغييرا ديمغرافيا يقضي على كل أمل بعودة اللاجئين والمهجّرين إلى أراضيهم وبيوتهم. وسط كل هذا الجدل، يستطيع المرء أن يميز بسهولة معسكرين كبيرين بين السوريين اليوم: معسكري إيران وتركيا، "سوريي المرشد" "وسوريي السلطان" (غساسنة ومناذرة، إذا شئنا الاستعارة من تاريخ العرب قبل الإسلام). إذا دققنا أكثر، يمكن أن نميز معسكرا ثالثا يحاول أن يرفع صوته لاستعادة المبادرة، والحفاظ على ما تبقى من أشلاء وطن، ضيّعته المطامح، والمزايدات، وقتلته الأحقاد والغرور وضيق الأفق، وتركته فريسةً تتناهشه الدول والتنظيمات، لكن الصوت ما زال ضعيفا، خافتا، وسط المعمعة.

===========================

"نبع السلام" لن يجلب السلام

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 16/10/2019

ليست فكرة إقامة منطقة آمنة، أو أمنية وفق التسمية التركية الجديدة، على طول الحدود مع سورية جديدة، فقد سعت تركيا إلى تسويق الفكرة منذ سنوات من دون جدوى، لكن الجديد هو تنفيذها في لحظة دقيقة وحساسة، بسبب ما ترتب على تحولات الصراع في سورية وعليها؛ حيث باتت لإقامة المنطقة العتيدة تبعات وانعكاسات كثيرة وخطيرة، ليس من بينها تحقيق السلام، كما تروّج الدولة التركية، الذي وضعته في اسم العملية: "نبع السلام".

ترتبط العملية العسكرية التركية بإعادة اللاجئين السوريين إلى المنطقة الأمنية التي تريد تركيا إقامتها، في إطار مشروع متكامل، يُؤمل منه أن يُنهي فرص قيام كيان كردي، مهما كانت طبيعته وحدوده، والعمل على تسويق العملية وتبريرها خارجيا بذريعة محاربة الإرهاب، فالعملية العسكرية ليست العامل الرئيس في التصور التركي؛ إنها وسيلة لإجهاض مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي: الإدارة الذاتية، بضرب القوة العسكرية لهذا الحزب، وحدات حماية الشعب، وإجراء تغيير سكاني واسع في المنطقة، عبر إعادة اللاجئين إليها، أغلبهم من العرب، إلى المناطق العربية بشكل خاص، بحيث يصبح عدد العرب في شرق الفرات طاغيا، وتصبح دعاوى الكرد ومطالباتهم بإقليم خاص أو إدارة ذاتية أو فدرالية غير ذات موضوع.

غير أن العملية التركية قد مسّت توازناتٍ جيوسياسية، راهنت قوى محلية وإقليمية ودولية عليها، لخدمة تصوّراتها للحل السياسي في سورية؛ بحيث لا تكون سورية ملحقةً بروسيا وإيران، وهذا مرتبطٌ، إلى حد كبير، ببقاء القوات الأميركية في شرق الفرات، والمحافظة على الإدارة الذاتية ورقة مساومة في إطار الحل النهائي. لذا استثارت ردود فعل غاضبة، عبّرت عن نفسها بمواقف متعدّدة توزعت، بعد إدانة العملية ووصفها بالعدوان والغزو والاحتلال، بين الدعوة إلى وقف 

"تحقق التصور التركي بإعادة اللاجئين السوريين لديها إلى المنطقة الأمنية ولادة سورية جديدة قائمة على فرز مذهبي"العملية (والانسحاب فورا) والتلويح بعقوبات سياسية واقتصادية وسياحية (قرار وزراء الخارجية العرب)، ووقف توريد الأسلحة (قرار السويد وهولندا وفنلندا والنرويج وألمانيا وفرنسا)، والسعي إلى إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لوقفها (خمس دول أوروبية في المجلس، فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا وبولندا)، وتحضير قرار بفرض عقوبات اقتصادية قاسية، فيما لو تجاوزت القوات التركية حدودا معينة، جغرافية وعملياتية، مثل استهداف المدنيين (قرار الولايات المتحدة)، وإدانة العملية والمطالبة بوقفها فورا وفرض عقوبات اقتصادية (قرار الاتحاد الأوروبي)، ورفع شروط الأمم المتحدة ومحدداتها لإعادة اللاجئين في وجهها: العودة الطوعية وعودة أبناء منطقة شرق الفرات فقط إليها التي ستحد من عدد العائدين، وتربط عودتهم بمناطقهم الأصلية، وخروج تظاهرات حاشدة في عدد من الدول الغربية ضد العملية.

قد لا تكون لمعظم هذه الخطوات آثار قريبة وفاعلة على العملية التركية، لكنها تعكس حالة العزلة السياسية التي ستواجهها تركيا والمأزق السياسي الذي ستنزلق نحوه، خصوصا إذا فشلت في الالتزام بالشروط والمحدّدات الأميركية، وعجزت عن الإمساك بملف سجناء الدواعش وأسرهم في المخيمات، وحصول تغيير في الموقف الأميركي في غير صالحها، ما سيضطرها للدخول في مساوماتٍ مع القوى الفاعلة الأخرى، روسيا وإيران، ويدفعها إلى التنازل عن جزء مهم من تصوّرها للمنطقة الأمنية: حدودها وعدد اللاجئين الممكن إعادتهم إليها، روسيا تطالبها بالتنسيق مع النظام السوري، وإيران تريد بقاء طريق الموصل حلب خارج حدود المنطقة الأمنية التركية، فتكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.

في العودة إلى التصور التركي للمنطقة الأمنية، بكل تفاصيلها، وما يمكن أن يترتب على إقامتها سياسيا وأمنيا، سنلمس، من دون كبير عناء، أنها أبعد ما تكون عن "نبع سلام"، بل على العكس ستكون بؤرة توتر دائمة ومحرقة، لاستنزاف المنطقة وشعوبها لأجيال قادمة. لعل أول مترتّبات قيامها انفجار التنافس على المتبقي من منطقة شرق الفرات، في ضوء توجه أميركي إلى الانسحاب منها على خلفية وعد انتخابي بإعادة الجنود الأميركيين إلى الوطن، يريد الرئيس دونالد ترامب تنفيذه قبيل انتخابات رئاسية باتت على الأبواب. وروسيا وإيران تنتظران بلهفة انسحاب القوات الأميركية، كل لحساباتها الخاصة، روسيا لتنفيذ قرارها بإعادة سيطرة النظام السوري على كل الأرض السورية، والإمساك بمفاتيح الحل السياسي، مع ملاحظة أهمية المنطقة اقتصاديا، وما يمكن أن تقدّمه من فوائد للتخفيف من أزمات النظام في مجالات المحروقات والحبوب، وإيران لضمان بسط سيطرتها على مساحاتٍ هي جزء من مشروع الطريق البرّي الذي تسعى إلى إقامته من أراضيها إلى البحر الأبيض المتوسط. وانسحاب القوات الأميركية وضرب وحدات حماية الشعب فرصة مثالية لتنفيذ مشروع الطريق، بالإضافة إلى إجهاض التطلعات الكردية في إيران التي حفّزتها الحالة الكردية السورية. وهذا إن تم سيحوّل الحل السياسي وعمل اللجنة الدستورية السورية إلى نافلةٍ لا لزوم لهما، ويدمّر فرص استقرار سورية عقودا طويلة.

أما المترتب الثاني فزعزعة الاستقرار السكاني وإحداث مشكلة متفجرة بين العرب والكرد، علما أن العلاقة بينهما ليست على ما يرام، على خلفية إشراك فصائل الجيش الوطني في العملية،

"تعاني تركيا من نقاط ضعف وهشاشة في أكثر من مجال، ما يسمح للقوى الأخرى بالضغط عليها" وتعميق الفجوة بين الطرفين بالمواجهات الدامية، وتجدّد الصراع بينهما على الأحقية بالأرض، وإدارة المنطقة سياسيا واقتصاديا، زعزعة مديدة في ضوء تقديراتٍ بحصول نزوح وهجرة واسعين، وبانخراط أطرافٍ خارجية في الصراع على المنطقة، لاعتباراتٍ سياسية وجيوسياسية وتغذيتها الخلافات والتوترات لإدامة فرص الاستثمار في أزماتها.

المترتب الثالث، وهو الأخطر، إن تحقق التصور التركي بإعادة اللاجئين السوريين لديها إلى المنطقة الأمنية العتيدة هو ولادة سورية جديدة قائمة على فرز مذهبي، حيث سيتكدس العرب السّنة في الشمال والشرق، والعلويون والشيعة، العرب والفرس والأفغان والباكستانيون، في الغرب، وهذا يحقق حلم إيران بتحقيق مكسب جيوسياسي مهم، وسيطرة مفتوحة على الطريق من البحر إلى لبنان، عبر السيطرة المذهبية على المناطق المحاذية للحدود اللبنانية.

المترتب الرابع والأخير، تلاشي مطالب الثورة السورية، وتطلع حواضنها الشعبية إلى الحرية والكرامة، بالقضاء على بقايا التمايز بين أهداف الثورة وأهداف الدول التي استتبعت المعارضة، السياسية والمسلحة، بتحوّل قواها إلى جنودٍ في خطط هذه الدول.

يبقى أن نقول إن مجلس سورية الديمقراطية (مسد) وجناحه العسكري، قوات سورية الديمقراطية (قسد)، قد ارتكبا أخطاء شنيعة، أوصلتهما إلى المأزق الحالي. "مسد"، بسياسته التي تقوم على تصوير مظلومية الكرد أقلية مضطهدة لأسباب قومية ودينية، وفق محاضرة ممثلته في الولايات المتحدة، سينم محمد، في مقر جمعية "مجلس أبحاث العائلة" اليميني في واشنطن يوم 

"العملية العسكرية ليست العامل الرئيس في التصور التركي؛ إنها وسيلة لإجهاض مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي"16/7/2019، ما يشي بمغازلتها استراتيجية تحالف الأقليات، والعمل على كسب تأييد سياسي أميركي لمشروعها من خلال التحالف مع اليمين الأميركي العنصري، والعمل على فرض تصوّرها على الشعب السوري، بالاعتماد على التحالف مع أميركا، متجاهلا أن التحالف الراهن تقاطع مصلحي مرحلي، لأن أميركا قالت مرات إنها لا تتبنى مشروعه السياسي. والثانية، "قسد"، بممارساتها، قمع المعارضة العربية والكردية، وإحداث تغيير سكاني في قرى عربية وتركمانية، وفرض تجنيد قسري على سكان شرق الفرات، تحت شعار الدفاع الذاتي، على الرغم من أن معظمهم لا يوافقون على مشروع الإدارة الذاتية، والاستئثار بخيرات شرق الفرات وحرمان أهل المنطقة منها، محافظتي دير الزور والرقة، وهذا جعل التواصل بينها وبين المجتمعات العربية محدودا ومشوبا بسحابات الشك وانعدام الثقة، ومسارعتها إلى قصف المدن والبلدات والقرى التركية مع بداية الهجوم التركي والرد التركي بقصف المدن والبلدات السورية، الأمر الذي أفقدها تضامن أبناء المنطقة، كما عبر عن ذلك بيان أعيان القامشلي في هذا الخصوص، وأضعف حجتها أمام الرأي العام الدولي بتعرّض المدنيين في المدن والبلدات والقرى السورية للقصف التركي.

لن تحقق عملية "نبع السلام" السلام، مع احتمال عدم مواصلتها حتى النهاية، كما تصوّرتها القيادة التركية، لأن تركيا تعاني من نقاط ضعف وهشاشة في أكثر من مجال، ما يسمح للقوى الأخرى بالضغط عليها لدفعها إلى وقف العملية عند نقطة معينة، أو إجبارها على الانسحاب خارج المنطقة، كما لن تنجح "مسد" و"قسد" في هزيمة القوات المهاجمة، أو الحفاظ على مشروعها، بالعودة إلى التفاهم والتحالف مع النظام، فالمسارعة إلى طلب حماية النظام ودعوته إلى إرسال قواته للانتشار على الحدود، وهي تعلم أن في ذلك نهاية لمشروعها، فقد سبق وعرفت شروطه لمساعدتها، ليس أقل من انتحار سياسي.

===========================

ملاحظات أولية على الحملة التركية الثالثة

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 16/10/2019

كانت «ضربة معلم» من قبل أردوغان، يقول سونير كابتاغاي، رئيس برنامج البحث التركي في معهد واشنطن. فقد التقت رؤية الرئيس التركي في دخول سوريا مع رؤية ترامب في الخروج منها في لحظة واحدة. وجاءت هذه الكلمات في ردٍ على مراسلين صحافيين، الاثنين الماضي، حول الغزو العسكري التركي الجديد. معلق آخر قال إن إعلان ترامب كان ضغطاً على زناد الغزو التركي.

هذا أفضل من البحث المباشر في احتمال أن تلك المكالمة الهاتفية بين ترامب وأردوغان، كانت آخر توقيع على الأمر اليومي بالتدخل، أو من تصديق ذلك الشخص المجهول من مجلس الأمن القومي، الذي سمع طرفاً من تلك المكالمة، وأفاد لـ»نيوزويك» بأن ترامب كان يبدو وكأنه ضُبِط، وكذلك يبدو متداعياً. مع أن ما تلا ذلك اضطُر ترامب والبنتاغون مراراً لنفي احتمال أن الضوء الأخضر أُعطي للعملية العسكرية، التي كان إردوغان يتحفز لها منذ زمنٍ طويل. ولكن النفي المتكرر هذا انصبّ على عدم تأييد العملية، لا دعمها أو التدخل فيها، الأمر الذي يعني من دون شكٍ عدم معارضتها في النتيجة، إلا إذا تجاوزت حدوداً معينة غير معروفة، حتى الآن، مع أن تأكيد الحكومة التركية على نيّتها عدم تجاوز الثلاثين كيلومترا توحي بشيء من تلك الحدود، ربما يحتاج بعدُ إلى تحديد المسافة بالاتجاه العمودي على العمق.

منذ مطلع 2015، في ذروة نجاحات المعارضة المسلحة، بشكل هدد وجود النظام عملياً، الأمر الذي دفعه لسحب الكثير من قواته في شمال شرق سوريا إلى الداخل، وبالتوازي مع بداية عمل التحالف الدولي ضد «داعش» وبحثه عن حليف على الأرض؛ تفاقمت عنجهية حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، مستندة إلى انتصارات مشهودة ضد «داعش»، لا يقلل من أهميتها كونها تحققت بدعم جوهري من قوات التحالف. وكان ينبغي أخذ علاقة انتصارات قوات حماية الشعب (YPG) بتقدم المعارضة المشار إليه، لو توفرت النية والانسجام وبعض التواضع.

تمثلت تلك العنجهية بالموقف السلبي من القوى العربية والسكان والمعارضة، وبفتح مسارب للحوار مع النظام نكاية بخصومه، وبتأسيس نظام للحكم المحلي، يعتمد رؤية فيها شيء من الغرابة، تذكّر بالسوفييتات ومؤتمرات القذافي، مع ظهور ملامح شمولية واستبدادية في ممارسة السلطة وقمع الآخرين. وكذلك في سلوك تمييزي وعدواني واضح ضد العرب، كما حدث في السيطرة على تل أبيض، ثم عين عيسى، فالرقة في النهاية. وفي الوقت ذاته، كان إقصائياً وقمعياً نهجُ حزب الاتحاد وقوات حماية الشعب التابعة له مع القوى السياسية الكردية الأخرى، وخصوصاِ تلك المنضوية في المجلس الوطني الكردي، والمتحالفة في إطار ائتلاف المعارضة المتمركز في اسطنبول، حين شنّت القوات التركية حملتها الثانية تحت اسم عملية «غصن الزيتون» في عفرين (بعد الحملة الأولى درع الفرات بين إعزاز وجرابلس والباب)، ساهمت معها جماعات معارضة مسلحة أخرى، ثم تمّ إحلال لاجئين من مناطق سورية أخرى مكان النازحين الكرد. وتوانت قوى المجلس الوطني الكردي مع حلفائه من العرب المتضررين من نهج «قسد»، كما أصبح اسمها، عن الوقوف بشكلٍ أكثر موضوعية ومبدئية من ذلك التدخل وسياقاته العملية اللاحقة، وطغى الارتهان وقوة الأمر الواقع على الحكمة.

كما كان التدخل في عفرين حفراً لحدود جديدة بين السوريين، سيكون لعملية «نبع السلام» دور أكثر تشتيتاً للجسم السوري شعباً وأرضاً

لا يمكن فهم ما يجرى الآن من دون بعض العودة إلى الوراء، واسترجاع ذلك الدأب والإصرار العربي المعارض على تضييع الحدود بين الكرد عموماً وجماعة حزب الاتحاد الديمقراطي، فيما كانوا يحسبونه مرضياً وملبياً لحاجات التحالف مع الأتراك، وهو لا يعكس إلا ضعفاً وتعصّباً وانقياداً لدواعي الفرقة.

لم يكن هنالك من لا يسلّم بحق تركيا في حماية أمنها القومي، حتى من قبل قوات سوريا الديمقراطية. فحزب العمال الكردستاني خصم لدودٌ للحكومات التركية المتوالية، وهو مصنف بين قوى الإرهاب لدى العديد من الدول. ولا تخفى علاقة ذلك الحزب الجينية بحزب الاتحاد الديمقراطي، كما لا تخفى علاقة بعض الكرد السوريين بالحزب الكردي – التركي أساساً، واندراجهم في سلك مقاتليه وقواته العسكرية. وكانت قد ابتدأت بالظهور وممارسة الضغوط، دعوات متزايدة لفكّ الارتباط بين الحزبين بشكل حاسم، وعودة كل عناصر الحزب التركي إلى أماكن تمركزه خارج سوريا، بشكل متواقت مع الدعوة لخروج جميع المقاتلين الأجانب، مع أي طرف كانوا. تلك الدعوات كانت بدفع من تقارب كردي- عربي ابتدأت ملامحه بالظهور، ولو على بعض التحفظ والتردد. يعكس هذا إحساساً متزايداً لدى الطرفين بأهمية التفاعل، وواقعية وحدة سوريا الجغرافية، مع وجود مطالبات وآراء تفتش عن طريقة مثلى لتمثيل إرادة المكونات السورية المختلفة وحقوق الكرد القومية خصوصاً. ليس ذلك ما يظهر على الصورة الحالية، المزدحمة بآليات الحرب وأدواتها ورجالها، التي يبدو أنها ستأخذ وقتاً حتى تتبلور نتائجها وتوازناتها الجديدة، دولياً ولدى الأطراف المعنية، وعلى الأرض. تلك الأرض ستسقيها دماء جديدة، أغلبها من السوريين على الطرفين. وسوف يكون ذلك عاملاً جديداً مضافاً إلى حالة الانقسام والتفتت السورية، تلك التي ستجعل المستقبل أكثر قتامة واستعصاء على الحلّ.

فكما كان التدخل في عفرين حفراً لحدود جديدة بين السوريين، سوف يكون لعملية «نبع السلام» هذه دور أكثر تشتيتاً للجسم السوري شعباً وأرضاً. وقد تنبأ ترامب أيضاً بذلك، أو أفسح المجال للتنبؤ، حين قال في مطلع العام، ليبرر أول محاولة له لإخراج جنوده وإعادتهم إلى بلادهم لتحقيق وعده الانتخابي بهذا المجال: «لقد ضاعت سوريا منذ فترة طويلة، منذ فترة طويلة. وإلى جانب ذلك، نحن نتحدث عن رمال وموت. ذلك ما نتحدث عنه. نحن لا نتحدث عن ثروات طائلة. نتحدث عن رمال وموت». وفي تلك الصورة يمكن تلمّس معالم الحالة الراهنة، وما سوف يليها، وتحتها صورة بيلاطس يغسل يديه من دمنا.

ونقطتان أو ثلاث قبل فوات الوقت: ليس صحيحاً أن ترامب لم يعط الضوء الأخضر، رغم محاولته المسرحية لنفي ذلك، بطريقة ساخرة وعابثة: «لو قامت تركيا بأي شيء يمكن؛ كما ترى حكمتي العظيمة التي لا تُضاهى؛ أن يتجاوز الحدود، فسوف أدمّر كلياً اقتصادها وأمحوه وقد فعلت ذلك سابقاً». وليس صحيحاً أن التخطيط لإسكان مليون أو مليونين من اللاجئين في غير بيوتهم هو شيء مغاير للتغيير الديموغرافي، بل إن ذلك سيكون درساً تطبيقياً جديداً للهندسة الديموغرافية، بعد مئة عام من استحداثها وتجريبها.

وليس صحيحاً أن هذه الحرب ستعيد توحيد سوريا، وتكون المدخل للحل السياسي المنشود، كما يقول أردوغان! في حين أنه صحيح أن هذه الحرب قد فتحت وستفتح أبواباً جديدة لجهود ترميم شرعية الأسد، ومحاولة إحياء صلاحيته المنتهية من خلال إعادته إلى الحدود، مع الاتفاق بينه وبين «قسد»، بل أيضاً- وللسخرية- تعيد ترميم الجامعة العربية وتوحدها ضد «العدوان على السيادة السورية»، تلك السيادة نفسها التي أصبحت غربالاً، لكثرة خروقها.

ربما تساعد أخطاء ترامب وأردوغان والمعارضة السورية، وقبلهم أخطاء الكرد، من خلال الكارثة التي دشّنتها، على خلق توازن أقل قلقاً، وإمكانية بمواصفات مختلفة لحل سياسي.. وربما يكون ذلك أمل إبليس في النهاية!

كاتب سوري

===========================

الدستور الذي يهدد السوريين

إيمان محمد

سوريا تي في

الثلاثاء 15/10/2019

تعتبر الدساتير في أنظمة الدول القانون الأعلى الذي يحدد شكلها ونظام الحكم والسلطات فيها، وينظم الحقوق والواجبات بما يرعى شؤون الشعب ومصالحه، ولذلك يبقى الدستور هو ركيزة الأمان الحقيقية للمواطن التي يعتمد عليها ويعود إليها إذا اختل ميزان من موازين السلطة والحكم في بلاده.

وبالنظر إلى سوريا ودستورها في عهد بشار الأسد ومن قبله حافظ الأسد، فبمشاهدة سريعة يمكننا أن نستنتج أنه دستور البعث، وقد عُدّل وفُصّل مراراً ليكون على مقاس الرئيس الذي تولى السلطة أساساً بعبثٍ في دستور الدولة تحت بند " التعديل" واليوم يجري العمل على تعديل آخر للدستور ليكون على مقاسٍ روسي، وبرعاية أممية، وبحضور خجول تحت ما يصنف ضمن " المعارضة السورية"، والهدف استلاب الهوية السورية، وإفراغها من مضمونها، والمطالب الروسية، وحسم القضية السورية والثورة لصالح المطامع الروسية وأهدافها في المنطقة.

إن المشروع الروسي وما يجري اليوم بشأن التعديل الدستوري أمر بالغ الخطورة، وستكون له انعكاسات سيئة على الواقع السوري في حال تحققه، فاللجنة الدستورية المختارة من قبل الأمم المتحدة، كانت بإشراف ومباركة روسية، وبهدف المحافظة على بقاء النظام، الأمر الذي سيقود سوريا وشعبها بعد كل هذه التضحيات نحو مصير أسود، وسيكبد الشعب مزيداً من دفع الأثمان الباهظة لقاء السكوت عن بقاء النظام في السلطة، فيغدو وكأنه مباركة للأسد ونظامه على جرائم الحرب التي ارتكبها في سوريا، كما يعتبر بمثابة الضوء الأخضر له ليتابع في منصبه مع بعض التعديلات الشكلية المفرغة من مضمونها، الأمر الذي يعتبره مؤيدو النظام نصراً مؤزراً على الإرهاب، فيما يخفت صوت المعارضة، ويفشل أعضاء اللجنة الدستورية في الوصول إلى الشعب، وفي تمثيله أيضاً، بسبب الفجوة الكبيرة وانقطاع الصلة.

فاللجنة الدستورية المختارة من قبل الأمم المتحدة، كانت بإشراف ومباركة روسية، وبهدف المحافظة على بقاء النظام، الأمر الذي سيقود سوريا وشعبها بعد كل هذه التضحيات نحو مصير أسود

اللجنة المشكلة باسم المعارضة الهدف منها شكلي بحت، وهنا يجب أن نتوقف قليلاً لنفكر في إلقاء اللائمة، هل سنلوم الدول التي تحاول العبث بحقوقنا وحرياتنا، وفرض قوالب ونماذج جاهزة، وهي أساساً لا تسعى إلا لمصالحها؟ وهل نلوم النظام الذي استمات لأجل استمرار سلطته وسيادته بكل شكل ممكن، وبكل وسيلة ممكنة أن يسير بما يوافق ذلك كله، وهناك نصر لم يحققه، ومجد لم يبذل جهداً فيه إلا جهد المرتزقة، ليأتيه الحكم مجدداً على طبق من دماء الشعب وأشلائه؟

الحقيقة أننا لا يجب أن نلوم إلا أنفسنا، وما يسمى باللجنة التي تمثل المعارضة، والتي بدرها تفتقر للمقومات العلمية والتخصصية في مجال كتابة الدستور، كما تفتقر للتأييد الشعبي المطلوب للقيام بمهمة على هذا المستوى، ، فقد ابتعدت عن هموم السوريين ومشكلاتهم، ونأت بنفسها عن التواصل الحقيقي الفعال بهم، فيما كانت تدعي تمثيلهم في الخارج، ولعل قضية بالغة الخطورة كقضية الدستور تبدو مغيبة عن تفكير السوريين وهمومهم في الداخل السوري وفي الخارج أيضاً، فقد فشل معتنقوها بالتواصل الحقيقي مع الناس، وبالتالي فشلوا أيضاً بتمثيلهم والتحدث باسمهم.

ولعل قضية بالغة الخطورة كقضية الدستور تبدو مغيبة عن تفكير السوريين وهمومهم في الداخل السوري وفي الخارج أيضاً، فقد فشل معتنقوها بالتواصل الحقيقي مع الناس، وبالتالي فشلوا أيضاً بتمثيلهم والتحدث باسمهم

الفجوة السياسية اليوم في أشد حالات اتساعها، والخرق كبير في ثورتنا، وفيما يتكاتف العالم كله لفرض سياساته ومصالحه، نزداد شرذمة وتفرقاً، ونزداد فردية وأنانية، في الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة روحاً وطنية عالية، وتكاتفاً وسعياً حقيقياً للنجاة.

بالتأكيد يطمح كل سوري حر شريف لتغيير دستور مليء بالعبث، دستور يعترف العالم كله بشكل مباشر أو غير مباشر أنه تهمة حقيقية لنظام طوع القوانين والتشريعات والأرض والعباد لمصالحه، هذا السوري الحر الشريف الذي ما زال يقاسي من وحشية النظام في المدن المحتلة اعتقالاً وتضييقاً، وفي المدن الثائرة قصفاً وتنكيلاً، لن يعترف بالسكين التي تذبحه، والقنبلة التي تهدده، فكل خطوة نحو الاستقرار وبناء الدولة السورية؛ هي رهن بزوال نظام وحاكم تسببوا بانهيارها على مدى سنوات حكمهم، وسوى ذلك تبقى المحاولات زائفة، والشعارات زائفة، وفكرة بناء الوطن زائفة، ولا شيء حقيقياً سوى دماء شهداء رحلوا وجهود ثوار أحرار ضحوا ومازالوا وسيبقون حتى تحقيق أهداف ثورتهم، وبناء مستقبل آمن بعيد عن الظلم والخوف والتهديد، تستحقه سوريا وشعبها العظيم.

===========================


الدولة المتفسخة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاثنين 14/10/2019

جراحات الأوطان كجراحات الأبدان، فبقاء جروح الأشخاص دون تعقيم ومعالجة يفضي إلى تقيّح وتقرح وتعميل وانتقال الجرح إلى أماكن أخرى من الجسم حتى يهدده بكليته، وبقدر تأخير المعالجة تكون التداعيات. ما يجري اليوم في سوريا هو تماماً ما يحصل للجروح في الأجساد، فلم تدع الدول الجرح السوري المفتوح وحده يتقيح وإنما تدخلت سلبياً فزادته تقيحاً وتقرحاً، وهو ما هدد البلد كله، وبات يهدد الجوار الإقليمي، وحتى العالم برمته، بهجرات ضخمة، وبتداعيات الحدث السوري، وربما بتهديدات ستظهر تجلياتها لاحقاً ما دام الكل يصرّ على دفن التداعيات تحت السجادة، بذريعة تشكيل أجسام سياسية لتوهم وتخدع السوري وغيره بأن ثمة طبخة على النار، بينما في الحقيقة هي طبخة حصى، وبحث عن سراب، وحرث في البحر، إن كان على مستوى هيئة التفاوض التي ابتلعها وفد الأستانة، لتقوم لجنة الدستور بابتلاع الاثنتين.

‏في هذه الحلقات الأربع نحاول رسم صورة عن مدى تفسّخ الدولة السورية داخلياً وإقليمياً وخارجياً، ونبدأها من تفسخ الدولة عسكرياً وأمنياً، بعد أن غدا الاحتلال بأشكاله المختلفة أقرب ما يكون إلى متعهد للفرق العسكرية والأجهزة الأمنية النظامية، مما استلزم الاشتباك والاقتتال بين المتعهدين والمشغلين أنفسهم، تجلى ذلك بوضوح في حجم الاغتيالات التي تجري بشكل شبه يومي في الجزيرة السورية، أو في الشمال السوري، بين أجهزة أمنية تابعة للقوات الإيرانية والقوات الروسية، بعد أن سعى الأخير إلى مزاحمة الإيراني على وجوده في الجنوب، عبر تشكيله الفيلق الخامس من بقايا قوات الجيش الحر الذي صالح الروس، ولكن هذا الفيلق يواجه عقبات كبيرة إن كان بنظرة الإيراني المعادية له لخلفية مقاتليه الثورية سابقاً حين قاتلت النظام، وثانياً لأن متعهده ومشغله هو الروسي الذي ينافسه على النفوذ في الداخل والخارج.

‏في دير الزور ثمة متعهدون آخرون، فالأميركي وعبر قوات سوريا الديمقراطية، وربما جهات ثورية أخرى، يقوم باغتيال وتصفية رموز عسكرية وأمنية إيرانية وميليشياوية، يترافق ذلك مع غارات أميركية على القوات الإيرانية لتجاوزها مناطق جغرافية، يراها الأميركي ضمن حرمه وحرم ميليشياته الكردية، وفي الغوطة اليوم عودة قوية لأجواء 2011 و 2012؛ إذ إن معظم الشباب الذين صدّقوا المصالحات الروسية لجؤوا اليوم إلى البساتين والبراري هرباً من دعوتها مجدداً للقتال في صفوف النظام، وهو ما يخالف ما تم الاتفاق عليه، فضلاً عن اعتقالات واسعة النطاق لمن هو دون الخامسة والخمسين أو سوقه إلى المحرقة في إدلب وغيرها من المناطق التي لا تزال مشتعلة على النظام والاحتلال.

‏لم يعد هناك نظام يضبط الأمن العسكري، فهناك ميليشيات وفيالق ومجموعات تتقاتل فيما بينها على النفوذ الاقتصادي والجغرافي، فلا يخفى أن الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد تتبع الإيراني، بينما يتبع سهيل الحسن وميليشياته الاحتلال الروسي، ولم نعد منذ فترة طويلة نسمع عن وزير الدفاع السوري ولا عن ناطقه الرسمي، ما دامت قاعدة حميميم قد كفتنا وكفته مؤونة الظهور له، ومؤونة الانتظار لنا، وقلما يمرّ يوم لا نسمع فيه قتالاً بين ميليشيات فاطميين وزينبيين، والعصائب، وحزب الله، وغيرها من الميليشيات الطائفية التي تُدار برؤوس متعددة لا علاقة للنظام بها، ولا علاقة لها بالنظام. ‏الأجهزة الأمنية التي فقدت أخطر وأهم خبراتها الإجرامية خلال أيام الثورة المستمرة منذ ثماني سنوات، تواجه اليوم مأزقاً حقيقياً، فكثرة التنقلات والتحركات داخلها، بالإضافة إلى ولاء هذه الأجهزة اليوم لمشغلها الإيراني والروسي، جعل البلد يُدار برؤوس عسكرية وأمنية متعددة، وبأكثر من عقيدة عسكرية وأمنية، الأمر الذي يفقدها عقل الدولة الواحد، مما زاد من حالة التفسخ والتعفن الذي أزكمت رائحته الأنوف، وأول ما أزكمته الحزام الموالي للعصابة نفسه، عبر تحركاتها الشعبية، ومطالبة الجنود المقاتلين بالتسريح، بعد طول قتال لا يبدو في الأفق له حلٌّ أو نهاية.

===========================


حرّاس الجولان

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 14/10/2019

شهادتي في الجولان السوري مطعون فيها، أو هكذا ينبغي أن تبدو من حيث المنطق البسيط، ليس لأنني مواطن سوري يُبدي تعلقاً فائقاً بأرض سورية مغتصبة، فحسب؛ بل كذلك، وربما أساساً، لأنني لا أفوّت فرصة دون التعبير عن ذلك التعلّق، وجدانياً بادئ ذي بدء، ثمّ وطنياً بمعنى دوام احتساب الجولانيين والجولانيات في قلب النسيج السوري التاريخي التعددي الأغنى، وسياسياً ضمن مصائر الهضبة وأهلها/ أهلنا في هزائم نظام آل الأسد أمام الاحتلال الإسرائيلي وصفقات البيع والتنازل والانسحاب والاتجار. والحصيلة، الخيانية بامتياز، لهزيمة 1967 أسفرت عن تهجير نحو 130 ألف مواطن جولاني، وتدمير 340 مزرعة وقرية وبلدة، بالإضافة إلى مدينة القنيطرة عاصمة الجولان، وفرض العيش تحت الاحتلال على قرابة 25 ألف نسمة في خمس قرى، مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية والغجر؛ في مقابل 33 مستوطنة زراعية أقامها الاحتلال، تستوعب اليوم من المستوطنين ما يفوق أعداد أهل الأرض الجولانية المحتلة.

وهذه عناصر سبق لي أن تناولتها في مقالات مختلفة، وعلى مدى زمني يعود إلى ثلاثة عقود، خاصة وأنّ الجولان ليس ملفاً يمكن أن يُطوى في مختلف جوانبه. وفي هذا كلّه لم أكن غريباً عن الهضبة الفريدة، بمعنى أنني لم أكن محض مواطن سوري ينحاز إلى أهله في أرضهم المحتلة، فقط؛ بل أمضيت قرابة سنتين في بطاح الجولان، ولكن من الجانب السوري غير المحتل، بين 1980 و1982، خلال عملي مع الأمم المتحدة في وحدات فكّ الارتباط، الـ UNDOF. وهكذا أُتيحت لي فرص، ثمينة واستثنائية، لزيارة القنيطرة الشهيدة، والتعرّف على جغرافية جولانية شاسعة وآسرة، من نبع الفوار وخان أرنبة ومزرعة بيت جن، إلى تل الفرس والرفيد وجبل الشيخ وبير عجم، وسواها من القرى والبلدات والهضاب.

شاءت الأقدار أن أكون على معبر القنيطرة يوم 14 كانون الأول (ديسمبر) 1981 حين صوّت الكنيست الإسرائيلي على «قانون الجولان»، ولم تكن البرهة تلك عادية في ناظر أيّ مواطن سوري، فكيف إذا كان على مبعدة 25 متراً فقط عن الاحتلال!

وضمن نطاق عملي توجّب أن أناوب ثلاثة أيام شهرياً على معبر القنيطرة المواجه لحاجز الاحتلال، والمخصص لعبور أفراد الأمم المتحدة وطواقم الصليب الأحمر والطلاب السوريين القادمين من الجولان والمتوجهين إلى الداخل السوري للدراسة في مختلف كليات جامعة دمشق. وشاءت الأقدار أن أكون على هذا المعبر تحديداً، يوم 14 كانون الأول (ديسمبر) 1981، حين صوّت الكنيست الإسرائيلي على «قانون الجولان»، الذي يقضي بـ« فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان»؛ ولم تكن البرهة تلك عادية في ناظر أيّ مواطن سوري، فكيف إذا كان في تخوم القنيطرة فعلياً، وعلى مبعدة 25 متراً فقط عن الاحتلال!

ومنذ زيارتي الثانية إلى فلسطين، وكانت في مثل هذه الأيام من العام الماضي، ألزمت نفسي بقرار حسبته في عداد أضعف الإيمان تجاه أهلنا في الجولان؛ وهو ألا أزور فلسطين دون أن أصعد إلى الهضبة الحبيبة، وإلى مجدل شمس تحديداً، درّة الجولان الراهنة. في الزيارة الأولى سعدت بصحبة الصديق والرفيق المؤرّخ والناشر السوري فاروق مردم بك، حين قصدنا المجدل بعد إحياء الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش في رام الله وفي المتحف الذي يحمل اسمه؛ وفي الزيارة التالية، الأسبوع الماضي، سعدت بصحبة الصديقين الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب والناشر الفلسطيني أحمد أبو طوق صاحب «الأهلية». وإذا جاز القول إنّ مشاعر مردم بك تجاه الجولان كانت من طراز مشاعري، مطعوناً فيها؛ فإنّ ما استجمعه الصديقان الفلسطينيان من مشاعر أخوّة وإعجاب وتضامن وانبهار أثلج صدري شخصياً، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، وأمدّني بأسباب أخرى إضافية للمضيّ أبعد وأعمق في عشق الهضبة وأهلها.

لقد لمسنا أقصى الدفء والكرم والحنان في بيت أبو زياد، وأفراد أسرته وصحبه الكرام، على إفطار تزاحمت فيه أطايب سوريا التقليدية إلى جانب أطباق الجولان الأثيرة، واكتشفنا (خاصة صديقي أبو شايب، التشكيلي إلى جانب قامته الشعرية الرفيعة) أنّ ربة البيت السيدة أم زياد فنانة مذهلة تمارس طرازاً مبهراً من النحت التعبيري، وتدرس على يد فنان تشكيلي محترف حتى وهي تعبر العقد السادس من عمرها. وكان ياسر خنجر، الشاعر صاحب «طائر الحرية» و«سؤال على حافة القيامة» و«السحابة بظهرها المحني» و«لا ينتصف الطريق»، والناشط/ السجين السابق على خلفية مقاومة الاحتلال؛ قد تولى مهامّ ثقيلة في نقلنا من رام الله إلى المجدل، كما أدار ندوة لي مع أهلنا هناك، ، وقدّمها حسان شمس المحلل السياسي المخضرم وابن الجولان البار، تناولنا فيها الكثير من هموم بلدنا السياسية والإنسانية والثقافية. كما ساعدتنا التشكيلية شذى الصفدي على إماطة اللثام عن «أسرار» وائل طربيه، الذي ينخرط بحماس واحتراف في قضايا حقوق الإنسان في الجولان، لكنه يحتجب عامداً عن جانب لامع ومضيء في شخصيته: أنه فنان تشكيلي كبير، على نطاق فلسطيني وعربي وعالمي؛ غنيّ الموضوعات، جسور الرؤى، متعدد الأساليب، متين الأداء وعالي السيطرة على مادّته (بشهادة أبو شايب، هنا أيضاً).

والحال أنّ المقام ليس ملائماً، مهما طالت السطور وامتدت الكلمات، لإيفاء حقّ عشرات آخرين من الصديقات والأصدقاء، وخاصة كهول المجدل وشيوخها وخميرتها السورية الأصيلة، حرّاس الجولان كما وصفهم النابغة ذات يوم، وصنّاع الصمود والبقاء وقوّة الحياة؛ هناك، حيث «ريحانٌ ومسكٌ وعنبرٌ/ على منتهاه ديمةٌ ثمّ هاطلُ».

===========================

موقفنا : تعليقا على قول الرئيس أردوغان " نسلم منبج لأصحابها..." المطلوب في عملية " نبع السلام " سرعة الحسم في سباق الزمن - ومبادرة الثوار في الحضور الإيجابي الفاعل

زهير سالم

مركز الشرق العربي

17/ 10 / 2019

مما قرأت في خطط عملية " نبع السلام " أنها بنيت على ثلاث مراحل .

 المرحلة الأولى ومدتها عشرة أيام للتحرير . وتكاد تكون الأيام العشرة قد انتهت.

والمرحلة الثانية للتمكن من المحرر . ببناء القواعد والنقاط وتثبيتها وتجهيزها ، ومدتها أيضا على ذمة من كتب عشرة أخرى ..

والمرحلة الثالثة مرحلة مفتوحة ، في تكريس التحرير ، وبناء البنية التحتية فيه ، وتجهيزه لتحسين سبل العيش ولاستقبال المزيد من الراغبين .

ومهما يكن من دقة التقديرات الزمنية ولاسيما للمرحلتين الأولى والثانية ، فإن الذي يظهر لأعيننا أن سير العمليات على الأرض لا يساند هذا الكلام الذي تحدث عنه مصدر تركي الأصل أن يكون مطلعا . وقد كتبه مع انطلاق العملية في اليوم الأول .

ولا يغيب عن الذهن أيضا ، أن السير الرفيق بالعملية هو جزء من الحرص الضروري والمشروع على سلامة المدنيين من سكان المنطقة ، وهذا الحرص يتطلب المزيد من الوقت والمزيد من الحكمة والرصانة في التقدم وفي التنفيذ .

ومع هذا الإدراك الذي يجب أن نظل مصطحبين له في كل الظروف ؛ وأمام الهبة العنيفة لعش الدبابير الدولي الذي يقوده اللوبي الصهيوني ضد العملية ، وضد الشعب السوري ، وضد الدولة التركية ؛ يبقى أن تستشعر القيادة القائمة على العملية أن عامل الوقت ليس في صالحها . وأن وقتها مضيّق للتنفيذ . وأن عليها أن تبادر إلى تنفيذ خططها وحسم معاركها على عجل ، دون أن يكون ذلك على حساب أمن وسلامة المدنيين . ذلك أن علينا أن نستحضر أن القرارات الدولية من مصادرها المختلفة تترصد العملية الجميلة ، لتقطع الطريق عليها . ولا بد أن ندرك أن مواجهة التحديات الدولية أسهل على الشعوب منه على الدول بضروراتها والتزاماتها . وهذه الحقيقة ربما لا يدركها الكثير من المستجدين على فضاءات العمل السياسي .

إن من قواعد العمل السياسي المقررة أن للشعوب خياراتها وأن للحكومات ضروراتها. ولذلك كان من غير المحبذ لقوى المقاومة أن تفرح "باعتراف دولي " قبل أن تقوى ويشتد عودها ، وتقف على قدميها مالكة قرارها المستقل بجرأة واقتدار .

نتذكر كيف فعلوا معنا في المجلس الوطني غداة اعترفوا به ليرْسموه ويرّسموه . ثم وضعوا على بابه بوابا ، وأعادوا تسميته ، ورسم ملامح وجهه على الطريقة التي يريدون . ومن قبل قالها أبو الطيب

ويلمها خطة ويلم قابلها .. لمثلها خلق المهرية القود

إذن على قيادة نبع السلام بشقيها التركي والسوري أن تدرك أنها في سباق مع الزمن . وأن تدرك أن المعطى الزمني الأولي المتصور لتنفيذها لن يظل ثابتا ؛ بل ما أسرع ما سيتقلص تحت وطأة الهبة المصطنعة لتحالف شياطين الإنس على خطوط الطول والعرض حول العالم .

البازار الدولي ساخن ، والأخذ والرد حول " نبع السلام " يشتد . وحقيقة الحقائق حول هذا الصراع أن " الكف لمن سطرو " وأنهم لو سطروه في 2012 لما وصلنا في 2019 إلى هنا ، ولكنهم كانوا بكل تأكيد سيصلون إلى دمشق قبل الروسي والإيراني وحتى قبل متاولة كسروان .

" كان متاولة كسروان أيام شيخ الإسلام ابن تيمية يسرقون أطفال المسلمين ونساءهم وخيولهم ويبيعونهم في قبرص . ولشيخ الإسلام الرسالة القبرصية أرسلها إلى ملك قبرص يطالبه بوقف تجارة الرقيق الأبيض التي ما تزال دأبهم . " ونعود

ولكي يتحقق المطلوب في استنجاز النصر وتحقيقه في عملية نبع السلام ، يجب أن تكون هناك مبادرة مباشرة للقوى الوطنية السورية السياسية والثورية على السواء . مبادرة حقيقية لملء الفراغات ، ومطاردة الفلول ، والقبض على الإرهابيين الفارين من السجون وكذا من الصفوف ، وتحرير المواقع الهشة ، وكسب تأييد السكان من جميع المكونات ، وإشاعة فأل السلام والحب والإخاء والوحدة والأمن والرخاء ، والأخذ على يد المسيئين باسم الثورة أو باسم أهلها ، وقطع الطريق على عصابات الميليشيات الأسدية والإيرانية والروسية ..

وعندما يقول الرئيس رجب طيب أردوغان لا مانع لدينا أن تعود منبج لأهلها فيجب على أهلها الحقيقيين وليس المزيفين أن يتقدموا وأن يكونوا حاضرين . وأن يسدوا الثغرة ، ويملؤوا العين ، ويفرضوا الإرادة . وأن ينبذوا سير أهل التنبلة على سواء.

من حقنا أن نتحمل مسئولية قرارنا كشعب حر أبي مستقل ..

ليس من حقنا أن نحمل الرئيس أردوغان ولا الدولة التركية ولا الشعب التركي مسئولية تحررنا أو الحفاظ على المحرر من أرضنا . وهم غير مسئولين عنا وعنها عمليا أمام الدول والحكومات ..

التواكل لا يأتي بخير ، وهو ليس من شأن أهل العزم ... كلام عربي مبين .

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

كرد سوريا بين الانسحاب الأمريكي والتدخل التركي

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 13/10/2019

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالانسحاب من سوريا، وسعيه من أجل ترميم العلاقة مع تركيا بالأمر المفاجئ بالنسبة إلى المتابعين لسياسات ترامب، والمطلعين على كيفية تعامل القوى الكبرى، خاصة في المرحلة الراهنة، مع مختلف الموضوعات؛ فالمصالح العارية هي التي تحدد التوجهات، وتتحكّم في عملية بناء التحالفات المرحلية، وتجاوزها نحو تحالفات أخرى، تكون أكثر جدوى، وفق الحسابات الاستراتيجية للقوى المعنية.

فما كان من تحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين قوات قسد، التابعة عملياً لحزب العمال الكردستاني؛ أو بتعبير أدق، ما سوّق على أنه تحالف؛ لم يتجاوز في واقع الأمر حدود تنسيق استخباراتي عسكري، وتحكّم من جانب الأمريكان بتلك القوات الكبيرة من جهة العدد عبر مجموعة صغيرة نسبياً من المستشارين والجنود.

وقد كان موضوع التدخل التركي في منطقة شرقي الفرات مثار شد وجذب بين الجانبين الأمريكي والتركي منذ سنوات. ويبدو أن الإدارة الأمريكية منذ عهد أوباما قد قررت التحالف مع الحزب المعني، أو بكلام آخر أقرب إلى حقيقة الأمور، قد قررت الاعتماد على القوى العسكرية لـ ب. ي. د. التي كانت تُعرف سابقا بقوات حماية الشعب، وتعرف حالياً باسم قسد (قوات سوريا الديمقراطية)، ليكون ذلك وسيلة للضغط على الجانب التركي، وذلك من أجل فرض شروط عليها لها علاقة بالترتيبات المستقبلية لأوضاع المنطقة، والمعادلات التوازنية التي ستفعّل بموجب الحسابات الأمريكية.

ونحن إذا عدنا إلى النقلة التي قفز بموجبها حزب العمال الكردستاني، الذي يقود فعلياً القوات التي يدور حولها الحديث هنا، من تحالفه مع النظام والروس إلى التحالف مع الأمريكان، سنرى أن التحالف الجديد لم يكن بعيداً عن التفاهم الأمريكي الروسي منذ البدايات، هذا رغم التباينات والخلافات الظاهرة، وتلك التي يعبر عنها كل جانب في مختلف المناسبات.

فالحزب المقصود هنا، كان في منطقة عفرين منسقاً متفاهما مع الروس. وفي منطقتي الجزيرة وكوباني/ عين العرب كان متحالفاً مع الأمريكان في قتال داعش وليس النظام. ولم يكن موضوع اخراج قوات النظام وأجهزة مخابراته من منطقة الجزيرة في يوم من الأيام أولوية بالنسبة إلى هذا الحزب، ولا بالنسبة إلى الأمريكان أنفسهم. بل على العكس من ذلك، تعايش الجميع معاً، وتبادلوا الأدوار والمهام في مختلف الميادين.

أما تركيا، فقد حاولت بداية الأمر احتواء وجود حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا “ب. ي. د” وفتحت معه قنوات الاتصال، بعد أن كانت قد دخلت في مفاوضات مع حزب العمال الكردستاني نفسه. ولكن بعد اخفاق تلك المفاوضات، بدأت تحتج لدى الجانب الأمريكي، الذي كان قد فتح القنوات لتوه مع الحزب المعني، وبدأ بتزويده بالأسلحة والأموال، خاصة بعد معارك كوباني التي كانت بين التنظيم المذكور وداعش، في حين أن الموقف التركي كان وقتها مترددا، رغم التوافق الذي حصل لاحقاً، وكانت حصيلته دخول قوات البيشمركه من كردستان العراق عبر تركيا إلى مدينة كوباني، من أجل دعم المقاتلين فيها ضد داعش.

وهكذا تطورت العلاقة بين الجانبين الأمريكي وحزب الاتحاد الديمقراطي، ولكن العلاقة كانت دائمة في المستوى الأمني العسكري، ولم تكن هناك أية اتفاقيات أو التزامات سياسية.

وجاءت معركة الرقة التي قرر فيها الجانب الأمريكي الاعتماد على الحزب المذكور، رغم المعارضة الشديدة من جانب تركيا، وإبدائها الاستعداد للإسهام في تلك المعركة، ولكن شرط استعباد “ب. ي. د” عن الموضوع، وهو الأمر الذي رفضه الأمريكان، مما أدى إلى اضطراب في العلاقات الأمريكية التركية؛ حتى أن الولايات المتحدة رفضت بيع تركيا منظومة صواريخ باتريوت، بل سحبت تلك التي كانت قد نصبتها على أراضيها. هذا في حين أن تركيا كانت تعاني من أزمة عميقة مع الروس بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، وكانت العلاقات مع إسرائيل هي الأخرى متأزمة. ولكن مع تباعد المواقف بين تركيا وحليفاتها الأطلسيات، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لاذت تركيا بالانفتاح على الروس في الوقت ذاته؛ وباتت ركناً أساسياً من أركان مسار أستانا الذي جمع بينها وبين الروس والإيرانيين. وقد تمكنت بفعل التفاهم مع الروس، وضوء أخضر أمريكي من الدخول إلى منطقة جرابلس واعزاز، ومن ثم دخلت إلى عفرين. ولكنها كانت دائماً تؤكد أنها ستبذل كل المساعي من أجل الدخول إلى منطقة شرقي الفرات لإخراج حزب الاتحاد الديمقراطي من هناك، وهو الأمر الذي كان الأمريكان يعارضونه باستمرار، رغم وجود اشارات كانت توحي باستعداد ترامب وأركان من إدارته، رغم رفض آخرين، بالتعامل الإيجابي مع المطلب التركي.

وقد تفاجأ العالم بقرار ترامب بعد إعلانه القضاء على تنظيم داعش في سوريا، إذ اتخذ قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، وهو الأمر الذي أثار موجة من التنديدات ضمن الإدارة الأمريكية نفسها، وإلى استقالة العديد من المسؤولين فيها؛ مما دفع بترامب إلى مراجعة قراره وتعليقه، ولكن من دون إلغائه. وفي الأثناء تواصلت المباحثات والمشاورات بين الجانبين الأمريكي والتركي. ومعها التهديدات التركية المستمرة بدخول المنطقة، هذا مع معرفة الجميع بأن خطوة من هذا القبيل لن تكون من دون الحصول على ضوء أخضر أمريكي، وهو الضوء الذي أعطاه ترامب بتغريداته وتصريحاته المبهمة المتناقضة مؤخراً؛ الأمر الذي يعزز انطباعاً مفاده بأنه ليس من المستبعد أن تكون الخطوة الأمريكية متكاملة مع خطوة أخرى، يكون قد الاتفاق عليها مع الروس.

المتضرر الأكبر من كل ما جرى ويجري في منطقة شرقي الفرات والجزيرة السورية هم الكرد السوريون من دون غيرهم. فقد سيطر الحزب الديمقراطي على مناطقهم بتفويض تام من النظام، وتنسيق كامل معه منذ اليوم الأول للثورة السورية. وتسبّب هذا الأمر في هجرة نحو مليون كردي نتيجة ممارسة الحزب المذكور الشاذة، مثل التجنيد الإجباري الذي فرض على الشباب؛ وإلحاق أسوأ الكوارث بالعملية التعليمية؛ هذا إلى جانب قمع الحزب المعني للحريات، وتجسد ذلك في اعتقال المنتقدين والمنافسين المحتملين، وتصفيتهم وترحيلهم، بل وصل الأمر ببعض قادته إلى الإعلان صراحة بأن من لا يقبلون بسياساتهم عليهم أن يرحلوا. واستمرت الأمور هكذا، حتى جاء الأمريكي الذي تعامل مع القوات العسكرية التابعة للحزب المعني كما يتعامل مع أية شركة أمنية تؤجر القوات للمهام الخاصة.

وكان من الواضح دائماً أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بخروج تركيا من منظومتها التحالفية، لتغدو جزءاً من تحالف روسي إيراني، وربما صيني، الأمر الذي من شأنه تهديد المصالح والحسابات الأمريكية في منطقتنا، ومناطق أخرى في العالم. فالقوى العظمى تعطي الاعتبار الأكبر في نهاية المطاف للمصالح كما أسلفنا، ولا تقيم أي وزن مؤثر لموضوع القيم والمبادئ والالتزامات الأخلاقية، خاصة في عصرنا الشعبوي هذا؛ وهي لا تخشى في ذلك لومة لائم، ولا تشعر بأي حرج أو خجل.

أما بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني، فهو أمام عدة خيارات: إما العودة إلى تفاهمه وتنسيقه مع النظام السوري؛ أو سحب كوادره إلى مواقعهم في جبل قنديل، انتظاراً لمهمات أخرى. أما الاحتمال الثالث، وهو الأنجع، فهو الدخول في مفاوضات مع الدولة التركية للوصول إلى حل سلمي لمختلف النقاط المختلف حولها، ويمكن للولايات المتحدة أن تتوسط في هذا المجال، وتدفع بالأمور نحو هذا المنحى، إذا كانت تفكر في مصلحة حليفتها تركيا والكرد، ومصلحة الاستقرار في المنطقة.

أما الكرد السوريون، فهم الحلقة الأضعف أصلاً في المجتمع السوري نتيجة عقود من الاضطهاد والتهميش؛ وجولات من استغلال حزب العمال الكردستاني لهم، واستنزافه لمواردهم الاقتصادية الضحلة من الأساس، وتسبب في مقتل الآلاف من شبابهم، وتهجير مئات الآلاف. الكرد السوريون هم في وضع لا يحسدون عليه، وقد دفعوا ثمناً باهظاً في معارك لا تخصهم، بل كانوا مجرد مادة وأداة في مشاريع الآخرين. وما ينتظرهم في قادم الأيام ليس واضحاً بعد، ولكن الخطوة الأهم التي ستخفّف الضغط عنهم بعض الشيء تتمثل في ضرورة فك الارتباط بين الـ “ب. ي. د” وحزب العمال، ليغدو الأول حزب سورياً، وبأجندة سورية كردية.

ما نحتاجه اليوم على المستوى السوري الوطني العام، وعلى مستوى منطقة الجزيرة بصورة خاصة، هو الحد من ديماغوجية خطاب الحقد والكراهية الذي يتبناه أصحاب العقلية الانتقامية المتطرفة، سواء بين العرب أم الكرد، وذلك للمحافظة على السلم المجتمعي المحلي في الجزيرة، هذا المجتمع الذي يعد النواة الضامنة للسلم الوطني السوري العالم.

كما أن الحوار التركي الكردي الداخلي مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وذلك من أجل إيجاد الحلول الإبداعية لمختلف المشكلات المعلقة. ومن دون مثل هذا الحوار ستظل الأرضية خصبة لكل أولئك الذين لا تهمهم مصلحة الطرفين (التركي والكردي)، ويسعون لمغازلة المتطرفين هنا وهناك، وتشجيعهم ودعمهم بهدف المزيد من عدم الاستقرار واستنزاف الطاقات.

===========================


لا للذهاب إلى المجهول

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 12/10/2019

ـ لا أعرف نتائج التدخل العسكري التركي شرقي الفرات في سورية. ولا أعتقد أن غيري يعرف، بالنظر إلى تشابك وتعارض إرادات من ينخرطون، أو يستطيعون الانخراط، في الصراع على المنطقة، وما يمكن أن تكون عليه النتائج المتناقضة التي ستتمخض عن أدوارهم فيها، وما إذا كانت أهدافهم المعلنة هي أهدافهم الحقيقية، أم أننا سنواجه هنا، كما واجهنا غالبا في الصراعات متشعبة المسارات متعارضة القوى، صعوباتٍ جمّة في تقدير مرامي من يخوضونها بجيوشٍ قال نابليون، ذات يوم، إنها ترفع رايات بيضاء تكون ناصعة بقدر ما يريد لها أن تحجب ما في مراميها من سواد .

ـ أعتقد أن الدخول العسكري التركي إلى منطقة شرق الفرات يضمر عناصر سيكون من الصعب على تركيا التحكّم فيها، في حال قرّرت واشنطن أو موسكو استغلال ما فيها من معضلاتٍ تتيح لهما دفع الصراع إلى أبعادٍ لا تبدل فقط بديمغرافيا المنطقة، بل تمسّ كذلك بكيان الدولة التركية التي أستبعد أن تكون قد أقدمت على خطوتها، من دون تعهد بني عليه تفاهمها مع واشنطن، وتوافقها المحتمل مع موسكو وطهران حول ما إذا كان توغل جيشها إلى مسافةٍ تربو على ثلاثين كيلومترا سيعني ترحيلهم من مناطق عيشهم الحالية، وتقرير مصير سورية في ضوء حل دولي لقضيتهم، يكرّر ما سبق أن واجهوه بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أدرجت قضيتهم في سياقاتٍ قوميةٍ لا ينتمون إليها، تحوّلوا فيها إلى حالاتٍ باردة، بني الأمن الإقليمي على عدم تحريكها، ناهيك عن تسخينها، لما لهما من مخاطر تتحدّى الصيغة التي توافق الكبار عليها، لمنطقةٍ تشمل أمما أخرجت القضية الكردية من توازناتها. ويبدو، في أحد الاحتمالات المطروحة، أن دخول تركيا إلى شرق الفرات يؤكد أن إخمادها عاد إلى جدول أعمال الدول المقرّرة، بدلالة ردود الفعل الدولية والإقليمية على إعلان استقلال كردستان العراق بالأمس، وما يحدث اليوم من "تراخٍ" دولي حيال العملية العسكرية التركية شرق الفرات، حيث ارتكب حزب العمال الكردستاني حماقاتٍ سياسيةً لا تغتفر ضد مصالح وحقوق عربه وكرده وبقية أقوامه، لاعتقاده أنه اختطف المنطقة في غفلةٍ من أهلها والعالم، ووضع حتى واشنطن أمام أمر واقع لا يسع أحد تغييره، وتوهمه أنها ستخوض معركة كسر عظمٍ من أجل مشروعه الكردستاني ضد تركيا وايران والعراق وسورية، كأنه لم يصدّق إعلاناتها اليومية عن رغبتها في فك ارتباطها بالصراعات السورية والعراقية والأفغانية، وكذلك وضعه المسألة الكردية خارج المسألة الوطنية الديمقراطية السورية، وفي مواجهتها، ومد يده إلى الأسدية، وتعاونه معها ضد الكرد أيضا، ناهيك عن ارتكاباته ضد الأغلبية العربية التي ذكّرت السوريين، من عرب وكرد، بممارسات الأسدية، وفضحت خديعة الشعوب الديمقراطية المتآخية، التي قرر "العمال الكردستاني" أن تبلغ مآربها بسلاح "قوات حماية الشعب"، وما تتبنّاه من نظام سياسي لا محل فيه حتى للكرد، من غير أتباعها!.

مثلما فوّت حزب العمال الكردستاني على كرد سورية فرصة الديمقراطية، تفوّت تركيا عليهم اليوم فرصة الاختيار. وهذا لا يخدم قضية الديمقراطية التي يمثل كرد سورية ركنا رئيسا من أركانها، ولا بد أن يهب السوريون لحمايتها وحمايتهم، فالسوريون الكرد ليسوا هذا الحزب، وهذا ليس كرد سورية الذين ذاقوا من أذاه ما يستوجب إبعاده عنهم، وإبعادهم عنه، وفتح باب حوار وطني ديمقراطي جاد إلى أبعد الحدود معهم، للتوافق على مستقبلٍ يتسع لجميع السوريين، ويلبي حقوقهم أفرادا وجماعات، لا سيما وأن في مثل هذا التوافق من الضمانات لتركيا ما لا تأتيها به مدافع جيشها ودباباته.

هل فات الوقت؟ إن وقت العمل الديمقراطي/ الوطني، المكرّس لإنقاذ السوريين وإبعادهم عن المهالك، لم ولن يفوت أبدا. .. واللجنة الدستورية ؟ لنكن جدّيين، ولنكفّ عن المزاح.

===========================


ضياع في سوريا

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 12/10/2019

تبدو تحولات القضية السورية أقرب إلى ما يسمى (مسرح العبث واللامعقول) والجميع في انتظار «غودو» الذي لم يأت، وهو الحل السياسي البسيط الذي رسم خريطة الطريق فيه، قرار مجلس الأمن 2254 الذي جاء على مبدأ شعبي يقول (لايفنى الذئب ولا يموت الغنم) وقد قبلت به المعارضة عامة لأنه حل وسطي، بعد أن تدخلت روسيا، وبعد أن ظهر تنظيم «داعش» وتنظيم «القاعدة»، وبعد أن رفعت قوى سمت نفسها (معارضة) شعارات لا علاقة لها بمطالب الشعب التي لم تتجاوز الحرية والكرامة وبناء دولة مدنية ديمقراطية خالية من العنصرية والطائفية، وهكذا وجد المطالبون بالحرية أنفسهم غرباء عن الساحة، بعضهم اعتقل، وبعضهم استشهد، وبعضهم هاجر، وباتت المعارضة السورية المتبقية تنفق من الوقت والجهد وحتى من الدم في مواجهة الشق الثاني ممن تسمّى بالمعارضة وبُدّل توجه بوصلتها، وتوجهت قوى كبرى من الشعب لمعارضة المعارضة.

وعلى صعيد دولي تم تجاهل المطالب التي حددها بيان جنيف، وكل قرارات الأمم المتحدة، وبقي المهجرون هائمين في الصحارى والحقول، وعلى بوابات دول الجوار يبحثون عن مأمن وملاذ وتضيق بهم الأرض بما رحبت، بينما تمكن المهجرون الأوائل إلى أصقاع الأرض من تحقيق استقرار مؤقت (ولاسيما المهجرين إلى أوروبا)، وبقي آلاف المعتقلين في السجون، ومئات الآلاف من الأطفال في المخيمات بلا مدارس، وملايين الأسر السورية في الداخل تعيش حالة فقر مدقع، ولا تتوافر لها مقومات الحياة الطبيعية، وقد انخفض الدعم الإغاثي الدولي، بل توقف في أماكن كثيرة، كما أن تجارب المصالحات أخفقت، كما في إدلب وأرياف حلب وحماه، وبات ملايين السوريين في حالة ضياع، ولم يعد العقلاء والحكماء قادرين على الخروج من هذا المأزق التاريخي، فقد تداعت عليهم أمم شتى، وفقد كثير من المعارضين السوريين ثقة الشعب بهم، وقد فقدوا السند المتين حين كان «الجيش الحر» يسيطر على نحو ثمانين في المئة من مساحة سوريا، فتوجه بعضهم لتلبية المطالب الدولية الحاضنة، وانكفأ عدد كبير من المعارضين واعتزلوا الساحة المضطربة التي سادت فيها فوضى عارمة، واكتظت وسائل التواصل بالشتائم والتخوين، واختلط الحق بالباطل، والحابل بالنابل، وبات بسطاء الناس وهم الأكثرية المسحوقة في الشمال السوري تائهين حائرين لايعرفون بمن سيثقون، فهم يدركون أن كثيراً من دعاة الإسلام جعلوا منه ستارة لأهداف لاصلة لها بأهداف الشعب، وهم يخشون من استعادة النظام لمناطقهم خوفاً من الاعتقال والانتقام، وقد سدت في وجوههم بوابات النزوح والهجرة خارج سوريا، وقد هرب مئات الآلاف من ريف حماه بعد المعارك الأخيرة لاجئين إلى أغصان الزيتون في ريف إدلب، والشتاء على الأبواب ينذرهم بالوحل والبرد والجوع والموت، ولا معين لهم اليوم من البشرية.

وفي شرق الفرات ثمة احتمال نزوح ضخم مع توقع بدء المعارك، والمفجع أن ما غرقت فيه سوريا من مستنقع دم ودمار لا علاقة له البتة بما نادت به المظاهرات الشعبية الأولى، وكل ما نخشاه أن يفقد السوريون بلدهم الذي بات أرضاً يباباً، بسبب التعنت، والاستقواء بالخارج، إنها حالة ضياع لا مخرج منها إلا باستعادة اللحمة الوطنية بين السوريين، والارتقاء فوق شهوات السلطة والنفوذ، وواهم من يظن نفسه منتصراً في محيط من الدم والدمار.

===========================

فشل السياسة الأميركية في سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 10/10/2019

مرة أخرى، يفاجئ الرئيس ترمب العالم والسوريين بشكل خاص بقراره الانسحاب من المناطق الحدودية السورية – التركية والسماح لعملية عسكرية تركية داخل الأراضي السورية. وذلك بعد مكالمة هاتفية بين الرئيس ترمب والرئيس التركي أردوغان.

في المرة الأخيرة عندما تحدث الرئيس التركي مع الرئيس ترمب في 18 ديسمبر 2018 أعلن بعدها الرئيس ترمب عن انسحاب أميركي كامل من سوريا ثم تراجع عن قراره بعد ضغط المؤسسة العسكرية في البنتاغون، وأبقت الولايات المتحدة حينها بحدود 2000 جندي فقط في مناطق عسكرية مختلفة أميركية داخل الأراضي السورية بهدف دعم من تسميهم الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية SDF وهو فصيل عسكري يتشكل بشكل رئيسي من قوات الحماية الكردية PYG التي تعتبر امتدادا لحزب العمال الكردستاني PKK في تركيا والذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية ودخل في حرب عسكرية طويلة الأمد مع الحكومات التركية المتعاقبة.

في 6 أكتوبر، تحدث الرئيس الأميركي ترمب مجدداً مع الرئيس التركي أردوغان وأخبره إنه لن يعارض أية عملية عسكرية تركية داخل الأراضي السورية ضد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة. وفعلاً بدأ بحدود ما يتراوح بين 100 إلى 150 من الأفراد العسكريين الأميركيين الذين تم نشرهم في المنطقة بالانسحاب من المنشآت العسكرية الأميركية بالقرب من الحدود التركية خاصة في منطقتي تل أبيض ورأس العين الحدوديتين، وعلى الرغم من أنه من المتوقع أن تبقى بعض القوات الأميركية في شرق سوريا التي تنتشر في مناطق مختلفة في شمال وشرق سوريا

تأمل تركيا في أن هذه العملية العسكرية ستكون مقدمة لفرض ما تسميه أنقره "منطقة آمنة" على الحدود لسورية التركية ضمن قطاع يبلغ طوله 20 ميلًا

إلا أن هذا الانسحاب الجزئي ربما يكون مقدمة لانسحاب كامل كان الرئيس ترمب قد أعلن عنه في ديسمبر الماضي كما ذكرنا، مقابل هذا الانسحاب أعلن البيت الأبيض في بيان له أن تركيا ستتولى مسؤولية جميع مقاتلي تنظيم الدولة الذين تحتجزهم قوات سوريا الديمقراطية والذين يقدر عددهم بأكثر من 70 ألف مقاتل كما ذكر الرئيس ترمب، وتتحمل الولايات المتحدة تكاليف أسرهم بعد أن رفضت الدول الأوروبية استعادة مواطنيها الذين قاتلوا في سوريا ضمن صفوف التنظيم أو حتى المساهمة في دفع تكاليف احتجازهم في معسكرات تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

تأمل تركيا في أن هذه العملية العسكرية ستكون مقدمة لفرض ما تسميه أنقره "منطقة آمنة" على الحدود لسورية التركية ضمن قطاع يبلغ طوله 20 ميلًا على طول الحدود وبعمق 30 كيلومترا، ويكون مقدمة لإعادة توطين اللاجئين السوريين الذين فاق عددهم أكثر من 4 ملايين لاجئ ويتوزعون في الأراضي التركية مع تركيز أكبر في المدن الرئيسية من مثل إستانبول وغازي عنتاب وأورفة وكيلس وغيرها.

كان الجانبان التركي والأميركي قد خاضا مفاوضات سياسية وعسكرية من أجل أن تقوم الولايات المتحدة بمساعدة تركيا في إنشاء وحماية المنطقة الآمنة على الحدود السورية – التركية، لكن تركيا غالبا ما كانت تصطدم باللامبالاة في أحسن الحالات أو رفض من الجانب الأميركي الذي يريد انسحابا كاملا من الأراضي السورية كما كرر الرئيس الأميركي ترمب ذلك في أكثر من مرة.

 وكما يبدو فإن القرار الأخير اتخذه الرئيس ترمب من دون استشارة كبار مساعديه أو البنتاغون، ولذلك وجدنا عاصفة من الرفض لقرار الرئيس ترمب من قبل الكونغرس وحتى من شخصيات داخل الحزب الجمهوري من مثل السناتور ليندسي غراهام أو زعيم الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل حيث أعلن السناتور غراهام عن نيته في فرض عقوبات ضد تركيا إذا قررت الدخول إلى الأراضي السورية كما تعهد بالدعوة إلى تعليق تركيا من منظمة حلف شمال الأطلسي الناتو.

يمكن القول إن هذا القرار ينسجم مع طبيعة الرئيس ترمب في إدارة السياسة

أشار الرئيس ترمب إلى أن هدف القوات الأميركية كان القضاء على تنظيم الدولة وهو ما تحقق ولذلك يجب على الولايات المتحدة أن لا تكترث بسوريا أو السوريين

الخارجية التي بدأت تتسم باللاتوقعية، ولذلك من الصعب على الحلفاء كما على الأعداء توقع ماهية الخطوة الأميريكية القادمة في سوريا، أو ما استراتيجيتها في سوريا، من أجل ضمان تحقيق أهدافها التي أعلنتها.

حيث أشار الرئيس ترمب إلى أن هدف القوات الأميركية كان القضاء على تنظيم الدولة، وهو ما تحقق، ولذلك يجب على الولايات المتحدة أن لا تكترث بسوريا أو السوريين أبدا وليس من شأنها إدارة العملية السياسية هناك أو الضغط على نظام الأسد من أجل تحقيق انتقال سياسي أو مواجهة النفوذ الإيراني والروسي المتمدد في الأراضي السورية، بل إن ترمب طلب تعاونهم في إدارة سوريا المستقبل.

يمكن القول إن السياسية الأميركية في سوريا ما زالت تعيش تخبطاً لا مثيل له، صحيح أن هذه الأخطاء المتراكمة بدأت مع السنوات الأخيرة لإدارة الرئيس أوباما، لكن الرئيس ترمب أوصل هذا التخبط إلى حدوده القصوى، ومن الصعب على الولايات المتحدة أن تستعيد صِدقيَّتَها في المنطقة بعد فقدانها للتأثير العسكري والسياسي الضروري من أجل إنهاء مأساة السوريين المستمرة منذ أكثر من ثماني سنوات.

===========================

موقفنا : " الجيش العربي السوري " بين الأمل الثوري المنشود .. وكذبة جيش الشرق الفرنسي الطائفي

زهير سالم

مركز الشرق العربي

14/ 10 / 2019

أيها السوريون الأحرار ..أيها الثوار الأبطال ..

يا كل موفوري الكرامة والإنسانية في هذا العالم الرحب ..

توقفوا عن إهانة العروبة ..

وتوقفوا عن إهانة سورية ..

وتوقفوا عن إهانة الرجولة والمروءة والبطولة والشهامة والفداء ..

ولا أحد يخطئ فيطلق على زمرة الأسد وميليشياته الطائفية اسم : الجيش العربي السوري .. ..فذلك من منكر القول ، ومن زوره وإفكه وباطله ..

توقفوا عن الاسترسال في السرديات الظلامية توقيرا للعروبة ..ورحمة باسم سورية الحبيب القريب ..

توقفوا عن قول الإثم ..

لأن مهمة الجيوش الأساسية أن تدافع عن التراب الوطني لا أن تتاجر به كما كان في السابعة والستين وزير دفاع يبيع ، وقائد جبهة يهرب على حمار ..هل تذكرون ؟!

ولأن مهمة الجيوش أن تحرر ما ضاع من أرض الوطن في ساعة انكسار أو غفلة فيكون لها الكرة بعد الفرة ، لا أن تنام على الاحتلال أكثر من نصف قرن حيث كان وزير دفاع تلك الميليشيا الأكثر خزيا يتتبع الغانيات وأخبارهن ، ويكتب في فن الطبخ وفي تنسيق الزهور ويوقع على قوائم إعدام الأحرار ..كما كان كبار القادة أركان حرب يشتغلون في تربية المداجن ، وإدارة المناجر والمحاجر ..وما تعرفونه أكثر ..

ولأنه ليس من مهمة الجيوش أن تدير ظهرها لحدود ، وتنقلب على عقبيها تقتيلا وتشريد لمن أموال هذه الجيوش منهم ومنهم جنودها ، جنودها المستضعفون المستكرهون على قتل أهليهم وتدمير ديارهم ..وهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ..

ولأن ..

ولأن ..

ولأن ..

ومائة لأن بعد لأن ...وأولها لأننا نعرف عن مخدع جيش الشرق ما يجعلنا نفهم ونتفهم سر الصأصأة الفرنسية ..ومعنى الخمسين مليون الأمريكية ؛ وكل أولئك يفرض على كل عاقل ومنصف وموضوعي وإنساني ..أن يظل يتحدث عن زمرة الأسد وليس عن نظام سوري ..وعن ميليشيات الأسد وليس عن جيش سوري ..وكفى

لا هم منا ولا نحن منهم..

وقد أيقنا من قبل أن الموج لا ينفصل عن بحره ، ذلك لمن كانت معارضته همزة موجة ..

وسيبقى تأسيس " الجيش العربي السوري " حلمنا الثوري الجميل ، وأملنا المنشود . الذي سنسعى إليه . والذي نريد أن نرى في الجيش الوطني نواة له .. جيشنا حامي هويتنا وعقيدتنا وثقافتنا وأرضنا وسماءنا وقبل وبعد كلً حامي إرادتنا الحرة وعزيمتنا حتى لا تنحرف بوصلة ..ولا تنكسر عزيمة ....

قالوا : التمت الميليشيا على الميليشيا ..، والمنصات على المنصات قلت : التمام المتعوس على خائب الرجا ..

( فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ)

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

شرقي الفرات بين مقاولين

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 10/10/2019

عاد العالم إلى اللهاث وراء تغريدات دونالد ترامب، بين مساء الأحد وصباح الاثنين. تغريدات صاحب «الحكمة الفريدة والاستثنائية» على ما وصف ترامب نفسه في إحداها، قلبت عالم السياسة عاليه سافله، ليس بسبب تلك الحكمة المزعومة، بل لأنه صاحب القرار الأول في أقوى دول العالم اقتصاداً وقوة عسكرية ومقدرات علمية – تكنولوجية، صادف وقوعها بين يدي رجل قد يتصف بكل شيء ما عدا الحكمة، ولا سبيل لتوقع قراراته أو كلامه. تركيا المبتهجة بالحصول على الضوء الأخضر من ترامب باجتياح مناطق في شرقي نهر الفرات، غاضبة من تهديده بـ«تدمير اقتصادها». كرد «قوات سوريا الديمقراطية»، بالمقابل، يشعرون بالخذلان من ترك ترامب لهم لقمة سائغة أمام الجيش التركي، وبالاستياء من حديثه عن الأموال والمعدات العسكرية التي منحها لهم، يعللون النفس بتغريدته اللاحقة التي امتدحهم فيها وأنكر تخليه عنهم، ويستعيدون شيئاً من الشعور بالأمان من تهديد ترامب لتركيا «إذا تجاوزت الخطوط المرسومة».

أي محاولة لتحليل حصيلة التغريدات الترامبية بشأن شرقي الفرات، مصيرها الاضطراب والفشل. من الأفضل إذن أن نحاول تحليل حصيلة موازين القوة في القرار الأمريكي، بين نزوات ترامب، ومقاومة «المؤسسة» التي تشمل، إضافة إلى وزارة الدفاع، الكونغرس بحزبيه الجمهوري والديمقراطي اللذين اتفقت غالبيتهما على مقاومة قرار ترامب بالسماح لأنقرة باجتياح شرقي الفرات.

تقول هذه الحصيلة، إلى الآن، ما يلي: انسحاب نحو خمسين عسكرياً أمريكياً من المنطقة الحدودية قرب تل أبيض ورأس العين. وليس انسحابا عسكريا أمريكيا من الأراضي السورية (2000 جندي) كما يريد ترامب إرضاءً لناخبيه. امتناع وزارة الدفاع الأمريكية عن فتح المجال الجوي أمام حركة الطيران التركي، من خلال وقف التعاون الاستخباري والتنسيق الجوي. من شأن هذا الوضع أن يعقد مهمة القوات التركية أو الفصائل السورية المسلحة المؤتمرة بأمرها في غزو المنطقة. فإذا حلق الطيران التركي، برغم ذلك، فوق الأراضي السورية في المنطقة المستهدفة، فهي معرضة للإسقاط. أما برياً فمن المحتمل أن يؤدي غياب الغطاء الجوي إلى خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة. هناك «حدود» مرسومة لأردوغان من قبل ترامب، حسب تغريدته التهديدية، لا نعرف ما هي. هل هي حدود جغرافية أم تتعلق بالأهداف العسكرية أم بعمليات تهجير قسري محتملة للسكان أم جميعها معاً؟ الثمن المطلوب من تركيا مقابل الضوء الأخضر: تحمل المسؤولية عن معتقلي تنظيم الدولة (داعش) الموجودين الآن لدى «قوات سوريا الديمقراطية». وما يعني ذلك من وضعهم في سجونها ومحاكمتهم أمام محاكمها، وتحميل تركيا المسؤولية عن احتمال تسربهم. ينظر ترامب إلى الموضوع، كعادته، نظرة مقاول، فلا يتحرج من الشكوى من الأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة على قوت «قسد» أو على تكاليف اعتقال عناصر داعش، فلا يرى النتائج المحتملة لسحب قواته من سوريا، أو حتى السماح لتركيا باحتلال قسم من الشمال السوري، أو إضعاف حليفه الميداني (قسد). تلك النتائج التي حذر منها معارضو قراره في الكونغرس، كاستعادة داعش زمام المبادرة، أو إفساح المجال أمام إيران للتمدد في الفراغ الذي سيلي أي انسحاب أمريكي كما يريد ترامب، أو تحقيق موسكو لهدفها في السيطرة على كامل الوضع السوري.

 

كان التدخل العسكري التركي الأول في منطقة «درع الفرات» هدية روسية لتركيا مقابل تسليم حلب في مسار سيقود أنقرة إلى المشاركة في آلية «آستانة» مع موسكو وطهران

 

ترى هل يختلف أردوغان كثيراً عن ترامب في عقلية المقاول في تناوله لموضوع غزو شرقي الفرات؟

هناك هدفان معلنان للعملية العسكرية المرتقبة، وفقاً للبروباغندا التركية: هواجس الأمن القومي وإراحة تركيا من عبء اللاجئين السوريين. أما الهدف الأول فهو يحتاج إلى كثير من البخور الإيديولوجي ليصبح مقنعاً. فمتى شكلت «وحدات حماية الشعب» الكردية خطراً يهدد الأمن القومي لتركيا؟ فمنذ سيطرتها على المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، صيف العام 2012، بتنسيق مع النظام الكيماوي، لم تقم «الوحدات» بأي عمل عدائي ضد تركيا، باستثناء بعض قذائف مدفعية على المناطق الحدودية رداً على هجمات تركية. وواظب صالح مسلم، الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديموقراطي، على إعلان نوايا حسنة تجاه الدولة التركية، كما زار العاصمة أنقرة أكثر من مرة بناء على طلب السلطات التركية. بالمقابل، قامت تركيا بتوجيه فصائل مسلحة سورية للهجوم على مناطق سيطرة «الوحدات» منذ العام 2012، بما في ذلك جبهة النصرة التي هاجمت رأس العين في 2012 و2013.

الواقع أن التحالف الأمريكي ـ الكردي في سوريا، بمناسبة الحرب الدولية ضد داعش، هو ما دفع الحكومة التركية إلى المطالبة بتدخل عسكري في مناطق سيطرة «الوحدات»، وكان ذلك بمناسبة معركة كوباني 2014، حيث تضاربت الأهداف التركية والأمريكية للمرة الأولى بشأن سوريا. ففي حين وجدت إدارة أوباما في المقاتلين الكرد حليفاً ميدانياً ضد داعش راحت تزودهم بالسلاح والعتاد، امتنعت تركيا عن المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش ورأت في «وحدات الحماية» عدوها الرئيسي في سوريا. وكان التدخل العسكري التركي الأول في منطقة «درع الفرات» هدية روسية لتركيا مقابل تسليم حلب في مسار سيقود أنقرة إلى المشاركة في آلية «آستانة» مع موسكو وطهران. في حين كان التدخل الثاني في منطقة عفرين مقابل سقوط الغوطة الشرقية في يد النظام. أما عملية شرق الفرات المتوقعة اليوم، فسوف تكون مقابل إنهاء الوضع التركي الملتبس في إدلب وتسليمها لنظام الأسد.

أما والمنطقة المستهدفة الآن هي منطقة نفوذ أمريكية، لا روسية، فقد كانت أنقرة بحاجة لمبرر إضافي من شأنه إقناع زبائن كثر ممن لا تعني لهم «المشكلة السورية» إلا لكونها مصدراً للاجئين، أي الدول الأوروبية بصورة خاصة. لذلك طرح أردوغان مشروع الفيلات من طابقين ذات الحواكير لزراعة الخضار، فضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. من جهة سحب ورقة عبء اللاجئين من يد المعارضة التركية، ومن جهة ثانية أرخى «بوابة» اللجوء إلى أوروبا لكي تتحمس الحكومات الأوروبية لمشروع «حي الفيلات»، ومن جهة ثالثة استثمر حساسية ترامب الإيجابية تجاه تناول السياسة بعقلية المقاولات، ومن جهة رابعة ينطوي مشروع الإسكان على وعود وردية لقطاع الأعمال التركي الذي يمر بركود، ومن جهة خامسة استجاب لنزعات عدائية في البيئة العربية في سوريا تجاه مشاريع حزب الاتحاد الديمقراطي التي ترى فيها نزوعاً انفصالياً.

لو كان الموضوع يتعلق فعلاً بهواجس أمنية لاكتفت أنقرة بالاتفاق الذي أبرم مع واشنطن، في شهر آب، حول «المنطقة الآمنة» التي لن تعود آمنة، بعد الانسحاب الأمريكي منها.

===========================


ترامب: دبّروا رؤوسكم

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 9/10/2019

للمرّة الثالثة خلال 18 شهرا، يعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نيته سحب قواته من شمال شرق سورية، تاركا حلفاءه الأكراد مكشوفين أمام عملية عسكرية تركية محتملة تستهدفهم. في المرتين السابقتين، تراجع ترامب عن قراره، ولكن الظروف تبدو هذه المرة مختلفة، مع ضرورة إبقاء كل الاحتمالات مفتوحةً مع ترامب.

يعود قرار الانسحاب الأول من سورية إلى إبريل/ نيسان 2018، عندما قرّر ترامب نسف أسس الاستراتيجية التي وضعها وزير خارجيته السابق، ريكس تيلرسون، ومحورها الاحتفاظ بقوات أميركية في شمال شرق سورية لتحقيق أربعة أهداف رئيسة: منع انبعاث تنظيم الدولة الإسلامية، منع إيران من الحصول على ممر بري من العراق عبر سورية وصولا إلى لبنان، الضغط للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، وإعادة توطين اللاجئين. لكن تعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي في مارس/ آذار 2018، بدلا من هيربرت مكماستر، أفسد عليه الأمر، إذ أقنعه بولتون بضرورة البقاء في سورية والالتزام بأهداف استراتيجية تيلرسون، خصوصا بعد أن انتزع تعهدا من دول خليجية بتمويل إقامة القوات الأميركية، منها ثلاثمائة مليون دولار من السعودية.

ولكن ترامب عاد وقرّر الانسحاب مجدّدا بعد مكالمة هاتفية أجراها معه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ديسمبر/ كانون الأول 2018، وذكرت وسائل إعلام أميركية أن ترامب قال خلالها لأردوغان "أنا خارج، وهذه سورية لك!". وقد أدى هذا القرار حينها إلى استقالة وزير الدفاع، جيمس ماتيس، والمبعوث الرئاسي لقوات التحالف في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، بريت ماكغورك. ولكن مرة أخرى أدت الضغوط الداخلية والخارجية إلى تراجع ترامب عن قراره الانسحاب.

يوم الأحد الماضي، وبعد مكالمة هاتفية جديدة مع الرئيس التركي، أردوغان، قرّر ترامب للمرة الثالثة سحب قواته من سورية، والسماح لتركيا بإنشاء المنطقة الآمنة "الموعودة"، مبرّرا قراره بأن أردوغان تعهد أن يأخذ على عاتقه مسؤولية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، والتعامل مع أسرى هذا التنظيم الذين ترفض دول أوروبية استردادهم، على الرغم من أنهم مواطنوها. ولمنع عرقلة قراره، اختار البيت الأبيض إصدار بيان بشأن الاتفاق مع تركيا عند الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا بتوقيت واشنطن، لتستفيق العاصمة في الصباح على وقع قرار سحب القوات الأميركية من مواقعها على الحدود السورية - التركية.

وكما في كل مرة، أثار قرار ترامب عاصفةً من الانتقادات من داخل حزبه وبين الحلفاء الأوروبيين، ما دفعه إلى إصدار تحذير لتركيا أنه سيدمرها اقتصاديا، إذا تجاوزت حدود الاتفاق معه. مع ذلك، يرجّح أن يمضي ترامب، هذه المرة، بقرار الانسحاب، فالرجل لا يبدو عابئا بشيء، خلا المعركة التي يخوضها ضد خصومه السياسيين في الداخل، فيما يسعى إلى إضافة مزيد من النقاط إلى رصيد حملة إعادة انتخابه، والتي يبدو أنه مستعد لفعل أي شيء من أجل كسبها، كما تبين من تفاصيل مكالمته مع الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، بشأن منافسه الديموقراطي، جو بايدن.

وسوف تمنح إعادة القوات الأميركية من سورية ترامب مكسبا صغيرا، يحتاجه بعد سلسلة من الإخفاقات في سياسته الخارجية، إذ لم يتمكّن من انتزاع اتفاق مع كوريا الشمالية، بعد ثلاثة لقاءات قمة مع رئيسها، كما أن سياسته المتشدّدة مع إيران تحتاج وقتا أطول، حتى تعطي نتائج، أما الصين فلم تعد مستعجلةً لإبرام اتفاق تجاري مع واشنطن، بعد أن أدركت مدى حاجة ترامب إليه انتخابيا.

في السياق نفسه، تدور في واشنطن أحاديث عن علاقة خاصة تربط ترامب بالرئيس أردوغان، والتي بدت واضحة في أكثر من مناسبة، كان آخرها قمة الدول العشرين في اليابان في يونيو/ حزيران الماضي، وفي معالجة ترامب قضية شراء تركيا صواريخ إس 400 الروسية. هذه العلاقة، بحسب وسائل إعلام أميركية، تستمد قوتها من أحد أكبر ممولي حملة ترامب الانتخابية، وهو رجل أعمال تركي مقرّب من أردوغان.

ومع تفرّد ترامب بالقرار، بعد طرده المعارضين في إدارته، سوف نشهد، على الأرجح، كلما اقتربنا من موعد الانتخابات الرئاسية، مزيدا من القرارات، عنوانها العام الانسحاب من شؤون العالم، أما الحلفاء المساكين فقد بات عليهم أن "يدبّروا رأسهم"، فالعم سام لم يعد يلق بالًا لهم، ولا عاد مهتما بمصيرهم، خصوصا إذا استوفى غرضه منهم.

===========================


الاتجار بمصائب السوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 9/10/2019

آخر حلقات الاتجار بمصائب السوريين إنتاج فيلم سينمائي باسم «الحبل السري» للمخرج الليث حجو، وقد تم تصويره على أنقاض مدينة الزبداني، التي دمرتها الهجمات المشتركة لقوات الأسد وميليشيات «حزب الله» اللبناني في العام 2015 بعد حصار محكم، وتم ترحيل من تبقى من سكانها ممن لم يعتقلوا أو يقتلوا وبين الأخيرين آلاف، دمرت براميل النظام البيوت والمنشآت فوق رؤوسهم، فصارت أنقاض الزبداني قبوراً لهم، قبل أن يتم استخدامها ديكورات وخلفيات في تصوير فيلم حجو الأخير.

وكان بعض المخرجين من شديدي الموالاة لنظام الأسد، اتبعوا السلوك ذاته في استخدام أنقاض قرى ومدن مدمرة على رؤوس سكانها بقصف نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين في إنتاج الكثير من أعمالهم التلفزيونية والسينمائية، التي أنجزوها في الأعوام الأخيرة وذهبوا فيها إلى ترويج مقولات النظام في تشويه ثورة السوريين، وإلصاق كل جرائم النظام بها من عمليات قتل واغتيال وارتكاب للمجازر، ولا سيما مجازر الأسلحة الكيماوية.

ما يجري في قطاع الإنتاج التلفزيوني والسينمائي من اتجار بمصائب السوريين، مجرد مثال يجد له ما يوازيه من سلوكيات وأعمال في القطاعات الأخرى، يشارك فيها أفراد نافذون داخل النظام ومقربون منه، وتقوم به مؤسسات وشركات خاصة وأخرى تتبع النظام، انفتحت قابليتها على الاتجار بمصائب السوريين، وتم تحويل الأخيرة إلى بؤرة مكاسب غالبها مادي وبعضها معنوي، وكلها مغلفة بألف غلاف وغلاف من الأكاذيب والادعاءات «الوطنية» و«الإنسانية» وغير ذلك.

سلوك الأفراد والمؤسسات السابق، ينطبق على سلوكيات وممارسات أفراد ومؤسسات لها صلة بحلفاء نظام الأسد من الإيرانيين والروس الذين منح النظام مؤسساتهم وأجهزتهم الرسمية مزايا غير محدودة لأعمالهم في سوريا عبر اتفاقات وعقود وعبر سياسات الأمر الواقع أيضا، فانخرطوا في عمليات واسعة ومتعددة من الاتجار بمآسي السوريين، ولأن الأمر على هذا النحو من التوصيف، فإن الأمثلة فيه أكثر من أن تحصى، ووسط ما أفرزته الكارثة التي قاد نظام الأسد سوريا إليها، يمكن التوقف عند بعض الأمثلة المأخوذة من وقائع الحال السورية.

لقد أصاب الإنهاك سوريي المنطقة الشرقية نتيجة عسف نظام الأسد وعنفه في القتل والاعتقال والتهجير في السنوات الأولى من الثورة، ثم جاء «داعش» في العام 2014 ليسيطر على أغلب المنطقة، تاركاً جزءاً منها تحت سيطرة النظام، وتشارك الطرفان بصورة موازية في سياسة التطرف والإرهاب قتلاً واعتقالاً وتهجيراً وتدميراً لقدرات وممتلكات سكان المنطقة، واستطاعت إيران أن تتسلل للمنطقة مباشرة وبمؤازرة ميليشيات النظام والحشد الشيعي العراقي، وتنشر ميليشياتها ودعاتها، للسيطرة على سكان المنطقة من خلال حملات التشييع وشراء ذمم الخائفين والمعوزين الذين خلفهم إرهاب النظام و«داعش» قبل أن يفرض ملالي إيران السيطرة عليهم وأن يوظفوهم في خدمة السياسة الإيرانية في سوريا في تشييع المنطقة وسكانها عبر سياسة الترهيب والترغيب.

المثال الثاني مأخوذ من ممارسات «حزب الله» اللبناني التابع للمرجعية الإيرانية، وكان بين أولى الميليشيات التي دخلت سوريا عام 2012 للدفاع عن نظام الأسد وتقديم المساعدة العسكرية - الأمنية له في مواجهة السوريين، ورغم أن ميليشيات الحزب شاركت في أغلب معارك النظام ضد المعارضة، فقد أعطت معاركها على قوس الحدود السورية اللبنانية أهمية خاصة، إذ حاصرت ثم اقتحمت أغلب بلدات المنطقة بعد أن اعتقلت وقتلت وجرحت كثيراً من أبنائها، ثم هجّرت أغلبية الباقين، فصارت مدن مثل القصير ويبرود والزبداني ومضايا والقرى المحيطة بها أنقاضاً لا سكان فيها إلا ما ندر، وتحول بعضها إلى مستوطنات شيعية في إطار سياسة التغيير الديمغرافي بعد الاستيلاء على ممتلكات الأهالي وما تحتويه بيوتهم ومحلاتهم، وفي زحمة ما كانت تقوم به تلك الميليشيات من أعمال إجرامية، جمعت بعضاً من أطفال سوريين تشتت عائلاتهم، أو قتل أهلهم، أو ضاعوا في الطرقات، ودفعتهم إلى معسكر تدريب أقامته في القصير لإعداد هؤلاء من قبل المقاتلين في صفوف ميليشيات الحزب، قبل أن يتم دفعهم للقتال في المعارك ضد السوريين.

المثال الثالث، يجسد بعض سياسات موسكو في سوريا، وهي السياسة التي لا تتعلق فقط باستخدام الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، وإنما بتجربتها عملياً، أي جعل سوريا مسرحاً لمعركة، وسكانها أهدافاً في المعارك التجريبية، وحسب المصادر الرسمية الروسية، فإن مئات الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية الجديدة، تمت تجربتها في خلال السنوات الأربع الماضية، وتمت الاستفادة من نتائج التجارب في تصويب الصناعات العسكرية الروسية، ورفع مبيعاتها الخارجية بمضاعفات تصل إلى أكثر من خمس مرات، إذ ارتفعت القيمة المقدرة للمبيعات للعام الحالي إلى ما فوق ستين مليار دولار بعد أن كانت محصلتها في العام 2014 أقل من أحد عشر ملياراً.

ولم تقتصر الاستفادة الروسية من العمليات العسكرية على ما حققته الصناعات العسكرية من أرباح وفوائد على حساب دماء السوريين وممتلكاتهم، بل إن تلك العمليات أعطت جنودها وضباطها خبرات، لا شك أن الدولة الروسية ستوظفها سواء إذا صدرتها عبر خبراء إلى الدول التي تتعامل معها، أو استخدمتها في الصراعات الداخلية للاتحاد الروسي أو في صراعات تخوضها موسكو مع الدول المجاورة.

وقد يكون من المهم، اختتام المثال الروسي بالحديث عن تجنيد الأطفال السوريين على نحو ما تفعل ميليشيات «حزب الله» اللبناني، وقد كشفت مصادر رسمية روسية وعبر أشرطة مصورة، قيام الروس بإلحاق أطفال سوريين بمدرسة عسكرية عليا لإعداد القادة في روسيا وإخضاعهم لتدريبات عسكرية، تؤهلهم ليكونوا ضباطاً مقاتلين، ووفق السياق الراهن للسياسة الروسية في سوريا، فإن هؤلاء سيشاركون وربما يديرون عمليات عسكرية ضد أهلهم السوريين، وقد تهيئ موسكو من بينهم جنرالات يحكمون سوريا مستقبلاً لصالحها.

لا يقتصر الاتجار بمآسي السوريين على نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس، إنما تمتد تلك السلوكيات ولو بحدود أقل لأسباب موضوعية وذاتية إلى الأطراف التي تناهض نظام الأسد وحلفائه في الداخل وخارج سوريا، وهو ما يحتاج إلى تناول لاحق.

===========================


سوريا.. الدولة المتفسّخة (
2-4)

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الثلاثاء 8/10/2019

‏نواصل اليوم الحديث عن تفسّخ الدولة السورية، فلم يعد هناك رئيس حتى للموالين له، وللمناطق الجغرافية التي يسيطر عليها اسمياً، فهل سمعنا عن زيارة له إلى المناطق التي أعاد الاحتلال السيطرة عليها من: حلب ودير الزور ومناطق ريف حماة وغيرها من المناطق..

يجري الحديث اليوم عن تفسّخ الاقتصاد السوري، الذي بات رهين المحبسين، رهين القوى الدولية التي تمكّنت من سوريا إن كانت الروسية حين سطت على حقول الغاز في البادية، ومعها حقول الفوسفات والثروات المعدنية السورية، ومعها سطت على قواعد عسكرية مهمة، أما الإيرانية فقد سطت على موانئ سورية، ومطار دمشق الدولي، والسعي المحموم إلى شراء الممتلكات بأبخس الأثمان، تحت ظروف قاسية وصعبة للهاربين والمشردين، وهناك الأميركية التي سطت على حقول النفط في الجزيرة السورية، عبر العصابات الكردية التي تقوم بمخططات هي أسوأ من المخططات التي تقوم بها الطائفة الحاكمة بحق السنة العرب هناك، فقد ذكرت دراسة أخيرة لـ «سنيابس سوريا» أن: «الدولة السورية شبه تلاشت، وحكومة النظام متهاوية، مفلسة، لا تمارس من أشكال الحكم إلاّ أكثره سطحية، وهي تلجأ إلى تمويل نفسها بطرق تدفع البلد نحو الهاوية».

أما الرهينة الثانية، فهم تجار الحروب، الذين برز معظمهم خلال الثورة، وتعزّز دور بعضهم الآخر، فباتوا مليارديرات معلنة، وقد كتبت عن ذلك «الفايننشال تايمز» وغيرها من الصحف العالمية، وحتى ظهرت تقارير اقتصادية عالمية مهمة تحكي عن تلك الحالة المهدّدة لاستقرار واقتصاد سوريا،ودول الجوار وما وراءها.

فبروز مليارديرات سورية، على حساب الطبقة الوسطى التي لم يعد لها وجود في سوريا، جعل البلد طبقتين، طبقة المليارديرات، وطبقة الفقراء المعدومين، وإن كان النظام يرغم ابن خاله رامي مخلوف وغيره على دفع مليارات الدولارات للروس كما طلبوا، ثمن احتلالهم وحربهم، وكانت «الفايننشال تايمز» اعتبرت رامي مخلوف بأنه يملك أكثر من نصف الاقتصاد السوري، لكن الأخطر من ذلك كله أن النظام اليوم لديه خطة اقتصادية جديدة تخالف القديمة، بحيث لم يعد يقبل بشراكات خلفية لرجال الأعمال، وإنما لا بد من أن يكون هو نفسه في مقدمة الشراكة وليس وراءها، وحينها ليعلم كل اقتصادي مدى الانحدار الذي سيصله الاقتصاد حين يتسلّمه ضابط مخابرات أو أمن، وحجم الثقة التي سيحظى بها وسط الشركات العالمية ورجال المال الدوليين.

‏ فرق الجيش السوري باتت تموّل من قبل هؤلاء الميارديرات، وهو بالطبع ما سيؤثر على العقل الواحد الذي يديرها، ويجعلها بطريقة أو بأخرى متعددة الاتجاهات، نتيجة تعدد التمويل، ويزداد معه التفسخ العسكري والأمني، ليصل الأمر إلى تشغيل أعضاء الفرقة الرابعة في جمع خردوات الحديد والفولاذ من داريا، وتسليمه لرجال أعمال لبيعه وتقاسمه مع ماهر الأسد لاحقاً، فضلاً عن نقل النفط من مناطق قوات سوريا الديمقراطية للنظام في دمشق.

‏هذا الانهيار المريع للاقتصاد السوري، وتراجع الشركات السورية يعني باختصار خسارة الملايين لفرص العمل، وبالتالي، دفع الشعب للهجرة إلى الخارج طلباً للرزق، فأخطر الثورات هي ثورة الفقراء، كما يقرر غوستاف لوبون وغيره من علماء الاجتماع.

===========================


ثورة السوريين شعلة لا تنطفئ

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 7/10/2019

يحق لبوتين في الذكرى الرابعة لتدخله في سوريا أن يحتفل بالنصر على طريقة نظام الاستبداد، الذي يعقد شبيحته الدبكات كلما أخلت لهم طائرات بوتين منطقة من سكانها المدنيين السوريين وشردتهم. في هذه المناسبة نستذكر خصائص ممارسات روسية رافقت هذا التدخل السافر، دون إعارة ذهن إلى الانحدار الأخلاقي الإنساني. إضافة إلى الأكل والبلع بوحشية، لا يجيد الدب إلا العراك و"التخبيص". حربه أرض محروقة، وسياسته مزيج من غباءِ دبٍ وخبث ِ ثعلبٍ وقح. هكذا كانت روسيا في غروزني؛ وهكذا كانت ولا زالت في سوريا. لن ندخل في تفاصيل تجريب بوتين على السوريين وبلدهم أكثر من مئتي صنف من السلاح، من بينها قنبلة ذرية صغيرة؛ فسياسة الأرض المحروقة تستلزم بعقيدة بوتين ربما أكثر من ذلك؛ ولكن ربما هذا الذي كان مسموحاً به أمريكياً.

وإذا ما انتقلنا إلى السياسة والدبلوماسية، كانت مشكلة الروس في سوريا القرارات الدولية. كان أهم بند في تلك القرارات هو "وقف القتل" أو بالمعنى الدبلوماسي: " وقف إطلاق النار" الذي نصّ عليه كل قرار صدر بخصوص سوريا. روسيا والنظام الذي تحميه ما التزموا بذلك قط؛ لكن الدب الروسي أبدع مسار /أستانا/ ليعنى بمسألة "وقف إطلاق النار" أو "وقف القتل"، فابتدع ما سماه "خفض تصعيد"، ليعود والنظام وإيران ويبتلعوا تلك المناطق. على الصعيد السياسي أيضاً، استمر نظام بوتين باستخدام "الفيتو" لحماية الإجرام. ثم أراد إدخال بعد سياسي إلى أستانا؛ فكان أن حاول تقديم نسخة دستور إلى فصائل الجيش الحر في أستانا؛ وتم رفضها. حاصرته أكثر القرارات الدولية بخصوص سوريا، فعمل على ابتداع مسار

مرت ثمانية عشر شهراً من خلق الأعذار، وابتداع العقبات أمام تشكيل لجنة دستورية؛ وكان كل ذلك برضا الروس؛ وكأنهم يعملون ضد أنفسهم

سياسي جديد، وعقد ما سمّاه بوتين يوماً "مؤتمر "سوتشي للشعوب" السورية"، حسب قوله. وأوقعته الأمم المتحدة بسوء عمله، وربطت حضورها برعايتها للعملية الدستورية، التي طالما سعت روسيا للولوج بها، من أجل تحقيق منجز سياسيٍ من نوع ما. نالت الأمم المتحدة ما أرادت، ولكن نظام الأسد الذي تحميه بدأ مناكفته حتى تجاه روسيا، وكانت أول المناكفات إصدار النظام بياناً مغايراً لبيان الروس بعد سوتشي.

مرَّ ثمانية عشر شهراً من خلق الأعذار، وابتداع العقبات أمام تشكيل لجنة دستورية؛ وكان كل ذلك برضا الروس؛ وكأنهم يعملون ضد أنفسهم، لأن تلك الخطوة أو النافذة على حل سياسي في سوريا قد تكون فرصتهم الوحيدة لأي جنى سياسي بعد أربع سنين من القتل والتدمير والغباء؛ فقبل ذهاب "بيدرسون" في آخر زيارة له إلى دمشق التي كانت تتمنع عن استقباله، استدرك الروس ورطة ضياع أي جهد؛ فأرسلوا "لافرنتيف"؛ وكان القبول باللجنة الدستورية.

الآن، ومع بارقة الأمل هذه بخطوة تجاه الدخول في عملية سياسية سورية - سورية؛ تماماً كما كانت تصرح موسكو على الدوام؛ ومع إمكانية تحقيق جنى سياسي محتمل، هل يخبص الدب مرة أخرى، ويتصرف بغباء أو وقاحة؟!

ها نحن نسمع ما يشي بالصفات الروسية الأصلية، والتي يبدو أنه من الصعب تغيّرها. آخر تصريحات للسيد لافروف تتحدث عن "تطوير أو تعديل للدستور القائم". وهو لا يرى حاجة لجدول زمني لإنجاز عمل اللجنة؛ ويستمر برمي السهام تجاه الغرب الذي "سعى لعرقلة الاتفاق حول اللجنة الدستورية" حسب قوله؛ والأخطر بين كل "التخبيصات" هو أن "التوافق على اللجنة أو إعلانها لا يعني توقف العمليات العسكرية...". ذلك رغم استدراك "بوتين" مؤخراً بقوله إن

ليس النظام وحده من يعتبر الحرب شريان حياته واستمراره، بل إن روسيا أيضا من الصنف ذاته

الحرب في سوريا وضعت أوزارها. من جانبه نظام الاستبداد يلتقط "التخبيصات"، ويتابع نهج القتل والتدمير الذي اختطه لنفسه، معتبراً تلك التصريحات تراجعاً عن الضغط الذي مارسته موسكو على النظام كي ينصاع للدخول في العملية الدستورية وكرتاً أخضر لاستمرار العمليات الحربية. يبدو أنه ليس النظام وحده من يعتبر الحرب شريان حياته واستمراره، بل إن روسيا أيضا من الصنف ذاته.؛ رغم تصريح بوتين الملتبس.

ربما محقون أولئك السوريون الذين رأوا في اللجنة الدستورية فاصلاً منشطاً جديداً وملهاة لالتقاط الأنفاس الدموية لشركاء القتل، كي يستأنفوا ما درجوا عليه لسنوات.

ليعلم الروس حماة منظومة الاستبداد أنه - إن لم يكن عمل هذه اللجنة لوقت محدد بجدول زمني تحدده الأمم المتحدة؛ و- إن لم يكن منتجها النهائي دستوراً سورياً جديدا يحمل موادَ ناظمة تنهي سيرة الاستبداد؛ و- إن لم تتوفر البيئة الآمنة السليمة للاستفتاء على منتج اللجنة وتطبيقه؛ والأهم، - إن لم يتم تفعيل إجراءات بناء الثقة، وعلى رأسها إطلاق سراح المعتقلين وإن لم تتوقف الأعمال الإجرامية التي يمارسها الاستبداد والاحتلال؛ لن يحصلوا على أي جنى سياسي؛ وستبدأ رحلة الغرق بالمغطس السوري من جديد؛ وسيساهم السوريون الذي اختاروا الحل السياسي بعملية الإغراق؛ ولن يفوت السيد لافروف أن أمريكا، التي يعتبرها المعرقل لعمله، وكذلك الاتحاد الأوروبي؛ و فوقها خبث الشريك الإيراني؛ إضافة إلى الاختناق الاقتصادي الروسي، كلها ستساهم بإغراق الروس في مغطس "تخبيصاتهم".

لن يكون هناك إعادة إعمار العسل الذي ينتظره الدب كي يداوي جوعه الاقتصادي؛ ولن يتمكن من استعراض "إنسانيته" كمنقذ للسوريين الذين تشردوا، ولن يكون كما اشتهى خطوة باتجاه حل سياسي. أما ملفات الارتكابات والنقاط السوداء التي سجلها عليه العالم، فسيراها تتراكم، وتتكثف بأسرع مما يتصور؛ فما فتْح ملف الكيماوي مؤخراً، والذي يطال الروس مباشرة، إلا دليل على ذلك. بوتين ولافروف يعرفان بأن أوراق السوريين وثورتهم لا تنتهي. ثورتهم شعلة لا تنطفئ؛ وستحرق من يسعى لإطفائها.

===========================

موقفنا : "عملية نبع السلام " .. تقليم مخالب الإرهاب ، ودفع شبح التقسيم ، وإقامة المنطقة الآمنة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/ 10 / 2019

ما تزال خصوصية المواقف الدولية والإقليمية من المؤامرة المتمادية على الشعب السوري تتمظهر أكثر وضوحا يوما بعد يوم.

ومما يثير عجب بل استنكار أحرار سورية وثوارها أن الاحتلال الروسي لسورية الذي تم منذ أربع سنوات من قبل دولة عظمى، مع كل ما رافقه من قتل وتدمير وتهجير لم يلق من الاستنكار الدولي والإقليمي ، ما لقيته عملية محدودة لقمع الإرهابيين تقوم بها دولة جارة في ظروف غاية في الدقة وفي التعقيد ..

وكما لم يجمع العالم على إدانة الاحتلال الإيراني لسورية ، لم يدن العمليات الإرهابية للميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات كما يفعل اليوم أمام عملية محدودة لما تبدأ بعد ...

يعترف وزير الخارجية الأمريكي بومبيو ويصدق بقوله : نحن لم نعط الضوء الأخضر لتركية لتدخل سورية ؛ ولكنكم أعطيتم هذا الضوء بلا شك لروسية ولإيران ولقاسم سليماني ولحسن نصر الله ولكل ميليشيات الإرهاب العالمي لتجعلوا من سورية ساحة حرب تدار بأمركم ولحسابكم وأول هذه الميليشيات كان تنظيم داعش وميليشيا البي واي دي الذي أنتم أعلم بمدخله ومخرجه منا .

كلمة جارحة وجهها إليهم ترامب منذ أيام : لماذا تضجون وقد أعطيناكم أكثر من الأجر الذي اتفقنا عليه معكم !!

كان لا بد من هذه المقدمة لنلفت الأنظار إلى ما وراء الأكمة في اصطناع المواقف المبرمجة والموقوتة من عملية " نبع السلام " التي انطلقت منذ الأمس دون النظر في الحقائق والأبعاد . وفي النتائج والتداعيات ..!!

إن ما يجب أن يجمع عليه كل السوريين الأحرار من جمهور الثورة ، وحملة رايتها إزاء المعطيات المتداخلة والمعقدة ، والادعاءات الكاذبة عن الحل السياسي عبر دستور زائف وبأيد مشلولة أو كتعاء هو ..

أولا – أننا مع وحدة الأراضي السورية من القامشلي حتى بحيرة طبرية. لن نتنازل عن ذرة تراب واحدة لا لمحتل صهيوني ، ولا لغاز روسي أو صفوي ، ولا لأصحاب ادعاءات ما تزال تداعبهم أحلام تقطيع أوصال الوطن بدعاوى كذاب . نتمسك نحن السوريين جميعا مع وحدة الجغرافيا بوحدة الديموغرافيا بكل ألوان طيفها المحبب الجميل .

ثانيا – نجمع نحن السوريين الأحرار على تمسكنا بسيادة الشعب السوري على أرضه ، وفي ظل دولته المستقلة الحرة الآمنة ، بأمن إنسانها وأرضها وسمائها . ونعتقد أن التذرع بهذه السيادة لمنع مد أي يد تريد أن تساعد شعبنا المكلوم مع الصمت عن احتلال تمارسه سبع دول متعاونة على إذلال شعبنا ، وكسر إراداته .. لهو في سياق هذا الواقع من اللغو الباطل ، الذي لا يهذي به إلا السفهاء الذين لا يعلمون...

ثالثا – إنه قد حصحص الحق بعد ما يقرب من عقد من عمر هذه الثورة المباركة ، وبات من المهم أن نرى جميعا في الدولة التركية – شعبا وحكومة وقيادة - حليفا استراتيجيا مكينا ، حليفا تجمعنا به العقيدة والثقافة والحضارة والتاريخ والمصالح الاستراتيجية المتقاطعة على كثير من المشتركات ...

وتحالفنا مع الدولة التركية في ظل المعطيات المعقدة والراهنة لم يعد خيارا استراتيجيا نقدم به ونؤخر؛ بل هو حلف الضرورة الاستراتيجي الذي تفرضه الجيوسياسة علينا وعلى الإخوة الأتراك في الوقت نفسه . وهذا الذي يجب أن توضع له الخطط والبرامج المشتركة لتوظيفه والاستثمار منه وتحصيل أكبر المصالح منه ودرء أكثر المفاسد عنه .

ولقد قدمت الدولة التركية والشعب التركي للثورة السورية وللشعب السوري الكثير مما ينبغي أن تشكر وتحمد عليه ..

ولا بد إزاء التأكيد على هذا الحلف الاستراتيجي الذي يجمع السوريين بالدولة التركية من كلمتين ..

الأولى أن للتحالف السياسي قواعده وأسسه ، يعلمها من علم ويجهلها من جهل ، وأنه ليس من مقتضيات أي تحالف سياسي أن يكون الحلفاء فيه متطابقين في كل شيء وعلى كل شيء .

والثانية : إن تمسكنا بالتحالف مع أشقائنا وجيراننا الأتراك لا يتم بأي شكل من الأشكال على حساب تحالفاتنا الأخرى مع بقية حلفائنا الآخرين ، من الدول الشقيقة والصديقة . ولا يتم على حساب عمقنا العربي بل سنظل نتمسك بإخوتنا وبعروبتنا وسنظل نشكر كل يد امتدت إلينا بمعروف في ليل هذه المحنة الطويل . وسنظل ننأى بأنفسنا عن أي خلافات تخيم على علاقات هؤلاء الحلفاء والأشقاء.

ولنؤكد دائما أننا سنظل متفرغين لرفع رحى الاستبداد عن صدر شعبنا ، والاشتراك مع كل المخلصين من أبناء أمتنا في التصدي للمشروعين الأخطر على حاضرنا ومستقبل أجيالنا ؛ المشروع الصهيوني والمشروع الصفوي في أبعادهما الخطيرة للهيمنة والسيطرة على أوطاننا وشعوبنا.

وبعد كل هذا فإننا نرى في عملية " نبع السلام " .. خطوة إيجابية وفي الطريق الصحيح ، لتقليم مخالب الإرهاب التي استقوت على شعبنا برعاية الأمريكيين والروس وحلفائهم ، ونالت من بنية مجتمعنا ما نالت ، مما تطفح به تقارير وشهادات منظمات حقوق الإنسان مما ارتكبته منظمة "البي واي دي" ضد جميع مكونات المجتمع السوري في مناطق سيطرتها المختلفة . ولا يستطيع منكر أن ينكر أن إرهاب هذه التنظيمات لم يقل في ممارساته لحظة عن إرهاب منظمات يزعم البعض أنه جاء إلى سورية ليقاومها ويحاربها .

كما أننا نرى في عملية " نبع السلام " قطعا للطريق على جميع مشروعات التقسيم المريبة ، وأحلام الغارقين فيه . لتبقى وحدة الأراضي السورية ووحدة المجتمع السوري هي الحقائق الأبقى في يومنا وفي غدنا.

وإننا لنأمل أن تكون عملية " نبع السلام " المدخل الأساسي للمنطقة الآمنة ، التي ستمثل الاستراحة العملية لكل الذين هجروا وشردوا... ولتكون هذه العملية في الوقت نفسه العتبة الحقيقة لسورية الآمنة الموحدة والمستقرة. التي هي المطلب الوطني كل السوريين الأحرار .

وإنه لمن الأجمل أن يكون دور الجيش الوطني السوري ، وفصائل الثورة السورية هو الأوضح والأبرز في سياق هذا التعاون الاستراتيجي الذي نتطلع إليه تعاونا إنسانيا يفيض بالحب والعدل والإخاء .. متدفقا بالسلام من النبع إلى المستقر . لا يعرف عدوانا ولا حقدا ولا ينشر ضغينة ولا كراهية ..

إلا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام ..

__________

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

الدور الروسي البديل في الشرق الأوسط والخليج

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 5/10/2019

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال افتتاح أعمال منتدى فالداي للحوار الدولي (3 أكتوبر الحالي)، عن “نهاية الأعمال الحربية الكبرى في سوريا”، متباهيا بدور بلاده بعد أربع سنوات على التدخل الروسي الكثيف، لأن “حل الأزمة في سورية يمثل نموذجا لحل الأزمات الإقليمية في المنطقة”. وقبل جولة له منتصف هذا الشهر، تشمل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، طرح الرئيس الروسي فكرة تأسيس منظمة للتعاون الأمني في الخليج، تشمل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إضافة إلى الدول المطلة على الخليج هدفها تخفيف حدة التوتر وضبط مسائل أمن الملاحة وحريتها.

وهكذا انطلاقا من الاختراق على الساحة السورية تطمح روسيا للعب دور القوة الدولية النافذة ومنافسة الولايات المتحدة التي هيمنت على المنطقة بشكل أو بآخر منذ سبعينات القرن الماضي. لكن تمركز هذا الدور البديل يتوقف على أساليب وإمكانيات الانخراط والاستثمار الروسي في النزاعات والدورة الاقتصادية، وكذلك على النجاح في إدارة التقاطعات مع القوى الإقليمية الأساسية وعلى التنسيق مع الصين الصاعدة وتنظيم الاختلافات مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية.

عشية الزيارة الهامة، التي يعتزم الرئيس فلاديمير بوتين القيام بها إلى الرياض، لوحظ تركيزه على “النهاية الإيجابية للتدخل في سوريا” ولفت النظر تزامن ذلك مع طلب محدد تنوي القيادة الروسية تقديمه إلى المملكة العربية السعودية وهو؛ “تسهيل عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية”، لأن “صوت المملكة مسموع داخل المنطقة وخارجها”، حسب قول سيرغي لافروف. وهذا يعني أن موسكو ستنتهز فرصة القمة بين الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس فلاديمير بوتين، كي تتبنى المملكة العربية السعودية بدء مسار تأهيل النظام السوري عربيا ودوليا.

ويرتبط هذا الإلحاح الروسي برغبة موسكو في تحويل إنجازاتها العسكرية والعملانية إلى إنجاز سياسي لم تحققه حتى الآن نتيجة عدم رغبة واشنطن في تطويب أو تشريع انتداب دولي لروسيا على كل الأراضي السورية قبل التوافق على مستقبل منطقة شرق الفرات والحل السياسي النهائي في دمشق. وكانت محاولة روسية مماثلة قد جرت في صيف وخريف 2018 وتتوجت بزيارة الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى دمشق، ولكنها فشلت بسبب الفيتو الأميركي وعدم حماسة أطراف أوروبية أساسية.

ومن الواضح أن التطورات الميدانية في سوريا والهجمات الإيرانية في الخليج المواكبة لتردد وتراجع أميركي تدفع بالقيصر الروسي إلى تكرار المحاولة بخصوص سوريا تحت غطاء “التمسك بالدولة الروسية وليس بشخص الرئيس السوري”، كما يكرر لافروف، من خلال التأكيد على إمكانية التعاون حول أمن الخليج ولعب دور البديل عن القوة الأميركية ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل كذلك في سوق السلاح والترويج لمنظومة الصواريخ المضادة للطائرات “أس – 400” كبديل عن منظومة باتريوت الأميركية التي فشلت في التصدي للهجوم ضد منشآت أرامكو.

تأتي الزيارة الروسية إلى الرياض على ضوء تطور العلاقات الثنائية منذ 2014 عبر التنسيق في سوق النفط وتنظيم الاختلاف حول سوريا والتشاور المنتظم خاصة بعد زيارة العاهل السعودي إلى موسكو. ومما لا شك فيه أن التلويح الأميركي بالانسحاب من الشرق الأوسط والخليج ونهج إدارة باراك أوباما المنفتح على إيران دفعا بالرياض وأبوظبي إلى التسريع في تنويع علاقاتهما الخارجية وعدم الاعتماد الحصري على الصلة مع واشنطن. بالنسبة إلى الملكة العربية السعودية أخذ التساؤل يزداد حول صلاحية “اتفاق كوينسي” الذي أبرم في العام 1945 وتم تجديده في العام 2005، حيث تتملص واشنطن من التزاماتها الأمنية مع تكرار مسؤوليها نغمة عدم الاستعداد لحماية المملكة، وأخيرا أدى الهجوم على شركة “أرامكو” السعودية والموقف الأميركي منه إلى خلط الأوراق، وعلى الأرجح أن ذلك سيتيح لروسيا فرصا لتعزيز حضورها على المسرح الإقليمي نتيجة التوتر في الخليج أو على صعيد سوق الطاقة.

وهكذا بالرغم من الضغوط الأميركية الممارسة على الرياض حسب مصادر مستقلة، ينتظر أن تسفر الزيارة عن التمهيد لشراكات مستقبلية اقتصاديا وسياسيا مع التمهل حول التفاهمات الإستراتيجية، لأن الرياض لا تبدو مقتنعة بفكرة المنظومة الأمنية الإقليمية من دون تراجع الحكم الإيراني عن نهجه التوسعي وتهديده للأمن الإقليمي، لكن ذلك لا يمنع إيجاد قواسم مشتركة حيال أمن الخليج وضرورة تحمل المجموعة الدولية لمسؤولياتها.

 والمسلّم به أن تكرس المحادثات الثنائية التعاون بين روسيا وأوبك بما بات يعرف بـ”أوبك بْلاس” من خلال التنسيق المباشر بين البلدين الذي ترك بصمة إيجابية على الاقتصاد الروسي خلال الأشهر الأخيرة، وتحوّل الرياض مصدرا للاستثمار الخارجيّ الجوهري في روسيا، وبذلك ملأت الفراغ الذي خلّفته الشركات الأوروبية والأميركية بعد التوتر الغربي-الروسي منذ أزمة أوكرانيا عام 2014. ويصل الأمر ببعض كبار المحللين الاقتصاديين إلى القول بأن “العلاقات الاقتصادية بين الدولتين أصبحت متطورة إلى درجة أن روسيا يمكن أن تراهن على الرياض بديلا عن علاقتها مع طهران إذا كان ذلك ضروريا”.

وهناك مؤشرات على الساحة السورية تفيد بأن روسيا تعتبر إيران شريكا أكثر منها حليفا استراتيجيّا. ومن ناحية عملية ليس من الأكيد أن التمدد الإيراني الإقليمي يتلاقى مع المصالح الروسية. والأدهى أن الرهان الإيراني على أولوية العلاقة الاقتصادية مع العملاق الصيني ربما يدفع موسكو إلى المزيد من المقاربة الحذرة للعلاقات مع إيران وزيادة اهتمامها بالصلات مع الرياض وأبوظبي، خاصة أن الإمارات العربية المتحدة يمكن أن تمثل قطبا اقتصاديا جاذبا للروس ليس باتجاه الشرق الأوسط فحسب بل نحو بعض أفريقيا وآسيا أيضا.

تندرج المقاربة الروسية للعلاقة مع المملكة العربية السعودية في سياق نهج تكتيكي جديد نسبيا يقضي بإبعاد حلفاء واشنطن التاريخيين عنها. وأبرز مثل على ذلك، تركيا، لكنها ليست المثل الوحيد. إذ أن الخلاف الأميركي-الأوروبي على الملف النووي الإيراني وتصرفات إدارة ترامب تمنح موسكو فرصة كي تتقرب أكثر من بروكسيل، وبرز ذلك أخيرا في استئناف الحوار الاستراتيجي الفرنسي-الروسي. لكن ليس من الضروري أن ترحب الرياض بالمقاربات الروسية سواء لناحية صفقات السلاح أو الموقف من سوريا من دون تفاهمات شاملة.

تحاول روسيا الاستمرار في الاندفاع داخل الشرق الأوسط انطلاقا من نموذج مسار أستانا والعودة إلى مصر والاختراق في الخليج، وتحاول الترويج لشراكة متعددة الجوانب وتعزيز التفاهم المتبادل . لكن لن تسلم واشنطن بسهولة خسارة موقعها المهيمن بالرغم من متاعبها الحالية، فهذه المنطقة تشكل 51 بالمئة من مبيعات سلاحها العالمية عدا المنافع الأخرى المتنوعة. لذا سيتوقف مشروع البديل الروسي على تطور نزاعات الإقليم والتموضع الروسي منها ومسارات مواقف القوى الفاعلة على مسرح “الفوضى التدميرية”، وتفتيش كل طرف دولي على المزيد من المكاسب في منطقة يتم التنافس على ثرواتها وموقعها الاستراتيجي.

==============================

الحل السوري بالتقسيط

راتب شعبو

العربي الجديد

الخميس 3/10/2019

أظهرت الولايات المتحدة عدم اكتراث متكرّر حيال ما يجري في شمال غرب سورية، على خلاف الحال في الشمال الشرقي. هذا يرسم فارقاً مهماً بين غرب الفرات وشرقه، فيما يتعلق بآفاق الحل في سورية واحتمالاته. يتجسّد في أنه يمكن لثلاثي أستانة (إيران، تركيا، روسيا)، أن يتفاهموا على حلٍّ في غرب الفرات، وأن ينفّذوا هذا التفاهم إذا كان جدّياً، ولكن لا يمكنهم فعل الشيء نفسه شرق الفرات، بسبب الوجود والاهتمام الأميركي في المنطقة هناك. وعلى اعتبار أن أميركا لا تشارك في مسار أستانة، فإن وجودها في منطقة شرق الفرات يعني أن ثلاثي أستانة لا يستطيع أن يفتي فيما يخص تلك المنطقة التي تبقى بعيدةً عن متناوله ما بقيت أميركا فيها.

على هذا، تبدو مشكلة إدلب أسهل وأقرب إلى الحل من مشكلة شرق الفرات. يمكن لتوافق تركي روسي أن يضع العقدة الإدلبية على سكة الحل. هذا التوافق في المتناول، لأنه لم تعد لتركيا هواجس أمنية في هذه المنطقة، بعد أن نفذت تغييراً حاسماً في التركيبة السكانية في منطقة عفرين على حساب الوجود الكردي فيها. كما أن الاتفاق مع روسيا يمكن أن يجنّبها ما تتخوّف منه، نقصد موجة نزوحٍ جديدة. وليس من الصعب على تركيا فرض ما تريد على الفصائل المسيطرة في الشمال الغربي من سورية. هذا فضلاً عن أن مثل هذا التوافق يشكل بطبيعة الحال مقدّمة ضرورية لتخفيف العبء عن تركيا بعودة نسبة من اللاجئين السوريين إلى مناطقهم التي هجروها جرّاء القصف الذي تتعرّض له هذه المناطق.

الراجح، وفق هذا التصوّر، أن يكون الحل في إدلب تصالحياً أكثر منه عسكرياً، نظراً إلى الطبيعة البراغماتية للقوة "المعارضة" الأبرز هناك، جبهة النصرة، وإلى أن من شأن تفاهم روسي تركي جدّي أن لا يترك أمام الفصائل مجتمعةً سوى خيار القبول والتكيّف أو الانتحار. والتفاهم مع 

"المشكلة السورية ليست مشكلة كتابة دستور، بل وجود سلطةٍ تستعمر الدولة وتحتكرها وتصادر الحياة السياسية"روسيا هو، بطبيعة الحال، جسرٌ منحدر يوصل إلى التفاهم التالي مع نظام الأسد. غير أن هذا التصوّر لا يستبعد، مع ذلك، الحشد العسكري من النظام وحلفائه، ولا يستبعد احتمال أن ينفذ هؤلاء هجوما ناريا كثيفا للترهيب، كما لا يستبعد اندلاع صراعاتٍ داخلية بين الفصائل على محورين: قبول أو رفض التفاهم/ الحل، وسعي كل فصيل إلى توسيع مجال سيطرته لتثقيل وزن دخوله في الحل. ومن المرجّح أن يكون لجبهة النصرة دور البطولة في هذا الصراع الفصائلي المتوقع، ولا سيما أنها ادخرت عديدها وعتادها في الشهور الماضية استعداداً لليوم الذي يمكنها فيه أن تخرج من دائرة النبذ الدولي، وأن تتحوّل إلى جزء من الحل، بما ينسجم مع توافق الأطراف المقرّرة فيه.

أما شرق الفرات فيبدو غائباً عن مباحثات جماعة أستانة، وكأنه خارج سورية، وقد جاء تشكيل اللجنة الدستورية أخيرا، تأكيداً على استبعاد الحل المتعلق بهذا الجزء أو تأجيله. تشكيل لجنة الدستور بالصورة التي تم عليها يعني تراجع الجميع أمام نظام الأسد والقوى الداعمة. كما أن الإعلان الاحتفالي عن تشكيل اللجنة المذكورة من دون وجود تمثيل فيها لمجلس سورية الديموقراطي (مسد) التي تسيطر على ما يقارب ثلث مساحة سورية، وتحوز شعبية غير قليلة في وسطها، يشير إلى أن ثلاثي أستانة، والأمم المتحدة أيضاً، لا يقترحون الحل السوري الشامل، بل يسيرون على مبدأ الحل بالتقسيط.

عجز مسار أستانة، وعجزت المسارات الأخرى، كما عجزت الأمم المتحدة، عن إيجاد حل للسؤال: كيف يمكن تخليص العقدة الكردية السورية من العقدة الكردية التركية، وكيف يمكن منع هذه من فرض انعكاساتها على الموضوع السوري؟ أمام هذا العجز، كانت النتيجة إغماض العين عن هذه العقدة، وتركها لزمن قادم مجهول، لتبقى منطقة شرق الفرات شأناً أميركياً بالدرجة الأولى، تمارس فيه أميركا دور الحكم القوي والمقرّر بين جهات سياسية وعسكرية كردية ترى في تركيا العدو الأول، ودولة تركية تمارس عدوانيتها على هذه الجهات، بوصفها امتداداً لمشكلتها الداخلية مع كرد تركيا.

ولا شك أن استبعاد "مسد" عن اللجنة الدستورية يزيد من هامشيتها ومن لا جدواها. من دون أن يعني هذا أن إشراك "مسد" سوف يغير كثيراً من المعادلة، فالأمر الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن كل المسارات والحلول المقترحة سوف تتشابه في فشلها، طالما أنها لا تتجه إلى حل، أو على الأقل البدء في حل، العقدة الأساسية المتمثلة في سد طريق المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، وطالما استمر الإصرار على تقسيم الشعب السوري إلى وطنيين وخونة، هذا التقسيم المدمّر الذي أسس له وصانه نظام الأسد على طول الخط، من شأنه أن يستولد تقسيماً مقابلاً ومعاكساً، ما يحيل الحياة السياسية في سورية إلى حربٍ أهليةٍ مستمرةٍ ونفيٍ متبادلٍ لا نهاية له.

من الطبيعي أن يسأل المتابع عن معنى الدستور الذي يُمكن أن تنتجه اللجنة الدستورية المذكورة، ليس فقط من الناحية التي كثر الحديث عنها، والمتعلقة بأن المشكلة السورية ليست مشكلة كتابة دستور، بل مسألة تعليق الدستور، أي مشكلة وجود سلطةٍ تستعمر الدولة وتحتكرها وتصادر الحياة السياسية، وتحيل الدستور إلى حبر على ورق. مشكلتنا في القوة لا في القول. أو بطريقة أخرى، مشكلتنا هي في قول القوة لا في قوة القول. ما لم يقترن الدستور بقوة تطبيقية لن يكون له قيمة سياسية تذكر.

هناك اليوم ناحية أخرى تجرّد اللجنة الدستورية من المعنى، تتعلق بالمجال الجغرافي السياسي 

"لا شك أن استبعاد "مسد" عن اللجنة الدستورية يزيد من هامشيتها ومن لا جدواها"الذي يعترف بالدستور. بكلام آخر، ما هي المساحة التي يكون للدستور المزمع ولاية عليها في سورية؟ المجال الجغرافي السياسي السوري موزّع بين ثلاثة محاور قوة غير سورية، هي تركيا وأميركا وروسيا مع إيران، الأمر الذي يجعل من القوى السورية مجرّد توابع لهذه المحاور غير المتوافقة. إذا كان يمكن لتركيا أن تتوافق مع روسيا حول غرب الفرات، فمن غير المرجّح توافقهما فيما يخص شرق الفرات، هذا يقول إن من شأن صراع هذه المحاور أن يشل فاعلية أي دستور سوري مهما يكن.

ينتهي ما سبق إلى نتيجة واحدة، تقول إن عناصر الحل السوري الشامل غير متوفرة، وإن ما يجري هو تقسيط للحل، وهو فوق ذلك تقسيطٌ لا يحمل نتائج مهمة، والرابح الأكبر فيه هو نظام الأسد الذي لا يهمه سوى الاستمرار في السيطرة على ما يستطيع من سورية، وتفادي المحاسبة، وهذا ما يناله فعلياً من تشكيل اللجنة الدستورية التي تُعطيه صورة المشارك في الحل من جهة، وتفتح له، من جهة ثانية، أفقاً زمنياً لا ينتهي، بحسب تصريح وزير خارجية النظام، وليد المعلم، الذي قال إنهم لا يقبلون جدولاً زمنياً للجنة الدستورية. على هذا، سوف تهنأ هذه اللجنة بجلسات، نعلم أنها تبدأ في جنيف في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، ولكن لا أحد يعلم متى وأين تنتهي.

==================================

موقفنا : إلى منصة المنصات في اللجنة الدستورية العليا .. فذكر إن نفعت الذكرى

زهير سالم

مركز الشرق العربي

4/ 10 / 2019

وأخيرا تشكلت اللجنة الدستورية العليا . التي ستنوب عما كان يسمى في اللغة الدستورية السورية : الجمعية التأسيسية . دعونا نسميها اليوم " اللجنة الدستورية العليا" ولنتفق على القول اصطلاحا أن هذه اللجنة مشكلة من ثلاث منصات : منصة النظام خالصة له لا شية فيها . و"منصة المجتمع الدولي" . ثم " منصة المنصات " اعلى لغة ، أو " منصة الشركاء المتشاكسين " عللى لغة أخرى . والتي وصفها الدكتور نصر الحريري على قناة العربية الحدث أنها الجامعة " لكل الأديان " ولكل المكونات ..ودعونا نأمل خيرا في منصة المنصات هذه فنقول : إن كان شيء يمكن أن تتفق عليه هذه المنصات في هذا الظرف فهوأولا : وقف مشروع القتل في سورية . أي وقف كل عمليات القصف الجوي والبري والبحري التي ما يزال يمارسها شركاء المنصات الأخرى ، فتخسر سورية في كل يوم مزيدا من الأطفال والأمهات والآباء ..وترتفع حصيلة الثكل واليتم وخراب البيوت والعمران .

وهو ثانيا : إطلاق سراح جميع المعتقلين الذين وثق الشاهد السوري - الدولي " القيصر " اعتقال بعضهم وبعض معاناتهم في شهادة تم التوثق من مصداقيتها على أكثر من من مستوي دولي وأممي حقوقي وأمني وسياسي .

وسيكون امتحان المصداقية أمام منصة المنصات ، وكذا أمام شركائها ورعاتها أنها ستعلن اليوم ..اليوم .. وليس غدا ، وحتى لا تذهب وراء مخاضات وليد المعلم الذي تعهد بإغراقها في التفاصيل الصغيرة ، ستعلن منذ اليوم أنها لن تجلس على طاولة التفاصيل ، والدستور كله تفصيل ؛ حتى ...

يلتزم الممثلون في المنصات الأخرى بوقف مطلق وكامل لوقف النار ..

ثم يبدؤون بإطلاق فوري وعاجل لجميع المعتقلين . والكشف عن أسماء جميع المفقودين ..

هذا جواب للذين يطالبوننا ببعض الواقعية والإيجابية ..

والخير في أن لا نطيل ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

==================================

تركيا وشرقي الفرات مرة أخرى

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 3/10/2019

كان لافتاً أن يعود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الحديث عن عزم تركيا على «اقتلاع شوكها بيديها» والقيام بعملية عسكرية شرقي نهر الفرات، بعد عودته من نيويورك حيث شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدما فشل في ترتيب اجتماع، على هامشها، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وسبق لأردوغان أن وضع مهلة، إلى نهاية شهر أيلول، لتراعي واشنطن هواجس تركيا الأمنية، وإلا القيام بعمل منفرد.

فجميع التحليلات السياسية متفقة على استحالة قيام تركيا بخطوة عسكرية منفردة، هناك، بدون التنسيق مع واشنطن التي لديها، في المنطقة، 18 قاعدة عسكرية وأكثر من ألف جندي، وبخاصة بعدما توصل الطرفان إلى اتفاق بشأن إنشاء «منطقة آمنة» وبدآ بتنفيذها من خلال تسيير دوريات مشتركة وطلعات جوية مشتركة، ومركز قيادة عمليات أقاماه، لهذا الغرض، في مدينة أورفة القريبة من الحدود السورية.

لكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه، في أنقرة، بعد مفاوضات طويلة، لم يرض القيادة التركية التي صعّدت من انتقاداتها لتسليح الأمريكيين لقوات قسد (وفي القلب منها قوات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية) وتسييرهم لدوريات مشتركة معهم، بصورة متوازية مع الدوريات الأمريكية التركية، وتكرار قادتهم العسكريين لاستمرار التحالف الأمريكي – الكردي.

تصاعدت موجة الانتقادات التركية للمفهوم الأمريكي للاتفاق، باعتباره يختلف اختلافاً كبيراً عن مفهومها التركي، قبيل موعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف الضغط على واشنطن لأخذ الهواجس الأمنية والطموحات التوسعية لتركيا بنظر الاعتبار في الاجتماع الذي كانت تركيا تأمل حدوثه في نيويورك بين الرئيسين. وأصل ذلك أن أردوغان قد علق آماله بالكامل على علاقته الشخصية مع ترامب، بعيداً عن المنظورات الاستراتيجية للمؤسسة الأمريكية ممثلة في وزارتي الدفاع والخارجية المنحازتين، برأي القيادة التركية، إلى استمرار التحالف مع «قوات سوريا الديمقراطية» حتى لو كان ذلك على حساب العلاقة مع الحليفة الأطلسية، تركيا، مقابل انحياز ترامب الواضح لتركيا ورئيسها. ربما كان من سوء حظ أردوغان أن إجراءات عزل ترامب في مجلس النواب قد بدأت في التوقيت نفسه، فتهرب الرئيس الأمريكي من عقد اجتماع مع نظيره التركي كي لا تزيد حالته صعوبة مع المؤسسة في وقت هو بأمس الحاجة إلى تكاتف أركان إدارته معه في مواجهة إجراءات العزل.

المظلة السياسية الداخلية للعملية العسكرية المحتملة، قدمها له حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، في المؤتمر السياسي الذي عقده، في 28 أيلول، بشأن المسألة السورية

يبقى غريباً، مع كل الاعتبارات المذكورة، أن يعود الرئيس التركي إلى الحديث عن عزمه على القيام بعمل عسكري منفرد في منطقة النفوذ الأمريكية في شمال شرقي سوريا. ترى هل حصل على ضوء أخضر من ترامب، في المكالمة الهاتفية التي جرت بينهما في نيويورك، لفرض أمر واقع على وزارة الدفاع الأمريكية المتمسكة برفض أي تدخل عسكري تركي؟ هذا احتمال ضعيف، إضافة إلى أن مجرد تشجيع من قبل ترامب لا يكفي لحماية القيادة التركية من رد فعل أمريكي متوقع تجاه العملية العسكرية التركية في حال وقوعها. فإذا وصلت الأمور إلى مجلس الأمن، قد يحمي الفيتو الروسي تركيا من إجراءات عقابية أممية، لكن من شأن ذلك قطع شعرة معاوية بين أنقرة وواشنطن بصورة نهائية غير قابلة للترميم. ربما علينا البحث، إذن، في مكان آخر، غير العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان، لتفسير الاندفاعة التركية الجديدة، أو المتجددة، باتجاه التوغل العسكري في شرقي الفرات. هناك عدد من المؤشرات إلى بحث تركيا عن غطاء سياسي آخر لمغامرته العسكرية المرتقبة، ربما يتمثل في تقاطع المصالح والأهداف، موضوعياً، بين أنقرة ونظام بشار الكيماوي، بشأن شرقي نهر الفرات. هذا التقاطع الذي يجد مظلته الدولية أيضاً في «آلية آستانة» الثلاثية، أي في موسكو وطهران اللتين أبدتا، في قمة أنقرة، منتصف الشهر الماضي، تفهمهما للهواجس الأمنية التركية بشرط «الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها». لعل بوتين يرى في العملية العسكرية التي تتوق أنقرة للقيام بها، فرصة ذهبية لتحقيق ما طلبه دائماً من أردوغان بشأن تطبيع علاقاته مع نظام بشار. أضف إلى ذلك أن من شأن هذه العملية المفترضة أن تطيح تماماً بالعلاقة التركية ـ الأمريكية، فتصبح تركيا تحت الجناح الروسي بصورة تامة. والفائدة الثالثة التي قد يرجوها بوتين من العملية التركية هي أن تؤدي إلى انسحاب أمريكي سريع من منطقة نفوذها الحالية، بعدما تكون فشلت في حماية حلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية» وانتفت الحاجة إلى بقاء قواتها في المنطقة.

ربما المؤشر الأبرز لاحتمال توافق تركي ـ أسدي، بشأن شرقي الفرات، هو مطالبة النظام للأمم المتحدة، عشية قمة أنقرة الثلاثية في 16 أيلول، اعتبار «قسد» ووحدات حماية الشعب منظمات إرهابية انفصالية. صحيح أن وزير خارجية النظام اعتبر القوات التركية في سوريا قوات احتلال وأعلن عن احتفاظ نظامه بـ«حق» طرد هذا الاحتلال، لكنه لم يهدد باستخدام ذلك الحق، بصرف النظر عن عدم امتلاكه القدرة على ذلك، فالنظام الممانع يتحدث عن حق مماثل بشأن الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري المحتل منذ أكثر من خمسين عاماً. أما المظلة السياسية الداخلية للعملية العسكرية المحتملة، فقد قدمها له حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، في المؤتمر السياسي الذي عقده، في 28 أيلول، بشأن المسألة السورية. فقد أعلن رئيس الحزب كمال كلجدار أوغلو، بصورة واضحة، دعم حزبه لجهود الحكومة التركية في «مكافحة الإرهاب» وحماية الأمن القومي التركي في سوريا. وكانت الرسالة الأبرز التي خرجت من المؤتمر هي دعوة الحكومة بإلحاح إلى تطبيع العلاقات مع نظام دمشق الكيماوي. كما اقترح الحزب، في المؤتمر الذي شارك في أعماله متحدثون من الدول المجاورة لسوريا، إنشاء «منظمة للسلام والتعاون في الشرق الأوسط» فيما يعيد إلى الأذهان آلية التعاون الثلاثي لدول جوار العراق (تركيا وسوريا وإيران) التي كانت تنسق فيما بينها لمواجهة احتمال قيام كيان كردي في شمال العراق.

وعموماً تتفق الأحزاب التركية، الحاكمة والمعارضة، على مواجهة الخطر الكردي المفترض، باستثناء الحزب الكردي الممثل في البرلمان «حزب الشعوب الديمقراطي». وهذا مما يسهل على أردوغان تأمين الدعم الداخلي الكافي للقيام بغزو شرقي الفرات. تصريحات أردوغان الأخيرة توحي أنه ماض في إصراره على تنفيذ العملية.

==================================

المعارضات السورية وضرورة تصحيح البوصلة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 2/10/2019

أثار إعلان تشكيل اللجنة الدستورية وأسماء أعضائها ردود فعل متشنجة في صفوف قوى المعارضات السورية، جسّدتها حملات نقد للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة التفاوض وللشخصيات التي رُشحت لتمثيل المعارضة في هذه "اللجنة". وقد تجاوزت حملات النقد والتقويم حدود النقد الموضوعي إلى التشهير والتخوين المبطن والصريح، في تعبيرٍ واضح ومباشر عن حالة البؤس السياسي الذي تعيشه هذه المعارضات، برموزها ومثقفيها.

ليس النقد الموجه إلى اللجنة الدستورية، في مبناها والقواعد الناظمة لعملها، هو المشكلة، فالجزء الأعظم من الملاحظات التي قيلت صحيح ومنطقي، لكنها قيلت في توقيت خاطئ، فغدت غير ذات شأن. لقد بدأ العمل على تشكيل اللجنة الدستورية منذ قرابة العامين، وكان قرار العمل على تشكيلها مناقضا مناقضةً صريحة قرار مجلس الأمن رقم 2254 ببنوده التي شكلت خريطة طريقٍ لحل سياسيٍّ توافقي بين النظام والمعارضة، تبدأ من تشكيل هيئة حكم انتقالي، لتنتهي بانتخاباتٍ رئاسيةٍ وبرلمانيةٍ مرورا بالإفراج عن المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها وإعادة هيكلة الجيش وأجهزة المخابرات في مرحلة انتقالية محدّدة المدة. المشكلة هنا تكمن في السماح بالقفز عن هذا المخطط بتقسيم ملف الحل السياسي إلى أربع سلال، والقبول بالعمل على سلة واحدة منها، هي سلة الدستور، مع أن المنطقي البدء بسلّة هيئة الحكم الانتقالي. لذا يمكن القول من دون تردّد إن توقيت توجيه النقد لا يكشف عن ضعف الحساسية السياسية لدى المعارضات السورية فقط، بل وعن عدم وجودها أصلا، فمقدمات تشكيل "اللجنة" كانت حاضرة بقوة ووضوح، والنتيجة، مبنى "اللجنة" وقواعد عملها، كانت تتحدّد خلال المشاورات والمواقف المعلنة من النظام وحلفائه، منذ شهور طويلة، وتم التعامي أو التغاضي عن السياق، وكأنه غير ذي شأن أو تأثير على مصير العملية السياسية ونتائجها المنتظرة. ولمّا جاءت النتيجة المرجّحة، تم الانقضاض عليها وكأنها هبطت من المجهول من دون مقدمات أو مؤشرات سابقة؛ كاشفا عن حالة تأخر سياسي مدمر، ينطبق عليها المثل 

"خسرت هيئة التفاوض معركة التمسّك بآليات الانتقال السياسي، وبقي ألا تخسر الحرب على طاولة التفاوض"الشعبي "رايح عالحج والناس راجعة". كان المنطق السياسي يقتضي من المعارضات، قادتها ومثقفيها، الاعتراض على قرار إعطاء أولوية لسلة الدستور وفتح باب الهروب من مندرجات القرار الأممي رقم 2254، والإصرار على أولوية تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، والتي من صلاحياتها وضع الدستور خلال المرحلة الانتقالية المحددة؛ وتشكيل "اللجنة" عبرها، والعمل على وقف مسارٍ لا يقود إلى تحقيق ولو جزء يسير من مطالب التغيير السياسي، وتحريك قوى المعارضات، كوادرها ومثقفيها، وحواضن الثورة وحلفائها وأنصارها، لوقف مسارٍ نهايته السلبية مكشوفة بوضوح يفقأ العين. لذا يمكن اعتبار الاعتراضات الحالية لعبا في الوقت الضائع، لا تغير شيئا.

كشفت ملاحظات المعارضات السورية، ومثقفيها، التي ساقتها عن المخاطر التي تنطوي عليها بنية اللجنة الدستورية وقواعد عملها والنتائج الكارثية التي ستنجم عنها، عن مؤشراتٍ إضافيةٍ دالة على بؤسها السياسي والعملي، وعن العقلية التي تحكم عملها، رؤاها وتقديراتها وقراراتها. ملاحظات تتعلق بالأعراض، لا بالجوهر، تنصب على ما ترتب على الخطأ الأول: القبول بتجاوز تشكيل هيئة الحكم الانتقالي والمرحلة الانتقالية بمراحلها ومهامها؛ وصب جام غضبها ونقدها على "الائتلاف" وهيئة التفاوض، وليس على الخطأ الأصلي، وعلى القوى التي دفعت نحو هذا الاختراق الخطير، والتفكير والعمل على تصويب المسار بطرق عملية، فالملاحظات المساقة عن تركيبة "اللجنة"، عدد الموالين للنظام وحلفائه في "اللجنة" والمجتمع المدني، وآلية إقرار الاتفاقات، حصول القرار على 75% من أصوات "اللجنة" الموسّعة، أي 113 من أصل 

"فات أوان نقد اللجنة الدستورية، بنيتها وقواعد عملها، بعدما غدت حقيقة سياسية قائمة"150 أو 34 من 45 من اللجنة المصّغرة، وميلهما لصالح النظام، ملاحظاتٌ تعكس عدم إدراك طبيعة الخلل والاختراق الذي نجح النظام وحلفاؤه في تحقيقه، منذ إقرار إعطاء أولوية لسلة الدستور، والعمل على تشكيل اللجنة الدستورية. يمكن إضافة عيّنة أخرى على البؤس السياسي الذي تعيشه المعارضات السورية من خلال استعراض النقد الذي وجه إلى مبادرة إعلان سورية دولة اتحادية؛ حيث اعتبرت الملاحظات المبادرة دعوة إلى تقسيم سورية وتبرير دعوات الانفصال عنها، قارنها أحدهم بتقسيم سورية إلى أربع دول إبّان الانتداب الفرنسي على سورية عام 1920، علما أن الدولة الاتحادية موحدة، تعمل على قاعدة توزيع الصلاحيات والإدارة، لتوسيع المشاركة الوطنية في اتخاذ القرارات المحلية، مع الإبقاء على السيادة مركزية من خلال التمثيل الدبلوماسي والسياسة الخارجية والدفاع، ولا يمكن اعتبار الدعوة إليها دعوةً إلى التقسيم وتبرير الانفصال بأي حال.

لقد فات أوان نقد اللجنة الدستورية، بنيتها وقواعد عملها، بعدما غدت حقيقة سياسية قائمة، تحظى بمباركة إقليمية ودولية، وباتت المهمّة الجوهرية للمعارضات محدّدة في خيارين لا ثالث لهما: إقناع وفد المعارضة بالانسحاب من العملية ووقف السير في طريق نهايته غير مضمونة النتائج؛ والمطالبة بالعودة إلى خريطة الطريق التي حددها القرار الأممي 2254، وبقية القرارات الدولية المتعلقة بالصراع السوري، وهو خيارٌ بعيد الاحتمال في ضوء القيود التي تحكم حركة هيئة التفاوض وقدراتها على كسر الطوق وتحدي الضغوط الإقليمية والدولية، أو العمل على تشكيل ظهير سياسي ميداني لوفد المعارضة في "اللجنة" يقدّم له النصح السياسي والخطط والمقترحات خلال مراحل التفاوض، عبر مركز تفكير أو أكثر تشكله هذه المعارضات، وتشكيل خلية أزمةٍ مع هيئة التفاوض لمتابعة تطورات عملية التفاوض، والدفع نحو فتح باب التفاوض على بقية السلال، وتنفيذ مندرجات القرار الدولي المذكور، خصوصا ملف المعتقلين والمفقودين وإعادة هيكلة الجيش والمخابرات، والتمسّك بصيغ دستورية تقود إلى فتح باب التغيير الديمقراطي، فآلية إقرار الاتفاقات قابلة للتوظيف في خدمة موقف وفد المعارضة كذلك، وعقد ندواتٍ سياسيةٍ بالتوازي مع مراحل التفاوض، تظهر التمسّك بالأهداف، وتجدّد الدعم للإصرار عليها على طاولة التفاوض، وإرسال رسائل مباشرة إلى الأمم المتحدة والدول المؤثرة في الملف السوري بهذا المعنى، وتعزيز مواقف الوفد بتحرّكات شعبية مساندة عبر تجمعات جماهيرية: اعتصامات وتظاهرات، والعمل، في الوقت نفسه، على بدائل سياسية وتنظيمية، على خلفية احتمال فشل المفاوضات أو انتهائها إلى نتائج غير مقبولة.

لقد خسرت هيئة التفاوض معركة التمسّك بآليات الانتقال السياسي، وبقي ألا تخسر الحرب على طاولة التفاوض بالقبول بصيغ دستورية، تعيد إنتاج الاستبداد وتكرس قواعده؛ وابتلاع الطعم بالمشاركة في مخرج سياسي مزيف، يقضي على ما تبقى من تطلع للتغيير، وأمل في إنجاز بعض قواعده. وهذا ما يجب العمل عليه سياسيا وميدانيا بشكل مدروس، ومنسق، ومخطط له، عبر عمل جماعي منظّم.

===========================


هل بدأت مرحلة ما بعد إدلب؟

باسل الحاج جاسم

سوريا تي في

الثلاثاء 1/10/2019

بعد نقاش سياسي وتركيز إعلامي كبير امتد لأسابيع وأشهر طويلة حول المنطقة الآمنة في سوريا، ما يزال هناك العديد من إشارات الاستفهام حتى اليوم، فلم يتضح بعد امتدادها الحدودي، وكم سيكون عمقها؟ وربما السؤال الأكثر إلحاحاً: من هي القوات التي ستنتشر فيها؟

الشيء الذي بات لا يخفى على أحد، أن فهم الولايات المتحدة الأميركية للمنطقة الآمنة، هو إنشاء منطقة تحمي المواقع التي تسيطر عليها أدواتها الانفصالية، بينما تصر تركيا وفق ما هو معلن على أن تكون المنطقة الآمنة بعرض 460 كم، مع أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة أنقرة الأخيرة مع قادة ضامني مسار أستانا، تحدث عن مسافة 910 كم، على طول الحدود السورية التركية، وعمق 3035 كم، وأيضا تحدث أردوغان خلال قمة أنقرة لأول مرة عن مدن في العمق السوري مثل الرقة ودير الزور.

في المقابل وبحسب ما رشح من معلومات تقترح الولايات المتحدة منطقة بعرض 140 كم وعمق 10-15 كم، وبعد ضغوط وحشود عسكرية تركية وتهديدات، توصلت أنقرة إلى اتفاق مع الولايات المتحدة على إنشاء منطقة آمنة بطول 100 كم (ما زال عمق المنطقة غامضًا).

اختلفت آراء الكثير من المراقبين حول احتمالات وجود صلة بين الاتفاق التركي الأميركي على إقامة "منطقة آمنة" في الشمال السوري، والتصعيد العسكري الذي ازداد مؤخراً في محيط محافظة "إدلب"، آخر منطقة بين التي أطلق عليها مناطق خفض التصعيد.

في 7 آب الماضي، توصلت أنقرة وواشنطن لاتفاق يقضي بإنشاء "مركز عمليات مشتركة" في تركيا، لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة، لاحقاً، أعلنت تركيا شروع مركز العمليات المشتركة مع الولايات المتحدة في العمل بطاقة كاملة وبدء تنفيذ خطوات المرحلة الأولى ميدانياً لإقامة منطقة آمنة شرقي الفرات في سوريا.

لم يعد يخفى على أحد ما تريد الولايات المتحدة فعله في سوريا، لكن موقفها المتناقض من تركيا اليوم يثير الكثير من المشاكل، ويضع العلاقات التركية_ الأميركية على المحك من جديد، بعد سلسلة من التوترات، وفي الواقع، توافق تركيا وروسيا وإيران على وحدة التراب السوري من شأنه إفساد المخطط الذي تسعى الولايات المتحدة لتطبيقه.

قبل أيام، عقدت قمة ثلاثية في أنقرة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني، والقضية الرئيسية التي توافق عليها الزعماء في قمة ضامني مسار أستانا، هي وحدة الأراضي السورية، ورحب بوتين بطلبات تركيا المتعلقة بإنشاء المنطقة الآمنة.

واشنطن كانت الغائب _ الحاضر في قمة أنقرة الثلاثية حول سوريا، فالقادة الثلاث تطرقوا وبشكل مفصل إلى الوجود الأميركي شمال شرق سوريا، وما يشكله هذا الوجود من تهديدات لهم، وللسوريين والمنطقة، ولكل طرف منهم دوافعه وأسبابه بشأن استمرار الوجود العسكري الأميركي داخل أراضي الجمهورية العربية السورية.

 ومع استمرار وجود خلافات في وجهات النظر بين تركيا وروسيا وإيران إلا أن استمرار مسار أستانا، يتمتع بأهمية قصوى وهو ما عبر عنه المشاركون في قمة أنقرة بشكل واضح.

تريد الولايات المتحدة، عدم نجاح أي اتفاق بين روسيا وتركيا، لأن نهاية ملف إدلب يعني توجيه الأنظار وبدء العمل على إنهاء المشروع الأميركي شرق الفرات، فواشنطن تخلت العام الفائت عن المعارضة في جنوب سوريا، والتي كانت هي طرف ضامن لها في تفاهمات خفض التصعيد، ولو كانت واشنطن مهتمة حقاً بمصير المعارضة لما تخلت عنهم وهي كانت الضامن لهم أمام الروس.

لا يخفى أن واشنطن تعمل بشكل بات مكشوفاً على تمزيق سوريا، من خلال دعمها مجموعات مسلحة وأقليات عرقية، وسيطرة الأخيرة على مناطق ذات غالبية عربية مطلقة (الرقة العرب أكثر من 93 بالمئة، والحسكة العرب قرابة 80 بالمئة، ومنبج العرب أكثر من 94 بالمئة، والباقي مكونات متعددة الأعراق)، بالإضافة إلى التقارير التي صدرت عن منظمة العفو الدولية الأمنستي، بين عامي 2015 - 2017، وتحدثت بوضوح عن جرائم حرب تعرض لها العرب شرق الفرات من تهجير وإزالة بيوتهم وبلداتهم من على وجه الأرض.

وصحيح أن المسميات المتداولة تعتبر أن غرب الفرات هي منطقة نفوذ روسي، وشرق الفرات هي منطقة نفوذ أميركي، وبأن إدلب التي دخلت في اتفاقات أستانا لخفض التصعيد، أدرجت لاحقاً في اتفاق سوتشي الثنائي الروسي التركي، إلا أن الاهتمام في إدلب يفوق هذه الأطراف ليشمل أيضاً الاتحاد الأوروبي المهتم بعدم حدوث موجات نزوح ولجوء جديدة يمكن أن تحدث جراء وقوع عمل عسكري شامل وغير مدروس في إدلب ومحيطها، بالإضافة لأسباب أخرى تتعلق بالمقاتلين الأجانب وينحدرون من جنسيات أوروبية، وينتشرون اليوم في إدلب، وهذا الأخير هو مبرر موسكو كما واشنطن لاستهداف المنطقة بذريعة استمرار وجود منظمات على قوائم الإرهاب الدولي، لذلك ستتجه الأنظار إلى القمة المرتقبة الرباعية بين روسيا وألمانيا وفرنسا وتركيا في إستانبول حول إدلب والمنطقة الآمنة.

يمكن الاعتقاد أن تركيا استطاعت خلال قمة أنقرة، من الحصول على تأييد موسكو وطهران لإقامة المنطقة الآمنة التي تتطلع لإنشائها منذ سنوات، بهدف التمهيد لعودة اللاجئين الطوعية، إلا أنه ما تزال هناك اعتراضات أميركية.

يمكن استبعاد أي صدام أميركي – تركي، ولاسيما في ظل تأكيد سابق لأردوغان أن بلاده ليس لديها أي عداء اتجاه الإدارة الأميركية ولا الجنود الأميركيين الموجودين في سوريا، مضيفاً: «رغم كل شيء، نرى أميركا كحليف استراتيجي ويمكننا المضي معًا في المستقبل شريطة الالتقاء على أرضيات صحيحة».

الواضح من التصريحات التركية الرسمية وعلى أعلى مستوى سياسي وعسكري في البلاد، أن أنقرة ماضية في تنفيذ خطتها لضرب الأهداف التي تهدد أمنها القومي خارج الحدود، بغض النظر عن موقف واشنطن.

===========================


اللجنة الدستورية السورية وتهافت السياسة الروسية

عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 1/10/2019

اجتمع الرؤساء الثلاثة، الروسي بوتين والتركي أردوغان والإيراني روحاني، قبل أيام في إسطنبول، وأعلنوا، من ضمن مخرجات قمّتهم، عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، والتي عاد وأعلن عنها أمين عام الأمم المتحدة، وقد انتظرها السوريون نحو عامين. واللجنة هذه هي استكمال للسياسة الروسية المتهافتة، ضمن مسارات أستانة وسوتشي والمصالحات ومناطق خفض التصعيد الكاذبة؛ فوظيفة كل هذه المسارات شطب بيان جنيف1 وقرار مجلس الأمن 2254، واللذَين ينصان على تشكيل حكم انتقالي كامل الصلاحيات، من مهامه الإعلان عن تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد. اللجنة هذه شطبت، كما سلال دي ميستورا (المبعوث الأممي السابق) الأربع، الحكم الانتقالي والدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب.

علّة تأخير تشكيل اللجنة هي غياب التوافق على بعض الأسماء، وسببه الحقيقي رفض النظام لها وبغطاء روسي وإيراني، والغاية تمرير الوقت، وإنهاء المناطق الخارجة عن سيطرته، وفرض استسلام كامل على المعارضة، وهو ما حدث، مع إنهاء الغوطة ودرعا وحمص، وحصر الصراع في إدلب وشرقي الفرات. أما المعارضة فإن قبولها هذه اللجنة، ومن دون أي شروط، ومن دون أية آليات واضحة لعملها، يعني أنها وافقت على إعادة تأهيل النظام، وأن الأخير سيمحض الدستور الجديد أو المعدل، الشرعية أو يرفضه، وبذلك ينال هو الشرعية الدولية!

لم تلقَ خطوة تشكيل اللجنة أهمية كبيرة لدى السوريين بعامة، وإن خرجت مظاهرات رافضة 

"اللجنة استكمال للسياسة الروسية المتهافتة، ضمن مسارات أستانة وسوتشي"لها، وكذلك رفضتها أغلبية المعارضة، وشكّكت في جدواها. ومصدر قوة اللجنة غياب مؤسسات للمعارضة قوية وفاعلة، وبالتالي تمثلت المعارضة في اللجنة، بضغطٍ تركي وبطموحات فردية لبعض أعضائها، بينما الموقف الصحيح للمعارضة كان رفض اللجنة أو الانسحاب منها، حيث لم نقرأ عن رؤية لها، ولا كيف ستعمل، وكيف ستقرّر مصير النظام دستورياً، وبالتالي ستعمل تحت إشراف النظام الحالي. والكلام عن رعاية الأمم المتحدة لاجتماعاتها، وأخذاً بمسبقات القرارات التي لم تنفذ "جنيف 1 و2254 وسواهما كثير" نقول إنه لا قيمة حقيقية للجنة ومخرجاتها، وهي لتمرير الوقت، ريثما تلتقي الأطراف الدولية، وتحديداً أميركا وروسيا؛ فالدولتان تسيطران على الأرض في سورية، ولا بد من تسويةٍ بينهما.

بموازاة تشكيل اللجنة، هناك تصعيد أميركي وأوروبي ضد النظام، واتهامه مجدّداً باستخدام السلاح الكيميائي ضد مدنيين، وضرورة تقديم مجرمي الحرب فيه للمحاكمة، وبالتالي وكأنّ الولايات المتحدة تردُّ على روسيا برفض مسار اللجنة، باعتبار الأخيرة هي الراعية للجنة الدستورية. إذاً لم تستفد روسيا من اللجنة كثيراً، ورفضتها أميركا وقطاعات كبرى من الشعب السوري والمعارضة كذلك، وهذا يعني أن حصر الصراع في منطقتين لا يؤدي إلى نتيجة مباشرة من أجل حل سياسي في سورية. ويمكن هنا قراءة عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للظهور، ورقة جديدة لتهديد مناطق كل من روسيا وأميركا في آن، وذلك باعتبار "داعش" مخترقا من الأجهزة الاستخباراتية وتخدم أهدافها، وهذا يعني أن مساحة الخلاف بين الدولتين العظميين ما تزال كبيرة، وهي مأساة جديدة على مستقبل سورية وأهلها.

آلية التوافق على بنود الدستور إشكالية بحد ذاتها، أي يجب أن يوافق على أي بند فيه 113 عضوا أقله، حيث إن نسبة التوافق يجب أن تكون 70%، ولو أضفنا رفض النظام للجنة من أصله، فهذا يعني أنه سيُدخلها في ألف تفصيلٍ وتفصيل، ولن تُرى لها نتائج واقعية، كما فعل مع قرار مجلس الأمن 2254 أو سلال دي ميستورا وسواهما؛ ولو تفاءلنا بانعقادها، فكيف سيعثر على 113 عضوا، للموافقة على البنود المتعلقة بإلغاء صلاحيات الرئيس، أو بطبيعة نظام الحكم، وأن يصبح برلمانياً، وأن تكون الحكومة هي الأساس وليس الرئيس فيه.. هذه القضايا وغيرها تقول، بكل بساطة، لا قيمة حقيقية للجنة، وهي ورقة روسية وموجهة إلى أميركا وأوروبا.

روسيا التي تحالفت مع تركيا، وساعدتها الأخيرة في استرجاع معظم الأراضي السورية من يد 

"هنالك تصعيد أميركي وأوروبي ضد النظام، واتهامه مجدّداً باستخدام السلاح الكيميائي ضد مدنيين"المعارضة، وذلك قبالة تأييد روسيا لها في رفضها أيِّ شكلٍ من الحكم الذاتي للأكراد، أو توسيع صلاحيات إدارتهم الذاتية، وعلى الرغم من أنها تتحالف كذلك مع إيران وتنسّق مع إسرائيل، فإنها لم تستطع تمرير مسارات أستانة وسوتشي وخفض التصعيد، والآن اللجنة الدستورية، حيث يؤكد الأميركان والأوروبيون مرجعية جنيف 1 والقرار 2254؛ الكلام أعلاه، لأن إنهاء كارثية الوضع السوري لم يعد بيد السوريين، بل بيد الدول الإقليمية والدولية.

تجاهلت روسيا تفاقم الوضع السوري منذ عام 2011، حيث الثورة السورية بالنسبة لها مؤامرة أميركية وتهديد لسيادة الدولة السورية! وتصرُّ على أن الممكن هو إصلاح النظام السوري. سياساتها إزاء الوضع السوري، وكذا إشهار 12 فيتو ضد مشاريع قرارات أممية تدين النظام وتنصف الثورة نسبياً، يؤكدان أنها ضد إصلاح النظام أيضا. ولو أضيف أنها لم تعترف بأي أهدافٍ للثورة، ولا بأخطاء النظام، فإنها بذلك تعلن تمسّكها الكامل به، وعدم الموافقة على أي قرار دولي أو إقليمي يُحمّله المسؤولية الأكبر عما حدث في سورية، وبالتالي لن يكون مصير اللجنة بأكثر مما جاءت به مسارات أستانا وسوتشي وخفض التصعيد، أي محاولة تأهيل النظام مجدّداً. وتؤسس روسيا بذلك لفشل السوريين وسورية مستقبلاً، وليس، كما قيل، إنها الوحيدة التي من مصلحتها إيجاد حل للوضع السوري! حينما تَرفضُ إدانة النظام، ولا تُجبره على مسار سلال دي ميستورا ولن نتكلم عن "جنيف 1"، وحينما لا تُغلق ملف الاعتقال السياسي أو تفرض وقفاً لإطلاق النار في شمال سورية؛ هي بذلك شريك في مأساة سورية، 

"حينما تَرفضُ روسيا إدانة النظام، ولا تفرض وقفاً لإطلاق النار في شمال سورية؛ هي بذلك شريك في مأساة سورية"ومقرّر تنفيذي في تدمير مستقبل هذا البلد، وليس حاضره وماضيه فقط.

تريد روسيا تأهيل النظام، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم من دون إعادة الإعمار والتمويل الدولي والإقليمي، وهذا يدفعها إلى تشكيل اللجنة، كما ذكرت السطور السابقة، وربما دفعت النظام ذاته إلى الضغط على ناهبي الدولة وثروة السوريين أخيرا، وجمعَت منهم ملايين الدولارات، ولكن ذلك لن يساعد في تجميع أموال لإعادة الإعمار. بالكاد تكفي تلك الأموال لتسيير شؤون الدولة العامة، وإيفاء بعض الديون لروسيا المعاقَبة أوروبياً وأميركياً، هي وحليفتها إيران.

لم تنطلِ لعبة روسيا الجديدة على الأميركيين والأوروبيين، وليس من أموال أو إعادة الإعمار أو إعادة اللاجئين، والنظام السوري على حاله. إذاً لا خيار لروسيا، وقد فشلت مساراتها وستفشل اللجنة، إلّا بالعودة إلى "جنيف1" والقرار 2254، وهذا دونه ألف عقبة وعقبة. والأخطر هو غياب التوافقات الإقليمية والدولية على إيجاد تسوية للوضع السوري.

===========================

معتقلون قسراً؛ لا أسرى

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 30/9/2019

نقلت وكالة "رويترز" عن المبعوث الدولي السيد "غير بيدرسون" قوله:

One important confidence building measure…the release of abductees and detainees……and if we do this at a larger scale along with the work of the constitutional committee and other aspects of change on the ground; it will send a message in Syria that a new beginning is possible

"إن أحد إجراءات بناء الثقة المهمة تتمثل بإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين. وإذا ما تم ذلك على نطاق كبير وتزامن مع عمل اللجنة الدستورية، ومع إحداث تغيرات على الأرض؛ فإن من شأنه أن يرسل رسالة مفادها أن بداية جديدة في سوريا ممكنة".

 مع شديد الأسف - ولا ندري إن كان ركاكة في الترجمة أو نتيجة نيّة وقصدية تشوهية - جاء العنوان الذي وضعته وكالة رويترز كما يلي:

Time for a large scale Syria prisoner swap

 {آن الأوان لتبادل واسع للسجناء}

وفي ثنايا الخبر أبدلت كلمة swap” " بـكلمة "exchange؛ وكلاهما تعني "تبادل"؛ والمبعوث الدولي لم يستخدم أياً منهما كما هو مبيّن في تصريحه الحرفي أعلاه: لقد استخدم مفردة: "release"؛ وتعني " إطلاق سراح". كما أنه لم يستخدم مفردة: " prisoners " /سجناء/، بل:

 Abductees and detainees”"؛ وتعنيان " المعتقلين والمخطوفين"

 وما زاد الطين بلة أن بعض المحطات التلفزيونية العربية نقلت الخبر على الشكل التالي:

{المبعوث الدولي: "حان الوقت لإجراء تبادل واسع للأسرى في سوريا} وتابعت في مواقعها ترجمة خبر رويترز بالطريقة الغبية ذاتها، أو بالطريقة التشويهية عن سوء نية مقصود.

لسنا في وارد الدفاع عن المبعوث الدولي أو عن تصريحاته، بل من باب الحرص على الحقيقة؛ وتوضيح "جهود" أولئك المغرمين بخطاب نظام الاستبداد والمروجين له؛ حتى ولو كان ذلك على حساب الحقيقة أو عبر تشويه الأقوال والاستمرار بسكب الزيت على النار.

وفي هذا الصدد، وبعد تقدير هذه اللفتة من المبعوث الدولي، لا بد من الإشارة إلى أن كل القرارات الدولية الخاصة بالقضية السورية ذكرت المعتقلين، وضرورة إطلاق سراحهم. وبين يدي المبعوث جملة من القرارات والتحقيقات والملفات التي لا بد للأمم المتحدة أن تفعّلها للامتثال لصوت الحقيقة وما ينشده الشعب السوري دون مراوغة أو تحريف في الأقوال أو الأفعال.

وعليه نطالب السيد "بيدرسون"- بصفته مبعوثا يمثل الأمم المتحدة في القضية السورية - البدء الفوري بمسار تتعاون فيه الأمم المتحدة

في حال عدم امتثال النظام للجنةِ تفتيشٍ أممية على المعتقلات، من أجل إطلاق سراح المعتقلين؛ فلا معنى لأي عملية دستورية أو سياسية؛ بل ستكون مساهمة في إطالة وتغطية معاناة المعتقلين السوريين تعسفيا في معتقلات نظام الأسد.

مع دول "المجموعة المصغرة" لإجبار النظام على فتح أبواب معتقلاته للجان أممية متخصصة، للتفتيش على هذه المعتقلات، وإلزام النظام بإطلاق سراح المعتقلين تعسفيا، كخطوة أولى على طريق إغلاق ملف الاعتقال التعسفي في سوريا، وذلك ليس خطوة لبناء الثقة فحسب، بل شرطاً أساسياً ونهائياً، وفوق تفاوضي لإثبات النظام بدء تعاونه مع الجهود الأممية، الأمر الذي يدّعيه من خلال موافقته على إنشاء اللجنة الدستورية.

وبالتالي، في حال عدم امتثال النظام للجنةِ تفتيشٍ أممية على المعتقلات، من أجل إطلاق سراح المعتقلين؛ فلا معنى لأي عملية دستورية أو سياسية؛ بل ستكون مساهمة في إطالة وتغطية معاناة المعتقلين السوريين تعسفيا في معتقلات نظام الأسد.

وكمواطن سوري أدين بالولاء حصراً لمطالب السوريين في الحرية والكرامة، أطالب جميع المنخرطين في القضية السورية بتبني هذا الإجراء (عملية تفتيش معتقلات نظام الأسد، وإطلاق سراح المعتقلين تعسفيا؛ لإغلاق ملف الاعتقال التعسفي في سوريا) إجراءً فوريا لا يصح أي إجراء سياسي أو غيره بغيابه. ومن هنا، فإنه حري بالمجموعة المصغرة وضع هذا الإجراء أولوية لا تتماثل أو تتساوى مع أي مساعٍ أخرى، إذ أنه من العبث طرح مبادرات كـ "تنظيم انتخابات"، أو "تفعيل عمل لجنة دستورية"، أو غيره من الملفات كإعادة إعمار أو حل مشكلات اللجوء... قبل مواجهة القضية الأساسية (الاعتقال التعسفي)؛ خاصة وأنها أحد أهم الأسباب لكل المشكلات القائمة، وهي سلاح ابتزازي أساسي بيد نظام الأسد في قتل السوريين وسلبهم حريتهم وحقوقهم.

وكأكاديمي سوري، وعضو في الهيئة السورية للتفاوض، وعضو في اللجنة الدستورية عن الهيئة، أطالب باستجابة الأمم المتحدة والمجموعة المصغرة بالشروع بتشكيل لجنة تفتيش أممية على معتقلات نظام الأسد لإطلاق المعتقلين تعسفياً، وأدعو جميع أعضاء اللجنة لضم صوتهم إلى صوت السوريين المطالبين بإطلاق سراح المعتقلين في قبور الأحياء. هؤلاء معتقلون قسراً، بل رهائن؛ لا أسرى.

===========================

حرب القمح في سوريا من سيدفع الثمن؟

د. أحمد طرقجي

القدس العربي

الاحد 29/9/2019

فقدت سوريا خلال سنوات الحرب أكثر من 60 في المئة من قدرتها على إنتاج القمح وتحولت من دولة مكتفية ذاتياً إلى دولة غير قادرة على دفع ثمن حاجه مواطنيها من القمح. ويعتبر محصول القمح أهم المحاصيل الاستراتيجية المدعومة في سوريا وذلك لاستخدامه في إنتاج طحين الخبز، المادة الغذائية الأساسية للسكان.

خلال العقدين السابقين للحرب، وضع السوريون ملف القمح كأحد أهم الأولويات. وعملت مراكز الأبحاث الحكومية والإقليمية على تطوير أنواع مختلفة من البذور القادرة على الإنتاج العالي رغم قلة المياه، وطورت معامل الأسمدة منتجاتها مستفيدة من مخزون الفوسفات السوري الذي يعتبر ضمن الأعلى عالمياً. كما عملت البنوك الوطنية على تأمين القروض للمزارعين لدعم إنتاج وحصاد القمح.

تاريخيا، تركز إنتاج معظم القمح السوري في أراضي محافظات الشمال والشمال الشرقي من سوريا، الحسكة والرقة وحلب. وعانت المحافظات الثلاث كما عانت باقي المحافظات المنتجة للقمح في وسط وجنوب سوريا خلال سنوات الحرب الثماني من ارتفاع كلفة إنتاج القمح، وانخفاض القدرة على تصريف المحاصيل، وصعوبة توفير مياه الري، والتدمير والتهجير الناتج عن الحرب.

وساهم دخول “داعش” للمناطق الشمالية الشرقية في تعميق أزمة إنتاج القمح رغم وقوع مدينتي الحسكة والرقة على ضفاف نهر الفرات حيث باتت قدرة المزارعين في الحصول على بذور القمح والسماد من النظام محدودة جداً. لكن بالمقارنة، تم التوصل مثلاً لتفاهمات تتعلق بتوريد المشتقات النفطية بين المناطق السورية كما تبين لاحقاً.

تراجع مياه الري

لم تكن حقول إنتاج القمح غرب الفرات في حلب وإدلب وحماه أكثر حظاً.

فقد أثر القصف المستمر والتهجير على قدرة الفلاحين على رعاية أراضيهم طوال العام، وتناقصت قدراتهم الزراعية بسبب تراجع مياه الري وزيادة الاعتماد على مياه الأمطار القليلة أصلاً، حيث تعاني سوريا من أزمات جفاف متكررة.

ووصل الإنتاج السنوي للقمح لعام 2010 لحوالي 4 ملايين طن

كانت كافية لسدّ حاجة 22 مليون سوري مع بعض الفائض للتصدير. ولكن بحلول عام 2018 تراجع إنتاج القمح ليصل إلى 1.2 مليون طن. هذه الكمية لا تكفي لسدّ نصف الحاجة السنوية للسكان رغم انخفاض عدد سكان سوريا إلى 16 مليون مواطن بسبب الحرب والهجرة.

استورد النظام مليون طن من القمح الروسي عام 2016 لتغطية النقص في الإنتاج المحلي، ولكن قدرته على الاستيراد انخفضت مع مرور الوقت.

على الجانب الآخر، واجه مزارعو القمح تحدياً أساسياً لتمويل زراعتهم وتصريف منتجاتهم. في السنوات الأخيرة أصبحت أسعار شراء القمح من قبل النظام، رغم محدودية كميات الشراء، أعلى من أسعار التجار المحليين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بنسبة 10 في المئة مما أخل بتوازن الأسواق. لجأ بعض تجار القمح في جميع المناطق خلال السنوات الماضية لبيع محصولهم لتجار في دول الجوار، حيث وفرت لهم أسواق الجوار مردوداً أعلى واستقراراً أكثر.

وطورت مؤسسة الحبوب المحلية ووحدة تنسيق الدعم “ACU” واللتان تعملان في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، برامج لدعم زراعة وتسويق القمح مما حسن أسعار شراء القمح في المناطق الشمالية الغربية ومكن المزارعين من الاستمرار في زراعة القمح. كما عملت مؤسسة البذار المحلية في هذه المناطق على مشاريع بحثية للحفاظ على هذه الحبوب وميزاتها الزراعية.

ساعدت زيادة الأمطار في تحسين إنتاج القمح لعام 2019 وخاصة في منطقة الجزيرة السورية.

في هذا العام، خصصت الحكومة السورية حوالي 650 مليون دولار (400 مليار ليرة سورية تقريباً و10 في المئة من الموازنة العامة الحكومة السورية) لشراء القمح بما فيه شراء القمح من المزارعين السوريين بشكل مباشر بأسعار مرتفعة، أعلى من أسعار استيراد القمح الروسي. بينما خصصت الإدارة الذاتية الحاكمة للشمال الشرقي في سوريا مبلغ 200 مليون دولار لمحاولة شراء كامل قمح الجزيرة السورية، ولو بسعر أقل بحوالي 10 في المئة من سعر حكومة النظام، مع العلم ان الكمية تزيد عن حاجة سكان منطقة الشمال الشرقي.

في الشمال الغربي، كان سعر القمح أقل بـ 30 في المئة من السعر المحدد من الحكومة السورية.

حرائق الأراضي

أثار تغيير طبيعة تنافس الأسعار وحرائق الأراضي المتعددة حفيظة المزارعين. فقد أتت الحرائق المتعددة قبل بدء الحصاد على ما يقارب 10 في المئة من الأراضي السورية المزروعة بالقمح (تقوم بعض المرجعيات الدولية حالياً بإعادة تقييم المساحات المتضررة باستخدام صور الأقمار الصناعية). ورغم صعوبة تفسير اندلاع أكثر من 70 حريقا في حقول القمح في خلال أسبوعين في الجزيرة السورية على سبيل المثال، إلا أن غياب الجهود الفعالة لإطفاء هذه الحرائق كان أكثر غموضاً.

مع تسييس المنافسة على سوق القمح السوري هذا العام، ولد تخوف عام لدى المزارعين السوريين وواجهوا صعوبة لتحديد الطرف الأنسب لشراء محصولهم، حيث لا يبدو سعر الشراء على أنه العامل الأهم في هذا القرار هذا العام، فالقدرة على الحصول على البذور والسماد للموسم القادم، وحماية الأراضي من الحرائق، والعامل الأمني لعائلات المزارعين قد يكونوا أكثر أهمية. ستتوضح نتائج حرب القمح بعد بضعة أشهر بعد انتهاء تسويق المحصول وبدء التخطيط للعام المقبل.

في المقابل، يبقى المواطن السوري هو من يدفع الثمن الأكبر للحصول على خبزه الذي يُحتكر ولحماية حقوله التي تُحرق.

===========================


سوري.. ليست مكافحة فساد فقط

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 29/9/2019

حدث في عام 2003، وفي حمأة وعود أسدية في سورية بإصلاحٍ كان بشار الأسد قد أعلن عن ضرورته، وسط تدابير احترازية منعت كبار قادة الحزب والحكومة وأسرهم من مغادرة البلاد، أن وزير التخطيط في حينه، عبد الله الدردري، قلل من أهمية الزراعة قطاعا اقتصاديا منتجا، بينما كانت الأسواق تختنق بسلع ومستوردات أجنبية، صينية وأوروبية، أثارت قلقا شديدا في أوساط رجال الأعمال والتجار، حتى أن قرابة ألف منهم وقعوا عام 2007 عريضةً أرسلوها إلى رئيس الوزراء، ناجي العطري، تخبره بعزمهم على إغلاق مصانعهم وأعمالهم، ورمي ما يقارب ثمانين ألف عامل في الشارع، إن استمرت سياسة الانفتاح القاتلة التي تجعل أي سلعة أوروبية شهيرة، أدنى ثمنا من السلع المنتجة محليا.

بإهمال القطاع الزراعي الذي عبر عنه تصريح الدردري، وبالانفتاح الفائق الليبرالية على السوق الدولية الذي أغضب "برجوازية" جبانة، لم يسبق لها أن كتبت عرائض، واتّخذت موقفا غاضبا من أي قرار حكومي، وقع قبل عام 2011 تطوّر قيّض له أن يكون أحد الأسباب المباشرة والرئيسة لثورة السوريين، في العام نفسه، أدّى إلى انفكاك قطاعات واسعة من الفلاحين عن النظام، علما أنهم كانوا، منذ انقلاب عام 1963، قاعدته الطبقية، وحامله الحاضر بكثافة في دولته العميقة وحزبه وبيروقراطيته، بسبب النكبة التي جعلت رئيس اتحاد فلاحي اللاذقية يسأل رئيس الوزراء إن كانت حكومته قد قرّرت القضاء على الزراعة، وإخراج مليون وثلاثمائة ألف فلاح مع أسرهم من منطقة الجزيرة، انتشروا في مدن سورية وقراها، وصولا إلى حوران 

"بالتخلي عن البرجوازية، حدث ركود تضخمي فتاك، أطاح مداخيل العمال والموظفين"والساحل، بينما تم إهمال 15% من الحقول المزروعة قطنا، بسبب رفع سعر ليتر المازوت من ست ليرات إلى 24 ليرة، وطن مواد مكافحة الحشرات والنباتات الضارّة من 12 ألف ليرة إلى قرابة خمسين ألفا. وبما أن معظم الفلاحين كانوا يأخذون قروضا من المصرف الزراعي، فإنه بادر إلى مصادرة أراضي الذين عجزوا منهم عن سداد ديونهم، ما أسهم بدوره في انهيار الزراعة وانتشار الجوع، وتوزيع منظمات الغوث الدولية 25 ألف سلة غذائية في منطقةٍ طالما قيل إنها ستطعم العالم العربي.

بالقطع مع الفلاحين، كسر بشار الأسد الغصن الذي يجلس نظامه عليه، ونشر بوادر الثورة، ثم الثورة نفسها، في الأرياف. وبالتخلي عن البرجوازية، حدث ركود تضخمي فتاك، أطاح مداخيل العمال والموظفين أيضا، وعطل النمو في القطاع العقاري، قاطرة الاقتصاد السوري الذي توقف تقريبا عن العمل، لوجود فائض هائل من الشقق غير المباعة، وبلغ عددها في دمشق وحدها 245 ألف شقة، بينما تراجع إنتاج النفط إلى مستوىً لا يغطي حاجة الاقتصاد منه. ومع أن الأسد استرضى التجار بإطلاق أيديهم في البلاد والعباد، فإن ما اعتمده من سياساتٍ ليبرالية متوحشة قوّض علاقة النظام التي بناها والده مع "البرجوازية" السورية، واستبدلت، من الآن فصاعدا، بأغنياء السلطة الجدد، بصلاحياتهم التشبيحية التي لا تخضع لقانون، وأي قانون يمكن أن يطيعه مثلا رامي مخلوف الذي وصل الأمر من تشبيحة إنه استولى على صالون حلاقة ناجح في حي أبو رمانة، وحيدرة نجل بهجت سليمان الذي أدخل أنواعا من اليانصيب إلى سورية عادت عليه بالمليارات، ويسار الأسد الذي كانت سياراته تدخل إلى مستودعات الجمارك للحصول على الدخان الأجنبي المهرّب مجانا، مقابل رشىً تدفع لمسؤولين كبار طالما أمروا الدوريات بإطلاق النار، انتقائيا ومن حين إلى آخر، على سيارات الأسد، ليقال إن الجمارك تكافح التهريب. أخيرا، من سيتقيّد بقانون، إذا كان بشار الأسد قد أعطى بطاقته الشخصية لوفد اقتصادي كويتي، تبين عند الاتصال معه أنه رقم رامي مخلوف.

(2)

هذا الشرخ الأول الذي علّق النظام الأسدي في الهواء مجتمعيا، وفكّك علاقته مع الفلاحين تحت، والبرجوازية العقارية والتجارية فوق، وربط وجود الأسدية واستمرارها بجيش الدولة العميقة ومخابراتها، وأمعن في إبعاد العمال عن السلطة، فعل فعله في التمرّد الثوري الهائل الذي أنزل في أحد أيام الجمعة من عام 2012 قرابة ثمانية ملايين متظاهر إلى الشوارع، أو 35% من الشعب السوري، في سابقةٍ لا مثيل لها في تاريخ الثورات القديمة والحديثة، وجعل بشار الأسد يتساءل أمام مقرّبين منه: وين الحزب، وين المؤسسة الأوقافية؟ لم يبق لنا غير المخابرات والجيش، ولا بد أن نسحق بهما المجتمع.

يقع اليوم شرخ ثان أكثر تعقيدا، يبدو في ظاهره اقتصاديا، لكنه يتجاوز الاقتصاد إلى بنية السلطة، القائمة على أربع أفخاذ من عشيرة الكلبية، وحّدها حافظ الأسد ووضع 80% من قيادات الجيش والمخابرات في يدها. هذا ما أخبرني به أحد العارفين، قال إن استمرار النظام يتوقف على بقاء 

"كسر بشار الأسد الغصن الذي يجلس نظامه عليه، ونشر بوادر الثورة، ثم الثورة نفسها، في الأرياف"هذه الأفخاذ موحدة من جهة، أو على تحالف يُنجزه السنة مع العلويين الذين لا ينتمون إليها، وفرض عليهم الولاء لها بعد الثورة، موقف التنظيمات الإسلامية المسلحة ممن أسمتهم النصيريين، وتوعدتهم بالذبح، وكانت نتيجته انحدار الثورة إلى اقتتال طائفي، خطط له النظام الأسدي، واستحالة فك العلاقة بين بقية العلويين والمسيطرين عليهم أيضا من خلال الدولة العميقة، وتبلغ نسبتهم من مجمل السوريين من الطائفة العلوية بين 10% و12%، وتقوم سياساتهم على قدرٍ من استفزاز السنة، يحجب عنهم واقع العلاقة بين العلويين والسلطة الأسدية من جهة، ويخيف السوري العلوي إلى درجة الموت، دفاعا عن سلطة هو أداة بيدها من جهة أخرى، تضحّي به كي لا يصاب النظام الأسدي بعطب جوهري، سواء من حيث انفراده بالسلطة والقرار، أم من حيث سيطرته على الجسم العلوي خصوصا، والسوري العام عامة، ويتوقف أمن النظام واستقراره على استمرار القطيعة والعداء بين طرفيه هذين.

السؤال الآن: هل ستنقسم ملة السلطة الأسدية الحاكمة، بموقف بشار الأسد من آل مخلوف، الذين يمثلون حالة نوعية ضمن مصادرات يتعرّض لها أيضا الأغنياء الجدد من لصوص الحرب، شركاء بشار الأسد وأدواته الذين حان وقت تجريدهم من مسروقاتهم، كليا أو جزئيا، بما أن ذلك يُظهر النظام بمظهر العازم على تطبيق العقوبات الدولية المفروضة عليهم، ويجعل بشار الأسد الثري الأكبر، إن لم يكن الوحيد، في سورية، ويمد المصرف المركزي الذي أعلن رئيس الحكومة إفلاسه رسميا، ببعض الدولار، الضروري لدرء الانهيار الوشيك للوضع الاقتصادي برمّته، ومن عقابيله الكارثية على النظام الذي يعلن أنه انتصر عسكريا في حربٍ يخشى أن تسقطه نتائجها الاقتصادية، علما أن بدائل الأسد الشخص موجودون سياسيا بوفرة، في طبقة الأغنياء الجدد، وأمنيا في الشبيحة، وفي وسع هؤلاء الدخول في صفقةٍ دوليةٍ تمدّهم بالسند السياسي الضروري لإطاحة من فشل في منع قيام ثورة ضده، وارتكب من الجرائم ما لا يقرّها قانون. وربما يكون قد قرّر أن يوسع هوامش حركته، وامتلاك الأموال اللازمة لشراء الولاء لسلطته، كي لا يرضخ لصفقةٍ يخشى أن تنجزها روسيا مع واشنطن وأوروبا، من الممكن أن يكون العمل جاريا لها، من خلال إيجاد بديل له، يقال إن خاله محمد مخلوف، المقيم منذ أعوام في موسكو، قد تكفل باقتراحه، ونصح الروس باعتماد نجله رامي رئيسا مقبلا لسورية، بعد الحل السياسي، وأن هذه النصيحة كانت وراء الإجراءات التي اتخذت بحق المرشح الرئاسي البديل، وشركاته وإخوته، بل وضد عرّاب الأسدية الأكبر وشريك حافظ الأسد في تأسيسها، محمد مخلوف الذي يرجح أن لا يكون لقمة سائغة في فم بشار.

هل يفضي الإجراء الأسدي إلى شق النواة الصلبة لأفخاذ عشيرة تتحكم بأقدار السوريين العلويين 

"بدائل الأسد الشخص موجودون سياسيا بوفرة، في طبقة الأغنياء الجدد، وأمنيا في الشبيحة"وسورية، أم أن الدولة العميقة التي يمسك بها وبمفاتيحها أسديون من عشيرة الكلبية ستبقى موحدة وموالية لبشار الذي نقل معركة بقائه إلى داخل هذه الدولة، يفتح باب احتمالات محلية ودولية خطيرة، ويثير قدرا من الخلاف والتناقضات بين من قامت وحدة السلطة وحاملها العشائري على وحدتهم؟.

سؤال إضافي: هل ستتوقف جماعة الخط المتأسلم عن رمي جميع السوريين العلويين في قدر واحد، لطهيهم بدمائهم، وهل سيواصلون خدمة الأسدية بموقفهم الذي يجعل سورياً علوياً فقيرا يعيش في بؤس إحدى قرى الساحل السوري مساويا في الإجرام والوحشية لبشار الأسد، ويستحق القتل مثله، أم سترى الواقع بأعينٍ صاحية تميز ما في الطرف الآخر من تلاوين، وستقلع عن إدراج جميع السوريين العلويين تحت بند النصيرية الذي كان واحدة من أدوات النظام لكسب الحرب؟

لا بد، أخيرا، من متابعة دقيقة، وطنية ونزيهة، للنتائج التي ستترتب على إجراء يبدو اقتصاديا، لكنه يرجّح أن يفضي إلى شرخ في نواة السلطة الحقيقية، يمكن أن يتّسع بقدر ما ينجح مقاومو الأسدية في توسعته، وتفكيك قطاعات سورية علوية متزايدة الاتساع من خضوعها للعصابة الأسدية التي يدل تدبيرها أخيرا ضد العائلة المخلوفية أنها تريد استعادة ما قد تكون تخلت عنه من صلاحياتها لهذه الجهة أو تلك، وأموالها، خلال الحرب، وما كان لها من انفراد بالسلطة، استعدادا لمقاومة الألاعيب الدولية المحتملة الخاصة برئاسة بشار الأسد الذي ما إن أوشكت الحرب على التوقف، وأخذت الجهود الدولية تبذل لإيجاد حل سياسي للصراع، حتى جرّد معظم الأغنياء الجدد من ممتلكاتهم وأموالهم، بدءا بابن خاله رامي مخلوف، فهل يستعيد بهذه التدابير سلطات أبيه كاملة، أو يفقد السيطرة على نتائج الشرخ الذي أحدثه في بؤرة النظام المركزية، ويطرح عليه سؤالين: إعادة إنتاج وحدة العشيرة على أسس جديدة مغايرة لما وجد من أسس لنظام أبيه، للمحافظة على هوية السلطة وطابعها في ظرف متغير، أو أن يواجه متاعب لا قبل له بها، بعد أن قوّض بيديه ما كان من قبول شعبي له ولنظامه؟

===========================

مكافحة فساد أم تجديد بطانة النظام!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 29/9/2019

لعل الأهم فيما يشغل السوريين، هو الأحاديث المتصلة بـ«حملة مكافحة الفساد»، التي يتابعها نظام الأسد، وما يتصل بها من إجراءات وإشاعات، تتواصل ضد قائمة من رجال المال والأعمال، لم تقتصر محتوياتها على أسماء كثير ممن اغتنوا بصورة فاحشة في سنوات الصراع السوري الأخيرة، بل شملت أسماء لشخصيات من أركان النظام، منهم رامي مخلوف ابن خال رئيس النظام، والذي كان يوصف في أوقات سابقة بأنه يدير أموال واستثمارات العائلة، والأهم أن تلك الأحاديث تجاوزت العادي في الإشارة إلى أصحاب أعمال وأموال من المدنيين، فتناولت أسماء من العسكريين والأمنيين، الذين شاع انخراطهم في أنشطة إجرامية مريبة في الأعوام الأخيرة.

فكرة «حملة مكافحة الفساد» لم تكن فكرة نظام الأسد، رغم أن للأخير تجارب ملتبسة، تكررت مراراً في عهد الأسد الأب. بل هي فكرة طرحها الروس على رأس النظام، ليتم القيام بها من قبل الرئاسة تحت مراقبة ومتابعة الطرف الروسي مباشرة. والهدف منها، يتضمن 3 أمور رئيسية؛ أولها تجميل صورة النظام من خلال الإيحاء بأنه يطبق إصلاحات اقتصادية، ويلجم فلتان بطانته من رجال المال والأعمال، ولا سيما الشبيحة الذين انتهت مهمتهم، والثاني تأمين موارد محلية لخزينة النظام الفارغة وسط ما يواجهه من صعوبات بين مؤشراتها انهيار أسعار صرف الليرة السورية، والأمر الثالث تأكيد حضور الدولة بعد غياب طويل، على أعتاب مرحلة إعادة الإعمار، التي يحاول الروس إطلاقها، ويقابلها العالم بحذر شديد، ويطرح اشتراطات للبدء فيها، إضافة إلى هدف خفي، أساسه إحكام النظام قبضته على بطانته الاقتصادية والمالية، والاستيلاء على بعض ثرواتها، التي راكمتها في سنوات الحرب.

لقد كرّست السنوات الماضية حالة من الفلتان الاقتصادي والمالي. ففي الوقت الذي تعطلت فيه القطاعات الاقتصادية الرئيسية كلياً أو جزئياً، وتوقفت أنشطتها تقريباً، وتعطل تطبيق التشريعات والقوانين، وصارت السلطة في يد الأجهزة الأمنية والعسكرية وقادة الميليشيات، انفتحت الأبواب واسعة على أنشطة متعددة انقسمت إلى ثلاثة؛ أولها نشاطات تقليدية بما هو معروف عنها من صناعة وتجارة وخدمات، والثانية أنشطة جديدة، خلقتها وأشاعتها بيئة الحرب، ومنها عمليات التعفيش والاتجار بالممنوعات وتحويل الأموال وتبييضها وتجارة النفط، والثالث نشاطات هجينة، زاوجت في البيئة الصعبة بين الأنشطة التقليدية والأنشطة الجديدة، وكانت الأكثر حضوراً في اقتصاد الحرب، وقد انخرط فيها أركان النظام ومقربون منهم إضافة إلى ضباط في الأمن والجيش وقادة في الميليشيات، ليشكلوا البطانة الاقتصادية للنظام، التي استباحت البلاد وسكانها على مدى سنوات الحرب، فتاجروا في كل الأشياء، بما فيها الآثار والمخدرات والمسروقات والمواد الغذائية الفاسدة، وتعاملوا مع كل الأطراف، بمن فيهم «داعش»، واستخدموا السلطة وأجهزتها من أجل الربح والتربح وتبييض الأموال، وراكموا أموالاً من الرشوات و«الخوات»، ولم يتركوا وسيلة لمراكمة ثرواتهم إلا واستعملوها.

وتشكلت البطانة الاقتصادية من رجال المال والأعمال المعروفين قبل الثورة، أمثال رامي مخلوف ومحمد حمشو، ونادر قلعي، وطريف الأخرس، وتوسعت بحضور أسماء كثيرة، طوّرت وجودها وأعمالها، وأخرى جديدة دخلت ساحة المال والأعمال، بينهم فارس الشهابي وخالد حبوباتي ووسيم قطان وسامر الفوز والإخوة قاطرجي، وكان دخول هؤلاء ناتجاً في أغلبه عن الظروف الداخلية، بما فيها من توازنات وعلاقات جديدة من جهة، والتطورات الخارجية من جهة أخرى، وأهم ما في الأخيرة حاجة النظام إلى تبديل الوجوه والأسماء، في ضوء وضع كثير منهم في قوائم العقوبات الدولية.

وإذ راكمت مجموعة رجال المال والأعمال في السنوات الأخيرة ثروات خيالية، عبر نهبها مقدرات الدولة وثروات المجتمع، طبقاً للتقديرات المتداولة، فإن القسم الرئيسي من هذه الثروات، يعود إلى 3 مرجعيات، القسم الأهم محسوب على رأس النظام بشار الأسد، وأبرز رموزه سامر الفوز، والثاني محسوب على شقيق الرئيس العميد ماهر الأسد، وأبرز رموزه محمد حمشو، والثالث محسوب على عائلة مخلوف، وأبرز شخصياته رامي مخلوف، ويتوزع القسم الأقل من الثروات الخيالية على مئات من الأسماء، صعدت إلى عالم الثروة في السنوات الأخيرة، إلى جانب فئات من الأغنياء التقليديين الذين ساروا في ركاب النظام في مراحل سابقة.

إن ظروف الحرب بالتزامن مع الإفقار المكثف للدولة والمجتمع والنهب الواسع الذي مارسته عصبة النظام من رجال المال والأعمال، أدت إلى كارثة اقتصادية، يعجز النظام عن حلها أو الاستمرار في ظلها، في وقت بات عليه إثبات وجوده وقدراته، ما دفع حلفاءه الروس إلى اقتراح خطة متكاملة، تحت مسمى «الحملة على الفساد»، ركزت على محاور أساسية، تضمنت فرض حصص مالية على كبار رجال المال والأعمال، وإجبار الحاصلين منهم على قروض من بنوك الدولة على تسديدها في أسرع وقت ممكن ومطالبتهم بتسديد كل الضرائب المترتبة عليهم، والضغط على رجال الأعمال لسحب إيداعاتهم في المصارف الخارجية ووضعها في المصارف الحكومية السورية، وتوجيه غرف التجارة لإنشاء صندوق تدخلي للتدخل بهدف خفض سعر الدولار، وتشجيع أعضائها على إيداع القطع الأجنبي في المصارف الرسمية.

وفرضت الخطة القيام بإجراءات عملية من جانب فرق تابعة لقصر الرئاسة، تحت إشراف ومراقبة الجانب الروسي. وتضمنت الإجراءات ضمن قائمة طويلة إلقاء الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمئات من رجال المال والأعمال وأقاربهم وعوائلهم، وضبط السجلات المالية لشركاتهم ومؤسساتهم، والتدقيق فيها لكشف المخالفات، بالتوازي مع القيام بمصادرة أموال شركات تحويل الأموال وبعض أموال البنوك وتحويلها إلى مصرف سوريا المركزي لرفع قيمة العملة المحلية.

وسط تلك الإجراءات، وبما هو معروف عن النظام وطبيعته، فإن قدرة النظام على إتمام هذه العملية وصولاً إلى تحقيق أهدافها، والتعامل مع نتائجها، أمر مشكوك فيه، ما يجعل العملية كلها في دائرة الشكوك ومحدودية النتائج، بحيث إنها يمكن أن تتمخض فقط عن ابتلاع بعض ثروات الرموز الضعيفة، وتصفية بعض الوجوه المحروقة في بطانة النظام من رجال المال والأعمال، وهو ما أكدته مصادر إيرانية حليفة لنظام الأسد بالقول إن قائمة رجال الأعمال أثناء سنوات الحرب ستشهد تغيرات مهمة بعد انتهاء الحرب وبدء الاستقرار.

===========================


عن أسرلة بعض العرب

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 28/9/2019

هل يتطبّع العرب بطباع الإسرائيليين، في علاقاتهم مع بعضهم من جهة، ورؤيتهم لقضاياهم، من جهة أخرى؟

بدأت الأسرلة، حسب علمي، في الثمانينيات، عندما نشرت إحصائية عن توزّع مواطني العراق، واكتشفنا أن معيار الصهيونية الديني، جامعة تصلح لتأسيس أمة، أخذ يطبق هناك، وأنه تم الحديث بكل راحة ضمير عن الشيعة والسنة والكرد بوصفهم أمما منفصلة، آن أوان السماح لها بتقرير مصيرها، أي بالانفصال السياسي وتكوين دول. عند تعداد أمم العراق، تبين أن العرب أقلية تثير الشفقة، تمثل 16% فقط من العراقيين، وأن من حق الأمة الشيعية الانقضاض عليها وإعادتها إلى حجمها الحقيقي، خصوصا أن العراق لم يكن يوما عربيا، كما عديد من مسؤولي إيران، وأقسموا أغلظ الأيمان أن من الأفضل، حتى لعرب العراق، هجر جنسيتهم، بما أن الانتماء إليها بلا عائد، والانضمام إلى إيران هو فرصتهم للنجاة بأنفسهم.

تلك كانت المرة الأولى التي ُطبق فيها المعيار الصهيوني، بمساعدة فقهية من طهران، عن الدين عاملا كافيا وافيا لإنشاء أمة. ولكنها لم تكن المرة الأخيرة، فقد شرع بعض عتاة الاختراق المتأسلم للثورة السورية يتصهينون، ويعلنون، بمناسبة وبلا مناسبة، أن "أهل السنة والجماعة" يمثلون أمةً تامّة التكوين، ومستهدفة من أعدائها في مشارق الأرض ومغاربها، وعليها أن ترد على العدوان جسدا واحدا، على أن تقاوم خطرين يأتي أحدهما من الأقليات التي تعيش بين ظهرانيها، والآخر من الحرب الصليبية الشاملة التي يشنها الغرب المسيحي عليها، وتُلزمها بالرد عبر حرب شاملة معاكسة، ستكون فاعلةً بقدر ما تقوّض أمن مواطنيه الكفرة، وتنضوي في سياق المعركة من أجل "أسلمة العالم"، والقضاء على علمانيته.

أخيرا، وصلت الأسرلة أو الصهينة إلى لبنان، حيث استنسخت قلة من مواطنيه تجربةً حدثت في فلسطين المحتلة، بعد قرار حاخامي بنبش قبر مواطن نمساوي سقط خلال حرب السويس عام 1956، وهو يقاتل مع الجيش الإسرائيلي في سيناء، وإخراجه منه، لأنه مسيحي، ودفنه في مقبرة يهودية يزعج موتى اليهود. ألهم هذا المثال المنحط واللاإنساني بعض بلديات لبنان بضرورة حماية الموتى اللبنانيين من الموتى السوريين، كي لا يزعجوهم في قبورهم، فقرّرت عدم السماح بدفن أي سوري في مقابرها، بل بلغت الصهينة حدا من الغلو جعل إحدى البلديات تجبر أبا سوريا على حفر قبر طفله، ذي الأعوام الأربعة لإخراجه منه، بعد أربعة أيام من دفنه في مقبرتها التي لا تتسع لغير اللبنانيين، كما جاء في قرارها، بينما حيّت بلديات أخرى هذه الخطوة بإعلاناتٍ تتعهد بعدم السماح بدفن أي سوري في أرض لبنانية!

أخشى أن ينتشر هذا القدر من الأسرلة والصهينة أكثر فأكثر في مقبلات الأيام، مع الانتشار المتزايد لنزعة تفكيك الانتماء إلى تاريخ ولغة وثقافة ومصالح وآمال وأديان مشتركة، وتحوّل بسطاء الناس إلى ضحايا سياسات تشتتهم وتفتتهم، انطلاقا من انتماءاتٍ بديلة، أدلج معتنقوها المختلفون الدين وحوّلوه إلى سلاح قتل ودمار وإرهاب، على الطريقة الصهيونية، أو إلى خصوصية تتلبسّها ميول عنصرية إقصائية، كالتي دفعت البلدية المعنية إلى اتخاذ قرار يسوّغ إخضاع مواطنيها لما أخضعت له الطفل المسكين، عملا بقاعدة أخلاقية تقول: عندما تعتدي على حقوق الآخرين، فأنت تتخلى عن حقوقك، وتعطي غيرك الحق في الاعتداء عليك، وتتحول إلى ضحية لفعلتك، وتدمر إنسانيتك وإنسانية سواك بيديك، فلا يبقى له غير الثأر منك في أول فرصة تتاح له.

هل يقبل لبنان الذي نعرفه ونحبه أن يؤسرله بعض الجانحين، ويجرّدوه من إنسانيته، وهل يقف مكتوف اليدين بينما يعتدي هؤلاء على الموتى، بعد الأحياء؟

===========================

لا يكفي أن يكون الحق في جانبنا لننتصر

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 28/9/2019

بالرغم من أنني لم أكن أرى في اللجنة الدستورية سوى وسيلة لكسب الوقت، بانتظار حسم المعركة العسكرية (في سورية)، إلا أنني لم أفاجأ أيضا بالإعلان عن تشكيلها بعد سنتين من الصراع على تحديد قائمة أعضائها. فمن الصعب تصوّر شروط لتشكيل لجنة صياغة دستور، وهيئة ذات أهلية وتمثيلية لوضع ميثاق وطني، يساعد على الخروج من الحرب، وإرساء أسس السلطة الشرعية، التي لا يقوم من دونها نظام سياسي، أسوأ من التي رافقت ولادة هذه اللجنة. ومن الصعب أيضا أن يتصوّر المرء أن هيئةً على هذه الدرجة من عدم التجانس وتنازع الرؤى والأهواء والمواقف، مع غياب الخبرة القانونية والسياسية، وانتفاء التفاهم والافتقار لأي تكليف أو تأييد شعبي، وبالتالي لأي نوعٍ من الشرعية، وافتقار معظم أعضائها، أكثر من ذلك، للشعور بالمسؤولية، كما يدل على ذلك قبولهم العمل بهذه الشروط، قادرة فعلا على تحقيق مثل هذا الإنجاز.

(1)

لكن من الواضح أن الهدف من هذه اللجنة لم يكن صياغة دستور يعيد توحيد السوريين 

"علينا التوقف عن رهن مصيرنا لإرادة القوى الدولية، بذريعة أننا أصحاب حق، من واجب المجتمع الدولي أن يدعمنا"المتنازعين، ولا إعادة بناء سورية التي لا تزال تمزّقها الحرب، الداخلية والخارجية، وإنما التغطية على غياب الدستور، بالتوافق مع الهدف الأول لرعاة إنشائها، وهو إعادة تاهيل النظام القائم والحيلولة دون التغيير السياسي المنشود. ومن الطبيعي في هذه الحالة ألا تحتاج صياغة الدستور "الجديد" والعاملين به للأهلية القانونية والسياسية ولا للتمثيلية من أي نوع. المطلوب هو لجنة شكلية توحي بانتهاء حقبة الحرب والدخول في حقبة السلام الذي يحتاج الروس القائمون على الأمر السوري إلى تأكيدهما من أجل تكريس مكاسبها والحصول إذا أمكن على إجازة إعادة الإعمار من الدول الممولة، ومن وراء ذلك شرعنة النظام الجديد الذي أنتجته الحرب، والذي يجمع بين مصالح البيرقراطية العسكرية والأمنية والمليشيات المحلية والأجنبية ومصالح الانتداب الأجنبي، الروسي والإيراني، والضامن لمصالح أطراف دولية مشاركة في ترتيب دعم المشروع الجديد وتمويله.

لذلك، كل ما وجهه الناشطون من انتقاداتٍ إلى اللجنة وطريقة تشكيلها واستحالة أن يصدر عنها دستور يلبي الحد الأدنى من مطالب التغيير صحيح، لكنه لا يضير صانعيها بشيء، فهذا هو المقصود بالضبط. وهو ما يؤكد عليه ممثلو النظام، عندما يصرّون على أن هذا الأخير لن يقبل بأكثر من تعديلاتٍ طفيفة على الدستور الحالي، لا تمس المقدّسات، وأولها مركز الأسد. وهم يعتقدون أن ذلك مضمون سلفا لما يملكه النظام داخل اللجنة العتيدة من أغلبية مضمونة تحرم المحسوبين على المعارضة من تحقيق أي تعديل لا يوافق عليه النظام. كما أن الروس الذين يقفون وراء هذه اللجنة وتشكيلها لا يخفون هدفهم في تثبيت النظام القائم وعدم المساس به، مع فتح إمكانية مشاركة محدودة للمعارضة، تعادل انعدام وزنها العسكري والسياسي المتزايد، في مؤسساته لا تهدّد استمراره. وليس لدى الغرب اليوم، على الرغم من حديثه الشكلي عن ضرورة الانتقال السياسي، مطامح أو تطلعات أو سيناريوهات أخرى لاحتواء الوضع السوري سوى التي يعرضها الروس، ولا يقوم الخلاف إلا على الثمن الذي يريد هؤلاء تدفيعه للغرب لقاء حصارهم النار السورية. فالهدف المشترك اليوم للروس والغربيين معا هو النظام، بمعنى السيطرة على الوضع، أي وجود جهاز حكومي وأمني وعسكري قادر على ضبط المجتمع، وعلى التعاون مع الأجهزة الأمنية والسياسية الدولية في مكافحة الإرهاب الذي أصبح اليوم البند الأول في جدول أعمال السياسة الدولية. وليس في جدول الأعمال هذا أي بند يتعلق بإزالة الغبن عن الشعب السوري، والحد من تغييبه الكامل عن قراره ومصيره، فما بالك بمساعدته على تأسيس حياة ديمقراطية جديدة، وتمكينه من تحقيق تطلعاته الإنسانية. وبالمثل، ربما ساعد الإعلان عن تشكيل هذه اللجنة، بصرف النظر عن مآلات أعمالها وقدراتها، منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي تعمل، بالتنسيق معها، على تجاوز الشعور بالذنب، نتيجة فشلها الذريع في الاستجابة للكارثة، ومناسبة للتخفيف من الانتقادات المتزايدة الموجهة لمبعوثيها لإخفاقهم المستمر منذ أكثر من ثماني سنوات، ومن الاتهامات الموجهة لها بالشلل والعطل وانعدام الصدقية.

ليس الهدف من تخفيض مستوى توقعاتنا من تشكيل هذه اللجنة على مسار الخروج من الكارثة زرع اليأس بين ظهرانينا، وإنما بالعكس التأكيد على أننا لا ينبغي أن نأمل كثيرا من المسارات الدولية المتعلقة بإحلال السلام، بعد أن أذاقتنا السنوات الثماني الماضية طعم العلقم نتيجة خيباتنا المتتالية. وعلينا بالتالي الكف عن طلب الحل، كما لا يزال شائعا في كتاباتنا وانتقاداتنا وتعليقاتنا في الصحافة ووسائط التواصل الاجتماعي، من الدول الكبرى الصديقة وغير الصديقة، والتي أصبحت ترى فينا حصانا خاسرا لا يستحق أن يوضع عليه أي رهان، أو من الأمم المتحدة. وكذلك التوقف عن رهن مصيرنا لإرادة القوى الدولية، بذريعة أننا أصحاب حق، من واجب المجتمع الدولي أن يدعمنا، والعودة في المقابل إلى بديهيات السياسة وقوانينها. وهذا يعني الاعتماد بشكل أكبر على الذات، والمراهنة على استعادة روح المسؤولية لدى ناشطينا وسياسيينا ومثقفينا، والتعويل أكثر فأكثر على مبادراتنا، والعمل على تطوير خططنا وتوسيع خياراتنا السياسية. وفي السياق ذاته، لم يعد من المجدي والمفيد التخفي وراء إصبعنا ورمي مسؤولية الفشل على المعارضة السياسية الممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وقيادات الفصائل العسكرية وهيئة التفاوض، التي هي ثمرة إخفاقنا في التفاهم فيما بيننا على قواعد عمل واضحة وثابتة، لتبوّء مركز القيادة ومعايير حمل المسؤولية. وهذا ما لا نزال نعيش آثاره القاتلة. وبالمثل، لا جدوى من الاستمرار في إلقاء اللوم على قيادة هيئة المفاوضات، أو على الشخصيات السورية التي قبلت عضوية لجنة الدستور التي لا تعكس إلا الحالة المزرية التي وصلت إليها قوى الثورة والمعارضة، بسبب انعدام التنظيم وقلة الاحترام المتبادل والنزعة الفردية وسيطرة مشاعر الغيرة، والتناحر، والحسد، وحب الوجاهة، وانعدام النيات الطيبة والروح الجماعية.

ليست انحرافات مؤسسات المعارضة وتهلهل مواقفها سوى الانعكاس المباشر للتدهور الكبير الذي أصاب قوى المقاومة الشعبية السياسية والمسلحة وانحلال عزيمتها، وهو الذي أدى إلى استسلام 

"الهدف المشترك اليوم للروس والغربيين معا هو النظام، بمعنى السيطرة على الوضع، أي وجود جهاز حكومي وأمني وعسكري قادر على ضبط المجتمع"بعضها والتحاق بعضها الآخر بالدول الراعية لمسار أستانة وسوتشي وحميميم وموسكو والقاهرة وغيرها. وهذا يعني أنه، في ما وراء المعارضة وتنظيماتها المتراجعة، ينبغي توجيه اللوم أيضا وأولا إلى أنفسنا، نحن نشطاء الثورة والمعارضة الذين نشكل الكتلة الاكبر من الجمهور المناصر لقضية الحرية، وأن نسأل أنفسنا، كل واحد منا، عما فعلناه من أجل مواجهة الكارثة، وماذا كان دورنا ومساهمتنا للخروج منها، ولاستكمال مهام الثورة التي ألهبنا مشاعر الشعب للمشاركة فيها. فما نحصده اليوم على مستوى أداء المعارضة السيئ ومؤسساتها ليس منفصلا عن ثقافتنا السياسية البائسة وسلوكنا، أفرادا أو جماعات، وعن أسلوب عملنا وتفكيرنا ونوعية مشاركتنا في الصراع السلمي أو العسكري، خلال السنوات الطويلة الماضية، والذي غلبت عليه الانفعالية والمشاعر السلبية. لقد كان ضعف المعارضة وتفككها وانعدام صدقية الشخصيات التي تصدرت قيادتها الثمرة الطبيعية للعدمية السياسية التي طبعت الكثير من مواقفنا وسلوكاتنا والتي درجت على تحطيم أي رمزية وتشويه سمعة أي شخصية بارزة أو لديها فرص البروز والقيادة، وزرع الحزازات والضغائن لدى النشطاء فيما بينهم، وتأليب بعضهم على بعضهم الآخر، وضرب الثقة المتبادلة بين أبناء المؤسسة أو الحزب أو الفريق الواحد، والتشكيك في صدق أي رواية وإدانة أي متطوع للقيادة، حتى أجبر المخلصون على الانكفاء وأصبحت الساحة فارغة والطريق سالكا أمام المتسلقين وأصحاب الأطماع والمصالح الشخصية المستعدين للتعاون مع من يقدّم لهم الوعود ويبرزهم، من منظمات وحكومات، على حساب المصالح الوطنية والنضالية.

(2)

ما العمل؟ لا يرتبط الانتقال السياسي بتشكيل أي لجنة دستورية، وإنما بدرجة حضور الشعب والجمهور المعني بالانتقال في الميدان. ومن هنا، يبدأ الرد على تشكيل لجنة تزوير الدستور، لا وضعه أو صياغته، أعني من التفكير في تشكيل القوة السياسية التي تؤسس لهذا الحضور، والعمل على ذلك، وتبني وسائل الفعل الحر والمستقل. وإذا كان هناك درس كبير يمكن وينبغي علينا أن نتعلمه مما حصل فهو أن موقف الدول من أي شعب يتوقف على قوة الشعب وتنظيمه، لا على 

"لا يرتبط الانتقال السياسي بتشكيل أي لجنة دستورية، وإنما بدرجة حضور الشعب والجمهور المعني بالانتقال في الميدان"قوة قضيته وأحقيته في التضامن والدعم. وأن دعم الأصدقاء لا ينفي الحاجة إلى الاعتماد على القوة الذاتية، بل يؤكدها. فمن الممكن لأصدقائنا أن يتحوّلوا إلى أصدقاء لخصومنا، إذا تأكدوا من ضعفنا واضطرتهم الظروف، أو وجدوا في تخليهم عنا مصلحة لهم، سواء تعلق الأمر بقوى سياسية أو حكومات، وأن ضعاف النفوس يزدادون قوة وشراسة واستعدادا للتسلق على أي قضية عامة وعادلة، إذا ما خلت لهم الساحة، ووجدوا المجال مفتوحا أمامهم للسيطرة على مواقع القيادة والمسؤولية لخدمة مصالحهم الخاصة، من دون أن يسألوا أنفسهم عمّا إذا كانوا يستحقونها أم لا. ويمكن للجنة هزيلة كتلك التي شكلت في الأيام الماضية أن تتحوّل إلى لجنة أكثر تماسكا في وجه التلاعب الخارجي، إذا وجدت في مواجهتها، أو بموازاتها، أو وراءها، قوة سياسية منظمة وقادرة على مراقبتها ومحاسبتها. وهذه هي القوة التي لا نزال نراهن على تكوينها منذ سنوات، ولا أمل لنا بتحقيق أي تقدّم على أي صعيد، وفي أي ميدان، ما لم ننجح في توليدها. وهذا هو أيضا التحدّي الذي يواجه المعارضين الديمقراطيين اليوم، وينبغي أن يكون أيضا قاعدة الرد على فضيحة مشروع شرعنة نظام حرب الإبادة الجماعية والاحتلال.

ففي ما وراء معركة اللجنة الدستورية الكاذبة، هناك المعركة الأكبر والأطول لتقويض المشروع الرئيسي الذي تسعى هذه اللجنة إلى تمريره، مشروع إعادة إنتاج نظام الإكراه والوصاية والقمع، مع الأسد أو من دونه. وفي مواجهته والصراع لإفشاله، يمكن لهذه القوة السياسية المستقلة والحرّة التي تحمل بذور الانتقال والتغيير السياسي أن تتخلق وتنمو. والمنطلق توجه النخب السورية الضائعة والمضيعة، أو التي فرضت على نفسها الحصار داخل فضاء وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي، العودة إلى الميدان السياسي والعمل مع الجمهور الشعبي على تنظيم شؤون الأحياء والقرى والنواحي ومخيمات اللجوء وساحات الهجرة والاغتراب، وصولا إلى بناء القوى السياسية الفاعلة على الساحة الوطنية. ففي التفاعل مع الشعب، ونسج العلاقة الايجابية معه، ومن خلال مساعدته على حل أموره اليومية والأساسية، تتكوّن النخب الوطنية التي يقع عليها عبء قيادة المجتمع في العقود المقبلة، وإرساء أسس الدولة الديمقراطية المنشودة، فالدولة قبل أن تكون مؤسسة وأجهزة هي مشروع سياسي يبنى بالشعب ومع الشعب ومن أجله. وهذا هو أيضا أساس القيادة وجوهر السياسة.

والنتيجة، لا يكفي أن يكون الحق في جانبنا حتى تتحقق العدالة. ينبغي أن تكون لدينا أيضا القوة التي تكفل انتصار الحق.

===========================

كيف تتحكّم إيران بالمنطقة؟

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 28/9/2019

باتت إيران المتحكّم الفعل بالمسارات في الشرق الأوسط. هذه الحقيقة، وإن يصعب الإقرار بها، إلا أن فائدتها تكمن بوصفها معطىً يجب الانطلاق منه لمعرفة كيفية التعامل مع هذا الأمر الواقع، والذي بات أحد مهدّدات الأمن العربي في المرحلة المقبلة.

تتحكم إيران بمخرجات السياسة في المنطقة، سواء بالنسبة إلى العواصم التي تسيطر عليها، أو حتى بالنسبة إلى خصومها، وحتى سياسات القوى الدولية الكبرى، فجميع سياسات هذه الأطراف تصدّر كرد فعل على السياسات الإيرانية، وهي في الغالب ذات طابع دفاعي، فقد فرضت إيران نمطاً سياسياً، بات يسري على مستوى الإقليم، في التعامل مع بؤر الصراع، سورية والعراق ولبنان واليمن، يقوم على مبدأ المحاصصة الجغرافية والمناطقية، وحتى على صعيد الكتل الاجتماعية، هذه لكم وتلك لي، وبذلك استطاعت شرعنة وجودها من جهة، ودفعت الآخرين إلى الانخراط في لعبةٍ قامت هي بتفصيل مقاساتها، والدليل ما هو حاصل في سورية ولبنان.

ولعل المفارقة في الأمر أن طاقة إيران على اللعب والمناورة، بالإضافة إلى حجم النفوذ الذي باتت تستحوذ عليه، لا يتناسبان مع قدراتها التكنولوجية والعسكرية، ولا حتى الاقتصادية، مقارنة باللاعبين الآخرين، إقليميين ودوليين. لذا لن يفيد الركون لقياس قوّة التأثير الإيراني حسب المعيار الكلاسيكي الذي يعطي العناصر السابقة، التكنولوجيا والقوة العسكرية والاقتصادية، القيمة الأكبر في احتساب قوّة الدولة، لن يفيد كثيراً في تحليل قوّة إيران، وفهم أبعاد تأثيراتها الحقيقية في المنطقة.

وثمّة عوامل مختلفة ساهمت في صناعة التأثير الإيراني الذي تحوّل مع الزمن إلى مشكلة، ليس 

"فرضت نمطاً من القوّة، على مساحة الإقليم، صار من الصعب كسره"فقط بالنسبة للأطراف الإقليمية، بل من الواضح أن القوى الكبرى أيضاً لم تعد تملك خيارات سهلة لمواجهة هذا التأثير:

أولا، الاستفادة من الفراغ: بنت إيران نفوذها في بيئاتٍ تعاني من فراغ سياسي، نتيجة أزمات عصفت بها، وقد عرفت كيف تستفيد من هذه الأوضاع وتوظفها لصالحها. ولطالما طرحت إيران نفسها ضمن هذه البيئات بوصفها قوّة استقرار، هدفها الأساسي الحفاظ على كيان الدولة، ولكن بطريقتها الخاصة، وعبر هندساتٍ عسكرية واجتماعية، استطاعت من خلالها تفكيك البنى القديمة، وإعادة تركيبها بمنهجية جديدة.

ثانيا، استثمار الحروب الهجينة: تميزت القوّة الصلبة لإيران بمرونتها وقدرتها على التكيف، بل إنها فرضت نمطا من القوّة، على مساحة الإقليم، صار من الصعب كسره في إطار الحروب الكلاسيكية وركائزها العسكرية. وقد دمجت إيران في قوتها العنصر المليشياوي "الوكيل" سهل الحركة ومنخفض التكاليف، بالإضافة إلى استخدام التقنيات الحديثة، وكان جديدها الطائرات المسيّرة التي يبدو أنها ستكون العنصر الأكثر فعالية في الجيل الحديث من الحروب.

ثالثا، الاستفادة من طاقة الصراع الهوياتي في المنطقة: حيث تركز إيران على البيئات الشيعية، والتي طالما اعتبرت نفسها ضحية مظالم منذ مئات السنوات، وأنها تواجه فرصة تاريخية لتغيير معادلات السلطة والحكم في المنطقة، لذا هي على استعداد لتحمل تبعات هذا الأمر ودفع أثمانه، في مواجهة بيئاتٍ مستنزفة، بفعل صراعات سلطوية داخلية، أو بفعل تراجع تأثير البعد الهوياتي في اجتماعها، أو حتى نتيجة نكوصها إلى هويات صغرى متعدّدة.

رابعا، اللعب على الصراعات الدولية: تعرف إيران كيف تجعل بعض الأطراف الدولية تقف في صفها في مواجهة خصومها، وقد نجحت سياساتها في جعل روسيا والصين حلفاء لها في مواجهة عداء أميركا، وتموضعت ضمن هذه العلاقة بوصفها قوّة ممانعة دولية في مواجهة التفرد الأميركي.

ويحسب لصانع القرار الإيراني قدرته على التقاط توجهات البيئة الدولية ودراسة مواضع الضعف والقوّة فيها، فقد اكتشفت إيران باكراً أن إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، تلهث وراء الحصول على اتفاق نووي، ولو بتأجيل المشروع النووي الإيراني بضع سنوات، في مقابل غض الطرف عن سياسات إيران الإقليمية. كما التقطت نقطة الضعف الأساسية في سياسات إدارة دونالد ترامب الخارجية، وهي مكافحة الانجرار إلى حروبٍ خارجية، وتراجع أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لهذه الإدارة، ما أتاح لها الفرصة لتوسيع رقعة نفوذها وتثبيتها.

تعاملت إيران في صراعاتها مع أميركا، الطرف الأكثر فعالية في المنطقة، عبر أسلوبين: العمل من خلال وكلائها في المنطقة، فلا تتبنى أي عمل بشكل مباشر، ما يضعف الخيارات العسكرية 

"تميزت القوّة الصلبة لإيران بمرونتها وقدرتها على التكيف"للأطراف الأخرى، والأمثلة كثيرة، منها الهجوم أخيرا على منشآت لشركة أرامكو في السعودية، والذي تبنّاه الحوثيون، وضرب المنطقة الخضراء في بغداد، والطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة. اللسع هو الأسلوب الثاني في تكتيكات الصراع الإيراني، حيث تعمد طهران إلى القيام بعملياتٍ يجري، في الغالب، تصنيفها في إطار السلوك الاستفزازي الذي لا يستدعي الرد بإشعال نزاع واسع، في وقتٍ ترفع هذه العمليات من قوّة الردع الإيرانية وتكسبها زخماً معنوياً هائلاً.

كيف يمكن احتواء تأثيرات القوّة الإيرانية؟ لا بد من الاعتراف بأن العرب يواجهون مأزقاً مركباً في المواجهة مع إيران، فبالإضافة إلى السيطرة المطلقة لإيران على الجناح الشرقي للعالم العربي (العراق وسورية)، فإن العرب أنفسهم يفتقرون لموقف واضح وموحد للتعامل مع الخطر الإيراني، في وقتٍ تقوم به إيران بتغيير الوقائع والمعطيات لصالحها بشكل يومي وسريع. ولا يبدو أن ثمة رهانا ممكنا للخروج من المأزق الحالي، في ظل الذهنية السلطوية العربية الراهنة، كما أن الرهان على القوة الخارجية لردع إيران يثبت، يوماً بعد آخر، أنه ليس سوى وصفة ناجعة لتحقيق خسائر متزايدة لصالح إيران.

===========================

الشائعات تضرب الشارع السوري.. قضايا فساد ومنع سفر وحجز أموال

كامل صقر

القدس العربي

السبت 28/9/2019

تصاعدت على مدى اليومين الماضيين حدة وغزارة الشائعات التي تسري في مواقع التواصل الاجتماعي وتطال إجراءات اتخذتها أو تتخذها سلطات النظام السوري و”الجهات العليا” بحق مسؤولين ووزراء ومتعهدين ورجال أعمال وتجار ومصدِّرين، تشمل التوقيف أو منع السفر أو الحجز الاحترازي على الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يمتلكها هؤلاء.

ما يعزز الميل نحو تلك الشائعات أمران اثنان: الأول هو صمت النظام الرسمي وصمت الجهات الرقابية العائدة للسلطة وعدم تعليقها أو نفيها لتلك الشائعات، وهو أمر مبَرر قانونياً وإجرائياً لكون المسألة ذات بعد قضائي إن كانت حقيقية وحاصلة ولا يجوز إفشاؤها حتى ينظر القضاء فيها، لكن هذه الجوانب قد لا تكون واضحة بالنسبة للعموم فينظرون للأمر على أنه تستّر رسمي حكومي.

أما الأمر الثاني الذي يعزز حضور وانتشار تلك الشائعات ويجعلها قريبة من الحقيقة فهو أن قضية وزير التربية السوري السابق هزوان الوز واتهامه بالاختلاس والفساد تأكدت ولم تكن مجرد شائعة، وبالقياس عليها فإن المتابعين ينظرون للشائعات التي تطال مسؤولين آخرين على أنها ستكون حقيقية وواقعية.

على الأرض، تسربت أسماء اثنين من الوزراء في الحكومة الحالية قيل إنهما وضعا تحت منع السفر وتم الحجز على أموالهما وأموال زوجاتهما ومعهما أيضاً أسماء لرجال أعمال وتجار وأشخاص نافذين.

وقبل ثلاثة أيام حصل هجوم غير مسبوق على رئيس الحكومة السورية عماد خميس عبر منشور على “فيسبوك” كتبه جندي سابق في الجيش السوري بُترت ساقاه إثر انفجار لغم أرضي خلال المعارك التي شهدتها مناطق جنوب دمشق في مخيم اليرموك.

وعلى حسابه كتب الجندي وسيم عيسى الذي يمشي على قدمين صناعيتين مهاجماً ومخاطباً رئيس الحكومة خميس: “معاليك، سمعت بقضية الفساد 350 مليار بوزارة التربية والتي خرجت بنفسك تهون القصة وتعلن أن الرقم أقل من ذلك بكل جرأة”.

وتابع الجندي ذاته يقول: “كنا ننتظر من معاليك أن تخرج بشيء من الخجل لتعتذر للشعب المؤتمن عليه، المسحوق بالفقر بسبب سياساتك الفاشلة، لتهون عليه وقع الصدمة وأثرها النفسي العميق بقلوبهم وهم الذين دفعوا غالياً ثمن الحرب”.

===========================

موقفنا : الاحتلال الروسي في سورية 30/ 9/ 2015 .. جردة عاجلة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 9/ 2019

فرض الاحتلال الروسي للأرض السورية واقعا جديدا كان يقتضي من قوى المعارضة والثورة السورية تطورا استراتيجيا لائقا , تطور استراتيجي يدرك الفرق بين العمل على إسقاط مستبد والعمل على مقاومة محتل . محتل متفوق مطلقا بكل المعايير المادية ، قد أطلقت القوى الدولية الأخرى يده ، وأدارت الظهر لجرائمه بل تماهت إلى حد كبير معها .

بالأمس فقط كان السيد " غير بيدرسن " المبعوث الأممي لسورية يقول : إنه لن يصلح حال سورية بوجود خمسة جيوش على أراضيها !! ويبدو أن السيد بيدرسن لا يحسن العد الحقيقي فالروسي والإيراني والصهيوني واللبناني والعراقي والأمريكي مع تحالفه بدوله الخمسين كل أولئك أصبحوا اليوم من الدول المتزاحمة والمتدافعة على الأرض السورية ..

ولكن " الاحتلال الروسي " لسورية كان الأسوأ وكان الأعنف وكان الأقسى وكان الأبشع .. والمتعاونون معه من كل السوريين لا يقلون عنه في كل ما قلنا وما سنقول.

كنت أتمنى أن يكون ما أكتبه في هذه الذكرى ممنهجا أربط كل تصريح وكل واقعة بتاريخه وسياقه .. ولكن لا بأس أن أعتمد على ذاكرة حية أسوق من خلالها بعض العناوين وبوصلتي في كل ما أكتب : الصدق أمام الله .. والوفاء لسورية ، تاريخها وإنسانها وأرضها ويومها وغدها ..

الاحتلال الروسي لسورية محطات سريعة ..

- منذ ثلاثين أيلول / سبتمبر / 2015 بدأ الطيران الروسي في قصف السوريين قتل الأحياء ، وتدمير العمران ..تحت ذريعة معنونة بالحرب على الإرهاب ,,,,

- وحصل بوتين على الغطاء الدستوري من المرجعيات الروسية بتواجد القوات المسلحة الروسية خارج حدود دولته ..

- وحصل على البركة الصليبية من بطرك الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو . وهذا أمر مهم ..بل أكثر أهمية مما يقدره الكثيرون . أهميته بالنسبة لبوتين الصليبي لا تقل عن أهميته بالنسبة لبوش المناظر يوم قرر الحرب على العراق . تنافس قديم بين دول الصليب لا يجوز أن ينسى في القرن الحادي والعشرين .

والأعجب أن العلمانيين بوش وبوتين أحبا أن يباشر معركتهما في ذبح المسلمين في العراق وفي سورية باسم الصليب ثم يحدثنا علماني مخمور عن علمانية لا تميز بين العقائد والأديان !!

وحصول بوتين على مباركة الكنيسة الأرثوذكسية لعملية ذبح المسلمين في سورية أمر مهم ليدرك السوريون الأبعاد الحقيقية للحرب القذرة التي يفرضها عليهم الكثيرون.

وهو أمر مهم لأنه يذكرنا بتصريحين سابقين للافروف وزير الخارجية في دولة بطرك المحبة الأرثوذكسي ؛ الأول مشهور حفظه الكثيرون ، وهو أنه من الخطر أن يُسمح لأهل السنة أن يحكموا سورية وأنهم - أي الروس لن يسمحوا بذلك !!

والثاني قوله ذات يوم من أيام الثورة المجيدة : إنهم جاؤوا إلى سورية لحماية "الأرثوذكس" و هكذا تصريح أقرع رطب ولزج على البلاط ..!!

وتنظر في خلفية هذا التصريح فتجده تكرارا لما كان يردده القيصر الروسي عن "حماية الأرثوذكس " من رعايا الدولة العثمانية في الرد على تحالف الدولة العثمانية مع الفرنسيين الكاثوليك ..!!

- وحتى لا نعود إلى هذه الحقيقة المرة والكريهة والممقوتة من طرفنا نحن المسلمين مرة أخرى في هذا السياق ، يجب أن نذكر أيضا تصريح الناطق باسم قاعدة الاحتلال في حميميم أن الروس ما جاؤوا إلى سورية إلا لحماية الأرثوذكس ..بالطبع يعيش هذا الطائفي حالة طائفية مقيتة لا يرى المسيحيين إلا في الأرثوذكس فقط ، وينسى أن في سورية ست عشرة طائفة مسيحية من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وكلدان وآشور وسريان ولاتين وأرمن وغيرهم وغيرهم .. وأن وكل هؤلاء صاروا بفضل سياسات حافظ وبشار الأسد التدميرية إلى ما يقارب 5% من السكان .

- ويوم قرر بوتين احتلال سورية ، حاول الكذب والتمويه على الناس فأعلن عن مهمة محدودة مدتها ثلاثة أشهر فقط ..

- ثم بعد عام من الاحتلال أعلن انتهاء المهمة واحتفى بها ، وها هو اليوم يدخل عامه الخامس وفي كل يوم يغوص أكثر في دماء السوريين الأبرياء من المستضعفين من الرجال والنساء والأطفال !!

وما يزال بوتين يتبنى المطالبات بإعادة اللاجئين وإعادة الإعمار . وكتابة الدستور الذي يستجيب له فيه من السوريين لفيف.. !!

- في ظاهر الأمر تدخل بوتين بأسطول جوي . وأخذ بذلك ضوء أخضر من المؤسسات الروسية ذات الصلة . وفي حقيقته سمح بوتين لبعض الشركات بتجنيد فرقة ضخمة مقدر عددها بالآلاف من مرتزقة المتقاعدين من الجيش الروسي . وتحمل هؤلاء المهام الأكثر قذارة للاحتلال الروسي . وكل هذا موثق بل يحتاج إلى مزيد من التوثيق من السوريين السوريين .

- بدأ بوتين مهمته القذرة بغارات جوية مكثفة لإنقاذ عميله الذي طالما ردد أنه لولاه لسقط في أيام . ولكن لم يمض إلا أعوام حتى أصبح الاحتلال الروسي مسيطرا على الفضاء السوري . وعلى جملة الأرض السورية وكل من عليها من الآخرين مجرد أتباع . ثم حظي هذا الاحتلال بموجب معاهدات دولية على ثلاثة قواعد في سورية : قاعدة عسكرية في حميميم - وأخرى للقيادة والسيطرة شمال اللاذقية وثالثة قاعدة بحرية تستغرق كل ميناء طرطوس .

- حظي الاحتلال الروسي بموجب المعاهدات على حقوق كثيرة من التنقيب عن النفط والغاز في البر والبحر . كما وضع يده بموجب السندات على كامل الناتج القومي السوري لأعوام ..

- احتل بوتين سورية تحت شعار محاربة الأهداف ولكن الواقع يشهد كذب دعواه . فقد كان بنك أهداف قواته في سورية يتركز في قصف : المساجد - المدارس - المستشفيات - الأسواق الشعبية – مراكز تجمع الناس وأهمها الأحياء الشعبية الفقيرة وأبواب الأفران.

- جعل الاحتلال الروسي من الأرض السورية مختبرا ومن الشعب السوري أحياء تجارب لأسلحته الاستراتيجية والتكتيكية على السواء ؛وتصريحات بوتين ووزير دفاعه شويغو حول هذا تحتاج إلى حصر وتوثيق . وآخرها ما كان منذ أسابيع عن تعديلات مهمة أدخلت على بعض الأسلحة نتيجة عملية التجريب .

- استخدم الاحتلال الروسي ضد الشعب السوري العديد من الأسلحة المحرمة دوليا بما فيها القنابل العنقودية والفراغية والارتجاجية والصواريخ البعيدة المدى التي أطلقت من البحر تارة ومن الأراضي الروسية والإيرانية أخرى على المدن الآهلة بالسكان ...

- قدم المحتل الروسي نفسه كضامن لحل سياسي في سورية بموجب اتفاقية أستانة ولكن تبين بعد التجارب واحدة بعد أخرى أن بوتين يتنفس كذبا وزورا وبهتانا ..وأن لا قيمة بالإطلاق لأي كلام يتكلمه روسي لا في ميدان الأخلاق العملية ولا في ميدان الأخلاق السياسية ، وإنما العجب من سوري يصدقه ويذهب معه إلى حفلة التعري تحت عنوان الدستور .

تجاوز عدد ضحايا الاحتلال الروسي من المدنيين وجلهم من النساء والأطفال عشرات الآلاف . وما زالت المجزرة مستمرة على كل المستويات ..

- واستغل المحتل الروسي قبل الاحتلال وبعده موقعه في مجلس الأمن فاستخدم منبر الأمم المتحدة لشرعنة الجريمة ، وحماية المجرمين ، وتجريم الأبرياء . وسيبقى ثلاثة عشر قرار فيتو روسيا لعنات تاريخية تلاحق التاريخ الروسي والدولة الروسية وبوتين الرهيب إلى أبد الآبدين ... آمين

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

شيراك وآل الأسد: لا محاسن تُذكر للموتى

 صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 28/9/2019

هيئة تحرير «ميديابارت»، الموقع الصحافي الاستقصائي المستقل الأبرز في فرنسا، اختصرت إرث الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك (19322019) في هذه العنوان الصارخ: «هوس السلطة»؛ وهذه العبارة: «يترك خلفه 40 سنة من المعارك السياسية. لكنّ الإرث هزيل فعلاً ما دام ذلك المسار قد قام على طموح أوحد للفوز بالسلطة، ثمّ الحفاظ عليها. وهذا على حساب حروب الخنادق المتواصلة، والتحالفات والتحالفات المضادة، والخيانات والفضائح، من الكلّ والنقيض». موقع ناقد ودائب الانشقاق مثل «ميديابارت» لن يلتزم بمبدأ مماثل لما هو شائع في ثقافتنا، لجهة ذكر محاسن الموتى، ولهذا فقد بدا التوصيف قاسياً رغم اتكائه على مقدار كثير من الصواب؛ وهذا خيار لم يمنع التحرير من التوقف عند ثلاث محطات «استثنائية»، في زحمة المحطات الكثيرة الداكنة التي طبعت حياة شيراك.

الأولى خطابه في 16 تموز (يوليو) 1995، بعد أيام قليلة على انتخابه، حين أقرّ بمسؤولية فرنسا عن ترحيل اليهود خلال فترة الاحتلال النازي؛ وكان ذلك الإقرار نقلة أولى كبرى عن رفض فرنسي مديد، حكومي وشعبي كما يتوجب القول، لفتح ملفات الماضي ونشر الغسيل القذر. المحطة الثانية كانت زيارة شيراك إلى القدس المحتلة، في تشرين الأول (أكتوبر) 1995، حين ضاق ذرعاً بالطوق الذي فرضه عليه رجال الأمن الإسرائيليون، فهتف عبارته الشهيرة، وبالإنكليزية: «ماذا تريدون؟ أن أرجع إلى طائرتي وأعود إلى فرنسا؟»؛ ممّا استدعى اعتذاراً رسمياً من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي لم يكن غافلاً بالطبع عن قناعة شيراك بحلّ الدولتين. وأمّا المحطة الثالثة فقد كانت رفض الرئيس الفرنسي الانخراط في تحالف جورج بوش الابن لغزو العراق، سنة 2003، على قاعدة ركن قديم في السياسة الديغولية تجاه الشرق الأوسط؛ ويومذاك شكّل خطاب دومنيك دو فيلبان وزير الخارجية الفرنسي، في مجلس الأمن الدولي، صفعة بليغة لخطاب الحرب الأمريكي.

من جانبي، كمواطن سوري، أسجّل للرئيس الفرنسي ثلاث محطات موازية في ما يخصّ سوريا والسوريين؛ تبدأ الأولى من إقدامه، وهو رئيس جمهورية لواحد من أبرز بلدان حقوق الإنسان في التاريخ البشري، على استقبال الفتى بشار الأسد، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1999؛ رغم أنّ الأخير لم يكن يملك أية صفة رسمية، ما خلا أنه يترأس «الجمعية المعلوماتية السورية»! بالطبع، كانت صفة الأسد الابن الثانية، والفعلية، أنه نجل دكتاتور سوريا حافظ الأسد، والوريث المنتظَر الذي كانت ترتيبات إعداده للخلافة تجري على قدم وساق؛ بعد مقتل شقيقه البكر باسل الأسد في حادث سيارة، وكان الأخير هو المرشح الأوّل. وأمّا دافع شيراك لاستقبال هذا الفتى في قصر الإليزيه، فلم يكن ولعه بشخصية الأسد الأب (إذْ كان يعرف، حقّ المعرفة، جرائم الحرب والمذابح التي ارتكبها بحقّ السوريين)؛ بل تمّت الزيارة، للمفارقة التاريخية، بناء على إلحاح أحد مموّلي حملات شيراك السياسية، رئيس وزراء لبنان يومذاك رفيق الحريري؛ والذي سوف يتكفل نظام الأسد الوريث بتأمين لوجستيات اغتياله، في شباط (فبراير) 2005.

40 سنة من معارك شيراك السياسية شهدت، في الملفّ السوري، محطات خيبة وخذلان لأبسط آمال الشعب السوري في الحرية والكرامة والديمقراطية؛ الأمر الذي لا يعني بأيّ حال من الأحوال أنّ رؤساء فرنسا السابقين، في الجمهورية الخامسة، لم يقتفوا نهجاً مماثلا

المحطة الثانية هي مشاركة شيراك في جنازة الأسد الأب، حزيران (يونيو) 2000، وكان بذلك الرئيس الوحيد الأوروبي، وممثل قوّة عظمى وديمقراطية عريقة؛ فصرّح يومها أنّ «الأسد طبع التاريخ على مدى ثلاثة عقود، وكان رجل دولة متمسكاً بعظمة بلاده». بعض تلك «العظمة» سبق أن كشف النقاب عنها صحافي فرنسي، وليس ابن أيّ بلد آخر، هو سورج شولاندون من صحيفة «ليبيراسيون»؛ الذي تسلل إلى مدينة حماة تحت اسم مستعار، وكشف بعض التفاصيل المروّعة عن مجزرة حماة، 1982. وكان شيراك قد استقبل الأسد الأب في باريس، تموز (يوليو) 1998، فكسر بذلك عزلة خانقة امتدت 20 سنة لم يطأ فيها الأخير أيّ بلد غربي. فوق هذا، أحاطه شيراك بمظاهر احتفال فائقة وتكريم ملحوظ؛ غير جاهل بأنّ هذا «القائد إلى الأبد» يواصل حكم سوريا منذ 1970، وقد تناوب على حكم فرنسا أربعة رؤساء: جورج بومبيدو، فاليري جيسكار ديستان، فرانسوا ميتران، وشيراك نفسه!

المحطة الثالثة هي استقبال الأسد الابن مجدداً، صيف 2001، بعد أقلّ من سنة على الكرنفال السياسي والدستوري والبرلماني الذي انتهى إلى تنصيبه وريثاً لأبيه في حكم سوريا. وفي اجتماعه مع أرباب العمل الفرنسيين انتبه الأسد الوريث إلى أنّ هؤلاء ليسوا البتة متحمسين للاستثمار في بلد تسري على شعبه واقتصاده أحكام عرفية مطلقة، وأنه ليس للإصلاح الاقتصادي أيّ معنى ولن يكون له أيّ أفق ملموس ما دامت قوانين «التحديث» خاضغة في آخر النهار للقانون الأعلى الذي لا يعلو عليه تشريع أو تدبير: قانون الطوارئ. في المقابل كان شيراك قد «كسب» من الأسد الوريث خطاباً جديداً، على نحو ما، بصدد السلام مع دولة الاحتلال: «من الطبيعي أن يكون هناك اعتراف، أي علاقات عادية، علاقات طبيعية كأي علاقات بين أي دولتين أو أي شعبين في المنطقة»، قال الأسد. وبالطبع، توجّب أن يسخر من «ربيع دمشق» على النحو الأشدّ ابتذالاً واستخفافاً: «كلمة ربيع لا تعنينا كمصطلح، فالربيع هو فصل مؤقت، والربيع فصل يعجب البعض والبعض الآخر يحب الشتاء»؛ قبل أن يدخل مستمعيه، خلال مؤتمر صحافي، في جدل تحليلي حول خصائص الفصول: «وإذا أردنا أن ندخل في التحليل نقول: إنّ الثمار تأتي في الصيف. ولكن لا يوجد ثمار من دون ربيع تتفتح فيه الأزهار. ولا يوجد ربيع دون أمطار تهطل في الشتاء»…!

هذه عيّنة من حصيلة تلك الزيارة «التاريخية»، التي ستشهد أيضاً تقليد الأسد أعلى وسام شرف فرنسي (واقعة فاضحة سوف تنتظر الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون للاستجابة إلى طلبات سحب الوسام من مجرم حرب)؛ وفي الإطار ذاته،، سوف يكون شيراك أوّل زعيم غربي يسبغ شرعية سياسية وأمنية على وجود قوّات النظام السوري في لبنان، خلال خطبة افتتاح القمّة الفرنكفونية في بيروت 2002. ولسوف يردّ الأسد الوريث أفضال شيراك عليه، بطريقتين: 1) الإضرار بمصالح فرنسا الاقتصادية العليا، وبمصداقية الرئاسة الفرنسية بالذات، حين كان شيراك قد تدخل شخصياً كي تحصل شركات فرنسية على عقد لاستثمار الغاز السوري بقيمة 759 مليون دولار، فتلقى من الأسد الابن وعداً صريحاً بذلك، لكنّ العقد ذهب إلى تجمع شركات أمريكية ـ بريطانية ـ كندية ذات مصالح مع بيت النظام؛ و2) اغتيال الحريري، ولسوف تتبدّل نبرة شيراك جذرياً في توصيف آل الأسد، بين جنازة القرداحة 2000 وبيروت 2005.

ويبقى أنّ 40 سنة من معارك شيراك السياسية شهدت، في الملفّ السوري، محطات خيبة وخذلان لأبسط آمال الشعب السوري في الحرية والكرامة والديمقراطية؛ الأمر الذي لا يعني بأيّ حال من الأحوال أنّ رؤساء فرنسا السابقين، في الجمهورية الخامسة، لم يقتفوا نهجاً مماثلاً، رغم وجود استثناءات محدودة عبّرت عنها مواقف الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند من الانتفاضة الشعبية في سوريا. ولعلّ التلميذ النجيب الأوّل لنهج شيراك بصدد المسألة السورية كان خَلَفه وابن حزبه نيكولا ساركوزي، الذي لم يتورّع عن دعوة الأسد الوريث إلى الاحتفال بذكرى الثورة الفرنسية، في قلب جادة الشانزيليزيه.

وفي أية حال، وعلى مستوى سياسي واجتماعي فرنسي أوسع نطاقاً، كان صعود شيراك بمثابة «فشة خلق» مارسها الشارع الشعبي الفرنسي ضد الرئيس الأسبق فرانسوا ميتيران وحزبه الأشتراكي، الذي انقلب في تلك الحقبة إلى تذكرة صريحة بغيضة بأسوأ مآلات الاشتراكية الإصلاحية. وليس غريباً، والحال هذه، أنّ «يمين» شيراك، أسوة بنظيره «يسار» ميتيران، يقفّ كلّ منهما اليوم على حافة اندثار صريح.

===========================

انتفاضة الشبيحة… أنصار بشار الأسد باتوا يرددون شعارات الثورة!

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 28/9/2019

تتنامى يوماً بعد يوم مشاعر سخط وغضب وغيظ عارمة، ليس في تلك المناطق التي صارت أثراً بعد عين جراء القصف البراميلي الوحشي عليها، بل في معاقل ومدن «الموالاة» أو ما يعرفون بالشبيحة، تحديداً، و«أهل الساحل»، وهم الذين وقفوا مع الغلام القاصر في قمع ثورة الشعب السوري على الظلم والفساد والديكتاتورية والقهر والجور والاستبداد، ولا تقلّ تلك المشاعر، وكما يظهر ويلوح وينقل ويستشف من حتى من صفحات «الشبيحة» أنفسهم، غضباً وسخطاً عن تلك التي حملها وصرخ بها «الثوار» في يوم من الأيام.

وتظهر في هذه الآونة، مؤشرات لا تخطئ على أن زلزالاً سياسياً مدمراً سيضرب قريباً المناطق التي طالما تباهى النظام وأبواقه، مطولاً، بأنها واحة أمان والحاضنة والموئل والملاذ له، التي احتمى فيها، من ثورة الشعب السوري ضده، وما الإجراءات الأخيرة، وكما يرى كثيرون، التي يقوم بها الغلام القاصر ، رئيس فرع عصابة آل الأسد المركزية بالشام، ضد من يصفونهم بالفاسدين واللصوص والحيتان والضباع الكبار الذين نموا وترعرعوا في حضنه وبرعايته، والذين كانوا حتى وقت قريب واجهاته المالية وأذرعه الاقتصادية الأخطبوطية الضاربة، إلا محاولة منه لامتصاص ذاك الغضب والسخط الكامن والتقليل ما أمكن من تداعياته، حتى وإن كان آخرون يرون بأنها مجرد عملية سطو أخرى، تعكس طبيعة الجشع وروح النهم اللا متناهي للمال عند هذه المافيات والتي يقوم بها لـ»التكويش» على مليارات هؤلاء الضباع بتوجيهات وإيعاز وإشراف مباشر من عصابة آل الأخرس وتحديداً زوجته أسماء، التي نقلت، وانتقلت معظم ممتلكات عصابة آل مخلوف، لحسابها الخاص، وصارت تحت إمرتها وإدارتها مباشرة، ويدللون على ذلك بأن أياً من أفراد عصابة آل الأخرس لم تطله تلك الإجراءات، وهم السباقون في السلب والنهب ومراكمة المليارات منذ دخولهم، مع ليلة الدخلة، بلاط المهرج القاصر الغلام.

فعندما كان السوريون الذين انتفضوا في وجه النظام الفاشي قبل ثمان سنوات يطالبون بقليل من أوكسجين الحرية والكرامة وتوزيع الثروة ولقمة خبز نظيفة وإعادة سوريا لأهلها بعد أن اغتصبها لعقود وعقود اللصوص وحيتان المخابرات والجيش وضباع النظام الذين التهموا الأخضر واليابس ولم يتركوا للسوري البسيط سوى فتات الفتات، كان الموالون للنظام وعلى رأسهم الشبيحة والنبيحة يتهمون المتظاهرين والمنتفضين بأنهم ثلة من الخونة والعملاء والمدسوسين الذين استأجرتهم إسرائيل وأمريكا والخليج بسندويشات فلافل وعلب كولا كي يشاركوا في المظاهرات ضد النظام. لم يعترف الشبيحة بأية مطالب مشروعة ومحقة للذين رفعوا أصواتهم، واعتبروهم مجرد ثلة من المتآمرين المندسين المسلحين. لم يترك النظام وأبواقه وشبيحته ونبيحته شتيمة إلا ووجهوها للمنتفضين واتهموهم بالتآمر على سوريا ونظامها حتى اكتووا بذات النار وكرعوا من ذات السم الزؤام.

واليوم، وبعد ثمان سنوات على الثورة، وبعد أن ذاب ثلج «الثورة» وبان مرج «النظام»، وبعد أن بردت الجروح، بدأ الموالون للنظام قبل غيرهم يستشعرون بألمها الشديد. أخيراً استفاقوا على الكارثة التي حلت بالسوريين جميعاً على أيدي هذا النظام الفاشي الأرعن الطائش الموتور الذي دعموه. راحت السكرة وجاءت الفكرة؟ وبدأ الشبيحة يتساءلون: ماذا استفدنا من التشبيح للأسد، وتلويث أيادينا بدماء السوريين، غير فقدان مئات الألوف من جنودنا الذين قضوا على مذبح عصابة آل الأسد من أجل أن يبقوا على عرشهم الذليل المرهون للروسي والإيراني؟ أخيراً أدرك الشبيحة أن الأسد وعصابته والمقربين منه في القصر يرفلون بالنعيم والحرير غير آبهين بما حل بشعبهم المنكوب المسكين، فيما ملايين الموالين للنظام إما في القبر أو يكابدون في قاع الفقر.

الشعب بات يعرف تماماً من هو المجرم الأول، ولمن ستتوجه كل أصابع الاتهام، ومن هو المسؤول الأول والأخير عن هذا الهولوكوست والمأساة

الآن أدرك الموالون أنك لا تستطيع أن تعيش بخير بينما جارك تحت الركام. الآن أدركوا أن الجرح السوري لم يطل فقط الذين انتفضوا في وجه النظام العميل، بل سيطال كل سوري في الداخل والخارج. حتى السوري الذي يعيش في نعيم خارج سوريا طالته الكارثة الأسدية، إن لم يكن مادياً، على الأقل معنوياً وروحياً ووطنياً، فعندما يتحدث العالم عن المحنة السورية، فالحديث سيشمل كل السوريين دون استثناء، فكلنا محسوبون على بعض، سواء كنا معارضين أو مؤيدين، شئنا أم أبينا. حتى لو تملص الشبيحة وتبرؤوا من أخوانهم، فهم في نهاية المطاف في القارب نفسه.

هل تعلمون لماذا خفت الكثير من الأصوات التي كانت تشتم النظام ليل نهار في الداخل والخارج؟ ليس لأن النظام انتصر أبداً، بل لأن الشبيحة باتوا يرددون كل ما كان يقوله الثوار والمنتفضون السوريون منذ ثمان سنوات. لم نعد بحاجة نحن المعارضين لأن نرفع أصواتنا ونضع أيدينا على عورات النظام، فقد صار الموالون في الداخل والخارج يفضحون المستور ويكشفون فضائح الأسد ونظامه الخائن لسوريا والسوريين بطريقة أفضل ربما مما كان يفعله المعارضون لأنهم أكثر اطلاعاً على حجم الكارثة وخفاياها.

اليوم هناك أغنية جديدة تنتشر في مواقع الموالين والشبيحة كانتشار النار في الهشيم تردد كل ما كان يقوله الشباب الذين قضوا في زنازين المخابرات ضد مصاصي دماء السوريين كمخلوف وشركاه وغيرهم من واجهات النظام الاستعمارية. تقول كلمات الأغنية التي لا تختلف مطلقاً عن الأغاني التي كان يصدرها الشباب السوري الثائر: «سرقوا لنا البلد من ثم الولد، شلة حرامية موزعين بالبلد، يا حرام شو صار…جوع وحصار…شعبك سوريا نصو طار.. سامر الفوز شهانا الموز، من غامض علمو صار محسوب عالتجار…دمر ليرتنا، فضا جيبتنا، زوّد حساباتو بالدولار..ثروي مشبوهة، تجرة مفضوحة، أخذ مصارينا من البنوك رايح جاي، عميتاجر فينا يا حسرة علينا، وبالآخر راح يقول لنا باي باي. أبو علي خضور ذنبو مغفور أخذ المعابر كلها وعمندفع أتوات…حتى الإرهابي ما عليه رقابي بيمرق بس يدفع الليرات….رامي مخلوف شفط المصروف طالع نازل عمياكل فينا هالمنشار…عيلة قاطرجي عملونا فرجي..واحد نائب وواحد سمسار..وينك قايدنا تجي وتنقذنا بسرعة لحقنا يا دكتور…منترجاك..رجّع مصارينا..هريو أواعينا..استر علينا منترجاك».

هل تختلف كلمات هذه الأغنية عن الشعارات التي رفعها المتظاهرون السوريون الذين اختفوا داخل السجون أو فروا إلى الخارج خوفاً من الملاحقة الأمنية؟ بالطبع لا. بل إن هذه الأغنية أقوى بكلماتها واتهاماتها من أغاني القاشوش لأنها من قلب النظام. لكن المضحك في هذه الأغنية التي قد تكون وراءها مخابرات النظام للتنفيس وامتصاص النقمة تتجاهل المتسبب الحقيقي والأساسي في كل ما يحدث لجمهور الموالين والشبيحة. هل الذي سرق البلد وشرد السوريين ودمر الوطن ثلة من التجار كرامي مخلوف وسامر فوز وقاطرجي، أم إن كل هؤلاء الذي تستهدفهم الأغنية مجرد أدوات في زيدي آل الأسد؟ هل يستطيع مخلوف وفوز وخضور وغيرهم أن يفعلوا ما فعلوه لولا أنهم محميون من القصر الجمهوري؟ هل كان رامي مخلوف وشاليش يتاجر لمصلحته الخاصة أم لصالح الأسد شخصياً؟ أيها الشبيحة نحن نتفهم وضعكم البائس الذي لا يقل سوءاً عن وضع السوريين المشردين، لكن كان من الأفضل أن تضربوا الحمار بدل أن تضربوا البردعة. ولا ننسى أن المذيعة السورية الشهيرة ماجدة زنبقة ابنة النظام قالت قبل أشهر في منشور لها على فيسبوك إن وضع اللاجئين والمشردين السوريين خارج سوريا أفضل بكثير من وضعها ووضع السوريين في الداخل. وهذا اعتراف صريح من الشبيحة بأنهم كانوا ضحايا النظام ربما أكثر من المعارضين…

لا يخفى على أحد درجة المكر الخبث والدهاء المخابراتي العالية وجرعة الخداع البادية في صياغة وتدبيج كلمات الأغنية والإيحاءات والرسائل التي تود إرسالها لجهة تحميل هذه الأسماء مسؤولية مأساة ومعاناة الشعب السوري، معارضة وموالاة، لإعفاء رأس الأفعى الكبيرة وإظهاره كحمل وديع وملاك وبطل وطني يحارب الفساد، لكن هيهات وهيهات، فالشعب بات يعرف تماماً من هو المجرم الأول، ولمن ستتوجه كل أصابع الاتهام، ومن هو المسؤول الأول والأخير عن هذا الهولوكوست والمأساة..

===========================

فرصة «اللجنة الدستورية»

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 28/9/2019

يبدو إعلان اللجنة الدستورية السورية فرصة متاحة وحيدة حالياً للتقدم ولو بخطوة وئيدة نحو الحل السياسي، ويؤكد إعلان تشكيل اللجنة استناده إلى القرار الأممي 2254 على رغم كونه يخالف تراتبية هذا القرار الذي نص بوضوح على التطبيق الكامل لبيان جنيف بتاريخ 30 يونيو2012، كما صادق عليه القرار رقم 2118 لعام 2013، المتضمن قيام (جسم انتقالي شامل) بصلاحيات تنفيذية كاملة يجري تشكيله على أساس التوافق المتبادل، بالتوازي مع ضمان استمرار عمل المؤسسات الحكومية، وأوضح القرار الأممي في فقرة أخرى عن دعمه لعملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة والتي تقوم في غضون ستة أشهر بتشكيل (حكومة شاملة وغير طائفية وتتمتع بالمصداقية وتعمل على وضع دستور جديد).

هذا الخلل في تراتبية تنفيذ القرار عبر تجاوز تشكيل هيئة حكم انتقالي يقوض العملية السياسية، لأنه يجعلها تحت مظلة سلطة النظام السوري عملياً، رغم الادعاء بأنها تحت لافتة الأمم المتحدة نظرياً.

وأتفهم أن الحسم العسكري الذي حققته روسيا وإيران باستعادة أكثر المناطق التي كانت تحت قيادة المعارضة، جعل دول العالم التي منحت روسيا وإيران تفويضاً مطلقاً بالتصرف في الملف السوري، تتغاضى عن الخلل، ورغم أن الرئيسين ترامب وبوتين في 11 نوفمبر اتفقا على هامش قمة «آبيك» في فيتنام، على أن (الحل العسكري) غير وارد، فإن الحل العسكري هو ما اعتمدته روسيا تحت عنوان (

«مكافحة الإرهاب»، وأبرزت عنواناً جديداً له هو «خفض التصعيد»، واختصر الرئيسان حل قضية سوريا بـ (الدستور والانتخابات) ورغم الإصرار الأميركي على أن يكون مسار جنيف هو المسار الوحيد للعملية السياسية، فإن عربة الحل اتجهت إلى آستانة وسوتشي، غير آبهة بالموقف الدولي لكونه متردداً، وتم إهمال هيئة التفاوض وإشغالها عاماً ونصف العام، بتسمية مرشحيها للجنة الدستورية في حين كان وفد آخر يمثل المعارضة هامشياً في جولات آستانا التي تم تهميش السوريين فيها جميعاً، ولم يكن ثمة حضور عربي.

ولن أتسرع بالحكم على نجاح أو فشل يمكن أن يواجه اللجنة الدستورية، ولايمكن لأحد أن ينتقد الدستور الذي ستعد مسودته قبل صدوره ودراسته، ولكن الموقف الشعبي السوري العام يشعر بالريبة، وبعضه (وأنا منهم) يرى أن الأولى أن يتم تشكيل هيئة حكم، أو حكومة جديدة تابعة لهيئة الحكم الانتقالي هي التي تؤسس لجمعية عامة تضع الدستور الجديد لسورية، وهي التي تعرض الدستور لاستفتاء حر، بينما ستقوم وزارة داخلية النظام بإجراء الاستفتاء، وستكون لجان الاستفتاء تحت سلطة النظام، ولن تكون هناك مرجعية تمثل المعارضة، ولن تتمكن الأمم المتحدة من تمثيل مطالب الشعب لأن كل قراراتها كانت تهدف إلى الحفاظ على النظام وشرعيته بما في ذلك القرار 2254 الذي بات خريطة الطريق الوحيدة إلى الحل السياسي.

أهم ما يطلبه السوريون عامة وفي الأغلبية هو الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً ونسيجاً اجتماعياً، وعلى بناء عقد اجتماعي يقوم على مفهوم المواطنة حصراً، وعلى أن تبقى الهوية السورية عربية وجزءاً من الوطن العربي، مع الحفاظ على حقوق المكونات غير العربية بحقوق المواطنة الكاملة، وأن يبقى الفقه الإسلامي مصدراً رئيسياً للتشريع (وهذا ما نص عليه دستور 2012) وقد سبق لي أن طالبت بإجراء تعديلات على هذا الدستور وحددت المواد الواجبة التعديل، خوفاً من أن نصل إلى دستور طائفي، يقسم المناطق والمناصب على الأديان والإثنيات والقوميات ويلغي مفاهيم المواطنة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com