العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-09-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لم يبق للأسد إلا إسرائيل

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 17/9/2020

يقول الفيلسوف الألماني نيتشه إن ثمة أوقاتاً تأتي يكون فيها المرء على رأس الجبل ليرى كل الاتجاهات، وفيما بعد يعبر الجبل فلا يرى غير نهايته. دول وتنظيمات كثيرة قطعت الجبل ولم يعد أمامها سوى النظر إلى تلك النهاية والتي ستكرس متغيرات سياسية واستراتيجية جديدة في منطقة الشرق الأوسط.

والمقصود في قوله هنا، هو حالة الذروة التي وصل إليها مثلاً المشروع الإيراني في المنطقة العربية، وتوابعه خصوصاً النظام في سوريا وبشار الأسد الذي وصل إلى رأس جبل على ركام سوريا وجثث شعبها. لكنها حالياً دخل في مسار انحداري بتخطيه الجبل ولم يعد لديه إلا النظر إلى نهاية مسيرته، ونهاية حقبة من الادعاءات الكاذبة التي راهن عليها ليحافظ على وجوده بالرهان على تناقضات متعددة، حماية إسرائيل وتوفير أمنها، دعاية مواجهة الإرهاب، تحالف الأقليات، الانخراط بالمشروع الإيراني الذي أدّى إلى تهجير سوريا وتمزيقها والتمهيد لإعلان صفقة القرن التي تقضم حق الفلسطينيين.

كل هذه الأوراق استنفدت من قبل بشار الأسد، المشروع الإيراني كله أصبح على مشرحة العالم كله، لن تكون إيران قادرة على الصمود والاستمرار في عملية تصدير الثورة، الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دمشق كانت مفصلية، بعض المعلومات تتحدث عن نصيحة روسية إلى بشار الأسد بالانحناء أمام العاصفة الأميركية، وتقديم تنازلات حقيقية لا تتعلق في اللجنة الدستورية وتعديل الدستور، بل تتعلق بنقطتين أساسيتين، النقطة الأولى مطالبة إيران بسحب عناصرها ومستشاريها العسكريين من سوريا وذلك سينسحب على حلفائها أيضاً بما فيهم حزب الله، الذي يجري عمليات انسحاب من الشمال السوري ومن الجنوب أيضاً باتجاه دمشق ومحيطها والحدود اللبنانية السورية.

أما النقطة الثانية التي طلبها لافروف من الأسد، هي استعادة مسار المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع إسرائيل، في ظل تعبيد طريق التطبيع العربي الإسرائيلي وعقد الاتفاقيات، والتي لا تتعارض مع الروس ولا مع سياستهم. على قاعدة أن أغلب دول الطوق تتجه إلى اتفاقيات مع إسرائيل، فيما تبقى سوريا ولبنان دون أي اتفاق، وهناك ضغوط كبيرة على لبنان لترسيم الحدود والتي ستعني بشكل أو بآخر اعترافاً رسمياً بإسرائيل وحدودها، وعليه لا بد أن تكون سوريا على نفس الخطّ أيضاً. واللافت حتى الآن أنه لم يصدر عن سوريا أي موقف تعليقاً على التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل.

هناك من يشبّه اتفاقيات التطبيع الخليجية الإسرائيلية، بأزمة الصواريخ الكوبية مع فارق تشكل صورة جديدة تشير إلى وضع غواصة تحوي 12 رأساً نووياً في الخليج العربي وعلى مسافة قريبة من إيران. في رد والتفاف على كل المساعي الإيرانية التي عملت على خلق حدود مع إسرائيل عبر حزب الله بأسلحة تقليدية وصواريخ دقيقة. بينما اليوم إسرائيل تعد لجبهة مع إيران عبر الخليج بأسلحة نووية هذه المرة إلى جانب الأسلحة التقليدية.

 لا ينفصل ذلك عن انسحاب الأميركيين من العراق الذي لن يخدم إيران لأن مبرر طهران في العراق هي مواجهة تنظيم داعش والوجود الأميركي، هذه الذرائع ستنتهي، في المقابل لم تعد طهران قادرة على الصمود وتحمل المزيد من التكاليف. انتهى العراق من النفوذ الإيراني، ولم تعد العصبية الشيعية قادرة على الفعل بعد التظاهرات في المناطق الشيعية، وثانياً الذهاب إلى تحالف مع مصر والأردن ما يعني تعزيز الصلة العربية للعراق، والتي تعني الكثير للعراقيين من كل الطوائف. كان الأميركيون سابقاً يريدون احتواء العراق وإيران في نفس الوقت، اليوم هناك محاولة لاحتواء تركيا وإيران معاً.

 متى المقربين من بايدن يقولون إنه لن يكون تكملة لولاية باراك أوباما، أكثر من يخشى بايدن هي تركيا لأنه يتخذ مواقف قاسية جداً ضدها، خاصة أن هناك مساعي لاستنزاف تركيا في سوريا والعراق، وعدم وجود أي حليف لها في هذه المرحلة، لا الأوروبيين ولا الروس ولا العرب. لذلك هذه الظروف كلها تحتم على الأتراك الاستمرار بالعلاقة الجيدة مع روسيا وإيران، من دون إغفال خشية تركية من البقاء وحيدة والدخول في مواجهة جديدة مع الأعداء التاريخيين أي الروس والإيرانيين. وسط كل هذه التطورات الدولية، تبقى تركيا قادرة على الإمساك بأوراق عديدة من البحر الأسود إلى المتوسط، والحفاظ على العلاقة بالأميركيين وحلف الناتو، في حين إيران لن يكون لديها أي حليف ما لم تغير من سياستها وتقدّم تنازلات حقيقية وجدية، وكما ستكون إيران وحيدة، سيكون الأسد قد ترك وحيداً معلقاً على شجرة، لا أحد لديه إلا إسرائيل.

=========================

موقفنا : هولندا تلعب دور المحتسب على جرائم الزمرة الأسدية

زهير سالم

مركز الشرق العربي

19 / 9 / 2020

في بادرة إنسانية مقدرة للدولة والحكومة في هولندا أعلن رئيس الوزراء الهولندي " مارك روني " إن هولندا تعتزم محاسبة مسئولي النظام السوري بموجب القانون الدولي عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان . وأضاف إن ما ستقوم به بلاده يجب أن يكون رسالة مهمة لكل طغاة العالم .

وقال وزير الخارجية الهولندي " شيف بلوك " إن نظام الأسد ارتكب جرائم مروعة ضد الشعب السوري مرارا وتكرارا والأدلة على ذلك دامغة ، ويجب أن يكون هناك عواقب .

وفي محاولة لتجاوز الفيتو الروسي - الصيني الذي أطلق يد المجرمين الأسديين في دماء السوريين أعلنت هولندا أنها ستوجه مذكرة دبلوماسية إلى المتسلطين في دمشق تدعوهم إلى وقف انتهاكات الاتفاقية الأممية لوقف التعذيب التي كان النظام السوري قد وقع عليها منذ 2004 .

وفي حال استجابت الزمرة الحاكمة للمذكرة فستدخل هولندا وداعموها من الدول مفاوضات من أجل إطلاق سراح المعتقلين ، وكشف مصير المفقودين ..وفي حال رفضت فإن هولندا تهدد باللجوء إلى المحاكم الدولية المختصة ، وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية .

وقد أشكل على بعض المتابعين السوريين سر لجوء هولندا إلى محكمة العدل الدولية ، ودفعوا بعدم الاختصاص ، وتساءلوا عن السر سؤال ريبة واتهام !! وتناسوا أن أساس الموقف الهولندي إنما يقوم على أساس إلزام نظام الأسد باتفاقية منع التعذيب الأممية ، التي ينتهكها الأسد يوميا . وتناسوا أيضا أن الفيتو الروسي - الصيني قد أغلق محكمة الجنايات الدولية أمام الضحايا من أبناء الشعب السوري .

ولقد أكدت المحكمة الهولندية المختصة أن دعواها ستعتمد هذا الأساس : أساس انتهاك بشار الأسد لاتفاقية منع التعذيب . وأنها تملك الكثير من الأدلة الناصعة على انتهاك نظام الأسد للاتفاقية الدولية التي وقع عليها ..

في الحقيقة فإن الموقف والقرار الهولندي الذي وجه بالرفض والاستهجان والقذف من قبل عصابة الأسد يستحق من المعارضة السورية الدعم والتشجيع والتأييد وحشد الأدلة ..وليس التشكيك والتثبيط . فمحكمة الجنايات الدولية غير متاحة بفعل الفيتو الروسي . وما تبادر إليه الدولة الهولندية في هذا الموقف المشكور هو دور المحتسب الدولي حسب مصطلحاتنا الشرعية المقررة ، والمنتظر من كل الدول الحرة في العالم ، والمؤسسات والمنظمات الإنسانية ذات الصلة أن تدعم الموقف الهولندي ، وتنضم إليه ..

العدالة لجميع أحرار سورية نسائها ورجالها ..

والخزي والعار لأعداء الإنسان في كل مكان ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

حين تحفر أصوات الضحايا قبراً آخر للنظام

علي سفر

سوريا تي في

الخميس 17/9/2020

ذات يوم، وبعد عام من تولي الأسد الابن مكان أبيه، أثيرت في الإعلام العالمي تقارير تُذكر بمذبحة سجن تدمر، التي قتلت فيها وحدات من سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد مئات من السجناء العزل، في واقعة يندى لها الجبين.

وحين جرى الحديث عن الموقع الذي دفنت فيه جثامين الضحايا، دعت وزارة إعلام النظام صحفيين من وكالات أنباء معروفة إلى جولة في المكان، لتثبت لهم أن التقارير كاذبة، وأن كل ما يجري الحديث عنه من مذبحة ومدفن سري ليس سوى وهم، وخيال!

عملياً، لم يتم العثور حتى الآن على أدلة مادية تثبت وقوع المذبحة، كما أن السجن الذي وقعت فيه المأساة المروعة، تكفلت داعش بإزالته عن وجه الأرض، عبر تفجيره، في خطوة غير مفهومة الدوافع سوى كونها خدمة مجانية للنظام، الذي يستطيع أن ينفي ما يريد، لكنه لا يستطيع إنكار وجود سجن شهير كهذا!

تَذكُر هذه الحادثة وتفاصيلها، وخلفياتها السابقة، يجعلنا لا نستغرب إن قام النظام بمحو كل الحيثيات المادية التي توثق جرائمه، والتي ترد تفاصيلها في شهادات الشخصيات التي تقدم هذه الآونة في محكمة (كوبلنز) الألمانية، محاولاً إحالة الأمر إلى سياق من الأوهام والخيالات، التي يدعي أن معارضيه قد أصيبوا بها!

وفعلياً، بلغ السوريون في حكايات موتهم من مجازر وعمليات قتل جماعي، عتبات أبعد من الخيال، وأشد فجيعة من أي شكل عرفه الناس للموت!

لقد فاقت مآسيهم في مبانيها المُحكمة، ما عمره وسطره أشطرُ بناة التراجيديا في عالم الدراما، وصار ألمهم نشيجاً يُدوي في مغاور حيواتهم، وكما لم تفعل أقسى المرثيات المدونة على مستوى الأدب العالمي كله.

وها قد حان الوقت ليعرفوا ومعهم من يهتم من البشر، الأسلوب المروع الذي كانت تختفي عبره جثامين الثائرين، الذين اعتقلهم نظام الأسد!

فعلى حين غرة جاء الشاهد مُمَوهُ الشخصية في المحكمة، ليروي تفاصيل عمله طيلة ست سنوات ونيف، كحفار للقبور، يعمل بموجب طلبٍ من الأفرع الأمنية التابعة للنظام، لدفن عشرات الجثث التي كانت تخرج يومياً، من أقبية الموت، ومن السجون المركزية التي أمست مسالخ بشرية، وساحات للإعدام!

يحتاج السوري إلى الجسارة والقوة لكي يكمل قراءة شهادة الرجل، وسيحتاج بعد أن ينتهي لوقت طويل، كي يتخلص –إن أمكنه ذلك-من التقرحات النفسية التي ستصيبه، وهو يتماهى مع الشاهد في سرده لحكاية جمع الجثث وحشرها في البرادات المغلقة، وتركها وقتاً طويلاً، قبل أن يمضي الجلادون بها إلى حيث يتم دفنها في حفر عملاقة، تتولى بعدها بلدوزرات كبيرة ردمها بالتراب قطعة قطعة، حتى تختفي آثارها عن وجه الأرض!

"حفار القبور" الاسم الاصطلاحي الذي تداوله السوريون كتسمية للرجل الذي كان يدفن الشهداء، يبدو اسماً مضللاً، فالرجل لم يقم بحفر الأرض، بل تولى الإشراف على العملية!

بدا الرجل وبحسب نبضات الوحدات الكبرى والصغرى في المبنى الكامل للحكاية، وكأنه قد أدمن الخطو على قطع الزجاج المتكسرة، يعلو مع الدرجات نحو الأعلى، بينما يسيل الدم من قدميه، فيترك أثراً لن ينساه كل من حضر المحاكمة، ومن قرأ شهادته خارجها!

إنه مرهق بشكل مؤبد، لا يستطيع أن يتخلص من أحمالٍ ثقيلة، كأنها بقيت على كاهليه لمئات السنين، رغم أن قدرته على الروي، وإغلاق دوائره، جعلته متمكناً من أدواته، كحفار قبور خيالي قادم من عالم القصص الأدبية المبكية، لكنه ههنا يطمح لأن يرى الجمهور شخصيته بريئة، وهي تقدم للعدالة الحكاية المسكوت عنها في سياق الجرائم الأسدية! وكأننا هنا نعثر على أعلى الذرا في النماذج المعبرة عن صناعة الشر!

كان هاملت، شخصية شكسبير الشهيرة في مسرحيته التي تنتمي لنوع "مآسي الانتقام" مصدوماً حينما رأى مهرجاً ينشد، ويرمي جمجمة شخص ميت، وهو يلعب دور حفار القبور، فقال عبارته الشهيرة: "أليس يشعر هذا الرجل بما تصنع يداه، فيغني وهو يحفر قبراً"؟

لكن صديقه هوراشيو سيجيبه بما يشبه الحكمة فيقول: "كلا. إنما اليد القليلة العمل هي التي يرهف حسها".

وعلى النقيض من رؤية شخصيات شكسبير الشهيرة التي تردد الحِكم محاولة إخفاء هزائمها، سيرى بدر شاكر السياب الذي كان قارئاً ودارساً للأدب الإنكليزي هذه الشخصية بشكلٍ مختلف في قصيدته الشهيرة (حفّار القبور)، فهي مهزومة في واقعها، ولا تغطي ذلك بادعاء البراءة أيضاً، كما أن صلابتها التي يشير لها السياب في معلقته هذه، ستتبدد شيئاً فشيئاً، حتى تنهار الشخصية في تداعيها الذاتي لتبدأ باعترافاتها!

فيقول: "وتنفس الضوء الضئيل/ بعد اختناق بالطيوف الراعبات وبالجثام/ ثم ارتخت تلك الظلال السود وانجاب الظلام/ فانجاب عن ظل طويل/ يلقيه حفار القبور/ كفان جامدتان أبرد من جباه الخاملين/ وكأن حولهما هواء كان في بعض اللحود/ في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود/ كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين/ وفم كشق في جدار/ مستوحد بين الصخور الصم من أنقاض دار/ عند المساء ومقلتان تحدقان بلا بريق/ وبلا دموع في الفضاء"!

لا تستطيع محكمة (كوبلنز) أن تتحقق من رواية حفار القبور السوري، لأن مكان الجرائم الأسدية، ما زال بيد القاتل وعسكره وقواه المخابراتية والميليشيات التي تدعمه، كما أن أدوات الجريمة وهي الفروع الأمنية، ليست بمتناول يد العدالة أيضاً، ولهذا ستبدو شهادة الرجل، أشبه بقطعة سردية محكمة، تشبه تفاصيل هاملت شكسبير، وملامح الشخصية في قصيدة السياب!

ولكن، ثمة فضاء سوري عام تحتشد فيه روايات الشهود، وتتراصف المذابح والجرائم الكبرى حوله، حتى وإن لم يُدل على الضحايا بكتابات محفورة فوق شواهد على قبور واضحة!

وإلى حين تمكن السوريين من نبش الأرض، والعثور على الأدلة التي لا تقبل الشك، ستبقى سردية الموت السورية، وأصوات الضحايا أنشوطة تشتد حول عنق النظام، حتى تقتله!

=========================

سوريا: الموت في السجون والمعتقلات

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 16/9/2020

أضافت شهادة عامل المقبرة أمام محكمة كوبلنز الألمانية مؤخراً، معطيات جديدة في مسار الموت السوري الذي بدأه في مارس (آذار) 2011، وما زال يتابعه نظام الأسد، ومستمر به طالما لم يردعه أحد. وقد عرف السوريون والذين تابعوا تطورات الصراع في سوريا، مراحل مسار الموت، التي تشمل عمليات اقتحام المدن والقرى وأحيائها وحاراتها، ويتم فيها قتل عشوائي واسع للسكان عبر عمليات القصف بالمدفعية والطيران والبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي، أو من خلال قتل انتقائي مرتبط بظروف معينة، منها حالات الانتقام الجماعي، أو سعياً لتهجير السكان من بيوتهم.

وتفتح عمليات الاعتقال التي تتم في أعقاب عمليات الاقتحام أو الاعتقالات الفردية، مرحلة أخرى في مسار الموت الذي تتابعه أجهزة النظام العسكرية والأمنية، حيث يقود الاعتقال إلى موت شبه محقق، وهو ما أكدته معطيات ووقائع وشهادات، تناولت ما أصاب عشرات آلاف ممن اعتقلوا في سجون النظام على مدار السنوات العشر الماضية.

ويبدأ مسار الموت في سجون ومعتقلات نظام الأسد من لحظة الاعتقال، وكل معتقل مرشح للموت فوراً لدى قيامه بأي حركة أو إصداره أي صوت، يخيف أو يستفز الذين اعتقلوه قبل أن يصلوا به إلى مقرهم؛ فرعاً للمخابرات كان أو مركزاً أمنياً لقوات النظام أو تنظيمات الشبيحة، حيث تبدأ حالات التنمر والإهانة، التي يمكن أن تؤدي إلى قتل المعتقل، خصوصاً إذا كان محتجزاً في مقرات الشبيحة.

القسم الأكبر من المعتقلين الذين يموتون في السجون والمعتقلات، يتم قتلهم أثناء التحقيق معهم، ليس فقط خلال سعي المحققين للحصول على اعترافات من المعتقل، أو لإجباره على الاعتراف بأشياء يطلبها المحقق منه. بل إن القتل يكون أحياناً نتيجة سادية المحققين أو عناصر السجن الذين اعتادوا على الدم وانتهاك حق الحياة، وكلها وقائع وميول يغذيها غياب المحاسبة والمساءلة لأي شخص يقتل معتقلاً، وغالباً فإن جريمة كهذه، تجعل مرتكبها صاحب حظوة ومكانة لدى رؤسائه من ضباط مخابرات وجيش النظام.

وقسم من المعتقلين يموت بسبب ما يعقب عمليات التعذيب التي يتعرض لها أثناء التحقيق. إذا أصيب بجروح وكسور وحروق أو ببعضها، وجميعها يمكن أن تتفاقم بشكل عاجل وسط الظروف المعيشية السائدة في معتقلات النظام وسجونه، حيث تفتقد أدنى الاحتياجات الإنسانية بما فيها الرعاية الطبية والدواء، ويموت معتقلون بسبب ظروف الاعتقال العامة؛ ومنها الاكتظاظ والجوع والعطش والأوساخ، وعدم توفر الدواء ومواد التنظيف، ما يؤدي إلى شيوع الأمراض بمختلف أنواعها، إضافة إلى الدخول المؤكد لفيروس كورونا إلى السجون والمعتقلات، التي تحفظ النظام في الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بها.

لقد وثقت آلاف الشهادات لناجين من سجون النظام ومنشقين عن الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما يصيب المعتقلين والسجناء مؤدياً إلى موتهم هناك. بل إن الشهادات، تعدت تلك الأمكنة للحديث عما يصيبهم في المشافي المدنية والعسكرية، حيث يتحول في الجهاز الإداري والخدمي إلى قتلة، يعذبون المعتقلين الذي يحالون إلى المشافي للعلاج، ويقتلونهم، وقد وضع جهاز الأمن الألماني يده مؤخراً على قضية طبيب سابق في المشفى العسكري بحمص، ولاجئ حالي في ألمانيا، متهم بتعذيب وقتل معتقلين كانوا بالمشفى للعلاج، طبقاً لشهادات صدرت ضده وبعضها شهادات من أطباء كانوا معه آنذاك، وثمة شهادات متداولة عن طبيب، كان مدير مشفى المجتهد بدمشق بداية الثورة، شارك في قتل أطباء من زملائه شكاً في ولائهم للنظام، وقتل معتقلين وصلوا إلى المشفى في حالة إسعاف.

صور قيصر - التي شملت أحد عشر ألفاً من الضحايا، تمثل إحدى أهم شهادات القتل في سجون ومعتقلات النظام، وهي من أكثر الشهادات مصداقية، لأنها صورت لتكون في عداد وثائق النظام عما يحدث للمعتقلين والسجناء، الذين يتم تنظيم شهادات وفاة لهم من مشافٍ هي مسالخ بشرية، يكتبها أطباء بلا ضمير، تقول إنهم ماتوا نتيجة أزمات قلبية أو سكتات دماغية وسط ظروف «طبيعية».

وإذ شرحت الشهادات ما يصيب المعتقلين والسجناء في مسار الموت، فإن تلك الشهادات لم تقدم الفصول الكاملة لجرائم النظام وأجهزته، إلا في حالات نادرة؛ منها ما قيل في واحدة من الشهادات من معارضين عن حرق جثث من يتم إعدامه من المعتقلين، وقد خصت الشهادة سجن صيدنايا العسكري بالقول إن بعض تلك المحارق، خصصت له وسط صدور تقارير متعددة بينها تقرير عن منظمة العفو الدولية عام 2017، قالت فيه إن نحو 13 ألف سجين أُعدموا في سجن صيدنايا القريب من دمشق على مدار الخمس سنوات ما بين 2011 و2015.

وسط نقص الصورة حول ما يؤول إليه مصير جثث المعتقلين والسجناء الذين يقتلهم النظام، جاءت شهادة عامل المقبرة، التي ألقاها أمام محكمة كوبلنز الألمانية مؤخراً بجلستها الحادية والثلاثين لمحاكمة الضابط السوري السابق أنور رسلان وزميله إياد الغريب، حيث كشف كثيراً من تفاصيل غائبة؛ منها وجود المقابر الجماعية في مدينة القطيفة شمال دمشق على طريق دمشق - حمص الدولية وسط مناطق عسكرية، يمنع على المدنيين دخولها إلا بمهمات رسمية، وأكد تفاصيل شائعة، كانت بحاجة إلى تأكيد؛ بينها أن عمليات القتل والتصرف بالجثث محصورة بإدارة طرف مركزي داخل مؤسسة النظام الأمنية - العسكرية، كما أعطى تفاصيل لبعض الأحداث المعروفة، كاشفاً تفاصيل في عمليات إعدام معتقلي وسجناء صيدنايا.

عامل المقبرة الذي قررت المحكمة حماية معلوماته لأسباب تتعلق بحماية ما تبقى من أقاربه في الداخل السوري، كان عاملاً مدنياً في دفن الموتى قبل الثورة، اختاره اثنان من ضباط الأمن وإلى جانبه عشرة عمال آخرون، وعينوه مشرفاً عليهم أواخر عام 2011، للقيام بمهمة جمع جثث المقتولين من فروع المخابرات والمشافي ونقلهم ببرادات كبيرة، ودفنهم في مقابر جماعية موزعة ما بين نجها جنوب دمشق بخمسة عشر كيلومتراً والقطيفة شمال دمشق، وقد استمر عملهم من دون انقطاع أو إجازات ما بين عامي 2011 و2017، وبدوام يومي يمتد ما بين الرابعة والتاسعة صباح كل يوم.

الإضافة الأخطر في شهادة عامل المقبرة، تتصل بتقديره أعداد من تم دفنهم في المقابر الجماعية في نجها والقطيفة في السنوات السبع الأولى، التي قدرها بنحو مليون جثة، ولا ينقص من أهمية هذه الشهادة بعض الالتباسات التي وردت فيها. والجانب الثاني الذي كشفته الشهادة، وجود مقابر جماعية خاصة. إحداها تخص الفرقة الرابعة، التي تدفن من يقتل من معتقليها في مطار المزة العسكري تحت مدرج الطيران، وفرع المخابرات الجوية الذي يدفن الجثث في مقابر جماعية داخل الفرع نفسه، وكشف الشاهد تفاصيل القبور التي تتسع لمئات الجثث، والتي يجري إغلاقها على مراحل وليس مرة واحدة، وهي بين حيثيات أخرى من جرائم قتل المعتقلين، التي سيعاقب مرتكبوها ولو طال الزمن.

=========================

بضع كلمات في أذن الائتلاف السوري

موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 16/9/2020

ربّما كان من الأفضل لنا ولكم أن نتخاطب عن بعدٍ قليلاً، لعلّنا نستطيع أن نكون أكثر صراحةً ووضوحاً. لقد وصلت دعوتكم إلى اللقاء التشاوري، الذي عقدتموه يوم الجمعة منذ عشرة أيام، ولم يصلكم اعتذار عن الحضور، كما تقتضي اللياقة قبل الموعد ولا بعده، فاقتضى الأمر بعضَ «البوح» كما يحلو لعقاب يحيى أن يسمّيه، في مجالات أقل مللاً وأكثر جدوى.

لقد ابتدأت طرقنا بالتباعد المكشوف، بُعيد سقوط حلب، يوم انفضحت العسكرة والأسلمة في شكليهما اللذين عرفتهما الثورة السورية المغدورة، فاستقال العديد منّا ـ نحن «غير» الإسلاميين، سياسياً، لعلّها تروق لكم أكثر من الديمقراطيين، مع أنكم تفضّلون غالباً وصف العلمانيين ـ قبل ذلك الحدث وبعده، وكنت من أواخرهم في أوائل فبراير 2017. أذكر جيّداً كيف كان أحمد الجربا حريصاً دائماً على اصطحاب فاروق طيفور في اجتماعاته، ليترك له الكلام عند الحديث عن التشدد والتطرف والإرهاب والإسلاميين، فيعطي به مثلاً عن إمكانيات الاعتدال لدى من قيل عنه أحياناً إنه من صقور الإخوان، في تلك الفترة التي ساد في الائتلاف جوّ أبعد نسبياً عمّا هو إسلاموي، إلى هذا الحد أو ذاك. في المقابل، أذكر جيداً أيضاً، حرص النواة الصلبة للائتلاف المؤلفة خصوصاً من عواميد وتفرعات الإخوان، على تقديم ميشيل كيلو ورياض سيف وعقاب يحيى وتقديمي وغيرنا، عند الحاجة إلى ثوب الوداعة والتسامح والحداثة.. ولا يخلو الأمر أحياناً من خلطة طائفية وقومية، تنفع في صالون التجميل، حتى انفتق الحساب في تلك الفترة المذكورة.

أعتقد جازماً، أننا كنا، نحن المستقيلين والمتنحّين جانباً – أحرص على الائتلاف من «أهله» لأنه الأداة الأولى في التاريخ الحديث للمعارضة السورية، التي اعترف بها العالم يوم كان مقبلاً علينا، ولأننا ندرك، ربما أكثر من غيرنا، أهمية هذا التمثيل وضرورته القصوى لشعبنا يوم سلمه ويوم حربه.

رغم ذلك كله، وبمناسبة ما يتردد حالياً عن نوايا الإصلاح الشامل في البنية التنظيمية والسياسية، أو عن تطوير تمثيل الائتلاف وتحديث رؤيته السياسية، ينبغي الإشادة بعرض النوايا هذا، وتمني النجاح لها، إن لم يكن الأمر كلّياً فجزئياً على الأقل، مع أن الطريق تنحدر باستمرار نحو المزيد من الفشل، ولا ينفع المسارَ شيئاً تعبيدُ تلك الطريق بالنوايا الطيبة، وهي موجودة على علمنا غير نادرة، ولكن إلى جانب نقيضها. ربما يتذكر الأخوة في الائتلاف المذكرة التي تقدمت بها باسم» تيار مواطنة» الذي كنت أمثله، في أوائل يناير 2017، نحدد فيها عناصر للأزمة ومنافذ للخروج منها، وكيف تمّ تقبّلها بصدر رحب ووجهٍ بشوش، وتشكلّت لجنة وازنة لبحث خطوات الإصلاح في جذوره. حينئذٍ، اجتمعت تلك اللجنة الشاملة عدة اجتماعات، تبيّن ببساطة بعدها العجز عن الإصلاح، لأن أهم مظاهر الإصلاح كان إنهاء بعض مكونات تلك اللجنة ذاتها، وإنهاء زيف تمثيل مكوّنات أخرى فيها. كان الائتلاف بحاجة إلى التفوّق على ذاته، بأن ينفي ذاته، وذلك طلب كبير جداً ومستحيلٍ في ظروفنا البائسة.

ترنّ أصوات الخطاب الإصلاحي بقوة هذه الأيام، بشكلٍ يستدعي الإعجاب، لو كنّا على غير ما نحن عليه، والائتلاف على غير ما هو عليه

وترنّ أصوات الخطاب الإصلاحي بقوة في هذه الأيام، وبشكلٍ يستدعي الإعجاب، لو كنّا على غير ما نحن عليه، ولو كان الائتلاف على غير ما هو عليه. فلا الائتلاف قادر على أن يعيد النظر في بنيته وتركيبه وسياساته، ولا السوريون بقادرين على إضاعة المزيد من وقتهم في مهمٍة مستحيلة، وفيلم أصبح مؤلماً ومضجراً في آنٍ واحد. وحتى لا يبقى الحديث في الفضاء، لا بدّ من توضيح بعض أسبابه المادية وأسئلته المباشرة.

عند تعاطي أهل الائتلاف، بين فينة وأخرى، مع مسألة توسيع تمثيله، يسارعون إلى التواصل مع مكوِّنات إثنية وعشائرية ودينية وطائفية، في خطأ «استشراقي» لا يُغتفر. يعتقدون أن ذلك استجابة لرغبة دولية أو إقليمية حقيقية، بدلاً من أن يذهبوا مباشرة إلى لبّ الموضوع، فيستعرضوا القوى والشخصيات السياسية والمدنية في الفضاء السوري، ويعملوا على البحث جدياً في تجاوز التعارضات باتّجاه اللب ّوالجوهر، وإبداء الاستعداد للمراجعة والحوار، على أرضٍ مناسبة وبحرّية مقبولة. في ذلك أيضاً لا بد للائتلاف أن يتواضع قليلاً، ويدرك أن ما يعتقد أنه اعتراف دولي يعطيه حقوقاً إضافية على الآخرين ليس حقيقياً، على الأقل في الوقت الراهن، بل يكاد يغدو مهزلة وراء الجدران السورية والإقليمية والدولية.. ألا يدعوهم حجم الاعتراف بقسد ومسد مثلاً إلى التفكّر، وفيهما من عوامل الانتقاص من الشرعية ما فيهما، ولكن مع سياسات جدية واستراتيجيّة «شغّالة»؟

في المسألة التنظيمية، هل يستطيع الائتلاف- وأعضاؤه الفرحون بما لديهم- الاعتراف بقصور تمثيله للسوريين، والإقرار بالخلل الكبير في ذلك من خلال رجحان وجود ودور القوى التي تفرّعت من الجماعات الإسلامية، ولا يعرف إلا الله مدى وطريقة تنسيق عملها بوحدته وصراعاته، مع غيابٍ كامل تقريباً لقوى المدنية والديمقراطية السياسية.. ولم يعد كافياً للتمويه وجود كتلة مهمة براغماتية وذات حنكة مشهودة، أصبحت قدراتها الاحترافية نافلة وضارة، بعد طول إضرابها عن التبلور سياسياً، والخروج من عقلية المقاولات في السياسة.

وفي الناحية العسكرية، هل يستطيع الائتلاف، الإقرار ببعده عن التحكم بأي مسار عسكري أو للعسكر له طبيعته السياسية والاستراتيجية، وأن ذلك كان كذلك منذ البداية وأصبح الآن واضحاً فاضحاً؟ وهل يستطيع رفع الغطاء عن كل ذلك الحمل الذي ينوء تحته وتحت آثامه وجرائره وارتباطاته، وتوزعه ما بين إمارات حرب وإمارات عقيدة وخلافة، أو على الأقل إلى حقل ارتزاق لمن احترف ولم يعد قادراً على تغيير نمط حياته؟ وبعد التقدير الواجب من قبلنا للخطوات الأخيرة التي لا بدّ أن يكون لها بعض الأثر الإيجابي، الذي يُخشى أن يضيع في الضجيج المفتعل والبلاغة المفتعلة.. لكن ذلك سيكون حتماً تحت الحدّ الأدنى المطلوب، الذي لا يستطيع بلوغه إلا عقل ثوري يتخفّف من باطنيته الثقيلة الوطء، ويثبت ذلك بما يكفي.

من الناحية السياسية، وبعد وقوع الائتلاف تحت ثقل مسار أستانة الثلاثي- وثلثاه علينا لا لنا- مكرهاً أو بطلاً لا فرق، هل يستطيع الانتقال إلى استراتيجية شفافة وفعّالة، وذات أهداف في ما يخص هيئة التفاوض واللجنة الدستورية، والخروج من العباءات، ومواقف القطارات والمطارات عبثاً؟ ولماذا تهرّب طويلاً، ولم يعد لانتقاد نفسه حتى الآن، من رفع الغطاء عن التطرّف والإرهاب بين ظهرانينا؟

ولنقفز قليلاً عن الكلام الذي سيقول عنه أهل الاحتراف الصافي، إنه مجرّد بلاغة لا تتلمّس الواقع، ولا بأس ببعض السذاجة والتجريب في السؤال:

هل يستطيع الائتلاف أن يخرج على أهله والعالم، بمواقف يتبرأ فيها ويستنكر تجنيد آلاف السوريين كمرتزقة في ليبيا، وربما في غيرها فيما بعد؟ وهل يستطيع استنكار فعل الفاعل ذاك بلغة سياسية واضحة، كتلك التي تحدث بها يوماً قريباً رئيس الائتلاف الحالي، مع السعودية بعد انعقاد مؤتمر المستقلين في الرياض؟ فمسألة ارتزاق السوريين المترافقة مع إطلاق تسمية الثوار عليهم طامّة كبرى، وهم يخوضون معارك غيرهم على أرض غيرهم.. مع كلّ المحبة لليبيين وليبيا!

ومثالٌ آخر بسيط: لماذا عجز الائتلاف عن التقرّب إلى شعبه بأن يطالب بالصوت العالي بحرية وكرامة رمز وطني تعتقله السلطات التركية كالعميد أحمد رحال؟

وهمسة قبل الختام: من يرغب حقاً برمي حجرٍ، يختاره صغيراً كطلباتنا أعلاه لتحسين أجواء الثقة، وليس كبيراً بحجم «تجديد الخطاب الوطني» كما يفعل حالياً، لأن الائتلاف سينوء تحت ثقل كلماته الكبيرة، أو يرفعه سريعاً إلى الرفوف المغبرة. ولن نقول أكثر، بل نقول مع ذلك الأعرابي: «يداك أوكتا وفُوكَ نفخ».. ونتأنى قليلاً مع صاحبه الآخر، من أجل الصحبة والمصلحة الوطنية: «لأمرٍ ما جدع قصير أنفه» وجاء بحديث الإصلاح.. فالمطلوب شيء آخر معروف جيداً: الوطنية في الفكر، والإخلاص والشفافية في السياسة، والتواضع في العمل وتقدير الذات… وننتظر شيئاً مختلفاً وجذرياً، من دون أن نتخلى عن بحثنا في أماكن حقيقية أخرى!

كاتب سوري

=========================

محنة "سيزيف" الروسي في سورية

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 16/9/2020

اتسمت زيارة الوفد الروسي إلى دمشق، في 7 سبتمبر/ أيلول الجاري، بالاستعراضية، إن لجهة تركيبة الوفد، وفد سياسي وعسكري واقتصادي كبير، أو لجهة إيقاعه، وصول الوفد على دفعتين، ومدة الزيارة، ساعات قليلة، إذ وصفت وسائل إعلام روسية الزيارة بـ "التاريخية"، وشخصيات الوفد بـ "البارزة". من دون تقديم صورة واضحة عن أهداف الزيارة المباشرة ونتائجها الفعلية، فما قدّمه الأعضاء الاقتصاديون في الوفد اقتراحات مشاريع في مجالات الطاقة والبنية التحتية وتحسين الوضع المالي والاقتصادي للنظام السوري، تم الحديث عن 40 مشروعا أساسيا، في حين بقيت الأهداف السياسية للزيارة طي الكتمان، في انتظار رد النظام السوري عليها، طلب مهلة لدراسة العرض. 

عكست الزيارة، على الرغم من الاستعراضية العالية، قلقا روسيا متناميا على حصاد سنواتها الخمس في الصراع في سورية وعليها؛ في ضوء الجمود السياسي الذي ميّع "انتصاراتها" العسكرية، واستنزف قدراتها الدبلوماسية، وأثار سحب شك على المآل الأخير للتدخل العسكري في الصراع، معيدا إلى الأذهان تحذير الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لها من الغرق في "المستنقع السوري"، وقد زاد في حساسية موقفها الخسائر البشرية التي ترتبت على انتشارها العسكري في مناطق غرب الفرات وسعيها إلى السيطرة على حقول النفط والغاز في بوادي دير الزور وحمص، ما جعلها عرضةً لهجمات خلايا الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المنتشرة في هذه البوادي، وتكبيدها خسائر بشرية، بما في ذلك رتبا كبيرة. اللحظة السياسية دقيقة، وتستدعي تحرّكا كثيفا لتعديل الاختلال في المعادلة السياسية والدبلوماسية، والضغط على جهات محلية وإقليمية ودولية، على أمل تحقيق اختراق سياسي، يفتح طريق الحل، أو يخفف من كلفة الغرق في مستنقع مجهول الأعماق.

النظام السوري غير موافق على توجه روسيا لتثبيت الخريطة العسكرية الراهنة مع الولايات المتحدة شرق الفرات، ومع تركيا في شمال البلاد وغربها

روسيا في موقف حساس وخطير؛ فهي تواجه تحديات وعقبات صلبة، لعل أولها وأهمها غياب تطابق سياسي بينها وبين حلفائها، فالنظام السوري الذي تصفه دوائر روسية بـ"الحليف الصعب"، غير موافق على توجهها لتثبيت الخريطة العسكرية الراهنة مع الولايات المتحدة شرق الفرات، ومع تركيا في شمال البلاد وغربها. موقف التثبيت كرّره لافروف في المؤتمر الصحافي المشترك مع وزير خارجية النظام، وليد المعلم، في دمشق، والتي تمنعه من التحرّك لاستعادة محافظة إدلب وإلحاق "هزيمة" بالنظام التركي هناك، يراها أولوية مصيرية، كما لا يوافق على التلميحات حول مستقبل النظام، كما عكسته الوثيقة التي وقعتها الرئيسة المشتركة لـ"مجلس سوريا الديمقراطية"، إلهام أحمد، مع أمين عام حزب الإرادة الشعبية، قدري جميل، في موسكو: نظام ديمقراطي، اللامركزية، حل ديمقراطي للقضية الكردية، ابتعاد الجيش عن السياسة. موقف تشاركه فيه إيران، ما جعله يوسّع في انتهاكاته الاتفاق الروسي التركي بشأن المحافظة؛ ويحاول تغيير خطوط التماس فيها بالقضم، عبر التسلل والهجمات المباغتة، موقف فيه إحراج لروسيا التي وجدت نفسها مضطرّة لتثبيت الخريطة العسكرية، في إطار المساومات مع تركيا في أكثر من ملف، بما في ذلك الوضع في ليبيا، من جهة، والاستجابة للضغط الأميركي الذي أعلن تأييده تركيا في إدلب، من جهة ثانية، في تناقضٍ صارخ مع إعلانها المتكرّر أن هدفها المركزي بسط سيطرة النظام على جميع الأراضي السورية، كما لا يوافق (النظام) على تحرّكها السياسي قبل حسم الموقف العسكري. 

لا توافق طهران على إعطاء أولوية للحل السياسي؛ لأنها تعتقد أنها مستهدفة؛ وأن إخراجها من سورية جزء من التصورات المطروحة

الحليف الثاني: إيران، هو الآخر ليس على الموجة نفسها، لا يوافق على إعطاء أولوية للحل السياسي؛ لأنه يعتقد أنه مستهدف؛ وأن إخراجه من سورية جزء من التصورات المطروحة، لذا هو يدفع إلى توتير الأجواء باللعب داخل الخطوط الحمراء شرق الفرات ومحافظة إدلب، وينافس القوات الروسية والتابعة لها في الاستحواذ على المناطق، والسعي إلى استقطاب موالين، وتجنيد مقاتلين من أبناء المناطق، خصوصا من العشائر العربية شرق الفرات، كما يرى أن من حقه الحصول على حصّةٍ مجزيةٍ من الكعكة السورية، نظير خدماته العسكرية، والأموال التي قدمها للنظام، ما وضعه في تنافس حاد مع الشركات الروسية، خصوصا على القطاعات الاقتصادية الرئيسة، ووضعه في مواجهة التمدّد العسكري والاقتصادي الروسي في سورية. 

لتركيا، حليف الضرورة، أهداف وتوجهات تتعارض مع الأهداف والتوجهات الروسية المرحلية والبعيدة. صحيح أنها مع تثبيت الخريطة العسكرية على الأرض السورية، لكنها تطالب بعودة النظام إلى حدود ما قبل الهجوم أخيرا من أجل عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم، ولا تتفق مع روسيا على صيغة الحل النهائي ومصير النظام، وقد كثفت حضورها العسكري على الأرض السورية، بصورةٍ أخلت بتوازن القوى، وجعلت أي مواجهة بينها وبين النظام خطيرة ومكلفة، وقد رفعت تحدّيها روسيا بالتحرك في أكثر من ملف بشكل يتعارض مع مصالح الأخيرة، من ليبيا إلى لبنان والعراق وأذربيجان، مرورا بالاشتباك مع اليونان وقبرص اليونانية، اللتين تربطهما بروسيا روابط عرقية وكنسية، حول المياه الإقتصادية والتنقيب عن الغاز شرق المتوسط.

أما جبهة الخصوم، فالمواجهة فيها أكثر صعوبة وحدّة، خصوم من وزن الولايات المتحدة التي أفشلت محاولات روسية متكرّرة لتعزيز حضورها وانتشارها شرق الفرات، الاحتكاك مع الدوريات الروسية وقطع الطرق ومنع إقامة قواعد ثابتة في ريف القامشلي، في ضوء حديث المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، عن طبيعة مهمة القوات الأميركية في سورية: جعل طريق الحرب مسدودا أمام روسيا، ومنعها من التسلل إلى عالم الطاقة شرق الفرات: النفط والغاز، بقطع طرق تفاهمها مع "الإدارة الذاتية"، وعقد صفقات معها، لم تكتف بذلك، بل وأصدرت قانون قيصر لمعاقبة النظام السوري وداعميه، ما زاد في حراجة موقف روسيا، وهي تتابع وضع النظام الاقتصادي المتآكل، وحاجته الماسّة لكل أنواع الدعم، وخطورة تركه ينهار على مصالحها وخططها، وخطورة دعمه في ضوء فحوى قانون قيصر إزاء التعاطي معه، ما يضعها تحت طائلة العقوبات الأميركية، فلم تجد مخرجا من ورطتها سوى دعوة واشنطن إلى فتح حوار شامل حول الملفات السياسية، بما في ذلك الحل في سورية، ومحاولة إقناع النظام بتليين مواقفه إزاء قضايا الحل السياسي، بالاستجابة لبعض مطالب واشنطن والمعارضة السورية، من دون نجاح يذكر.

جاء الوفد العتيد، وفي جعبته تصوّر لإرضاء الحلفاء والخصوم في آن، فعلى جبهة الحلفاء، النظام، خطة دعم اقتصادية شاملة لمجالات الطاقة والكهرباء والبنى التحتية وخط ائتمان بمليارات الدولارات، على أن تكون جزءا من توجه يغطي مجالي الاقتصاد والسياسة، دعم اقتصادي واسع مقابل دفع المسار السياسي إلى الأمام، بما يتقاطع مع المطالب الأميركية، بما في ذلك تقليص دور إيران في سورية، بحيث يتحوّل المسار إلى ورقة في المساومات مع الولايات المتحدة، ورقة لإغواء واشنطن واستدراجها للتفاوض على ملفات سياسية عالقة، بما في ذلك قانون قيصر.

لم تؤتِ الزيارة الروسية إلى دمشق أخيراً أكلها، فلا هي نجحت في إرضاء الحلفاء، ولا هي نجحت في إرضاء الخصوم

أدرك النظام طبيعة الصفقة التي لا تنسجم مع توجهه العام، فعمل على إحباطها بتأجيل قراره، بحجة دراسة الخطة الاقتصادية، من جهة، ورفض ربطها بالحل السياسي، من جهة ثانية، وهذا دفع وزير الخارجية، سيرغي لافروف، إلى تحاشي إظهار التباين السياسي بين الطرفين، فقدّم، في المؤتمر الصحافي مع وزير خارجية النظام، وليد المعلم، أجوبة دبلوماسية عن بعض الأسئلة، وأجوبة غير مباشرة عن أخرى؛ والبدء بتوتير الأجواء في محافظتي إدلب واللاذقية، جبال الأكراد، بقصفهما بالصواريخ شديدة الانفجار، مع استهداف مواقع تركية، ما اضطر روسيا لمجاراته كي تضبط تحرّكه، من جهة، وتحدّد سقف التحرّك، من جهة ثانية، كي تمنع تطور التحرّك إلى مواجهة مباشرة بينه وبين القوات التركية. 

لم تؤتِ الزيارة أكلها، فلا هي نجحت في إرضاء الحلفاء، ولا هي نجحت في إرضاء الخصوم، حيث اشتد الجدل بينها وبين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في الأمم المتحدة بشأن ملف السلاح الكيماوي في سورية. وكان لسوء الطالع دوره بتزامن الجلسة مع انكشاف تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني بمادة كيميائية: نوفيتشوك. "سيزيف" الروسي في محنة فقد نصب له "العم سام" فخا تقليديا فتح له الطرق ليتمدد ويستنزف ويغرق في أكثر من مستنقع.

=========================

الصراع حول الطاقة والنفوذ بين تركيا واليونان

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 16/9/2020

يبدو الصراع بين تركيا واليونان قابلاً للتحول إلى حربٍ، وكذلك التراجع إلى السلم. لدى الدولتين طموح إقليمي كبير؛ فتركيا تسعى إلى تغيير معادلات إقليمية سابقة، ومجحفة بحقها، بينما تحاول اليونان تثبيت القديمة منها. تتجذّر المشكلة هذه بتشكل محاور إقليمية خلف مواقف اليونان، بينما تجد تركيا نفسها شبه وحيدة، فتصارع لتشكيل محور داعم لها، وتتبنّى سياسات "هجومية" بما لا يتناقض مع السياسات الأميركية والروسية، وكذلك تحاول الاستفادة من السياسة الأميركية الرافضة اشتعال الحرب بين الدولتين، ورغبة الروس في الدخول على خط هذه الأزمة، من ناحية رفضهم الموقف الأميركي بعامة، وخلخلة حلف شمال الأطلسي، وتعميق الخلاف بين الدول الأوروبية، حيث تركيا موجودة في مؤسسات أوروبية متعدّدة. أيضاً، تقدّم روسيا نفسها وكأنّها جهة دولية وازنة وعادلة وقادرة على التأثير على كلٍ من اليونان من جهة، ولها علاقات تاريخية معها، وتركيا من جهة أخرى، وإيقاف التوتر الشديد بين الدولتين أخيراً. ولكن ما هي قضية الخلاف، وكيف تتفاعل، وأية آفاق ممكنة لها؟

أسباب الصراع

تصاعد التوتر، أخيراً، بعد أن عقدت كل من تركيا وليبيا اتفاقيتين، تخصان التعاون البحري والعسكري في 2019؛ وتتيح الاتفاقية البحرية لتركيا توسعة حدودها البحرية والتنقيب في ليبيا، وهذا دفع تركيا إلى "التعدّي" وتجاوز جزر يونانية كثيرة، وأكبرها كريت، وسواها.

يزيد الصراعَ تعقيداً أن تركيا لا تعترف بجمهورية قبرص، المُعترف بها عالمياً، وضمّت إليها جزءاً من قبرص "الشمالية" في 1974، عبر تدخلٍ عسكري، وتعتبر قبرص بأكملها جزيرة متنازعاً عليها، وليس لها حقوق بحرية خاصة بها، باعتبارها ليست يابسة، وليست لها حدود برية مع دول أخرى، وبالتالي تَعتبر بحر قبرص منطقة تركية بامتياز. تركيا أيضاً لا تعترف بقانون البحار 1982، وبالتالي تريد من ذلك كله توسعة حدودها البحرية ومنطقتها الاقتصادية بأكثر من 44% عما هو حالياً، وضمن المياه الإقليمية لقبرص، وباعتبار قبرص التركية تابعة لها! لا سيما مع اكتشاف كميات كبيرة من الغاز، وحاجتها الملحة إليه، وهي تستورد أكثر من 90% منه من الخارج، بينما تقول الاكتشافات بوجوده على شواطئها!

يضاف إلى ذلك كله رفض تركيا نتائج اتفاقية لوزان عام 1923، والتي ظَلمت تركيا، وأجبرت على التوقيع عليها، حيث كانت من الدول الخاسرة في الحرب، وبالتالي تمّ تقيّدها قضايا كثيرة، منها "سرقة" حقوقها البحرية! ومن هنا نفهم السبب الذي يجعل الرئيس التركي، أردوغان، يردّد أنّه سيمزّق الاتفاقيات الدولية. وبغض النظر عن اللهجة الحادّة هذه، فإن ظلماً تاريخياً ألحق بتركيا، كما أن حاجتها إلى المواد الهيدروكربونية كبيرة.

تلت توقيع الاتفاقية بين تركيا وليبيا تطوراتٌ إقليمية، حيث وقعت اليونان اتفاقية مع مصر لترسيم الحدود البحرية، وأُنشئَ في القاهرة "منتدى غاز شرق المتوسط" بمبادرة منها، واستثنيت منه تركيا، وهناك اقتراحات لإنشاء خط غاز يبدأ بإسرائيل وينتهي باليونان، ومن ثم إلى أوروبا، وتشترك فيها، إضافة إلى الدول المذكورة، كل من مصر وقبرص، وهو يفتح ممرّاً جديداً لتصدير الغاز بعيداً عن تركيا. قطع الاتفاق التركي الليبي بالضرورة هذا الممر، وبالتالي لا بد من اتفاقية جديدة، تكون تركيا شريكةً في أي اتفاق لنقل الغاز، ولها دور في كل ما يخص دول شرق المتوسط، وأية سياسات إقليمية ودولية، تبحث في مصير ثروات هذا الشرق وكيفية استثمارها. وتستفيد تركيا مما لم تعترف به من قبل، وكذلك من عدم ترسيم الحدود البحرية للدول التي تتقاسم شرق المتوسط. وبالتالي، تحاول جاهدة ألا تُستثنى منه، ولكن ذلك يترافق مع حلف إقليمي، لم يعد يقتصر على اليونان ومصر وقبرص، وصار يضم أخيراً فرنسا والإمارات. وهناك تحذيرات أوروبية شديدة، ورافضة خطوات تركيا، وإرسالها إلى سفن التنقيب محمية بالطائرات العسكرية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بقبرص.

الاستبعاد التركي

الاستبعاد التركي من أية مخططات لشرق المتوسط متعلق بخلافات تاريخية مع اليونان، ويتجاوز اتفاقية لوزان والتدخل في قبرص عام 1974، ومع مصر تعمق بعد 2013، والانقلاب على الرئيس محمد مرسي، ومع إسرائيل، بعد حادثة سفينة مرمرة خصوصاً. ومع إسرائيل، لم تنقطع العلاقات نهائياً، ويمكن أن تستعاد بأشكال متعدّدة، ولكنها الآن في أسوأ حالاتها، وحتى إن استعيدت، فإن الواقع تعقّد بعد اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، حيث ستبدو وكأنها تنضم إلى هذا الحلف، وضد القضية الفلسطينية. أيضاً، لا تزال تركيا تقيم صلاتٍ مع إسرائيل، ومنها يصل نفط كردستان العراق إليها. ما يعقد العلاقة بين تركيا وإسرائيل أن الدول الفاعلة في الإقليم حالياً هي تركيا وإسرائيل وإيران، وهناك تقاربات شديدة بين إسرائيل ودول عربية رافضة للسياسات التركية، وقريبة من روسيا، وعدا ذلك؛ تتعرّض تركيا إلى انتقاداتٍ كثيرة من الأميركيين. وقد أَقر الكونغرس الأميركي في 2019 قانون "الشراكة في الأمن والطاقة لمنطقة شرق البحر المتوسط"، بهدف تعزيز التعاون بين كل من إسرائيل واليونان وقبرص! وبالتالي، هناك إشكالات تخص كلاً من إسرائيل وتركيا، وتحدّد العلاقة بينهما، وتمنع تقاربات أكبر من السابق. وبالتالي، تتقارب إسرائيل مع كل من قبرص واليونان ومصر والإمارات وفرنسا وغيرها. 

تصطف فرنسا إلى جانب اليونان، وربما لتدخلها في لبنان جانب يتعلق بتطوّر النزاع في شرق المتوسط، والسيطرة على ثروات هذا البلد وسواه، وكذلك في ليبيا

ظهر فاعل جديد في المنطقة، ويتمثل في تحرّكات الرئيس الفرنسي، ماكرون، والذي زار لبنان والعراق، قبل أيام، وتفيد تصريحاته برفضه السياسات التركية، وانضمامه إلى حلف "مصر اليونان"، وهو لا يمثل فقط فرنسا، بل ودولاً أوروبية كثيرة، والتيارات المحافظة فيها، والرافضة أية أشكال مع العلاقات الدبلوماسية مع تركيا. في الأزمة الحالية، تصطف فرنسا إلى جانب اليونان، وربما لتدخلها في لبنان جانب يتعلق بتطوّر النزاع في شرق المتوسط، والسيطرة على ثروات هذا البلد وسواه، وكذلك بليبيا. تشذُّ من بين الدول الأوربية المساندة لليونان ألمانيا، حيث تعدّ الدولة الحيادية شبه الوحيدة أوروبيّاً في النزاع وتخفيف حدّته، ومنع وصوله إلى صراع مسلح، ستكون نتائجه كارثية، وتتفق سياستها هذه مع الولايات المتحدة الأميركية. تغيير تركيا المعادلات في شرق المتوسط، عبر العلاقة مع ليبيا والتنقيب في المناطق البحرية لقبرص، دفع أميركا ذاتها إلى رفع الحظر عن توريد السلاح إلى قبرص، المعمول به منذ أواخر الثمانينيات، وهذا أمر جديد في العلاقة بين الدولتين، وقد يُفسر على أنه رفض لخطوات تركيا وتأييد لحقوق قبرص.

يؤزّم وجود تركيا في ليبيا وفي مياه قبرص العلاقات مع مصر واليونان، وإذا أضفنا العلاقات المميزة لتركيا مع حكومة ليبيا الإسلامية، يصبح التصعيد اللهجة المسيطرة بين الحلفين، وهذا ما نسمعه يومياً من الدبلوماسية اليونانية والتركية معاً. وأخيراً، يقود الرئيس الفرنسي حملة مركزة ضد تركيا، ولحشد أوروبا إلى جانب اليونان، وكأنّ الحرب واقعة لا محالة! وطبعاً كما دخلت سورية وليبيا واليمن في أزمات معقدة للغاية، فإن أميركا وروسيا وفرنسا، يمكن أن يساهموا في تعقيد العلاقات الإقليمية لتركيا ومع اليونان ومصر، وهي دولٌ غارقة في أزمات اقتصادية كبيرة، وبخصوص تركيا، فهي تتبنى سياسات "هجومية" في العراق وليبيا وسورية، وتمدُّ نفوذها إلى دولٍ كثيرة في الإقليم، وهذا يعني أنها توسع نطاق "معاركها" الإقليمية! مع ذلك، وبسبب خطورة أية حرب بين اليونان وتركيا، ليس من مصلحة الدول الكبرى، لا سيما أميركا وألمانيا، أن يتطور النزاع إلى حربٍ، ولكن لا يمكن رفض هذا الاحتمال أيضاً.

الحلف المضاد

يرى الحلف المضاد لتركيا أنها تخرق الاتفاقيات الدولية، وتتعدّى على جزر يونانية، وتهدّد أمن مصر، وطامحة إلى لعب دورٍ إقليميٍّ، وربما أكبر من ذلك؛ تركيا إذاً، أمام تعقيد كبير، فكيف ستتمكّن من تغيير الاتفاقيات والسيطرة على جزر يونانية، والحفاظ على الاتفاق المهدّد بالفشل مع ليبيا مع أي حل سياسي، حيث من المحتمل أن يتضمن ذلك. قد تكون تركيا في ورطةٍ حقيقيّةٍ، وقد تضطر للحرب، كما فعلت في 1974 وسيطرت على 37% من شمال قبرص، والأخيرة دويلة لا أحد من دول العالم يعترف بها إلا تركيا. ربما، والمنطقة تزداد تأزّماً، أن تخفض تركيا من سقف طموحاتها، وتكتفي ببعض منها، ومحاولة الحفاظ على علاقات جيدة مع ليبيا، والسيطرة على جزء من ثروات بحر إيجة، وبما لا يغيّر من الاتفاقيات الدولية السابقة، وبالتالي تُبرّدْ الأجواء العاصفة في شرق المتوسط، وتستفيد من ثرواته، ولكن ذلك سيقف ضده رفض مصر أية علاقات مع تركيا، وكذلك اليونان وقبرص وفرنسا بشكل خاص، وهناك القرارات الدولية التي تعترف بقبرص جمهورية مستقلة! إذاً القضية معقدة للغاية، وما تفرضه تركيا من وقائع جديدة، قد تخسرها من جديد.

تُواجَه تركيا الآن بحلفٍ كبير، وشرس، ويضمر عداواتٍ تتجاوز موضوع الطاقة والغاز والنفط

هناك من يرجّح أن النزاع لن يتطوّر إلى حربٍ أو سيراوح في إطار التهديدات المتبادلة، قبل الانتهاء من الانتخابات الأميركية، وهذا يتطلب ستة أشهر على أقل تقدير. ربما هذا صحيح، حيث أوضاع كل دول شرق المتوسط متأزمة، وبعضها يتعرّض للتفكك الشديد، وبعضها يتدخل في أكثر من دولة، ويفشل في الانتصار، وحتى تركيا، كما أوضحنا أعلاه، تتدخل في أكثر من ساحة، ومثلها الإمارات. أما اليونان فأزماتها الاقتصادية والاجتماعية كبيرة. وبخصوص مصر فهي غارقة في أزمات متعددة المستويات، وتتجنب التصعيد في الساحة الليبية، وتبحث عن حلٍ يجنبها الصدام مع تركيا. وبالتالي التصعيد، وخصوصاً حديث أردوغان عن وطنٍ أزرق، أي يشمل مساحات واسعة من مياه المتوسط، وهي مملوكة لقبرص، سيظل في إطار التصعيد الكلامي. الإشكالية الكبرى ليست الانتخابات الأميركية، بل حالة الشرق الأوسط المتأزمة، وفي القلب منها تلاشي أي دور عربي فاعل، وسيطرة كل من تركيا وإيران وإسرائيل عليه. وهناك التدخل الروسي، وأخيراً، تصاعد الدور الفرنسي. تريد تركيا شطب اتفاقية لوزان 1923، وفرض نفسها قوة فوق إقليمية، فهل تستفيد من غياب الدور الأميركي ستة أشهر؟ لا أعتقد، فهناك حلف إقليمي وعالمي واسع ضد سياساتها، وأغلبية الدول الأوروبية تقف خلف اليونان وقبرص، وضد سياسات أردوغان.

الحق بثروات شرق المتوسط:

نطرح الموضوع من زاوية أخرى: لماذا لا تكون ثروات منطقة شرق المتوسط لجميع شعوب ذلك الشرق؟ ولماذا تحتكر بعض الدول الثروات التي تحت أراضيها، وفي مياهها الإقليمية مثلاً. أليست مشكلة تركيا هي تكرار مشكلات دول أخرى. هناك ما يشبه المسلّمة بأن حروب المستقبل ستكون حروب الطاقة والمياه. وبالتالي، كيف ستتم السيطرة على ثروات كوكب الأرض بشكل عادل ومنصف لشعوب هذا الكوكب. تفترض هذه القضية تغييراً كبيراً في القوانين الدولية، ولكنها ليست مستحيلة، سيما أن ثروات الأرض ليست مملوكة لأشخاص محدّدين، بل هي ملكية عامة للدول. وبالتالي يجب طرحها بعيداً عن سيطرة هذه الدولة أو تلك، وتحويلها إلى ملكية مشتركة لسكان الكوكب بأكمله. 

تفكيك الشرق الأوسط، وقبله تفكّك الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا، وحدوث مجازر مروعة هنا وهناك، يمكن أن تعود أسبابه إلى الصراع على الثروات والنفوذ، والآن تدخل تركيا في أزمةٍ معقدة مع اليونان، ولكن القضية تجاوزت الدولتين إلى تشكيل تحالفات سياسية واستراتيجية متصارعة. سترفض الدول المتضرّرة من التقسيم غير العادل أية اتفاقيات مجحفة بحقها، وستفرض الدول القوية شروطها على العالم، وتستغله؛ وهناك تاريخ كامل من الكولونيالية، وهدفه السيطرة على الدول، وتتبيعها، وتحويلها إلى سوقٍ من ناحية، وأرض وشعوب للاستغلال من ناحية أخرى. 

مشكلة العصر حالياً أن الصراعات تتطوّر بين دولٍ مأزومة، وهذا يفضي إلى إمكانية وقوع الحروب بدرجة كبيرة. هدفت الثورات العربية إلى التغيير الكامل، حيث كانت الاختلالات متعدّدة الأبعاد، ولم تكن القضية فقط الانتقال إلى الديموقراطية؛ المشكلة أن هذه الثورات لم تنتصر وتتطور بما يؤدي إلى توزيع الثروات بشكل عادل. تشعر الدول الصاعدة بالغبن، ومثالها هنا تركيا، فهي "تقاتل" حالياً من أجل تغيير الاتفاقيات، وكذلك تشعر الشعوب، ومثالنا هنا العرب والأكراد بصفة خاصة. هناك موضوع آخر، فقد اتهمت الحركات القومية العربية بأنها تستهدف إسقاط الدول الخليجية في الستينيات، وها هي الدول الخليجية تُتهم بالتدخل في كل الدول العربية. كان الأمر في المرحلتين خاطئاً، إذ إن التقارب والوحدة يجب ألا يكونا بالطرق العسكرية أو التدخلية الفظّة، بل عبر الطرق السلمية والديموقراطية. 

ولكن ما القضية المركزية في ذلك كله؟ القضية هي الثروات الباطنية بالتحديد، أي التي لا تحتاج إلى جهدٍ بشريٍّ كبير، كما الزراعة أو الصناعة مثلاً. وبالتالي تدور الصراعات العالمية والإقليمية حول ذلك، ومن أجل ذلك يتم تغيير كل المعادلات الإقليمية، وتحاول تركيا، كما إيران كما إسرائيل ودول الخليج، السيطرة على بقية الدول العربية، كما يحدث في ليبيا واليمن وسورية والعراق ولبنان. هل ابتعدنا عن الموضوع؟ أبداً، فالقضية هي حقوق الدول والشعوب المهدورة، والشعور بالغبن، وضرورة رفعه، لتتمكّن الدول والشعوب من إدارة شؤونها، وحل أزماتها وتأمين احتياجاتها.

تواجَه تركيا الآن بحلفٍ كبير، وشرس، ويضمر عداواتٍ تتجاوز موضوع الطاقة والغاز والنفط. مثالنا هنا فرنسا أولاً والإمارات ثانياً، وهناك مصر التي تستهدف تركيا انطلاقاً من صراعاتٍ تخصّ الإسلاميين، وعكس ذلك فتركيا ترفض نظام ما قبل محمد مرسي، وهناك اليونان والمشكلات المستعصية معها، وهناك إسرائيل التي تستغل الأزمات وتراقب الفرص. ليس المناخ الذي تتحرّك فيه تركيا سهلاً، وهي لا تُواجِه دولةً بعينها، وبالتالي يجب البحث عن طريقةٍ لتغيير السياسات الإقليمية بغير سبل الحرب، أو دعم أطراف في النزاع، كما تفعل مع الوفاق الليبية، أو كما تفعل الإمارات مع اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، وكذلك مصر أو فرنسا مع اليونان وقبرص.

طرق التغيير

نحن أمام عدّة طرق للتغيير في المنطقة؛ وتناقش السطور التالية اثنتين مترابطتين: التغيير عبر الحروب، ولنتأمل حال كل من أفغانستان والعراق! وقبلها تجرى جولات من التصعيد، وهناك التغيير عبر الطرق الدبلوماسية والتوافقات الرضائية. والمشكلة هنا أن الحقوق المكتسبة لليونان، مثلاً، لا يمكن التخلي عنها بسلاسة، وهو حال كل الدول الرأسمالية وأنظمة القهر التي تستغل ثروات بلادها وشعوبها. على الرغم من ذلك نقول: هل من طريق آخر تتغير فيه السياسات من الدفاع عن المصالح والنفوذ العالمي إلى الدفاع عن حقوق الإنسان والتفكير بالعدالة وإنصاف المفقرين والمستغَلين. وهنا نفتح قوساً لنقول: لن يتغير العالم ما بعد فيروس كورونا إلى وجهة أخرى عما كان قبله، والتغيير مرتبط بثورات اجتماعية واعية أهدافها، وهذا غير مطروح عالمياً. ويظلّ السؤال: هل هذا ممكن من أصله، أم هي أحلام طوباوية؟ 

لا تنطلق تركيا من أهداف عامة للدول التي تتدخل فيها، كالديموقراطية والعدالة الاجتماعية وإنصاف الفئات المظلومة، بل تتدخل كما كل الدول التي تستفيد من تأزم الدول العربية والأفريقية

نتائج التغيير عبر الحروب كارثية، وربما يفرض معادلات جديدة، كما الحال مع تدمير كل من ليبيا وسورية واليمن والعراق، وإحداث تغيرات ديموغرافية هنا وهناك، وقتل آلاف البشر، واحتلالات مباشرة وتدمير للبنى التحتية وللتراث التاريخي "العمارة". تستفيد من الحروب الدول المستقرة، والمافيات الحاكمة، ولكنها تسبّب الكوارث وكُلفها.

هناك تخوّف شديد من أن تحدث الحرب، لا سيما أن هناك حلفاً شرساً، يستهدف تركيا، والأسوأ أنه يُشرّعن دولة استعمارية، أي إسرائيل، وأصبح لها حقوق اقتصادية بالبحر، وتُصدّر ثروة الفلسطينيين إلى الخارج، وكأنّها دولة طبيعية. إذاً، يقوم الحلف المضاد لتركيا على حقوق تاريخية، كما اليونان وقبرص، ويقوم على حقوق استعمارية كما إسرائيل، وعلى دول رفضت الثورات العربية ودعمت الأنظمة المضادة لسحق الشعوب، والمثال هنا الإمارات، وهناك فرنسا الساعية إلى لعب دور في شرق المتوسط. ليست تركيا بعيدة عن ذلك كله، فنظامها أيضاً تدخل في كل من العراق سورية وليبيا والآن لبنان، وهناك فئات واسعة ترفض ذلك، وهي تتدخل داعمة الإسلاميين بصفة خاصة تارة أو التركمان تارة أخرى، ونظامها الديموقراطي يتهمش أكثر فأكثر، وبالتالي، لا تنطلق تركيا من أهداف عامة للدول التي تتدخل فيها، كالديموقراطية والعدالة الاجتماعية وإنصاف الفئات المظلومة كما تريد الشعوب، بل تتدخل كما كل الدول التي تستفيد من تأزم الدول العربية والأفريقية، وبهدف ضمان مصالحها الاقتصادية ومد نفوذها الجيوسياسي.

نتائج التغيير عبر الحروب كارثية، وربما يفرض معادلات جديدة، كما الحال مع تدمير كل من ليبيا وسورية واليمن والعراق، وإحداث تغيرات ديموغرافية هنا وهناك

ويشكل الصراع حول الطاقة والثروات الباطنية خلفية المشهد الكارثي لمنطقتنا العربية، وهو ذاته الذي جاء بروسيا إلى سورية وشرق المتوسط، وهو ذاته الذي دفع ماكرون إلى انتهاج سياسة معادية وهجومية ضد تركيا، وتبنّي سياسة شرق أوسطية، وكممثل عن أوروبا؛ فهل تنجح الولايات المتحدة الأميركية أو روسيا في ضبط الصراعات الشرق أوسطية، وهي التي أشرفت على تدمير كل من العراق وأفغانستان وليبيا واليمن وسورية؟ أشك، ولكن أستبعد الحرب لاعتباراتٍ كثيرة بين الحلفين.

ما يغير معادلات الشرق الأوسط وشرق المتوسط تجدّد الثورات العربية وثورات شعوب المنطقة كذلك، وهو ما بُدئ فيه عام 2010، وتجدّد أكثر من مرة. الآن أيضاً، تتعلق الآمال بتغيير كبيرٍ في السياسات العالمية الاقتصادية والسياسية، ونحو العدالة الاجتماعية والديموقراطية وإنصاف الدول والشعوب المستغَلة؛ تركيا واليونان وقبرص ومصر وإسرائيل لا تفكر في ذلك، وأيضاً الدول لضامنة للاستقرار العالمي. فهل تتجدد الثورات وتصبح اجتماعية وتوحد شعوب شرق المتوسط؟ الأحلام تتعلق بها، وبها يتم التغيير الحقيقي.

=========================

عندما غيّرت أنيسة قدَر أخيها محمد

عمر قدور

المدن

الثلاثاء 15/9/2020

توفي محمد مخلوف، خال بشار الأسد، قبل ثلاثة أيام عن عمر ناهز الثمانية والثمانين. ليس مهماً ما إذا كانت الوفاة بسبب الإصابة بكورونا كما أشيع، سنّ الرجل يحتمل أسباباً عديدة للوفاة الطبيعية، والخبر الأهم ربما وفاته في سوريا، إما لعودته إليها بداعي الاحتضار أو لقدومه إليها بعدما نصت الأقاويل على وجوده في الخارج كواحد من علائم ونتائج الشقاق بين عائلتي الأسد ومخلوف. شيخوخة الرجل لم تفسح المجال لافتراضات حول تصفيته، وهكذا نعِمَ بنهاية وادعة أحدُ الرموز الكبار لعصر الأسدية الذهبي. 

فور ذيوع خبر رحيله، انتشرت على وسائل التواصل نعوة مفبركة تصفه على سبيل السخرية بباني اقتصاد سوريا الحديثة، وانطلت النعوة على كثر رغم الخطأ الفادح في التواريخ الهجرية والميلادية للوفاة، ورغم نقص المعلومات التي تُذكر عادة من أسماء عائلة الميت. النعوة الحقيقية لن تنتشر كنظيرتها المفبركة، مع أنها تكشف معلومات غير دارجة، منها "والدة الفقيد: سعدة سليمان علي الأسد"، أي أن المصاهرة بين آل مخلوف والأسد لم تبدأ بزواج حافظ الأسد من أنيسة مخلوف، من دون أن نغفل الفارق بين الحالتين فزواج الرجل "الأعلى مكانة اجتماعياً" من عائلة "أدنى مكانة" لا يلقى الممانعة التي تثيرها الحالة المعكوسة. 

في نعي محمد مخلوف نقرأ أيضاً: زوجتا الفقيد: السيدة غادة مهنا- السيدة هلا ماغوط. ويرد بين أسماء أبنائه اسم أحمد، بدون أي لقب "علمي أو وظيفي" على غرار إخوته، ما يشير إلى حداثة سنه وكونه من الزواج الثاني. الابن الأكبر والأشهر رامي نشر على صفحته باقتضاب خبر الوفاة، ولم ينشر صورة عن النعي الذي يحمل تلك التفاصيل التي ربما لا تروق له، ومن الشائع في مثل هذه الحالات امتزاج الاعتراض على الزواج الثاني للأب بما سيقتطعه الزواج الجديد من الإرث العائلي.

بالعودة إلى النعي المفبرك الساخر حول كونه "باني اقتصاد سوريا الحديثة"، عُرف محمد مخلوف على نطاق واسع بأنه رجل الفساد الأول، خاصة بعد أفول شمس رفعت الأسد في الثمانينات. وخارج دائرة منطقة الساحل، حيث تسمح صلات القربى بتداول المعلومات شفاهياً، بالكاد نعرف شيئاً عن شخصه وعن طباعه. هو، بسيرة مختزلة صارت شائعة، موظف صغير في المطار ابتسم الحظ له بانقلاب زوج شقيقته واستلامه الرئاسة، ليعيّنه مديراً لمؤسسة التبغ ثم للمصارف العقارية، وليصبح خازن أموال حافظ الأسد، مورّثاً المهمة لابنه رامي. 

بحسب معلومات أقل شيوعاً، غيّرت أنيسة قدَر أخيها محمد، إنما في وقت أبكر من انقلاب زوجها. القصة بدأت مع تسلم حافظ الأسد منصب وزير الدفاع، وحينها كان محمد مخلوف يعيش في بيروت متزوجاً من امرأة مغاربية، يُقال أن له بنتاً منها، ويبدو أن عمل الزوجة لم يكن مما يرضي عائلة محافظة أو شبه محافظة في ذاك الزمن، أي أنه كان أقرب إلى الابن الضال الذي يسير وراء رغباته ونزواته. بعد تسلمه وزارة الدفاع، سيكلف حافظ الأسد رئيسَ مكتب الشحن والاستطلاع في بيروت، وهو من عائلة مخلوف أيضاً، بجلب الابن الضال، لتُطوى نهائياً صفحة زواجه الأول، ويتزوج من العروس المهيأة سلفاً من قِبل صهره أو أخته مع توظيفه في المطار.

من المتوقع أن يكون الابن الضال قد خضع للترهيب والترغيب ليودّع حياته السابقة المحببة، وليضعه قدَر شقيقته على سكة مغايرة تماماً، السكة التي ستصرف طاقاته إلى الفساد. لا أحد يعلم لماذا وقع الاختيار على زوجته، لكن اسم عائلتها "مهنا" سيصادفنا في أكثر من مكان بسبب المصاهرات التي هي طرف فيها من دون أن تحظى بشهرة عائلات السلطة الأخرى كالأسد ومخلوف وشاليش. الاسم الوحيد المعروف من بين ذكور العائلة هو غسان مهنا، شقيق الزوجة غادة، وسيلمع اسمه لاحقاً في عالم النفط كمدير لشركة الفرات، وهي الشركة التي مثّلت سيطرة محمد مخلوف وباسل الأسد في حينه على قطاع النفط. إلا أن اسم العائلة سيرِد في سيرة العديد من المسؤولين، فمثلاً زوجة قائد الحرس الجمهوري السابق علي محمود حسن تنتمي إلى العائلة، وابنها يظهر حتى الآن كمرافق أول لبشار الأسد، ورئيس اتحاد الطلبة حامد حسن متزوج من العائلة والأهم أنه سيوفَد سفيراً إلى طهران بما للعلاقة معها من خصوصية.

إذاً، ستتعاظم ثروة محمد مخلوف مع تردي أحوال مؤسسة التبغ التي يرأسها، وهي مؤسسة تحتكر شراء التبغ الخام "بالأسعار التي تقررها" وتحتكر تصنيعه وبيعه، وفي عهده صارت تحتكر استيراد وبيع الأصناف الأجنبية منه. كانت مؤسسة التبغ تُعدّ الأكثر ربحاً قبل أن تتقدم عليه الاتصالات في زمن الخليوي، باستثناء النفط "المجهول" الذي بقي لعقود خارج الميزانية الرسمية. كونها منجم للأموال يوضّح سبب إسناد إدارتها إلى محمد مخلوف، ولاحقاً إلى فيصل سماق الذي تكتمل دلالة اسمه عندما يصبح مقروناً بزواجه من أحد أفرع عائلة مخلوف. من مؤسسة التبغ إلى إدارة المصارف العقارية، أهم ما سيفعله محمد مخلوف في الأخيرة أنه سيوقف لسنوات القروض السكنية التي يحصل عليها أصحاب الدخل المحدود، ثم لتنتشر الأقاويل عن مغادرته المنصب وفي حوزته ثلاثة مليارات لا أحد يتجرأ على مطالبته بها.

كما هو معلوم، سيسيطر الابن الأكبر رامي مخلوف، نيابة عن تحالف الأسد/مخلوف، على قطاع الاتصالات الخليوية الأكثر ربحية منذ تأسيسه حتى أشهر قليلة خلت. أما قدَر الأب "المرتبط بشقيقته" فيمكن القول أنه شهد دفعة جديدة مع منتصف الثمانينات، فمع إعفائه من إدارة مؤسسة التبغ عام 1985 كان رفعت الأسد يُجبر على مغادرة البلاد، ليُفسح مجالٌ أوسع لمحمد مخلوف على أكثر من صعيد، بما في ذلك الاستفراد بقطاع النفط بالشراكة مع باسل الأسد. مشروع توريث الأخير أتى على طبق من ذهب لآل مخلوف، مثلما من المتوقع أن إقصاء رفعت لأجله يوافق هوى أمه أنيسة، وينبغي ألا ننسى في السياق صعود الحرس الجمهوري الذي سينتزع مكانة سرايا الدفاع التابعة لرفعت، الحرس كان حينها برئاسة عدنان مخلوف الذي لن يغيب اسم ابنه خلدون كواحد من أعلام امبراطورية مخلوف الاقتصادية الكبرى.         

كنا في مقال سابق في المدن، بعنوان "قتل الأب محمد مخلوف"، قد توقفنا عند الدور الذي سيلعبه إثر وفاة باسل ومرض حافظ الأسد الذي منعه من الإشراف على تأهيل بشار الذي لم يكن معدّاً لتسلم السلطة. ذلك الدور يستكمل القدَر الذي وضعه في مكان مغاير لما استهل به حياته كابن ضال، كواحد من الشبان السوريين الذين استهوتهم بيروت في الستينات. القدر الذي رسمته له شقيقته أنيسة سيغلب على ما عداه، إذ بالمقارنة مع مكانته في السلطة ومشاركته في فسادها لم يعد مهماً ما يذكره مقرَّبون من السلطة نفسها عن ولعه الذي لم ينقطع بالنساء أو بالمقامرة. ربما كان زواجه الأخير بمثابة اعتزال لما سبق من نزواته، أملاه التقدّم في السن، وربما يكون إطلاق اسم أبيه على ابنه الأصغر بمثابة عودة أخيرة عن ذلك الابن الذي نقلته السلطة من ضلاله البسيط إلى الضلال الأوسع

=========================

المعارضة السورية تفضل ترامب على بايدن.. ماذا عن النظام؟

عربي21

 يمان نعمة 

الاثنين 14/9/2020

أكدت مصادر مقربة من النظام أن دمشق تترقب باهتمام واضح نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية- جيتي

كثيرة هي الأسباب التي تدفع بغالبية أوساط المعارضة السورية إلى تفضيل خسارة المرشح الديمقراطي جو بايدن أمام منافسه الرئيس الحالي دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجري مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

المؤيدون لترامب يشيرون إلى مواقفه الواضحة من النظام السوري، خصوصا إقراره قانون عقوبات "قيصر" لحماية المدنيين في سوريا، بعد أن رفض الرئيس الأمريكي السابق الديمقراطي، باراك أوباما، تمرير مشروع القانون في فترة ولايته، وهي العقوبات التي تعول المعارضة عليها كثيرا، لدفع الأسد نحو تقديم تنازلات، من بينها احتمالية رحيله عن السلطة.

وقبل "قيصر"، وجهت إدارة ترامب في العام 2018، ضربات عسكرية -وإن كانت محدودة- ضد أهداف عسكرية للنظام، كعقاب للأخير على استخدامه السلاح الكيميائي في هجمات الغوطة الشرقية.ومع احتدام السباق نحو البيت الأبيض، ومع تواتر الأنباء من أمريكا التي تؤشر إلى حظوظ أكبر لبايدن، تبدو المعارضة السورية قلقلة للغاية، وهو ما عبّر عنه المحلل السياسي المعارض للنظام السوري سامر خليوي.

ترامب الأفضل

ويقول خليوي لـ"عربي21" إن ترامب له مواقف متشددة مع حليف النظام السوري الأقوى، إيران، وظهرت بشكل واضح بمقتل قائد "فيلق القدس"، قاسم سليماني، المسؤول الأول عن قتل المئات أو الآلاف من السوريين، بضربات صاروخية أمريكية في بغداد، بداية العام الجاري 2020.

وتابع: "كما ساهم ترامب مؤخرا بدعم الموقف التركي في شمال غرب سوريا بشكل صريح، وأسهم بذلك في منع روسيا والنظام السوري من اجتياح إدلب، وهذا يدفعنا إلى القول بأنه أفضل من بايدن، الذي ستكون فترة رئاسته في حال الفوز، امتدادا لفترة حكم أوباما، الذي راوغ في الملف السوري، ولم يقم بتحركات جدية لحماية الشعب السوري". 

 واستذكر خليوي، في سياق دفاعه عن أفضلية ترامب، وصف الأخير لرئيس النظام السوري بشار الأسد بـ"الحيوان"، مستدركا بقوله: "صحيح أن غالبية مواقف ترامب من الأسد استعراضية، غير أن مواقفه مختلفة تماما عن مواقف أوباما الديمقراطي، وتحديدا في موضوع استخدام الأسلحة الكيمائية".

وثمة سبب آخر يدفع بالمحلل المعارض إلى تفضيل ترامب، يشرحه بقوله: "في حال حصل ترامب على ولاية ثانية، فإن احتمالية تحركه عسكريا ضد الأسد تكون أقوى؛ لأن الحسابات المتعلقة بالحصول على ولاية رئاسية ثانية -كما هو حال بايدن- غير موجودة".

ومتفقا مع خليوي، أشار الباحث في الشأن السوري، أحمد السعيد، إلى موقف بايدن العدائي المسبق لتركيا، وقال لـ"عربي21": "صحيح أن وعيد بايدن للرئيس التركي رجب طيب أردوغان يأتي في إطار الدعاية الانتخابية، لكنه يعكس موقفا أوليا من تركيا".

وأضاف أن "أي إضعاف للدور التركي سيشكل خسارة فادحة للمعارضة، خصوصا أن حلفاء الأخيرة باتوا قلة، وتركيا تعد أقواهم".

بايدن الخيار الأسوأ

وحسب السعيد، فإن ما يجعل بايدن الخيار الأسوأ للمعارضة السورية هو الخشية من تكرار السياسة القديمة لأوباما في الملف السوري، موضحا: "في عهد أوباما، سلمت الإدارة الأمريكية الملف السوري لروسيا، حيث سمحت واشنطن لموسكو، في خريف العام 2015، بالتدخل العسكري المباشر لإنقاذ الأسد، ومنع سقوطه، وكذلك غضت الطرف عن التمدد الإيراني في سوريا، وغيرها من دول المنطقة".

وهو ما أكد عليه سامر خليوي، معتبرا أنه "في الغالب لن يكون بايدن متشددا مع الأسد، خصوصا بعد تعيين بايدن للمسؤول الأمريكي ستيفن سايمون مستشارا له لشؤون الشرق الأوسط، والأخير له علاقة جيدة مع الأسد، وزار دمشق في العام 2015 سرا".

عضو الائتلاف السوري محمد عيسى، استبعد في حديثه لـ"عربي21" أن يقوم الائتلاف المعارض بإصدار موقف من المرشحين للرئاسة الأمريكية؛ لأن ذلك ليس شأنا سوريا.

وقال عيسى: "موقفي الشخصي أميل لترامب، فالأخير له مواقف واضحة من إيران حليفة النظام، وكذلك من النظام السوري، فيما لم يعلن بايدن أي موقف واضح تجاه النظام السوري أو إيران".

بايدن أكثر وضوحا

ومختلفا مع القراءات السابقة، أكد الباحث في جامعة "جورج واشنطن"، رضوان زيادة، أن إدارة ترامب لم تعتبر القضية السورية يوما من أولوياتها، وإنما تعاملت معها من زاوية تحديد أو تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة.

وتابع زيادة في حديثه لـ"عربي21": "بينما قد يضع بايدن في حال فوزه القضية السورية على قائمة أولويات الملفات الخارجية لإدارته"، مضيفا أن "لترامب رؤية انعزالية عن العالم، ولذلك هو أعلن عن عزمه سحب قوات بلاده من سوريا، دون بحث تأثيرات ذلك القرار".

ورجح أن يكون بايدن أكثر وضوحا تجاه الملف السوري، وبالتالي قد يعيد ذلك الحياة للمسار السياسي، لإيجاد حل دائم للملف السوري.

ماذا عن النظام؟

وسائل إعلام النظام السوري تحاول تصوير الانتخابات الرئاسية الأمريكية على أنها شأن داخلي أمريكي، لكن من الواضح أن النظام السوري يعتبر بايدن أقل تشددا من الرئيس الحالي ترامب.

وفي هذا الإطار، أكدت مصادر مقربة من النظام أن دمشق تترقب باهتمام واضح نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، مشيرة إلى أن "هناك اعتقادا سائدا في دمشق بأن بايدن سيكون أفضل وألين في تعامله مع النظام السوري من ترامب، الذي انتهج سياسة عدائية ضد دمشق".

وفي وقت سابق، قالت وسائل إعلام أمريكية، إن فوز بايدن بالرئاسة الأمريكية سيدفعه إلى محاولة إصلاح نهج الولايات المتحدة تجاه سوريا، النهج "الفاشل" منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

=========================

الخروج على كذبة المقاومة

يحيى العريضي

سوريا تي في 

الاثنين 14/9/2020

هناك مثل بالإنكليزيّة يقولYou cannot eat the pie and keep it  لا يمكنك أن تأكل الفطيرة وتحتفظ بها. مناسبة المثل، ما قاله مَن هو أصغر من أن يحدد موقف منظومة الاستبداد في دمشق، لو لم يكن قد التقط توجهاً ما في دهاليز المنظومة وجحورها يفيد بالانتقال من امتطاء كذبة المقاومة إلى سرير التطبيع. قال: "إذا كان هناك توافق أميركي-روسي؛ تنتهي فكرة المقاومة؛ وينتفي مبرر وجودها؛ ما يفتح الطريق لسوريا للخروج منها؛ وهذا مشروط بقيام دولة فلسطينية، تكون مرتبطة بإسرائيل؛ وهذا يعني أيضا عودة الجولان حسب الاتفاقات الدولية"؛ هذا الكلام أتى على لسان د. /مهدي دخل الله/ أحد منظري وقياديي حزب البعث العربي الاشتراكي على شاشة التلفزيون السوري في دمشق.

هذا الكلام في "دمشق الأسد" التي قدمها لنا نظام الاستبداد وشريكته إيران ك"عصب لمحور المقاومة" الممتدة من إيران إلى لبنان مروراً بسوريا. إنها "المقاومة" التي "هزمت المؤامرة الكونية" فتسببت بتدمير نصف سوريا وتشريد نصف سكانها؛ والتي باسمها كل مَن قال "لا" للاستبداد، لا للسرقة، لا للتجهيل، لا لعبادة الفرد؛ عدو لها، وخائن وإرهابي وعميل صهيوني وأميركي وتركي.

كل شيء تم باسم هذه "المقاومة"، كل شيء كان مؤجلاً لننتهي من "مقاومة إسرائيل محتلة الأرض مغتصِبة الحقوق"؛ كل شيء كان مؤجلاً: الخبز، والتعليم، والصحة، والحرية، والوحدة، والاشتراكية، والبناء، والاحترام، والإنسانية.... باسمها اعتُبِر السوريون الذين طالبوا بجرعة حرية غير وطنيين وإرهابيين وخونة؛ باسمها لم يعد يشعر السوري بإنسانيته؛ باسمها كان العداء مع دول عربية مدت يدها إلى إسرائيل؛ باسمها تم بيع البلد اقتصادياً وأيديولوجيا لإيران؛ باسمها أدخل نصرالله المقاوم الأول، والخامينائي "إله" المقاومة ميليشياتهم إلى سوريا لقتل السوريين وتدمير بلدهم.

هل كان إذن كل ذلك الخطاب في المقاومة والممانعة مزايدة وكذبًا، ليأتي الآن مَن يتحدث عن الخروج منها؟ هل كانت المقاومة والممانعة فقط بوجه شعب سوريا الصادق العظيم؟ متى كانت سوريا بانتظار قيام دولة فلسطينية حتى تطبّع مع إسرائيل، وخاصة أن سوريا لم تقبل تاريخياً بأوسلو؛ فما بالك- كما يتفضل مهدي دخل الله- ب "دولة فلسطينية مرتبطة بإسرائيل". وهل عودة الجولان مشروطة بخروج سوريا من حلف المقاومة؟ والأهم، متى توقفت طائرات إسرائيل عن اللعب في أجواء المقاومة لتخشى استمرارها أو بقاء أو خروج النظام منها؟!  كيف يكون الطريق سالكًا للخروج من المقاومة، وإيران "سيدة المقاومة" هي الشريان الذي يعيش عليه هذا النظام؟ وهل تستطيع إيران القطع مع هذه الكذبة الكبيرة في المقاومة، والتي اعتادت عليها لتتمدد في محيطها وتعبث به وتستبد بشعبها تحت يافطة مقاومة الكيان الصهيوني؟!

إذا كانت الغيرة من الإمارات أو البحرين، فليس لهما حدودٌ مع الكيان الصهيوني المحتل، ولا هو يحتل أرضهما؛ ولا كانوا يتبجحون بتحرير القدس والمقاومة. إذا كانت الغيرة من مصر والأردن، ألم. يكن بالإمكان فعل ذلك منذ كامب ديفد، أو منذ مفاوضات السلام مع الإسرائيلي في التسعينيات؟!

كيف ستعيد إسرائيل الجولان، وقد تمت مقايضته من قبل الأسد الأب مقابل استلامه السلطة وبقائه فيها بمهمة مقاومة وقتل المقاومة الحقيقية للكيان الصهيوني؟ هل كان "بل كلنتون" مغفلًا في جنيف، عندما لم يفهم أن حافظ الأسد لا يستطيع أن يأخذ الجولان في الحقيقة؛ لأنه تنازل عنه مسبقاً؛ حيث كان هو وإيهود باراك بداية عام 2000 يعرفان السر الغائب عن "كلنتون"، وبعد أن وصلت المفاوضات إلى حديث عن بضعة أمتار؟!

الكل يعلم أنه بالنسبة لأميركا وإسرائيل، عندما استنفد السادات الغرض الذي وجد من أجله، تم التخلص منه؛ وعندما هبت رياح التغيير في مصر العروبة كانت إزاحة مبارك، لأنه لم يعد مناسباً. وعندما هبت رياح التغيير في سوريا، كان الهدف الإسرائيلي مختلفاً. لقد توافق ما تريده إسرائيل مع شعار النظام "أحكمها أو أدمرها". لقد كانت إسرائيل حريصة على هذا النظام الذي خدم حدودها الشمالية عبر الجولان والجنوب اللبناني لعقود؛ فلا تقبل أن ينتهي إلا بعد أن ينفذ شعاره، ويحيل سوريا إلى حالة كسيحة لا تقوم لها قائمة لفترة زمنية تساوي الفترة التي حمى لها حدودها. ها هو نظام الأسد ينجز المهمة؛ ولكنه يعود إلى مَن خدمهم لينال المكافأة؛ ولكن هيهات - كما يقول نصر الله. لم يكن هو الخطر على الكيان، بل على  هذا الشعب السوري العظيم الذي جرحه جرحاً بالغاً. صحيح أن إسرائيل على درجة عالية من الخطورة والإجرام، ولكنها ليست على هذه الدرجة من السذاجة أو الغباء لتقبل تطبيعاً مع نظام يحمل على أكتافه كل هذه الجرائم، وكل هذا الإفلاس والخيبة. من جانب آخر، أين سيذهب هذا النظام من وجه إيران، التي إذا فَرَطَ عقد ما تعيش عليه في (المقاومة والممانعة) تنتهي سلطة ملاليها؟

هل ما نشهده إذن لعبة روسية في موسم التطبيع وصفقة القرن لتوقي العقوبات من جانب، ولتنفيذ المشيئة الأمرو-إسرائيلية بقصقصة أجنحة إيران من جانب آخر؟ وهل إيران ذاتها داخلة في اللعبة؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف ستبيع إيران كذبة العمر في المقاومة والممانعة التي عاشت عليها؟ وهل ستصطدم الأماني الروسية، بجلب شفاعة إسرائيلية لإنقاذ هذه المنظومة، مع المشروع الإيراني المناقض- على الأقل ظاهرياً- مع المشروع الإسرائيلي؟ لا بد ها هنا من التذكير بأن الطغيان الإيراني على سوريا قد سلب حكامها من كل مقدراتهم على الفعل؛ وفي حال خطر ببال رئيس منظومة الاستبداد أن يتذاكى ويتمرد على الأكسجين الإيراني، فإنه يعرف المصير الذي ينتظره؛ ولعل مصير "علي عبد الله صالح" عبرة لمن يعتبر.

ليعلم الأستاذ دخل الله أن الارتماء بحضن إسرائيل مصيبة، حتى ولو كان سرياً؛ فما بالك عندما يصبح علنياً، وخاصة عندما يكون مبنياً على الغدر برفيق الدرب إيران، التي تعيش على كذبة المقاومة. أخيراً، حتى المجرم (وأتحدث عن إسرائيل) ربما لا يقبلها على نفسه أن يكون ساذجاً أو غبياً لدرجة قبول الساقطين إلى جانبه علناً.

أخيراً، حتى من يتغذى على التطرف بإيران، ونظراؤهم من اليمين المتطرف في تل أبيب -الطرف الآخر من الأرجوحة- لا بد يعرفون من أنه لا يمكن أكل الفطيرة والاحتفاظ بها. لتسمح لنا تلك الأبواق المتذاكية بأنه يصعُب ركب المقاومة، لركب البلد؛ ثم ركب التطبيع للاستمرار. ارحلوا مع مقاومتكم؛ انتهت اللعبة؛ Game is over.

=========================

ما الرسائل الروسية إلى نظام الأسد؟

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 14/9/2020

لا تخفي روسيا طموحها في بسط نفوذها على كل الأراضي السورية، تحت يافطة مساعدة نظام الأسد، لذلك تركز جهودها في المرحلة الراهنة على مناطق الشمال السوري، بشقيها الغربي، الذي تسيطر عليه فصائل متشدة وأخرى من المعارضة السورية المدعومة تركياً إلى جانب وجود قوات تركية، والشرقي الذي تسيطر عليه "قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة أميركياً وتوجد فيها قوات أميركية.

 وإذا كانت روسيا تعتبر أن وجود كل القوات الأجنبية على الأرض السورية غير شرعي، مستثنية وجود قواتها العسكرية الذي تعتبره شرعياً، فإنها باتت، في المرحلة الراهنة، تقرّ بعدم قدرتها على إعادة "كل شبر من الأراضي السورية إلى سيطرة الحكومة الشرعية"، مثلما كانت تردد منذ بداية تدخلها العسكري المباشر إلى جانب نظام الأسد، وقادها ذلك إلى الإقرار بواقع وجود القوات التركية والأميركية في مناطق الشمال السوري، والانطلاق من التسليم بعدم صلاحية الحل العسكري في تلك المناطق التي ما زالت خارجة عن سيطرة نظام الأسد، لذلك راحت تبحث عن كيفية التغلغل في تلك المناطق، سواء عبر التفاهمات مع تركيا وفق مسار أستانة الذي استفادت منه كثيراً في بسط نفوذها في مناطق الشمال الغربي السوري، أو عبر بناء تفاهمات مع حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية، وأخيراً رعت الاتفاق بين حزب الإرادة الشعبية السوري التابع لها ومجلس سوريا الديمقراطي.

 وتشي زيارة الوفد الروسي الأخيرة إلى دمشق أن روسيا أرادت من خلالها توجيه رسائل عديدة إلى نظام الأسد، غايتها استثمار ما صرفته عسكرياً، خلال السنوات الخمس الماضية، في مشاريع واستثمارات اقتصادية وترتيبات سياسية، لذلك أبلغت نظام الأسد، وعلى لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، رسالة تفيد بضرورة الإبقاء على الوضع الراهن في الشمال السوري، والإقرار بالاتفاق الذي أبرم بين الحزب الموالي لها ومجلس سوريا الديمقراطية، وبحث ممكنات إيجاد صيغة لدمج القوى الكردية في مسارات اللجنة الدستورية وإشراكها في التسويات المقبلة للوضع السوري.

ولعل موضوعات سياسية عديدة تناولها الوفد الروسي خلال زيارته إلى دمشق، طاولت اللجنة الدستورية، وتفاهمات الروس مع مختلف الأطراف، والوضع في الشمال السوري وترتيباته ومستجداته، في وقت سربت فيه بعض المصادر الروسية ما قيل إنها مقترحات تركية تخص الوضع في إدلب، لذلك أشاد لافروف بالاتفاقات الروسية التركية فيها. كما طاولت الأوضاع في الجزيرة السورية، وخاصة السعي الأميركي إلى بناء تفاهمات بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وقوات سوريا الديمقراطية وبين أحزاب المجلس الوطني الكردي، إلى جانب موضوع سيطرة القوات الأميركية على حقول النفط فيها.

يبدو أن ساسة الكرملين يريدون هندسة تسوية للوضع السوري على مقاسهم، يضمنون فيها نفوذ بلادهم ومصالحهم قبل كل شيء، مع مراعاة التفاهمات مع نظرائهم الأتراك في مناطق إدلب.

وإن كانت موسكو قد ضمنت لها نفوذاً متزايداً في مناطق الشمال الغربي من سوريا، عبر التفاهمات مع تركيا، حيث باتت تسيّر درويات مشتركة معها على الطريق إم 4، فإنها ضمنت أيضاً نفوذها في مناطق شرقي نهر الفرات، عبر وجود قواتها في بعض المناطق ومزاحمتها للقوات الأميركية، إلى جانب سعيها إلى منافسة الإدارة الأميركية على الورقة الكردية، من خلال فتح أبواب الحوار مع قواها المسيطرة على الأرض، وبذلها جهوداً سياسية مع أجل إيجاد مخرج لإشراك القوى الكردية في اللجنة الدستورية، لكنها تصطدم بمعارضة تركيا، لذلك تحاول إيجاد صيغة لا تثير معارضة تركيا لها، بينما لا يبدو أن منافسة الروس للأميركيين على الورقة الكردية السورية، هدفها إشراك ممثلين عن القوى الكردية في اجتماعات اللجنة الدستورية، ومحاولة الالتفاف على الرفض التركي، ولا محاولة إبعادهم عن الأميركيين فقط، بل تحقيق اتفاقيات اقتصادية معها، خاصة أن المنطقة التي تسيطر عليها غنية بحقول النفط والغاز، بغية الالتفاف والتملص من عقوبات قانون قيصر.

غير أن تركيا تتخوف من أن محاولات روسيا في إشراك القوى الكردية المسيطرة على مناطق في شرقي الفرات، مثل محاولات الجانب الأميركي، تصب في خانة إيجاد شرعنة سياسية للقوى الكردية الانفصالية والمعادية لها، ويشكل ذلك تهديداً مباشراً لأمنها، كونها تعتبر أن كلاً من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وقوات سورية الديمقراطية، مرتبطة بحزب العمال الكردستاني التركي، وجميعها منظمات إرهابية حسب تصنيفها.

ويبدو أن ساسة الكرملين يريدون هندسة تسوية للوضع السوري على مقاسهم، يضمنون فيها نفوذ بلادهم ومصالحهم قبل كل شيء، مع مراعاة التفاهمات مع نظرائهم الأتراك في مناطق إدلب وسواها من المناطق التي توجد فيها قوات تركيا، لذلك راحوا يسلكون طريقاً قديماً للتسوية ينهض على إحياء اتفاق أضنة، المبرم في 1998 مع تركيا، في محاولة منهم لتطبيع علاقات نظام الأسد مع تركيا على أساسه، لكن الساسة الأتراك ما زالوا يرفضون فتح أي حوار سياسي معه.

ولعل الأهم بالنسبة إلى الروس هو عدم عرقلة النظام خطواتهم الرامية إلى هندسة الوضع السوري، بما فيها تفاهماتهم مع الأتراك، ومع الأطراف السورية في الشمال السوري وغيره من المناطق، إلى جانب صراعهم مع الأميركيين لاستمالة القوى الكردية نحو أجندتهم السورية، التي يضعونها تحت يافطة "السيادة ووحدة الأراضي السورية"، لكن كل ذلك يدخل في الإطار المرحلي والاستباقي في انتظار ما سيفسر عنه السباق الانتخابي الرئاسي الأميركي.

 ويحاول ساسة موسكو الظهور أمام المجتمع الدولي على أنهم باتوا اللاعب الأساسي في الملف السوري، والوسيط والضامن الوحيد لالتزام مختلف الأطراف بالتوافقات والاتفاقات التي عقدوها مع جميع الأطراف المتدخلة في الشأن السوري، لذلك ربطوا المساعدات والمشاريع الاقتصادية التي سيقدمونها لنظام الأسد بحصول تغيير سياسي في مواقف النظام السوري، لكن ليس - كما يدعون - باتجاه تطبيق القرار الأممي 2254 المتعلق بالوصول إلى حل سياسي متوافق عليه، بل في إطار تقاسم مناطق النفوذ في سوريا، الذي حققته القوى الخائضة في الصراع عليها، مع إضافة بُعد متوسطي للصراع على خلفية الصراع الدولي والإقليمي على مصادر الطاقة في منطقة شرقي البحر المتوسط، الذي يريد الروس دخوله من البوابة السورية.

=========================

سوريا في بروتوكولات حكماء الكرملين

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 13/9/2020

مرّ زمن، قد يراه الكرملين اليوم بمثابة وقت روسي مستقطع، أو حتى ضائع مبدد؛ لم تستخدم فيه موسكو حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، ضدّ مشاريع أمريكية أقرب إلى المنعطفات الكبرى في العلاقة بين وريثَيْ نظام الحرب الباردة: بصدد أفغانستان، ثمّ العراق، وليبيا ثالثاً. وإذْ أدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لاحقاً، حجم الخسارات في هذه الملفات من زوايا اقتصادية واستثمارية ألغت، عملياً، اقتطاع حصة روسية من الكعكات الثلاث؛ فقد توجّب قلب السياسات الروسية، رأساً على عقب أحياناً، ابتداءً من أوكرانيا، وانتقالاً بعدئذ إلى سوريا.

كانت التفصيلات التي اكتنفت خطوة الكرملين، في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات، كثيرة ومتعددة العناوين ومتشابكة الأغراض؛ تتجاوز حال النظام السوري، الذي كان آيلاً إلى السقوط باعتراف وزير الخارجية سيرغي لافروف ذاته، إلى أحوال إيران المنخرطة لتوّها في عمليات إنقاذ بشار الأسد عبر ضباط “الحرس الثوري” ومقاتلي “حزب الله” والفصائل الشيعية المختلفة؛ وإلى حال دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي كانت تسرح وتمرح في سماء سوريا وتقصف متى وحيثما شاءت، ويعنيها ألا يعكّر صفو عملياتها تحويل مطار حميميم إلى قاعدة جوية روسية خالصة.

وهكذا، بدا العنصر الأوّل اللافت هو مسارعة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى زيارة موسكو، للاتفاق على تشكيل لجان أمنية روسية – إسرائيلية مشتركة تتكفل بتفادي أي “سوء فهم” محتمل في الأجواء السورية، بين القاذفات الإسرائيلية والرادارات الروسية. العنصر الثاني كان موقف الإدارة الأمريكية، غير الغاضب أبداً حتى على مستوى التسخين اللفظي والدبلوماسي، فاقتصر الردّ على اتصال هاتفي من وزير الخارجية جون كيري مع نظيره الروسي لافروف، واتصال ثانٍ من وزير الدفاع أشتون كارتر مع نظيره الروسي سيرغي شويغو.

ولم يأتِ التسخين الأوّل الفعلي إلا من سلاح الجوّ التركي الذي أسقط طائرة روسية من طراز سوخوي – 24، بعد أسابيع قليلة أعقبت التمركز الروسي في حميميم؛ وكانت تلك الواقعة، للمفارقة الصارخة، هي البوّابة التي سرعان ما حوّلت الخصومة بين موسكو وأنقرة إلى علاقة تعاون وتواطؤ وتقاسم بصدد الملفّ السوري إجمالاً، عبر تفاهمات سوشي وأستانة وسواهما. وفي قلب هذه الشبكة كانت التناقضات الظاهرية تخفي الكثير من التقاطعات الخافية، بين إيران وتركيا وروسيا، كلٌّ من خلال مصالحه في سوريا، من جهة؛ وبين إيران ودولة الاحتلال، واستمرار سلاح الجوّ الإسرائيلي في العربدة من دون رادع إيراني، من جهة ثانية؛ وبين واشنطن وموسكو من جهة ثالثة، حول ملفات متداخلة لا تبدأ من النفط ولا تنتهي عند أوضاع الكرد وترتيبات شرق الفرات.

وحين وقع ما كانت تتخوف منه موسكو وتل أبيب، أي سقوط طائرة روسية في سماء الساحل السوري أثناء غارة إسرائيلية بعد ثلاث سنوات من حُسْن سير التنسيق بين وزارة الدفاع الروسية وجيش الاحتلال؛ اتضح سريعاً أنّ الحادثة لن تؤثر على المسار المعتمد، الذي تمّ ضبطه وترسخ أكثر بدل أن يهتز أو يتراجع. وكان ذلك المؤشر إضافة حاسمة إلى حصيلة المقاربة الجيو – سياسية الروسية في سوريا، لجهة التراضي بين الأطراف الخارجية الفاعلة على الأرض كافة، بحيث بدا أنّ المتاعب الصغيرة التي تنشب بين حين وآخر لا تبدّل الجوهر ولا تمسّ معادلاته.

.. ما خلا، بالطبع، أنّ المشروع الروسي في سوريا لم يتكئ فقط على عرض العضلات، أو استئناف نسق جديد من الحرب الباردة مع واشنطن، أو تحويل سوريا إلى حقل تجارب حول الأسلحة الروسية المستحدثة؛ بل لعلّ حافزه الأكبر كان الوعد بقطاف اقتصادي واستثماري واسع النطاق، وفي ملفّ “إعادة الإعمار” على نحو خاصّ. هنا عقدة مستعصية مستحكمة لا يلوح أنّ الوفود الروسية الرفيعة إلى دمشق أفلحت، أو سوف تفلح، في تفكيكها؛ حتى بعد توقيع عشرات من الاتفاقيات والبروتوكولات مع كبار حكماء الكرملين.

=========================

النظام يرفض توقيع الاتفاقيات الاقتصادية مع روسيا: هل يفرض الأسد معركة إدلب؟

منهل باريش

القدس العربي

الاحد 13/9/2020

غاب وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو عن لائحة الوفد الرفيع الذي زار دمشق هذا الأسبوع، وهو المسؤول الأكثر زيارة لدمشق منذ تدخل روسيا إلى جانب النظام نهاية أيلول (سبتمبر)2015. وحضرت الاتفاقيات الاقتصادية التي تعزز الوجود الروسي في منابع الطاقة السورية في شرق سوريا وفي مياهها الإقليمية، حيث ستبدأ شركات الغاز الروسية بعمليات التنقيب واستخراج الغاز من أمام قاعدتها البحرية في طرطوس، والميناء البحري الذي سيطرت عليه، وشغلته شركة  “اس تي جي الهندسية” بعد أن حصلت على عقد تشغيله لمدة 49 عاما. وهي إحدى الشركات التابعة  للملياردير الروسي وصديق طفولة بوتين، غينادي نيكولافييتش تيموشينكو، مالك  شركة “ستروي ترانس غاز” التي استحوذت على عقود حماية منشآت الغاز والفوسفات في سوريا، وشرعت، بالفعل، بعمليات الإنتاج والنقل والتصدير.

وكان الملف السوري اخرج من يد قائد الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف وأوكل إلى وزارة الدفاع بشكل نهائي، حتى قبل التدخل الروسي في سوريا خريف عام 2015. حيث انقطع لافروف عن زيارة دمشق قبل أقل من عام على انطلاق الثورة السورية، بالتحديد، منذ شباط (فبراير) 2012. وهو ما يشير إلى أن رؤية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين المبكرة للوضع في سوريا، بُنيت على استراتيجية عسكرية لفرض الحل السياسي على الطريق الروسية.

وتشير تصريحات المسؤولين الروس، نائب رئيس الوزراء يوري بوريسوف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، إلى أن هدف الزيارة هو اقتصادي، وأشار بوريسوف إلى أن بلاده “سلمت دمشق في تموز (يوليو) الماضي مشروعا روسياً حول توسيع التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين” وأوضح أن الاتفاقية الجديدة بين روسيا وسوريا، تشمل “أكثر من أربعين مشروعاً جديداً في مجال إعادة إعمار قطاع الطاقة وعددا من محطات الطاقة الكهرومائية واستخراج النفط من البحر”. ولفت نائب رئيس الوزراء الروسي إلى أنه “وقع عقد عمل لشركة روسية للتنقيب واستخراج النفط والغاز قبالة الشواطئ السورية” وأعرب عن أمله في “توقيع اتفاقية تجارية مع الحكومة السورية خلال زيارته التالية  في كانون الأول (ديسمبر) المقبل”.

ما يوضح أن خلافا حصل بين الجانبين أجل التوقيع على 40 اتفاقية تجارية، وفي حال قدمت روسيا المقترح قبل شهرين، فهذا يعني أن اللجان الفنية المختصة السورية قد أنهت دراسة المقترحات الروسية ووافقت عليها، وأن الزيارة هي للتوقيع فقط. وهنا تبقى الحلقة المفقودة فيما حصل، وتحتاج إلى ترقب ردة الفعل الروسية، لتبيان حقيقة الخلاف الحاصل.

ويحسم تصريح لافروف، الجدل حول حصول خلاف في الرؤية السياسية للنظام وروسيا، فقد شدد على تمسكه بمسار أستانا ووصفه انه “تبلور عندما امتنعت الأمم المتحدة عن اتخاذ خطوات ملموسة بالملف السوري”. وثمن التعاون مع تركيا، حيث “تم التوصل لاتفاقات أهمها الفصل بين المعارضة المعتدلة والمتطرفين وتأمين طريق M4”. ونوه إلى “اتساع مساحة سيطرة الحكومة السورية على أراض جديدة بشكل ملحوظ، بعد توقيع الاتفاقية الروسية التركية”.

وحول مستقبل العملية السياسية، شدد لافروف على أن “موضوع الانتخابات الرئاسية هو قرار سيادي للجمهورية العربية السورية، وطالما لم يتم التوصل إلى دستور جديد أو تعديل للدستور الحالي، فإن سوريا ستستمر وفق الدستور القائم، مؤكداً استحالة وضع أي جدول زمني لعمل اللجنة الدستورية”. ويتطابق ذلك مع ما يسعى إليه النظام، الذي يدرك أن اللجنة الدستورية هي مجرد محاولة شراء للوقت وإغراق المعارضة بالتفاصيل.

ويرجح أن الخلاف بين النظام السوري وروسيا، يتعلق بمكان العملية العسكرية المقبلة، فمن الواضح أن روسيا تريد، أولا، تكثيف جهودها العسكرية في شرق سوريا والعمل على تأمين حقول النفط والغاز من هجمات تنظيم “الدولة الإسلامية” المتكررة والمتزايدة بشكل لافت خلال الشهرين الأخيرين، وتعزيز وجودها في شرق الفرات وخصوصا منابع النفط التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في منطقة النفوذ الأمريكية شرق نهر الفرات. حيث عكفت على توقيع اتفاقية إصلاح حقول النفط واستخراجه مع شركة “دلتا كريسنت للطاقة” الأمريكية. وهو ما يثير جنون روسيا التي خسرت بذلك أكبر حقول النفط والغاز السورية. حيث يعد حقل العمر أكبر حقول النفط في مناطق سيطرة “قسد” يليه حقل التنك، وحقل كونيكو، أكبر حقول الغاز السورية. وكذلك، ستقدم واشنطن مصفاتي تكرير نفطي، تكرران ربع إنتاج منطقة النفوذ الأمريكي وهو ما يكفي السوق المحلية حسب التقديرات الأمريكية. فيما احتفظت روسيا بالسيطرة على الحقول الصغيرة المتناثرة في منطقة حمص وريفي الرقة ودير الزور الجنوبيين، على يمين نهر الفرات، في منطقة الشامية.

وأعلنت روسيا، عبر مركز حميميم العسكري، عن عملية “الصحراء البيضاء” ضد الجماعات المرتبطة بأمريكا. وجاء الإعلان بمثابة رد على مقتل الجنرال الروسي، اللواء فياتشيسلاف جلادكيخ، القائد السابق للفرقة 36 والذي قتل بتفجير لغم، ومعه قائد قوات الدفاع الوطني في الميادين، محمد تيسير الظاهر، وأربعة آخرين، في محيط حقل التيم النفطي، وأعلن  تنظيم “الدولة الإسلامية”  مسؤوليته عن الهجوم.

ويذكر أن الطيران الحربي الروسي نشط خلال الشهرين الماضيين في البادية السورية ضد أهداف لتنظيم “الدولة” حيث ارتفعت وتيرة الهجمات في باديتي الميادين والبوكمال وتحولت عمليات الإغارة على نقاط الميليشيات الإيرانية هناك، إلى عمليات شبه يومية، إضافة إلى قطع طريق تدمر – دير الزور بشكل مستمر.

وتنذر الهجمات المتكررة إلى أن التنظيم بات شبه مسيطر على البادية السورية، الأمر الذي يهدد مصالح الحليف الثلاثي في محور النظام السوري، كل لمصلحته، فروسيا تريد تأمين منابع النفط والفوسفات والغاز، رغم صغرها، وإيران لا تفضل أن تخسر الطريق الذي فتحته بشق الأنفس بين طهران ودمشق، مرورا ببغداد.

ويأتي توسع نشاط التنظيم في مرحلة صعبة على تلك الأطراف، خصوصا الروس والإيرانيين، فهما يفضلان تكريس جهدهما العسكري في منطقة النفوذ الأمريكية والمشاغبة قرب قواعدها بهدف دفعها إلى مغادرة سوريا في نهاية المطاف.

إلا أن تركيز الجهود في شرق نهر الفرات، في منطقة الجزيرة يحتاج إلى تأمين البادية السورية، حيث تنشط “خلايا داعش” من بادية السويداء جنوبا إلى ريف دمشق وصولا إلى بادية الرقة وإلى بادية البوكمال والصحراء العراقية. حيث عاد التنظيم إلى الهجوم على مقرات الجيش والحشد في كامل صحراء الأنبار، إضافة إلى بسطه سيطرة ليلية في عدة مناطق في العراق وسوريا. ويُصَعب تواجد التنظيم على شكل خلايا متفرقة هنا وهناك، مهمة الأطراف التي تريد القضاء عليه. فتحرك الخلايا وتكتيك هجماتها، لا يساعد قوات حلف النظام على طلب المؤازرات البرية، فهي تحتاج عدة ساعات كي تصل إلى النقطة التي تم الهجوم عليها، ويكون مقاتلو التنظيم قد انهوا هجومهم وقتلوا من قتلوا، وأسروا من أسروا، وسيطروا على العتاد والذخائر ونقلوها إلى عمق البادية. وينطبق الأمر ذاته على الاستعانة بالطيران الروسي أو طيران النظام. فإنذار الاستغاثة يحتاج إلى وقت غير قصير حتى يصل إلى قاعدة حميميم الجوية، وتطير القاذفات الروسية وتصل إلى أهدافها في البادية. ولا يملك النظام وحلفاؤه إمكانية رصد محيط الحقول النفطية والمعسكرات بواسطة طائرات الدرون المسيرة عن بعد. فهي مكلفة للغاية ولكنها ذات فائدة في مناطق ضيقة ومحصورة كالجبهات القريبة، أما الجدوى الحقيقية من فاعليتها فتتراجع لنسبة لا تصل إلى 10 في المئة. ويضاف إلى أن طائرات الدرون هذه تحتاج إلى فريق تقني كبير يعمل عليها، وهذا غير ممكن لمراقبة سماء النقاط الإيرانية في دير الزر وحقول النفط والفوسفات التي تستثمرها روسيا في بادية حمص والرقة ودير الزور.

أما النظام السوري، فيسعى إلى حسم ملف إدلب عسكريا، من خلال توتير الأجواء وخرق نظام وقف إطلاق النار وملحق اتفاق سوتشي، المعروف “اتفاق أنقرة” الذي وقع بين الرئيسين الروسي، فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان في 5 آذار (مارس) الماضي. فهو يرى أن تركيا العدو الرئيسي له ويجب استعادة السيطرة على محافظة إدلب، وخلق واقع جديد، سياسيا وعسكريا، يجبر من خلاله تركيا على سحب قواتها من هناك. ويدرك النظام أن خسارة المعارضة لأجزاء جديدة من إدلب في عملية قضم مرتقبة، سينعكس إيجابا لصالحه في العملية السياسية، ويزيد في تشتت المعارضة وتفرقها، ودفعها إلى تقبل المزيد من الواقعية السياسية.

وتشاطر إيران النظام السوري برغبة “القضم العسكري” في إدلب بهدف استعادة السيطرة على بلدتي الفوعة وكفريا الشيعتين، التي ساهم بتهجير أهلها، من مدنيين وعسكريين من الميليشيات التي تقاتل تحت لوائها. وتنهي طهران بذلك تشتتها العسكري في شمال غرب سوريا. فالسيطرة على الفوعة وكفريا مجددا سيؤمن لها خزانا بشريا لدعم أنشطتها الاجتماعية والثقافية في ريف حلب الجنوبي، القريب من البلدتين، ويركز جهدها العسكري في شرق سوريا لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” وأمريكا.

 يبدو النظام السوري يربط منح مزيد من الاستثمارات لروسيا بموافقتها على القبول بعمليته العسكرية في إدلب. فالأسد لا يتعجل قتال التنظيم في البادية، بل يفضل إعادة ظهوره، بهدف رفعه شعار محاربة “داعش” مرة أخرى، وإشغال أمريكا والتحالف الدولي بقتاله مجددا. وفي هذا الوقت، يفضل الأسد شن عملية عسكرية في منطقة النفوذ التركي وبالتحديد في إدلب. بالمقابل، فان اشتراط الأسد ربما يخالف تصورات بوتين وأولوياته فيما يتعلق بالسيطرة على منابع النفط والغاز الكبرى. إضافة إلى أنه يعكر صفو علاقة الأخير مع اردوغان في حال البدء بهجوم جديد في إدلب. وبالتأكيد فإن التجربة الروسية في سوريا توضح أن هدفها استعادة “الحكومة السورية” السيطرة على كامل الأراضي السورية والحفاظ على وحدتها. لكنها تصطاد اللحظة السياسية المناسبة لبدء الهجوم. وهذا ما يرجح أن العملية العسكرية الروسية قد تتأخر لبدء الانتخابات الأمريكية. وبالتأكيد، ما من شيء يمنع انتظار الروس الذين اعتادوا الحروب مع بدء تساقط أوراق الشجر في فصل الخريف.

=========================

نكون أو لا نكون هذا هو الهاجس السوري الوجودي

عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 13/9/2020

سوريا إلى أين؟ هذا هو السؤال الوجودي الذي يطرحه كل سوري على نفسه وعلى محاوره، بغض النظر عن موقعه الجغرافي، أو موقفه السياسي. وبمعزلٍ عن تصنيفات العقلية النمطية التي تحشر السوريين في الخانات المذهبية والقومية، بل المناطقية وحتى في زواريب الحارات.

هل ستعود سوريا إلى سابق حدودها التي رسمتها إرادات ومصالح المنتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، لتؤكد قدرتها بمناسبة مئويتها الأولى على الاستمرار رغم كل ما تعرضت له من قتل وتهجير وتهشيم؟ أم أن واقع مناطق النفوذ والاحتلالات غير الرسمية سيستمر حتى تتشابك المصالح، وتتشكل قوى من المجتمع المحلي لها مصلحة في استمرار الواقع الراهن، بل وربما تدفع نحو التقسيم أو الالتحاق بدول الجوار، وذلك بعد أن تستعد العقول والقلوب لتقبّل ما كان يبدو عصياً على القبول؟

وفي موازاة هذه الأسئلة، يُطرح تساؤل مفصلي، تتمحور حوله الأسئلة الأخرى الفرعية: هل يستطيع السوريون بعد كل الذي حصل أن يتوافقوا على استمرارية العيش المشترك عبر التوافق على القواعد والموجبات والآليات التي تمكنهم من تجاوز أخطر أزمة بنيوية وضعت بلادهم ومجتمعهم في عين العواصف؛ وفتحت المجال أمام القوى الدولية والإقليمية، والميليشيات الوافدة والمحلية لترسم خارطة عمليات سريالية، لم يكن في مقدور أغرب أفلام الاستشفافات المستقبلية أن تتكهن بها؟ هذا ناهيك عن تصور ملامحها التفصيلية التي باتت واقعاً يعيشه السوريون في جميع المناطق التي باتت إدارتها بيد قوى غير سورية، حتى في تلك التي يدعي النظام بأنه يحكمها، ويسيطر عليها، أو في تلك التي يقولون عنها، “المناطق المحررة”. وهي القوى التي تتباحث في ما بينها من أجل التوافق على حلٍ في سوريا يأخذ بعين الاعتبار مصالحها في البلد ذاته، وفي الإقليم، بل وفي الدائرة الأوسع من الإقليم، وذلك بعد أن أصبحت المصالح العارية هي الموجه.

ومع أن مختلف الأطراف المتصارعة على الساحة السورية تعلن بأنها تحترم إرادة السوريين، إلا أنها في واقع الحال تسلب السوريين كل المقومات التي تمكنهم من أن يكونوا أصحاب إرادة حرة؛ بل إنها في واقع الحال تتعامل مع سوريا وكأنها مساحة جغرافية تمتلك الموارد الطبيعية والموقع الجيو- سياسي المفتاحي في شرقي المتوسط، وهذا ما يعد استمراراً لطريقة تفكير غيرترود بيل التي أسهمت بشكل كبير مع زميلها في أجهزة الدولة البريطانية لورانس قبل مئة عام في رسم حدود الدول الحديثة في المنطقة، خاصة سوريا والعراق.

فما يجري في وقتنا الحالي، يتقاطع في أوجه كثيرة منه مع ما حدث في المنطقة قبل مئة عام، حينما توافقت الإرادات على تشكيل دول المنطقة، ومن ضمنها سوريا بطبيعة الحال. وتم التوافق بين فرنسا وبريطانيا على تبادل المناطق مراعاة لرغبة الفرنسيين في الحصول على قسط من النفط الذي كانت المؤشرات تؤكد وجوده في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا الحالية.

وفي يومنا الراهن، نلاحظ تسابقاً بين الدول المتواجدة على الأرض السورية بقواتها، ومن خلال الميليشيات التابعة لها، وعبر أجهزة استخباراتها، حول وضع اليد على الثروات السورية، من خلال اتفاقيات سواء مع نظام بشار نفسه الذي بات مستعداً للتوقيع على أي تنازل من أجل البقاء، كما فعل مع الوفد الروسي الكبير الذي زاره قبل أيام؛ أو حتى مع قوى الأمر الواقع في مختلف المناطق؛ وكل ذلك بعيداً عن أي احترام لإرادة السوريين وتطلعاتهم.

وما يستنتج من زيارة الوفد الروسي الأخير إلى دمشق هو أنها كانت لتحصيل المزيد من التنازلات العينية من بشار ثمناً لإبقائه، ولكنها توحي من جهة توقيتها وتشكيلة الوفد بأنها كانت لإبلاغ بشار ومجموعته بالموقف الروسي من موضوع التطورات الجارية، وآفاق الحل الذي تراه روسيا في سوريا؛ وذلك بعد سلسلة من اللقاءات التي عقدها الروس مع مختلف الأطراف المحسوبة على المعارضة، ومع الجانب الأمريكي، والاتصالات المستمرة مع الجانب التركي. ولكن الاعتقاد السائد، بناء على التجارب الطويلة مع المواقف الروسية من القضية السورية هو أن الروس قد اتخذوا من هذه القضية المفتاح السحري القادر على فتح جميع الأبواب أمامهم، سواء مع الدول الإقليمية (تركيا، إيران، إسرائيل)؛ أم مع الدول العربية لا سيما الخليجية منها. هذا إلى جانب اتخاذها ورقة في مساوماتها مع الأوروبيين والأمريكان.

ولعل هذا ما يفسر حرص روسيا على طرح نفسها بكونها الجهة القادرة على إيجاد حل مقبول للوضوع السوري من ناحية؛ ولكنها في الآن ذاته تستخدم علاقاتها وقوتها، ومعرفتها بالعجز المطلق لنظام بشار، لانتزاع المزيد من العقود والامتيازات في سوريا لتسويقها في الداخل الروسي الذي تتصاعد فيه النقمة على سياسات بوتين، وفساد إدارته. وقد جاءت قضية تسميم المعارض الروسي البارز ألكسي نافالني، ومن ثم الإعلان الرسمي الألماني وعلى أعلى المستويات بثبوت قضية التسميم، لتفتح الباب أمام المزيد من الضغوط الأوروبية على روسيا. كما أن تصاعد وتيرة الاضطرابات في بيلاروسيا نتيجة التشكيك العام في نتيجة الانتخابات التي أعلن بوجبها لوكاشينكو فوزه للمرة السادسة، هو الآخر يرهق كاهل بوتين سواء في داخل منطقة نفوذه الحيوي، أم على صعيد علاقاته مع الأوروبيين.

ولكن في جميع الحالات تدرك روسيا جيداً بأنها لا تستطيع حسم الموضوع السوري بالكامل من دون توافق مع الجانب الأمريكي الذي يبدو أنه قد اتخذ من موضوع شرقي الفرات، ومن دعمه الضمني- الصريح لتركيا في موضوع إدلب على وجه التحديد، وفي المنطقة الشمالية الغربية من سوريا بصورة عامة، ورقة ضغط يلوح بها من حين إلى آخر في وجه روسيا، ويذكرها بالتوافق العام الذي تم بينهما قبل الدخول الروسي العسكري المباشر إلى الساحة السورية خريف 2015.

ولكن أمريكا مشغولة حالياً بانتخاباتها، كما أن الموضوع العراقي يستأثر باهتمامها الأكبر، ويبدو أن التوافق مع الجانب الروسي حول مناطق النفوذ ما زال ساري المفعول في خطوطه العامة، رغم التصريحات الاستهلاكية، والمشاحنات الشكلية التي تحدث من حين إلى آخر بين دوريات الطرفين على الأرض في منطقة الجزيرة السورية. فورقة شرقي الفرات باتت جزءاً من أدوات الضغط في الموضوع العراقي، هذا في حين أن روسيا تركز على منطقة الساحل السوري، خاصة بعد ظهور توقعات بوجود النفط والغاز فيها، إلى جانب أهمية موقعها الاستراتيجي بالنسبة لرغبة روسيا في التمدد نحو المياه الدافئة، وبناء العلاقات المصلحية مع دول المنطقة، استعداداً لمتغيرات وتحديات مستجدة على صعيد العلاقات بين القوى الكبرى.

ولكن بمنأى عن كل هذه التحركات والمماحكات الدولية والإقليمية حول سوريا، ما زال السؤال التالي محافظا على مشروعيته وضرورته: ماذا عن السوريين، غالبية السوريين ممن فقدوا الثقة بالنظام والمعارضة الرسمية؟ هل ما زال في مقدورهم أن يعيشوا معاً بعد مراجعات موضوعية جريئة لكل ما حصل بغية معرفة الأسباب، والعمل على تلافيها عبر معالجة آثارها، والبناء على القواسم المشتركة للانتقال إلى مرحلة جديدة، تضمن المقدمات الفعلية لمستقبل أفضل لأجيالنا المقبلة؟

ما نراه في هذا المجال هو أن تجربة مئة عام من العيش المشترك قد أسهمت في تكوين هوية سورية، كان من شأنها أن تكون أكثر تَرُسّخاً واستقرارا وتبلوراً لولا الإيديولوجيات العابرة التي شوهتها من خلال دغدغة العواطف وإثارة العصبيات المتعارضة مع الروحية الوطنية، شعارات استخدمها أصحابها لتجاهل الواقع المعاش. وكانت النتيجة أن تمكن حافظ الأسد في نهاية المطاف من إزاحة كل المنافسين، لينقضّ على الوطن وأهله. ولتسويغ كل أفعاله الاستبدادية أتكأ على  خديعة التوازن الاستراتجي مع إسرائيل، بينما كان في حقيقة الأمر يؤسس لنظام مخابراتي قمعي فاسد مفسد، ظهر على حقيقته بأبشع صورها في موضوع التوريث الذي أدّى إلى جعل سوريا ساحة مفتوحة أمام المشروع الإيراني، ومن ثم أمام المشاريع الإقليمية والدولية التي تتنافس وتتزاحم اليوم على الأرض السورية بمعزل عن إرداة السوريين، ومن دون أي احترام لتضحياتهم وتطلعاتهم.

النخب السورية من جميع الفعاليات، ومن جميع المكونات، ربما كانت ما تزال قادرة على التواصل والتباحث من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالتجربة القاسية التي مر بها السوريون على مدى نحو عشر سنوات قد مكنتهم من معرفة بعضهم بعضاً بصورة أفضل، كما أن هذه السنوات قد بينت زيف وهشاشة المشاريع الغريبة الهجينة التي لم ولن تنسجم يوماً مع الواقع السوري.

نحتاج إلى المزيد من التعقل والحكمة وبعد النظر، تماماً مثلما نحتاج إلى القطع مع المشاريع الفردية أو الشللية المستعجلة، خاصة تلك التي تتم بإيحاءات من قوى دولية أو إقليمية لم تقدم المساعدة المطلوبة للشعب السوري في ظروف كان في مقدورها أن تفعل ذلك، وبتكاليف أقل.

أن يقدم السوريون التنازلات لبعضهم، وأن يبحثوا عن الحلول التي من شأنها إنقاذ الشعب والبلد بعيداً عن روحية الانتقام والثأر والتعصب الأعمى بكل أشكاله، هو الأفضل لهم، وأكثر فائدة من أن يتحولوا إلى مجرد أدوات ضغط وبيادق في مشاريع الآخرين التي من الواضح أنها لا تتقاطع مع الألويات السورية الوجودية، وإنما تتمركز حول مصالح وأولويات أصحابها.

=========================

جيمس جيفري مبعوث خاص يثير عواصف الأسئلة

يحيى العريضي

العرب

السبت 12/9/2020

عادت "كأس السم" إلى واجهة الأحداث قبل أيام بعد غياب، حين قال السفير الأمريكي جيمس جيفري: إن رئيس النظام السوري بشار الأسد سيتجرّعها، والخشية أن هذا قد يعني تقديم سوريا هدية لنظام الولي الفقيه، كما تم تقديم العراق بعد سنوات طويلة من تلفظ قائلها بها.

كَثُر المبعوثون الدوليون والأمميون لمعالجة القضية السورية، ولم يكن أيّ منهم ليلفت الانتباه، بحكم اللاجدوى والاستنقاع، لولا استحضار جيفري عبارة الخميني تلك، عندما عبّر الأخير عن غصّة إيرانية إستراتيجية بسبب وقف الحرب مع العراق بالقول "كأنني أتجرّع كأس سم"، عبارة المبعوث اللافتة تقول "كأس السم جاهز، وبشار الأسد سيتجرّعها في الوقت المناسب"، تلك العبارة الصادمة للبعض أخرجها جيفري المبعوث الأمريكي في لقاء له مع المعارضة السورية؛ فمَن هو جيفري ليستحضر واقعة كهذه، ويتلفظ بها بعد عقد زمني من الكارثة السورية، التي قال البعض إن أمريكا كان بإمكانها وقفها بوقت قياسي؟

باستحضاره تلك الأيام، لا يطلق جيفري "عاصفة صحراء" مثل تلك التي شارك بهندستها منذ ثلاثة عقود، ولا يستعرض تخصصاته المتعددة في العلوم العسكرية وإدارة الأعمال والتاريخ، ولا من إتقانه لخمس لغات يفهمها ويتكلمها بطلاقة، ولا مما يمكن أن يُعتَبر عبقرية لولادته في الشهر الذي وُلد فيه كل من جورج واشنطن وأديسون ودارون، وغيرهم من ولادات فبراير شهر القادة الكبار، كما يعتقد البعض.

الإجهاز على الخصوم

جيفري أحد أفراد ذلك الطاقم الأمريكي الذي تم إعداده في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته للإجهاز على الإمبراطورية السوفيتية وأذرعها، من هنا كانت مهمته الأولى في هنغاريا، وبعدها في ميونيخ حيث كان المرجعية وممثل القوة الأعمق، ومن هنا كان المنسق الأعلى لمؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، الذي صُمِّم لخنق "إمبراطورية الشر"، حسب تعبير الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان.

في مسيرة الرجل، تشكّل تركيا، التي يجيد لغتها، محطة حساسة كجزء مهم من جدار صد الناتو في وجه موسكو سابقاً ولاحقاً؛ فكان فيها سفيراً لبلده بغض النظر عن حزبية الإدارة القائمة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، من هناك كان جيفري العين المطلّة على البوسنة كمستشار رئاسي، وكشريك في تطبيق اتفاق "دايتون".

بعد مهمات ميدانية حساسة حول العالم يعود جيفري إلى واشنطن كنائب لمستشار الأمن القومي، بعدها مباشرة يحطُّ الرحال بكل تلك الخبرات الميدانية في أرض العرب، ليكون من بين مؤسسي دولة السفارة الأمريكية في العراق، بـ16000 موظف، وميزانية تتجاوز الـ6 مليارات دولار، وليكون سفير "أوباما الديمقراطي" في العراق 2010، بعد أن كان سفير "بوش الجمهوري" في تركيا 2008.

متغيرات مثيرة

لا يستذكر ويستحضر هذا النوع من الأشخاص كأس السم بلا سبب، ومن دون أن يكون قد ملأ يده من أن كأس الأسد أضحى متوفراً، ونوعية السم لا شفاء منها.. يدرك، وهو الذي صَدَمَ من سمع تصريحه بأن أمريكا لا تريد إسقاط الأسد بل تغيير سلوك النظام، وأن تلك النهاية قادمة حتماً؛ شرب الأسد الكأس أم لم يشربها، فأيّ نوع من السموم دخلت في تركيب ذلك السم؟

يعرف جيفري جيداً محتوى الكأس ومفاعيلها، فهو يريد من النظام في دمشق ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، وهذا منصوص عليه في قانون قيصر كأحد الإجراءات التي على الأسد أن يقوم بها لرفع مفاعيل القانون، ولكن جيفري يدرك، أيضاً أن النظام لا يعترف بمرتكبي جرائم حرب ويستحيل أن يفعل ذلك، ولا يمكن أن يفتح على نفسه باباً كهذا؛ حيث مبدأ "الدومينو" يذهب بالنظام ككل.

يكرر جيفري أهم نقطة أتت في قانون قيصر، ألا وهي "إطلاق سراح المعتقلين والسماح بلجان تفتيش كي تُطِل على حالهم"، مدركاً أن نظام الأسد يرى فيهم رهائن للمساومة على بقائه؛ ومن هنا لا يعترف بوجودهم ولا بأفران معتقل صيدنايا، ولا يسمح بزيارة؛ فهو لا يعترف بذلك، حتى لحماته الروس، ومعروف أن خطيئته القاتلة كانت بالغفلة عن قيصر وتسريبه الآلاف من الصور التي جلبت له كل هذه المصيبة في قانون قيصر.

يطلب الدبلوماسي العسكري الداهية من نظام الأسد أن "ينخرط بالعملية السياسية من أجل تطبيق القرار الدولي 2254"، معتبراً ذلك خطوة مهمة لرفع عقوبات قانون قيصر، ولكنه مطلٌّ تماماً على مسلك النظام تجاه العملية السياسية منذ سنوات، ويعرف أن دخوله الفعلي في العملية السياسية مؤشر على نهايته.. ومن هنا لا يحتاج أن يذكر إسقاط الأسد بتصريحاته؛ فالسُّم موجود في كأس دخول العملية السياسية.

لم تخرج تصريحات جيفري عمّا احتوته قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها "وقف إطلاق النار" مدركاً أن "وقف النظام للأعمال العسكرية" هو تثبيت لفشل نهجه في مواجهة الثورة السورية، وأن بسطه سيادته على الأرض السورية كما يعد داعميه أضحى مستحيلاً؛ وتوقفه عن ذلك يعني أنه سيواجه حقيقة نهاية الحرب والوقوف أمام مطالب العيش المعدومة عند الحاضنة والمؤيدين.

خطاب مُوجَّه إلى الروس

في طلبه من الأسد "عدم حصار المناطق والسماح بالمساعدات للدخول إلى المناطق السورية المحتاجة" يتجاوز جيفري النظام ويرسل وخزة للروس تحديداً وللفيتو الذي استخدموه بخصوص المعابر، ومن هنا نشهد هجومهم عليه، واتهام أمريكا بعرقلة الحل في سوريا؛ ليتضح أن ما ترتكبه موسكو تسعى لإلصاقه بالآخرين.. من هنا جاءت عبارة جيفري المتعلقة بوعد الروس بمستنقع في سوريا.

ولذلك كانت زيارة لافروف ووفده الأخيرة إلى دمشق بمثابة رد على الموقف الأمريكي الذي عبّر عنه جيفري، وقد ضم وفد لافروف نائب رئيس الوزراء يوري بوريسوف الذي قال: "إن موسكو تحاول مساعدة سوريا في كسر حصار اقتصادي سببته العقوبات الأمريكية الجديدة، التي تمنع تدفق الاستثمار الأجنبي على الاقتصاد السوري"، مضيفاً أن هذه العقوبات "لا تسمح بجذب الاستثمار إلى الاقتصاد السوري، وفي واقع الأمر، هذا حصار"، ويبدو أن اللقاء الروسي مع الأسد لم يأتِ كما كان يريد الأخير، ولذلك فإنه حين استقبل الوفد الروسي أشار إلى نجاح السوريين والروس بإحراز "تقدّم في تحقيق حلّ مقبول للطرفين في العديد من القضايا"، فعن أيّ "حل مقبول" يتحدّث، وما هو الذي لم يكن ليقبل به كلّ منهما؟

وهنا لا يغيب ما كتبته الصحفية الروسية ماريانا بيلينكا، مراسلة صحيفة "كوميرسانت" في دمشق، حين نقلت عن مصدر روسي قوله: إنه "في حال لم يتجه نظام الأسد نحو الإصلاحات، فإنه سيبقى من دون أموال ومن دون جزء من سوريا، وهذا سيكون قراره".

زيادةً على ذلك، فإن جيفري عندما يربط إعادة الإعمار في سوريا ورفع أيّ عقوبات اقتصادية بعودة حرة كريمة طوعية للاجئين، عارفاً كم هي موسكو توّاقة لجني اقتصادي ومالي من إعادة الإعمار؛ فهو لا يجهّز فقط كأس السم للأسد، بل يحرم الذين يبحثون عن مكافأة مادية بعد كل الجرائم الموثقة التي ارتكبوها في سوريا من أيّ مردود إلا إذا تجرعوا كأساً من نوع آخر، وهو كأس الخيبة.

لم يُهزَم الاتحاد السوفيتي بحرب نووية ولا بصواريخ كروز، لقد خُنق بخيط قطن شدّه إلى عنقه، فشنق نفسه، وجيفري شاهد ومشارك وخبير بهذه الطريقة.

=========================

كاريكاتور الأسد بريشته

عمر قدور

المدن

السبت 12/9/2020

قبل ثلاثة أيام حدث جدل خفيف بين عميد كلية الطب في دمشق ووزير التربية، العميد طالب بتأجيل إعادة طلاب المرحلة الأولى إلى المدارس لأسبوعين، وفي تصريح لإذاعة "شام إف إم" رد الوزير بالقول: نحترم عميد كلية الطب البشري بآرائه المطروحة في ما يتعلق بتأجيل المدارس، لكنه لم يغلق المشافي، ولا الجامعة المشرف عليها! لتنقل "شام إف إم" ردّ العميد الذي يؤكد على أن تلاميذ المرحلة الأولى هم الأكثر نقلاً لفيروس كورونا من دون ظهور أعراض عليهم، منوّهاً بأن الغرض من الاقتراح كان "مراقبة منحنى الإصابات خلال 15 يوماً، باستمراره بالشكل الأفقي ليعود الطلاب إلى المدارس بلا خوف".

أسبوعان فقط انقضيا على تعيين وزير التربية "دارم الطباع" في منصبه في حكومة الأسد الجديدة، التعيين الذي أثار سخرية واسعة لكونه مختصاً في الطب البيطري، ليأتي تصريحه الأخير فيؤكد أسوأ ما كان في تلك السخرية، لا تلك التي تحمل احتراماً لتحصيله العلمي وتنتقد فقط عدم وجوده في المكان المناسب. مقارنة إغلاق المستشفيات بتأجيل المدارس تحتاج جرأة عقلية غير متاحة لمعظم الناس، وهذه إشارة تؤكد على مدى أهلية الوزير لإدارة وزارة حساسة مثل التربية. لكن المسؤولية كما نعلم لا تقع على عاتق الوزير، وكل ما فعله أنه استكمل بتصريحه "وبعفوية تامة" مسارَ تعيينه من قبل رئيسه الذي وضعه في المنصب. هو الكاريكاتور الذي يرسمه بشار الأسد بنفسه لحكمه، أو لما تبقى منه، الكاريكاتور الذي لا يأتي بمحض المصادفة، وإنما بعفوية تامة أيضاً.

في الكاريكاتور ذاته، نقرأ التصريحات "الرصينة" لعميد كلية الطب عندما يتحدث عن استمرار منحنى الإصابات بشكل أفقي لمدة أسبوعين. فنحن هنا إزاء تقييم صحي من صاحب اختصاص، إلا أن صاحبه يأبى "أو لا يستطيع" مغادرة الكاريكاتور إذ يتحدث وكأن هناك إمكانية حقيقية لمراقبة منحنى الإصابات، فضلاً عما يحمل التصريح من اقتناع بأفقية المنحنى وفق الإحصائيات التي تصدرها سلطة الأسد. 

للتوضيح: يُستخدم تعبير "تسطيح المنحنى" في حالة الوباء للدلالة على أن معدل انتقال العدوى انخفض إلى الرقم واحد، وصار تحت السيطرة للانتقال إلى معدل يُعدي فيه المصاب ما نسبته أقل من شخص آخر في مسار من الانحسار. هذه العملية تتطلب كفاءة شديدة في إجراء الاختبارات وتعقب الإصابات، واستيعاب المستشفيات مَن هم بحاجة إلى التداوي والتزام باقي المصابين بالحجر، بخلاف ذلك يحدث التسطيح ضمن مسار طويل وشاق عبر مناعة القطيع، وحتى التأكد من الوصول إلى الأخيرة تلزمه القدرة على المتابعة والقياس. أرقام الإصابات التي راحت تعلنها سلطة الأسد "بعد انفضاح تفشي الوباء" وصلت إلى ما يقارب التسعين لتنخفض تدريجياً إلى ما يقارب الستين مع حديث عن تسطيح المنحنى، بما يوحي بوجود متابعة وسيطرة، إنما مع معرفة الجميع بأن هذا كله عبارة عن كاريكاتور آخر يقدّمه الأسد، بوصف الكاريكاتور نسخةً هزلية عن الواقع. 

على نحو كاريكاتوري مشابه، أتت صور بعض عناصر قوات الأسد، وهم يحاولون إخماد الحرائق بإهالة التراب على النار برفوش بدائية. الحرائق التي اندلعت على مساحة واسعة من الغابات والأحراش كانت تحتاج إمكانيات يبدو إزاءها حاملو الرفوش أولئك بمنظر تختلط فيه المهزلة بالشفقة. ثم، لتكتمل عناصر المهزلة، سيعلن وزير الزراعة عن السيطرة على الحرائق "على منوال تسطيح منحنى كورونا المزعوم" والقبض على مزارع تسبب بحريق بداعي الإهمال، بينما كانت تتسع لتطاول أحراشاً جديدة بالقرب من مصياف، ومن الأخيرة في اتجاهي وادي العيون ومشتى الحلو. لتتفاقم المهزلة، أتى الوفد الروسي الموسع في خضم اشتعال الحرائق موقعاً أربعين اتفاقية اقتصادية، وليتحدث لافروف في المؤتمر الصحفي مع نظيره الأسدي عن قضايا مثل السيادة والانتخابات ومكافحة الإرهاب، من دون التفاتة مجاملة إلى الكارثة الواقعة غير بعيد جداً عن القواعد العسكرية الروسية.

بسبب المادة/المهزلة التي يقدمها الأسد، ستنتعش تكهنات وتفسيرات لا سند ملموساً لها، فتفسير اشتعال الحرائق سيتراوح بين افتعالها من قبل تجار سيجنون الفحم لبيعه في موسم الشتاء المقبل وبين اكتساب أراضٍ جرداء لتُبنى عليها منشآت سياحية، وستساعد وسائل التواصل على تناقل كافة الافتراضات بما فيها أبعدها عن المنطق متغذّية على أداء السلطة الذي يبعث على السخرية. وجود سلطة تحولت في أحسن أحوالها إلى مادة للتندر يشجع حتى على "الافتئات" عليها خارج المنطق أو الوقائع، بما أنها قابلة لتلبس كل ما هو غير معقول عطفاً على مهزلتها نفسها. هكذا، بلا ضابط أو تصحيح، يمكن ترويج أي سيناريو قد لا تنقصه الكاريكاتورية إذا أمعنا التفكير فيه مقابل لما تروجه هي. أو حتى ترويج سيناريو رغماً عن الوقائع، فقد رأينا مثلاً إصرار مراسل صحيفة عربية كبرى على استثنائية زيارة الوفد الروسي إلى دمشق، قبل وبعد الزيارة، مع إقراره بأن وقائع الزيارة لم تحمل أي جديد.

نحن بالأحرى أمام كاريكاتور سلطة، سلطة مدنية ركيكة ومهلهلة كرسم هزلي عن مفهوم السلطة بقدر ما هي باطشة ومتوحشة على الصعيدين الأمني والعسكري. سلطة تثير الرعب من جانب، وتثير تفاهتُها السخريةَ والضحك من جانب آخر، وهي في الحالتين كأنما محكومة بقدر لا فكاك منه، محكومة بوحشيتها من أجل البقاء، ومحكومة بتفاهتها لعجزها عن أن تكون سوى ما هي عليه وأن تتحفنا بين الحين والآخر بما يشير إلى مسار مستقر من الانحدار. 

عندما نقول أن بشار الأسد يرسم كاريكاتوره بريشته فلأنه في موقع لا يستطيع أن يكون فيه سوى محاكاة هزلية لسلطة بائدة، إنه من دون أن يتعمد ذلك يقدّم ذلك التهافت المثير للسخرية، وكلما أمعن في إظهار سلطته بانت الأخيرة إما متوحشة أو ساخرة، أو الاثنين معاً كإبقاء السوريين الذين لا يملكون مئة دولار كرسم دخول عالقين على الحدود. يأتي الكاريكاتور من أن بشار الأسد لا يقلّد حقاً أية سلطة بالمعنى المتعارف عليه، هو أسير سلطته نفسها التي يحلم باسترجاعها، إنه يقلّد الأسدية التي لا يعرف غيرها، الأسدية التي يعز عليه الاقتناع بانقضاء صلاحيتها وبتحولها إلى مهزلة بعد قطعها طور المأساة. لعل أكثر ما يكون مثاراً للسخرية اجتماعُ النرجسية والابتذال لدى مَن لا يتقن سوى تقليد فشله.

=========================

موقفنا : سر القضية : فلسطين الدرة المغتصبة .. فلسطيني ... فلسطيني .. فلسطيني ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/ 9/ 2020

" الدرة المغتصبة " هكذا كان يعنون لها الدكتور مصطفى السباعي في مجلته السائرة " حضارة الإسلام " .

قرأت له وأنا فتى يافع مقالا جميلا ، وصدمني ، كان مقالا يذكرنا بفلسطين وكان عهدنا بنكبة فلسطين قريبا ، يقول الدكتور السباعي عن فلسطين .. لا تنسوها ...لا تنسوها ...لا تنسوها .. ، صدمني المقال وأنا ابن بضعة عشر ، وتساءلت : وهل يمكن لأحد أن ينسى فلسطين ؟! وهل يمكن لفلسطين أن تُنسى ؟ وهل يمكن لمسلمَين أو عربييَن أن يختلفا على فلسطين ..؟!!!

ولكن مقال الدكتور السباعي رحمه الله تعالى كان مؤثرا بحيث أنني أذكره من قراءة واحدة بعد ستة عقود ..

وربما يذكرني به اليوم من نسي القضية ، أو من يريد أن يتناساها ، تحت شتى العناوين والتخرصات والمعاذير !! ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ )

لقد عشنا القضية الفلسطينية ، قبل تأسيس ما يعرف بمنظمة التحرير ، وتقمصناها شعارا ودثارا ، وكانت قضيتنا الأولى حتى علمنا أن قضية الأمة واحدة ، يشتق بعضها من بعض . القاصر ، ضعيف النظر ، قليل الحيلة ؛ هو الذي يظن أنه يستطيع أن يعزل صراعه مع بشار الأسد عن صراعه مع الصهيوني ومع الصفوي .. ومع ... ومع .. ومع ..

عشنا مرحلة في فضاء القضية كنا نسمع فيها باسم " أحمد الشقيري " في المحافل العربية ، رجل البرتوكولات المتحدث باسم فلسطين على منابر الجامعة العربية وفي القمم العربية بشكل خاص ... وكان موقف جماهير الأمة من القضية منفصلا إلى حد كبير عن موقفها من المنظمات والفصائل ..

ثم بدأنا نسمع عن حركة فتح ، بعضهم كان يقدمها لنا تحت عنوان ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) وبعضهم يقول هي فتح ومقلوبها " حتف " ولكل قوم هاد... وكان وراء كل تفسير معنى ندركه ونغضي عنه فنحن إلى جوهر القضية أقرب من كل الأسماء والتسميات وسمعنا مع اسم فتح أسماء وأسماء حتى لأكاد أقول لكم إن المشهد الفصائلي الفلسطيني لم يكن أفضل كثيرا من المشهد الفصائل السوري في هذه الأيام ، مع غلبة العناوين اليسارية والقومية ، وكنا نسمع بأسماء مثل ياسر عرفات وخليل الوزير وهاني الحسن وأبو نضال وأبو العباس ونايف حواتمة وجورج حبش والكثير من الريات المتشحة بالحمرة أو بالسواد ..

وكل تلك المنظمات في عقدي الستينات والسبعينات كان حبلها السري ينتهي في موسكو " الاتحاد السوفياتي " والقائد " بريجينيف " ووزير الخارجية " غريميكو " والسفير السوفييتي في دمشق " محي الدين محي الدينوف" كان الداعم الأول وربما الوحيد للمنظمات الفلسطينية الاتحاد السوفياتي الذي كان أول دولة في العالم تعترف بالكيان المزعوم . الاتحاد السوفياتي الذي لم يتخل قط عن دعمه لوجود الكيان ، والذي كان قادته يصرحون بوقاحتهم المعهودة اليوم " نحن نعطي العرب السلاح لكي يدافعوا عن أنفسهم وليس لكي ينتصروا " وهم يقصدون بذلك مصر وسورية وليس فقط المنظمات ..وكل الخردة التي زودونا بها لم تصلح للدفاع ...

وكانت الأمة كلها متمسكة بالقضية الفلسطينية ، تعتبرها البوصلة ، والناطق الرسمي باسم كل قضاياها ، وبينما كان لكل جمهور موقفه من المنظمات ، وكانت الريبة عنوانا عاما يلف الجميع ... ظلت الجماهير العربية في درجة من الوعي تفصل فيه بين القضية في جوهرها ونقائها وعدالتها ، وبين المنظمات وبرامجها وعلاقاتها وأخلاق وسلوك القائمين عليها وحقائق التزامهم ، وحجم متاجرتهم بالقضية ..هذا الفصل هو الموضوع الذي نركز عليه في هذا المقال ..

كانت فتح التي أصبحت بجهود حافظ الأسد الصامد والمتصدي " فتحين " فتح ياسر عرفات وفتح الانتفاضة ، هي الأوسع قاعدة ، وهي الأقرب إلى قلوب العرب والمسلمين ..حتى ذهبت إلى أوسلو في مطلع التسعينات فتكاد تقول خسرت من الأحرار قلوبهم وعقولهم معا ..وأمسك الناس توقيرا للقضية وإبقاء عليها ..

الدرس الذي أريد أن أخلص إليه وأنا أعيش وجعنا جميعا من ارتماءات بعض الفصائل وانحيازاتها إلى أعداء الأمة ، وما أكثر المعاذير هو أنه لا فصيل فلسطيني مهما كان اسمه أو عنوانه أو رايته يستطيع أن يصادر القضية ، ولا أن يحرفها ولا أن يخرجها من قلوبنا ولا من عقولنا أبدا ..

تستطيع أن تغضب من كل فلسطيني يغضبك ، أو يستهين بك ، أو يتآمر عليك ، أو ينحاز ضدك ، أو يقاتل في صف عدوك ، أو يذبح طفلك ، ويغتصب عرضك ، أو يصفق لمن اغتصبه ، أو يعتبره وليا ونصيرا وشهيدا شهيدا شهيدا .

.تستطيع أن تتخذ منه الموقف الذي تريد بالطريقة التي تريد في ..ولكننا لا نستطيع ولا نقبل ونرضى أن نجعل كل ذلك جسرا لإدارة الظهر لفلسطين ، لا لتقليل هيبة القضية ، ولا للحط من مكانتها ، ولا لإعلان القطيعة مع الحق الفلسطيني ، والتوقف عن نصرته ، وإن كنا تحت الرحى نئن ..

تصرفات الفصائل على اختلاف العناوين والهويات والأخطاء والخطايا ليست عذرا للمطبعين ، ولا جسرا للمتهالكين .. وعندما قال المرحوم يوسف العظم :

فلسطيني .. فلسطيني .. فلسطيني ..

قصد أن كل واحد من أمة المليارين فلسطيني حتى يعود الحق الفلسطيني..

وأنا فلسطيني .. فلسطيني .. فلسطيني ..

فلسطيني لا يمر على طهران ..

فلسطيني لا يجالس شاتم عرض الرسول ..

( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )

اللهم هيئ لأمتنا ولقضيتنا في فلسطين من أمرها رشدا ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

بشار الأسد يطبق نصيحة عصام زهر الدين

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 12/9/2020

تفاجأ ملايين السوريين في الأيام القليلة الماضية عندما أطل عليهم ضابط كبير من وزارة الداخلية قسم الهجرة والجوازات وهو يطلب بوقاحة عز نظيرها من كل سوري يريد أن يدخل سوريا أن يدفع مبلغ مائة دولار وإلا لن يُسمح له بالعودة إلى بلده، ولا بأس أن ينام على الحدود في العراء. وإذا لم يتوفر المبلغ لدى السوري الذي يريد دخول البلاد فيجب أن يتصل بأهله داخل سوريا كي يؤمنوا له المبلغ، مع العلم أن غالبية السوريين لا تجد ثمن حبة البصل فما بالك أن تمتلك دولارات.

لقد بدا تصريح ذلك المسؤول أقرب إلى السريالية لما فيه من كوميديا وتراجيديا وغرائبية منقطعة النظير. لكن لو عدنا إلى تصريحات مسؤولي النظام الفاشي وعلى رأسهم بشار الأسد نفسه لما كنا تفاجأنا بتصريح مسؤول الهجرة والجوازات.

لا أدري لماذا غاب عن أذهان السوريين أن تهجير السوريين واقتلاعهم من وطنهم ووضع العراقيل أمام اللاجئين الذين يريدون العودة إلى ديارهم من بلاد اللجوء ليس جديداً مطلقاً، بل هو قديم جداً، وهو سياسة أسدية طائفية مبرمجة، وبالتالي فإن شروط وزارة الداخلية التعجيزية لعودة السوريين إلى البلد ما هي إلا حلقة جديدة من حلقات وسياسات «التطفيش» الممنهجة والمدروسة التي يمارسها النظام منذ زمن طويل. وكي لا نظلم ضابط الهجرة والجوازات علينا أن نعود إلى تصريحات رأس النظام نفسه في خطاباته الفاشية منذ بداية الأحداث في البلاد. لا شك أنكم تتذكرون وصف بشار الأسد لكل من عارضه من السوريين قبل سنوات، فقد وصف ملايين السوريين المناوئين أو الرافضين لنظام حكمه بأنهم مجموعة من الجراثيم والبكتيريا التي يجب مكافحتها والقضاء عليها، وبالتالي فإن أي سوري اضطر للخروج من سوريا هرباً من البراميل المتفجرة جدير بالسحق والمحق ويجب ألا يُسمح له بالعودة إلى البلاد لأنه كان يجب عليه أن يبقى داخل سوريا إما للمشاركة في عمليات الإبادة والتهجير الجماعية التي كان يمارسها الجيش الأسدي الفاشي الطائفي بحق ملايين السوريين أو أن يموت تحت الأنقاض بفعل القصف الوحشي الذي كان يمارسه الطيران الأسدي في طول البلاد وعرضها.

تهجير السوريين واقتلاعهم من وطنهم ووضع العراقيل أمام اللاجئين الذين يريدون العودة إلى ديارهم من بلاد اللجوء ليس جديداً مطلقاً، بل هو قديم جداً، وهو سياسة أسدية طائفية مبرمجة

هل تذكرون أيضاً ذلك الخطاب «التاريخي» لنيرون الشام عندما قال حرفياً إن سوريا ليست للسوريين بل لمن يدافع عنها فقط، وبالتالي فالميليشيات الشيعية الداعشية الفاشية التي كانت تقتل وتشرد السوريين بالملايين هي أولى بالعيش في سوريا ودخولها مجاناً من السوريين الذين ولدوا وترعرعوا في سوريا.

ولا شك أنكم تتذكرون أيضاً تصريح الأسد الذي لم يسبقه إليه حتى هتلر وموسوليني وعتاة الفاشيين عبر التاريخ عندما اعتبر تهجير وقتل ملايين السوريين خطوة ضرورية لتطهير سوريا وصناعة «المجتمع المتجانس». بعبارة أخرى فقد أراد بشار أن يقول للسوريين إن ثلاثة أرباع الشعب السوري الذين عارضوا حكمه أو وقفوا على الحياد ليسوا جديرين بالجنسية السورية، بل يجب اقتلاعهم وتهجيرهم وقتلهم وسحلهم واعتقالهم لتنظيف سوريا من رجسهم كي يتحقق المجتمع الأسدي النظيف «المتجانس» من مؤيديه الطائفيين والمنتفعين.

وقد أتت نصيحة الجنرال القاتل عصام زهر الدين الذي استخدمه بشار الأسد بطريقة طائفية قذرة للتنكيل بالسوريين ودق الأسافين بينهم ثم تخلص منه برصاصة في أذنه اليمنى، أتت نصيحته تعبيراً صادقاً عن فكر «القيادة الحكيمة». وكلنا شاهد زهر الدين وهو يوجه نصيحته الشهيرة للسوريين الذي اضطروا للخروج من سوريا: «نصيحة من هالذقن لا ترجعوا». وقد هددهم وقتها بالويل والثبور وعظائم الأمور واعتبرهم عملاء وخونة. ولو كانت نصيحة زهر الدين في برنامج مباشر لقلنا إنها رأي شخصي، لكن النصيحة كانت مسجلة قبل أيام، وقد احتفظ بها النظام كي يبثها كرسالة واضحة لأي لاجئ سوري يفكر بالعودة إلى سوريا. وقد كانت نصيحة عصام زهر الدين التي لن ينساها السوريون توطئة مفضوحة لسياسات النظام اللاحقة التي ستضع ألف عقبة وعقبة أمام أي سوري يريد العودة إلى بلده.

ولو كنا قد نظرنا إلى سياسات التغيير الديمغرافي والتهجير القسري في طول سوريا وعرضها، لما تفاجأنا مطلقا بتصريح مسؤول الهجرة والجوازات الذي يمنع أي لاجئ سوري من العودة إلى سوريا من دون توفير مبلغ بالدولار وهو شبه مستحيل لملايين السوريين الذين ربما لا يمتلكون بضع ليرات سورية ليدفعوها أجرة للباص أو السيارة التي ستقلهم إلى سوريا من لبنان أو غيره من بلاد اللجوء، فما بالك أن يملكوا العملة الصعبة.

وهل تنسون تصريح أحد عتاولة النظام الكبار الذي قال في بداية الثورة إن آل الأسد استلموا سوريا عندما كان عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة فقط، فلا بأس أن يتخلصوا من ستة عشر مليون سوري ولدوا بعد وصول الأسد إلى السلطة عبر التهجير والقتل والتغيير الديمغرافي.

هل فهمتم الآن مغزى التصريح الأخير لضابط الهجرة والجوازات في سوريا الأسد؟

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com