العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-08-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عودة إلى ما قاله فورد .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 17/8/2017

لم أستطع ألا أعلق على تصريح السفير الأميركي السابق في دمشق، روبرت فورد، في مقابلة صحيفة الشرق الأوسط معه، والتي يصل بها إلى ما نشر اليأس بين السوريين، حين قال ببقاء بشار الأسد. هذه هي النتيجة التي أراد أن يوصلها، عن قصد، كما أراد أن يوصل رسائل مهمة حين ذهب، في عزّ توسع الثورة السورية إلى حماة برفقة السفير الفرنسي.

بقاء الأسد مستحيل في كل الأحوال، وهذا ما يطيل الصراع، حيث لم تستطع روسيا، بكل جبروتها، أن توصل مقاومي النظام الذين صنعوا ثورة عظيمة إلى هذه النتيجة. وسيبقي بقاء الأسد الصراع قائماً، ولن يفيد هنا كل جبروت قوة روسيا، واستخدامها أحدث الأسلحة. بالتالي، ربما أن فورد يكمل ما بدأه حين زار حماة، أي التشويش على الثورة، ودفع الشعب السوري إلى حالة اليأس.

ما استرعى الانتباه في تصريح فورد قوله إن زيارته حماة جرى تفسيرها خطأً، حيث فُسّرت دعماً للثورة، وبالتالي استخدمها النظام لتشويه الثورة، ودليلاً على أنها مدعومة أميركياً. ومن جهة أخرى، فهمها من "الثوار" المعارضة دعماً أميركياً لهم، وهذا ما أطلق الأوهام حول "الدعم الأميركي". ويحاول فورد في تصريحه أن يقول إنه تصرّف كأنه ساذج، ومن تلقاء ذاته، أي من دون طلب من الإدارة في واشنطن. وبالتالي، كان الأمر "مصادفة"، لكنه فُهم خطأ من الطرفين: النظام والمعارضة. ولا شك أن في هذا الحديث عن السذاجة سذاجة، حيث لا يقوم سفير أميركي بخطوة من هذا القبيل بشكل عشوائي، وبلا قرار من الإدارة في واشنطن، ومن ثم بلا هدف تريده هذه الإدارة.

بالتالي، يمكن القول إن تصريح فورد يوضّح اللعب الأميركي منذ بدء الثورة السورية. هكذا بالضبط. وهو اللعب الذي لا يزال قائماً، فما أشار إليه السفير السابق لم يكن نتاج خطأ في الفهم، ولا نتيجة سذاجة، بل كانت الإدارة الأميركية تهدف إلى أن يُفهم موقفها على الشكل الذي أورده. أي أن يستغلّ النظام الأمر من أجل تشويه الثورة، وإلصاقها بـ "المؤامرة الأميركية"، ويكون لديه مستمسك واضح هو "دعم أميركا الثورة"، حيث زار السفير الأميركي الشعب الثائر و"دعمه". وأميركا تريد ذلك، بالضبط لأنها تريد تشويه الثورة، وتقديم المبرّرات للنظام لكي يسحقها، حتى وإنْ كانت التهمة هي الدعم الأميركي لها. فقد أرعبها توسّع الثورة من تونس إلى مصر واليمن والبحرين وليبيا وبلدان أخرى كان يمكن أن يتطور الحراك فيها، وكانت تحتاج من يسحقها، بعد أن فشلت مناورتها في تونس ومصر، حتى عملت على تحقيق تغيير سريع لكي تنطفئ.

بهذا كانت أميركا تقدِّم للنظام السوري ورقة مهمة، يمكن أن يستغلها ضد الثورة. تمثلت المسألة الأخرى في دفع المعارضة وراء أوهامٍ تجعلها تزيد في تخريب الثورة، حيث تعمل انطلاقاً من أنها تُدعم من أميركا، وتتصرّف على هذا الأساس، وتلقي التصريحات، وتزيد في المطالبات، بما يعزّز اتهام النظام لها بأنها "عميلة" لأميركا. وهذا فعلاً ما حدث، والمعارضة تعلي الصوت داعيةً أميركا إلى التدخل العسكري، ومراهنة على دورها بدل المراهنة على الشعب، وفهم أن الارتباط بأميركا يعني حصولها على رفض شعبي، وتخويف فئاتٍ شعبيةٍ هي مع الثورة.

للأسف، نجحت أميركا في "خطتها"، واستطاعت أن تقدِّم للنظام ورقة مهمة ضد ثورة الشعب السوري، سواء بإظهار أنها مع الثورة، أو في إظهار تبعية المعارضة لها، فقد كانت تريد أن تسحق الثورة، لا أن تنتصر هذه الثورة، وكانت عبر، ما فعل سفيرها، تحرّض من أجل أن تتأكد مصداقية النظام في اعتبار الثورة "مؤامرة". .. ونجحت نتيجة غباء المعارضة التي صدَّقت أن أميركا يمكن أن تكون مع الثورة.

========================

إعادة «فرمتة» المعارضة السورية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 17/8/2017

بين مؤشرات صريحة وتسريبات مقلقة، يمضي مصير سوريا والسوريين في النفق الدموي المظلم الذي ارتآه لهم العالم. الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون افتتح ولايته بانقلاب صريح على سياسة سلفه في سوريا، بوقاحة لم يسبقه إليها أحد: «نظام الأسد هو عدو للشعب السوري، وليس عدواً لفرنسا» قال. حقاً لا يمكن لعبقرية الانحطاط أن تجترح فكرة أكثر شناعة! وذلك بصرف النظر عن أنها رسمت صورة واقعية لكل السياسة الدولية تجاه المأساة السورية. فنظام بشار الكيماوي هو فعلاً ليس عدواً لأي دولة في العالم، بل هو عدو للشعب السوري وحده. لندع الأبعدين جانباً، ونذكر فقط الأقربين: وزيران من الحكومة اللبنانية بصدد زيارة جزار دمشق، بصفتهما الرسمية، لتنسيق الشؤون «ذات الاهتمام المشترك» بين الحكومتين، منها مثلاً كيف يعيد لبنان الهاربين من جحيم الأسد إليه، ومنها شراء الكهرباء الذي يحرم منه النظام مناطق سيطرته، وضمناً مجتمع مؤيديه.

والحق أن وزن فرنسا في معادلات القوة الدولية قد تراجع إلى حد كبير، ولا قيمة كبيرة لتوجهات الرئيس ماكرون، في سوريا أو غيرها، ما لم تستقو فرنسا بالظل الذي يمكن أن تمنحه لها الولايات المتحدة. وفي سوريا بالذات، لا وزن لأوروبا كلها أمام ثقل الروس والأمريكيين. لكن قيمة تصريحات ماكرون تقتصر على جانبها الدلالي، من حيث أنها ترجمة دقيقة لتوجهات «المجتمع الدولي» بصدد إعادة تأهيل نظام الأسد.

أما الإدارة الأمريكية فهي غارقة في مشكلات البيت الأبيض الداخلية التي من المحتمل أن تنتهي إلى إقالة الرئيس ترامب، بعدما فشل في الانسجام مع المؤسسة الحاكمة كما فشل في ترويضها بما يتفق مع شذوذ مسالكه السياسية غير القابلة للتنبؤ. وما زالت «بلورة» سياسة أمريكية متسقة في سوريا خاضعة للتكهنات والأمنيات. بكلمات أخرى: السياسة الأمريكية في سوريا ترسم يوماً بيوم، أو هكذا يبدو الأمر لأي مراقب من خارج أروقة صنع القرار. لكن ما هو ظاهر، منذ اتفاق هامبورغ الشهير بين ترامب وبوتين حول «خفض التصعيد» في جنوب غرب سوريا، بمحاذاة الحدود مع إسرائيل، هو استئناف لسياسة الرئيس السابق باراك أوباما في تسليم مصير سوريا، «المفيدة» منها على الأقل، لروسيا. روسيا التي أخذت توزع الكعكة السورية «بمعرفتها» على الدول الإقليمية، في سياق تثبيت دورها كبلطجي أول في سوريا وجوارها. فأصبحت موسكو هي محج مسؤولي كل الدول الإقليمية المعنية، بشكل أو بآخر، بالصراعات الدائرة على الأراضي السورية، بدلاً من واشنطن.

ولم يغير الروسي، قيد أنملة، من مقاربته لـ»حل سياسي» مزعوم للمشكلة السورية، بل غيرت كل الدول الأخرى باتجاه التقارب مع الرؤية الروسية، بمن في ذلك المبعوث الأممي ستافان ديميستورا الذي يواصل الضغط على الهيئة العليا للمفاوضات من أجل ترويضها أكثر وأكثر. وإذا صدقت التسريبات التي راجت مؤخراً يبدو أن الهيئة العليا للمفاوضات مقبلة على انقلاب أبيض يطيح برياض حجاب ويأتي بأحمد الجربا بديلاً عنه، مع ضم منصتي موسكو والقاهرة إلى جسم الهيئة. وما يعنيه ذلك، إذا نجحت الدول الضاغطة في مساعيها، من نسف الأساس السياسي الذي قامت عليه الهيئة، باتجاه القبول ببقاء بشار الكيماوي في السلطة «أثناء الفترة الانتقالية».

بصرف النظر عن صحة التسريبات من عدمها، وعلى رغم موازين القوة المختلة لغير مصلحة المعارضة، يبقى أن هذه تملك ورقة قوة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، هي رفض التوقيع على صك استسلام لنظام بشار الكيماوي، وهذا هو المعنى الضمني لأي تهاون بشأن بقاء بشار في السلطة ولو ليوم واحد بعد أي اتفاق سياسي مفترض بين النظام والمعارضة.

يقول البعض إن شخص بشار هو مجرد تفصيل بلا قيمة، مقابل تمسك المجتمع الدولي ببقاء النظام، تحت صيغة «مؤسسات الدولة». صحيح أن بشار بذاته تافه كشخص، لكنه مهم جداً لتماسك النظام، إضافة إلى أن بقاءه مع وجود أدلة صريحة على ضلوعه في جرائم حرب، على ما أعلنت عضو لجنة التحقيق الدولية كارلا دل بونتي، يعني القبول بتلك الجرائم وإفلاته، ونظامه، من أي محاسبة محتملة عليها في المستقبل. هذا ما يمكن أن نسميه بإنشاء حل سياسي على أساس إجرامي.

لم يكن الرد السعودي في تكذيب ما نسب إلى وزير الخارجية عادل جبير، في إطار الضغط على «الهيئة العليا» مقنعاً للسوريين، بل كان أقرب إلى تأكيد التسريبات. وحتى إذا كان ما يتم تداوله بشأن احتمال ترئيس الجربا على «الهيئة» من نوع بالونات الاختبار، فهذا يشير إلى توجهات من أطلقوها، لتلمس ردود الفعل من جهة، ولتطبيع فكرة من هذا النوع من جهة ثانية، أي لتمهيد الطريق عملياً أمام الانقلاب الأبيض الذي يراد القيام به على المعارضة السورية.

في السنوات الأولى للثورة السورية، كانت هناك جهات دولية تراهن على حدوث انقلاب داخل القصر على السفاح بشار الأسد، بما من شأنه أن يفتح الباب لحل سياسي يوقف نزيف الدم السوري. ومن أبرز المحطات في هذه المراهنات، ما قيل عن اتصالات بين صهر بشار، آصف شوكت، وفرنسا. ومن المحتمل، وفقاً لهذا السيناريو، أنه تم اغتيال شوكت وزملائه في خلية إدارة الأزمة، بعدما انكشف أمر تلك الاتصالات.

وتمثلت المحطة الثانية في وزير الداخلية غازي كنعان الذي لاقى مصير شوكت نفسه بعدما انكشف «تآمره» على النظام، وفقاً لتعبير بشار الأسد بالذات في تصريحات أدلى بها إلى مجلة مصرية.

ودارت تكهنات مماثلة بشأن إبعاد وزير الدفاع السابق علي حبيب.

كلها تكهنات، وستبقى كذلك إلى حين انكشاف حقائقها يوماً ما. الفكرة هي أن «المجتمع الدولي» الذي فشل في تطويع النظام من خلال انقلاب من داخله، ربما يهيئ اليوم لإجراء انقلاب داخل المعارضة، بهدف تطويعها للقبول بـ»حل سياسي» يدفن كل عقابيل ثورة الحرية والكرامة، ويبقي مجرم الحرب في أعلى منصب في سلطة تقوم فوق أشلاء ما كان يسمى سوريا.

لندع جانباً التوصيف الأخلاقي لحل من هذا النوع، ونطرح السؤال الذي يفهمه «المجتمع الدولي» الذي يقوده أمثال ترامب وبوتين وماكرون: من الذي سيموّل إعادة إعمار ما دمره صبيهم المعجزة في سبع سنوات لتمكينه من حكم سوريا؟

٭ كاتب سوري

========================

الإنسان وقد استشهد في إدلب .. هنادي الخطيب

الحياة

الخميس 17/8/2017

ماعاد مهماً توجيه إصبع الاتهام لقاتل في سورية، فالقتلة اليوم اكثر من أن نحصيهم، ولم يعد ممكنًا احصاء ضحايا سورية، بعد أن استشهد الإنسان هناك.

من قتل سبعة من سوريي الخوذ البيضاء في إدلب؟ ربما هي هيئة تحربر الشام التي تحكم ادلب. يبقى هذا الاحتمال مرجحاً منطقياً على رغم توجيه البعض اصابع الاتهام لعملاء للنظام موجودين بين سكان ادلب، وبين تراشق الاتهامات وصمت القتلة عن اي اعتراف، استشهد الإنسان في سورية.

ما الذي حدث ويحدث هناك في إدلب، حيث يتجمع السوريون المنكوبون والمهجرون من مدنهم وقراهم؟ وهل هزالة «أحرار الشام» التي ظهرت بعد أن قضت عليها النصرة أو «هيئة تحرير الشام» كما أصبحت تحب أن تسمي نفسها، هي ما أوحى لسنوات أنه قوي ومسيطر على الوضع بما ساعد في الفلتان الأمني المسيطر على إدلب؟ أم أن الحكاية تبدأ حيث تنتهي، وكتبت فصولها «تحرير الشام» من الكلمة الأولى وصولاً إلى الخاتمة التي تنتظر إدلب والتي ستكتبها الدول التي تقصف «الإرهابيين» ولا تهتم بحجم الضحايا المدنيين، فحربها المقدسة لقتل الإرهابيين لا يوقفها مدني سوري.

بداية العام الحالي بدأت حالة من الانفلات الأمني تسيطر على الشمال السوري (إدلب وريفها تحديداً)، من عمليات تصفية واغتيالات إلى تفجيرات واقتتال بين الفصائل يوقع من المدنيين ما يوقع، عدا السرقات والخطف والقمع الذي يُمارس على سكان المدينة.

ويبدو أن هيئة تحرير الشام المسبب الأول لحالة الفلتان تلك. فبعد أن قضت على فصيل أحرار الشام وانتهى دوره كغطاء لعمليات الهيئة، أدخلت عدداً من عناصر تنظيم «جند الأقصى» الداعشي والذي سبق أن تم إخراجه من إدلب بصفقة بين الهيئة وداعش.

ولكن إخراج «جند الأقصى» لم يكن أكثر من بروباغندا إعلامية، وإلا لما تمت إعادة إدخاله بهدوء وسرية لاستخدامه لاحقاً، وهو ما حدث فعلاً عندما أعلنت الهيئة عن عملية مداهمة للخلايا الداعشية وأسر 100 أمني لداعش بعد مداهمتها 25 مقراً؟ إذاً 25 مقرًا داعشيًا تحت تسمية خلايا داعشية نائمة، في وضح النهار، اكتشفتها الهيئة فجأة لتقتل المدنيين وترهبهم تحت ستار تصفية الخلايا الداعشية.

ودعونا لا ننسى، أنه ولعدة اشهر مضت فقط، أصبح هناك شبه إجماع على أن الهيئة خطر على سورية والثورة، ولكن ما قبل هذه الأشهر القليلة، نتذكر كيف انبرى قادة معارضون وإعلاميون سوريون للدفاع عن الهيئة، وإن كنا لسنا بوارد تعداد الأسماء التي يعرفها السوريون، إلا أن تبنيهم ذاك يومها، وانتقالهم الآن من صف الدفاع إلى التبرؤ والمهاجمة، يضعنا أمام حائط مسدود بالنسبة إلى أي أمل في تلك القيادات، وعملاً بمقولة يستخدمها السوريون كثيراً «كي لا ننسى»، وجب علينا التذكير دائماً بأولئك الذين يقفزون من ضفة إلى أخرى بسرعة خاطفة، ومن تلك القفزات الانتقال من دعم النصرة وتبنيها إلى مهاجمتها. رعب يومي يعيشه سكان إدلب وريفها، وحالة من الترقب وانتظار الموت قصفا أو إعداماً بعد أن رفعت الهيئة الغطاء عن أي أمن يمكن أن يوجد في المنطقة، ويبقى الإنسان هو الشهيد هناك.

بعد قتل عناصر الدفاع المدني «الخوذ البيضاء» الرمز شبه الوحيد المتبقي للثورة السورية، والحالة الإنسانية المعروفة عالمياً، أعلنت الهيئة عن رفع أي غطاء أمني عن كل منظمة مدنية طبية أو إغاثية، وبالتالي استخدمت أولئك الشباب السبعة الذين بكاهم السوريون بحرقة، كرسالة لتلك المنظمات وكتهديد واضح للخروج من المنطقة. أما من أعطى أوامر رفع الغطاء فلا يمكن لأحد أن يجيب عن هذا السؤال سوى الهيئة نفسها، التي وقّعت على اتفاق تهجير أهل مضايا والزبداني، وقبضت الثمن أموالاً ونفوذاً، وجلبت المهجرين لتضعهم تحت سيف الموت اليومي مع بقية المهجرين السوريين.

إدلب اليوم... ليست حية ولا ميتة، يموت فيها البشر ويبقى الحجر، ويحكمها فصيل متطرف، بقي وفياً للدول الداعمة ولتطرفه إلى أن أوصل المدينة إلى حالة من القنبلة الموقوتة مدنياً وعسكرياً، والله وحده يعرف ماذا ينتظر المدينة بمن فيها من مدنيين من مصير سيشترك في تحديده كل المتورطين بالدم السوري من دول وفصائل ونظام.

========================

سوريا.. من زراعة «المراقد» إلى زراعة «المنصات» .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 16/8/2017

أطلق القيادي البعثي التاريخي صلاح الدين البيطار على الشام جملته التهكمية المشهورة في الخمسينيات بأنها «مريضة»، مما استدعى أن يكون غالبية رؤسائها من الأطباء، اليوم وكأن تربة الشام مريضة أيضاً بحاجة إلى مهندسين زراعيين أجانب، فكان الاحتلال الإيراني في فترة التسعينيات وما بعدها مشغولاً بزراعة المراقد الشيعية، في حين انشغل الاحتلال الروسي هذه الأيام بزراعة المنصات، فكانت له منصة القاهرة وموسكو وحميميم والحبل على الجرار.

شكلت زراعة المراقد الشيعية الكاذبة والمفتعلة في الشرق السوري وضواحي دمشق ومناطق أخرى تربة خصبة للكذب الإيراني في التدخل لاحقاً بالشام، وقام المحتل الإيراني منذ سنوات بتهيئة الأرضية لذلك، عبر إقامة مؤسسات ولجان خدمية حول هذه المراقد، من أجل ربط مصالح الناس المحليين بها، فكانت الكذبة الكبيرة كذبة زراعة المراقد، كما هي زراعة الهيكل بفلسطين، من أجل سلخها عن إسلامها وعروبتها، ومهدت هذه المراقد كذريعة معلنة للتدخل الإيراني بحجة حمايتها والدفاع عنها، وكأن مرقد السيدة زينب، الذي ظل في حماية أهل السنة منذ بني أمية، وحتى الآن، لم يكن موجوداً طوال ذلك التاريخ، ولعل كتاب البعث الشيعي في سوريا الموجود على النت مهماً في هذا السياق.

اليوم يضاف إلى الزراعة الإيرانية الزراعة الروسية، لكنها زراعة سياسية لا عقدية ولا أيديولوجية، هدفها تفجير الثورة سياسياً، فكان لهم أن استحدثوا منصة القاهرة، ثم موسكو، فحميميم، وكلها منصات تلد بعضها بعضاً، والأم والأب هما موسكو التي تسعى من أجل بقاء ذيل العصابة الأسدية في الحكم، بعد أن قتلت وشردت ودمرت ما يعجز المرء والقلم عن تسطيره.

منذ بدء المفاوضات في جنيف وحتى الأستانة، ما بعدها وما قبلها وما بينهما، أدرك الصادقون العقلاء أن الدخول في مفاوضات دون سقف زمني ودون شروط ودون ضمانات دولية واضحة عبث في عبث، ومآله تضييع ثورة عظيمة بحجم الثورة الشامية، وفي الوقت الذي يُمني أعضاء الائتلاف والتفاوض أنفسهم برحيل الطاغية كانوا يقدمون التنازل تلو التنازل، لا فرق بين مخلصٍ وغير مخلص، ما دامت النتيجة نفسها، وبين باقٍ في حضن الائتلاف أو الهيئة، وبين عائدٍ لحضن حكم الحيوان، كما وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من قبل، فكانت المفاوضات من أجل المفاوضات، وتم نزع أنياب الائتلاف والهيئة ناباً ناباً، والمطلوب على ما يبدو أكثر وأكثر.

لعل الأكثر خطورة فيما يتعلق بالزراعة هو زرع العملاء والخونة عصابة الحيوان في جسم الائتلاف، فظهر من قبل رئيس الائتلاف أحمد الجربا، وأخيراً رأينا أعضاء في الائتلاف يعودون لحضن الحيوان ويعتذرون، ولا ندري كم من عميل وشبيح في صفوف الائتلاف والهيئة، ما دام رأسمال أن تكون عضواً فيهما -بغالب الأحيان- هو المال والنفوذ الأجنبيين، بغض النظر عن وجودك بين شعبك وتأثيرك فيه، ويظل القول إن الشام تنفي خبثها، كما أن عصابة الحيوان تستقطب كل الخبث المحلي والعالمي.;

========================

شعب الجبارين السوري سينتصر .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 16/8/2017

تتصف الثورة السورية بصفاتٍ نوعية تنفرد بها من دون معظم ثورات وطننا العربي، اكتسبتها من خلال:

أولا، حجم الكتل المجتمعية التي شاركت فيها، وتنوع قطاعاتها، وتغطيتها الأرض السورية من أقصاها إلى أدناها، فقد نزل ذات يوم جمعة إلى شوارع قرى وطننا وبلداته ومدنه ثمانية ملايين، أي 35% من مجموع السوريين إناثا وذكورًا، وهم يهتفون للحرية ولوحدة الشعب والوطن، وهي نسبة فريدة في تاريخ الثورات، قديمها وحديثها، أضفت على الحراك السوري طابعا مجتمعيا لا حدود له، جعلته حراك شعبٍ، وليس حراك فئة أو طبقة أو جهة أو جماعة أو حلف سياسي... إلخ. كان هذا الطابع المجتمعي الواسع سلميا سبعة أشهر، على الرغم من أعداد من سقط برصاص سلطةٍ استهدفت جسدية المجتمع، لاعتقادها أن انفكاكه عن مطالبه من خلال ضغط عنفها المفرط سيعني انفراط عقد ثورته، وإفراغها من حاملها الوطني الجامع، وإفراغ أهدافها من شرعيتها وقدرتها التعبوية المذهلة. طمرت الثورة النظام بكثافة مجتمعية، جسّدت غضب الوطنية السورية على أشخاصه وممارساته التي لم يسبق أن عبر عن ما يماثله هو أو أي شعب عربي، وربما أجنبي، آخر.

ثانياً، حجم من حملوا السلاح، وكانوا بداية الثورة متظاهرين سلميين، ثم أجبرهم عنف السلطة المسلح على الرد عليها بعنف مضاد. جسّدت أعداد من انحرطوا في العمل المسلح كثافة المتمسكين بأهداف الحراك السلمي الذين لم يترك القتل الممنهج واليومي المتفاقم أي خيارٍ لهم غير الهجرة أو الخروج من الثورة (بصورة دائمة أو إلى حين)، أو حمل السلاح ضد النظام أو إلى جانبه، وكذلك تأييد وجهات نظره حول الإرهابيين وحماية الأقليات. بما أن عنف الأسدية اتسع بسرعة وغطى مجمل الأرض السورية، فإن عددا هائلا من ضحاياه المدنيين والعزّل اختاروا الرد على سلاحه بسلاحهم، وقد عبرت كثافتهم عن استمرار هوة العداء بين الشعب وبينه وتعاظمها، وأبقت على الحضور الشعبي في صراعٍ أخذ يصير إقليميا ودوليا. كانت هذه المقاومة وظلت شرعية، على الرغم مما شاب بنى التنظيمات المسلحة وعملها من عيوبٍ جسيمة، كانحراف قسم كبير منها نحو عسكرة مطيفة/ متمذهبة، لا تلتزم بنادقها المشتتة والمتعادية بقيادة سياسية أو عسكرية موحّدة وذات هوية ومدى وطني، وعدم تحول فصائلها

"لن تتمكن قوة من إبقاء النظام الأسدي رابضًا على صدور السوريين"  جميعها، بما فيها التي انتمت إلى الجيش الحر، إلى مقاومة أي تشكيلات موحدة تمارس قتالا منظما، مستمرا ومتكاملا ضد سلطةٍ طغيانيةٍ تقتل شعبها، وتهجره من جميع ربوع وطنه، يستحيل ردعها وإسقاطها من دون قيادة عسكرية خبيرة ومركزية، تطبق استراتيجية سياسيةً، تترجمها إلى معارك شاملة، تغطي مجمل الرقعة السورية مرة أو مرتين في العام، وتشن في وقت واحد أو متقارب، على أن تشارك فيها تشكيلات موحدة، تخضع لقيادة لا رادّ لأوامرها، تدير جميع من يحملون السلاح ضد النظام، المتهيكلين في وحداتٍ منتشرة في جميع مناطق سورية، تتكامل وظائفها الميدانية على الرغم من تباين مهامها، تكون متراتبة التنظيم، مدرّبة وقادرة على خوض معارك منسقة، يعرف قادتها كيف ينجزون مع كل هجوم استراتيجي يقومون به خطوة إضافية نحو انتصار الثورة وحرية الشعب.

ثالثاً، حجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري، وما أبداه من قدرة إبداعية على ابتكار معادلات صراعية، وطاقات صمود، لم تكن تخطر ببال أكثر المتعاطفين معه، والمنخرطين في ثورته. عموما، كان عدد كبير من أفراد النخب المعارضة يعتقد أن السلطة السورية ألغت مجتمعها وغدت مطلقة القوة، وأن السوريين ضعفاء وممزقون، ويفتقرون إلى التصميم والعزم الضروريين للتمرّد على الأسدية. ثم عندما قام التمرد، تبين أنهم أقوياء أكثر مما افترض أي معارض. أولا: لأنهم تمكّنوا من الانتقال من السلمية إلى العمل المسلح وهم تحت نيران مدافع جيش النظام وصواريخه وشبيحته، ونجحوا في ذلك من دون أن تتوفر لهم قيادة موحدة وخبيرة (فيما بعد ومع إطالة الحرب سيصبح غياب هذه القيادة أخطر مشكلة تواجهها الثورة)، بل إنهم نجحوا أيضا في كسر تفوق النظام العسكري، ودمروا عصاباته المسلحة، وطردوه من 65% من الأرض السورية، وكادوا يطيحونه عام 2012، ويقتلعون الأسدية من شروشها، لولا لم ينقذها أول مرة تدخل إيران ومرتزقتها. وفي المرة الثانية، عام 2015، غزو روسيا وشنها حربا شعواء على الشعب والجيش الحر. وثانيا: لأن السوريين صمدوا في وجه حرب إقليمية/ دولية، شنتها دول وقوات متعدّدة الجنسيات، منها روسيا، بما تمتلكه وتستخدمه من أسلحة متطورة وجيش خبير جدا في قمع أماني الشعوب وتطلعاتها وثوراتها.

كان النظام يعتقد أن الثورة في سورية ضرب من الاستحالة، والسبب أنه لا يوجد فيها شعب حتى يقوم بثورة، كما صرح بشار الأسد قبل أيام من انفجار التمرد المجتمعي الهائل. وعندما وقعت الانتفاضة، قيل عموما إنها لن تستمر غير أيام قليلة. وحين تسلح السوريون قيل إنهم لن يصمدوا في مواجهة جيش منظم ومسلح، يفتقر إلى أية روابط وطنية معهم، ولن يتردّد في استعمال أقسى أنواع العنف ضدهم.

أخيرًا، وحين مالت موازين القوى لصالح السلطة، قيل إن انهيار الشعب غدا وشيكاً، وصموده مستحيلا، وها نحن في العام السابع من الصراع، والعام السادس من التدخل الإيراني الكثيف، والثالث من الغزو الروسي الواسع، ومجتمعنا القوي واقفٌ على قدميه، بفضل روح الحرية الحية في صدور بناته وأبنائه، وشحنة الكرامة التي زرعتها انتفاضته في قلوب مواطناته ومواطنيه، ويستحيل أن يخرجه أحد خلو الوفاض من أي حل سياسي، لأن العالم سيجد نفسه مرغما على إعطائه بعض ما طالب به، فالشعب الذي حقق هذه الأعاجيب يستطيع مواصلة نضاله المشروع بوسائل أخرى تغطي العالم، ومن حفزه حب الحرية وكره الاستبداد إلى تقديم أكثر من مليون شهيد، لن يبخل بالمزيد، في حال قرّر العالم إخراجه صفر اليدين من صراع غدا وجوده مرتبطا بنمط حله، إن تهاون فيه خسر نفسه باعتباره شعبا، ودخل في حقبة ما بعد سورية، سيكون ضربا من الاستحالة لم شتاته بعدها.

رابعاً، ليس بين القرارات الدولية بشأن تسوية الصراع السوري فقرة واحدة تتعارض مع مصالح الشعب والثورة، وليس بينها قرار واحد لصالح النظام الأسدي الذي تلزمه وثيقة جنيف بإخلاء مكانه وتسليمه لنظام ديمقراطي بديل له. لنفترض الآن أن الأمور آلت إلى رفض تطبيق هذه القرارات الدولية: هل يعني ذلك أنها لم تعد ورقة قوية في يد شعبنا وممثليه، إن أحسنوا الإفادة منها أمكنهم إشهارها في وجه أعداء حقوقه، وواصلوا نضاله استنادا إلى ما تمنحهم إياه من قوة معنوية لم يفد أحد منها إلى اليوم، على الرغم من أهمية الشرعية القانونية، وخصوصا منها الدولية، بالنسبة لمآلات الصراعات الكبرى ونهاياتها، لكن حسن استخدامها يمكن أن يبدّل كثيرا من مفردات صراعه ضد الاستبداد وممارساته ونظامه.

خامسا، حجم الجاليات السورية ودورها في المواقع المفتاحية من العالم، وتمتّعها بخبراتٍ رفيعة المستوى، تمتلكها شخصيات وطنية فاعلة ومؤثرة داخل مجتمعاتها، تستطيع المبادرة إلى نسج

"لن ينجح أحد في استعادة الوضع الذي كان سائداً قبل الثورة عليه، وستخرج سورية الجديدة من حطام سورية الأسدية" علاقاتٍ نشطة مع أوساطها السياسية والبرلمانية والإعلامية والاقتصادية والثقافية، التي تلعب دورا مفتاحيا في مواقف حكوماتها وبرلماناتها وأحزابها ورأيها العام، فإن نجح تفعيلها كجاليات منظمة لعبت أدوارا لا تقل أهمية عن الدور الذي يلعبه الداخل، وأمكنها القيام بالكثير مما كان يقوم به، في حال تعرّضه لانتكاسات تقوّض دوره وحقوقه. ثمة اليوم مجتمعان سوريان، واحد في الداخل وآخر في الخارج، فإن تكامل التنسيق بينهما، بحيث يتقدّم دور الخارج بقدر ما يتراجع دور الداخل وبالعكس، فتح السوريون جبهة لا يستطيع النظام مواجهتها أو السيطرة عليها، بوسعها إلحاق هزائم دولية جدية ومتلاحقة به، وتشكيل رافعة للنضال الوطني/ الديمقراطي العام، بما تمتلكه من قدرةٍ على ممارسة شتى أنواع الضغوط عليه، وعزله دوليا، ورفد معركة الحرية ضده بأشكال قانونية وحقوقية وسياسية جديدة ومؤثرة.

لا يستطيع أحد في عالمنا الذي فشلت دوله في كبح ثورة السوريين الوطنية /الديمقراطية وإخمادها، تجاهل حقوق شعب تطالب اليوم قطاعات واسعة من نخبه وحراكه المجتمعي داخل وطنه وخارجه، بتنظيم قدراته بطرق تحول دون تكرار الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها مؤسسات المعارضة منذ انطلاق الثورة، وتسمح بملاقاة التطورات المحتملة من موقع وطيد: ديمقراطي الخيارات وطني الهوية والأبعاد، يستأنف رهان الثورة الأصلي باعتبارها ثورة حريةٍ لشعب سوري موحد، ترفض المذهبية والطائفية وتنظيماتهما في النظام ومرتزقته، وفي ثورة "داعش" وجبهة النصرة المضادة. هذا الزخم المبارك الذي يقدم دليلا إضافيا على قوة المجتمع السوري وشرعية ثورته، يستطيع حمل قضيته العادلة إلى آفاق جديدة، والحؤول دون تجاوزها إقليميا ودوليا، وإبقاء جذوتها متقدة إلى أن يستجيب العالم لرغبات شعبها الذي قدّم ملايين الشهداء والجرحى والمعتقلين والمغيبين من أجل حريته: أثمن ما يمكن أن يضحي شعب من أجله، إن كان يريد حقا تحرير المجال السياسي من الاستبداد، وإقامة دولة العدل والمساواة والمواطنة المتساوية، وحفظ كرامة السوريين الإنسانية.

قد لا ينال الشعب السوري جميع ما طالب به. وفي المقابل، لن تتمكن قوة من إبقاء النظام الأسدي رابضاً على صدور السوريين. ولن ينجح أحد في استعادة الوضع الذي كان سائداً قبل الثورة عليه، وستخرج سورية الجديدة من حطام سورية الأسدية، وسيبني شعبها المجدّ والموهوب، والذي قام بثورة تعلم كل مواطن في عالمنا أن في وسع عينه أن تلاطم مخرز الاستبداد، إن صمم على التضحية من أجل حريته. ولن يكون بعيدا الزمن الذي سيذكّرنا بأفضال شهدائنا على الناجين منا الذين سينعمون بوطنٍ لا يشبه في شيء معسكر الاعتقال الأسدي الذي دمرناه، ولن يكون باستطاعة أحد إعادتنا إليه تحت أي اسم أو ذريعة.

========================

وقفة مع الذات في سورية .. سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الاربعاء 16/8/2017

"الرّقة تذبح بصمت". هذا ليس عنوان صفحة في "فيسبوك" فقط، بل هو حقيقة واقعة وراسخة ومؤلمة حدّ الفجيعة. الرقة تذبح منذ سقطت بمجانية رخيصة في أيدي التنظيم الإرهابي الذي تستثمر فيه كل الأنظمة المتورّطة بالجريمة ضد الوطن السوري وشعبه، داعش، بل قبل داعش، منذ إرهاصات التشرذم وشق صفوق المعارضة النزيهة من الارتهانات الخارجية الطامحة بدولةٍ سوريةٍ تقوم على أساس المواطنة، تحقّق لأبنائها ما كانوا قد حرموا منه، وثاروا لأجله، لكن الرّقة استبيحت، وسبيت وصارت بازارًا للمساومات المدفوعة من دم أبنائها، والعالم يتفرّج، والمعارضة التي صادرت قرار الشعب، ونصّبت نفسها وصيةً عليه، ومتحدثة باسمه، مثلما لو أنها وصلت إلى هذا الموقع المشرّف بانتخابات نزيهة، قال فيها الشعب كلمته بإرادة حرة، تتفرج أيضًا، إذ طالما أنّ البازار مفتوح وفعال، والمنافسة تزداد شراسة، فإن المعارضة هذه لم تعد تتفرّج فقط، بل هي متورّطة في المشهد، بما أنها لم تراجع تجربتها ولا مواقفها، ولم تعترف أنها لم تلعب سياسةً ولم تمارسها سابقًا، أو اليوم. بل هي فقط لبت المطالب، وارتبطت بالولاءات، وها هم أبناء الرّقة يُذبحون ويهجّرون، وتدمر بيوتهم، وطيران القوى العاتية في العالم يقصفهم بلا رحمة، بينما يصل دوي القصف وصراخ المنكوبين، كما رجع صدى يأتي من منطقةٍ أخرى ليست قطعةً من جسد سورية، ولا نبضًا من قلبها، أو لكأن قصف طيران التحالف ليس أكثر من تمسيدٍ على وجه الرّقة الدامي.

كل قطرة دم سورية غالية على الرغم من هول الحجم الذي سفك، لا فرق بين سوري وآخر. لكن عندما تفقد الرقة، مثل باقي المناطق السورية، نخبة شبابها الذين هي أحوج ما تكون إليهم في وقتها الراهن، فهذا جدير بالتوقف عنده. أن تخسر الرّقة ثلاثةً من أطبائها في غارة واحدة أمر صادم، فهؤلاء منوط بهم دور إنساني يقومون به في أعصب الأوقات التي تمر بها البلاد، يقومون بعملهم المنقذ في حمّى النيران وجبروت القصف والاقتتال والقتل، لمن يُترك أبناء بلدتهم المهدّدون في كل لحظةٍ بانتهاك أجسادهم وأرواحهم؟

ومثل الرّقة إدلب، المحافظة السورية التي جعلوا منها ما يشبه المحميّة، جمعوا فيها محصول التفاوض والمصالحات من كل مناطق سورية، وتركوه تحت رحمة عصاباتٍ تهوى القتل

"كل قطرة دم سورية غالية على الرغم من هول الحجم الذي سفك، لا فرق بين سوري وآخر" والتطرّف والنهج الوحيد في الحياة، النهج الجامد القائم على الهيمنة والسيطرة والقيادة على مبدأ الراعي والقطيع الذي هو الرعية في إمارة تدّعي الإسلام وتطبيق شريعته، بكل ما عرفت وتعرف من بطش وعنف وإقصاء للمختلف حدّ إعدامه. فصائل تملك السلاح والمال والدعم والغطاء الخارجي، تتناحر فيما بينها، يقتل بعضها بعضا، تحصد الأرواح في تقاطع نيرانها، وتقتل من يداوي الجراح، ويسعى إلى الحفاظ على الحياة، لن تكون جريمة قتل المسعفين من الدفاع المدني في سرمين الأخيرة، مثلما لم تكن الأولى، والعالم يتفرّج، والمعارضة السلطوية تتفرّج أيضًا وتدّعي الحنكة والحزم في تفاوضها.

من صفّق لهذه الأنماط من الفصائل في البداية؟ من تباهى بأنها عانقته؟ من أشاح بوجهه عن ممارساتها وصمّ أذنيه، منذ البداية، عن خطاباتها الإقصائية التي دقت إسفين الفرقة بين مكونات الشعب السوري، الفرقة القائمة على الخوف من الآخر والتحفظ تجاهه في أحسن الأحوال، واعتبرها من مكونات الثورة وركنا أساسيا منها، طالما تسعى إلى إسقاط النظام؟ ألم تكن النتيجة سقوط الوطن والمجتمع السوري في حمأة حارقة من الثأرية البغيضة، والرجوع إلى كيانات ما قبل الدولة، بكل بعدها عن عصرنا الراهن؟ هل كان يكفي إسقاط النظام من دون برنامج واضح صريح، يتماشى مع أهداف الثورة؟

هذه المعارضة التي كان متوقعًا منها، بل المطلوب منها أن تعمل وتقدّم برنامجًا واضحًا يقوم على أساس العمل على تحقيق طموحات الشعب السوري، بكل فئاته وشرائحه، أهدافا تضع نصب عينيها سورية المستقبل، ما زالت تتخبط في أدائها، تتعثر بأخطائها، بل ربما ليس جائرًا القول إنها تنتهج أسلوب عمل النظام وتفكيره، بسلطوية سافرة.

صار الوضع السوري أضعف من احتمال أي تأخير في علاجه، ليست سورية في المناطق المنكوبة، أو الخارجة عن سيطرة النظام، وحدها المنهكة، بل كل مناطق سورية، وكم هو مؤلم أن نتحدّث عن سورية بصيغة: كل المناطق، بدلاً من سورية كلها. لكن هذه الـ "سورية" كلها بحاجة إلى الاستماع إلى أصوات أبنائها. ليس وفد الهيئة العليا وحده من يمثل الشعب، ولا حتى لو اجتمع مع كل المنصّات، وليس وفد النظام ممثلاً حصريًا للشعب حتى الواقع تحت سيطرته. ممارسات النظام والمعارضة، بشقيها العسكري والسياسي، جعلت نسبةً ليست ضئيلة من الشعب السوري صامتة، مثلما جعل بطش النظام وجبروته نسبة أخرى صامتة أيضًا، تتجرّع مرارتها

"ليست سورية في المناطق المنكوبة، أو الخارجة عن سيطرة النظام، وحدها المنهكة، بل كل مناطق سورية" وخيبتها مع نزيفها الداخلي، ونسبة أخرى رأت في النشاط المدني تعويضًا عن عدمية موقفها. ربما كان لدى هؤلاء جميعًا مقترحات لحلولٍ يمكن أن تحفظ ما بقي من الوطن وأرواح أبنائه، فقط لو يتخلى ممثلو الشعب الحصريون عن استبدادهم بالقرار، وبالدور التفاوضي المتعثر، بل المقيّد بالوصاية من الخارج، نظامًا ومعارضة، ويفسحون المجال لآخرين، ربما لديهم ما هو مقبول شعبيًا أكثر، فرغبة الشعب حتى الآن متروكةٌ في صفوف متأخرة من الأولويات.

الاتفاق على صيغةٍ لإدارة مرحلةٍ انتقالية، ليس المقصود بالانتقالية هنا هو ما بعد إسقاط النظام أو تنحيته، بل انتقالية لما بعد وقف الاقتتال الذي يجب أن يكون المطلب الأكثر إلحاحًا، ربما تفسح مجالاً لإبداعات فئاتٍ أخرى من الشعب السوري، همّشتها الحرب، وأسكتها صوت المدافع ووهج الدم، فئات قد يكون الدواء الناجع مكنونا في أعماقها، لكنها مقصيّة عن القرار مكبوتة الإرادة، مع تأكيد أن إدارة سورية لا يمكن أن تعود كما كانت، فكل أنظمة الحياة هزّها الزلزال السوري، ولن تعود الأساسات القديمة مفيدةً لبناء على الشاكلة القديمة. ليس هذا الطرح فريدًا، ولا انبثق من العدم، هذا شأن الثورات والتحولات الكبرى، كما تعلمنا تجارب التاريخ، فالتغير في عمر الشعوب لا يُقاس بعمر الأفراد. صحيح أن الثمن كان باهظًا، لكن التغير واقع لا محالة.

ليس الشعب السوري في مناطق المعارضة فقط، وليس تحت رحمة النظام فقط. ما زال الشعب السوري موزعًا على أراضي سورية، حتى من هجّرتهم الحرب وصاروا لاجئين في دول الجوار وفي كل أنحاء العالم، ما زالوا سوريين، ومن حقهم أن يكون لهم رأي وصوت في تقرير مستقبل وطنهم.

========================

منصات موسكو ليست المكان الصحيح الذي يمكن مخاطبة الشعب السوري عبره .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 16/8/2017

بسرور وعقول وقلوب منفتحة، رحبنا ولم نزل نرحب بأن تلعب الدول العربية الشقيقة دورا قياديا لتحقيق عملية الانتقال السياسي الكامل في سوريا.

وهنا لا يمكن لأحد أن يتجاهل الثقل العسكري والسياسي لمصر العربية بالاضافة إلى بعدها العربي القومي وعلاقات الأخوة الوثيقة بين مصر والشام – التي تعود لعصر الفرعون رمسيس الثاني ومعركة قادش غرب عاصي حمص، وفي عهد الأمويين وصلاح الدين والمماليك «عين جالوت» والوحدة بين البلدين في القرن المنصرم وحرب تشرين – طالما أن الهدف هو نصرة الشعب السوري والحفاظ على ترابة الوطني تحت مرجعية الأمم المتحدة وبيان جنيف واحد. القاهرة مرحب بها .

مما لاشك فيه أن جميع أهالي المدن المحاصرة والمحترقة بطائرات روسيا والميليشيات الإيرانية يبحثون عن الخلاص والسلام بعيداً عن تنظيم بشار الأسد وميليشيات إيران الإرهابية، ويرحبون جميعاً بالوقف الفوري لإطلاق النار وإخراج المعتقلين من سجون بشار الأسد الأمنية والتشبيحية، والجميع يرغب بعودة الحياة الطبيعية لتلك المناطق بعد سنين الحرب الطوال، لكن لا أحد يرغب بالاستسلام أو التنازل عن دماء السوريين أو يقبل بالمصالحة مع تنظيم الأسد ورموزه الدموية تحت أي عنوان من العناوين، فهم لم يقدموا كل هذه التضحيات حتى يعودوا لزريبة السمع والطاعة.

هل نحتاج لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات واطلاق سراح المعتقلين، نعم بكل تأكيد نحتاج ذلك، بعدما تعب الأهالي، وهذا حقيقة ما عول عليه تنظيم الأسد، أن يقول الناس تعبنا، ويستسلموا لواقعهم الذي خذلهم فيه القريب والبعيد، لكن السوريين لم يقبلوا بهذا حتى الآن.

لسنا ضد السلام المستدام ونبحث عن العدالة الاجتماعية والسياسة والتعايش المشترك البناء، لكننا بكل تأكيد ضد الاحتلال والعدوان الروسي وغيره من صنوف الاحتلال، ولا يمكننا أن نقبل به وسنقاومه ونسميه باسمه الذي لا يحتمل لبسا أو تفسيرا.

وبكل صراحة: الوجود الروسي في سوريا هو عدوان واحتلال ومشروع تخريب ودمار، وأين ما حلت روسيا حل الفقر والخراب والفساد، ومن يسوق للمشروع الروسي هو شريك أصيل في كل ما ارتكبته روسيا من إجرام في سوريا خلال سنوات احتلالها بلادنا، ونضيف نحن لم نكن شركاء في ما تم التعاقد عليه بين تنظيم الأسد والاحتلال الروسي، وبالتالي لا نعترف بأي اتفاقيات تمت بينهما اعتباراً من عام 2011.

إن كانت روسيا جادة في صنع السلام في سوريا عليها أن توضح لنا ما هو مشروعها في سوريا دون لف ودوران لنتجه إلى الهدف بشكل مباشر، نحن لم نكن يوماً ضد الاتحاد الروسي ولم نذهب اليهم، هم من جاءوا الينا ليذبحونا ويشردونا، وبطركهم من قال إنهم يخوضون حربا مقدسة في سوريا، ووزيرهم لافروف من قـال إنهم تدخلوا في سوريا قبل أسابيع من سـقوط تـنظيم الأسـد ووصـول الثـوار إلى دمـشق..

لسنا في المجمل ضد موسكو ولكن عليها أن تبني الثقة مع الشعب السوري وتعترف بجرائمها أو على الأقل تعترف ولو على استحياء أنها أخطأت، وأن تتخلى عن مطالبها ببقاء تنظيم الأسد وتوقف دعمه بالسلاح والرجال، حينها ستجد كل أيادينا ممدودة للسلام، أما والحال كذلك من غطرسة وتسلط وعدوان فليس لها عندنا إلا المقاومة والصمود إلى آخر نفس.

كما يجب على موسكو إن كانت حقاً ترغب في السلام في سوريا أن توضح لنا وبشكل علني ما هي استراتيجيتها في بلادنا، أي ما هي الخطوة التالية لوقف إطلاق النار، وهل ستتخلى عن بشار الأسد أم لا، وهل ستعترف روسيا بأن الشعب السوري قام بثورة ضد تنظيم الأسد ذيل الكلب بالوصف الروسي، على هذا الأساس نبني نظرتنا للتعاون المستدام معها. دولة، لدولة، وليس تنظيم تابع ودمية يحركها كرملين موسكو حيث يشاء ومتى يشاء.

في ظل ما نتابعه من تصرفات وسياسات بوتين في سوريا لا نعتقد أن موسكو في وارد التخلي عن نظام الأسد، ربما تقوم بتغييرات شكلية في النظام وتسليم أذرعها التي استنبتتها في سوريا، بعض المناصب الشكلية في إطار المشهد السوري لكن الاستراتيجية النهائية لا تعني التخلي عن بشار الأسد وهذا لا يحتاج لتوضيح.

في موضوع بنود الهدنة دعونا نسأل: ألم يصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2254 وجاء فيه كل ما جاء في هذه الهدن المزعومة وقامت روسيا بعرقلة تنفيذه؟ ألم تعلن موسكو من أستانا اتفاقية وقف التصعيد بالتشارك مع إيران وتركيا؟ وما هو الجديد الذي قدمته هذه الهدنة؟.

نقول بكل وضوح روسيا مازالت العدو والمحتل بنظر الشعب السوري الحر، ولم تغير سياستها، وكل ما تفعله من وراء هذه الهدن أنها تحاول تبييض وجهها القبيح كصانعة للسلام في سوريا بعد كل ما فعلته.

تلميع دور احمد الجربا وتياره ومنحه دور البطولة في مرحلة مقبلة، هذا أمر غير مقبول لدى الجماعة الوطنية السورية وشرفاء الثورة الذين يطرحون عشرات علامات الاستفهام والتعجب حول «الجربا» وتياره وارتباطاته وانخراطه في المشروع الروسي.

نحن وإن كنا نرحب ونرجو أن يقوم الأشقاء العرب بدور فعال في سوريا تحت سقف قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، نعتقد أن عنوان البريد الذي أرسلت عبره رسائل للشعب السوري كان غير موفق لتيار «الغد» الذي لا يحظى باي دعم شعبي والجميع ينظرون له بعين الريبة والحذر.

لا مانع لدى الثوار أن يكون للأشقاء العرب مصالح في سوريا، لكن من المهم أن يختاروا رجالاتهم بعناية ولا يعتمدوا على شخصيات مستهلكة ومكشوفة أمام السوريين، وإن كان البعض منهم في هذه المرحلة قبل بعض الأدوار التي كتبتها له تيارات «موسكو» نتيجة شراء الذمم والولاءات وبسبب الحاجة والوضع المزري في الداخل السوري أو بعض المتسلقين الذين يتواجدون عند أي قسمة او مائدة، ومن تخوف من التهديد والوعيد بالطائرات الروسية، لكن بالنهاية هذه شخصيات غير مرحب بها في الحراك الثوري السوري وما إن تهدأ الأمور حتى يعود الكثير منهم لرشده ورفضه لهذه الفطريات التي لا تستطيع العيش إلا على الجيف.

نعتقد أن أمام القاهرة وبقية الدولة، قنوات أخرى وفرصا أفضل تستطيع عبرها تحقيق مصالحها بعيدا عن الأوراق المحترقة المتساقطة كآخر أوراق الخريف، أو التي لا مستقبل لها.

ونرحب بأي دور بناء لها في إطار الوطن السوري الواحد وانتصارها للشعب السوري وتضحياته العظيمة.

في الختام نقول وبكل أمانة ومحبة، تيارات «موسكو» بعناوينها المتعددة ليست العنوان المناسب أو البريد الصحيح الذي يمكن مخاطبة الشعب السوري عبره، كما يقول السوريون في ما بينهم وإن أجبروا بسبب طبيعة المرحلة وضغط الظروف على القبول بهم مكرهين، مرحلياً .

========================

النصر المستحيل في سورية .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 16/8/2017

لا نصر محسوماً في سورية. لا طائرات بوتين تستطيع إنجاز هذه المهمة، ولا تراجعات أميركا يمكن أن تحقّقها، ولا حتى كل خزان إيران البشري. كل ما يمكن تحقيقه لا يتعدى تحسين مواقع طرف أو تحالف في المعادلة، ثم إن الانتصارات في مثل هذا النمط من الصراعات لا يمكن لها التمظهر إلا بعد ثبوت المتغيرات في شكل نهائي، وهذه تأخذ زمناً طويلاً قد يصل إلى عقد وأكثر.

ثمّة من يستعجل إعلان نصر طرف في الحرب السورية، هو في شكل واضح نظام الأسد تحديداً، بناء على سيطرته على بعض المواقع، ولا شك في أن هذا معطى مضلل كشفته خبرة تجارب السنوات الماضية، ذلك أن النظام تراجع إلى حدود السيطرة على أقل من 15 في المئة من مساحة سورية، وقد يستعيد السيطرة على غالبية سورية بفضل تضافر ظروف موضوعية لمصلحته في هذه المرحلة من دون أن يعني ذلك انتصاره، فطالما بقيت هناك ثورة سيبقى هو تحت الخطر، وشروط استمراره تختلف عن شروط استمرار المعارضة ضده، فالثورة لديها مرونة أكبر ومن الممكن أن تتحول الى أشكال أقل كلفة ولا تحتاج الى انتشار واسع، في حين أن النظام يحتاج شروطاً وبيئة مختلفة، ميزتها الأساسية الكلفة العالية.

يؤثر ذلك بالضرورة على رهانات الطرفين، والرهانات هي المحركات الأكثر قوة في ديمومة الصراع، وإذ تتطلب رهانات الأسد إيجاد بيئة ملائمة للقضاء على معارضيه، تتوافق مكوناتها الخارجية والداخلية على تحقيق هذا الهدف، وتوفر له الموارد اللازمة، وهذا مستحيل في بيئة متطلبة، في مقابل أن رهانات معارضيه أقل اتساعاً وأخفض تكلفة، تبدأ من الرهان على اغتيال رأس النظام، وصولاً إلى تغير في الموقف الدولي، وهي رهانات تبقى قابلة للتحقق.

استعادة السيطرة على حلب، التي يضعها المبشرون بانتصار النظام أيقونة لمؤشراتهم، قد تكون أنهت وجود كيان منافس لكنها لم تنهِ الثورة. كل مرحلة ستكون ولادة لنمط مختلف من الصراع لن تتكشف ملامحه لأنه سيكون استجابة للمتغيرات وتكيفاً معها.

النصر مستحيل لأن الأمور في سورية لا يمكن معالجتها من فوق الى تحت، فلا يكفي أن يتحصّن الأسد في دمشق ولا أن تقبل بعض الدول ببقائه لحل الأزمة او تسويق ذلك كعلامة للنصر. القضية مرتبطة بملفات أعقد، تشمل اللاجئين، دمج عشرات إن لم يكن مئات آلاف المقاتلين في القوات المسلحة، إعادة الإعمار، مصير المعتقلين والمفقودين. كل واحدة من هذه القضايا هي عنصر تفجير ما لم يتم حلّها بتوافق وطني ونتيجة رضا كل الأطراف، أو على الأقل توافقها على نوعية التنازلات ومستوياتها ومحتواها.

النصر مستحيل، لأن البعد العسكري بعد واحد في أزمة معقدة، والحل ليس مع الفصائل المسلحة التي لم تكن سوى تعبيرات إجتماعية عن موقف مقاوم للنظام. المشكلة مع المجتمع نفسه الذي اتخذ قرار إطلاق شرارة الثورة ثم تحمّل كلفة احتضانها والسير بها ودفع ثمنها، وهو اليوم ينتظر حصاد الغلة وليس القبول بحلول ترجعه إلى واقع أسوأ من الذي ثار عليه.

صحيح أن السوريين تعلموا من ثورتهم درساً في السياسة فحواه انه لم يعد ممكناً سقوط الأنظمة بالقوة ولا حتى بالثورات، وها هي مصر وتونس تعيدان إنتاج أنظمتهما القديمة، فلكل نظام شبكة علاقات كما أن له منظومة يرتبط بها، لكن السوريين يعرفون أيضاً انهم أصبحوا طرفاً تفاوضياً، وأنهم استعادوا تعريف الدولة وفق ما نصت عليه كلاسيكيات العلوم السياسية، شعب، أرض، وسلطة، وبالتالي فإنه إن لم يكن ممكناً إسقاط رأس النظام اليوم، فإن الشعب صار جزءاً من المعادلة التي على أساسها ستعاد هيكلية السلطة وشكل الدولة.

ولا يصلح هنا الرهان على تعب طرف واحد. الجميع، بمن فيهم اللاعبون الكبار، وصل إلى أعلى مستويات الإنهاك. لقد خاضوا حرباً قاسية واشتغلوا بأقصى طاقاتهم للوصول إلى هنا، وكلهم يتمنون أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة استثمار لما يعتقدون أنهم أنجزوه، وليست مواصلة للحرب بطرقها القديمة، وروسيا نفسها التي تعتبر المشغّل الأساسي للحرب خفّضت حركة طائراتها لاعتقادها أنه لا يمكن الاستمرار بنفس النمط السابق، وأن المرحلة التي ستلي القضاء على التنظيمات المتطرفة ستكون لها حساباتها واستحقاقاتها.

النصر يصبح ممكناً في الصراع السوري، فقط إذا تم توزيعه على الجميع، بحيث تشعر جميع الفئات والطبقات والطوائف أنها حققت، من زاوية نظرها، ما يلبي مصالحها ويهدئ مخاوفها، إن لم يكن كلها فالجزء الأساس منها. فكل السوريين صار عندهم بنادق وقناصون، والصومال وأفغانستان هما تجربتان حيّتان لأطراف استعجلت يوماً إدعاء نصرها.

========================

الدولة اللبنانية تتحلّل كرمى للأسد .. سعد كيوان

العربي الجديد

الاثنين 14/8/2017

الدولة اللبنانية في طريقها إلى التحلل، أو في الحقيقة ما تبقى منها. أهم مظاهرها حكومة مغلوب على أمرها. عاجزة عن اتخاذ أي قرار ليصبح القرار بيد الأقوى. فكيف إذا كان مسلحاً! هي واحدة من أفشل تجارب حكومات "الوحدة الوطنية" التي تحشر فيها جميع القوى، تأجيلا للخلافات والتكاذب والتظاهر بالتوافق والتفاهم. حكومة يريد كل طرف منها عكس ما يريده الآخر. أمر واحد فقط يجمعهم هو السمسرات والصفقات. حكومة تُقاد من الخارج، أي خارج. حكومة وضع لها رئيسها، سعد الحريري، عنوانا ومهمة شبه مستحيل تحقيقها هي "استعادة الثقة". في حين باتت ثقة اللبنانيين يأساً واستسلامًا للقدر عبر تعلقهم بالجيش، وبعصبياتهم المذهبية والزعاماتية.

قضم سلطة الدولة قائم ومتدرج ومستمر منذ أكثر من عقد. يوم تحرّر الجنوب في مايو/ أيار 2000، وتحول حزب الله إلى الداخل، وإصراره على الاحتفاظ بسلاحه. وبعد جريمة اغتيال رفيق الحريري، واضطرار بشار الأسد لسحب الجيش السوري من لبنان، تقدم لملء الفراغ كمليشيا مسلحة، تهدد ساعة تشاء وتروّض ساعة تشاء، وتراوغ أو تهادن ساعة تشاء. وهذا الدور بات يجيده حزب الله بشكل أفضل، بعد أن ولج عتبة الحكم، وأخذ يشارك في الحكومات. بوزير أو اثنين لا فرق. حتى ولا أحد. لا يحتاج ما يريد أن يفرضه أكثرية أو قوة الإقناع والمنطق. وإنما يحتاج رهبة السلاح ووهجه، فالقرار يؤخذ في الميدان، كما حصل في يوليو/ تموز 2006. أو عندما احتل، في نهاية ذلك العام، وسط بيروت سنة ونصف السنة لإجبار الحكومة على الاستقالة. أو عندما غزت مليشياه العاصمة في 7 مايو/ أيار 2008 لإجبار الحكومة على التراجع عن قرارات اتخذتها. أو عندما أسقط حكومة سعد الحريري عام 2010 التي كان له فيها وزيران من أصل ثلاثين، فيما كان الحريري يدخل البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وغيرها من محطات ومظاهر قضم لسلطة الدولة. وأحيانا، لا يحتاج حزب الله أكثر من التلويح بما يريد.

وبالأمس، كانت معركة جرود عرسال التي قرّر حزب الله خوضها لأسبابٍ لم تفرضها تطورات ووقائع لبنانية داخلية، وإنما إيرانية وسورية. هو اتخذ القرار، وهو ذهب إلى المعركة. وهو من قرّر فجأة اللجوء إلى التفاوض مع من يعتبرهم إرهابيين، ومع من رفض على الدوام التفاوض معهم. والأنكى من ذلك، وفي تحدٍّ لهيبة الدولة اللبنانية، وقرار حكومتها، باتباع "سياسة النأي النفس" عن الحرب في سورية، بادل مع جبهة النصرة عناصر له تم أسرهم خلال قتالهم ضد الشعب السوري. وقام بتسلمهم في احتفال شارك فيه أحد رموز الدولة وسلطاتها الأمنية مدير جهاز الامن العام اللبناني! وذلك كله والجيش اللبناني كان يقف مسعفاً

"حزب الله اتخذ قرار معركة جرود عرسال، وهو ذهب إليها. وهو من قرّر فجأة اللجوء إلى التفاوض مع من يعتبرهم إرهابيين، ومع من رفض على الدوام التفاوض معهم" متفرّجاً، فيما دفعت إيران المتوجسة من الاتفاق الروسي- الأميركي إلى إنشاء "منطقة خوض التوتر" في جنوب سورية، وبالتنسيق مع موسكو وواشنطن دفعت حزب الله إلى خوض معركة "تنظيف" جرود عرسال (السنّية) من طريق الشريط الساحلي لدويلة بشار الأسد.

الخطوة الثانية على طريق إعادة الاعتبار لشرعية سلطة الأسد أن يعود لبنان إلى حضن النظام السوري، فقد بدأت الضغوط تتصاعد وتزداد لإجبار الحكومة على فتح خط تواصل رسمي مع النظام في دمشق. وهذا ما انبرى له حسن نصرالله، قبل أسابيع، مطالبا الحكومة بالتفاوض مع حكومة دمشق، بحجة تنظيم عودة النازحين السوريين الذين شرّدهم الأسد وهجّرهم. وقبل أيام، انضم إلى الحملة رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، مؤكدا من طهران (!) على ضرورة إعادة العلاقة مع دمشق الى ما كانت عليه قبل 15 مارس/ آذار 2011، أي يوم اندلعت الثورة الشعبية في سورية. ويبدو ان "الثنائي الشيعي" مصمم على إحراج رئيس الحكومة، سعد الحريري، عبر إعلان وزراء في حكومته القيام بزيارات رسمية إلى دمشق. علماً أن مثل هذه الزيارات تحتاج موافقة مجلس الوزراء. وكادت المسألة أن تفجر الحكومة من الداخل، قبل أيام، عندما طرح الأمر في جلسة لمجلس الوزراء. وعلى الرغم من ذلك، أعلن الوزير من حزب الله، حسين الحاج حسن (وزير الصناعة) أنه سيذهب إلى دمشق ل"المشاركة في معرض إعادة إعمار سورية"، وعلل ذلك بأنه تلقى دعوة من نظيره السوري. وهكذا، أعلن زميله وزير المال الذي ينتمي إلى حركة أمل. ويقال إن هذا الإخراج تم استنباطه "تفاديا للإحراج" في أثناء زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني، حسين عبد الأمير اللهيان، الأسبوع الماضي إلى بيروت.

ما هو مصير مجلس الوزراء، وهل سيبقى "غائبا عن السمع"، إن لم نقل في كل شيء، فأقله في الخيارات الكبرى التي لها علاقة بمصير البلد، فالاستعدادات على قدم وساق تحضيراً للمعركة التي سيخوضها الجيش ضد مواقع "داعش" المحصّن في المقلب الآخر من الجرود لجهة رأس بعلبك، فخطوات حزب الله، في معظمها، مدعومة ومغطاة من رئيس الجمهورية ميشال عون. وكان لافتا اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، برئاسة رئيس الجمهورية، وتقرّر فيه أن "الجيش لا يريد أن يعاونه أحد" في هذه المعركة المنتظرة، غير أن رد حزب الله جاء

"نحن أمام ما يشبه "الانقلاب الزاحف" الذي يجسّده استعمال حزب الله بذكاء مقولة ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" التي حولها تدريجيا إلى "مقاومة تقاتل وجيش يساند والشعب يصفق"" سريعا، إذ أقحم نفسه معلنا أنه سيقوم بالمساندة والاشتراك في المعركة مع قوات الأسد من داخل الأراضي السورية.. وقبل أيام، أطلق نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، معادلة جديدة: "المقاومة تقاتل والجيش يساند والشعب يؤيد".

ويبدو أن إيران (وحزب الله) في سباق مع الوقت، ومع الإدارة الأميركية التي تعزّز، بشكل لافت، حضورها العسكري في لبنان، لإسناد الجيش كون لبنان مشاركًا في التحالف الدولي ضد الإرهاب. ويبدو أن إيران تقول بوضوح: سورية، وبمعيتها لبنان، يجب أن يبقيا تحت سيطرتنا.. فماذا سيفعل رئيس الحكومة؟ أليس أشرف له الاستقالة من أن يبقى يراوح في عجزه؟

بات هناك جيشان في لبنان. الشرعي ومليشيا حزب الله التي تحولت جيشاً بالمعنى الكامل. وباتت مقارعة الحزب تفوق قدرة طرف أو أي طائفة، لا بل جميع الطوائف مجتمعة. وهو اليوم يحاول لعب دور "الحرس الثوري الإيراني"، أي الجناح العسكري المقاتل للجيش الإيراني. نحن أمام ما يشبه "الانقلاب الزاحف" الذي يجسّده استعمال حزب الله بذكاء مقولة ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" التي حولها تدريجيا إلى "مقاومة تقاتل وجيش يساند والشعب يصفق"... كما حصل بالنسبة لمعركة جرود عرسال.

تتلاشى السلطة في لبنان، ولم يبق منها إلا العسكر، والبلد فريسة نهب الطبقة السياسية ونهبها وفسادها الذي ليس بعيدا عنه حزب الله، فالفضائح المالية والتهريب طاولته بشكل أساسي. لم يحصل الأمر فجأة، بل يحصل تراكم القوة منذ عدة سنوات، في ظل انهيار فريق 14 آذار السيادي، وتخلي داعميه الإقليميين والدوليين عنه.

========================

هيكلة الشرق الأوسط .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 13/8/2017

ليست فصائل الثورة السورية، ولا مليشيات بشار الأسد، هي البنى الوحيدة التي يجري إعادة هيكلتها. هذه وتلك ليست سوى جزء من عمليةٍ تطاول المنطقة برمتها، وسواء باتفاق أو بدونه، بين أميركا وروسيا، فإن السير على سكة الهيكلة الشرق أوسطية بدأ، وصورة المشهد صارت واضحة لجميع اللاعبين.

وفي الطريق إلى الهيكلة، تشهد المنطقة منعطفاتٍ حادّة، ظهر بعضها على شكل محاولاتٍ لتحسين المواقع، مثلما حصل في السباق الميداني على مناطق النفوذ في سورية والعراق، أو حرب حزب الله في عرسال، وتمظهر بعض آخر على شكل صراعاتٍ تفجرت فجأة، الصراع الخليجي، وبعضها جرى على شكل إعادة فك وتركيب تحالفاتٍ شكلت أساساً للمشهد السياسي والعسكري في المنطقة سنوات طويلة، مثل حراك الأحزاب والشخصيات الشيعية العراقية، لأخذ مسافةٍ من إيران، وكذا إعلان أميركا إنهاء برامج دعمها المعارضة السورية.

لا يعني ذلك أن جغرافية إعادة الهيكلة تقف عند حدود سورية والعراق، بقدر ما أن إعادة ترتيب هذه البقعة سيعني قطع نصف المسافة لإتمام عملية الهيكلة، انطلاقاً من حقيقة أن جميع الأطراف الإقليمية وضعت، على مدار السنوات الأخيرة، الجزء الأكبر من استثماراتها العسكرية والسياسية في الصراعات الجارية في تلك المساحة، ومعها صار مستقبل الشرق الأوسط القديم مرهونا بدرجة كبيرة بالمآلات التي ستصير إليها سورية والعراق.

والملاحظة التي تستحق الإهتمام أن عملية إعادة الهيكلة لا تجري على شكل انقلاب أو تحوّل مفاجئ، بقدر ما تأخذ صيغة التحوّل البطيء، ولكن المثابر، كما أنها ليست نتيجة خطة أو مؤامرة جرى نسجها خارج الإقليم (سايكس بيكو)، بل جرى تدشين المداميك الأساسية للعملية داخل الإقليم، وشكّل عامل سوء إدارة الأزمات في المنطقة المادة الأساسية لصناعة أساسات الهيكلة، بعد أن تعقّدت السياقات، ووصلت إلى مرحلةٍ لم يعد ممكناً معها تصريف السياسة والعلاقات الإقليمية والدولية بسهولة.

من هنا، ما تطرحه القوى الدولية، روسيا وأميركا، وفرنسا التي تحاول الدخول على خط

"هيكلة الشرق الأوسط ليست عملية منفصلة عن التغيرات الجارية في النظام الدولي"  الهيكلة بقوة، هو إيجاد بدائل للصيغ التي أوصلت الأزمات إلى وضعها الحالي من خلال تعديل الديناميكيات، وتوضيح مساراتها، بعد أن وصلت فوضى العبث الديمغرافي ومحاولات تطويع الجغرافية في مشاريع جيوسياسية إقليمية إلى ذروتها، واستنفذت طاقتها من دون أن ينتج عنها حتى ملامح طرف قادر على أخذ الأمور صوب استقرار المنتصر ورضوخ المهزوم، بل العكس، ظهر أن ذلك كله ليس سوى دينامية ولادة لحروبٍ لن تنتهي وتداعيات قادمة ومحتملة.

ويبدو أن الخروج من هذا الوضع ليس مضموناً من خلال سيطرة لاعب دولي كبير، ولا حتى تحالف من قوى كبرى، وإن كان هذا الأمر متعذّراً بدرجة كبيرة في ظل التحولات الجارية في البيئة الدولية، والتغيرات الحاصلة في بنية النظام الدولي، وتراتبية القوة فيه، بل الحل الأمثل هو إعادة هيكلة كاملة للقضايا واللاعبين وأدواتهم وأدوارهم.

وللدلالة على ذلك منحت روسيا أميركا مهمة تفريغ البعد الثوري لدى فصائل المعارضة السورية، وتحويلها إلى قوة ضبط محلية، بانتظار دمجها في إطار أوسع يضمها مع قوى منظومة الأسد، بعد أن كانت الولايات المتحدة ترغب في جعلها أداتها في مواجهة المشروع الإيراني، في حين تتكفل روسيا تقليص مساحات النفوذ الإيراني وتضييق الحركة عليه، من خلال مناطق خفض التوتر التي تنزع الذريعة الإيرانية بالدفاع عن حليفها في دمشق، بعد أن كانت إيران الذراع البري للحرب الروسية في سورية.

هذا التطور في الأداء والأهداف الروسية والأميركية فرضه الواقع العملاني ومتطلباته، وحقيقة صعوبة سير قوى دولية وراء أهداف قوى محلية أو إقليمية، انطلاقا من ثابتٍ في المجال 

"منحت روسيا أميركا مهمة تفريغ البعد الثوري لدى فصائل المعارضة السورية" الدولي يكمن في حقيقة أن أهداف الدول الكبرى أكثر اتساعا وشمولا. كما أن هذه الإجراءات قد تبدو غير متناسبةٍ مع المصالح المباشرة لكل من واشنطن وموسكو، لكنها ضرورية ولازمة لإجراء عملية الهيكلة التي يبدو أنها تتحوّل إلى جزء صلب في المصلحة والإستراتيجية لكلا الطرفين.

نتيجة لذلك، تجري عملية الهيكلة وفق بيكار أوسع يشمل دور تركيا وموقعها، وهي الطرف المؤثر في المعادلة الشرق أوسطية، والذي يملك طموحات إقليمية، إن لم تتصادم مع مشاريع الكبار، فإنها، بنظر هؤلاء، ستشكل حافزا لأطرافٍ إقليمية أخرى، أو على الأقل من شأنها التاثير في التوازنات التي ترسيها هذه الأطراف. وكذلك إسرائيل التي يبدو أنها أكثر الأطراف إدراكاً للتغيرات الحاصلة في المنطقة. لذلك، تسعى إلى تحسين موقفها التفاوضي أكثر من محاولة فرض اشتراطات معينة.

وتأخذ الهيكلة في بقية أرجاء الإقليم مظاهر أخرى، تتمثل في تغيير الأدوار والمواقع والوظائف، كما هو حاصل في منح الأردن مساحة تأثيرية أكبر، يمكن القول إنه حصل عليها من خلال استثمار موارده الدبلوماسية والعسكرية بشكل صحيح، وقدرته على التقاط نقاط التوافق مع اللاعبين الكبار. وفي العراق، تجري الهيكلة عبر ترتيب البيت السياسي، بحيث يخرج من حالة إنتاج الخضوع لإيران إلى طور التفاعل الإقليمي الطبيعي.

هل تقف الهيكلة عند هذه الحدود؟ بالقطع لا، ذلك أنه لا يمكن، في الغالب، التحكم بنتائج التحولات، وغالبا ما تتحكم النتائج غير المقصودة في العملية. وبالتالي، احتمالات أن تتطور الهيكلة إلى إعادة صياعات جغرافية وسياسية أمر وارد، ويبقى في صلب الإحتمالات، خصوصا وأن ثمة أساسات صلبة لمثل هذه التغيرات، مثل إمكانية نشوء دولة كردية في العراق وسورية، وحتى تركيا، كذلك ثمّة احتمال أن تخرج الهيكلة عن هندستها المرسومة حتى اللحظة، في حال ساءت العلاقات بين واشنطن وموسكو أكثر، وهذا أيضاً احتمال قائم.

يبقى أن هيكلة الشرق الأوسط ليست عملية منفصلة عن التغيرات الجارية في النظام الدولي، بل هي نتاج موضوعي لهذا التغير والتفاعلات الحاصلة فيه، والمفترض أن صناع القرار في العالم العربي على درايةٍ بهذا الواقع، من خلال ما يملكونه من أدوات تقدير وتحليل ورصد، لكن الغريب أنهم قدّموا أنفسهم لاعبا ضعيفا، وقدّموا شعوبهم وجغرافيتهم ساحاتٍ للتفاوض الدولي، وإذا كانت هناك مؤامرة، فنحن من صنع مكائنها وجهزنا محرّكاتها، واستدعينا الخارج لتشغيلها.

========================

مأزق هيئة التفاوض السورية المعارضة .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاحد 13/8/2017

أثارت تصريحات عضو وفد المعارضة السورية في التفاوض مع النظام، خالد المحاميد، غضب الهيئة العليا للمفاوضات الذي عبّرت عنه بقرارها إلغاء عضويته من وفدها التفاوضي، لاعتباره "أن الحرب بين المعارضة والنظام وضعت أوزارها"، على الرغم من أن تصريحاته تأتي في سياق الاتفاقات فوق التفاوضية التي تفرضها كل من روسيا والإدارة الأميركية على الصراع السوري، والتي تغيّر، في كل مرة، مسارات الصراع، ووجهاته ومساحاته، وفق ما يخدم الصراع على سورية، وتقاسم النفوذ داخل أراضيها بين قوتين رئيسيتين، وما يتبعهما من قوى أخرى، يكاد ظهورها واختفاؤها يحدّد حسب المزاج الأميركي، ولاحقاً الروسي.

لم يأت المحاميد بما هو خارج بنود الاتفاقيات التي سميت "خفض التصعيد"، على الرغم من أن انتهاكاتها تحدث يومياً، على مسمع ومرأى من الدول الضامنة نفسها، لكنه عبر بوضوح عما يجب أن تكون عليه الحالة المسلحة بين الطرفين. وكان هذا بالإمكان، لو أن الدول الضامنة مارست دورها، وكانت لكيانات المعارضة (السياسية والعسكرية) التي أعلنت تأييدها اتفاق الجنوب ومباركتها له، وهو محور تصريح المحاميد، فاعليتها أو سلطتها على الفصائل المسلحة التي حولت صراعها من النظام إلى التصارع بعضها مع بعض، لتصبح الحرب الحقيقية التي تستهدف الشباب السوري قد تضاعفت، حيث باتت الفصائل المتحاربة أحد أدواتها ووقودها؛ إلى جانب النظام ومليشيا حزب الله وإيران وطيران روسيا.

لم تكن صراحة المحاميد، على الرغم من ملاحظاتي على طريقة صياغة تلك التصريحات، 

"مساحة الحركة عند "الهيئة" محدودة بسبب غلبة العامل الدولي" المأزق الوحيد الذي وجدت هيئة المفاوضات نفسها أمامه، بل كان واحداً من كثير غيره، فهي التي تعوّدت، كغيرها من كيانات المعارضة، الابتعاد عن مصارحة الشعب بكل ما يحيط بمسار ثورته التي تتولى هذه الكيانات قيادتها. والحقيقة، إن ما قاله المحاميد وضع الهيئة العليا في تناقضٍ واضح، من حيث هدف وجودها، وسبب استمرارها، إذ تجري الاتفاقيات بعيداً عنها، ومن ثم يصار إلى انتزاع موافقتها، كما حدث في مسار أستانة الذي هدف إلى تعطيل مسار جنيف، بل تغيير خريطة الأولويات الدولية، وتحجيم دور الملف السياسي الذي تضطلع الهيئة به، حسب قرار مجلس الأمن 2254.

لم تظهر "الهيئة العليا" إدراكها مخاطر وجود مسار تفاوضي آخر، لا تكون هي أحد أطرافه، هذا المسار الذي بدأ بعد خسارة المعارضة في حلب، وبعد أن أوقفت "الهيئة" مشاركتها في جولة جنيف في فبراير/ شباط 2016، معلنة "عدم العودة إلى جنيف قبل تحقيق المطالب الإنسانية". بيد أنها عادت، بعد أكثر من عام، في مارس/ آذار 2017، إلى طاولة المفاوضات من دون أن يتحقق أيٌّ من مطالبها، بل وبعد أن عبّد الروس طريق "مفاوضات أستانة"، بالمشاركة مع تركيا وإيران باعتبارهما دولتين ضامنتين، في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2017، وبعد أن أصبح مصير حلب بمثابة فزّاعة ترفع أمام كل الفصائل المعارضة للنظام، فلم تجد مفراً من حضور مفاوضاتٍ تتحدث عن المعارضة، وباسمها، وبحضورها من دون مشاركتها.

وعلى الرغم من كل الخسائر، والتراجعات، كان يمكن للهيئة أن تتجاوز عثراتها، وأن تعيد قراءة القرارات الدولية، وفي مقدمتها بيان جنيف، والقرار الأممي 2254، وأن تدرك أن دورها التفاوضي يقتضي أن تكون عامل جمع السوريين، وليس محل خلافٍ أو اختلاف، بأن تعمل على صوغ "رؤية لسورية المستقبل"، تأخذ بالاعتبار طموحات كل السوريين في دولة مواطنين ديمقراطية، أساسها إعلاء شأن المواطن السوري، وتحقيق عدالةٍ تأخذ بالإعتبار كل مكونات الشعب السوري، لا مجرّد الحديث عن مشاركةٍ مع نظامٍ، على الأسس السابقة نفسها (كما جاء في الرؤية التي صاغتها ومنحت الحكومة المشتركة سلطات مطلقة). هكذا، فعندما علت الأصوات السورية بملاحظاتٍ بشأن تلك "الرؤية"، اعتبرت الهيئة تلك الأصوات مجرّد نشاز، بل وأبعدتها، لأن الهيئة بوصفها سلطةً فوقية، سارت وفق مبدأ من ليس معي هو ضدي، لكنها اليوم تعلن عن استعدادها لإعادة النظر بتلك الرؤية التي أعلنتها من لندن، ليس لقناعتها بضرورة الاستماع إلى السوريين الذين انتقدوا تلك الرؤية، بل لأن قراراً دولياً اقتضى ذلك؛ هكذا بدون توضيحاتٍ للشعب، وبدون أي مراجعة نقدية.

في المقابل، كانت هناك فرصة أخرى لقراءة قرار مجلس الأمن 2254 ذي الصياغة الملتبسة، والتي يمكن تدويرها باتجاهاتٍ مختلفة، لقراءات متعدّدة، تتناسب وكل الأطراف المشاركة بصياغته من جهة، وبالموافقة عليه من جهة أخرى، وبكل صراحة، إلا أن "الهيئة العليا" فضلت أن تقرأه من زاوية واحدة، لم يشاركها بها أيٌّ من الدول ذات القرار والتأثير في الحل السوري، فهي لم تلحظ أبداً أن هيئة الحكم ذات الصلاحيات التنفيذية التي تتمسّك بها، على رئيس النظام السوري أن يمنحها صلاحياتها، كما أنها لم تدرك معنى أن تذكر كل من منصتي القاهرة وموسكو بالقرار، ولم تأخذ في اعتبارها أن القرار 2254 منح مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان ديمستورا، صلاحية تشكيل الوفد المفاوض، أو على أقل ما يمكن أن لا يكتفي بوفد "الهيئة العليا للتفاوض" ممثلا عن المعارضة.

ندرك أن مساحة الحركة عند "الهيئة" محدودة، بسبب غلبة العامل الدولي، لكنها ليست كذلك 

"كان واجبا أن تعمل الهيئة على تقريب وجهات النظر، من خلال طرح مشروع سوري توافقي، يتم الدفاع عنه" فيما يتعلق بترتيب بيتها الداخلي، بتنظيم علاقاتها مع قوى سورية موجودة على الساحة، كانت حسب مقاس الهيئة أم لا، وهي لا يفترض بها أن تكون كذلك، حسب عرف العمل السياسي. لذا، كان واجبا أن تعمل الهيئة على تقريب وجهات النظر، من خلال طرح مشروع سوري توافقي، يتم الدفاع عنه، بغض النظر عمن له عدد أقل، أو أكثر، في هيئة الدفاع، أقصد وفد التفاوض. ولهذا، انطلقت أصوات كثيرة ونداءات وطنية كثيرة بضرورة أن تعمل "الهيئة العليا" على عقد مؤتمر وطني جامع، قبل الذهاب إلى جنيف 5، وكنت قد كتبت، في مقالتي "سورية في حوار المنصات"، ("العربي الجديد" 1/3/2017) "إن السوريين ليسوا بحاجة إلى منصات تحاور النظام، وإنما إلى وفد واحد للمعارضة"، و"لماذا لا تجتمع هذه الأطراف المعارضة، لكي تناقش فيما بينها كل القضايا، وتخرج بتوافقات معينة، لتشكل وفداً يفاوض عليها مع النظام"؟

لكنني واحدة من سوريين كثيرين تم استبعاد آرائهم التي أصبحت اليوم شعار المرحلة، فقط لأنها تستجدّ الآن بناء على ضغط خارجي، على الرغم من أنه طلب يقع ضمن الحاجات السورية. لكن بعد أن خسرنا نحو عام ونصف العام من أعمارنا، وربح النظام حلب، ومناطق في ريف دمشق وحمص وحماه، ويسير الآن باتجاه دير الزور، وقد اطمأن إلى مناطق أخرى، تحت مسمّى اتفاقيات خفض التصعيد، وكانت خسائرنا بالأرواح كبيرة، عشرات آلاف الضحايا من شهداء، ومهجّرين ونازحين وجرحى. نعم، على الرغم من تأخرنا في قراءة قرار مجلس الأمن 2254 الذي صدر نهاية 2015، وعلى الرغم مما دفعته سورية لقاء ذلك. وعلى الرغم من أن قرار الاجتماع بين المنصّات لم يكن سيادياً للهيئة، ولم يتم العمل به بقرار وطني داخلي، إلا أن ضروراته تؤجل أسئلتنا الكثيرة بشأن من يتحمّل مسؤولية ذلك التأخير ولماذا؟

========================

استجداء التحالف مع الشيطان! .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 13/8/2017

انصرف الإعلاميون والمراقبون منذ عشرة أيامٍ وأكثر على ضرب أخماس بأسداس بشأن موقف الجيش اللبناني في مواجهة «داعش» بتلال رأس بعلبك والقاع. «نصرالله» عرض على الجيش أن يساعده أو يبقى على الحياد. والنظام السوري يظهر الإرادة، وإن كنا لا نعلم إن كان يملك القدرة. كل هذه الجدالات حُسمت في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الوطني برئاسة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والوزراء والأمنيين المختصين. قال رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بصوت واحد إنّ الجيش وحده، وبدون الحزب، والقوات السورية، سيُزيل «داعش» من الأرض اللبنانية. ولبنان ليس ضعيفاً في مواجهة الإرهاب، فهو جزء من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي تتزعمه الولايات المتحدة. وكان في ذلك ردٌّ على زعيم «حزب الله» الذي كان قد قال إنّ الاستعانة بالأميركيين عارٌ وشنار!

 

كل هذا الجبروت، وهذه المناعة، من أجل سمعة الجيش الوطني، وثقة اللبنانيين به وبقدراته، وطمأنة الأميركيين، اختفت في اجتماع مجلس الوزراء في اليوم التالي عندما تعلّق الأمر بذهاب ثلاثة وزراء إلى سوريا بدعوة من حكومتها. فتحدث في الجلسة معترضاً وزراء «القوات» و«الاشتراكي»، وما تحدث من وزراء «المستقبل» في الجلسة معترضاً غير وزير الداخلية نهاد المشنوق، بينما تدخل عديدون مؤيِّدون للتطبيع مع النظام السوري، بحجة أن هناك علاقات دبلوماسية بين البلدين، وأن للبنان مصالح في تطبيع العلاقات! كنا قد شعرنا منذ شهور بمحاولات وإرادة التطبيع هذه، عندما عرض «نصر الله» الوساطة مع النظام السوري بشأن اللاجئين، ثم تصاعدت الدعايةُ من جانب جبران باسيل من أجل ذلك، وباعتبار أنّ اللاجئين صاروا حواضن للإرهاب، فينبغي التعاون مع النظام لإعادتهم إلى ديارهم. وقبل أيام، وبعد نزاع على استئجار البواخر لتوليد الكهرباء من تركيا، وهو نزاع انتصر فيه باسيل ووزير الطاقة؛ إذا بوزير الطاقة نفسه يُطْلع الجمهور المشدوه على عرضٍ سوري بإعطاء لبنان الكهرباء بمقابل مالي أقلّ من توليدات البواخر! سوريا التي تغيبُ الكهرباءُ عن ثلاثة أرباع أنحائها تريد بيع «فوائض» كهربائها للجمهورية اللبنانية الغنية والمزدهرة والمستنيرة إنما بدون إنارة. وعندما كان مجلس الوزراء يهمُّ بالاجتماع، وقد أخبرنا أحد أعضائه أن الحلَّ سيكون ذهاب الوزراء الثلاثة «على مسؤوليتهم، وليس بإيفاد من الحكومة»، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري يصرّح من طهران بأنه يتعين التطبيع مع الأشقاء، وهو أمر طبيعي، ويخدم مصالح الشعبين! وعلى ذلك ردَّ فارس سعيد في مقابلة له على المؤسسة اللبنانية للإرسال بأنّ كلام بري من طهران عن التطبيع مع النظام السوري، دليل على أنه مطلب إيراني، وي سياق التنافس بين إيران وروسيا على العصفور في القفص، ومن يمسكه أكثر، وما فسعر ابتياعه! هناك شائعاتٌ كثيرةٌ بالطبع عن تحسُّن أوضاع بشار الأسد، وبقائه إلى نهاية المرحلة الانتقالية عام 2020 أو 2021. واللبنانيون براغماتيون، ونصر الله يغريهم إن مشوا وراءه أن يتخلصوا من اللاجئين، وأن يكسبوا من وراء إعادة إعمار سوريا مقاولين ومتمولين ومهندسين!، بل وها هم لشدة دهشتهم يُقبلون على استيراد الكهرباء من الشقيقة المزدهرة والحافلة بالفوائض الكهربائية والتكنولوجية. وبالطبع كل هذه أَوهام، وجزء من ازدياد سيطرة الإيرانيين وحزبهم المسلح على السياسات الدخلية والخارجية للبنان. وفي الحد الأدنى، ولأن البراغماتية رخيصة الآن ولا تؤمّن أية مكاسب؛ فلننتظر ونحن بلد عربيٌّ، الموقف الذي تتخذه الجامعة العربية التي قاطعت بشار ونظامه منذ عام 2013. ثم إننا نحن اللبنانيين المسلمين لدينا من الدماء والخراب واللاجئين في لبنان ولدى أهلنا في سوريا ما لا يسمح بهذا الحماس المنقطع النظير للتطبيع السريع مع النظام القاتل.

إن التماس رضا النظام السوري بدفشةٍ من طهران هو سعي للتحالف مع الشيطان!

========================

شروح تكميلية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 12/8/2017

طرح صديق علي سؤالا عمّا إذا كان بالإمكان حقا تقييد دور إيران في الغوطة وحمص، بامتدادها الجغرافي الواسع الذي يصل إلى العراق، وإسرائيل باعتبارها أكثر منتفع من اتفاق الجنوب بين واشنطن وموسكو.

من غير الجائز نسيان أن اتفاق الدولتين الكبيرتين على التهدئة في محافظات الجنوب السوري الثلاث خطوة أولى وحسب، لكنه يلفت النظر إلى أنها ترسم خطوطا حمراء للوجود الإيراني في المحافظات الثلاث التي طالما اعتبرها كبار مسؤوليها جزءا من محافظة سورية الخاضعة لسيادتها، ورقمها 35. وهذه لفتة تحمل دلالاتٍ مهمة، أبرزها أن أهداف إيران تختلف عن أهداف جميع القوى الأخرى المتصارعة في سورية وعليها، حتى إنها تعتبر غير مألوفةٍ في سياسات الدول، بما أنها ترسم مواقفها انطلاقا من، وفي ضوء، اعتبارات طائفية/ مذهبية دمجية الطابع، تستهدف تحويل دولة أجنبية (سورية) إلى جزء تكويني من نظامها الداخلي، استنادا إلى عاملٍ يستحيل اعتماده دوليا لتقرير مصير الدول، هو انتماء إحدى أقلياتها التي لا تتجاوز نسبتها 10% من مواطنيها إلى مذهبٍ قرّرت طهران أنه يفوّضها بتحديد مصير سورية، بل ودمجها في كيانها السيادي الفارسي الخاص، ضاربة عرض الحائط بما سيترتب على سياستها هذه من فوضى وصراعاتٍ سبق أن عرفها العالم في أحلك حقبةٍ، وأكثرها انفجارا للعنف وخروجا على القانون والأعراف والقيم الضامنة لسيادة الدول والشعوب واستقلالها. والغريب أن طهران أوكلت تنفيذ غرضها إلى جهة عسكرية، هي حرسها الثوري الذي غزا سورية، وشرع يشنّ الحرب على شعبها، ويعمل على اختراق مجتمعها مذهبيا، بما أفضى إليه ذلك من شحن للوضع، المحلي والإقليمي والدولي، بصراعاتٍ دينية ومكاسرات طائفية، ستلحق ضررا بالغا بجميع شعوب عالمنا، وستخدم القوى التي تخطط لتدمير منطقتنا بواسطة حروبٍ وصراعاتٍ مذهبية/ طائفية، لا تقبل تسوياتٍ وحلولا وسطا، وتنازلات متبادلة بسبب طابعها الأيديولوجي الحامل لعنفٍ لا يعرف حدودا، وتمليه خلفيات تتصل بالتناقض بين الإيمان والكفر، وبحتمية استمرار الصراع بينهما، إلى أن ينتصر الإيمان أو يموت المؤمنون دونه.

لن تتحقق أهداف طهران في ظل ما قرّرته روسيا وأميركا من خطوط حمراء، تضع لها حدودا لا يمكنها تخطيها، تحميها الدولتان، وبالأخص منهما روسيا التي لن تكون لها اليد العليا في سورية، إن حضرت إيران أو غيرها فيها من دون تنسيق معها يضعها تحت إشرافها، ويحول هدفها العام إلى أهداف فرعية أو جزئية، تندرج ضمن أهداف الدولتين الكبيرتين، ولا تتعارض معها. بهذا المعنى، يعتبر الخط الأحمر الدولي الذي رسم لإيران بداية سقوط خطتها حيال سورية، ويرجح أن يجبرها على استبدالها بعلاقاتٍ طبيعيةٍ، تحترم استقلال وسيادة سورية.

... يخدم الاتفاق إسرائيل ويخدم السوريين أكثر، فليست إسرائيل، لمن لا يعلم، مهدّدة من إيران أو من حسن نصرالله، هي في أمانٍ تحسد عليه، مذ شرع الأسد يدمر سورية دولة ومجتمعا، بمعونة نصرالله الذي جرّ إلى فخٍ لن يخرج منه سالما أو بإرادته. ثم إن إسرائيل فرضت، من طرفٍ واحد، قواعد اشتباك ضد إيران وتابعها المرابط في لبنان، لم يتمكنا من تحدّيها ولو مرة، إلا في خطابات حسن نصرالله، على الرغم من أنها أغارت عليهما مرات عديدة، من دون أن يجرؤ أي منهما على رميها بحصاة. أفادت إسرائيل من اتفاقٍ لم يكن أمنها مهدّدا قبله، فهل أفادت قدر ما أفاد السوريون المجوّعون والمحاصرون والمعتقلون والمقصوفون والمقتولون والمغيبون... إلخ، العاجزون أكثر فأكثر عن مواجهة آلة حرب روسية/ إيرانية/ أسدية، تفتك بهم من دون أن يتمكّنوا من صدّها أو ردعها. السوريون هم المنتفع الأول من الاتفاق، وانتفاع إسرائيل به لا يجوز أن يعني رفضه أو اعتباره موجها ضدهم. ومن يتابع موقف إيران والنظام الأسدي منه سيضع يده على حقيقتين: أن استراتيجية إيران السورية رُفضت، وانهارت على الأرجح، بقرار مشترك من دولتين تتحكّمان بمصير سورية، وأن على المعارضة العمل لتسريع انهيارها. وأن سيف النظام رفع عن أعناق ملايين السوريين في المحافظات الثلاث، فهل هذا قليل الأهمية في صراعٍ أقرت الدولتان في اتفاقهما أن طرفه الأقوى، النظام، لا يجوز أن ينتصر على من ثاروا عليه وقاتلوه، وأنزل بهم هزائم جدّية في العامين الماضيين؟

أخيرا، سيسأل السوريون عن مصير الأسد، وسيكون هناك جواب.

========================

لعبة أميركية روسية في شرق سورية .. خورشيد دلي

العربي الجديد

السبت 12/8/2017

تتمتع منطقة شرق سورية بأهمية استراتيجية كبيرة، في ظل التطورات الميدانية التي تشهدها الأزمة السورية، لا لأنها منطقة غنية بالنفط والغاز والمياه، وإنما لأنها منطقة مفتوحة على دول الجوار الجغرافي، وكذلك الدول الإقليمية المؤثرة في الأزمة. وعليه، تؤثر التطورات الجارية في محيطها الخارجي، بشكل كبير، في صوغ المشهد الأمني الذي يتشكل في تلك المنطقة، إذ يثير وصول القوات العراقية إلى الحدود السورية بعد تحرير الموصل من "داعش"، وتقدم القوات السورية وحلفائها باتجاه الحدود الأردنية والعراقية، أسئلة كثيرة عن الاستراتيجية الأميركية، وما إذا كانت هذه الاستراتيجية قد فشلت في قطع الطريق أمام تقدّم محور طهران – بغداد – دمشق، وصولا إلى بيروت، بعد سيطرة حزب الله على جرود عرسال.

مع انحسار الحديث الأميركي عن قطع الطريق أمام هذا المحور، وسيطرة قوات النظام السوري على مدينة السخنة المفتوحة على كل من دير الزور والرقة، معقل داعش، يجري الحديث عن تشكيل جيش وطني، يكون مقره مدينة الشدادة الواقعة تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية في محافظة الحسكة، على أن تكون مهمة هذا الجيش تحرير مدينة دير الزور، لكن قراءةً في حيثيات هذا الحديث، ستجد أنه يفتقر إلى المنطق والدقة، إذ إن تحرير دير الزور الواقعة بمعظمها تحت سيطرة "داعش" لا يحتاج إلى نقل فصائل الجيش الحر (جيش مغاوير الثورة – أسود الشرقية – أحرار الشرقية) من منطقة التنف على الحدود مع الأردن إلى الشدادة، بل تبدو هذه الخطوة عكس أهدافها، إذ يبدو خوض هذه المعركة انطلاقا من التنف أسهل بكثير من منطقة الشدادة، بسبب المسافة والعامل الجغرافي والديمغرافي، إذ يتطلب الوصول من الشدادة إلى دير الزور المرور ببلدات وقرى عديدة عكس الانطلاق من التنف، كما أن قضية تأسيس جيش وطني، من دون الاتفاق والتنسيق مع قوات سورية الديمقراطية (قسد)، تثير إشكاليات وخلافات بين هذه القوات على شكل صراع عربي – كردي، خصوصا بعد إعلان جيش مغاوير الثورة رفضه أي تنسيق مع قوات "قسد" وإعلان الأخيرة رفضها التخلي عن الشدادة للجيش المنوي تشكيله. وعليه، يبدو الحديث عن تشكيل جيش وطني جديد كأنه ستار يخفي ما يجري في الغرف المغلقة بين الروس والأميركيين، ولعل ما يدعم هذه الرؤية جملة الوقائع التالية:

أولا: التسريبات الأميركية الأخيرة عن عزم الإدارة الأميركية على وقف الدعم عن المجموعات المسلحة في منطقة التنف، وربط هذا الحديث بعزم الإدارة الأميركية على التخلي عن هذه المنطقة لصالح النفوذ الروسي.

ثانياً: يجري هذا الحديث في ظل المحادثات الأميركية – الروسية عن تعميم تجربة اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غرب سورية على باقي المناطق. وفي هذا السياق، جاء اتفاق الغوطة وحمص، ويجري الحديث عن مناطق أخرى في الشمال السوري وشرقه.

ثالثاً: الموقف الأميركي المتفرج والصامت من تقدّم قوات النظام السوري وحلفائها نحو الحدود الجنوبية والشرقية، بعد أن قصفت هذه القوات في المرحلة السابقة، وأعلنت مرارا أن هذا التقدم خط أحمر.

رابعاً: تبدو قضية نقل المجموعات المسلحة من التنف إلى الشدادة، بحجة الانطلاق من الأخيرة لتحرير دير الزور، أقرب إلى مسرحية مكشوفة الأهداف ومفضوحة، حيث سبق أن زجت الإدارة الأميركية بهذه المجموعات في عملية البوكمال عام 2016 من دون تغطية جوية، وانتهت العملية بخسارة كبيرة أدت إلى حل ما كان يعرف بجيش سورية الجديد.

خامسا: عند الحديث عن جنوب شرق سورية لا يمكن إغفال دور الدول الإقليمية المعنية بالوضع الأمني في هذه المناطق، وأقصد هنا السعودية والأردن، وأخيراً دخول مصر على خط الدفع باتفاقات وقف إطلاق النار، كما حصل في الغوطة.

بعيدا عن جدل التفاصيل وصحة الروايات وحقيقة الأهداف، يبدو ما يجري أقرب إلى تنفيذ التفاهمات الروسية – الأميركية، وهي تفاهماتٌ تتجه في الميدان إلى كيفية ترتيب معركتي الرقة ودير الزور، وفي السياسة نحو تعميم تجربة اتفاقات وقف إطلاق النار في باقي المناطق في إطار التقاسم الأميركي – الروسي لمناطق النفوذ.

========================

لا لكيانٍ للمسيحيين السوريين .. نجيب جورج عوض

العربي الجديد

السبت 12/8/2017

من المسائل التي يبحثها السوريون المعنيون بمصير بلدهم ومستقبله، بعد انتهاء المأساة، طبيعة (وتركيبة) سورية الدولة (فيدرالية إدارية لامركزية أم العكس). وأحد الأسئلة هنا بشأن قاعدة إعادة توزيع الشعب السوري، ديمغرافياً وإدارياً ومناطقياً. ومن الأفكار المطروحة في المسألة تمكين الأقليات القومية والإثنية من تشكيل كيانات إدارية (أو حتى دولتية) خاصة بها ضمن أراضي سورية فيدرالية لامركزية. وقد عرض علي معارف محترمون في الأوساط المسيحية مشاريع مكتوبة لتأسيس نوعٍ من الكيان المسيحي القومي داخل سورية المستقبل (وبتشجيع من بعض صناع القرار في الغرب)، أسوة بمطالبة الأكراد بتأسيس كيان قومي قائم بذاته، وأسوة بدفاع أطياف أخرى في الشارع السوري عن الكيان القومي العربي لسورية المقبلة. قرأتها، بناء على طلب من عرضها علي، وطلب إبداء الرأي حولها، وعبّرت عن رفضي الكلي لها ولطرحها، خصوصا في ضوء قـَرن المسيحية بها. أرفض أي مشروعٍ يدعو إلى تأسيس كيان قومي، أو ثقافي مسيحي قائم بذاته مجتمعياً، أو حتى إثنياً في سورية، أو في أي بلد لسببين:  أولاً، يُعتبَر مفهوم "قومية" بحد ذاته في عالم اليوم ما بعد- الحداثوي ميتاً وبلا معنى، إذ لم يعد يعوِّل عليه معرفياً أي أحدٍ في الأوساط الثقافية والأكاديمية في الغرب؛ مسقط رأس هذا المفهوم، المُصطَـنَع معرفياً في أواخر القرن التاسع وفي سياق تنظيرٍ فكري سوسيو- سياسي، طبع عصر الحداثة. وقد تم توظيف فكرة "قومية" في العقود الأولى من القرن العشرين، في 

"يعمل المسيحيون دوماً على تشكل كيانات تشاركية وتفاعلية وليس كيانات مغلقة" سيرورة انتقال السياق الغربي السياسي (ومعه المشرقي بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية) إلى كياناتٍ أممية تُعرِّف نفسها بدلالاتٍ سياقية وإيديولوجية، تدور حول فكرة "الكينونة القائمة على مبدأ الاكتفاء الذاتي وتحقيق الذات". ما عاد العالم اليوم يتداول فكرة "قومية"، لأن فكر ما بعد الحداثة يدور حول منطق "العلاقة مع الآخر" و"التواصل" و"التفاعل"، وليس "تحقيق الذات" و"الاكتفاء الذاتي". نتحدث معرفياً وعلمياً اليوم عن "ثقافات" (لا بل عن بي- ثقافات/intercultures) وليس عن "قوميات"، فلا معنى لطرح "كيان قومي مسيحي"، ولا مكان، في سياق الفكر العالمي المعاصر. وينسحب الأمر على فكرة تأسيس "كيان قومي عربي"، أو "كيان قومي كردي" أو، أو. الحديث ذو المعنى اليوم يقول بثقافة كردية أو ثقافة عربية أو ثقافة أمازيغية أو ثقافة سريانية/ آشورية... إلخ.

ثانياً، لا أرفض فقط اعتبار المسيحية "قوميةً"، بل وأزعم أن اعتبار المسيحية "ثقافة"، وبالتالي الدعوة إلى تأسيس كيان مسيحي ثقافي مستقل أمر غير مصيب. منذ نشوء جماعة يسوع المسيح في القرن الأول الميلادي، والمسيحيون لم يكونوا يعتبرون أنفسهم كيانا ثقافيا قائما بذاته في مواجهة وتوازٍ مفارقين مع الثقافات السائدة وقتها: الهيللينية، الشرقية، الرومانية، الهندية، الصينية... إلخ. لا بل إن المسيحيين الأُول لم يعتبروا أنفسهم أتباع "دين" قائم بذاته، بل أتباع طريقةٍ في الإيمان بالله والعلاقة معه، في ضوء فهمهم لتلك العلاقة من خلال ما تعلموه من يسوع الناصري. ولهذا، نقرأ في نصوص واحدٍ من أقدم آباء المسيحية في القرن الثاني ميلادي، أثيناغوراس، تأكيده أن المسيحية إعلان نهاية الأديان برمتها، وليس ولادة دين جديد، إلى درجة أن المجتمع الروماني وقتها كان يعتبر المسيحيين، كما يقول أثيناغوراس، "ملاحدة الإمبراطورية". الدعوة إلى تأسيس كيان مسيحي ثقافي (وليس فقط قومي) دعوة نافلة، وبلا معنى، ولا تماهي مع طبيعية المسيحية الأصلية. ليست المسيحية ثقافة، وإن ساهم المسيحيون عبر التاريخ، فكرياً ومجتمعياً وإنسانياً وأدبياً وفنياً وسياسياً واقتصادياً وبشرياً، وبشكل فاعل وعميق، في تشكيل ثقافات وحضارات عديدة في المشرق والمغرب، فهم جزء من المجموع البشري الذي ساهم في إنتاج الثقافة/ الحضارة العربية- الإسلامية في المشرق، وكذلك كانوا أيضاً من المساهمين (مع اليهود) في إنتاج الثقافة/ الحضارة الهيللينية في العالم الروماني القديم، مثلما ساهموا في تشكيل ثقافات عصر النهضة وعصري التنوير والحداثة، وصولاً إلى ما بعد الحداثة في عالم اليوم. ولكن، لا يجعلهم هذا، بحد ذاتهم، كياناً بشرياً منفصلاً عن الآخرين، بدلالات ثقافية (ناهيك عن قومية) قائمة بذاتها، تشكل ما يسمى "كيانا ثقافيا مسيحيا".

 

في ضوء النقطتين السابقتين، أنتقد بشدة دعوات نسمعها في الأوساط المسيحية عن تأسيس كيان 

"ليست المسيحية ثقافة، وإن ساهم المسيحيون عبر التاريخ، وبشكل فاعل وعميق، في تشكيل ثقافات وحضارات عديدة في المشرق والمغرب" مسيحي سوري، بدلالات قومية (كما يفعل بعض السريان/ الآشوريين) أو ثقافية (كما بدأ يفعل بعض الأرثوذكس، متأثرين بفكر مسيحي انعزالي آتٍ من لبنان) في سورية المستقبل. لا بل وأدعو جميع الشرائح السورية (بما فيها العربية والكردية) التي تصرّ على تعريف نفسها بدلالة فكرة "القومية"، أو بدلالة فكرة "الثقافة"، للتأكد ما إذا كانت أيٌّ من الفكرتين تنطبقان على طبيعتها وتركيبتها السوسيولوجية والتاريخية والمعرفية، وما إذا كان تقديم الذات بدلالة أحد هذين المفهومين يضع تلك الشرائح فعلاً في سياق عالم اليوم والفكر المعاصر، أم أنه يحبسها في غياهب فكر ماضوي تراجعي ونكوصي، ما عاد يُعوَّل عليه اليوم، وما عاد يُعتبَر فكراً مرجعياً في تفسير الذات والوجود.

المسيحيون، كما يقول تاريخ المسيحية، مساهمون فاعلون ومركزيون، أينما وجدوا، في بناء ثقافات وحضارات جامعة مع باقي التجمعات المكوّنة معهم، لكيان شعوبي أممي في منطقة جغرافية ما. وهم يعملون دوماً على تشكل كيانات تشاركية وتفاعلية، وليس على إيجاد كيانات ضيقة ومغلقة، تقتل أفرادها وتخنقهم في إقصائيتها وانعزاليتها، قبل أن تعادي سواهم، وتقصيهم بعيداً عنها. وفي النهاية، ما تتحتاجه سورية المستقبل هو التكافل والتعاضد بين المتعدّدين والمتنوعين، لا شيء آخر.

========================

ترامب يكرر سياسة أوباما في سورية .. رضوان زيادة

الحياة

السبت 12/8/2017

اختتمت الجولة السابعة من محادثات جنيف في سورية من دون أي اختراق. لم يكن من المستغرب إطلاقاً أن يحدث هذا، فالجميع عبروا عن ذلك، بمن فيهم المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا نفسه في ملاحظاته الافتتاحية، لكنه ما يزال يريد الاستمرار في هذا النوع من أسلوب المفاوضات بالوكالة لانعدام أي بديل آخر، في الوقت ذاته لا تبدو محادثات آستانة بأحسن حالاً أيضاً. أما الشيء الوحيد الذي يعمل في سورية الآن، فهو الاتفاق الثنائي بين الولايات المتحدة وروسيا.

اتفاق هامبورغ، كما أطلق عليه البعض، أو اتفاق وقف النار في جنوب سورية لا يزال محترماً بحده الأدنى، ويبدو أن الروس يضغطون على النظام السوري لاحترامه بهدف الحصول على الثقة الجديدة من الرئيس ترامب.

ومنذ أن وصل ترامب إلى السلطة في كانون الثاني (يناير) عام 2017 لم يلق أي خطاب رئيسي عن المأساة السورية، بل على العكس من ذلك، حملت كل جمله وعباراته الخوف من التورط في الأزمة السورية بسبب تعقيدها وبسبب التدخل الروسي هناك. لذلك أكد أكثر من مرة أن الأولوية هناك هي لمحاربة التنظيمات المتطرفة مثل «داعش» والقاعدة وغيرهما، وهذا هو السبب في عدم استغراب أن يقترح عدة مرات خلال الحملة، التنسيق مع روسيا من أجل «إنهاء» الأشرار هناك.

عندما أصبح ترامب رئيساً ظلت القضايا ذاتها في سورية كما كانت في عام 2016 مع الفارق الوحيد أنه جرى فتح تحقيق جنائي رسمي في ما يسمى «التواطؤ» بين روسيا وحملة ترامب ودور روسيا في التدخل بانتخابات الرئاسة الأميركية للعام 2016، وفي وقت لاحق، عينت وزارة العدل مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق روبرت مولر ليكون المستشار الخاص لقيادة التحقيق في هذه المسألة.

وبالتالي، فإن أي خطوة للرئيس ترامب باتجاه روسيا ستكون عكسية هنا في السياسة الأميركية الداخلية، وربما تؤخذ ضده بشكل دائم، وهذا هو السبب الوحيد لمعرفة لماذا كان ترامب حريصاً جداً على الإعلان عن اتفاق جنوب سورية ولو لم تكن المرة الأولى التي يتوصل فيها الطرفان إلى اتفاق حول سورية وليست المرة الأولى التي يعلن فيها الجانبان وقف النار من دون أن يصمد فترة طويلة.

الرئيس ترامب يريد أن يظهر للجمهور الأميركي أولاً أنه يستطيع التعامل مع روسيا من أجل الخير، وهذا الاتفاق «الذي ينقذ الأرواح في سورية» كما كتب على حسابه على موقع «تويتر» هو مثال جيد على ذلك.

لقد أدى استخدام حكومة الأسد السلاح الكيماوي في خان شيخون في شباط (فبراير) إلى ظهور ترامب آخر مختلف عما كان عليه في الحملة الانتخابية، صحيح أن السبب اضطراره لفعل ذلك وليميز نفسه عن «الخط الأحمر» الشهير للرئيس السابق باراك أوباما الذي لم ينفذ وعوده أبداً، على الرغم من أن النظام السوري قد تجاوز هذا الخط الأحمر في أغسطس 2013، لكن أوباما قرر عقد اتفاق مع روسيا لارغام الحكومة السورية على التخلي عن جميع ترسانتها الكيميائية مقابل عدم ضرب المواقع التي يعتقد أنها أدت إلى المأساة التي نعيشها في سورية اليوم.

لو اتخذت إدارة أوباما الإجراءات اللازمة في تلك الفترة لما كانت لدينا سورية المجزأة كما هي اليوم، ولأمكن حينها إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح في سورية التي قتلتها الحكومة باستخدام البراميل المتفجرة بعد توقيع هذه الصفقة التي لم تنفذ بالكامل حيث بدأت الحكومة السورية باستخدام غاز الكلور بدلاً من ذلك على نطاق ضيق ثم استخدمت غاز السارين مرة أخرى في نيسان (أبريل) 2017 الذي أثبت أنه لا يزال لدى الحكومة السورية العديد من انواع هذه الأسلحة المحظورة وانها على استعداد لاستخدامه مراراً وتكراراً ضد شعبها.

وهذه ثمرة واحدة من الاتفاقات العديدة التي عقدتها روسيا والولايات المتحدة في سورية ولم تنفذ أبداً على الرغم من قرارات مجلس الأمن العديدة التي جرى اعتمادها لدعم هذا الاتفاق، وقد وضعت العديد من آليات الأمم المتحدة لرصدها وتنفيذها.

فإذا انتقلنا إلى اتفاق وقف إطلاق النار، فقد جاء هذا الاتفاق بعد اتفاقين على الأقل بين الأميركيين والروس بهدف فرض وقف لإطلاق النار في سورية أو في أجزاء منها، والسماح بالمساعدات الإنسانية إلى مناطق القتال أو المناطق المحاصرة، وعلى الأخص اتفاق 27 شباط 2016 (على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ). والآخر في 9 أيلول (سبتمبر) 2016 (في جنيف)، الذي توصل اليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري.

في ذلك الوقت، توصل الوزير كيري إلى اتفاق مع روسيا حول «وقف الأعمال العدائية» في سوريا، وكانت الفكرة هي الحصول على المساعدات الإنسانية في المناطق المحاصرة وفقاً لقرار مجلس الأمن 2268، وفي الوقت ذاته لوقف استخدام البراميل المتفجرة ضد المدنيين في سورية من قوات الاسد الحكومية، بالطبع، لم يستمر الاتفاق طويلاً، حيث إن روسيا والحكومة السورية واصلتا معركتهما ضد المعارضة المسلحة في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون ولا وجود لداعش أو القاعدة فيها، مثل حلب الشرقية، في نهاية المطاف نجحت روسيا وقوات الرئيس بشار الأسد في إجلاء جميع المقاتلين والمدنيين الذين يعيشون شرق حلب إلى شمال سورية بعد حملة عسكرية استهدفت جميع المستشفيات وتم استخدام غاز الكلور بكثافة من أجل إجبار المدنيين على مغادرة منازلهم وأحيائهم.

لقد أوضح وزير الخارجية الروسي أن الفارق بين مفهومي «وقف الأعمال العدائية» و«وقف إطلاق النار»، الأول هو «وقف موقت للقتال الذي عادة ما يكون غير ملزم ويحدث عادة في بداية عملية السلام». في حين يشير الثاني إلى «وقف العنف المرتبط بإطار عملية سلام يجري التفاوض بشأنها».

وهذا هو السبب في عدم استغرابنا عدم تنفيذ الاتفاق الجديد تنفيذاً تاماً لأنه لا توجد أولاً آليات للإنفاذ وثانياً لا توجد عقوبات على منتهكي هذا الاتفاق السابق.

الاتفاق الجديد وفقاً للوزير لافروف، ينص على وقف إطلاق النار على طول الخطوط المتفق عليها بين النظام السوري من جهة وقوات المعارضة المسلحة من جهة أخرى، والهدف من هذا الاتفاق هو التوصل إلى خفض دائم للتصعيد في جنوب سوريا، ووضع حد للأعمال القتالية والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى هذه المنطقة. وينص الاتفاق أيضاً على إنشاء مركز للرصد في العاصمة الأردنية عمان، ورصد الهدنة من خلال المركبات الجوية غير المأهولة. ومن اجل الحفاظ على الامن تقوم روسيا بنشر عناصر من الشرطة العسكرية في المنطقة.

يبدو أن ترامب يكرر الاتفاقات ذاتها مع روسيا التي وقعها سلفه أوباما، لهذا السبب ليس من الغريب أن يطلب من الرئيس الفرنسي وضع خطة للنزاع في سورية بعد تعليقاته المثيرة للجدل حول مصير الرئيس السوري بشار الأسد وعدم كونه عدواً للشعب الفرنسي، وهذا هو الاستنتاج ذاته الذي وصل إليه ترامب، أن الوقت الآن ليس للتخلص من الأسد وإنما مكافأته على قتله أكبر عدد ممكن من السوريين.

========================

دير الزور إذ تنتظر قدرها .. علي العبدالله

الحياة

السبت 12/8/2017

لا تتميز محافظة دير الزور بكونها ثاني أكبر محافظة سورية من حيث المساحة وحسب، بل بكونها خزان النفط والغاز السوريين، حيث تحتوي على 40 في المئة من احتياطياتهما، ناهيك عن إنتاجها الزراعي والحيواني الكبير. وقد منحها موقعها الجغرافي أهمية إضافية، فهي عقدة مواصلات بين معظم المحافظات السورية ومعبر إلى دول الجوار (العراق والأردن والسعودية والكويت) عبر البادية السورية المترامية الأطراف (ثلث مساحة سورية)، وهذا جعلها مركز جذب وساحة تنافس على مناطق نفوذ بين قوى إقليمية ودولية عدة في سياق صراعها على سورية، وأجج التنافس تحولها إلى ميدان المواجهة الأخيرة مع مشروع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» في ضوء حسم معركة الموصل واقتراب حسم معركة الرقة.

دفع التحضير لمعركة دير الزور من قبل قوى إقليمية ودولية عدة إلى الدخول في سباق ميداني (نشر قوات، تشكيل تحالفات، طرح خطط)، وسعي إلى تفاهمات على تقاسم النفوذ، أو تفاهم عسكري يجنب قواتها اصطداماً مباشراً بالاتفاق على تركيز الجهد على قتال قوات «داعش»، والتسابق على ملء الفراغ الذي سينجم عن دحرها. فالولايات المتحدة، ومن خلال رعايتها لقوات سورية الديموقراطية ولكتائب من الجيش السوري الحر، تعمل على تجميع قوات موالية في منطقة الشدادي، وتشكيل تحالف عسكري تحت عنوان «جيش وطني»، وتجهيزه لخوض معركة دير الزور، في ضوء قرار واشنطن السيطرة على المحافظة لقربها من شمال سورية، حيث القواعد الأميركية، ولما تحويه من نفط وغاز، ولوقوعها على طريق بغداد، كانت قد أبلغت روسيا بقرارها السيطرة على منطقة شرق الفرات وحصلت على موافقة الأخيرة ببقاء الشمال والشرق تحت سيطرتها هي وحلفاؤها من الكرد والعرب، وعملت على تحصينها وحمايتها من خلال إغلاق طرق الوصول إلى الحدود السورية- العراقية في الجانب العراقي من الحدود عبر سيطرة قوات البيشمركة على معبر الوليد العراقي، مقابل معبر اليعربية السوري في محافظة الحسكة، ونشر قوات أميركية خاصة في محافظة نينوى، لقطع الطريق على قوات الحشد الشعبي العراقي، الموالية لإيران، التي دفعتها إيران لفتح ممر من العراق إلى سورية بحيث تستكمله الميليشيات الموالية في الجانب السوري من الحدود بإيصاله إلى لبنان فالبحر الأبيض المتوسط، وقطع الطرق على القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها في الجانب السوري من الحدود عبر إقامة قواعد عسكرية في التنف والزكف في البادية السورية. بموازاة هذا التحرك الأميركي، سعى الروس إلى ما أسموه «تحديد حدود مناطق النفوذ» كمدخل لمنع أميركا من السيطرة على كامل منطقة الحدود السورية- العراقية، وفق تصريح لمسؤول روسي أكد «أنه ليست هناك نية لدى بلاده للدخول في صدام عسكري مع الأميركيين»، لكنها «ترسم حدود المناطق». وهذا دفع الروس إلى تقديم غطاء جوي لقوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية في زحفها باتجاه شرق سورية وصولاً إلى الحدود السورية- العراقية، من جهة، والعمل، من جهة ثانية، مع الولايات المتحدة على الاتفاق على مناطق خفض التوتر، وتنفيذ وقف إطلاق نار، في الجنوب الغربي (محافظات درعا القنيطرة والسويداء)، والبحث في الصيغة المناسبة لمحافظة إدلب، وإلى عقد اتفاقات خفض توتر مع الفصائل المسلحة في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، لتوفير غطاء لنشر قواتها في هذه المناطق، من جهة ثالثة، وهذا وضعها في موقف حرج بين حاجتها لإيران وميليشياتها لموازنة الثقل العسكري للولايات المتحدة واحتواء قدرتها على استنزافها وإنهاكها، وإدراكها لطبيعة التحرك الإيراني وسعي إيران والنظام السوري لتقويض التفاهم مع واشنطن على مناطق خفض التوتر وتنفيذ وقف إطلاق نار دائم، لما يترتب عليه من ضرب لنفوذ إيران واحتمال فرض حل سياسي على النظام لا يحقق تطلعاته وتصوراته لمستقبله، بدفع قواتهما إلى شرق سورية وسعيهما للدخول على خط معركة تحرير دير الزور من «الدواعش»، وحاجة روسيا للتفاهم مع الولايات المتحدة لتكريس دورها ومصالحها، بعد أن أدركت استحالة تمرير حل سياسي وضمان الهدوء والاستقرار في سورية، بحيث تتخفف من تبعات تدخلها وتنفذ إستراتيجية خروج مع تكريس مصالحها في سورية، بما في ذلك حصة من تركة «داعش» الجغرافية، حصة من نفط وغاز وفوسفات البادية السورية، من دون مباركة واشنطن، وما يتطلبه ذلك من الموافقة على تحجيم دور إيران ونفوذها تمهيداً لإخراجها هي وميليشياتها من سورية في مرحلة ما بعد «داعش».

وهذا فرض على واشنطن وموسكو تحركاً عسكرياً حذراً وبحسابات ميدانية دقيقة في ضوء توجس الطرفين من رد فعل إيران على إخراجها من المعادلة وتمسكها بإقامة الممر البري الذي يربط بين إيران ولبنان مروراً بالعراق وسورية، وفرض على أبناء المحافظة استقبال أقدارهم القاسية والعيش تحت رحمة قصف عشوائي مدمر من طائرات التحالف الدولي وطائرات روسيا والنظام، ما دفعهم إلى النزوح إلى العراء والعيش تحت لهيب الشمس بلا طعام أو ماء أو دواء، و «النفير العام» الداعشي الذي ألزم من هم في عمر بين العشرين والثلاثين بالقتال إلى جانبه تحت طائلة العقوبة التي تجيزها مصفوفته الفقهية تحت عناوين الردة والفرار من الزحف التي خبروها في ظل خلافته المزعومة.

========================

تحديات اللجوء السوري في ألمانيا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 12/8/2017

ينقسم اللاجئون السوريون في ألمانيا إلى ثلاث فئات في رؤية علاقاتهم مع المجتمع الألماني؛ الفئة الأولى، بدأت في انخراط عميق بالمجتمع الألماني، وأغلب هؤلاء عائلات من أبناء المدن المتعلمين، تتوفر لهم قدرات أعلى على الاندماج والتفاعل الإيجابي مع المجتمع الألماني، والفئة الثانية عائلات هي خليط موزعة بين ذوي الأصول الريفية وحرفيي المدن، وهي في مرحلة انتقالية تتقاذفها مشاعر مختلطة ما بين رغبة الانخراط في المجتمع، وإحساس بأن وجودها في ألمانيا وجود مؤقت. والفئة الثالثة أغلبها من العازبين والأفراد بينهم متعلمون وأميون، عجزوا عن التوافق مع ظروف اللجوء بسبب صعوبة تعلم اللغة، واستحالة الانخراط في سوق العمل وفق القدرات المتوفرة، وغالبية هذه الفئة خيارها محسوم في عدم البقاء في ألمانيا، وهم بانتظار أول فرصة للمغادرة سواء إلى سوريا أو أي بديل متاح، المهم أن المنتمين لهذه الفئة لا يريدون البقاء في ألمانيا.

لقد ساءت ظروف السوريين في السنوات السبع الماضية سواء المقيمون منهم في سوريا أو خارجها. ففي الداخل قتلٌ واعتقال وتدمير للممتلكات والقدرات الفردية والجماعية، وفي بلدان اللجوء والإقامة صعوبات ومشكلات لا حصر لها، تمنع في غالبها استمرار حياة السوريين بالحدود الدنيا والمقبولة، وزاد من صعوبة الظروف عاملان؛ أولهما غياب أي أفق مفتوح للحل في سوريا، والثاني، فتح بوابات الهجرة واللجوء إلى بعض بلدان أوروبا وبينها السويد وألمانيا، وكلها كانت بين دوافع السوريين في التوجه نحو اللجوء.

وللحق فإن ألمانيا أبدت اهتماماً وترحيباً خاصاً باللاجئين السوريين، وسهلت وصولهم، ويسرت سبل منحهم الإقامة، بل هي استوعبت العدد الأكبر من اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا في السنوات الماضية إلى حد أن أعدادهم تقدر فيها بنحو ثمانمائة ألف شخص.

غير أن الهوى المتبادل بين السوريين وألمانيا سرعان ما ضربته رياح الوقائع. فأغلب القادمين اعتقدوا أن اللجوء حالة إنسانية بحتة، تقوم على المساعدة، فيما المستقبلون يرونها حاجة اقتصادية واجتماعية وثقافية، تقوم على الاندماج بكل ما يعنيه من التزامات مقابل اللجوء. كما أن الفارق الثقافي/ الاجتماعي بين الطرفين، جعل من عملية الاندماج أصعب من توقعات الألمان خاصة في ظل محدودية قدرات جهازهم الإداري والفني غير المهيأ لاستقبال أعداد ضخمة من اللاجئين، وقد أضيفت لهم أعداد أخرى وكبيرة من غير السوريين، الأمر الذي أعاق وأخّر تلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين، وشكل صدمة لهم، وخلف حالات إنسانية صعبة منها لم الشمل وتفاوت مدة الإقامة وصعوبات العمل، وجميعها ليس لها رؤية مشتركة عند الطرفين، وزاد من حدة المشكلة تصريحات وتحليلات وتقديرات، تتعلق بمستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا.

وسط تلك الوقائع، تبدو تحديات اللجوء السوري في ألمانيا قائمة. فمن جهة الألمان الذين صرفوا نحو خمسين مليار يورو على اللاجئين (نحو ثلثهم من السوريين) في السنوات الأخيرة، فإنهم لا يرغبون في رؤية جهودهم وأموالهم، دون نتائج مناسبة، خاصة أنهم لا يستطيعون إعادة اللاجئين السوريين من حيث قدموا ولا إلى بلدهم الذي تطحنه الحرب، وتستمر فيه المقتلة والتدمير، ولهذا لا بد لهم من سياسات وإجراءات، تتغلب على العوامل المعيقة لاستيعاب ظروف اللاجئين السوريين ومتطلباتهم.

ومن جهة السوريين، فإن خيارات خروجهم من ألمانيا باتجاه بلدان أخرى محدودة، وعودتهم إلى سوريا شديدة الصعوبة بفعل استمرار الأسباب، التي جعلتهم يغادرونها أصلاً، خاصة أن النظام تخلى عن أية مسؤوليات حيالهم، وهو غير راغب في عودتهم إليها، وبالتالي فإنه لا خيارات لديهم في التعامل مع وجودهم في ألمانيا إلا باعتباره أمراً واقعاً، حتى ولو فكروا في العودة إلى بلدهم عندما تضع الحرب أوزارها، أو يبدأ مسار الحل في سوريا.

غير أن التحدي الذي يواجهه السوريون في البقاء بألمانيا، لا يمكن معالجته دون جهود وسياسات ألمانية جديدة وعميقة، تجعل من قدرة السوريين هناك أفضل للبقاء في ألمانيا.

========================

امتحان الثورة في سوريا .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 12/8/2017

ليس سراً أن هناك توجهاً دولياً لإبقاء الأسد رئيساً في المرحلة الانتقالية، سيليه توجه أشد لمشاركته في الانتخابات المقبلة بعد الحل السياسي، وربما لتنفيذ الشعار الشهير «الأسد للأبد».

هذا ما تريده روسيا وما أعلنته منذ بداية تدخلها غير المباشر في الدفاع عن النظام، وقد صار هدفاً لها بعد التدخل المباشر قبل عامين، ولم يكن أحد يوافقها أو يفوقها حماسة للدفاع عن بقاء الأسد غير إيران، فهي تعتقد أن غياب الأسد سيعني غياب حضورها كله في المنطقة، فهو مفتاحها لدخول لبنان والسيطرة على مقدراته، وهو داعم امتلاكها للقرار في العراق. ولن أتحدث عن الموقف الإسرائيلي الذي يخشى انتصار الثورة السورية، فما يعنيني هنا هو موقف أصدقاء سوريا الذي يشهد تبدلات حادة ربما عبر عنها إعلان ماكرون وقبله جونسون وقبلهما نيكي هايلي التي صرحت ثم اعتذرت. وثمة التصريحات والتلميحات في الحديث المتواتر عن ذريعة عدم وجود بديل للأسد، ومثل هذا الكلام ليس فيه احترام لائق لشعب سوريا العريق ممن لا يرون فيه رجلاً واحداً جديراً بأن يكون رئيساً لجمهورية مدنية ديمقراطية، وشعبنا لا يبحث اليوم عن ديكتاتور أو مستبد.

لقد كانت الإدارة الأميركية السابقة أول دولة أعلنت أن الأسد فقد الشرعية، وكادت تشن حرباً بعد أن أدين عالمياً باستخدام الكيماوي في الغوطة، والجميع يعلمون أن الجهد الروسي نجح في إيقاف الحرب الدولية، واكتفى الجميع بإلقاء القبض على السلاح وترك المجرمين بلا عقاب أو مساءلة. وحين جاء الرئيس ترامب جدد إنذاره إلى حد قصف المطار الذي استخدم منه النظام السلاح الكيماوي ضد خان شيخون، وسبق لي أن وصفت تلك الضربة بأنها ضربة على الطاولة للتحذير من استخدام الكيماوي، ومع أنني ضد أي تدخل أجنبي عسكري في سوريا، فقد كنت منذ البداية من دعاة الحل السياسي، إلا أنني والكثرة من السوريين فقدنا ثقتنا في جدية موقف المجتمع الدولي (على الأعم) من الجرائم الكبرى التي ترتكب ضد شعب قتل منه نحو مليون إنسان وتعرض نحو مليونين منه للإعاقة، واعتقل منه نحو مليون، وشرد منه 14 مليوناً بين نازح ومهجر قسري ولاجئ! ومع ذلك يريد بعض المجتمع الدولي أن يكافئ من ارتكب كل هذه الجرائم فيمنحه شرعية جديدة، غير مبال بمشاعر ملايين السوريين من ضحايا هذا النظام المسؤول وحده عما حدث، فهو الذي اختار الحل العسكري منذ بداية الأحداث، وهو الذي دمر القرى والمدن واستباح دماء السوريين وقادهم إلى القتال مجبرين للدفاع عن حياتهم وأعراضهم، وقد استمروا في احتجاجاتهم السلمية ثمانية أشهر يتحملون الموت اليومي، ولولا أن النظام زج الجيش بكل قواه لمحاربة الشعب لما انشق آلاف الضباط الذين أسسوا الجيش الحر وبدؤوا الدفاع عن أهلهم.

ولقد فوجئ الشعب بكون النظام يستقدم المحتلين إلى سوريا، فقد أدخل جيوش «حزب الله» وإيران، وميليشيات الإرهاب الدولي حتى باتت بمئات الأسماء، وأطلق سراح المتطرفين والمتشددين دينياً كي يخلط الأوراق وهو يعرف أن هؤلاء لا يملكون مشروعاً وطنياً وأنهم سيحاربون الجيش الحر والثوار، وسيرفعون شعارات تؤكد دعواه بأنه يواجه متطرفين.

وما أظن دولة في العالم يخفى عليها سر «داعش» وأمثالها، فهي لم تنبت في الأرض السورية ولم تخرج من جوف المجتمع السوري، وزعماؤها جميعاً استقدموا من الخارج، ورعتهم إيران بوصفها الدولة الراعية للإرهاب في العالم.

ومشكلتنا اليوم لم تعد مع النظام وحده، فحين تعرضت سوريا للاحتلال، صارت القضية أخطر وأعم، فظهرت مواقف مستجدة من المعارضة، وسعت نظرتها للقضية، فبات همها استقلال سوريا وطرد الغزاة منها، وإيقاف نزف الدم، وإنهاء معاناة الشعب التي بلغت حداً لا يحتمل ولا يطاق على صعيد إنساني، وقبلت الهيئة العليا للمفاوضات بتشاركية مع النظام، وأعلنت ذلك في رؤيتها بدوافع واقعية، لكنها اشترطت في بيان مؤتمر الرياض بألا يكون للأسد ومن شاركه من المجرمين دور في المستقبل السياسي، وأن تنتقل صلاحيات الرئاسة إلى هيئة حكم انتقالي، كما في بيان جنيف والقرارات الدولية. ومع ظهور توجهات دولية تروج لبقاء الأسد وظهور حملات شعبية سورية ترفض ذلك رفضاً قاطعاً، جاءت تصريحات الخارجية السعودية تشد أزر الشعب السوري، وتطمئنه إلى ثبات مواقف الأشقاء، وتكشف زيف ما تشنه الحملات المضادة والهادفة إلى زعزعة الثقة. ولا يخفى على أحد أن بقاء الأسد سيجدد الصراع ويعيد الحال إلى نقطة الصفر، وأي انتصار عسكري للنظام لن يكون ضمان استقرار ما لم يتحقق حل عادل ومقبول على صعيد شعبي.

ومن غرائب ما يحدث في المجتمع الدولي أن يقول بعض أصدقاء سوريا إنهم معنيون بمحاربة الإرهاب، وتبريرهم هو حاجتهم إلى أن يقوم النظام بمساعدتهم بمحاربة الإرهاب.

========================

دماء في سرمين .. شعر : يحيى حاج يحيى

إلى الأحبة الشهداء من رجال الدفاع المدني الذين اغتالتهم يد النذالة والخيانة والجريمة

داوى الجراح! فمن يداوي iiجرحه      وتـجشّم  الأهـوال غـير iiمبالي
سـاحاتُه لـيست حديقة راحة ii..      لـكـنها الإنـقـاذُ مِـن أهـوال
وهـو الـمغيثُ إذا دهتْكم iiغارةٌ.      يـمضي بـجرأة صادقِ iiاستبسال
عيناه لم تغمضْ ، ويحذر مِن أذى      لـو حـلّ فـي الأبـناء والأطفال
ولكم  تعرّض للحتوف مصابراً ii..      لـم  يـشكُ مـن تعب لكم وكلال
أفـحين أغمضها لراحة جسمه ..      قـد هـدّه تـعبٌ مـن iiالـتجوال
جـازاه  أهـلُ نذالة برصاصة ii..      فـي الـرأس غـدراً فِعلة الأنذال
يومٌ  كيوم ( معونة ) نأسى له ii..      ونـظلُّ نـبكيهم مـدى iiالأجـيال
صـدقوا  الإله فكان ِغايةُ iiصدقهم      نـيْل  الـرضا بالفعل ، لا الأقوال
لـو عُـدّتِ الأبطالُ كانوا أوّلاً ii..      وكـذا  تـكون بـطولةُ iiالأبـطال
كـانوا  مـعاً يتسابقون إلى الفدا      وهـنا مـعاً فـي سـاحة iiالآجال

========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (21) كوهين يحط رحاله في عاصمة الأرجنتين تحت اسم مستعار

كامل أمين ثابت .. محمد فاروق الإمام

في الأول من آذار 1961م وصلت طائرة (سويس إير) القادمة من زيورخ في الوقت المحدد في مطار (ازيزة) في (بيونس آيرس) عاصمة الأرجنتين. وكان أول النازلين من الطائرة كوهين.. وبعد الإجراءات الجمركية والهجرة غادر المطار وأخذ سيارة أجرة.. وأوضح كوهين رجل الأعمال للسائق أنه غريب في المدينة.. وطلب منه أن يشير عليه بفندق ينزل فيه. ومضى السائق به إلى عنوان معروف في شارع (أفنيدانويفي دي جوليو) في قلب المدينة.

وعندما وصل رجل الأعمال (كوهين) إلى الفندق كتب اسمه في السجل: (كامل أمين ثابت) تاجر تصدير واستيراد.. وكان جواز سفره يدل على أنه سوري.

كانت مدينة بيونس آيرس حافلة بالأندية التي يؤمها السوريون واللبنانيون.. حيث يجتمعون في كل مساء للتحادث ولعب النرد.

واختار ثابت النادي الذي ارتآه ملائماً.. وسرعان ما تبادل ثابت أطراف الحديث مع طائفة من الناس.. الذين طلبوا منه التعريف بنفسه. فبدأ ثابت في سرد قصة حياته الوهمية. قال: إن والده أمين وأمه سعيدة غادرا بلدهما سورية قبل سنوات ليجربا حظهما في العاصمة اللبنانية المزدهرة، بيروت، وهناك ولد كامل وأخته (عينا) التي توفيت وهي طفلة صغيرة ولم تجر الرياح بما اشتهت العائلة.. فانتقلت إلى مصر.. واستقر أمرها في الإسكندرية أخيراً.. وهناك قضى كامل أكثر أيام طفولته.. وكان والده يلح على أن تحتفظ العائلة بالجنسية السورية.. وهو الذي غرس في كامل حباً عميقاً لبلده.. وقال كامل لمستمعيه أنه أقسم حين كان والده في النزع الأخير بأن يزور سورية في يوم من الأيام.

أصبح إيلي شخصية شعبية في دائرة المهاجرين السوريين.. كما عرف أن (نادي الإسلام) وهو مطعم ومركز اجتماعي هو خير الأمكنة التي يلتقي فيها بأولي النفوذ من أبناء الدول العربية. وذات يوم اتصل الحديث بينه وبين رجل أصلع.. متوسط السن.. قال لإيلي أن اسمه (عبد اللطيف الخشن) وإنه محرر أكبر جريدة عربية في الأرجنتين.. وقدم الخشن إيلي إلى الشخصيات العربية البارزة في بيونس آيرس.. كما عرّفه إلى الدبلوماسيين ورجال المجتمع الأغنياء.

وفي أحد الأيام وخلال حفل قابل العميد (أمين الحافظ) الملحق العسكري في سفارة الجمهورية العربية المتحدة.. وسرعان ما أولى أمين الحافظ ثقته هذا الشاب المتحمّس.

يتبع

===========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com