العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-06-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الشبكة السورية لحقوق الإنسان وأهمية التوثيق السوري

نزار السهلي

سوريا تي في

الخميس 17/6/2021

عَرِفَ السوريون منذ عرفت ثورتهم يومها الأول، فاشية النظام وبطشه المركب بعضلات احتلال روسي وميليشيا عصابات مختلفة، وخبروا مواقف انطوى عليها انحياز لجانب نظام الأسد بنفاق دولي مستمر، منذ ذلك التاريخ أشار الوجدان الشعبي السوري بأصبع الاتهام للنظام وللحلفاء" الذين أظهروا تعاطفا فارغا مع الثورة، وأحس وجدانهم بخيانة أصدقاء الأمس، وبسقوط أولى الأقنعة عن الوجوه المتآمرة، وبذلك عَبَرت شعارات وهتافات السوريين التي لا تُنسب لشخص معين بعينه، بقدر ما كانت تراث الضحية السورية بتعبير صادق عن رأيها وحسها، وكانت اليافطة المرفوعة والشعار المكتوب وما صدحت به الحناجر للحرية غير كاف لإيصال رسائل الضحايا دون توثيق.

الضمانات الشكلية التي نالها السوريون في بداية الثورة، حققت جوا ضبابيا ساهم في تمييع الحقيقة أمام أعين السواد الأعظم من ملايين السوريين، وفتح باب المساومة على حقوقهم الثابتة في الحرية والكرامة والمواطنة، والأهم التساهل مع الجرائم المختلفة التي وثقتها وتصدت لها "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"  والتي أصبح عملها بعد عشر سنوات على تأسيسها ضرورة أساسية في مواكبة توثيق الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها السوريون على الأرض، ومرجعا مهما لتقارير دولية سياسية وحقوقية وإنسانية وصحفية معنية بالتحري عن الانتهاكات المتعددة التي يتعرض لها السوريون.

ونستطيع أن نؤكد، استنادا لتقارير ووثائق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بأن الأرقام التي ترد في تقاريرها لم تعد محصورة بإحصاء أرقام الضحايا، وتعداد الانتهاكات والجرائم، بل أصبحت تشكل ملفات مهمة في الجانب القانوني والسياسي في وجه إقفال قضية السوريين، التي يحاول حلفاء النظام في موسكو وطهران وبعض العواصم الغربية والعربية التغاضي عنها. على سبيل المثال ما زال النظام السوري يتصدر جريمة الإخفاء القسري بنسبة 85% للضحايا البالغ عددهم 101,678، بينهم 5011 سيدة و1767 طفلا، متفوقا بذلك على تنظيم داعش الذي يدعي محاربته، وعلى قوات سوريا الديمقراطية وهيئة تحرير الشام والمعارضة المسلحة التي استحوذت على النسبة المتبقية ( 15%) من ضحايا الاختفاء القسري، وفي مجال الاعتقال التعسفي وثقت الشبكة 149,457 معتقلا، أما في مجال القتل المباشر نتيجة لأعمال القصف على المدنيين يبقى نظام الأسد يتصدر قائمة المسؤولية عن جرائم القتل بواقع 199,939 ضحية حسب إحصائية الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى أيلول 2020 من العام الماضي، أما بقية الأرقام المتصلة بجرائم الإبادة الإنسانية والتطهير العرقي والقتل تحت التعذيب الذي ناهز 14,537 ضحية، وجرائم التهجير فهي باقية في صدارة سجل نظام الأسد ففي إحصاء مقتل الأطفال رصدت الشبكة مقتل 29,520  طفلا منذ حتى حزيران 2021. ومقتل 28,526 سيدة.

الثغرات ونقاط الضعف، تبقى قائمة في توثيق الانتهاكات في سوريا لمن يدرس ويتتبع بعناية الجهودَ المبذولة في مضمار البحث والتوثيق، ليس في صعوبة الآليات المتبعة، أو بشكلها المنظم الذي تمأسس في السنوات الأخيرة بخبرات سورية خالصة، وشموليتها لقضايا كثيرة تهم المجتمع السوري على كل الأصعدة، بل في نقاط عديدة أبرزها الأوضاع الصعبة التي يعمل وفقها الباحثون على الأرض، وتتلقفها مراكز البحث والدراسة للاستفادة منها وتوجيهها، بما يخدم القضايا التي يشار إليها وراء البحوث والمسوح الميدانية التي تفضي جميعها للتدقيق بحجم الفاجعة السورية على كل المستويات، وعلى الأهمية البالغة لإبقاء التوثيق سلاحا مشهرا بوجه المجرمين ولتحقيق العدالة بمحاسبتهم أمام المحاكم الدولية.

فبالرغم من التقدم المطرد الذي حققته تلك البحوث، ونشوء جيل جديد من السوريين يصمم على تقديم دراسات علمية وجادة، يبقى التعاطي مع هذه البحوث حذرا ومترددا، من قبل المؤسسات الإقليمية والدولية لدواعٍ عديدة، أهمها تجاهل الإشارة إلى حجم الفاجعة التي حلت بالمجتمع السوري، وتسليط الضوء على ظاهرة "الإرهاب" أو الحركات الإسلامية، بمعزل عن دور النظام الأساسي في تنامي الإرهاب الذي كان ضحيته الأولى أساسا مُجمل المجتمع السوري.

الشهادات الشخصية والتقارير الصُحفية والرسائل الخاصة، تلعب دورا أساسيا في تدوين التاريخ الذي هو بِمجموعهِ لا يتألف فقط من شهادات الأشخاص البارزين ذوي الأدوار القيادية، أو المتنفذين والمتحكمين في سير الأحداث، إنما من أناس عاديين وضعتهم الظروف وسط أحداث مصيرية، فكانوا على درجة عالية من الوعي والمعرفة لتجعلهم يسجلوا ما شهدوه أو ما شاركوا به، أو لنقل الحدث وتوثيقه عبر الصوت والصورة وتسجيل البيانات المتعلقة به.

بداية التوثيق على نحو جدي في الثورة السورية، تطور من نقل الفاجعة في الحقل السوري الشاسع، إلى الانتباه المبكر للشهادات والتقارير وعملية توثيق الانتهاكات والقتل العمد للناشطين السلميين والإعلاميين وعمال الإغاثة وفرق الدفاع المدني، واستهداف منشآت التعليم والصحة والغذاء ودور العبادة وكل مرافق الحياة، فضلا عن نقل معاناة السكان تحت الحصار والقصف والتدمير وتوثيق جرائم الميليشيات العسكرية المختلفة على الأرض ضد المدنيين وإحصاء الضحايا في المعتقلات وتدوين أسماء عشرات الآلاف من المعتقلين ومن قضوا تحت التعذيب.

سوريون عاديون أدركوا أهمية توثيق لحظات تراكمت بأعوام قاسية، عَرفوا من خلالها أي عدوٍ يواجه الشعب السوري، وقدّموا للعالم الصورة التي أشاح المجتمع الدولي النظر إليها مليا. لذلك يبقى التوثيق السوري لجرائم النظام وروسيا وميليشيات إيران وقوى الاحتلال، أهمية كبرى للمجتمع السوري وللأجيال المعاصرة الشاهد الواعي للتاريخ، ويستحق كل تقدير، والبذرة التي غرسها السوريون في البحث وتوثيق الجرائم من الهاتف النقال بصور رديئة واليافطات المرفوع عليها أسماء الشهداء والمعتقلين لتوثيق الفاجعة، إلى مأسسة العمل بالشبكة السورية لحقوق الإنسان، ومراكز البحث الأخرى مع منابر إعلامية سورية في إبراز التوثيق، كسلاح لا يقل أهمية عن  سلاح مواجهة نظام قمعي استبدادي وحشي، سيبقى عاجزا من انتزاع العداء من صدور وذاكرة ملايين الضحايا.

=========================

وجهة نظر : سورية الوطن والإنسان مهددات العيش الوجودية .. خمسة مهددات وجودية تشمل جميع السوريين

زهير سالم

مركز الشرق العربي

16/ 6/ 2021

وأكتب هذا المقال عن كل سورية وكل السوريين، وفي مثل هذا السياق الإنساني، يسقط التصنيف " معارضة - موالاة " وإن كان المجرم صانع المحرقة، والمتلذذ بالمأساة لا يغيب أبدا عن أذهان العقلاء من السوريين..

وهذه المهددات حين توضع في سياقاتها الإنسانية والوطنية وفي آفاقها المستقبلية، قمينة أن تجعل من جميع العقلاء يعيدون في مبتدا أمرهم ومنتهاه التفكير.

يستنبط العقلاء موقفهم السياسي العملي من معطيات اللحظة، والساعة واليوم والشهر والسنة ؛ مستشرفين كذلك آفاق الساعة والسنة والعقد والقرن أيضا ، وأسأل كيف ستكون سورية الجغرافيا والديموغرافيا في عام 2121 ؟؟

والتدبر والتدبير ، حسب اصطلاح القرآن ، هو النظر في أدبار الأمور، عواقبها ومآلاتها وما تقود إليه. ألا ليت قومي يعلمون

إن ما آلت إليه السياقات السورية المتضافرة على هدف دولي عالمي واحد، تدمير سورية، وإبادة السوريين، وخذلان ثورتهم، كل ذلك يتطلب موقفا أكثر حكمة ورصانة وواقعية، وإيمانا بالغد الزاهر الجميل يشمل بالعدل والحرية جميع السوريين.

وسينطلق ذلك ولاشك من رؤية عملية لما آل إليه وضع سورية والسوريين.

ولاشك أن المتأمل الواعي للمشهد السوري وطنا ومجتمعا ، يدرك أن القرح المشترك هو الذي بات يخيم على سورية وعلى السوريين أجمعين. وإذا كنا لا ننتظر من المجرمين والسفاكين والقتلة أن يهتموا بمعاناة الناس وآلامهم، فلا يرضى عاقل لنفسه أن يشاركهم الجريمة والإثم أو أن ينافسهم فيه .

وبالنظرة الإنسانية الوطنية المستعلية لواقع سورية وواقع السوريين جميعا نستطيع بكل سهولة أن نكتشف حجم المهددات الوجودية للجرح الذي بات يلفهم ونكاد نقول أجمعين ..

والمهدد الأول لوجود السوريين ..

هو مهدد" الخوف" وانعدام الأمن، وهو الذي أخرج ملايين السوريين من بلادهم ، فحولهم إلى لاجئين ونازحين. ..وكان الخوف أولا من الأجهزة الأمنية، ثم من قصف الدبابات والمدفعية، ثم من قصف الطائرات والسارين والبراميل ، ثم من فتك الأسلحة الروسية الألف، التي تم تجريبها في أديم الشعب السوري ، ثم اتسعت رقعة تهديد الخوف لتشمل الخوف من الميليشيات الطائفية والعنصرية ، ثم اتسعت لتشمل في بعض المناطق الخوف من حماقات بعض الحمقى، وعنصرية بعض العنصريين.

لا نشك أن حجم الخوف واتساع دوائر مسببيه تختلف، ولكن الخوف الوجودي على " النفس والعرض والمال " خوف حقيقي يتلبس كل السوريين، وكل الذين يعيشون على الأرض السورية. بل ويمتد إلى غيرهم من السوريين الذين يعيشون بعيدا عن الأرض السورية .

ارجع إلى صفحات السوشيال ميديا المختلفة، تجد سوريين يصرون على الكتابة والنشاط تحت أسماء مستعارة، أجدهم من كل الأطياف، وحين تسألهم بحميمية يكون جوابهم " خوفا من قابل الأيام " فهؤلاء أيضا لهم وجهة نظر من تعليم الأيام . يقول أحدهم ليس على نفسي أخاف !!!

إن التفكير السائد دوليا اليوم باستدامة عهد الأسد، وإن ببعض الرتوش" يعني أن سورية ستظل على مدى المستقبل المنظور " جغرافيا " طاردة للحياة والإنسان، حتى هؤلاء السوريين الذين يتورطون اليوم ببعض الآراء والمواقف، مستفيدين من مناخ الأزمة ، سيعلمون أنهم يوم ستتفرغ لهم أدوات القمع ستحاسبهم على شرائهم كتب " تفسير الأحلام " لابن سيرين أو لفرويد على السواء .

إن موقف واجهات المعارضة السورية المنقاد عمليا للموقف الدولي وبلا شروط ، يبعث في العقول والقلوب المزيد من الوهن والخوف. فهؤلاء المنقادون لا يرجى منهم في سياق الأحداث خير .

وفي الحديث عن الخوف المهدد في سورية، والذي يقطع الطريق على كل حالم وآمل ، تكرس سياسات القمع الأسدية أن لا مجال للتسامح مع من حسب منطقها " زلّ " أو " ضل " أو " حدثته نفسه الأمارة بالسوء " فكل العائدين وإن صالحوا واصطلحوا يجدون أنفسهم في لحظة أمام مقصلة الحساب ...

السؤال العدمي الذي لم يعد يجدي طرحه : هل من الاستراتيجيات الدولية المقررة أن تتحول " سورية " كل سورية إلى ما يشبه الثقب الأسود الكوني، يبتلع كل عناصر الحياة والأمن والنماء ...؟؟؟

والمهدد الوجودي الثاني لسورية الجغرافيا والديموغرافيا :

الذي يواجه غريزة الحياة في سورية هو تحدي الجوع الكافر ..

الجوع الأسود وليس سوء التغذية !!

والجوع كافر كما تعودنا أن نقول، في تراثنا الشعبي. و حفظنا أن :ندعو اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع. وأشد ما يكون الجوع عندما يتحول إلى دمعة في عيني طفل، أو عويل في صوت رضيع.

والجاهل وحده هو من يحسب أن الجوع قاصر على اللاجئ والنازح، أو على مخيم في المحرر من الشمال والجنوب.

في كل المدن والبلدات السورية هذه الأيام أقوام جائعون ، بمعنى الجوع الكافر الذي ما عرفته بلاد الشام في تاريخها الحضاري العريق . في كل المدن والبلدات ، حتى في البيوت " أبوابها عالية وحلقاتها صفر " أطفال جائعون ونساء جائعات و " يحسبهم الجاهل أغنياء "

 في البيوت المغلقة على ما فيها كل الأسر التي يعيلها رجل عام لم يرث ولا يسرق ، أسر محتاجة أو جائعة . من أساتذة الجامعات والمدرسين والأطباء والمهندسين العاملين في سلك الدولة وكذا المدراء وجميع طبقات الموظفين.

وإذا أحبط الرجل العام أحبط السواد العام من المهنيين والباعة وأصحاب الحوانيت ...

تحدي الجوع في سورية الحبيبة ، هذه الأيام عام وشامل ومحبط ومخيف، وله آثاره الاجتماعية المدمرة للقيم والأخلاق، والجوع لا يميز بين موال ولا معارض، ويقرص البطون بلا خلفية إيديولوجية ولا سياسية، وهذا خطر ماحق يحيط بسورية الحبيبة، وسط انتشار قطعان من المبشرين بالرفض وغيره ، وبزواج المتعة وسواها ..

ولا نجد إلا أن نقول ألا ليت قومنا يعلمون ...

والمهدد العام الثالث في سورية الحبيبة...

تهديد العطالة والبطالة ...

ولو أردت أن أشرح الصور لما اتسع كتاب ..

تهديد العطالة وقصدت به مصائب الأسر من ذوي القتلى والشهداء، مات المعيل وترك وراءه . أو مصائب حطام المعارك من أولي الضرر ، مقعد ، وفاقد للساقين أو اليدين ..أو العينين ..

 أو المقاتل أيا كان، يجد نفسه بعد عقد أو نصف عقد وكأنه عبء قد ضاق بحمله الناس ..كثير من مجندي الفصائل اليوم ومثلهم من مجندي الميليشيات. وأنظر إلى المشكلة من جانبها الاجتماعي والاقتصادي ..شاب منذ عشرة أعوام ولا يحسن غير استعمال السلاح !!

ثم البطالة الظاهرة والمقنعة ، من صاحب الأرض المزروعة احترق زرعه ، إلى العامل في المصنع ، أغلق مصنعه، وصاحب المهنة عاف الناس صنعته

أقرأ وأسمع كثيرا من الكلام يردده أهل الفنتازيا ولكن بعض هؤلاء لا يدركون معنى أن يستيقظ والد في الصباح لا يملك ثمن قارورة حليب أو رغيف خبز يمضغه وليد.. في مدينتنا كنا نقول " حديث القرايا لا يحكى في السرايا"

صور العطالة والبطالة بين كل السوريين أكثر من أن يحيط بها مقال ولكنها عبء ثقيل على العقول والقلوب وعلى نفوس الرجال ...

 والتهديد الرابع المشترك في المشهد السوري تهديد المرض ..

وكان قائما قبل كورونا، وتعزز ثقله بعدها ، وتحدي الصحة، وتهديد المرض بكل أبعاده يمد من قطر دائرة الثقب ، الأسود الذي يهدد حياة الناس أجمعين. المرض يطحن السوريين في المحرر وفي الممرر !! ونؤمن أن الموت والحياة من قدر الله، ولكن رحى المرض في سورية ما تزال تطحن المزيد من حياة الناس. ومعاناة المرضى من السوريين تزداد وتزداد ..وليس ذنب المرضى أن بشار الأسد لا يهتم ، بل إذا كان بشار لا يهتم ، فنحن أنا وأنتَ وأنتِ وأنتم وأنتن يجب أن نهتم والأولى بنا أن نهتم ..

ومن تهديد البطالة والمرض إلى تهديد الأمية والجهل ..

والطفل الذي ولد في الخيمة العام الأول للثورة أصبح اليوم يافعا في العاشرة من عمره ...

هذا الطفل لم يعرف بعد معنى البيت والغرفة والسقف والنافذة والمطبخ والسرير ...

هذا الطفل يجب أن يكون في الصف الرابع أو الخامس كما تحسبون ..!!

ومن دائرة الأمية إلى دائرة الشهادات الجامعية المفرغة من محتواها، يواجه مجتمعنا السوري في كل تلافيفه أزمة خانقة محيطة ...الشهادة الحزبية هي التي ستؤمن لخريج الجامعة ، وظيفة بعشرة دولارات شهريا عليها يتنافس المتنافسون!!

الجغرافيا السورية اليوم هي الثقب الأسود على الخارطة العالمية، الثقب الأسود الذي يمتص ويتلف كل عوامل الحياة الإنسانية بالمعنيين البيولوجي والحضاري ..

وهذه التهديدات هي تهديدات واقعية جديرة من الأم الصادقة بالاعتبار ... وهو واقع جدير بأن يجعل لهذه الثورة المباركة منطلقات، ومضامين وآفاقا غير الذي يردد أصحاب الوجوه . إن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها، فكيف بحال صاحب الوجوه !!!

هذا مجرد عرض للمشكلة وقد أزعم أنني لا أملك الحل ، ولكن البحث عن الحل بالصدق العملي والواقعي واجب الجميع. واجب الهيئات والمنظمات والتجمعات والشخصيات. ولا يحق لأحد أن يدير ظهره لبكاء الرضيع ولا لاستغاثة زبطرية بُح صوتها تنادي : وامعتصماه.. أسأل ضمائركم متى بالجد تحدثوا عن قضايا المعتقلات والمعتقلين؟؟؟

وفي البحث عن الحل يجب أن تتطلع أبصارنا إلى الأفق القريب والأفق البعيد ، بل يجب أن نستشرف وراء الآفاق المحدودة آفاقا لا تحد ..

وآفاق لا تحد ...كان هذا عنوان كتابه قرأناه في ستينات القرن الماضي للكاتب فؤاد صروف ...

كان أستاذ اللغة العربية، قد شرح لنا أن الأفق هو الخط الذي يظهر لنا فيه الأرض ملتصقة بالسماء على مدى بصرنا المفتوح. بعض الناس يقول خط التصاق السماء بالأرض، وبعضهم يقول خط التقاء الأرض بالسماء، وبينهما بون بعيد للذين يعلمون ..

معلم الرسم علمنا أن أول خط يجب أن نرسمه في اللوحة الطبيعية هو خط الأفق، وحسب رغبتنا نحدد مساحة السماء ومساحة الأرض ..وشرح هذا بكلام كثير ..

من كتاب يعقوب صروف تعلمت وأنا في الأول الإعدادي المعنى المفتوح للأفق المفتوح على الأمل بلا حدود ..

أدعوكم للاستشعار والتفكير والاستشراف ..رجل من أقصى المدينة يسعى فيقول : ألا ليت قومي يعلمون ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

الاستبداد والفساد صنوان .. سورية مثالاً

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الاربعاء 16/6/2021

من بين ما يميز المجتمعات الديمقراطية عن تلك الاستبدادية النظرة إلى الحكم، وحدود التصرّف في الثروات العامة، والموارد المالية الخاصة بالدولة، فبينما تدرك القوى التي تشكل الحكومة، بعد فوزها في الانتخابات النزيهة، وفق القواعد المتفق عليها في النظام الديمقراطي المتبع، أن وظيفتها لا تتجاوز حدود إدارة الدولة والمجتمع، وتأمين احتياجاتهما عبر تقديم الخدمات للمواطنين، وفتح الآفاق أمامهم، ومعالجة المشكلات الموجودة؛ واستشفاف ملامح المشكلات المستقبلية، وماهية الخطط الاسترتيجية الرامية إلى الحدّ من تأثيراتها، وتجاوزها نحو فضاءاتٍ أوسع، تضمن الرعاية الصحية الجيدة، والتعليم المتطوّر، وفرص العمل المنتج لجميع المواطنين من دون أي تمييز أو استثناء.

هذا في الأنظمة الديمقراطية. أما القوى التي تسلطت على الحكم والمجتمع بالقوة والإكراه، بمختلف الأشكال، في الأنظمة الاستبدادية، فهي ترى أن من حقها التصرّف، وبصلاحياتٍ كاملة، بموارد الدولة والمجتمع، وكأنها ملكٌ خاص للزمرة الحاكمة، ومن دون أي التزام بتأمين حاجات المجتمع، أو تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. وهذه الظاهرة مستفحلةٌ في الأنظمة الجمهورية العربية في منطقتنا أكثر من الأنظمة الملكية. وربما لهذا الأمر تفسيراته، فالأنظمة الملكية والأميرية في منطقة الخليج اعتمدت نظاماً وراثياً محدّد القواعد، ارتكز على المجتمع الأهلي وتقاليده وقواعده، الأمر الذي حقّق للأنظمة والمجتمعات المعنية قسطاً ملحوظاً من الاستقرار، حتى في مرحلة ما قبل الفورة النفطية التي جاءت لتمكّن هذه الأنظمة من تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين؛ بل وتحقيق إنجازات كبرى في ميادين العمران والتجارة والاستثمارات المستقبلية. ولكن هذا لا ينفي وجود ثغراتٍ وتبايناتٍ حول قضايا وتوجهاتٍ عديدة في الدول المعنية، خصوصا على صعيد حقوق المرأة ودورها الفاعل المطلوب في الدولة والمجتمع، مع ضرورة الإشارة هنا إلى بداياتٍ مشجّعة.

النظامان في الأردن والمغرب التزما صيغةً من صيغ الملكية الدستورية التي فتحت المجال أمام العمل السياسي المقيد، ما انعكس إيجاباً على استقرار الدولتين

ولعله من المناسب أن تتم المقارنة في هذا المجال بين مستويات المعيشة ومستوى التطور العمراني، وفاعلية المؤسسات الصحية والتعليمية والبحث العلمي في الدول الخليجية والدول ذات النظام الجمهوري، التي كانت، وما زالت تمتلك من الثروات النفطية التي كانت، وما زالت، تُنفَق على نزوات المتحكّمين ومغامراتهم وفسادهم. ويُشار هنا بصورة خاصة إلى ليبيا والعراق. أما النظامان الملكيان في كل من الأردن والمغرب اللذين افتقرا إلى إمكانات الدول الخليجية، وعانيا، في الوقت ذاته، من مشكلاتٍ داخلية وإقليمية، فقد التزما صيغةً، ولو نسبية محدودة، من صيغ الملكية الدستورية التي فتحت المجال أمام العمل السياسي المقيد، وشهدا الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبولة بصورة عامة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على استقرار الدولتين، وأدّى إلى عدم تعرّضهما للهزّات العميقة التي تعرّضت لها جميع الأنظمة العربية الجمهورية. ولا يُقال هنا إن الأوضاع مثالية في المملكتين، ولا يُلقى الستار على جملة المشكلات الأساسية التي تعاني منها الدول العربية ذات النظام الملكي؛ وإنما ما يرادُ بيانه أن الأوضاع في تلك الدول، على الرغم من كل النواقص والسلبيات، تظلّ أفضل بكثير من الأوضاع التي عاشتها، وتعيشها، الأنظمة العربية الجمهورية العسكرية "الثوروية" التي اتخذ معظمها من الأيديولوجيا القومية، وشعار تحرير فلسطين والوحدة العربية، ومواجهة الإمبريالية والصهيونية والرجعية، غطاءً لها للتغطية على استبدادها وفسادها على مدى عقود أنهكت المجتمعات، وحوّلت الدول إلى كياناتٍ عائمة، توجّهها أمزجة الحكام؛ وتتحدّد ملامحها ووظائفها استناداً إلى الصراعات الداخلية بين أجنحة الحكم ومراكز السلطة.

ولعل المثال السوري في هذا الميدان هو الأوضح على صعيد ما ألحقه النظام العسكري المستبد الذي تلحف بالأيديولوجيا القومية - الاشتراكية، لـ "يشرعن" سطوته وسيطرته على مفاصل الدولة والمجتمع السوريين. تلك السيطرة التي امتدّت، بفعل الأجهزة الأمنية المعقدة المتشابكة، إلى الحياة الخاصة للأسر والأفراد، وتحكّمت بأرزاق الناس، وسدّت عليهم جميع منافذ حرية التعبير، وحوّلت العمل السياسي خارج نطاق حزب البعث إلى مجرّد استطالة شكلية، مهمتها الإيحاء بوجود تعدّدية سياسية، قولبها حافظ الأسد ضمن "الجبهة الوطنية التقدمية" عام 1972. أما من اعترض، فكان مصيره التهميش والتغييب و"الشيطنة".

لم يكتف حافظ الأسد بإفساد العاملين في الدولة، بل حرص على بناء شبكةٍ من التجار ورجال الأعمال ورجال الدين المرتبطين بالنظام

لقد تعامل حافظ الأسد مع الدولة السورية كأنها من ممتلكاته الشخصية. أعطى لنفسه كامل الحق في التصرّف بمقدّراتها، وهندسة هيئاتها ومؤسساتها. ووضع الواجهات التزيينية التي كانت توحي بانطباعاتٍ زائفةٍ مفادها بأن هناك عملية تقسيم للسلطة بين المؤسسات؛ وذلك بعد أن تمكّن من إزاحة سائر المنافسين ضمن الدائرة الضيقة في الزمرة الحاكمة التي كانت قد سيطرت على البلاد في انقلاب 1963؛ الذي سوّقته سلطات حزب البعث تحت اسم "ثورة 8 آذار"، وكانت، في واقع الحال، وبالاً على سورية والسوريين، وما زال الشعب السوري يدفع ضريبة مآلاتها.

لم يقتصر دور حافظ الأسد في التأسيس لسلطة الاستبداد في سورية اعتماداً على الأجهزة الأمنية التي تمكّنت من التحكّم بالحزب والدولة والمجتمع، وحوّلت المنظمات الشعبية إلى مجرّد امتداد للسلطة. كما تحكّمت بالاستفتاءات والانتخابات الشكلية التي قرّر الأسد تنظيمها لتكون دعايةً مضللة تروج كأنها تعكس توجه النظام الديمقراطي. وإنما أسّس الأسد للفساد الشمولي الذي لم يقتصر على المسؤولين الكبار، بل اتسع نطاقه، ليشمل غالبية الموظفين العاملين لدى الدولة الأمنية. ولم يقتصر الفساد على الوظائف المدنية، بل شمل الجيش الأجهزة الأمنية. وتجلى ذلك بصورة خاصة في الرشاوي والسرقات والتهريب وتجارة الممنوعات؛ حتى بات الفساد من سمات "الثقافة العامة الأسدية"، لم يسلم منها إلا من التزم ضميره، وظل محافظاً على كرامته، على الرغم من جميع الصعوبات.

ولم يكتف حافظ الأسد بإفساد العاملين في الدولة، بل حرص على بناء شبكةٍ من التجار ورجال الأعمال ورجال الدين المرتبطين بالنظام؛ خصوصا في حلب ودمشق، الذين استفادوا من القوانين والإجراءات الاقتصادية التي كانت تأتي في مصلحتهم. ومع الوقت، ترسّخت الشراكات بين هؤلاء ومسؤولي النظام الكبار، سيما من الأمنيين والعسكريين، ليصبح السوريون في مواجهة تحالف الاستبداد والفساد. وكان الفساد العام واجهةً للتغطية على الفساد الأكبر الذي مارسته أسرة الأسد، والأسر المرتبطة معها بروابط النسب والعلاقات الزبائنية. فقد سيطرت هذه الأسر على النفط والمعابر والموانئ، واستفادت من المساعدات الخليجية التي كانت تقدّم لسورية بسخاء، باعتبارها دولة مواجهة. وكان النظام يدّعي أنه يسخر تلك الموارد لبناء التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل الذي تبين لاحقاً أنه لم يتجاوز حدود التفاهمات الإستراتيجية التي هندسها هنري كيسنجر في اتفاقيات فك الارتباط عام 1974، والتي أفسحت المجال أمام الأسد للتدخل في لبنان، والسيطرة عليه، ليهيمن عليه لاحقا النظام الإيراني عبر واجهته، حزب الله، خصوصا في مرحلة الأسد الابن.

لم يعط النظام السوري الجيل السوري الشاب الأمل، ولم يوفر له الشروط المطلوبة ليمارس دوره في بناء وطنه، ونهضة مجتمعه

وكان من اللافت حرص النظام الأسدي، بمرحلتيه، على تسويق وهم محدودية موارد سورية وإمكاناتها الاقتصادية؛ والعزف على وتيرة ضرورة إنجاز الوحدة العربية أولاً، ليتحقق التكامل الاقتصادي، وتتوفر الشروط المطلوبة للنهضة الاقتصادية. هذا في حين أن دولاً كثيرة أصغر من سورية مساحة، وأقل سكاناً، وبموارد شبه معدومة مقارنة مع موارد سورية، استطاعت تحقيق قفزاتٍ نوعيةٍ في ميدان التقدم الاقتصادي، وتوفير مقوّمات العيش الكريم الواعد لمواطنيها، وذلك باعتمادها نهج الشفافية والنزاهة، ومحاربة الفساد، والمحافظة على حقوق المستثمرين.

ثار السوريون قبل أكثر من عشر سنوات على النظام الذي لم يعط الجيل السوري الشاب الأمل، ولم يوفر له الشروط المطلوبة ليمارس دوره في بناء وطنه، ونهضة مجتمعه. وفي البداية، كانت المطالبات بالإصلاح كما نتذكّر جميعاً، وكانت الدعوة إلى محاسبة الفاسدين، وضمان الحريات بإلغاء قانوان الطوارئ، وإلغاء المادة الثامنة في الدستور التي كانت تقضي بأن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع قبل الانتخابات. ولكن النظام عوضاً عن أن يتعامل مع الموقف بحكمة ووطنية ومسؤولية، لجأ إلى سلاحه القديم - الجديد، ترويع السوريين بالقمع والاعتقال والقتل.

وبناء على ما تقدّم، المشكلة المستعصية التي تعاني منها مجتمعات منطقتنا لا تتمثّل في الاستبداد وحده، بل في الاستبداد المتحالف المتداخل المتفاعل عضويا مع الفساد، ولا مخرج من دون الخلاص من الاثنين، خصوصا آفة الفساد؛ فبلجمها تزول الأسباب التي تدفع المستبد إلى التمسّك بالسلطة حتى الرمق الأخير، حتى ولو أدّى به إلى فتح البلاد أمام كل الجيوش والمليشيات كما هو حاصل اليوم في سورية، حيث مناطق النفوذ التي تتحكّم بها قوى إقليمية ودولية ومليشيات محلية ووافدة؛ مناطق تتوجه نحو أن تتحوّل إلى مقاطعاتٍ منفصلة، حتى ولو لم يعلن عن التقسيم بصورة فعلية. ومع ذلك يصرّ رأس النظام على إعادة تدوير نفسه، فالأهم بالنسبة إليه البقاء في المشهد، بغض النظر عن التكاليف الكارثية.

=========================

المعارضة السورية من تقرّر انتخابات رئاسية مبكّرة

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 16/6/2021

دعمَ الرئيس الروسي، بوتين، تجديد انتخابات الرئيس بشار الأسد. عكس الأوّل، صرّح أخيراً نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف، بإمكانية إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في سورية. لا تناقض بين القولين؛ فبوتين يوجه رسالة مزدوجة إلى النظام السوري وأميركا خصوصاً، أنّه هو من يقرّر مستقبل سورية، وهذا ما يجب الإقرار به في اللقاء مع الرئيس الأميركي، بايدن، اليوم الأربعاء في السادس عشر من يونيو/ حزيران.

هناك تصريحات كثيرة، أخيراً، وأفعال مستمرة يقوم بها كلٌّ من الروس والأميركيين، بما يخص الوضع السوري، كأن لا تُجدّد الإدارة الأميركية لشركة النفط الأميركية بالعمل في منطقة الإدارة الذاتية. وعكس ذلك، تستقدم قوات عسكرية إلى تلك المنطقة ويعقد ممثلوها لقاءً مع ممثلي الدولة التركية، بقصد تنسيق المساعدات إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وربما يشمل التنسيق المعركة المقبلة في مجلس الأمن، بخصوص المعابر، والتي تحاول روسيا حصرها بالنظام وإغلاق آخر معبر، باب الهوى، بينما تريد أميركا وأوروبا فتح معابر إضافية. تندّد روسيا بخطوات أميركا السابقة، وتعتبرها غير شرعية، ويجب أن تضبّ أميركا على جنودها ومعدّاتها، وتغادر سورية. ملفات النقاش بين الزعيمين تشمل قضايا كثيرة تغطي العالم، وسورية ضمن تلك الملفات، وليست أوّلها أو كلّها.

رفضت أميركا وأوروبا الانتخابات الرئاسية، ولم تتغير مواقفهما من النظام السوري، وإن توقفت عن إصدار عقوبات جديدة على شخصياتٍ وشركاتٍ تابعة له. أميركا بتعزيز وجودها في شمال سورية، وباتخاذ عدّة خطواتٍ غير صدامية، تبتغي إيصال رسائل إلى الروس: ليست لدينا خطة لتغيير ما أُرسي في سورية، لكن من غير المقبول استمرار النظام على طبيعته، ويجب تحجيم الوجود العسكري الإيراني خصوصاً. ليست روسيا مستعدة لعقد صفقة مع الأميركيين، وهي تستكمل خياراتها الكارثية بحق السوريين في أستانة؛ فقد تداولت الأخبار عن اجتماع جديد لتركيا وإيران وروسيا في هذه العاصمة قبل نهاية يونيو الجاري، وضمن مسارها، وكذلك بدء العمل من أجل جولة سابعة للجنة الدستورية.

خفّة المعارضات السورية ولهاثها خلف أيّ لقاءات يقلّلان من دورها الوطني، ويسمحان للدول المتدخلة بالشأن السوري بمزيد من الإمعان في تفكيك المجتمع

هناك نقد كثيف لأدوار المعارضة التابعة للخارج في اللجنة ومسار أستانة، وفي كلّ لقاء دولي أو إقليمي، ويتضمن شروطاً دقيقة لإيقاف التدهور في الوضع السوري. ينطلق النقد من أرضية صلبة، وإنْ ليس مدعوماً بقوى سياسية أو اجتماعية وازنة؛ فهو يؤكد الخسارات المستمرة للمعارضة وسورية من تلك اللقاءات. وإذا كان النظام يذهب إلى تلك اللقاءات، فهو لا يتراجع أبداً عن خياراته الأمنية والعسكرية، بينما المعارضة تتنازل تباعاً، ولولا رفضٌ كبيرٌ من الشعب السوري الانتخابات أخيراً لشاركت الكتل الوازنة فيها، وكانت الحصيلة شطب كلّ ما يخصّ نضالات السوريين، وتقاسم السلطة بين تلك الكتل والنظام، وعلى أرضية تأبيد النظام باسم التصالح مع المعارضة.

نعم، لا تريد أميركا انسحاب وفود المعارضة من تلك اللقاءات والمسارات الروسية "أستانة، سوتشي، اللجنة الدستورية وغيرها"، وكذلك أوروبا، ولكن أيضاً لن تتشدّد في حال رفضت المعارضة تلك اللقاءات، لا سيما أنّ المعارضة انتهجت على وقع تراجع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام الخيار السياسي والتفاوض مع النظام. مشكلة المعارضة السورية أنّها لا تضع استراتيجية واضحةً لكيفية التفاوض، وتلهث خلف أيّة لقاءات هنا وهناك؛ منها المعلن ومنها المخفي؛ وهذه من الكوارث، وهي ليست أخطاء غير مقصودة، فمسيرتها من فشل إلى آخر، ومنذ 2011.

مواقف "الائتلاف" والهيئة العليا للتفاوض وسواهما، تسمح بتمادي النظام في رفضه لها، وفي تدجينها لمصلحة الخارج

خفّة المعارضات السورية، ولهاثها خلف أيّ لقاءات، يقلّلان من دورها الوطني، وتسمح للدول المتدخلة بالشأن السوري بمزيد من الإمعان في تفكيك المجتمع السوري، وجعله بالفعل مكونات. وهذه مفردة تحطُّ من مفهوم الشعب والوطن والمجتمع، وتمايز بين الشعب على أسس طائفية وقومية وعشائرية ومناطقية وأسرية، وكلّها هويّاتٌ قديمة، ولا تنتمي إلى العصر الحديث بالمعنى السياسي. المعارضات تلك عزّزت من هذه "المكونات"، وهذا يشكل خطراً على مستقبل سورية وهويتها الوطنية الجامعة. إنّ تضخّم دور التدخل الدولي والإقليمي و"فاشية" النظام، لا سيما بعد خطاب الانتصار في الانتخابات الرئاسية، يستدعي عودة إلى موقفٍ وطنيٍّ، يرفض كلّ التحاقٍ بالخارج، وكلّ لقاء ومبادرة لا تنطلق من القضايا التي ثار الشعب السوري من أجلها. الحصيلة هنا؛ الوضع السوري يتطلب رفضاً كليّاً للمسارات الروسية، وتمسّكاً بالقرارات الدولية وبقضايا الثورة؛ هذا وحده يسمح بتغييرات في تعقيدات الوضع السوري التي أصبحت، في السنوات الأخيرة، مضبوطة من الدول الخارجية.

لا انتخابات مبكرة، كما قال بوغدانوف، إلاّ وفقاً لتسويةٍ جديدة بين الروس والأميركيين، لكن، على ضوء مواقف البلدين المتباعدة، سيظل الأسد سبع سنواتٍ إضافية. يمكن أن تفاجئنا معطياتٌ جديدةٌ تغييرية، وتتعلق بالتأزّم الشديد الذي تعيشه مناطق النظام أو بالتسوية الخارجية، إذ لن تغيّر أميركا من عقوباتها على النظام، وفقاً لقانون قيصر وكذلك أوروبا، وحتى الخليج لن يغامر بعلاقاتٍ اقتصادية أو إيفاد أموال لإعادة الإعمار؛ وكلّ النقاشات عن عودةٍ قريبة للنظام إلى جامعة الدول العربية والمحيط الإقليمي ليست واردة. وفي حال استعيدت بعض تلك العلاقات، لن تغيّر من الشروط الأميركية؛ أي سياسة الـ"خطوة، خطوة". وهذا كما يبدو من سلوك النظام "الانتصاري، واحتفالاته" غير واردٍ، وكذلك لا تغيير في مواقف الروس أيضاً.

الأوضاع السورية إلى مزيدٍ من الانقسام والتفكك والاستنقاع، والإفقار الشديد، وانهيار المنظومات القيمية والمشتركات

أوضاع المعارضات، ورداءة مواقفها إزاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والفصائل التابعة لتركيا وهيئة تحرير الشام، وعدم اتخاذ مواقف وطنية من المكرّسة في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية إزاء القوى المذكورة، ودعمها اللقاءات الدولية والإقليمية الكارثية، هو أسوأ ما حصل ويحصل في سورية. مواقف "الائتلاف" والهيئة العليا للتفاوض وسواهما، تسمح بتمادي النظام في رفضه لها، وفي تدجينها لمصلحة الخارج. وهذا يعني، وبغياب تسوية إقليمية ودولية، أنّ الأوضاع السورية إلى مزيدٍ من الانقسام والتفكك والاستنقاع، والإفقار الشديد، وانهيار المنظومات القيمية والمشتركات السورية - السورية.

ما يؤدّي إلى انتخاباتٍ جديدةٍ بحقٍ، وبعدما أوضحت السطور أعلاه موقف النظام والمعارضة، انبثاق معارضة جديدة، تنطلق مما ذُكر "قرارات دولية وقضايا الثورة" وانتهاج استراتيجيةٍ وطنيةٍ جامعة للسوريين، تطوي مختلف انقساماتهم، وتقودها شخصياتٌ وطنية. القضية معقدة للغاية، وهي مطروحةٌ منذ عدّة سنوات؛ فهناك انتقاداتٌ شديدة للمعارضات المكرّسة، وضرورة صياغة أفكار جديدة، وهناك بروز لقوى سياسية ومقترحات جديدة، وجديدها المجلس العسكري الانتقالي. هل فكرتنا بخصوص معارضة جديدة محض أوهام بسبب التعثر الشديد بالوضع السوري؛ ربما هي كذلك، لكنّها الخيار الوحيد لإنقاذِ وضعٍ متأزمٍ بكلّ المقاييس.

إذاً، ليس من انتخاباتٍ مبكرة في سورية، وليس من تسويّةٍ قريبة في لقاء بوتين بايدن، غداً الأربعاء.

=========================

لماذا تتركز النقاشات الدولية حول سوريا على قضية المساعدات؟

يمان نعمة 

عربي21

الثلاثاء 15/6/2021

يعطي تركز المداولات بين الأطراف الفاعلة والمؤثرة بالشأن السوري على قضية إدخال المساعدات الأممية إلى سوريا، دون التطرق إلى المسار السياسي، انطباعا باختصار الملف السوري بالعناوين الإنسانية.

ويبدو أن الخلافات الكبيرة بين الأطراف الدولية، والتباينات الكبيرة في الرؤية للحل في سوريا، قد قادت في نهاية المطاف إلى التركيز على ملف يصفه قسم كبير من السوريين بـ"الثانوي"، قياساً على ملف الحل السياسي، الذي يضمن حلاً مستداما للوضع في سوريا.

وتريد روسيا، ابتزاز المجتمع الدولي من خلال المساعدات، بحيث تريد حصر إدخالها بمناطق سيطرة النظام، في المقابل تريد الولايات المتحدة توسيع نطاق إدخال المساعدات، ليشمل معابر أخرى (باب السلامة، اليعربية) إلى جانب معبر "باب الهوى" في إدلب.

والسؤال هو: هل نجحت روسيا بدفع المجتمع الدولي إلى اقتصار مطالبه على إدخال المساعدات، بدلاً من الضغط على النظام السوري للدخول الجاد في العملية السياسية في جنيف؟

وعلى الرغم من أن ما يجري يعكس ذلك، إلا أن الكاتب المختص بالشأن الروسي، طه عبد الواحد، استبعد أن تكون روسيا قد نجحت في اختصار الملف السوري على المساعدات.

ويوضح لـ"عربي21" أن مرد التركيز الدولي حاليا على هذا الملف، هو تفاقم المعاناة الإنسانية للسوريين بشكل عام، وبشكل خاص لأن روسيا عبر مجلس الأمن تمكنت من إغلاق المعابر الإنسانية التي تصل عبرها المساعدات إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، باستثناء معبر واحد (باب الهوى).

"المساعدات لتعويم الأسد"

ويضيف عبد الواحد، أن موسكو تريد إغلاق هذا المعبر أيضاً وإرغام المجتمع الدولي، والأمم المتحدة على إرسال المساعدات عبر النظام السوري، بمعنى أنها تريد فرض النظام شريكا وحيدا للأمم المتحدة، ولجميع الدول التي تقدم مساعدات إنسانية.

ويتابع: "بهذا الشكل ترغم روسيا المجتمع الدولي على توسيع الاتصالات مع النظام، وتعول على أن يشكل ذلك خطوة تمهيدية لقبول النظام شريكا في بحث ملفات أخرى، بهدوء ودون تركيز على المسائل الحساسة، يريدون إعادة تأهيل النظام دوليا".

"فقدان التوافق الدولي"

في المقابل، يرى الباحث في "مركز الحوار السوري" الدكتور أحمد القربي أن من الطبيعي أن يطغى الحديث الدولي عن المساعدات في الملف السوري، نتيجة فقدان التوافق على المصالح بين الأطراف الفاعلة.

ويقول في حديثه لـ"عربي21" إن تركيز المجتمع الدولي على المساعدات يهدف لأمرين، الأول عدم تمدد الأزمة الإنسانية خارج سوريا، والثاني أن إدخال المساعدات يعفي المجتمع الدولي من مسؤولية فرض الحل السياسي.

وإلى جانب الحسابات تلك، يعتقد القربي أن تسلم إدارة جو بايدن، التي ترفع شعار التخفيف من حدة الأزمات، قد أدى بشكل واضح إلى اقتصار الملف السوري على المساعدات الإنسانية.

ويكمل قائلاً: "لا يوجد توافق دولي حول عناوين الحل السياسي، والواضح أن روسيا نجحت في تعطيل المسار الدولي (بيان جنيف1، القرار 2254)، لكنها بالمقابل فشلت في فرض رؤيتها للحل السياسي".

ويتفق مع قربي، الكاتب والمحلل السياسي، درويش خليفة، ويؤكد لـ"عربي21" أن "عدم نضج الحل السياسي الذي يتوافق مع مصالح الدول المتداخلة في سوريا يجعلها تركز على الوضع الإنساني، وتتجاهل القرارات الدولية التي وضعت خارطة طريق للحل السياسي الذي يفضي إلى انتقال السلطة لهيئة حكم انتقالي، وعودة آمنة للاجئين والنازحين المحليين".

ومقابل غياب الجدية الدولية، بحسب خليفة، تواصل روسيا وإيران الضغط على تركيا من خلال قصف المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المدعومة من أنقرة، لزيادة أعباء الأخيرة من خلال نزوح سكان هذه المناطق باتجاه الشريط الحدودي معها.

ويّرجح أن يطغى الحديث عن إدخال المساعدات على أجواء القمة الأمريكية-الروسية المرتقبة في جنيف الأربعاء.

وفي العاشر من تموز/ يوليو القادم، سيتم طرح تجديد التفويض الخاص بعملية عبور المساعدات عبر الحدود، ويحتاج قرار تمديد موافقة المجلس إلى تسعة أصوات مؤيدة، وعدم استخدام حق "النقض" من روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.

=========================

سوريا بين القاتل والنعسان

عمر قدور

المدن

الثلاثاء 15/6/2021

في مؤتمر صحافي عقده بعد قمة السبعة الكبار قال بايدن: "قد تحدث أشياء كثيرة في المجالات التي يمكن أن نتعاون فيها مع روسيا. في ليبيا مثلاً، حيث نعمل على فتح ممرات لتقديم مساعدات غذائية واقتصادية، أي تقديم المساعدة الحيوية للسكان الذين يعانون من كوارث حقيقية". هكذا أتت الفرصة ليحتفي الإعلام الروسي الموالي لبوتين بـ"هفوة" بايدن، فهو كان يقصد سوريا لا ليبيا، وكان يقدّمها مثالاً على فتح صفحة للتعاون بين البلدين قبيل القمة التي تجمعه ببوتين  الأربعاء في جنيف.

كما نعلم دأب ترامب على وصف بايدن بـ"النعسان" بسبب كثرة هفواته، والجديد في الهفوة الأخيرة أن صاحبها يخطئ في ذكر اسم البلد الذي يضربه مثلاً على إمكانية التعاون مع موسكو. واختياره سوريا يحتمل ما يبرر الهفوة، إذا كان المقصود منه اختبار العلاقة بين الطرفين بدءاً من الملف الأبسط والأسهل بحسب تصور بايدن، ولا يتناقض مع ذلك أن تكون الهفوة تعبيراً عن سياق من عدم اكتراثه بالملف السوري.

كان بايدن، قبل ثلاثة شهور من قمة الغد، قد وصف بوتين بالقاتل في حوار تلفزيوني، ومن ضمن رده تمنى بوتين لبايدن الصحة في إشارة واضحة إلى تقدمه في السن وهي صيغة أقل تهذيباً من النعت الذي دأب ترامب على استخدامه. إذاً، يُفترض أن تكون سوريا موجودة على طاولة القمة "بين القاتل والنعسان"، إنما من دون تعليق أوهام على ذلك، فالاختبار المطروح أمريكياً يقتصر حالياً على موافقة موسكو في مجلس الأمن على إدخال المساعدات الإنسانية، وهو الجانب الوحيد الذي أبدت إدارة بايدن اهتماماً به.

المعلن في الجانب الأمريكي مقايضة إنسانية، توافق بموجبها موسكو على استمرار وصول المساعدات من معبر "باب الهوى" وعلى إعادة فتح معبرين آخرين، معبر "اليعربية" الذي تطالب به واشنطن لإيصال المساعدات إلى مناطق الإدارة الذاتية، وربما معبر "السلامة" الذي تطالب به أنقرة. في المقابل، تلحظ واشنطن الأوضاع الإنسانية المتردية في المناطق الواقعة تحت سلطة الأسد، وستستفيد هذه المناطق من المساعدات الأممية، إذا تم إقرارها في الحادي عشر من شهر تموز القادم، وتمتنع واشنطن عن إصدار عقوبات جديدة تضغط على اقتصاد الأسد، وتستثني على نحو أوضح المساعدات الإنسانية التي قد تتبرع بها له دول خليجية.

ما تضغط موسكو لأجله فيه طموح أعلى بكثير، فهي في الاجتماع القادم لمجلس الأمن "المخصص للبت في مصير المعابر والمساعدات" تريد إغلاق معبر "باب الهوى" وهو الوحيد المتبقي، وستطرح إدخال المساعدات الأممية كلها عبر منافذ يسيطر عليها الأسد، ثم يتم إرسال جزء منها بإشراف منه إلى مناطق خارجة عن سيطرته. الخطة الروسية تربط بين تصور موسكو السياسي وطموحاتها وبين الجانب الإنساني، إذ تسعى إلى تكريس شرعية الأسد كجهة وحيدة مخولة باستلام المساعدات وتوزيعها رغم معرفة العالم كله بما سيعنيه تحكم الأسد بتلك المساعدات لجهة عدم ضمان وصولها إلى مستحقيها، سواء في أماكن سيطرته أو خارجها. 

سلاح موسكو في مفاوضات المعابر هو الابتزاز، فإما المساعدات عبر الأسد أو لا مساعدات على الإطلاق، واحتمال التوقف الكلي للمساعدات لا يؤرقها، فبوتين الذي دأب على تحدي العقوبات الاقتصادية الغربية التي أثرت على معيشة مواطنيه لن يكون أكثر اكتراثاً بمعاناة السوريين. ما يسوّقه بوتين داخلياً هو تحقيقه اختراقات استراتيجية خارجية تعيد لبلده كرامتها، وستدرّ عليها المكاسب الاقتصادية لاحقاً لأن الغرب سيرضخ للأمر الواقع، أي أن المقايضة التي يريدها بوتين في سوريا هي تلك التي يستطيع تسويقها كمكسب سياسي، وآخر ما يود التورط فيه تسويق نفسه كزعيم يرضخ للاعتبارات الإنسانية!

في الطريق إلى لقاء القمة، أتى التصعيد المحدود "لكن العنيف جداً" في إدلب وعفرين، وهو بمثابة رسالة لإيضاح قدرة موسكو على تفجير الوضع المستقر نسبياً، وهي رسالة موجهة إلى بايدن وأيضاً إلى أردوغان الذي سيسبقه بلقاء نظيره الأمريكي على هامش قمة قادة الناتو. الرسالة المزدوجة تذكّر أردوغان وبايدن بأن الوجود التركي لن يهنأ بالهدوء إلا عبر التفاهم مع موسكو، وتلمّح إلى استعداد بوتين لقبض الثمن على حساب نفوذ أنقرة بدل المقايضة الأمريكية المطروحة. 

لدينا زعيم أوحد وطليق اليدين في سياساته الداخلية والخارجية هو بوتين، وفي المقابل رئيس أمريكي مقيّد بسياسات لن يتجاوزها، ما لا يضع الثاني في موقع الأفضلية لفرض شروطه. السياسة الأمريكية منذ أيام أوباما مقيّدة بما ألزمت واشنطن نفسها به؛ لا تدخل عسكرياً ضد الأسد، ولا وجود لاعتراض جدي على تدخل حليفيه الروسي والإيراني لصالحه عسكرياً. التسوية السياسية التي تعلن واشنطن سعيها إليها بعيدة المنال؛ بشار الأسد رفضها ورفض أدنى تنازل وهو في أسوأ أوضاعه، والمضي بها رغماً عنه يتطلب توافقاً أمريكياً مع كل من موسكو وطهران مع توافق الحليفين في ما بينهما. 

ضمن ما قيّدت واشنطن نفسها به، كان واضحاً منذ بدء التدخل الروسي أنه لن يلقى مصير التدخل الروسي في أفغانستان، في حين تبذل واشنطن جهدها كي لا يلقى وجودها في سوريا متاعب تحرجها فتضطر إلى تدعيمه أو إلى الانسحاب. جدير بالذكر أن الإقدام العسكري الروسي يلتقط الفرصة مع توجه واشنطن إلى الانسحاب العسكري من مختلف مناطق التدخل السابقة، وهي سياسة مُتفق عليها بين الجمهوريين والديموقراطيين، مثلما هو متفق بين الجانبين على أولوية التصدي للخطر الصيني المتصاعد والمدعوم بقوة اقتصادية عظمى بالمقارنة مع اقتصاد روسي يُقارن مستواه عادة بالاقتصاد الإيطالي. 

سيكون حضور سوريا في القمة بين جشع القاتل وتواضع ما يريده النعسان، وهذا يرجع من جانب آخر إلى تقييد إدارة بايدن نفسها بمفاوضات الملف النووي مع إيران، وما سينجم عنها من تفاهمات حول دور طهران الإقليمي. لذا قد تكون المفاوضات أمام إخفاقين؛ أولهما عدم الاتفاق على صفقة إنسانية وحينها تتوقف المساعدات الأممية عن السوريين في مختلف المناطق، وثانيهما أن يقدّم بايدن تنازلاً عن "قطعة نفوذ جديدة"، إما من حساب الإدارة الذاتية أو من حساب أنقرة، وهذا الاحتمال يمر عادة على جثث ضحايا جدد ويخلّف المزيد من اللاجئين. الاحتمال الثالث أن يقبض بوتين في مكان آخر، وهذا يتطلب أن تكف واشنطن عن استرخاص سوريا واستسهال الدفع منها، وربما يتمكن بايدن آنذاك من حفظ اسمها فلا يخلط بينها وبين ليبيا.  

=========================

اقتصاديات المعابر .. وآليّات التغيير

سمير العيطة

الشروق 

الاثنين 14/6/2021

تبدو آليّة التفاوض السورى ــ السورى تحت رعاية الأمم المتحدة فى جنيف معطّلة اليوم، بعد «انتخابات» تجديد الولاية الرابعة للرئيس السوريّ الحاليّ. ويحلّ مكان تلك الآليّة اليوم تفاوضٌ أمميّ، وسورى ــ سورى فى الخلفيّة، حول تجديد قرار مجلس الأمن 2533 لعام 2020 حول استخدام معبر «باب الهوى» مع تركيا لمرور مساعدات الأمم المتحدة الإنسانيّة للمناطق التى لا تخضع لسلطة الدولة السوريّة. عرائضٌ من مسئولين فى الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكى تطالب بالاستمرار بهذه الآليّة التى تتعارض مع القانون الدولى وسيادة الدول، والعودة إلى فتح معابر أخرى مع تركيا والعراق والأردن يقابلها موقفٌ روسيّ ــ صينيّ أنّ هذه الآليّة كانت مؤقتة أساسا ولا يُمكن الاستمرار بها. الطرفان يحذّران من الكارثة الإنسانيّة التى تُطبِق على المواطنين السوريين والمجاعة التى تترقّبهم خلال السنة الجارية.

لا ترتبط قضيّة المعابر الإنسانيّة هذه بسيادة الدول وبشرعيّة السلطة القائمة فحسب. بل ترتبط أيضا بمُجمل الواقع القائم على الأرض وبالسياسات التى اتبعتها الأطراف الدوليّة تجاه الصراع فى سوريا؛ إذ تتداخل معها قضايا المعابر الداخليّة عبر خطوط التماس بين الأطراف الثلاثة أو الأربعة التى تتقاسم الهيمنة فى البلاد، وهناك أيضا قضايا الإجراءات الأحاديّة الجانب (العقوبات) التى فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، بل وأكثر من ذلك قضايا شفافيّة آليّات توزيع المساعدات وعدالتها. أضِف إلى ذلك كلّه تداعيات الانهيار الاقتصادى المستمرّ فى لبنان.

واضحٌ لجميع الأطراف أنّ معبر «باب الهوى» الإنسانيّ يجلب ريوعا اقتصاديّة لهيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) ويشكّل عنصرا أساسيّا لاستمراريّتها. فهى لا تفرض فقط رسومها على كلّ ما يمرّ من المعبر نحو المهجّرين داخليّا القابعين فى إدلب وجوارها، بل رسوما إضافيّة على ما يذهب بعد ذلك نحو مناطق الفصائل الأخرى فيما يسمّى مناطق «درع الفرات» و«غصن زيتون»، ثمّ رسوما أخرى نحو الشمال الشرقى و«الإدارة الذاتيّة». معظم المساعدات التى تعبُر هى مساعدات عينيّة، سلل غذائيّة وغير ذلك، يتمّ توزيعها مجّانا على الأسر المحتاجة. إلاّ أنّ السلطات التركيّة تفرض غالبا شراء المواد من تركيا، حتّى لو كانت منتجات زراعيّة تُنتَج فى سوريا. وقد أدّى ذلك إلى تطوّر تجارة إعادة تدوير المساعدات بشكلٍ كبير، بحيث يبيع المنتفعون من المساعدات موادّهم بمقابل مالى، ويعيد التجّار تعبئة المواد لتباع فى الأسواق بأسعارٍ بخسة تُحبِط الإنتاج المحليّ وتكبح استدامة المجتمعات وتُفاقٍم بالنتيجة الأوضاع الإنسانيّة.

ليست مناطق الشمال الغربى وحدها هى التى تشهد هذه الظاهرة، بل أيضا مناطق الشمال الشرقى وخاصّة تلك التى تهيمن عليها السلطة السوريّة وأمراء حربها. فكثيرٌ من المواد «المدعومة» هى أصلا مساعدات أعيد تدويرها. وقد تصل الأمور إلى إعادة بيع مواد المساعدات ذاتها إلى منظّمات الإغاثة لإعادة توزيعها.

•••

معبر «باب الهوى» مع تركيا ليس الأكثر نشاطا. إذ يتخطّاه بكثير معبر «باب السلامة» قرب أعزاز، إضافةً إلى معابر «الراعى» و«جرابلس» وجنديرس»، حيث تمرّ الصادرات التركية إلى الشمال الغربى وبشكلٍ أقلّ الواردات. هذا حيث بقيت قيمة هذه الصادرات التركيّة تماثل تلك التى كانت قائمة قبل الصراع (حسب الإحصاءات الرسميّة التركيّة)، والتى يتمّ إرسال معظمها إلى مناطق الحكومة، عبر معبر «أبو زندين» قرب مدينة «الباب»، وحيث تنتشر فلول تنظيم داعش، أو إلى الشمال الشرقى عبر «منبج» و«جرابلس». كما أنّ معبر «سيمالكا» مع كردستان العراق نشطٌ أيضا، ويتمّ من خلاله استيراد السلع التركيّة والإيرانيّة التى تنتشر فى الأسواق.

إشكاليّات المعابر الحدوديّة وتلك على خطوط التماس مترابطة ومتداخلة. فما الذى يمكن أن تفعله «الإدارة الذاتيّة» بالنفط المستخرج أو بالقمح أو بالخراف التى تنتجها، وتجعلها موارد ماليّة تغطّى النفقات الكبيرة لموظّفيها؟ فالعقوبات تمنع بيع النفط السورىّ وإجراءات «الإفراط فى الالتزامات» التى ترافقها تمنع العمليات التجاريّة الرسميّة. تهريبٌ عبر الحدود الدوليّة إلى تركيا أو عبر معابر خطوط التماس إلى مناطق الحكومة أو لمناطق «المعارضة». هكذا نجد فى إدلب «النصرة» محطّات وقود تبيع محروقات «كرديّة» (!). ونجد الصادرات السوريّة الرسميّة إلى تركيا ترتفع إلى 200 مليون دولار سنويّا.

الكلّ يتاجر مع الكلّ عبر خطوط التماس. فالضرورات تبيح المحظورات وتبرّرها.. ما أنشأ احتكارات قويّة للقادرين وحدهم على القيام بهذه التجارة، خاصّة وأنّ فروقات الأسعار كبيرة وتسمح بتمويل الاحتكارات والميليشيات القابعة على طرفى خطّ التماس وبحيث تفرض التعاون بينها. والتجارة عبر خطوط التماس، «المنظّمة» كما معبر «الرقّة»، وأيضا تلك غير المنظّمة («التهريب»)، مرتبطة مع التجارة الخارجية عبر المعابر الحدوديّة.

واللافت فى هذا الشأن أنّ الأزمة الاقتصادية والمالية المتداعية فى لبنان لها آثار كبيرة على الأوضاع الاقتصاديّة والمالية ليس فقط فى مناطق الحكومة السوريّة بل أيضا فى الشمالين الشرقى والغربى. ذلك أنّ لمرفأ بيروت والقطاع المصرفى اللبنانى دورا رئيسا فى الاقتصاد السوريّ. فكلّ هزّةٍ فى بيروت تستشعر بها القامشلى وعامودا، وما يُنذِر بالأسوأ مع الانهيار المستمرّ.

•••

لا يُمكن استمرار المساعدات الإنسانيّة لجميع المناطق السوريّة بالطريقة التى جرت عليها خلال عشر سنوات والتى تتقلّص أصلا. ولا بدّ من الانتقال إلى المساعدات الماليّة بالعملة الصعبة مباشرةً بدل المساعدات العينيّة التى لا يُمكن ضبط آليّاتها لمدّة طويلة. كما لا بدّ للانتقال نحو مساعدات إنعاش اقتصاديّ بدل تلك التى تُحبِط الإنتاج المحليّ.

ولا يُمكن للأطراف الدولية الفاعلة معالجة المعابر الإنسانيّة الخارجيّة دون التوافق على «تنظيم» معابر خطوط التماس، وانطلاقا من ذلك إعادة النظر جذريّا بآليّات العقوبات الاقتصاديّة؛ إذ لا يُمكن الاستمرار فيما يؤدّى إلى تمركز الاقتصاد فى احتكارات كبرى ترتبط بميليشيات مسلّحة على جميع الأطراف، ممّا يُرسّخ واقع الانقسام والتشرذم والفوضى. وفعلا يبدو أنّ الولايات المتحدة كما الاتحاد الأوروبى قد بدآ بمراجعة هذه الآليات.

بالطبع، قد تصوّر السلطة القائمة أنّ إغلاق المعابر الإنسانيّة ومراجعة آليّات العقوبات «انتصارا» لها ولشرعيّة مؤسّسات الدولة. وقد يصوّر آخرون أنّ ذلك «هزيمة» لهم. لكن يبقى التساؤل مشروعا ومحقّا عمّا إذا ما كانت «الثورة» أفضل والقمع أقلّ لو بقيت السفارات وطواقمها متواجدة فى سوريا شاهدة على الأحداث؟ وكذلك التساؤل عمّن استفاد من الإجراءات الأحاديّة الجانب وهل استمرارها لسنوات أضعف السلطة أم زاد من سيطرتها؟ وعمّا إذا كان شعبٌ أضحى أغلبيّة أبنائه يرزحون تحت خطّ الفقر الأدنى قادرا على مواجهة السلطة أو سلطات الأمر الواقع؟ وعمّا سيحدث إذا ما أدّى التدهور فى لبنان إلى ترحيل اللاجئين السوريين هناك إلى بلادهم؟ وعمّا ستعنى واقعيّا «الهويّة السوريّة» إذا ما ترسّخ تقسيم البلاد عسكريّا واقتصاديّا طويلا؟

لا يُمكن تغيير هيمنة سلطة على الدولة والشعب فى سوريا، ولا الانتصار لقضيّة المساواة فى المواطنة والحريّات، سوى من خلال كسر الحواجز التى ترسّخت بين مناطق الشرذمة السوريّة، الاقتصاديّة منها وخاصّة الشرذمة فى الأذهان، وما يمرّ أوّلا عبر الدفاع عن قوت المواطنين ومعيشتهم.. جميعهم.

=========================

عشية القبض على سجل بوتين

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 14/6/2021

معروفٌ ما يحدث لِمَن يتعاطى "الفودكا". تقع/السَكْرَة/؛ فيتصوّر نفسه أقوى مخلوق في العالم، يستطيع أن يُطعِم ويُحرِم، يرفع ويُخفِض، يجعل الأسود أبيض والأبيض أسود، يحمي القيم ويخرقها، يحرر ويحتل. ثم تأتي /الفكرة/؛ فيدرك حجمه الضئيل، وقوته المحدودة، وتناقضاته المفضوحة، وآماله المتكسرة، وانفصامه عن الواقع. وهذا فعلياً ما يحدث للقائمين على السياسة الخارجية الروسية وعلى رأسهم السيد "لافروف" الذي يعاقر الفودكا كما يتنفس؛ ويعمل في الوقت ذاته مع ربيب الانفصام، تربية "الكي جي بي"، والذي عاش في كنف إمبراطورية كان هو ذاته مِن بين الأدوات التي أجهزت عليها؛ وبمفارقة عجيبة يسعى الآن إلى إعادة تركيبها كما تشتهي تناقضاته، فيجد نفسه يغوص مع "هُدْهُدِه" في بهلوانيات يدفع مَن يحتك بها دماً ودماراً وكوارث.

عشية قمة "بوتين – بايدن"، تجدنا نتمعن بالعقدين الماضيين من السلوك الروسي، واللذين لا بد أن بايدن قد لخصهما بنقاط موجعة يتعذر على البهلوانيات البوتينية الخروج منها أو مواجهتها. وهذا ما يفسر تصريح المتحدث باسم الكرملن "ديميتري بيسكوف" حول التوقعات المنخفضة لهذه القمة. فماذا في ذهن بايدن وملفاته عن بوتين وبهلوانياته، والتي استبقها بيسكوف بالتبشير بعدم حدوث أي اختراق في اللقاء؟

يحث "مينيندز" بايدن على مواجهة الجانب الروسي، وفضح مسلكه، وتحميله جرائم موثقة لا تزال تقع خلال العقدين الماضيين

في ملف بايدن عن بوتين ما قدّمه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي Menendez "مينينديز" مؤخراً خلال إحاطة مطوّلة تجعل المتابع يعتقد أن إحاطته للجنة عن "هتلر" وليس عن بوتين. يحث "مينيندز" بايدن على مواجهة الجانب الروسي، وفضح مسلكه، وتحميله جرائم موثقة لا تزال تقع خلال العقدين الماضيين من ضم "القرم" إلى غزو "أوكرانيا" وسحق سيادتها، إلى المحاولات الروسية الدؤوبة لتخريب الانتخابات الأميركية، واستهداف قطاعات صحية وعلمية واقتصادية من قبل عصابات تعمل برعاية روسية رسمية، وصولاً إلى الاستمرار بدعم نظام الأسد الإجرامي، وارتكاب قوات بوتين لجرائم حرب وثّقتها الأمم المتحدة.

يقدّر "مينيندز" رغبة بايدن بترسيخ سياسة دولية مستقرة واضحة، إلا أن بوتين وسلوكه التصعيدي العدواني واللامُتَوَقَّع يجعل ذلك مستحيلا. وبخصوص الوضع في سوريا، يقول "مينيندز" إنه حتى لو تعاون بايدن مع بوتين لخلق شيء من الاستقرار وتيسير المساعدات الإنسانية في سوريا، عليه ألا ينسى سجل بوتين الأسود، ويحمّله مسؤولية كل تلك الجرائم، وفضح دوائر الفساد حوله وبرعايته؛ وعلى بايدن أن يتذكّر بأنه وصف بوتين بالقاتل. ويضيف واصفاً النظام الذي يدعمه بوتين: "نحن أمام نظام مافيوي تديره سلطة إجرامية مارقة يدعمها القاتل ذاته".

كان لافتاً في إحاطة رئيس العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي ذكره لتصريح حديث لبوتين يطلب فيه من "أوكرانيا" أن تتعامل /بحسن نية/، مضيفاً أنه يريد من أوكرانيا أن تُستباح وتكون /حسنة النية/ تجاه ذلك؛ وتتركه يسيطر عليها. كنّا نأمل هاهنا أن يضيف "مينيندز" بأن بوتين وجوقته يعتبرون أنفسهم "منقذين لسوريا".

بالمناسبة، بوتين ذاته، يأخذ على الاتحاد السوفييتي أخطاءه السابقة بالهيمنة، وينصح أميركا بألا تفعل ذلك. وهنا حقيقة تتجلى بوضوح تناقضاته وبهلوانياته. إنه يرى القذى بعين الآخرين، ويتناسى الخشبة بعينيه. رغم أنه يحاول أن يتخذ مظهر المصلح الذي يحاول نشر الفضيلة في العالم؛ فإن ذاكرته تخونه في تعداد سوء أعماله التي فاقت ماقامت به القيادة السوفيتية من تدخلات في شؤون الآخرين: فهو- عام 2000 أعطى أوامره بتسوية الشيشان بالأرض. وعام 2008 غزا جيشه جورجيا ليقتطع أبخازيا وأوستيسيا عن الجسد الجورجي الأم. وعام 2014 أعطى الضوء الأخضر للانفصاليين الأوكرانيين للتحرش بأوكرانيا من أجل إجهاض الثورة البرتقالية للشعب الأوكراني الذي يحلم وينشد الحرية.

يكفي بوتين استخدامه لمرتزقة "فاغنر" نيابة عن الجيش الروسي كي يَقتلوا ويُقتلوا دون أن يكترث بهم أحد؛ وهذا فتح جديد ابتكره بوتين ليخفي مسؤوليته القانونية أمام العالم الخارجي والشعب الروسي تحت ذريعة أن هؤلاء المرتزقة قد تصرفوا من تلقاء أنفسهم وبالتالي فإنهم يتحملون نتائج أعمالهم.

وأخيراً وليس آخراً، ماقام به بوتين من تدمير الحجر والبشر في سوريا؛ وخاصة عند التفاخر باستخدام مئات أصناف الأسلحة في سوريا؛ يعطي مثالاً صارخاً على عقلية تجاوزت السوفيت بأشواط. أما آخراً، وانسجاماً مع "الفاغنرية"، هل نستبعد أن الروس قد قصفوا أو استخدموا أدوات لهم في الشمال الشرقي السوري ليرتكبوا مجزرة مشفى عفرين لخلط الأوراق والألغام في وجه بايدن، الذي تدعم بلاده من أُلبِس الجريمة؟؟!

ربما يكون أمل السيد بوتين بمكانه، فبايدن لن يفرض عليه شيئاً؛ ولكنه سيتركه يختنق بأفعاله

تلك هي مفاعيل "السَكْرَة"؛ وستأتي الفكرة في اللقاء مع "بايدن"، الذي لا يستطيع أن يُغْفِلَ حرفاً من الملف الذي يحمله ك "بروفايل" لمَن وصفه "بالقاتل"، إضافة إلى ملف خاص بمنظومة الاستبداد الأسدية من السواطير حتى الكيماوي. وكاستشعار لموقف بايدن منه، يقول بوتين في آخر تصريح له: "آمل ألا يكون بايدن انفعالياً". ربما يكون أمل السيد بوتين بمكانه، فبايدن لن يفرض عليه شيئاً؛ ولكنه سيتركه يختنق بأفعاله. وفي القضية السورية، لا انفراج إلا برحيل منظومة الاستبداد؛ وهذا لن يحدث إلا مع حصول الاختناق إياه. وسيحدث إن غداً لناظره قريب.

=========================

الملف السوري في لقاء بايدن والقاتل

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 14/6/2021

تثير السياسة الأميركية حيال القضية السورية أسئلة عديدة حول كيفيات وحيثيات تعامل الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض معها، ومع تطورات الأوضاع في سوريا منذ انطلاق الثورة في منتصف آذار/ ماس 2011 والقرارات الدولية والأممية التي صدرت بشأنها. وتطاول الأسئلة أولويات الإدارات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، حيث لا يزال الغموض يسم سياسة إدارة الرئيس جو بايدن تجاه القضية السورية، بالنظر إلى أن الوضع في سوريا لا يشكل أولوية في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مقارنة بالملف النووي الإيراني، الذي انخرطت فيه الإدارة الأميركية الجديدة فور وصول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض.

الولايات المتحدة الأميركية لم تتبع استراتيجية واضحة المعالم حيال الوضع السوري بشكل عام، ولا نهجاً معيناً، بل كانت مواقفها تتسم بعدم الاكتراث واللامبالاة

وارتهن التعامل الأميركي مع القضية السورية إلى حدّ كبير بمواقف الرئيس الأميركي والحزب الذي ينتمي إليه، لكنها لم تفترق كثيراً مع تغير شخص الرئيس وإدارته، كونها لم تستند إلى رؤى أو خطط معينة، نظراً إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لم تتبع استراتيجية واضحة المعالم حيال الوضع السوري بشكل عام، ولا نهجاً معيناً، بل كانت مواقفها تتسم بعدم الاكتراث واللامبالاة، والسعي إلى إدارة الأزمة وحصر ارتداداتها ومنعها من أن تفيض على دول الجوار، فركزت على استبعاد الخيار العسكري وعلى ضرورة البحث عن حل سياسي من دون أن تبذل مساعيَ كافية للتوصل إليه، ثم أعطت الأولوية للحرب على تنظيم الدولة "داعش"، وتحالفت في سبيلها مع قوى الأمر الواقع ممثلة بوحدات حماية الشعب الكردية، وتمكنت من هزيمة داعش، وراحت تركز على انسحاب إيران والحدّ من نفوذها في سوريا في عهد ترامب، وعلى سلاح العقوبات تجاه النظام السوري من أجل حثّه على الانخراط في عملية سياسية.

ولم تصدر مواقف واضحة من طرف الرئيس بايدن حيال القضية السورية، كما لم يعين مبعوثاً خاصاً له في الملف السوري، وجاء أول موقف له منذ وصوله إلى البيت الأبيض عبر بيان أعلن فيه تمديد حالة "الطوارئ الوطنية" فيما يتعلق بسوريا، وذلك "للتعامل مع التهديد غير العادي للأمن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد للولايات المتحدة، الذي تشكله تصرفات الحكومة السورية في دعم الإرهاب". ولم يقترن هذا الموقف بأي خطوات ضاغطة على نظام الأسد أو حلفائه الروس والإيرانيين، بل كان أقرب إلى توصيف ما عاناه السوريون من "وحشية النظام وقمعه للشعب السوري، الذي دعا إلى الحرية"، مع إدانة "العنف الوحشي وانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان التي يمارسها نظام الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون". بالمقابل ازدادت التحركات الروسية الساعية إلى إعادة تأهيل وتلميع صورة النظام السوري بعد فوز بشار الأسد بانتخاباته، لذلك تصاعدت أصوات مشرعين أميركيين من أجل تسليط المزيد من الضوء على الملف السوري، وحثّ الإدارة الأميركية لوضعه ضمن أولوياتها، وذلك بالتزامن مع انتقاداتهم عدم تطبيق بايدن عقوبات وفق "قانون قيصر"، وكان لافتاً انضمام مشرعين ديمقراطيين بارزين إلى مشرعين جمهوريين في كتابة رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، دعوا فيها إدارة الرئيس بايدن إلى "مضاعفة جهودكم للتصدي إلى التطبيع الدولي مع نظام الأسد، إلى جانب التنفيذ الصارم والحاسم لقانون قيصر لحماية المدنيين، والتصدي للتحركات الروسية الهادفة إلى إعادة تأهيل نظام الأسد، ومحاولاتها إلغاء إيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، وممارسة "الضغط على روسيا والصين لتمديد تفويض مجلس الأمن الدولي الخاص بإيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا عبر معبر "باب الهوى"، وإعادة فتح معبري "باب السلامة" و"اليعربية".

وشكل اللقاء التي سيعقده الرئيس بايدن مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بجنيف في السادس عشر من حزيران/ يونيو الجاري مناسبة لصدور مواقف أميركية جديدة حيال الملف السوري، والدفع كي يكون حاضراً على طاولة البحث بين الرئيسين، لكن ليس بوصفه ملفاً رئيسياً، إذ إن قضايا العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا ستحتل الأولوية في اللقاء المنتظر، بينما سيتمّ تناول الملف السوري من الزاوية الإنسانية، حيث أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، أن الرئيس جو بايدن سيبحث القضايا المتعلقة بسوريا خلال القمة المزمعة، مع تكهنات بأن يحاول بايدن الضغط على بوتين من أجل توسيع دائرة إيصال المساعدات إلى الداخل السوري. ويلتقي ذلك مع بيان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكين، أمام مجلس الأمن الدولي في آذار/ مارس بشأن الأزمة الإنسانية في سوريا، ومع مساعي حشد الدعم للملف الإنساني التي قامت بها السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، خلال زيارتها الأخيرة إلى تركيا.

غير أن الخطة الأميركية حيال الملف الإنساني تركز على زيادة تمويل جهود المساعدات الإنسانية بقيمة 240 مليون دولار، وعلى المطالبة "بإعادة تفويض المعابر، ووقف عرقلة المساعدات، والسماح للعاملين في المجال الإنساني والمساعدات الإنسانية بالوصول من دون عوائق، حتى يتمكنوا من الوصول إلى السوريين المحتاجين أينما كانوا في أسرع وقت ممكن"، بينما تلمح روسيا باستخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع تجديد قراره رقم 2533، الذي يسمح حالياً بالتوصيل المؤقت للمساعدات الإنسانية عبر معبر وحيد هو باب الهوى، لذلك فإن بايدن يتعامل مع بوتين الذي وصفه بالقاتل، وهذا القاتل تمادى في قتل عشرات آلاف المدنيين السوريين وسواهم، وبالتالي لن يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية إليهم إلا تحت الضغوط والعقوبات.

لقاء بايدن وبوتين سيشكل اختباراً للسياسة الأميركية ولمدى قدرتها في التأثير في الأزمات الدولية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من القضية السورية

ولا شك في أن بوتين لن يفتح المعابر الحدودية من دون مقابل، وسيحاول الحصول على صفقات وتنازلات من الولايات المتحدة في سوريا وغيرها مقابل ذلك، إذ سبق أن طالب بإلغاء، أو على الأقل تجميد، العقوبات الأميركية والأوروبية ضد نظام الأسد، وخاصة إلغاء قانون قيصر، وفتح المجال أمام تدفق الأموال الخليجية والأوروبية من أجل إعادة إعمار سوريا وعودة اللاجئين إليها، لذلك فإن لقاء بايدن وبوتين سيشكل اختباراً للسياسة الأميركية ولمدى قدرتها في التأثير في الأزمات الدولية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من القضية السورية، بوصفها توفر فرصة لإدارة بايدن من أجل تحديد ممكنات العمل المشترك والتسويات مع بوتين في الملف السوري وسواه من الملفات الشائكة.

ويبقى التساؤل قائماً حول مدى التغير في سياسة إدارة بايدن حيال القضية السورية، التي باتت تركز على الجانب الإنساني، إضافة إلى العمل على احتواء تنظيم "داعش"، لكنها تفتقر إلى وجود خطة شاملة لمواجهة تحديات الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى جانب توسع التغلغل الإيراني فيها، فضلاً عن تحديات أخرى، لذلك فإن أي صفقة أميركية مع روسيا ستطاول الإقرار بوضعها الجيوسياسي وضمان استمرار نفوذها ومصالحها في سوريا.

=========================

العصبية "العلوية" وبقاء الأسد

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاحد 13/6/2021

كان الدكتور عزمي بشارة في كتابه المهم عن الطائفة والذي صدرت ترجمته إلى الإنكليزية قبل أيام ربما أول من ربط بين مفهوم الطائفية السياسية التي تولد في منطقة المشرق العربي الحديث، ومفهوم العصبية كما طوره ابن خلدون في مقدمته النظرية والتي فتحت المجال للتفكير في العوامل الاجتماعية المؤسسة للترابط ضمن المجتمعات.

بعد ذلك، خصص بشارة فصلا كاملا من كتابه ذاك للحديث عن كيفية تطور مفهوم الطائفية وممارسته من قبل النظام السوري وحصرا من قبل عائلة الأسد، برأيي اليوم أنه بعد مرور عشر سنوات على الثورة السورية وحجم الجرائم التي ارتكبت وملايين اللاجئين والنازحين والمهجرين كلها أرقام تظهر مدى عنف هذه العصبية وخطورتها لا سيما أنها أطلقت عنانها حتى النهاية من دون أي رادع أخلاقي أو قانوني أو وطني.

ما أحاوله ههنا هو تطبيق مفهوم هذا العصبية العلوية في ضوء النظرية الاجتماعية للصراع أو النزاع، فنظرية PSC كما تسمى اختصاراً تركز على دور الهوية المجتمعية في داخل الدولة، ويعتبر عالم الاجتماع عازار ورفاقه كان من أوئل من كان لديهم اهتمام كبير بالصراعات في المجتمعات متعددة الطوائف في فترة ما بعد الاستعمار، فبدأ عازار في جمع بيانات الأحداث لأطروحة الدكتوراه الخاصة به في الستينيات في إطار بنك بيانات الصراع والسلام (COPDAB). تم الإبلاغ عن هذه الأحداث التي غطت الفترة بين 1948 و 1978 في 135 دولة قومية وتم الحصول عليها من 70 مصدرًا إخباريًا.

كشف المشروع أن 95 في المئة من 641 صراعًا رئيسيًا بين عامي 1945 و 1975 تمت الإشارة إليها في العالم الثالث أن هذه النزاعات كانت عرقية وكان يُنظر إلى هذا التركيز على أنه انفصال عن النهج الواقعي للسلطة السياسية.

يجب تقييم نظرية إدوارد عازار في ضوء تطورات الصراع لفهم مصادر النزاعات المسلحة الرئيسية ومن أجل معرفة ملاءمة وأهمية نظريته لسياسات ما بعد الحرب الباردة ، يجب أن يؤخذ في الاعتبار أولاً تحول صراعات القرن العشرين في أثناء الحرب الباردة، لم تكن الحرب الكبرى بين الدول ممكنة بسبب ظهور الأسلحة النووية والمنافسة العسكرية بين الكتل السوفيتية والغربية. لذلك كانت الأنماط السائدة للنزاعات المسلحة حروب الاستقلال الوطني في الخمسينيات وما بعدها.

تم وصف الحروب الطائفية بأنها "عميقة الجذور" و"مستعصية على الحل" و"طويلة الأمد"

في الستينيات، أصبحت الحروب الأهلية ما بعد الاستعمار متكررة في السبعينيات والثمانينيات بالإضافة إلى تطور الحرب الحديثة، وظهور مبادئ السيادة الشعبية وتقرير المصير الوطني، فحروب أواخر القرن العشرين "لم تكن تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن أو المكانة؛ كانوا حول الدولة والحكم ودور ووضع الأمم والمجتمعات داخل الدول".

تم وصف الحروب الطائفية بأنها "عميقة الجذور" و"مستعصية على الحل" و"طويلة الأمد".

إذا ما أسقطنا نظرية إدوارد إلياس عازار للصراع الاجتماعي (PSC) كإطار لتحليل الصراع. وفقًا لهذا المفهوم، فإن السؤال حول أزمة الشرعية التي نشأت عن أسباب اجتماعية واقتصادية وطائفية مما دفع بالبلاد إلى حرب أهلية.

في البداية فشل نظام بشار الأسد في تلبية مطالب المتظاهرين السوريين في المرحلة الأولى من الربيع العربي وهو ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية في سوريا. على الرغم من أن الصراع لم يؤد إلى تغيير النظام كما هو الحال في مصر أو ليبيا، إلا أنه وعلى المدى الطويل فقد قوضت مدة الحرب الآمال في كسر الجمود لصالح أي من الجانبين.

إلى جانب الحرب الأهلية التي عانى فيها الجيش والمعارضة، تحولت القضية السورية إلى أزمة دولية شارك فيها العديد من الفاعلين الإقليميين والعالميين مما حول الصراع الدائر إلى حرب بالوكالة بين هؤلاء الفاعلين.

ترتبط الأزمة ارتباطًا وثيقًا بالبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية لسوريا. في هذا السياق فإن البعد الطائفي للسياسة السورية بشكل عام والحرب الأهلية بشكل خاص تكشف عمق وأهمية الاهتمام بالديناميات العرقية والدينية للأزمة الحالية.

العصبية العلوية في النهاية هي التي حققت شرط تماسك النظام ومنعت تفككه بالرغم من الأزمات الشديدة التي لحقت به

في النهاية يمكن القول وفقا لإمرهان كيا أنه على الرغم من أن الحرب الأهلية السورية هي حالة ظاهرة الوجاهة للصراع الطائفي، إلا أنها تتطلب تحليلا متعدد الأبعاد منذ الصراع وتطوره إلى حرب بالوكالة. من الواضح أن الدعم العسكري والمالي للدول الأجنبية لكل من الحكومة والمعارضة أطال عمر الحرب الأهلية في سوريا وعقّدها. ومع ذلك فإن تحليل الأسباب الجذرية للصراع يجب أن يذكر أنه بدأ كانتفاضة ضد القمع والصعوبات الاقتصادية. فالنقطة المحورية في هذه النظرية أن العلويين كأقلية وموقعهم في التركيبة السياسية السورية، وأن درجة تضامن العلويين مع النظام عامل حاسم في تفسير هذه النظرية، فالعصبية العلوية في النهاية هي التي حققت شرط تماسك النظام ومنعت تفككه بالرغم من الأزمات الشديدة التي لحقت به، وضمان الولاء داخل هذه الطائفة للأسد بالرغم مما مر به يفسر كيف حافظ الجيش والأمن على اليد الطولى في الحرب رغم كل الانشقاقات الأفقية التي جرت داخل هذين القطاعين.

=========================

حافظ الأسد.. كابوس سوري طويل

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 13/6/2021

مضى زمن طويل على موت حافظ الأسد في العاشر من حزيران/يونيو عام 2000. ورغم مرور عقدين على دفنه، فإن الحدث يبدو قريبا في الذاكرة السورية. كأنه لم يمت كليا، واستمر الحديث عنه، كما لو أنه لم يوارَ الثرى تماما، كما يحصل عادة لكل الموتى. بقي الخوف مهيمنا، وحتى مجرد ذكر اسمه لا يزال يثير الرعب في النفوس. ولأنه بلغ منزلة خاصة لدى السوريين، صار الشارع يتداول مرويات تتراوح بين الجد والهزل. حكايات تقول إنهم شاهدوه يتجول ليلا في منطقة المرجة وسط مدينة دمشق، يحاول أن يتحدث مع المارة. ولم يكن ذلك أكثر من وحي جديد للكابوس الذي دام ثلاثين عاما، وظل جاثما على الصدور رغم موت الطاغية، بل إن المنسوب العالي من الخوف تسلل إلى لاوعي الناس، وصار من الصعب على الأغلبية أن تتحرر منه بين يوم وليلة.

حين تجرأ شخص مثل رياض الترك، وقال على قناة الجزيرة "مات الدكتاتور"، أخذوه إلى الزنزانة المنفردة من جديد، تلك التي سبق له أن أمضى فيها نحو 15 عاما بأمر من الدكتاتور

استمر الكابوس لأن كل ما يخص الدكتاتور ظل في مكانه. تماثيل الأسد بوضعيات لا تحصى، بقيت على ما كانت عليه في الساحات العامة والإدارات الرسمية. صوره الشخصية وحده، ومع أولاده تحتل الشوارع، وليس ذلك على سبيل تخليد الرئيس فحسب، بل من أجل تأبيد الخوف في حياة السوريين، وهذا أمر معمول به في دكتاتوريات عائلية أخرى مثل كوريا الشمالية. وحين تجرأ شخص مثل رياض الترك، وقال على قناة الجزيرة "مات الدكتاتور"، أخذوه إلى الزنزانة المنفردة من جديد، تلك التي سبق له أن أمضى فيها نحو 15 عاما بأمر من الدكتاتور الذي كان يتحدث بلذة طافحة، عن أنه وضع في المنفردة رجلا مثل الترك المحامي والمعارض وصاحب مشروع تجديد السياسة في سوريا، ولم يقبل أي وساطة للإفراج عنه. ولولا الضغوط الدولية، لاسيما الفرنسية، لبقي الترك في المنفردة وربما مات هناك مثلما حصل لآخرين قرر الأسد أن يتركهم يذبلون في المنفردة مثل نور الدين الأتاسي وصلاح جديد. وحين تحدث الترك بلا خوف عن رحيل الأسد، فإنه أراد أن يعلن وفاة الدكتاتور على الملأ، ليسمع ويعرف الذين كانوا يشكون بأمر الوفاة، وكي يرجع الناس إلى حياتهم وأعمالهم من دون كابوس الأسد. ولكن الابن بشار الذي عدلوا له الدستور ليتولى الحكم مكان والده، لم يغير الطريق الذي سار عليه أبوه، وتبين مع الأيام أنه حفظ الدرس العائلي من الأب، ذلك الذي طبقوه في حماة عام 1982.

تعبر الوحشية التي مارسها الأسد الابن خلال سنوات الثورة عن نوع من الوفاء لتراث الأب، وتطبيقا للقواعد التي وضعها من أجل استمرار حكم العائلة

لم يمت شيء من حافظ الأسد، حتى عبادة الفرد لا تزال منتشرة وراسخة في أوساط ما بقي من النظام الذي أسسه لتحكم به العائلة، وهو لايزال صامدا في مكانه وعصيا على كل المحاولات التي جرت لزعزعته. دفع الشعب السوري تضحيات لا مثيل لها في تاريخ الدكتاتوريات، ولكنه لم يتمكن من إسقاط النظام الذي بناه الأب بصورة محكمة. وتعبر الوحشية التي مارسها الأسد الابن خلال سنوات الثورة عن نوع من الوفاء لتراث الأب، وتطبيقا للقواعد التي وضعها من أجل استمرار حكم العائلة.

يبدو تاريخ رحيله الأسد لم يذهب بعيدا في القدم بالنسبة للذين كانوا ينتظرون موته بفارغ الصبر، هو الذي وقف عائقا بين ملايين السوريين وحياة أخرى جديدة، بعد أن دفعوا ثلاثين عاما من أعمارهم في ظل حكم الضابط الذي حول البلد إلى "مملكة للصمت" والألم. ومن يراجع سجلات عهد الأسد يجد أنه بنى من السجون أكثر من الجامعات والمشافي، وحبس وشرد وقتل من السوريين ما يعادل جيلا بأكمله، لمجرد أن الناس كانوا يحلمون بحياة أفضل لا أكثر، خالية من الخوف والكوابيس.

=========================

وجهة نظر : أيها السوريون واقفة تموت الخيول والأشجار .. إعادة تأهيل المجرم الإرهابي وإدماجه في المشهد الدولي..!!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

15/ 6/ 2021

لم تبرد بعدُ جريمة تمرير عملية انتخاب بشار البراميلي في الكوميديا السوداء المكشوفة، التي زعم العديدون أنهم " احتجوا عليها؛ حتى بادرت منظمة الصحة العالمية إلى المضي في الجريمة النكر خطوة أخرى إلى الأمام، فاختارت زمرة الكيماوي والبراميلي ومدمر المستشفيات، ومسمم حليب الأطفال، والعابث في لقاحاتهم؛ عضوا في المنظمة الدولية ، عسى ولعل، ومع كل الإحاطات والتوضيحات والتعليقات التي قدمتها المنظمة لتسويغ فعلتها الشنيعة السوداء، من زعمها أن الاختيار جاء من الكتلة المتوسطية نفسها ، وأن هذه الكتلة اختارت زمرة الأسد بإجماع 22 عضوا ، أو بالأمر الدولي الذي يخضع له في النادي الدولي كل من دبّ ..

ثم لم تبرد بعد جريمة منظمة الصحة العالمية تلك، والتي ما تزال المنظمة يوما بعد يوم تمسح السوء والعار الذي لحق بوجهها وبسمعتها إلى دهر الداهرين، وأبد الآبدين، حتى فوجئ الرأي العام العالمي، بانتخاب مندوب بشار البراميلي لدى الجمعية للأمم المتحدة " مقررا للجنة تصفية الاستعمار " وهكذا كان ممثل الزمرة التي جعلت من سورية، وهي أول دول عربية تستقل عن الاستعمار في القرن العشرين، مستعمرة لبضع عشرة دولة أولها الكيان الصهيوني المحتل للجولان ثم المحتل الروسي والمحتل الأمريكي والبريطاني والفرنسي والإيطالي والمحتل الإيراني والمحتل اللبناني والمحتل الأفغاني والمحتل الباكستاني والمحتل العراقي... ثم عدد ما شئت من دول وعصابات وميليشيات كلها جاء بها الطاغية الأثيم ؛ مندوب هذه الزمرة هو الذي سيشغل منذ الأمس موقع المقرر في لجنة تصفية الاستعمار الأممية، حتى ليجعلك تنشد: .. وكم في هذا العالم من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا ..

وإنصافا لأعضاء اللجنة الذين جاءتهم الأوامر العليا بتمرير اختيار المذكور وربما انتابهم القرف والغثيان، فأمسكوا أو امتنعوا ، فإن صاحب القرار في "الإيباك" الذي تعلمون ، خفف وطأة التكليف عنهم، فمنع الجميع من أن ينافسوا ، ليتم اختيار المذكور بالتزكية أي لعدم وجود منافس كما تقول الأنباء...

ويبقى الدرس المعتبر لنا نحن السوريين، الدرس يخصنا بجمعنا نحن طلاب الحرية الحريصون على نظافة الوجه واليد واللسان ..هذه الرسائل الدولية العملية التي تصلنا تترى أبلغ من مائة تصريح يتلاعب بألفاظه طرف لسان ..

إلى المسلخ وليس إلى المذبح نحن ذاهبون ربما لا نملك أن لا نفعل الكثير ، ولكننا نملك بكل تأكيد أن نقول لكل أشرار العالم :، ورعاة الظلم فيه : لا ثم لا ..كان زياد بن أبيه من طغاة الحكام وكان يقول : يعجبني الرجل إذا سيم خطة خسف أن يقول لا بملء فيه ...

 ..واقفة تموت الخيول ..واقفة تموت الأشجار ، قبل الذبح والسلخ تضجع أو تعلق النعاج .. والفراخ ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

جولة بايدن الأوروبية: خرافة القيادة ومردة القمقم

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 12/6/2021

الأرجح أنّ المصادفة (انعقاد قمة مجموعة السبع) لم تكن وحدها باعث الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أن تكون أوروبا هي مسار جولته الخارجية الأولى، أو أن تتضمن زيارة إلى بروكسيل بما تعنيه من دلالة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في آن معاً؛ أو، أخيراً، أن يكون الختام اجتماعاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف، بما قد يحمله المكان من مغزى الحياد. الإدارة الجديدة في حاجة ماسة إلى ترميم الخرائب التي خلفتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، على هذه المستويات خاصة، وثمة حاجة ماسة إلى ملاقاة العالم الخارجي مباشرة وعبر منصات ومنابر ذات امتياز؛ إذْ ليس كافياً أن يوقّع بايدن قرارات من المكتب البيضاوي، حول العودة إلى اتفاقية المناخ مثلاً.

ولقد استبق بايدن جولته بمقالة شاء أن ينشرها في صحيفة «واشنطن بوست» وليس «نيويورك تايمز» وفي هذا الخيار غمزة خاصة بالطبع، صنّف فيها جولته الأوروبية تحت شعار أوّل عامّ وتعميمي هو الدفاع عن «قِيَم الديمقراطية» وشعار ثانٍ لا يقلّ عمومية وتعميماً هو واجب الولايات المتحدة، العتيق الدائم المتكرر، في قيادة الكون: بصدد إنهاء جائحة كورونا في طول العالم وعرضه، أو معالجة أزمة المناخ ومقتضياتها، أو (لا بدّ مما ليس منه بدّ!) مواجهة أنشطة الصين وروسيا؛ يقع على الولايات المتحدة أن «تقود العالم من موقع قوة».

على مستوى الحكومات والزعماء الأوروبيين والحلفاء، ربما، وأمّا على مستوى الشعوب فإنّ استطلاع رأي مؤسسة «غالوب» الشهيرة الرصينة يستقبل بايدن بإحصائيات تقول إنّ معدلات القبول الشعبي لسياسات الولايات المتحدة وصورتها العامة لا تتجاوز 15٪ في بريطانيا؛ والأرقام الأوروبية الأخرى تقول التالي:18!، في فرنسا؛ 14 في الدانمررك؛ 12، في النروج والبرتغال وبلجيكا؛ 11، في السويد؛ 9، في النمسا؛ 6، في ألمانيا؛ و… 5، في إيسلندا.

ولا تُذكر حكاية القيادة الأمريكية للكون إلا ويستوجب المنهج، إنْ لم نقل التاريخ صانع الدروس، استذكار زبغنيو بريجنسكي؛ أحد أشهر مستشاري الأمن القومي الأمريكي، والأب المؤسس لفكرة منظمة «القاعدة» التي ستفرّخ «جبهة النصرة» و«داعش» و«بوكو حرام» و«حركة الشباب المجاهدين» وسواها في عشرات البلدان؛ والمهندس الأبرز وراء إطلاق تلك «الصناعة الجهادية» التي أعطت «الطالبان» و«الأفغان العرب» وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري والزرقاوي والبغدادي. إنه أيضاً (وفي مناسبة التلازم بين جولة بايدن، والانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ولقاء بايدن- بوتين) «البروفيسور» الذي فتح علبة باندورا الأسطورية الشهيرة، أو أطلق المارد من القمقم كما نقول، متوهماً أنّ الأذى الجهادي سوف يصيب السوفييت وحدهم، ولن ينقلب السحر على الساحر.

معضلات علاقة الولايات المتحدة بالعوالم ما وراء المحيط، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى جانب أوروبا، تظلّ حتى إشعار آخر رهينة نسبة الـ20٪ من رضا العالم عن سلوك القوة الكونية العظمى الأولى، وعن سياساتها بصفة إجمالية

وفي كتابه «فرصة ثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوّة العظمى الأمريكية» 2008؛ استخدم بريجنسكي تعبير «القيادة الكارثية» في وصف حال الشرطي الأمريكي الذي يتنطع، أو يتنطح بالأحرى، لإدارة الكون فلا يخلّف مآلاً أشدّ وضوحاً من تقويض الموقع الجيو – سياسي للولايات المتحدة. العلاج شاقّ وطويل الأمد، يتنبأ بريجنسكي، وعناوين الفصول، المخصصة للرؤساء الثلاثة، اختصرت نقاط جوهر الملامة التي ألقاها على كاهل كلّ منهم: «جورج بوش الأب، لجهة الخطيئة الأصلية و«شِراك المخيّلة التقليدية»؛ بيل كلنتون، بصدد عجز النوايا الطيبة و«ثمن التورّط الذاتي»؛ و«جورج بوش الابن، بسبب القيادة الكارثية إياها و«سياسة الفزع». ونفهم أنّ الخطيئة الأصلية هي فشل إدارة بوش الأب في إضفاء أي معنى ملموس على شعار «النظام الدولي الجديد»؛ وعجز كلنتون عن ترجمة الشعار، واغتنام ما خلقت سياسات الشعار من متغيّرات على الأرض؛ وقصور بوش الابن عن فهم البرهة التاريخية بين المخيّلة التقليدية والنوايا الطيبة… وبريجنسكي، الذي رحل عن عالمنا وعن أوهام وخرافات ومَرَدة القيادة الأمريكية سنة 2018، لم تكتحل عيناه برؤية الرئيس الرابع والأربعين باراك أوباما يتفادى تقصير أسلافه الرؤساء الثلاثة، أو يُصلح ما أفسدت سياساتهم، أو يغتنم فرصة كونه أوّل رئيس أفرو ـ أمريكي في تاريخ البلد كي يجترح هذه أو تلك من مبادرات القيادة الكونية. على العكس، مات بريجنسكي وهو يتابع انحطاط المكانة الأمريكية بأيدي ترامب، والنهوض الشعبوي، وانفتاح أكثر من صندوق باندورا أمريكي على أكثر من مارد عنصري متشدد متطرف. لكنه أبصر، مفتوح العينين على اتساعها كما للمرء أن يتوقع، انتقال «الصناعة الجهادية» إلى سوية التوحش الداعشي، ومفاوضات البيت الأبيض مع الطالبان؛ فضلاً عن انتشار المارد الشعبوي العنصري في مختلف أرجاء «الغرب» بما في ذلك أمريكا معقل الرأسمالية وموئل «القِيَم الديمقراطية».

وبمعزل عن تشاؤم واشنطن وموسكو، معاً، بصدد نتائج قمة جنيف بين الرئيسين الأمريكي والروسي؛ أو التوقعات المعتادة، المزمنة المخيّبة، حول ما يمكن لقمم مجموعة السبع أن تنجزه، في ضوء حصيلتها التاريخية الهزيلة؛ فإنّ معضلات علاقة الولايات المتحدة بالعوالم ما وراء المحيط، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى جانب أوروبا، تظلّ حتى إشعار آخر رهينة نسبة الـ20٪ من رضا العالم عن سلوك القوة الكونية العظمى الأولى، وعن سياساتها بصفة إجمالية. من جانبه فإنّ القمقم، أو صندوق باندورا لمَن يشاء، سوف يواصل استيلاد هذا المارد أو ذاك، ومتلازماتها من أشباح وكوابيس و… فيروسات، أيضاً!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com