العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-01-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

نظام الأسد يستنفر الفنانين.. ماذا وراء الأكمة؟

زياد أيوب

حرية برس

الخميس 17/1/2019

تتسارع الأحداث كثيراً على مستوى جبهة نظام الأسد وحلفائه، بعد إخضاع أغلب المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات المعارضة السورية المتمثّلة بالفصائل المسلحة ورجوعها الى حاضنة نظام الأسد بعد حملات وحشية من التدمير الممنهج للمدن عبر القصف الروسي، وإجبار أهلها على المصالحة أوالتهجير القسري، وعن طريق الميليشيات المجندة من إيران وحزب الله اللبناني أو الضغط على الفصائل للتسليم وعقد الهدن مع النظام من قبل الدول الداعمة والفاعلة في ملف المعارضة وانحسار الثوار وتجميعهم في الشمال السوري وبالأخص ادلب كما يعلم الجميع والمتابع لأحداث سوريا.

وهنا برزت مشكلة جديدة لم تكن تخطر ببال الروس، الحكام الفعليين لسوريا، ولم تكن بحسبانهم، وهي ذات شقين، الشق الأول يتمثل بملف اللاجئين والمهجرين من المعارضين والحاضنة الشعبية للثورة في المدن التي كانت تحت سيطرة النظام أو التي عادت إلى سيطرته بالمصالحات والهدن.

ملف المهجرين والنازحين ملف ضخم جداً وتتشابك خيوطه بين النزوح الداخلي واللجوء في أوروبا، وملفاته كثيرة وشائكة ومتعددة بين الأتراك والأوروبيين أو بين دول الجوار وشعوبها، وتتداخل هذه الملفات مع ملف إعادة تأهيل الأسد وإطلاق عملية إعادة الإعمار التي يطلبها الروس بوجود الأسد ورفضها من قبل أغلب الدول الغربية والمجتمع الدولي، إعلامياً حتى هذه اللحظة، وإن كانت هناك بعض الدول العربية – للأسف – كانت وما زالت تدعم قتل السوريين وتهجيرهم وتشريدهم، وليست الإمارات ومصر والجزائر الوحيدة في ذلك.

مشكلة اللجوء والمخيمات، التي تضغط إعلامياً وإنسانياً وأخلاقياً على انظام الأسد وحلفائه كانت ولا زالت الورقة التي لا يمكن لهؤلاء الهروب منها مطلقاً، وبالتالي .. كان لابد من افتعال وجود ورقة مشابهة لها على الطرف المقابل، حيث تتموضع حاضنة نظام الأسد الشعبية، تكون مقبولة للمجتمع الدولي، بحيث تدفعه للرضوخ وفتح أبواب التواصل مع نظام الأسد على مصراعيه من باب الحاجات الإنسانية والضغط الأخلاقي.. وهنا يتوضح الشق الثاني من المشكلة، التي تكمن في الحاضنة الشعبية للنظام، التي كانت قبل إعادة المدن والمناطق الثائرة إلى حضن ما يسمى النظام، تعاني كما تعاني المناطق الثائرة، من غلاء الأسعار وفقدان المحروقات، والتشبيح، وسوء الخدمات وإرهاب شبيحة النظام ايضاً، فهذه الحاضنة وطوال سنوات الثورة كانت تعاني وتئن، ولكن لا تستطيع التعبير مطلقاً لأن الحجج والأعذار كانت معدة سلفاً وجاهزة، وهي أن النظام يحارب الإرهاب وهو في معركة توحيد سوريا الآن، وبعد أن انتهت المسرحية وعادت معظم المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام إلى سيطرته مجدداً، ولم تعد لديه المسوغات الكافية أو المقنعة لهذه الحاضنة ليدفعها للصبر على وضعها الكارثي، فكان لابد له من إيجاد طريقة للخروج من المأزق مع حلفائه، فأوعز إلى شريحة الشهرة في المجتمع، وهم الفنانون ، ليخرجوا على صفحاتهم الشخصية وينتقدوا الحكومة وحتى الرئيس إن لزم الأمر.

هذا الاستخدام للفن ليس بجديد على نظام الاستبداد الأسدي، فقد جرى استخدامه وتطويعه سابقاً أيام الأسد الأب وتسخيره مجالاً للتنفيس، فكانت أعمال دريد لحام ومرايا ياسر العظمة تدغدغ عواطف الناس، حتى إذا أصبح التمثيل حقيقة وهب الشارع ليجسد بعض مشاهد الدراما والكوميديا السوداء ويجعلها حقيقة واقعة، انزوى ياسر العظمة جانباً، وانضوى دريد لحّام تحت سلطة النظام مدافعاً شرساً عن القتل والاستبداد، مفضلا الطائفية على الوطنية، وهؤلاء الفنانون الذين تسمع أصوات اعتراضاتهم وشكواهم حالياً متفقون معه في القتل، والتهجير، والاستعانة بالإبرانيين وأذرعهم الطائفية وبالغازي الروسي ومرتزقته، ولكنهم مختلفون معه في نقص المحروقات وغلاء الأسعار!

ولم يطل الأمر كثيراً حتى تبعهم مقدمو برامج التلفزة السورية أيضاً، وعندها بدأ المواطنون بالكتابة والتعبير عن الحالة المزرية التي يعيشوها في المحافظات السورية، وتدفق سيل من الصور والتعليقات الساخرة والمواقف والإعلانات التي توحي بأن الوضع قد ينفجر إذا لم يكن هناك تدخل عاجل، وهو بالضبط مايطلبه النظام السوري ومن ورائه الروس، أي رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على نظام الأسد، وإرجاعه دولياً وعربياً، والإسراع بإعادة الإعمار وتأهيل الأسد مجدداً، وهذا ما بدأته الإمارات دون تردد، عبر افتتاح سفارتها في دمشق، وإيفاد البشير وغيره، وماحدث من مناقشة عودة سوريا لجامعة الدول العربية، وليس آخرها رجال الأعمال الأماراتيين في دمشق، ووفود من الأردن وتونس وغيرها.

ولكن.. هذا التسابق المحموم للتطبيع مع مجرم الحرب ونظامه، لن يجدي نفعاً، نظراً لوجود لاعبين آخرين على الساحة أيضاً، كالأمريكان وغيرهم، وهنا لا بد  من الإشارة إلى أن من سلم سوريا لكل شذاذ آفاق الارض، هو من أوصل المواطن السوري في كل مكان إلى ما وصل إليه من الذل والإعتقال واللجوء والتشرد والهجرة.. ولا يحتاج عاقل إلى التأكد من أنه بشار الأسد وزمرته المجرمة.

==========================

جمهورية الأسد.. برد وعتم وجوع

غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 17/1/2019

تكشف ردود افعال بعض المؤيديين في سورية تجاه الأوضاع المعيشية الصعبة خطأ فاضحاً في قراءتهم سلوك نظام الأسد، بعد نجاحه في البقاء في السلطة، لا يقل عن خطئهم في موقفهم من الثورة التي لم يكتفوا بمناصبتها العداء، بل اجتهدوا في صناعة المبرّرات لتدميرها والقضاء عليها، منذ كانت سلميةً، سلاحها ياسمين دمشق وورد داريا.

يتسابق المؤيدون، المحسوبون على النخبة، على تدبيج رسائل، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى سيادة ذلك القابع في قصر المهاجرين، يطالبونه بالتدخل، لأن حياة الموالين، أحبابه، أصبحت جحيماً، بسبب انعدام التدفئة والكهرباء وحليب الأطفال وكل ضرورات الحياة. يخبرونه أن الشعب تعب، ويفعلون ذلك انطلاقاً من اعتقادهم أن سيادته لن يهون عليه ذلك، وأنه ما أن يعرف الحال التي وصل إليها أحبابه المؤيدون سينتفض على هذه الظروف التي لا بد أن وحوشاً تتلطى به هي التي صنعتها، وكأن سيدهم هذا لم يقتل مئات آلاف السوريين، ولم يشرّد ملايين من شعب سورية إلى مخيمات الموت والصقيع!

يتذاكى هؤلاء، ويؤدّون أدوارا سمجة، انتهى زمنها منذ سقوط أول نقطة دم لسوري هتف

"بشار يعتبر بقاءه على رأس السلطة أكبر مكافأة يقدمها للموالين له" للحرية ضد نظام الطاغية الفاسد، ومنذ أول سجينٍ أزهقت روحه لأنه رفض الركوع لصورة الأسد، وينسون أنهم اختاروا العبودية والرضوخ، فلماذا استفاقوا الآن؟ هل يحاولون التبرؤ من تهمة تأييد نظام مافيوي؟ لطالما كذبوا علناً، وقالوا إننا نؤيد وطنا ودولة، ولا نؤيد أشخاصا، وكأن هذا الوطن والدولة شيء معلق في الهواء، أو مسألة ميتافيزيقية لم تدركها عقول ملايين الأشخاص الذين طالبوا بالحرية والكرامة!

يتغابى هؤلاء، حينما يعتقدون أنهم يمتلكون حصانةً في جمهورية الأسد، وحصلوا عليها لأنهم قبلوا أن يصنعوا من أنفسهم واجهة، ثقافية حضارية مدنية، لمافيا الأسد، وغطاءً ناعما لوحشٍ فتك بسورية، بذريعة أن جميع الذين طالبوا بالحرية هم إما إرهابيون إسلاميون أو متخلفون فوضويون من أبناء الريف والعشوائيات، إلى ذلك هم يعتبرون أنفسهم شركاء في "النصر" المزعوم، قاتلوا من مواقعهم، باعوا ضمائرهم، وجاء الوقت ليقبضوا ثمن ذلك، فمن غير المعقول أن يذهب كل ما فعلوه هباءً؟

ويتغابى هؤلاء، حينما يعتقدون أن خطابهم المباشر لسيدهم سيثبت للجميع أنهم لم يكونوا متخاذلين، ولا ضد الثورة، بل هم فعلوا ذلك لأن الثورة لم تكن ثورة، ولو كانت كذلك لكانوا أول من اشترك فيها. لم يفعلوا ذلك تخاذلاً ولا خوفاً ولا تملقاً، والدليل أنهم عندما رأوا الخطأ في جمهورية الأسد انتقدوه، وخاطبوا أعلى المستويات، بل طالب بعضهم باستعادة الوطن، ممن؟ واستعادته كما كان، كيف بإعادة من ماتوا ومن تهجروا؟ بل ذهبت مذيعةٌ شهيرةٌ، من أصحاب الرسائل إلى سيادته، إلى حسد اللاجئين والمهجّرين، والتمنّي لو أنها كانت الآن خارج سورية!

يا حمير، هكذا ردت إدارة المخابرات العامة، على أصحاب الحصانة واللباقة والشرف، عبر موقعها الإلكتروني، وأضافت أن سيدهم يعرف كل شيء، ولا حاجة له بتذكيرهم، ومن يرد أن ينتحر فليفعل. وأمرتهم بوقف هذا النوع من الرسائل، لأنها ترى أنه يستهدف سيادته مباشرة، وأن نوايا أصحاب تلك الرسائل سيئة، يحاولون النّيل من شعبية سيدهم التي حقّقها بالنصر على اللاجئين والمهجّرين، اصمتوا فزمن الثورات انتهى، ألم نقل إننا نريد إخراس السوريين مئة عام، ما هذه الأصوات النشاز؟

ليس لدى بشار الأسد ما يقدمه لهؤلاء، أو لغيرهم. لأكثر من سبب، السبب الأساسي أن بشار

"الثورة السورية أسقطت هذا النظام على الأرض، ومن دافعوا عنه يوماً سيلقمونه الضربة القاضية" يعتبر مجرد بقائه على رأس السلطة أكبرمكافأة يقدمها لهؤلاء، ألم يبدوا الاستعداد للتضحية بالنفس والولد في سبيل بقائه، وها هي أمنيتهم تحقّقت؟ ألم يدركوا أنهم كانوا يدافعون عن نموذج من السلطة والحكم يعجبهم؟ هذا النموذج باق ومستمر، ثم ألا يكفي أنهم ما زالوا أحياء؟ ألم يقولوا هم أنفسهم إذا استلم المعارضون السلطة سيقتلوننا؟ ألا يكفي بقاؤهم أحياء، والدليل أنهم ما زالوا يتحسّسون البرد والجوع والعطش، ويميزون العتمة من الضوء؟

السبب الثاني أن بشار الأسد لم يعد يملك شيئاً يمنحه لهم، بعد أن باع سورية لأصحاب النصر الحقيقيين، روسيا وإيران. لم يعد هناك حقول نفط ولا غاز ولا فوسفات باسم سورية، وحتى الزراعة والسياحة ومعابر الترانزيت محجوزة مواسمها وعائداتها وإيراداتها لتسديد فواتير الحرب، وما يفيض عن ذلك بالكاد يكفي مصاريف القصر.

يا حمير، والوصف لإدارة المخابرات العامة: أليست الصورة واضحة بما فيه الكفاية؟ من أين سيأتي لكم سيدكم بالمال الكافي لتلبية قوائم طلباتكم، فالحرب الكونية التي شنّها الخصوم على سورية أفقرت البلاد لعقودٍ مقبلة، وعليكم ألا تتوقعوا تحسناً للاوضاع، لا في المدى المنظور ولا حتى البعيد، ومجرّد طلباتكم مؤامرة، ومحاولة للنيل من الرصيد الشعبي لسيدكم، ولن نتهاون معها.

لكن أليست هذه علائم سقوط هذا النظام بالفعل؟ وإذا كانت روسيا وإيران قد ركّبتا له أرجلا من خشب، فإنها لن تصلح للسير دائماً، فالثورة السورية أسقطت هذا النظام على الأرض، ومن دافعوا عنه يوماً سيلقمونه الضربة القاضية، عندما يتأكدون أن جمهورية الأسد لن تعطيهم غير البرد والعتمة والجوع والعيش بين الركام.

==========================

منطقة آمنة أم منطقة عازلة؟

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 17/1/2019

«أؤمن بأننا وصلنا إلى تفاهم ذي أهمية تاريخية»! هكذا وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محادثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المكالمة الهاتفية التي بادر الأول إلى إجرائها.

تفاهم ذو أهمية تاريخية في الموضوعات التي تباحثا فيها، وفي القلب منها موضوع «المنطقة الآمنة» في شمال سوريا حيث تسيطر الآن «قوات سوريا الديموقراطية» بحماية الولايات المتحدة التي تستعد للإنسحاب!

واسترسل الرئيس التركي في شرح مفهومه للمنطقة الآمنة، فقال إن تركيا هي التي ستقيمها بدعم من الحلفاء وأولهم واشنطن، وأن أبرز وجوه هذا الدعم هو الغطاء الجوي، في حين تقوم مؤسسة الإنشاءات الحكومية التركية ببناء مساكن من طابقين (أرضي وأول) تحيط بها حديقة على مساحة 500 متر مربع!

جاءت هذه التطورات بعد التغريدة الاستفزازية لترامب التي هدد فيها تركيا بتقويض اقتصادها إذا مست بالأكراد. وفي التغريدة نفسها ألقى ترامب بطعم «المنطقة الآمنة» بعمق 20 ميلاً (نحو 32 كم). لوحظ في ردود فعل أنقرة على تهديد ترامب أنها اتسمت بالهدوء والتفهم. فقد قال وزير الخارجية مولود شاويش أوغلو، مثلاً، إن تركيا تفهم أن الرئيس ترامب يتعرض لضغوط داخلية كبيرة! وإن لم يهمل رفض لغة التهديد. لكنه، بالمقابل، كرر دعوة تركيا للإدارة الأمريكية بأن تميّز بين «الإرهابيين» والأكراد. «لا مشكلة لدينا مع الأكراد» قال «بل نحن نحميهم من الإرهابيين. لقد استقبلت تركيا 200 ألف من أكراد كوباني نزحوا إليها أثناء الحرب».

أما بالنسبة للمنطقة الآمنة، فقد فضل شاويش أوغلو أن يبيع الأمريكيين من كيسهم، فقال إن هذه الفكرة هي، في الأصل، اقتراح الرئيس أردوغان الذي كان قد رفضه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

ترى ما الذي تغير، خلال أقل من 24 ساعة، ليمحو ترامب آثار تغريدته الاستفزازية ويتحدث بدلاً من ذلك عن آفاق تطوير العلاقات الاقتصادية مع تركيا؟ وهو ما ترجمه أردوغان بالكلام عن طموح البلدين في زيادة التبادل التجاري بينهما في الفترة القادمة وصولاً إلى رقم 75 مليار دولار سنوياً!

هل هو فصل جديد مما يسمى بـ«المزاج المتقلب لترامب»؟ أم أن الأمر يتعلق بمباراة ملاكمة من النوع المتفق على نتيجتها لأغراض المراهنات؟ ما يمكننا التأكد منه، حالياً، هو أن ثمة تفاهمات بين واشنطن وأنقرة بشأن كيفية ملء الفراغ في شرقي الفرات بعد الانسحاب الأمريكي، كشف ترامب عن عنوانها العريض بعبارة «منطقة آمنة».

ثمة تفاهمات بين واشنطن وأنقرة بشأن كيفية ملء الفراغ في شرقي الفرات بعد الانسحاب الأمريكي، كشف ترامب عن عنوانها العريض بعبارة «منطقة آمنة»

هذه العبارة تستدعي، بداهةً، ما حدث، في العام 1991، في العراق إبان الحرب الأمريكية حين أعلنت واشنطن عن منطقتي حظر طيران في الشمال الكردي والجنوب الشيعي. فأطلقت تغريدة ترامب، في الرأي العام التركي، موجة هواجس جديدة بشأن «مؤامرة» أمريكية لإقامة كيان كردي في شمال سوريا، تحت يافطة «المنطقة الآمنة»، وهو ما تعتبره أنقرة، تقليدياً، خطراً على أمنها القومي، ويشكل جوهر السياسة التركية في سوريا، منذ العام 2015، على الأقل. يتحدث أركان الحكم في أنقرة عن أن تفاصيل فكرة المنطقة الآمنة ستكون موضوعاً لمباحثات فريقي عمل من الجانبين الأمريكي والتركي في الأسابيع القادمة. وهو ما قد يعني وجود تباينات بين التصورين الأمريكي والتركي لشكل ومضمون المنطقة الآمنة، وهل هي منطقة حظر طيران أم منطقة عازلة بين تركيا وكرد سوريا تتمركز فيها قوات «بيشمركة روج» الكردية السورية التي تم تدريبها تحت إشراف قوات بارزاني في إقليم كردستان، كما يتم التداول؟ كذلك سيطرح الموضوع في القمة المرتقبة، في 23 الشهر الجاري في موسكو، بين الرئيسين بوتين وأردوغان. موسكو التي لزمت الصمت، إلى الآن، بشأن ما يطرح من مشاريع لملء الفراغ الأمريكي شرقي الفرات، أعلنت، الأربعاء، على لسان وزير خارجيتها لافروف بأن روسيا ستراعي، في موضوع المنطقة الآمنة، هواجس ومصالح جميع الدول المجاورة لسوريا، بما فيها تركيا»! وهو ما يعني موافقة مبدئية روسية على فكرة المنطقة الآمنة، وستكون لها شروطها. تتداول الصحافة التركية، بهذا الصدد، أن التفاهم على موضوع المنطقة الآمنة، تم في قمة هلسنكي بين ترامب وبوتين في تموز/يوليو 2018. تدور، في كواليس السياسة في واشنطن، تكهنات بشأن قمة ثلاثية «تاريخية» تجمع كلاً من ترامب وبوتين وأردوغان، في أواخر السنة الجارية، يكون موضوعها سوريا.

كذلك لوحظ، في تصريحات أركان الحكم في تركيا، في اليومين الماضيين، تجنباً لذكر «وحدات حماية الشعب» و«حزب الاتحاد الديموقراطي» أو «قوات سوريا الديموقراطية»، والكلام بدلاً من ذلك عن «أخوتنا الأكراد» و«داعش وكل المنظمات الإرهابية في شرق الفرات». وهل كانت مجرد مصادفة أن تتم، قبل أيام، زيارة محمد أوجالان لأخيه عبد الله ـ الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني المسجون في جزيرة إيمرالي ـ بعد عزلة تامة استمرت سنتين ونصف؟

ولم يعلن محمد أوجالان أي شيء عن مضمون الزيارة بعد انتهائها مباشرةً، تاركاً ذلك لقيادة «حزب الشعوب الديمقراطي» ـ الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني. ولم تفصح القيادة المذكورة عن مضمون الزيارة إلا بعد 4 أيام من حصولها، فقال الرئيس المشترك للحزب سزائي تمللي إن أوجالان قال لأخيه إنه «في صحة جيدة»! وهذا كل شيء. هل كانت هذه «الرسالة» من أوجالان، بعد سنتين ونصف من الصمت القسري، بحاجة لاجتماع قيادة «الشعوب الديمقراطي» للتداول في إعلانها؟

أما الناطقون باسم «الإدارة الذاتية» فيتضح من تصريحاتهم أنهم فوجئوا بكلام ترامب حول المنطقة الآمنة. ومن المعروف أن أحد ممثليهم في موسكو أعلن، قبل أيام، عن تعليق المفاوضات مع نظام الأسد «لأنه لم يغير عقليته». يقال إن الأمريكيين طلبوا من قادة «الوحدات» و«قسد» تجميد المفاوضات مع نظام دمشق. أما صالح مسلم فقد أعلن، صراحةً، عن مفاجأته بخصوص المنطقة الآمنة. هذا كل ما يمكن أن يقال، حالياً، بشأن الخطط الأمريكية لمرحلة ما بعد الانسحاب من سوريا، أو كنه التفاهمات الأمريكية ـ التركية، أو الأمريكية ـ الروسية ـ التركية.

==========================

هُزم النظام للأبد.. وفاز الاحتلال مؤقتاً

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 16/1/2019

يحلو لمن يسعى لتبرير موقفه بفتح سفارته مع العصابة الطائفية في دمشق، أو موقفه من الهرولة للقاء طاغية الشام الذي بدا وكأنه أوراق اعتماد جديدة وحقيقية لعلاقاته الجديدة مع تل أبيب وموسكو وطهران، وبالتالي تأمين بوليصة بقاء على السلطة لفترة من الوقت، بعد أن أثبت هذا الحلف استعداده الميداني لمديات بعيدة في حماية حلفائه المستبدين والديكتاتوريين القامعين لشعوبهم والمدمرين لأوطانهم.

تبرير هؤلاء ينحصر بمعزوفة كاذبة يعلمون كذبها وخطلها، وهي أن النظام انتصر في معركته على شعبه، واستطاع هزيمة ثورة استمرت ولا تزال لثماني سنوات، ولكن يتجاهل هؤلاء حقيقة ناصعة مدوية تضجّ صباح مساء، عنوانها أن من فاز مؤقتاً حتى الآن هو الاحتلال المتعدد الجنسيات الذي جلبه هذ النظام إلى الشام، ومعه ميليشيات متعددة الجنسيات من لبنان والعراق إلى أفغانستان وباكستان، وما بينهما، من أجل قمع شعبه ووأد ثورته التي قدمت حتى الآن مليون شهيد، ومثلهم من المعتقلين والجرحى، فضلاً عن 12 مليون مشرد، وتدمير البلد، حيث يقدر إعادة بنائها بأكثر من نصف ترليون دولار أميركي، عداك عن الجراح الاجتماعية الغائرة الرهيبة وسط النسيج الاجتماعي السوري، وحتى مع دول الجوار والدول الأبعد.

إن النظام لم ينتصر، وإلا فلماذا يغيب هذا النظام عن كل المؤتمرات الدولية والإقليمية التي يشارك فيها غيره ليقرروا مصيره ومصير بلد يحتلها؟ ولماذا تغيب قواته العسكرية وطائراته وقواته الحربية عن ساحات المعركة الحقيقية بينما تحضر قوى الاحتلال؟ أما على الصعيد الاجتماعي فنحن نرى الحضور الطائفي والسعي إلى تغيير ديمغرافي خطير يقوم به الاحتلال الطائفي على الأرض إن كان بشراء أراضي وبيوت، أو بتغيير مساجد إلى حسينيات، وإبعاد ما تبقى من الأهالي في المدن السنية العريقة، وفضلاً عن ذلك هناك الدعايات السلبية الرهيبة التي تروج وتسوق عن الشام وأهلها، وذلك لتنفير الناس عنهم، وتصويرهم بشكل سلبي يخدم الاحتلال وأذنابه.

لم ينتصر النظام، وإنما من انتصر مؤقتاً هو الاحتلال المتحكم بالقرار السياسي والعسكري والاقتصادي وحتى الدولي، بما فيها كتابة دستور البلد نفسه، وإعادة هيكلة مؤسساته الأمنية والعسكرية، وهل نسي البعض كيف تم التعامل مع طاغية الشام يوم وصل بوتن إلى قاعدة حميميم وأبعد عنه من أجل إلقاء كلمته؟ وهل نسي البعض كيف تم شحن طاغية الشام مرتين إلى روسيا؟ وكيف منعه من زيارة حلب حتى الآن؟ وكيف تم تفكيك جيشه وتحول إلى ميليشيات مسلحة؟

فإلى كل من يريد أن يهرول ويتصالح مع الكيماوي، والبراميل المتفجرة، والخراطيم المتفجرة، وصاحب التغيير الديمغرافي، والإبادة البشرية، والتي يتقازم أمامها ما فعله نتنياهو ورابين وشامير وبن جوريون مجتمعين، نقول لك أن تتخذ القرار المنسجم مع تاريخك وهويتك ومشروعك، ولكن ليس من حقك تبديل الحقائق الساطعة صباح مساء، فهذا نظام انهزم للأبد، ولم يعد بمقدوره حكم سوريا وحده، وإنما لا بد له من احتلال صباح مساء وإلّا فإن مزبلة التاريخ جسدياً بانتظاره، بعد أن أُعلن عن هلاكه إكلينيكياً وسريرياً.

رفض وزير الخارجية القطري إعادة العلاقات مع النظام السوري، ورفضه إعادته للجامعة العربية قطع الطريق على كل المهرولين واللاهثين وراء السفاح، وهو ما قد يُفرمل هرولة البعض باتجاه دمشق، ويعطي بالمقابل مزيداً من الأمل للشعب السوري بأن أشقاءه لا يزالون معه في ثورته ضد الظلم والاستبداد التي يقودها منذ ثماني سنين.;

==========================

التركة السورية في صراع القوى الدولية

رضوان زيادة

العربي الجديد

الاربعاء 16/1/2019

هل ستستطيع تركيا أن ترث كل مساحات الأرض التي ستتركها القوات الأميركية في سورية. هذا سؤالٌ من الصعب الإجابة عنه، وما زال الموقف التركي، في هذا الإطار، غامضاً، فالقيادة التركية تدرك أن هذه المساحات واسعة للغاية، ويحتاج إبقاؤها تحت السيطرة التركية إلى عديد من القوات والأسلحة والموارد المالية، من أجل إدارة المجتمعات المحلية داخلها، وخصوصاً في الرقة التي دمرتها القوات الأميركية بالكامل، بهدف القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولم تساهم بتاتاً في تمويل إعادة إعمارها، أو إعادتها إلى الحياة، بما يتطلبه ذلك من بنى تحتية، وعودة للمدنيين هناك.

ولذلك، يبرز السؤال هنا: كيف سيكون موقف روسيا؟ وهل ستكتفي الولايات المتحدة بالتنسيق مع تركيا من دون روسيا في سحب قواتها الكاملة من سورية؟ لا توجد مؤشراتٌ، في الوقت الحالي، تدل على أن الولايات المتحدة ستقوم بالتنسيق مع روسيا، فالعلاقة اليوم في منتهى الرسمية، على الأقل في الجانب العلني منها، لكن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أظهر إشاراتٍ إلى التنسيق مع تركيا، وأرسل مستشاره لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، بهدف تحقيق التنسيق الضروري، غير أن الزيارة فشلت في تهدئة المخاوف التركية.

كما أن روسيا تنظر إلى هذه المناطق الغنية بالنفط والغاز أولوية لها. ولذلك صرح الرئيس بوتين، فور إعلان ترامب الانسحاب من سورية، بأنه خبر جيد، ومن المحتمل أن يجري تنسيق عالي المستوى بين الطرفين، الروسي والتركي، لملء الفراغ في مناطق شرق سورية وريف البادية، لا سيما أن شركات روسية تحضر لاستخراج الغاز واستثماره في هذه المناطق، وهو ما يعني أن روسيا وتركيا ستكونان الرابحين الأكبر في خلافة الأراضي التي كانت الولايات المتحدة تسيطر عليها في سورية.

"روسيا وتركيا ستكونان الرابحين الأكبر في الأراضي التي كانت الولايات المتحدة تسيطر عليها في سورية"

وبالنسبة للأسد، يبدو صورياً أنه يستعيد بعض الأراضي، خصوصاً إذا ما سيطرت القوات الروسية على بعضها. ولكن عملياً يظهر بمنتهى الضعف، وعدم القدرة على مغادرة دمشق التي يحكم الخناق على سكانها أمنياً وعسكريا، مع انهيار الوضع الاقتصادي بشكل كامل، وعدم القدرة على تحمل أعباء إعادة الإعمار، ولو في الحد الأدنى. وعلى الرغم من مظاهر الحرارة العربية من وزير الخارجية البحريني، خالد آل خليفة، وزيارة رئيس السودان عمر البشير دمشق، وزيارة مدير مكتب الأمن الوطني، علي مملوك، القاهرة، إلا أن بين النظام واستعادة صورته عربيا مسافة ليست قصيرة، وربما تثمر الضغوط الغربية في إبقاء العزلة العربية عليه، بسبب المجازر الجماعية التي ارتكبها بحق السوريين على مدى السنوات السبع الماضية.

يعتبر التفاوض اليوم على وراثة الأطراف الدولية والإقليمية الأراضي السورية نتيجة حتمية لفشل الدولة المركزية على مدار السنوات السبع الماضية، في إبقاء وحدة سورية قيمة مركزية، وفي الربط بين السوريين وأرضهم، فتشتت السوريين في بقاع الأرض اليوم، حيث يعيش خارجها أكثر من سبعة ملايين لاجئ، يعد انعكاسا بسيطاً لانهيار فكرة الدولة المركزية في أعين السوريين، وتلاشي شرعيتها التي يمكن أن تستمدها. ولذلك، ما زالت المعارضة السورية اليوم المتحالفة مع تركيا، وخصوصا فصائل الجيش السوري الحر، والذي اعتمدت عليه تركيا في الدخول إلى كثير من الأراضي الحدودية، وتحريرها من قوات الحماية الكردية، تعتبر الأسد عدوها الأول، وبالتالي تبدو مستعدة للحفاظ على جزء من سيطرتها على الأراضي السورية، بالاعتماد على المساندة التركية، إذا كان ثمن هذا الخروج الأميركي تسليم هذه الأراضي لنظام الأسد.

وبالتالي يمكن القول إنه على المدى البعيد ستتحول سورية إلى أراضٍ خاضعة للسيطرة الذاتية، قسم منها يخضع لنظام الأسد تحت الوصاية الروسية بشكل كبير، مع وجودٍ كبير للمليشيات الإيرانية، وتلك المتحالفة معها، وأراض أخرى خاضعة لسيطرة المعارضة السورية في الشمال تحت الوصاية التركية، مع انهيار كامل للمناطق الكردية التي كانت تحت الوصاية الأميركية، وهو ما يعني أن تغير حجم الأراضي واتساعها لحساب هذا الطرف من ذاك يبدو بعيداً جداً من طموح وصولٍ إلى الحل السياسي الذي يقود إلى انتقالٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ، يقوده السوريون، ويؤدي إلى تغييرٍ لنظام الأسد، فقد شهدنا، في السنوات الثماني الماضية، تغييرا كبيرا لمعادلات 

"واشنطن بوست : الرئيس ترامب أخذ نصيحة الانسحاب من سورية من السيناتور راند بول من ولاية كنتاكي" الجغرافيا على الأرض، لكنها كانت، في جوهرها، قائمةً على تغييرات مؤقتة، تعتمد على تغير مصالح القوى الإقليمية والدولية من طبيعة الصراع في سورية. ولذلك، تبدو رغبة ترامب الانسحاب الكامل من سورية أحد أوجه هذا التغير، في النظر إلى المصالح الأميركية في سورية، حيث لا يرى ترامب أي مصلحة أميركية في البقاء في سورية، وتحمل تكاليف البقاء هناك، للقضاء الكلي على "داعش"، أو تحمل تكاليف إعادة الإعمار التي أعلن أن السعودية ستتكفل بها.

تنقل صحيفة واشنطن بوست أن الرئيس ترامب أخذ نصيحة الانسحاب من سورية من السيناتور راند بول من ولاية كنتاكي، حيث تذكر الصحيفة أن سياسة الرئيس ترامب الخارجية لا تتبع أي أيديولوجية راسخة، لكنها غالباً ما تكون مزيجًا من وجهات نظره الشخصية التي طال أمدها وتأثير آخر شخص يعيره أذنه. في هذه الأيام، يستمع ترامب، أكثر من أي وقت مضى، إلى السناتور راند بول الذي يدير بهدوء السياسة الخارجية الأميركية في اتجاه جديد.

ولذلك، جعل قرار ترامب المفاجئ، سحب جميع القوات الأميركية من سورية، على عكس نصيحة فريق الأمن القومي بأكمله، كثيرين يعتقدون أن لمحادثات بول المتكرّرة عبر الهاتف مع ترامب خارج إطار عملية السياسة تأثيرا كبيرا على قرارات الرئيس ترامب بشأن السياسة الخارجية. والمؤكد أن الاثنين يعتبران من رفاق لعبة الغولف، فهما يلعبانها معا في أحيانٍ كثيرة.

أصبح الجميع يدرك أن صوت راند بول هو الذي يوليه الرئيس اهتماما متزايدا، وهو يمتلك رؤية أيديولوجية تقوم على انسحاب الولايات المتحدة الكامل من العالم، ويبدو ترامب ما زال بعيدا عن ذلك، ولكنها ربما تجعله يوما بعد يوم أقرب إلى وجهة النظر هذه.

==========================

جيوسياسة "بعث" الأسد

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 15/1/2019

تتسارع خطوات بعض الأنظمة العربية في محاولة لإظهار الود أو إعادة العلاقات السياسية والدبلوماسية مع النظام السوري، بالرغم من أن بعضها اتخذ موقفاً علنياً حاداً من نظام الأسد وجرائمه بحق الشعب السوري مع بدء الثورة السورية عام 2011، بل وحتى شارك في دعم المعارضة السورية السياسية منها أو العسكرية.

اليوم وبعد أن تمكن الأسد من السيطرة على معظم المناطق السورية التي كانت يوماً ما تحت سيطرة المعارضة السورية المسلحة لا سيما في حلب والغوطة الشرقية والقلمون والرقة وغيرها يشعر الأسد أنه استعاد شرعيته عسكريا ولذلك عليه أن يعمل على استعادتها سياسيا وذلك لن يتم له بالنسبة له سوى عبر البوابة العربية مع استحالة تحقيق ذلك عبر البوابة الغربية الأوروبية منها أو الأميركية على الأقل في الوقت الحالي.

لقد جمّدت جامعة الدول العربية عضوية عدد من الدول العربية خلال تاريخها والأشهر في هذا الإطار كان تعليق عضوية مصر بعد معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979 ، وبالتالي فتعليق عضوية النظام السوري ليست جديدة في هذا الإطار وكان سبقها تعليق عضوية نظام القذافي في ليبيا مع بدء الربيع العربي، كلتا الحالتين كانت تقوم على العنف الأقسى الذي مارسه النظامان الليبي والسوري بحق شعبيهما مع بدء المظاهرات السلمية في عام 2011 والتي تطالب بإدخال إصلاحات سياسية جذرية على شكل النظام السياسي بما فيها الحق في تغيير الرئيس وانتخابه شعبياً.

في عام 2011 كان مجلس التعاون الخليجي شديد التماسك ويمتلك الاستقرار السياسي الكافي والموارد المالية الضرورية للتأثير في قرار جامعة الدول العربية وتحويلها بالاتجاه الذي يرغب ولذلك نجح في تعليق عضوية كل من النظامين الليبي والسوري، في حزيران من عام 2017 ومع فرض كل من السعودية والإمارات والبحرين حصاراً على قطر تفكك مجلس التعاون الخليجي وانهارت منظومته الأمنية وأصبحت دوله تقيم تحالفات بناء على مصالحها الخاصة دون النظر إلى مفهوم الأمن الجماعي المشترك الذي طوره في مجلس التعاون الخليجي ولذلك ليس غريبا بعد ذلك أن ينهار الموقف المشترك الذي طوره مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بنظام الأسد.

فبعد انقلاب 30 يونيو 2013 في مصر اتخذت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين دوراً رئيسياً في دعم الرئيس السيسي سياسيا ومالياً وإعلاميا وهو الموقف الذي اختلفت معه دولة قطر، بعدها وضعت السعودية والإمارات مواجهة الإخوان المسلمين كأحد أهم أعمدة سياستها الخارجية وتضمينها فيما يسمى قوائم الإرهاب الخاصة بها والتي تصدرها، كما بقيت الإمارات متحفظة على تصوير الحرب في سوريا بوصفها بين "إرهابيين متطرفين" وبين نظام سياسي شرعي كما تدعي روسيا على الأقل، والتي كان لتدخلها العسكري في سبتمبر 2015 الدور الحاسم في نصر الأسد عسكريا على المعارضة لكن بتكلفة وثمن تعدت أرواح مئات ألاف من القتلى وملايين من اللاجئين السوريين ودمار كامل للبنى التحتية من مشافٍ ومبان وممتلكات خاصة.

وهكذا وفيما بدا أنه في عام 2015 تبلور محور عربي جديد قائم على الموقف من ثورات الربيع العربي، وبحكم أن معظم الأنظمة العربية لم تر في الربيع العربي إلا "مؤامرات" تهدف إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة و تهدد عروشها بدل أن ترى فيها فرصا لتجديد شرعية الدولة العربية وفرصة لضخ دماء جديدة وحقيقية في أوردتها السياسية التي تكلست، فكان من الطبيعي أن تحتفظ الكثير من الأنظمة العربية بعلاقات مع الأسد حتى خلال سنوات الحرب وحتى في أسوأ لحظات مجازره ضد الشعب السوري بما فيها استخدام السلاح الكيماوي كالجزائر والعراق ولبنان بل إن العراق ساندته على أساس طائفي وبضغط من إيران في إمداده بالسلاح والميليشيات الطائفية التي لعبت دوراً في استعادة النظام بعضا من المناطق بسبب انعدام المخزون البشري لديه.

المحور المتشكل ضد الربيع العربي اتخذ خطوة أبعد بضم بشار الأسد إلى هذا المحور بعد أن كان متحفظاً بسبب الرأي العام العربي داخل الدول العربية على المجازر العلنية

أما الدول الأخرى فبقيت تتحرج الفرصة حتى تعلن تغييراً كاملاً في موقفها السياسي بناء على موقفها الجديد وتحفظاتها القديمة ضد الربيع العربي وثوراته وهو ما وجدناه في زيارة مفاجئة للرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا ولقائه الأسد وإعلان موريتانيا عن زيارة قريبة لرئيسها إلى دمشق، وإعادة الإمارات والبحرين لفتح سفارتيهما في دمشق، وزيارة علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني المتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إلى القاهرة للقاء مسؤولين أمنيين مصريين وغير ذلك، مما يكشف أن المحور المتشكل ضد الربيع العربي اتخذ خطوة أبعد بضم بشار الأسد إلى هذا المحور بعد أن كان متحفظاً بسبب الرأي العام العربي داخل الدول العربية على المجازر العلنية التي ارتكبها الأسد بحق الشعب السوري ونقلت عبر الأثير العربي وعلى قنوات التلفزة العربية بشكل مباشر وآني مما خلق انطباعاً شعبياً عربياً بفظاعة ما ارتكبه الأسد وصعوبة قبوله أو تأهيله مجدداً. رغم عدم وجود محكمة إقليمية عربية ولا وجود لولاية قضائية لمحكمة الجنايات الدولية لمحاكمته وإدانته قانونياً.

==========================

الشام وسرُّ الانسحاب السوفييتي-الأميركي من أفغانستان

د. أحمد موفق زيدان

العرب اللندنية

الاثنين 14/1/2019

خلال أربعة عقود، تعرضت أفغانستان لغزوين أجنبيين، الأول نفّذه الاحتلال السوفييتي عام 1979، والثاني نفّذه الأميركي على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولعل لغز الانسحابين وسرّهما يكمن في حرص الأول كحرص الثاني على دعم الأقليات الأفغانية للهيمنة على الأغلبية البشتونية، التي تمثل أكثر من 60 % من الشعب الأفغاني، وبالطبع فإن كلتا الحالتين اتخذت طابعاً مختلفاً وأشكالاً متنوعة، ولكن بالمحصلة -ولكل محلل وخبير في الشأن الأفغاني لا يخونه التحليل ولا التفكير- فإن الاحتلال في أفغانستان كغيره من الاحتلالات، إنما يعتمد على الأقليات المفتقرة لحواضن شعبية، فتلجأ إلى حواضن خارجية أجنبية، وهو ما يحصل اليوم في الشام، لكن هذا لا يمنع من قول الحقيقة، أن الأقلية الطاجيكية والأوزبكية وغيرهما وقفت بكل صلابة وقوة إلى جانب الجهاد الأفغاني ضد الاحتلالين، ولكن للأسف وجد الاحتلالان قيادات وكيانات في الأقليات لتنفيذ أجنداته.

دخلت القوات السوفييتية أفغانستان بينما العالم المسيحي يحتفل بأعياد الميلاد عام 1979، فكان أن دعم الشيوعي بابراك كارمل الطاجيكي المنتمي إلى جماعة برشم «الراية» الشيوعية، وذلك للإطاحة بحفيظ الله أمين المنتمي وغيره إلى جماعة «خلق» -أي الشعب- ذات الأغلبية البشتونية، وظل الاحتلال السوفييتي طوال تلك الفترة يعتمد على الأقليات في حكم أفغانستان، وإن كان حزب «خلق» ظل وفياً للشيوعية الأممية، لكنه ظل بعيداً عن الحكم الحقيقي، وهو ما تفطن إليه السوفييت قبل انسحابهم عام 1989، فعيّنوا نجيب الله الشيوعي البشتوني ومدير المخابرات الأفغانية «الخاد» ولكن بعد فوات الأوان، وحين سقط النظام الشيوعي تم الإيعاز السوفييتي إلى ميليشيات دوستم الأوزبكية للتحالف مع القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود الطاجيكي، لاستبعاد البشتون من السلطة، والذي كان على رأسهم قلب الدين حكمتيار، ولعل مسعود وغيره ظن أنه سيخدع السوفييت وغيرهم، ولكن للأسف أسّس لمرحلة جديدة عنوانها استمرار التنسيق مع الخارج سوفييتياً كان أو أميركياً، فكان أن دعم خلفه الوجود الأميركي في أفغانستان ولا يزالون.

حرصت باكستان كل الحرص على استعادة المبادرة بعد تحالفها مع الأميركيين في إسقاط طالبان، عبر دعم الأخيرة ومدّ نفوذها الجيواستراتيجي في أفغانستان، وحين أسقطت أميركا طالبان عام 2001، كان التاريخ يكرّر نفسه، حين نقضت عهداً أبرمته مع حليفها برويز مشرف بألا تسمح للتحالف الشمالي الأقلوي بدخول كابُل، لكن حصل العكس ودخل التحالف الشمالي وتم إقصاء البشتون عن السلطة، وإن كان الرئيس كارزاي ظل شكلياً كبشتوني رئيساً لأفغانستان، بينما القوة العسكرية والأمنية والبيروقراطية من التحالف الشمالي.

اليوم، تدرك واشنطن صعوبة قيادة أفغانستان بعيداً عن البشتون، ويمثل البشتون اليوم حركة طالبان ومن خلفها داعمها الرئيسي باكستان، التي ترى فيهم بعداً جيواستراتيجياً لا يمكن التخلي عنه، اليوم هل وعت روسيا الدرس؟ أم أنها تكرّر خطيئتها الأفغانية وخطيئة الأميركان معها، بدعم نظام أقلوي طائفي في الشام؟ وفرضه على أغلبية لم ولن تقبل به يوماً واحداً، ربما تفرضه اليوم كما فرضت كارمل من قبل، ولكن ستدرك بعد فوات الأوان كما حصل معها مع نجيب الله، ليُطاح به في ليلة شديدة الحلكة الجهادية الأفغانية.;

==========================

هل سيُفصَل التوءَم السيامي؟

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 14/1/2019

هل لدى نظام الأسد معايير أو ضوابط أو قوانين أو أعراف معينة لا بد اتباعها في اتخاذ قراراته أو مواقفه أو حتى في البت بأموره المصيرية؟ 

الجواب "نعم"؛ لديه معيار وضابط وقانون وعرف واحد لا غير: {بقاء النظام}. أي أمر أو موقف أو حدث أو فعل معياره وقانونه وضابطه وعرفه يكمن بقدر المساهمة في الإبقاء على النظام حتى ولو كان تدمير سوريا بشعبها بسيادتها بتاريخها بوحدتها بقيمها بكل ما فيها.

ولكن إلى أي مدى أضحى النظام قادرا على الاحتفاظ بهذا المعيار بعد ثماني سنوات لم يمرّ عليه مثلها؟

الآن لم تبقَ جهة إلا وقدمت للنظام الوصفة السحرية للبقاء في السلطة بعد سنوات وأفعال وأحداث وملفات لا يمكن أن تسمح ببقاء هذا النظام؛ والوصفة هي الفراق مع إيران. والسؤال هو إذا كان المعيار هو [بقاء النظام]، وإذا كان ذلك يستلزم قيام النظام بهذا الفعل، فهل يتمكن النظام من فسخ هذه العلاقة؟

محاولة سحب النظام الأسدي من حضن نظام الملالي ليست جديدة. مؤخراَ تحاول بعض الدول وبهندسة تحريضية محسوبة أن تعتمد منهجية جديدة في مواجهة إيران، وذلك بمحاولة استمالة بشار الأسد وسحبه من الحضن الإيراني.

يبدو أن هذه الدول ومشغليها تمتلك ذاكرة السمك، لأنها تحاول تجربة المجرب، والذي لم يؤتِ أُكله في الماضي، ولن يثمر في المستقبل.

ربما يكون نافعاً أن نستذكر أن الرئيس الفرنسي السابق "نيكولاي ساركوزي" قد حاول عام 2008 أن يعتمد نفس المنهجية مع بشار الأسد، آملاً أن يستطيع إخراجه من جلباب إيران، فقام بانتشاله من زمنه الصعب الذي واجهه بعد اتهامه بقتل الحريري، وبعد إطلاقه صفة "أنصاف الرجال“ على بعض الرؤساء والملوك العرب. وقتها قام ساركوزي بزيارته برفقة أردوغان وحمد بن خليفة وعقد الأربعة مؤتمرا صحفياً شهيراً في دمشق بتاريخ 4 /أيلول/ 2008 أعلنوا فيه عن فرحتهم بعودة بشار إلى الحظيرة العربية، وبناء عليه تم تكريم بشار في فرنسا بدعوته للمشاركة في احتفال 14 تموز ذكرى الثورة الفرنسية التي تقام عادة في جادة "الشانزليزيه".

تلك الفرحة الغربية لم تكتمل، حيث لم يكن بحسبان هؤلاء الغربيين أنهم يتعاملون مع إنسان لايمتلك ناصية قراره، فقد قام بدعوة كل من "حسن نصر الله" و"أحمدي نجاد" الرئيس الإيراني السابق إلى دمشق؛ وتعمد في تحدٍ صارخ لكل من تخول له نفسه أن يفكر بفصله عن إيران بأن قام بنشر الصورة المعروفة التي يبدو فيها متوسطاً ضيفيه نصر الله وأحمدي نجاد.

لعل التاريخ يكرر نفسه الآن، ولكن بطريقة سمجة غبية وقحة ودموية أيضاً. فها هو الإيعاز يأتي لبعض الصغار أخلاقاً، أن يتوافدوا إلى دمشق لمحاولة احتواء بشار وعزله عن إيران.

علاقة الأسد بإيران لم تعد كما كانت عام 2008 بل أصبحت مثل التوءَم السيامي

ولكن يبدو أن هؤلاء جميعا المُرْسِل والمُرْسَل قد تناسوا أو أنهم يتناسون أن علاقة الأسد بإيران لم تعد كما كانت عام 2008 بل أصبحت مثل التوءَم السيامي الذي لا يمكن فصلهما إلا بموت أحدهما؛ الأمر الذي يؤدي بالضرورة الحتمية إلى موت الآخر.

ولعل السؤال الكبير حالياً هو: هل يمتلك بشار قِياد رأيه حالياً إلى الحد الذي يستطيع أن يقول لإيران "شكراً لك لإنقاذي، ولكن وداعاً انتهت مهمتك؛ وسأتحول إلى السباحة في الضفة الأخرى؟" وإذا كان يعتقد بنفسه أنه ذكي بما فيه الكفاية، متشجعاً بحماية روسية، لفعل ذلك، فهل ستسمح له إيران بممارسة ألاعيبه التكتيكية المعهودة؟!

يجب على العرب الذين يعقدون آمالاً كبيرة على فصل بشار عن إيران أن يكونوا واقعيين في أحلام يقظتهم.

معيار النظام المتمثل بـ["البقاء" مهما كان الثمن] لم يتغيّر؛ ما تغيّر هو مكان وقوع الكارثة بالنسبة للنظام: (خارجية أم داخلية)، وفداحتها، وثالثاً: مع مَن. كارثة النظام اليوم داخلية- ليست قتل رئيس وزراء دولة أخرى، خارج الحدود. وهي كارثة مع شعبه. وهي فادحة جداً. وهي مفضوحة عالمياً، لا كما كانت الحال عليه في /حماه/ ثمانينيات القرن الماضي. وقتها طلب فك الارتباط مع إيران ما كان ليضر به كثيراً؛ وكان قادراً على القيام به؛ ومع ذلك لم يقم به. الآن يعرف أنه ينفعه ويريد أن يقوم به، ولكن غير قادر على ذلك؛ إلا أنه يفعل ذلك مواربة.

هناك أصابع تشير إلى جهة (يُعتقد أنها النظام الأسدي) تعطي إسرائيل إحداثيات أهداف إيرانية في سوريا. وهناك من يرى بأن الأسعد في استهداف إيران في سوريا، والضغط الذي تتعرض له للخروج من سوريا، هو نظام الأسد.

هناك نظرية تقول إنه إذا كان النظام بحاجة لاستمرار الالتصاق بإيران من أجل البقاء في أي وقت، فهو هذا الوقت بالذات. يبني هؤلاء نظريتهم على أن ربط النظام مصيره بمصير إيران في وقت يتم تصوير إيران على أنها دولة مارقة، هو الأجدى للنظام لأن حاله ليست أفضل من حال إيران؛ وكتلتا شر تشكلان إرباكاً لمن يستهدفهما، ليأخذهما فرادا.

الواضح أن الأمور لن تسير بهذا الاتجاه الذي قد يعطي النظام الأسدي بعض العمر؛ والأسباب كثيرة: فمعيار نظام الأسد الأساسي، وتخبطه، وسجله الإجرامي الذي لا تفارقه صورته، ووضع السوريين المأساوي داخلياَ وخارجياً، والضغط الدولي، وتوهمه بنافذة نجاة عبر الغدر بإيران والانفصال عنها... كل ذلك سيدفع بالنظام إلى ارتكاب خطيئته التاريخية، وسيسعى للافتراق، وستكون سقطته السيامية.

==========================

تركيا في إدلب: لعبة الخصم والحَكَم

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 13/1/2019

ثمة استيهامات عديدة تكتنف حضور “هيئة تحرير الشام”، “هتش” في السطور التالية، على امتداد الشمال الغربي من سوريا، وفي محافظة إدلب وريف حلب الغربي تحديداً؛ في عدادها، أو على رأسها ربما، ما يتردد من أنها اللاعب العسكري الأوّل على الأرض. ذلك صحيح، في كثير أو قليل، ولكنه ليس البتة منفصلاً عن الحقيقة الأكبر على الأرض أيضاً، بل هو مشروط بها وخاضع لها: أنّ تركيا، متمثلة في جيشها النظامي أساساً، ثمّ الفصائل المنضوية تحت سلطة الآمر التركي ثانياً، هي اللاعب الأعلى: عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، محلياً وإقليمياً ودولياً.

بهذا المعنى، وطبقاً للحقائق الميدانية الصلبة التي تكشفت خلال عمليات “هتش” العسكرية الأخيرة، يتضح زيف ما قيل عن تعهد أنقرة، ضمن سلسلة تفاهمات سوشي وإستانة مع روسيا وإيران (وبلسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شخصياً، كما جزم بعض النطاسيين!) بتحجيم “هتش” عسكرياً في الشمال الغربي، حتى لو اقتضى الأمر توجيه ضربات عسكرية لها، مصغّرة أو وسطى ولكن منهجية ومتلاحقة. فالمنطق يقول إنّ بقاء كتائب الجولاني، في هيئة كابوس فعلي هنا أو متخيَّل هناك، مصلحةٌ تركية مفتوحة لأنها ببساطة مترابطة مع أغراض أنقرة الجيو ــ سياسية والعسكرية الأهمّ في الشمال السوري، أي تصفية نفوذ الـPKK هناك، وإقامة ما يشبه المنطقة العازلة شرق الفرات، وربما على امتداد الحدود السورية ــ التركية، والبقاء مثل حجر ثقيل يتوسط طاولة تقاسمات النفوذ في سوريا.

ويتناسى الكثيرون، والبعض يتغافل عن الأمر عامداً أغلب الظنّ، أنّ تركيا تدير 12 مركز مراقبة (أي: إشراف وتحكّم وسيطرة)، تمتدّ من أطراف حلب وحتى تخوم محافظة اللاذقية، مارّة بشمال محافظة حماة؛ وأنّ هذه تجاوزت، منذ برهة تأسيسها في الواقع، صيغة “النقاط” التي تمّ التفاهم عليها ضمن ترتيبات “مناطق خفض التصعيد”، فباتت أقرب إلى ثكنات ارتكاز وتحصين وانقضاض في آن. ومن الطريف، رغم قتامة دلالاته العسكرية والسياسية ــ أو حتى “العقائدية” لدى فصائل الجهاديين خاصة ــ أنّ عمليات “هتش” الأخيرة التي استهدفت “الزنكي” أو “أحرار الشام”، لم تتقاطع مرّة واحدة مع دروب أيّ من تلك الثكنات التركية، وإلا لانتهى التقاطع إلى صدام وقتال وعواقب…

وليس دون مفارقة صارخة أنّ “الجيش الوطني”، الذي أنشأته تركيا وينتشر في شمال حلب، اكتفى بالجعجعة اللفظية ضدّ “هتش”، والوعد بتشكيل “غرفة عمليات عسكرية” لمواجهة جحافل الجولاني الزاحفة؛ لكنه، في مثال حصار بلدة الأتارب قبيل اجتياحها، لم يحرّك ساكناً سوى ألسنة الناطقين باسمه، مكرراً معزوفة “رفع الجاهزية العسكرية”، ولكن في جبل الزاوية ومعرة النعمان وأريحا! هذه، بدورها، بصمة تركية لا تخفى، وهي تعيد التأكيد على أنّ اللاعب الأعلى هو الجيش التركي، وأنه يدير رقعة شطرنج مركبة يمكن أن تحتدم بين اللاعبين على الطرفين، ولكن بتوجيه من دماغ واحد وحيد.

ولم يكن ينقص هذا المشهد إلا شهادة إثبات، وتثبيت، جاءت من جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، خلال زيارته الأخيرة إلى أنقرة؛ صحبة الجنرال جوزيف دنبر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الذي يحدث أيضاً أنه أقرب جنرالات البنتاغون إلى مزاج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وإذْ تشدّق بولتون بحرص أمريكا على أولئك الذين قاتلوا “داعش” تحت لوائها، وأنّ واشنطن تتفهم مخاوف تركيا الأمنية جراء وجود كرد الـPKK شرق الفرات؛ فإنه، في المقابل، كان صريحاً واضحاً حول انسحاب أمريكي وشيك، مبرمج على مدى زمني لا يتجاوز 120 يوماً.

بذلك، وكما في مناسبات سابقة ذات صلة بالتوسع التركي في عمق الأراضي السورية، لا يصحّ تنزيه اللاعب التركي عن أداء واحد من تلك الأدوار الكلاسيكية المناطة بكلّ احتلال عرفه التاريخ: المناورة عن طريق خصم محلي، فعلي أو افتراضي، “هتش” هنا؛ هو في واقع الأمر أداة مؤقتة، ضمن منظومة أدوات متكاملة الوظائف

==========================

تهافت التطبيع مع النظام السوري

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 12/1/2019

لو أن نظاماً عربياً واحداً من الأنظمة التي تستعد للتطبيع مع نظام بشار الأسد ناصر قضية عربية واحدة بنزاهة، ومن منطلق المصالح الوطنية والقومية، لما كان هناك أي شك حول حملة ترويج إعادة العلاقات مع النظام السوري، وفتح الباب له ليعود إلى جامعة الدول العربية. ومن هذا المنطلق، يبدو التلطي وراء أهداف قومية ووطنية أمراً مفضوحاً، ولا يخفى على السوريين تحديداً أن هذه الأنظمة تعمل وفق أجندات خاصة، وحسابات ضيقةٍ لا علاقة لها في ما يخص سورية وأهلها.

تحاول أنظمة مصر والسعودية والإمارات أن تقنع الرأي العام بأنها، من منطلق غيرتها على سورية وشعبها ووحدة أراضيها، تتحرّك الآن للتطبيع مع النظام، وتنسى أنها لم تتصرف على أساس ما يمليه عليها الواجب القومي والأخلاقي تجاه هذا البلد وأهله طوال سنوات النزيف الثماني. لم يكن هؤلاء يتفرجون على التراجيديا السورية فحسب، بل كانوا يرمون الحطب في النار لتزيد اشتعالاً. وأكثر من ذلك لو أنهم كانوا حريصين على سورية لما سمحوا لدولةٍ مثل إيران أن تتدخل في الشأن السوري، وكان في وسعهم أن يوقفوا ذلك عن طريق تحريك الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا. ترك هؤلاء إيران تلعب في البيت السوري، حتى انهارت أركانه، وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى استنزافها عسكرياً واقتصادياً على حساب سورية وشعبها. ويريدون الآن أن يواصلوا اللعب في مواجهة تركيا على الأرض السورية، وليس إيران كما يروّجون، والدليل أن السعودية والإمارات تمولان، منذ فترة طويلة، قوات سورية الديموقراطية ذات الأغلبية الكردية، ليس حباً بالأكراد، بل لاستخدامهم ورقة في وجه تركيا، يلوحون بها تهديداً للأمن الحدودي التركي، بعد أن عجزوا عن اختراق تركيا من الداخل، منذ دعم محاولة انقلاب 2016، واغتيال الصحافي جمال خاشقجي.

من مصلحة الشعب السوري أن يصبح الحل في سورية عربياً، تضع أسسه جامعة الدول العربية، وتشرف على تنفيذه، ولكن شرط نجاح ذلك وضع مشروع وبرنامج واضحين، على أساس الحفاظ على سيادة سورية ووحدتها، وخروج كل القوات الأجنبية من أراضيها، وحل المسألة السورية ضمن تسويةٍ سياسيةٍ تشارك فيها الأمم المتحدة، وتضمنها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وفق بيان جنيف 1. هذا هو الطريق الممكن للحل، لا التسويات والصفقات التي تتم بالقطعة، وفي الكواليس، وبالرشوات على طريقة ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، الذي يهمه اليوم تببيض ملفه الأسود بعد جريمة قتل خاشقجي التي وجهت ضربةً كبيرةً لمستقبله السياسي. لا يريد الشعب السوري أن تحشر هذه الدول نفسها في الشأن السوري، وجل ما يطلبه منها أن تتركه وشأنه، يعالج مشكلاته مع نظام الأسد الذي بات يمثل الاحتلالين، الإيراني والروسي.

وعلى الدول المستعجلة لإعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية أن تعرف أن الدول المتضرّرة أكثر من الوضع في سورية هي دول الجوار، العراق، لبنان، الأردن، تركيا، وهي التي دفعت فواتير كبيرة من جرّاء الأزمة السورية. وكان يمكن أن نتفهم مواقفها لو أنها تحرّكت من أجل تأهيل النظام، بحجة أن ذلك يفتح الباب لعودة المهجّرين على الأقل، ولكن هذه البلدان التي اكتوت بنار المأساة السورية تريثت، لأنها باتت تدرك أن المتاجرة بسورية والسوريين وصلت إلى أعلى السقف، ولم يعد ينطلي على أحدٍ هذا التذاكي المكشوف.

لو أن النظام السوري قدم تنازلاً واحداً، مثل التساهل في عودة اللاجئين، لكان من الممكن أن تعتبر هذه الدول أن محاولاتها للتطبيع معه قد تلقى قبولاً من السوريين. وأما أن النظام مستمر في سياسات القتل والإقصاء، فإن عملية تأهيله ستكون بمثابة مكافأة للقاتل، وتواطؤاً ضد الضحايا الذين تركهم العالم فريسة للمجرمين.

==========================

لغز جبهة النصرة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 12/1/2019

صارت جبهة النصرة لغزا محيرا، بالطريقة التي انتزعت بواسطتها ما يسمّى "المحرّر" من الأراضي في سورية، من دون قتال غالبا، أو على وجه التقريب، بموقف القوى الدولية والإقليمية والمحلية من شنها معارك أدت إلى تبديل توزيع القوى في المناطق، من دون أن يحرّك أحد ساكنا، أو يتخذ أي إجراء لمنع تمدّدها الخطير بجميع المعايير، تطبيقا لقرار دولي اتخذته في قمة سوتشي روسيا وإيران وتركيا، ووافقت عليه الولايات المتحدة التي تجاهلت بدورها نيفا وعشرين ألف مقاتل، ينسبون أنفسهم من دون مواربة إلى تنظيم القاعدة الذي ذهب جيش واشنطن لمقاتلته في أفغانستان البعيدة، بينما ينشر قواته في منطقةٍ مجاورةٍ لشرق الفرات، حيث لها قوة جوية وبرية تستطيع، في أقل تقدير، شن غارات جوية وتوجيه ضربات أرضية إليه، لكنها لا تفعل، بل تتعايش معه بسلام.  يحير لغز جبهة النصرة السوريين الذين يطرحون أسئلة تبقى من دون أجوبة، تدور جميعها حول علاقة مفترضة لتركيا بها، يفسّرون بها تمدّد "النصرة" إلى مناطق تحتلها فصائل محسوبة على أنقرة، من دون أن يتوقفوا عند حقيقة أن جيشها موجودٌ في مناطق القتال، لكنه لم يفعل شيئا لحماية فصائل صديقة لأنقرة التي ضنت عليها ببيان يدين العدوان عليها! ويبقى السؤال: لماذا أمرت تركيا جبهة النصرة بالتخلص من فصائل موالية لها، هي بحاجة إليها ضد قوات سورية الديمقراطية (قسد) وبشار الأسد؟ هناك تفسير آخر ينسب تغول "النصرة" إلى قرار دولي أعدته تركيا، كلفت بتنفيذه كتنظيم إرهابي يرفضه العالم، لكنه يُستفاد من خدماته.

إذا كانت تركيا تحمي جبهة النصرة، لتستخدمها لاحقا ضد "قسد" في معركةٍ آتية ضدها، فما الذي يمنع واشنطن من استهدافها، ما دامت ستقاتل قريبا حلفاء لها، أعلنت بلغةٍ فظّة أنها لن تسمح لتركيا بمهاجمتهم، وربطت انسحابها من شرق الفرات بحمايتهم، وبالقضاء النهائي على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؟ وإذا كانت أنقرة وراء امتناع روسيا عن ضرب تنظيمٍ تعتبره قرارات سوتشي وأستانة التي تقف روسيا وراءها إرهابيا، يجب القضاء عليه، فما الذي منع إيران والنظام من مقاتلته، مثلما فعلا ضد الجيش الحر في سوق وادي بردى، حيث أعلنت روسيا أن فصائله ليست إرهابية، وطالبت رسميا بوقف الهجمات عليها، من دون أن يتوقف الهجوم الإيراني الأسدي عليها؟

هل تلزم تركيا إيران والأسد بالامتناع عن مهاجمة تنظيمٍ تابع لها أو يعمل في خدمتها؟ وإذا كانت روسيا ستطيع أنقرة في ما يتصل بـ "القاعدة"، فلماذا اتخذت قرار القضاء عليه؟ ولماذا وافقت تركيا على جداوله التنفيذية، وجددت موسكو التزامها به بلسان الرئيس بوتين؟ ولماذا هاجم الطيران الروسي جبهة النصرة قرب حلب، ووقف مكتوف الأيدي طوال أشهر حيال سيطرتها على عشرة آلاف كيلومتر مربع من "المحرّر"، ومثله فعل طيران أميركا؟ ماذا وراء هذا الموقف الدولي الذي لا يُعقل أن تكون تركيا هي التي فرضته على عالمٍ تسوغ دولتاه الكبيرتان احتلالهما الأرض السورية بالحرب على الإرهاب، وتحاربان "داعش" بهذا القدر أو ذاك، لكنهما تتعايشان بسلام مع تنظيمٍ أشد خطورةً، وأكثر تنظيما وقدراتٍ منها، ينتشر في مناطق معروفة، ويعلن تصميمه على مقاتلتهما، وتحرير عفرين من تركيا، وسورية منهما؟

لا ينتمي الموقف من جبهة النصرة إلى عالم الحرب، إنه جزء من تهيئة الأجواء للحل الدولي، ولذلك قبلت أطرافه إزالة الفصائل التي فقدت قيمتها لدى داعميها الذين فقدوا دورهم. لم تتحرّك تركيا، لأن خيارها الجيش الوطني الذي أسسته، ولا تريد أن يبقى في الساحة تنظيم غيره. لذلك لن تحسم "انتصارات" جبهة النصرة مصيرها، المرتبط من الآن فصاعدا بتقدم مساعي الحل الدولي، بدءا بترتيب علاقات تركيا بكرد شرق الفرات، وتشعباتها المعقدة.

==========================

عندما يكون النظام أهم من حرية الشعب

سعد كيوان

العربي الجديد

السبت 12/1/2019

يكثر الحديث هذه الأيام عن إعادة الاعتبار لنظام بشار الأسد، قاتل شعبه بالبراميل المتفجرة. والمبادرون هم العرب أنفسهم، تحت ذرائع وحجج متعدّدة. أولاها إبعاد الأسد عن أسياده في طهران وإعادته إلى الحظيرة أو الحضن العربي. وثانيها الحفاظ على وحدة الدولة السورية من التقسيم أو التفكّك، بفعل نفوذ وأطماع الجيوش والمليشيات المتعدّدة على أراضيها، وفي مقدمها جيش العثماني الجديد أردوغان الذي يطمح إلى استعادة دور السلطنة العثمانية التوسعي، بدءا من شمال سورية. أي بمعنى آخر، "اكتشف" العرب فجأةً أن سورية عربية، أو أنها يجب أن تبقى عربية، وكأن النفوذ الإيراني استجد أخيرا، ولا يعود وجوده إلى نحو أربعين سنة، عندما شبك حافظ الأسد منذ 1980 خيوط نظامه مع ثورة الملالي، وانحاز إلى جانب الخميني في حربه ضد رئيس العراق العربي، ورفيقه في حزب البعث، صدام حسين، الحزب القومي والعروبي الذي كان يدعو إلى الوحدة العربية، ويسيطر على الحكم في أهم بلدين عربيين. كما أن هذه العلاقة هي التي مكّنت إيران من مد نفوذها إلى لبنان وتعزيزه، عبر إيجاد ذراعها المسلحة، حزب الله، لقطع الطريق على مقاومة وطنية لبنانية عربية ضد الاحتلال الإسرائيلي، لا تخضع لأوامر حافظ الأسد وللديماغوجيا القومية، والتي يصعب صرفها على طاولة المفاوضات.

واستمر التغلغل الإيراني مع الأسد الابن، على الرغم من انسحاب إسرائيل من لبنان في 25

"هل المقصود من إعادة تعويم النظام السوري والتلحف بغطاء العروبة الدفاع عن أنظمة الحكم" مايو/ أيار 2000، قبل وراثته الحكم بعد وفاة أبيه. يومها، عرفنا أن الحزب القومي العروبي التقدمي العقائدي يقوم بتوريث السلطة أيضا، مثل أنظمة الحكم الملكية العربية. وعلى مدى عشر سنوات، استمر التغلغل الإيراني وتوسع في سورية ولبنان ثم امتد إلى العراق واليمن. وما كان يجري بالتالي هو "أيرنة" بلدان عربية، وليس العكس. وكان ذلك يجري بملء إرادة النظام السوري الذي كان يطمح إلى لعب دور الوسيط بين الدول العربية وإيران، والمبتز لها في الوقت عينه، ولعب دور الوسيط أيضا بين إيران من جهة وأميركا والغرب من جهة أخرى. في الثمانينيات، كانت ورقة حافظ الأسد التوسط لتحرير الرهائن الغربيين في بيروت، بعد أن يكون جيشه قد غطى اختطافهم من منظمات "جهادية" متطرّفة، كانت إيران قد بدأت بتفريخها وتسليحها وتمويلها. وكان يبتز الدول الأوروبية والخليجية بحماية مصالحها، في مقابل الحصول على دعمها السياسي والمالي. أما بشار فقد تحول، مع الوقت، أداة للملالي ولحزب الله الذي تحول إلى دويلة داخل الدولة اللبنانية، منذ اغتيال رفيق الحريري في 2005، ومن ثم ذهب للقتال في سورية من أجل إنقاذ النظام فيها من السقوط بعد اندلاع الثورة في 2011. وهذا رئيس الوزراء العراقي الأسبق، حليف طهران اليوم، نوري المالكي، كان يتهم بشار بالوقوف وراء التفجيرات الانتحارية في بغداد بن عامي 2009 و2010. وبالتالي، بشار مدينٌ اليوم ببقائه في السلطة لإيران ولروسيا، لا بل تحول دميةً يتجاذبها الطرفان اللذان يتنازعان مصير سورية. فكيف يمكن "تعريبه" وإبعاده عن إيران؟

يسوق بعض العرب تنظيراتٍ من نوع أن الخطر الأساس المطلوب تفاديه هو تقسيم سورية الذي في حال حصوله سيشكل تهديدا لسلطة الأسد، ويقلص رقعة نفوذه، وانتفاءً لدوره، ما يمهد لسقوطه. فهو لذلك له مصلحة ببقاء سورية موحدة، وبقاؤه بالتالي يصبح من شروط هذه الوحدة. ومن قال إن الخيار هو وحدة سورية أو رحيل الأسد؟ واستطرادا، هل وحدة سورية أهم من حرية الشعب السوري؟ ثم ألم ينتفض الشعب السوري من أجل حريته، وليحرر بلده سورية من نظام استبدادي يجثم على صدره منذ نحو خمسين سنة؟ أم أن النظام، أي نظام، أهم من حرية الشعب، وما نفع دولةٍ موحدةٍ في ظل حاكم يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة، ويقصفه بالدبابات، ويشرّد الملايين، ويزج الآلاف منه في السجون؟ أيضا، ومن منطلق الوحدة التي يتغنّى بها معظم العرب مجرد شعار براق، فإن بعضهم يسوّق أن وحدة الأراضي السورية هي ضمانة للحفاظ على وحدة الدول المجاورة وأمنها تحديدا، علما أن هذه الدول اليوم واقعة تحت النفوذ الإيراني باستثناء الأردن، فمن الذي يهدد وحدتها؟ وهل الوحدة أو العروبة تعني مجرد حدود جغرافية؟

أما النظرية الأخرى التي يتم ترويجها فهي أن سقوط الأسد يمهد الطريق أمام انتشار التنظيمات الإرهابية المتطرفة، ووقوع سورية تحت سيطرتها، وكأن المقصود القول إن بقاء الأسد يشكل 

"إعادة تعويم الأسد اعتراف بفشل العرب، وعجزهم عن تقديم أي مشروع عربي حضاري" ضمانةً لمنع عودة هذه الجماعات إلى السطح، غير أن مروجي هذه النظرية يعلمون علم اليقين أن تنظيم داعش، على سبيل المثال، هو في الأساس من صنع النظام السوري نفسه، وأن غالبية قياداته الأساسية تم إطلاقها من السجون السورية. وبدأ ممارسة إرهابه ومجازره عام 2013 يمينا وشمالا، وتحديدا ضد المعارضة السورية، وليس ضد النظام. ثم تمدّد لاحقا إلى العراق، وانضمت إليه بعض قيادات وعناصر من بقايا "البعث" العراقي. وفي ما بعد، تحول "داعش" إلى وحشٍ غذّاه جميع المتورطين في الحرب السورية، وحاول كل طرفٍ استخدامه لمصلحته. ناهيك بأن الأسد هو من بدأ ممارسة الإرهاب ضد شعبه، حتى قبل ظهور "داعش" وجبهة النصرة وغيرهما من الجماعات المسلحة.. فهل المقصود إذاً من إعادة تعويم النظام السوري والتلحف بغطاء العروبة هو الدفاع عن أنظمة الحكم القائمة، كل من موقعه ودوره؟

ولكن كيف يمكن لدول وحكومات عربية قاطعت، منذ نحو ثماني سنوات، النظام السوري، وجمّدت عضويته في جامعة الدول العربية، بسبب قتله شعبه ورفضه أي وساطة عربية أو دولية، واستمراره طوال هذه السنوات بممارسة القتل والإرهاب ضد شعبه وتشريده في أصقاع الأرض، أن تقرر فجأة إعادة الاعتبار له، وتعيد علاقاتها معه، وتستقبله بين صفوفها، من دون أن يتراجع قيد أنملة عن سياسته وممارساته، ويرفض القرارات الدولية ومجلس الأمن والحل السياسي الذي يقوم على عملية انتقالٍ تدريجيٍّ للسلطة، بحسب قرار مجلس الأمن 2254؟ لا بل إن ما يقوم به هو بالضبط ما يريده حُماته وأسياده الإيرانيون والروس، وكذلك إسرائيل. إعادة تعويم الأسد اعتراف بفشل العرب، وعجزهم عن تقديم أي مشروع عربي حضاري يلاقي طموحات شعوبهم، هو حقيقة ما تريده طهران بالذات.

==========================

لا مستقبل لإيران في سوريا

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 12/1/2019

لا شك أن إيران صارت الحاكم بأمرها في العراق بفضل تحالفها مع الغزاة الأمريكيين منذ بداية هذا القرن، ولا شك أنها تحاول تعميم التجربة العراقية على لبنان وسوريا واليمن وأي بلد عربي تستطيع اختراقه بدعم أمريكي وإسرائيلي. لكن كما يقول المثل الشعبي ليس كل وقعاتها بزلابية، فالتركيبة السكانية والدينية والثقافية لكل بلد عربي تختلف عن الآخر، فلا يمكن مثلاً تمرير الوصفة الإيرانية في العراق في سوريا، ففي العراق مثلاً تمكنت إيران من إحكام قبضتها على النظام العراقي بعد الغزو أولاً بمباركة أمريكية، وثانياً وهو الأهم أن حوالي نصف العراق هم من الشيعة المذهب السائد في إيران ذاتها، لهذا استخدمت العامل المذهبي والديني بقوة في تمرير مخططها في العراق عن طريق وكلائها الدينيين ومن بعدهم المسؤولين الشيعة الذين يوالونها مذهبياً وعقدياً. ولا ننسى أن هناك قاعدة وحاضنة شعبية في العراق تساعد الإيرانيين على التغلغل في البلاد ثقافياً ودينياً ومن ثم السيطرة على الأرض.

صحيح أيضاً أنها استطاعت عبر ذراعها المذهبي والعسكري المتمتثل بحزب الله أن تتغلغل في لبنان وتحكم قبضتها على جزء كبير منه بالترغيب والترهيب، لكن تأثيرها الثقافي والديني يبقى منحصراً في الضاحية الجنوبية من بيروت حيث يتمركز حلفاؤها الشيعة، بينما تبقى بقية أجزاء لبنان المسيحية والدرزية والإسلامية السنية خارج التأثير الإيراني الممجوج والممقوت والمرفوض رفضاً قاطعاً. وتتمثل السيطرة الإيرانية على لبنان في ذراعيها الاقتصادي والعسكري فقط، فهي قادرة على تطويع الأحزاب اللبنانية بالقوة والترهيب أو بالتمويل فقط، ومهما مكثت في لبنان لن تستطيع أن تتجذر بسبب تنوع التركيبة الديمغرافية والدينية والثقافية في البلاد.

ويستاءل البعض: بما أن إيران تمكنت من فرض سيطرتها على العراق مذهبياً وسياسياً، وفي لبنان عسكرياً واقتصادياً، فلماذا لا تتمكن من الهيمنة على سوريا بذات الطريقتين أو بطريقة مختلفة؟ والجواب على هذا السؤال: إن الوضع في سوريا أصعب على إيران بكثير مهما قدم لها النظام من خدمات وتسهيلات على الأرض مرحلياً. لماذا؟ لأن الغالبية العظمى من الشعب السوري لا توالي إيران مذهبياً كما في العراق، فالسواد الأعظم من السوريين من المسلمين السنة الذين يكرهون الأرض التي تمشي عليها إيران، لا بل يعتبرونها قوة غازية تحاول أن تفرض مذهبها على شعب غالبيته من السنة. دعك من القيادات الدينية السنية السياسية في سوريا التي تسبح بحمد إيران وتبارك التحالف معها الآن، فهذه الطبقة لا تمون على شيء في سوريا أصلاً وهي مجرد موظفين يؤدون مهمة مطلوبة منهم من القيادة السورية التي تتحالف مع إيران لمصلحتها بالدرجة الأولى وليس لتمكين الإيرانيين من رقبة سوريا.

إن الطائفة العلوية التي قد تبدو متحالفة مع إيران مذهبياً، إلا أن الواقع يقول إن العلويين هم أكثر الكارهين للنفوذ الإيراني في سوريا

والأمر الإيجابي الآخر أن الطائفة العلوية التي قد تبدو متحالفة مع إيران مذهبياً، إلا أن الواقع يقول إن العلويين هم أكثر الكارهين للنفوذ الإيراني في سوريا، ولا ننسى أن الشيعة يكفرّون العلويين أصلاً ولايعتبرونهم من الاثني عشرية. أضف إلى ذلك أن العلويين طائفة علمانية تحب الحياة ومعظم أفرادها متنورون ومنفتحون ويكرهون الانغلاق والفكر الظلامي الإيراني، ومهما حاولت إيران اختراق مناطقهم بالعامل المالي واستغلال ظروفهم الاقتصادية المزرية، إلا أنهم لن يقبلوا بتشييعهم وتحويلهم إلى دراويش في ولاية الفقيه. ولا شك أنهم سيقاومون إيران مثل بقية السوريين وربما أكثر.

لا تصدقوا كل الأقاويل أن سوريا صارت في الجيب الإيراني، فبالرغم من كل التسهيلات التي حصلت عليها إيران في سوريا، إلا أنها تبقى حتى في نظر القيادة السياسية والعسكرية والأمنية في سوريا قوة غريبة أجبرتها الظروف على التحالف معها عسكرياً وسياسياً، لكن لا يمكن السماح لها بابتلاع البلد وتسييره حسب الرغبة الفارسية. ومن الأمور الإيجابية في سوريا الآن أن الغالبية العظمى من الطبقات الثقافية والسياسية والدينية تستخدم أسلوب التقية مع إيران، على مبدأ: داوها بالتي كانت هي الداء. تمالأها في العلن، وتلعنها سراً. ولا بد من التذكير هنا أن السواد الأعظم من النخبة السياسية والأمنية السورية يكره الإيرانيين كما يكرهون الأمراض، ويقولون فيها ما لم يقله مالك في الخمر في جلساتهم الخاصة، فهم لا يطيقونها ويعتبرون التحالف معها ضرورة أجبرتهم عليها الظروف لحماية النظام لا أكثر ولا أقل. وقد يكون لدى إيران الآن في سوريا موالون داخل القيادات الأمنية والعسكرية، لكن النظام يراقب كل شيء ويعرف كل شاردة وورادة عن التغلغل والنفوذ الإيراني داخل البلاد، لا بل إن أكثر من يحارب عمليات التشييع الإيرانية داخل سوريا ويضبطها هو النظام. ولا تتفاجأوا إذا سمعتم أن أكثر من يحاول كبح جماح الإيرانيين داخل سوريا هي القيادة السورية. ومن الخطأ الظن أن البلد قد تم تسليمه لإيران. لا أبداً. وهناك كلام الآن عن أن النظام بصدد تسريح العديد من القيادات العسكرية والأمنية المقربة من إيران. ولا ننسى أن التحالف مع الروس كان هدفه الأساسي منع إيران من السيطرة على سوريا وابتلاعها. ولو سألت السوريين في الداخل: من تفضلون: إيران أم روسيا لصوّت كل السوريين لصالح النفوذ الروسي ضد الإيراني، لأن روسيا ليس لديها مطامع دينية وثقافية إحلالية في سوريا على الأقل كما لإيران.

ولا تتفاجأوا أيضاً إذا سمعتم أن القيادة السورية قد تنفست الصعداء بعد طرد الإيرانيين من سوريا بهذه الطريقة أو تلك. ولن أتعجب إذا سمعت أن الكثيرين في سوريا يباركون الضربات التي تتعرض لها القواعد الإيرانية في البلاد من هذا الطرف أو ذاك. دعكم من التصريحات السياسية، فهي للاستهلاك الإعلامي فقط. والنخبة السورية المتحالفة مع إيران الآن تعلم علم اليقين أن تعاظم النفوذ الإيراني في سوريا يشكل خطراً عليها أكثر من أي شيء آخر، لهذا ستكون أسعد الناس عندما يتم تقليم أظافر الإيراني في سوريا على أن تبقى حليفاً مضبوطاً في خدمة سوريا وليس العكس.

ولا تنسوا أن التحركات الأمريكية والإسرائيلية والعربية لتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة كلها تصب في خدمة الموقف السوري حتى لو لم يعلن عن موقفه.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com