العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد  19-09-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

خريف الليرة السورية 

إياد الجعفري 

المدن 

الخميس 16/9/2021 

كنا قد كتبنا في هذه الزاوية في منتصف حزيران/يونيو الفائت، متوقعين انتهاء الصيف الهادئ لسعر صرف الليرة السورية، مع مطلع شهر أيلول/سبتمبر، نظراً لارتباط موسم الخريف مع استحقاقات موسمية تستنزف العملة الصعبة الشحيحة لدى المركزي السوري. ويبدو أن توقعاتنا بدأت تتحقق، مع الإقرار بأن انهيار سعر الصرف كان قد بدأ قبل ذلك، ومنذ نهاية شهر آب/أغسطس، حيث وصلت الليرة إلى قاع أدنى سعر مبيع منذ خمسة شهور، قبل أن يمدّ لها المركزي حبل نجاة مؤقت، من خلال قرارَين، أثارا الكثير من الجدل.  

وقد يكون من المفيد تتبع تحركات سعر الصرف، منذ مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، في فهم جزء من المعادلات التي تحكم تلك التحركات. 

ففي 1 أيلول/سبتمبر، كانت الليرة السورية تقبع عند قاع أدنى سعر مبيع منذ خمسة شهور. وفي ذلك اليوم، تداول الإعلام المحلي والمُعارض، بكثافة، قرارَي المركزي، الذي قضى الأول منهما، بحصر تمويل التجار لمستورداتهم، بقنوات المصارف وشركات الصرافة، والحسابات المصرفية للتجار، في محاولة للجم حالات لجوء التجار للسوق السوداء. فيما قضى القرار الثاني، بتفعيل تعهد إعادة قطع التصدير مجدداً، وهذه المرة بنسبة 50%، بحيث بات على التاجر المُصدّر أن يبيع للمصارف المرتبطة بالمركزي، 50% من عائدات القطع الأجنبي الناجمة عن عملية التصدير، وبسعر المركزي المحدد بـ 2512 ليرة سورية للدولار الواحد، وهو سعر كان أقل بحوالي 1000 ليرة عن سعر السوق السوداء. 

تسبب القرار بصدمة لأسواق الصرف وللتجار والصناعيين. وانعكس سريعاً على تعاملات سوق العملة، فهوى "دولار دمشق"، في 2 أيلول/سبتمبر، وفي أقل من 24 ساعة، 150 ليرة. وفي 5 أيلول/سبتمبر، سجلت الليرة السورية ذروة تحسن بعد القرارَين، عند 3430 ليرة سورية للدولار الواحد. أي أن القرارَين المشار إليهما، أعادا لليرة، 5% من قيمتها، مقارنة بسعر الدولار. 

لكن الأثر الإيجابي للقرارَين على سعر صرف الليرة السورية، لم يكن هو ذاته على حركة الإنتاج وقطاع التصدير. إذ شُلت حركة التصدير، وأقرت مصادر إعلامية موالية، (صحيفة "الوطن")، نقلاً عن مصدر في معبر البوكمال الحدودي مع العراق، أن حركة التبادل التجاري مع البلد الجار لسوريا، توقفت بصورة شبه كاملة، بعيد تداول قرار تعهد إعادة قطع التصدير. 

وسريعاً، تحرك مصرف سورية المركزي، الذي استشعر مسؤولوه الأثر السلبي لقراراتهم، فاجتمعوا مع قطاع الأعمال السوري، واتفقوا معه، في 6 أيلول/سبتمبر، على شراء قطع التصدير بسعر أعلى –نظرياً- من سعر السوق السوداء. وقال حينها، رئيس لجنة التصدير في اتحاد غرف الصناعة السورية، إن المركزي أخبرهم أنه إن كان سعر الدولار في السوق بـ 3390 ليرة، فهو سيشتري منهم قطع التصدير بـ 3410 ليرة للدولار الواحد، أي بزيادة 20 ليرة على سعر السوق، وفق المركزي. مع الإشارة إلى أن سعر السوق حينها كان بحدود 3430 ليرة للدولار الواحد، لكن رغم ذلك، اعتُبر تراجع المركزي عن شراء قطع التصدير بالسعر الرسمي (2512 ليرة للدولار)، موقفاً إيجابياً يستوعب مخاوف التجار والصناعيين، بصورة دفعت بعضهم للإشادة به. 

وسريعاً، انعكس إقرار المركزي، جزئياً، بسعر الصرف الرائج في السوق، على التعاملات والمضاربات فيه. وفي 9 أيلول/سبتمبر، وبعد أسبوع فقط من تحسن سعر صرف الليرة بموجب قرارَي المركزي المشار إليهما أعلاه، عكس الدولار اتجاهه ليرتفع مجدداً على حساب الليرة السورية، التي خسرت خلال الأسبوع الفائت، حوالي 2% من قيمتها، أي 40% من المكاسب التي حققها قرارا المركزي لليرة، في الأسبوع الذي سبقه. وتراجعت الليرة من ذروة تحسن عند 3430 ليرة للدولار، في 5 أيلول/سبتمبر، إلى 3500 ليرة للدولار، مساء 15 أيلول/سبتمبر. 

العرض السابق، لتقلبات سعر الصرف، منذ مطلع شهر أيلول/سبتمبر الجاري، يوضح مدى هشاشة تأثير أدوات السياسة النقدية التي يستخدمها المركزي السوري، على سوق الصرف في البلاد. ويرجع ذلك بصورة أساسية، إلى أن المركزي يعتمد أدوات نقدية فقط، فيما الاقتصاد برمته في حالة انتكاس، منذ سنوات. ومن دون أدوات اقتصادية حقيقية، تبقى الأدوات النقدية محدودة الأثر، وأشبه بالمُسكّن. 

فبعد أن اعتمد المركزي على مدى أشهر الربيع الفائت، على استراتيجية "تجفيف" الليرة من السوق، عبر قرارات وإجراءات تقييدية لحركة السيولة، اضطر هو ذاته للتراجع الجزئي عن تلك الاستراتيجية حينما ضخ زيادة رواتب الموظفين بنسبة 50% في مطلع آب/أغسطس، مما زاد من المعروض النقدي في البلاد، وأتاح عودة المضاربات في سوق الصرف. ناهيك عن بدء استحقاقات موسم الخريف، المتمثلة بزيادة الطلب على المحروقات للتدفئة (مازوت التدفئة)، والحاجة لاستيراد القمح لسد العجز في الاحتياجات المحلية. 

وهكذا، انتهى صيف الليرة الهادئ، نسبياً، ليبدأ موسم خضّات سعر الصرف. فالمركزي عاجز عن ضبط هذا السعر إلا لأيام، كما أوضحنا في عرض تقلبات سعر الصرف، أعلاه. وما دامت سياسات النظام الاقتصادية، تعتمد أدوات نقدية تقييدية، دون أية حلول موضوعية للمشكلات الاقتصادية الكبرى التي تعاني منها البلاد، ستبقى الليرة السورية عنيدة، وستبقى قرارات المركزي ذات أثر قصير المدى، للغاية. 

========================= 

وجهة نظر : حول "الجريمة التي لم تقع" .. حكاية الطفل السوري والمعبد اليهودي

زهير سالم

مركز الشرق العربي

18/ 9 / 2021

ما أن تداولت وسائل الإعلام الغربي حكاية الطفل السوري ابن الستة عشر عاما، والذي قيل أنه يفكر " توقف معي عند " يفكر" في تفجير معبد يهودي في مدينه هاغن الألمانية حتى ...

ومات الأخفش وقيل بل ثعلب أو الفراء ، وفي نفسه شيء من حتى ...

وقبل التعليق على هذا الخبر أو على موقف باعة الشمندر منه، يجب أن نؤكد: أننا ضد جميع أنواع التفجير بشكل عام أولا ، وضد التفجير في أوساط المدنيين بشكل أخص، وضد التفجير في المعابد، على جميع هوياتها بشكل أكثر خصوصية، ضدية مكعبة ضد تفجير الصوامع والبيع والصلوات والكنس والكنائس والمساجد جميعا ..

وإذا كانت "تهمة" الطفل السوري حيث الآن ما تزال في مستوى " التفكير ، و"الهمّ " ، فنرجو من وعاظ " الماكدونالدز " أن يتريثوا قليلا قبل أن يمطرونا بوابل وعظهم عن الدين والثقافة والحضارة والتعددية والعيش المشترك!! هل تدركون معي أن بعض من هو محسوب علينا قد سبق كل أعدائنا إلى القدح فينا وذمنا ، إعلان براءة ملفوف، ورغبة بما عند الآخر مكبوتة. حتى صرنا بعد أن كنا " طوبى للحزانى والمظلومين " " طوبى لمن مست عباءته بعباءة حارس سفير أو وزير " !!

إن الحادثة إن صحت، وإن وقعت، تلقي على كواهل الراشدين من فئام المعارضة السورية في في كل دولة يأوي إليها سوريون، أن يأخذوا زمام المبادرة، لتصحيح بوصلة كل سوريين، والارتقاء بوعيهم، وفتح آفاقهم على واقع إنساني وحضاري صاروا إليه، ويجب أن يحسنوا إعادة ترتيب الحسابات، ومعرفة العدو من الصديق، نعم هو واجب مدني على كواهل الراشدين من تجمعات السوريين ، لرعاية مجتمعهم المهاجر الصغير ، ليس بمعنى تشكيل " كانتون" على هوامش المجتمعات التي نأوي إليها كسوريين، بل يجب أن تكون فكرة " الكانتون " على أي خلفية أول ما نرفضه، وأن يكون التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر أول ما ننشده..وإذا قلنا في لحظة: سورية أولا ، فهذا لا يعني أبدا أن الوطن الذي نعيش، فيه، والمجتمع الذي نأوي إليه ثانيا...لقد غادرت الإنسانية منذ قرون عهد الثنائيات، والسؤال المبتذل للطفل الصغير: تحب أمك أكثر أو أباك ؟؟؟

الدفاع عن " الطفل السوري" أو عن "الصبي السوري" إذا شئتم، ليس دفاعا عن الجريمة التي لم تقع بعد ، كما يريد أن يصورها البعض، وكما يريد أن يجعلمن "وهمها" جسرا للهجوم على الدين والثقافة والحضارة والثورة السورية واالثوار المعارضين والمهاجرين...

____________   

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

عودة اللاجئين السوريين هي شعار المرحلة 

 بكر صدقي 

القدس العربي 

الخميس 16/9/2021 

شحن بشار الأسد، مجدداً، إلى موسكو تحت جنح الظلام للمثول أمام فلاديمير بوتين. لا نعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هناك علاقة فيروسية بين هذا الاجتماع والحجر الصحي الذي فرضه بوتين على نفسه، في أعقابه، خشية التقاط العدوى. فقد تحدثت مصادر الكرملين الرسمية عن إصابات بالعدوى في المحيط القريب من الرئيس الروسي، ولم تشر بشكل خاص إلى الزيارة الليلية لبشار الأسد. 

ليس من المعقول ألا يكون كلا الرجلين قد حصل على العدد الأقصى من جرعات اللقاح المطلوبة ضد كورونا، في الوقت الذي حصل فيه كاتب هذه السطور، العبد الفقير السوري اللاجئ في تركيا، مثلاً، على 3 جرعات! فإذا كان ثمة خشية من إصابة بوتين بالعدوى، فهذا نذير شؤم بشأن مستقبل البشرية، بأن الفيروس اللعين، بطفراته الجديدة، قادر على التغلب على جميع العقبات والتدابير واللقاحات! 

لعل في هذا التشاؤم بشأن مستقبل البشرية، بسبب فيروس تافه، عزاءً للسوريين بأن بلواهم متعددة الأبعاد ليست استثناءً، بل جزء من الجحيم الذي يمضي إليه الكل بثبات. 

قال وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو، قبل أيام، إن الحكومة التركية تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على صيغ أو وسائل لتأمين عودة آمنة للسوريين إلى ديارهم. ونشرت صحيفة «يني شفق» الموالية للحكومة التركية خبراً بهذا الشأن، أعطت فيه عناوين لتلك الصيغ والوسائل: التوسع في بناء وحدات سكنية تكون بديلاً للخيم أو الكرفانات داخل الأراضي السورية، وتحسين شروط الحياة في المخيمات القائمة. كل ذلك في المناطق المتاخمة للحدود التركية وتسيطر عليها القوات التركية والفصائل التابعة لها. 

الدول الأوروبية التي «ملّت» من تمويل المساعدات الإغاثية للسوريين لتمنعهم تركيا من الانتقال إلى أوروبا، رأت «النجاحات» التي تحققت في المناطق التي تسيطر عليها تركيا بخصوص توطين النازحين من مناطق أخرى إلى الشمال، بنتيجة خطة «مناطق خفض التصعيد» في أراض نزح منها أصحابها بسبب التدخل التركي، من خلال بناء وحدات سكنية بتمويل دول خليجية وتنفيذ شركات بناء تركية، فأصبحت أقرب إلى تفهم الخطة التي قدمها الرئيس التركي قبل سنتين، في الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة: منطقة آمنة (كوريدور سلام وفقاً للرطانة التركية) تبنى فيها بيوت من طابقين تحيط بها حديقة لزراعة الخضروات، لإيواء ما بين مليون ومليونين من السوريين المقيمين في تركيا بموجب نظام «الحماية المؤقتة». 

 

الحل السياسي غير ممكن، وروسيا ماضية في مساعدة بشار الأسد على السيطرة على جميع الأراضي السورية 

 

يتوجه الرئيس التركي، بعد أيام، إلى نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة مرة أخرى. قد يكون أكثر حظاً هذه المرة من المحاولة الأولى في نيل دعم لخطته المذكورة، بالنظر إلى الحركة الدبلوماسية النشطة التي شهدتها تركيا في الأسبوعين الماضيين، وانصب اهتمام الضيوف الأوروبيين فيها على موضوع إيجاد حل لصداع اللاجئين السوريين. 

الحل السياسي غير ممكن، وروسيا ماضية في مساعدة بشار الأسد على السيطرة على جميع الأراضي السورية، كما نفهم مما قاله بوتين في لقائه مع بشار، وهو ما نرى تطبيقه على الأرض سواء في درعا التي عادت، بعد مقاومة، إلى سيطرة النظام، أو في إدلب التي كثف الطيران الروسي قصف مختلف مناطقها في الآونة الأخيرة. التكهنات الإعلامية «المتفائلة» بشأن زيارة بشار لموسكو، تحدثت عن احتمال ضغط روسي عليه للمضي في «العملية السياسية» أي استئناف اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف. في حين أن بوتين استهل الاجتماع بتهنئة بشار بعيد ميلاده وبانتخابه لولاية رابعة من سبع سنوات. قال بوتين: «فوزكم في هذه الانتخابات دليل على ثقة شعبكم بكم»! كما أشاد بمساهمة بشار الإيجابية في «الحوار مع خصومكم» قال! ليرد عليه ضيفه بالقول إن الدول الأخرى تضغط (على أولئك الخصوم) لإفشال العملية السياسية! 

نعم هذا هو الحوار السوريالي الذي جرى، وفقاً للمصادر الرسمية الروسية. ويقيني أنه قريب مما جرى فعلاً في اللقاء المذكور. من المحتمل أن ما لم يعلن عنه هو موضوع عودة اللاجئين السوريين، بما أنه موضوع الساعة في تركيا والأردن ولبنان ودول أوروبية. وكانت منظمة العفو الدولية قد نشرت، الأسبوع الماضي، تقريراً مؤلماً عن تعرض عائدين إلى سوريا لأنواع التعذيب والاغتصاب والإخفاء القسري على يد أجهزة مخابرات النظام. بوتين الذي يسمم معارضيه الفارين إلى دول أخرى، ويغتال آخرين في شوارع المدن الروسية، ليس من المتوقع طبعاً أن يطلب من الأسد التوقف عن تعذيب العائدين أو إخفائهم، بل قد يقرّعه لفشله في الحيلولة دون تسرب أخبار تلك الانتهاكات إلى منظمات حقوقية، وبالتالي إلى الإعلام. ومن جهة أخرى ليس من المستبعد أن يطلب بوتين من ضيفه التجاوب إيجاباً مع تركيا بشأن التنسيق الأمني بدلاً من تكذيب أخبار لقاء مرتقب بين قائدي الجهازين الاستخباريين التركي والأسدي في بغداد، كما شاع مؤخراً. 

«بشار الأسد باق» قال ملك الأردن بعد زيارة لموسكو اجتمع فيها مع الرئيس الروسي قبل أسابيع. وهو لسان حال «المجتمع الدولي»: باقٍ ويتمدد، وعليكم القبول به أيها السوريون، وعلى من نجوا منه في بلدان الشتات أن يعودوا «طوعاً» إلى «بلدهم»! 

 

كاتب سوري 

========================= 

سرقة الثورة السورية… ونظام الأبارتايد 

 رياض معسعس 

القدس العربي 

الاربعاء 15/9/2021 

يدخل منزلك لص محترف خلسة بعد ترصد، في ليلة حالكة. يعرف أن المنزل يحوي ما غلا ثمنه، وخطط لسلبه، وإذا واجهته صوب إليك سلاحا فإما أن يقتلك، أو يطردك من منزلك ويتملكه في ظل انعدام القانون، وهيمنة شريعة الغاب. كما فعل الصهاينة مثلا في فلسطين حيث احتلوا الأرض وطردوا أهلها، واليوم تنعت دولة الاحتلال بدولة الأبارتايد. 

الحالة هذه تشبه إلى حد بعيد ما يقوم به النظام السوري مع أهل سوريا منذ اندلاع الثورة. 

النظام الديكتاتوري 

الثورة السورية هي أعز ما يملك معظم الشعب السوري (أستثني بعض الموالين، والمتملقين، والنفعيين، والمتسلقين) لأن الشعب السوري كان سيملك أعز ما يصبو الإنسان تملكه: الحرية. وهذه الكلمة هي أكثر ما يخيف نظاما ديكتاتوريا، طائفيا، قمعيا. يسعى لأن يكون ومن يدعمونه أقل أقلية في مواجهة الأكثرية كي يتسنى له الاستمرارية. 

لقد قدم السوريون أعز ما يملكون: دماء أبنائهم، وممتلكاتهم، من أجل هذه الكلمة: الحرية. 

وأعتقد النظام أن سقوط زين العابدين بن علي، ثم سقوط رؤوس أنظمة أخرى كما في لعبة دومينو أنه سيكون محصنا ضد الحرية، وضد الأكثرية، طالما أنه عمل خلال أربعة عقود على “تدجين” الشعب السوري بعد ترويعه في مجازر تدمر، وحماة، وحلب وسواها، ونظام المخابرات المتمرس يرصد كل نأمة تصدر عن أي سوري والسجون مليئة بهؤلاء الذين انتهى الأمر بكثير منهم إلى الموت تحت التعذيب. 

بالطبع لم يكن هذا التصور صحيحا، بل كان مفاجئا له أن هناك من تجرأ في درعا، مهد الثورة، وخرج ليعلن بصوت عال: ” الشعب يريد إسقاط النظام ” بعد اعتقال أطفال وتعذيبهم، وقتل الطفل حمزة الخطيب، أول أيقونة للثورة، تحت التعذيب. إذن لا بد من سرقة الثورة بوصمها بالتقليعة المعتمدة من قبل كل نظام ديكتاتوري: بالإرهاب. 

وكما تنعت دولة الاحتلال والأبارتايد الفلسطينيين بالإرهابيين وتقتلهم جهارا نهارا دون أن يحرك أحد ساكنا، بدأ النظام يقتل “الإرهابيين” السوريين المطالبين بالحرية، وكالساحر الذي يخرج الأرانب من أكمامه، أخرج النظام كل الإسلاميين من سجونه ليكمل فصول المسرحية تحت عنوان الإرهاب. 

كل الميليشيات التي انضوت تحت مظلة الإسلام السياسي، أو “التكفيري”، أو “الجهادي” سواء كانت تتبع النظام، أم تتبع دولا خارجية، أو حتى ذاتية التمويل إن وجدت، صبت مياها كثيرة في طاحونة النظام، لأنه اتخذها كذريعة لضرب كل من شكل خطرا على وجوده، وسرقة الثورة، وأولهم الجيش السوري الحر عند انطلاقته وبدء الانشقاقات في جيش النظام. 

خلال عامين من المواجهات الشرسة، والمجازر وخاصة الكيميائية منها، كاد النظام أن يهوي كمارد بقدمين من فخار فسارع لطلب النجدة من حليفيه: روسيا وإيران. 

قمع الحريات 

إذا كان نظام الأبارتايد الذي يطبق في فلسطين على أساس دين وعرق ( وفي الهند، ومينامار)، أو كما كان يطبق في أمريكا وجنوب إفريقيا على أساس اللون، فإن النظام السوري يطبق أبارتايد من نوع آخر على الشعب السوري على أساس موال ومعارض، فمن كان مواليا له الحق في العيش تحت سيطرة النظام في المدن التي دمرها سابقا ويخضع لكل إملاءات النظام، ويتحمل الأزمات، وغلاء المعيشية، وقمع الحريات، وفقدان الكهرباء، والوقوف ساعات بطوابير الخبز والغاز، والمحروقات، ولا يحق له أن يصدر عنه أي احتجاج وإلا فعقابه معروف، والمطلوب من الجميع الصمت بصبر، وكتمان الغيظ وإلا فالعصا الغليظة تتولى أمره. 

أما كل معارض يجهر بمعارضته ويستمر في المطالبة بالحرية ويجابه النظام فله شأن آخر: إما أن يصبح لاجئا في زوايا الأرض الأربع ويسكن المخيمات في البلدان المجاورة كتركيا، ولبنان، والأردن، أو يحاول الوصول إلى أوروبا مشيا على الأقدام، أو تهريبا عبر البحار مع خطر ابتلاعه كما حصل مع آلاف السوريين. أو أن يستقل الحافلات الخضر لترحيله قسريا من مدينته وبيته (الذي يتم احتلاله فوريا من قبل الميليشيات الطائفية) إلى آخر معقل للمعارضة: إدلب. 

وقد قالها بشار الأسد بالفم الملآن :” الأحداث في سوريا جعلت الشعب السوري أكثر تجانسا” أو بمفهوم آخر أن النظام نجح في سياسة الأبارتايد المعتمدة في عملية توازن بين أكثرية السنة والأقليات ومنها الطائفة العلوية. 

إدلب: «غيتو» المعارضة 

لقد عمل حليف النظام الروسي ضمن سياسة منهجية خبيثة هي الدخول في مفاوضات سياسية مع كل جيب معارض على حدة تحت مسمى “مناطق خفض التصعيد” مع استخدام العصا “لمن عصا” بقصف مركز بكل أنواع الأسلحة بما فيها الكيميائي. والشرط تسليم الأسلحة وركوب الحافلات الخضر والتهجير إلى المعقل الوحيد الذي مازال صامدا للمعارضة: إدلب. 

لقد تحولت محافظة إدلب إلى ” غيتو” (معزل. كما كانت “غيتوات” الهنود الحمر في أمريكا، واليهود في أوربا). وهذا “الغيتو ” السوري مصيدة أخيرة حشر فيها كل الرافضين لنظام بشار الأسد، حيث يتم قصفها بشكل يومي من الروس وقوات النظام، والميليشيات الطائفية التابعة للفرس، ويطبق عليها حصار خانق. لكنها تشكل مع الوقت ” غيتو سنيا” يصار إلى عزله. كما تفعل دولة الاحتلال بمحاولتها تهويد هويتها وعزل نفسها لتصبح “أكبر غيتو يهودي في العالم” 

درعا مهد الثورة ودرعها 

بقيت درعا شوكة في حلق النظام فمنها انطلقت ثورة السوريين، وظلت تواجهه حتى آخر نفس، عسكريا وشعبيا ( تجلت المواجهة الشعبية للنظام برفض مسرحية انتخابات بشار الأسد والخروج في مظاهرات مناهضة تطالب بإسقاط النظام، بالإضافة إلى مواجهات عسكرية واغتيالات)، وبالسيطرة على درعا يعتقد النظام أنه يطفئ جذوة الثورة في مهدها. 

اليوم لعب الروس لعبتهم كما في السابق، وتخلوا عن وعودهم كما جرت العادة، يرغمون ثوار درعا تحت التهديد إما بقصف المدينة بالطائرات، أو الترحيل إلى “غيتو” المعارضة في إدلب. 

لقد استنجدت لجنة المفاوضات بكل زعماء العرب والعالم لدعم موقفهم وعدم ترحيلهم وقصف مدينتهم، إلا أن أحدا لم يكلف نفسه بتقديم الدعم، حتى في تصريح يندد بما يجري في درعا. فقط دولة قطر من بين كل دول الجامعة العربية نددت بقصف المدينة.. أما ما تبقى فكأن على رؤوسهم الطير والبقية تأتي. 

كاتب سوري 

========================= 

عن مسألة درعا من خارجها 

 موفق نيربية 

القدس العربي 

الاربعاء 15/9/2021 

في المحادثات الروسية ـ الأمريكية – الأردنية أواخر عام 2018 في عمان، بوجود غير مباشر- لكنه طاغٍ لإسرائيل، وافق الروس على استمرار احتفاظ مسلّحي درعا بسلاحهم. ويبدو أن ذلك كان مريحاً للأطراف الثلاثة الأخرى، بمعنى المحافظة على إمكانية معينة لأهل المنطقة بالدفاع عن أنفسهم.. لكن ضدّ من؟ غالباً في وجه الفرقة الرابعة (ماهر الأسد) وهي المدعومة بوضوح من قبل إيران.. هنا تكمن مصلحة أردنية – إسرائيلية في الحفاظ على وجود سدٍّ أمام تقدم الإيرانيين، الذين لم يكلّوا ولم يملّوا من محاولة ذلك، حتى الأسبوع الماضي أيضاً. 

في حزيران/يونيو من العام التالي، بعد المحادثات المذكورة أعلاه، حدث لقاء «غير مسبوق» بين مسؤولي الأمن القومي في الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، بولتون وباتروشيف وبن شبات، وكان اجتماعاً استراتيجياً مهماً لم يهمل كلّ عوامل الصراع في المنطقة. 

ومن الواضح أن خلوّ جنوب غرب سوريا من الإيرانيين كان نقطة رئيسة في ذلك الاجتماع، تعهدت روسيا بالحفاظ عليه مبدئياً، لكن ليس بشكلٍ مطلق، كما ظهر لاحقاً، مقابل دمج ذلك الاتفاق في إطار آستانا – 2017 الذي خطط لإنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد، كما سمّاها. ومنذ أيام آستانا تلك، كان واضحاً أن تصفية منطقتين من تلك الأربع – في ريف دمشق وشمال حمص- أمرّ مُسلّم به، مع استمرار المنطقتين الأخريين لتسوية أولاهما، إدلب، مع تركيا انطلاقاً من حساسية وضعها واختلاطه بقضية جبهة النصرة واللاجئين. وتسوية ثانيتهما، درعا، مع إسرائيل والأردن والولايات المتحدة بسبب حساسيتها الشديدة من التمدّد الإيراني، ولا بأس بممارسة كلّ المناورات الممكنة لضرب الأطراف بعضها ببعضها الآخر، خصوصاً من حيث عدم انطباق المصلحة الروسية في كلّ مناحيها مع تلك الإيرانية. 

 

استطاع سكان جنوب غرب سوريا في درعا والسويداء والقنيطرة، أن يؤمّنوا حتى الآن كرامتهم، إضافة لمصالحهم 

 

تعمل إسرائيل على ضمان مصالحها في المنطقة المجاورة لها من طريقين: الاستمرار بتوجيه الضربات الجوية والصاروخية، لكلّ محاولات إيران لتعزيز وجودها في قربها وتطويره؛ ومتابعة سياساتها «الإنسانية» في دعم اللاجئين المستجدّين هناك بكلّ أشكال الدعم، وتقديم المساعدات بشكل مباشر أو غير مباشر- عن طريق المنظمات الإنسانية، القناة التي يرغب الروس بأن يستخدمها الإسرائيليون، وهي الاستراتيجية التي اتبعتها منذ عام 2013؛ والأمر الذي يؤسس من وجهة نظرها لأوضاع أكثر ملاءمة للحفاظ على الهدوء الاستراتيجي الذي فقد بعض معالمه، التي أسّسها التزام حافظ الأسد الممتاز باتفاقية فصل القوات 1974 هناك، كما يمكن أن يؤسس أيضاً لسلام أكثر راحة واستقراراً في المستقبل؛ ومن جهة أخرى يريح الأردنيين قليلاً من احتمالات تدفق اللاجئين عليه في موجات جديدة، إضافة إلى ذلك، لا تفتأ إسرائيل تستخدم نفوذها الأمريكي لتطبيق الضغوط السياسية أيضاً. 

تشبه إسرائيل تركيا في أكثر من اتّجاه: فكلتاهما كانت موافقة على التدخل العسكري الروسي كلٌّ ينطلق من مصالحه؛ وكلتاهما تعرّضتا لفخٍّ غير مرغوب فيه، واضطرتا إلى هضم الدرس حين أسقطت تركيا طائرة حربية روسية، وحُمِّلت إسرائيل مسؤولية سقوط طائرة استطلاع روسية؛ فاتّجهت القيادتان هنا وهناك إلى تفهّم المصالح الروسية، وأهمية عدم التمادي في استفزاز الغطرسة القيصرية القديمة – الجديدة. وفي الوقت ذاته، هنالك شبه أيضاً في درجة الحساسية المفرطة لدى الأتراك والإسرائيليين، من حيث» الأمن القومي» للبلدين، أحدهما فيما يخصّ إيران وحزب الله كنقطة دينامية تؤثّر في الاستراتيجية الإقليمية لإسرائيل، والثاني فيما يخص الكرد وقضيتهم القومية كنقطة دينامية تؤثّر في الاستراتيجية التركية إقليمياً كذلك، لدى إدارة أردوغان. وتدرك القيادة الإيرانية بدهائها القديم أهمية جنوب غرب سوريا وجنوب لبنان في استفزاز وابتزاز الإسرائيليين والأمريكيين على الأقل، ولضمان تعزيز وجودها ذاك، لا تتحفّظ بدفع قوى قريبة منها في المناوشات الاستراتيجية اللازمة، حتى في إطار قوات النظام نفسه، كالفرقة الرابعة أو» لواء الغيث» حيث يتعذّر دفع «فاطميون» الأفغان، و»زينبيون» الباكستانيين أو حزب الله اللبناني الأعزّ والأقرب والأقوى. 

ويريد الروس تحصين وجودهم الاستراتيجي في غرب المتوسّط، واستثمار نجاحاتهم السورية في التبادلات السياسية في أماكن أخرى من العالم، وأخيراً قطف الثمار الاقتصادية من حربهم تلك في إعادة الإعمار والعقود الطويلة الأجل في الموانئ والثروات الباطنية.. وتمثّل مبادراتهم العسكرية الهجومية دفاعاً عن الميزتين الأوليين، في حين تحتاج الثالثة إلى التهدئة والتسويات والمصالحات، وهو برنامج مركز مطار حميميم «الروسي» والجزء الأثير في استراتيجيته. وفي الحالات جميعها يكون وجود واستمرار نظام الأسد ضمانة مهمة، مع أنها قد تكون مؤقتة وحسب، حتى تحقيق حسم أكثر وضوحاً. 

يبدو أن الروس يرغبون كذلك بالالتزام بأسس اتفاق 2018، لكنهم اشتغلوا مؤخّراً على توجيه رسائل ثلاثية، على الأقل، إحداها إلى إسرائيل تعكس بعض الضيق من تزايد واستمرار الغارات الإسرائيلية على المصالح الإيرانية، وتأثير ذلك في الهيبة العسكرية الروسية (وكانت معالجة ذلك غالباً في صلب محادثات ليبيد في موسكو الأسبوع الماضي) وتريد منها المزيد من الحذر وعدم المساس بقدرات النظام السوري ذاته؛ وثانيتها إلى إيران لتخميد اندفاعها الدائب نحو الجنوب؛ وثالثتها إلى كلّ من النظام والمعارضة للمزيد من الانضباط والالتزام. 

من جهته، ابتدأ النظام مسيرته لاستعادة نفوذه ووجوده في الجنوب، على نمط هجومه في يونيو 2018، لتصفية مناطق خفض التصعيد في الغوطة شرق دمشق وفي شمال حمص، وشاركه الروس في ذلك الهجوم، مع تحاشي استخدام الطيران – كما حدث دائماً ومؤخراً – لتحييد الإسرائيليين. وبنتيجة ذلك الهجوم، تحققت سيطرة متفاوتة للطرفين المهاجمين، وتراجع نسبي غير مطلق للطرف المعارض والأهالي. وكانت السيطرة على الطريق الدولي والمعابر على الحدود هدفاً مهماً، يدغدغ مصلحة الأردنيين التجارية في الوقت ذاته. 

في خضم تلك الخريطة المتشابكة للقوى والديناميات المتنوعة، استطاع سكان جنوب غرب سوريا في درعا والسويداء والقنيطرة، أن يؤمّنوا حتى الآن كرامتهم، إضافة إلى مصالحهم في علاقة جيدة مع الجيران في الأردن، وفي عدم الانقطاع عن باقي الوطن السوري، وفي حماية أنفسهم من التهجير.. كلّها معاً، حتى الآن. لتحقيق ذلك، كانت المناورة من قبل أهل حوران مع الروس ضرورة 

(بعد أن تخلّت الولايات المتحدة عن مركزها المتميّز سابقاً هناك)؛ فكان تبادل المصالح معهم في فكرة الفيلق الخامس ولوائه الثامن خصوصاً، الذي ينتمي إسمياً وحسب إلى قوات النظام وجيشه، وهو يحاول الجمع بين عقوده مع الروس مع مراعاة مصالح أهله وعشيرته. وكانت أيضاً وحدة أهل درعا في ذلك الإطار، وتمسّكهم بإرثهم المرن الصلب معاً، وتمسّكهم بكونهم السباقين إلى الثورة منذ انطلاقها، واستحقوا من أجل تضحياتهم وصلابة مواقفهم أن يُطلق على درعا اسم» مهد الثورة السورية». ذلك ينسجم أيضاً مع ما يجري في السويداء (وهذا يحتاج إلى حيّز أكثر اتساعاً لمعالجته)؛ ولو كان المساران متميّزين. وهو يحتاج كذلك إلى وعي في مستوى ذلك التعقيد الكبير، وإلى حشد التضامن الوطني لاستعادة وحدة البلاد على عقد يتضمّن الحرية والكرامة، والديمقراطية والعدالة. 

وفي المستقبل المنظور، ستبقى التقلبات هي السمة المميزة للجنوب السوري. الأمر الذي أشارت إليه دراسة مفيدة لمؤسسة كارنيجي في العام الماضي. وكما فعل الروس والإيرانيون والأسد مؤخّرا، سوف تتواصل محاولة النظام المتهتك بين مرجعيات عديدة، لفرض السيطرة من خلال العنف لا السياسة، وسوف تستمرّ مقاومة أهل حوران المثيرة للإعجاب، كما سوف تتابع روسيا وإيران محاولة تعزيز نفوذهما ووجودهما هناك أيضاً، كلّ في اختصاصه وحقله، طالما أن أفعالهما لا تغيّر بشكل عميق الوضع الذي توافقت عليه روسيا مع الأردن وإسرائيل والولايات المتحدة، أيضاً كلّ في اختصاصه وميدان مصالحه. 

========================= 

اللجنة الدستورية السورية: تفاؤل بيدرسن يصطدم بلامبالاة النظام 

عماد كركص 

العربي الجديد 

الاثنين 13/9/2021 

لا يبدو الطريق نحو عقد جولة جديدة من اللجنة الدستورية السورية ممهداً بالإيجابية، على الرغم من التفاؤل الذي أبداه المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسن خلال زيارته دمشق، أول من أمس السبت، وتحديداً بعد لقائه وزير خارجية النظام فيصل المقداد، بوصف المحادثات معه بأنها "ناجحة جداً". في المقابل، لم تخرج نتائج محادثات بيدرسن مع الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن وفد النظام أحمد الكزبري للعلن، إذ لم يحمل بيدرسن في جعبته مطالب أو شروط المعارضة لاستئناف عمل اللجنة، والتي من المرجح أن النظام لن يوافق عليها بالمطلق. وغادر بيدرسن دمشق متوجهاً إلى بيروت ثم الرياض. 

اعتبر بيدرسن أن محادثاته في دمشق كانت ناجحة 

وخلال مؤتمر صحافي عقده ألمح بيدرسن إلى توصله مع المقداد إلى اتفاق على البنود الأساسية للجولة المقبلة من اللجنة الدستورية. وقال: "كانت لدي محادثات ناجحة جداً تجاه كل ما يتعلق بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2254، وأعتقد أنه من المنصف أن أقول إنه خلال هذه المحادثات تطرقنا إلى كل التحديات التي تواجه سورية، وأمضينا بعض الوقت للحديث عن الوضع الميداني في مختلف المناطق السورية". وأشار بيدرسن إلى أنه انطلاقاً من المحادثات يمكن القول "إننا متفقون على البنود الأساسية للجولة المقبلة للجنة الدستورية"، وفق ما نقلت الإعلام التابع للنظام. وتابع: "بحثنا التحديات الاقتصادية والإنسانية المتعلقة بمعيشة السوريين وكيف يمكن لنا تحسين الوضع العام. وبكل تأكيد بحثنا مسألة اللجنة الدستورية وكيف يمكن أن نحرز تقدماً". 

وكان المقداد قد شدّد خلال لقائه مع بيدرسن على أهمية ضمان عدم التدخل الخارجي في عمل هذه اللجنة وأن يتم ذلك بقيادة وملكية سورية. وركز المقداد على أن "اللجنة منذ أن تشكلت وانطلقت أعمالها باتت سيدة نفسها، وهي التي تناقش وتعالج التوصيات التي يمكن أن تخرج بها وكيفية سير أعمالها"، مع التأكيد أن "الشعب السوري هو صاحب الحق الحصري في تقرير مستقبل بلاده". وذكرت صحيفة "الوطن" الموالية للنظام أن "المبعوث الدولي تقدم باقتراح بأن يكون 9 أكتوبر/تشرين الأول المقبل موعداً لعقد الجولة السادسة لاجتماعات اللجنة". 

ويصرّ النظام على إبعاد أي تأثير غربي في عمل اللجنة، لجهة الإشراف أو الاطلاع على علمها، ليصار له التوغل أكثر في المماطلة من دون الغوص في أعمال اللجنة بشكل حقيقي، فيما يقبل تدخل حليفيه الروسي والإيراني، على اعتبار أن تدخّلهما في المحادثات المتعلقة باللجنة، دائماً ما يكون لصالحه، ودعماً لخياراته، لا سيما باللعب على عامل الوقت. 

ولا يتوقع أن يعلن بيدرسن عن موعد لعقد الجولة السادسة من أعمال الدستورية، كونه ذهب إلى دمشق بشروط المعارضة لبحثها مع الرئيس المشترك للجنة عن وفد النظام أحمد الكزبري. وكشفت مصادر من داخل وفد المعارضة لـ"العربي الجديد" أن المبعوث الأممي تواصل مع الرئيس المشترك للجنة عن وفد "هيئة التفاوض" هادي البحرة، الذي حمّله عدداً من المطالب التي جاءت بمثابة شروط للذهاب إلى جولة أعمال جديدة. وأشارت المصادر إلى أن البحرة أخبر أعضاء وفد المعارضة بتمسكه بالمطالب التي حددتها المعارضة في إبريل/نيسان الماضي، كمنهجية عمل للجولة المقبلة، من دون أي تعديل عليها. والمطالب تتمحور حول زيادة ساعة إضافية للمدة الزمنية لكل اجتماع صباحاً ومساءً، وأن يتم تمديد وقت كل جولة إلى ثلاثة أسابيع بدلاً من أسبوع واحد، وأن يفصل بين كل جولة وجولة أسبوع واحد فقط، وأن يتم التفاوض على تحديد جدول زمني واضح لإنجاز عمل اللجنة. 

البحرة سلم بيدرسن احتجاجاً رسمياً على ما جاء في خطاب الأسد ومقابلة الشبل  

ولفتت المصادر المعارضة إلى أن البحرة سلم بيدرسن احتجاجاً رسمياً على ما جاء في خطاب رئيس النظام السوري بشار الأسد الأخير (خطاب القسم في يوليو/تموز الماضي) في ما يتعلق باللجنة الدستورية، وكذلك ما ورد في مقابلة مستشارته الإعلامية لونا الشبل بعد الخطاب حول ذات الموضوع. وكانت الشبل قد أشارت في مقابلة لها مع التلفزيون الرسمي للنظام إلى أن الأسد كان صادقاً وشفافاً في حديثه مع الشعب في ما يخص اللجنة الدستورية، حين قال إنه لا يمكن أن يكون هناك حوار في لجنة مناقشة الدستور من دون أن يكون سورياً - سورياً وبرعاية سورية. وأضافت أنه عندما يعود الأشخاص الممثلون من الطرف الآخر في هذه اللجنة من الخارج وتحديداً من تركيا، عندها يمكن أن نصل إلى حل في اللجنة. 

وأشارت المصادر المعارضة إلى أنها ليست متفائلة بقبول النظام بهذه المطالب، على الرغم من أنها جاءت بصيغة مختلفة عما تم التمسك به عند تقديمها في إبريل الماضي. وقالت المصادر: "كنا سابقاً مصرين على تحديد جدول واضح للأعمال قبل الذهاب للجولة، وعلى أن يتم تحديد سقف أو جدول زمني لعمل اللجنة كاملاً وأن يكون هذا الأمر خارج التفاوض، بالإضافة للمطالبة بأن يكون عمل اللجنة مفتوحاً حتى إنجاز صياغة الدستور، وليس من خلال جولات تجري على فترات متباعدة". ولفتت إلى أن طرح وفد المعارضة الجديد لا يعد تراجعاً، إنما يعد بمثابة ترك مساحة للمبعوث الأممي لإقناع دمشق بإرسال وفدها إلى الجولة السادسة، من دون شروط، مبدياً عدم تفاؤله بحصول ذلك. 

وبعد تمكن النظام من إنجاز الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار الماضي، وتمرير فوز الأسد فيها، ضمن استحقاق لاقى اعتراضاً غربياً وأممياً لجهة عدم الاعتراف بشرعية الانتخابات، زاد النظام من مماطلته وتسويفه بخصوص حضور جولة جديدة من المفاوضات، وذهب نحو مزيد من اللامبالاة بالتواصل مع المبعوث الأممي المشرف على عمل اللجنة وتسيير أمورها. وكشفت مصادر لـ"العربي الجديد" أن إحدى أعضاء قائمة المجتمع المدني (الطرف الثالث في اللجنة، بعد النظام والمعارضة) للجنة الدستورية، أشارت في محاضرة لها أول من أمس السبت، إلى أن دمشق امتنعت عن إعطاء بيدرسن تأشيرة دخول إلى دمشق لأسابيع من حين طلبها. وأشارت إلى أن النظام يشدد على بيدرسن بأنه مسهّل وليس وسيطا في عمل اللجنة، بمعنى أن النظام لا يقبل منه أي تدخّل جوهري في عمل اللجنة، التي بات النظام يتعامل معها على أنها إجراء شكلي، ولا سيما بعد شعوره بتحقيق "الانتصار" بإنجاز الانتخابات. 

النظام لا يتعامل مع بيدرسن كوسيط بل مسهّل لعمل اللجنة الدستورية 

واختتمت الجولة الخامسة من أعمال اللجنة الدستورية في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، والتي وصفها بيدرسن بالمخيبة للآمال، وأشار في ختامها إلى تعطيل وفد النظام لأعمالها وما سبقها من جولات بشكل غير مباشر، إذ كان أحمد الكزبري، أعلن صراحة على هامش الجولة السابقة، أنهم قدموا إلى جنيف لمناقشة المواضيع الدستورية، من دون الدخول في وضع صياغات دستورية، معتبراً أنّ هذا الأمر "يحتاج وقتاً طويلاً ومساحة من النقاش". واستمرار هذا الموقف من قبل وفد النظام، قد يفضي إلى إعلان فشل المسار بالمطلق خلال الجولة المقبلة. 

وماطل وفد النظام وعطّل أعمال اللجنة بفرض أجندات ومواضيع غير دستورية، تتعلق بمناقشة الثوابت والركائز الوطنية، ومن ثم الهوية الوطنية، وبعدها جاء الدور على الجانب الثقافي والاجتماعي بطرح "العروبية" كسمة للدولة المستقبلية. في المقابل، برز أخيراً تكتيك وضع المسار الأممي في سياق المساومة الدولية، بطرح رفع العقوبات الغربية عن النظام مقابل الانخراط جدياً في نقاشات وأعمال اللجنة الدستورية. 

في سياق متصل، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن أملها في استئناف عمل اللجنة الدستورية السورية في أقرب وقت ممكن. وقال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، خلال لقاء جمعه مع نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في العاصمة الروسية موسكو، أول من أمس السبت: "أبلغنا الشركاء بعملنا، سواء على المستوى الثنائي مع دمشق أو في إطار صيغة أستانة بمشاركة تركيا وإيران، وكذلك على منصة جنيف"، معرباً عن أمله بأن يستأنف عمل اللجنة الدستورية في أقرب وقت بمشاركة وفدي النظام والمعارضة، وفق ما ذكر موقع "روسيا اليوم". 

========================= 

درس درعا والخلاص 

يحيى العريضي 

سوريا تي في 

الاثنين 13/9/2021 

رغم الدم والدمار والمواجع، ليَكن ما حدَث مؤخراً في درعا درساً للسوريين جميعاً: "لا يحكّْ جِلْدك مِثل ظفرك"؛ ولا تستعيد حياتك وبلدك وقرارها، إلاّ بيدك وعملك وعقلك وبإرادة جامعة؛ فعندما ترك السوريون قضيتهم بأيدي الآخرين، وبين أنيابهم، وحسب مصالحهم- لأسباب مختلفة، وأحياناً واهية- فقدوا كل شيء؛ وتحوّلوا إلى تفصيل ثانوي ينتظر حماية، أو إلى أداة لتدمير بعضهم البعض، أو موظفي معارضة، أو مشرعنين للاحتلالات؛ أو إلى كائنات بانتظار سلّة غذائية أو خيمة أو فكّ حصار أو قطرة وقود أو ساعة كهرباء أو ربطة خبز. 

هؤلاء الآخرون يتصرفون بالقضية السورية بناء على مصالح بلادهم وطموحاتهم؛ وآخر ما يلتفتون إليه هو "مصلحة الشعب السوري ودولته وسيادتها"- رغم تبجحهم كثيراً بذلك. فهم يتناحرون بين بعضهم البعض، يستنزفون بعضهم البعض، ويستخدمون السوريين لتنفيذ وتحقيق أهدافهم سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً. وما يوفّر لهم ذلك بشكل أساسي ليس عبقريتهم أو قدراتهم الحربية الجبارة، بل جشع منظومة الاستبداد للسلطة، ورهن سوريا من أجل ذلك؛ وضعف وتبعثر الجانب السوري الرافض لتلك السلطة الموبوءة إدارةً وإرادةً وخبرةً. 

تتشارك مع تركيا، مستغلَّة هاجسها الأمني، وفي الوقت ذاته تبرر استمرارها بقصف الشمال السوري، بسبب عدم قيام تركيا بواجبها تجاه ما تسميه "بؤر الإرهاب" هناك 

-روسيا ليست مغرمة ببشار الأسد؛ وعبّرت عن ذلك مرات عديدة؛ وبداخلها تعرف أن لا همَّ لطغمته إلا البقاء في السلطة- ولو تدمَّر كل شيء؛ وهي تعرف استعدادية هذه المنظومة لبيع أي شيء، والقفز إلى أي حضن مقابل ذلك. من جانب آخر، لا يغرنا عدم استخدام روسيا وحشيتها في الجنوب السوري؛ فهي لم توفّر أسواقا أو مدارس أو مشاف؛ وتمنّعها عن ذلك في درعا ليس عفّة أو أخلاقاً أو إنسانية، بل استخداماً لدرعا وأهلها في "فرك أذن النظام" وتلبيةً لالتزامات قطعتها مع آخرين مضطرة لمراعاتها. 

أما بالنسبة للأطراف الأخرى المنخرطة في القضية السورية مباشرة، أم غير ذلك؛ فنهج روسيا معها هو التالي: 

  ترمي سهام اللوم والانتقاد تجاه أميركا كوجود غير شرعي، مُبْرِزَةً "وجودها الشرعي" في سوريا بناء على دعوة "النظام الشرعي". وفي الوقت ذاته تسعى لنيل رضى أميركا بتوافقات تخدم ملفاتها. 

  * تتشارك مع تركيا، مستغلَّة هاجسها الأمني، وفي الوقت ذاته تبرر استمرارها بقصف الشمال السوري، بسبب عدم قيام تركيا بواجبها تجاه ما تسميه "بؤر الإرهاب" هناك. 

  * تعرف أوجاع إيران، وخبث مشروعها، ولعبها بالأسد وابتزازه، واستغلالها للبعد الطائفي للتخريب المعمق في محيطها؛ وفي الوقت ذاته، تستغل العقوبات المفروضة على إيران، وملفها النووي المتعثر؛ وتُبادلها الابتزاز إياه. ويبقى الملعب السوري البيئة الأنسب، والأقل تكلفة لهما. 

  * أما الجهة التي تحولت إلى ميدان لبهلوانيات الدب الروسي فهي بعض البلدان العربية. ولا بد هاهنا من لحظ علاقة مافيوية تربط محيط بوتين وبعض منظومات الحكم الأبدية. ذلك لاقى ترجمة على الساحة السورية؛ حيث نُقل أن أعمال بوتين العسكرية في سوريا كانت مموّلة من بعض تلك العصابات المتحكمة بمصير بعض الدول العربية. 

أما الأطراف الأخرى، فهذه بعض ملامح توجهاتها في سوريا: 

تركيا تأخذ من حقيقة الحدود الطويلة مع سوريا، وإشكالياتها الأمنية المزمنة مع "البي كي كي" حجة قوية، ومن حملها ملايين السوريين النازحين "المهاجرين"- بتعبيرها- ورقة قوة؛ وتلتفت إلى مصالحها، وتمشي على حبال مشدودة مع روسيا وإيران وأميركا وأوروبا ومعارضتها الداخلية؛ حتى مع المعارضة السورية العاملة على أرضها. 

   — إيران تسعى لاستكمال هلالها الشيعي، وتسليك طريقها نحو مكة؛ تأخذ من سوريا ورقة مساومة في مشروعها النووي؛ تعرف أوجاع روسيا في سوريا؛ تقدّم لطغمة الاستبداد الأسدية ميليشيات لقتل السوريين، والفيتو على أي إمكانية لحل سياسي؛ وتقدم لباقي الشعب السوري المخدرات والتشييع. 

إسرائيل تلعب لعبتها مع إيران في سوريا؛ تتمتع بحرص روسيا -حامي النظام الأساس- على كسب ودّها؛ وتملي مسار الأمور بالتحكم عن بعد، وبعض القصف الجوي في الأرض السورية؛ وطبعاً تعيش أطيب فترات حياتها مستمتعة بدمار سوريا وأهلها. 

والحال هكذا، وفي البحث عن حل يعيد سوريا وأهلها إلى سكة الحياة الحرة العفيفة الكريمة؛ هل يفتح السوريون جبهات مع كل هؤلاء كأعداء؟ في الواقع والحقيقة، يبدو أن هذا مفروض ومحتَّم؛ ولكنه مستحيل. لا بد من مقاربات تستند إلى وعي حقيقي لهذا الحال؛ ينطلق بداية من استيعاب لتلك المصالح والسياسات التي سترسم حياتهم ومستقبلهم بشكل ما. يهمنا كسوريين بداية أن نعيد لبلدنا مكانه الاستراتيجي، وألا يكون تحت أي عقوبات أو مقاطعة، وأن يستفيد اقتصادياً من أي مشروع اقتصادي/ أكان الغاز والكهرباء أو غير ذلك/ ولكن ليس بوجود هذه الطغمة التي تبتلع خيرات البلد وتُذِلُّ أهله تحت يافطة المقاطعة. ونريد من المتحمسين لدور سوري ألا يكون اهتمامهم فقط بتلك المنظومة الاستبدادية، لكن بسوريا وأهلها أولاً. 

لا بد من خطة وطنية مدروسة لبناء دولة جديدة تشارك فيها كل الأطراف، وعلى مبدأ العدالة الانتقالية 

في ضوء هذه الإطلالة على استراتيجيات تلك القوى الفاعلة في تحديد مصير بلدنا، ماذا نحن فاعلون لاستعادتها؟ هل نتمركز بكل أنانية وفردية حول أنفسنا، وننتظر القَدَر المحتم للضياع الكلي؟ جواب الجميع حتماً بالنفي؛ ولكن ماذا نحن فاعلون؟ مرة أخرى، لنعد إلى مهد الثورة واستمرارها، درعا؛ فمن الواضح أن أهلها وأبطالها ما امتلكوا ترسانة عسكرية لمواجهة الغزاة، ولا احتياطيا اقتصاديا يسعفهم في صمودهم بوجه الحصار. لقد امتلكوا إرادة الحياة والحرية والذكاء وحسن وصدق النوايا في إدارة الأمور؛ امتلكوا الكلمة والموقف والنيّة والإيمان بالبقاء الكريم في بلد ليس لهم غيره. ومن هنا الدرس العظيم ليس لمَن يعارض منظومة الاستبداد فقط، بل لكل السوريين. لا بد من خطة وطنية مدروسة لبناء دولة جديدة تشارك فيها كل الأطراف، وعلى مبدأ العدالة الانتقالية، وخلق جسور تواصل و"تسامح" بين كافة الأطراف بعد توقف الجرائم وإزاحة المجرمين. كل بلدة أو مدينة سورية، وعشرات مناطق اللجوء السوري فيها العقلاء والحكماء وأبناء البلد الغيورون أصحاب الهمم العالية والإرادة الطيبة والوعي الراجح. يمكن لمن يقع الخيار عليهم التشبيك والتواصل وخلق مؤسسات ترسم خارطة الخلاص بكافة السبل؛ ليس من شأن مقال أن يرسم تفصيلات هذه الخارطة؛ حسبه تقديم رؤية. 

========================= 

الغاز لتعويم الأسد وحكومته اللبنانية 

سميرة المسالمة 

العربي الجديد 

الاثنين 13/9/2021 

يسعى الرئيس السوري، بشار الأسد، إلى إعادة تقديم نفسه للمجتمع الدولي فاعلا أساسيا في تحقيق الاستقرار في منطقة هزّ أركانها خلال حرب السنوات العشر الماضية التي خاضها ضد معارضيه، وغيّر خلال ذلك من مفاهيم العلاقات بين دول الجوار جميعها، بما فيها العلاقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تطوّر دورها خلال مراحل الصراع السوري، من عامل زعزعة في المنطقة إلى دور محوري يحدّد مسارات التغيير السياسي والاقتصادي والعسكري، وتُشرف مباشرة، أو عبر وكلائها، على توقيع التسويات وانتهاء صلاحياتها، أو تجديد مفاعيلها بما يضمن لها حدودا آمنة، ويحقّق انفتاحها المدروس على كامل المنطقة العربية من دون اعتراضات شعبية. 

ويدخل ضمن عملية عودة النظام السوري إلى العمل خارج حدود مناطق سيطرته السورية، منحه فرصة إعادة إحياء دوره في لبنان، من خلال موافقة دولية ضمنية، سعت لها فرنسا بوساطة إيرانية وموافقة أميركية وإسرائيلية وأوروبية، ما يهيئ المنطقة برمّتها إلى رسم خريطة جديدة لعلاقاتها مع سورية تتجاوز قانون العقوبات الأميركي "قيصر". وتقفز نحو تطبيع هادئ مع إسرائيل، بدءاً من تغيير دور حزب الله في لبنان من مقاوم إلى مقاول، عبر تلزيمه الحكومة الجديدة التي يرتبط غالبية وزرائها بدمشق أكثر من ارتباطهم ببيروت. 

إعلان إسرائيل موقفها بالنأي بالنفس عما يحدث في جوارها أحد مكتسبات النظام السوري الأولية 

ولقد استفاد النظام من خطوته الاستباقية بتحذيره، بداية الثورة في 2011، من مدى تأثير التغيير الذي تسعى له الثورات العربية على إسرائيل، وضمان استمرار استقرارها، وفي سورية على وجه الأهمية، نظراً إلى تداخل الحدود معها، فكان إعلان إسرائيل موقفها بالنأي بالنفس عما يحدث في جوارها أحد مكتسباته الأولية، ومنحت النظام الوقت اللازم لصنع صورةٍ لبديله المحتمل في سورية، وهو الإسلام الراديكالي الذي أطلق زعماءه من سجونه، ليجعل خيارها محصوراً به، ومسؤوليتها تجاه حمايته من حليفتها الولايات المتحدة تكبر يوماً بعد يوم، وصولاً إلى السماح له بخرق تسوية الجنوب التي عقدت عام 2018، وكانت إسرائيل أحد داعميها في درعا، إلى جوار حليفها الأميركي وراعي الاتفاقية الروسي. 

ولعل تزامن الحديث عن صفقة توريد الغاز المصري "ذي المنشأ الإسرائيلي" إلى لبنان، عبر الأردن من سورية، مع إرادة النظام في انتزاع درعا وإلحاقها بمناطق نفوذه عبر عملية عسكرية شرسة استمرّت نحو سبعين يوماً، لم يكن الهدف منها فقط ضمان المنطقة الجغرافية التي يمتد عبرها خط الغاز، لأن ذلك كان يمكن أن توفره له الشرطة الروسية المخوّلة بحفظ الأمن في مساحات حوران التي تقع ضمن حدود التسوية، وإنما أراد من الحملة، في الوقت نفسه، ضمان عملية تهجير جديدة لغير القابلين للاندماج في مجتمع النظام التجانسي، ما يعيق لاحقاً دخول المنتفعين من تجّاره ومواليه وتوفير بيئة حاضنة لهم ولاستثماراتهم. 

يعتبر النظام في سورية التسويات أو حتى اتفاقيات مناطق خفض التصعيد مرحلية، لا تُلزمه باستمرار احترامها 

لقد أجهض النسيج المجتمعي المتضامن الموجود في درعا خطة النظام في استكمال مشروعه في زيادة عدد المنضوين تحت مسمّى "المجتمع المتجانس أو الصحي" الذي فاخر به الأسد خلال خطابه عام 2017. وعلى الرغم من الصمت والتخلي الدولي عن مسؤولياته تجاه حماية المدنيين العزّل، فقد نجت درعا من مجزرةٍ أعدت لأهاليها المختلفين معه في مفهوم التجانس والوطنية. ومن هنا، يمكن فهم محاولة النظام المستميتة لدخول درعا عسكرياً، قبل أن تكسر عزيمته حالة الصمود الأسطوري لأهلها أمام حصاره الاقتصادي والعسكري، وتحت القصف الهمجي عليها، ومن ثم وضعه شروطا تعجيزية لوقف حملته العسكرية، في محاولةٍ منه لدفع الناس إلى خيار التهجير، وترك بيوتهم ومصالحهم، وهو ما دفعه إلى نشر شائعاتٍ عن قبول الأردن وتركيا خمسين ألف راغب في مغادرة درعا، في عملية خداعٍ غرضها توجّه الأهالي إلى الحافلات، ليُصار إلى نقلهم بشكل إجباري إلى حدود مناطق درع الفرات ونبع السلام، التابعتين للهيمنة التركية ضمن الأراضي السورية. 

كعادته التي جاهر بها سابقاً، يعتبر النظام في سورية التسويات أو حتى اتفاقيات مناطق خفض التصعيد مرحلية، لا تُلزمه باستمرار احترامها. وهو اليوم أمام عقد خط الغاز قد يسارع، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة محاولاته إخضاع كامل المناطق الخارجة عن سيطرته، ما يجعل من التسوية الحالية التي ترعاها من جديد روسيا في درعا مجرّد هدنةٍ تمنحه الوقت للتفرّغ لمناطق أخرى، في إدلب مثلاً أو في مناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مراهناً على قبول الولايات المتحدة له من جديد في نادي داعمي استقرار ربيبتها إسرائيل، وتمرير تطبيعها الهادئ مع دول الممانعة، عبر أنابيب غاز تضيء عتمة لبنان حزب الله بخط، وسورية الأسد من وصلة أخرى. 

وضعت الحرب والفساد ومنعكساتهما السوريين واللبنانيين، وغيرهما من الجوار، في واقع خدمي بائس 

يحتاج تمرير مثل تلك المشاريع فعلياً إلى مجتمع متجانس، يعمل النظام على حمايته من الدخلاء عليه، ويعاقب، في الوقت نفسه، الخارجين منه، ليس لأنه يتمسّك بمواطنيه الذين قبلوا سابقاً شروط التجانس، ولكن لأن ذلك إحدى أدواته لحماية مجتمعه "المتجانس" من التفكّك أو الانهيار، وهذا ما يبرّر له توقيف مجموعة من المهنيين والتجار في حلب، تحت تهمة الهروب من الوطن، والتهرّب من مسؤولية تقاسم الجوع والعوز "والحياة القاسية التي تحتاج ثمنا قاسيا" دفاعاً عن أنفسهم، ولا منية لهم في ذلك على النظام، كما سبق وأن أوردت ذلك مستشارته الإعلامية في 20 يوليو/ تموز الماضي، خلال شرحها خطاب بشار الأسد بمناسبة استمراره في حكم سورية لولاية رابعة. 

لقد وضعت الحرب والفساد ومنعكساتهما السوريين واللبنانيين، وغيرهما من الجوار، في واقع خدمي بائس، يجعل من قبول الخدمة من أي يد تقدمها "صديقة"، حتى ولو كانت تحمل مع النور سكّيناً يمزّق جغرافيتها، ويهتك حقوق قضية الحرية في فلسطين وسورية ولبنان وفي كل مكان آخر. إنها الجريمة الحقيقية لما صنعته حرب النظام الطويلة على السوريين وحرب الدول على سورية وفيها. 

========================= 

أي مصداقية لتعويم نظام الأسد؟ 

عبسي سميسم 

العربي الجديد 

الاحد 12/9/2021 

أثارت دعوة النظام للمشاركة في المؤتمر العالمي الأول لمكافحة الإرهاب، الذي نظّمه الاتحاد البرلماني الدولي بالاشتراك مع الأمم المتحدة، يوم الخميس الماضي في العاصمة النمساوية فيينا، العديد من التساؤلات حول تلك المشاركة التي تجاهلت كل الجرائم والإرهاب الذي مارسه النظام بحق السوريين خلال سنوات الثورة السورية، علماً أنه إرهاب موثّق لدى الأمم المتحدة المساهمة بتنظيم هذا المؤتمر. هذا الأمر يُشكّل تناقضاً في التعاطي من قبل المجتمع الدولي مع نظام بشار الأسد من خلال دعوته للمشاركة بفعالية لمحاربة الإرهاب الذي أثبتت منظمات المجتمع الدولي ممارسته له وباستخدام وسائل محرمة دولياً، فبدا المجتمع الدولي كمن يدعو مجرماً لبحث مكافحة الجريمة. 

هذه ليست المرة الأولى التي تتم فيها دعوة النظام لمؤتمرات من قبل منظمات المجتمع الدولي خصوصاً تلك التابعة للأمم المتحدة، ففي بداية يونيو/ حزيران الماضي تم انتخاب النظام لعضوية المكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية التي تجاهلت كل الجرائم التي ارتكبها بحق الكوادر الطبية والتدمير الممنهج الذي قام به للمنشآت الطبية، وأخرج الكثير منها عن الخدمة. كما انتخبت اللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، المعروفة باسم لجنة "إنهاء الاستعمار"، التابعة للأمم المتحدة، منتصف يونيو الماضي، مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة، بسام صباغ، مقرراً للجنة لعام 2021. 

على الرغم من التبريرات التي يتم تسويقها حول إشراك النظام ضمن لجان تابعة للمجتمع الدولي أو دعوته للمشاركة بمؤتمرات دولية تتعلق بمكافحة الإرهاب وخطاب الكراهية، والادعاء أنها ليست سوى إجراءات روتينية تتعلق بوجود النظام كعضو في الأمم المتحدة وفي بعض المنظمات الدولية، إلا أنها في الواقع حجج واهية من شأنها أن تُفقد تلك المنظمات ولا سيما التابعة للأمم المتحدة، مصداقيتها أمام الشعوب، خصوصاً تلك التي يُمارَس بحقها الإرهاب. كان حرياً بالاتحاد البرلماني الدولي أن يجعل من عقد مؤتمر عالمي لمكافحة الإرهاب وخطاب الكراهية مناسبة لطرد الدول التي تمارسه من عضويتها لا أن تدعوه للمشاركة بها. كما أن اتخاذ موقف يدين ممارسات النظام بحق القطاع الصحي والمسعفين من قبل منظمة الصحة العالمية، هو الأكثر منطقية من إشراكه في مكتبها التنفيذي. وكذلك الأمر بالنسبة للجنة إنهاء الاستعمار التي كان أولى بها إقصاء مندوب نظام قاتل عن عضويتها. طبعاً كان من الممكن اتخاذ كل تلك المواقف، ما لم يكن هناك توجه دولي لإعادة تعويم النظام وتأهيله واستعادة شرعيته دولياً، على الرغم من كل ما ارتكبه من جرائم. 

========================= 

احتواء إيران أميركيا 

بشير البكر 

سوريا تي في 

الاحد 12/9/2021 

درجت العادة أن يتحدث المسؤولون الأميركيون من دون قيود دبلوماسية، حينما يغادرون المناصب، وبعد أن يتحرروا من الالتزامات الوظيفية، يكشفون عن مواقف وآراء تساعد في تفكيك الغموض، وفهم خلفيات المواقف الرسمية. ومن المسؤولين الذين لا يبخلون بإضاءة الوضع في سوريا السفير جيمس جيفري الذي تولى مسؤولية الملف السوري منذ أغسطس/آب 2018 حتى نهاية ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. وآخر الآراء البالغة الأهمية التي صدرت عن جيفري ما جاء في حديثه المنشور في موقع "العربي الجديد" يوم السادس من الشهر الحالي. وحول الأوضاع في لبنان، رأى جيفري أن إيران و"حزب الله" هما السبب في إنتاج الفوضى الحاصلة، واصفاً ما يحدث في لبنان بأنه "درس للعراق وسوريا واليمن وغيرها، لما سيحدث إذا لم يتم احتواء إيران". 

شدد ترامب على أن يشمل النص في الاتفاق النووي الجديد على التزام إيران بوقف التدخلات في المنطقة، بما في ذلك سحب الميليشيات الطائفية التي تقاتل في سوريا إلى جانب النظام 

لم يأت جيفري بجديد، وما قاله كلام يردده خبراء أميركيون على شاشات التلفزة، وصرح به مسؤولون كانوا في مواقع المسؤولية، مثل مسؤول الأمن القومي خلال الشوط الأول من ولاية ترامب جون بولتون، الذي دعا إلى شن الحرب على إيران من أجل إنهاء تدخلاتها في المنطقة. ووفق هذه الروحية التي كانت طاغية في أوساط إدارة ترامب، جرى إلغاء الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة سلفه باراك أوباما مع إيران في عام 2015، ورأى ترامب أن الاتفاق يحوي "ثغرات كبيرة". وحسب وزارة الخارجية الأميركية حينذاك، من بين الثغرات "الدعم المادي والمالي للإرهاب"، و"التطرف"، و"مساعدة نظام الرئيس السوري بشار الأسد"، و"فظاعات ضد الشعب السوري"، و"الدور المزعزع للاستقرار" في دول أخرى مثل دعم حزب الله في لبنان والمتمردين الحوثيين في اليمن، و"التهديدات المتكررة لحرية الملاحة"، و"القرصنة المعلوماتية"، و"انتهاكات حقوق الإنسان"، و"الاعتقال العشوائي لرعايا أجانب". ولا يتطرق الاتفاق بشكل مباشر إلى برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، ولا إلى دور طهران الذي اعتبره "مزعزعاً للاستقرار" في الشرق الأوسط، وخاصة في سوريا واليمن. وشدد ترامب على أن يشمل النص في الاتفاق النووي الجديد على التزام إيران بوقف التدخلات في المنطقة، بما في ذلك سحب الميليشيات الطائفية التي تقاتل في سوريا إلى جانب النظام. 

هناك إجماع على أن انهيار الوضع في لبنان هندسته طهران، وتعمل واشنطن الآن من أجل وقفه قبل أن يبلغ الذروة، ومن يحصد في نهاية المطاف هي إيران بفتح طريق التطبيع مع نظام بشار الأسد 

ولم تتردد إدارة ترامب عن الاعتراف بالمسؤولية الأميركية عن تمدد إيران في المنطقة خلال ولايتي أوباما، والعمل على معالجة النتائج المترتبة على ذلك، وأهم خطوة كانت على هذا الطريق هي إلغاء الاتفاق، وإصدار عقوبات صارمة بحق النظام السوري وداعميه عن طريق "قانون قيصر" الذي يشكل أحد أهم العقبات بوجه إيران في سوريا ولبنان، ولذلك لا توفر وسيلة من أجل وقف العمل به، وتبدو أكثر الأطراف زهوا وشعورا بالنصر بقرار نقل الغاز المصري إلى الأردن من أجل إنتاج الطاقة الكهربائية، ونقلها عبر سوريا. وتعتبر طهران أن هذه الخطوة هي الباب في جدار العقوبات الذي سيمر منه موكب التطبيع مع النظام السوري، الذي استقبل أول وفد رسمي لبناني منذ قرار الجامعة العربية تجميد عضوية سوريا عام 2012، وشارك وزير من النظام في اجتماع ضمه إلى نظرائه من الأردن، مصر، ولبنان في الأردن من أجل ترجمة قرارات نقل الطاقة الذي تم بقرار أميركي. وما كان لذلك أن يحصل لولا الفوضى التي أحدثتها إيران في لبنان على مدى السنوات الماضية. وهناك إجماع على أن انهيار الوضع في لبنان هندسته طهران، وتعمل واشنطن الآن من أجل وقفه قبل أن يبلغ الذروة، ومن يحصد في نهاية المطاف هي إيران بفتح طريق التطبيع مع نظام بشار الأسد. ولكن الطريق طويل، وعليها أن تنتظر ختام مفاوضات فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي، والتي توقفت بعد ست جولات، بسبب عمق الخلافات بين واشنطن وطهران، والتي تدور حول دور إيران المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط. 

========================= 

أولوية العقد الاجتماعي أم الدستور 

نبراس إبراهيم 

سوريا تي في 

السبت 11/9/2021 

يمكن استعراض كثير من التعريفات التي تتحدث عن العقد الاجتماعي، والتي وضعها الفلاسفة خصوصاً، وراح كل منهم يضيف لتعريفات سابقة كثيرا من التفاصيل التي تُساعد على تنظيم المجتمع، وكثيرا من الأفكار البنّاءة والخلاقة، التي تسمو بسيادة الشعب والحريات والحقوق والإرادة العامة وتمتّن أسس الدولة الجامعة للبشر في إطار جغرافي مصلحي واحد، وهي تعريفات كثيرة بحيث تُفرد لها مجلدات لعرضها ومقارنتها. 

يركّز كثير من الباحثين والسياسيين السوريين على ضرورة أن يكون هناك عقد اجتماعي لسوريا المأمولة، باعتباره مجموعة التفاهمات المنظِّمة للمجتمع والدولة، أي مجموعة القوانين والمحدِّدات التي يجب أن يتفق عليها السوريون مسبقاً وتضمن لهم العيش المشترك بسلام، وتضمن الاستمرارية والتنمية والتفاهم، ويُصرّ بعضهم على أن التفاهم على العقد الاجتماعي أمر في غاية الأهمية ويجب أن يسبق وضع الدستور، الذي بطبيعة الحال يُحدد تفاصيل كل التفاهمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبنيوية التي يجب أن يسير عليها جميع المواطنين كقواعد غير قابلة للخرق أو الاستثناء. 

لا شك في أن دعوة العديد من السوريين للحوار من أجل وضع عقد اجتماعي لسوريا، هو أمر في غاية الأهمية، وهو يتقاطع كثيراً مع العديد من السوريين الذين يدعون لوضع دستور جديد لبلدهم، خاصة بعد حرب لأكثر من عشر سنوات، ولا تزال قائمة، تشتت فيها السوريون في أصقاع الأرض، وتسببت بكثير من الشروخ الاجتماعية، على المستوى الطائفي والإثني والمناطقي، وتسببت بتفكك البُنى الأساسية الجامعة للسوريين، وخلّفت تناقضات فكرية وإيديولوجية وسياسية كبيرة. 

الظروف اللازمة لوضع عقد اجتماعي غير متوفرة، وعلى رأسها الحرّية، والاستقرار، ومصداقية التمثيل، والقبول بالحكم التداولي، كل ذلك يدعو لتجاوز المثاليات، والقبول بوضع دستور عصري لسوريا 

هذا التأكيد على أحقية الدعوتين، لا يعني أن المطلوب إحقاق كليهما، فهنا لا بد من الانتباه إلى أن سوريا ما زالت في حرب، وفيها جيوش أجنبية من أربع دول على الأقل دون إرادة السوريين، ومجموعات عسكرية وميليشيات يصعب حصرها، ونظام فاقد للشرعية ولا يقبل بأي حل سياسي، ومعارضة مهلهلة تعيش طفولة سياسية، وحدود طبيعية مهددة بالتغيير، ورابطة وطنية لم تعد محل إجماع، وهوية وطنية ليست راسخة، بل بتعبير أدق أصبحت مهددة الوجود كلّياً، كما أن الظروف اللازمة لوضع عقد اجتماعي غير متوفرة، وعلى رأسها الحرّية، والاستقرار، ومصداقية التمثيل، والقبول بالحكم التداولي، كل ذلك يدعو لتجاوز المثاليات، والقبول بوضع دستور عصري لسوريا، مُصاغ وفق أفضل المعايير العالمية، مستفيداً من تجارب سابقة كثيرة، دون انتظار التوافقات المسبقة على عقد اجتماعي، خاصة وأن الدستور الجيد سيحدد فيما يحدد كثيرا من القضايا الأساسية التي من المفترض أن يحددها العقد الاجتماعي، وسيقوم بدوره برسم وترسيخ الهوية الوطنية السورية الجامعة. 

لو وُضع دستور يضمن ما سبق في بنوده، فإن السوريين لن يحتاجوا إلى عقد اجتماعي مُسبق، لأن المجتمع الجديد سيتواءم بالضرورة مع الدستور الجديد، وسيُنتج هذا المجتمع بالتدريج ثقافة مجتمعية مختلفة عن الثقافة التنافرية السلبية السائدة، وستتوضح ملامح عقد اجتماعي تتواكب مع الدستور وتنسجم معه حُكماً، وتنعكس آثاره بالضرورة في القوانين اللاحقة للدستور. 

المهم هو الدستور، الذي يجب أن يضمن أسس واضحة، الحرّية، الديمقراطية، الاستقرار، مصداقية التمثيل، وفصل السلطات، والقبول بالحكم التداولي 

العقد الاجتماعي ليس سوى مسيرة حوار بين مكونات المجتمع الواحد، تُتوج بوضع مبادئ عامة عمومية عما يجب أن يكون عليه الدستور، لكن الدستور عموماً ليس "اختراعاً" ولا هو وصفات سحرية، ولا أفكار إبداعية خلّاقة، ولا هو عمل تقني سبّاق، بل هو مجموعة من الأحكام والمحددات والقوانين الواضحة، غالبيتها مكررة في كثير من دساتير العالم المتحضر، والتوافق عليها "تحصيل حاصل" لأن كل إنسان طبيعي، وكل فرد في المجتمع الطبيعي، سيقبل بها، وبقية البنود غير التوافقية يمكن وضعها بما يتناسب مع بلورة هوية وطنية جامعة تضمن تحوّل سوريا إلى دولة مواطنة. 

منطق الأمور يؤكد على ضرورة أن لا يكون هناك خلاف على وجود عقد اجتماعي يسبق الدستور من عدمه، فالمهم هو الدستور، الذي يجب أن يضمن أسس واضحة، الحرّية، الديمقراطية، الاستقرار، مصداقية التمثيل، وفصل السلطات، والقبول بالحكم التداولي، وإن تحققت هذه الأسس، فإن العقد الاجتماعي المسبق للدستور لن يعود أولوية لا غنى عنها. 

========================= 

بوتين وسيطاً بين واشنطن وطهران 

بسام مقداد 

المدن 

السبت 11/9/2021 

تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول نشاط إيران النووي، وتنديدها بعدم تعاون طهران في إطار مراقبة برنامجها، رفع منسوب القلق على مصير "الصفقة النووية" وإمكانية عودة إيران إلى مفاوضات فيينا، دون طرح شروط جديدة تعرف مسبقاً أنها مرفوضة أميركياً. وكان القلق على الصفقة قد بدأ يتصاعد مع وصول المتشددين إلى السلطة في عملية إنتخابية، تمت هندستها بدقة، لإستبعاد أية إمكانية للحؤول دون ذلك. وكان سبق نشر الوكالة تقريرها الثلاثاء المنصرم بيوم واحد تحذير للناطق بإسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده من أن "إستخدام الوكالة الذرية لأغراض سياسية" سوف يستدعي "ردة فعل مناسبة" من جانب  طهران. وأضاف خطيب زاده بأن الإجتماع القادم لمديري الوكالة سيكون عادياً، ولا يجدر بأحد أن تكون لديه خلال الإجتماع "حسابات خاطئة" حيال إيران، وحذر من أن إستخدام منصات الوكالة لأغراض سياسية سوف يستدعي "ردة فعل مختلفة" من قبل إيران، حسب ما نقل موقع روسي عن وكالة "تسنيم" الإيرانية. 

وإذ يشير الرجل إلى التعاون "التقني والإحترام المتبادل" بين إيران والوكالة الذرية، يقول بأنه يأمل في ألا يتدخل أي طرف في هذا التعاون، وبأنه "سمع أنباءاً" عن خطط لزيارة مدير الوكالة رافائيل غروسي إلى طهران. 

في رده على سؤال بشأن مستقبل مفاوضات فيينا، قال خطيب زاده بأن المفاوضات "يجب أن تكون لمصلحة إيران" وفقاً لما تنص عليه إتفاقية الصفقة وينص قرار مجلس الأمن 2231، واللذين خرقتهما الولايات لمتحدة غير مرة. وحذر البيت الأبيض من أن إنتهاج سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب في "الضغط الأقصى"، لن يؤدي إلا إلى "الفشل الأقصى". ونصح واشنطن بأن تأتي إلى مفاوضات فيينا مع جدول أعمال "حقيقي" وتنفيذ كامل للإتفاقية.  

عض الأصابع بين إيران والولايات المتحدة بدأه وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان بعد أقل من أسبوع من نيل الحكومة الإيرانية الجديدة ثقة البرلمان الإيراني أواخر الشهر النصرم. فقد صرح بأن إيران "لن تهرب من المفاوضات" في فيينا، لكنها لن تعود إليها قبل شهرين أو ثلاثة أشهر حتى تكون الحكومة الجديدة قد درست الملف. وعلقت وكالة الأنباء الأذرية "haqqin.az" على التصريح بنص نشرته في 2 من الشهر الجاري، وعنونته "رئيسي ليس روحاني. لا تحشروا لنا في الصفقة ما لا لزوم له". وقالت الوكالة في مطلع النص بأن طهران، ومنذ أسبوعين، تضع الحطب في النار وتتلاعب بأعصاب الأوروبيين والأميركيين بشأن مصير مفاوضات البرنامج النووي. ولا تنسى عند هذا أن تذكّر في كل مرة بأن إيران لا تتخلى عن هذه المفاوضات. و رأت أن طهران تشبه القطة التي رفعوا صحن القشدة من تحت أنفها، وبقيت جامدة في مكانها غاضبة تتوعدهم بأنه "لن يكون إلا كما أريد". واختارت في ردها تكتيك "الشرطي الشرير"، إذ تتهم واشنطن بكل شيئ وتجبر الأوروبيين على القيام بالجزء الأساسي من العمل، أي إقناع واشنطن "كم هي مهمة العودة إلى المفاوضات"، وفي الوقت عينه إسترضاء طهران للعودة إليها.  

تصريح عبد اللهيان بأن حكومته لن تذهب إلى المفاوضات قبل شهرين أو ثلاثة، إضافة إلى التقريرين الأخيرين لوكالة الطاقة الذرية عن الإنتهاكات الإيرانية وعرقلة عمل مراقبيها، دفع واشنطن للرد بتصريح من وزير الخارجية بلينكن بأن الولايات المتحدة تصبح "أقرب فاقرب" من التخلي عن الصفقة النووية مع إيران، حسب صحيفة "MK" الروسية في 9 من الشهر الجاري. كما رد على عبد اللهيان أيضاً وزير الخارجية الألماني هيكو ماس، حيث قال بأن فترة شهرين أو ثلاثة للعودة إلى المفاوضات "هي مدة طويلة جداً". كما أعلن، حسب الصحيفة، بأنه اتصل هاتفياً بزميله الإيراني لإقناعه "بالعودة سريعاً إلى طاولة المفاوضات، وقال بأن برلين، مع ذلك، مقتنعة كما في السابق بأن الحكومة الإيرانية الجديدة تؤيد النتائج التي تم التوصل إليها في المفاوضات. 

واشنطن، وفي محاولة منها لإقناع طهران بالتخلي عن مناوراتها المكشوفة وتسريع عودتها إلى مفاوضات فيينا، أرسلت مبعوثها الخاص إلى إيران روبرت مالي إلى العاصمتين اللتين على علاقة جيدة مع طهران، موسكو وبارس. ونقل موقع "Sputnik" الروسي في 8 من الجاري عن نائب وزير الخارجية للشؤون الأميركية سيرغي ريباكوف قوله بأن "المشاورات مع مالي جرت على مدى يومين. وأشار إلى أنه تم التخطيط لها خلال مدة طويلة، وذلك لمناقشة "الوضع بأكمله وتفحص المستقبل". وقال بأن المشاكل كثيرة، واللحظة الراهنة هي لحظة "من المهم جداً تحاشي إرتكاب خطأ فيها". وقال ريباكوف بأن روسيا تحذر الغرب من رفع الرهانات على إتفاقية "الصفقة النووية، بما فيه على خط مجلس مديري الوكالة الذرية"، وهي عازمة على طرح هذه المسألة مع مالي.  

وفي إشارة منه إلى موافقة روسيا على إتهام إيران للوكالة الدولية بتسييس عملها، قال ريباكوف بأن الدبلوماسيين الروس عازمون على تحذير زملائهم الغربيين من تضمين صياغات إدانة لإيران في التقرير المفترض لمجلس مدراء الوكالة الذرية الدولية.    

توجهت "المدن" إلى الصحافية الروسية المتابعة لشؤون المنطقة وإيران في موقع RT يوليا يوزيك  بسؤال عن التجاذبات الأميركية الإيرانية بشأن العودة إلى مفاوضات فيينا، وعن زيارة روبرت مالي إلى موسكو. قالت يوزيك بأن مالي هو أحد أبرز الشخصيات المتخصصة بالشؤون الإيرانية في فريق الديموقراطيين. شكلياً هو الممثل الخاص للرئيس بايدن، لكنه كان أحد أهم المسؤولين عن الشأن الإيراني في فريق باراك أوباما، وأحد مهندسي الصفقة النووية في العام 2015. 

وتعتبر أن مالي هو ،بدون شك، "كنز بالنسبة لإيران. وليس عبثاً أن طهران "هكذا ضغطت" لتعيينه، من خلال ممارسة الضغط على بايدن والمحيطين به في البيت الأبيض في الميديا الإيرانية وعبر قنوات الضغط الأميركية.  

وتقول بأن مالي، وقبل أن يصبح ممثلاً خاصاً في إيران، كان يترأس المؤسسة الأميركية الخاصة للأبحاث والدراسات صاحبة النفوذ Crisis Group، وساعد "على نحو مذهل" الحرس الثوري بتوصياته كيف يعملون في ظل إدارة ترامب. وتقول بأننا سوف ننذهل إذا عرفنا أن "التوسع النووي" كان واحدة من هذه التوصيات.  

وتقول يوزيك أن مالي وصل إلى موسكو بصورة "سرية تقريباً"، ولم يتسرب شيئ للصحافة عن الزيارة، إلا بعد أن كان قد غادر. ومالي هو "لاعب خلف الكواليس"، وقد إقترح على موسكو المشاركة في قرار ضد طهران لرفضها المفاوضات، ولرفعها تخصيب الأورانيوم 4 أضعاف (الرقم الرسمي فقط) إلى درجة 60% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. ومن المتوقع أن تكون موسكو قد رفضت الإقتراح ، وتفهم مالي هذا الرفض بالطبع.  

موسكو من جانبها، دعت إلى عدم الضغط على إيران. وقالت يوزيك بأنها تتوقع أن يقوم بوتين قريباً بدور الوسيط بين واشنطن وطهران، مما قد يطلق عملية المفاوضات بشأن الصفقة. وبوتين يحب أن يقدم لواشنطن مثل هذه الخدمات السلمية، كما كان في قصة سلاح الأسد الكيميائي، أو برنامج إيران النووي.  

بوتين سيدعو إيران للتفاوض، وخامنئي سوف يستمع إليه برأيها. ومالي سوف يضغط من أجل الصفقة ويساندها. وبينما تتواصل المفاوضات، من الممكن جداً أن تبلغ "النهاية المنطقية" لبرنامجها النووي. وتختتم بالقول هذه صفقة win-win، وهي مربحة لجميع أطراف العملية.  

========================= 

درعا والمخيم المنسي 

 نزار السهلي 

القدس العربي 

السبت 11/9/2021 

منذ بداية الثورة السورية، وفي مهدها الأول مدينة درعا، التي تعرضت وتتعرض لدمار هائل هذه الأيام، بفعل حصار قوات النظام والميليشيا الإيرانية المدعومة منه، يحاول سكان المدينة إيصال صوتهم، ورسم صورة مقربة عن ظروف التدمير والقتل والتهجير، الذي تتعرض له المدينة، يحصل ذلك السيناريو، مع كل المناطق التي شهدت تمرد وثورة على نظام الأسد، التجاهل وتمييع الصورة وتغييب معاناة الضحايا عن الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي، ونفاق المواقف الدولية حيال عمليات القتل والتدمير التي يلجأ إليها نظام الأسد وروسيا وإيران، ضد السوريين، مهدت الأرضية لمواصلة نظام بشار الأسد، اقتراف مختلف الجرائم واستخدام كل الوسائل ضد السوريين. 

تدمير كل الجغرافيا 

الحصار والتجويع، والتهديد بتدمير كل الجغرافيا الحاضنة لسكانها، مقابل مطالب الاستسلام الكامل لمشيئة البطش والتدمير، هي المسيطرة على نهج أداء النظام، وفي لجة المعركة المتواصلة في درعا البلد يرد اسم “مخيم النازحين” كناية باللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يقطنون المخيم في درعا، وهو من أوائل المخيمات في سوريا، الذي قدم التضحيات والخسائر منذ العام 2011، بصمت القيادة الفلسطينية والمنظمة وفصائلها عما يحدث للمخيم، الذي سبق مخيم اليرموك بمعاناته المستمرة، أوائل الشهداء في درعا البلد والمحطة، من مخيم درعا، تمت تصفيتهم على جريمة نقل البسكويت والحليب للمحاصرين في درعا البلد، وعلى جريمة نقل الجرحى تم إعدام أول شهيد من المخيم “وسام الغول” في 23/11/2011، توالت جرائم قتل وإعدام اللاجئين من مخيم درعا من البدايات حتى اليوم. 

طرق وحشية 

الصمت عن الجرائم مستمر، أشكال متنوعة وطرق وحشية مورست ضد الضحايا من الإعدام بالرأس بشكل مباشر إلى حرق الضحية مثلما حدث مع أول الشهداء أيضاً ” حمزة البكر” في 24/04/2011، درعا البلد اليوم تتعرض لسيناريو مشابه لبقية المناطق ومخيمها المنسي من أجندة القادة الفلسطينيين وسلطتهم، يتعرض المخيم للذبح من الوريد الى الوريد في مشهد الفرجة الذي اعتاد اللاجئون الفلسطينيون في سوريا على مواجهته، رغم حجم التدمير والتهجير وامتلاء الفروع الأمنية السورية بجثث أبناء فلسطين، واحتراق ما تبقى من كواشين الأرض في فلسطين، وصهر مفاتيح الديار التي حملها اللاجئون سبعة عقود بقذائف الأسد، كل ذلك لم يدفع بضمائر “النضال” التحرك لوقف المذبحة المستمرة بحق أبناء شعبهم. 

القضية الوطنية 

كيف ستقنع شعباً بمقدرتك على حماية قضيته الوطنية وحقوقه المسلوبة، من عدو استعماري استيطاني، وأنت عاجز عن حمايته من القتل تحت التعذيب في سجون الأسد، ومن التصفية ومن التدمير الكلي لبيئته بطائرات و صواريخ تتأرنب في كل غارة إسرائيلية على مواقع الأسد، وأنت تقدم له في جولة الصمت الطويلة، براهين التآمر عليه والتحالف والتطبيع مع جلاده في دمشق، وهو يشهد سقوط الحالة الفصائلية والسلطوية، على أعتاب المخيمات الفلسطينية المدمرة، لن تعود هذه الحالة لسابق عهدها أبداً، جريمة التواطؤ والصمت والربت على أكتاف قتلة أبناء فلسطين وسوريا، لا تحمي قضية ولا صاحبها المعذب القتيل الشريد المحاصر، نسيان قضية مخيم درعا وتدميره وتهجيره وإسقاط كل الضحايا من الحسابات ومن الأخلاق والضمائر” الثورية”، وتحميل الأسد نياشين وشعارات حماية القضية بتدمير اصحابها هو المطلوب عربيا واقليميا ودولياً، أما تجريد صفة المؤامرة وحصرها بإنقاذ الأسد ليقتل ويجرح مليون سوري ويهجر عشرات الملايين، بمن فيهم اللاجئون الفلسطينيون، فتلك من أكبر المخازي التي دأب على ترديدها ثوريو الأسد في فلسطين وشتاتها 

كلاجئ فلسطيني، لم يعرف مصير عمته في مخيم درعا، ولا يتعرف على قبرها المدمر ولا يعرف مصير العشرات من عائلته في فرع فلسطين، ولا مصير المئات أو الآلاف من أبناء جلدته في أقبية وزنازين الأسد، أتساءل هنا ما هو عمل التمثيل الفلسطيني الرسمي لدى الأسد؟ 

الفصائل والمكاتب 

وما هو عمل “الفصائل والمكاتب والقوى ” المحصور عملها ببيانات تمجيد الممانعة وتنديد العدوان الصهيوني عليه والصمت على قتله أبناء جلدتهم؟ 

هناك مخيم في درعا منس ويدك بطائرات وصواريخ ومحاصر بعصابات تنتظر تعفيش ما تبقى من أثر للاجئين، واليرموك، يبقى مثالا حيا عن حالة التخاذل والتكاذب الثوري، أما البحث عن بطولة بعيدة في خيال فاشٍ وتمجيد حليفه المذهبي الطائفي، لن تنقذ القضية والوطن وأبناءها. 

========================= 

هل يعيد الغاز الإسرائيلي تشكيل المنطقة؟ 

 د. فيصل القاسم 

القدس العربي 

السبت 11/9/2021 

تمر سوريا ولبنان في أزمة وقود وطاقة ساحقة ماحقة منذ فترة، وأصبح الحصول على جرة غاز في سوريا الأسد حلماً بعيد المنال لملايين السوريين. 

وقد شاهدنا المذيعة الساحلية إياها التي طفح بها الكيل فنشرت فيديو لافتاً عن معاناة السوريين الرهيبة للحصول على جرة غاز بأسعار تفوق حتى راتب المذيعة نفسها. وكلنا شاهد طوابير الغاز التي تمتد لبضعة كيلومترات في بعض المدن السورية. وحدث ولا حرج عن أزمة البنزين والمازوت والكهرباء. 

وينطبق الأمر نفسه على لبنان الذي باتت فيه محطات الوقود ساحة للمعارك بين اللبنانيين المتدافعين للحصول على بضعة ليترات لملء سياراتهم. وقد شاهدنا طوابير الانتظار في المدن اللبنانية لأيام وليال. باختصار، فقد كان المسرح مهيئاً وناضجاً لاستقبال أي مقترحات تحل كارثة الوقود في لبنان وسوريا. وفجأة ومن دون مقدمات وبشكل صدم الكثيرين يظهر الفرج على لسان السفيرة الأمريكية في بيروت التي اقترحت على الرئاسة اللبنانية مد خط أنابيب سمته خط الغاز المصري الذي سيعبر الأردن ليصب في لبنان. 

والغريب العجيب في الأمر أن الجميع راح يتهافت لتحقيق الخطة الأمريكية بلمح البصر، فالنظام السوري المعروف بأنه يماطل كثيراً قبل أن يتخذ أي قرار أو يوافق على أي مشروع، بصم على الخطة الأمريكية فوراً، لا بل استقبل وزير الخارجية السوري على عجل وزراء كباراً من لبنان بهدف تسريع عملية نقل الغاز المصري مجازاً والإسرائيلي واقعاً إلى بلاد «الممانعة والمقاومة». ثم انضم وزير الطاقة السوري إلى اجتماع للدول المعنية بالخط الإسرائيلي المصري بضوء أخضر أمريكي في عمّان وذلك في خرق واضح لقانون قيصر والعقوبات الأمريكية المفروضة على دمشق. أما الأردن فلا شك أن ملكه ناقش الأمر من قبل مع الرئيس الأمريكي في زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة التي عاد منها وهو يدعو إلى إعادة تدوير النظام السوري باعتباره أمراً واقعاً. ولا ننسى أن الأردن قد سبق الجميع إلى عقد اتفاقية غاز مع إسرائيل عام ألفين وستة عشر. ولا شك أن عمان ستستفيد من مرور خط الغاز المصري الإسرائيلي إلى محور «المقاولة» الذي نسي فجأة كل شعاراته المعادية «للعدو الصهيوني» وراح يرحب بما يسمى بخط «الغاز العربي» الذي يعرف الجميع أنه لا عربي ولا «ضراب السخن» بل غاز إسرائيلي بغلاف مصري. وأول من فضح ذلك المعلق الإسرائيلي الشهير على تويتر إيدي كوهين وبعض المعلقين المصريين أكدوا تصريحاته. 

ويقول كوهين في إحدى التغريدات: مش أحسن وأرخص إذا نحن مباشرة ننقل الغاز الى لبنان عبر راس الناقورة والحدود مع لبنان؟ «هيك هيك نحنا ربحانين». الغاز الأردني والمصري هو غاز صهيوني بامتياز. نحن نبيع لهم وهم يربحون ويبيعون للبنان. هههه يا حرام شو مجاديب. لو الغاز مباشرة كان أرخص بكثير. المسكين الشعب اللبناني». 

 

هل يشكل أنبوب الغاز الإسرائيلي طوق نجاة مفضوحاً للنظام السوري، وهل هو مقدمة لإعادة تدويره والتطبيع العلني معه وإشراكه علناً هذه المرة في صفقة القرن؟ 

 

من جهته يؤكد الباحث المصري الدكتور رامي عزيز ما ذهب إليه كوهين قائلاً: «الصياغة الصحيحة، هي أن سوريا توافق على مرور الغاز الإسرائيلي إلى لبنان. الغاز مئة في المئة إسرائيلي أشترته مصر بـ 20 مليار دولار، لتقوم بتصديره للدول العربية، وتحصل على فروق السعر والعمولات. وفي النهاية فإن محور المقاومة يستورد غازاً إسرائيلياً ويدفع عمولات لمصر، ونعم المقاومة والشعب خسران». 

ولا يخفى على أحد تاريخ التعاون بين مصر وإسرائيل في مجال الغاز وإعادة التصدير. ولو نظرنا إلى الأخبار التي تغطي هذا الأمر منذ سنوات لوجدنا أنها كلها تتحدث عن غاز إسرائيلي مُسال في مصر. وقبل حوالي سنتين أوردت وكالة الأنباء الفرنسية خبراً بعنوان: «إسرائيل تشرع في ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر بموجب اتفاقية هي الأهم منذ إقرار السلام «. وأوردت وكالة الأناضول التركية خبراً مفاده: «القاهرة وتل أبيب تبحثان خطط إسالة الغاز الإسرائيلي بمصانع مصر». وهناك خبر آخر يقول: « مصر ستنقل الغاز الإسرائيلي لمحطات الإسالة وستطور حقلا قبالة غزة» «خبراء يكشفون سبب ضخ الغاز الإسرائيلي إلى مصر.. وسر الصفقة بين تل أبيب والقاهرة». وفي خبر آخر يتحدث وزير إسرائيلي عن «خط أنابيب تحت البحر قد يضاعف صادرات إسرائيل من الغاز إلى مصر». وقبل أيام وقبيل تفجير مفاجأة نقل الغاز الإسرائيلي إلى سوريا ولبنان أوردت شبكة السي إن إن الأمريكية خبراً مفاده: «مصر وإسرائيل تبحثان خطط إسالة الغاز الطبيعي لإعادة التصدير». لاحظوا عبارة «إعادة التصدير» في الخبر السابق الذي يؤكد بما يقطع الشك باليقين أن الغاز الذي سيغذي لبنان وسوريا هو غاز إسرائيلي من رأسه حتى أخمص قدميه بغطاء مصري. 

وعندما ننظر إلى خريطة سير الغاز المفترض أنه مصري وسيذهب إلى لبنان سنجد مساراً آخر، فمصدر الغاز ينبع من منطقة عسقلان الإسرائيلية، ثم يمر في منطقة العريش المصرية إلى بور سعيد، ومن هناك إلى منطقة طابا، فالعاصمة الأردنية عمان، ثم السورية دمشق ثم مدينة حمص السورية، ومن هناك يتفرع إلى بانياس السورية ثم إلى طرابلس اللبنانية. والغريب في الأمر أن الخط كان من المفترض أن يذهب من دمشق إلى بيروت، وهو طريق أقرب بكثير، لكنه ذهب إلى حمص. قد يقول البعض إن بيروت ليس فيها ميناء، وبالتالي كان لا بد للخط أن يذهب إلى حمص ومن هناك إلى ميناء طرابلس اللبناني. طيب، لكن لماذا ذهب أيضاً إلى مركز الطاقة والتكرير الأول في سوريا وهو في بانياس؟ إذاً فإن الغاز الإسرائيلي المصري لا يذهب إلى لبنان فوراً كما اقترحت السفيرة الأمريكية، بل يغذي سوريا قبل أن يذهب إلى لبنان. لهذا فإن خطة الإنقاذ الأمريكية ليست لمساعدة لبنان فقط، بل لإنقاذ النظام السوري من أزمة الوقود التي استفحلت في سوريا منذ أشهر. ولا ننسى أن واشنطن قد توافق على دعم مالي من البنك الدولي للنظام السوري لإعادة تأهيل خطوط الكهرباء التي تضررت بسبب الحرب. والسؤال الآن كيف سيبرر ما يسمى بحلف المقاومة لشعوبه حصوله على غاز إسرائيلي؟ هل سيعيد الغاز الإسرائيلي تشكيل المنطقة؟ هل اتفق النظام اللبناني على تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر أنابيب الغاز بعد أن اتفق مع تل أبيب على ترسيم الحدود؟ هل يشكل أنبوب الغاز الإسرائيلي طوق نجاة مفضوحاً للنظام السوري، وهل هو مقدمة لإعادة تدويره والتطبيع العلني معه وإشراكه علناً هذه المرة في صفقة القرن؟ 

========================= 

وجهة نظر : عناوين عودة اللاجئين وإعادة الإعمار التي يرفعها الروس؛ حقيقية أو خلبية إعلامية ؟؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

١٨/ ٩/ ٢٠٢١

يرفع المحتل الروسي في سورية منذ عدة سنوات عنوانين على طريق الحل السياسي؛ اعودة اللاجئين، وإعادة الإعمار

ويسعى " لافروف" وزير الخارجية مزدوج المهمة للدولتين، تسويق هذين العنوانين في الإقليم، وحول العالم.

والسؤال الواقعي الذي يفرض نفسه بقوة: هل الطرح الروسي صادق او جاد أو عملي؛ أو هو مجرد دخان يتم تحته تمرير المخطط الأبشع لأضخم عملية تهجير شهدها العالم في تاريخه المحفوظ ؟!!.

لقد شهدت سورية خلال العقد المنصرم وفِي ظل الاحتلالين الروسي والايرانيي أكبر عملية تهجير في تاريخ الانسانية جمعاء، وبحجم ١٥ مليون إنسان، لم يكن مثلها يوم انهدم سد مأرب، ولا يوم السبي البابلي الكبير!!

فهل الروس ، صانعو القرار السوري بامتياز ، يعتقدون ان هذه العملية، قد حققت أهدافها، وأنه من الممكن الآن، استرداد بعض المهاجرين، لإقناع العالم ان الحل "الروسي" في سورية قد نجح، وأن سورية " المتجانسة" قد أصبحت " قمرة وربيع" وأن على أصحاب الخزائن ان يفتحوا خرائنهم لما يسمونه "عودة الإعمار" !!

بالمناسبة يذكرني وضع الدول التي تقوم على ما سماه بشار الاسد القاعدة "المتجانسة " على كواهل الآخرين، لستُ اقتصاديا ولا متابعا للشأن الاقتصادي العالمي ولكن هل من يخبرنا ما هي حجم المعونات الاقتصادية النقدية فقط، التي تلقتها "الدولة اليهودية" المتجانسة منذ ٧٣ سنة حتى اليوم. وهل ستعامل "الكيانات السورية المتجانسة " في الغد على الطريقة نفسها من الكرم والإغداق او أن بعض الناس يحلمون؟!!

ملحوظة: وصف " الدولة اليهودية" هو اختيار أصحابه مع الإصرار عليه منهم، والتأييد العالمي له.

ولنعد إلى أصل السؤال: هل حقا ان الروس ومؤيديهم في سورية من إيرانيين وأسديين يؤمنون عمليا بإعطاء الفرصة الحقيقية لعودة اللاجئين؟!

ان كل ما يجري على الارض السورية عمليا ينبئنا بعكس ما يعلن بوتين وخمنئ وبشار الأسد عنه..من أن الوقت قد حان لعودة اللاحئين..

ونحن هنا لن نستشهد بمصير بعض المغرورين أو المضطرين من السوريين الذين اضطرتهم ظروفهم للعودة فوقعوا في الفخ الذي عنه نتسامع وتتسامعون..

ربما كانت كلمة المدعو " عصام زهر الدين" الأكثر صدقا وهو القاتل الجزار الأثيم..!! "اسمعوها من هذه الذقن ولا تعودوا" ولعله دفع حياته ثمنها، ففي عوالم المافيا كل شيء يجوز.

إشاعة الأخبار عن السوريين الذين حاولوا العودة فعادوا، فتم اغتصاب النساء والرجال منهم على المعابر الحدودية هو جزء من الدعاية المخابراتية الأسدية، بل الروسية والإيرانية لتحذير السوريين من العودة.

ولنضع الأمور في نصابها أكثر ننبه أن ما نكتبه هنا هو ليس دعوة للعودة إلى عالم الخوف والقهر والجوع، بل هو محاولة للفهم. ثم للتعاطي الرشيد.

التغيير الديموغرافي في المنطقة العربية والإسلامية هو هدف استراتيجي عالمي وعلينا ان نعي هذا ونتعامل معه بحكمة ورشد وبعد نظر.

واليوم وسورية والسوريون يعيشون تحت مظلة الدعوة الروسية للعودة علينا أن ندرك أمرين..

أولا ان أسباب الهجرة ودواعيها "الأمنية" في سورية ما تزال قائمة بكل أبعادها؛ فما زال الطيران يقصف، والميليشيات تتغول، وأجهزة الأمن السرية تسلخ الجلود تحت سمع العالم وبصره، ولا أحد في هذا العالم يحاول التغيير ..

ثانيا- وقد انضم إلى كل هذا أسباب أخرى تدعو السوريين للهجرة؛ فمن لم يهجره الخوف من سورية اليوم، هجره الجوع.

ولا شك ان سوريتنا الحبيبة الجميلة هي أسوأ مكان اليوم للعيش في العالم أجمع.

وأمام تحد أو شبح الجوع لا يمكن ان ينقسم السوريون إلى متجانسين وغير متجانسين.

تحد التهجير أو الهجرة اليوم يفرض نفسه بجدية على أجندة العاملين الصادقين.

كيف نواجهه، وكيف نوظفه، وكيف نلتف عليه.

في البدء

كانت ثورتنا عفوية... هذا واحد..

وبدأت ثورتنا جماعية ..وهذا اثنان

لا يمكن ان تؤول ثورتنا اليوم " فردية" تتخلى الهيئات والمرجعيات عن واجباتها، ويصير الناس وحالهم "وكل شاة معلقة من كرعوبها" وعلى قاعدة " انج سعد، فقد هلك سُعيد، ولا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم.

____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================= 

عن نهاية درعا والتوافقات الدولية 

عمار ديوب 

العربي الجديد 

السبت 11/9/2021 

شهران وأكثر أعطتهما درعا لكل المناطق "المحرّرة" في سورية لتستعيد تدفقها الثوري، وكذلك أعطتهما لأريافها الغربية والشرقية، ولكن كل تلك الأطراف صمتت على المقتلة والدمار. المعارضة بمؤسساتها المكرّسة لم تفعل شيئاً كذلك، وجاء تصريح رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، سالم المسلط، أن "الائتلاف" ومؤسسات الثورة سينسحبان من المؤسسات الدولية بعد أكثر من شهرين على الحصار المحكم على درعا البلد كي لا يقول شيئاً. المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام ليست ضمن الاحتمال المذكور أعلاه، ولكنها بدأت تشهد احتجاجاتٍ أوّليّة، مع تعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. 

كما لم تستفد الأطراف المناهضة للنظام من معركة درعا، صمت العالم عمّا يجري، وضمن ذلك الحلف الجديد للغاز (مصر والأردن ولبنان) الذي كَثُرَت نشاطاته، كالمشاركة في مؤتمر بغداد أخيراً، وزيارة وفد لبناني إلى سورية واللقاء بين ممثلي تلك الدول وسورية في عمّان يوم 8 سبتمبر/ أيلول الحالي لإكمال التجهير لخط الغاز، الذي سيمرّ على "جثة" محافظة درعا بأكملها. إذاً تلك الدول لم تستفد من حاجة النظام لهذا الخط للضغط عليه، كي يتصالح مع شعبه بدل الاستمرار بخياره الأمني والعسكري، والتابع لكل من إيران وروسيا. عدم استفادة هذه الدول من هذا الخط يتجاوز هذه النقطة، للضغط على النظام ليخفّف من الدور الإيراني في سورية، والذي ينزع، في كثير من أوجهه، الطابع العربي عن هذا البلد، ويسعى إلى مزيدٍ من التهتك للبنية الاجتماعية، وهناك أيضاً التهجير الواسع للسوريين. 

إيران الآن هي المستفيد الأكبر من دحر الثورة في درعا 

إسرائيل وأميركا بدورهما لم تستغلا الفرصة أعلاه لإجبار روسيا على إبعاد إيران عن "الحدود الإسرائيلية"، حيث تراجعت روسيا من قبل عن تعهداتها، وكذلك النظام. إيران الآن هي المستفيد الأكبر من دحر الثورة في درعا. صحيحٌ أن سيناريو التهجير الديموغرافي لم يتحقق، ولكنها جرّدت المحافظة من السلاح. لدى النظام وإيران استحقاقات أخرى، نراها تتصاعد ضد إدلب، وليس فقط ضد جبل الزاوية، وقد نراها تتجه نحو المناطق التي تسيطر عليها تركيا مباشرة. 

أن تصل المعركة إلى إدلب يوضح الخطأ الكبير في عدم استغلال فرصة درعا، لإشعال الجبهات، وبالتالي إبعاد المقتلة والدمار عن إدلب، المنكوبة حالياً بهيئة تحرير الشام، وكذلك لم تنتبه تركيا إلى الخطوة القادمة لروسيا، وتتمثل في "طردها" من إدلب ومناطق سيطرتها المباشرة. السؤال هنا، هل ستقايض تركيا وجودها هناك بشطب قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وخروج أميركا من شمال سورية وشرقها، وهل اتفقت أميركا على ذلك مع روسيا؟ هذا غير مستبعد حالياً، ولكن الوصول إلى تلك النقطة يتطلب توافقاتٍ كبرى بين تركيا وروسيا وروسيا وأميركا وتركيا. ستأخذ التوافقات هذه وقتاً ليس قصيراً؛ حيث تطلبت معركة درعا البلد زمناً طويلاً، وهي مدينة محاصرة من كل الجهات، وبسلاحٍ خفيفٍ وبسيط، وبالتالي معركة إدلب أو "قسد" أو تفكيك الفصائل التابعة لتركيا تتطلّب وقتاً أطول. في كل الأحوال، بعكس فرضيتنا أعلاه في هدر الفرص، يمكن أن يكون هناك تنسيق وتوافق أميركي روسي للإجهاز على درعا وربما إدلب و"قسد" أيضاً. 

الصمت الإقليمي والدولي عما جرى يقول إن هناك ما يُعدّ لبقية المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. إن وضع إيران الوالغ في الشأن السوري، والدولة والجيش، لا يعطيها عناصر قوة كثيرة؛ فهناك روسيا، والأخيرة لعبت دوراً مركزياً في تخريب الثورة والمناطق المحاصرة وإنهاكها، وعزلها عن بعضها، والإجهاز على الفصائل المقاتلة، وحصرها في مناطق طرفية من سورية منذ إنشاء لقاء أستانة وحكاية مناطق خفض التصعيد والتراجع عنها تدريجياً. 

روسيا معنية بتقديم خطوات لصالح الأميركان، تتجسّد في تهميش إيران عسكرياً من سورية، وإحداث تغيير في بنية النظام 

تأتي خطوة سماح أميركا لروسيا بالإجهاز على درعا وتشغيل خط الغاز، وإعفاء الدول المشاركة به من عقوبات قانون قيصر، والضغط على البنك الدولي لتأمين الأموال لتجهيزه، تعبيراً عن تقاربٍ أكبر مع روسيا، والعمل بسياسة الخطوة خطوة. للنظام حصته من هذا الخط، وكذلك يستعيد بعضاً من شرعيته الإقليمية، ولكن ذلك لا يعني إعادة تعويمه، ولا البدء بإعادة الإعمار، كما يتوهم النظام أو تشتهي السلطة في الأردن، حيث كانت تحرّكات ملك الأردن، عبد الله الثاني، في موسكو وواشنطن وبغداد في هذا المنحى. الأردن في أزمة اقتصادية كبيرة، والانفتاح نحو سورية، وفتح خط نصيب، وأيضاً استجرار خط الكهرباء من الأردن وعبر سورية وإلى لبنان، ستكون له فوائد جمّة على الأردن، ولصالح كل الدول المتدخلة بسورية؛ وإن فرض سيطرة النظام على هذه المحافظة والإجهاز على ثورتها يؤدّي إلى ذلك. ولهذا كان الصمت الإقليمي والعالمي، وأمّا الصمت المحلي فتتحمّل مسؤوليته المعارضة الفاشلة منذ 2011. 

على السوريين التخلص من الأوهام، حيث هناك تناقض جذري بين الثورات والأنظمة والدول العظمى، أي كان لا بد من الإجهاز على الثورة السورية كي لا تنتصر وتنتقل إلى بلدانٍ كثيرةٍ، وتمّ ذلك عبر مراحل عديدة. والآن بدأت مرحلة النهاية. قوّة الثورة فقط ما أطال بعمرها، وسمح لدولٍ كثيرة بالتدخل والتصارع على أرض سورية، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، لحظة أوهام النظام بالانتصار؛ إذاً الأوهام كانت من نصيب المعارضة والنظام معاً. 

يتمّ توظيف النظام، ومعه إيران، من أجل إنهاء الفصائل ومناطق خفض التصعيد، وكذلك منطقة "قسد" 

في المرحلة الحالية، يتمّ توظيف النظام، ومعه إيران، من أجل إنهاء الفصائل ومناطق خفض التصعيد، وكذلك منطقة "قسد". أميركا الضامنة لمحافظة درعا من قبل والداعمة بعض فصائل فيها عبر غرفة الموك، والمنسحبة منها، يمكن أن تكرّر الأمر، وتنسحب من شمال سورية. روسيا معنية بتقديم خطوات لصالح الأميركان، تتجسّد في تهميش إيران عسكرياً من سورية، وإحداث تغيير في بنية النظام؛ ويبدأ ذلك عبر المحافظة عليه، مع تغييرٍ في بنيته. هنا ستواجه روسيا مشكلة كبيرة، فكيف ستضمن مصالحها، وقد اعتمدت في توقيع اتفاقياتها على السلطة الحالية بالتحديد؟ لا يمكن للأميركان أو للاتحاد الأوروبي وكثير من الدول التصالح مع النظام الحالي، حيث هناك جملة انتهاكاتٍ ملتصقةٍ به، ومعلومة دولياً؛ إن ضعف النظام بوضعه الراهن هو ما يجعله مستنداً بصورة كلية إلى إيران وروسيا، فليس من معركةٍ خاضها أو يخوضها من دون ذلك العون. ذلك الضعف، وفقدان الشرعية الخارجية والداخلية، واستمرار رفض إعادة الإعمار، يفرض على الدول الأساسية المتدخلة في سورية خيارين: تعويم النظام بصورته الحالية، وهذا مستبعد، وسياسة الخطوة خطوة الأميركية لا تذهب بهذا الاتجاه. أو إحداث تغييرٍ في بنيته، والسؤال كيف ستتحقق هذه الخطوة؟ الخطوة غير محددٍ شكل الاتفاق حولها، ولكن ما جرى، منذ التدخل الروسي وإلى التخلص من درعا، والاتجاه نحو إدلب، كما يظهر من خلال التصعيد أخيراً، يشي بأن هناك سلسلة توافقات بين الدول المتدخلة، وستكون بالضرورة على حساب إيران والنظام المزهو بوهم الانتصار. 

========================= 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com