العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19-05-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

سورية الثورة والمعارضة.. طريقان لمواجهة الكارثة

برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 16/5/2019

نجح الأسد، تماما كما توعد شعبه، بجعل تحرّر السوريين رديفا للفاجعة، وحقق انتقامه الموعود بتحويل سورية إلى أرضٍ محروقة، بعد أن قتل وجرح وشرد الملايين، ودمر عمران البلاد وحضارتها وسلمها للاحتلالات الأجنبية.

هناك طريقان لمواجهة الكارثة: الحفاظ على الأمل وتفاؤل الإرادة، بالعمل على توحيد جهودنا داخل صفوف ما بقي من سورية الحرّة النازفة، ومساندة بعضنا بعضا، والحرص على عدم التفريط بأي فرد، أو الاستهتار بأي مساهمةٍ يمكن أن تضيف شيئا إلى الجهد العام، وبالتالي قبول اختلافاتنا، وفتح حواراتٍ جدّيةٍ وراشدةٍ في ما بيننا، لإعادة بناء الثقة المزعزعة، والحفاظ على المشروع التحرّري، ومن ثم النجاح في إدارة خلافاتنا بما يفيدنا ويثري فكرنا، ويدعم توجهنا الإيجابي لبناء موقف جماعي وطني واحد، أو الاستسلام لليأس والتصرّف، وهذا هو الخيار الثاني، كالمهزومين الذين يسعى كل واحد منهم إلى التهرّب من المسؤولية، وإراحة الضمير بتحويل الآخر الشريك إلى خصمٍ وكبش فداء، والغرق في مستنقع التشكيك المتبادل، وكيْل التهم وكشف الفضائح أو اختلاقها، وفتح المعارك الصغيرة والشخصية، ما يلهينا عن واقعنا ويمنحنا الشعور الكاذب بانتزاع الحرية التي حُرمنا منها. ولكن، هذه المرة، ليس بوصفها انعتاقا من أسر الاستبداد، وإنما تحرّرا من أي قيود اجتماعية أو التزامات سياسية أو أخلاقية، أي كحرية زائفة تعبر عن نفسها في التجرؤ على قول أي شيء، من دون مراعاة قواعد العدالة والحق ومعايير الأدب والاحترام، والمقامرة بكل شيء، وهذه الحرية ليست في الواقع سوى الوجه الثاني للانتحار، ولا تملك من معنى السيادة واحترام الذات والاستقلال في الرأي وقول الحقيقة من دون وجل، شيئا.

ما من شك في أننا لن نستطيع تجاوز خلافاتنا، والانقسامات التي ساهمت في خسارتنا، ما لم ننجح في تصفية حساباتنا مع الحقبة الماضية. وتصفية الحسابات تعني بالنسبة لأناسٍ مسؤولين وعاقلين فهم التجربة القاسية، بكل تفاصيلها وتعقيداتها، وتحليل الأسباب والعوامل المادية 

"لا تتطور الدولة، حتى الاستبدادية منها، بمعزل عن تطور أو نضج المجتمع المدني" والموضوعية للفشل الذي مثله بالنسبة إلينا جميعا بقاء حطام نظام العبودية الذي ثار الشعب ضده، وضحّى من أجل تغييره، على صدورنا، سواء جاء هذا البقاء بسبب قبوله التحول إلى واجهةٍ للاحتلالات الأجنبية، أو بسبب تحوله هو نفسه إلى عصابة إجرامية، لا تعبأ بمصير أحد سوى إنقاذ جلدها وتجنب مصيرها المحتوم. وما من شك عند أحدٍ من المحللين والمتابعين الدوليين للمحنة السورية في أنه، في ما يتعلق بهذا الفشل، كان للعوامل الجيوسياسية الدور الأول في اعتراض إرادة التحرّر عند السوريين، واستنزاف قوى الشعب الثائر، وتدمير شروط مقاومته المادية والسياسية. وهذه حقيقةٌ لا ينبغي أن نتجاهلها أبدا، ونحن نحاسب أنفسنا، ونعيد صياغة موقفنا ورؤيتنا وخططنا للمستقبل.

ولكن لا ينبغي كذلك أن يدفعنا التشديد على هذه العوامل الخارجية التي تتجاوز قدراتنا وإرادتنا، إلى تجاهل نصيبنا الذاتي من المسؤولية، المتعلق بنقائص أدائنا، فهو شرط إصلاح أخطائنا وتطوير رؤيتنا وتجديد إرادتنا واستعادة سيطرتنا على مصيرنا. وهنا لا يختلف اثنان على أن جوهر العطب الذي ابتلينا به، والذي هدر كثيرا من طاقاتنا وحدّ من قدراتنا على مواجهة الوحوش الضارية التي واجهتنا، وأضعف إرادتنا وتمسّكنا بقضيتنا الرئيسية، هو انقساماتنا الناجمة عن عجزنا عن إدارة اختلافاتنا، وعن التمييز بين انتماءاتنا الخاصة، وأهدافنا المشتركة الوطنية، وإخفاقنا في الفصل بين عواطفنا الشخصية والقضية التحرّرية التي جمعتنا، والتي كان ينبغي أن تعطى لخدمتها الأولوية المطلقة في تحديد علاقاتنا في ما بيننا، ومع المحيط والعالم الخارجي.

وإذا كان تغيير العوامل الموضوعية لا يخضع لإرادتنا، بل إنها هي التي تحدّد هامش مبادرتنا، وحدود قدرتنا على التدخل بفاعليةٍ في تشكيل واقعنا، فإن مدخلنا الوحيد إلى تغيير مصيرنا هو الارتقاء بأدائنا الجمعي، وهو ما لا يتحقق إلا بتصفية النزاعات التي تنخر جسدنا، ونزع الألغام التي تتفجر في طريقنا وداخل صفوفنا، وتجاوز الحساسيات والعداوات وروح الخصومة التي تسكن نفوسنا، وتحول تنافسنا المشروع على المشاركة في حمْل المسؤوليات القيادية إلى صراعٍ من أجل التدمير المتبادل.

ليس العدو الرئيس للتفاهم الوطني، في نظري، وجود الأنانية والتعلق بالمصلحة الشخصية، فهذا هو واقع المجتمعات كافة. إنه بالعكس، عدم الاعتراف بها مصالح خاصة، وتمييزها عن المصلحة العامة، بل، في أغلب الأحيان، السعي إلى مطابقتها معها، وتعميم الاعتقاد عند كل فرد بأنه المظلوم الأول والمهدّد الوحيد في مواجهة الآخرين الذين يسعون إلى فرض مصالحهم على حسابه. والنتيجة الإنكار المتبادل لمصالح الآخرين، وانعدام أي إمكانية للجمع بينها وتجاوزها، في الوقت نفسه، في مصلحة وطنية واحدة. وفي المحصلة، تعميم قانون الأنانية والتمحور حول الذات، وتحويله إلى رديف لقانون الوطنية، بل إلى بديل عنه، والدخول في ما يمكن أن نسميه تضارب الأنانيات وتصادمها.

باستنثاء الجمهور الشعبي الواسع الذي يوجد خارج التنافس على السلطة أو القيادة، أو التفكير في القضايا العمومية، ويعيش رهين البحث عن قوته اليومي، ويكون سعيدا لو ضمن ذلك لنفسه، لا أحد من بين الذئاب المتنافسة يمكن أن ينمّي أي درجةٍ من الثقة بالآخرين. ومن باب أولى القبول بسلطةٍ تمثيليةٍ لا يكون هو نفسه على رأسها. ومن الطبيعي أن تنعدم أيضا في موازاة ذلك فرص الحوار والتفاهم والعمل على تسويات بين المصالح، ولا يبقى هناك مخرج من حرب الجميع ضد الجميع، كما ذكر الفيلسوف البريطاني توماس هوبز (1588 - 1679)، سوى بتسليم جميع الأفراد أمرهم لسيد واحد، مطلق السلطة، واستفراد الدولة بالسيادة التي تحتاج إليها كي تضمن إنهاء حرب الجميع ضد الجميع، وإرساء السلام وتمكين الأفراد من ممارسة حقوقهم الطبيعية، مع فارق أن الدولة هي التي تشن هنا الحرب، وتحرم المجتمع المدني من أي هامش حرية أو مبادرة تسمح له بالبحث عن عقد اجتماعي، ينظم علاقات أفراده. وفي هذه الحالة، لا تصبح الدولة المنتج الأول للأنانية، والراعي الرئيس لتعميمها، وإنما وراء ذلك، المهدم الأول لأي حياة سياسية أو مدينة أو أخلاقية. وليست أنانية الأفراد هنا سوى الانعكاس لدولة الأنانية وشرط وجودها واستمرارها.

لا تتطور الدول، حتى الاستبدادية منها، بمعزل عن تطور أو نضج المجتمع المدني الذي

"علينا الدفاع عن شرعية الرأي المختلف، وحق التعبير عن موقفٍ مغاير" يستدعي، قبل التمييز بين المصلحتين، الخاصة والعامة، والتمييز بين المصالح الخاصة نفسها، والاعتراف بشرعية اختلافها كمعطى طبيعي، وفي موازاتها اختلاف الآراء ووجهات النظر في التنظيم الاجتماعي، وفي التعامل مع الواقع، والتوافق على سبل تجاوزها. وهذا يعني التخلي عن وهم القضاء على المصالح الخاصة، أو تجاهلها، أو إخفائها، والقبول، بدل ذلك، بالتفاهم على إدارتها، من خلال البحث عن صيغ تؤمن اتساقها بدل تعارضها، وتشجّع على تعاون أصحابها لا تنازعهم. وهذه هي مقدّمات تشكّل المجتمع المدني مجتمعا حرّا ومستقلا عن الدولة أيضا. من هنا لا يعني تمثل الحق بالاختلاف القبول بالرأي الآخر فحسب. ولكن، أكثر من ذلك، الدفاع عن شرعية الرأي المختلف، وحق التعبير عن موقفٍ مغاير، واقتراح خطط مباينة للوصول إلى الغايات الواحدة.

لكن في مقابل هذا الاعتراف، والدفاع عن حق كل منا في أن يكون صاحب رؤية ورأي، وأن لا يخاف التعبير عنهما، ولا يتعرّض لأي أذى أو تهديد بسبب ذلك، يقف أيضا، حق كل فرد في نقد الرأي المختلف ومعارضته. هكذا يكون الجدال والنقاش منهجا وطريقا لإثراء التفكير، وإنضاج الرؤية الجماعية، والتقدّم في بلورة الإجابات الأكثر تكاملا وتوحيدا للمصالح والمواقف والصفوف، وتكوين القوى الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة التي تحل محل الشتات والتبعثر، ويكون من الممكن التحرّك إلى الأمام، بدل الدوران في المكان أو في حلقة مفرغة. ولكن كي تكون للنقد قيمة إيجابية، ويساهم في تعميق الحوار وتطوير النقاش وتوضيح الرؤى والمواقف وتوحيدها، أي كي يساهم في تأسيس مجتمع مدني، ونواة عقد اجتماعي، ينبغي أن يتجرّد أكثر ما يمكن من ضغط الأهواء وشخصنة القضايا والاعتماد على تزوير الوقائع، وكيل الاتهامات والتشكيك في النوايا، أو افتراض سوء الدوافع، وذلك كله من سمات المجتمع الطبيعي، ما قبل السياسي، وأن يستند في تطوير مسلكه إلى مناقشة الأفكار وتحليل المواقف وتفنيد الحجة بالحجة. وهذا يعني أن يكون هدفه ومحرّكه تقدم القضية العامة، لا إدانة الأشخاص أو تعزيرهم.

لا يمكن للنقاش أن يكون ذا فائدة وأن يحقق غايته من دون الشفافية، وامتلاك الشجاعة للكشف 

"لا تقود المسايرة للرأي الآخر أو السكوت على الأخطاء إلا إلى التغطية على النقائص" عن النقص والخطأ والاختلاط في الآراء والمواقف. وهذا هو الشرط الأول، كي يصبح مصدر تفاعل مثرٍ بين الأفراد، يساهم في إعادة بناء المواقف، وإنضاج الأفكار والتصورات والرؤى الاجتماعية، وإرسائها على أسس واقعية وعقلانية جديدة، ولا يقتصر على الاعتراف بالاختلاف. باختصار، لا توجد إمكانية لنقاش جدّي من دون حسن الظن بالآخر المختلف، وليس لحسن الظن قيمة ما لم يتحوّل إلى ضمانةٍ لنقد جذري وفعال، يعرّي الأوهام والأحكام الخاطئة. وكما يقضي التشكيك في النيات على جدية أي حوار، لا تقود المسايرة للرأي الآخر أو السكوت على الأخطاء إلا إلى التغطية على النقائص، وإخفاء سوء التفاهم والخلاف.

نحن اليوم على مفترق طرق، يقودنا الأول إلى الدخول في أزمة تدمير ذاتي، لا مخرج سريعا منها، تكمل على مستوى الوعي والأخلاق والسياسة، ما قام به على المستوى المادي والنفسي نظام الإبادة من خرابٍ ودمار، ويؤسس الثاني لمرحلة ما بعد الأسد، بوصفها مرحلة استعادة الثقة، وبناء الأمل، واحتواء الفوضى وحرب الأنانيات المسعورة التي قام على إيقادها وإدارتها نظام العبودية والاحتلال.

===========================

موقفنا : أيها المتضررون من المشروع الصفوي وأدواته ..اتحدوا

زهير سالم

مركز الشرق العربي

19/ 5/ 2019

لن ينفعنا البكاء ولا العويل . لن ينفعنا مجلس الأمن . لن تحمينا الولايات المتحدة . كل هذه الجعجعة حول حرب أمريكية على إيران ، ستدور دائرتها إن دارت علينا . ستكون ديارنا ساحة الحرب ، وسيكون هذا الزعيق جسرا للمزيد من الابتزاز . حكيم العرب الأول يقول : ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم .

نعلم جميعا أن الحشد الشعبي في العراق وميليشيات أبو الفضل العباس والزينبيون والفاطميون وحزب الشيطان في سورية ولبنان وميليشيا الحوثي في اليمن كلها كتائب في الحرس الثوري الإيراني ويقال في مثل من يشك أو يشكك في ذلك : استنكهوه ، ويسأل عنه أهله إن كان في عقله شيء ..!!

وإنه لجميل أن نعرف هذا وأن نقر به ؛ ولكن ما نفع المعرفة إن لم تنعكس عمليا على سياساتنا ومواقفنا وسلوكنا ؟! ما نفع المعرفة ونحن نواجه هذه التحديات الضخمة مختلفين متنابذين متفرقين ؟! هل ذا هو فعلا وقت الخصام العربي - العربي أو وقت الخصام العربي - الإسلامي ؟ هل ذا وقت الخصام على مستوى الدول ؟ وعلى مستوى الشعوب ؟ وعلى مستوى النخب ؛ ونحن نواجه أعتى هجمة كونية على ديننا وعلى عقيدتنا وعلى قيمنا وعلى شعوبنا وعلى جغرافيتنا .. بل على جودنا حرب كونية تمتد من الصين إلى أراكان إلى أفغانستان إلى العراق إلى سورية إلى لبنان إلى فلسطين إلى اليمن ..

هل من السهل على عقل المسلم وقلبه وعلى العربي الحر الشريف أن يمر عابرا بخبر عدوان الحوثي أي عدوان الحرس الثوري الإيراني على المملكة العربية السعودية بسبع طائرات مسيرة يوم الثلاثاء الماضي 14 / 5 / 2019 واستهداف محطتي ضخ وقود في قلب المملكة قريبا من العاصمة الرياض ..؟!

ماذا ينفع المملكة أن نستنكر وأن نشجب وان ندين ؟! وماذا ينفع المملكة أن تشكو إلى مجلس الأمن ، وماذا ينفع المملكة أن نواجه العدوان بالمزيد من حملات الإعلام ؟!

هل من السهل على عقل المسلم وقلبه وعلى العربي الحر الشريف أن يتابع بصمت أو بلا مبالاة ما يجري على شعب سورية الحر الأبي في مناطق الشمال إدلب وما حولها في الحملة المتوحشة الأسدية - الإيرانية - الروسية ثم يظل منتسبو هذه الأمة يكيد بعضهم لبعض ، ويمكر بعضهم ببعض ، وتخلى الساحة للأعداء لينفردوا بأبناء هذه الأمة مرة في العراق ومرة في سورية ومرة في اليمن ومرة في فلسطين ومرة في الصين ومرة في أراكان ..؟!!!

أي عقل ؟! أي قلب؟! أي عقيدة ؟! أي انتماء ؟! يقبل هذا أو يسوغه أو يرضى به ؟!

ما لكم كيف تحكمون ؟! بأي عقل تفكرون ؟ بأي قلب توعون ؟!

نحن اليوم نواجه حربا كونية على كل مربع من مربعات وجودنا ..وشرط انتصارنا الأول نبذ الخلاف والفرقة والتوحد على هدف جامع يجمعنا لإسقاط المشروعين المريبين الصهيوني والصفوي في مواجهة مبصرة تتصدى لكل حرب تفرض علينا بأدواتها ...

المسلم ...أو العربي ..الذي يظن أن الولايات المتحدة ستنتصر له من ميليشيات المشروع الصفوي هو نفسه الذي يظن أن الولايات المتحدة ستنصره على الكيان الصهيوني ، الولايات المتحدة التي تنازلت للصهاينة عن القدس والأقصى والجولان والتي تستعد لتتنازل لهم عن الضفة الغربية أيضا ...لن تكون للعربي وليا ولا نصيرا وإنما ..كلمة واحدة تجمعنا وتنفعنا وترفعنا ..

" أيها المتضررون من المشروع الصفوي اتحدوا .."

اتحدوا حتى لا تقصف الرياض مرة أخرى ..

اتحدوا حتى لا تضيع اليمن وفلسطين وسورية والعراق ولبنان ..

قرار الوحدة بيد الكبار عندما يكونون بحق كبارا ..

فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى

_____________

* مدير مركز الشرق العربي

=======================

رسالة أوجالان: قراءة إضافية

  بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 16/5/2019

تحتاج الرسالة المقتضبة التي وجهها عبد الله أوجالان إلى الرأي العام، في السادس من شهر أيار الحالي، إلى مزيد من التحليل بسبب شبكة التعقيدات المحيطة بظرفها. فقد صدرت في وقت تصارع فيه القيادة التركية مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية، من شأن إلقاء نظرة متكاملة عليها أن يضيء معانيها والغرض منها بصورة أفضل. فإضافة إلى توقيت الإعلان عن مضمون الرسالة الذي تزامن مع قرار الهيئة العليا للانتخابات بإلغاء نتائج انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول وتحديد موعد لإعادتها، هناك مجموعة من المشكلات الضاغطة على الحكومة بحاجة إلى اتخاذ قرارات حاسمة بشأنها، في الاقتصاد والسياسة الخارجية، ويداها مقيدتان بشروط موضوعية يصعب التأثير عليها بصورة منفردة.

ففي الشأن الاقتصادي، لم تنفع جميع محاولات الترقيع والقسر في رفع معدل النمو، أو خفض معدلات البطالة والتضخم المنفلت، ومواجهة هبوط قيمة العملة المحلية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية. وباتت الليرة التركية عالية الحساسية إزاء التطورات السياسية، بحيث أدى قرار إلغاء انتخابات بلدية إسطنبول، مثلاً، إلى هبوط حاد في سعر صرفها أمام العملات الصعبة.

الأزمة الناشئة أساساً عن فقدان الثقة الاستثمارية بسبب هشاشة الوضع السياسي، مرشحة للتفاقم بسبب الضغوط السياسية الخارجية المتصاعدة. نتذكر، في هذا السياق، تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الصيف الماضي، التي هدد فيها بـ«تدمير الاقتصاد التركي» بسبب الأزمة الدبلوماسية حول القس الأمريكي الذي كان محتجزاً في السجون التركية، ثم أطلق سراحه بعد حين. ليس المقصود بهذا التذكير إلقاء مسؤولية الأزمة الاقتصادية في تركيا على «الخارج الشرير» كما تحاول وسائل الإعلام الموالية أن تفعل، بل للقول إن الاقتصاد التركي مفتوح على مخاطر من هذا النوع بسبب السياسة الاقتصادية المتبعة التي تتحمل مسؤوليتها الحكومة. بكلمات أخرى السياسة المتبعة هي التي تجعل من تهديد ترامب المذكور أمراً قابلاً للتحقيق. وليس المقصود أيضاً انتقاد الليبرالية الاقتصادية المنفتحة على العالم، بقدر ما يتعلق الأمر بأن لهذا الخيار مستتبعاته السياسية، فلا يمكن أن تربط اقتصادك بروابط استثمارية وتجارية مفتوحة مع العالم الليبرالي، وتتنكر لقيمه ومعاييره وتحالفاته السياسية، في وقت واحد.

هناك «باب خلفي» للدبلوماسية بين واشنطن وأنقرة، فتح منذ فترة قصيرة، بعيداً عن القنوات الرسمية غير النشطة. من المحتمل أن أنقرة تسعى لترميم العلاقات المتوترة مع واشنطن، لتقوية موقفها إزاء موسكو

هنا تحضر أزمة صفقة صواريخ أس 400 الروسية التي تعترض عليها واشنطن، وقد أدخلت أنقرة نفسها في ورطة حقيقية بعنادها على إتمام هذه الصفقة. فالأمر، من وجهة نظر واشنطن، لا يتعلق بإحدى نزوات ترامب الخطرة، بل بقانون صادر من الكونغرس الأمريكي يتضمن فرض عقوبات على تركيا في حال اشترت الصواريخ الروسية. ومن المحتمل أن تتضمن حزمة العقوبات هذه فرض حظر على بيع تركيا قطع غيار لطائرات أف 16 الأمريكية المقاتلة، ناهيكم عن إلغاء بيعها طائرات أف 35 المتطورة التي شاركت تركيا في انتاجها، وعقوبات اقتصادية أخرى. كذلك تركيا مهددة بفرض عقوبات اقتصادية عليها إذا خرقت الحصار النفطي التام المفروض مؤخراً على إيران، علماً أن تركيا تتزود بنصف حاجتها من النفط والغاز من إيران.

بوتين مستعجل لإتمام صفقة الصواريخ في أقرب وقت، وقد بدأ تدريب الكوادر العسكرية التركية على استخدامها هذا الأسبوع، ويتردد أن التسليم سيتم في شهر تموز المقبل، بعدما كان مقرراً تسليمها في الخريف. فبوتين يسابق الزمن خشية انهيار صمود أردوغان أمام الضغوط الأمريكية الكبيرة لإلغاء الصفقة، على رغم تصريحاته المتكررة حول عدم التراجع عنها.

وجاء تصعيد الهجوم الروسي ـ الأسدي على منطقة «خفض التصعيد» الرابعة في إدلب وجوارها ليشكل ضغطاً إضافياً على تركيا المنشغلة بخلافها الداخلي حول رئاسة بلدية إسطنبول، وقد حولها أردوغان إلى «أم المعارك» على السلطة السياسية. وثمة خلاف مستجد ومرشح للتصعيد بشأن عمليات التنقيب عن الغاز التي بدأتها تركيا في شرقي المتوسط مؤخراً، واعترضت عليها قبرص، فوجدت تركيا نفسها في مواجهة اليونان والدول الأوروبية والولايات المتحدة معاً. وإذا كانت روسيا صامتة، إلى الآن، حول هذا الخلاف، فمن المحتمل أن تنحاز فيه إلى قبرص ضد تركيا، إذا طرح موضوع الخلاف في الأطر الدولية المعنية. ما علاقة كل ذلك برسالة أوجالان؟

بدت رسالة أوجالان، في المشهد السياسي الداخلي، كحجرة رميت في ماء راكد. قبل كل شيء هي ورقة لعبها أردوغان لتغيير معادلات قائمة تضيّق عليه الخناق، بأبعادها الداخلية والخارجية الموصوفة أعلاه. فقد كان بإمكان السلطة الاستمرار في عزل أوجلان عن العالم الخارجي كما هي الحال منذ 8 سنوات. وكان بإمكانها منع خروج الرسالة التي مرت عبر حواجز إدارة السجن ووزارة العدل والحكومة والقصر جميعاً. بل إن مضمون الرسالة في جانبيها الداخلي والسوري هو مما أراد أردوغان إيصاله إلى الرأي العام للتأثير على وجهة الأحداث بالطريقة المرغوبة.

لقد عملت السلطة، طوال السنوات الماضية، على تأجيل الاستحقاقات الكبيرة وكسب الوقت على أمل تغير الظروف. الآن آن أوان تلك الاستحقاقات، ولم يعد هناك المزيد من الوقت. بكلام أوجالان حول «وجوب أخذ الهواجس الأمنية لتركيا بعين الاعتبار» أراد أردوغان أن يقول لواشنطن إنه مستعد للتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية» حول إنشاء منطقة آمنة، بشرط اعتبار الهواجس المذكورة. وبإحالة الرسالة إلى «أسس عملية السلام» التي انقطعت في 2015، والدعوة إلى «تعميقها» أراد أردوغان القول إن المشكلة الكردية قابلة للتفاوض حولها، على جانبي الحدود بين تركيا وسوريا. صحيح أن أردوغان نفى، في اليوم التالي على إعلان رسالة أوجالان، أي نية للعودة إلى «عملية السلام» لكن الفكرة تفاعلت في الرأي العام. ومثلها حديثه، قبل أسبوعين، عن وجوب قيام ما أسماه بـ«تحالف تركيا» لخفض التوتر الداخلي الناشئ عن الخلاف على رئاسة بلدية إسطنبول.

هناك «باب خلفي» للدبلوماسية بين واشنطن وأنقرة، فتح منذ فترة قصيرة، بعيداً عن القنوات الرسمية غير النشطة. من المحتمل أن أنقرة تسعى لترميم العلاقات المتوترة مع واشنطن، لتقوية موقفها إزاء موسكو. رسالة أوجالان، من هذا المنظور، هي إشارة لتحولات سياسية كبيرة قد تبدأها أنقرة بعد انتخابات الإعادة في إسطنبول في حزيران/يونيو القادم.

===========================

الجماعات الإسلامية على بوابة محنة

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 16/5/2019

تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على تصنيف «الإخوان المسلمين» جماعة إرهابية، وهذا لم يكن مفاجئاً، لأنه كان موضع بحث ونقاش في أوساط أميركية متعددة لسنوات مضت، وكان مؤيدو هذا القرار يربطون بين الخلفية الفكرية للجماعة والخلفية التي تستند إليها جماعات التطرف والعنف الإسلامية، خصوصاً «القاعدة» و«داعش»، فيما كان معارضو فكرة وصم «الإخوان» بـ«الإرهاب»، يرون فيها جماعة سياسية ذات توجه ديني، وأن تنظيمات إخوانية وأخرى قريبة منها، جهدت في العقدين الأخيرين للانخراط في عملية ديمقراطية مقبولة، كما في تركيا والمغرب وتونس ومصر، ما شجع البعض على قول إن «الإخوان المسلمين» لا خطر منهم، وأنهم يمكن أن يساهموا في تكريس الديمقراطية في العالم المعاصر بأخذ بلدان عربية وإسلامية إليها، وقد جاء قرار ترمب في مواجهة أنصار هذه الرؤية بصورة مباشرة.

وطبقاً لتقديرات أميركية، فإن هذا التصنيف سوف يتجاوز التنظيم الأم لـ«الإخوان»، ليشمل كل تنظيمات «الإخوان المسلمين» وتفرعاتها، أينما وجدت، و«الجماعات التي غيرت اسمها، والتي تخلت عن شعارات الجماعة في سياق التقية، وباتت تحرص على الظهور بمظهر الحزب الذي يؤمن بالمشاركة السياسية والاحتكام للقانون المدني»، وإذا صحت هذه التقديرات، فإن صفة الإرهاب ستصيب كل الجماعات الإسلامية دون استثناء.

ولا يمكن رؤية هذا التوجه لترمب بوصف «الإخوان» بـ«الإرهاب» بعيداً عن تطورات موقفه من إيران وميليشياتها، خصوصاً «حزب الله» اللبناني، فقد شكل موقف ترمب من نظام الملالي في إيران و«حزب الله» انقلاباً في سياسة واشنطن، بدأت أولى خطواته في تخلي واشنطن عن الاتفاق النووي مع إيران، وتبني موقف إسرائيل المعارض لوجود إيران في سوريا، وصولاً إلى قيام واشنطن بفرض العقوبات على طهران لإجبارها على تغيير سياساتها، قبل أن تذهب واشنطن إلى إعلان «الحرس الثوري»، القوة المتعددة الوظائف للنظام الإيراني، والمعنية بحمايته الداخلية - الخارجية، منظمة إرهابية، وإعادة تأكيد أن الجناح السياسي لـ«حزب الله» اللبناني، كما جناحه العسكري، منظمة إرهابية.

وبذا بات موقف ترمب، يجمع في عدائه الجماعات الإسلامية السياسية والعسكرية من الطرفين السني والشيعي، مضيفاً إليهم إيران، التي وإن كان نظامها يولي رعاية ودعماً خاصين لجماعات التطرف الشيعي مثل «حزب الله» اللبناني و«الحشد الشعبي» العراقي، فإنه يسبغ حمايته ورعايته لجماعات في التطرف السني، خصوصاً «القاعدة»، التي كانت إيران المقر الرئيسي لقياداتها في العقدين الماضيين، ولـ«داعش» التي تتلقى دعماً ومساندة كبيرين من إيران، حسبما أشارت تقارير دولية كثيرة.

ولا يمكن عزل سياسة واشنطن إزاء الجماعات الإسلامية والدول الداعمة له عن البيئة الدولية المحيطة، وأبرز مظاهرها فشل تجارب الجماعات الإسلامية في السلطة على نحو ما ظهرت تجربة «الإخوان» في مصر، وحركة «حماس» في قطاع غزة، وتحولات «الجبهة الإسلامية» في السودان، وتجربة «حزب الله» في لبنان، وقد أثبتت جميعها فشل تلك التجارب. والمظهر الثاني تجسده موجة عداء متنامٍ للجماعات الإسلامية، خصوصاً المسلحة، مثل «جبهة النصرة» و«الحشد الشعبي» و«حزب الله»، وما ارتبط أو تفرع عنها، وما ارتكبته من جرائم في سوريا والعراق وغيرهما، وسط رعاية من إيران وقطر وتركيا. والمظهر الثالث، ما حققه التحالف الدولي بقيادة واشنطن من تقدم في الحرب على «داعش» في سوريا والعراق. والرابع يبدو في تصاعد حركة شعبية في المنطقة بين أهدافها نظام الملالي في إيران الذي يواجه حركة معارضة متنامية، ونظام السودان الذي تمكنت الحركة الشعبية مؤخراً من إطاحة رئيسه عمر البشير.

وسط هذه البيئة المحيطة، تبدو الجماعات الإسلامية جميعها في مأزق عميق، تشاركت في خلقه وتصليبه مع خصومها وأعدائها، وهي مستمرة في ارتكاب أخطاء، وخلق مزيد من الخصوم والأعداء، ولعل سياسة «حزب الله» اللبناني مثال قريب لجهة إضعاف الدولة اللبنانية وتهميشها، وتصعيد النزاعات الطائفية لصالح المشروع الإيراني، الذي دفع «حزب الله» للقتال في سوريا إلى جانب نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين، ويقارب مثال «حزب الله» حال جماعة «الإخوان المسلمين» في اليمن المنضوية في إطار تحالف يجمعها مع الحوثيين وإيران، والمثالان يعكسان بعض خطايا وأخطاء تتابعها الجماعات الإسلامية، ما يجعلها هدفاً في حرب شاملة، لا تقتصر على الولايات المتحدة والدول الغربية، إنما أكثرية دول العالم.

إن الأهم فيما يواجه الجماعات الإسلامية من مؤشرات حرب في المرحلة المقبلة، توسيع دائرة حظرها وإغلاق المؤسسات التابعة لها، ومنع نشاطاتها، بما فيها الأنشطة الدعوية والاجتماعية، إضافة إلى تشديد الرقابة على قياداتها وكوادرها المعروفة ومتابعتهم، وفرض قيود على سفرهم وتنقلاتهم، وفرض عقوبات اقتصادية على الشركات والأفراد ممن ينتمون أو يتعاملون مع الجماعات، وستصيب الإجراءات الدول التي تؤازر الجماعات الإسلامية ومؤسساتها والممسكين فيها بملف العلاقة مع تلك الجماعات.

وسط تلك الحزمة من الإجراءات ضد الجماعات الإسلامية، فإن نشاط الجماعات المسلحة منها سيكون قيد التدقيق والمتابعة على نحو ما هي عليه نشاطات «القاعدة» و«داعش» و«حزب الله» اللبناني، خصوصاً في المناطق الساخنة على نحو ما عليه الوضع السوري. وسيتم التركيز على مصادر تمويل الجماعات، سواء كان من خلال دول داعمة مثل إيران، أو كان تمويلاً ذاتياً عبر تجارة المخدرات وعمليات غسل الأموال، أو كان تبرعات من مؤسسات أو أشخاص، يتعاطفون مع الجماعات الإسلامية. وسيتم تشديد الضغوط على الدول، التي توفر ملاذات آمنة لقيادات وكوادر الجماعات الإسلامية، وتوفر منابر إعلامية ودعوية لتلك الجماعات.

لن يكون من باب المبالغة قول إن السياسات والإجراءات والظروف المحيطة، التي ستواجه الجماعات الإسلامية جميعها، ستؤدي إلى تغييرات عميقة في واقع الجماعات ونشاطاتها. وغالباً فإن قليلاً منها سيحافظ على وضعه الحالي ضمن ظروف معقدة، كما هو حال الجماعات الإسلامية، وبينها «الإخوان»، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام من سوريا، وثمة قسم كبير من الجماعات، سيذهب في واحد من مسارين؛ أولهما الاندفاع إلى مزيد من العمل السري، كما هو حال «الإخوان» في مصر، والثاني لجوء بعض الجماعات إلى تغيير أسمائها وشعاراتها، وكل، أو بعض، قياداتها في محاولة للهرب من واقع الحظر والمتابعة، أما القسم الضعيف من الجماعات الإسلامية، فقد ينفرط عقد تنظيماته، وينتهي وجودها، لأنها لن تستطيع العيش في ظروف شديدة الصعوبة. وفي الخلاصة، فإن مشهد الجماعات الإسلامية الذي اعتدنا رؤيته سوف يتغير ويتبدل خلال المرحلة المقبلة نتيجة دخولها بوابة المحنة.

===========================

هل تنهي أنقرة شراكتها مع موسكو؟

 يمان دابقي

جيرون

الاربعاء 15/5/2019

هي المرة الأولى التي تُوضع فيها الشراكة الروسية التركية على المحك، على وقع المعارك التي تشنها موسكو مع حليفها الأسد وميليشيات إيران، في العمق الاستراتيجي للشمال السوري، وكان متوقعًا أن تشنّ موسكو عمليات جزئية في مناطق المعارضة، استنادًا إلى سلوكها في سورية الذي تبرره دائمًا بشماعة الإرهاب. فمنذ توقيع اتفاق سوتشي في أيلول/ سبتمبر 2018، صرّحت روسيا أكثر من مرة، على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف، بأن بلاده تعد اتفاق سوتشي مؤقتًا ولا بد من عودة كامل الجغرافية السورية للنظام السوري، كذلك ألمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من مرة إلى إمكانية شنّ بلاده عمليات عسكرية في محيط محافظة إدلب، على الرغم من أن اتفاق سوتشي ينصّ على تهيئة المناخ في إدلب، للتوصل إلى اتفاق سياسي. وعلى الرغم من شراكة روسيا مع تركيا، في مساري أستانا وسوتشي، فإنها لم تلتزم بوعودها، وسبق أن هندست العديد من الاختراقات لمناطق المعارضة، كما حدث في حاجز الزلاقيات بريف حماة الشمالي، 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، حيث قُتل 19 من عناصر (جيش العزة) وكان أول اختراق في المنطقة المنزوعة السلاح.

مؤخرًا، وبالتحديد في 26 نيسان/ أبريل 2019، قاد الفليق الخامس التابع لموسكو عمليات عسكرية موسعة، بهدف السيطرة على مناطق حيوية في المنطقة المنزوعة السلاح، أسفرت حتى الآن عن نزوح ربع مليون سوري للمناطق الحدودية مع تركيا، وتدمير غالبية البنى التحتية من مستشفيات ومدارس ومراكز ميدانية طبية، واستطاعت ميليشيات النظام السوري التقدم في محور ريف حماة الشمالي الغربي، وبسطت السيطرة على بلدة قلعة المضيق وبلدة كفرنبودة، وتل هواش، وما تزال المعارك مستمرة بين كر وفر، وهو ما طرح عدة تساؤلات عن سبب خروج موسكو عن خط الدبلوماسية مع نظيرتها تركيا، بعدما استطاعت من خلالها تحقيق العديد من الإنجازات في سورية، كما أن شراكتها مع تركيا وصلت مؤخرًا إلى مراحل متقدمة، قادت إلى إعلان الرئيس الروسي نية بلاده رفع الفيزا عن بعض المواطنين الأتراك، بحسب ما أعلن في المؤتمر الصحفي في لقائه الأخير مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة موسكو، وصرح الطرفان آنذاك بتعزيز الشراكة في العديد من المجالات، فعلى صعيد التبادل التجاري، من المتوقع أن يصل التبادل بينهما إلى 100 مليار سنويًا في العام القادم، إضافة إلى تعزيز العلاقات في المجال العسكري، فمن المفترض أن تستلم أنقرة في تموز/ يوليو القادم، المعدات الأولية لمنظومة (s400)، وذلك بعدما حسم الرئيس التركي المسألة بقوله: “رفعت الأقلام وجفت الصحف”.

إلى جانب قطاع الأمن والعسكرة، أعلن بوتين تدشين أنابيب خط التسيل، في مجال النفط والتعاون الاقتصادي مع تركيا، وهي الاتفاقية التي أكمل الطرفان كامل بنودها نهاية 2018، وإذا ما تم تمديد كامل الأنابيب؛ فإن موسكو ستحقق من خلالها عدة أهداف، على رأسها مزاحمة الولايات المتحدة على إمداد الاتحاد الأوروبي بالنفط عبر البوابة التركية، وهو المشروع الذي تعمل أميركا على عرقلته، بمشروع مواز يطول شرحه في هذا المقال.

يضاف إلى تلك المجالات تعزيز التعاون في مجال الصناعة والزراعة والثقافة والسياحة، لدرجة أن ذلك تسبب في دخول تركيا مع توتر جديد مع حليفها القديم بالناتو واشنطن، على أثر تقاربها مع روسيا، فبدأت العروض الأميركية تنهال على أنقرة في المجال العسكري والاقتصادي، كتقديم عروض في صفقات طائرات (f35) ومنظمة دفاع متطورة من الجيل المتقدم، ما دفع تركيا إلى استمرار اللعب على المتناقضات واتباع سياسية مسك العصا من الوسط، بهدف الحفاظ على خط التوازنات الثنائية بعلاقاتها مع موسكو وواشنطن.

فيما يبقى العامل الكردي هو الأهم بالنسبة إلى تركيا، وقد عملت واشنطن مؤخرًا على تحريكه بهدف سحب البساط من يد روسيا، والمعلومات الأخيرة تشير إلى أن زيارة جيمس جيفري الأخيرة لتركيا، قد حققت تقدمات في ملف المنطقة الآمنة، بحسب ما أعلنت الخارجية التركية، وقد تظهر ترجمات التفاهمات حيال أي تحرك تركي قادم شرق الفرات، بهدف إنشاء المنطقة الآمنة، وما يعزز هذا الطرح وجود إرهاصات عن مفاوضات جارية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، فقبل عدة أيام أعلنت تركيا وصول رسالة من عبد أوجلان، عبر محاميه، إلى زعماء (قسد) يدعوهم فيها إلى تفهم المخاوف التركية، وتجنب خيار العمليات العسكرية والاصطدام المباشر مع تركيا. صحيح أن هذه الإرهاصات لا تزال ضبابية إلا أنها كانت كافية لاستفزاز موسكو ودفعتها إلى تنفيذ تهديداتها السابقة للضغط على تركيا أو البدء في تهديد نسف كامل التفاهمات، عبر الخيار العسكري.

وهذا متوقع مع امتلاك موسكو كامل الذرائع للتملص من وعودها، فهي تتذرع بأن تركيا لم تنجح في تطبيق وعودها في اتفاق سوتشي، بما يتعلق بتفكيك “هيئة تحرير الشام”، ونزع السلاح الثقيل من يد الفصائل، وفتح الطرق الدولية، وتسيير الدوريات المشتركة في عموم المنطقة منزوعة السلاح، وبما يتعلق بتبرير قتل المدنيين فهذا أمرٌ اعتيادي بالنسبة إليها طالما أنها تنظر إلى كامل المنطقة على أنها بؤرة للإرهابين، بحسب تصريحات متحدثي الكرملين.

على الطرف الآخر، هناك غموض كبير في الموقف التركي، وتتحمل تركيا جزءًا من المسؤولية عما يجري من عمليات تدميرية وقتل جماعي، على اعتبار أنها أحد الدول الضامنة في اتفاق خفض التصعيد، وطرف رئيس في اتفاق سوتشي مع موسكو، فعدم وجود موقف واضح وصريح سيجعل موسكو تستثمر ذلك الغياب، في إلقاء المسؤولية عليها وحشرها بالزاوية أكثر، كما صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين في 9 أيار/ مايو الحالي، بقوله: إن العمليات الروسية مستمرة في إدلب بالتنسيق مع تركيا. ويعد هذا التصريح مؤشرًا خطيرًا في سير العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، لأنه يحمل في مضمونه موافقة تركية على ما يجري من عمليات القصف والتدمير، وبالتنسيق مع روسيا، لذا على تركيا الرد على الاتهام الروسي، لأن الأخيرة لن تتراجع عن سياسية الاستفزاز وسحب البساط من تحتها.

وبناء على ما ذُكر، هناك تفسير لما يجري في إدلب، يمكن من خلاله استشراف العلاقات الروسية التركية في الملف السوري.

التفسير المحتمل: أن كل ما يجري في إدلب، منذ اتفاق أستانا حتى سوتشي، متفق عليه بين موسكو وأنقرة، وما يحدث في الميدان هو تطبيق عملي وحرفي لبنود اتفاق سوتشي، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن تركيا عجزت حقيقة عن تفكيك “هيئة تحرير الشام”، ولم تستطع إقناع الفصائل بقبول تسيير الدوريات المشتركة في المنطقة منزوعة السلاح، ولم تنجح في فتح الطرق الدولية كما كان مقررًا لها في نهاية العام 2018، ولأجل ذلك رمت تركيا الكرة في ملعب الفصائل، وتحفظت على رغبات موسكو في التدخل عسكريًا، على خط العمليات بهدف فرض وتنفيذ تلك الشروط بالقوة وبلغة الدم، ويجب التنبيه إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد صرح، وهو على متن الطائرة عائدًا من موسكو في لقائه الأخير مع بوتين، قائلًا: لا نستبعد شن عمليات عسكرية جزئية مشتركة في محيط إدلب. اللافت أن العمليات الجارية ليست مشتركة بل هي منفردة من طرف موسكو، ويقابلها صمود قوي من قبل فصائل الجبهة الوطنية، وجيش العزة، وبقية الفصائل المشاركة المدعومة من تركيا، وهو سبب كاف لأن يكون هذا الاحتمال التوافقي التشاركي بين تركيا وموسكو غير صحيح في الإطار الكلي لمستقبل المنطقة، بمعنى أن لا وجود لتفاهم كلي وكامل حول إدلب، فمن المؤكد غياب رؤية كاملة ونهائية لهذا الاتفاق، إذا ما نظرنا إلى الملف من زاوية ربط ملف إدلب بسياسات دول إقليمية، كواشنطن وأوروبا اللتين ترفضان حتى اللحظة إجراء اجتياح كامل لكامل محافظة إدلب، فمن شأن ذلك أن يقوض المسار السياسي كليًا، لذا فإن الخيار الوسط هو وجود تفاهم جزئي بين تركيا وموسكو متعلق بمناطق ترغب موسكو في السيطرة عليها، بهدف تأمين قاعدة حميميم التي استهدفتها الفصائل أكثر من مرة، إلى جانب تأمين محافظتي حماة واللاذقية، ولتحقيق ذلك تقوم موسكو بمحاولة إفراغ المناطق في مثلث سهل الغاب، وصولًا إلى جسر الشغور.

وبالمقابل، فإن أحد خيارات تركيا سيكون تحركها نحو تل رفعت، إذا ما اقتضت الحاجة لذلك، مع التنبيه أن ذلك قد يحدث من دون وجود صفقة أو مقايضة مع موسكو، كما ظهر عبر الإعلام، بمعنى أن التحرك سيكون خيارًا لتركيا لتأمين خط دفاع لها عن مناطقها في عفرين وجرابلس.

لكن هذا لا ينفي وجود خلاف كبير بين الطرفين، لم يتم احتواؤه هذه المرة، وتفجر عقب انتهاء جولة أستانا 12، وهو التفسير الأقرب للواقع نظرًا إلى الدعم التركي المقدم للفصائل، الذي من المتوقع أن يرتفع في الأيام القادمة إذا ما استمرت روسيا في التصعيد، فصحيح أن تركيا ألمحت بشن عمليات مشتركة للتخلص من الإرهاب في إدلب، لكن التفسير التركي لذلك أن يتم بعمليات جراحية عن طريق الأجهزة المخابراتية، وأهداف مركزة على نقاط الإرهابين، وليس كما يحدث الآن من قصف عشوائي على المدنيين، وهنا يكمن جوهر الخلاف بين الطرفين، فموسكو تحركت بردة فعل لإنزال عقاب على الفصائل المعتدلة التي رفضت تسيير دوريات روسية في المنطقة منزوعة السلاح، بينما على ما يبدو هي متفاهمة مع فصائل الجولاني أو تتخذه شماعة لها، والأخير قرر إخلاء قلعة المضيق وبعض النقاط من دون قتال، بذريعة أنها ساقطة عسكريًا، كما أن كل الغارات المتواصلة لم تسفر عن استهداف مركز لـ “هيئة تحرير الشام”، ولم نسمع بمقتل عنصر أو قائد تابع للهيئة!

بالمحصلة الشراكة الروسية التركية، جاءت كضرورة للطرفين، بعد تجاوزهما مسألة إسقاط الطائرة في 2015 وقد رأى الطرفان مصلحة مشتركة في اتحادهما في الملف السوري الذي تبلور حينذاك بإنشاء مسار أستانا في 2017 بالتحديد بعد سقوط حلب المدينة وأخيرًا إلى اتفاق سوتشي. ومع وصول الطرفين إلى طريق مسدود فإن الخطر يكمن في عزم موسكو على تطويع الظروف الحالية لصالحها بهدف قضم المزيد من المناطق، وعليه فإن الخطر القادم على المناطق المحررة لم يأتِ بعد، فإذا ما استطاعت موسكو قضم المنطقة المنزوعة السلاح، فهذا يعني أن ستتابع لاحقًا في مخططها الرامي لعودة كامل إدلب إلى كنف النظام، وهو ما يعني تهديد مناطق النفوذ التركي في عفرين وجرابلس ودرع الفرات. ولعل الصمت التركي حتى الآن يعود إلى تفكير تركيا في الهدف الروسي البعيد المذكور أعلاه، وهذا الأمر يتطلب تريثًا وتفكيرًا مليًا، في شراكتها مع موسكو المبنية على العديد من المجالات على رأسها الاقتصاد، فمن غير المتوقع إذًا أن تتخذ تركيا خطوة جزئية للرد على موسكو في إنهاء اتفاق سوتشي فقط، من دون التأثير في العلاقات الاقتصادية، فكما أن الاقتصاد يؤثر في العلاقات السياسية، كذلك السياسية تؤثر في مسار الاقتصاد، وإذا ما أعلنت تركيا إنهاء الشراكة مع روسيا؛ فسيكون إنهاءً كاملًا وليس فقط في ملف إدلب، ومن هنا تتريث أنقرة في الوقت الحالي، وتكرر اتصالها مع موسكو، بهدف التوصل إلى وقف الأعمال العسكرية والعودة إلى مسار المفاوضات، فالجميع يعلم أن الخاسر في النهاية في هذا الموضوع سيكون موسكو، فتركيا بكل الأحوال ما تزال حليفًا قويًا للغرب، ومن قبل الاتحاد الأوروبي المناهض للتوجهات الروسية في كامل الشرق الأوسط، مع ذلك تحاول تركيا إيجاد مخرج يحقق لها مجددًا عدم خسارة أحد من الحلفاء أي بين روسيا وأميركا، لكن السؤال إلى متى ستبقى تركيا ممسكة بالعصا من الوسط، مع العلم أن موسكو من الناحية الاستراتيجية بدأت تشكل خطرًا حقيقيًا على تركيا، وتحاول تطويقها في مياه المتوسط.

===========================


سوريا.. رمضان التشرد والقهر

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 15/5/2019

لثمانية رمضانات والشام تئن تحت قصف شبه يومي، وإبادة صامتة أسفرت عن مقتل مليون شخص وجرح وخطف وتشريد الملايين، وفوق هذا تدمير بنى تحتية مرعبة، دفعت الأمم المتحدة ذاتها إلى التوقف حتى عن ذكر أعداد القتلى والجرحى منذ وقت طويل، غير أنه في الأسبوعين الماضيين تجددت الغارات الجوية الروسية المدعومة للنظام السوري على مناطق ما توصف بخفض التصعيد في ريفي حماة وإدلب، وقد أسفر ذلك عن تدمير أكثر من أربعين مدرسة وحوالي عشرة مشافٍ، وسقط عشرات القتلى والجرحى، فضلاً عن تشريد لـ 400 ألف مدني يفترشون الأرض ويلتحفون السماء الآن تحت أشجار الزيتون.

رمضان أصبح شهر التشرد والعذاب والقهر في سوريا، وهذا ليس بجديد منذ ثماني سنوات، لكن الجديد هذه المرة غياب الاهتمام الدولي والإنساني والإعلامي بما يجري لأطفال ونساء وشيوخ عجز، فضلاً عن قصف مشافٍ بسيطة يلجأ إليها الناس لمعالجة أنفسهم وأطفالهم ونسائهم، ولكن مثل هذا القصف إنما هو لتركيع المدنيين ودفعهم إما للقبول بحكم طاغية الشام، وإما بتفريغ المناطق من أهلها، بعد أن قرر الاحتلال وذيله أنه يريد الشام أرضاً بلا شعب، يوازيه في ذلك ما رفعه الصهاينة ومارسوه من قبل فلسطين أرض بلا شعب.

المعاناة كبيرة، وتحرك المؤسسات الإعلامية والإغاثية لا يرقى إلى حجم الكارثة الإنسانية التي أحاقت بالشمال المحرر في الأسابيع الماضية، وسط استمرارها، وعدم التنبؤ بوقفها قريباً، على الرغم من جهود خجولة لعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لبحث الوضع في إدلب، والظاهر أن الجلسة من أجل معالجة تداعياتها على أوربا، التي تخشى من موجة هجرة جديدة تتدفق عليها، بسبب هذه الغارات والعمليات العسكرية، غير أن المجتمع الدولي لا يزال مشلولاً عن فعل أي شيء في سوريا.

حديث المشردين والنازحين ينبئ عن براكين غضب داخلية تعتمل في نفوسهم، وهو ما يذكر تماماً ببراكين الغضب التي كانت تعتمل في نفوس الفلسطينيين النازحين في الأربعينيات والستينيات، وهو أمر ينبغي أن تتوقف عنده مراكز الدراسات وصناع القرار في العالم طويلاً، فإن جيل غضب خطير يتشكل اليوم في الشام حانق وغاضب على كل شيء، هذا الجيل ربما لن ينتقم اليوم مباشرة، ولكن بالتأكيد سيفكر بالانتقام ولو بعد حين، وسيمنح لنفسه الوقت الكافي للتفكير جدياً بطريقة تتناسب والجريمة التي نزلت بحقه، وتتناسب تكتيكاتها مع تكتيكات التآمر الدولي التي أحاقت به من كل حدب وصوب.

الأيام المقبلة ليست خطيرة على الشعب السوري، فقد رأى ما هو الأخطر، والخذلان العالمي أظهر أسوأ ما لديه ولم يعد للقاع قاع، ولكن الفترة المقبلة ربما تكون خطيرة على العالم الذي ينبغي أن يترقب جيلاً حاقداً على كل شيء، حُرم من الحياة ومعها من كل تعليم أو صحة.

===========================

أميركا – إيران.. ضرب تحت الحزام

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 15/5/2019

اقتربت الولايات المتحدة الأميركية وإيران من اجتياز الخط الفاصل بين المواجهتين، السياسية والعسكرية، بانتقالهما من التصعيد السياسي إلى التحرّكات العسكرية، ما زاد من احتمال انفجار مواجهةٍ عسكريةٍ بينهما؛ وضع الإقليم والعالم في حالة ترقب وقلق شديدين. انتقلت الولايات المتحدة من تصفير الفوائد الاقتصادية للاتفاق النووي، المعروف رسمياً بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، عبر الانسحاب منه، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية (أعيد فرض العقوبات على مرحلتين رئيستين، في أغسطس/ آب ونوفمبر/ تشرين الثاني 2018)، إلى العمل على تصفير صادرات النفط والغاز الإيرانيين، إلى إضافة قطاعات الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس الإيرانية إلى قائمة العقوبات، إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وصولا إلى حشد قوة بحرية وجوية ضاربة، تنفيذا لاستراتيجية "الضغوط القصوى" التي أعلنتها "الإدارة" لمواجهة ما تعتبره خطراً إيرانياً. وكانت قد شكلت، يوم 16 أغسطس/ آب 2018، مجموعة عمل، أطلقت عليها تسمية "مجموعة العمل الإيرانية" برئاسة براين هوك، مدير التخطيط في وزارة الخارجية، لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

قالت الإدارة الأميركية إنها لا تريد "تغيير النظام"، وإن هدفها من هذه الإجراءات "تغيير سلوك النظام"، كما أنها لا تريد الحرب مع إيران؛ لكنها سترد "رداً سريعاً وحازماً" على "أي هجوم" قد تشنّه إيران أو أيٌّ من حلفائها على مصالح أميركية، وفق إعلان وزير الخارجية،

"الإدارة الأميركية وضعت 12 شرطاً للتفاوض مع إيران، في خصوص برنامجها النووي والصاروخي الذي يحمل تهديداً كامناً لحلفاء واشنطن"  مايك بومبيو. وقد حثّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القيادة الإيرانية على الجلوس والحوار معه بشأن التخلي عن برنامجها النووي؛ ولمزيد من الضغط مرّر رقم هاتفه إلى القيادة الإيرانية عبر الحكومة السويسرية التي ترأس مكتب رعاية المصالح الأميركية في طهران، في إشارةٍ إلى أنه ليس لديها خيار آخر. كانت (الإدارة الأميركية) قد وضعت شروطها للتفاوض، وهي اثنا عشر أعلنها بومبيو في مايو/ أيار العام الماضي، والتي تستهدف برنامجها النووي والصاروخي الذي يحمل تهديداً كامناً لحلفاء واشنطن، ودورها ونفوذها وأذرعها الإقليمية.

لم تعر إيران اهتماماً لانتقادات المرشح الرئاسي الجمهوري، دونالد ترامب، للاتفاق النووي الذي وقعته مع مجموعة 5الاربعاء 15/5/20191، وكانت تراهن على فوز المرشح الديمقراطي هيلاري كلينتون، ولأنها تعتبر الاتفاق نصاً دوليا مدعوما بقرار مجلس الأمن رقم 2231. وقد تعزّزت قناعتها هذه بمرور الشهور على توليه الرئاسة، من دون اتخاذه موقفا من الاتفاق، ولذا كان قراره الانسحاب من الاتفاق يوم 8 مايو/ أيار 2018 مفاجئا أثار حفيظتها، لكنها تبنّت، في البداية، ردّا سياسيا برفع شكوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ضد الولايات المتحدة لإخلالها بمعاهدة الصداقة الإيرانية - الأميركية، الموقعة بين البلدين عام 1955، عبر فرضها العقوبات الاقتصادية عليها، والتي (المحكمة) أصدرت يوم 28 أغسطس/ آب 2018 حكما لصالح إيران؛ لكن الولايات المتحدة أجهضته بإعلانها إلغاء المعاهدة.

تصاعدت، مع مرور الوقت، التهديدات الإيرانية ضد الولايات المتحدة وحلفائها، الدول العربية الخليجية المصدِّرة للنفط، وخصوصاً السعودية (تدمير القوة الأميركية في المنطقة، منع تصدير النفط الخليجي، إغلاق مضيق هرمز)، والدول الأوروبية، تصريح وزير الداخلية الإيراني، عبدالرضا رحماني فضلي، الذي قال فيه: "إذا أغمضنا عيوننا 24 ساعة، سيذهب مليون لاجئ إيراني إلى أوروبا عبر حدودنا الغربية" من خلال تركيا. و"تهريب نحو 5000 طن من المخدّرات إلى الغرب"، ودعت الدول الموقعة على الاتفاق النووي إلى التصدي للموقف الأميركي، وتعويضها على خسائرها الاقتصادية التي ستنجم عن العقوبات الأميركية التي أثرت على الاقتصاد الإيراني بقوة، وصفها الرئيس الإيراني، روحاني، بالموجعة، فقد تراجع سعر صرف العملة الوطنية، وفقدت أكثر من 150% من قيمتها؛ وتراجع النمو العام بنسبة 3.8% وبلغ التضخم نسبة 30%، حسب المصادر الرسمية، وقدّر صندوق النقد الدولي تراجع الاقتصاد الإيراني هذا العام بنسبة 6% ونسبة التضخم بـ 40%، وتوقع انخفاض صادرات النفط الإيراني إلى 1.3 مليون برميل في اليوم، كان في العام الماضي 2.8 مليون، ما سيؤدي إلى تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي يعتمد على مبيعات النفط والغاز، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة بنسبة 80%، وارتفاع الأسعار ارتفاعا غير مسبوق. هذا قبل بلوغ صادراتها من النفط نسبة الصفر التي تسعى الإدارة الأميركية إلى بلوغها.

تبنّت إيران في مواجهة العقوبات تكتيك الصبر الاستراتيجي، "التأقلم مع الظروف الجديدة"، عبر إعادة التأكيد على خيار الاقتصاد المقاوم الذي طرحه المرشد الأعلى، علي خامنئي، 

"أعادت واشنطن نشر صواريخ باتريوت في دول في المنطقة؛ بعد أن كانت سحبت كثيراً منها في العام الماضي" و"رفض التفاوض مع تجنب الانزلاق نحو الحرب"، بغية كسب مزيدٍ من الوقت، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الداخلية الأميركية ونتائج الانتخابات الرئاسية في العام 2020. غير أن ما عكسته المؤشرات الأميركية من ترجيح حصول الرئيس، دونالد ترامب، على ولاية ثانية، من جهة، والآثار الاقتصادية المدمرة للعقوبات التي فرضت إلى الآن، وتوقع فرض مزيد منها، (يتوقع معلقون أن يضيف الرئيس الأميركي البتروكيميائيات إلى لائحة العقوبات) من جهة ثانية، كلها عوامل دفعت القيادة الإيرانية إلى العودة إلى سياسة حافة الهاوية، بتحريك وكلائها لمهاجمة مصالح أميركية في المنطقة، وإمهال الدول الأوروبية ستين يوما للتحرّك لإنقاذ الاتفاق النووي بتفعيل آلية "إنستكس"، التي أنشأتها الترويكا الأوروبية (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا) في يناير/ كانون الثاني الماضي، لدعم المبادلات التجارية معها، وتوسيع دائرة عملها لتشمل النفط والمصارف، الدول الثلاث قصرت عملها على الغذاء والدواء، لتخفيف آثار العقوبات الأميركية، وإلا ستتوقف عن الالتزام ببعض بنود الاتفاق النووي، بوقف الالتزام بالحد من مخزون اليورانيوم ودرجة تخصيبه، وإنتاج المياه الثقيلة المستخدمة في إنتاج البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه طريقة بديلة لإنتاج رأس نووي. أشار الرئيس، حسن روحاني، إلى المادتين 26 و36 من الاتفاق النووي (وقف تنفيذ الالتزامات بموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة" الراهنة في حال أعادت واشنطن فرض العقوبات، وإحالة قضايا عدم الامتثال "إلى اللجنة المشتركة للتسوية" واستخدام قرارها في وقف الالتزام بالاتفاق).

ردّت الولايات المتحدة بتحريك قوة عسكرية مكونة من حاملة الطائرات، يو إس إس أبراهام لنكولن، ترافقها كاسحة ألغام وغواصة أو غواصتان وبارجة وفرقاطتان، والسفينة البرمائية الهجومية، يو إس إس أرلنغتون، وأربع قاذفات استراتيجية "بي 52 ستراتوفورتريس" ستنتشر قرب الحدود البحرية والبرية الإيرانية، وأعادت نشر صواريخ باتريوت في دول في المنطقة؛ بعد أن كانت سحبت كثيرا منها في العام الماضي، لردع الإيرانيين والضغط عليهم للتخلي عن أية خيارات عسكرية. قال قائد القيادة الأميركية الوسطى، فرانك ماكنزي، "إن قرار تعزيز القوات الأميركية جاء ردا على مؤشرات مقلقة وتصعيدية، وعددٍ من التحذيرات". كما تحدث الناطق باسمه بيل أروبان، عن وجود "مؤشرات واضحة على أن الإيرانيين ووكلائهم يحضّرون لتنفيذ اعتداء محتمل على القوات الأميركية في المنطقة".

لا تريد الإدارة الأميركية حربا مع إيران، لكنها لا تستبعدها، وفق تصريح ترامب، يوم 9 مايو/ أيار الحالي، في ضوء "تزايد التوتر بين البلدين"، كما قال، فعدم استبعاد مواجهة عسكرية مرتبط بشكل رئيس بسياسة إيران التي تعتمد في صراعاتها المسلحة على الوكلاء، تتم خارج حدودها وخسائر بشرية غير إيرانية، بينما عائدها العسكري والسياسي يصب في

"قدّر صندوق النقد الدولي تراجع الاقتصاد الإيراني هذا العام بنسبة 6%، ونسبة التضخم بـ40%"  طاحونتها، من جهة، وما تعتبره كعب آخيل الدول الديمقراطية: الخسائر البشرية، من جهة ثانية، فهي تحلم بتكرار ضربة المارينز في بيروت عام 1983 وانسحاب القوات الأميركية من لبنان، والدور الذي قامت به المليشيات الموالية لها في العراق من 2003 إلى 2011، وما ألحقته بالقوات الأميركية من خسائر، 603 قتلى، وفق وزارة الخارجية الأميركية، عجّلت برحيلها من العراق. بالإضافة إلى حاجة الرئيس الأميركي إلى الضغط والتوتير، عله يكرّر تجربته مع كوريا الشمالية التي خضعت للضغط، وانحازت إلى المفاوضات، من جهة، وحاجته إلى إيصال رسالة إلى كوريا الشمالية، عبر ضرب مواقع إيرانية بقوة نارية كبيرة، من جهة ثانية، والتغطية على المأزق الذي وضع نفسه فيه في فنزويلا، من جهة ثالثة، ناهيك عن احتمال تكرار حادثة اصطدام فرقاطة الصواريخ الموجهة الأميركية "يو إس إس صموئيل" بلغم بحري زرعته إيران في الخليج عام 1988، ما دفع القوات الأميركية إلى توجيه ضربة كاسحة للبحرية الإيرانية استمرت أربعة أيام، كبّدتها منشآت بحرية واستخباراتية على منصتي نفط، وإغراق ثلاثة زوارق سريعة مسلحة، وفرقاطة، وزورق هجومي، وإصابة الفرقاطة سابالان، وفقدان نصف الأسطول العملياتي، ومقتل 55 عنصراً من البحرية الإيرانية، تُبقي احتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، ولو محدودة، بين البلدين واقعياً.

===========================


إدلب لن تحل أزمة بوتين وروسيا

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 14/5/2019

لمحاكمة التحرّك الروسي أخيرا في إدلب (في سورية) بمنطق الاستراتيجيا ومعاييرها، فإنه يمكن الحكم ببساطة بغباء هذا التحرّك، لأن حاصله لن يضيف شيئاً ذا قيمة يساعد روسيا على الخروج من مآزق تواجهها، فضلاً عن أن هذا التحرّك يفاقم من أزماتها، في سورية وخارجها، ولا يكسر المعادلة الجهنمية التي وضعت روسيا نفسها بها، ولا يحرّك قطع الستاتيكو المتناثرة لإنتاج وضع مريح لروسيا. ذهبت كبريات الصحف العالمية إلى تفسيرات عديدة، مؤداها أن روسيا تسعى، عبر تهديد إدلب، إلى إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد، منها إعادة ضبط المعادلة القائمة مع أميركا؛ لدفع الأخيرة إلى التفاوض معها وإنهاء حالة الجمود التي باتت تضرب الملف السوري، وتمنع الروس تاليا من الذهاب إلى الخطوة التالية، وهي قطف ثمار ما تزعم أنه انتصار عسكري في الاقتصاد والسياسة. وتذهب تفسيرات أخرى إلى أن الغاية الروسية من التحرّك هي التلويح لأوروبا بعصا اللاجئين، كي تسارع أوروبا إلى دفع مستحقات إعادة الإعمار في سورية، وخصوصا أن استخدام ورقة الدفعات الأولى من اللاجئين قد نفد

"تذهب تفسيرات إلى أن الغاية الروسية من التحرّك في إدلب هي التلويح لأوروبا بعصا اللاجئين" مفعولها، واستطاعت دول أوروبا تجاوز تداعياتها وانتهت من النقاش المحلي، الأوروبي ــ الأوروبي. وفي ألمانيا بالتحديد أدى صعود حزب الخضر إلى موازنة المعادلة لصالح اللاجئين، وخفت وهج الأحزاب اليمينية، وخصوصا حزب البديل. وترى تفسيرات أخرى أن غرض التحرّك الروسي تعويم الأسد عبر منطق الأمر الواقع، ذلك أن سيطرته على إدلب ستجعل أي اعتراض على شرعيته نوعاً من الفانتازيا اللامعقولة، إذ لن يكون ثمّة طرف سياسي له حيثية يشكل بديلاً محتملاً له؛ حينئذ تصبح الدعوة إلى تنحّيه عن السلطة بمثابة مطالبةٍ بحصول فراغ في السلطة في سورية، وهو ما لا يقبله المنطق السياسي، بالنظر لتداعياته الأمنية الخطيرة على مستوى سورية والمنطقة.

وتبدو هذه التفسيرات منطقية، لانسجامها مع طبيعة التفكير الروسي، والذي على الرغم من محاولة الكرملين اتباع قدر من الغموض في سياساته الخارجية، وخصوصا كليشيهات إن روسيا لا تدافع عن أشخاصٍ معينين في سورية، أو أن روسيا تحترم القانون الدولي، إلا أن هذه السياسة باتت مكشوفة، وتفكّكت، عبر ثلاث سنواتٍ ونصف السنة من تدخل روسيا المباشر في سورية، جميع طلاسمها، إلى درجة أن أحداً لم يعد يهتم بادعاء الرئيس بوتين أن قواته ستنسحب من سورية، ولا بمؤتمرات أستانة، ولا ادعاءات قرب التوصل لتشكيل لجنة دستورية.

وللتحرك الروسي أغراضٌ داخلية أيضاً، لا تقل أهمية عن الخارجية، تتعلق بسلطة بوتين التي تواجه إرباكات في الداخل الروسي؛ فقد ذكرت صحيفة موسكو تايمز أن شعبية دعم التدخل العسكري الروسي في سورية تراجعت بشكل كبير، استنادًا إلى إحصاء جديد أجراه مركز "ليفادا" المستقل، ذلك أن 55% من المستطلعة آراؤهم طالبوا بإنهاء حملتها العسكرية في سورية. والنتيجة الأخطر تراجع نسبة الروس المتابعين للأحداث في سورية، ما يعني أن التدخل هناك، وأراد بوتين منه إشغال الداخل الروسي عن قضايا الفساد والحكم المستبد، قد استنفد فعاليته، فهل التحرك في إدلب محاولة لاسترداد الروح لهذه الوظيفة؟

الجواب بالطبع لا، لأن سلطة بوتين تعاني من أزمةٍ مركبةٍ داخل روسيا، هي أزمة انكشاف القابضين على الحكم، البيروقراطية والأجهزة الأمنية ورجال أعمال الكرملين الذين لا همّ لهم سوى الاغتناء، فيما ترزح البلاد تحت فشل مريع على المستويات الاقتصادية والتعليمية والصحية والتقنية والتكنولوجية، ويزداد الروس فقراً.

أما الأزمة الأخرى، فيسميها المعارض أندريه بيوتكوفسكي، "موت أسطورة بوتين"، ويرد

"يتحدث المعارض أندريه بيوتكوفسكي عن "موت أسطورة بوتين"، ويقول إن كل نظام تسلطي ينبغي أن يقوم على أسطورة ما تُقدّم للرعايا كي يتحملوه" أسباب الأزمة التي تمر بها روسيا إلى عملية تراكمية بدأت تنكشف أخيرا، ويقول إن كل نظام تسلطي ينبغي أن يقوم على أسطورة ما تُقدّم للرعايا كي يتحملوه. ويقول إن الروس يتذكرون جيداً خريف العام 1999، حين حدثت تفجيرات المساكن واندلعت حرب الشيشان، وقامت الكلبتوقراطية (حكم اللصوص) الحاكمة، عبر جهاز التلفزة، بإيجاد أسطورة ضابط المخابرات الشاب البطل، الذي يحمي الروس من الإرهابيين، لكن هذه الأسطورة، حسب بيوتكوفسكي، انتهت، وأصبح الجميع يدرك المأزق الشامل لسلطة النهب البوتينية، وغياب أية ضمانات اجتماعية وآفاق للمستقبل.

لن يستطيع التحرّك الروسي في إدلب الانقلاب على هذه المعطيات، وتحقيق نتائج مهمة من شأنها ترميم ما عطلته الوقائع والأحداث، كما أن بوتين لن يستطيع إحياء ما هو ميت، طالما أن دبلوماسييه يحملون جثّة بشار الأسد عبر العواصم في محاولةٍ لإعادة إحيائه، وذلك يمثّل قمة الفانتازيا والعبث، فمن يشتري جثة متعفنة؟ ولن يستطيع أحد، مهما بلغت درجة وقاحته، تأهيل مجرمٍ من عينّة بشار الأسد. كما أن لعبة بوتين القائمة على "تأجيل التاريخ" في سورية، بتمديد حكم الأسد، وتنويم الثورة ضده بالقوّة وبسياسات الإبادة والأرض المحروقة، انتهت ولم تعد مجدية، فبالإضافة إلى تكاليفها الباهظة، فإنها معاكسةٌ لمنطق التاريخ والحقيقة، وسيخضع لها بوتين مكرهاً، مهما حاول التفلّت منها.

===========================


التشبيح الأميركي وخيبات الملالي

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 13/5/2019

قديمة العلاقة الأميركية – الإيرانية. تعود إلى فترة اكتشاف النفط في إيران، وإزاحة اليد الإنكليزية عنه، إلى محاربة النمو الشيوعي في ذلك البلد؛ إلى استدعاء رئيس الوزراء مُصدّق، ثم القضاء عليه؛ إلى العودة لتعزيز الشاه وتدجيجه بما طاب له من السلاح، وجعل "السافاك" /المخابرات/ الأقوى في داخل إيران ومحيطها؛ إلى وصول إيران لموقع منافس وأحياناً متفوّق على إسرائيل حظوة لدى الإدارات الأميركية، التي جعلت من إيران خط الدفاع والهجوم الأول في وجه السوفييت؛ إلى اللعب في الداخل الإيراني، الذي أنهكه الشاه؛ وصولاً إلى التأسيس للـ "عدو الجديد" /الإسلام/ عند بدء أفول نجم العدو الشيوعي نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات؛ إلى لقاء "برجينسكي" وغيره من صنّاع السياسة الأميركية بالمنفي في فرنسا "الخميني"، وأخذ التعهد منه بصيانة المصالح الأميركية بعد الشاه مع إدخاله إلى إيران وإنهاء الشاه.

ذلك التأسيس الأولي بين البلدين جعلك لا ترى مؤسسة أميركية أكاديمية أو اقتصادية إلا وفيها من أولئك الذين أوفدهم الشاه أو ذهبوا كمستثمرين ليشكلوا قوى ضغط بكل الاتجاهات في الساحة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو التدينية الأميركية. وهنا إسرائيل و"لوبياتها" لم تكن غائبة عن المشهد، لتتطور علاقة ولا أوثق بين البلدين لا نعرف خباياها بدقة، غير أن أكبر "الحاخامات" في إسرائيل يتشاور ويطلب الرضى من حاخامات إيران.

قبل قيام ما سُمّي بـ "الثورة الإسلامية"، كانت مراهنات السياسة الأميركية على عصر مليء بالقوة مع إيران؛ ولكن مكتوباً على هذه العلاقة أن تمر بكل أنواع الأنواء مداً وجزراً، تحكمها "التقية" الإيرانية و "البرغماتية" الأميركية، اللتان تتشابهان إلى حد التطابق. فمن احتلال السفارة الأميركية في استهلال عهد "الخميني"، وتخييب أمل "جيمي كارتر"، والمساهمة -إثر ذلك- بسقوطه عام ثمانين من القرن الماضي، والترتيب مع "ريغن" لإطلاق سراح 444 أميركي احتجزهم حرس الخميني الثوري، ولم يطلقهم إلا كهدية للرئيس الجديد "ريغن" عربون صداقة خفيّة مؤامرتيه أتت أُكلها في التنسيق مع إدارته في شراء الأسلحة لحرب الخميني مع العراق، ولتزويد CIA "ريغن" بالدعم المادي الذي احتاجه للـ "كونترا" (ما عُرِف بـ "فضيحة الكونتراز)؛ إلى ضرب "المارينز" الأميركيين 1982 في بيروت، وتأسيس "حزب الله"، ومنها إلى تقويض الوضع السوفييتي في أفغانستان لتكون طهران المضيف الأساس لتنظيم القاعدة؛ ومن ثم إلى حرب أميركا في أفغانستان، ولعب إيران بموجب "التقية"، وفتحها على حسابها، لتستشيط أميركا منها غضباً، وتجعل "الخميني" يتجرع كأس سم إنهاء الحرب العراقية – الإيرانية، بعد أن كانت وإسرائيل قد زادتا في إوارها، حتى وصل البلدان إلى ما وصلا إليه. تبع ذلك بالطبع

لا تسمع في الخطاب الإيراني إلا "الشيطان الأكبر" و "الاستكبار الأميركي" الذي ساعد الملالي على الضرب عرض الحائط بالوضع الداخلي وحاجاته، وحُكْمِه بالحديد والنار والقمع والعوّز

احتلال العراق للكويت، واحتلال أميركا للعراق؛ وكانت إيران كالضبع - لكن صانع سجاد بـ "تقيته" بانتظار الانقضاض على مجمل الفرائس، التي كانت أميركا تمص خيرها، وتتركها له أكان ذلك في أفغانستان أم في العراق.

كل ذلك ساهم باستمرار حالة المد والجزر في العلاقة، وفي "العداء" بين أميركا وإيران الخمينية. فلا تسمع في الخطاب الإيراني إلا "الشيطان الأكبر" و "الاستكبار الأميركي" الذي ساعد الملالي على الضرب عرض الحائط بالوضع الداخلي وحاجاته، وحُكْمِه بالحديد والنار والقمع والعوّز. لقد شكّل "العداء لأميركا" إستراتيجية لجمهورية الملالي الإسلامية. فباسم هذا العداء حكموا وتحكموا؛ وتحت يافطتها قادت إيران ما درج على تسميته بـ "جبهة المقاومة والممانعة".

كل ذلك وصولاً إلى 2010 و2011؛ ومع انطلاقة ما سُمِي بالربيع العربي، وما سمّته إيران بداية "النهوض الإسلامي": /the Islamic Rise/ (ربما لأسباب تكشفت لاحقاً بسيطرة "محاربة الإرهاب" على كل شيء)؛ فبالنسبة لإيران بقيت التسمية معتمدة إلى أن قام الحراك في سوريا؛ فأصبح حسب تقيتها ليس "نهوضاً إسلامياً" بل "إرهاباً"؛ وإن أراد الآخرون تسميته بالإرهاب الإسلامي، فيكون "إرهاباً سنيّاً" حصراً؛ ودليلها الذي يشاركها فيه العالم "داعش"؛ رغم أنها أحد مصادره الأساسية.

علاقة إيران بأميركا شهدت عصرها الذهبي في عهد الرئيس الأميركي "أوباما". في عهده، وقّعت إيران اتفاقها النووي؛ تلقت مليارات الدولات، استشرست، وفلتت في محيطها إلى درجة بدأ الروس والأوروبيون يطلبون ودّها. وكان كل ذلك إلى أن أتت انتكاستها الجديدة برحيل "أوباما"، الذي تشعر أحياناً بأنه أحد الملالي، وقدوم "ترمب" الذي تشعر وكأنه يريد أن يمسح تلك الحقبة الأميركية

هل يستطيع الملالي الخروج من هذا المأزق، الذي يتحوّل يوماً بعد يوم إلى كارثة حلّت به؟

من التاريخ الأميركي، وتحديداً ذلك الوضع المشبوه مع إيران؛ فكان أن ألغى الاتفاق النووي، وقدّم جملة من الشروط التي تشوّه أو حتى تلغي "الهيبة" التي طالما عاش عليها الملالي كل هذه السنين. زد على ذلك أن التنفس المحتمل للملالي يتم إغلاقه بالمطلق: ممنوع على أي دولة أو مؤسسة أن تشتري نفط الملالي الذين يعيشون عليه حصراً، ويتحكموا تخريباً بمحيطهم.

والآن هل يستطيع الملالي الخروج من هذا المأزق، الذي يتحوّل يوماً بعد يوم إلى كارثة حلّت بهم؟ هل يستطيعون، وقد زاد في طنبورهم نغماً شبه إجماع عالمي على وقف انتشارهم الخبيث في محيطهم وعالمياً؟! هل يستطيعون وإسرائيل تتوعدهم ليل نهار، وتمارس عسكريتها عليهم من وقت لآخر؟! هل يستطيعون والعالم توقف عن التفاعل مع نفطهم شريان حياتهم خوفاً من أن تطاله عقوبات ترامب؟! إذا خضعوا لشروط ترمب، تكون نهاية سطوتهم محتمة على يد داخلهم وفي محيطهم (حتى شحنهم لرأس النظام في دمشق إلى طهران لم يفدهم بل أضرهم وأضّره - حيث كان المخلوق موعوداً بأنه، إذا ساهم بإبعادهم عن سوريا تخف الوطيئة عليه؛ ولكنه لم يستجب؛ فلا هو سيبقى، ولا الشاحنون يستفيدون؛ وإن لم يخضعوا، وقرروا المواجهة، فالنهاية أكثر حتمية، وبأنف يرعف دماً. مطرقة وسندان لا خروج منهما. ولكن مَن يدري؟! فالذي عاش على الكذب وإستراتيجيته التقية يمكن أن يوجد مخرجاً. ألم يتعلموا من حافظ الأسد الذي أعلن انتصاراً بعد خسارة الجولان عام سبعة وستين؟! أو حتى من ابنه الذي يعلن انتصاراته، وسوريا تحت خمسة احتلالات؟! لننتظر ما تحمله أيام حبلى بما قد لا نتوقع.

===========================

القوتلي وعبد الناصر والآلهة السورية

  صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 13/5/2019

في سنة 1961، ضمن واحد من مقالات «بصراحة» التي اعتاد نشرها في «الأهرام» المصرية، روى محمد حسنين هيكل أنّ شكري القوتلي (1891 ــ 1967)، الرئيس السوري يومذاك، وجّه إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر العبارة التالية، تعليقاً على توقيع اتفاقية الوحدة بين البلدين في شباط (فبراير) 1958: «أنت لا تعرف ماذا أخذت ياسيادة الرئيس! أنت أخذت شعباً يعتقد كلّ من فيه أنه سياسي، ويعتقد خمسون فى المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 فى المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عشرة فى المائة على الأقل أنهم آلهة».

للتذكير، بادئ ذي بدء، كتب هيكل مقالته تلك بعد وقوع الانفصال، في أيلول (سبتمبر) 1961، وكان استطراداً يبرئ ساحة عبد الناصر وزعماء مصر الآخرين إزاء صعوبات حكم الشعب السوري؛ إذْ كيف يمكن، حقاً، حكم شعب له هذه المواصفات الخارقة، والخرقاء! العبارة، ثانياً، وعلى جري عادة هيكل في سرد أقاصيص جرت بين أموات ولم يعد يشهد على صدقها سواه، لم تجرِ على لسان القوتلي أغلب الظنّ؛ فلا سند يثبت صحتها أوّلاً، كما أنها لا تشبه شخصية الرجل سلوكاً وخطاباً ثانياً، ولا تقترب البتة من أيّ من آرائه النقدية في أبناء بلده.

الطريف، مع ذلك، أنها عادت إلى أذهان بعض المتابعين الغربيين للملفات السورية المعاصرة، خاصة بعد انطلاقة الانتفاضة الشعبية في آذار (مارس) 2011؛ وباتت أقرب إلى «مسطرة» تُقاس على معطياتها معضلات قراءة المشهد السوري الراهن، سياسة واجتماعاً وعلم نفس وتربية وثقافة ومزاجاً… توماس هيغهامر، الباحث المخضرم في «مؤسسة أبحاث الدفاع» النرويجية، يصف العبارة بأنها «اقتباس خالد»، متناسياً (أم لعلّه لم يدرك البتة) مقدار التنميط السطحي والغبي في تصنيفات كهذه؛ خاصة إذْ تأتي من هذا الرجل تحديداً. نيكولاس فان دام، مؤلف «الصراع على السلطة في سوريا: السياسية والمجتمع تحت حكم الأسد والبعث» ومؤخراً «تدمير أمّة: الحرب الأهلية في سوريا»، يتواضع قليلاً فيرتاب في أنّ العبارة منتحلة، لكنه يحيل المعجبين بها إلى كتّاب سيرة القوتلي!

ثمة نزوع استشراقي مبطّن، يسعى إلى ترسيخ «حقيقة» أخرى نمطية خالدة، حول واحد من أكثر شعوب الشرق الأوسط انغماساً في السياسة؛ شاءت أقداره أن تستبدّ به عائلة طغيان وفساد واستئثار عائلي وطائفي، اشتغلت منهجياً على قتل السياسة في النفوس، طوال نصف قرن تقريباً.

وسوى الطرافة، ثمة نزوع استشراقي مبطّن، أو هو صريح مكشوف لدى الكثيرين في الواقع، يسعى إلى ترسيخ «حقيقة» أخرى نمطية خالدة، حول واحد من أكثر شعوب الشرق الأوسط انغماساً في السياسة؛ شاءت أقداره أن تستبدّ به عائلة طغيان وفساد واستئثار عائلي وطائفي، اشتغلت منهجياً على قتل السياسة في النفوس، طوال نصف قرن تقريباً. وهذه، إذن، خلاصة تبيح القول إنّ حافظ الأسد، وبعده وريثه بشار، ورهط مجرمي الحرب والقتلة واللصوص والأزلام الذين شاركوهما السلطة على نحو أو آخر، بلغوا المرحلة الراهنة من تدمير سوريا لأنّ البلد استعصى قبلهم على القوتلي، ثمّ على عبد الناصر، فكيف لا يستعصي على آل الأسد أيضاً!

ولعلّ هذه مناسبة لاستعادة واحدة من أنصع الصور الفوتوغرافية وأندرها، ليس في تاريخ سوريا الحديث وحده، بل في تاريخ العرب أيضاً كما أجيز لنفسي القول. الصورة تعود إلى عام 1955، وتحديداً يوم 6 أيلول (سبتمبر)، وتُظهر رجلين يتبادلان التوقيع على وثيقة من نسختين: الأوّل هو هاشم الأتاسي (1875 ــ 1960) رئيس الجمهورية آنذاك، والثاني هو القوتلي رئيس الجمهورية المنتخب، وأمّا الورقة التي تبادلا التوقيع عليها فهي وثيقة انتقال السلطات الدستورية. ألا يصحّ الافتراض بأنّ هذه الممارسة، الديمقراطية والحضارية والراقية، باتت اليوم غريبة على أبصار العرب وأسماعهم في مشارق أرضهم ومغاربها؛ وافتقدتها ــ إذْ لم يحدث أنها تكرّرت مراراً في حياة ــ الأجيال العربية بعد ذلك التاريخ؛ حين استولى أصحاب العروش والتيجان والقبعات العسكرية على مقاليد الأمور، وتراجعت السياسة إلى الباحة الخلفية، أو قبعت في الزنازين، أو تلقفتها المنافي هنا وهناك؟

للصورة فتنة أخرى زاهية الألوان غير جمالياتها بالأبيض والأسود، يصنعها نصّ تلك الوثيقة التي جاء في سطورها: «جرى انتقال السلطات التي خوّلها الدستور لحضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي إلى حضرة صاحب الفخامة السيد شكري القوتلي الذي انتخبه مجلس النوّاب رئيساً للجمهورية (…)، وقد شهد ذلك صاحب الدولة الدكتور ناظم القدسي رئيس مجلس النواب والأستاذ صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء والسيد وجيه الأسطواني رئيس المحكمة العليا…». وبالطبع، لا يفوتكم ملاحظة ترتيب السلطات الثلاث الشاهدة على التوقيع: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية!

وللتذكير بسجايا الرجل الذي اختزل قامته أمثال هيكل ونفر المستشرقين الهواة، يُشار إلى قول آخر مأثور أطلقه في وجه ونستون تشرشل حين اجتمع به في السعودية، فخاطبه بعد أن التفت إلى البحر القريب: «شعبنا لن يكبّل وطنه بقيد العبودية والذلّ والاستعمار حتي لو أصبحت مياه هذا البحر الزرقاء حمراء قانية». هذا إلى جانب أنه تخلى طواعية عن منصبه كرئيس للجمهورية السورية، منتخب ديمقراطياً ومحبوب من شعبه وصاحب حظوة واحترام في العالم، مقابل تحقيق الوحدة السورية ــ المصرية.

لكنّ أطرف ما في حكاية هيكل أنّ عبد الناصر، الألمعي اللماح، لم يتملكه الفضول فيسأل عن الفئة التي يضع القوتلي نفسه فيها: الزعماء أم الأنبياء أم الآلهة!

===========================


الشعب السوري ليس عظيماً

خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 12/5/2019

لفتَ انتباهي نداءٌ وجهه معارضون إلى الشعب السوري، قبل أيام، بدأوه بعبارة: إلى الشعب السوري العظيم.. فتذكرتُ، على الفور، جملة عادل إمام "أنا غلباااان" في مسرحية "شاهد ما شفشِ حاجة"، حينما تكاثرت عليه الأسئلة والضغوط والتحقيقات.

الشعب السوري ليس عظيماً! هذا توصيفٌ له، وليس سخريةً منه أو استخفافاً به. وكيف أسخر من شعبٍ أنا وأهلي جزءٌ منه؟ حاشا وكلا. ولكنني أحب أن أطرح على السادة المعارضين، أصحاب النداء، بعض الأسئلة: أين، ومتى، وكيف كان الشعب السوري عظيماً؟ وهل الشعب السوري شعبٌ بالمعنى العلمي الاصطلاحي للكلمة؟ طبعاً لا، فالسوريون الذين ينتمون إلى تيارات الإسلام السياسي المختلفة يعتبرون أنفسَهم وبقيةَ السوريين جزءاً من الأمة الإسلامية، وهم يرفضون الاعتراف بحدود سورية التي رسمها ممثلان عن بريطانيا وفرنسا قبل مائة عام، واشتهرت باسم "اتفاقية سايكس بيكو"، وينزّهون أنفسهم عن استخدام كلمة "شعب" أصلاً. والقوميون العرب يعتبرون الشعبَ السوري، وبضمنه المكونات غير العربية، جزءاً من الأمة العربية الممتدة من الرباط حتى إسكندرون. والحزب القومي السوري الاجتماعي ينظر إلى سورية الحالية جزءاً من سورية الكبرى التي تضم أيضاً فلسطين والأردن ولبنان والعراق والكويت وقبرص!.. وأما البقية الباقية من الشعب السوري فهي أناس غلبانون، بحسب توصيف عادل إمام.

تشكيلةُ الشعب السوري، إذا جازت التسمية، فيها قوميات، وأديان، ومذاهب، وفيها حضر وبدو وقرويون. عناصرُ هذه التشكيلة لم يرفضوا الوجودَ الفرنسي بين عامي 1920 و1946 لأنه قوة احتلال استعمارية وحسب، بل إنهم رفضوا كلَّ شيء متوفر لدى الفرنسيين؛ لغتَهم، وحضارتَهم، وديمقراطيتَهم، واعتزازَهم بجمهوريتهم. وبذل الإسلاميون السوريون جهوداً جبارة ليثبتوا أن الانتداب الفرنسي على سورية ليس إلا غزواً صليبياً، ونقلت المراجع المكتوبة بنَفَس إسلامي حادثةً من الواضح أنها ملفقة، تقول إن الجنرال غورو، بعدما تمكّنَ من القضاء على الجيش (العربي) الذي قاده يوسف العظمة، في 24 يوليو/ تموز 1920 خلال موقعة ميسلون، هرع إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي، ليقول له: ها قد عدنا يا صلاح الدين!

في مطلع القرن العشرين، حينما تَسَلَّمَ الطورانيون السلطة في المملكة العثمانية، وشكلوا جمعية "تركيا الفتاة" لم يرد عليهم السوريون بتشكيل جمعيةٍ تحمل اسم "سورية الفتاة"، ولم يطالبوا باستقلال سورية بأية صيغةٍ كانت، وإنما شكلوا "جمعية العربية الفتاة" التي انضمت إليها نخبٌ سورية وعربية. وفي سنة 1918، جاء الأمير فيصل بن الحسين من الحجاز إلى دمشق، ليُتَوَّجَ ملكاً على المنطقة التي تتألف من سورية الحالية عدا الساحل الذي كان يحتله الفرنسيون، حصل هذا نتيجة اتفاق والده مع السير مكماهون الإنكليزي، وعندما كشف البلاشفة في سنة 1917 أسرار معاهدة سايكس بيكو التي ترسم الحدود بين دول المنطقة، بدأ السوريون برفضها، وما زالوا يرفضونها باعتبارها خطة استعمارية خبيثة، وبعد ضم لواء هاتاي إلى تركيا في 1939، بقي السوريون يطالبون باستعادة هاتاي إلى أن وَقَّعَ حافظ الأسد في سنة 1998 "اتفاقية أضنة" التي تعني التنازل عن هاتاي، وهو تنازلٌ لا لبس فيه، أتبعَه حافظ الأسد بتغيير الخرائط التي كانت تعتبر اللواء جزءاً من سورية. والسوريون حتى اليوم لا يحتفلون بعيد استقلال سورية، بل يسمونه عيد الجلاء الذي يصادف يوم خروج آخر جندي فرنسي من بلدهم، وبقيت حالُ ما يسمّى تجاوزاً "الشعب السوري" على ما هي عليه حتى سنة 2011، حيث انفجر قسمٌ كبير من أبناء الشعب السوري في وجه حكم الأسد، معلنين أنهم ثاروا من أجل الكرامة.. وهذا، بحد ذاته، مفهومٌ ملتبس، فالثورات تقوم عادةً من أجل تغيير النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والدستوري. فلو حصلوا على الكرامة وبقي كل شيء على حاله، هل يوقفون ثورتهم؟

===========================

اجتياح إدلب و«تعفيش» الذاكرة السورية

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 12/5/2019

«التعفيش»، كما بات معروفاً، هو ترخيص النظام لقطعانه من وحدات عسكرية نظامية أو ميليشيات أو قوى حليفة، باستباحة أملاك المواطنين وكلّ ما يندرج تحت مفردة «العفش»، في القرى والبلدات والمدن التي يدخلها. وهو سلوك لا يتوخى إباحة السلب على سبيل مكافأة الغزاة وفق مبدأ الغنائم العتيق، فحسب؛ بل هو منهج مبيّت عن سابق قصد، يتعمد إذلال السكان المدنيين وإهانتهم وإنزال العقاب بهم لأنهم، بين أسباب أخرى، تمسكوا ببيوتهم ولم يهجروها إلى أربع رياح الأرض.

لكنّ التعفيش الراهن في مناطق إدلب يحمل خطورة خاصة إضافية، لا تشبه في شيء نهب البرّاد أو الغسالة أو جهاز التلفزة، أو حتى اقتلاع بلاط الأرضيات وأخشاب الأبواب والنوافذ؛ إذْ يمكن أن يطال كنوزاً آثارية لا تُقدّر بثمن، ولا تُعوّض أصلاً، ولا يعرف أية قيمة لها أولئك الهمج من ضباط النظام وأفراد قوّاته وميليشياته. هنا أيضاَ لا تغيب القصدية المنهجية الخبيئة في مهانة المواطن من الجانب الذي يخصّ علاقته بالتاريخ السوري القديم، وبالمكوّنات الحضارية العابرة للعصور والأجيال والأديان، وفصم العرى الوثيقة مع الذاكرة في قرونها الماضية وعقودها الراهنة.

«التعفيش»، بذلك، يمكن أن ينقلب إلى تنقيب عشوائي بحثاً عن الكنوز، إذا عزّ على هذا العنصر أو ذاك أن يجاري قائده في نهب الأوابد، سواء كانت قائمة في مواقعها الطبيعية، أو كانت محفوظة في المتاحف؛ فالمثوبات هنا أغلى ثمناً من أن تُقارن بأيّ عفش يمكن أن يسيل له لعاب الغزاة/ اللصوص. وهذا، غنيّ عن القول، طراز من الإجرام بحقّ التاريخ السوري يفوق بكثير، بعد أن يستكمل، الهمجية الأخرى التي مارستها الفصائل الجهادية المتشددة؛ ليس ضدّ «الأنصاب» و»الأوثان» كما زعمت رطانتهم البائسة، بل كذلك ضدّ فصول وضاءة في تاريخ المنطقة الإسلامي كما تجلت عند أمثال أبي العلاء المعرّي.

وإذا جاز الافتراض بأنّ لا جديد في الهمجيتين، النظام اليوم والجهاديون قبله ومعه، إذْ لا ينتظر المرء من الطرفين أداءً أقلّ بربرية لجهة تثمين التاريخ واحترام الذاكرة؛ فإنّ الغازي الإيراني يتستر تحت لافتات محاربة «التكفير» لكي يشارك في تقويض رموز حضارية كانت لها فصول ومجلدات في مقاومة غزوات الماضي الفارسية، بحيث تبدو الأحقاد الراهنة ضدّ تراب إدلب العائم على محيط من الآثار، بمثابة ثارات بمفعول رجعي لهزائم الإمبراطورية الفارسية في المنطقة. ليس أدنى وقاحة، وهمجية أيضاً بالطبع، تلك القاذفات الروسية التي تقصف اليوم 760 موقعاً أثرياً و40 قرية أثرية و50 %من تلال سوريا الأثرية؛ وكانت، قبل أشهر، قد احتفلت بـ»تحرير» تدمر عن طريق إحضار أوركسترا ماريينسكي لإقامة حفل موسيقي على مسرح المدينة الأثري.

وليس هذا «التعفيش» لتاريخ سوريا وذاكرتها الحضارية طارئاً على النظام وحلفائه، فعلى امتداد سنوات الانتفاضة سُجّلت عشرات الوقائع في هذا الصدد. مبكراً، في درعا، قُصف الجامع العمري (الذي أمر ببنائه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، عند مروره في حوران)، مرّة بعد مرّة. وفي معرّة النعمان وسائر جبل الزاوية، حيث مملكة إيبلا وتل مرديخ (الألف الرابع قبل المسيح)، ودير سنبل البيزنطي، ودير سيتا الروماني؛ فإنّ «التشبيح» الآثاري سبق «التعفيش» الراهن. وفي منطقة الجزيرة شمال شرقي سوريا، كان النبش اللصوصي العشوائي قد طال تل حموقار، حيث تقع مدينة تعود إلى 3500 سنة قبل الميلاد، ويتفق الآثاريون على أنها واحدة من أقدم مراكز العمران البشري.

وثمة، لا ريب، فارق في نوعية الألم بين سقوط عشرات الشهداء تحت القصف البربري، أو تقويض آلهة آرامية هنا ورقيم سومري هناك؛ رغم أنّ جوهر انتهاك سوريا يظلّ واحداً، يتبارى فيه مجرمو الحرب والقتلة، مع لصوص البرادات والأوابد.

===========================


هل تلمّس الإخوان المسلمون ضرورة الحداثة؟

 عمار ديوب

جيرون

السبت 11/5/2019

الإخوان المسلمون حزب سياسي قديم، يوظّف الدينَ من أجل السلطة. كان قديمًا يؤكد أن القرآن الكريم دين ودولة، وأن الإسلام هو الحل. الإخوان وغيرهم من السلفيين قالوا بذلك، ولكن مرور الزمن، وشدة الرفض لمقولات كهذه، ووضوح مجافاتها لروح العصر، وللحياة، دفعهم إلى أن يتقدموا خطوة إجرائية، فأكدوا أنهم يعترفون بالديمقراطية، والمدنية، مع رفض مفهوم العلمانية والمواطنة، وأحيانًا يتنازلون، ويؤكدون على المواطنة، ولكن بما يتوافق مع تعاليم الشريعة. ما قلته أعلاه قراءتي لما يؤكدون، وهم بذلك يرفضون المواطنة وحقوق الإنسان والعلمنة، أي يرفضون المداميك الأساسية لبناء مجتمع حديث، تسود فيه المواطنة، وينزّه الدين عن صراعات السلطة والسياسة. مشكلتنا معهم في تأكيدهم: أن لا شيء تغيّر في العالم، ولا بد له من أن يظل يدور في دائرة الدين، بالمعنى السياسي وغير السياسي. إذًا العالم مكون من ديانات وطوائف، وضمن ذلك لا بأس بتوظيف الصناعة والتقنية والثورات العلمية، فيما الغرب العلماني ساقط أخلاقيًا. لن أقول هنا، من حمى أفراد الإخوان حينما هربوا من الأنظمة الدكتاتورية العربية؟! ولن أتردد بالقول: إن سبب وجود الإخوان، وكل الإسلام السياسي والطائفية، ومختلف أشكال تسييس الدين والطوائف والأقليات، هو الأنظمة العربية الشمولية، المخفقة في التنمية، وغير القادرة على النهوض الصناعي للاقتصاديات، مع استمرارية التبعية التي أنشأتها الدول الإمبريالية في زمن الاستعمار.

اعترافُ الإخوان بالديمقراطية، كان لأنّها الإجراء (الانتخابات) الذي لا يرفض تسييس الدين، ولأن فصلها عن العلمانية والمواطنة يسمح للإخوان المسلمين بالوصول إلى الحكم والبقاء فيه وتغيير الدستور. أصبح هذا الاستنتاج فكرة معلومة للجميع، وأصبح كل كلامهم عن الآخر والاعتراف بحقوقه، يُقرأ ضمن مفهومهم للدين والشريعة ولا يخرج عنه. هنا إشكالية كبرى، تقول إن الإخوان لم يتعلموا شيئًا من العالم الحديث، وما زالوا سلفيين بامتياز. تجربة دورهم في الثورات العربية لم تفد بتقدمٍ عما ذكرت، وبالتالي صادروا الثورة في مصر، وحاولوا ذلك في تونس؛ وفي سورية استفردوا وهيمنوا على المجلس الوطني والائتلاف الوطني، وشكلوا فصائلهم العسكرية “الدروع” بالضد من “الجيش الحر”، ولعبوا دورًا رئيسيًا في تعميم نظرية النظام عن أن الثورة السورية إسلامية وسلفية، وكان لهذا دورٌ في إشراك السلفيين والجهاديين في صفوف الثورة والفتك بها لاحقًا. حتى بعد الفتك، صمَت الإخوان، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، أو أنّه طبيعي، أو أن كل المشكلة في النظام، وبذلك تخلّوا عن تحمل مسؤوليتهم في أسلمة الثورة وتخريبها. في هذا السياق، هناك النظام وهناك المعارضة وهناك الثورة، ولا يجوز إغماض العين عن أي مسؤوليات تتحملها تلك الأطراف، وبعدها، يمكن الكلام عن دور الخارج الإقليمي والدولي؛ وفي كل هذه الظروف يظل النظام المسؤول الأساسي عن مآلات سورية، وبدرجة أقل المعارضة والثورة ذاتها.

الآن، هناك كلام كثير يكتبه باحثون، عن ما بعد الإسلام السياسي، ويتفقون على ضرورة الفصل بين الدين والدولة، والجانب الدعوي والسياسي، وأن الإخوان وكل الراغبين في السياسة من زاوية الدين، يُفترض أن يعوا أن العالم لا يُصادر حقهم في الإيمان، ولكنه يرفض بشكلٍ قاطع تسييس الدين أو تديين السياسة، وأن الأخيرة ومسألة السلطة والدستور والدولة، يجب ألا تكون دينية، وأن تكون وضعية بامتياز، وتتوافق مع مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان والعلمنة، وبما تفيد هذه المفاهيم في تنزيه الدين وحق الإيمان المكفول دستوريًا. هذه القضية الأساس حاليًا أمام الإسلام السياسي، وكل المحاولات المتعثرة للخروج من السلفية في فهم السياسة إلى الوضعية يفيد بتحقيق مصالح الأنظمة الحاكمة. الآن ترامب وجزء من إداراته يناقشون هذه القضية، واحتمال اعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية! يستطيع ترامب فعل ذلك، فهو داعمٌ لكل الدول المناهضة للثورات العربية. قبل ترامب، كانت الإدارة الأميركية تفضّل وصول الإسلام السياسي إلى الحكم، وبتلك المرحلة وصل الإخوان في مصر وتونس إلى الحكم، ولكن العالم مع ترامب وبوتين والاتجاهات اليمينة يتجه أكثر فأكثر، نحو قضية تسييس الأديان والحروب باسمها، وكل ذلك يأتي تحت مفهوم الحرب على الإرهاب.

الآن، وبعيدًا من ترامب وبوتين، هل حان الوقت لقراءة جديدة للدين وللسياسة وللعلمانية والحداثة بالعموم؟ هذه هي القضية الأساسية التي تقف أمام الإخوان والسلفيين والجهاديين، وكذلك أمام بقية القوى السياسية العربية.

بوضوحٍ شديد، لا يمكن مصادرة الإيمان، ولا مصادرة حق المؤمنين بتشكيل أحزاب سياسية، ولكن الأخيرة لا يمكن أن تتشكل على أساس الدين، ففي ذلك تديين الدولة والسياسة، وشطب المواطنة وحقوق الإنسان. الإخوان المسلمون، وما يماثلهم من قوى سياسية طائفية، معنيون بنقد تجربتهم ورؤاهم وبرامجهم، ولكن هل هذا ممكن بدوره؟ هل يستطيع العقل الديني ألا يكون دينيًا؟ هل بمقدوره أن يمارس السياسة والسلطة بعيدًا من مفهوم الخلافة أو ما يقاربه، أو اعتماد دستور وقوانين وضعية؟

قطعًا، العقل الديني، لا يمكنه إدارة الظهر للدين في السياسة والدولة والدستور والقوانين! هنا إشكالية كبرى. في الغرب والصين، أُجهز على العلاقة بين الدين والدولة، وأصبحت الدولة وضعية بامتياز، والدين قضية شخصية بامتياز، ولا معنى هنا للكلام عن أن هناك أحزابًا مسيحية وما شاكل ذلك، فهذه الأحزاب، تعرف جيدًا حدودها، فالسياسة لها أصولها، وتخاض على أسس وضعية. صعود اليمين الشعبوي، والدفاع عن “مسيحية” المجتمعات الأوروبية، ما تزال تدور في الإطار الثقافي، وليس من تغيير في دستور وقوانين تلك البلاد، وهي واضحة في قضية العلمنة ووضعية كل مستويات الدولة.

المهم هنا، من مصلحة العرب، وكل من يدين بالإسلام وغير الإسلام، أن يحسم بقضية ضرورة تشكيل الدولة والأحزاب السياسية الحديثة، وفي كل ذلك، ستظل تواجهنا قضية الإخوان المسلمين؛ فتجاربهم في كل من السودان وسواها، تؤكد فشلهم في قضية إبعاد الدين من السياسة، وفي ممارسة كل أشكال التمييز القروسطية، وبالتالي هل يمكن للإخوان، وهم حزب قديم له فروع في مختلف دول العالم، أن يتحسسوا ضرورة الحداثة، وبعيدًا من ألاعيب الفصل بين الديمقراطية والعلمانية والمواطنة، وأن يفصلوا بدورهم بين الجانب الدعوي والسياسي بحق؟!

===========================

ذهنية التزييف والمنطق المعكوس لدى اليسار القوموي الشعبوي

 عبد الباسط سيدا

جيرون

السبت 11/5/2019

سألتُ أكاديميًا جزائريًا، جمعتني وإياه مؤخرًا مناسبة علمية، عن الأوضاع في الجزائر، وعن تطورات الأمور هناك، والتوقعات بخصوص الحل المستقبلي، الذي نتمنى في جميع الأحوال أن يكون لمصلحة الجزائريين، يجنّبهم الخراب والقتل، ويفتح أمامهم وأمام أجيالهم المقبلة الطريقَ نحو مستقبلٍ واعدٍ، يضمن لهم الحرية والعدالة والكرامة.

كان صاحبي مفعمًا بالتفاؤل، يتحدث بحماس ذكّرني كثيرًا بذاك الذي كنا عليه في بدايات الثورة السورية. كان يعتقد بأن رسم معالم جزائر المستقبل بات في متناول الشعب الجزائري الذي يخوض منذ أشهر نضالًا سلميًا عنيدًا عبر التظاهرات والاعتصامات، وهو نضال يستهدف القطع مع سلطة الفساد والاستبداد، سلطة العصابات.

طرحتُ عليه مجموعة أسئلة حول الأوضاع الجزائرية من الداخل، وذلك رغبة مني في سماع الأجوبة من مصدر أكاديمي، من المفروض أن يكون موضوعيًا ضمن الحدود المعقولة. حدثني عن مافيات الحكم والمصالح، وعن أساليبها في قهر إرادة الناس، وسيطرتها على مقدرات البلاد، حتى بات الشعب الجزائري يعاني الحرمان والفاقة، على الرغم من الإمكانات النفطية الكبيرة التي يمتلكها البلد، ووجود مقومات نهضة زراعية وصناعية وسياحية أكيدة. كنت أشعر من حين إلى آخر، وهو يحدثني عن الجزائر، بأنه يحدثني عن سورية، وذلك لشدة التماثل بين ما كان يسرده وما عشناه سوريًا. خاصة على صعيد التحالف بين الفساد والاستبداد. هذا على الرغم من أن الأمر لم يفاجئني قط، فالأنظمة التي سيطرت على مقاليد الأمور في معظم البلاد العربية، عبر الانقلابات العسكرية، ما كان لها أن تستمر لولا أساليب القمع والبطش التي مارستها بحق المواطنين، ولولا سياسات الإذلال التي تعاملت بموجبها مع الناس، وذلك لإرغامهم على التزام شروط التبعية للنظام، وجعلهم في عجز مزمن، يحول بينهم وبين التفكير الحر المستقل، والقدرات المادية التي تمكّنهم من التحرّك والاعتراض. ولعل هذا ما يفسّر عدم حدوث نهضة اقتصادية حقيقية في هذه البلدان، مع وجود الشروط الضرورية والكافية لذلك. بل ما عاشته، وتعيشه باستمرار، هو تراجع شمولي في مختلف الميادين الاقتصادية. فلم تقدم الحكومات العسكرية على إنشاء مشاريع اقتصادية كبيرة تتناغم مع الشعارات الكبرى التي أعلنتها، شعارات المطالبة بالاشتراكية وضرورة الحفاظ على ثروات الشعب، والحرص على تأمين حاجات الناس.

ولم تفسح المجال في الوقت ذاته أمام المبادرات الخاصة الفردية الوطنية، التي كان من شأنها الإسهام في عملية النهوض بالبلد، وتأمين فرص العمل لسكانه.

فقد حرصت الزمر الحاكمة على تطبيق قواعد الشراكة مع كل مستثمر، بل عملت على إسناد المشاريع الأكثر ربحًا إلى المقرّبين، حفاظًا على الأسرار، وتكريسًا لمبدأ احتكار السلطة والثروة، بغية التمكّن من إرغام الناس على أن يكونوا عبيد الحاجة، ليصفقوا للحاكم المؤلّه، ويتزلفوا إلى الزمر المتسلطة المتحكمة عبر شبكة من الأجهزة الأمنية الأخطبوطية.

كنتُ متعاطفًا مع الأكاديمي الجزائري، على الرغم من عدم ثقتي بتفاؤله غير المستند إلى أسسٍ واقعية موضوعية، وبتعويله على حسابات العواطف والانفعالات والرغبات، لا المصالح الخاصة بالدول، ودورها في توجيه الأحداث في مناطقنا التابعة.

ثم انتقل حديثنا إلى سورية، وأوضاعنا الراهنة. طرح عليّ جملة أسئلة عامة حول آخر التطورات في سورية، فاعتقدت لأول وهلة أنه هو الآخر يريد أخذ فكرة عن الحالة السورية من الداخل، ولكن مع تشعّب الحديث، تبيّن لي أن صاحبي قد حدد موقفه مسبقًا دفاعًا عن النظام، يبرر له كل ما أقدم عليه من جرائم غير مسبوقة بحق المدنيين السوريين، ويتهم دول الخليج من دون استثناء، وتركيا بأنها أسهمت مع القوى الدولية في المؤامرة الكونية على النظام “المقاوم الممانع” الذي تمكن من الانتصار. ولم يكتف بذلك فحسب، وإنما كان يحاول إقناعي بأن الأمن قد استتب في سورية، والناس بدؤوا العودة، والأمور تتحسن تباعًا.

بداية، اعتقدتُ أن صاحبنا يعاني من نقص في المعلومات، وعدم الاطلاع، لذلك حاولت أن أضع أمامه الحقائق بتجرد، واعترفت بالنواقص والأخطاء، توقفت عند أخطاء المعارضة، وعدم ارتقاء جهود الأشقاء والأصدقاء إلى المستوى المطلوب. ولكن في المقابل تناولت بالتفصيل خطة النظام، وأساليبه في التعامل مع المنظمات الإرهابية، بل تصنيعها وتسويقها من أجل وضع العالم أمام بديلين سيئين: إما الاستبداد المنضبط، أو الإرهاب المنفلت. وهي خبرة اكتسبها من راعيه الإيراني في العراق ولبنان.

ولكن جهودي الهادئة الصبورة لم تجد نفعًا، فالرجل قد التزم خط النظام، وبدأ يتفاخر بسلمية الثورة الجزائرية، وكأن السوريين لم يلتزموا بسلمية الثورة على مدى سبعة أشهر، على الرغم من تعرضهم لقتل وحشي متصاعد من جانب النظام، وهذا أمرٌ لا نتمنى أن يتعرض له الشعب الجزائري العزيز، ولا أي شعب آخر.

ولم يكتف صاحبي بذلك فحسب، بل أتحفني بخطاب ثوروي قوموي عالي التوتر، من النوع الذي يتعامل صاحبه مع أفكاره الخاصة به وكأنها مسلّمات. يضع المنتفضين على حكم الفساد والاستبداد في سورية جميعهم في دائرة الاتهام بالتبعية للرجعيين والدوائر الاستعمارية، يغضّ النظر عن دور كل من إيران و”حزب الله”، وأسلوبهما في استخدام المذهب لتجييش الناس واختلاق الذرائع. ولا يتوقف أبدًا أمام تحالف الرفيق السوفييتي السابق مع ولي الفقيه ضد إرادة الحرية والكرامة السورية.

ما لاحظته هو استناد صاحبنا الكامل إلى ديماغوجيا النظام الإعلامية، وتعامله مع فبركات الأخير وكأنها حقائق ثابتة. وبعد أن انتهى من خطابه التعبوي الشعبوي، قلت له: كنتُ أتوقع منك، بوصفك أكاديميًا تقول إنك مع الثورة الجزائرية، أن تستخدم اللغة الاحتمالية غير القطعية، وألا تكون أحكامك جازمة حاسمة، والأمور لديكم ما زالت في بداية الطريق. هناك أخطاء كثيرة ارتكبناها في الثورة السورية، ولكنها لا تعادل شيئًا، ولا تُذكر، إذا ما قارنّاها بالجرائم التي أقدم، ويقدم، عليها النظام وحلفاؤه. لا يمكن أن تكون أبدًا مع تطلع الجزائريين نحو الحرية والكرامة والعدالة، وهذا حقهم المشروع، وتقف في الوقت ذاته إلى جانب نظام مسؤول عن قتل نحو مليون سوري من المعارضين والموالين، ومسؤول عن تشريد أكثر من نصف السوريين، وتدمير البلد، كل ذلك ليقطع الطريق على المطالبين بالحرية والكرامة، شأنهم في ذلك شأن الجزائريين اليوم.

وختمت الكلام معه: على كل حال. مهما كان موقفك من قضية الشعب السوري، وموقفك من النظام الذي فتح البلاد أمام كل شذاذ الآفاق لقتل السوريين، وها هو اليوم يسلّم مقدرات سورية إلى الروس والإيرانيين، مهما كان موقفك، فنحن من جهتنا لا نتمنى سوى الخير والأمن والسلام للشعب الجزائري الذي لا نحاسبه بجريرة مواقف وممارسات حكّامه المشينة، ولا نحمّله وزر شعارات القومويين الثورويين الذين يبدو أنهم ما زالوا منتشين بشعارات “الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة” الخاوية، تلك الشعارات التي كانت مجرد تغطية دخانية للمتاجرين والمتسلقين

كم نحتاج من الوقت والجهد لنتمكن من القطع مع المنطق المعكوس الذي يعتمده أدعياء العلمانية واليسارية من العرب، هؤلاء الذي يكرّسون وعيًا زائفًا لا يكتفي بمجاملة الاستبداد ومهادنته، بل يعمل على تسويغه وتسويقه بشعارات وتحليلات بائسة.

===========================

الحرب في وقتها تماماً

عمر قدور

المدن

السبت 11/5/2019

بينما تحشد الإدارة الأمريكية مزيداً من قواتها وأسلحتها في المنطقة، تحسباً لتهديدات إيرانية، تهاجم قوات الأسد التي تطغى عليها القيادة الروسية ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي. كنا شهدنا في التوقيت ذاته تصعيداً في غزة أيضاً، وهو ما لا ينبغي فصله عن التفاصيل الأخرى للوحة وإن توقف التصعيد بفضل وساطات متعددة. ما لا تُعرف حدودها بعد هي الحرب الدائرة الآن في سوريا، وهل هي "معركة الحسم" كما يروّج إعلام الأسد، علماً بأن الأسد نفسه ليس صاحب قرار فيها؟ أم أنها ستتوقف عند ابتلاع مساحة كافية ضمن الحسابات الروسية الحالية؟

قبل أسابيع كان كل الاهتمام مركزاً على موضوع تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، وقد ترافق معه ظهور أزمة معيشية غير مسبوقة في مناطق سيطرة الأسد، بل بدا كأن تلك الأزمة سيكون لها ارتدادات غير محسوبة جراء عجز وفشل الأسد في معالجتها. التصعيد الحالي أتى في توقيت مناسب جداً لطي الحديث عن الأزمة، وبدل الحديث عن الفشل هناك اليوم حديث آخر عن الانتصار، خاصة عندما يُفهم الانتصار كأنه تغلب على "العدو" التركي وعلى أردوغان شخصياً. الأهم ربما كون الحرب وسيلة تقليدية للهروب إلى الأمام، ولطالما كانت أداة للتخلص من الأسئلة الملحة داخلياً وصرف الانتباه نحو الخارج.

وجود قوتين عظميين في المنطقة أمر لا يستدعي الترقب، فهما موجودتان لسنوات خلت في مساحة ضيقة من سوريا ضمن قواعد مُتفق عليها بصرامة. على هذا الصعيد يمكن القول بوجود تكامل أو تنسيق بين الطرفين، قد يأتي على انفراد أو عبر تنسيق كل منهما مع تل أبيب. أكثر من ذلك، نستطيع القول بتوازي الضغط الأمريكي على إيران مع الضغط الروسي على أنقرة من البوابة السورية، من دون رصد رد فعل أمريكي يوحي بعدم الرضا عن السلوك الروسي الحالي.

وجود تفاهم أمريكي-روسي ضمني لا يعفي حكم أردوغان من المسؤولية التامة عن سياساته، وعن الانقلاب الذي نراه اليوم إذ يتعرض للضغط من الحليف القديم والجديد معاً. هذا الموقع يخالف التوقعات القديمة حول قدرة أنقرة على اللعب بين واشنطن وموسكو، بموجب موقعها الجيوسياسي، فتركيا لم تحقق استفادة معتبرة بقدر ما تصاغرت الفائدة إلى مستوى الحساسية المعتادة إزاء الملف الكردي. لنا أن نقارن مثلاً بين الطموحات الإيرانية أو الإسرائيلية بالمقارنة مع نظيرتها التركية، وأن نهمل في المقابل اللغو الدارج عن طموحات سلطانية لأردوغان ليس هناك في الواقع ما يؤشر إليها سوى خطاب شعبوي بائس، وفي كل الأحوال المسألة تتعلق بحسابات وصراعات النفوذ لا بالمؤامرة على إسلامية أردوغان وحزبه كما يواظب الإسلاميون على الإيحاء بذلك.

مع الهجوم الحالي "الروسي في المقام الأول" على ريفي حماة وإدلب، أعلنت أنقرة عن تقدم في المفاوضات حول "المنطقة الآمنة" التي يُفترض إقامتها على أراض تسيطر عليها الميليشيات الكردية، بينما لم يصدر أي تأكيد رسمي أمريكي ما يترك الإعلان التركي موجهاً للاستهلاك المحلي. أيضاً، وزيادة في توضيح المغزى، كانت قوات ما يُسمى "الجيش الوطني" التابعة لأنقرة قد هاجمت الميليشيات الكردية في "تل رفعت"، قبل عودتها بتعليمات تركية مفادها خضوع المنطقة لتفاهمات ما تزال سارية مع موسكو. بعبارة أوضح، لن تحصل أنقرة على ثمن لقاء المناطق التي ستذهب إلى سيطرة الأسد وحلفائه، أو بالأحرى لقاء تمريغ صورتها كضامن لأمن تلك المناطق المكتظة بسكانها وبالنازحين إليها.

نضيف إلى ما سبق أزمة أردوغان الداخلية المتمثلة بخسارة الانتخابات البلدية، وصولاً إلى قرار إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول وانعكاساته، مع ما يعنيه كل هذا من زيادة ارتهانه للتحالف مع التيار القومي المتشدد. أي أن حكم أردوغان هو في أضعف حالاته منذ فشل محاولة الانقلاب، أو منذ تبديد الرصيد الذي ناله بسبب تلك المحاولة. الهجوم على ريفي حماة وإدلب في هذا التوقيت يستبطن عجز أردوغان عن إبداء أي رد فعل، وعجزه عن التلويح بالانعطاف نحو واشنطن التي تدرك مأزقه أيضاً، وليست في وارد مدّ يد العون بخاصة بعد أزمة صفقة صواريخ S400 العالقة بين الطرفين حتى الآن.

ربما تتحفظ واشنطن على هجوم شامل يخلق أزمة إنسانية فاضحة، ويتطلب إجابة سريعة عن مصير الجهاديين المصنفين على لائحة الإرهاب الدولية. هذا قد يتقاطع أيضاً مع رغبة موسكو التي لا تستعجل حسماً نهائياً يختتم ما تسوّقه كانتصارات عظمى، وربما ترجّح عليه التقدم بإيقاع تُقبل وحشيته من الغرب، ولا يتسبب سريعاً بانهيار مسار أستانة، فضلاً عن أن الاحتفاظ بورقة يمكن التهديد والتكسب بها قد يكون خياراً مجزياً أكثر من اجتياح بري واسع لا بأس بتأجيله. وكما نعلم فإن حصر المعركة الأخيرة بما سيتبقى من إدلب تكتيك تكاد تكون نتائجه مضمونة، فإذا كان من السهل القضاء على التنظيمات التي طالما صُنٍّفت معتدلة فإن الهجوم على تنظيمات مصنفة إرهابية لن يلقى معارضة أو استنكاراً دوليين، وما يُحكى عن الكلفة البشرية لهكذا معركة لم تثبت صحته سوى في ما يخص الضحايا المدنيين، وتجربة المقاومة الهزيلة لداعش مع تبخر كوادره فيها ما فيها من دروس.

أن نشير إلى هول المذبحة الحالية والمؤجلة فهذا لن يستثير ضمائر المعنيين باستمرارها، وإذا كان لنا تقسيم مراحل الصراع فقد نكون اليوم أمام معارك الإقصاء الأخيرة التي لن تقل شراسة عن سابقاتها. لقد عشنا من قبل إقصاء القضية السورية بفتح الساحة أمام الميليشيات الشيعية ونظيراتها السنية، بهدف إنهاك الطرفين، ثم عشنا مرحلة ضبط فوضى السلاح بطرد اللاعبين الصغار خارج الحلبة، بما في ذلك طرد داعميهم العرب. الآن ربما حان دور القوتين الإقليميتين المتبقيتين "إيران وتركيا"، ولعل إبرام صفقة روسية-أمريكية تخص سوريا متوقف على الانتهاء من هذه المهمة وقدرة الروسي على تأدية القسط الأكبر منها.

===========================


إدلب والمحرقة الروسية

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 11/5/2019

تشكل إدلب في شمال سورية عقدة لأطراف تفاهمات أستانة، روسيا وإيران وتركيا. وكلما تقدّم الزمن، صارت المشكلة تكبر وتتعقد أكثر، تبعا لأداء كل طرف وطموحه لاستثمار هذه الورقة التي تتحكّم روسيا بالحصة الأكبر منها، وهذا ما يتيح لها رسم المسار العام للحدث، على الرغم من أنها لا تستطيع تصريف الورقة منفردة. وتعتبر إدلب منطقة ذات وزن نوعي في المسألة السورية المتفجرة، وما يميزها أن السوريين الذين يعيشون فيها هم خليط من سكانها الأصليين، ومن الذين نزحوا إليها في العامين الأخيرين من ريف دمشق ومنطقة الجنوب، ويجمعهم قاسم مشترك أنهم جميعا رفضوا عروض المصالحة التي قدّمها الروس، وفضلوا ترك ديارهم على البقاء بشروط النظام.

ولا يعني وضع إدلب الحالي أنها تعيش تحت راية الثورة السورية بالضرورة، فهناك رايات وأجندات أخرى مسلحة تتعايش، وتتصارع بعيدا عن سيطرة النظام، وسط حاضنةٍ شعبيةٍ لا تزال عند حلم الثورة السورية الأول، على الرغم من الثمن الكبير الذي دفعته. ويجانب الصواب كل من يعتبر أن هذه الحاضنة على وفاق تام مع القوى المسلحة. وهناك نقطة أخرى على درجة من الأهمية، وهي أن إدلب هي الجدار الأخير لقرابة أربعة ملايين سوري، بات العدو من ورائهم ولا بحر من أمامهم، بعد أن أغلقت تركيا حدودها أمامهم بضغط من أوروبا، ولم يعد أمامهم من منفذ للنجاة، ومع الأيام تصبح فكرة النجاة من الوضع المأساوي نوعا من الترف، فإما الموت أو الموت ولا خيارات أخرى، ولذلك هناك عشرات الآلاف الذين ينامون في العراء، منذ بدأت عملية التصعيد الراهنة في مطلع فبراير/ شباط الماضي. حتى الخيمة صارت حلما بعيد المنال. وتنقل تقارير تلفزيونية مصورة نمطا من الحياة لا مثيل له في عالم اليوم، وهي الحياة في البرّية تحت ظلال الزيتون التي تنعدم فيها أبسط المقومات.

لم يعد السوري ينتظر شيئا من أحد، وهو يعرف أن أحداً لا يكترث به، وسواء عاش أو مات لن يهتم به أحد. هي نسخة جديدة من فساد البشرية وانحطاطها في العصر الترامبي السعيد الذي لم تعد فيه حقوق الإنسان تعني شيئا، وصارت حياة ملايين البشر السوريين مثل كمشة ترابٍ في رياح روسيا وإيران. ولذلك يتصرف المحتل الروسي بكل حرية، فيضرب حيث يمكن أن يوجع الناس أكثر، وكانت صور المرضى، خلال هذا الأسبوع، وهم يهربون في الشوارع من هجمات الطيران الحربي الروسي واحداً من المشاهد التي لن تنمحي من الذاكرة. هي حرب إبادةٍ معلنةٍ أمام العالم وبالصور الحية، ولا تماثلها مأساةٌ سوى غرف الغاز التي بناها النازيون لحرق اليهود في الحرب العالمية الثانية. هي الوحشية والكلبية والتخلي نفسها. أن يُخرج الطيران الروسي البنى التحتية الصحية عن الخدمة ليس أمرا جديدا، فقد مارس الجرائم نفسها في الغوطة ودرعا وحلب، وكان بذلك يستخدم أكثر الأسلحة فتكا وعنفا، وهو بذلك نقل دروس حرب الإبادة التي ارتكبها في غروزني الشيشانية التي حكمها بعد أن أفنى البشر والحجر، ونال رئيس الأركان الروسي الحالي، غينادي غراسيموف، وساما من بوتين، لأنه استطاع أن يطفئ كل جذوة حياة في غروزني، وكتبت الصحافة الأجنبية الكثير عن جرائمه في حلب في عام 2016، والتي دفعت أهالي شرق حلب إلى الخروج بهجرة جماعية.

يأمل المرء ألا يصيب إدلب مصير حلب، ولكن المؤشرات لا توحي بأن هناك مخارج تجنب الناس المدنيين هذه المحرقة، وهذه مسؤوليةٌ على الجميع أن ينهض بها قبل أن تقع الكارثة التي ستفوق كل ما سبقها أثرا.وفي هذا الصدد يعلق مصدر أوروبي أن إيران استخدمت في الماضي ورقة الإرهاب وأوروبا منتبهة جيدا لكل خطوات طهران. أما بالنسبة للانسحاب من بندي بيع اليورانيوم المنخفض التخصيب والماء الثقيل فيحدد أحد المفاوضين السابقين في جولات فيينا أن هذا الإجراء رمزي لأن هذه المواد لا تجد من يشتريها. أما بالنسبة لمهلة الستين يوما والتلويح برفع تخصيب اليورانيوم فيحدد أحد الخبراء أن أي مغامرة بإيصال التخصيب إلى مستوى يؤهل الإنتاج العسكري تعني إنهاء الاتفاق واصطفاف أوروبا خلف إدارة ترامب.

هكذا بعد رمي الترويكا الأوروبية للإنذار- المهلة وتركيز إيمانويل ماكرون على البرنامج الصاروخي الباليستي مع تمسكه بالاتفاق النووي، تبدو المناورة الإيرانية مسدودة الأفق في رهانها القديم – الجديد على الشقاق بين الأوروبيين وواشنطن. تعتبر الأوساط الفرنسية المتابعة للملف أن الرئيس ماكرون سعى بكل جهده وفشل في إقناع ترامب بالتريث والعمل على استكمال اتفاق 2015 وسد ثغراته (تمديده بعد 2025، تطوير الصواريخ الباليستية والاستقرار الإقليمي) ولذلك رفضت أوروبا خطوته وكانت جادة في التوصل إلى آلية التفاف على العقوبات واستمرار المعاملات المالية والتجارية في بعض الميادين مع طهران، لكن لا القطاع الخاص ولا المصارف الأوروبية تجاوبت ولم يعد هناك هامش مناورة عند الترويكا.

بناء على ذلك، حاول الجانب الفرنسي مطالبة طهران بمرونة حول الملف الباليستي وحول الدور الإيراني في اليمن وسوريا ولم يكن هناك أي تجاوب إيراني ملموس. وزاد الطين بلة تورط طهران في أعمال إرهابية مفترضة ضد المعارضة الإيرانية في باريس وهولندا والدنمارك. إزاء هذه الدائرة المغلقة، زاد نفوذ الصقور داخل إدارة ترامب وازداد التوتر بين واشنطن وطهران من العراق إلى ضفاف الخليج العربي.

ومن الواضح أن إيران المنهكة داخلياً والمصرة على مكاسبها الإقليمية تراهن على عدم حرق المراحل والانسحاب على مراحل من اتفاق 2015 لكسب الوقت، وهي تعلل الآمال على عدم التجديد لدونالد ترامب كي تعود إلى خطوط الوصل مع واشنطن.

في المقابل أتى القرار الأميركي ضد تصدير المعادن الإيرانية ليشكل ضربة إضافية ويمثل تشددا في إدارة الملف بالتوازي مع نشر حاملة الطائرات والقاذفات الاستراتيجية. من الواضح أن فريق الرئيس ترامب لا يخطط للحرب الشاملة على شاكلة ما جرى في العراق في 2003 إذ لسنا أمام عدو مماثل أو ميزان قوى عالمي مماثل أو إدارة أميركية مماثلة، بل أقصى ما يمكن أن يحصل في حال قيام إيران بتحريك أذرعها في ضربات للمصالح الأميركية أو للجنود الأميركيين في المنطقة أو ضد حلفاء الولايات المتحدة، هو ضربة محدودة أميركية شبيهة بما حصل عام 1988 عندما عرقلت إيران الملاحة في المياه الدولية. لكن يمكن لإسرائيل أن تلعب دوراً في مواجهة بالوكالة يكون مسرحها الأساسي سوريا وربما لبنان والعراق. بيد أن احتمالات مواجهة ما قبل بدء الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية في صيف 2020، تبقى رهينة حسابات الأطراف المعنية وقدرة بعض اللاعبين الخارجيين وأبرزهم روسيا على تفاديها أو احتوائها.

مع إدارة دونالد ترامب تنتقل واشنطن للمرة الأولى من سياسة رمادية لا تتجاوز ربط النزاع مع طهران، إلى سياسة هجومية تلامس الخطوط الحمراء

على صعيد آخر عوّلت طهران طويلاً على الصين كشريك اقتصادي واستراتيجي. وبالفعل لعبت بكين دورا كبيرا في تخفيف آثار العقوبات الدولية بحق إيران بين 2012 و2015. لكن يبدو الوضع مختلفاً في 2019 بناء على أرقام طلبيات الصين من النفط الإيراني (مقابل زيادة الصادرات النفطية السعودية إلى الصين). ومن التفسيرات الممكنة لهذا التردد الصيني عدم وجود رغبة في مقارعة واشنطن حول هذا الملف وتسخين الحرب التجارية على هذا المحور.

ولا تستبعد بعض الأوساط أن تقوم الصين بلعبة مزدوجة تقضي بالحصول على نفط إيراني منخفض السعر عبر التهريب، وكذلك تشديد التعاون العسكري السري (خاصة في مجال الطائرات المسيرة). لكن أياً كانت مواقف الصين والهند وتركيا حيال استيراد النفط الإيراني فإنها لن تحد كثيرا من فعالية الخطوة الأميركية وتصاعد تأثيرها على الداخل الإيراني مع سقوط سعر صرف العملة الوطنية والتضخم وغلاء الأسعار.

يعمل الحكم الإيراني على شد العصب الداخلي في وجه الإدارة الأميركية، لكن هناك شك بقدرته على ضبط نقمة شعبية متفاعلة منذ نهاية عام 2017. ولا يستبعد أن يقود الضغط الأقصى أصحاب القرار في طهران إلى اتخاذ خيارات متهورة لاعتبارات أيديولوجية وذاتية تتصل بتوازن القوى داخل الدائرة الأولى للحكم. وفي مواجهة إدارة دونالد ترامب سيوجد كل الإقليم على صفيح ساخن على وقع تطورات الملف الإيراني.

===========================

موقفنا : نشجب ونستنكر وندين إحراق العلم التركي .. جريمة مستنكرة مدبرة أو فعل أهوج غير مسئول

زهير سالم

مركز الشرق العربي

13 / 5 / 2019

ما وقع في بعض بلدات الشمال السوري حيث أقدمت مجموعة من المجهولين على إحراق العلم التركي تعبيرا فيما يزعمون عن ألم أو عن سخط ..!!

إن فرز القوى على الصعيدين الميداني والسياسي هو أول الخطوات التي يحسمها العقل السياسي الرشيد . وإن من حق على القيادات السورية وأولي الأحلام والنهى من السوريين أن تحسم الأمر في مواقفها من تمييز الأصدقاء من الأعداء ..وألا يترك الأمر فوضى يلوكه أصحاب المآرب والغايات أو بعض الذين لا يعلمون

إن انتصار الثورة السورية ، التي ما تزال جمرة متقدة وهي منتصرة بإذن الله ، هو في تكثير أصدقائها وتقليل أعدائها ، والتخذيل عنها ، والاستفادة من كل المتغيرات والتحولات الدولية والإقليمية لاكتساب المزيد من أصدقاء الدعم والتأييد .

وإن أي سوري عاقل منصف رشيد يقوّم بميزان الحق والحقيقة الموقف التركي بشكل عام ، موقف الدولة والحكومة والشعب ، في تركية يجد نفسه أمام موقف إخوة وأصدقاء ومحبين يستحقون من الشعب السوري كل الشكر والعرفان والتأييد .

يحتل الموقف التركي الداعم للثورة السورية في كل الميادين المكانة الأولى بين بقية الأصدقاء الداعمين الذين نطالب أيضا بالحفاظ على ودهم والتمسك بصداقتهم والسعي إلى تمتينها وتوثيقها .

ولعل أهمية الدور التركي بالنسبة للشعب السوري ينبع من أمور عديدة منها :

- وحدة حميمية مرتكزة على دين وعقيدة وثقافة وحضارة عميقة في التاريخ ...

- كون الجمهورية التركية إحدى الدول الإقليمية العظمى في إطار توظيف الدولة الإيرانية نفسها في قوس العداوة للعرب والمسلمين ,,

- الجوار الجغرافي ( السوري - التركي ) الممتد على مسافة 900 كم بين الدولتين والشعبين

- جديلة من المشتركات الجيوسياسية حيث تكون مصالح الشعب السوري الاستراتيجية متطابقة مع المصالح الاستراتيجية للدولة التركية والشعب التركي على السواء ..

إن أبسط ما ينتظر من كل أحرار الساحة السورية ...

- الاعتراف بالجميل لتركية الدولة والقيادة والشعب ..

- الحرص على بناء توافقية مستقبلية متينة على أسس من التعاون الإيجابي البناء كل ذلك في إطار الاعتراف بالخصوصيات والأولويات ..

- المضي على طريق تعزيز الشراكات الوطنية السورية مع كل الأصدقاء دون أن نزج قضيتنا في أي نزاعات جانبية مع أي طرف من الأطراف ..

وبناء على كل مضى نعلن إدانتنا واستنكارنا لعملية إحراق العلم التركي التي تمت في بعض بلدات الشمال السوري المحرر يوم أمس ..

ونؤكد أن الذين ارتكبوا هذا الفعل المستنكر المدان إما بعض المندسين الذين يعملون ليفقد الشعب السوري أخلص أصدقائه ، أو أنهم مجموعة من أهل الخفة الذين لا يقدرون الأمور ولا ينظرون في العواقب ولا يحسب فعلهم إلا عليهم ..

نعلم أنه لم تكن الدولة التركية ولا الرئيس أردوغان لتتأخر عن نصرة الشعب السوري في أمر تقدر عليه في مثل هذا الظرف الدولي والإقليمي شديد التعقيد ..

إن العقلاء إذا نزلت بهم المصائب واشتدت عليهم المحن لاذوا بعقولهم ، وتمسكوا بأحلامهم ووقارهم ولم تجعلهم المصيبة هوجا لا يميزون خيرا من شر ولا أرضا من سماء ..

كل الوفاء والحب والتقدير للدولة التركية قيادة وحكومة وشعبا وكل الاحترام والتقدير للعلم التركي الراية التي جمعتنا على الحب والود ..

أيها السوريون ..

الصبرَ ..الصبرَ ..الوقارَ ..الوقارَ ... الوفاءَ ...الوفاء ..

( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ).

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

معركة ريف حماة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 11/5/2019

بدأت روسيا ما تعتقد أنه آخر معاركها السورية التي نجمت عن تعقيداتٍ وأوضاع كانت تعتقد أنها لم تعد عقبة في طريق الحل، بعد عودة الأسدية إلى ثلاث من مناطق خفض التصعيد، وتسليم موسكو وطهران بأولوية الدور والحضور التركي في المنطقة الرابعة، منطقة حماة التي تدور الحرب في أطرافها اليوم.

من الصعب اعتبار ما يجري حلقةً أخيرةً في الحرب التي سيمهد انتهاؤها لـ"جنيف"، ولتطبيق القرارات الدولية، وصولا إلى الحل الدولي الذي ينتظره السوريون منذ ثمانية أعوام. والمرجّح أن تهدد الحرب الروسية الراهنة، في حال كان هدفها إعادة إدلب ومنطقتها إلى النظام، بقلب العلاقات والتحالفات القائمة بين تركيا وروسيا، وتبدّل علاقات بدت تحالفيةً، وتستعيد تحالفاتٍ بدت منتهية، ولا يستبعد اصطدام موسكو بأنقرة، إن نقض عمل روسيا العسكري اتفاق سوتشي حول أولوية حضورها في المنطقة، لأن ذلك سيعني تقليص دور أنقرة في سورية تمهيدا لتقليص حصتها من الحل أو حذفها، بينما كان يبدو أن إيران، وليس تركيا، هي التي يُراد لها أن تخرج صفر اليدين من الصراع. ولأن تركيا لن تقبل أن تتعرض لهزيمة بهذا الحجم، وهي مكتوفة اليدين، فالمرجح أن يكون هناك اتفاق بين الدولتين بشأن دخول روسي محدود أرضيا إلى ريف حماة الشمالي، لأهميته بالنسبة لدور قوات موسكو في سورية، ولهز إصبعها في وجه جبهة النصرة التي لم تشارك في القتال أو تتعرض للضرب. لم تدخل موسكو لتقوّض نفوذ تركيا في المنطقة، أو حصتها من الحل الدولي، أو لتغيير وضع أطراف تفاهمات سوتشي وعلاقاتهم، أو مصير منطقة إدلب، ولو كان هدف موسكو تقويض حضور تركيا ودورها، لشاركت هيئة تحرير الشام في القتال، ولصدرت عن قواتها تحذيراتٌ عسكرية ما، في عموم منطقة إدلب، وليس فقط على خط المواجهة، ولتعرّضت قاعدة حميميم لعمليات قصفٍ بمئات الصواريخ يوميا. لم يحدث هذا، لأن موسكو تريد تحاشي وقوع أية متاعب جدية في علاقاتها مع أنقرة التي يرجّح أن تقوم، في حال شعرت بالاستهداف، بما يشكل خطورة بالنسبة لموسكو: عبر عودتها إلى حليفها الأميركي، وفق صيغة تعاونٍ جديدة على الأرجح، قد تكون محل بحثٍ في أيامنا، تعزّز التزام حلف شمال الأطلسي بالدفاع عنها، وحمايتها من جلافة الرئيس الروسي بوتين وعدوانيته. وهناك إشارات إلى تقارب أميركي/ تركي في الآونة الأخيرة، كالتفاهم على المنطقة الأمنية شرق الفرات، وصفقة طائرات إف 35، وصواريخ الباتريوت، وإس 400، وما يعنيه ذلك من تخلٍّ تركي عن المقترح الروسي بشأن منطقةٍ آمنة تنجز بالتفاهم مع الأسد، ووفق صيغة أضنة الأمنية، فضلا عن إمكانية وضع منطقة إدلب تحت حماية أميركية، أسوة بشرق الفرات، في حال ساء الوضع مع روسيا وعادت مياه الأطلسي الأميركية إلى الجريان في أنهار السياسة التركية.

ستواجه موسكو مشكلات صعبة مع أنقرة، إذا لم تكن حربها الراهنة محدودة في المكان والزمان، وكان هدفها المس بإشراف تركيا على منطقة إدلب، وعائدها دفع إسطنبول إلى أحضان واشنطن، في ظل احتمالاتٍ مقلقةٍ تلوح في أفق السياسة الدولية والمحلية، منها الهجمة الأميركية على إيران التي تضفي الجدية علي احتمال إخراجها من سورية، وانهيار النظام الأسدي الذي إن حدث أو خرجت طهران من المشرق، رفع الغطاء الإقليمي والمحلي عن موسكو، في لحظةٍ مفصليةٍ تتسم بالتوتر الشديد في علاقات العملاقين، الروسي والأميركي، قد يجد بوتين نفسه، في حال أغضب تركيا، وعجز عن دعم إيران، وإنقاذ الأسد، مكشوفا، وفي حالة دفاع عن دورٍ لن يجلب له غير المصاعب التي تتحدّى قدراته.

===========================

لا تلوموا كلاب الصيد بل لوموا أصحابها

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 11/5/2019

لماذا تقدم الكثير من الأمم بينما تتراجع الدول العربية وبعض الدول الإسلامية؟ سؤال يتكرر منذ عشرات السنين. وقد دأب المفكرون والباحثون على سرد مئات الأسباب، لكن برأيي الشخصي، هناك سبب وحيد لا شريك له، وهو أننا كدول عربية ما زلنا تحت الاستعمار، لكن بطريقة غير مباشرة، ولا أبالغ إذا قلت إن الاستعمار التقليدي الذي نحتفل كل عام بجلائه عن بلادنا كان أفضل بكثير من الاستعمار المحلي الذي تركه المستعمر الغربي وراءه كي يقول للشعوب: «ها نحن تركنا دياركم، لكن ستترحمون علينا بعد أن وضعنا لكم وكلاء أقذر وأحقر منا بعشرات المرات. سنجعلكم تحنون إلى أيام الاستعمار الخوالي بعد أن تجربوا العيش تحت أحذية وكلائنا المحليين».

لقد تحدث الرئيس التونسي السابق الدكتور المنصف المرزوقي في كتابه الشهير «الاستقلال الثاني» عن هذه النقطة تحديداً، واعتبر أننا لم نصبح دولاً مستقلة بمجرد جلاء القوت الاستعمارية عن أراضينا، لأن المستعمر غادر بقواته، لكنه قبل أن يغادر كان قد درب عملاءه ووكلاءه كي يحلوا محله وينفذوا كل ما يريد وأكثر. بعبارة أخرى، لقد غادر المستعمر لكنه ترك كلاب صيده يصطادون له في بلادنا. لا عجب إذاً أن منصف المرزوقي طالب في كتابه أعلاه بتحقيق الاستقلال الثاني الذي يحقق لنا الاستقلال الحقيقي ويجعل من بلداننا دولاً حرة مستقلة صاحبة قرار وليست مجرد مستعمرات تدار عن بعد بواسطة المستعمر وكلاب صيده المحليين.

غالباً ما يصب العرب مثلاً جام غضبهم على أنظمتهم وحكامهم ويتهمونها بأنها من أبشع الأنظمة عبر التاريخ في القمع والإرهاب والاضطهاد. لكن هناك الكثير من التضليل في هذا الاتهام للأنظمة العربية التي تعمل بوظيفة كلاب صيد. من الخطأ الشديد إعطاء هذا النظام أو غيره أكثر مما يستحق من قيمة. صدقوني، فهو وغيره من الأنظمة المشابهة ليس فاشياً وإرهابياً ووحشياً بإرادته الذاتية، بل هو ككل كلاب الصيد مدرب على أداء هذه الوظيفة خدمة لأسياده الذين سلطوه على الشعب من أجل مصالحهم الخاصة بالدرجة الأولى.

لا تتوقعوا أن تنهض أوطاننا وتتقدم شعوبنا إلا عندما يكون لدينا حكام وأنظمة وطنية وليست أنظمة وزعماء وأجهزة مخابرات مصنوعون في واشنطن أو تل أبيب أو باريس أو لندن أو موسكو أو طهران ومهمتهم الأساسية تنفيذ المشاريع الاستعمارية في بلادنا بالوكالة

مشكلتنا كشعوب إذاً ليست في الكلاب المسعورة التي تحكمنا، بل في الذين دربوا تلك الكلاب وسلطوها علينا كي تنهش في لحومنا… وعندما أرى السجان يفعل الأفاعيل بالمعتقلين في سجوننا ويمارس بحقهم أبشع أنواع التعذيب، لا ألوم السجان، بل ألوم النظام والحاكم الذي درب السجان وزرع فيه كل هذه الوحشية والحقد والهمجية كي يمارسها على المعتقلين.. وعندما أرى هذا الحاكم يترك الحبل على الغارب لأجهزة الامن كي تفعل فعلها بالشعب، لا ألوم الحاكم، بل ألوم القوى الكبرى التي دربته وأعطته الضوء الاخضر كي يفعل ما يحلو له بشعبه خدمة لمصالحها في بلدنا… وعندما ترى أجهزة الأمن تمنعك من إقامة حفل زفاف من دون إذن المخابرات كما في سوريا الأسد، أو تمنعك من دفن أهلك في القبر من دون رقابة أمنية، فاعلم أن هذه الأجهزة تعمل لصالح كل من يريدك أن تبقى متخلفاً ووضيعاً وضعيفاً…صدقوني مشكلتنا ليست مع كلاب الصيد الذين نسميهم حكاماً وأجهزة أمنية بل مع أصحاب الكلاب…خارج بلادنا.

هل يا ترى فعل هذا النظام أو ذاك كل ما فعله بالشعب على مدى سنوات بإرادة ذاتية، أم إنه كان مجرد أداة حصلت على الضوء الأخضر ففعلت ما فعلت. لا يمكن أن نصدق مطلقاً أن هذا الحاكم أو ذاك قرر استخدام سلاح الطيران ليدمر المدن فوق رؤوس سكانها وكي يشرد نصف الشعب خارج البلاد. مستحيل. هذا الفعل لا يمكن أن يمر مطلقاً من دون إيعاز وحماية خارجية، خاصة وأن سادة العالم قادرون على معاقبة أي نظام على قتل بضعة أشخاص إذا أرادوا، وفي أحيان كثيرة يقومون بتلفيق التهم لهذا الحاكم أو ذاك كي يستهدفوه إذا لم يجدوا الحجج الكافية. فكيف إذاً استطاع بعض الطواغيت العرب أن يدمروا بلدانهم ويهجروا شعوبهم دون أن يتعرضوا لأي عقاب حقيقي من العالم؟ الجواب بسيط.

هل شاهدت يوماً كلب صيد يتعرض للعقاب من صاحبه وسيده إذا اصطاد له مئات الطيور والحيوانات؟ بالطبع لا، لا بل إن السيد سيكرم الكلب وسيشكره على صيده العظيم. وكذلك الأمر بالنسبة للكثير من الحكام العرب الذين يعملون بوظيفة كلاب صيد معتمدين. وطالما أن إسرائيل راضية عما يفعله هذا الحاكم في هذه الدولة المجاورة أو تلك بشعبه وبلده، فاعلم أنه تحت حمايتها ورعايتها، وبالتالي فهو كلبها الوفي. إذاً ليست المشكلة بالكلب، بل براعي الكلاب.

وبالعودة إلى السؤال أعلاه: لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا نحن، نستطيع أن نقول إن الوكلاء وكلاب الصيد لا يمكن أن يبنوا أوطاناً أو يصنعوا شعوباً، بل هم قادرون فقط على التدمير ووضع العصي في عجلات أي مشروع وطني. كيف نتقدم بالوكلاء والعملاء الذين يخدمون أسيادهم في الخارج الذين عينوهم حكاماً علينا؟ دلوني على حاكم انتخبه شعبه؟ القليل القليل، بينما الغالبية العظمى يختارهم الخارج لتنفيذ مشاريع الخارج. لا تتوقعوا أن تنهض أوطاننا وتتقدم شعوبنا إلا عندما يكون لدينا حكام وأنظمة وطنية وليست أنظمة وزعماء وأجهزة مخابرات مصنوعون في واشنطن أو تل أبيب أو باريس أو لندن أو موسكو أو طهران ومهمتهم الأساسية تنفيذ المشاريع الاستعمارية في بلادنا بالوكالة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com