العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19-04-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

رياض الترك خارج المشهد السياسي

عمار ديوب

العربي الجديد

الخميس 16/4/2020

انتظر السوريون المقابلة التلفزيونية مع رياض الترك بلهفةٍ. هو الرجل الذي قضى في زنزانةٍ منفردةٍ قرابة ثمانية عشر عاماً. عند مواليه هو مانديلا سورية، وعند الآخرين، وليس بالضرورة أن يكونوا من خصومه في السياسة، يُسجَل له تاريخُه النضالي ومعاداة الاستبداد، كما آلاف المعتقلين السياسيين، ومن الاتجاهات السياسيّة كافة؛ وسوى ذلك، هناك اختلاف في تقييم دوره في الحياة السياسية السورية، وأقلّه منذ المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري عام 1969. الرجل من مواليد 1930، وعاصر قرابة قرنٍ من تاريخ سورية، وبذلك يستحق النقد.

كان يُفترض برجلٍ لديه كل هذا التاريخ أن يُحضَّر للحوار معه جيّداً. ولكن حوار جيزيل خوري معه، في الفضائية البريطانية بي بي سي العربية، جاء ضعيفاً، ومن دون جهدٍ يُذكر، فتناول قضايا يعرفها أغلبية من يتابع شؤون المعارضة السورية. كان مأمولا أن يتطرّق إلى الأعوام الخمسين، أو إلى ما بعد العام 2011، بتحليلٍ وانتقادٍ وتوضيحٍ للمسؤول عن الإخفاقات. كرّر الترك كلاماً عاماً، وجاء خارج أطر التحليل السياسي، كلاما يصلح للدردشة الشخصية، ولا شيء أكثر. يستحق الرجل، مثل قياديين كثر في المعارضة السورية، أن يعاد لهم حضورهم، وأن تُجرى معهم حواراتٌ كثيرة، ولكن ليس كما جرى في برنامج "المشهد".

يعلم الجميع أنه كان لرياض الترك وحزبه دور مركزي في المجلس الوطني، وفي كل أطر المعارضة السورية ومؤسساتها، وفي إطار دهاليز العمل السياسي السوري المعارض، ومنذ

"أَبعدَ الترك مسؤولية حزب الشعب الديمقراطي في إجابته عن دور المجلس الوطني وقال إن المجلس تألف من سبع قوىً" 1969، ولكن ذلك كله لم يُناقش؛ فإذا غاب هذا، ماذا يظل من رياض الترك، ومن مسؤوليته بشأن ما جرى، سيما بعد 2011؟ تمحور الحوار حول الحياة الشخصية واعتقال رياض الترك، وأصبحت القضايا التي ناقشتها المُحاورة مع المناضل المعروف نافلة القيمة بالمعنى العميق للكلمة. هناك دور للشخصيات، سيما القيادات، في تقرير أحوال السياسة والصراع؛ ولكن الحوار كان قولبة للأحوال تلك، ووفقاً للحياة الشخصية، بينما كان يُفترض أن يحصل العكس، وأن توجه له انتقادات دقيقة عن مسؤولياته بوصفه قياديّا في حزبه وفي المعارضة.

في ميدان المراجعات التي جرى بشأنها النقاش على هامش الحوار، أَبعدَ رياض الترك مسؤولية حزب الشعب الديمقراطي السوري في إجابته عن دور المجلس الوطني، حيث قال إن المجلس تألف من سبع قوىً. وفي إطار نقده دور الإخوان المسلمين، أوضح أن لديه مجرد ملاحظة، وكرّر كلمة ملاحظة مرات؛ فهل يُعقل ألّا تُحمّل تلك الجماعة مسؤولية كبرى عما آلت إليه أحوال المعارضة والثورة السورية. انتقدهم الترك في تفضيلهم العنف واحتكار العمل الشعبي وترجيح كفّة توجههم الإسلامي وغيرها. والسؤال هنا: أليست هذه القضايا كفيلة بتوجيه انتقاداتٍ للإخوان وللمجلس الوطني بشكلٍ أدق، وبعيداً عن الكلام المرسل، بل وأفاض: الثورة عمليّة تاريخيّة، ومعركتنا من أجل الديمقراطية طويلة، وما زال أمامنا الكثير الكثير. وهذا الكلام يعتبر هروباً من تحمّل المسؤولية، ورفضاً للدخول في أيّ نقاشاتٍ جادّة، تتناول أحوال المعارضة منذ 2011.

وددت لو أعلن رياض الترك استقالته من العمل السياسي، وقد أصبح تسعينياً، وليتفرّغ لكتابة المذكرات؛ من أجل إنصاف تجربته، ومن أجل الأجيال اللاحقة، وليستفيد منها من سيكتب التاريخ في المستقبل. أمّا أن يكون الحوار التلفزيوني كلّه وكأنّ الضيف ما زال في ريعان الشباب، وأن دوره السياسي ما زال قائماً، فهذا يعني أننا لم نستفد شيئاً من تجارب العالم، والتي تؤكد ضرورة التفرّغ تلك، والاستقالة من الحزب وترك السياسة للأجيال الشابة. وليس المقصود هنا هدر خبرة المناضل المعروف، أبداً؛ فيمكن أن يتحقق له ذلك، عبر الراغبين في العمل معه، وعبر تدوين مذكّراته. ورأينا هذا، لأن كل قدرات الرجل، كما ظهر في مقابلته التلفزيونية على شاشة بي بي سي عربية (3/4/2020) متراجعة، وهي حالة كل شخص في عمره، وبالتالي يحق للآخرين مطالبته بالتراجع عن المشهد، والاسترخاء، وبذلك يقدّم نموذجاً للقادة السياسيين وللتاريخ.

وإنصافاً لرياض الترك، وسواه، نقول: لا تسمح الشموليّة للأفراد، بالتشكّل الطبيعي، والتفكير السياسي الحر، وبالتأكيد تمنع كل أشكال الحريات والعمل السياسي والمشاركة السياسية. ربما يفسّر هذا السبب مواظبة شخصيات معارضة سوريّة عديدة، ولم تأخذ دورها في العمل السياسي الحر، وقد تجاوزت الثمانين عاما، على العمل السياسي، مع التوهم أنّها قياديّة أو قادرة على أن

"انتقد الترك الإخوان المسلمين في تفضيلهم العنف واحتكار العمل الشعبي وترجيح كفّة توجههم الإسلامي وغيرها، فهل يكفي هذا؟" تكون قياديّة. نعم، تجربة سورية مريرة بما يخص كتلاً كبيرة من القوى المعارضة؛ فقد سجنت مددا طويلة، وهي فئات مهمشة كليّة، وليس لها أيّة حقوق مدنية. وفي ما يخص الإخوان المسلمين، هناك قانون خاص بهم، ويحكم عليهم بالإعدام! وبالتالي حتى الرعاية الطبيّة، لا تشملهم، فكيف ببقية الحقوق الأخرى؟ ليست قضية كهذه بسيطة، أنها تُشعِر المرء بأنّه ليس فرداً طبيعيّاً، وبالتأكيد ليس مواطناً، وأنّه أضاع عمره بلا جدوى، وبالتالي هذا ليس وطنه. وضمن هذا المنظور، يفكر كثيرون من أفراد المعارضة السورية، ويفهمون الدنيا. هم محقوق بذلك، ولهذا تركت الأكثرية البلاد، غير آسفةٍ. وهناك كثيرون تركوا البلاد كي لا يعتقلوا، وحينها سيكون الموت بانتظارهم، كما مئات ألوف الذين تظاهروا بعد 2011.

أُكرِهَ رياض على ترك سورية في العام 2018، ولأسبابٍ صحيّةٍ وسياسيّة، وكي لا يصبح عبئاً على حزبه، حيث صار التخفي مكلفاً. وقد لعب أدواراً كبرى، وكان بعضها غير إيجابيٍّ، ومنذ 1969، وبالتأكيد لا أقصد ضمن الحزب الشيوعي الرسمي، بل في إطار المعارضة التي طالبت بالديمقراطية والتحوّل السياسي، وكذلك ضمن حزبه ذاته، وبعد ربيع دمشق، وما بعد 2011. المقصد من ذلك أن الرجل لم يتكلم عن سلبيات كثيرة، شابت دوره السياسي، ودور حزبه، وكان في مقدوره أن يفتح صفحة جديدة، وحواراً ذكياً لو رغب بذلك، حيث برنامج المشهد يسمح بذلك. مضى على تهجيره عامان، وكان في وسعه الاستفادة منهما، وإعلان رؤية جديدة، وتوجيه انتقادات لمجمل دور المعارضة السورية، وتحميلها المسؤوليات. ولهذا ضرورته، بما أصبحت عليها أوضاعها حالياً، وضرورة أن يكون لها دور، وقد أصبحت سورية كعكة على موائد قادة العالم.

لم يخيب ظنَّ نقاده الجادّين به، وفضّلَ حواراً عن شخصيته المعروفة لمواليه، وبذلك نرى أن جيزيل خوري لم تكن موفقة في إحراج الرجل، في ما سلف أعلاه، بل كانت أقرب إلى مواليه.

===========================

موقفنا : في المشهد السياسي ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ )

زهير سالم

مركز الشرق العربي

18/ 4/ 2020

وثلاث رسائل سريعات :

الرسالة الأولى إلى الرئيس الموريتاني .. الذي أرسل رسالة تهنئة إلى بشار الأسد فيما يسمى بيوم الاستقلال ..

في تراثنا الثقافي نص مكذوب على رسول الله يقول " يرقص للقرد في دولته " نتمنى على علماء نواكشوط أن يعلّموا رئيسهم أن هذا الحديث مكذوب موضوع . وأن عمله به مما لا يجوز ، وأن الرقص مهما كان مما يقبح بالرؤساء . صحح لي بعض المطلعين ، أن التهنئة ليست إلى مرسلها الظاهر ، بل هي إلى اثنين سواه : أولا هي إلى الروس الذين يريد الرئيس الموريتاني أن يصطنع عندهم يدا .. ولذا لاحظنا حجم الاهتمام الذي أبدته ( ار. تي ) الروسية بالخبر . وهي ثانيا إلى الصهاينة في تل أبيب حيث يتطلع الرئيس الموريتاني إلى الوصل عن طريق هذا المرسال ، ولكنه مع أسف مرسله ، ضاع في زحمة التناحر على مقام تشكيل الحكومة هناك ..

الرسالة الثانية :

حول القصف الصهيوني لسيارة الجيب الحزبللاوية عند جديدة يابوس السورية ..!!

ولم يرشح الكثير عن القاصف والمقصوف ، وقالوا طائرة مسيرة بصاورخين الأول أخطأ ، والثاني أصاب ، ولكن بعد أن طارت العصافير . قالوا إن سيارة الجيب كان يقودها ابن عماد مغنية . واستدلوا من ذلك أن القطط الذين فيها كانوا سمانا . لا أحد استطاع أن يعرف : من ؟ ولا لماذا ؟ ، ولكن الكواهين الذين أخذوا قرار القصف ، ولا شك كانوا يعلمون ..

أجمل شيء قرأته من مصادر حفية : أن القصف الصهيوني على السيارة اللبنانية ، على الحدود السورية ؛ وقع ضمن تفاهمات " قواعد الاشتباك " . مفاد هذه الكلمة أن إسرائيل مارست حقا معترفا لها به ، من قبل بقية الأطراف. وأن الذي يدخل منا بين البصلة وقشرتها ، لا ينوبه إلا الذي تعلمون ..

التوصية للشبيح حسن نصر الله : إيه طول بالك ..ما فيها شي ..عادية جدا ..

الرسالة الثالثة حول جملة اللغط الذي يدور في الشمال السوري ...

من ؟ ومن ؟ ومن ؟ ومن ؟

يقول ربنا تبارك وتعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ومعنى الآية هنا أنه متى اجتمع الناس واختلطوا ولو على قصعة طعام ، ظهر البغي منهم فهذا إلى لقمته أسرع ، وذاك لقمته أكبر ..

ولقد راهن الذين جمعوا هذا الفئام من السوريين في هذا الشريط الضيق على مدى سنوات على مثل هذا ..بل على ما هو أكثر منه ، ولاسيما حين يلبس الثعالب ثوب الواعظين . وأقبح ما ابتليت به الثورة السورية الثعلب المانح . ورحم الله أمير الشعراء : مخطئ من ظن يوما ..أن للثعلب دينا

التناقضات الصغيرة ، والجزئية ربما لا تنتهي . والاستقصاء في معرفة الباغي والمبغي عليه في كل جزئية أمر يطول ، وضابط أمرنا نحن السوريين السوريين في هذا الموقف في ثلاثة سطور ..

أولا -أن يكون لنا مشروعنا الوطني المستقل برؤيته الاستراتيجية ، وخطواته التكتيكية ما وسعنا الجهد ..وهذا مسئولية من تصدر ..!!

ثانيا - أن نعتبر جارنا التركي حليفنا الاستراتيجي الأول ، وحلفنا معه تفرضه الجيوسياسية ، كما تفرضه المصالح المتعانقة ، مع الثقافة والحضارة والتاريخ ، وهو تحالف يجب أن نتمسك به ، ونعض عليه بالنواجذ ، من غير تفريط ولا تضييع ، ولا غفلة عن الخصوصيات ..حلفنا مع جارنا التركي في الظرف الذي نعيش : هو حلف الضرورة الذي لا غنى لنا عنه ، وحلف المصلحة الذي فيه قوامنا وبقاؤنا واستمرارنا. وحلف الأمل الذي يفتح أمامنا الآفاق لنرود المستقبل ، ونتجاوز العقبة ، وعسى أن يكون ما بعد كورونا أسهل علينا مما كان قبلها .

ثالثا - أن ننبذ إلى من جربناهم فخذولونا ، وكانوا دائما ذريعة إلى بلائنا كلنا على سواء . وموقفنا هذا منهم لا يمنع أن نخاطب سوادهم ، من كان منهم حريصا على نصرة رؤية أو إنسان ... أن عليه أن يخلع ثوب الغرور والادعاء ، وأن يتوقف عن أن يكون سببا للإجلاب .. وأن يقر بمعطيات الواقع انتهاضا لتغييره ، ولا يغير الواقع بمكابرة تزيد الطين ضغثا على إبالة ..

ونحن السوريين السوريين أقصد لا نخوض معركتنا معركة شخصية ، ولا حزبية ، ولا فئوية ..نخوضها تحت عنوان عريض جامع للعدل والحرية ..

ونداؤنا لكل السوريين: افعلوا ما تقتضية مصلحة هذا الشعب الذي قدم مليون شهيد . والزموا ما تقتضيه مصلحة الأرملة الكسيرة والشيخ العاجز والطفل اليتيم ..

نقول للذين تابعناهم أكثر من مرة يلوحون بالرايات ثم يولون ..

وعندما يجد الجد ، تعلمون ونعلم أنه ما كل السوريين يجدون إلى الباصات الخضر ما تجدون من سبيل ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الموت السوري الجميل

وفاء العلوش

سوريا تي في

الاربعاء 15/4/2020

“نحن هنا مجرد أشباح تتحرك، لا يظنن أحد منكم أننا نحيا ولا تنتظروا منا ما عجزتم عن فعله فقررتم الرحيل، كل ما في الأمر أننا نتنفس وننتظر أن تسعفنا رصاصة رحمة ربما لن نكون محظوظين كفاية لتلقيها".

ما تزال حشرجات ما تبقى من السوريين في الداخل تصل إلى أسماعنا متقطعة الأنفاس، حتى إن أكثرهم بات يعتقد أن الموت أصبح جزءاً من الرفاهية المحرمة عليهم، ومنهم من بات يعتقد أن وجوده في الحياة أوعدمه على حد سواء.

لقد تداخلت الأصوات القادمة من الداخل السوري ولم تعد واضحة، وباتت تظهر أكثر يأساً بعد كل ما حل بالبلاد من كوارث وأحداث.

أظهر تعامل السوريين مع الوباء المنتشر في العالم لا مبالاة شديدة تجاه فرضيات الموت وسيناريوهات الحياة غير المتاحة، وكان مثالاً واضحاً على انعدام الأمل وعدم أهمية وجوده حتى بالنسبة إلى شعب تجرع من الموت أصنافاً مختلفة عبر سنوات.

وباتوا يصورون لأنفسهم قصصاً ويتناقلون روايات تفيد بأن من تحمل كل هذه السنوات من الحرب لن يقتله فيروس لا يشبه في اعتقادهم إلا شبحاً خرافياً لا يصدقون وجوده، إذ إنهم شهدوا من آلات القتل ما هو أكثر حقيقية ووحشية من مجرد فيروس يتطاير في الهواء على غير هدى ويختار ضحاياه بعشوائية غبية على حد زعمهم.

الموت هناك ربما ليس سيئاً إلى تلك الدرجة التي نخشاه فيها هنا في الطرف الآخر من العالم، لقد كان صديقاً طيباً في بعض الأحيان أنهى آلام كثيرين ممن طالت معاناتهم وقطع بالنسبة إلى آخرين حبالاً وهمية من أمل كانوا سيلقون حتفهم بسببه، لقد كان نهاية جميلة لحياة بائسة ومظلمة.

هكذا عبرت صديقة عندما حاولت الاطمئنان عليها بعد أن انتشرت الجائحة واخترقت حدود العالم، بينما ضحكت جدتها ذات الثمانين عاماً وهي تقول لي بلهجة عامية جميلة: "لقد أصبحتم أكثر هشاشة مما كنتم عليه حين كنتم صغارا، شدوا حالكن شوي"..

في قرارة نفسي كنت أفكر أنهم على حق تماماً، فكيف لنا أن نعول على من تركناهم داخل قضبان السجن الكبير، وكيف نعتقد أنهم سيخافون أيضاً من شبح لم يرونه بينما شاهدوا وحوش العالم بمختلف أشكالهم أمامهم.

خمسة عشر يوماً من العزلة كانوا كفيلين بأن يظهر الكائن البشري منا أسوأ ما لديه في سبيل إرواء غريزة البقاء والحفاظ على السلالة

أما نحن من نسكن في الطرف الآخر للعالم مثلما قد صنفونا، فإن خمسة عشر يوماً من العزلة كانوا كفيلين بأن يظهر الكائن البشري منا أسوأ ما لديه في سبيل إرواء غريزة البقاء والحفاظ على السلالة، سواء من ناحية السلوكات الفردية التي حاولت احتكار المواد التي من الواجب تشاركها، أو على صعيد السلوك الجمعي غير الواعي الذي بدأ يروي قصصاً مرعبة عن نهاية العالم والتعلق بالخرافات، أو من ناحية الدول التي بدأت تمارس قرصنة غير قانونية في الاستيلاء على معدات مرسلة إلى دول منكوبة.

في هذا ربما ما يبرر عدم تعاطف الشعوب مع موتنا الذي استمر كل ذلك الوقت، إذ يبدو أن بني الإنسان ينزعون إلى تحقيق متطلباتهم الفردية أكثر من الجماعية منها، وأن كل ما سمعناه وقرأناه عن التعاون والحياة الجماعية كان مجرد حوارات فضفاضة، علاوة على المجاهرة بالعنصرية والفوقية التي كان أقل ما يمكن لفاعلها فيما مضى أن يشعر بالخجل.

لا عزاء لنا إذاً نحن السوريين وقد أمضينا سنوات من الحجر والعزلة، من دون أن يرف لأحد جفن أو يفكر فينا قبل أن ننام، فالبشرية العظيمة التي تتباهى بأخذ اسمها من البشر تبين أن أسوأ ما أنتجته هو البشر أنفسهم.

العالم في وادٍ ونحن في وادٍ آخر، سوريا الوحيدة اليوم وأقصد هنا سكانها المنسيون، وأصوات مدنها المنسية، باتت تشبه نقطة غير مرئية على خريطة يتهافت أناس في كل أطراف العالم على قضم قطعة منها.

لقد تجاهلت الأخبار المتواترة والمتلاحقة ألم السوريين الذين هربوا باتجاه الحدود للوصول إلى حلمهم الأوروبي وانشغلت بما هو أهم، وبات ضرباً من الترف التفكير بألم العالقين في الخيام.

فالكوكب التعيس يصارع من أجل البقاء ويستخدم في ذلك الطرق المشروعة وغير المشروعة لتحقيق هدفه في الإطالة بعمره.

نحن السوريون صارعنا أيضاً من أجل البقاء، لكننا لم نكن على قدر من الأهمية ليعترف العالم بحقنا في الصراع من أجل النجاة في معركة الوجود أمام همجية باتت تستخدم كل الأسلحة للقضاء على وجودنا.

لن نسأل في هذه المرة لماذا غض العالم بصره عن موتنا المستمر من البرد ومن الجوع أو بواسطة وباء ومن غيره، ولماذا استباح إخوتنا في الدم دمنا ولم يعنهم ألمنا؟ فالإجابة باتت واضحة للقاصي والداني، ولم يعد من المعيب أن يقول قائل أن البقاء في هذا العالم للأقوى وكل ما عدا ذلك من خطب عصماء ورنانة في الأخلاق وعلم الإنسانية لم يكن إلا ضرباً من ضروب الخيال لتجميل اللوحة الباهتة.

===========================

دروس من وباء عام 1918

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 15/4/2020

يظل التاريخ هو الحكم بين البشرية، ليس في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة فحسب، وإنما حتى في المجال الطبي حديث الساعة اليوم، والذي استُدعي على عجل خلال هذه الأزمة، فبدأ العلماء ينبشون دفاتره القديمة، يستذكرون تاريخ تفشي الأوبئة في سابق العهد والزمان، وطرق مواجهتها، سيما في ظل عجز العلم عن فهم فيروس «كوفيد - 19»، وبالتالي فخط الدفاع الأول هو نفسه الذي كان قبل قرون، أولى هذه الخطوات تتمثل في إجراءات التباعد الاجتماعي.

تروي لنا كتب التاريخ أن أول حالة ظهرت في وباء إنفلونزا 1918، كانت حالة الكوليرا في فيلادلفيا بأميركا في 17 أكتوبر 1918، وتفشت الكوليرا يومها كانتشار النار في الهشيم، وهو ما حصد حتى عام 1920 أكثر من خمسين مليون شخص، في أميركا وإسبانيا وبريطانيا ودول غربية أخرى، ويتضح من السجلات التاريخية لتلك الأيام، أن المدن التي التزمت بحظر التجوال ونظرية التباعد الاجتماعي، كان تفشي المرض فيها أقل من النصف مقارنة بالمناطق التي لم تلتزم به، وقد دفع هذا المسؤولين يومها إلى إغلاق كل المرافق العامة مثل الكنائس والمدارس وأماكن التجمعات العامة، وأقدمت شرطة سان فرانسيسكو على إرغام الناس بالقوة على التزام بيوتها، حتى أطلقت ذات مرة النار على ثلاثة أشخاص لرفضهم ارتداء الأقنعة الطبية المفروضة.

ولوحظ أن المدن التي رفعت حظر التجوال بعد شهرين، قد عادت فيها الحالات للظهور مجدداً، بينما المدن التي طبقت حظر التجوال لفترة أطول من هذه لم تظهر فيها الحالات ثانية.

كان وباء جوستينان الذي تفشى في القرن السادس الميلادي قد حصد بدوره أكثر من خمسين مليون شخص، أما الوباء الذي امتد لعقد كامل بين عامي 1347 ـ 1357، فقد تمكن يومها من قتل 200 مليون شخص، أما ما أطلق عليها بالسلالة السابعة من وباء الكوليرا، فقد أبادت ملايين البشر، والتي بدأت في عام 1817 لتستمر عدة سنوات.

في غياب العلاج حتى الآن، ليس أمام البشرية اليوم إلا تطبيق إجراءات واحترازات 1918-1920، وهو ما نصح به عالم الأوبئة في جامعة كولومبيا ستيفن مورس، بأنه مع العجز حتى الآن عن العثور على المصل، فإن «الدرس الذي ينبغي الاستماع له والالتزام به هو درس وباء 1918، وهو ما سيجنّبنا تكرار ما حلّ يومها، ألا وهو التباعد الاجتماعي والتزام البيوت».

أهم درس تعلمناه من وباء «كوفيد - 19» هو ما ذكرته مجلة «التايم» الأميركية عام 2017، وهو أن العالم ليس مستعداً للوباء، واليوم يتأكد لنا جميعاً أن العالم أجمع لم يكن مستعداً، فلا الأجهزة الأمنية الحريصة على التجسس على الشعوب كانت قادرة بالحماس والنشاط نفسه على التجسس لصالحها، لتتنبأ علمياً بهذا الوباء، ولا حتى مراكز الدراسات توقعت أو نجحت في إيجاد المصل له.

حتى اليوم أكثر من مائة ألف ماتوا بسبب هذا الوباء، وأكثر من مليون ونصف المليون أصيبوا به، وهي البداية على ما يبدو، والحل هو ليس بالترويج للمرض بشكل يصيب الناس بالهلع والخوف والقلق، ليتحول إلى فوبيا، وهو في الواقع أخطر من الوباء ذاته، فلا بدّ من توعية الناس بأن العلاج ليس بالتعلق بالمصل والدواء ولغة الأرقام، وإنما بأخذ الإجراءات الشخصية، بالتزام البيوت وبالتباعد الاجتماعي، وتقليل السفر إلى حالة العدم. لأول مرة تجد البشرية نفسها في العصر الحديث أمام عدو مشترك واحد، ولأول مرة نجد فيالق الأطباء والممرضين هم الجنود والضباط في حرب مفتوحة لحماية الإنسان، ليتراجع معه دور المقاتلين وأسلحتهم المدججة، إلا الذين ما زالت شهيتهم وولعهم يدغدغانهم، فلم يتمكن «كوفيد - 19» من إلزامهم ثكناتهم، فيواصلون هواية القتل والتدمير في سوريا وليبيا وغيرهما.

الحرب اليوم ضد عدو غير مرئي، فلا تنفع معه كل الأسلحة المتطورة التي ابتكرها الإنسان لقتل أخيه الإنسان، بعد أن عجز أو رفض أن ينفق 1% على الكشف عن هذا الفيروس، مقارنة بما أنفقه على قتل البشرية وإبادتها، وصدق العلي العظيم القائل: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً».

===========================

المعارضة السورية واللحظة السياسية الراهنة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 15/4/2020

تعيش المعارضة السورية خارج اللحظة السياسية الراهنة، بما تنطوي عليه من فرص ومخاطر؛ فاستجابتها لمستدعيات اللحظة ضعيفة، إن لم تكن معدومة، فمواقفها وممارساتها تشي بأنها ليست في المكان والزمان المناسبين للرد على التحديات، والتمهيد للخروج من عنق الزجاجة الذي حشرت نفسها فيه في السنوات الأخيرة.

لم تكن المعارضة السورية يوما في حالة أسوأ مما هي عليه الآن، حيث طغت على سلوك كوادرها ثلاث ظواهر مدمرة: تقديس ذواتهم، تقديس أحزابهم؛ وتقديس عصبيتهم القومية والمذهبية. تجلت الظواهر الثلاثة في سلوك كوادر المعارضة وقادتها في رفض النقد لرأيهم، والربط بين شخوصهم وآرائهم، واعتبار النقد مسا بهم وبكرامتهم، ورفض أي نقد لأحزابهم أو قياداتهم، واعتباره تطاولا وتجنيا على أمل الشعب ومنقذه؛ والرد بعنف على مطلقه قبل دراسته والتدقيق في مدى صحته وفرص الاستفادة منه في إصلاح خطط حزبهم وممارساته وتطويرها، فالنقد يعني عندهم تجاوزا للخطوط الحمر يجعل من مطلقه عدوا، ورفض أي نقدٍ لمكونات عصبيتهم القومية والمذهبية، واعتباره طعنا بأقدس المقدسات. وقد انعكس هذا سلبا على أحكامهم وتقديراتهم ومواقفهم، ما رتّب مزيدا من الاختلافات، وكرّس انقساماتٍ حادّة بينها، وحوّلها إلى جزر متباعدة ومتخاصمة، وشل قدرتها على التوافق على تصوّرٍ وهدفٍ مشتركين، وصياغة رؤية جماعية، خريطة طريق، لمواجهة التحدّيات الماثلة التي لا قدرة لأي جهة منفردة منها على التصدّي لها، والخروج من إسارها، وعلى إدارة الصراع بخطط تكاملية مبنية على التعاون والتنسيق والتشبيك بين قواها وإمكاناتها، وفق رؤية وطنية مشتركة، تتجاوز الذاتية والحزبية والعنصرية والمذهبية على طريق إقامة الدولة العصرية، القائمة على الدستور وسيادة القانون والمواطنة وتحقيق العدل والمساواة وإطلاق الحريات العامة والخاصة وحماية حقوق الإنسان. لقد بات حالها حال سرب طيور تعرّض لإطلاق نارٍ من صيادٍ فتبعثرت صفوفه المنتظمة، وطار كل طير في اتجاه، بحثا عن النجاة.

لقد ترتّب على سيادة هذه الذهنية جمودٌ في المواقف، وتصلّب في العلاقات، وتراشق بالاتهامات 

"لم تكن المعارضة السورية يوما في حالة أسوأ مما هي عليه الآن، حيث طغت على سلوك كوادرها ظواهر مدمرة"وتنابذ بالألقاب، وتلاشي ثقافة الأولويات التي تفترض تحديد المهمات والمعارك في ضوء تأثيرها على الصراع، وتسجيل نقاط للسيطرة على مجرياته، وتوجيه الوقائع والعوامل لخدمة استراتيجيتها؛ والتمييز بين القوى في ضوء المشتركات والتقاطعات وإقامة التحالفات، بناء على نسب التوافق والتباين والمدى الممكن للعمل المشترك، حيث لا وجود للتطابق الكامل، بل حالات بين الصفر والمئة؛ ما يستدعي صياغة تحالفاتٍ بدلالة البرامج والخطط، تحالفاتٍ مرحليةٍ تختلف في هدفها واستمرارها من حالة إلى أخرى، وفق تطورات الصراع والالتزام بالاتفاقات والبرامج المشتركة؛ والدفع باتجاه تشكيل جبهة وطنية موحدة، بالتوافق على رؤية سياسية وقيادة وطنية جامعة تحظى بالقبول. ولنا في مواقف وممارسات قوى المعارضة شواهد وقرائن صادمة على هذه الذهنية، بدءا من سيادة ثقافة التكفير لدى حركات الإسلام السياسي، وتحديد الخصوم والأصدقاء وفق معيار الكفر والإيمان، ثقافة تعبّر عن نفسها بأشكال متعدّدة من استنكار الترحم على شيوعي ومعايدة المسيحيين، إلى توجيه تهمة الردّة على المخالف، وتبرير قتله والاستحواذ على ماله وسبي أطفاله ونسائه، علما أن ليس في القرآن الكريم ما يشير إلى الحكم بقتل المرتد. وصولا إلى التحفظ اليساري على حركات الإسلام السياسي، ونعتها بالرجعية واليمينية، وبلوغ التحفظ تخوم وضع العلة في الإسلام ذاته، مرورا بالحرب التي لا تنتهي بين الناصريين والإخوان المسلمين، وكأننا في ستينيات القرن الماضي، والصراع بين الشيوعيين على تفسير الماركسية ودروس التجربة الشيوعية في العالم، وصراع ديكة بين رموز التيار الديمقراطي، والسجال بين الأحزاب العربية والكردية على الأسبقية والأحقية، الذي غالبا ما ينطوي على نزعات عنصرية بتحقير الطرف الآخر والحط من إنسانيته.

هذا كله مع تمسّك كل طرف بأفكاره ومواقفه التقليدية، من دون اعتبار للتغيرات والتحولات العاصفة التي شهدها العالم، وانعكست سلبا أو إيجابا على الأوضاع المحلية، بمستوياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما كشفته الأيام من نواقص ونقاط ضعف، وأخطاء في مرجعياته وبرامجه وممارساته. حالة سلفية فجّة تختلف عن بعضها بالمدى الزمني الذي تعود إليه، فالإسلاميون يطابقون بين الإسلام وقراءاتهم له، ويعتبرون حركاتهم صنو الإسلام، ويقومون بدور القاضي بالحكم على عقائد الناس ومحاسبتهم، علما أن القرآن الكريم حسم موضوع الحساب والعقاب، وأن مكانه وزمانه هما الآخرة، وليس في جعبة الناصريين غير الولاء لشخص جمال عبد الناصر. والشيوعيون يكرّرون أدبياتٍ كتبت عن عالم مختلف، والديمقراطيون ضاقوا ذرعا بمحدّدات الديمقراطية وقيودها التي لجمت نرجسيتهم، والأحزاب العربية والكردية، كل يرى شعبه الأعرق وينبش التاريخ، ويجمع معطياتٍ ليعلن أنه الأحق بالسيادة وامتلاك الماضي والحاضر والمستقبل، في تجاهل تام للتاريخ المشترك، ودور الطرف الآخر في تاريخه وإنجازاته، وما رتّبه ذلك من حقوق ومصالح وفرص للتعاون والتكامل، بعيدا عن إنكار مصالح الآخر وحقوقه.

تقتضي اللحظة السياسية الراهنة ممارسة السياسة على أصولها وقواعدها، وكسر الحلقة المفرغة والخروج بحلول سياسية وطنية، معقولة وعملية، بما يسمح باحتواء التناقضات، وتخفيف حدّة الانقسامات والتوترات، والتأسيس لإطار عملٍ مبنيٍّ على الالتزامات المتبادلة، وإعطاء الأولوية للأهداف الوطنية، بعيدا عن المحاور والولاءات الضيقة والتحيزات المدمرة، فالمهمة كبيرة وصعبة في ضوء دمار الدولة والمجتمع، وتفكّك عرى الوحدة الوطنية وحالة الإحباط واليأس السائدة بين السوريين عامة، والتي ترتبت على سياسات النظام قبل الثورة وخلالها، وما يدفع باتجاهه سياسيا واجتماعيا، وغياب الفكرة الحافزة والافتقار إلى مركز تفكير يعمل على تنظيم الأفكار والتصورات والخطط المطروحة، وجسر الهوة بين المواقف لتشكيل مرجعيةٍ وطنيةٍ، تحظى بقبول شعبي، وتجديد الثقة بين المعارضة والجماهير السورية.

تحتاج هذه المهمة السياسية الصعبة، والحيوية في آن، مراجعة شاملة وموضوعية لأفكارنا 

"تقتضي اللحظة السياسية الراهنة ممارسة السياسة على أصولها وقواعدها، وكسر الحلقة المفرغة والخروج بحلول سياسية وطنية، معقولة وعملية"ومواقفنا وممارساتنا، عبر لعب دور النفس اللوامة، وفق المصطلح القرآني، ومواجهة أنفسنا والكشف لها أولا عن نقاط ضعفنا وقوتنا وتجاوزاتنا على المنطق والحقيقة، وعلى الآخرين وإعادة النظر بمواقفنا وسلوكنا في ضوء هذه المراجعة الذاتية وتصحيح علاقاتنا مع الآخرين بموجب محصلتها، والتعامل بشفافيةٍ عاليةٍ مع القوى الأخرى، فالشفافية أساس الثقة بين الأفراد والجماعات، وقاعدة متينة لثقة الجماهير بشكل خاص، ومدخل لتعزيز روح إيجابية بين الجميع، والتقدّم إلى الأمام على طريق إنجاز الخطط وتحقيق الأهداف. وهذا يستدعي وضع أنفسنا في موقع الآخر، وتصور طبيعة التصرّف، أو الخيار الممكن لاكتشاف مدى منطقية وموضوعية تصرفه قبل الحكم عليه، وأن لا تكون أحكامنا حادّة ونهائية واعتماد ثقافة التفهم وتقدير الظروف المحيطة، وثقافة التسامح التي تنطوي على حدّين متعارضين: الاختلاف والتفهم والتعاطي معا. والكفّ عن لعب دور الشرطي بمراقبة الآخرين وإحصاء أنفاسهم وأقوالهم وممارساتهم في لحظات الضعف، وإلقائها في وجوههم عند أي اختلاف أو تباين بالرأي، والكفّ عن تضخيم الذات والجماعة الخاصة والتواضع مع الآخرين، بما يسمح بترك باب التعاون والتنسيق مفتوحا مع الجميع.

بداية الانخراط في هذا المسار صعبة وثقيلة على النفس. ولكن يمكن تسهيل العملية واحتواء الحرج باعتماد صيغةٍ وضعها المفكر المستقبلي الكندي، إدوارد دي بونو، لإدارة نقاش ناجح لحل مشكلة وقوف عوامل شخصية وذاتية وراء احتداد المناقشات في الندوات وجلسات البحث، وتضييع الوقت والجهد في السجالات المريرة، وتعريض فرص إنجاز مناسب في وقت مناسب للضياع، فوضع خطةً تقلل من أثر هذه العوامل على جهود الباحثين، ونتائجها قائمة على وضع أربع قبعات افتراضية بأربعة ألوان وبالترتيب نفسه، يعتمر المتحاورون والباحثون قبعة افتراضية باللون نفسه، عند كل مرحلة من مراحل النقاش أو البحث. أول قبعة باللون الأبيض، يسرد كل مشارك خلال هذه المرحلة ما يعرفه عن موضوع النقاش أو البحث من معطيات وأرقام ووثائق، تقديم معلومات وحقائق. وثاني قبعة باللون الأصفر، يسرد كل مشارك خلال هذه المرحلة النقاط التي يراها إيجابية لتبني الفكرة موضوع النقاش أو البحث. والثالثة باللون الأسود، يسرد كل مشارك النقاط التي يراها سلبيةً في حال تبني الفكرة موضوع النقاش. ورابع القبعات باللون الأخضر، يسرد كل مشارك خلال هذه المرحلة وجهة نظره في الموضوع والبدائل والحلول التي يراها، من دون أن يرد على ما طرحه الآخرون. ثم تعطى التسجيلات أو الأوراق للجنة صياغة فتحرّرها على شكل بحثٍ متكامل، يعكس ما قاله المشاركون.

هل ينجح مأزقنا الراهن في هز جمودنا وتصلّبنا وافتتاننا بذواتنا، ويدفعنا إلى مراجعة قناعاتنا وأسلوب إدارتنا قضيتنا وصراعنا مع النظام وداعميه الروس والإيرانيين؛ أم نبقى في خنادق متقابلة، وأصابعنا على الزناد

===========================

ملاعب كورونا المقبلة – سوريا

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 15/4/2020

لم يترك السيد غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة فرصة تمرّ في الشهر الأخير، إلّا وكرّر فيها التعبير عن مخاوفه من انتشار فيروس كورونا في سوريا وليبيا واليمن خصوصاً. وهو في ذلك يرجع إلى حالة انفلات الأمن وغياب سلطة الدولة أو ضعفها، مع وجود صراعات مسلحة على الأرض، وحالة يصعب التحكم فيها أو إقناع الناس باتخاذ الحيطة مع وجود ضياع وبؤس بالأساس.

وما يطلبه غوتيريش هو الحد الأدنى من متطلبات مقاومة الوباء، وتمكين الآخرين من تقديم العون، المتمثّل في وقف حقيقي لإطلاق النار، وفتح الأبواب أمام المساعدات الإنسانية، والصحية، التي يُتوقَّع ازدياد الحاجة إليها بشكل حادٍّ قريباً.

هنالك سمات خاصة، ربما قومية ودينية، تاريخية واجتماعية وثقافية، تجعل هذه البلدان متشابهة إلى حدٍّ ما، مع تفاوتٍ وفروقات إلى هذا الحدّ أو ذاك. فتأثير القبائل والعشائر والمناطق موجود، وله دورٌ في التحزبات والعصبيات في البلدان الثلاثة، إضافة إلى المذهبية والتشدّد الديني والبيئة المتفهمة جزئياً لتواجد القوى الموسومة بالإرهاب أيضاً. وكذلك يتوزع التعلّق باقتناء السلاح واستخدامه بشكلٍ يكاد يكون فطرياً وبدوياً، مع استعداد قوي لاستقبال التدخل الخارجي، والترحيب به. ذلك كله متعلق بعضه ببعضه، ويترابط.

تحتاج المعركة مع فيروس كورونا إلى دولة منظمة، تحتكر السلاح واستخدامه، وإلى سلطات صحية تحتفظ ببنية تحتية قوية، فيها الأسِرّة وغرف العناية المشددة وقابلية التعقيم، ومجتمع يقبل الالتزام بالنظافة الطبية والحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، وإلى قدرات معيشية وغذائية وتوفّر للمتطلبات والمستلزمات وتوزيعها من دون فوضى، وإلى ثقة متبادلة بين السلطة المفترضة والناس، وبين الناس أنفسهم، وإلى حالة نفسية اجتماعية عالية، قادرة على الاحتفاظ بالهدوء اللازم للمقاومة الطويلة الأمد، والتمتع بمعنويات تكفي لتحمّل الخسائر والعبور إلى ما بعدها… وهذا يكاد يكون مستحيلاً في تلك البلدان. ولكن يبقى أن الصحيح أولاً هو وقف إطلاق النار؛ الذي ينبغي أن يتقدّم بشكل مطلق على أي شعارٍ أو ممارسة أو اهتمام؛ حتى يكون ممكناً التفكير بهذا المستحيل، وتقليل خسائر الأسابيع أو الأشهر المقبلة، بمساعدة المجتمع الدولي طبعاً. وسوف تكون محاولة للإضاءة على بلدي سوريا في ما يلي.

 

تحتاج المعركة مع فيروس كورونا إلى دولة منظمة، تحتكر السلاح واستخدامه، وإلى سلطات صحية تحتفظ ببنية تحتية قوية

 

هنا، حذّرت منظمة الصحة العالمية، كالأمين العام للأمم المتحدة، من انفجار بأعداد الإصابات، بشكل مثيرٍ للرعب، خصوصاً مع التأخر الكبير بالحديث عن وجود أي إصابات، بل كان هنالك تفاخر أجوف بنظافة البلاد من ذلك العدوّ الوافد، وصل مع أحد الوزراء إلى حدّ تشبيهه بالثوار، حين افتخر بقدرة النظام على القضاء على «الجراثيم»، في تعبير مخيف عن مستوى الذين سيقودون البلاد في هذه الأزمة.

وفي العاشر من مارس أبلغت الحكومة الباكستانية، عن ست إصابات مقبلة من سوريا، ثم أعلن محافظ كربلاء في التاسع والعشرين من الشهر نفسه عن وجود 15 إصابة هناك» معظمها من سوريا» أيضاً. في حين تحدثت الحكومة السورية في الثاني والعشرين عن أول إصابة وافدة من الخارج، وفي التاسع والعشرين عن وفاة، وفي الرابع من إبريل عن وفاة واحدة، ثم استقر عدد الإصابات على 19 لفترة من الزمن، تم الإعلان خلالها أيضاً عن حالات شفاء. يؤكد ذلك العبث وتلك الفوضى، صحة قلق من راعهم احتمال انفجار الوضع هناك.

وكانت الحكومة السورية قد مهدت للإعلان عن أول إصابة قبلها بيوم واحد، حين أمرت بإغلاق الأسواق والأنشطة التجارية والخدمية والثقافية (مع تركيز على توقيف نشاطات دار الأوبرا.. لسخرية الزمان واللغة) والاجتماعية في جميع المحافظات، وتعليق العمل في الجهات العامة، بدءا من يوم الغد( الذي صدر فيه بالصدفة الإعلان عن أول إصابة)، حسبما نقلت وكالة أنباء النظام. ونسخَ القرار تعليمات الدول التي سبقت على ذلك الطريق، فاستثنى مراكز بيع المواد الغذائية والتموينية والصيدليات والمراكز الصحية الخاصة.

كذلك طلبت رئاسة الوزراء من الوزارات «اتخاذ القرارات اللازمة لتعليق العمل في الوزارات، والجهات التابعة لها، والمرتبطة بها، التي لا يشكل تعليق العمل فيها عائقاً أمام مواجهة مخاطر انتشار فيروس كورونا».. ويشمل التعميم «تقليص أعداد العاملين المداومين في الجهات التي يكون من الضروري استمرار العمل فيها إلى أدنى حد ممكن»، علماً أن أولئك العاملين أساساً خارج نطاق الانضباط والالتزام، لظروف غياب الأمن، وتفرّق المناطق، وانحلال مركزية المؤسسات.

يتركّز الخوف على السوريين المقيمين تحت سيطرة النظام، على الآثار الصحية البليغة التي يمكن أن تنتج عن انتشار العدوى بشكل جماعي، خصوصاً في ظروف ضَعُفت فيها الدولة، تحت ضربات مستمرة من قبل النظام وحلفائه، بين ميليشيات داخلية وخارجية، وعصابات واحتلالات؛ وتراجعت بنيتها التحتية في جميع جوانبها، وفي جسمها الصحي خصوصاً، الذي ترى بعض الإحصائيات أنه قد تعطّل بنسبة 50%، بالقصف الحكومي والروسي، وبالفساد وفوضى السلطات القائمة هنا وهناك. هنالك خصوصاً نقص حاد في سوريا حالياً بالكوادر الطبية، التي كان من بينها 923 شخصاً فقدوا حياتهم، من بينهم 269 طبيباً. وباعتبار أن ذلك قد حدث بجزئه الأكبر بين عامي 2012 ـ 2014، فينبغي تفهم أن الجسم الطبي، خصوصاً جزءه الرفيع الاختصاص، وجد طريقه إلى الهروب من المجزرة إلى الخارج. في أوائل عام 2014 مثلاً وللقياس، قال نقيب الأطباء السوريين؛ وهو واحد من المسؤولين الذين يكذبون عادةً؛ إن ثلث أطباء سوريا الأكثر مهارة تركوا البلاد. فإذا أضفنا إلى ذلك ضعفا وعَوَزا مدقعا في البنية التحتية الأساسية، خصوصاً في لوازمه الحالية، من غرف عناية مركزة وأجهزة تنفس تحتاجها مقاومة الجائحة، ندرك أسباب خوفنا، ولو بمعالمها الأولى.

ورغم ذلك، يعرف السوريون جيداً، من يعارض النظام ومن يواليه، أن أطباءهم وجهازهم الصحي البشري في أساسه لا ينقصه المستوى العلمي والالتزام، وأنه لو تمتّع بالقدرة على القيادة، وتوفرت له مؤسسات دولة متماسكة ومجهزة، لقام بالمعجزات.

أولئك نعرفهم، ونعرف تركيبتهم الطليعية التي جعلتهم، مثلاً، في مقدمة الشعب السوري، مع المهنيين الآخرين من محامين ومهندسين وصيادلة، في إضراباتهم وحركتهم الشجاعة في انتفاضة 1980 السلمية (لا تلك المسلحة- الإسلامية المتطرفة آنذاك)، قبل انقضاض النظام الفاشي على نقاباتهم ولجمها، وتفريغها من قدراتها.

وفي سوريا مناطق أخرى تحت سيطرة قوى محلية أو خارجية، منفلتة من إسار الانضباط الاجتماعي، مضروبة الجهاز الصحي، متأزّمة اجتماعياً ومعيشياً وسياسياً واقتصادياً، لديها مشاكل موازية أمام الجائحة، وأفضليتها الوحيدة هي في غياب النظام في هذه الحالة، كلياً أو جزئياً، ما يمنع عن الناس فعله السلبي، ويتيح من ثَمّ، إمكانية تدخل مباشر من منظمة الصحة العالمية أو المجتمع الدولي.

في مناطق النظام، هنالك ما يشبه الحكومة قليلاً، ويشبه الدولة قليلاً، ولكن هنالك إلى جانب الفساد والتفسخ فيهما، ووجود مراكز قوى مافويّة في كلّ زواياهما، سلطات أمر واقع تلقائية في كلّ مكان، وسلطات روسية وتركية وإيرانية ومشتقات محلية أو غريبة منها جميعاً. في الحالة التي تراجعت إليها اللُحمة الاجتماعية، وانتعشت لُحماتٌ أخرى، طائفية ودينية وقبلية ومناطقية ومحلية وغريبة، أصبحت طرق نفاذ فيروس كورونا مقلقة فعلاً، لن يحمي منها إلا المبادرات السريعة والشجاعة، التي تطوّر التضامن والتكافل والانضباط وحسّ المقاومة وإرادة الحياة. وفي سياسات ذلك الفيروس ما يشجّع على الأمل، في ضعفه أمام الأطفال والشباب وأصّحاء البدن والذهن.

ربّما كان أيضاً لأولئك السوريين في خارج البلاد، من أهل الاختصاص والقدرات المادية والمعنوية خصوصاً، ما يجتمعون حوله، ليمنعوا عن بلادهم الكارثة، أو ليخففوا من نتائجها أيضاً. وبالفعل هنالك مبادرات ومؤسسات مدنية، ابتدأت في هذا الميدان، لعلها تتطور وتعمّ وتصبح ظاهرة سورية جديدة… والحديث في معظمه، يصحّ أيضاً على اليمن وليبيا، وعلى العراق ولبنان والسودان، بتفاوت وتنوّع طبيعي وسماتٍ وطنية، أو بالأحرى لا وطنية ولا مواطنية.

===========================

«كورونا»: الخطوة التالية

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 15/4/2020

لعله من الضرورة، ألا تغيب عن البال حقيقة، أن فيروس كورونا، انطلق من مدينة ووهان الصينية، ذلك أمر مهم، وخاصة عند رجال الساسة وقادة الرأي والمتابعين الذين يقاربون أو يتحدثون عن الفيروس وما يسببه من آثار مدمرة، وعما يبذله المجتمع الدولي من جهود هدفها إلحاق الهزيمة بالفيروس، ولعل من المهم تأكيد، أن الإصرار على تذكر المعلومة، لا يرتبط بما يرد من أحاديث واتهامات لا معنى لها عن خطأ أو دور صيني أو حرب يشهدها العالم، تتواصل إحدى جولاتها باستخدام الفيروس، وهي تقولات، أعتقد أنها أقل من أن تناقش، ولهذا فإن استذكار المعلومة، يبدو مهماً من ناحيتين، أولهما فكرة انتشار الفيروس من مدينة ووهان إلى بقية أنحاء العالم، والثانية التدقيق في سياسات الدول وأشكال تعاملها مع الفيروس، والأمر في الحالتين لا يتصل بما حصل في الماضي فقط، وإنما بما يرتبط باحتمالات ما سيحصل.

لقد أظهر الانتشار السريع والواسع للفيروس - رغم ما تم من إجراءات واحتياطات - هشاشة جدران العزلة في عالمنا المعاصر، وأكد أن الدول بما لديها من مؤسسات وأجهزة وإمكانيات مادية وقدرات علمية، وما عندها من سياسات، لا توفر قدرات كافية ومناسبة للتصدي لجائحات عامة مثل «كورونا»، الذي وضع العالم على بوابة كارثة إنسانية، تفاوتت قدرات الدول واختلفت في مسارات التعامل معها، في وقت كان فيه من المطلوب تنسيق القدرات ومسارات العمل من أجل هدف، تتفق أغلب الدول على قول، إنه هدف مشترك.

غير أن تحقيق التشاركية الدولية في مواجهة «كورونا» كان أمراً صعباً، ليس بسبب اختلاف أنظمة الدول، والأسس التي تقوم عليها سياساتها فقط، بل لأن الأمر كان جديداً، وأجزم، أن التوقعات بصدده، كانت أقل مما صار، وهذه جميعها، تندرج في عداد الدوافع نحو تشاركية دولية في مواجهة الجائحة، التي تنوعت أنماط مواجهتها في الأشهر الماضية، لكن يمكن ترتيبها في أربعة:

النمط الأول، يجسده النمط الصيني، وهو مثال لنمط الدولة الأمنية المتقدمة علمياً، وتتمتع بقدرات كبيرة، وقد تكتم نظامها في البداية إلى حد ما عاد بالإمكان تجاهل الفيروس أو إنكاره بعد سيطرته على ووهان، فكشف بعضاً مما يحيط بالجائحة، وأغلق المدينة، وعمم في أنحاء مختلفة من الصين أنماطاً متشددة للحماية والمعالجة، بحيث أمكن وضع الفيروس تحت السيطرة، كما قالت الحكومة الصينية، ولو أن هذا القول تحيطه شكوك كثيرة.

النمط الثاني، تمثله الدول الديمقراطية الغربية، وغالبيتها دول متقدمة وبينها مستويات من العلاقات، وتملك قدرات كبيرة جداً، وقد اتبعت نمطاً مفتوحاً في التعامل مع الجائحة، معتمدة على وعي ومسؤولية شعوبها إلى جانب قيامها بالمراقبة والمتابعة، لكنه ومع الافتراق في نتائج تلك السياسات إلى حالتين: الحالة الإيطالية، وقريب منها الإسبانية والفرنسية والأميركية، التي تزايد فيها انتشار الفيروس، وزادت معه أعداد المصابين والأموات، وتصاعدت فيها سياسات الحجز والتشدد. والحالة البريطانية، والتي تقاربها السويد وأغلب دول الشمال الأوروبي، وقد اتبعت معاً سياسات أقل تشدداً، وسط آمال في إصابات محدودة، وأعداد موتى أقل.

النمط الثالث، وهو نمط هجين، يستمد أساسه من نمط الصين - الأمني، ويسعى في الظاهر لتمثل النمط الديمقراطي الغربي، وتعتمده أغلب دول العالم، لكن مع تمايزات بين دوله، التي لا تستند فقط إلى تمايزها في تغليب «الأمني» أو «الديمقراطي»، بل إلى شبكة علاقات إقليمية - دولية، وإلى ظروف وشروط محلية متعددة، وكلها عوامل تجعل من تعامل هذه الدول مع «كورونا» محاطاً بالالتباس والاختلاط في السياسات والممارسات.

النمط الرابع: والذي تمثله أكثر الأنظمة تردياً في العالم، وأغلبها موصوف بأنه «نظام ديكتاتوري - دموي»، غارق في الفساد وسوء الإدارة، ويخضع لعقوبات دولية، وبعضها ينخرط في صراعات إقليمية وسباق تسلح، وآخر يعيش حروباً مدمرة، وكلها جعلت السياسة الأمنية الأساس الذي يحكم تعاملها مع الجائحة، مما جعلها تنكر وجودها، ولا تفرض أي إجراءات احترازية تجنباً لتكلفتها، وعندما تعترف بوصول الجائحة، تضعها في أدنى حدود الاهتمام، وتزعم أنها تحت السيطرة، وأن سياسة الحكومة فعالة، وأن المنظومة الصحية تعمل بكل كفاءة، رغم ما هو معروف عن تلك الدول من غرق في المشاكل وتدهور في أوضاعها، وبؤس منظوماتها وخاصة الصحية منها، وللحق فإن الإنكار والكذب والادعاءات، تمثل السياق الذي تسير عليه سياسات هذه الدول في تعاملها العام ومع «كورونا» بشكل خاص.

لقد تجنبت الحكومة الكورية الشمالية الإفصاح ولو عن إصابة واحدة، وهي التي ترتبط من زوايا مختلفة بأكبر بؤرتين لـ«كورونا» في القارة الآسيوية هما الصين وكوريا الجنوبية، ومنعت جمهورية تركمانستان السوفياتية السابقة، تداول واستخدام كلمة «فيروس كورونا»، وأنكرت الحكومة السورية وصول «كورونا» قبل أن تعترف بوجودها المحدود، وما زال القول الرسمي في لبنان والعراق عند الحد الأدنى من الاعتراف بوجود الجائحة، رغم ارتباط البلدين إلى جانب سوريا بشكل وثيق مع إيران، التي تشكل بؤرة «كورونا» الرئيسية وصاحبة أعلى رقم في الإصابات وحالات الموت بسببه في الشرق الأوسط بعد إنكار ومراوغة وكذب.

وأدت الأنماط الأربعة في تعاملها مع الجائحة إلى نتائج مختلفة، راوحت بين مواجهة حادة مع الجائحة، كما في النمط الصيني، وكذب مع إهمال متعمد مع الجائحة من جانب أنظمة الاستبداد الدموي، التي لن يكون مستغرباً منها استعمال وجود «كورونا» وآثارها سلاحاً لمفاوضات مع الآخرين، وهو وضع لا يمكن استمراره ولا القبول به، خاصة في ظل أمرين أولهما تصاعد تهديدات الجائحة، التي صارت حاضرة في كل دول العالم تقريباً، وأصابت أكثر من مليون وربع مليون شخص، وأدت إلى وفاة أكثر من سبعين ألفاً غيرهم، إضافة إلى ما تركته من آثار اقتصادية واجتماعية مدمرة، والثاني تصاعد التضامن والتآزر الإنساني والدعوات لتشارك دولي في مواجهة الجائحة ومعالجة آثارها.

ويضع ما سبق من وقائع ومعطيات المجتمع الدولي أمام ضرورة الوحدة أو التنسيق الفعال في الحد الأدنى لمواجهة «كورونا»، وسيكون من الممكن للأطراف الدولية الرئيسية ممثلة بالصين والولايات المتحدة ومعها الدول الغربية وفقاً لوعي ومسؤولية كل منها، وحجم معاناتها، والتهديدات الماثلة، أن تبلور سياسات مشتركة وجهوداً منسقة تواجه فيها الجائحة، ويمكن أن تنضم لهذه الجهود معظم دول النمط الثالث مثل بلدان جنوب شرقي آسيا وبلدان الخليج العربية وأميركا اللاتينية، مما يعني توافق الأكثرية الدولية في خط واحد، لن يخرج عنه إلا قليل من دول النمط الرابع، وبخاصة كوريا وإيران، والسائرين في فلك الأخيرة في سوريا والعراق ولبنان واليمن الذين سيجدون ألف سبب وسبب للهروب من أي تعاون يتطلب التزامات علنية واضحة، حتى لو تعلق الأمر بالحفاظ على حياة سكان تلك البلدان وحمايتهم من الأخطار.

إن الطريق إلى الخطوة التالية، يبدأ بمفاوضات بجدول زمني، وإذا تعثر، فينبغي الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرارات بسياسات وإجراءات أممية ملزمة في مواجهة الجائحة، وإن خطر لطرف ما تعطيل مثل هذه الجهود ونجح، فإنه ليس أمام المجتمع الدولي من طريق سوى تحالف خارج مجلس الأمن، ليس من أجل خطة دولية في مواجهة الجائحة فقط، بل لمواجهة أنظمة مارقة، اعتادت التعيش على آلام الشعوب بما فيها شعوبها، وعملت بعض القوى الكبرى على حمايتها من أجل مصالح ذاتية وأنانية.

===========================

يريد السوريون طحيناً لا جعجعة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 13/4/2020

سَبَقَ نظامُ بوتين نظامَ الأسد في هجومه على نتائج لجنة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية OPCW/IIT، المكلفة بالتحقيق وبتحديد (Investigation and Identification) الجهة التي استخدمت السلاح الكيماوي في سوريا، واصفاً التقرير الصادر في الثامن من نيسان/أبريل 2020، والواقع في 82 صفحة، والناتج عن عمل تسعة أشهر متواصلة لخبراء محايدين؛ بأنه مسيَّس ومضلل وغير نزيه؛ فقط لأنه يحدّد بعلمية وموضوعية ودقة ووضوح مسؤولية نظام الأسد عن استخدام السلاح الكيماوي في منطقة "اللطامنة" السورية.

بعد استخدام أعلى المعايير البحثية المعتَمَدَة في أهم المختبرات العالمية، وإجراء مئات المقابلات الحيّة مع شهود من المنطقة وغيرها، وتحليل مئات النماذج والعيّنات؛ وبعد التشريح المخبري لعينات من الأمكنة التي استُخدم فيها الكيماوي بتربتها، وبقايا الذخيرة والإصابات فيها؛ وبناءً على دراسة مئات التقارير؛ وبعد معاينة صُور الأقمار الصناعية للمنطقة وما يحيطها، ورصدها لحركة المطارات ومسارات الطائرات؛ جاء في تقرير اللجنة "غير النزيهة" - حسب نظامي الأسد وبوتين- أنه:

- في السادسة صباحاً من يوم 24 من آذار/مارس 2017، قامت طائرة سوخوي 22 تابعة للواء خمسين من القوات الجوية السورية في مطار الشعيرات برمي قنبلة M4000 تحوي /غاز السارين/ جنوب بلدة اللطامنة وأنهت حياة 16 شخصاً.

- وفي الثالثة من بعد ظهر اليوم 25 من الشهر ذاته، قامت طائرة هليوكبتر برمي أسطوانة /cylinder/ تحوي غاز الكلور لتخترق سقف مشفى وتقتل ثلاثين شخصاً متأثرين بالغاز المذكور.

- وفي السادسة من صباح اليوم 30 من الشهر ذاته 2017 قامت طائرة سوخوي 22 تابعة للواء 50 من القوات الجوية السورية في مطار الشعيرات برمي قنبلة M4000 تحتوي غاز السارين جنوب بلدة اللطامنة آتية على حياة 60 شخصاً.

جدير بالذكر، أن اللجنة ليست قضائية، وليس من مهمتها إصدار الأحكام القضائية، بل "تثبيت الحقائق لما حدث بدرجة عالية من اليقينية مبنيّة على أسس منطقية"؛ حيث إن الاستخدام الفعلي مُثْبَتٌ ولا شك فيه

وكان نظام بوتين قد دأب مسبقاً على حماية نظام الأسد بشتى الوسائل، وعلى رأسها "الفيتو" لحماية النظام الأسدي. ومعروف أن بوتين كان عرّاب صفقة الكيماوي، التي سلّم الأسد بموجبها ترسانته الكيماوية، وأقرَّ بأنه لم يعد لديه أي أثر للسلاح الكيماوي، وتعهد بألا يعود لاستخدامه ثانية، بموجب القرار الدولي 2118؛ بعد أن ذهب ضحية ذلك الاستخدام ما يقارب الألف وخمسمئة ضحية سورية في غوطة دمشق.

لم تكن تلك جريمة الحرب الأولى لنظام الأسد. عشرات بل مئات أمثالها ارتكبها خلال السنوات التسع الماضية؛ ولكن يبدو أن ما استنفر الروس أكثر هذه المرة ليس فقط دقة تقرير اللجنة التي سعوا إلى عرقلة عملها، ونسف مصداقيتها قبل ظهور نتائجها، وليس فقط شمولية التقرير وموضوعيته ودرجة يقينيته؛ بل ما أتى في التقرير حول:

 (1) عدم وجود تحقيق بالمسألة من قبل السلطات السورية، وعدم تعاونها مع أي تحقيق، وعرقلتها للعمل، والمسارعة إلى إخفاء أية أدلة. وكل ذلك موثقٌ.

(2) إشارة التقرير إلى لزوم سلسلة من الأوامر العليا لاستخدام سلاح ذي صفة استراتيجية، والحاجة إلى قيادة عليا تعطي الأمر بذلك. وهذا الأمر لن يقف هنا بل سيطال من تحرص روسيا على حمايتهم حصراً. والأخطر من كل ذلك ما سيلي.

 (3) ما ذكره التقرير حول ضرورة توفر دعم رصدي رفيع المستوى، وهو ما قد يتم تفسيره على أن يد روسيا منخرطة في العملية. ولعل هذا ما يفسّر الاستنفار الروسي، الذي تجاوز استنفار النظام المرتكِب. فهكذا لن يكون على الروس حماية النظام فقط، بل حماية أنفسهم من إدانة صريحة محتملة بارتكاب جريمة حرب موصوفة وموثقة؛ حيث إن الوجود الروسي العسكري الثقيل، وتعهد روسيا بحماية النظام، والمصادقة و "المطابقة" على أفعاله؛ أمورٌ لا يمكن وصفها إلا بالتورط في الجريمة.

ومنذ انطلاقة هذه اللجنة بالذات، وخلال عملها وبعد إنجازها تقريرها؛ لم تُجدِ محاولات روسيا رفض اللجنة، وعرقلة تشكيلها بداية، والتجسس عليها ومحاولات الدخول إلى منظوماتها التقنية لاحقا، كما أفادت جهات سورية متابعة لعملها، وما عاد ينفعها التكذيب والتشكيك والاتهام بالتسييس بحكم ولاية اللجنة ”MANDATE“.

صحيح أن هذا التقرير لم يحمل حكماً قضائياَ، وما حدد أو نصَّ على محاكمة الجناة، أو إنزال القصاص اللازم على تلك الجرائم؛ إلا أن ما احتواه التقرير من إدانات صريحة ولّدت ردات فعل دولية أممية وأمريكية وأوربية دعت لمحاسبة الجناة وعدم تفلتهم من العدالة، تجعل استمرار أخذ بوتين مجلس الأمن رهينة مستهجناً وجريمة بحد ذاته. هذه الجهات إضافة إلى من يحمل صوت السوريين، ولا يزال يتمترس عند حقهم في الحرية والإنصاف، لا بد أنها ستجد مساراً لإحقاق العدالة المناسب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي عشرات المحاكم المحلية لدول يهمها معاقبة المجرمين.

قد لا يستطيع العالم فعل شيء مع روسيا؛ ولكن يمكنه على الأقل أن يثبّت بأنها، إن لم تكن تعرِّض السلام العالمي للخطر بدعمها واشتراكها باستخدام الكيماوي، فهي عملياَ وواقعياً تصمت وتحمي مَن يستخدمه

يبقى لهذا التقرير، على أية حال، ثقل ومفاعيل سياسية تحول دون أي محاولات لإعادة تكرير أو تأهيل نظام الأسد أو التعامل معه؛ لأن أمراً كهذا يشكّل استسلاماً وقبولاً باستخدام السلاح الكيماوي، سهل التصنيع، من قبل أي جهة تريد أن ترعب العالم في غياب الردع والحساب.

قد لا يستطيع العالم فعل شيء مع روسيا؛ ولكن يمكنه على الأقل أن يثبّت بأنها، إن لم تكن تعرِّض السلام العالمي للخطر بدعمها واشتراكها باستخدام الكيماوي، فهي عملياَ وواقعياً تصمت وتحمي مَن يستخدمه؛ فهل يستحق مَن يصمت على جريمة حرب، ويدعم مرتكبها، ويشارك فيها؛ أن يكون عضواً دائماً في مجلس أمن مهمته السلام العالمي؟!

صحيح أن السوريين، ضحايا كل هذا الإجرام، ينتظرون ردعاً لمن يرتكب بحقهم كل ذلك؛ أكان عبر "قانون قيصر"، أو تطبيقاً حقيقياً للقرارات الدولية، أو مَن يأتي لنجدتهم من فيروس "كورونا" وفيروس الاستبداد؛ إلا أن هناك رخاوة عالمية واضحة تجاه وجعهم. فالتصريحات الأوروبية والأمريكية لا ترفع ظلماً، ولا توقف متجبراً. يريد السوريون طحيناً، لا جعجعة.

===========================

ما الذي أزعج روسيا في تقرير حظر الأسلحة الكيميائية عن اللطامنة؟

فضل عبدالغني

سوريا تي في

الاثنين 13/4/2020

في 27/ حزيران/ 2018 توسعت ولاية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وأصبح من ضمن صلاحياتها تحديد المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية، في الحقيقية هذا إنجاز قانوني وحقوقي مهم، ويعود الفضل الأكبر فيه للضحايا الذين قتلوا أو أصيبوا عندما استخدم النظام السوري الأسلحة الكيميائية ضدهم، وذلك بعد أن أنهت روسيا عمل آلية التحقيق الدولية المشتركة التي أنشأها قرار مجلس الأمن 2235 في آب/ 2015 من أجل تحديد مرتكبي جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية، بعد استخدامها حق النقض في مجلس الأمن في تشرين الثاني/ 2017 ولمرتين متتالتين في غضون 24 ساعة.

وبعد بضعة أشهر، عاد النظام السوري في 7/ نيسان/ 2018 لاستخدام الأسلحة الكيميائية ضد أهالي مدينة دوما في ريف دمشق، ولما لم يكن هناك لجنة كيميائية مختصة في تحديد مرتكبي الجريمة (هناك لجنة مختصة في تحديد مرتكبي الجريمة وهي لجنة التحقيق الدولية المستقلة، التي تشمل ولايتها كافة الانتهاكات المرتكبة في سوريا، بما فيها الأسلحة الكيميائية، ولكنها غير مختصة في الأسلحة الكيميائية تحديداً)، قدمت الولايات المتحدة الأمريكية في 10/ نيسان/ 2018 مشروع قرار إلى مجلس الأمن لإنشاء لجنة تحقيق يكون من صلاحياتها تحديد مرتكب جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية، لكنه قوبل مجدداً بحق النقض الروسي، ولهذا لجأت معظم دول العالم إلى توسيع ولاية لجنة حظر الأسلحة الكيميائية، وبكل تأكيد فقد عارضت دول معادية لإعطاء صلاحيات أشمل للقانون الدولي توسيع صلاحية لجنة حظر الأسلحة الكيميائية، ومن نافلة القول الإشارة إلى مثل هذه الدول مثل: روسيا، الصين، إيران، لبنان، فنزويلا، كوبا، كوريا الشمالية، ومن على شاكلتها من سلطات مستبدة متحكمة بشعوبها وتسعى إلى التصويت لصالح بعضها البعض في المحافل الدولية كتكتل معادٍ للديمقراطية وحقوق الإنسان.

بدأ فريق التحقيق وتحديد المسؤولية في لجنة حظر الأسلحة الكيميائية عمله في تموز/ 2019، واختار تسعة حوادث للعمل عليها كمرحلة أولى، وهي:

التمانعة 12/ نيسان/ 2014، كفر زيتا 18/ نيسان/ 2014، التمانعة 18/ نيسان/ 2014، مارع 1/ أيلول/ 2015، اللطامنة 24-25-30 آذار/ 2017، سراقب 4/ شباط/ 2018، دوما 7/ نيسان/ 2018، وبعد أشهر من العمل المتواصل وفقاً لمنهجية ومعايير عالية أصدر فريق التحقيق وتحديد المسؤولية في لجنة حظر الأسلحة الكيميائية تقريره الأول والذي كان عن حوادث مدينة اللطامنة الثلاث، وأكَّد التقرير بشكل حاسم استخدام قوات النظام السوري غاز السارين في هجومي 24 و30، والكلور في هجوم 25، الذي استهدف مشفى اللطامنة.

التقرير يحتوي على كمٍّ كبير من الأدلة والتفاصيل التي تنسف الرواية الروسية بالكامل، ولكنني أعتقد أن أكثر ما أزعج النظام الروسي مما ورد في التقرير هما أمران اثنان:

بكل تأكيد فإن هذه النتيجة مزعجة للروس الذين نفوا استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في مجلس الأمن، وكذلك مرات متكررة عبر تصريحات لوزارة الخارجية الروسية، والتقرير يحتوي على كمٍّ كبير من الأدلة والتفاصيل، ونظراً لكون الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وقعت على وثيقة مبادئ التعاون مع فريق التحقيق وتحديد المسؤولية، وشاركت ما لديها من بيانات وأدلة عن هذه الحوادث الثلاث، فأستطيع التأكيد من خلال النقاش والعمل مع فريق التحقيق بأنه فريق عمل محترف وعلى درجة عالية من الدقة والموثوقية، وبأن التقرير يحتوي على كمٍّ كبير من الأدلة والتفاصيل التي تنسف الرواية الروسية بالكامل، ولكنني أعتقد أن أكثر ما أزعج النظام الروسي مما ورد في التقرير هما أمران اثنان:

الأول: الحديث عن توقيت اختيار الهجمات بأنه كان مخططاً ومدروساً بعناية شديدة بالاستناد إلى دراسة حالة الطقس في ذلك اليوم وفي ساعات الهجوم تحديداً، وذلك بالاستناد إلى تقارير المنظمة الدولية للأرصاد الجوية، التي أشارت إلى أن السماء كانت صافية، والرياح خفيفة، ودرجة الحرارة على مستوى الأرض 4 إلى 5 درجات مئوية، وشروق الشمس قرابة الساعة 05:30 صباحاً، قال فريق التحقيق إن هذه الشروط مواتية لاستخدام غاز السارين، وإن من اتخذ قرار الهجوم في هذا التوقيت على علم بذلك، وهذا ما حصل في هجوم يوم 24 وبشكل مشابه في هجوم يوم 30/ آذار/ 2017.

أعتقد أن هذه النقطة من الممكن البناء عليها للإشارة إلى أنه كان هناك نية مبيته لدى النظام السوري بإهلاك أكبر عدد ممكن من السكان بغض النظر عن أعمارهم، كما أن هذه النقطة قد وردت في تقرير بعثة الأمم المتحدة المعنية بالتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، في حادثة الهجوم الكيميائي على غوطتي دمشق في 21/ آب/ 2013، إن هذا يشير إلى أن النظام السوري ينوي على نحو مبيت ومقصود إهلاك وإبادة أكبر قدر ممكن من السوريين، ومن الممكن اتهامه بناء على ذلك بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وليس فقط جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية عبر استخدام الأسلحة الكيميائية في هذه الحوادث ومشابهاتها.

الثاني: التأكيد أن السارين المستخدم يومي 24 و30 هو السارين ذاته الذي يصنعه النظام السوري: لقد قام فريق التحقيق وتحديد المسؤولية بعدة خطوات تقنية معقدة من أجل إثبات ذلك، وبشكل موجز، أثبت أن القنابل الجوية التي تم استخدامها هي من طراز M4000، وهذا النوع قد تم بناؤه وتطويره من قبل النظام السوري فقط، كما قام الفريق بتحليل السارين المستخدم يوم 24 ويوم 30، أظهرت نتائج التحليل أنهما من تركيبة واحدة، ثم قام بفحص عينات موجودة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فقد حصلت عليها أثناء مراحل تدمير النظام السوري لمخزونه من الأسلحة الكيميائية إثر الاتفاق الروسي الأمريكي بعد هجوم النظام السوري على غوطتي دمشق في 21/ آب/ 2013، أظهرت نتائج العينات أن السارين المستخدم يومي 24 و30 مصنعاً بنفس إجراءات السارين الذي لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والتي حصلت عليه من النظام السوري، وهذا دليل قاطع على أن مصدر السارين هو نفسه.

كما أضاف فريق التحقيق معلومة جديدة، حيث أكد أن تركيبة هذا السارين تطابق تركيبة السارين المستخدم في الهجوم على مدينة خان شيخون في 4/ نيسان/ 2017، والذي أثبتت آلية التحقيق المشتركة التي شكلها قرار مجلس الأمن رقم 2235 مسؤولية النظام السوري عنه.

كل ذلك برعاية وحماية روسية مطلقة، ويؤكد أن روسيا ضالعة بشكل مباشر في إخفاء النظام السوري كميات كبيرة من الأسلحة الكيميائية، وذلك كون روسيا طرف في الاتفاق الروسي الأمريكي في أيلول/ 2013، وضامن لأن يقوم النظام السوري بتدمير كافة أسلحته الكيميائية

ولكي نستشعر مدى الانزعاج الروسي يجب علينا أن نتذكر أنه في 4/ كانون الثاني/ 2016 كانت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قد أعلنت أن آخر مادة من الأسلحة الكيميائية السورية (75 أسطوانة من فلوريد الهيدروجين) قد تم تدميرها، وهجمات اللطامنة الكيميائية قد وقعت بعد هذا التاريخ بـ 14 شهراً؛ مما يشكل دليلاً جديداً على مدى التضليل والخداع الذي مارسه النظام السوري على المجتمع الدولي وعلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وكل ذلك برعاية وحماية روسية مطلقة، ويؤكد أن روسيا ضالعة بشكل مباشر في إخفاء النظام السوري كميات كبيرة من الأسلحة الكيميائية، وذلك كون روسيا طرفاً في الاتفاق الروسي الأمريكي في أيلول/ 2013، وضامناً لأن يقوم النظام السوري بتدمير كافة أسلحته الكيميائية، يضاف إلى ذلك، أن روسيا وبعد كل استخدام جديد للأسلحة الكيميائية من قبل النظام السوري ومثبت بشكل لا يقبل الشك، كما هو الحال في التقرير الذي نتحدث عنه، فإنها لا تقوم بأية إجراءات عقابية بحق النظام السوري، بل تنكر تلك الهجمات مجدداً، وتعود لاتهام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كما فعلت بعد صدور هذا التقرير، مما يؤكد تورطها المخزي.

نعم، تتحمل روسيا مسؤولية كبرى عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة التي ارتكبها النظام السوري، ولكن روسيا دولة شمولية مارقة ذات سجل فظيع في احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، لذا فإن المسؤولية تقع بشكل أكبر على الدول التي قام القانون الدولي في ربوعها وبين جامعاتها، والمادة الثامنة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية واضحة في مطالبتها لكافة دول العالم معاقبة الدولة التي تنتهك الاتفاقية، وقد انتهك النظام السوري هذه الاتفاقية عشرات المرات، ويتوجب على دول العالم التحرك الفوري بعد هذا التقرير، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الخط الأحمر!

===========================

كورونا أزمة ثانوية لنازحي إدلب: الأولوية لانتهاء التهجير

عماد كركص

العربي الجديد

الاحد 12/4/2020

بين الهدوء الحذر الذي فرضه الاتفاق الروسي-التركي الموقّع حول إدلب بداية شهر مارس/آذار الماضي، وإرخاء أزمة كورونا بظلالها على المشهد العالمي، لا يزال الترقّب والانتظار سيدَي الموقف بالنسبة لأهالي إدلب، ولا سيما النازحين منهم، مع محاولات لتخمين مصيرهم، في ظل التحشيد العسكري بين طرفي القتال، أو أطرافه، خلال فترة الهدنة.

ولا يزال الجيش التركي يرسل مزيداً من التعزيزات إلى نقاطه المنتشرة في إدلب، بالإضافة إلى إنشائه نقاطاً جديدة في أماكن متفرقة منها، ولا سيما على حافتي الطريق الدولي حلب-اللاذقية "أم 4"، وسط أنباء تفيد بأن الأتراك يعمدون في هذه الفترة إلى ترتيب أوراق حلفائهم من الفصائل السورية لجهة إعادة تنظيمها مجدداً، لتكون أكثر جهوزية وتفاهماً مع قوات الجيش التركي، تحسباً لانهيار الاتفاق واستئناف العمليات من جديد.

في المقابل، يعزز النظام ومليشيات محسوبة على روسيا وإيران، من وجودها على خطوط التماس التي أوقفها عندها الاتفاق الأخير، من خلال الدفع بمزيد من الجنود والآليات ورفع المتاريس، ولا سيما عند جبهتي سراقب وسط إدلب، وكفرنبل في ريفها الجنوبي الغربي، وسط معلومات تشير إلى نيّة النظام استئناف العمليات بدفع إيراني، الأمر الذي يلقى معارضة من روسيا، التي لا تريد مزيداً من الخلافات مع تركيا في الوقت الحالي، وبانتظار انتهاء أزمة كورونا التي عطّلت المشهد السياسي دولياً.

في خضم كل هذه المعطيات، يتابع الناس في إدلب التطورات التي أخذت بالتلاشي مع الانشغال الدولي بأزمة كورونا؛ فلم تعد أخبار الخروقات المتكررة من النظام في إدلب خبراً رئيسياً، في ظل الخوف السائد من دخول الفيروس إلى مناطق شمال غربي سورية (إدلب ومحيطها)، في حين يحتجب المسؤولون الروس والأتراك عن الإدلاء بالتصريحات والمواقف حيال إدلب، في ظل انشغالهم بمواجهة الوباء في بلديهم. إلا أن النازحين الذين يقدّر عددهم بأكثر من مليون و700 ألف نسمة، والذين اضطروا لترك مدنهم وقراهم مع تقدّم النظام ومليشيات تسانده، لا يزالون يعطون لعودتهم إلى منازلهم أولوية قصوى، معتبرين الأزمة الحالية ثانوية أمام ذلك، وما يؤرقهم هو الغموض الذي اكتنف اتفاق موسكو الأخير حول إدلب، معتبرين إياه التفافاً على القضية الرئيسية، وهي انسحاب النظام من مدنهم وقراهم تمهيداً للعودة إليها.

يقول مصطفى محلول، وهو طبيب من مدينة معرة النعمان، نزح مع عائلته إلى مركز مدينة إدلب بعد دخول قوات النظام إلى المعرة نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إن "مصطلح النزوح بحد ذاته صعب على النطق فكيف إذا كان واقعاً، وحتى لو سكن النازح في قصر فلن يكون سعيداً وهو بعيد عن منزله ومكان إقامته"، مضيفاً: "النزوح مكلف كذلك لجهة الكلفة المادية والجسدية والذهنية، بالإضافة إلى فقدان العمل والدخل، وعلى الرغم من أنني لم أتضرر من هذه الناحية سوى من تغيير مكان العمل، إلا أن هناك الكثير من المتضررين".

وحول حالة الانتظار التي يعيشها والسيناريوهات التي يتوقعها لما هو آتٍ، بالنسبة له ولآلاف النازحين، أو الوضع العام في إدلب، يشير مصطفى في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن "الأمل بالعودة هو العزاء الوحيد أمام الناس، ومتى تحصل هذه العودة فذلك يكون بعلم الله، ولكن لا توجد في المدى المنظور مؤشرات تفيد بحل ملف إدلب لجهة عودة الناس إلى منازلهم، ولا سيما إلى جنوب إدلب وشرقها وأرياف حماة الشمالي وحلب الغربي والجنوبي"، متابعاً: "لكن الأمل موجود، وهو ما يجعلنا نتردد في الكثير من الخطوات، كتثبيت مكان الإقامة، أو الإقدام على الانخراط بعمل دائم، أو حتى تسجيل الأطفال في المدارس، وخططنا حيال ذلك كلها قريبة المدى ولا نفكر على المستوى البعيد، ولكننا كذلك نتحسب لسيناريوهات أسوأ، ولا سيما نحن في مدينة إدلب، فخلال المعارك الأخيرة كان مركز المدينة في دائرة الخطر وبدأت حركة النزوح قبل توقف المعارك، ويخشى في حال استئناف المعارك أن تعود هذه الدائرة لتطوق مركز المدينة، ما يجعلنا في قلق دائم".

ويشير محلول إلى أن "الناس كانوا يعوّلون على دور تركي لحل مسألة النازحين والضغط لجهة انسحاب قوات النظام من كافة المناطق التي تقدّمت إليها، إلا أن السياسة التركية حيال هذا الملف لا تزال غير واضحة، فالتصريحات بعيدة عما يحدث على أرض الواقع، وبالتالي تكرار الصدمات جعل الناس في إدلب نازحين أو مقيمين، يعيشون على الحد الأدنى من الأمل".

وحول رؤيته لتأثير أزمة كورونا على المشهد في إدلب عسكرياً وسياسياً، يرى أن "أزمة كورونا سلاح ذو حدين بالنسبة لإدلب، فمن الممكن أن تكون إيجابية على المدى الطويل في حال استمرت حالة الشلل العسكري، لكن الخوف أن تبقى الدول الفاعلة في القضية السورية ولا سيما الصديقة لنا مشغولة في ملفاتها الداخلية، في حين أن الدول الشمولية الحليفة للنظام كروسيا وإيران وإلى جانب النظام، لا يهمها الانشغال بهذه الأزمة بقدر تحقيق مكاسب استراتيجية، وربما يتم استغلال ذلك للتمدد أكثر على الأرض، وفي حال لم تتحرك المعارضة سياسياً على الرغم من حالة الشلل، فربما يتم التسليم بالوضع الحالي، وتبقى الأمور كما هي سياسياً وعسكرياً".

وبعد انتظار أكثر من شهرين منذ نزوحه من بلدته جنوبي إدلب، إلى بلدة سلقين شمالها، اضطر محمد أبو عبدو للتوجّه إلى بلدة سرمدا على الحدود السورية-التركية لتأمين عمل في مهنته كعامل في ورشة للخياطة، بعد انقطاع المردود، تاركاً زوجته وأولاده في مكان النزوح الجديد، من دون القدرة على أن يصطحبهم معه بسبب عدم توفر المنازل في منطقة عمله وغلاء إيجاراتها كذلك. ومضى على نزوحه حوالي خمسة أشهر، قضاها على أمل العودة.

يقول أبو عبدو في حديث مع "العربي الجديد" إنه يتابع يومياً كل الأخبار المتعلقة بإدلب، وقد أحبطه الاتفاق الأخير الذي لم يتطرق إلى مسألة عودة النازحين إلى منازلهم، وبات يفقد الأمل في دور تركي حقيقي لجهة حل هذه المسألة، قبل أن يعود الجيش التركي للدفع بمزيد من التعزيزات إلى إدلب بعد توقيع الاتفاق، ما أعاد الأمل ولو بشكل نسبي إلى داخله، شأنه شأن آلاف النازحين. وعن خطورة العمل في ظل الأزمة الحالية من الخوف بتفشي فيروس كورونا في مناطق إدلب، يشير إلى أن "الخوف الحقيقي هو من الفقر والقلة، فإذا لم أعمل من سيأتي لأولادي بالطعام؟ ومن سيدفع عني أجرة المنزل؟ نحن مضطرون للعمل، ليس لتوفير المال إنما لنعيش".

وبحكم تماسه مع المدنيين في إدلب، يشير فؤاد السيد عيسى، وهو عضو في مجلس إدارة منظمة "بنفسج" التي تقدّم خدمات إغاثية للنازحين والسكان في إدلب على حد سواء، إلى أن "النازحين على وجه الخصوص لا يزالون يرفضون التأقلم مع واقعهم الجديد، فلا يزال أغلبهم في الخيام والمخيمات، ويحاولون تحسين واقعهم ضمن ظروف لجوء مؤقتة آملين حلاً يؤمّن العودة، مضطرين للعمل بمردود يومي يؤمّن لهم معيشتهم".

أما بالنسبة لتحسب الناس لخطر كورونا وانتشاره في إدلب، فيوضح السيد عيسى في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الناس لا يعطون أولوية لهذه المسألة، ليس لأنهم لا يعون خطورة ذلك، إنما بسبب الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها، فلا يمكن أن تطلب منهم عدم ممارسة الأعمال البسيطة والالتزام بالمنازل، فذلك يعني دمار الأسر اقتصادياً ومعيشياً، علاوة على الكارثة التي سبّبها النزوح لهم".

وتقدّم النظام بدعم روسي وإيراني نحو "منطقة خفض التصعيد" التي تضم كامل محافظة إدلب، وأجزاء من أرياف حماة الغربي والشمالي، وحلب الجنوبي والغربي، واللاذقية الشرقي، في معارك بدأت منذ إبريل/نيسان 2019، على الرغم من توقيع اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا حول إدلب في سبتمبر/أيلول 2018. وقضمت قوات النظام خلال معارك متعددة أجزاء واسعة من تلك المنطقة، ولا سيما في أرياف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي والشرقي وحلب الغربي والجنوبي، ما دفع تركيا للتحرك في محاولة للحد من تقدّم النظام، وتعزيز وجودها في إدلب بادئ الأمر، ومن ثم شنّ عملية عسكرية ضد قواته، توقفت في السادس من شهر مارس/آذار الماضي بعد إبرام اتفاق موسكو بين روسيا وتركيا والذي يتضمّن وقفاً لإطلاق النار. إلا أن مراقبين ومحللين سياسيين وعسكريين، يعتبرون أن الاتفاق هش وغامض، ما يشي بانهياره في أي وقت، لكن الأزمة العالمية الحالية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا في العالم، تؤجل تكريس الاحتمالات كواقع على الأرض، ريثما تنتهي الدول المتنفذة في الملف السوري من مواجهة انتشار الفيروس داخل مجتمعاتها.

===========================

إيران في زمن كورونا: الحرس الثوري وحسن روحاني وإدارة ترامب

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 11/4/2020

تعد إيران بؤرة الانتشار الأساسية لفايروس كورونا المستجد في الشرق الأوسط. وأصاب الوباء إيران إصابة قاسية. فقد تجاوز عدد الحالات المسجلة حتى التاسع من أبريل 66 ألفا، بينما تجاوزت حالات الوفاة 4100 شخص (بالرغم من أن كثيرين في إيران يعتقدون أن الأرقام الفعلية أعلى بكثير)، مما يضعها في المرتبة الخامسة عالميا.

وبرز منذ فبراير الماضي التخبط في إدارة الأزمة ولوحظ قفز الحرس الثوري ليلعب الدور المركزي على حساب حكومة الرئيس حسن روحاني. وللوهلة الأولى كان يصعب التكهن بمدى تأثير انتشار الوباء على الشؤون الدولية. ومنذ أواسط مارس أخذ الحكم الإيراني يمارس سياسته المزدوجة في مسعى لكسر العقوبات الأميركية إذ طلب روحاني وللمرة الأولى منذ ستين عاما مساعدة صندوق النقد الدولي لبلاده مع توجيه إشارات إيجابية نحو واشنطن، فيما كان آية الله علي خامنئي يتهمها بشن “حرب بيولوجية”.

وهذا يطرح التساؤل عن إمكانية تغيير سلوك دولتين خصمتين – الولايات المتحدة وإيران في هذه الحالة – تحت ضغط الأزمة الطارئة. يتوقف الأمر في المقام الأول على مسار الوضع داخل إيران والتجاذب الحالي في العراق وتطورات الوضع الداخلي الأميركي في هذه السنة الانتخابية التي هيمنت عليها كارثة كورونا.

على خلاف غالبية الدول الأخرى التي تحركت بسرعة لمواجهة انتشار الجائحة بشفافية وحزم، تؤكد مصادر إيرانية متطابقة عن بدء الانتشار في النصف الثاني من يناير الماضي، في موازاة استمرار خطوط الرحلات الجوية مع الصين تبعا للصلات المميزة بين البلدين. وهكذا بالرغم من علم السلطات بحقيقة الموقف تجاهلت السلطات التحذيرات و”ضللت الجمهور عمدا لمنع تداعيات الوباء من التأثير على احتفالات الذكرى السنوية للثورة في 11 فبراير، والانتخابات البرلمانية في 21 فبراير”.

ومن الواضح أن التأخر في اتخاذ إجراءات سريعة ومنها الإغلاق من قم إلى طهران ساهم في المزيد من الانتشار وكما في العديد من دول العالم لكن بشكل صارخ تبيّن عدم وجود البنية التحتية الصحية الضرورية والهيكلية الإدارية الفعالة نتيجة التركيز على أولويات أخرى وأبرزها الميزانيات العسكرية في الداخل والخارج. ولا تكمن المشكلة في نقص المال والموارد بسبب العقوبات الأميركية حصراً كما يدعي النظام، لكن هذا لا يغفل سوء توزيع الموارد الموجودة وأساليب استخدامها.

والغريب أنه بينما يتحرك العالم لمكافحة الجائحة، تتهم المعارضة الإيرانية السلطات بإخفاء حجم الكارثة والتقليل من عدد الضحايا وتتفق مصادر طبية إيرانية محايدة مع هذا الاتهام وتتحدث عن حوالي عشرين ألف ضحية حتى الآن. ومن أجل الهروب إلى الأمام وتوظيف أزمة الوباء سياسيا، يتم التركيز على أن العقوبات الدولية هي السبب الجذري لنقص إيران في الموارد الطبية والمعدات، وكذلك خيارات العلاج والأدوية.

وكل ذك يهدف إلى خلق تصدعات في جدار العقوبات والتصويب على واشنطن خاصة أنه ستكون للولايات المتحدة، التي هي عضو مهم في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، كلمة قوية في قرار منح إيران أو عدم منحها القرض المطلوب، وهو بالنسبة للكثير في إيران مجرد مسعى للتخفيف من مشكلة التدفق النقدي، ويمثل ذلك رهانا لفريق روحاني – ظريف "المعتدل" عله يمكنه من تسجيل نقاط في الصراع الخفي مع الفئة الأكثر تشددا المتحلقة حول المرشد الأعلى علي خامنئي ونواتها الصلبة الحرس الثوري الإيراني.

ومشكلة الحكم الإيراني مع السيولة النقدية زادت مع انهيار أسعار النفط مما سيعرض النفقات الأساسية للتهديد ومنها الميزانيات العسكرية والأمنية في الداخل والدعم المرصود لمجمل أنظمة وجماعات “المشروع الإمبراطوري الإيراني” في الإقليم. ومن الأسباب الأخرى لمسعى طلب القرض الدولي ومحاولة “إغراء” الترويكا الأوروبية (ألمانيا – فرنسا – بريطانيا) كي يتم تفعيل فتح خط ائتمان سنوي بقيمة 15 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي لإيران تحت حجة تخفيف آثار العقوبات الأميركية.

لكن ذلك يمثل بالفعل احتياطا لتأمين الحد الأدنى الاجتماعي والاقتصادي ولتفادي عودة الاحتجاجات الشعبية بزخم بعد انتهاء زمن كورونا. ومن المناورات الإيرانية في هذا المضمار إبراز تناقض في المواقف حيال الصين التي يتهمها البعض في وزارة الصحة بإخفاء حجم الكارثة وسرعان ما ينبري الحرس الثوري للدفاع عن دورها ومساعداتها، وينطبق الأمر أيضا على روسيا التي اكتفت بعرض بيع ميسر لمنتجات روسية، وكل ذلك من أجل توجيه رسائل حول تنوع البدائل والشركاء إلى الحزب الديمقراطي وآخرين في واشنطن ودول أوروبية. وهذا اللعب على الوتر الإنساني لا يقنع كثيرا من الأطراف ويثير “حذر” إسرائيل التي عبرت عن مخاوفها من أن "تستغل إيران الجائحة في تطوير البرنامج النووي". لكن على ضوء ما يجري في العراق تحديدا تقر مصادر أوروبية وأميركية بزيادة “العدوانية الإيرانية” للتغطية على المتاعب الداخلية، ويشير باحث مختص بالعلاقات الصينية – الإيرانية إلى “احتدام الصراع العالمي حول إيران نظرا لهشاشة الوضع فيها بالرغم من قدرات النظام القمعية”.

وما يعطي مصداقية لمثل هذا التصور مراقبة صدور أصوات خبراء في الولايات المتحدة تدعو إلى منح إيران ما تحتاجه، بل تحض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اتباع نهج أكثر رأفة في التعامل مع أزمة الوضع الصحي في إيران بصفة عامة، ووصل الأمر بديمقراطيين بارزين بينهم نائب الرئيس السابق والمرشح الرئاسي السيناتور جو بايدن والوزيرة السابقة مادلين أولبرايت للمطالبة بتخفيف الضغط على طهران.

ومن المبررات المطروحة من قبل هؤلاء كما من قبل أنصار الانفتاح على إيران في أوروبا أن الضغوط القصوى سيكون أثرها سلبيا وخاصة استنتاج تتقاسمه هذه الأوساط يقول إن “الحرس الثوري الذي يشرف على مواجهة فايروس كورونا وبناء المنشآت الصحية في البلاد، سيزداد قوة على قوة. وستتحول إيران رويدا من دولة دينية في ثوب جمهوري إلى دكتاتورية عسكرية”.

وهذا الوضع الدقيق ربما يفسر تحمل الرئيس حسن روحاني مخاطر تفاقم الكارثة الصحية وقبوله ببدء رفع إجراءات الحجر والإغلاق من أجل إنقاذ الاقتصاد المتداعي وتفادي عودة غضب الشارع أو مزايدة المتشددين. لكن مصادر أوروبية مطلعة على الوضع الإيراني تجزم بأن “الحرس الثوري حسم الوضع لصالحة إن في مواجهة تيار روحاني أو إزاء مكتب خامنئي الذي يعتبر نجله مجتبى لولبه”.

هكذا بعد الضربة الكبرى التي تلقاها النظام مع خسارة قاسم سليماني، وتفاعلات حادث الطائرة الأوكرانية والانتخابات التشريعية الفاشلة واحتجاجات نوفمبر 2019، أتت أزمة كورونا لتعمق من أزمة النظام البنيوية ولم يجد المرشد علي خامنئي للتبرير إلا قوله: “سجل الشعب الإيراني تألقا في اختبار كورونا” مع التشديد على أن “قرصنة المساعدات الإنسانية والتمييز بمعالجة المرضى تعكس ثقافة الغرب”.

بينما تطالب حكومته بالمساعدات من الغرب عبر صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي. وهذا يبرهن على السياسة المزدوجة للحكم في طهران، ولعبه على كل الحبال من أجل استمرار الإمساك بالسلطة والسيطرة على الشعب الإيراني بمكوناته والترويج للتوسع في الإقليم. ما بين الحرس الثوري وروحاني وإدارة ترامب ستستمر لعبة من دون قواعد لأننا لسنا أمام دولة عادية في إيران بل أمام منطق “الثورة” التي يقول أحد الذين عاصروها إنها “أكلت أبناءها وتهدد الاستقرار العالمي” .

===========================

عالم ما بعد كورونا .. حتى لا يكون أسوأ مما قبله

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 11/4/2020

لا أحد يعرف بالضبط ما طبيعة الحياة الدولية التي ستولد من كارثة وباء كورونا العولمي، بعد أن تتحقق السيطرة عليه في الأشهر المقبلة، فبينما يخشى اقتصاديون انهيارا اقتصاديا أكثر عنفا من انهيار 1929، مع إغلاق آلاف الشركات أبوابها وتقلص الأسواق ورمي عشرات ملايين العاطلين عن العمل في الشوارع من دون مورد، يعتقد آخرون أن نهاية الكارثة الكورونية سوف تطلق دينامية اقتصادية توسعية قوية تعوّض عن الخسائر الحاصلة. وبينما يعتقد بعضهم أن الأزمة الناجمة عن هذه الكارثة سوف تدفع النخب العالمية إلى مزيد من التنسيق بين خططها وسياساتها العالمية، يرى آخرون أن من المحتمل أن تفتح نهاية الأزمة الباب أمام تنافسٍ لا سابق له على الأسواق العالمية، وربما العودة عن العولمة، والانكفاء على الحدود القومية كما كان عليه الحال في المراحل السابقة من الرأسمالية.

وبالمثل، لا تبدو نهاية الأزمة حاسمة على الصعيد الجيوسياسي، وبالنسبة للاتجاه الذي سوف تتخذه العلاقات الدولية، هل ستنهي الأزمة/ الكارثة سيطرة الولايات المتحدة والغرب لمصلحة صعود القوى الجديدة، وفي مقدمتها الصين والهند والدول الصاعدة، أم أنها ستجدّد مناخ الحرب الباردة، ولكن هذه المرة بين القطبين الكبيرين في بكين وواشنطن. وعلى المستوى السياسي، يخشى كثيرون عن حق من أن تنتج كارثة كورونا البيئة المثالية لانفلات الأيديولوجيات الشعبوية من عقالها، وأن يحصل التراجع عن الخيارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون الدولي الذي أظهر عجزا ملحوظا في مواجهة الكارثة الراهنة، على الرغم من تكرار الحديث عن أهمية العمل المشترك لتجاوزها.

لم يبرز واقع الافتقار لسياسة عالمية متسقة في مواجهة المخاطر الطبيعية والاجتماعية، كما 

"لم يبرز واقع الافتقار لسياسة عالمية متسقة في مواجهة المخاطر الطبيعية والاجتماعية، كما حصل خلال هذه الجائحة الصحية التي طاولت البشرية بأكملها"حصل خلال هذه الجائحة الصحية التي طاولت البشرية بأكملها، حيث نكاد لا نرى أي جهودٍ دوليةٍ مشتركة، للرد على مخاطر انتشار الوباء على الصعيد العالمي. وتسعى كل دولة حسب ما يتوفر لديها من موارد وإمكانات ومنظومة صحية أن ترد على التحدّي بوسائلها الخاصة. حتى أن منظمةً للتعاون الدولي من طراز رفيع، كالاتحاد الأوروبي، تكاد تفقد الثقة بإمكانية استمرارها بعد الأزمة الراهنة، بسبب ضعف التنسيق والتعاون فيما بين دولها، وهو ما حاولت إنقاذه القرارات الأخيرة لمساعدة إيطاليا وإسبانيا، وبعض الدول الأكثر تضرّرا من الوباء.

تكمن المشكلة الرئيسية في نظري في أن العالم الذي أصبح واحدا، ويسير بسرعة أكبر نحو توحيد المصائر البشرية، كما أظهر ذلك الانتشار السريع لوباء كورونا نفسه، لا يزال يفتقر إلى الجملة العصبية التي توحد حركاته وعلاقاته وتنسقهما. ولذلك يبدو بل يصبح بالفعل أكثر تباينا في الأوضاع والأحوال والإمكانات والموارد المادية واللامادية، بمقدار ما يزداد اندماجه. وتخلق هذه الديناميكية المهيأة للتنامي مع تقدّم مكاسب الثورة الرقمية وتعميمها وضعا مضطربا وعالما مليئا بالمفارقات. وبعكس التصورات الساذجة لنهاية القرن الماضي التي اعتقدت أن نهاية الحرب الباردة، وتقدّم العولمة، سوف يقودان إلى نشوء عالم منسجم ومتّحد ومتناغم، أطلق عليه اسم القرية الصغيرة التي لا يحتاج فيها الناس إلى جهد لمعرفة حال جيرانهم، وإقامة علاقات حميمية وشفافة معهم، ومساعدتهم عند الحاجة، أنتجت العولمة مجتمعا دوليا أكثر انقساما وتنافرا وتناثرا وكتامة في الوقت نفسه. وعلى الرغم من تقليصها بالفعل المسافات التي تفصل بين المجتمعات، واختصارها المدهش الزمن الذي يحكم تفاعل الناس فيما بينهم على اتساع المعمورة، لم تعمل عولمة رأس المال والأسواق والإعلام وشبكات ومنصات التواصل الرقمية على بعث مزيدٍ من التجانس في شروط حياة الشعوب، وانسجام أكبر في التعايش بين الثقافات، بمقدار ما أبرزت الاختلافات في الأحوال والأوضاع والمطالب والمشاعر أيضا، وما أبدعت من أنماط جديدة في الفقر والغنى والجهل والمرض والتنور والإيمان والكفر والمدنية والهمجية، ومن احتكاكات أكثر خطورةً بين الهويات الاجتماعية والثقافية المتنافية والمتقاتلة، ومن تصادم المشاعر والمخاوف والتفاوت المضطرد في مستويات الحياة والمعيشة والمصالح والتوجهات.

(2)

أربعة مواقف تميز سلوك الأفراد والجماعات في مواجهة الأزمة المتفاقمة الناجمة عن تنامي المطالب والتطلعات المشتركة لعموم الإنسانية إلى السعادة والحرية والكرامة، وتوسع قاعدة انتشارها مع تقدّم المدنية من جهة، والعجز المتزايد لعالم العولمة النيوليبرالية عن تلبيتها، وبالتالي تعميم الشعور بالبؤس والإحباط والحرمان والاستعداد للعنف لدى قطاعات واسعة من المجتمع الإنساني من جهة ثانية:

الأول هو موقف تجاهل الآخر. صحيحٌ أن من يقطن قريبا مني، في القرية الكونية، يصبح جاري وشريكي في الإنسانية، لكنه لا يظهر في مرآتي، ولا أعرفه، ولا أريد أن أعرفه، ولا يعنيني 

"لا يزال العالم يفتقر إلى الجملة العصبية التي توحد حركاته وعلاقاته وتنسقهما"مصيره. وليس لدي تجاهه أية مشاعر سلبية أو إيجابية. إنه ببساطة غير موجود بالنسبة لي ما لم يصدر عنه ما يهدّد وجودي أو مصالحي. وعلى هذا الموقف التجاهلي يبنى الآخر، المتجاهل والمغيب تماما عن النظر، استراتيجيته للتذكير بوجوده، وأحيانا مصالحه، وهي إظهاره، من وقت إلى آخر، قدرته على الأذى وإقلاق راحة الجار المتباعد، وربما التنغيص على القاطنين في القرية الكبيرة حياتهم وتهديدهم في مصالح أساسية، وهي استراتيجية "كاسر مزراب العين" التي يشرب منها أهل القرية جميعا.

والموقف الثاني هو العنصرية. ولا تعني العنصرية اليوم بالضرورة إبادة الطرف الآخر، كما حصل لسكان القارة الأميركية الأصليين، وبعض مناطق أفريقيا على يد المستعمرين الغربيين الذين اعتبروا "أعداءهم" أقل من بشر وأسوأ من وحوش، وإنما يكفي لها إقامة نظام الفصل العنصري، بالجدران المادية أو بالجدران السياسية والقانونية أو الفكرية والنفسية. ومن وراء إشادة هذه الجدران تكمن فكرة جوهرية: نحن المدنية وهم الهمجيون أو المتوحشون، لنا ثقافتنا ولهم ثقافتهم، ولا نستطيع أن نعيش معا أو نتساوى في الحقوق والواجبات، وما ينطبق علينا من قوانين ومعايير وقيم لا يمكن أن نطبقه ولا ينطبق عليهم. وهذا يعني التحرّر من الفلسفة الإنسانية الكونية التي سادت منذ عصر التنوير، وجعلت أوروبا في الواقع في مركز مدينة كونية، وزودتها بقوة مادية ومعنوية استثنائية مكّنتها من احتلال قارات عديدة، والانتشار فيها والحلول محل شعوبها ومدنياتها، في أميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وغيرها. ومن آخر تجليات العنصرية الجديدة النظر إلى المناطق والجماعات البشرية الأخرى أنها حقل تدريب واختبار للأسلحة الفتاكة الحديثة، كما تفعل روسيا في سورية، أو بمثابة فئران تجارب تستخدمها للحصول على نتائج مجانية أو تقلل من التكلفة الإنسانية، كما اقترح منذ أيام باحث فرنسي، في حديثه عن تسريع التوصل إلى لقاح ضد كورونا، بالقيام بالتجارب مباشرة على البشر في أفريقيا، حيث لا توجد كمّامات ولا أدوية ولا حجر صحي، وحيث يموت الناس على جميع الأحوال.

والموقف الثالث هو إنكار مصالح الآخر وحقوقه، نهارا جهارا، كما نقول، وربما إنكار وجوده من الأساس للحلول محله. وقد أصبح الإنكار سياسة قائمة بذاتها، تقوم على تحويل الواقع إلى وهم والوهم إلى حقيقة. وهو من الأساليب التي ورثها العالم الراهن عن النظم الشمولية، لكن تعميمها يتخذ اليوم أشكالا متعدّدة قد تصل عبر تعميم مفهوم المؤامرة إلى تبرير الإبادة الجماعية.

والموقف الرابع الحرب، أي العنف المنظم والقاتل، الذي يمكن أن يبدأ من الحصار والعقوبات المشدّدة حتى يصل إلى مستوى الإبادة، وهو ما يهدف إليه الجيل الجديد من أسلحة الدمار الشامل، التي تقتل عن بعد، من دون جهد ولا كلفة بشرية، ومن دون صور، وبالتالي من دون ألم. وليس من الضروري أن تكون الإبادة اليوم بوسائل بدائية على طريقة حرب التطهير العرقي، كما حصل في بلدان أفريقية عديدة في القرن الماضي، وكما هو الحال في سورية، منذ بداية هذا العقد، حيث تقصّد بشار الأسد بث صورة مجازره وسلخ جلود ضحاياه في أشرطة، وعرضها في القنوات، إمعانا في الانتقام والتعبير عن الهمجية والعنف الأعمى، وإلحاق مزيد من الأذى النفسي والمعنوي بمن ثاروا عليه. كما أنه ليس من الضروري أن تكون استراتيجية الفتك بالمجتمعات، وحل بنياتها السياسية ومؤسساتها ومراكزها العصبية، ومن ثم تدميرها، كما شهدنا ذلك في العراق، منذ 2003 بشكل خاص، ردا على أعمالٍ عدوانيةٍ ارتكبتها، أو ارتكبها ممثلوها، وإنما وقايةً من احتمال السيطرة عليها من طرفٍ معاد، أو قطع الطريق على تغييرات محتملة لا تتفق وخيارات الأطراف الأخرى.

هكذا أصبحنا نعيش في عالمٍ مسكون بالنزاعات والحروب الدائمة والمتنقلة، حتى أصبحت تغطية 

"آخر تجليات العنصرية الجديدة النظر إلى المناطق والجماعات البشرية الأخرى أنها حقل تدريب واختبار للأسلحة الفتاكة"أعمال الموت والحروب المنتشرة في مختلف القارات المادة الرئيسية لأخبار قنواتنا وإذاعاتنا، وقد اعتدنا عليها إلى درجةٍ لم تعد تثير لدينا أي تساؤل أو رد فعل. أصبحت الحياة صراعا دائما، تماما كما أصبح الفقر والبؤس والمرض الذي يضرب في أنحاء مختلفة من المعمورة، أمرا طبيعيا، وأصبح بناء الجدران العازلة حلا مناسبا للحدّ من موجات المهاجرين أو البرابرة، كما صارت الحرب على الإرهاب أو التصدي لـ"المؤامرة الكونية" مبرّرات كافية لسحق احتجاجات الشعوب، أو الانتقام من خصم، أو إجهاض مشاريع منافسة. ولا تقتصر هذه التكتيكات على حقل العلاقات الدولية، ولكنها تسم أيضا العلاقات داخل المجتمعات ذاتها، بين الأطراف المتباعدة والمتنابذة أكثر فأكثر، مع تفكّك ما كانت تسمى الأمة أو الروح الوطنية، وبشكل خاص داخل الأقطار الفقيرة والضعيفة التي تتحكّم بها منذ الآن نخب لا تكاد تشعر بالتزام من أي نوع تجاه شعوبها، وتعمل كما لو كانت وكيلة للاستراتيجيات الدولية.

(3)

ليس من المؤكد، إذن، أنه إذا لم يحصل اختراق في المنطق الذي يحكم العلاقات داخل هذه القرية المأزومة، ألا يكون عالم ما بعد كورونا أسوأ بكثير مما كان قبله، بل إنه بالتأكيد سيكون عالما متوحشا بشكل مضاعف. في المقابل، يمكن أن تعطي أزمة هذا الوباء درسا للمستقبل لنا جميعا، لتحسين قدرتنا كمجتمع دولي على مواجهة ما يشابهه من المخاطر ذات الأبعاد الكونية التي سنشهدها بشكل متواتر وأكثر فأكثر. وفي هذه الحالة، من المفيد أن ننظر إلى هذه الكارثة من زاوية الحاجة للتأمل في نمط الإدارة الراهنة للعالم، والتي درجنا فيها على توظيف الجزء الأكبر من مواردنا، وجهود شعوبنا، وإبداعات عباقرتنا، في خوض الحروب والنزاعات أو الإعداد لخوضها، بدل تطوير وسائل التعاون والعمل المشترك لصد الجائحات الكبرى، وهو ما جعلنا لا نحرك ساكنا أمام مرأى انتشار الأوبئة والأمراض والتشرّد والنزوح والجوع والعطش، زعزعت وتزعزع باستمرار حياة قارّات ومناطق واسعة من العالم قريبة منا.

طبيبة ومساعدها في برلين ينتظرون المرضى القادمين لفحص أنفسهم من فيروس كورونا (8/4/2020/Getty)

الشعور بالهشاشة الذي استبد بحق بالإنسانية أمام فتك الفيروس الجديد لا ينبع من إدراك مستجد بنقص تقدمنا العلمي والتقني، ولا بنقص الموارد التي تتوفر لدى البشرية الراهنة لمقاومة الجوائح والأوبئة والمخاطر الطبيعية الأخرى، وإنما من تخبط قادتنا وحكوماتنا في مواجهته. ولا يرجع هذا التخبط إلى نقص الكفاءة الإدارية أو الذكاء أو الخبرة والشعور بالمسؤولية عند النخب العالمية. إن سببه الحقيقي هو اكتشاف ضعف قنوات التواصل، وسبل التعاون الدولي الفعال، من خارج المؤسسات الوطنية، لبلورة رد عالمي أو عولمي من مستوى التحدّي الجديد، فأثار الارتباك وأضاع وقتا طويلا قبل لملمة الموارد الكبيرة والإمكانات التي في حوزتنا للتدخل السريع والشامل لمحاصرة المشكلة.

والواقع لا يختلف سلوكنا تجاه هذا الوباء الكوني كثيرا عما نُظهره تجاه المخاطر الكونية الأخرى، مثل تلوث البيئة وتبدل المناخ، والقضاء على ظواهر الفقر والجريمة المنظمة والمتاجرة بأعضاء 

"أصبحنا نعيش في عالمٍ مسكون بالنزاعات والحروب الدائمة والمتنقلة"البشر والمخدّرات والإرهاب، فلم ننجح إلا في ميادين محدودة جدا في التعاون لمواجهتها. وفي حالات كثيرة، يستخدم بعضنا هذه الكوارث ذاتها وسائل حرب ضد خصومه، أو منافسيه من الشعوب والمجتمعات الأخرى. ولكن الفرق أنه، بعكس ما يجري مع هذه المخاطر، كان خطر الوباء الكوروني داهما وسريعا لا يفيد فيه التردّد والعنعنة وشراء الوقت، كما حصل في قضايا المناخ والبيئة وغيرها. والواقع، فيما وراء النقص الواضح في وسائل التعاون والعمل العالمي المشترك، يرجع العطب الذي يقيّد حركتنا إلى سيطرة المنطق العام الذي لا يزال يحكم النظام العالمي والعلاقات الدولية برمتها، وهو منطق النمو الاقتصادي المضطرد واللانهائي، الذي يضع الموارد المادية واللامادية، أي رصيد الإنسانية ورأسمالها، في خدمة أولوياتٍ أثبت الزمن الماضي أنها غيرت بالفعل شروط حياة الإنسان إلى الأفضل، فصار التشبث بها قاعدة شبه مقدّسة للقيادات السياسية.

ولكن إذا لم يكن هناك شك في أن التراكم الحضاري الذي حصلنا عليه ما كان ممكنا من دون الرأسمالية التي خلد كارل ماركس نشأتها وانتصارها على النظم الاجتماعية القديمة الأخرى جميعا في كتاب "رأس المال" الشهير، فليس من المؤكد اليوم أن ما كان منتجا، وما قلب شروط حياة الجماعات رأسا على عقب منذ قرنين، لا يزال قادرا على تثويرها اليوم. كما أنه ليس من المؤكد أن التراكم الرأسمالي الذي كان وراء هذه الثورة الاقتصادية والاجتماعية، وحافز تعظيم هامش الربح، لا يمكن أن يتحول في مرحلة تالية إلى منطقٍ غير منتج، وربما إلى العقبة الرئيسية أمام سعادة البشرية، حتى لو استمرّت عجلة الإنتاج في التحرّك، وكانت صناعة السلاح والإعداد للحرب القطاع الأكثر إدرارا للربح/ الريع فيها.

وربما يساعدنا التأمل في الأزمة الجديدة على النظر فيما إذا كان لا يزال من المفيد الاستمرار في وضع النمو في الأرباح والسلع والرساميل أولوية مطلقة تنتظم من حولها المجتمعات البشرية، أم أصبح من الأفضل التفكير في تغيير الأولويات، وإعطاء الأسبقية، ولو مرحليا، لغاية تبدو أخلاقيةً، لكنها وحدها تستطيع أن تعيد بعض الانسجام والوحدة والسلام والأمن للعالم، وتساعد على توجيه الجهود بما يسمح بامتصاص التناقضات وتخفيف حدّة الانقسامات والتوترات والاختناقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتشوهات التي أحدثها النمو المتسارع في العقود الأربعة الماضية، مما يمكن أن يساعد المجتمع العالمي على هضم المكتسبات الحضارية وتجنب مخاطر السير لا محالة نحو الانفجار. لن يكون ذلك سوى الرجوع خطوة إلى الوراء من أجل التقدّم خطوات عديدة إلى الأمام في المستقبل، ولكن على أسس أسلم، تجنب النظام القائم أزمة اقتصادية عظمى، كان جميع الخبراء يتوقعونها، قبل أن تغطي عليها أزمة وباء كورونا.

والقصد أننا لن نستطيع أن نخرج من الطريق المسدود الذي نجد أنفسنا فيه، اليوم، على الرغم مما حققناه من تقدّم علمي وتقني لا سابق له، من دون العودة إلى التفكير بشكلٍ أعمق في الشرط الإنساني. ويعني الشرط الإنساني التفكير في حياة الإنسان، الفرد والجماعة، وفي القيم التي تعطي لحياته معنى، من الكرامة والحرية والأمن والسلام والسعادة، وما يستدعيه تحقيق ذلك كله من تفاهم وتعاون وتضامن بين البشر داخل حدود الدول وعبرها، ومن وراء حسابات الأرباح الصناعية والمكاسب التقنية والتقدم العلمي أيضا. أي التفكير في الأخلاقيات التي توجه خيارات الإنسان وتشكل أولوياته، في السياسة والحرب والاقتصاد معا، والذي لن يستقيم اليوم من دون أن يكون، في الوقت نفسه، تفكيرا في الأخلاقيات الكونية. وهو ما تحثّ عليه ولادة مجتمع إنساني عالمي، لم يلحظ معظمنا وجوده الحقيقي، أو لم نعر لوجوده أهمية كبيرة حتى الآن بسبب انشغالنا، وإشغالنا، بالحروب والنزاعات التي تكاد تحتل اليوم البند الأول في أجندة دول "وطنية" عديدة، و"فضيلة" كورونا، الوحيدة ربما، أنها سلّطت من أجلنا الضوء على نقص إنسانيتنا في وقتٍ بدونا فيه إنسانيين وبشرا، فيما وراء الاختلافات الثقافية والاجتماعية والقومية، كما لم نكن في أي حقبة سابقة.

(4)

بمقدار ما أظهر الوباء المستجد انسداد طريق التنمية الوطنية، مهما كان حجم الدولة القُطرية، 

"كان خطر الوباء الكوروني داهما وسريعا لا يفيد فيه التردّد والعنعنة وشراء الوقت، كما حصل في قضايا المناخ والبيئة وغيرها"وغياب سياسات التعاون والتضامن والتنسيق في القضايا الكبرى التي تمس جميع أبناء البشرية، أبرز أيضا، بشكلٍ لا سابق له، غياب القيادة العولمية التي تنظر إلى العالم ككل، وتبحث في اتساق حركته، وفي تنظيم أفعال مكوناته وعناصره، وتضع له جدول أعمالٍ يختلف بالضرورة عن جداول أعمال السياسات الوطنية الخاصة بكل دولة وقُطر. بل إن التنافس بين هذه الإدارات الوطنية المتعدّدة أصبح المصدر الرئيسي للفوضى التي يشهدها العالم اليوم، بما في ذلك بمناسبة التصدّي لجائحة كورونا الراهنة.

حاولت الولايات المتحدة، مستفيدة من قدراتها ومواردها الهائلة، أن تتنطع لهذه القيادة، وتحتل موقع السلطة العالمية، وتصوغ جدول أعمالها، وحدها تقريبا، في العقود القليلة الماضية. ولكن سرعان ما تحطمت أحلامها بعد فشلها الذريع في قيادة العالم نحو حقبةٍ أكثر سلمية وتضامنا وتعاونا، وهو ما كانت الأمم والشعوب تنتظره، بعد انتهاء الحرب الباردة، وتنظر إليه بمثابة فرصة للملمة صفوفها وتضميد جراحها، وتفعيل آليات التضامن التي كان من الممكن أن تمثلها منظمات الأمم المتحدة، لبناء عالم جديد يكرس الجزء الأكبر من موارده وإبداعات علمائه لتقليص الفوارق بين طبقات الأمم والمجتمعات، بدل الاستمرار في توظيفها في الحروب والنزاعات المتواصلة لفرض السيطرة أو الهيمنة العالمية، ولكن ما حصل كان العكس تماما، فقد أحبطت الدولة الأعظم تطلعات الشعوب نحو عصر من السلام والتعاون والازدهار عندما تعاملت مع سقوط جدار برلين أنه فرصة تاريخية لتحقيق أقصى ما يمكن من مصالحها الوطنية الخاصة أو مصالح زعمائها، وتصرّفت بوصفها الرابح الأكبر، وشرّعت للوحوش المفترسة الأصغر أن تحذو حذوها.

ولا يزال الشرق الأوسط يعيش العواقب المدمرة لمغامرتي أفغانستان والعراق اللتين حولتا المنطقة إلى خراب كامل، ومسرح للحروب والنزاعات المتعددة الأبعاد والأطراف، لعقود مقبلة عديدة. ولا يقل تهورا ارتداد الرئيس دونالد ترامب نحو سياسةٍ قوميةٍ متطرّفة تدفع العربة العالمية إلى التهور والسقوط في هوةٍ لن يمكن الخروج منها بسهولة. ولكن السبب في الحالتين ليس طيش ترامب، ولا انكفاء سلفه باراك أوباما وتخليه عن المسؤوليات العالمية، وإنما أبعد من ذلك بكثير، غياب منظومة فكرية وسياسية وأمنية متسقة ومتفاهم عليها، أي وجود قيادة عالمية بالمعنى الحقيقي للكلمة، تقوم على قبول الأطراف جميعا، بما فيها الدول الصغيرة المفتقرة للموارد، ومشاركتها في المسؤولية وبناء نظامٍ من الالتزامات الفعلية المتبادلة، تحل محل انتظام عالمي لا يزال قائما على القوة والتهديد بالقوة وعلى التحالفات العسكرية وصراع المحاور. وهذا هو نظام الهيمنة الذي يدفع إلى مزيدٍ من صدام المصالح والنزاعات الدموية، بمقدار ما يعمّق التفاوت في شروط الحياة الإنسانية، وتقاسم ثمرات التقدّم الحضاري، في عالمٍ لا تكفّ فيه المسافات والأزمنة عن التقلص، والتطلعات الإنسانية نحو المساواة والتحرّر عن الصعود. وهو النظام نفسه الذي حيد منظومة الأمم المتحدة التي راهنت المجتمعات الضعيفة عليها لإدخال قسط من الشرعية لإحلال لغة الشرعية والقانون محل لغة السلاح والقوة، وقوّض رسالتها الإنسانية التي جعلت الحفاظ على السلام والأمن العالميين، أي سلام وأمن جميع الشعوب بالتساوي، مبرّر وجودها نفسه. وكان من الطبيعي أن تتحول إلى ما يشبه المنظمة الخيرية التي تعنى بالشؤون الإنسانية والاجتماعية، وأن ينتزع موقع القيادة والقرار العالميين كارتيل السبع الكبرى، أو الـ"G7".

قد ينجح العالم، هذه المرّة، ولو بتكاليف باهظة، في تجاوز أزمة وباء كورونا، وربما من دون القدرة على منع الفيروس من الاستيطان في بؤر كثيرة لا تملك وسائل إزالته. ولكن ليس هناك أي ضمانة كي لا نخسر الرهان في المستقبل أمام الجوائح الاقتصادية والبيئية والصحية والديمغرافية المتنامية، والتي تلوح في الأفق، إذا فشلنا في أخذ العبرة من التجربة الراهنة، ولم نستوعب أننا أصبحنا الآن كمن يركب سفينة واحدة، ويمخر عباب محيط هائج، ولكن من دون قبطان، أو بمتنطعين كثيرين يتنازعون على القيادة، ولا يملك أي واحد منهم خريطة طريق، أو هدفا واضحا يصلح كي يكون غاية مشتركة تتحد من حولها إلإرادات لتنتج إرادة واحدة.

والحال أن الإنسانية تملك اليوم الموارد والإمكانات التي تؤهل الجميع للعيش بكرامة وسلام، إذا 

"أظهر فيروس كورونا غياب القيادة العولمية التي تنظر إلى العالم ككل، وتبحث في اتساق حركته"عرفنا كيف نعيد تنظيم حياتنا، وتعديل سلوكنا وأساليب إدارتنا هذه الموارد وسياساتنا الاجتماعية والدولية وخياراتنا. وقدّمنا قيم التضامن والتعاون العالمي على الخضوع للقوانين العمياء لأسواق المال والأعمال، والشركات التجارية والمصارف والمنصّات الرقمية التي تتحكّم بها قوى لا أحد يسيطر عليها حتى الفاعلون أنفسهم، والتي لا غاية لها سوى تعظيم المكاسب الخاصة والأرباح، بصرف النظر عن النتائج المباشرة وغير المباشرة على الأفراد والمجتمعات. وإذا نجحنا في أن نضع لأنفسنا أي للمجتمع العالمي غايات موجهة تليق ببناء مدنية إنسانية جديدة، تسودها قيم وعلاقات التعاون والمودة والألفة والانسجام، وتنظم شؤونها فكرة العدالة التي هي اليوم أكثر ما نفتقر إليه في جميع القارّات. في هذه الحالة، ينبغي أن يشعر كل فرد وكل مجتمع بأن مصير المجتمع الآخر يعنيه، وأنه لا يستطيع أن يتركه لمصيره من دون أن يهدّد مصيره هو بالذات، وأن إرضاء الحاجات الأساسية لجميع سكان المعمورة سابق على مراكمة الأرباح والرساميل والسلع، وأن كلفة تحقيق السلام ربما تكون أقل بكثير من تكاليف الاستيطان في الحرب والإعداد الدائم لها.

هل ينجح الوباء الكوروني في أن يتحوّل إلى لحظةٍ مفصلية تهز قناعاتنا الثابتة، وتدفعنا إلى مراجعة أسلوب إدارتنا القديم للعالم، والذي أصبح ينتج من البؤس والإحباط والضغينة أضعاف ما ينتجه من السعادة والنشوة والفرح والازدهار، ويساعدنا على وضع الأمور في نصابها من جديد، أي العودة إلى السير على الأرض بأقدامنا، ورأسنا إلى الأعلى، لا السير على رؤوسنا والتفكير بأقدامنا، كما تفعل جميع جيوش العالم، أي أن نفكر كعالم واحد، بالفعل، لا عالم معولم بالقوة والغش والخداع؟

لا يوجد في نظري مبدأ آخر يمكن أن تبنى عليه إعادة النظر في النظام العالمي الراهن، أي في العولمة النيوليبرالية التي وضعت العالم في سفينة، ورمتها في بحر هائج، من دون قبطان، أو بأكثر من متنطع للقيادة، والسير في بناء نظام جديد يخرجنا من حالة التخبّط والعنف والفوضى وحروب التدمير المتبادل، غير مبدأ التضامن الإنساني الذي يمكنه وحده أن يغير من نظرتنا لأنفسنا وللحياة في المجتمع وللعلاقة مع الطبيعة ولمفهوم العمل والإنتاج والتقدّم والمدنية، ويدلنا على الطريق الصحيح لاستعادة إنسانيتنا المهدورة.

هل هذا حلم رومانسي. بالتأكيد، لكن الحلم الذي يملك أدوات تحقيقه يتحول إلى خيار واقعي، متى ما وجد من يؤمن به ويعمل من أجله. ولعل الجانب المضيء الوحيد في كارثة كورونا هو تذكيرنا بأنه لا خيار لنا سوى التعاون في مواجهة الكوارث المقبلة، لا محالة، في عالمنا الذي فقد وجهته وأضاع بوصلته، وأن الجهود المطلوبة للارتقاء بمستوى هذا التعاون تكاد لا تزن شيئا مقارنةً بتلك اللازمة لبث الذعر والهلع وكسر الإرادة المتبادل. أما البديل فهو من دون أدنى شك مزيد من التخبط والفوضى والأزمات والاختناقات والمواجهات الفاشلة.

باختصار، لن يغير وباء كورونا من سوء أحوالنا ما لم نغير نحن أنفسنا من أخلاقياتنا ونراجع خياراتنا.

===========================

موقفنا: السابع عشر من نيسان والجلاء المنتظر وأن نكف عن الاحتفاء بطوق عبوديتنا وخرزاته الخضر والصفر والحمر!!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

17/ 4/ 2020

ودفعناهم عن أرضنا ، ولكن بعد أن احتلوا عقول الكثيرين من أبنائنا وقلوبهم . ثم تمادوا أكثر بعد احتلال العقول والقلوب فاحتلوا إرادتنا وشلوا حركتنا ..ثم ازدادوا رجسا إلى رجسهم ، وزادونا من أمرنا رهقا ؛ حتى كان كثير منا لا قلب يعي ، ولا لسان يعبر . تقول العرب " المرء بأصغريه " وشرحها زهير بن أبي سلمى بقوله :

لسان الفتى نصف ، ونصف فؤاده ..فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

وزادها عمر بن أبي ريشة وضوحا وهو ينادي عليها :

أمتي هل لك بين الأمم .. منبر للسيف أو للقلم

واليوم نرقب المشهد : لا منبر للسيف ولا منبر للقلم ..

ويسألونني مستنكرين عليّ لمن لا تفتأ تكتب ؟! فأقول وأنا في يوم الجلاء : أكتب لنفسي ، ومن رابه فيما أكتب أكتب ريب فعصمته في يده ، حين يريد .

وأول الجلاء الذي ما زلنا ننتظر ... جلاؤهم عن عقولنا وقلوبنا ، ولن يتم ذلك إلا بتحريرنا إرادتنا، بمغالبة أو بمكاتبة ..

وثورات الرقيق في التاريخ وحول العالم كثيرة ومتعاقبة ومتعددة وأكثرها تعبيرا ثورة عبيد روما ضد روما ، سبارتاكوس ، الذي رفض أن يقتل أخاه في العبودية ليبهج السادة الفرسان الرومان ..!!

عرضا مررت ببرنامج فيصل القاسم هذا الأسبوع ، وهو قد أجلس على منبر قناة الجزيرة بوما ينعق : الحضارتان اللتان أسستا للسلام في التاريخ هما حضارة الرومان وحضارة الأميركان !! وسيقسم سبارتاكوس على صدق ما يقول . الرأي والرأي الآخر لا يعني أن توفر المنبر للأفاكين !!

ولم تتخل الولايات المتحدة عن ملايين عبيدها في القرن التاسع عشر ، حتى ضمنت هي وشركاؤها أنها قد وضعت يدها على رقاب البدلاء حول العالم من كل لون وجنس ..والأعجب أن كان أكثر عبيدها من بعد ، من " ولد إسماعيل "

وإن لم يستشعر العبد عبوديته فكيف يتحرر ؟!

وإن لم يكتشف السوريون أنهم مستعبدون طبق عن طبق فكيف يفلحون ..؟!

ويصادف اليوم السابع عشر من نيسان ..اليوم الذي طالما تغنينا به وغنينا فيه .

ولم يعرف السوريون بعدُ ؛ أنهم مستعبدون لطوائف من العبيد ، عبيد كلهم مستعبد لعبد ، والعبد مستعبد لثالث ، والثالث لرابع وهكذا حتى نصل إلى السيد الحر المختار، إلى فرعون الذي يظن أنه يصنع الأقدار ....

وأكثر حالات العبودية إغراقا فيها : عبد ولا يشعر أنه عبد ... عبد ويتباهي بعبوديته ، أنه خادم الدار ، أو عازف المزمار ، أو حامل البخور ، أو ساقي الخمر، أو ماسح الحذاء ، أو أنه المدير ، أو الوزير ، ورئيسه مع الرئيس ..

وكل هؤلاء في سلك العبودية سواء ، في دولة يحكمها عشرون مندوبا ساميا ، وكل هؤلاء ما زالوا يظنون أن لهم من الأمر شيئا !! في سياق واقعي أرضيّ نقول في مثله : إن الأمر كله لبوتين وللدهقان ..

والسابع عشر من نيسان

اليوم الذي ما زلنا ننتظره ..ونرجوه ، ونرجو أن لا يكون كصاحب السرداب ، فنظل ندعو له بتعجيل الفرج ، ويسر المخرج ..وهو مجرد وهم صنعه جهل الجهلاء ..

السابع عشر من نيسان ..

اليوم الذي كثيرا ما امتنوا علينا أنهم صنعوه ...فلما قاربناه وجدناه جلاء من شمع ذاب عند أول ضربة شمس ، أو قدحة نار ..

وحتى نصنع الجلاء ..يجب أن نصنعه أولا عن العقول والقلوب والإرادة ..علينا التوقف عن عيش الوهم ، عن انتظار المنتظر ، أو انتظار غودو الذي لن يأتي أبدا ، بل يظل يرسل وعده مع كل يوم إلى الغد ..

 وعلينا .. وعلينا .. وعلينا ن نكف عن الاحتفاء بطوق عبوديتنا بخرزاته الخضر والصفر والحمر .. فذاك على ما قالوا كان شأن العبيد !!

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

رؤساء الغفلة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 11/4/2020

ما أن اطلق موسادي إسرائيلي، اسمه إيلي كوهين، شائعة تدّعي أن بشار الأسد سيغادر موقعه في شهر يوليو/ تموز المقبل، حتى فُتح بازار الترشيح للرئاسة السورية، لأن من شاركوا في مزاده صدّقوا أن إسرائيل هي التي ستحدد مخرجات الصراع السوري، وليس واشنطن وموسكو، لذلك يعلن كوهين نهاية دوريهما بإعفاء الأسد من منصبه، بعد أن أنجز الأخير مهمته، ودمر دولة سورية ومجتمعها، وصار من الضروري البحث عن رئيسٍ آخر لسورية الجديدة: الإسرائيلية قلبا وقالبا. هذا الوهم، تنقضه الوقائع التالية:

أولا، لن تكون الخفّة التي تمليها النوازع غير الوطنية لدى كثيرين ممن يدّعون الانتماء إلى الثورة كافيةً لتمكين مُخبر إسرائيلي من تعيين أحدهم رئيسا لبلادٍ ثار شعبها لتكون إرادته الحرّة هي من يحدّد هوية وأدوار من سيتولون مسؤوليات عامة في دولةٍ تنهض على خياراتٍ وطنيةٍ حرة. لو رشّح "رؤساء الغفلة" أنفسهم قبل تفوّهات كوهين، لكان الأمر مقبولا. أما أن يندفع أربعة سوريين إلى ترشيح أنفسهم بإيماءة من موسادي إسرائيلي، أصدر أمرا بتعيين أحدهم رئيسا، فهذا يعني أنهم أصدروا حكم إعدام سياسي على أنفسهم.

ثانيا، مشكلة التمثيل القائمة لدى طرفي الصراع السوري، فلا الأسد يمثل الخاضعين لمخابراته، ولا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة يمثل سوريي المناطق الخارجة عن سيطرتها. هذه المعضلة التي لا يجوز التعايش معها بعد الآن، لا مفرّ من مواجهتها بأعلى قدر من المسؤولية الوطنية ونكران ذات، ونحن نقترب من مرحلة الحل التي طال انتظارها، ويحاول الموساد بث الاضطراب والبلبلة في صفوف الشعب والمعارضة، وفتح ميدانٍ للصراع على المناصب بين أشخاصٍ لا دور لهم في الثورة، ولا قدرة على الفعل والتأثير، لكنهم مؤهلون للتلاعب بالمسألة الوطنية، ولارتكاب جريمةٍ سياسيةٍ ضد شعبهم، بتنافسهم على دورٍ تافه، لكنه سيكون خطير النتائج، في حال استمرت هامشية المعارضة الشعبية وسلبيتها الوطنية، وتواصل تهجير السوريين وتجويعهم وقصفهم وقتلهم. ونجح الموساديون في العبث بما ضحّوا بكل شيء من أجله، وفي شرشحة المعارضة واختراقها، ودفعها إلى قلب أولوياتها رأسا على عقب، بالقفز عن مراحل الحل الدولي التي توافق العالم على أنها تبدأ بوقف إطلاق نار شامل، ثم بإحياء اللجنة التي ستضع دستورا جديدا يقره الشعب، قبل أن ينتخب رئيسا جديدا للجمهورية بإرادته الحرّة، وليس بقرار إسرائيلي يعلنه موسادي، يرمي ورقةً في ساحةٍ تعاني ما يشبه الضياع، فتعمق مشكلاتها، وتظهر أعداء الأسدية بمظهر جهاتٍ لا تني تنقسم فيما بينهم، تملك تل أبيب حصة فيها، وتلعب دورا هو الوجه السوري لسياساتها الذي يعزز فرصها، خصوصا إذا نجحت في تحويله إلى اختراق جدي ومؤثر في الحل القادم.

والآن: هل تتدارك المعارضة معضلة التمثيل التي تحمل مخاطر جدّية على حصة الشعب من الحل، وتبادر إلى تسويتها ولقطع الطريق على البدائل الإسرائيلية وغير الإسرائيلية؟ وهل تدرك المعارضة، أخيرا، أن عليها المسارعة إلى ردم الهوة بين السوريين، عبر حواراتٍ لا بد أن تنتهي بمصالحاتٍ وطنية، وبالتوافق على نمط دولتهم والمواقف الوطنية الجامعة التي تغلق الثغرات التي يتغلغل عبرها أعداؤهم إلى ثورتهم وقضيتهم؟

ثالثا، في صراع دولي وإقليمي وداخلي محتدم، كالصراع السوري، ليست إسرائيل من سيقرّر مآلاته النهائية. وليس التنصل المعيب والمدان من القضية الفلسطينية كافيا لخطب ودّها، ومع أن مصالحها ستؤخذ بالاعتبار في الحل، فإنها لن تكون الطرف الذي سيوزّع حصصه، وإن توهم "رؤساء الغفلة" أن الصهيونية تمسك بدول العالم، كبيرها وصغيرها، وبيدها حلول مشكلاته، ولذلك، لن يكون هناك دور للثورة السورية إلا الذي تريده تل أبيب!

أخيرا: إذا لم يكن لدى إسرائيل غير هؤلاء، يكون من واجبنا القول إن ثورة سورية ستكون بخير

===========================

هل سيكون العالم أكثر ديكتاتورية وتحكماً بالشعوب بعد كورونا وتكنولوجيا الجيل الخامس؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 11/4/2020

يقول المفكر الاقتصادي الأمريكي الشهير ميلتون فريدمان: «لا شيء يدوم أكثر من الإجراءات الحكومية المؤقتة».

في عبارة أخرى، فإن معظم التدابير، التي تتخذها الدول كإجراءات مرحلية في أوقات الكوارث والطوارئ والأزمات الكبرى تتحول إلى إجراءات دائمة، بعد أن تكون الشعوب قد تعودت عليها بسبب الظروف، التي فرضتها.

هل يا ترى تغيرت القوانين، التي أقرتها أمريكا بحجة أحداث الحادي من أيلول/سبتمبر، وكان لها أثر سيىء جداً على الحريات في الولايات المتحدة، أم إن تلك التشريعات ما زال معمولاً بها حتى الآن؟! لا بل تم تجديدها قبل أيام، بينما العالم وأمريكا خصوصاً غارقين في لجة الضجة العالمية حول وباء كورونا؟

لاحظوا لم ينتبه أحد عندما عمد الكونغرس الأمريكي إلى تمديد سريان القانونين الأمريكيين الشهيرين «باتريوت أكت» و«فيسا أكت»، وقد انتهت صلاحيتهما قبل أيام.

وكانت أمريكا قد فرضت القانونين، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر للسماح لأجهزة الإستخبارات الأمريكية بالتجسس على المواطنين الأمريكيين، دون الحاجة إلى إذن قانوني.

لقد عارض الشعب الأمريكي تلك القوانين في الماضي، لكن أحداث أيلول/سبتمبر جعلته يقبل بها، بحجة الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي.

في عبارة أخرى، لقد مضى على تلك الأحداث حوالي عشرين عاماً، وما زالت تلك القوانين – التي سموها مؤقتة وقتها- سارية المفعول، ويتم تجديدها بين الحين والآخر، دون حتى أن ينتبه إليها أحد.

تعالوا الآن إلى الإجراءات والتشريعات الجديدة، التي بدأت تظهر هنا وهناك في ما يسمى في العالم الحر، كأمريكا وأوروبا حجة التصدي لجائحة كورونا.

فقد مررت بعض البرلمانات الغربية قوانين استثنائية ديكتاتورية ولم ينتبه إليها أحد، لأن غالبية الشعوب مشغولة الآن بأمنها الخاص في مواجهة الوباء القاتل.

وغالباً ما يكون الخوف أفضل وسيلة تستغلها الحكومات لتمرير قوانينها. وبموجب التشريعات الجديدة التي لم تجد طريقها إلى وسائل الإعلام، فإن الشرطة وأجهزة الأمن وحتى الجيش سيكون لديهم صلاحية استثنائية غير مسبوقة من الآن فصاعداً بحجة مواجهة الأوبئة.

وقد منحت بعض الحكومات الغربية صلاحيات للشرطة في اعتقال أي شخص لا ينفذ الحجر الصحي، دون العودة للمحاكم والقضاة! هل سيتم إلغاء الصلاحيات الجديدة، التي تحصل عليها أجهزة القمع، بعد انحسار كورونا، أم سيتم تمديدها لاحقاً، بحجة أن الوباء يمكن أن يعود في أي لحظة؟

كتب أحد الصحافيين الغربيين ساخراً: «كيف استطاع هذا البرلمان الغربي أو ذاك أن يضع قوانين وتشريعات جديدة في مئات الصفحات في هذه السرعة الرهيبة؟». لا شك أن الأوقات الاستثنائية كالجوائح والأوبئة تتطلب إجراءات صارمة وقوانين استثنائية لمواجهتها، لكن السؤال: هل ستعود الحريات إلى طبيعتها بعد انتهاء الجائحة؟ لننتظر ونرى.

 

الأخطر في تكنولوجيا (الفايف جي) ليس الإشعاعات الخطيرة التي ترسلها أبراج الاتصالات، بل قدرة هذه التكنولوجيا الحديثة على مراقبة البشرية بطريقة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً

 

يرى مسؤولون أمريكيون وكتاب غربيون كثيرون أن ما نراه في الصين الآن من قوانين غير مسبوقة في مراقبة حركة الشعب وضبطه بالتكنولوجيا الحديثة، وخاصة في أزمة كورونا سنراها غداً في الغرب نفسه، خاصة وأن التقنيات الحديثة ستجعل الحكومات أكثر قدرة بعشرات المرات عن قبل في مراقبة الناس بطريقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. وهنا يأتي دور الجيل الخامس من الاتصالات اللاسلكية (فايف جي) الذي ذاع صيته في الأيام الماضية كأحد المتسببين في مرض كورونا.

وقد قام بعض الشبان في بعض الدول الأوروبية بحرق أبراج الاتصالات، بحجة أنها هي التي تسبب مرض كورونا عن طريق الإشعاعات، التي تصدرها، وهي ترددات قاتلة وتُستخدم عادة في الحروب ضد الأعداء.

وقد ادعى أحد العلماء الأمريكيين أن هناك الآن مئة ألف قمر اصطناعي في أجواء العالم لتشغيل تكنولوجيا الجيل الخامس، وهي التي ترسل إشعاعات خطيرة أدت إلى انتشار الوباء وليس الفيروس المزعوم.

لكن هذه الأطروحة ما زالت من هلوسات نظرية المؤامرة، ونفتها الحكومات في أكثر من مكان، لكن الأخطر في تكنولوجيا (الفايف جي) ليست الإشعاعات الخطيرة، التي ترسلها أبراج الاتصالات، بل قدرة هذه التكنولوجيا الحديثة على مراقبة البشرية، في طريقة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فبفضل هذه التقنية الرهيبة ستصبح أي حركة يقوم بها الإنسان في كل أصقاع المعمورة تحت المراقبة، وكل شيء سيصبح مبرمجاً عبر الصور والبيانات السريعة. مثلاً عندما يبدأ تطبيق تقنية (فايف جي) لم تعد تحتاج إلى طلب سيارة (أوبر) بالطريقة القديمة، بل يكفي فقط أن تنطق كلمة (أوبر) أمام جهاز الموبايل، فتعرف السيارة من أنت وأين تعيش وكل تفاصيل وجهك المسجلة لديها، فتأتي إلى المكان المطلوب في الوقت المحدد، فتركب أنت في السيارة، دون حتى التأكد من أي شيء، لأن كل شيء مبرمج لديك عبر جهاز الاتصال.

في عبارة أخرى سيكون هناك «سيرفرات» تسع مليارات «التيرابايت»، التي تسجل كل حركة يقوم بها الإنسان على وجه الأرض وتسجلها لديها.

والأخطر في تقنية (الفايف جي) الآتية أن العالم سيكون مراقباً بمليارات الكاميرات في كل مكان، وهذه الكاميرات لديها قدرة غير مسبوقة على التعرف على كل الوجوه في العالم. في الصين وحدها يوجد الآن حوالي مليار كاميرا تسجل حركة الناس بمجرد الخروج من بيوتهم، وتتعرف على كل الوجوه بسهولة فائقة.

وقد استخدمت الصين هذه التقنية في ضبط حركة الناس أثناء أزمة كورونا بفعالية مرعبة.

وبدأت منذ فترة في استخدام هذه التقنية لضبط السلوك الاجتماعي والسياسي في البلاد، فمن خلال تكنولوجيا المراقبة والتتبع، سيكون هناك لكل شخص سجل خاص تُدون فيه تصرفاته الإيجابية والسلبية، فإذا زادت تصرفاته الإيجابية يكافئونه بالنقاط، وإذا بدأ يتصرف ضد النظام الاجتماعي والسياسي يبدأون بمعاقبته، بحيث يحرمونه حتى من السفر أو من ركوب القطارات.

وهناك الآن ملايين الصينيين المحرومين من أبسط حقوقهم، بسبب تكنولوجيا المراقبة والضبط الحديثة. ويخشى مفكرون غربيون من أن ما يحدث في الصين الآن سينتقل إلى الغرب وبقية أنحاء العالم عاجلاً أم آجلاً.

كنا نعتقد أن التكنولوجيا الحديثة ستحرر البشرية، فإذ بها تتحول إلى أقوى سلاح في أيدي الحكومات لإعادة الشعوب إلى زريبة الطاعة!

رحبوا معنا بعالم جديد أسوأ بكثير من الذي بشر به جورج أورويل في روايته الشهيرة (1984) التي كتبها عام 1948. عالم جديد ستحصي فيه الحكومات أنفاس الشعوب، خاصة إذا ألغوا العملة الورقية بحجة كورونا واستبدلوها بالبطاقات، التي تحمل شرائح، تسجل عليك كل حركة تقوم بها وأنت جالس حتى في منزلك.

هذه الأساليب الشيطانية لم تعد من روايات وأفلام الخيال العلمي، بل سترونها قريباً في كل مكان، خاصة في عصر ما بعد كورونا. و«على دلعونا وعلى دلعونا»!

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com