العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19-01-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

النظام السوري من الداخل

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 15/1/2020

يتكشف يوماً بعد يوم حجم العفن والتفسّخ الذي تراكم -ولا يزال يتراكم- منذ بداية الثورة، هذا العفن الذي لن يكون ضرره وسلبياته وتداعياته على سوريا والسوريين وإنما على المنطقة، وربما العالم كله، ما دام العالم كله مرتبطاً ببعضه، ومصالحه وأخطاره يأخذ بعضها برقاب بعض، لا يمكن فصل بلد عن بلد ولا منطقة عن أخرى.

على الصعيد العسكري، يعاني النظام السوري نقصاً حاداً في وفرة القيادات والقوات المقاتلة على الأرض، بعد النزيف المتواصل لتسع سنوات استنزف قيادات أمنية وعسكرية للنظام، ولا يزال. وعلى الرغم من النقص الذي سعى النظام إلى تعويضه بجلب عصابات طائفية وميليشيات عابرة للحدود، فضلاً عن احتلالات متعددة؛ فإن النظام السوري لا يزال يعاني، لا سيّما مع رحيل معظم قياداته العسكرية والأمنية التي أرعبت السوريين لعقود، وحتى الشخصية الأخيرة العسكرية التي تبقّت للنظام، وهو سهيل النمر الذي يقود ما تُسمى بـ «قوات النمر» الموالية لروسيا، يشكك الكثيرون في وجودها أصلاً، ويتحدثون عن أنها البديل عن سهيل الحقيقي الذي قُتل قبل فترة ليست قصيرة.

قوات النظام السوري تفرّق ولاءها بين الروس والإيرانيين؛ فـ «قوات النمر» تابعة للقوات الروسية، بينما «قوات الفرقة الرابعة» و»الحرس الجمهوري» تابعة للقوات الإيرانية، وقد عانت الأخيرة فضائح عسكرية متراكمة أخيراً بالفشل الذريع الذي مُنيت به في جبهة كبينة على الساحل السوري؛ إذ إنها لأشهر تحاول يومياً اقتحام المنطقة بعد أن وصل عدد الاقتحامات أكثر من ثلاثة وأربعة اقتحامات يومياً، لكنها لم تحرز أيّ تقدم؛ ما دفع القوات الروسية إلى نقلها إلى منطقة حلب.

الأهم من هذا وذاك هو تحوّل قوات النظام السوري في اعتمادها في تمويلها على اقتصاد الحروب والمعابر، وهو ما ضرب تراتبية القيادة العسكرية وشتّت معه القرار العسكري وحتى ربما الولاء، وضرب معه الاقتصاد السوري، وخلق اقتصادَ ظلٍّ واقتصاداً سرياً تحت الأرض، يدفع ثمنه التجار الحقيقيون والشعب السوري بشكل عام. فمثلاً التاجر الذي يستورد بضائعه عبر ميناء طرطوس اليوم، لا يستطيع أن ينافس البضائع التي تأتي بها قوات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري من تركيا عبر معابرها الخالية من الجمارك المفروضة على التاجر الذي يأتي ببضائعه من طرطوس، وهو ما يعني انتعاشاً ورواجاً لبضائع الفرقة الرابعة وكساداً للتاجر الحقيقي الذي يجلب بضائعه عبر الموانئ «الشرعية».

الاحتراب بين الموالين لإيران والموالين لروسيا في المعارك التي يخوضونها ضد الثوار، تقابله وحدة في قيادة الثوار اليوم، ممثلة بغرفة «الفتح المبين»، والتي تتواصل منذ عامين تقريباً. ولعلّ مقتل قاسم سليماني -قائد «فيلق القدس»- سيلقي بظلاله وتداعياته على الميليشيات الطائفية التابعة له، والتي تدين في الغالب لشخصه بالولاء؛ كونها تفتقر إلى الولاء المؤسساتي كحال الكتائب والفرق النظامية.

التفسخ الاقتصادي الحاصل داخل النظام السوري؛ من انهيار العملة وغلاء الأسعار، بالإضافة إلى عودة الحراك من جديد إلى درعا وتململ في الجزيرة السورية، كلها أمور تزيد الأعباء على النظام ومؤيديه وأسياده، والأهم من ذاك كله هو الحراك الذي يجري في العراق ولبنان وإيران، وهي الدول التي تشكّل خزانه الميليشياوي وخزان دعمه العسكري والسياسي والمالي والدبلوماسي؛ الأمر الذي سيزيد من تعفّنه وتفسّخه، مما سينعكس سلباً على المنطقة والعالم كله، وبمقدار استمرارية بقاء النظام سيكون ضرر رحيله على المنطقة -وربما العالم- في ظل إصرار شعبي سوري على المضي قدماً بالثورة رغم كل هذه التكلفة.

===========================

موقفنا : حكم الجيوسياسة لك وعليك ... وكل الشكر لمن خلطونا بالنفوس وألجؤوا إلى حجرات أدفأت وأظلت

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 1/ 2020

منذ سنوات خلت صرحت ميركل : بأن ألمانيا ليست العربية السعودية وأجبنا عليها بما اقتضاه المقام . مع الاعتراف باليد لكل صاحب يد ..

ومنذ أيام ، وأنا مريض متعب ، تابعت التقرير نفسه على لسان من لا يجوز عليه من ما جاز على مثل ميركل ، فقلت : وا عجبي ، و هل ما رددنا به على ميركل يرد به على مثلك يا جار ..؟!!

وكان قد شاع في الفضاء الإعلامي منذ شهرين مقابلة مع ماروني لبناني عاقل حصيف من الطراز الأول القديم ، تحدث فيه بكل الواقعية والصدق عما يجري في منطقتنا فقال بلغة من البيان والتفصيل : إن الديموغرافيا هي التي في النهاية تنتصر .. من لم يسمع منكم التسجيل فليلتمسه فإنه نفيس . .

وها أنا اليوم أعيد وعلى نفس الطريقة فأقول : الديموغرافيا تنتصر والجيوسياسة تحكم .

وبمعنى أن للجار حقا على الجار ولو لسابع دار . وقول القرآن الكريم ( وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) أعط حق الجوار والحماية والتناصر ضد الخوف والجوع وضد الحريق والغريق للجار وإن بعد . الجار الجُنب ، الجار البعيد وصل به البعض في العد إلى الأربعين على الصعيد الفردي ، وربما تكون حماة جارة تركية على الصعيد الجماعي . فماذا تقول عن إدلب وحلب وإنما هي عن جوارها رمية حجر ..

وفي نظام الشريعة الإسلامية حق خاص ينظمه قانون يسمى حق " الشفعة " يضبط العلاقة بين الجارين في بيع وشراء العقار المصاقب أو البناء عليه أو فيه .. ، أو ما يسمى حق الارتفاق .

وكما نقول حسب قانون الجيوسياسة / الجغرافية السياسة / للدولة التركية حقوق في الأرض السورية لحماية أرضها ومواطنيها فإن الذي يمنحها الحقوق يفرض عليها في الوقت نفسه واجبات ، وهذا يتعلق بكل جار مثل العراق والأردن ولبنان وجيران ما وراء المتوسط .... حقوق تفرضها الجيوسياسة وافق عليها ميشيل عون وجبران باسيل أو أبوا .. وأنا هنا لا أتحدث عن تقصير وإنما أذكر من نسي بحديث هو من علم الأمس واليوم ..

في الآداب الإسلامية العامة المقررة : ولا يمنع الجار جاره من غرز خشبته في جداره ، وهذا نوع من اتكاء الجار على جاره . وفيها ولا يستطيل عليه في البناء ليحجب عنه الريح . ومن جميل حضارتنا : أن جارا أراد أن يطلي جدار بيته فذهب إلى جاره ، وقال له يا جار إني أردت أن أطلي جدار بيت ، وعلمت أنك ستراه أكثر مني ، فانظر أي الألوان أحب إليك حتى أطلي به ..!!!

الشكر للملا على المدى ..

الشكر لكل من تبسم في وجه لاجئ ..

ولا أجد بابا للشكر أطرق به باب الأردني والتركي واللبناني الصالح الذي أعطى فما أكدى أجمل مما قاله طفيل الغنوي وقد زلقت بقومه النعل فزلت فتحولوا إلى لاجئين فقال يشكر .. وما شكر الكرام مثل كريم :

جزى الله جعفرا حين أزلقت

بنا نعلنا في الواطئيـن فزلت

همُ خلطونا بالنفوس وألجؤوا

إلى حجرات أدفأت وأظلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنـا

تلاقي الذي يلقون منا لملت ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

واشنطن وطهران.. قواعد الحرب والسياسة

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 14/1/2020

بضعة صواريخ أميركية من طراز HELLFIRE R9X أنهت أسطورة قاسم سليماني في العالم العربي. وفي المقابل، بضعة صواريخ إيرانية أنهت أسطورة الولايات المتحدة التي لا يستطيع أحد ضربها.

قد تبدو هذه السطور القليلة تعبيراً عن واقع الحال، أو تعبيراً عن قواعد الحرب والسياسة بين الولايات المتحدة وإيران. الرد الإيراني ليس عابرا بلغة الحرب والسياسة، فقاعدة عين الأسد تحتوي على مدرج للطائرات ورادار عملاق يغطي الأراضي العراقية والسورية حتى فلسطين، إضافة إلى أجهزة اتصالات وتجسّس كبيرة، وهذه جميعها دمرت. ولكن التدقيق في التطورات الأخيرة كفيلٌ برفض هذه المعادلة، فالضربة الإيرانية ليست تعبيرا عن تغييرٍ في قواعد اللعبة، كما ذهب بعضهم، حين اعتقدوا أن الصواريخ الإيرانية على قاعدتين أميركيتين (عين الأسد/ كامب كابكيك في الأنبار وقاعدة إربيل) هي الأولى من نوعها ضد الولايات المتحدة منذ هجمات بيرل هاربر عام 1945، وبالتالي نجحت إيران في فرض سيمفونيتها وحضورها في وجه الولايات المتحدة.

هناك فرق كبير بين هجمات بيرل هاربر وهذه الهجمات الإيرانية، ليس على صعيد حجم القوة العسكرية المستخدمة فيهما، وإنما في أن اليابان تعاملت مع الولايات المتحدة ندّا عسكريا في الحرب العالمية الثانية، وكان هدف هجمات بيرل هاربر تدمير القوة العسكرية البحرية 

"الهجمات الإيرانية على القاعدة الأميركية في العراق بحكم الاضطرار الاستراتيجي، وليس الاختيار"الأميركية وشلّها، وإخراجها من معادلة الصراع الدولي. وفي الحالة الإيرانية أخيرا، كانت الهجمات على القاعدة الأميركية في العراق بحكم الاضطرار الاستراتيجي، وليس بحكم الاختيار الاستراتيجي، بمعنى أن قتل قاسم سليماني أجبر أصحاب العمائم في طهران على الرد، وإن لم يفعلوا ذلك سيكونون كمن يُفرد السجاد الأحمر أمام الأميركيين للمضي في تنفيذ هجمات أوسع وأخطر.

ومن هنا، الرد الإيراني هو المغزى والهدف الاستراتيجي، بغض النظر عن طبيعة الرد وحجمه، فليس المطلوب توجيه ضرباتٍ تؤذي الأميركيين وتهدّدهم، فهذا مستحيل، وغير قابل للتحقيق. كانت الرسالة الإيرانية محصورة فقط في إبلاغ واشنطن بقدرة طهران على الرد، وأن كل فعل سيُقابل برد فعل، وإن لم يكن بالقوة نفسها وبالاتجاه نفسها.

كتب وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في تغريدة "لقد اتخذت إيران واستكملت إجراءات متكافئة في إطار الدفاع عن النفس، بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، من خلال استهداف القاعدة التي شنّت منها هجمات ضدّ مواطنينا وضباطنا رفيعي المستوى، ونحن لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب، لكننا سندافع عن أنفسنا ضد أي عدوان".

هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ نعم، انتهى عند حدود المناوشات العسكرية المباشرة المحصورة ضمن معادلة الردع والردع المضاد.. تؤكد كلمات ظريف ذلك، كما كلمات ترامب الذي ترك الخيار السياسي والاقتصادي مستمرّا في الصراع. ولكن هذا الصراع لم ينته على مستوى 

"الصراع لم ينته على مستوى الكباش العسكري غير المباشر بين الجانبين"الكباش العسكري غير المباشر بين الجانبين، فالطيران الأميركي ـ الإسرائيلي استأنف ضرباته ضد فصائل الحشد الشعبي، ويؤكد ذلك استهداف كتائب الإمام علي على الحدود العراقية ـ السورية.

واضحٌ أن الإدارة الأميركية ستواصل عملية تحجيم القوة العسكرية الإيرانية، بضرب أدواتها العربية، سيما في العراق، حيث الحضور الإيراني الأقوى في العالم العربي، وحيث الحضور الأميركي الأقوى أيضا في العالم العربي. وعلى الأغلب، ستشهد المرحلة المقبلة عملية تصعيد من الجانبين، تأخذ بالاعتبار عدم الإنجرار إلى المغامرات الكبرى التي قد تؤدي إلى خطر الانزلاق نحو حربٍ مفتوحة.

تؤكد التصريحات القادمة من المحور الإيراني أن محاربة الوجود الأميركي في المنطقة قد بدأت، أي أن محاربة الوجود الأميركي لن تكون بأدوات إيرانية مباشرة، وإنما عبر "المقاومة" المحلية في العراق، وإن لم يذكر اسم العراق مباشرة. والمرجح أن سورية ستكون خارج إطار الصراع هذا، أو على الأقل الساحة الفرعية لهذا الصراع، لأسبابٍ كثيرة، وربما ليس مصادفةً 

"الإدارة الأميركية ستواصل عملية تحجيم القوة العسكرية الإيرانية، بضرب أدواتها العربية، سيما في العراق"أن يأتي الرئيس الروسي، بوتين، إلى دمشق بعد مقتل سليماني، لبعث رسائل إلى إيران والولايات المتحدة، بأن سورية محمية روسية لن يسمح بتحويلها باحة للمعارك.

لم يكن اغتيال قاسم سليماني من أجل درء خطر محتمل، فهو على رأس عمله منذ سنوات طويلة، وكان في وسع الولايات المتحدة قتله قبل زمن طويل، أي قبل أن ينجح في التمدد داخل العراق وسورية واليمن، ويشكل قوىً محليةً أصبحت رقما صعبا في إطارها الجغرافي.

تتجاوز عملية القتل المستهدف، في حالات معينة، الأفراد المستهدفين بالقتل، حيث يتحولون إلى هدف سياسي، لا إلى هدف عسكري، وهذا ينطبق على سليماني تماما، فعلى الرغم من أهميته العسكرية، إلا أن قتله كان لأهداف سياسية.. إنها رسالة أميركية مفادها بأن واشنطن لن تسمح لإيران بتجاوز الخطوط الحمر في المنطقة.

===========================

===========================

الخطأ البشري ونهاية الكذبة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 13/1/2020

ليس لأن إسرائيل تهوج وتموج احتجاجاً على مشروع إيران النووي؛ وما لنتنياهو تلك المصداقية عندما يسوق الحجج لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي؛ وليس لأن أمريكا انسحبت من الاتفاق النووي الإيراني، ووضعت شروطاً قاسية على ذلك البرنامج فسرها البعض ابتزازا سياسياً؛ ولا لاعتراضات بعض الدول التي رأت في برنامج إيران النووي جزءاً من مشروعها التوسعي والخبيث، منطلقةً من خلفيات تنافسية وغيرة سخيفة؛ بل لأن إيران ذاتها، والعقلية الخمينية ذاتها غير مؤهلة؛ ولا تؤتمن على هكذا تقانة تحيي وتميت، لا كأي تقانة أخرى.

يأتي الحدث الصارخ على عدم أهلية إيران بإسقاطها الطائرة المدنية الأوكرانية وقتل ركابها الـ 176، واعتذارها بأن ذلك كان "خطأً بشرياً". فإذا سلّمنا بأن إسقاط الطائرة الأوكرانية كان بقصد بشري (كما تسربت بعض الروايات بأن ضباطًا إيرانيين كانوا هاربين خارج إيران على متن تلك الطائرة، وأن السلطات الإيرانية اكتشفت ذلك، وطلبت من الطيار العودة، ولم يستجب، فقامت بقصف الطائرة)، فتلك مصيبة؛ وإن كان إسقاطها نتيجة خطأ بشري غير مقصود، فتلك مصيبة أكبر وأخطر.

الأولى ممكنة؛ لأنه لا قيمة للحياة البشرية في دولة الملالي، والدليل على ذلك مئات آلاف الأرواح البشرية التي تسبب قادة إيران بزهقها داخلاً وخارجاً. أما الاحتمال الآخر فهو الأكثر رجحاناً، والسبب في ذلك أن الحصار الخانق المفروض على إيران قد حال دون أي تطوير لمنظومة الملاحة الجوية، وحرمها من توفر التقانات العلمية الفنية والتدريبية العالية في هذا الميدان، حيث تحتكره ذات الدول التي تفرض المقاطعة عليها.

لن تفيد تبريرات الأركان العامة الإيرانية بأنها ظنت الطائرة هدفاً معادياً على شاشات راداراتها، أو أن إيران كانت تحت تهديدات أمريكية - في محاولة لتحميل أمريكا مسؤولية كارثة الطائرة-. فمَن جلب تلك التوترات أو التهديدات هو السياسات الرعناء العدوانية لجمهورية الملالي تجاه محيطها والعالم. ولن يفيد أيضاً تصريح الرئيس روحاني بأنه سيعوض على الضحايا؛ بل يفيد فعلاً ما قاله حول عدم تكرر هكذا خطأ عبر تأهيل وتدريب تلك الطواقم في الملاحة الجوية وأرصادها وراداراتها وتقاناتها؛ والأهم وقف استعدادية القتل والشر والاستنفار والحرب في نفوس وعقول هؤلاء.

من جانب آخر يبقى ميدان الملاحة الجوية وتقاناته أقل خطراً بألف مرة من التقانات والخبرات العلمية العالية المطلوبة للتعامل مع المشروع النووي. لا يفيد ملالي إيران حديثهم بأن مشروعهم النووي سلمي، ولا نهج "التقية" بتلك الخطورة عند غياب المعرفة العلمية التقانية التي تؤدي إلى كوارث. لا تزال كارثة مفاعل تشرنوبل 1986 تشكل شبحًا مرعباً لعالمنا. ما تسبب بتلك الكارثة النووية كان خطأً في التصميم وغباءً بشرياً في التشغيل. وكان وراء ذلك السلوك العبثي للاتحاد السوفييتي الأمر الذي عرّضه لعزلة وعقوبات ومقاطعة؛ ما أدى إلى انهيار بالتدريب والمعرفة التقانية. وهذا بالضبط ما تعيشه إيران اليوم.

هذا "الخطأ البشري" الإيراني ليس الأول، ولن يكون الأخير؛ وسيكون كارثياً على البشرية؛ وخاصة إذا ما امتلكت إيران النووي. القضية ليست أمريكا أو إسرائيل أو دول الخليج العربي، إنها مسؤولية دول العالم وشعوبها

فإذا كانت تلك المعرفة والتقنية الروسية تتجاوز ما لدى إيران، وحدث ما حدث في مفاعل تشرنوبل، فما الذي نتوقعه من عصابة امتهنت المكابرة والكذب والتقية؟ قد تنفع إيران هذه الأدوات الرخيصة الإجرامية؛ ولكن في عالم العلم والتقانات لا مكان لها. وإذا كان إسقاط طائرة مدنية لخلل بشري؛ فأي كارثة ستحل بمنطقتنا وبالعالم إن وقع ذلك الخطأ أو الخلل البشري على صعيد نووي؟!

المشكلة في مشروع إيران النووي لا تكمن بكونه حربياً أو سلمياً كما ذهب المدافعون عن حق امتلاك إيران للطاقة النووية؛ حيث كانت مرافعتهم بأن إيران تعهدت بأن يكون مشروعها سلمياً؛ واستشهدوا بمقولة الخميني إن القتل حرام بالسلاح النووي؛ ولم تعد حيثيات التباين في الموقف الأوربي والأمريكي تجاه الموضوع ذات قيمة، إذا كان هذا النوع من التقانات- حتى ولو سلمية- مقبول أن يكون بأيدٍ غير خبيرة، وغير مسؤولة، وجاهزة أن تلجأ بكل بساطة واستخفاف إلى حجة أو ذريعة "الخطأ البشري" عند وقوع مكروه. هذا "الخطأ البشري" الإيراني ليس الأول، ولن يكون الأخير؛ وسيكون كارثياً على البشرية؛ وخاصة إذا ما امتلكت إيران النووي. القضية ليست أمريكا أو إسرائيل أو دول الخليج العربي، إنها مسؤولية دول العالم وشعوبها.؛ فهم ليسوا فقط أمام سلطة مارقة بل متخلفة أيضاً. من فشل في إدارة تقانات صاروخ أو تعامل عشوائياً وبجهل مع تقانات بالية؛ وبُرمِج عقائدياً وأيديولوجياً أن يستهين بالحياة البشرية كرمى لعيون الخامنئي والمهدي المنتظر لا يؤتمن على تقانات نووية حربية كانت أم سلمية. سيكون "الخطأ البشري" أساساً في ممارسة التقية. لا بد لهذه الكذبة من نهاية..

===========================

الجامع الأموي بين طهران وموسكو وأنقرة

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 13/1/2020

من المحتمل أن زيارة بوتين المفاجئة إلى دمشق، يوم الثلاثاء الماضي، لم تكن مدرجة على جدول أعماله، بل تم اقحامها قبيل زيارته المعلنة إلى إسطنبول، في اليوم التالي، بعد التطورات التي شهدها خط التوتر العالي بين واشنطن وطهران منذ اغتيال قاسم سليماني ومهدي المهندس وصحبهما قرب مطار بغداد صباح الثالث من الشهر الجاري.

يمكن فهم الرسالة الموجهة إلى طهران، بواسطة زيارة دمشق الاستعراضية، من خلال ردة الفعل الإيرانية الغاضبة التي جاءت على لسان عضو مجلس الشورى علي مطهري الذي قال: "سلوك الرئيس بوتين في زيارته إلى سوريا كان مهيناً مثل زيارتي ترامب إلى كل من أفغانستان والعراق. فبدلاً من زيارة الأسد في مقر إقامته، جلس بوتين في القاعدة العسكرية الروسية في سوريا كي يلتقيه. قدم الآخرون الشهداء، وروسيا المستفيدة".

أفترض أن مطهري أراد بهذا الكلام أن يغطي على السبب الحقيقي لامتعاض القيادة الإيرانية من الزيارة. فما همّ إيران من الطريقة المهينة التي عامل بها بوتين تابعه الأسد باستدعائه إلى القاعدة الروسية؟ أما استفادة روسيا من "تضحيات" إيران أو "شهدائها" فهي صيغة متفق عليها سلفاً حين ذهب قاسم سليماني شخصياً إلى موسكو، في 2015، طالباً من بوتين التدخل من أجل إنقاذ نظام بشار الكيماوي بعدما فشلت إيران بمفردها في هذه المهمة. فكانت الصيغة المتفق عليها هي مشاركة روسيا جوياً والميليشيات الإيرانية براً. فلا جديد إذن في استفادة روسيا مقابل استشهاد "الآخرين" كما قال مطهري.

أما الجديد الذي أثار الامتعاض فهو إجراء هذه الزيارة غير المسبوقة، بعد أيام قليلة على اغتيال قاسم سليماني، وكأن بوتين مستعجل على وضع اليد على تركة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، مستثمراً في العملية الأميركية لاغتياله أكثر من استثماره في "دماء الشهداء" المزعومين. فقد سبق لبوتين أن زار سوريا مرة واحدة، في العام 2017 وبالطريقة المهينة نفسها لبشار الكيماوي، ولكن في قاعدة حميميم العسكرية الروسية قرب اللاذقية، وليس في العاصمة دمشق. أما هذه فقد كانت حكراً على قاسم سليماني الذي كان يمر بها كلما احتاج الأمر، فيعطي تعليماته السياسية والعسكرية لبشار ويتابع طريقه إلى بيروت أو بغداد أو طهران.

إذن يبدو المشهد بكل عريه أمام الإيرانيين على النحو التالي: لم يكد بوتين يصدق مقتل سليماني حتى قرر زيارة دمشق التي يتوق إليها منذ سنوات! فالعقبة تمت إزالتها من قبل أحمق واشنطن الذي هاجت عليه المؤسسة الحاكمة وحاصرته وكالة الاستخبارات الأميركية، بسبب قرار تصفية سليماني، وسحب منه مجلس النواب صلاحية إعلان الحرب! في حين هبط بوتين بسلاسة في دمشق واستدعى بشاراً ليرافقه في زيارته إلى المسجد الأموي نكايةً بولي الفقيه!

وكانت الرسالة الثانية إلى أنقرة. قدم الصحافي مراد يتكين قراءة لافتة لزيارة بوتين إلى دمشق، حملت هذا العنوان المثير: "لم يتمكن أردوغان من زيارة الجامع الأموي، بوتين فعلها!" في إحالة إلى توعد أردوغان، في العام 2012، وكان رئيساً للوزراء، بالصلاة في المسجد الأموي في دمشق، بعد سقوط نظام بشار طبعاً. واستعاد يتكين كلام أردوغان في اجتماع عقد في مقر قيادة حزب العدالة والتنمية، في 5 أيلول 2012، وضم المجموعة البرلمانية الموسعة لنواب الحزب، حيث قال: "هناك وفد من حزب الشعب الجمهوري سيزور دمشق غداً، سوف ترون أنه لن يلقى الترحيب هناك. أما نحن، فسوف نزور دمشق في أقرب وقت حيث سنتعانق مع إخوتنا هناك. إنه يوم قريب إن شاء الله. سوف نقرأ الفاتحة عند ضريح صلاح الدين الأيوبي، ونؤدي صلاتنا في المسجد الأموي. وسندعو لإخوّتنا بحرية عند أضرحة بلال الحبشي وابن عربي، وفي المدرسة السليمانية ومحطة الحجاز"

يشير يتكين إلى أن وزير الخارجية آنذاك أحمد داوود أوغلو (رئيس حزب المستقبل الآن) كان قد زار دمشق والتقى ببشار الأسد، في تموز 2011، وعرض عليه إدخال عدد من أركان جماعة الإخوان المسلمين وزراء في الحكومة، بهدف إنهاء "الأزمة". وإذ رفض الأسد هذا الاقتراح، توقع داوود أوغلو أن يسقط النظام خلال ستة أشهر كحد أقصى.

"الواقع أن نظام بشار بقي ولم يسقط، على رغم دمار البلد ومقتل مئات آلاف السوريين وفرار الملايين إلى الدول المجاورة" يعلق يتكين ثم يضيف: "علينا الإقرار بأن بوتين – تلميذ حيدر علييف في جهاز الاستخبارات السوفييتي – هو فنان بارع في الحرب النفسية. استعراض القوة الذي قام به في دمشق، عشية زيارته إسطنبول للمشاركة في افتتاح خط نقل الغاز الروسي (التيار التركي) كان للضغط على أردوغان في موضوعات خلافية في سوريا وليبيا والعراق".

الرسالة الثالثة هي إلى الأميركيين، ومن ورائهم المجتمع الدولي: روسيا هي صاحبة اليد الطولى في سوريا، وحدها من غير شراكة حتى مع طهران! ومصير بشار الأسد هو في يد بوتين الذي يقرر وحده متى يمكن ويجب الاستغناء عن خدماته.

بالنسبة للإيرانيين، ليس جديداً عدم اكتراث موسكو بصراعاتهم الخاصة التي تقع خارج إطار الشراكة الروسية – الإيرانية – التركية. فلطالما غضت موسكو النظر عن الهجمات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية في سوريا. موقف موسكو من اغتيال سليماني منسجم مع هذه السياسة الروسية: حلوا مشكلاتكم مع الأميركيين بأنفسكم.

أما بالنسبة لتركيا، فما زالت السياسة الروسية قائمة على منح الرئيس أردوغان فرصاً إضافية ووقتاً إضافياً بانتظار الحسم في المستقبل. في هذا الإطار يأتي قرار وقف إطلاق النار في كل من إدلب وليبيا. وذلك بسبب مراهنة بوتين على مزيد من إبعاد أنقرة عن حلفائها الأطلسيين.

===========================

رسائل بوتين من دمشق

عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 13/1/2020

لم تكن سورية ضمن مخططات الرئيس الروسي بوتين للزيارة. كانت وجهته تركيا، ولافتتاح خط الغاز الجديد إلى أوروبا، ومناقشة قضايا تخص البلدين. جاء موت قاسم سليماني، ليقضي بسببه بوتين عدّة ساعات في سورية. الوقت هذا، تكثر فيه الأعياد، والطقس يعدُّ لطيفاً قياساً بروسيا، وهي مناسبةٌ لتفقد الجامع الأموي وبطريركية الروس الأرثوذكس وحارات دمشق القديمة. حط رحاله في مركزٍ للقوات الروسية، ولم يذهب إلى القصر الجمهوري، كما لم يفعل في زيارةٍ سابقة، حينما ذهب إلى قاعدة حميميم. رسالة بوتين في زيارتيه: إن سورية إقليم من أقاليم روسيا وليس أكثر. زيارته الحالية، هي بمثابة إعلان واضح، وللعالم بأكمله، أن سورية ليست مجال تنافسٍ مع الدول، وعلى نظام دمشق بالتحديد أن يفهم ذلك، وعلى هذه الدول التفاوض مع بوتين لترتيب شؤونها ومصالحها في هذا البلد، ومنها بالتأكيد إيران.

سلطة إيران في موقفٍ لا تُحسد عليه؛ فهي مرفوضة إقليمياً وعالمياً وداخلياً، تجدّدت الاحتجاجات الرافضة لنظام ولي الفقيه وحرسه الثوري، وكل ما جنته في سورية مهدّد بالتلاشي، وعنوان ذلك هزال الانتقام لرجلها الثاني، وتصاعد صيحات الانتقام تلك ثم خمودها. دلالة ذلك واضحة، أن إيران انكشفت كما لم تظهر من قبل، حيث صواريخها البالستية رديئة، وقوة مليشياتها لا يهابها أحدٌ، وتحديداً في العراق ولبنان، وبالتالي، ما طالبت به شعوب المنطقة والعالم في طريقه ليتحقق، أي إعادة إيران إلى دولةٍ ضمن حدودها الجغرافية، وضرورة تغيير النظام فيها. التقط بوتين اللحظة هذه جيداً، وأعلن، من دمشق، أن أوهام إيران بالبقاء في 

"سلطة إيران في موقفٍ لا تُحسد عليه؛ فهي مرفوضة إقليمياً وعالمياً وداخلياً"سورية ستنتهي، وليس من طريقٍ بريٍّ إلى المتوسط عبر سورية، والدول التي تقصف المواقع العسكرية الإيرانية عند الحدود العراقية السورية ستستمر بذلك؛ الأهم ألّا يستمر النظام السوري بشرعنة وجود إيران في سورية. النظام الذي يحاول معرفة سياسات إيران تجاهه، بعد موت راعيه سليماني، وصلت إليه الرسالة من روسيا، وبالتالي لا فائدة حقيقية من عقليته القديمة في اللعب على الحبلين، وعليه الانصياع للروس فقط؛ هل يفهم الرسالة الروسية جيداً؟

لا يقضي رؤساء الدول أغلب وقتهم في أقاليم دولهم، وليس لديهم الوقت لهذا الأمر من أصله. تتعامل روسيا مع النظام السوري بهذا الشكل؛ فجيشها موجود في كل المدن السورية، وهي تغيّر وتبدّل من تركيبة النظام بكليته وبدءاً بالجيش وأجهزة الأمن، وفي الاقتصاد هناك اتفاقيات ومعاهدات تنظم مصالحها، ودبلوماسياً، هي من تقود المعارك في مواجهة أميركا والعالم، ومنذ 2011. لهذا كله، لم يتعامل بوتين مع النظام كندٍ له، وزار سورية من دون بروتوكول دبلوماسي، وحدّد هو مكان إقامته وأماكن زيارته، وأحاطه جنوده حيثما تحرّك بالأمان؛ بوتين لا يزور سورية، إنه يُلقي الأوامر فيها، ويغادرها سريعاً.

هناك قضية يناقشها السوريون كثيراً: ماذا بقي من النظام السوري؟ لا يعدو أن يكون هذا النظام أداة بيد الروس، والهدف منه: إحكام القمع ونهب بقية الثروة السورية، ومنع تجدّد 

"لم يتعامل بوتين مع النظام كندٍ له، وزار سورية من دون بروتوكول دبلوماسي"المظاهرات أو أي حراك مجتمعي قد يرفض الوجود الروسي، وضمن ذلك تضغط روسيا من أجل تحصيل المليارات من النظام، وربما جدّد بوتين ذلك بزيارته الأسبوع الماضي.

أصبح الشعب السوري أمام قضية في غاية التعقيد، فهو أمام احتلال كامل، وأمام دولة لا تعترف بالنظام الاستبدادي الذي يتحكم فيه؛ بوتين بذلك لا يعترف بالنظام ولا بالشعب، وقد همشهما، ويقود طاقمه الدبلوماسي المداولات العالمية بخصوص سورية، ويتعامل مع الأخيرة ضمن سلة قضايا، وليس بشكلٍ مستقل. بوتين محق بذلك، فلماذا سيعزل سورية عن جملة مصالحه العالمية؟ وربما يؤجل التفاوض الحقيقي عليها، ليتمكن أكثر فأكثر في ليبيا ومصر مثلاً، وسواهما، وبذلك يعقد صفقة كبيرة مع أميركا وأوروبا. تركيا وعلى الرغم من خلافها مع روسيا بخصوص ليبيا، وبعض القضايا السورية، هي ليست في خلاف كبير معها، والاثنتان في حاجة متبادلة. أما إيران فتزداد عزلةً وهامشيةً، وتزيد من ذلك كثرة العقوبات عليها وتجدّدها. وبخصوص إسرائيل، فليس من خلافٍ يعتدّ به معها، وعناصر التقارب بينهما كبيرة، أولها، السماح لها بفعل ما تراه مناسباً لأمنها في سورية، وهي لا تتردّد، فتقصف وتدمر وتقتل. أميركا وأوروبا هما الأساس، وعلى مواقفهما تتحدّد مواقف الخليج، وعدا أن الأخير يتقارب تباعاً مع روسيا، وصفقات السلاح تجسد ذلك.

فكرة أخيرة لا يتم تداولها كثيراً بين السوريين، حيث أوضحت أعلاه أن روسيا همّشت النظام والمعارضة، وأن مصالحها ستتحقق في سورية، في ضوء ذلك التهميش والإنهاك الكبيرين 

"الشعب السوري أمام احتلال كامل، وأمام دولة لا تعترف بالنظام الاستبدادي الذي يتحكم فيه"للسوريين وغياب استراتيجية وطنية وقوى وطنية فاعلة. وبالتالي، أية صفقة سياسية، ستتضمن الحفاظ على مصالحها وإشرافها على سورية المستقبلية. تتعامل روسيا مع سورية بوصفها إقليما ملحقا بها، وبالتالي الآلية الوحيدة للتعامل معها اعتبارها احتلالا، وتحميلها مسؤولية ما فعله في سورية، ورفض اعتبارها دولةً ضامنة لتحقيق الاستقرار في سورية، كما فعلت المعارضة عبر مسارات روسيا للحل في سورية، أي عبر "أستانة" وخفض التصعيد و"سوتشي" واللجنة الدستورية، والموافقة على دورها العالمي في كل ما يخص الوضع السوري.

هناك سياساتٌ عالمية جديدة، وتُختصر بتنافس الدول العظمى على العالم المتخلف والمهمش. تتحرّك روسيا وفقاً لذلك، وكذلك بقية تلك الدول، وبالتالي يقع على الشعب السوري وبقية الشعوب التي تخضع أو ستخضع لذلك التنافس التفكير جديّاً بمستقبلها، وكيف ستخوض نضالاً وطنياً واجتماعياً، يحقق لها مصالحها ضد أنظمتها وضد تلك الاحتلالات؛ القضية هذه أصبحت مجسّدة بأسوأ الأشكال في سورية، حيث تفكّك النظام، وظهرت قوى مجتمعية تعمل بدورها مع الاحتلالات، وبالتالي أصبح الشعب أمام قضايا مركبة: تبدأ ببقايا النظام، والاحتلالات الخارجية، ولا تنتهي بقوىً مجتمعية متخلفة تتعاون مع تلك الاحتلالات.

يعي قيصر روسيا ذلك، ولهذا يرفض تفكيك بقايا النظام السوري، ويمعن، في الوقت نفسه، في تهميشه وإذلاله، وكذلك يفعل بالمعارضة؛ فهو، بوصفه ممثلا لنظامٍ تسلطيٍّ، يمارس السياسة وهو يخوض الحرب، ويهدّد بها، ويمدُّ نفوذه إلى قطاعاتٍ جديدةٍ من المجتمع السوري، ليفككها ويضبطها في مشروعه لاحتلال سورية وشرعنة ديمومته.

===========================

===========================

السيادة السورية على الطريقة الروسية

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 12/1/2020

لم يسبق أن تعامل احتلال مع عملائه كما يتعامل الاحتلال الروسي مع النظام السوري، إذ لم يقتصر التعامل كما كان في السابق على استدعائه على عجل وشحنه بطائرة شحن روسية ولقائه الرئيس الروسي في موسكو، ولا على لقائه في قاعدة حميميم الروسية على البحر المتوسط، وهو الحلم الذي طالما داعب أسلاف بوتن من القياصرة والبلاشفة، لقد وصل الأمر إلى أن تبثّ وسائل الإعلام الروسية الرسمية وصول بوتن بنفسه إلى مطار دمشق، ليستقلّ سيارة روسية مع وزير دفاعه دون أن يكون أحد في استقبالهما، فضلاً عن أن يكون لديهم علم بمن يصل وفي أي ساعة يصل إلى مطار دمشق.

لقاء بوتن مع الأسد كان في مركز لتجميع القوات الروسية بدمشق، وكان المشهد الأبرز في اللقاء وزير دفاعه الذي جلس على كرسي أخفض من كراسي كل من حضر، إمعاناً في الإذلال والإهانة، ولكن الإهانة الكبرى باعتقادي بدأت مع بداية عام 2015، يوم عجزت القوات الإيرانية عن هزيمة قوى الثورة السورية، وباتت الأخيرة قاب قوسين أو أدنى من تحقيق تقدم كبير على قوات العصابة الطائفية، فما كان من قائد فيلق القدس قاسم سليماني إلا أن يطير بنفسه إلى موسكو، ويلتقي مباشرة بوتن ليشرح له الواقع على الأرض، ويقنعه بالتدخل البري والجوي والبحري وقد كان له ذلك، بمعنى أن السيادة التي طالما صدّع رؤوسنا بها الأسد ومؤيدوه وزبانيته قد تبخرت تماماً، وتولاها منذ البداية الإيرانيون، ليأتي الروس لاحقاً ليقوموا بها.

المضحك أن تجد بعضاً من ديناصورات القومجية واليسارية لا يزالون يدعون إلى إبادة إدلب تحت مسمى خشبي ديناصوري «سيادة الدولة»، ولا يدرون أن بوتن كان يتعامل مع الطاغية على أنه هو صاحب الدار والبيت والحديقة وكل شيء، أما صمود إدلب والشمال المحرر بوجه احتلالات متعددة الجنسيات وميليشيات طائفية عابرة للقارات لا يراها رموز القومجية والعلمانية واليسارية وبعض الإسلاميين، الذين هللوا وكبروا لمن يسوم السوريين والعراقيين سوء العذاب على مدى سنوات وسنوات، لكن كيف يرى ويبصر من به عمش.

الشمال السوري المحرر الصامد والصابر المصابر لسنوات يرفض الركوع والاستسلام، بينما طائرات الاحتلال الروسي تصبح وتمسي على مدار الساعة قصفاً وإبادة للشام ومدنها، وسط صمت عالمي، والأحقر منه صمت قوى تدعّي الوطنية والإسلامية، وكأن من يقتل في الشام لا علاقة له بالإنسانية، فضلاً عن العروبة والإسلام، ما دام البعض آثر أن يشغل نفسه بمسرحيات ومهازل تتكرر لأربعة عقود دون أن يملّ من متابعتها، بل ويكابر ويصرّ على أن يُلدغ آلاف المرات من الجحر الذي جرّبه نفسه.

النظام السوري الذي يتم التعامل معه بهذه الطريقة المهينة والمذلة، كيف يريد الاحتلال أن يسوّقه للشعب السوري على أنه صاحب السيادة وصاحب الأرض، فإن كان المحتل ذاته لا يحترم «السيادة وصاحبها»، فكيف يريدون من الشعوب والعالم أن يحترموا سيادة كانوا هم أنفسهم أول من خرقوها وعلى مدار الساعة؟

===========================


إنقاذ الربيع العربي أقل تكلفة بكثير من إجهاضه

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 11/1/2020

(1)

إذا كانت السياسات المدمّرة التي شهدتها العقود الخمسة الماضية، وما رافقها من فساد وغياب الشعور بالمسؤولية ونهب المال العام، من قبل نخب انفصلت عن شعوبها وأحيانا تآمرت عليها، قد قادت إلى تفجير الثورات الشعبية على امتداد الأرض العربية، فإن الأسلوب الذي عالجت به هذه النخب انتفاضات شعوبها يهدّد أكثر من ذلك، كما تشير إليه حالات سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان وغيرها، بتدمير الدولة وانفراط عقد المجتمعات وانتشار الفوضى والعنف في عموم المنطقة المشرقية. فبدل التقاط الرسالة، والسعي إلى التخفيف من الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية الواقعة على الشعوب، اختارت معظم النخب الحاكمة المواجهة. ومن أجل تبرير استخدام العنف، لم تجد أمامها سوى تجريم احتجاجات الجمهور الذي اتهم مرة بالجهل وانعدام الأهلية والوعي، وطوْرا بالعمل لصالح وحش أسطوري "إسلامي" جعلوا من ماهيته الغدر والتآمر، أو أكثر من ذلك لحساب دولٍ أجنبيةٍ في مقدمها الولايات المتحدة وإسرائيل.

موقف المواجهة هذا لاقى صدىً عميقا ومكبوتا أحيانا لدى كثير من الطبقات السياسية والمثقفة السائدة في العالم، خصوصا في البلدان الغربية التي احتفظت في مخيّلتها، منذ الحقبة الاستعمارية، بصورة لهذه المجتمعات لا تختلف كثيرا عما روّجته النخب المحلية العربية، أعني الجهل وانعدام الأهلية والذاتية الواعية والعقل، لذلك فقد وجدت أن من مصلحتها مسايرة النخب العربية الحاكمة إلى حد كبير. وراوح موقفها من ثورات الشعوب بين التدخل المباشر والعسكري إلى جانب النظم القائمة أو دعمها بالسلاح، وفي أحسن الأحوال الوقوف على الحياد أو الانخراط إلى جانب الثورات من أجل السيطرة على مسارها من الداخل والتحكّم في مآلاتها.

بعد عقد كامل من الصراع الدموي، تبدو النتيجة واضحة: إجهاض أقوى موجة تغييرٍ سياسيٍّ 

"نحن أمام مرأى خرابٍ شاملٍ وفوضى عارمة في واحدة من أكثر المناطق حساسيةً اقتصادياً وجيو استراتيجياً"يبشّر بإعادة بناء الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية لبلدانٍ عربيةٍ خسرت جميعا تقريبا معركة التنمية والانخراط في العصر، وفيما وراء هذا الإجهاض دمار جميع القوى المتنازعة، من النخب الحاكمة والنخب المعارضة التي حاولت تأطير الاحتجاجات الشعبية أو ركوب موجتها لتغيير قواعد الممارسة السياسية. وها نحن نجد أنفسنا والعالم القريب منا أمام مرأى خرابٍ شاملٍ وفوضى عارمة في منطقةٍ من أكثر مناطقه حساسيةً اقتصاديةً وجيو استراتيجية. أما بالنسبة لشعوبها، فتكاد البلاد العربية تتحوّل إلى مقبرة فاغرة لدفن جميع المصالح والآمال والأحلام والتطلعات النبيلة راودت شبانها وشاباتها.

لا يغير كثيرا من هذا الأمر أن تونس قد خطت خطوة إلى الأمام، أو أن السودان نجح في أن يتجنّب الحرب الأهلية، وربما ربح فترة هدنةٍ في الحروب المفتوحة في أكثر من منطقة على أراضيه، ولا أن الثورتين العراقية واللبنانية لا تزالان تضربان أروع الأمثلة في شجاعة الجمهور الشعبي واستعداده للتضحية والإصرار على النصر مهما كانت الأحوال. وللأسف، لن يكون للتغييرات المحدودة التي تحققت هنا وهناك الأثر المنتظر لانتشال البلاد العربية من هوّة اليأس وانعدام الثقة ونفاد الصبر، وستبقى الإنجازات السياسية لبعض البلدان معرّضة دائما للتأزم والتراجع، ما دامت معزولةً في ميدانها، أو مفتقرةً لقاعدة قوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي هي مربط الفرس في جميع التغيرات الاجتماعية، وهذا ما يحتاج تحقيقه إلى بيئةٍ إقليمية تشجع على التفاعل والتواصل، ومناخ ثقافي ونفسي يدفع إلى التفاؤل، ويشجع على الإنتاج والإبداع، وتعاون إقليمي يعزّز الاستقرار، ويدفع إلى الاستثمار والتبادل في عموم المنطقة وبين أهم أقطارها.

يذكّر السعي لإفشال مشروع وحلم التحول الديمقراطي العربي، اليوم، بإفشال مشروع الوحدة التي وحّدت العرب، وملأت عليهم حياتهم عقودا طويلة، ثم لم تلبث أن قسّمت صفوفهم في الستينيات والسبعينيات، وكان ختامها حقبة طويلة من الفوضى الفكرية والسياسية عبّدت الطريق لولادة نظم الحكم الشخصية المطلقة، المعتمدة، بشكل رئيسي، على الأجهزة العسكرية والأمنية والتهميش الكامل للجمهور الشعبي وللنخب السياسية والثقافية معا. ولكن ما سيولده إجهاض الثورة السياسية العربية اليوم أكبر من ذلك بكثير: إنه الفراغ الأيديولوجي والسياسي الذي يُنذر بإحالة أمر السيطرة والسيادة والإدارة في هذه المناطق المدمرة ماديا أو سياسيا، على الأغلب، إلى القوى الأجنبية، ويعيد تشكيلها حسب مصالحها المتباينة التي يقرّرها ميزان القوى، والقدرات الاستراتيجية.

باختصار، ما ستخسره المجتمعات العربية بإجهاض ثورة التحول السياسي العربي ليس إمكانية تنظيم انتخابات نزيهة، إلى هذا الحد أو ذاك، في هذه البلدان أو بعضها، وإنما نقل المنطقة برمتها إلى مكانٍ ومناخٍ آخرين يفتحان أمامها أبوابا كانت ولا تزال موصدةً لمواجهة المسائل الصعبة والمعقدة التي تأخرت في حلها، في التنمية والتقدّم العلمي والتقني، بعد حل مسألة السلطة والإدارة السياسية. أي باختصار حرمانها ثانيةً من أمل تحويلها إلى فاعلٍ في تاريخها ومسؤولة عن مصيرها، بدل أن تبقى كما هي اليوم ساحة صراع بين فاعلين، وموضوعا لهذا الصراع في الوقت نفسه. وهذا هو الوضع الذي عمل، في الحقب الماضية، على تحييد الشعوب والقضاء على إرادتها الحرة، وحكم عليها بالبقاء في الهامشية والعزلة التاريخية، ودانها بالقزمية الحضارية والأخلاقية، ورسّخ في نفوس أبنائها ثقافة النقمة والضغينة والمظلومية.

(2)

حتى الآن، نجحت استراتيجيات النظم الاستبدادية وحلفائها العلنيين والموضوعيين في حرمان 

"يذكّر السعي لإفشال مشروع وحلم التحول الديمقراطي العربي، اليوم، بإفشال مشروع الوحدة التي وحّدت العرب"الشعوب من تحقيق أهدافها، واستعادة المبادرة أو على الأقل وضع قدمها على الطريق للمشاركة في تقرير مصيرها، لكن أيا من القوى التي تشارك في مذبحة الحرية هذه، منذ سنوات، لم تحقق ولن تحقق، في النهاية، أهدافها، وسوف تكون تكلفة هذه المذبحة أكبر مما يمكن أن يحتمله معظمها في المستقبل، فلن تمكّن الفوضى والنزاع الدائم والانهيار الاقتصادي واليأس من المستقبل النخب الاجتماعية المفترسة من الحفاظ على مواقعها التي اعتقدت أنها حجزتها لنفسها إلى الأبد، بينما يؤدي الاستهتار الطويل بمصالح الناس ومشاعرها وكرامتها إلى تحطيم آخر نوابض الثقة بين النخب الاجتماعية والشعب.

ومنذ الآن، بدأ الوضع ينقلب كليا، فينتقل الخوف من معسكر الشعوب إلى معسكر النخب والقادة. وربما أصبح الحكم السياسي، أي حكم، مستحيلا بعد الآن في أكثر من قُطر ودولة. ولن يقود التدهور المستمر في شروط حياة الناس وتفاقم قلقهم على وجودهم ومستقبل أبنائهم سوى إلى مزيد من التشكيك بنيات القادة وصلاحهم، ويسعّر مشاعر العداء لهم والانتقام منهم. ولن يرى الجمهور المذبوح من الألم وسيلةً أخرى لاستعادة كرامته سوى بتلويث شرف حاكميه وسادته المفترضين والتلذّذ ىإهانتهم والمساس بكرامتهم وسمعتهم، وربما في مرحلة أخرى التجرؤ على الانتقام منهم والاعتداء الجسدي عليهم.

لقد وضعت الطبقات السياسية في البلاد العربية نفسها اليوم في قفص الاتهام، وسيكون الحساب للأسف قاسيا وشاملا، ينظر فيه الجمهور إلى أي صاحب سلطةٍ أو طامحٍ إليها أنه فاسد ولص ونصّاب حتى يثبت العكس. وبالتأكيد، لن يساعد هذا المناخ القادة القدماء أو الجدد على إدارة دفّة أي حكم، ومن باب أولى أن يستمرّوا، كما فعل كثيرون منهم، في نهب المال العام والاستهانة بمصالح المحكومين وحقوقهم. وسوف يتسبب على العكس في إجهاض جميع سياساتهم، بما في ذلك المحاولات الإصلاحية التي سيجتهد في تطبيقها بعضهم.

وبالمثل، لن ينتفع الحلفاء المحليون والإقليميون لهذه النظم من استثماراتهم فيها ودعمهم لها في إخماد ربيع الثورات التي ليست في التحليل الأخير، كما لاحظ ذلك بحق عزمي بشارة، سوى ثورات إصلاحية تتوخى إصلاح الأنظمة القائمة، لا الانقلاب عليها وانتزاع السلطة من "أصحابها". بالعكس من ذلك، إن حلفاء الاستبداد، برفضهم دعم البرامج الإصلاحية، وتمسّكهم بقادة فاسدين وعاجزين معا، أعدّوا، في أحسن الحالات، من دون أن يدروا، عدة الثورات العنيفة والانقلابية القادمة، وربما دفعوا شعوب المنطقة إلى حقبةٍ من التمرّدات والانتفاضات الدموية غير المنظمة وغير السياسية، تهدّد ما تبقى من وهم سيادة الدولة ووجودها. أما طهران الخامنئية التي اعتقدت أنها تستطيع المراهنة على إشعال المنطقة بالحروب والثورات والانتفاضات المذهبية والاجتماعية ونشر الفوضى والخراب والاقتتال لانتزاع موقع القيادة والهيمنة فيها، على حساب النفوذ الغربي وأوهام أو طموحات بعض الدول الإقليمية العربية، فلن يمرّ وقت طويل حتى تجد نفسها تحترق في لهيب النزاعات التي فجّرتها. وهذا هو معنى ومغزى المصير البائس لقائد الثورة الإسلامية المسلحة ومهندس تصديرها إلى البلاد المجاورة.

أما الحكومات الغربية التي ربطت سلامها واستقرارها بحرمان محيطها جنوب المتوسط وشرقه من التقدّم والنهضة الاقتصادية والحضارية، سواء فعلت ذلك خوفا من انتقال التقنية العسكرية 

"لن ينتفع الحلفاء المحليون والإقليميون لهذه النظم من استثماراتهم فيها ودعمهم لها في إخماد ربيع الثورات"المتقدّمة، أو اعتقادا بخطر الانبعاث الإسلامي الإمبراطوري، وراهنت ولا تزال على نظم تسلطية واستبدادية مغرقة في الوحشية، فهي في سبيلها إلى أن تخلق لنفسها معضلةً تاريخيةً واستراتيجية لا حلّ لها. أعني خلق شروط البربرية التي تهدّد بتدميرها على أطرافها. هذا هو في نظري معنى ومضمون تحويل مجموعة ثقافية من 400 مليون إنسان إلى مجتمعاتٍ كسيحة، تنتظر الشفقة، وتعيش على أفضال المحسنين وأصحاب الريع وتحويلات العمالة المهاجرة، فلن يكون أمام هؤلاء الذين فرض عليهم الحياة في العجز الدائم، ودمرت مصالحهم، وأهرقت كرامتهم سوى أحد حلين: التسول على أعتاب الأغنياء والأقوياء لتأمين معاشهم أو الدفاع عن حياتهم البائسة والضيئلة، أو حمْل السلاح للمطالبة بحقوقهم واسترجاع هويتهم الإنسانية. وفي الحالتين، ستجد الدول الصناعية والأوروبية نفسها منخرطةً، على الرغم منها، في تحمل أعباء هذه الأوضاع المأساوية على حدودها، أو العمل على إيجاد الحلول الناجعة لها، إذا لم تشأ أن تجد نفسها في موقع الضحية. ولن ينفع في ذلك بناء الجدران العازلة، كما فعلت إسرائيل تجاه الفلسطينيين أو الولايات المتحدة الأميركية على الحدود الجنوبية للحد من هجرة المكسيكيين.

(3)

لا أعرف إذا كان اغتيال وزير الحرب والمستعمرات الإيراني، قاسم سليماني، سوف يسعّر المواجهة الأميركية الإيرانية، ويطلق يد مليشيات الحرس الثوري في دورة جديدة من الإرهاب المحلي والإقليمي، أم سيقنع طهران بالتراجع عن مشاريعها. ولو كنت أميل إلى الاعتقاد بأن نتائج العملية الأميركية، في الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري، ستكون أشبه بنتائج الحرب التي استدرج إليها حزب الله في جنوب لبنان، وانتهت بتحييد جبهة الجنوب اللبناني، ومعها حزب الله نفسه، إزاء إسرائيل حسب قرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي اعتمد بالإجماع في 11 أغسطس/ آب 2006 . وفي هذه الحالة، يمكن أن تكون هذه العملية إيذانا بنهاية المشروع الذي أنشئ من أجله هذا الفصيل العسكري، أي أن تضع حدّا لكابوس النزعات الإمبراطورية والحروب التي لا غنى لها عنها، وتفتح طريق تكريس سيادة الدول وتوجيه شعوبها إلى تركيز جهودهم على بناء أوطانهم من الداخل، لتصبح مركزا لتنمية حياة اجتماعية إيجابية ومُرضية، وواحة للمدنية والأمن والحياة الكريمة.

ولكن مهما كان الحال، تبدو لي هذه السنة 2020 حاسمةً ومصيرية بالنسبة للمنطقة المشرقية برمتها، وهي سنةٌ حاسمةٌ، لأنه سيتقرّر خلالها ما إذا كانت الأمور ستستمر في التدهور وتفلت الكرة من أيدي الجميع، أم أن في وسعنا الرهان على الإرادة الطيبة والأمل بانبثاق وعي جديد، على مستوى المنطقة والعالم، يسعى إلى وضع حد لهدر الأرواح والموارد والزمن ووقف الانحدار نحو الجحيم، والإنصات لصوت العقل والضمير، في سبيل طي صفحة الحرب، وتدشين حقبةٍ جديدةٍ تعمل على طمأنة الشعوب، والتهدئة من روعها، وعلى دفعها نحو العمل الإيجابي 

"سنة 2020 حاسمةً ومصيرية بالنسبة للمنطقة المشرقية برمتها"والاستثمار في المستقبل، ما يساعد على نكء الجراح، وتجاوز المشاعر السلبية والمأساوية التي صبغت السنوات الماضية، فبلدانٌ كثيرة تكاد تصل إلى حالة الإفلاس، ويكاد الدمار والخراب يقضي على مستقبلها، وأخص بالذكر هنا بلدان الهلال الخصيب الذي تحوّل إلى ساحة حرب إقليمية ودولية، ولم يعد أحد يهتم بمصيره أو يسأل عن مستقبل شعوبه. وقريب من ذلك ما يحصل في اليمن وفي ليبيا، وينشر اليأس من مستقبل المنطقة، ويدفع إلى تراجع الاستثمار والنشاط الاقتصادي فيها، حتى أصبح النمو سالبا في كثير منها. وفي أكثر من قُطرٍ، تتجاوز نسبة البطالة بين الشباب 50%، بينما بلغت نسبة السكان الذين يعيشون في حالة فقر أرقاما غير مسبوقة تجاوزت في بلدانٍ كثيرة 60%، ويشكّل اللاجئون العرب ما يقارب 50% من جميع اللاجئين في العالم، كما يعيش الملايين من النازحين والمشرّدين في خيام لا تتوفر فيها متطلبات الحياة الأساسية. وفي سورية وحدها، تفيد المنظمات الدولية بأن عدد الذين يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية يتجاوز 18 مليون نسمة من أصل 24 مليونا عدد سكان البلاد. وفي العراق ولبنان لا يزال المحتجون يواجهون بالتجاهل الكامل من سلطاتٍ ترفض الاعتراف بإفلاسها، وتحلم بأن تستطيع بوسائل القمع والاغتيال والتحايل وتزوير الوقائع أن تستعيد المبادرة، وتقضي على أي أمل بالتغيير.

ولعل هذا الأفق المأساوي الذي تشير إليه الأرقام الاقتصادية والاجتماعية والتربوية هو الذي يشجع على التفاؤل بأن العام الحالي سوف يكون، لا محالة، عام التحولات الإيجابية، بمقدار ما ستدرك جميع الأطراف أن هامش مناورتها يضيق أكثر فأكثر، وأننا نسير بالتأكيد نحو كارثة إنسانية محققة، إن لم يطرأ تغير سريع وعميق على خياراتنا وسلوكنا الجماعي، الوطني والإقليمي.

لذلك، أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يواجهنا اليوم ليست هذه الأوضاع الكارثية نفسها، وإنما فقدان الأمل بإمكانية التغيير الإيجابي أو بالقدرة على السير إلى الأمام، ومن ثم إضاعة البوصلة والنكوص من جديد إلى الحلول المطروقة والخائبة، أو الركون إلى الاعتقاد بأن الحل يكمن في إدارة الظهر بشكل أكبر للعالم، بدل التجرّؤ على الانخراط فيه، وانتزاع الموقع الذي يليق بشعوب المنطقة وإرثها الثقافي والحضاري.

وبالمثل، أسوأ ما يمكن أن يخرج به المجتمع الدولي من استنتاجاتٍ في مواجهة كوارثنا هو العودة إلى الاعتقاد القديم الجديد في أن شعوبنا ليست مستعدّة للتقدّم، ولا تملك الأهلية لخوض معركة 

"نسير بالتأكيد نحو كارثة إنسانية محققة، إن لم يطرأ تغير سريع وعميق على خياراتنا وسلوكنا الجماعي"الحرية والكرامة والتنمية العلمية والتقنية والإنسانية، وأن العلاج الوحيد لاحتجاجات شبابها وتمرّداتهم هو الحصار والعزل، إن لم يكن العنف والردع والترويع. وفي هذه الحالة، لن يبقى بعد الاستبداد دواء أنجع إلا الإبادة الجماعية التي لم يتجرّأ عليها من قبل غير بشار الأسد، ومن ثم تبنّي أسلوبه في الحكم وتعميمه والمراهنة المتجدّدة على بقاء النظم الوحشية وتعزيز قدراتها.

ليس هناك حل فعلي يخفّف من الخسائر لدى الجميع، ويضمن استعادة المبادرة ودمج العوالم المهمّشة والمتمرّدة وكسب تعاونها سوى الاعتراف بخطأ السياسات الماضية التي تبنّتها نخب عديمة المسؤولية، ودعمتها حكوماتٌ عالميةٌ، أعمتها مصالحها القومية الآنية والأنانية معا، واستسملت لمخاوفها وأوهامها العنصرية أو شبه العنصرية، إلا العزم على الاستجابة لتطلعات الشعوب وكسب ثقتها وتهدئة مخاوفها وتحويل المنطقة إلى منطقة تفاهم وتعاون إقليمي ودولي، لمصلحة الجميع: روسيا والغرب والصين وكذلك شعوبها من العرب والإيرانيين والترك والكرد، ومن الأقليات والأكثريات، والمحافظين المتدينين والعلمانيين الحداثيين.

هذا هو الطريق الوحيد لتحويل المنطقة إلى منطقة تعايش وتعاون وتضامن يستفيد منه الجميع، ويساعد على تعزيز السلام والأمن العالميين. وغير ذلك يعني القبول بتحويل العالم العربي إلى ساحة حرب باردة جديدة، يدعم فيها كل محور نظمه المستبدّة، وتمتنع فيها وسائل التنمية والتقدم المادي والأخلاقي، ويحكم على الدولة والنظام المدني بالانهيار لصالح حكم العصابات والمليشيات والفصائل الخاصة.

هل هذا من باب التفاؤل المفرط الذي لا يأخذ بالاعتبار منطق العلاقات الاجتماعية والدولية، القائم على الصراع والتنافس والتدمير المتبادل إذا أمكن؟ ربما. لكن لا يخرج الوعي الجديد إلا من المعاناة الشديدة، ولم تظهر أوروبا الموحدة والديمقراطية إلا من فظائع الحربين العالميتين، الأولى والثانية، فصحوة الوعي والضمير هي الرد الوحيد على الكارثة المحقّقة، والسبيل الوحيد أيضا للتغلب على منطق الصراع العدمي على المصالح، وعلى تضارب الأهواء والمطامح. وإنقاذ الربيع العربي أقل تكلفةً بكثير من إجهاضه.

===========================

رد إيران الحقيقي

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 11/1/2020

على امتداد عقود، دأب قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني على التهديد بـ"الردود المزلزلة" التي سيتلقاها كل من يستخفون بأرواحهم من الحمقى، الذين قد يفكّرون ولو مجرّد تفكير بالانخراط في نزاع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو قد يغامرون بتحدّيها. وكان ساسة إيران يعزّزون هذا الخط بما يدلون به من تصريحات، ويعتمدونه من مواقف متشدّدة في أي قضيةٍ تتصل بشأن من الشؤون التي يمنحون بلادهم الحق في التعامل معها، انطلاقا من مصلحة قومية من غير الجائز التهاون فيها، بما أنها تستمد قيمتها من قدسيةٍ مذهبيةٍ تلزم من يتولون تحقيقها باجتهادات مرشدٍ دينيٍّ معمم، تقول أيديولوجية الجمهورية الرسمية إنه معصوم، لأنه ينوب في ما يصدر عنه من أقوال وأفعال عن إمامٍ معصوم، هو على الرغم من غيابه منذ قرون "صاحب الزمان وإمامه".

بمقتل الإمام العسكري للجمهورية الإسلامية، قاسم سليماني، انطلقت كالعادة موجات ردودٍ توعّدت واشنطن بضرباتٍ مزلزلة، فخشي العالم نشوب حربٍ قد تتطاير شرارتها لتشعل نارا عالمية. لكنه ما أن وقع الرد، حتى تبيّن أن طهران أبلغت من ستزلزلهم بموعده، عبر وزير خارجيتها، محمد جواد ظريف، ورئيس وزراء العراق، عادل عبد المهدي، وأن قادة الحرس الثوري حرّكوا صواريخهم بطرقٍ سمحت لواشنطن بمتابعتها، ومعرفة وقت إطلاقها وهدفها، واختاروا من ترسانتهم الصواريخ الغبيه والأكثر غباءً التي لم يصل بعضها إلى هدفه، بل سقط على بعد كيلومترات منه، ولذلك لم يقتل أي أميركي، التزاما بتصريحٍ لترامب، جعل قتل أميركي واحد خطّا أحمر إن اجتازته إيران دمر مرافقها الحيوية.

هذا الرد الذي خيّب آمالنا لأنه ليس ردا، وصفه قائد الحرس الثوري بالمزلزل، بينما أعلن وزير خارجيتها ظريف أنه متكافئ مع قتل سليماني وكاف، واعتبره المرشد صفعة لواشنطن التي أعلنت أنها لم تشعر به ولم يؤلم خدّها. عندئذ تساءلنا مع العالم: أهذا هو الانتقام لمن قال حسن نصر الله إن قتل ترامب لا يكفي للانتقام له، لأن حذاءه يساوي خمسين ترامب؟ ألم يدرك قادة إيران أن هدف ترامب من قتل سليماني كان تحدّيهم إلى أقصى حدود التحدّي، وكشف حقيقة قوتهم، التي لطالما استهان جنرالاته بها، وهم يؤكّدون أن إيران هي أضعف قوة إقليمية في عالم اليوم، فانتظرنا أن يكذّبهم الرد الذي لا بد أن يكون مزلزلا بالفعل، بالنظر إلى هوية القتيل ومكانته، ولأن الرد سيكون الأول في أخطر اشتباكٍ استفزازي، بادرت واشنطن إليه، بضربتها العسكرية التي دفعت الأمور إلى حافّة الحرب، واعتبرت أقسى ما يمكن أن يوجّه من ضرباتٍ إلى الجمهورية الإسلامية التي لا مفر من أن تردّ عليها بأقصى قدر من قوتها التي أعلن عنها المتخصّصون بالضربات المزلزلة من قادتها.

لم تقع الضربة. يقال إن طهران تفادت، بذكائها المعهود، نتائجها الكارثية، بتركها أذرع قاسم سليماني المنتشرة في العالم تتولى تسديد ضرباتٍ متلاحقةٍ للوجود الأميركي، تستهدف اقتلاعه من المنطقة بكاملها.

هل سيحدث هذا؟ لا أعتقد، لأن ما منع إيران من الرد كان خط ترامب الأحمر الذي جعل قتل أميركي واحد بيد إيران أو أتباعها سببا لقتل الجمهورية الإسلامية التي تبيّن أنها عاجزة حقا عن الرد بسبب ضعفها الذي أكده عدم ردها. ما هو البديل المتاح لطهران، وقد "ذاب الثلج وبان المرج". إنه باختصار: إما ذهابها إلى مفاوضاتٍ موضوعها إعادة إنتاج سياساتها وأوضاعها، لتتفق مع ما تريده واشنطن منها، أو مواجهة انفجار شعبها الذي لم تحشده ليودّع سليماني فقط، بل ليكون ردها على عجزها العسكري، وإظهار قدرتها على الصمود، ريثما يأتيها عرض أميركي مقبول: هنا كمن الرد الإيراني، وهو مزلزل كغيره من الردود، لذلك رحبت واشنطن به، ولو إلى حين.

===========================

بوتين يعلن سورية إقليماً روسياً

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 11/1/2020

لا يكترث الرئيس الروسي، بوتين، لخاطر معجبيه ومحبّيه في المشرق العربي، ومنهم من سمّاه أبو علي. يصر، وفي كل الظروف، على إحراجهم أمام مواطنيهم الذين يقفون على الضفة الأخرى، بتصرّفاته التي تذكّرهم دائماً بتدنّي أهميتهم، من خلال تقزيم دور زعمائهم (أيقوناتهم) وفعاليتهم، والإصرار على أن ما حصل في سورية من انتصار أنتجته عقول الروس وسواعدهم، وليس الآخرون سوى مشجّعين على مدرجات ملعب العمليات. ولا يكترث بوتين لتشاوف هؤلاء على مواطنيهم، وتعييرهم بالمهزومين والتكفيريين، وأحيانا كثيرة، بالعملاء للخارج، مقابل وصف أنفسهم تنويريين ووطنيين وأصحاب السيادة، وبأنهم جزء من محور عالمي يمتد من الصين وروسيا إلى فنزويلا، ويعمل على تغيير قواعد النظام الدولي الحالي، وتسيّده في السنوات المقبلة. لا يراعي بوتين مشاعرهم، حتى لو بلفتة بسيطة عبر تخفيض كمية الإذلال الموجهة لأحد رموزهم، بشار الأسد.

ما لا يعيه هؤلاء أن بوتين، السياسي الذي ترعرع في أجهزة المخابرات السوفييتية، وأدار السياسة الروسية أكثر من عشرين عاماً بأسلوب العرّابين ورجال المافيات، ليس لديه قلب. وبالتالي لا يعرف العواطف ومراعاة المشاعر، لا يرى هؤلاء المعجبين ورموزهم، وهو حينما يتعمّد إظهار بشار الأسد بهذه الصورة الهزيلة، فالقصد توظيفها في سياق إبراز أهميته لاعبا دوليا كبيرا في ساحة الصراع العالمية وتنافس المشاريع الجيوسياسية، وحسابات الأرصدة الاستراتيجية.

هنا تختلف حسابات بوتين، وتختلف الجهات التي يرغب بإيصال الرسائل إليها، مثل هذه الصورة التي ظهرت في دمشق، لرئيس دولة أجنبية يستضيف في مقرّ قواته من يفترض أنه رئيس هذه الدولة، هي إشارة إلى أولئك الذين يفاوضهم بوتين على دور روسيا وحصصها ومكانتها التي يجب أن تكون في النظام الدولي، فهو، وفق هذه الصورة، يقبض على دول، بكامل جغرافيتها وديمغرافيتها، يحوّل زعماءها إلى ألعوبة بيديه، ويتحكّم بمستقبلاتهم ومستقبلات دولهم. ولهذه الصورة أثمان، خصوصا أنه يتعمد التقاطها، وقاسم سليماني، الحاكم السابق للمشرق العربي، لم يوار في التراب بعد، وكأنه يقول الأمر كله لي الآن، لا شريك لي في سورية، ولم تعد إيران التي بات جنودها في العراء تلك الليلة، خوفاً من الاستهداف الأميركي لهم، ندّاً أو منافساً لي أنا الذي ينزل إلى مقر قواته، وليس ضيفاً على بشار في قصر ضيافته.

لم يزر بوتين، خلال نزوله إلى دمشق، أي مكانٍ له رمزيةٌ سياديةٌ سورية، حتى لا يمنح بشّار

"روسيا لا تقطف الانتصارات الدبلوماسية والعسكرية من الأشجار لتهديها لرجال النظام السوري من دون مقابل" دور المضيف ولو لحظة. وطوال فعاليات الزيارة وبرنامجها كان الأخير مجرّد مرافق لا لزوم له. ومنذ لحظة نزول بوتين إلى دمشق خلع بشار صفته الرئاسية وسار في شوارع دمشق وزار أمكنتها التي حرم منها منذ بداية الثورة، متعاطياً مع الأمر أنه فرصة للترويح عن النفس وزيارة دمشق القديمة.

وليس بعيداً عن هذا السياق، ثمّة بُعد رمزي للزيارة، كان حاضراً في ذهن بوتين، فالرجل يصل إلى دمشق، في ختام مرحلة جرى خلالها نقل ملكية أصول الدول السورية لثرواتها إلى الطرف الروسي، تحت عناوين متعدّدة: استثمار أو تطوير أو استئجار، حيث وضعت الشركات الروسية يدها على حقول النفط والغاز والفوسفات، والموانئ، والمطار الدولي، ومصنع السماد، بالإضافة إلى السكك الحديدية، حتى أن هدف حربه أخيرا على إدلب السيطرة على طريق التجارة الدولي الرابط بين حلب والساحل السوري، ويفاوض تركيا على إكمال السيطرة على الطريق الذي يصل سورية بالعراق، من منبج إلى القامشلي. ومن شأن الطريقين، وحسب تقديرات صحيفة أزفستيا الروسية، تأمين خمسة مليارات دولار عوائد ورسوم ترانزيت.

هذه الثروات التي كانت تتقاسمها عائلتا الأسد ومخلوف والمقربون منهما، ستكون ثمن بقاء هؤلاء على قيد الحياة، وثمن عدم مثولهم أمام محاكم جرائم الحرب، تلك التي كلفت روسيا أكثر من 14 فيتو في مجلس الأمن، وروسيا لا تقطف الانتصارات الدبلوماسية والعسكرية من الأشجار لتهديها لهؤلاء من دون مقابل، حتى ثرواتهم التي لم تعد تجد أمانا سوى في بنوك روسيا سيكون لبوتين وأزلامه حصة فيها. وبخصوص السؤال عن كيف لسورية أن تخرج من دمار الحرب الرهيبة، ما دامت ثرواتها وأموالها قد انتقلت إلى روسيا، فالجواب في الصورة التي التقطها بوتين في دمشق، بوصفه الحاكم الفعلي لسورية، وعلى الآخرين أن يطمئنوا لاستثماراتهم في سورية المستقبلية.

يزور بوتين دمشق في نهاية مرحلة، يعلن ويدشن مرحلة جديدة، عنوانها أن سورية أصبحت إقليماً روسياً، بكل ما تعنيه الكلمة، من اقتصاد وسياسة وأمن وجيش، وحتى التمثيل الخارجي والتفاوض مع اللاعبين الآخرين في الشؤون السورية، لم يعد ثمّة شيء تملكه القيادة السورية من الأصول السورية يدلّ على أن لهذه البلاد خصوصية أو استقلالية عن روسيا، لا السماء ولا البحر ولا الأرض، أما الأشخاص، فهم من رأس النظام إلى أصغر جندي مجرّد موظفين عند بوتين يستدعي من يشاء منهم ويشرّف من يريد بلقائه.. بالمناسبة، أين وزير الخارجية، وليد المعلم، من هذه الزيارة؟

===========================


بوتين في دمشق: شتان بين شمعة الكنيسة وخطّ الغاز!

 صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 11/1/2020

التمثيلات المسيحية الأرثوذكسية، التي رافقت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة السورية دمشق، لم تكن زخرفة عابرة تتوازى مع، أو حتى تستكمل، ملاطفة المسلمين عبر الجولة في الجامع الأموي؛ ويصعب أن تكون عابرة بروتوكولية، أو رمزية فقط، ما دامت قد اقترنت بيوم الميلاد الأرثوذكسي تحديداً، وزيارة الكاتدرائية المريمية حيث مقرّ كنيسة أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس (قرابة 12 مليون من الرعايا، بين سوريا ولبنان والعالم). ذلك لأنّ بركة البطريركية الأرثوذكسية الروسية كانت في عداد أبرز العناصر الداخلية التي يسّرت صعود بوتين في هرم السلطة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وسرعان ما انقلبت العلاقة إلى حال من التحالف الوطيد، اتخذ لاحقاً صفة جيو ــ سياسية كونية حين تلازمت عودة الكرملين إلى استئناف قطبية الحرب الباردة، مع ترقية دراماتيكية لدور البطريركية الموسكوفية على نطاق العالم المسيحي.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2018 كان هذا الحلف قد تلقى ضربة قاصمة حين أحرزت الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا استقلالها عن البطريركية الروسية، التي ظلت الأمّ منذ سنة 1686 بموجب مرسوم أصدره زعيم الكنائس الأرثوذكسية البطريرك المسكوني برثولوميو، وشهدت تسليمه كاتدرائية سان جورج في اسطنبول؛ ليس من دون مغزى بيزنطي عميق يخصّ المكان، غنيّ عن القول. ويومذاك استدعى بوتين مجلس الأمن القومي الروسي في منتصف الليل لمناقشة الخطوة، التي لم يتردد في التحذير من أنها «يمكن أن تريق الدماء»، وترقى إلى مستوى الانشقاق العظيم الذي وقع سنة 1054 وأسفر عن انقسام المسيحية إلى كنيسة غربية وأخرى شرقية. ولا غرابة في هذا، بالطبع، لأنّ روسيا تعدّ ثلث الـ300 مليون مسيحي أرثوذكسي في العالم الراهن؛ ومنذ سنة 988، حين اعتنق فلاديمير الأعظم العقيدة، ظلت الكنيسة الروسية تطمح إلى موقع «روما الثالثة»، بعد روما والقسطنطينية، فلماذا يتلكأ في متابعة المهمة فلاديمير هذه الأيام، بوتين، وهو السعيد بلقب «قيصر روسيا» المعاصر؟

غير أنّ حكاية التمثيلات الأرثوذكسية التي اقترنت بزيارة بوتين إنما تكتسب أكثر من بُعد واحد، سوريّ محليّ هذه المرّة؛ يتجاوز انحياز كنيسة أنطاكية التاريخي للنظام عموماً، ولآل الأسد خصوصاً؛ ويتصل بخيارات موسكو في السياسة الإقليمية، على نطاق أعرض،؛ وطبائع العلاقات مع نظام بشار الأسد، وشخصه، منذ التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا، خريف 2015. ثمة، أوّلاً، حقيقة إحصائية أولى تشير إلى أنّ بوتين لم يسبق له أن قام بزيارة إلى العاصمة السورية منذ أن تبوأ موقع الرئاسة في روسيا، مقابل زيارات عديدة قام بها إلى دول المنطقة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي على وجه التحديد. زيارته اليتيمة السابقة كانت إلى مطار حميميم، قبل ثلاث سنوات، لتفقد القوات الروسية التي حوّلت الموقع إلى قاعدة روسية، ويومها سرّب الكرملين ذلك الشريط المهين الذي يصوّر حرس بوتين وهم يمنعون الأسد من مرافقته أثناء المراسم؛ كما سُرّبت فقرات من ترحيب الرئيس الروسي بالضابط في جيش النظام سهيل الحسن، الملقب بـ«النمر»، على نحو تضمّن مهانة جلية واستهانة بشخص الأسد.

 

بينما أشعل شمعة في الكاتدرائية المريمية في دمشق، ثمّ بدا أشبه بقيصر يتفقد قواته على أصقاع نائية بعيداً عن مركز الإمبراطورية؛ فإنّ بوتين، في محطته التالية اسطنبول، دشّن خطّ الغاز «ترك ستريم» الذي يربط بين روسيا وتركيا؛ وشتان بين شمعة روحية هناك، وأنبوب طاقة ستراتيجي هناك!

 

وأمّا الزيارة الرئاسية الروسية، الوحيدة السابقة، فقد قام بها ديمتري مدفيديف، صيف 2010، وكانت الأولى لأيّ رئيس في عهد الاتحاد الروسي. يومها شدد الزائر على «تفعيل الحوار السياسي المتعدد الأبعاد»، و«إقامة نظام عالمي عادل يقوم على سيادة القانون الدولي، ومساواة كل الدول ـ أكانت كبرى أم صغرى ـ والتعامل بينها من أجل حلّ القضايا العالمية، بما فيها التحديات والمخاطر الجديدة التي نواجهها في القرن الحادي والعشرين». كان لافتاً، كذلك، تذكيره (خلال مؤتمر صحافي مع الأسد) على أنّ العالم بأجمعه قدّر «القرار البعيد النظر» الذي اتخذه حافظ الأسد في «خياره الستراتيجي لمصلحة التسوية السلمية في الشرق الأوسط»؛ منوّهاً بأنّ الأسد الابن إنما «يتابع مسيرة والده، فيما يتعلق بالتقدّم نحو هذا الهدف». ولم يفوّت مدفيديف فرصة التأكيد على دور روسيا، بصفتها العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي وعضو «الرباعية» الشرق الأوسطية، في بذل «جهودها الجادّة من أجل المساعدة على إعادة إطلاق الحوار العربي ـ الإسرائيلي».

وهذا تفصيل يحيل إلى الفوارق في السياسات الروسية الإقليمية، بين علاقة موسكو مع النظام السوري، من جهة أولى لا تخفى فيها أنساق اختلال التوازنات من حيث تبعية النظام التي تزداد وتضطرد؛ وعلاقات موسكو مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في عهد بنيامين نتنياهو، حيث لا تخفى أيضاً أنساق التفاهم والشراكة، من جهة ثانية؛ وعلاقات موسكو مع تركيا، في عهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خاصة، حيث تفاهمات الشراكة أعلى بكثير من خلافات الافتراق، من جهة ثالثة. هذا إذا وضع المرء جانباً علاقات موسكو مع المملكة العربية السعودية، كما تنامت على نحو دراماتيكي خلال زيارة بوتين إلى الرياض في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، حيث لم يفت سيّد الكرملين التذكير بعلاقات روسية ــ سعودية عمرها 90 سنة، وأنّ التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بمعدل 15٪ خلال العام. وبينما أشعل شمعة في الكاتدرائية المريمية في دمشق، ثمّ بدا أشبه بقيصر يتفقد قواته على أصقاع نائية بعيداً عن مركز الإمبراطورية؛ فإنّ بوتين، في محطته التالية اسطنبول، دشّن خطّ الغاز «ترك ستريم» الذي يربط بين روسيا وتركيا؛ وشتان بين شمعة روحية هناك، وأنبوب طاقة ستراتيجي هناك!

وكانت محقة انتباهة كثير من السوريين، في أوساط الموالاة قبل المعارضة، إلى هذه الجولة الجديدة من امتهان الرئيس الروسي لرموز «السيادة الوطنية» السورية؛ مستذكرين تلك الجولة الأولى في مطار حميميم، حين استُدعي الأسد إلى القاعدة الروسية على عجل، ومن دون إخطار مسبق تقتضيه أبسط الأعراف الدبلوماسية. في دمشق تمّ الاستدعاء إلى ما سُمّي بـ«مقرّ فريق القوات المسلحة الروسية في سوريا»، الذي غاب عن جنباته أيّ رمز يدلّ على وجوده في سوريا، وليس صور «القائد إلى الأبد حافظ الأسد» وحدها، ولا صورة نجلَيْه باسل الأسد وبشار الأسد أيضاً، بل غاب حتى علم النظام أو بيارق ما تبقى من جيشه. ويصعب، إلا عند المطبّلين للنظام، أن يكون الأمر إهمالاً من جانب الفريق الروسي، أو سهواً عن تدابير بروتوكولية بسيطة ولكنها حاسمة؛ فالأمر ببساطة، هنا كما كان في حميميم، تذكير صريح بأنّ هذه على وجه الدقة هي طبيعة العلاقة بين نظام تابع وقوّة عظمى محتلة تعهدت إنقاذه وتتولى اليوم تسييره.

يصعب، كذلك، إهمال حقيقة أخرى بسيطة تفيد بأنّ بوتين لم يكن قادماً إلى دمشق أصلاً، عن سابق قصد وتصميم، بل كانت اسطنبول هي محطته الكبرى الأهمّ، لافتتاح خطّ الغاز؛ فلم يجد ضرراً (فما بالك أن يرى مانعاً!) في أن يعرّج على جيشه وضباطه المرابطين في سوريا، أهمّ معاقله الشرق ــ أوسطية حتى إشعار آخر، فيكرّم من خلالهم بطريركية موسكو وسائر الأرثوذكس. وما دامت المصادفة شاءت أن تترافق زيارته مع التسخين الأمريكي ــ الإيراني، وحديث العالم عن مخافر الوليّ الفقيه في العراق ولبنان وسوريا واليمن؛ فلِمَ لا يذكّر بوتين العالم إياه بأنّ المخفر هنا، في سوريا، روسي أوّلاً، وأنه السيّد فيه، والوليّ الآمر، ومالك الأوراق الأكثر تأثيراً على الطاولة؟ وكيف، بالفعل، لا يتذكر جميع المعنيين بالمنطقة، إقليمياً وعالمياً، بأنّ «القيصر» بارع في الجمع بين سوريا وتركيا وليبيا، علانية؛ مع مصادقة، ضمنية أو علنية، من واشنطن وتل أبيب؟

 

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

===========================

هل انتهى الدور الإيراني في المنطقة أم باق ويتمدد؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 11/1/2020

بعد تصفية أمريكا للقائد الإيراني قاسم سليماني بدأ الحديث يتردد في وسائل الإعلام والأوساط السياسية العربية والدولية عن بداية النهاية للمشروع الإيراني في الشرق الأوسط. لكن ما مدى صحة هذه التكهنات والتوقعات؟ هل أنهت إيران مهمتها ووظيفتها الأمريكية في المنطقة فعلاً؟ نرجو ألا يقول لنا أحد إن إيران صاحبة مشروع، فهذا الكلام في العصر الأمريكي ضرب من الأحلام والأكاذيب الفاقعة، فأمريكا حصراً هي من تحدد الأدوار للاعبين في الشرق الأوسط حتى هذه اللحظة، وليس مسموحاً لأحد أن يتجاوز الحدود والأدوار الأمريكية الموكلة للاعبين. وكل ما قامت به إيران حتى الآن كان بمباركة أمريكية، وبالتالي، فإن استمرار التمدد الإيراني أو إنهاءه في المنطقة هو قرار أمريكي بالدرجة الأولى.

صحيح أن إيران استغلت الجانب المذهبي وسيطرت على العراق بواسطة أتباعها من الشيعة، لكن من الذي سهل لها ولشيعتها الإيرانيين الوصول إلى السلطة والتحكم بالعراق. هل كانت إيران وأتباعها من شيعة العراق يحلمون بحكم العراق لولا الدبابات الأمريكية؟ منذ متى وهم ينتظرون للوصول إلى السلطة في العراق؟ منذ مئات السنين. لقد حاول الخميني بحربه ضد صدام لثمان سنوات ففشل، وتجرع السم وأوقف الحرب، ثم يأتي الغزو الأمريكي فيحمل الأحزاب الشيعية المبعثرة والشاردة في إيران ولندن وهولندا وأمريكا وسوريا ووووو إلى سدة الحكم في العراق، وبالتالي على إيران وأتباعها أن يشكروا السيد الأمريكي الذي حقق لهم الحلم الذي يراودهم منذ مئات السنين.

هل دخلت إيران إلى سوريا وتغلغلت في كل مفاصل الدولة بينما كانت أمريكا وإسرائيل نائمتين؟ هل وصل قاسم سليماني إلى الحدود الإسرائيلية السورية لسحق جماعات المعارضة السورية رغماً عن أنف الأمريكي والإسرائيلي؟ هل كانت الأقمار الصناعية الإسرائيلية معطلة ولم تلمح عشرات الجماعات الشيعية التي شحنتها إيران إلى سوريا لدعم النظام؟ لقد كانت أمريكا وإسرائيل تشتكي من حزب الله اللبناني، فكيف سمحتا لإيران بإدخال عشرات أحزاب الله جديدة إلى سوريا المتاخمة لإسرائيل المقدس الأول في الاستراتيجية الأمريكية؟ وحتى حزب الله اللبناني نفسه، ماذا فعل بعد حرب 2006 المبرمجة سوى حماية الحدود الإسرائيلية؟ وحدث ولا حرج عن التغلغل الإيراني في اليمن. هل دخلت إيران اليمن ولم يلمحها الأمريكي، أم إنها دخلت بضوء أخضر أمريكي لدعم الحوثي لأهداف تخدم مصالح الأمريكي في الخليج على صعيد استنزاف دول الخليج وترهيب الخليجيين بالبعبع الإيراني؟

الاحتلال الإيراني للعراق وسوريا ولبنان واليمن كله مرهون بالمباركة والضوء الأخضر الأمريكي، فهل يعقل أن إيران يمكن أن تضحي باستثماراتها التاريخية في دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء وتحارب أمريكا؟ فقط المغفلون والأغبياء يمكن أن يصدقوا نشوب حرب بين الأجير الإيراني والمعلم الأمريكي.

 

الاحتلال الإيراني للعراق وسوريا ولبنان واليمن كله مرهون بالمباركة والضوء الأخضر الأمريكي، فهل يعقل أن إيران يمكن أن تضحي باستثماراتها التاريخية في دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء وتحارب أمريكا؟

 

مغفل من يعتقد أن لإيران مشروعاً، بل هي جزء من المشروع الأمريكي، ولو كان مشروعها يتعارض مع المشروع الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة لما تجرأت على العبور إلى أي بلد عربي. ونحن شاهدنا ماذا حصل لكل المغضوب عليهم في المنطقة عندما رفعوا أصواتهم في وجه أمريكا. ولنتذكر ماذا فعلت أمريكا بأعتى منافس لها في التاريخ الاتحاد السوفييتي عندما كان يهدد مشروعها فعلاً، فما بالك بإيران التي لا تشكل خمسة بالمائة من الخطر السوفييتي.

لا شك أن تصفية قاسم سليماني شكلت صدمة كبرى غير متوقعة لإيران، خاصة وأن التغلغل الإيراني في المنطقة كان يجري بسلاسة دون أي مماحكات مع الأمريكي إلا بالعنتريات الإعلامية فقط، فجاء قتل سليماني ليهز القارب الإيراني. والسؤال الآن، هل يعقل أن أمريكا شعرت الآن بالخطر الإيراني وهي ترعى وتراقب التمدد الإيراني في المنطقة منذ 1979 عن كثب؟ نحن الآن أمام احتمالين، فإما أن يكون مقتل سليماني نوعاً من ألعاب التضليل الاستراتيجي الذي يبدو للوهلة الأولى خطيراً جداً، لكنه سرعان ما نكتشف أنه يصب في النهاية في المصلحة الإيرانية. ومعروف أن الألعاب الكبرى تحتاج إلى هزات كبرى كي تمر لعبة التضليل الاستراتيجي، فلولا أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر مثلاً لما استطاعت أمريكا تبرير غزوها لأفغانستان والعراق. فهل يمكن أن تنسحب أمريكا الآن من المنطقة بعد مقتل سليماني وتقوم بتسليم المنطقة بأكملها للإيراني كنتيجة محسوبة لعملية الاغتيال؟ هذا الطرح ينتشر الآن على نطاق واسع إعلامياً وسياسياً. ويقول الدكتور عبدالله الشايجي أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت وهو متابع دقيق للسياسة الأمريكية إن تصفية سليماني مقدمة لإنهاء الوجود الأمريكي في العراق وسوريا وتسليم المنطقة بالكامل لإيران.

صحيح أن إيران فقدت قائداً شهيراً، لكن اللعبة الأمريكية أنهت في الوقت ذاته الثورة العراقية على ملالي إيران، وجعلت الانتفاضة اللبنانية على حزب الله أثراً بعد عين، ناهيك عن أن الضربة الأمريكية دفعت الإيرانيين الذين كانوا منتفضين في الشوارع قبل أسابيع يلتفون حول نظامهم المترنح. لقد جاءت تصفية سليماني كقبلة الحياة بالنسبة للنظام الإيراني. وقد لاحظنا أن التخادم بين الأمريكي عاد إلى الواجهة بعد مقتل سليماني بشكل مفضوح، فقد أعلنت إيران أنها تريد طرد الأمريكيين من المنطقة، وهو ادعاء سخيف لا تقدر عليه طهران، لكنها تغازل بذلك الأمريكي كي يستخدم التهديد الإيراني لابتزاز الخليج. ادفعوا بالتي هي أحسن، نحن تهددنا إيران ويجب أن نرحل، لكن إذا كنتم تريدون بقاءنا في المنطقة كي نحميكم من إيران عليكم أن تدفعوا. وقد لاحظنا في رد الرئيس الأمريكي على الهجوم الإيراني على قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق أنه قال: «أمريكا لم تعد بحاجة لنفط الخليج وغازه بعد أن أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز في العالم». وهو بذلك يبتز دول الخليج بشكل مفضوح، إما أن تدفعوا وإلا نحن سنترككم فريسة للخطر الإيراني.

العلاقة الإيرانية الأمريكية أشبه بالمصارعة الأمريكية، حيث نرى المصارعين يصرخون في وجوه بعضهم البعض، ثم يتعاركون بطريقة تبدو عنيفة للغاية وسط أصوات الجمهور المنفعل جداً، لكن في النهاية لا يموت أي مصارع، لا بل إن المصارعين يتقاسمون أرباح المسرحية من المتفرجين المغفلين. وعلى ما يبدو هكذا هو الصراع بين الأمريكي والإيراني في المنطقة. وما دامت الأرباح تتدفق على الخزينة الأمريكية، فإن النظام الإيراني سيستمر بأداء دوره المعهود. باختصار، فهو باق ويتمدد.

===========================

موقفنا : حقيقة ما جرى للطائرة الأوكرانية ...!!!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

11/1/ 2020

وتحت ضغط نصوع الأدلة ، وقطعيتها ، وتوجس العالم .. اعترفت " قم " بإسقاط الطائرة الأوكرانية ، وأن صاروخا من صواريخ حرسها الثوري قد أسقط الطائرة عن طريق الخطأ..

ولم تنس " قم " أن تحمل ، حليفتها ، الولايات المتحدة المسئولية العامة عن جريمة إسقاط الطائرة ، التي راح ضحيتها قرابة مائتي إنسان . بغض النظر عن الهويات . وقال بيان قيادة الأركان الإيرانية : إن إسقاط الطائرة قد تم في أجواء اغتيال سليماني ، وزحمة التهديدات الأمريكية ، وحركة الطائرات المتكاثرة في المنطقة ، وكذا بسبب اقتراب مسار الطائرة الأوكرانية من مقرات الحرس الثوري ..كل أولئك أدى إلى حدوث خطأ بشري ، والإطلاق على الطائرة المنكوبة وإسقاطها . وقتل قرابة مائتي إنسان بكبسة زر.

وتقدمت قيادة الأركان الإيرانية بالتعزية - وفي هذه التعزية يكمن لغز إسقاط الطائرة المنكوبة ، تقدمت قيادة الأركان الإيرانية بالتعزية - لشهداء الشعب الإيراني وقتلى الدول الأخرى !!!

لقد جاء إسقاط الطائرة - في رأيينا - فعلا متعمدا مع سبق الإصرار والترصد كرد فعل أولي على مقتل قاسم سليماني . إن الأمر الذي لا نستطيع الجزم به في هذا السياق هو: هل اتخذ قرار إسقاط الطائرة على مستوى الدولة والمؤسسات العليا ، أو على مستوى قيادة الحرس الثوري ، التي يزعم بيان الأركان إنه أي الحرس الثوري شعر في بعض مواقعه بالتهديد - تذكروا نحن نتحدث عن طائرة مدنية ، تقلع من مطار مدني - أو أن القرار كان شبه فردي على مستوى وحدة صغيرة من التي تمتلك الحق في إطلاق الصواريخ . وهذه الحقائق في دوائر احتمالاتها الثلاث هي التي ستناور " قم " طويلا دون الإفصاح عنها .

وبشكل ما فإن على الولايات المتحدة وكل دول الغرب التي تماهت طويلا مع ازدواج الخطاب - الموقف من السياسة الإيرانية ، هذا الازدواج الذي بات مقبولا عند تأسيس التوليفة الإيرانية - الأمريكية منذ عهد ريغان ، لا بد أن تؤتي ثمارها المرة ، ولاسيما بعد أن أوكلت الولايات المتحدة إلى متطرفي " قم " أمر تطويع المسلمين في سائر العالم وكسر شوكتهم .

ازدواج الخطاب مع الموقف لا يطلع عليه رجل الشارع الموالي للولي الفقيه وهو يتغذى كل يوم على شعارات الوعيد بالموت ، والوعيد بالثأر للحسين وزينب والطفل الرضيع .

في ثقافتنا العربية نقول : أول الغيث قطر ثم ينهمر ..

وستكون عملية إسقاط الطائرة الأوكرانية أول الارتجاعات المقيتة لثقافة الكراهية التي عُبئت بها ملة الولي الفقيه ، والتي استوفت الكثير من أجساد أطفال الأفغان والعراقيين والسوريين ..!!

تذكروا هذا ولا تنسوه : قيادة الأركان الإيرانية تعزي بركاب الطائرة المنكوبة ؛ الإيرانيين بشهدائهم والآخرين بقتلاهم ..

وربما الذي لم يعرفه الذين استهدفوا الطائرة ، مع أنها أوكرانية !! أن أكثر ركابها كانوا من الشهداء المقربين !!

نحن سمعنا كثيرا : يالثارات الحسين .. وأظنكم تسمعون اليوم : يالثارات سليماني !!

وعندما تتحد المدخلات تتحد المخرجات لو كنتم تعلمون .

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

وجوه التغيير الديموغرافي في سوريا...

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 11/1/2020

أربعة وجوه يصح التوقف عندها في رصد عمليات التغيير الديموغرافي في سوريا، وهي ترتبط بأربع جهات، تمتلك ليس فقط حضوراً سياسياً وأدوات عسكرية في الصراع الدائر، وإنما أيضاً خططاً مبيَّتة لتبديل التركيبـة السـكانية في بعض المدن والمناطق، متوسلة مختلف أساليب الترغيب والترهيب، لإكراه جماعات بشرية من عرق أو دين أو مذهب معين، على الهروب وترك مساكنهم وأراضيهم، لتستولي عليها جماعات لها عرق أو دين أو مذهب مختلف.

أولاً، ثمة دور قديم للنظام السوري في تدشين التغيير الديموغرافي، تجلى، فور استيلائه على الحكم، في مشروع الحزام العربي، حيث نقل السكان العرب ممن غمرت مياه سد الفرات قراهم عام 1974 ليتم توطينهم شمالاً على حساب الأكراد، في شريط حدودي بطول 300 كلم وعرض 15 كلم، تلاه تشجيع عشرات الألوف من أبناء الطائفة العلوية على الاستيطان في مدينتي دمشق وحمص، ربطاً بتوفير فرص عمل لهم في المؤسستين الأمنية والعسكرية، وتسهيل استيلائهم على أراضٍ للدولة لتمكينهم من بناء مساكن متفرقة صارت مع الزمن أحياء واسعة ومكتظة، كأحياء عش الورور وتشرين والسومرية وحي الـ86 في دمشق وحيي عكرمة والزاهرة في حمص، وتجدد هذا الدور مع انطلاق ثورة السوريين بتركيز النظام على تدمير جزء كبير من أحياء المعارضة في مدينة حمص وتهجير من بقي فيها، وإحلال موالين له بدلاً منهم، بحيث غدت غالبية التركيبة السكانية للمدينة من أبناء الطائفة العلوية، خصوصاً بعد حصار طويل لحي الوعر الذي أصبح مكتظاً بأبناء المدينة الفارين من عنف النظام، وإخلائه من سكانه عام 2017، وازداد هذا الدور وضوحاً بعد تراجع نفوذ النظام عسكرياً وتقدم خيار ما سمي «سوريا المفيدة»، حين عدّ نهر العاصي حاجزاً طبيعياً بين كتلة النظام الاجتماعية والنسيج السكاني القديم، ليطال التغيير العديد من المناطق في ريف حماة، مثل قرى العشارنة وقبر فضة والرملة، حيث تم تهجير أهلها بفعل القصف والمجازر وتوطين عائلات علوية مكانهم.

ثانياً، لإيران وميليشياتها دور كبير وخطير في عمليات التغيير الديموغرافي الممنهج في سوريا، وأوضحها في العاصمة دمشق، نظراً إلى أهميتها السياسية ولوجود عدد من المراقد الدينية الشيعية فيها، وقد استغلت طهران، إلى جانب التهديد والترهيب، تنامي العوز والفقر عند كثير من السوريين في أحياء دمشق القديمة، لإجبارهم على بيع ممتلكاتهم، ما جعل الأحياء المحيطة بالجامع الأموي وبمرقد الست رقية وشارع الأمين، منطقة شيعية بامتياز وأشبه بساحة أمنية للإيرانيين وميليشياتهم، وتحت الذريعة ذاتها امتد التغيير الديموغرافي إلى داريا في ريف دمشق، حيث مرقد الست سكينة، فتم إكراه 700 مسلح ومن تبقى من عائلاتهم، وبعد حصار طويل، على الانتقال إلى إدلب، وإحلال أكثر من 300 عائلة عراقية شيعية مكانهم، بينما بقيت منطقة السيدة زينب منذ عام 2012 مقراً للميليشيا الإيرانية، وتكرس هذا المخطط مع استيلاء «حزب الله» على بلدات تقع على الحدود اللبنانية السورية، كما حال مدينة القصير في حمص التي هُجِّر أهلها عـام 2013 ومُنعـوا مـن العـودة إليهـا، وحل مكانهـم سوريون شيعة شكّلوا ميليشيا طائفيـة باسم «لواء الرضا» ليشهد عام 2018 أخطر عملية تهجير وتغيير ديموغرافي بترحيل الآلاف من السوريين السنّة من بلدتي الزبداني ومضايا في ريف دمشق واستبدال الآلاف من السوريين الشيعة والعلويين بهم، تم نقلهم من بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب، ضمن ما عُرف باتفاق المدن الأربع.

ثالثاً، منذ عام 2016 وبعد أن تمكن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من مد نفوذه في شمال وشرق البلاد، قامت أذرعه العسكرية كوحدات حماية الشعب، بتهجير السكان من عشرات القرى لمجرد أنهم عرب، ليستقر بدلاً منهم أكراد موالون للحزب من تركيا والعراق وإيران، تمهيداً لفرض فيدرالية كردية في شمال البلاد، وفي المقابل لم تتردد أو تتأخر الفصائل الإسلاموية المتطرفة، كـ«داعش» و«النصرة»، في طرد أو تصفية كل من يختلف عنها دينياً أو يخالفها عقائدياً، لتدمر، في مناطق نفوذها، دور عباداتهم، وتمكِّن أنصارها من الاستيلاء على ممتلكاتهم وبيوتهم وأراضيهم.

رابعاً، ثمة عملية تغيير ديموغرافي خطيرة تعمل عليها تركيا في هذه الآونة لخلق واقع جديد على حدودها الجنوبية من خلال إعادة صياغة تلك المنطقة، سياسياً واجتماعياً، واضعةً نصب عينيها تهجير وتفكيك الوجود الكردي الكثيف فيها، فاستثمرت النتائج العسكرية لعمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون»، لممارسة مختلف أساليب الترهيب وأشنع وسائل الفتك والتنكيل لإفراغ مناطق غرب نهر الفرات وشمال مدينة حلب من سكانها، مثل قرى ومدن عفرين ومدينة جرابلس والخط السكاني الواصل منها إلى مدينة الباب ومنبج، وإحلال النازحين السوريين مكانهم. زاد الطين بلة، الإعلان التركي الأخير عن السعي لتوطين مليون سوري في مناطق تل أبيض ورأس العين بعد أن أفضت عملية «نبع السلام» العسكرية، لنزوح نحو 500 ألف من سكانها الأكراد، الأمر الذي ينذر ليس فقط بتغيير معالم تلك المناطق، بل بوجود مخطط مغرض لحكومة أنقرة تطمع فيه لضم وامتلاك مزيد من الأراضي السورية، كما فعلت بلواء الإسكندرون إبان الانتداب الفرنسي لسوريا عام 1939.

واستدراكاً، يضع غالبية السوريين أياديهم على قلوبهم خوفاً من تأثير محاولات التغيير الديموغرافي على تعايشهم ووحدة وطنهم ومستقبلهم، ولا يخفف من ثقل هذا الخوف ووطأته ما يعتقده بعض المتفائلين أن ما يجري يحمل في أحشائه أسباب دماره وهو مجرد عبث طارئ لن يدوم طويلاً فرضته حاجة سياسية مؤقتة لا بد أن يزول بزوالها، تحدوهم حقيقة أن التغيير الديموغرافي ملفوظ دولياً كجريمة ضد الإنسانية، حسـب اتفاقيـات جنيـف عـام 1949، ويصعب تمريره في عصر الاتصالات والمعلوماتية، ومع وجود مؤسسات توثّق ما يحدث بعناية ودقة، وأيضاً لكون تلك الكيانات المصطنعة لا تزال محاطة بإصرار سكانها القدامى على استرداد حقوقهم وممتلكاتهم، وبمحطات مهمة في التاريخ نجح خلالها السوريون في إحياء تعايشهم والمحافظة على تنوعهم وتعدديتهم وإفشال غير محاولة لتقسيمهم وتفكيكهم والنيل من هويتهم الوطنية.

===========================

قراءة  في رواية ( القوقعة : يوميات متلصص  )

بقلم : يحيى حاج يحيى

ليس عجيباً في سوريا ـ كما عهدناها ـ أن يكون المسيحي متعاطفاً مع المسلمين .. وأن يكون المسلم مثل ذلك ، فقد عشنا طويلاً في مجتمع واحد ، تجمعنا المواطنة في المدارس والوظائف والجيش والمدن والقرى التي تنقسم أحياناً إلى قسمين يبرز في أحدهما المسجد وفي الآخر الكنيسة ..

أكتب هذا الكلام وأذكر أنه على الرغم من الشرخ الطائفي الذي أوجده نظام حافظ أسد وورثته ، بقي المجتمع السوري متماسكاً إلى حد كبير في بلدتنا التي تقع في وادي العاصي / منطقة الغاب / نتجاور ونتعايش ونعمل .. ويسعى بعضنا في خدمة الآخر ..

ومما يجدر ذكره أن شفيعي لدخول الوظيفة كان ابن جيراننا ميخائيل ، الذي كتب تقريراً مناسباً على اعتبار أنه موظف في الأمن .. فاعتُمد وعُيّنت على أثره وأن قارع الناقوس (مخلو) الذي قتلته المخابرات في حافلة فتحت عليها النار لوجود اثنين من الملاحقين ، كاد أن يكون من الإخوان المسلمين بعد أن أنزلت جثته من الحافلة ، وعند تفتيش جيوبه فوجئ عناصر المداهمة بأنه مسيحي فقالوا : هذا كتائبي ؟!

وأن كثيراً من أبناء بلدتنا وجيراننا لم يبتهجوا بمناسبة عيد الفصح ، لأن مجزرة استهدفت عدداً من جيرانهم المسلمين !! وأن خوري الكنيسة في مدينتنا كان يستريح قرب حنفية المسجد في حينا وهو عائد من السوق بعد أن طعنت به السن . فيسلم على الخارجين من الصلاة ويسلمون عليه ...

وأن زميلاً لنا في الجامعة دعانا لمنزله  ، وعددٌ من زملائنا لا يعرفون أنه مسيحي فحانت صلاة المغرب ، فصلينا في منزله وحين سأله زميل لنا : هل صليت ؟ ابتسم وقال :

ـ صليت في الغرفة المجاورة  !

دونت هذه الذكريات ، وأنا أقرأ كتاباً بعنوان : القوقعة : يوميات متلصص . لأحد مواطنينا المسيحيين  وقد قضى في سجن تدمر اثني عشر عاماً ، لاقى فيها الأمٓرّين ، بتهمة الإخوان المسلمين على الرغم من أنه قال وصاح : أنا رجل مسيحي . ولكن أحداً لم يبالِ به فكتب الله أن يكون شاهداً من جملة الشهود على جرائم النظام الطائفي الذي لا يخجل من تبرقعه ببرقع الطائفية في الممارسات والأقوال ..

صرخت (حوار مع السجان) :

ـ سيدي أنا مسيحي ، أنا مسيحي .

ـ شو ولا !! عم تقول مسيحي ؟! العمى بعيونك ولا . ليش ما حكيت ؟! ليش جايبينك لكان ؟أكيد .. أكيد عامل شغلة كبيرة ! مسيحي ؟!

ـ يا أخي أنا ماني مسلم .. حتى أكون إخوان مسلمين ـ أنا مسيحي وليش حطوني هون ، ليش جابوني أصلاً ، ما بعرف .

ـ لَكْ أخي ! الطاسة ضايعة .. ما في حدا لحدا ؟!

وفي حوار مع الجلاّد :

شرحت الأمر وبنفس اللهجة الجبلية ردّ عليّ :

ـ وإذا مسيحي ، بلكي عاونت الإخوان المسلمين مثلاً ـ يعني بلكي بعتهم سلاح مثلاً ..

ولم يصدق السجّان والجلاد أن هذا المواطن المسيحي قد عاد من فرنسا منذ أيام .. ولكن كيف أصبح من الإخوان المسلمين ؟ يقول :

عرفت فيما بعد أن أحدهم ، وكان طالباً معنا في باريس ، قد كتب تقريراً رفعه إلى الجهة الأمنية التي يرتبط بها ، يقول هذا التقرير : إنني قد تفوهت بعبارات معادية للنظام القائم ، وإنني تلفظت بعبارات جارحة بحق رئيس الدولة ، وهذا الفعل يعتبر من أكبر الجرائم يعادل فعل الخيانة الوطنية إن لم يكن أقسى .. وهذا جرى قبل ثلاث سنوات على عودتي من باريس ؟!

أراهن أمام هذا الكتاب على أمرين : الأول : أن أحداً ممن يقرأ معاناة هذا المواطن المسيحي يستطيع أن يملك فوران الدم في رأسه ، وأن يضبط أعصابه ولا يفكر بالثأر الذي يتجذر في نفوس أهل سورية يوماً بعد يوم .

والثاني : أن يثبت أحد ما أن في هذا الكتاب معلومة كاذبة أو خبراً مدسوساً .

و قد قرأت عن تدمر ومأساة السجناء فيها وجرائم حافظ أسد وورثته سواء من أبناء طائفته أم غيرهم ، كتباً ... مثل (في القاع ، سنتان في سجن تدمر العسكري) و (شاهد ومشهود) وسمعت من أفواه من نجا ما تقشعر له الأبدان ، فلم أجد اختلافاً واحداً في وصف القتل والإعدام ومعاناة الأكل والحمام والتفتيش 

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com