العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18-07-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

روسيا المصدرة للنفط والقمح.. تشارك في الجريمة فقط

فاطمة ياسين

سوريا تي في

الخميس  15/7/2021

رغم ما يثيره مصطلح القطاع العام من امتعاض وما يستحضره من فساد وسوء إدارة وهدر، فإن هذا القطاع هو في الواقع مصدر دخل نصف السوريين الذين ما زالوا يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها جيش بشار الأسد وحلفائه، حيث يعيش السكان جميعا علاقة الرعية بالحاكم الذي يؤمِّن تعطفه وتلطفه مستلزمات مهمة لتسهيل حياتهم، ولكن هذا الحاكم خاض مغامرات على مدى عشر سنوات جرّت ويلات وكوارث على هذا القطاع العام، هوت به إلى مستويات مالية متدنية وسببت للسكان حالة فقر تصل إلى مرحلة التضور، وحين وصل الجوع مستويات عصية على القياس، قرر رأس النظام أن يلعب دور الحاكم الصالح، فرفع بما يمتلكه من سلطة معدلات أجور الشعب الذي يربض على صدره بقوة، ولكن وبشكل آلي وبتناغم سوقي ارتفعت أسعار الأساسيات مرة أخرى. تبدو الزيادة التي قدمها الحاكم في منتهى السخف والضآلة، بما يعني وبلغة اقتصادية فصيحة أن الزيادة كانت مجرد فخ، تجبر الحكومة فيها الشعب على دفع كل الفواتير المطلوبة، وفي حالة العجز فعليه بكل بساطة أن يجوع ويصبر على الجوع.

قرر رأس النظام أن يلعب دور الحاكم الصالح، فرفع بما يمتلكه من سلطة معدلات أجور الشعب الذي يربض على صدره بقوة

المشكلة الاقتصادية التي وضِع السوري فيها ذات وجهين، الأول هو المقدرة الشرائية المنخفضة، فواقعيا هناك كثير من السلع التي يحتاجها السوري في حياته اليومية موجودة ومعروضة بأناقة وزخرفة على واجهات المحال، ولكن ما يملكه الشخص غير كاف لشرائها، فالأسعار حلقت عاليا وأصبح اللحاق بها حلما عسيرا، أما الوجه الثاني فهو مشكلة عدم توفر سلع أخرى، وهناك منها ما لا يمكن الاستغناء عنه، وهو غير موجود في الأسواق، بل في أماكن محددة، وتسيطر الحكومة على توزيعه وتسعيره، ولتظهر هذه الحكومة عدلا في توزيع البؤس اخترعت لهذا النوع من السلع حلا يسمى البطاقة الذكية، وتقوم هي باختيار المواطن المحظوظ الذي سيحصل على سلعته العزيزة وبسعر قد يمكن توفيره، ولكن هنا تلعب آليات القطاع العام الحصرية المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة دورها، وبالنتيجة يبقى القسم الأكبر من الشعب إما غير قادر على الشراء، أو هو عاجز عن الوصول إلى سلعته الضرورية.

السلعتان الأساسيتان اللتان تحركان السوق السورية هما الوقود والخبز، فالوقود يشكل عنصر التحرك والتدفئة الأساسي، أما الخبز فهو العادة الغذائية المفضلة لكل الشعب السوري، ولا يمكن الاستغناء عنها بأي شكل، وهاتان السلعتان بالذات هما مشكلة السوري، ونشاهد طوابير الخبز تقاس بمئات الأمتار وطوابير محطات المحروقات تنافسها في الطول، يعني لا توجد سلع لكن توجد طوابير! وجاء اختراع البطاقة الذكية في سياق مراوغة أزمة هذه الطوابير الضخمة، فأصبح المواطن تحت كابوس انتظار الرسالة السحرية التي تضمن بقاءه وأسرته أحياءً أسبوعا آخر. بعد أن أصبحت يد النظام مغلولة ولا تملك طولا كافيا يصل إلى حقول النفط والأراضي الصالحة لزراعة القمح في الشمال، حرمت السلطة الحاكمة من أهم مادتين لازمتين لتمتين بقائها، وحاولت إيران إمداد سوق حليفها بالوقود ولكنها هي الأخرى صارت واقعة بمشكلة مماثلة لذلك توقفت عن الدعم، وأصبح النظام يتسول المادة أو يسرقها بعيدا عن الأعين التي تراقب العقوبات المشددة.

حرمت السلطة الحاكمة من أهم مادتين لازمتين لتمتين بقائها، وحاولت إيران إمداد سوق حليفها بالوقود ولكنها هي الأخرى صارت واقعة بمشكلة مماثلة لذلك توقفت عن الدعم

الحليف الروسي الذي يعتبر من مصدري النفط ويتحكم بنسبة مهمة من قطاع الطاقة العالمي، فروسيا ثالث أكبر منتج للنفط في العالم بمجموع عشرة ملايين برميل في اليوم، تصدِّر نصفها، لتكون ثاني أكبر مصدر للنفط، إلى جانب ذلك فهي تحقق فائضا هائلا في محصول القمح، وتنتج سنويا نحو 85 مليون طن، من المتوقع أن تصدر هذا الشهر وحده نحو مليوني طن، وهذه الكمية تكفي سوريا "النظام" مدة عام كامل.. تشكل هذه الأرقام مفارقة وتثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين النظام السوري وروسيا التي تبدو شديدة السخاء في مجلس الأمن في الدعم السياسي، وفي الدعم الجوي الذي يهشم العائلات في قرى إدلب، ولكن عند التحدث عن الغذاء والوقود لا نجد أي تحرك روسي لمساعدة هذا الحليف الذي وصل إلى مرحلة المجاعة.

الزيادة التي قررها النظام في الأجور تعبير آخر عن أزمته المالية، وهي الطريقة التي يظهر فيها عجزه عن مواجهة استحقاقه الاقتصادي والمالي، فيلجأ إلى سرقة شعبه بالرفع الشكلي لأجور أكثر من نصف القوى العاملة التي يستوعبها ضمن نظامه المسمى قطاعا عاما، فينزل بها درجة أخرى من درجات الفقر، أما النصف الآخر والذي لا يعمل لديه فنصفه عاطل عن كل شيء، ونصفه الآخر يراقب ما يحدث بصمت، هذه مرحلة أخرى من مراحل تدهور حال النظام وسوريا، وزيادة الرواتب كذبة لا تصل إلى مرتبة الرشوة، أما الداعم الروسي فشأنه شأن الضباع التي تنتظر أن تموت الفريسة لينقض عليها.

=========================

وجهة نظر : مشروعنا ومشروع طالبان

زهير سالم

مركز الشرق العربي

١٧/ ٧ / ٢٠٢٢

ويوما بعد يوما يتصعب على الإنسان الجهر بكلمة الحق، ولا سيما وهو يرى كثيرا ممن هو قريب منهم يلتحفون لحاف بعض أهل الباطل ..

قد لا يعجبني ، لا يعجبك، لا يعجبنا؛ مشروع طالبان السياسي" في الصورة التي تلقيناه " وهذا حقنا ..

ولكن ليس بطريقة حط الحق على الطالباني، كما يفعل بعضهم دائما " حط الحق على السوري"

قوم لهم خياراتهم، ولهم مشروعهم، ورثوا الفصائل الأفغانية بعد انتصارها على الروس، وبعد احترابها، وثبتوا في وجه الاحتلال الأمريكي والكرزيات متعددة الصيغ. من حقنا أن ندعو للشعب الأفغاني بكل خير ، وللقوة الأفغانية الصاعدة بالرشد بما يحقق للشعب الذي ترود له الطريق السلم والسلام والتقدم والرفاه، في بحبوحة الخيار الإسلامي الرشيد.

من حقنا هذا ولكن ليس من حقنا أن نفصل الثوب الأفغاني على مقاسنا، كما أنكرنا من قبل على من قام يخطر " بالسروال" الأفغاني بيننا.

ولو استلهمنا من التجربة الطالبانية وحدة الصف في أصعب الظروف- والصبر - والثبات- والتضحية ..

وقدمنا لوطننا - نحن السوريين- مشروعا سياسيا يلبي تطلعات جماهيرنا العريضة ، ويوفي بحقوق جميع السوريين وينتمي إلى العصر الذي نعيش؛ لكان الأولى بِنَا.

ملاحظة مهمة:

المشروع الإسلامي عنوان عريض، والمشروع الإسلامي ليس دائما واحدا، بل هو متحد في الغايات، قابل للاختلاف في الفصول والأولويات. يتفق في خطوط عريضة، إرادة العدل والمساواة لكل الناس، ولكنه قد يختلف من إقليم إلى إقليم حسب التركيب السكاني، والواقع الاجتماعي، والظرف الفكري، والقضايا الأكثر حضورا ..

بل أكثر من ذلك يمكن أن يكون لنا في سورية نفسها أكثر من مشروع إسلامي، تتقدم به أكثر من جهة وطنية، كلها تتمسك بالإسلام وتختلف في تقدير الموقف وتحديد الأولويات. وتقديم المصالح التي تعتبر، أو المفاسد التي تدرأ .

الحق لا يدور مع شخص، ولا يوضع دائما على شخص.

والمشروعات الكبرى لنهضة الأمم والشعوب، ليس وصفة نجدها في كتاب.

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

التقارير الدولية عن سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس  15/7/2021

تقرير منظمة أوكسفام الأخير عن سوريا يثير الرعب، 88 في المئة من السوريين تحت خط الفقر وعلى حافة المجاعة، سنوات الحرب ومن ثم وباء كورونا جعلت سوريا من أكثر الدول مرشحة لحصول مجاعة بسبب تخبط وفشل نظام الأسد في الاستجابة للتحديات الاقتصادية، ربما لم يكن هذا التقرير هو الأخير وحتما لن يكون، فمؤشرات الانهيار الاقتصادي بدأت تتصاعد في سوريا منذ عام 2014 من دون أن يكون هناك رد من نظام الأسد أو اكتراث لهذه الأرقام المخيفة.

وصلت سوريا إلى الحضيض مع الأسد لا شك في ذلك كما تشير كل هذه التقارير الدولية، لكنه للأسف وهو يغوص في الوحل يكاد يجر كل السوريين معه إلى هذا الوحل

الجواز السوري هو الأسوأ عالميا وأينما يسافر السوري يشعر أنه مطرود أو مطارد، لا يأمن التنقل بجوازه السوري الذي يعرف أن لا قيمة له، وأنه في أسوأ الخيارات لا يستطيع الذهاب به إلى سوريا.

السؤال هنا لماذا لا تجد كل هذه التقارير الدولية والأرقام المرعبة أية رد فعل من قبل الأسد؟ نعرف أن لديه تبلداً في الإحساس العام، ونعرف أنه يكذّب كل هذه الحقائق، لكن من المستحيل على السوريين أن لا يروا كل هذه الصور والفيديوهات التي تنقل المأساة لحظة بلحظة من دون أن يكون هناك أية ردة فعل من قبل حكومة الأسد.

هذا هو بالضبط انفصال الدكتاتورية عن الواقع، فهي تعيش جنون عظمتها في الوهم الذي تخلقه عن نفسها، لا تكترث للملايين التي لا تجد قوت يومها، لا سيما بعد رفع الأسعار الأخيرة وانهيار الليرة السورية المتزايد ، فقد فقدت الليرة السورية أكثر من 60 في المئة من قيمتها، خلال أقل من عام وهذا الانهيار ليس له قاع يستقر عنده وهو ما قاد إلى انهيار دخل المواطن السوري بشكل لم يسبق له مثيل في ظل امتناع النظام عن اتخاذ أي إجراء أو تدخل فاعل للحد من التدهور، فهو لا يملك أيا من أدوات التدخل الذي يمكن النظام من الحد من هذا التدهور.

الحقيقة أن القيمة الفعلية للدولار على حساب الليرة أكبر بكثير وربما يفوق حاجز الثلاثة آلاف ليرة، وأن السقوط الحر لليرة السورية سيستمر إذا ما بقي نظام الأسد من دون أية عملية للانتقال السياسي، هل هذا يعني أن الأسد سيكترث للمصاعب الاقتصادية التي يعانيها الشعب السوري اليوم أو غدا؟ بالطبع لا، إنه نوع من أنظمة الإبادة التي لا يهمها ذل الشعب أو فقره أو حتى إبادته كما فعل الأسد في استخدام السلاح الكيماوي في أكثر من 53 مرة ضد المدنيين السوريين وفقا للأمم المتحدة.

وبالتالي فعلينا أن نكون واثقين بأن كل الأزمات الاقتصادية التي تمر بها سوريا اليوم لن ترف جفنا في عين الأسد فما فعله بالسوريين كان أكبر بكثير من أن تجعله يكترث لفقر السوريين أو وجعهم وآلامهم ، وهذه هي المعضلة الحقيقية، فصحيح أن العقوبات تستهدف نظام الأسد بشكل رئيسي لكنها وبشكل غير مباشر تؤذي السوريين وتؤلمهم حتى المواطنين العاديين منهم الذين لم يدعموا نظام الأسد يوماً، لكن فك عزلة الأسد أو إزالة العقوبات المفروضة عليه لن تخدمهم أيضا، فالأسد اليوم يدين بحمايته لروسيا وإيران أولا، وثانيا للقيادات العسكرية والشبيحة في طائفته التي وقفت ضد خيارات الشعب السوري، وقررت الغوص في دمائه بعيداً، ضد تطلعات السوريين ورغباتهم في الحرية والديمقراطية، فالأسد اليوم مدين لهم بالوفاء وبإرضائهم بكل الامتيازات التي يرغبون بها، مهما كانت هذه الامتيازات وارتفع ثمنها، فرفع العقوبات سيخدم الأسد ولن يفيد الشعب السوري بشيء وهذه تماما معضلة الليرة السورية فمن يتأذى هو الشعب السوري لكن تحسنها لن يفيده، بالنهاية مشكلة الليرة السورية مع الأسد وليس مع الدولار.

 علينا أن نكون واثقين بأن كل الأزمات الاقتصادية التي تمر بها سوريا اليوم لن ترف جفنا في عين الأسد فما فعله بالسوريين كان أكبر بكثير من أن تجعله يكترث لفقر السوريين

=========================

لماذا يجب أن يكون الحلّ في سورية عربياً؟

حسان الأسود

العربي الجديد

الخميس  15/7/2021

باستثناء فترة الحكم الأموي، لم تكن سورية ذات حضور مركزي قائد في المنطقة. ويصلح هذا الوصف للفترة منذ انتشار الإسلام وتجذّره ضمن إطار العروبة، وفق مفاهيم متفاوتة في الدلالة، حسب تطوّر مصطلحي العروبة والإسلام ذاتهما. لقد أمْلَتْ الصراعات البينية على السلطة، والتي ثارت أواخر عهد الخليفة عثمان بن عفّان، على الأمويّين من أبناء عمومته التمترس في دمشق، لصيانة مُلكهم العضوض الذي نصحهم كبيرهم أبو سفيان بالعضّ عليه بالنواجذ والأنياب، وبتقاذفه بينهم تقاذف الكرة. لقد كانت قوّات الأمصار القادمة من الكوفة والبصرة ومصر قادرةً على إطاحة الخليفة ذي النورين، بعد حصار دام أربعين يوماً حسبما يذكر الطبري والبلاذري وغيرهما من المؤرّخين الإسلاميين. وقد كان في وسع معاوية (حكم دمشق أربعين عاماً منها عشرون والياً وعشرون أميراً للمؤمنين) إرسال جيش جرّار خلال هذه الفترة لفكّ الحصار عن ابن عمّه، لكن، يبدو أنّ اعتبارات السياسة، والنظر بعين الطامع للحكم من سدّته، فرضت عليه التريّث، ليكتب التاريخ أكبر مأساةٍ سياسيةٍ دينيةٍ في تاريخ الإسلام، حديث النشأة آنذاك بعد حروب الردّة.

لعلّ هذه الضرورة، أو مجموعات المصادفات وتقاطع الاحتمالات، هي ما صنع لدمشق هذه المكانة المميزة في التاريخ الإسلامي. لكن، لو نظرنا إليها بغير هذا المنظار، لوجدنا أنّ سورية، المعروفة باسم بلاد الشام، كانت على مرّ التاريخ مسرحاً للصراع بين الإمبراطوريات والممالك والأحلاف. ولعلّ التاريخ القريب يذكّرنا باحتلال إبراهيم باشا هذه المنطقة قبل إعادتها بمساعدة الغربيين إلى السيطرة العثمانية، وكذلك نستذكر قادة المنطقة من أبناء الشريف حسين وتأسيس الممالك السورية والأردنية الهاشمية، وحتى العراقية، على يد أبنائه، قبل إطاحة الحلم العربي على يد البريطاني سايكس والفرنسي بيكو. ثم لا ننسى حلف بغداد ومراكز الثقل الكبرى بالتشارك مع القاهرة والرياض.

على الرغم من الموقع الاستراتيجي لسورية، فإنّه لم يكن لها في العصر الراهن سوى أدوار ملحقة وتابعة، وما كانت لتستطيع وحدها أن تتزعم قيادة العالم العربي. وباستثناء الخطابة الجوفاء عن الوحدة العربية، والتي تميّز بها عهد حزب البعث منذ انقلاب 1963، لم يكن للحضور السوري سوى مواقع التخريب على الحضور العربي. وربّما كانت الفترة اللاحقة لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل أهمّ مرحلةٍ بالنسبة لهذا الدور، إذ قاد حافظ الأسد خلالها، وعبر خطاباته العنترية، موجة القومية الجوفاء. وهي كذلك بكلّ جدارة، لأنّه اصطفّ مع الإيرانيين الفرس في حربهم ضدّ العراقيين العرب، فكان خنجراً بظهر القومية العربية التي طالما صدّع رؤوسنا بها.

الغول الإيراني لا يهدف إلى نهب ثروات العرب فقط، بل إنّه يحارب من أجل تغيير جيناتهم القومية والدينية عبر المتحوّل الطائفي

والآن، والحال التي أوصل سورية إليها حكمُ الأسد وابنه لا تخفى على أحد، وبعد عشر سنواتٍ من حرب طاحنة على سورية وشعبها، حربٍ لم يبقَ من دول الجوار القريب والبعيد من لم يشارك بها بقسط كبُر أو صغُر، لا بدّ من حلّ ينهي مأساة العصر. ملامح هذا الحل عربيّة بالضرورة، ولا يمكن أن ينقذ هذه المنطقة من براثن التغيير الديموغرافي المرسوم بحرابٍ إيرانيةٍ والمحمي بسلاح الجو الروسي، سوى درع عربي. وبغضّ النظر عن موقف أنظمة الحكم في الدول العربية القادرة على رفع هذا المشروع من قضايا ثورات الشعوب وحقوقها، إلّا أنّ قضايا الأمن القومي العربي تفرض عليها أن تُدرك مدى التهديد الذي يحيق بها جرّاء تنكّبها عن الوقوف مع سورية وشعبها.

لقد بات الهلال الشيعي، وهو في الحقيقة قومي إيراني بصبغة طائفية دينية، والذي حذّر منه ملك الأردن، عبد الله الثاني، قبل أعوامٍ طوال، واقعاً لا جدال فيه. والواجب الآن التحرّك بجديّة لدعم القوى المحلّية التي يمكن أن تشكّل قوس الصدّ العربي في مواجهة هذا الهلال الإيراني. يجب أن يتوسّع التفاهم المصري الأردني العراقي الذي بدأت ملامحه الاقتصادية تظهر أخيرا ليشمل السعوديّة. هذا هو العمق الاستراتيجي الحقيقي لسورية، والأخيرة لا وجود لها ولا قيامة إلّا بعمقها العربي. وعلى قادة هذه الدول أن يوازنوا بين اعتبارات السياسة والأمن القومي لدولهم وبين مصالح الشعب السوري بالانتقال السياسي. يجب أن يدركوا أنّ بشار الأسد ليس قادراً وليس راغباً بإخراج سورية من حضن إيران، وعليهم أن يقبلوا بتطلّعات السوريين التي من دونها لن تنجح دولهم بتحقيق أمنها على المدى البعيد، فلا يمكن القفز على إرادة شعبٍ حارب عشرة أعوام من أجل حقوقه.

التغلغل الإيراني في سورية نوعٌ من الاحتلال الاستيطاني بأدواتٍ لم يعرفها العالم من قبل

لا يتوقف التغلغل الإيراني في سورية على بناء قواعد عسكرية، ولا على الاستيلاء على المرافق الاقتصادية، وهو ليس مثيلاً للوجود الروسي بأي شكل كان. إنّه نوعٌ من الاحتلال الاستيطاني بأدواتٍ لم يعرفها العالم من قبل. وقد أثبتت هذه الأدوات نجاعةً فائقةً بتخريب المجتمعات وتفتيتها عبر أربعين عاماً ونيّف من سيطرة الملالي على مقاليد الحكم في إيران. لا يُقارن الخطر الاستيطاني الصهيوني بأيّ حال بالخطر الإيراني. يجب أن يفهم العرب أنّ هذا الغول لا يهدف إلى نهب ثرواتهم فقط، بل إنّه يحارب من أجل تغيير جيناتهم القومية والدينية عبر المتحوّل الطائفي. لا يستهدف هذا الاستيطان إحلال قومٍ آخرين مكان العرب، بل يريد تغيير هؤلاء بتغيير عقائدهم، ومن خلف ذلك يريد محو ليس الحاضر فقط، بل والماضي قبل المستقبل.

ما زال الوقت سانحاً لانتشال سورية من بين براثن هذا الغول، وعلى العرب أن يبحثوا مع الوطنيين السوريين عن أسس تدعيم قوس الصدّ العربي هذا. عليهم أن يدركوا أنّهم بحاجة لشركاء لا لعملاء. السياسة والمصالح القومية تفرض عليهم أن يساعدوا أشقاءهم لبناء قواهم السورية ببعدها العربي. ولأجل ذلك، عليهم أن يساعدوهم بصناعة هذه الطبقة السياسية الوطنية، التي ستُنجز حصّتها من مشروع الأمن القومي العربي، عندما تنجز مشروعها الوطني السوري بالتحرّر من الاستبداد والخلاص من حكم الأسد. سورية اليوم مريضة، وشعبها منهكٌ، حائرٌ، خائر القوى، وعلى إخوتها أن يقفوا معها، قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم.

=========================

هل ثمّة فرصة لحل الأزمة السورية؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 14/7/2021

لأول مرة منذ سنوات، تلوح في الأفق فرصة، وإنْ ضعيفة، لتحقيق تقدّم على طريق حل الأزمة السورية. الآمال بهذا الشأن تجدّدت نتيجة الاتفاق الروسي - الأميركي الذي تمثّل في صدور قرار مجلس الأمن رقم 2585 ومدّد العمل بالقرار 2165 الصادر عام 2014 الخاص بآلية إيصال المساعدات الإنسانية إلى سورية عبر الحدود.

قد يبدو هذا الإنجاز بسيطًا، لكنه، بالنسبة لملايين المشرّدين والمحتاجين السوريين، يعني مسألة حياة أو موت، ويعدّ تقدما مهمًا أيضًا، إذا أخذنا في الاعتبار ضآلة الاعتبارات الإنسانية في التفكير السياسي الروسي، خصوصا أن روسيا استخدمت المدنيين سلاح حرب وأداة لانتزاع تنازلاتٍ في مفاوضاتها مع الأميركان والأوروبيين منذ تدخلها عسكريا في سورية عام 2015. بهذا المعنى، يمكن القول إن المقاربة الإنسانية التي اختار الأميركيون التركيز عليها للتهرّب من مسؤولية لعب دور أكبر في حل الأزمة السورية، وتجنب الغوص في مستنقع القضايا السياسية الشائكة، قد حقّقت تقدمًا يمكن البناء عليه، خصوصا أن إدارة الرئيس بايدن اعتبرت أن التجاوب الروسي بهذا الشأن يعني أنهم مستعدّون للتفاوض، والوصول إلى حلول وسط.

لا يجوز للمرء، في هذه المرحلة، أن يرفع سقف التوقعات، أو يبيع الوهم لشعبٍ حطّمته خيبات الأمل الناتجة من تقولات وتحليلات رغبوية على مدى سنين الأزمة، فليس هناك ما يشي بحصول تحوّل كبير في المواقف الأميركية والروسية، فسورية ما زالت في موقع متدنٍّ على سلم أولويات واشنطن الدولية، وما زالت زوايا الاهتمام بها محصورةً بملاحقة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومنع حصول كارثةٍ إنسانيةٍ تضطرّها إلى التدخل لفرض منطقةٍ آمنة، كما فعلت في شمال العراق عام 1991. من هذا الباب، هناك احتمال أن تركن الولايات المتحدة إلى نجاحها المرحلي في الحفاظ على المعبر الإنساني، وآلية إيصال المساعدات، وتعود إلى تجاهل المسألة السورية. روسيا ما زالت على نهجها الذي بدأته منذ عشر سنوات، وتفاقم مع تدخلها عسكريا، في استخدام سورية والسوريين صندوق بريد للتعاطي مع الأميركيين، وأداةً لجرّهم إلى التفاوض معها بندّية حول مروحة واسعة من القضايا الثنائية والدولية.

مع إدراكنا ذلك كله، يمكن أن يمثل التفاهم الروسي - الأميركي أخيرا، على جزئيته ومحدوديته، حافزًا نحو التعاون في ملفاتٍ أخرى، تخدم التوصل إلى حل للصراع على مراحل، ابتداءً بالقضايا الإنسانية وصولًا إلى القضايا السياسية والأمنية الأكثر تعقيدًا. هنا تبرز أهمية الملف الإنساني الآخر الذي يشكّل جرحًا غائرًا في الجسد السوري المثخن، وهو ملف المعتقلين والمفقودين، فليست هناك قضية حاليًا يمكن أن تصنع فرقًا في الصراع السوري وتعزّز الثقة بإمكانية حله، مثل قضية إطلاق المعتقلين، والكشف عن مصير المغيّبين والمفقودين. ولهذا السبب تحديدا، يجب أن يحظى هذا الملف بأولويةٍ قصوى خلال المرحلة المقبلة، ويبدو أنه كان مثار بحثٍ في أثناء زيارة المبعوث الروسي، ألكسندر لافرنتييف، إلى دمشق عقب القمة الروسية - الأميركية في جنيف في 16 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، ما يعني أنه جرت مناقشته بين بايدن وبوتين.

إذا حصل تقدّم في هذا الملف، فالأرجح أن ينعكس إيجابيا على المشهد العام للقضية السورية. ويمكن، بالبناء عليه، التوجّه إلى مناقشة القضايا الإنسانية الأخرى، مثل توفير شروط عودة اللاجئين والمهجّرين، وإطلاق عملية إعادة الإعمار ورفع العقوبات، بالتوازي مع معالجة القضايا المتصلة بالملفين، السياسي والأمني، وهي: فرض وقف إطلاق نار دائم وشامل على كل الأراضي السورية، والدفع بمسار اللجنة الدستورية المؤدّي إلى تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، وهيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، بحيث يتم استيعاب فصائل المعارضة فيها، وإخراج كل المليشيات والمقاتلين الأجانب من الأراضي السورية، وانسحاب كل الجيوش الأجنبية، مع الاتفاق على ترتيباتٍ خاصة بالوجود العسكري الأميركي والروسي، باعتبارهما الضامنين لأي اتفاق.

هناك إذًا ثلاثة مسارات يمكن أن تسير بطريقة متزامنة على طريق الحل وإعادة بناء الدولة: الإنساني (إطلاق المعتقلين وعودة اللاجئين ورفع العقوبات وإعادة الإعمار)، السياسي (صياغة الدستور والانتخابات)، الأمني (وقف إطلاق نار شامل ودائم، وهيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإخراج العناصر الأجنبية، وحصر السلاح بيد الدولة). هل يمكن العبور من الثغرة الصغيرة التي فتحها اتفاق المعبر إلى معالجة هذه القضايا الكبرى؟ ممكن، إذا توفرت إرادة الحل لدى الروس والأميركيين، والسوريين بالطبع.

=========================

أميركا مغادرةً الشرق الأوسط

مرح البقاعي

سوريا تي في

الاثنين 13/7/2021 

من نافلة القول إن إيران المسلّحة بأقل المعدات الهجومية كلفةً وأكثرها قدرة على اختراق مواقع محصنة يصعب اختراقها بسبب صغر حجمها وسهولة التحكم بها عن بعد، أعني تقنية الطائرات المسيّرة "درونز" المحلية الصنع، غدت قادرة على مواجهات مباشرة مع القوات الأميركية المعزّزة في غير موقع من العراق وسوريا.

فالتراجع العسكري الأميركي من الشرق الأوسط كما نشهده جارٍ على قدم وساق، ابتداء بسحبها منصات صواريخ باتريوت من المنطقة، مروراً بإنهائها أطول حروب أميركا الخارجية بتاريخها في أفغانستان إثر الإعلان عن مغادرة قواتها كامل البلاد، ووصولاً إلى إعادة حاملات الطائرات الأميركية إلى سواحل الولايات المتحدة إثر انتشار طال أمده في الخليج العربي؛ كلها مجتمعة مؤشرات على تصميم قوي لدى إدارة جو بايدن على إنهاء أعمالها القتالية في الشرق الأوسط والانكفاء إلى ما وراء الأطلسي.

لكن، هل يعقل أن تترك واشنطن المنطقة نهباً لحركة طالبان من جهة ولإرهاب الميليشيات الإيرانية العابرة للحدود من جهة أخرى، وتغادر بعد كل ما دفعته من أثمان مادية وبشرية هائلة في حروبها في أفغانستان والعراق؟ ومن سيملأ الفراغ الذي يخلّفه الأميركيون في حال تبع الانسحاب من كابُل انسحابات من سوريا والعراق حيث للميليشيات الإيرانية اليد الطولى على القرار السياسي والعسكري المركزي في العاصمتين دمشق وبغداد؟

يبدو أن إيران تستسيغ لعبة القط والفأر، وتعتبرها حلقة من حلقات الضغط على الولايات المتحدة من أجل جرّها إلى تنازلات

إدارة بايدن تريد تفعيل سياسة "القوة الذكية"، بمعنى أن تبقي على قوات محدودة في الأماكن التي كانت تنتشر فيها بأعداد كبيرة، على أن تكون مجهزة بالقدرة على الردع ورد أي اعتداء تتعرض له قواتها كما يحدث الآن من اعتداءات الميليشيات الإيرانية على قواعدها العسكرية وتمثيلياتها الدبلوماسية، وليس آخرها الاعتداء على مطار أربيل الدولي بالقرب من القنصلية الأميركية في كردستان العراق. فالرئيس بايدن كان قد أمر منذ وصوله إلى البيت الأبيض بشن ثلاث هجمات مباشرة على مواقع الميليشيات الإيرانية ومخازن يتم تصنيع طائرات الدرونز فيها، وهذا الأمر يتجاوز رد فعل السلف ترامب على إيران بالرغم من عداء الأخير الشديد لنظام الحكم فيها.

يبدو أن إيران تستسيغ لعبة القط والفأر، وتعتبرها حلقة من حلقات الضغط على الولايات المتحدة من أجل جرّها إلى تنازلات ما زالت واشنطن تمتنع عن تقديمها في المفاوضات النووية الجارية في فيينا، المفاوضات التي بدت متعثرة أكثر من أي وقت مضى.

وإيران ترى في الردود الأميركية على هجماتها عامل قوة ومحفّزا كبيرا لها، فقد استطاعت أن تجبر القوات الأميركية على الدفاع عن نفسها في أرض من المفترض أن يكون للأميركيين صفة التفوّق العسكري عليها (حتى الآن على الأقل).

من المؤكد أن الرئيس بايدن يريد انسحاباً كاملاً لقواته من كافة المواقع الساخنة في الشرق الأوسط مع الإبقاء على مجموعات قتالية محدودة في مهمة الردع (حصراً)، مع تجنب التصعيد مع المجموعات الجهادية أو الميليشيات العابرة للحدود، والتعاطي مع محاولات الاستفزاز بمنطق الاحتواء الدفاعي وليس الهجوم. لكن هل هذه السياسات تكفي لإعادة ترتيب الشرق الأوسط الذي يغلي على مرجل حامٍ؟!

البيت الأبيض تعرّض لانتقادات شديدة من النواب في الكونغرس الأميركي بسبب الأمر الذي أصدره بايدن بتوجيه الضربة الأولى في شهر فبراير الفائت ضد الميليشيات في سوريا. وطالب نواب من الجناحين الجمهوري والديمقراطي بوضع ضوابط للرئيس تحدّ من صلاحياته باتخاذ قرارات عسكرية منفرداً قبل أن تمرّ على أعضاء الكونغرس للبت بها والتصويت عليها.

وهنا يجد بايدن نفسه بين مطرقة درونز الميليشيات وسندان ممثلي الشعب الأميركي الذين لا يريدون المزيد من الضحايا الأميركيين في معارك يعتبرها عبثية ولا نهاية لها، بل ويتخوفون في حال استمرارها من أن تتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لا تكلّف إيران إلا القليل من العديد والعتاد، لا بل قد تكون الرابح الوحيد فيها.

ومع وصول إبراهيم رئيسي إلى سدة الحكم في طهران، يبدو أن كل تقدّم في المفاوضات سيجبّ ما قبله. فالولايات المتحدة لن ترفع عقوباتها دون ثمن، وكذا تريد واشنطن أن تُدرج ضمن بنود أي اتفاق مستقبلي قضية الميليشيات العابرة للحدود والأسلحة غير التقليدية التي تستخدمها طهران في اعتداءاتها وكذلك برنامج تصنيع الصواريخ البالستية. إبراهيم رئيسي الموغل في التشدد كما عُرف عنه عبر تاريخه المهني والسياسي، سارع في تصريحات استباقية إلى القول إن أنشطة إيران العسكرية والصاروخية والطائرات بدون طيار "غير قابلة للتفاوض".

المزيد من التعثر في مفاوصات فيينا لن يحمل إلا البؤس لإيران والقاتم من المستقبل حيث الانهيارات تتابع هناك في الاقتصاد المتهاوي تحت سوط العقوبات الأميركية

لا نعرف إذا كانت إدارة بايدن قادرة على إدارة الأزمة على بعد قارتين إثر اكتمال انسحابها من حروب ورمال الشرق الأوسط، هذا إلى جانب ارتفاع منسوب العنف المضاد لها الذي تضمره وتنفذه طهران. لكن ما نعرفه جيداً أن المزيد من التعثر في مفاوصات فيينا لن يحمل إلا البؤس لإيران والقاتم من المستقبل حيث الانهيارات تتابع هناك في الاقتصاد المتهاوي تحت سوط العقوبات الأميركية.

وإذا كانت إدارة بايدن أيقنت أن في الشرق الأوسط تعقيدات لا يمكن حلها من خلال الحضور الأميركي المباشر، وأنه من الأكثر جدوى إدارتها عن بعد، فندعو الله أن لا يشهد ذاك الشرق الغارق في دمه وتعبه انهيارات أمنية مقبلة إثر الفراغ الأميركي.

=========================

دور القصور الذاتي في المحنة السورية

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الاثنين 13/7/2021 

أن تُختزل الثورة السورية التي خلخلت أركان النظام، وجعلت مسألة رحيله، قبل نحو عقد، مسألة وقت، لولا تدخل رعاته وحماته لإنقاذه وبأي ثمن؛ في لجنةٍ دستوريةٍ كسيحة، وفي قرار خاص بآلية إدخال المساعدات الإنسانية ستة أشهر، يصدر عن مجلس الأمن بعد جولات من الحوارات والاتصالات، بغية إقناع الروس بعدم استخدام حق النقض (الفيتو)، أو التوافق معهم على الخطوات اللاحقة، من أجل تمرير مشروع تمديد القرار الذي لن يغير كثيراً من الوضع الكارثي المأساوي الذي يعيشه السوريون على مختلف المستويات، وفي جميع المناطق؛ أن تختزل الثورة هكذا، فهذا أمر لا تُحمّل مسؤوليته للمجتمع الدولي وحده، أو لمجموعة أصدقاء الشعب السوري التي كانت تمتلك من الأوراق والمشروعية في بدايات تشكيلها ما يمكّنها من التدخل، وإرغام النظام على الانصياع لإرادة القسم الأكبر من السوريين الذين كانوا يطالبون بالتغيير، وذلك في وقتٍ لم تكن الجماعات المتطرّفة الإرهابية قد ظهرت، ولم يكن الخطاب الطائفي البغيض قد طغى، وإنما كان الخطاب الوطني الجامع الذي يقرّ بالتنوع، ويحترم الخصوصيات والحقوق، هو المهيمن.

فالسوريون أنفسهم، خصوصا الذين تصدّروا المشهد في البدايات، يتحمّلون المسؤولية الكبرى بقراءاتهم الخاطئة، وأحكامهم المتسرّعة، وعجزهم عن فهم أبعاد استراتيجية النظام، وإخفاقهم في طمأنة سائر المكونات السورية؛ هذا إلى جانب الحالة التنافسية، والعقد النرجسية المتضخمة. فهذه "النخب" قد راهنت على تغييرٍ سريعٍ عبر ضغط شعبي ودولي، وتعاملت مع قضية شعبها الوجودية بعقليةٍ اتكالية، وانشغلت بمواقعها وحساباتها الشخصية والشللية، وكانت ضحية قلة خبرتها في ميدان فهم حسابات الدول ومعرفة طبيعة أولوياتها. ونتيجة ذلك وغيره، عجزت عن تشكيل "النواة الصلبة" التي كان من شأنها أن تكون في موقع القيادة الوطنية الناضجة المتماسكة، القادرة على تبديد هواجس جميع السوريين، والتحاور مع الجميع، واستيعاب الحساسيات والمعادلات الإقليمية والدولية، مع الاستمرار في اعتبار القضية السورية أولوية الأولويات بالنسبة إليها.

معارضون سوريون عديدون، لا يُشكّك في نزاهتهم، تحرّكوا من أجل مشاريع بديلة، وكان في مقدورهم تركيز جهودهم ضمن المجلس الوطني

قبل تأسيس المجلس الوطني السوري (خريف 2011)، بُذلت جهود في مختلف الاتجاهات عبر المؤتمرات واللقاءات التي عُقدت في أماكن عدة؛ ومن خلال الاتصالات التي كانت تجرى بين المعارضين السوريين في المهاجر والوطن. وكان الاتجاه العام يضغط، ويطالب بتشكيل هيئةٍ وطنيةٍ تكون بمثابة القيادة للثورة السورية التي كانت تتصاعد مع الأيام، ويتّسع نطاقها في مختلف المدن والبلدات السورية؛ وتجسّد ذلك في المظاهرات والاعتصامات والمهرجانات التي كان من شأنها استقطاب الملايين، لولا لجوء النظام، منذ الأيام الأولى، إلى إطلاق النار على المدنيين العزّل، بغرض كسر إرادة المتظاهرين، وتهديد السوريين الآخرين الذين كانوا يمقتون استبداد النظام وفساده، ولكنهم كانوا يتحسّبون لوحشيته وجرائمه التي لا حدود لها.

ومع تشكيل المجلس الوطني السوري، لاحت في الأفق إمكانية تجاوز الثغرات الناجمة عن غياب القوى السياسية التي كان من شأنها تحديد المطالب، ووضع الخطط والبرامج لبلوغها. وبُذلت جهود كبيرة من أجل توسيع قاعدة المجلس، وكانت الحوارات مع مختلف القوى السياسية والمجتمعية للانضمام إليه؛ وكنّا نؤكد باستمرار أن المجلس مشروع وطني غير ناجز، مفتوحٌ على الجميع. ولكن "النرجسية السورية"، والحسابات الشللية، والنفس القصير، والاستعجال في بلوغ موقعٍ ما طالما أن التغيير على الأبواب وفق القراءات الخاطئة المشار إليها؛ كل هذه العوامل، وغيرها، أدّت بمعارضين سوريين عديدين، لا يُشكّك في نزاهتهم ووطنيتهم، إلى التحرّك من أجل مشاريع بديلة، في وقتٍ كان في مقدورهم تركيز تلك الجهود ضمن المجلس ذاته، حفاظاً على وحدة الموقف الوطني.

تغيّرت الموازين بعد تدخل الدول، فأصبحت الحسابات الشخصية والشللية هي الموجّهة، وبرزت ظاهرة الكتل الانتخابية الوهمية؛ وبدأ الاستقواء بوعود الدول وتوجهاتها

وقد نبهنا مراراً وتكراراً إلى خطورة تلك المحاولات، على الرغم من النيات الحسنة لأصحابها، ولكننا لم نتمكّن بكل أسف من إقناعهم، خصوصا بعد أن تلقوا وعوداً بدعمٍ لم يجد طريقه إلى التطبيق على أرض الواقع من قوى دولية لم تكن في وارد الموافقة على التغيير السياسي الذي كان المجلس يشدّد عليه بناء على مطالب غالبية السوريين وتضحياتهم. وقد عبرنا عن هواجسنا في ذلك الحين بصراحة، وشكّكنا في وعود مجموعة أصدقاء الشعب السوري بكل وضوح، في المؤتمر الثاني للمجلس في الدوحة (نوفمبر/ تشرين الثاني 2012)، وقلنا وقتها إن أصدقاءنا، على كثرتهم، لم يتمكّنوا من إصدار قرار، مجرّد قرارٍ يدين جرائم النظام في مجلس الأمن، ويدعو إلى محاسبته. هذا في حين أن أصدقاء النظام، على قلتهم، يمدّونه بكل شيء؛ يمدّونه بالمال والسلاح والرجال، ويحرصون على تغطيته سياسياً باستمرار في مجلس الأمن. كما قلنا صراحة، في ذلك الحين، إن أي مساس بالمجلس الوطني السوري معناه إطالة عمر النظام، المسؤول الأول عن قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير بلدهم. وهذا ما حصل. لم نكن نقرأ الغيب، وإنما كنا نستند إلى ما نشاهده ونسمعه ونتابعه، ونتوصل إليه بموجب الاستنتناجات المنطقية المبنية على معرفتنا بتاريخ هذا النظام، واطّلاعنا على شبكة علاقاته الدولية، والأدوار الوظيفية التي تم تكليفه بها تباعاً في المنطقة.

وجاء تشكيل الاتئلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية (نوفمبر/ تشرين الثاني 2012) الذي وافقنا عليه على مضض، وعلى أمل أن تكون المصلحة السورية على رأس قائمة أولوياته. ثم سرعان ما تغيّرت الموازين بعد تدخل الدول، فأصبحت الحسابات الشخصية والشللية هي الموجّهة، وبرزت ظاهرة الكتل الانتخابية الوهمية؛ وبدأ الاستقواء بوعود الدول وتوجهاتها، حتى وصلنا إلى مرحلة المبادرات الفردية من دون أي مرجعية. وتشكلت المنصات، وهكذا إلى أن وصلنا إلى مرحلةٍ باتت فيها الإرادات جميعها في هيئات المعارضة السورية الرسمية مكبلة بإرادة الرعاة والداعمين.

هناك حراك سوري لافت، يقوم به نشطاء سوريون في مختلف الأماكن، على صعيد توثيق جرائم النظام، ورفع الدعاوى القضائية على عناصره ممن اقترفوا الجرائم بحق السوريين

وقبل أيام، كان هناك اجتماع أستانة 16، وهو يندرج ضمن سلسلة اجتماعات المحور الذي جمع فيه الروس بين إيران وتركيا (تحت مسمى الدول الضامنة) من أجل الالتفاف على بيان جنيف، وتجاوز موضوع هيئة الحكم الانتقالي الذي نص عليه البيان (30 يونيو/ حزيران 2012). فقد حضر ذلك الاجتماع وفد باسم المعارضة، ولكن ليس من المعروف الجهة التي يمثلها هذا الوفد في المعارضة السورية. هل هو يمثل "الائتلاف" أم الهيئة العليا للمفاوضات السورية أم المنصات المتناثرة؟ الجميع يلتزم الصمت، حفاظاً على المواقع الوهمية.

هناك حراك سوري لافت، يقوم به نشطاء سوريون في مختلف الأماكن، على صعيد توثيق جرائم النظام، ورفع الدعاوى القضائية على عناصره ممن اقترفوا الجرائم بحق السوريين. وهناك جهود كبيرة في ميادين الإعلام والإغاثة والحركة النسائية؛ ولكن كل هذه الجهود لن تعطي ثمارها المرجوّة، ولن تصبّ نتائجها في مصلحة القضية السورية الكبرى كما ينبغي، في غياب القيادة الوطنية الجامعة الناضجة القادرة على توحيد مواقف السوريين، وتحديد الأهداف الرئيسة والفرعية والأولويات، وتوزيع العمل، واستثمار الجمهود، والبناء على تراكم الخبرات، ورسم السياسات. هناك محاولاتٌ في الداخل في هذا الاتجاه أو ذاك. ولكن كل هذه المحاولات تظل ناقصة، لن تؤدّي إلى المطلوب ما لم يتم التخلّي عن النزعات الشخصية، والمكاسب الحزبية أو الشللية ضيقة النطاق والأفق. وفي المقابل، إذا ما تم الاستمرار على هذا الوضع الذي نحن فيه، فسيتابع الانتهازيون والمتسلقون جهودهم التي لم ولن تخدم السوريين بشيء، وستظلّ معاناة الأهل في المخيمات، سواء في الداخل الوطني أم في الجوار الإقليمي؛ وهي معاناة بدأت تستفحل، وتأخذ أبعاداً ماساويةً كارثية، تتمثل في أميةٍ مرعبةٍ بين الأطفال، وأمراضٍ مزمنة، ومشكلاتٍ اجتماعية على غاية الخطورة. والأفظع من هذا كله انعدام الآفاق بعد أن تحوّل الوطن إلى مناطق نفوذ، تتحكّم فيها الدول الكبرى والإقليمية التي تعتمد ميدانياً على مليشيات وافدة، وأخرى محلية تتحكّم بمصائر الناس وموارد البلاد، بينما يتهاوى الوضع الاقتصادي والمعيشي في جميع أنحاء سورية ومن دون أي استثناء.

يحدُث ذلك كله في سورية؛ ومع ذلك يُلاحظ أنه ليس للروس من شاغلٍ سوى تسويق بشار الأسد بعدما انتهوا من عملية إعادة تدويره. مع علمهم، وعلم الجميع، بأنه كان السبب وراء كل ما حصل، ويحصل، في سورية من قتل وتهجير وتدمير وانهيارات على المستويين، المجتمعي والعمراني.

=========================

هل من سياسة أميركية جديدة في سورية؟

عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 12/7/2021

شكّل التوافق الروسي الأميركي على تمديد دخول المساعدات في مناقشات مجلس الأمن خطوة مهمة في اعتماد سياسة جديدة بين البلدين لإدارة شؤون سورية. على الرغم من ذلك، لا تغيّر هذه الخطوة من السياسات العامة المتبعة لدى روسيا وأميركا تجاه سورية، أي دعم الروس النظام، وتمسّك الأميركيين بالقرارات الدولية المتعلقة بالوضع السوري. الجديد هنا، وقد ترافق مع وصول الرئيس بايدن إلى السلطة، إذ جمد حزم العقوبات ضد شخصياتٍ وشركات سورية أو دولية، تتعامل مع النظام السوري. وأخيرا، ألغى عقد شركة نفط أميركية كانت تستثمر في شمال سورية، ودفعت الإدارة الأميركية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى النقاش مع النظام السوري بشأن أوجه العلاقة بينهما، وقضايا أخرى. قضايا كهذه تعني بالنسبة للروس أن هناك إمكانية لعودة النظام إلى شرق الفرات، وهناك أخبار تؤكد أن شركة نفط روسية في طريقها إلى الاستثمار في حقول النفط السورية.

التقارب الروسي الأميركي هذا يدعمه أن هناك نقاشات وتوافقات بين دبلوماسيي البلدين، وتتجاوز التوافق أعلاه إلى الموافقة الأميركية التركية على فتح خطوط للتجارة وحركة المواطنين بين مناطق "قسد" وسيطرة هيئة تحرير الشام والمناطق التي تسيطر عليها تركيا، وهذا سيشكل متنفساً للنظام "المخنوق"، وسيوصل البضائع الصناعية وسواها إلى مناطق النظام. هذا يحقق المصالح الروسية بدرجةٍ ما، إذ تعيش مناطق النظام أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة. ما وافقت عليه أميركا وتركيا لا يعني أن الحل السياسي أصبح قاب قوسين أو أدنى، لا. إن سياسة الخطوة خطوة، وهي ليست جديدة، ولكن لأوّل مرة توافق عليها روسيا. وبالتالي، سنشهد بعد التمديد لمعبر باب الهوى خطواتٍ إضافية بين البلدين، وهذا قد ينقل المسائل إلى قضية الإفراج عن المعتقلين مثلاً، والتي أصبحت قضيةً أساسية عالمياً. يشار هنا إلى أن تأخير قَسم الرئيس السوري ربما يكن نتيجة ضغطٍ روسيٍّ لاتخاذ خطوةٍ كهذه، وقد كانت واحدة من القضايا الرئيسة في لقاء أستانة الـ 16.

الاختلاف في السياسات الدولية تجاه سورية، والتوافق على أن لروسيا نصيب الأسد في هذا البلد، هو ما سمح لها بالتمدّد في سورية منذ 2015

ما لم يتغير أميركيّا أن قانون قيصر لن يتم شطبه، وكذلك رفض عمليات التطبيع السياسية مع النظام، وجديدها إلغاء بطولة رياضية كانت مقرّرة لدى النظام السوري، وكذلك إصدار الاتحاد الأوروبي "توضيحات" تضمنت رفضاً كاملاً لأيّ تطبيعٍ مع النظام، وأن الأخبار "الملفقة" التي يصدرها الأخير أن دولا أوروبية كاليونان وإيطاليا وقبرص وسواها تنوي فتح سفاراتٍ في دمشق ليست صحيحة، وأن الاتحاد يعتمد سياسةً ثابتة تجاه سورية، وتتعلق بالبدء بعملية انتقال سياسي، وحينها ستتغير سياسته، وهذا إكمالٌ لسياسة أميركا "الخطوة خطوة"، وتمسّكاً بالقرارات الدولية التي تسمح بانتقالٍ سياسيٍّ جادٍ، يعيد تشكيل النظام السوري، ولا يتعارض مع صيغة روسيا للتغيير، أي التغيير عبر القرارات الدولية التي وافقت عليها روسيا، سيما القرار 2254، وسواه.

طبعاً الاختلاف في السياسات الدولية تجاه سورية، والتوافق على أن لروسيا نصيب الأسد في هذا البلد، هو ما سمح لها بالتمدّد في سورية منذ 2015. وفي الوقت ذاته، عزّز من مراكز النفوذ لكل من إيران وتركيا وأميركا وإسرائيل، وبالطبع روسيا. يشير التوافق الروسي الأميركي الجديد إلى أن سياسة التعزيز السابقة استوفت شروطها، ولا بد من سياسةٍ جديدةٍ نحو الوضع السوري. المقصد هنا أن حصار روسيا درعا، أخيرا، وهجومها على بعض مناطق إدلب، وإمكانية استثمار روسيا في النفط، هي خطواتٌ نحو صفقة جديدة مع الدول التي تحتل سورية. ولهذا لن نرى موقفاً دولياً حاسماً يرفض الخطوات الروسية الأخيرة، بل قد يتحقق لروسيا ما تريده من درعا. وفي إدلب تتابع تركيا الضغط على هيئة تحرير الشام لتفكيك المجموعات الجهادية، وتشكيل منطقة خالية من السلاح، وإحداث تغييراتٍ في نظام الحكم على هذه المدينة، وقد تسمح بتكرار تجربة الجيش الوطني في عفرين وجرابلس، أي تشكيل مجلس عسكري جديد، ليفرض سلطته على إدلب، وبالتشارك مع هيئة تحرير الشام.

ليس لإيران أية مصلحة في صفقةٍ تخص سورية؛ فسورية في السياسة الإيرانية ورقة مهمة في إطار مناقشاتها بخصوص الملف النووي

لا ترفض روسيا قرار مجلس الأمن 2254، بل لعبت دوراً في إقراره، والرئيس السوري جُدّد له بالانتخابات أخيرا، وبيان جنيف لعام 2012 لم يعد الأساس لدى كل من أميركا والاتحاد الأوروبي، فهما تعتمدان 2254، ولا تثيران بشكلٍ ممنهج القرارات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، أو قرارات أخرى تتعلق بمحاكمة الشخصيات الأساسية في النظام السوري. وإذاً ضمنا، ثمة صفقة كبيرة قد تتوصل إليها روسيا وأميركا في الأشهر المقبلة. ويدعم الفكرة هذه أن التوافق الروسي الأميركي وسياسة الخطوة خطوة لا يعنيان تغيّراً جديّاً في السياسة الأميركية. وعكس ذلك، لن يستفيد الروس من سيطرتهم على سورية إن لم يتوصلوا إلى صفقة مع الأميركيين. وهذا هو فتح المعابر بين مناطق النظام وإدلب والجزيرة السورية ستستفيد منه إيران والنظام، وهما ليسا معنيين بحلٍّ للوضع السوري، بل بتخفيف العقوبات عن النظام فحسب، وليس لإيران أية مصلحة في صفقةٍ تخص سورية؛ فسورية في السياسة الإيرانية ورقة مهمة في إطار مناقشاتها بخصوص الملف النووي. روسيا هي المعنية بألا تغرق في الوضع السوري، والتخفيف من الحضور الإيراني، بغض النظر عن مطالبات كل من إسرائيل وأميركا بضرورة ذلك التخفيف.

يفرض التحالف بين روسيا وإيران والنظام على الروس تأنيا كثيرا للوصول إلى صفقة سياسية تخص الوضع السوري

الآن، وبعد خطوة التوافق على المساعدات، والإشادة الروسية بالأميركيين والعكس، قد تندفع روسيا إلى التفكير جديّاً بالحل السياسي، والبدء بمشاوراتٍ جادّة مع الأميركيين. يفرض التحالف بين روسيا وإيران والنظام على الروس تأنيا كثيرا للوصول إلى صفقة سياسية تخص الوضع السوري. ولم يكن اعتماد سياسة الخطوة خطوة الأميركية لتغيير الوضع السوري؛ هي ضرورة لحل بعض المسائل الاقتصادية، وربما السياسية، ولكنها ليست بديلاً عن الوصول إلى حكم انتقالي، له كامل الصلاحيات في إدارة الشؤون السورية، كما جاء في القرار 2254. الفكرة هذه هي الحل الوحيد الذي يدفع نحو سياسات روسية أميركية متقاربة للوضع السوري. الخطوات الروسية والأميركية الجديدة ستتضمّن بالضرورة إعادة نقاشٍ جاد بين دبلوماسيي البلدين، وستشمل بالضرورة حصة إيران في سورية، ولن تكون أكثر من اقتصادية.

قرار تمديد إدخال المساعدات مدته عام، وبعد ستة أشهر سيمدّد له تلقائياً بعد تقرير من الأمين العام للأمم المتحدة، وبالتالي: هل نستعجل "الاحتفال" لنقول إن 2022 سيكون عام الانتقال السياسي في سورية؟ أغلب الظن.

=========================

أوروبا تفنّد ادعاءات النظام وترفض التطبيع معه

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 12/7/2021

أصدر الاتحاد الأوروبي في نهاية حزيران/ يونيو الماضي تقريراً نشره على موقع "بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا" الإلكتروني لمواجهة حملة التضليل، التي يقوم بها مسؤولون من نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، عبر نشر الأكاذيب والأخبار الزائفة التي يراد منها تحميل دول الاتحاد الأوروبي المسؤولية عن معاناة الشعب السوري كونها تفرض عقوبات اقتصادية على نظام الأسد، والادعاء بأن هذه الدول بدأت التطبيع مع النظام السوري، وسوى ذلك من الادعاءات والأكاذيب.

وإن كانت أكاذيب وادعاءات نظام الأسد لا يمكن عدها وحصرها كونها تشكل جزءاً من طبيعته ونهجه الذي اعتاد عليه، إلا أن واضعي التقرير الأوروبي رأوا بأن الأوان قد آن لوضع الأمور في نصابها وتفنيد المعلومات المضللة أو الأوهام التي يروّج لها نظام الأسد وحلفاؤه، والتي حصروها في مجموعة من ادعاءات مضللة تتمثل في أن: "سوريا آمنة من أجل عودة اللاجئين"، و"الاتحاد الأوروبي والغرب يشنّان حرباً اقتصادية على الشعب السوري"، و"دول الاتحاد الأوروبي تهيئ الأرضية للتطبيع مع النظام السوري"، و"النظام السوري لم ينفذ هجمات بالأسلحة الكيمياوية، و"الغرب هو من أنشأ التنظيمات الإرهابية ويقوم برعايتها"، و"الاحتجاجات (التي انطلقت في منتصف آذار/ مارس عام 2011) كانت مؤامرة أجنبية منذ البداية".

لا تصمد ادعاءات نظام الأسد بأن سوريا باتت آمنة من أجل عودة اللاجئين إليها أمام الوقائع التي أثبتت أن "قلة قليلة من السوريين يجرؤون على العودة لبلدهم"

ولا شك في أن الهدف الأساسي من حملة التضليل والادعاءات الباطلة هو طمس عواقب أفعال المسؤولين في نظام الأسد وحلفائه و"تحميل العالم الخارجي مسؤولية معاناة الشعب السوري وسوء إدارة البلاد"، حيث "ادعى مسؤولون في النظام السوري وحلفاؤهم أن عقوبات الاتحاد الأوروبي هي عقاب جماعي للشعب السوري، تمّ فرضها بهدف دفع اللاجئين إلى عدم العودة إلى سوريا. كما ادّعوا أن الغرب يدعم منظمات إرهابية في سوريا ويتلاعب بهيئات دولية كمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية لتمرير قرار غير شرعي، وتوجيه الاتهام إلى النظام باستخدام الأسلحة الكيماوية".

ولا تصمد ادعاءات نظام الأسد بأن سوريا باتت آمنة من أجل عودة اللاجئين إليها أمام الوقائع التي أثبتت أن "قلة قليلة من السوريين يجرؤون على العودة لبلدهم"، وأن الكثير منهم تعرض "عند عودته إلى الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والمعاملة السيئة على يد قوات أمن النظام أو أرغموا أحياناً على التجنيد" الإجباري، لذلك وبالرغم من أن حق العودة الآمنة والطوعية والكريمة هو حق فردي للاجئين والمهجّرين داخلياً، إلا أن التقرير يؤكد أن "سوريا بلد غير آمن وتمييزي بالنسبة إلى غالبية مواطنيه، ولا تزال القوانين والإصلاحات السياسية اللازمة من أجل ضمان حق المواطنين في العيش بأمان غائبة".

ويبدو أن المسؤولين في نظام الأسد والنظام الروسي ونظام الملالي الإيراني يريدون من حملة التضليل والافتراءات التي يقومون بها أن يصدق المجتمع الدولي بأن الهجمات بالأسلحة الكيميائية التي نفذوها في الغوطة عام 2013 وسواها من المناطق المدنية السورية هي هجمات مدبرة من طرف فصائل المعارضة أو أنها لم تقع أساساً، بالرغم من تعدد التقارير الأممية والدولية التي تؤكد استخدام نظام الأسد أسلحة كيميائية ضد مناطق مدنية خارجة عن سيطرته، إذ أن محققي الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أكدوا في تقريرهم عام 2018 قيام النظام بتنفيذ 33 هجوماً بالأسلحة الكيميائية، كما أكد تقرير أصدرته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 12 من شهر نيسان/ أبريل 2021، استخدام النظام السوري أسلحة كيمياوية محرمة دولياً، وذلك في الهجوم بغاز الكلور على مدينة سراقب في 4 من شباط/ فبراير 2018. وسبق للمنظمة وأن حمّل تقريرها الماضي، قبل نحو عام، قوات النظام المسؤولية عن ثلاث هجمات بالسلاح الكيمياوي باستخدام غاز السارين في بلدة اللطامنة في 24 و30 من مارس/ آذار 2017 وغاز الكلور في 25 من مارس 2017.

وتمتد حملة التضليل الأسدي إلى تحميل الاتحاد الأوروبي والغرب مسؤولية الكوارث التي تسبب بها النظام لسوريا والسوريين، بغية التنصل من مسؤوليته عنها، وخاصة الوضع الاقتصادي المزري الذي يعاني منه غالبية السوريين، والذي يعود إلى عدة عقود من التخريب والنهب والفساد والمحسوبيات، إلى "جانب اعتماد اقتصاد الحرب الذي بناه النظام وأتباعه لتحقيق الازدهار، فضلاً عن أزمة المصارف اللبنانية والفساد المستشري"، لذلك يؤكد التقرير الأوروبي أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أوروبا على النظام لا علاقة لها بكل ذلك، وفرضت عليه بسب قمعه الوحشي للسوريين، فضلاً عن أنها "صُممت لتتفادى عرقلة المساعدات الإنسانية، إذ لا يخضع تصدير الغذاء والأدوية والتجهيزات الطبية، كأجهزة التنفس الصناعية، لعقوبات الاتحاد الأوروبي".

ويبدو أن غاية التقرير الأوروبي ليست فقط إفادة حملة التضليل التي يقوم بها نظام الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، بل القطع بأن لا تطبيع أوروبياً مع نظام الأسد "إلا إذا دخل عملية انتقالية ذات طابع سياسي استنادا إلى قرارات الأمم المتحدة، ويشمل ذلك إنهاء القمع وإطلاق عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في سجونه"، وبالتالي على النظام أن يخرج من جلده ويغيّر نهجه وممارساته، كي ينخرط في عملية سياسية وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهذا غير ممكن بالنظر إلى طبيعة نظام الأسد وتركيبته، كونه لجأ إلى القمع والقتل منذ بداية الثورة السورية، واتخذ أشكالاً متنوعة من الإنكار بوجود أي حراك احتجاجي سلمي، وراح يروّج لنظرية المؤامرة الخارجية، ووصف المحتجين بالعملاء لقوى المؤامرة الكونية، وأطلق عليهم تسميات مندسين ومهلوسين ومخدرين وصياصنة وعرعوريين وسلفيين وعصابات إجرامية وإرهابيين وسوى ذلك.

نظام الأسد سيبقى منبوذاً من طرف دول الاتحاد الأوروبي والغرب طالما بقي يظن أن بإمكانه، اعتماداً على حلفائه الروس والإيرانيين، التحايل على الوقائع وتزييف الحقائق، ورفض القرارات الأممية

وبالرغم من اعتماد نظام الأسد وحلفائه على ديماغوجية واهية وعلى بروباغندا الأكاذيب والتضليل، على خلفية فهمهم للسياسة التي تراها كامنة في إنكار الحقائق وتزييف الحقائق والوقائع والمراوغة، إلا أن ذلك لن يحقق محاولتهم التي تريد تصوير التطبيع الدولي والعربي الشامل مع نظام الأسد، وكأنه أمر واقع، أو أنه تحصيل حاصل، وبات قاب قوسين أو أدنى، فيما يكشف واقع الحال أن نظام الأسد سيبقى منبوذاً من طرف دول الاتحاد الأوروبي والغرب طالما بقي يظن أن بإمكانه، اعتماداً على حلفائه الروس والإيرانيين، التحايل على الوقائع وتزييف الحقائق، ورفض القرارات الأممية. وبالتالي لن تنفع النظام حملات التضليل والأوهام الكاذبة لأن العالم بأجمعه، وخاصة دول الغرب، تعي تماماً أنه لا يمتلك أي شرعية من أي نوع، وذلك منذ أن استولى حافظ الأسد على السلطة بانقلاب عسكري عام 1970.

=========================

تماهي الاحتلال والاستبداد: بيان الضامن للنذل

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 12/7/2021

لم تكن الرسالة الموجهة إلى بوتين، والتي أملتها مخابرات النظام الأسدي على لسان "خالد العبود" من فراغ؛ فليس "النظام" الذي صمد لنصف قرن مواجهاً أعتى العواصف إلا لاعباً ماهراً على كل الحبال، دون تحليل أو تحريم. وما الروس بالنسبة له إلا أداة نجاة ضمن العاصفة الأصعب في تاريخه؛ والتي إذا وصلت لذروتها، ستبتلعه نهائياً؛ وتكاد. ومن هنا أتت تلك الرسالة الرافضة، المحتجّة، الهجومية، المهدّدَة.

نظام الأسد هو الأعرف باحتقار الروس واستغلالهم له أكثر من أي جهة؛ وإن كان طفل يسَخِر من حديث الروس عن "السيادة السورية" في بيانهم /الأستاني/ الأخير؛ فما بالك بمنظومة تمتهن الدجل والمراوغة والمزاودة، ليغيب عنها هذا. تعرف المنظومة أنه لم تحتقر أو تُذِلَّ أيُ جهة رئيسَها، بقدر ما أذلته روسيا باستدعائه بطائرة شحن إلى روسيا، وبإبعاده عن استعراض عسكري لبوتين على الأرض السورية، وبأخذ توقيعه عنوة على عقود مديدة مهينة ترهن سوريا لروسيا؛ وصولاً إلى القيام بالتوقيع عن سوريا في مختلف المحافل والمؤسسات الدولية؛ وغيرها من القضايا التي تلغي أي نوع من السيادة.

يلمح قارىء بيان "أستانا" السادس عشر وقاحة مغلّفة بالحرص عندما عبّر "الضامنون" عن قلقهم على الثروات السورية في الشمال الشرقي السوري

في تلك الرسالة "العبّودية المخابراتية" تهديد بإيران، وتوعّدٌ بتسليط ميليشياتها على الروس؛ إلا أن الروس ردوا بمزيد من خنق المنظومة عبر ترك الحبل قليلاً لمزيد من الشرَه الإيراني، وإجبار النظام على إلغاء "العبود" كلياً، وشحط النظام إلى جولة في جنيف، وسحب توقيعه على مزيد من عقود الإذعان، وفتح الملف المالي للعائلة؛ وخاصة السعي لوضع اليد على ودائعها الخارجية.

في الجانب المادي هذا، وإضافة إلى وضع اليد على مقّدرات سوريا، يلمح قارىء بيان "أستانا" السادس عشر وقاحة مغلّفة بالحرص عندما عبّر "الضامنون" عن قلقهم على الثروات السورية في الشمال الشرقي السوري ناسين أو متناسين أنهم فعلوا بسوريا وأهلها، بسبب هذه المنظومة الاستبدادية، ما هو أكثر من وضع اليد على ثروات سوريا؛ إنهم يعملون على احتلال سوريا حاضراً ومستقبلا.

من جانب آخر، وفي سياق البيان الصادر عن اجتماع "أستانا" الروسي، ورغم تكرار المقولات الواردة فيه للمرة السادسة عشرة؛ فإن الأدرى بما ورد من هراء في ذلك البيان هو نظام الاستبداد. فعندما يستهل البيان بنوده بالتأكيد على استقلال وسلامة وسيادة سوريا في الغياب المطلق لهذه المبادئ، فهذا يشكل الإهانة المطلقة للنظام الذي يدّعي ذلك ليل نهار.

الأمر الصارخ في وقاحته بين دفات البيان يتمثل بإدانة الهجمات العسكرية الإسرائيلية في سوريا التي تنتهك القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وسيادة سوريا. (والمقصود استهداف ميليشيات إيران في سوريا). يعرف نظام الأسد أكثر من غيره أن إيران وروسيا وغيرها من قوى عسكرية، لم تأت للاصطياف في سوريا؛ ويعرف أيضاً مَن ينسق مع إسرائيل أو يزوّدها بالإحداثيات. فهل كل هذا اهتمام بسيادة سوريا وسلامتها.

الأمر الأخطر، والذي يريح منظومة الاستبداد، هو أن كل ما يعرقل، وحتى يقتل، القرار الدولي 2254، قد وجد طريقه إلى بيان أستانا. فعندما حوّلت أستانا بند "الوقف الشامل لإطلاق النار في سوريا" إلى "خفض تصعيد" بالتقسيط، يسهل خرقه وقضمه؛ فهذا الذي يريده "النظام". وعندما تحدّث عن مقاومة الإرهاب، فالمنظومة هي الأدرى بأن ذلك هو السلاح الأمضى للتعمية ولسحب الأنظار عن إجرامها وإرهاب حُماتها، والتذرّع بداعش صنيعتهم. أما "حماية المدنيين وعودة اللاجئين وإعادة الإعمار"، فالمنظومة الاستبدادية وحماتها هم الأدرى بمن حوّل حياة المدنيين السوريين إلى جحيم، ومَن شردهم، ومَن دمّر البنية التحتية السورية من مدارس ومشافي ومنشأت اقتصادية. وأصحاب البيان ذاتهم يعرفون مَن فعل ذلك، ويعرفون الاستعداد لتكراره في الظرف ذاته.

وفي الجانب السياسي من البيان- والذي لا علاقة لأستانا به أساساً- وعندما يعبّر البيان عن قناعة بأن اللجنة الدستورية يجب أن "تحترم الاختصاصات والقواعد الإجرائية الأساسية لتتمكن من تنفيذ ولايتها المتمثلة في إعداد وصياغة إصلاح دستوري"، فالكل يعرف أن الروس وإيران ومنظومة الاستبداد جعلوا من هذا الجانب أداة ابتزاز، وتضييع وقت، لتمرير مسرحية انتخابية تنسف كل القرار الدولي واللجنة وعملها؟

اللافت في بيان أستانا كان الترحيب بما تمت تسميته "العملية الناجحة للإفراج المتبادل عن المعتقلين في 2 يوليو / تموز". فعن أية عملية يتحدث هؤلاء الذين لم يسألوا أنفسهم عن مصير عشرات بل مئات آلاف السوريين في معتقلات منظومة الاستبداد؟ وهل المسألة مسألة تبادل؟ ماذا عن أكثر من خمسين ألف سوري قضوا في معتقلات "النظام" تحت التعذيب؟ وإذا كان ملف المعتقلين هو أحد أهم القضايا التي ادعى الروس أن أستانا وُجِدت أساساً من أجله (كإجراء بناء ثقة)، فلماذا للآن لم يتمكن الروس من إخراج معتقل رأي واحد من مقابر الأحياء؟ ألا يثبّت وضع كهذا أن ليس لإجرام "النظام" شبيه إلا نظام بوتين؟!

كل مَن أجرم بحق سوريا وأهلها، لا بد من أن تلاحقه العدالة؛ وهي قضية إنسانية

إذا كان "الضامنون" صادقين، فعليهم أن يدركوا أن القضية السورية سياسية بامتياز. سوريا تحتاج إلى انتقال سياسي، كي تنتهي من هذا الوباء. والقرار الدولي بالانتظار. والقضية قانونية؛ فكل مَن أجرم بحق سوريا وأهلها، لا بد من أن تلاحقه العدالة؛ وهي قضية إنسانية؛ فابتزازها تحت هذه اليافطة، ليس إلا من شيم المجرمين، وما على هؤلاء إلا أن يعلنوا عن أنفسهم كقوى احتلال؛ أو على الأقل انتداب؛ وبذا يرتاحون ويريحون، فأميركا تلعب بالجميع. الأهم من كل ذلك على السوريين جمع كلمتهم وعقولهم وإرادتهم وتجديد ثورتهم. لقد رخّص بعض من انتفض على منظومة الاستبداد أنفسهم لدرجة الاستباحة لحقوقهم وأرواحهم في عالم بغيض لا يعرف إلا لغة وقانون القوة. لا بد أن يرى كل مستبيح لسوريا الأكفان تغرّقه. دَفَعَ السوريون دماً كثيرا؛ ومَن شرب البحر، لا يغص بالساقية.

=========================

روسيا تمنع، روسيا تسمح..روسيا دولة عظمى!

بكر صدقي

المدن

الاحد 11/7/2021

في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تفاوض فيه روسيا، في مجلس الأمن، على التجديد للآلية الأممية لإدخال المساعدات عبر الحدود إلى سوريا من غير المرور عبر قنوات النظام الكيماوي، كانت روسيا تفرض حصاراً قاسياً على درعا البلد لا يسمح بدخول أي مواد غذائية أو طبية أو غيرها. 

دخل الحصار يومه السابع عشر ولا أفق لفكه ما لم يخضع السكان ويسلموا 200 بندقية نص اتفاق "خفض التصعيد" في العام 2018 على بقائها في أيديهم بغرض الدفاع عن النفس. أي أن الأمر لا يتعلق بما يمكن أن يسميه الروس أو عاملهم في دمشق بالإرهاب، بل بسكان لا ثقة لهم بأن النظام لن ينكل بهم لحظة يدرك أنهم باتوا عزّلاً من أي سلاح. وهو ما يفعله، على أي حال، فالاعتقالات لم تتوقف، والاغتيالات لم تتوقف بحق من كانوا يحملون السلاح قبل استسلامهم وفقاً للصفقة الأميركية الروسية. 

مع ذلك يملك البلطجي الروسي من الوقاحة ما يجعله يتعامل مع المساعدات الإنسانية كموضوع للابتزاز. فقد كرر الدبلوماسيون الروس، قبل انعقاد جلسة مجلس الأمن المخصصة لهذا الموضوع، رفضهم للتجديد للآلية المذكورة، وبديلهم المعلن هو وجوب مرور المساعدات عبر النظام، النظام الذي طالما استخدم، وما زال يستخدم، الحصار والتجويع سلاحاً حربياً ضد السكان المدنيين، تحت شعاره المعروف: "الجوع أو الركوع"!

فعلاً يتطلب الأمر وقاحة استثنائية حين تشترط روسيا أن تتجه المساعدات الإنسانية، التي تقدم الدول الغربية 92% منها كما قال ممثل فرنسا في مجلس الأمن، إلى النظام الذي يستخدم الحصار، أي الحرمان من دخول المواد الأساسية للسكان المحاصرين، سلاحاً للتركيع! مع ذلك هذا غير مستغرب من قاتل اعتاد على استهداف المشافي والمؤسسات الطبية بسلاح الطيران.

إنما المستغرب هو خضوع "المجتمع الدولي" لابتزاز هذا القاتل. يفاوضونه أياماً ليسمح لهم بعبور المساعدات عبر معابر لا يملك السيطرة عليها أصلاً! هل يصعب على الدول الغربية التي تقدم 92% من تلك المساعدات أن تتحرر من عبء الأمم المتحدة واضطراراتها بشأن "احترام سيادة الدول" (كذا!) فتنشئ آلية مستقلة عنها بين الدول الراغبة لتستأنف إدخال المساعدات، فتكون بذلك قد سحبت من يد روسيا كل ذرائعها ؟ أو يمكنها هي أن تمارس الابتزاز بأن تمتنع عن تقديم أي مساعدات ما دامت روسيا تسعى لفرض شروطها بشأن طريقة إدخالها.  

غير أن الأمور ليست بهذه البساطة. فروسيا تملك بدورها خيارات من شأنها أن تحشر خصومها في الزاوية: حسناً، ما دمتم غير مكترثين بمصير المدنيين فسوف أستأنف حربي على الإرهاب في محافظة إدلب وجوارها التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام" الإرهابية، الأمر الذي سيؤدي إلى كارثة نزوح بشري كبير سيصطدم بالجدار العازل الذي بنته تركيا على طول الحدود. وسيتعين عليكم أن تجدوا حلاً لهذه المشكلة. أي أنكم بعد أن تتحملوا المسؤولية الأخلاقية عن حرمان المدنيين المحتاجين من المساعدات، ستعودون صاغرين لتطرقوا بابي وتعلنوا رضوخكم لشروطي.

ذلك أن الأنظمة الدكتاتورية الإجرامية كروسيا تملك قوة لا تملكها حكومات ديموقراطية منتخبة من شعوبها. إنها قوة التحلل من أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية. بالمقابل مهما بلغت الحكومات الديموقراطية من الفساد والانحطاط فهي مضطرة للالتزام ببعض القيم، ولو من باب التظاهر، أمام الرأي العام. تستطيع روسيا أن تقصف المستشفيات ثم تنكر فعلتها مهما توفر من أدلة لا يمكن دحضها، في حين أن المخابرات المركزية الأميركية تمارس التعذيب على المعتقلين بتهمة الإرهاب في سجون سرية في بلدان خارج الولايات المتحدة، وحين يتم اكتشاف ذلك من قبل صحافيين أميركيين تكون الإدارة الأميركية أمام فضيحة، وتتم الإطاحة برؤوس كبيرة.

على رغم هذا الفارق النوعي في عوامل القوة، وعلى رغم امتلاك روسيا لأوراق كثيرة في مواجهة خصومها الغربيين، سواء في سوريا أو في أماكن ومواضيع أخرى، يبقى أن عامل الضعف الأساسي لدى واشنطن في موضوع المعابر الحدودية الذي تم التصويت عليه في مجلس الأمن، إنما هو انخفاض سقف السياسة الأميركية في سوريا إلى مستوى اختزال المسألة السورية إلى إدخال مساعدات إنسانية. فهذا ما أعلنه وزير الخارجية بلينكن في اجتماع روما، وما كررته مختلف المراجع في إدارة جو بايدن. وكأنه ليس هناك قرار من مجلس الأمن (2254) بشأن حل الصراع في سوريا يبدأ بانتقال سياسي، وكان ثمة جدول زمني واضح توافق عليه أعضاء المجلس في أواخر العام 2015، بحيث يتم طي صفحة الصراع في غضون عامين. 

استطاعت روسيا، في غضون السنوات السابقة، أن تغير الوقائع على الأرض بهجماتها الهمجية، ومن غير أدنى اكتراث بقتل المدنيين وتهجيرهم، فأعادت للنظام مناطق واسعة كانت خارج سيطرته. وبعد إسقاط شرقي حلب في أواخر العام 2016، بالحصار والقصف المستمر طوال شهور، وضعت قرارات مجلس الأمن جانباً و"ابتكرت" مسار آستانة بديلاً من المسار الأممي، و"مناطق خفض التصعيد" بدلاً من وقف إطلاق النار الشامل، و"اللجنة الدستورية" بدلاً من الانتقال السياسي، ثم راحت تعمل على إعادة تعويم النظام المجرم في المحافل الإقليمية والدولية، وتطالب بتمويل إعادة إعمار ما دمره طيرانه وصواريخه بالذات... كل ذلك تحت أنظار "المجتمع الدولي" الذي لا ينقصه إلا أن يشكر روسيا على توليها أمر الصداع السوري، من خلال تجريب كل أنواع السلاح الروسي في أجساد السوريين، مع الإعلان المتكرر الوقح عن أن "الحل في سوريا لا يمكنه أن يكون إلا سياسياً"! 

ما دام الحال هكذا، وبما أن برنامج إدارة بايدن لسوريا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، فلا غرابة إذا تحولت هذه إلى مادة ابتزاز، الطرف القوي فيها هو روسيا.

يبقى أن ما قاله المندوب الروسي في مجلس الأمن، بعد انتهاء التصويت على إدخال المساعدات عبر معبر باب الهوى الحدودي، كان لافتاً في التعبير عن "الوجع الروسي" تجاه الولايات المتحدة. فقد قال إن ما حدث من توافق أميركي روسي بشأن التصويت يتمتع بأهمية تاريخية! فبعيداً عن الطابع الإجرائي لموضوع التصويت، تعتبر روسيا بوتين مجرد سعي واشنطن للتوافق معها اعترافاً أميركياً بأهميتها كقوة عظمى يحسب لها الحساب!     

=========================

درس لا ينسى!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 10/7/2021

ربما بسبب حساسية الأمر، فشل المتحاورون، للمرة الأولى، في بناء توافقات تمكنهم من الخروج بموقف موحد من تنامي دور جماعات الإسلام السياسي في الحراك الشعبي، كان ذلك منذ عشر سنوات، وفي مثل هذه الأيام من شهر يوليو (تموز)، في لقاء اعتادت المشاركة فيه مجموعة من السياسيين والمثقفين السوريين المعارضين، وقتها كانت تتكرر وبوتيرة متسارعة علامات انزلاق ثورة السوريين نحو وجه إسلاموي، أوضحها إطلاق شعارات وأسماء على بعض النشاطات الشعبية والمسلحة تحمل دلالات ورموزاً دينية، يعززها تخصيص المساجد كمحطات لانطلاق المظاهرات ودور يتنامى لأئمتها ومشايخها في تعبئة الناس وتوجيههم، وأيضاً تعمد السلطة تفعيل الاستفزازات والإهانات الطائفية ومسارعتها لإطلاق سراح المئات من المتشددين الإسلامويين من سجونها، في رهان على تغلغلهم في صفوف الحراك السلمي وتشويه بنيته ومطالبه.

«من الخطر التسامح مع الشعارات الإسلاموية التي بدأت تطغى في ساحات التظاهر والاحتجاج»، هي عبارة أعلنها بعض المتحاورين بشكل صريح، محذرين من تجاوز شعاري الحرية والكرامة اللذين وسما الحراك الشعبي وأجمعت عليهما مختلف أطياف المجتمع السوري، فذلك يفقد الثورة فئات متعاطفة معها ويسوّغ حياد قطاعات مهمة من الأقليات الدينية والقومية، كما يضفي على مستقبل التغيير في سوريا صورة منفرة لن ترضي المجتمع الدولي، بل تبرر له سلبيته وتردده في وقف العنف وردع النظام.

من منكم لا يحتمي بالدين ويجعله ملاذاً في حال تعرضه لظلم ومحنة يصعب احتمالهما؟! ولم علينا أن ندين استقواء متظاهرين مسالمين بمخزون إيمانهم كي يعينهم على الاستمرار والصمود، في مواجهة استفزازات طائفية ومذهبية بغيضة وقمع مروع لا يعرف حدوداً ولا يترك دوراً لمنطق سليم أو عقل يفكر؟ هي أسئلة بادر آخرون لطرحها في محاولة لخلق حالة من التفهم والتأييد لتنامي المسار الإسلاموي في الحراك الشعبي، مستقوين بمشاهد لعشرات الآلاف من حملة الشعارات الدينية وهم يتصدون ببسالة لرصاص الاستبداد ويواجهون الموت والاعتقال من دون أن يتنازلوا عن المجاهرة بالشعب السوري الواحد.

بينما ذهب آخرون بعيداً في دفاعهم عن تنامي الظواهر الإسلاموية، مستعينين بما يعتبرونه حقيقة تقول إنه لا خوف من الإسلام السياسي في سوريا، إما لأنه برأيهم لا يمتلك أي حظ أو فرصة للاستئثار بالسلطة والحقل العام في مجتمع تعددي كالمجتمع السوري، وإما لأنهم يعتقدون بوجود مسحة من الخصوصية للقوى الإسلاموية السورية، وبشكل خاص لجماعة «الإخوان المسلمين»، التي بدأت تتمايز برأيهم، قبل الثورة عن الصورة النمطية للإسلام السياسي، وترسم لنفسها وجهاً وطنياً وديمقراطياً عريضاً، وقد خلصت بعد مراجعة نـقدية طاولت معظم مستويات نهجها السياسي، أهدافاً وآليات عمل ووسائل، إلى الإقرار بأن الشعب هو مصدر السلطات، وبالاحتكام لصناديق الاقتراع وتداول السلطة والاعتراف بمختلف مكونات المجتمع السوري واحترام حقوقها وحرياتها ومساواتها أمام القانون.

لم ينفع مع هؤلاء المستهينين بخطر الإسلام السياسي، القول إن ما تذهب إليه الثورة السورية في تكريس وجه طائفي هو أفضل خدمة تقدم للنظام القائم الذي لم يوفر جهداً لتحويل الحراك الشعبي من أفقه السياسي إلى بُعد مذهبي مدمر، كما لم ينفع عرض محاولات بعض الفعاليات الإسلاموية إضرام النار في وقود المذهبية والطائفة أملاً في إحداث تصدعات في بنية النظام وتشجيع الانشقاقات في الجيش، أو داخل مؤسسات الدولة، وأيضاً لم ينفع سوْق أمثلة وتجارب مريرة رسخت في وعي الناس ووجدانهم، عن سرعة وسهولة تنكر جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتهم «الإخوان المسلمون»، للشعارات المدنية والديمقراطية التي رفعوها، وإصرارهم الفظ، ما إن وصل بعضهم إلى السلطة، على الاستئثار بالحكم والعمل على أسلمة الدولة والمجتمع، وحتى لم ينفع معهم التذكير بالطابع البنيوي لـ«الإخوان» المسلمين الذين لا يزالون يحملون اسماً ذا مدلول طائفي وتحكمهم روابط تنظيمية استبدادية تستند إلى قسم الطاعة والولاء، وتميزوا تاريخياً بعصبيتهم الآيديولوجية وبأساليبهم الإقصائية، مما يجعلهم عاجزين عن تمثل قيم الحرية والمواطنة وعن التحرر من فكرة الدولة الإسلامية ومن الأساليب الاستئثارية والتسلطية لفرض معتقداتهم وآرائهم على أنها الحقيقة المطلقة.

افترق المتحاورون كل على موقفه، وجاءت الوقائع لتقول كلمة الفصل وتسطر درساً لا ينسى عن الدور التخريبي الذي لعبه الإسلام السياسي في تشويه ثورة السوريين وتمكين أعدائها منها، ليس فقط بوجهه الإرهابي ممثلاً بـ«داعش» و«النصرة» وغيرهما من الجماعات المسلحة، وإنما الأهم بوجهه المعتدل ممثلاً بـ«الإخوان المسلمين» ومن على صورتهم، وهؤلاء الأخيرون لم يمرروا فقط وبخبث الشعارات ذات الطابع الإسلاموي في المراحل الأولى من تطور الحراك الشعبي، بل سارعوا إلى دعم ما سمي الهيئات الشرعية التي فرضت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وأهملوا واجبهم في تعرية الخطاب الديني المتطرف، وما ظهر من تفريعات متنوعة للجماعات الإسلاموية الإرهابية، بما هو إحجام عن تمييز أنفسهم كحركة سياسية معتدلة، كما يدعون، من واجبها خلق إجماعات وطنية بين السوريين، وتعزيز الثقة بين مختلف مكوناتهم، فكيف الحال حين فاضت أفعالهم بروح الاستئثار ومبدأ المغالبة مع الأطياف الوطنية والثورية لتوسيع سيطرتهم على هيئات المعارضة السورية، إنْ بفرض تثقيل حصتهم التنظيمية فيها أو بزرع أكبر عدد ممكن من كوادرهم في المواقع القيادية لمختلف الهيئات السياسية والإغاثية، ما حكم بالفشل على عمل تلك الهيئات أو مأسستها، وأعاق دورها في بلورة نهج وطني جامع، زاد الأمر سوءاً مفاخرتهم، وعلى حساب انتمائهم ورابطهم الوطني، بقوة ارتباطهم بمن يسمونهم إخوة المنهج، والدفاع الأعمى عنهم ظالمين كانوا أو مظلومين، كـ«إخوان» مصر وليبيا وحركة «حماس» وغيرهم.

صحيح أن السلطة السورية تتحمل المسؤولية الرئيسية فيما وصلنا إليه من خراب وضحايا واعتقال وتشريد، وصحيح أن المأساة السورية وجهت ضربة قوية للثقة بجماعات الإسلام السياسي والرهان على دورها بالخلاص، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الجماعات لا تزال تمتلك من النفوذ والدوافع ما يمكنها من إيقاع أشد الأذى بالسوريين ويزيد أوضاعهم سوءاً على سوء، خاصة أنها تعتاش على مناخ عام حاضن يتميز بتفاقم الصراع المذهبي وبتراجع ملموس للسياسة أمام تقدم العنف العاري والتعبئة الطائفية، وبعجز مزمن لقوى التغيير الوطنية عن كسب ثقة الناس والتقاط زمام المبادرة.

=========================

عصر انهيار الدول وصعود الميليشيات في الشرق الأوسط

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 10/7/2021

هل من قبيل الصدفة أن دول «الربيع العربي» بدأت تتلاشى وتختفي من الوجود تباعاً، أم أنه مخطط قديم وجد طريقه إلى التنفيذ بعد إجهاض الانتفاضات الشعبية في عدد من البلدان العربية بمساعدة الأنظمة الحاكمة؟

لقد أصبح الأمر بمثابة ظاهرة صارخة في أكثر من بلد، لا بل صار تجسيداً واضحاً لأهداف ما يسمى بحروب الجيل الرابع الذي شارك في تنفيذها الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب وحتى بعض فصائل المعارضات العربية المرتزقة. ويمكن تعريف هذه الحروب بأنها « تتميز بأنها حروب بالإكراه تهدف إلى إفشال الدول المستهدفة وزعزعة استقرارها وإفقادها سيطرتها شبه الكاملة على القوات العسكرية وعودة أنماط الصراعات التقليدية من طائفية ومذهبية وقبلية كما في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، ثم فرض واقع جديد يراعي مصالح الدول العظمى كما فعلت أمريكا وروسيا وإيران في سوريا، وفي هذا الواقع الجديد يصبح المواطنون مرتزقة عند عدوهم أي ضباع العالم أو من يدير هذه الحرب». لاحظوا الآن أن عملية تدمير الدول تقوم بها الأنظمة والمعارضات بإدارة خارجية كما حصل في معظم بلدان الربيع العربي. ويل لشعب حاكمه وكيل ومعارضه أجير.

وقد لخص البروفيسور ماكس مانويرينغ أهداف الجيل الرابع من الحرب بأنه «ليس تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو الإنهاك، التآكل البطيء، لكن بثبات! أين جيوش اليمن وليبيا والعراق وسوريا؟ كيف صار وضعها؟ لقد صدق مانويرينغ عندما قال إن هدفنا هو إرغام الدول على الرضوخ لإرادتنا… الهدف زعزعة الاستقرار، وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة المستهدفة لخلق الدولة الفاشلة (تماماً كما يحدث في كل بلدان الربيع العربي) وهنا نستطيع التحكم، وهذه العملية تنفذ بخطوات ببطء وهدوء وباستخدام مواطني دولة العدو».

ولا يأتي الانهيار سريعاً حسب البروفسور الأمريكي بل يحدث التآكل الهادئ والبطيء حسب، لأن التآكل البطيء يعني خرابا متدرجا للمدن، وتحويل الناس الى قطعان هائمة وشل قدرة البلد المستهدف على تلبية الحاجات الأساسية، بل تحويل نقص هذه الحاجات الى وجه آخر من وجوه الحرب، وهو عمل مدروس ومنظم بدقة. تمعنوا في هذه الوصفة القاتلة وكيف طبقوها في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان الآن. لاحظوا أن تلك البلدان لم تعد قادرة على توفير الأساسيات البسيطة لشعوبها كالكهرباء والماء والدواء. وتتميز حروب الجيل الرابع أيضاً بأنها مُعقّدة وطويلة الأجل، تستخدم الإرهاب، ولا تستند إلى قاعدة وطنية، فهي متعددة الجنسيات وغير مركزية، وتشهد هجوماً مباشراً على المبادئ والمثل العليا الأساسية للعدو.

كانت انتفاضات شعبية مشروعة وحقيقية، لكن ضباع العالم ركبوها وحرفوها عن مسارها واستغلوها في لعبتهم الكبرى بالتواطؤ مع الأنظمة العربية نفسها التي تعتبر الشعوب ألد أعدائها

إنها حرب نفسية متطورة ومعقدة للغاية، لا سيما من خلال التضليل الإعلامي وشن حرب قانونية تستخدم جميع الضغوط المتاحة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وتستخدم حركات التمرَّد وتكتيكات حرب العصابات». وهم يطبقون هذا حرفياً في العديد من الدول العربية.

ولو تمعنا في أهداف حروب الجيل الرابع لوجدنا أنها تطبيق حرفي لمفهوم «الفوضى الخلاقة أو البناءة» (الهلاكة) التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس ثم قررت الإدارة الأمريكية تبنيها للتعامل مع منطقة الشرق الأوسط مع حرب الخليج الثانية ثم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 مروراً بفترة الثورات.

ويذكر الدكتور إبراهيم أبراش بإن «هدف الولايات المتحدة هو تفكيك الشرق الأوسط وإعادة تركيبه من جديد». هل كان الربيع العربي جزءاً من حروب الجيل الرابع؟ بالطبع لا، بل كانت انتفاضات شعبية مشروعة وحقيقية، لكن ضباع العالم ركبوها وحرفوها عن مسارها واستغلوها في لعبتهم الكبرى بالتواطؤ مع الأنظمة العربية نفسها التي تعتبر الشعوب ألد أعدائها واستخدام الشعوب نفسها أحياناً. لكن تلك الأنظمة الغبية لم تدرك أن هذه الحروب التي تشارك فيها ضد الشعوب ستقضي عليها أيضاً، لأن اللعبة الشيطانية تطال البلاد والأنظمة والشعوب من خلال إثارة النعرات الطائفية والعرقية والمناطقية ودعم الجماعات المتطرفة كداعش وأخواتها وتدمير القوى المدنية والديمقراطية وتهديد وتفكيك الدولة وضرب الروابط القومية وتسليط دول الجوار على العرب، والسماح لروسيا وإيران وغيرها بالتغلغل في المنطقة واستنزاف الثروات والمقدرات المالية العربية وتغُّول إسرائيل وغياب أية مصادر تهددها وتحويل دول الربيع العربي المنكوبة إلى دول فاشلة تستطر عليها التنظيمات والعصابات.

لاحظوا الآن كيف انهارت الدول وحلت محلها تنظيمات صارت أقوى من الدولة. انظروا إلى العراق الذي صار فيه «الحشد الشعبي» ينافس الدولة على القيادة والتحكم والتسلط. أما الدولة اللبنانية فقد أوشكت على الانهيار بينما ازدادت ميليشيا حزب الله قوة وجبروتاً على حساب الدولة. أين الدولة في اليمن بعد أن صارت ميليشيا الحوثيين حاكمة بأمرها؟ وحتى في سوريا بالرغم من بقاء النظام ضعيفاً، فإن تنظيم «قسد» صار ينافس النظام على ثروات البلاد وقيادتها في الشرق. وفي ليبيا ظهرت عصابة حفتر المأجورة وشركاؤها لتنافس وتهدد الدولة الليبية الضعيفة التي حاولت أن تظهر بعد سقوط النظام، مع الإشارة طبعاً إلى أن حتى ما يسمى بالدولة الليبية الصاعدة غدت بدورها مجرد ألعوبة بيد داعميها.

هل اكتفى ضباع العالم بخمس دول عربية حتى الآن وتحويلها إلى كيانات مفككة تديرها التنظيمات والميليشيات والعصابات، أم إن الحبل على الجرار تنفيذاً لمخطط خرائط الدم الذي وضعه رالف بيترز الأمريكي، وتطبيقاً لوثيقة «كيفونيم» الإسرائيلية الشهيرة التي تحدثت عن تفتيت المنطقة إلى دويلات منذ عام 1982؟

كاتب واعلامي سوري

=========================

المعارضة السورية ودفن الميت

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 10/7/2021

تجاوزت الثورة السورية عشر سنوات من عمرها، صنع خلالها الشعب السوري ملحمةً في التضحية من أجل الحرية والكرامة، حازت على تعاطف أصحاب الضمائر الحية في العالم واحترامهم، إلا أن فئةً لا يُستهان بها من السياسيين الذين تصدّروا الهيئات التمثيلية للثورة أساءت بتصرّفاتها ومواقفها، بدلا من أن تشكّل المثال وخط الدفاع الأول. وكلما تقدّم بنا الوقت، ساءت الأحوال أكثر، وزاد عدد الإساءات والمسيئين، كأننا أمام مرضٍ خطيرٍ يستفحل بلا علاج، حتى أوشك على تسميم الجسد كله. ومن حين إلى آخر، تطالعنا حادثةٌ صارخة، كي تذكّرنا بأن قاع الانهيار لا يزال عميقا، ومن ذلك المشادّة التي انتشرت أخبارها بشكل واسع في مجالس إسطنبول، وعلى وسائل التواصل وبعض المواقع الإلكترونية، والتي حصلت بين رئيس ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية نصر الحريري، ورئيس الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف عبد الرحمن مصطفى. وحسب ما نقل شهود، فإنهما تجاوزا حدود الاشتباك الكلامي الحاد الذي طبع اللقاءات بينهما في الآونة الأخيرة إلى الشتائم النابية وتسديد الضربات، وجرى ذلك خلال مراسم عزاء بزميل لهم هو ممثل محافظة درعا في الائتلاف محمد قداح، في وقتٍ تشهد فيه هذه المحافظة حصارا كبيرا من النظام وروسيا وإيران.

وصف الحريري خلافه مع مصطفى بأنه خلاف عمل ومؤسساتي، ولم يبتعد مصطفى عن ذلك عندما لخّص الأمر بأن الحريري يريد، من موقعه في رئاسة "الائتلاف"، مصادرة صلاحيات المؤسسات، ومنها الحكومة المؤقتة. وقد يكون هذا هو حجم الخلاف فعلا، أو ربما هو أكبر أو أقل، ولكن طبيعة المرحلة جعلت منه قضية يتداولها السوريون بمرارة في مجالسهم وعلى وسائل التواصل ووسائل الإعلام، مثالا صارخا على ما آل إليه حال مؤسسات الثورة السورية وهيئاتها في مرحلة من التراجع والإحباط والخسارة على جميع المستويات. وكما هو معروف، الخسارة مرّة، وخسارة السوريين باتت مضاعفة، لأن قسطا كبيرا منها سببُه بعض السوريين الذين تصدّروا تمثيل هيئات الثورة منذ عام 2011. وبالتالي، ليست المناوشات بين الحريري ومصطفى جديدة، وحصلت في السابق مع قياداتٍ أخرى بطرقٍ مختلفة، منها بالحوارات العضلية، وعلى صفحات الصحف، وعن طريق البيانات الاتهامية والتخوين، ولم يسلم منها أحد، بل ذاق كأسها المرّة معظم الذين عملوا في الشأن العام. ومؤسفٌ أن ما يحصل من ارتكابات كبيرة بحق الثورة والشعب يمرّ من دون محاسبة أو مراجعة، بل يكون العلاج، في أحوال كثيرة، بتدوير الشخصيات وإحداث مناقلات في المناصب، كما حصل عدة مرات بين الحريري وأنس العبدة، من دون أن يسجّلا أي إنجازٍ يشفع لهما.

وعلينا أن نعترف بأن نشر الغسيل السوري تجاوز كل الحدود، وأن حروب المعارضات تعدّت كل حروب المعارضات في واقعنا العربي الذي عرف هذه الظاهرة بوجهيها، الصحي والمرضي. وكثيرا ما اختلف أبناء القضية الواحدة إلى حد إعلان الحرب، إلا أن الوضع السوري فاق الجميع في الرداءة، ولن يتطوّع أحد من أجل إنقاذ المعارضة السورية من هذا الوضع الكارثي الذي وصلت إليه. ولو كان طرفٌ ما يريد أن يساعدها لفعل ذلك منذ زمن بعيد، بل هناك مصلحة لأطراف دولية وإقليمية في تضخيم الوضع المزري الذي تعيشه، لأن ذلك يعفي العالم من القيام بواجبه الأخلاقي لمساعدة الشعب السوري على تجاوز المأساة التي يواجهها. وهناك من له مصلحة فعلية في وجود معارضة هزيلة تابعة منقسمة، ومن دون كفاءة وبلا احترام، كي تسهل مسألة امتهان الحق السوري. ومن هنا، على العقلاء من السوريين المسارعة إلى وضع حد لمهزلة المعارضة، والعمل سريعا على "إكرام الميت"، والتفكير بتشكيل مؤسساتٍ أكثر جدوى تليق بالثورة السورية.

=========================

وجهة نظر : انتخابات جديدة في الائتلاف .. دعاء ... ورجاء

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 7/ 2021

جرت الانتخابات الجديدة في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة. تم انتخاب الهيئة الرئاسية من خمسة أعضاء، والهيئة السياسية من عشرين عضوا تقريبا...

وانتخب الأستاذ سالم المسلط رئيسا للائتلاف الوطني خلفا للدكتور نصر الحريري...

ندعو الله لهم، ونسأله أن يوفقهم ليستعيدوا ثقة المظلومين من أبناء الثورة، ونحب أن نرى أفعالا أكثر من أن نسمع أقوالا ونقرأ بيانات. وستكون جماهير هذه الثورة لكم ما دمتم معهم ، ومع ما قضى عليه الشهداء ..

ندرك صعوبة المرحلة، وضنك الموقف، وضرورة التعاون والتضامن، وندرك في الوقت نفسه، تبعة الاسترسال مع المخططات الدولية والإقليمية التي نهجها الائتلاف خلال سني عمره ، ونعتقد أنه قد آن الأوان لينتهي كل ذلك،

ثقة ملايين المكلومين السوريين عزيزة ، ولا تنال ببيان أو خطاب، أو بتلويحة يد أو ببعض الابتسام ..

وإذا لم يكن من الموت بد ..فمن العجز أن تموت جبانا

ومن كان مع الله كان الله معه ..

ومن كان مع المستضعفين المظلومين أيده الله وأعانه على عبء الحق...

ندعو لكم بالخير وننتظره منكم ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

هل تعيد روسيا هندسة المشهد السوري؟

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 10/7/2021

من معبر باب الهوى في إدلب على الحدود مع تركيا إلى معبر "الجمرك القديم" على حدود الأردن، تخوض روسيا حراكاً تهويلياً، تستخدم فيه كل أوراقها، العسكرية والدبلوماسية، في ما يبدو أنه محاولةٌ روسيةٌ لإنضاج معطياتٍ جديدةٍ بهدف إعادة صياغة المشهد السوري.

لا تتجاوز مساحة درعا البلد أكثر من ثلاثة كيلومترات مربعة، ويقطنها حوالي 55 ألف نسمة، الجزء الأكبر منهم أطفال ونساء بعد تهجير الشباب والرجال وقتلهم وسجنهم. وفوق هذه المساحة تصول طائرات السوخوي الروسية، في مشهدٍ يبدو غريباً وغير متناسق، وخصوصا أن الذريعة تسليم مائتي بارودة يمتلكها الأهالي، للدفاع عن أنفسهم في ظل فوضى جمهورية الأسد.

وتحضر روسيا إلى شمال سورية أحدث طائراتها، من قاذفات القنابل النووية، والصواريخ الفرط صوتية، في استعراض، يقول الاستراتيجيون إن المقصود منه إرهاب أوروبا وتخويفها، للرد على حشود حلف شمال الأطلسي (الناتو) عند حدود أوكرانيا. لكن الواضح أن هذا الاستعراض مقصود منه إرهاب تركيا بالدرجة الأولى، لأنها تمسك بمفاتيح الحل في سورية التي تعتبرها روسيا جوهرة مناطق نفوذها في العالم.

وبعكس ما يشاع، ضمن تحليلات بعض صحافة الغرب، تأتي هذه التطورات على خلفية تقدير روسيا بوجود تحرّكات لإدارة الرئيس الأميركي، بايدن، لمحاصرتها في سورية، وذلك نتيجة الاستقطاب الحاد في مجلس الأمن، والذي انتهى مبكراً، قبل إجراء التصويت على قرار تمديد العمل بإيصال المساعدات الدولية عبر المعابر، نتيجة خسارة روسيا أخلاقياً أمام مجتمعٍ دولي، يبدو أنه بدأ يشعر بالعار نتيجة تركه سورية تحت رحمة مافيا روسية مشهود لها بالإجرام.

يأتي التحرّك الروسي وفق خطة ممنهجة أرادت روسيا من خلالها تحديث موقعها وموقفها في الملف السوري، وقد بدأتها بإعادة انتخاب بشار الأسد، في ما بدا أنه إغلاق لطرق الحلول الدولية ومساراتها، والتوجه نحو صوغ واقع جديد في سورية، يكون من صناعة روسية خالصة.

يريد جنرلات روسيا القول لتركيا: ما زلنا أسياد المشهد السوري، ونحن من يحدّد قواعد اللعبة وشروطها

ويأتي هذا التحرّك إثر فشل محاولاتها المستميتة في إعادة تأهيل نظام الأسد، وخصوصا ضمن الدائرة العربية التي كانت تعوّل عليها لكسر الحصار الدولي، ودفع الآخرين إلى التسابق لإعادة العلاقات مع الأسد، طمعاً بما تتيحه عملية إعادة الإعمار من فرص للربح المالي، لاقتصادياتٍ دوليةٍ منهكة بعد العطالة الكورونية، وتبحث عن فرص لتعويض خسائرها المتراكمة.

لكن التحرّك الروسي الجديد، والذي تتركّز مشهديته في سماء درعا البلد، وعند سفح جبل الزاوية في إدلب، بالإضافة إلى ساحة مجلس الأمن الذي يتحضّر لإعادة التصويت على المعابر، ينطوي على جملة رسائل تريد إيصالها إلى فاعلين آخرين، ووسط دولي، تعتقد روسيا أنهم باتوا يستهترون بقوّتها وبتهديداتها.

الرسالة الأولى، أنها ليست مستنزفةً في البادية، بفعل ضربات "داعش"، وتحاول إيهام اللاعبين الآخرين بأن لديها فائض قوّة تبحث عن تصريفه في ساحاتٍ أخرى، من درعا البلد إلى جبل الزاوية. وبالتالي، لا يراهن أحدٌ على أن روسيا وقعت في فخ الاستنزاف.

الرسالة الثانية إلى تركيا التي يسعى عسكر روسيا إفهامها أنهم لم يهزموا أمام تقنية طائراتها المسيّرة، وأن لدى روسيا بدائل لمواجهة هذه الثغرة التقنية، فماذا يمكن للطائرات المسيّرة التي سحقت مئات الدبابات في إدلب وناغورنو كاراباخ، ودمّرت منصّات الصواريخ الروسية في طرابلس بليبيا، أن تفعل أمام قاذفات ميغ 31 والصواريخ الأسرع من الصوت، يريد جنرلات روسيا القول لتركيا "إننا ما زلنا أسياد المشهد السوري، ونحن من يحدّد قواعد اللعبة وشروطها".

الرسالة الثالثة إلى الأردن الذي شارك بريطانيا في مناورة إنزال كبرى بالقرب من الحدود السورية، في ظل توتر في العلاقات البريطانية - الروسية، تريد روسيا القول للأردن إنها قادرة على خلط الأوراق في خاصرتها الشمالية، عبر السماح للمليشيات الإيرانية بإعادة التموضع عند حدودها، وعلى بعد كيلومترات معدودة من حواضرها.

مشكلة روسيا المزمنة لاأخلاقية سياساتها التي تشكّل دائماً محرّضاً ومحفزاً لدى المتضرّرين منها إلى البحث عن وسائل لمواجهة هذه السياسات

الرسالة الأعم والأهم التي تريد روسيا إيصالها إلى من يهمّه الأمر أنها لم تعد مستعدّة لانتظار اعتراف الآخرين بانتصارها في سورية، وعليهم التعامل بواقعيةٍ مع هذا الأمر، وما يترتب عليه من الاعتراف بشرعية نظام الأسد، ورفع الحصار عنه والسماح للشركات والهيئات الاقتصادية، العربية والدولية، بالنزول إلى ساحة العمل في سورية، بما يمنح روسيا الفرصة لاستعادة ما أنفقته. وفي سبيل ذلك، ستعمل روسيا على تغيير المعطيات، في الجنوب والشمال، بقدر يسمح لها بالاستثمار في هذا التغيير للخروج من مأزق الجمود الحالي الذي يلفّ المشهد السوري.

ما يغيب عن ذهن الكرملين، أو ربما يحاول إغفاله بشكل مقصود، أن المشهد السوري الحالي هو نتاج توافقات إقليمية ودولية ساهمت في تركيبه، وسمحت لروسيا بتحقيق ما تسميه حالياً انتصارات في سورية، وهي توافقات الحد الأقصى، وأي محاولةٍ لتجاوز هذه التوافقات سيدفع الأطراف الأخرى إلى تفعيل استراتيجيات بديلة، ربما تكون عاقبتها إغراق روسيا بالفعل في مستنقع سوري مديد.

مشكلة روسيا المزمنة لاأخلاقية سياساتها التي تشكّل دائماً محرّضاً ومحفزاً لدى المتضرّرين منها إلى البحث عن وسائل لمواجهة هذه السياسات، الأمر الذي يرفع تكاليف هذه السياسات إلى الدرجة التي تنوء روسيا تحت أعبائها الباهظة التي سبق أن أدّت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي، القوّة العسكرية الثانية في العالم.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com