العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17-12-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بوتين وإيران يجنيان ثمار قرار ترامب بشأن القدس .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 14/12/2017

لم يكن قرار ترامب بخصوص الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، قراراً ارتجالياً للرئيس الأمريكي المشكوك بصلاحيته لمنصبه. فقبل كل شيء هناك قانون أصدره الكونغرس، منذ نحو عقدين من السنوات، لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، تم تجميده على مدى ولايات الرؤساء السابقين، من أجل عدم خسارة الحلفاء العرب للولايات المتحدة. كان تحويل هذا القانون إلى واقع مطبق يتطلب حصول تقدم في عملية التسوية الإسرائيلية ـ الفلسطينية، بما يتيح للولايات المتحدة نقل السفارة في شروط ملائمة.

لم تتحقق هذه الشروط الملائمة، ولا يبدو أنها في سبيلها إلى التحقق، في إطار التسوية المذكورة، لكنها تحققت في إطار آخر لم يكن يخطر على بال أحد إلى ما قبل سنوات قليلة. ويمكن تلخيصه في النتائج الكارثية التي انتهت إليها ثورات الربيع العربي بسبب التدخل الإيراني الفظ من جهة، وصعود السلفية الجهادية في بيئة الخراب الذي حققته أنظمة دموية تمسكت بالحكم رغم أنف شعوبها، ومثالها الأبرز نظام بشار الكيماوي في دمشق، من جهة أخرى. وساهم ما يسمى بالمجتمع الدولي بقسط كبير في تحقق هذا الخراب، بقبوله الضمني أو المعلن بالحروب التي أطلقتها تلك الأنظمة ضد شعوبها، كما بالتدخلات الإيرانية في جوارها الإقليمي.

وقد أدت مجموع الديناميات المذكورة إلى بروز صراع إقليمي ذي مظهر مذهبي سني ـ شيعي، على حساب الصراع الافتراضي العربي ـ الإسرائيلي. وأدى خراب بلدان كسوريا والعراق واليمن وليبيا، ومصر بطريقة مختلفة، إلى إضعاف كامل الطوق العربي المحيط بإسرائيل، بصورة متوازية مع الضعف الفلسطيني الذاتي بسبب انقساماته الداخلية والنفوذ الإيراني في بعض مكوناته السياسية.. ليوفر مجموع هذه التطورات البيئة المثالية لتحويل قرار الكونغرس المجمد بشأن القدس إلى واقع متحقق بتوقيع رئيس للولايات المتحدة عوّد الرأي العام على قرارات صادمة وفضائحية ما كان لأي رئيس أمريكي آخر أن يتخذها بجرة قلم كما فعل ترامب.

ولكن، برغم كل الشروط «الملائمة» المذكورة أعلاه، يبقى أن لقرار ترامب تداعيات لا يمكن اعتبارها تصب في مصلحة الولايات المتحدة، وإن كانت تصب في مصلحة إسرائيل بصورة تامة. من المحتمل أن الجولة «الرشيقة» التي قادت الرئيس الروسي، في يوم واحد، إلى سوريا ومصر وتركيا، ما كان لها أن تتمتع ببريق النجاح لولا أنها جاءت بعد قرار ترامب بشأن القدس بأيام قليلة. ففي القاعدة الجوية الروسية في حميميم استقبل «ضيفه» الكيماوي بطريقة مذلة لهذا الأخير، وأعلن عن قراره بسحب قسم من قواته الجوية والبرية من سوريا، مع الإبقاء على القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم. وذلك تتويجاً لـ»النصر» الذي سبق وأعلن عن تحقيقه «على الإرهاب» في سوريا بعد سيطرة قوات تابعه السوري على البوكمال قرب الحدود العراقية.

فإذا أضفنا هذه الزيارة المفاجئة إلى ما يجري في جنيف من مفاوضات بلا مفاوضات، مع تهديد الممثل الأممي ستيفان دي مستورا لوفد المعارضة باستبدال مسار سوتشي الروسي بمسار جنيف الأممي، أمكن القول أن بوتين المسلح بتفاهماته مع إدارة ترامب بشأن الصراع السوري، قد أمسك بمصير سوريا بصورة متفردة، بما يجعل روسيا نداً للولايات المتحدة كما كان يحلم بوتين منذ صعوده إلى السلطة في روسيا.

وما يعزز من صورة هذه الندية المشتهاة، العلاقات الطيبة التي باتت تربط روسيا بجميع دول المنطقة تقريباً، من إسرائيل إلى دول الخليج ومصر، إضافة إلى تركيا وإيران. مع تركيا وإيران بصورة خاصة، أنشأ بوتين تعاوناً ثلاثياً بشأن سوريا في مسار آستانة، ويستعد لنقل محادثات السلام المفترضة في جنيف، تحت إشراف الأمم المتحدة، إلى سوتشي بإشراف الثلاثي الروسي ـ الإيراني ـ التركي. أما في مصر فقد اتفق مع حكومة السيسي على إنشاء مفاعل نووي، إضافة إلى عقود تسلح. وفي أنقرة يسعى بوتين إلى تذليل آخر العقبات أمام التئام «مؤتمر الحوار الوطني» (الشعوب السورية سابقاً) وذلك بتفهم هواجس القيادة التركية بشأن تمثيل كرد سوريا في المؤتمر. إضافة إلى صفقة صواريخ إس 400 الروسية التي باتت أقرب إلى التوقيع النهائي بشأنها.

هذه بعض وجوه «قصة نجاح» بوتين التي برزت في جولته الثلاثية السريعة وشملت كلاً من حميميم والقاهرة وأنقرة. لكن وجهاً آخر لهذه الجولة يتمثل في الموقف الروسي من قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، يسعى إلى تسويقه انطلاقاً من تركيا التي سيجتمع فيها قادة الدول الإسلامية، الأربعاء، للتباحث حول موضوع القدس. وهكذا أتيح لبوتين أن يقدم روسيا بوصفها أقرب إلى تطلعات الدول العربية والإسلامية بخصوص القضية الفلسطينية، بالمقارنة مع الموقف الأمريكي الذي طوى بالقرار الأخير حول القدس، عملياً، أي إمكانية للاستمرار كوسيط في عملية السلام المفترضة.

ما هي الجهات الأخرى التي استفادت من قرار ترامب بشأن القدس، إضافة إلى روسيا؟

التيار السلفي الجهادي الذي من المحتمل أن يكسب المزيد من الأنصار لدعاواه العدمية، و»محور الممانعة» المزعومة بقيادة نظام ولي الفقيه في إيران. فهذا المحور الذي فقد الكثير من مبررات ممانعته المفترضة، بعد خوضه في وحول الصراعات المذهبية في العراق وسوريا واليمن، سيسعى الآن إلى استعادة شيء من دعاواه بمناسبة حدث القدس. ولكن إذا نظرنا إلى ردة فعل حسن نصر الله، أبرز الأصوات الملعلعة لهذا المحور، سيظهر أن استعادة زخم الخطاب الممانع لن يكون بهذه البساطة. فهو يدعو إلى مواجهة القرار الأمريكي بالجهاد الافتراضي عبر تويتر وفيسبوك!

٭ كاتب سوري

========================

الإرهاب بين الدكاكين الصغيرة والمولات الكبيرة .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 13/12/2017

ترى القذى في عين أخيك ولا ترى الجذع في عينيك، وما زلت أتذكر مقولة للشيخ الشهيد عبدالله عزام -رحمه الله- من أن «المستعمر للأرض كمن يذبح الشعوب بسكاكينه، وحين تنتفض الضحية لتضرب برجليها أو يديها وقت خروج روحها تجد المستعمر يشتمها لأنها لطخت ثيابه بالدماء».. أتذكر هذا ونحن نرى ما تجره سياسات الدول الكبرى والوسطى والصغرى على الشعوب، من إرهاب وإجرام يتقازم أمامه كل إجرام وعنف ترتكبه جماعات عنفية وإجرامية..

فهذه الجماعات التي تمارس إرهابها وعنفها أقرب ما تكون إلى سياسة الحوانيت والدكاكين الصغيرة، بينما الإرهاب الإجرامي على مستوى الدول يكون بمثابة إرهاب المولات، وبمثابة «أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك». فإرهاب الدول ليس كإرهاب الجماعات والعنف، ولو كان بأيدي هذه الجماعات كيماوي و»سكود» وبراميل متفجرة لما رأيتها ترسل أفرادها كانتحاريين؛ ولذلك نرى هذه الدول تستخدم كل ما تملكه خزينتها الإجرامية من يورانيوم منضب و»بي 52» وطائرات تجربها على أجساد أطفال الشام الغضة، كما أعلنها بكل صلافة ووقاحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين..

كثير من الدراسات والأبحاث تحدثت عن مخاطر الحرب الأميركية على أفغانستان عام 2001، فكانت الغارات على مناطق القبائل الباكستانية التي خلّفت الآلاف وربما عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين من المشردين، وكل هؤلاء من الطبيعي والقدري أن يتحولوا إلى قنابل موقوتة، بل وصواعق في وجه السياسات الغربية، واستمر معه النزيف المالي حتى تحدثت الإحصائيات الأميركية نفسها عن مصاريف تصل إلى ربع مليار دولار لخزينة واشنطن في حربها على الإرهاب منذ 16 عاماً، مما يضع الأرقام إلى نصف تريليون دولار كلفة الحرب على ما يوصف بالإرهاب..

ننتقل إلى الربيع العربي؛ حيث اصطفت أميركا إلى جانب الاستبداد العربي ضد ثورات الشعوب، ففي اليمن توارت خلف الأمم المتحدة والتي ساوت بين الضحية والجلاد فاستمر صالح والحوثي بالمراوغة على ثورة الشعب اليمني المجيدة.

وفي ليبيا وبعد أن فازت القوى الليبرالية بقيادة محمود جبريل رأينا الانقلاب على خيار الشعب وتفجير البلد كله برعاية جنرالها خليفة حفتر الأميركي الجنسية والقادم من ولاياتها، وبدعم من وكلائها في المنطقة مصر والإمارات. أما في مصر فقد صمتت صمت القبور على رحيل مرسي، ودعمت السيسي ووقفت إلى جانبه ضد كل أحرار الربيع المصري.

وفي سوريا تجلى الخذلان الأميركي بأوقح صوره يوم حرمت كل العالم من دعم الثوار بأسلحة وصواريخ متطورة لوقف آلة القمع، وماطلت في الحلول السلمية وكذبت في خطوطها الحمراء وفي عدم إرسال قوات برية لها على الأرض، فرأينا كيف أرسلت إلى غلاة الكرد لوأد الثورة الشامية..

هل هناك إرهاب كإرهاب إعلان رئيس دولة بحجم أميركا عن نهاية عملية السلام في فلسطين وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، مما فجّر غضب مليار ونصف المليار مسلم؟! وماذا أبقى هو وأمثاله للإرهابيين بعد اليوم؟!

إن الشيء الوحيد المؤكد هو أن هذه السياسات الإجرامية هي من تصنع مصانع للإرهاب والقهر والغضب، وأن براميل الغضب البارودي المتراكمة والمتصاعدة بسبب هذه السياسات الخرقاء ستتحول إلى صواعق حقيقية قريبة، وبالتالي فلا تلوموا الحوانيت الصغيرة ما دامت المولات قد افتتحت، ومن الطبيعي أن يكون مصير الحوانيت الصغيرة السحق والإبادة؛ فالعولمة غدت في كل شيء خراباً ودماراً على حساب البناء والتنمية، لكن للشعوب ثورات ودورات تاريخية لا تنبئ عنها.. فانتظروا الموجة الثانية للربيع العربي.;

========================

معضلة بوتين السورية .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 13/12/2017

يبدو الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في المرة الثانية التي يعلن فيها سحب الجزء الأكبر من قواته من سورية (كانت الأولى في مارس/ آذار 2016)، أكثر ثقةً بأن أهداف حملته العسكرية، أو معظمها، قد تحققت، إذ وأد أحلام التغيير في سورية، واستتباعاً في المشرق العربي، وقرّر أن لا ثورة هنا تصل أصداؤها إليه هناك. لكن الرجل الذي يؤمن "بفضائل" القوة واستخداماتها، وقد استخدمها في سورية بكيفيةٍ استعراضية، وهمجية أيضاً، إرضاءً لغروره الذي ثلمه الأميركيون في أوكرانيا، بدأ يدرك أن للقوة حدوداً فيما تستطيع تحقيقه، وأن نصره السوري "المبين" مهدّد بالضياع، لا بل يمكن أن يتحول إلى مصيدة، إذا هو لم يتمكّن تثميره سياسياً، وهو على ما يبدو هدف جولته الشرق أوسطية الراهنة.

بدأ بوتين من حيث أراد أن ينتهي بزيارة غير معلنة إلى القاعدة العسكرية التي بات يملكها في سورية، ومنها أعلن انتصاره في "الحرب على الإرهاب"، بطريقة نكهتها الأميركية ظاهرة (قارن إعلان بوش الابن "إتمام المهمة" بعد سقوط بغداد). وعلى الرغم من أنه وجه رسائل في مختلف الاتجاهات، فإن رسالته الأهم هنا كانت إلى الداخل الروسي الذي يستغل بوتين عطشه إلى أمجاد ضاعت في خضم الانهيار الكبير، والهزيمة المذلة أمام الغرب في الحرب الباردة، وتوظيف صوره واقفاً على حطام السوريين للفوز بشعبيةٍ على أبواب انتخابات رئاسية مهمةٍ العام المقبل.

لكن هذا كله، ومعه المكاسب الاستراتيجية الأخرى قد تضيع، إذا لم يستطع بوتين تحويل "إنجازاته" الميدانية إلى حالةٍ مستقرة مقبولة سورياً واقليمياً، لأن البديل هو استمرار الاستنزاف العسكري المرهق مادياً وبشرياً والمكلف سياسياً وشعبياً. لذلك، يغدو قرار الانسحاب هنا عديم المعنى، إذا كانت تستتبعه عودة القوات، في كل مرة، لحماية النتائج المتحققة، كما أشار بوتين، في خطابه أمام جنوده المغادرين في قاعدة حميميم. من هذا الباب، يستكمل الرئيس الروسي جولته في المنطقة بزيارة القاهرة وأنقرة، حيث يحاول تحقيق هدفين أساسيين: الأول، إقناع مصر المساهمة في تشكيل قوة حفظ سلام، لتكريس التهدئة في مناطق خفض التوتر التي جرى التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأنها في أستانة في مايو/ أيار الماضي. والمعروف أن بوتين أشرك القاهرة (بوكالة سعودية) في التوصل إلى اتفاق خفض التصعيد في منطقتين رئيستين، الغوطة الشرقية في دمشق وريف حمص الشمالي، وهو يريد من ثم إقناعها بإرسال قوات حفظ سلام إلى هاتين المنطقتين، وحاول بوتين إغراء مصر المتمنعة، بموافقته على استئناف العلاقات السياحية والرحلات الجوية معها، والتي توقفت عقب تفجير طائرة الركاب الروسية فوق سيناء يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2015. وكان بوتين سمح لتركيا بإرسال جيشها في أكتوبر الماضي لإقامة نقاط مراقبة لتنفيذ اتفاق خفض التصعيد الذي جرى التوصل إلى تفاصيله في إدلب في شهر أيلول الماضي.

أما الهدف الثاني الذي يسعى بوتين إلى تحقيقه من زيارته الشرق أوسطية، التي طغت عليها المسألة السورية، فهو تأمين دعم إقليمي لإقناع المعارضة السورية المشاركة في مؤتمر سوتشي للحوار الوطني الذي جرى تأجيله مرتين بسبب رفضها له، وهو يعد جزءًا من خريطة الطريق التي يأمل بوتين نجاحها لتأمين استثماراته السورية.

يؤمن بوتين أن نصره السوري معلقٌ، بشكل مطلق، بمدى قدرته على تحقيق حل سياسي ما للصراع، فهو لا يستطيع خوض هذه المعركة إلى ما لا نهاية، وإلا فإن سورية تتحول من رافعة لنفوذه الإقليمي والدولي إلى ساحة استنزاف كبرى، وبوتين الذي عاصر حرب أفغانستان أكثر من يدرك معنى ذلك. كما يدرك أن سورية ليست الشيشان، حيث تقف الجغرافيا في صفه. الحدود هنا مفتوحة على دول عديدة، واللاعبون كثيرون وطامحون. لذلك لا بد من حل سياسي، ينهي الصراع، يعود على روسيا بنتائج تتناسب مع حجم استثماراتها، ويحدّ من طموحات إيران التي ترجو اليوم انسحاب روسيا من سورية، بعد خطاب "إتمام المهمة" في حميميم، كما كانت تنتظر انسحاب أميركا من العراق، بعد خطاب "إتمام المهمة" من على ظهر حاملة الطائرات، أبراهام لينكولن.

========================

التجاذبات الروسية في المفاوضات السورية .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 13/12/2017

تراقب الولايات المتحدة الأميركية مجريات المفاوضات السورية في جنيف وأستانة بصمت مريب تارة، وبتصريحاتٍ مقلقةٍ للجانب الروسي تارة أخرى، وهي على الرغم من إعلانها أن الحل في سورية هو عبر المسار الأممي في جنيف، إلا أنها لم تطلب إيقاف المسارات الأخرى التي أسسّت لها روسيا بشراكاتٍ مع دول إقليمية فاعلة في الصراع السوري، والتي تهدف إلى تقويض الترتيبات الدولية والإقليمية التي تم التوافق عليها في بيان جنيف1 (2012)، وتالياً إجهاض عملية التغيير السياسي في سورية.

بيد أن الخطوات الأميركية الهادئة، والمبرمجة، والتي أسفرت عن سيطرتها على نحو نصف مساحة سورية، باتت تتجاوز ذلك، لاسيما مع تصريحاتها بأن مغادرة قواتها الأراضي السورية مرهون بإقامة الحل السياسي في هذا البلد، وأن أي إعمار في سورية لن يكون إلا بعد تحقيق الاستقرار السياسي، وأن هذا الاستقرار لا بد أن ينتج عن مفاوضات جنيف، الأمر الذي جعل الروس يبحثون بجديةٍ عن معادلة سياسية جديدة تحقق الشرط الأميركي، من دون أن تخل بالتفاهمات الروسية ـ التركية من جانب، وتعقّد العلاقة مع إيران من جانب آخر.

لهذا حرصت روسيا على الدفع باتجاه توحيد المعارضة في مؤتمر الرياض 2، وأعلنت عن تأييدها مسار جنيف في جولته الثامنة، على الرغم من مساعيها، قبل التصريح الأميركي، 

"هيأت موسكو لنفسها الظروف الملائمة لتكون على طاولة مقايضات مصالح متبادلة مع واشنطن" الرامية إلى تأجيل الجولة الثامنة، إلى ما بعد عقد مؤتمرها "الحوار الوطني"، في سوتشي في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2017، ثم اضطرارها، بعد فشل مساعيها إلى إعلان تأجيله، إلى موعد غير محدد في الربع الأول من العام المقبل. وقد جعل هذا الوضع النظام السوري في مأزق، فبينما هو يرغب بتعطيل المفاوضات، حسب الرغبة الإيرانية، إلا أنه، في آن، لا يستطيع تجاوز التصريحات الروسية بشأن المشاركة الفعالة لوفده في جنيف 8، ليس لأن روسيا ترى بوادر الحل السياسي كامنة في تلك المفاوضات التي تأخذ بعدها الإعلامي فقط، من دون أن تفيد بأي تقدّم يذكر في الملفات الأساسية، وإنما لأن روسيا تحتاج فعلياً إلى كسب الوقت، لإعادة دراسة التموضعات الجديدة التي غيّرتها بوادر عودة العلاقات التركية ـ الأميركية، وسبل الاستجابة مع المطالب الأميركية بشأن كف يد إيران بعيدأ عن الحدود مع حليفتها إسرائيل.

هكذا، وضمن المعطيات المستجدّة في العلاقة مع تركيا تجد روسيا نفسها أمام خيارات تفاوضية جديدة، إذ عليها أن تحقق الرغبة الأميركية في جلوس "قوات سورية الديمقراطية" على طاولة التفاوض على الحل في سورية، وأن تستبعدها، في الوقت نفسه، من أي عملية تفاوضية بشأن مستقبل نظام الحكم في سورية، إرضاء لتركيا، وحفاظاً على إنجاح مؤتمر سوتشي الذي لن تحضره أنقرة، مع المعارضة القريبة منها، فيما إذا كان كرد سورية الديمقراطية طرفا فيه، وهو ما جعل موسكو ترى في تمديد الجولة الثامنة فرصةً لها في تعقيد العملية التفاوضية، وتشتيت الجهود الأممية، بانتظار استنفاد الوقت، وانتظار معادلات ميدانية وسياسية جديدة، مواتية أكثر لها، ولترتيباتها، ولما تعتزم القيام به عبر مؤتمر سوتشي المقبل، على صعيد الأطراف المحلية.

أما التفاوض الحقيقي الذي تتطلع إليه موسكو فهو مع الولايات المتحدة الأميركية، وبعيدأ عن أي مواجهاتٍ عسكريةٍ أو سياسية، حيث هيأت موسكو لنفسها الظروف الملائمة لتكون على طاولة مقايضات مصالح متبادلة مع واشنطن، صحيح أن منطلقها من سورية لكن ما ترمي إليه موسكو أبعد من الشرق الأوسط، وأقرب إلى ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، لتأخذ من جديد موضعها قطبا يقابل القطب الأميركي عالمياً، من خلال معالجة الملفات العالقة مع الولايات المتحدة (أوكرانيا والعقوبات التكنولوجية والدرع الصاروخي وأسعار النفط)، من باب أنها قوة عظمى، وليس مجرد طرفٍ يمكن توجيه عقوبات له.

ولعل الخيط الوحيد الذي تمسكه إدارة الرئيس بوتين اليوم، في هذه المساومة المفترضة روسياً، هو رأس النظام السوري الذي تفاوض على مقايضته مع كل ما سبق، وتحتفظ لنفسها بحق

"ضمن المعطيات المستجدّة في العلاقة مع تركيا تجد روسيا نفسها أمام خيارات تفاوضية جديدة" تقرير مصيره، إلا أنها تعرف أن ذلك لن يتحقق لها بعيداً عن التزامها بمفاوضات جنيف، ما حتّم عليها إلزام النظام بالمشاركة في الجولة الثانية. ولكن ضمن خطة التعطيل لأي تقدّم يمكن إحرازه بعيداً عن الحل الذي تتصوّره، وهو ما سبق أن قدمته في مخرجات منتدى موسكو (9 إبريل/ نيسان 2015)، الذي تحدث صراحة عن "تسوية الأزمة السورية بالوسائل السياسية على أساس توافقي وفق مبادئ جنيف 1"، طبعاً بالاستناد إلى الترجمة الروسية لبيان جنيف 1، التي تنفي الحديث عن الانتقال السياسي، وتسعى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية عبر حوار وطني سوري- سوري.

ولعل مراجعة بسيطة لمخرجات الحوار الذي جمع كثيرا من مكوّنات وفد التفاوض الحالي (المشكل في مؤتمر الرياض 2) مع وفد النظام السوري في موسكو 2015، يوضح حالة الاطمئنان، بل وأسباب التعاطي الروسي الإيجابي مع المطالب الدولية في التزام مسار جنيف، لإنتاج حل سياسي للقضية السوربة، من دون أن تتراجع عن خطتها في عقد مؤتمر سوتشي، الذي يجمع بين المعارضة والنظام في قاعة واحدة، وتحت سقف الحل الروسي الذي يفترض أن يمهد لمفاوضات حقيقية بين روسيا وأميركا، لإعادة توزيع الحصص، وفق المسطرة الأميركية التي تهيمن على نصف المساحة السورية، من دون خسارة تذكر، بينما تترك ساحة المعركة لروسيا وحليفتها إيران، اللتين تتألمان من جراحهما، وتشيعان جثامين جنودهما بالمئات وبينهم ضباط وقيادات.

إلى ذلك، فإن المفاوضات السورية في جنيف ليست لعبة المفاوضين السوريين (نظاما ومعارضة) كما يعتقد بعضهم، أو يتوهم، إذ هي، في أغلب أحوالها، لعبة تفاوض بين الدولتين الكبريين في العالم، مع هامشٍ تتركانه لدولتين إقليميتين، هما تركيا وإيران، بعد أن اشتغلتا كثيرا على تحجيمهما، لكنهما حتماً يحتاجان لمن يأخذ الصورة من السوريين، وهم يوقعون على ما لم يذهبوا من أجله، ليس فقط في جنيف 8، ولكن في ما بعدها من أرقام.

========================

فصل جديد من مسرحية جنيف… اختلاف مفاهيم السلام .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 13/12/2017

جنيف ثمانية مجرد حلقة من ضمن حلقات مسلسل طويل فاق المسلسلات التركية والمكسيكية، حسب المعطيات التي بين أيدينا لا ضوء في نهاية النفق.

لو أردنا أن نقيم جنيف في مشهده الحالي، علينا النظر إلى مقدماته في الغوطة الشرقية ودير الزور والبوكمال شرق سوريا حيث سقط أكثر من 160 قتيلا خلال 72 ساعة التي سبقت المباشرة في مسرحية جني، ويمكننا اضافة تأخر وفد تنظيم دمشق حضور الجلسة الافتتاحية والحضور في اليوم التالي، تعبيراً عن امتعاضه من بيان الرياض الذي أكد على ترحيل بشار الأسد وزمرته في بداية العملية الانتقالية. يضاف إلى جملة العوامل هذه رغبة موسكو بإعلان الانتصار من مؤتمرها في سوتشي الذي تدعمه تركيا وتحرص على انعقاده.

سلوك تنظيم دمشق المشار اليه ليس سلوك نظام يريد الحل أو الانتقال أو فكر بالتخلي عن أي جزء من اجزاء السلطة.

لماذا يصر السيد دي ميستورا على القفز فوق الاستحقاقات وترتيبها المنطقي، ولماذا يصر دي ميستورا ومن خلفه موسكو على مناقشة موضوع الاصلاحات الدستورية واجراء انتخابات شفافة على حد زعمهم، يشارك فيها كل السوريين، وهنا نسأل هل بشار الأسد وتنظيمه هم ضمن السوريين المفترض بهم الترشح والانتخاب.

ومن ثم كيف لنا أن نتحدث عن انتخابات واصلاح دستوري وليس كتابة دستور جديد، قبل الاتفاق على الانتقال السياسي دون تنظيم بشار الأسد.

وماذا عن العدالة الانتقالية ومحاكمة مجرمي الحرب في سوريا؟

كان مؤتمر الرياض فرصة في غاية الأهمية أتاحتها المملكة العربية السعودية، للتيارات المعارضة ومنصاتها المتقاربة والمتباعدة والمصنعة في موسكو ومنصاتها، لتشكيل وفد واحد موحد يحمل على عاتقه ثوابت الثورة ومقارعة تنظيم بشار الأسد بوفد واحد يتحدث باسم جميع السوريين الرافضين لحكم تنظيم الأسد والميليشيات الداعمة له متعددة الجنسيات.

لكن للأسف لم يحصل هذا بل خرجنا بوفد محاصصة ومساومة ومحسوبيات، ولم نخرج بوفد يعبر عن الثورة، وسؤال آخر يضاف إلى جملة التساؤلات التي طرحت حول بيان الرياض ووفد المعارضات، لماذا تمت إعادة تكليف نصر الحريري رئيسا للوفد هل هي مكافأة له على فشله في جنيف السابق، أم لأنه مجرد واجهة للوبيات ومراكز القوة في الفصائل المعارضة بعيداً عن التمسك بالثوابت وبعيداً عن ما قيل عن تشكيلة هذا الوفد وبيانه الختامي الذي قالوا فيه إنهم متمسكون بالثوابت وبرحيل الأسد في بداية العملية الانتقالية، لكنهم قبلوا الولوج في جنيف ثمانية «دون شروط» ارضاءً لموسكو، وقبلوا أن تكون سوريا «غير مركزية» ارضاءً لواشنطن وموسكو الداعمتين للتنظيمات الكردية المتطلعة لإنشاء ادارة كردية خاصة بهم، وهذه الموافقة غير المعرفة فتحت على المعارضة والثورة أبواباً لن يستطيعوا أن يخرجوا منها مع العلم أن حكومة تنظيم دمشق تعتمد اللامركزية عن طريق ادارة المحافظات والبلديات ومجالس المدن، قد يقول قائل المعارضة لا تحتاج لوضع شروط فقرارات مجلس الأمن 2254 والقرار 2218 وبيان جنيف في حال تطبيقها تعتبر انتصارا عظيما، ونحن نقول نعم صحيح لكن إن تم تطبيقها وعدم الالتفاف عليها.

اعتقد أن المحاصصة والمساومة التي نتج عنها وفد الهيئة العليا للمفاوضات لن تفلح في شيء ومكتوب لها الفشل، وأعتقد أن اختيار نصر الحريري كواجهة «للوبيات» ومن خلفه خالد المحيميد وجمال سليمان، اضعف من الوفد وحظوظه في تحقيق أي خرق وهو «نصر الحريري» لا يتمتع بشخصية قيادية ولا حنكة سياسية وسبق له أن وافق على سلال دي ميستورا الاربع، وقبل ايضاً قبل أن يتراجع عن ذلك ببقاء الأسد في الفترة الانتقالية.

لست اعتقد أن جنيف في مشهده هذا سيؤدي إلى نهاية النفق المظلم، في ظل وجود منافس جديد سوتشي الروسية واستانا المدعومين بالدول الضامنة تركيا إيران روسيا لا تنتظروا شيئا من جنيف ومن وفد المحاصصة المفاوض حالياً.

يمكنكم النظر إلى ما نشرته صحيفة الوطن «شبه الرسمية» أن دي ميستورا تعهد للأسد بأن المفاوضات ستكون حول السلتين الثانية والثالثة المتعلقتين بالدستور والانتخابات فقط مع استبعاد السلتين الأولى والرابعة المتعلقتين بشكل الحكم المستقبلي والانتقال السياسي ومكافحة «الإرهاب».

«السلال الأربعة» أقر مؤتمر جنيف 4 الذي عقد في 23 شباط/فبراير الماضي

المُقدمات التي قدمها تنظيم بشار الأسد وحليفه الروسي رأينا نتائج صنيعها في دير الزور والبوكمال والغوطة الشرقية «160 ضحية» مقدمة لجنيف الحالي التي تشير بما لا يدع مجالا لشك مشكك أنها رسالة واضحة ارسلها الأسد وحليفه الروسي برغبتهم الواضحة لإفشال المفاوضات مهما كانت السلال الموضوعة على طاولة حوار دي ميستورا.

«جنيف 8» ناقش، موضوعي الدستور والانتخابات، وهل المشكلة في سوريا هي مشكلة دستورية بالأصل، أم المشكلة كلها في تنظيم الأسد الذي يعتبر نفسه فوق الدستور وأعلى من القانون.

الوفد الذي تشكل في الرياض يحمل في جنباته بذور ضعفه، خاصة مع اختلاف فصائله وأعضائه حول عدد من القضايا الجوهرية والمصيرية مثل الموقف من الأسد والآليات الدستورية وشكل سوريا المستقبلي والإدارة اللامركزية، والموقف من الجيش والفصائل الأمنية وأهم مشكلات الوفد هي تشكيله على أساس المحاصصة والمحسوبيات.

الأرض في سوريا كانت دائماً ممهدة للسلام منذ بداية الثورة السورية سنة2011، ولكن جرى تعطيل الحل السياسي وتسوية الأزمة من جانب الأطراف الدولية التي رفضت دائمًا حلها وتذرعت بوجود جماعات إرهابية في سوريا.

اليوم ومع نهاية تنظيم الدولة الإرهابي الذي كان يحمل المجتمع الدولي فشله أوعدم رغبته في الحل، فلم يبق أي مشجب اوذريعة أمام المجتمع الدولي لتسويغ تخاذله والأبواب مشرعة على مصراعيها كما كانت دائماً أمام العالم للسعي المباشر والحقيقي لوقف شلال الدم السوري وتطبيق قرارات مجلس الامن ذات الصلة خاصة المتعلقة بعملية هيئة الحكم.

 

مشكلة تحديد المفاهيم

 

المشكلة الواضحة والمستمرة في سوريا هي الاختلاف الكبير في تفسير المفاهيم والمصطلحات كمصطلح السلام والتسوية السياسية، حيث يفسرها كل طرف في سوريا حسب رغبته وأهدافه.

فالسلام من وجهة نظر حكومة دمشق هي المفاوضات التي تنتهي ببقاء بشار الأسد الذي لا يفكر حاليًا في الرحيل على الاطلاق ويعتقد وحلفاؤه الروس والإيرانيون أنهم يمكنهم تحقيق السلام الذي ينشدونه بطريقة واحدة فقط الحسم العسكري وسحق المعارضة، وهي وجهة نظرورغبة إيرانية تدعمها بقوة موسكو، بقاء الأسد في سدة الحكم وانتصار محورها وتنظيماتها العابرة للحدود.

البعض يقول إن روسيا غيرت نظرتها للأمور في سوريا حيث أصبحت لا تصر على بقاء الرئيس السوري في السلطة وأنه يمكن تغييره بشخصية أخرى من داخل الحكومة السورية وهذا ما أظهرته المباحثات والتصريحات الصادرة عن الرئيس فلاديمير بوتين خلال الفترة الأخيرة، بقوله إن موضوع بشار الأسد قابل للنقاش، ودعمه جنرالاته بالقول إنهم سيخفضون من تواجدهم العسكري في سوريا، قبل التراجع عنه بخطاب مخالف. القوات الروسية لن تنسحب من سوريا فى المدى المنظورحتى القضاء على كامل المسلحين.

على المقلب الآخر من المشهد المعارضة «الثورية» السورية تنظر إلى السلام والتسوية السياسية من جانب آخر بعيد كل البعد عن وجهة النظر الأسدية الروسية الإيرانية، وهو تنفيذ القرارات الأممية وتحقيق العدالة الاجتماعية، والانتقال السياسي الكامل حسب قرارات مجلس الامن وبيان جنيف 1 الذي يشُكل وفقه مجلس حكم انتقالي في البلاده ووقف كل الأعمال العدائية من جانب الأسد وحلفائه واطلاق سراح المختطفين قسرا، وهذا ما تؤيده الدول المحبة للسلام العادل وكذا الثورة السورية.

كاتب وباحث سوري

========================

الحل السوري في موسكو لا جنيف .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاثنين 11/12/2017

كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف 8 لا تبدو مختلفة عن سابقاتها التي ظهر فيها أن الثابت الوحيد هو استمرار بشار الجعفري ممثلاً للنظام، على الرغم من التغيّر الكبير في وفد المعارضة الذي خضع لضغوط وتعديلات أدت، أخيرا، إلى تمثيل كل المنصات، بما في ذلك منصة موسكو، وهو الأمر الذي كان يفضي إلى خروجها بلا نتائج.

ما يبرر به وفد النظام موقفه المعيق أن وفد المعارضة جاء بشروط مسبقة، وردت في بيان الرياض 2، وهو هنا يشير إلى الفقرة التي تؤكد على رحيل بشار الأسد مع بداية المرحلة الانتقالية. وكانت منصة موسكو قد وثقت الاعتراض نفسه، الأمر الذي جعلها تشارك مراقبا في اجتماع المعارضة في الرياض، على الرغم من أنها شاركت في وفد المعارضة، بعد تبرير ذلك بالقول إن تأكيد المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، على أنه لا شروط مسبقة في جولة التفاوض هذه يعني شطب الفقرة من بيان الرياض2، ولا شك في أن ذلك تبرير سطحي، لكنه دعّم موقف وفد النظام الذي انسحب اعتماداً على هذه المسألة.

منصة موسكو كما وفد النظام يؤكدان على الانطلاق فقط من القرار 2254 الصادر عن الأمم المتحدة، ويرفض وفد النظام أي تطرُّقٍ لمسألة الرئاسة. لكن القرار الأممي يستند إلى بيان جنيف1، وإلى قرارات أخرى استندت بدورها إلى هذا البيان. بمعنى أن بيان جنيف1 ما زال أساس التفاوض، وأن كل القرارات الأخرى جاءت لاستكمال الخطوات العملية التي توصل إلى تحقيق ما ورد فيه. وإذا كان لم يرد ذكر في البيان لـ "مقام الرئاسة" فقد ورد فيه، وبشكل 

"العقدة ليست في دمشق بل في موسكو، عاصمة الدولة التي باتت تحتلّ سورية" واضح، تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، ما يعني أن هيئة حكم تتشكل عبر التفاوض هي التي ستقود البلاد في المرحلة الانتقالية، وليس بشار الأسد. وهيئة حكم لا تعني حكومة، وهي تتشكل للقطع مع النظام القائم، والتهيئة لتشكيل نظام جديد متوافق عليه بين أطراف متصارعة، وتتشكل من هذه الأطراف بتوافق بينها. وفي هذه الحالة، ينتهي دور الرئيس الحالي، فيسلّم سلطاته لهذه الهيئة، ما دام هو الذي يمتلك كل الصلاحيات التنفيذية، حسب الدستور المقرّر سنة 1973، والذي جرى تعديله سنة 2012 عبر "استفتاء" لم يشارك فيه أكثر من 10% ممن يحق لهم التصويت. وفي هذه الحالة، تحكم هيئة الحكم وفق أحكام دستورية، يجري التوافق عليها، تخصّ المرحلة الانتقالية.

يعني ذلك كله أن جوهر عملية التفاوض هو "هيئة الحكم"، وغير ذلك هو تفاصيل تكميلية لتنفيذها مهامها. ولا شك في أن نص بيان جنيف1، والقرار الأممي 2254 وغيرها من القرارات ذات الصلة تشمل خطوات عملية عديدة تحظى بموافقة دولية، ومن وفد المعارضة من دون أن تلقى موافقة النظام، كما بيان جنيف1 الذي يرفضه بتاتاً. بهذا ليس مستغربا أن تفشل كل جلسات التفاوض، فالنظام يريد وفداً من المعارضة، يقبل المشاركة في "حكومة وحدة وطنية"، وهو لا يعتقد أن صراعاً كبيراً نشأ في سورية يفرض الوصول إلى "حل وسط"، بل يرى أن "مجموعات إرهابية" ودولا إقليمية "افتعلت" مشكلة في سورية ضده، وأن الوضع بات يقتضي أن تتراجع هذه القوى والدول عن تدخلاتها و"حربها"، على أن تُقبل ضمن حكومة يشكّلها هو. بمعنى أنه يريد إنهاء الصراع بدمج المعارضة في بنية السلطة فقط.

هذا يعني اختلافا كبيراً في النظر لما جرى ويجري، وأن تناقضاً يقوم بين الأطراف المتفاوضة حول ذلك. فالتفاوض يجري بين طرفين على ضوء "حربٍ أهلية"، أو تمرّد أو ثورة، حين تكون هناك حاجة إلى حل وسط، حيث يقدم كل طرف تنازلات لمصلحة الطرف الآخر من أجل أن يتحقق الحل، أو يستمر الصراع إلى أن يُحسم بطريقة ما. ولا شك في أن ما جرى في سورية ثورة طرحت إسقاط النظام من دون أن تستطيع (إلى الآن) تحقيق ذلك. وحيث دخل الصراع في استعصاء (أشار إليه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع منذ نهاية سنة 2012)، وجرت تدخلات متعدّدة ليتحوّل الصراع إقليميا دوليا، فإن هدف التفاوض هو إنهاء الصراع، بما يحقق بعضاً من مطالب الثورة التي تطرحها المعارضة، والتي باتت تتحدَّد في إزاحة بشار الأسد، على الرغم أن ذلك لا يحلّ المشكلات التي صنعت الثورة، من دون أن 

"أساس التفاوض ليس قائماً، بل الأمر يتعلق بـ "تقطيع الوقت" تحت مسمى التفاوض" يعني ذلك "إسقاط النظام"، حيث ستبقى بنية الدولة (مع تعديل شكلي في أجهزتها الأمنية)، وبالتالي لم يعد التفاوض يتعلق بإسقاط النظام، بل بإزاحة الرئيس وتعديلات في بنية الدولة.

وكان صاحب هذه السطور قد أشار إلى رواية النظام التي تقوم على اعتبار ما جرى من عمل مجموعات إرهابية، ومؤامرة، وتدخل إقليمي. وهو هنا لا يضع شرعيته محلّ تساؤل، بل ينطلق من أن هناك اعتداء عليه، وأن "بعضاً من السوريين" (وهم ملايين كما أشار بشار الأسد مرة) قد مارس الإرهاب. وهذا منظور يقرُّ أصلاً بشرعية ما للمعارضة التي يتفاوض معها، ولا يعترف بأنها تطرح مطالب، بل يريدها أن تذعن لسيطرته من جديد، فهو ينظر إليها باعتبارها متمردين يمكن العفو عنهم شرط قبولهم الحل الذي يطرحه، وهو هنا المشاركة في "حكومة وحدة وطنية" فقط، ربما مع تعديلات شكلية في الدستور والصلاحيات.

لهذا، فإن أساس التفاوض ليس قائماً، بل الأمر يتعلق بـ "تقطيع الوقت" تحت مسمى التفاوض. ولا شك في أن الدعم الروسي للنظام هو الذي يؤسس لهذا المأزق، لأن روسيا التي تضغط من أجل تغيير مطالب المعارضة، وفرض قبولها بمنظور النظام، لا تفرض على النظام سوى التصرّف كما يريد، على الرغم من أنها باتت صاحبة القرار. وهذا يؤشر إلى ما تريد روسيا التي تسعى إلى فرض تصورها المطابق لتصور النظام، ولهذا فتحت مسار أستانة، وها هي تفتح مسار سوتشي، وتريد في الأخير ترويض المعارضة، أو بعض أطرافها، أو فرْض معارضة مزيفة تقبل باستمرار وجود رئيس النظام عبر إشراكها في وفد المعارضة، لكي تصبح هي المعارضة بعدئذ.

إذن، الخلاف الذي يعقد التفاوض ليس على تفاصيل، بل هو خلاف على أسس فهم طبيعة الصراع، الأمر الذي يفرض أن يسعى "الأقوى" (وهو الآن روسيا) إلى فرض شروطه وصيغته. ما يمكن أن يعدّل في ذلك هو المنظور الأميركي الذي ما زال لا يسعى إلى نهاية للصراع في سورية، فلا يضغط على روسيا للتوصل إلى حل مشترك. وما يهم أميركا أكثر هو وجود أدوات إيران في سورية، وربما ليس من خلاف هنا بين الطرفين. بالتالي، لا بد من مراقبة المسار الروسي، على الرغم من تصريح أميركا ودول أخرى أن جنيف هو المسار الشرعي الوحيد للحل في سورية. ربما فقط أن الإجهاد الروسي هو الذي سيفرض حلاً يبدأ من "هيئة حكم انتقالية"، فهذا الأمر وحده يمكن أن يهدئ من الصراع، ويسمح بـ "لملمة" الوضع. العقدة ليست في دمشق بل في موسكو، عاصمة الدولة التي باتت تحتلّ سورية.

======================

عقدة الأسد .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 10/12/2017

ذكرت لي إحدى المشاركات في فيلم وثائقي فرنسي عن اغتصاب الفتيات والنساء السوريات، المعتقلات أو المختطفات، سوف يُعرض في 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري على قناة فرنسا 2، أن الطريقة الوحيدة لإقناع الضحايا بالبوح بما عانينه على يد الوحوش الضارية كانت تذكيرهن بأن هناك محاولات عديدة لإعادة تأهيل الأسد، وأن أحاديثهن سوف تساهم في العمل ضد هذا الاتجاه. وقد اعتبرن الإدلاء بشهادتهن على قناة تلفزيونية استمرارا لكفاحهن الطويل من أجل تحرير شعبهن من نظام الإرهاب والطغيان. وما من شكّ في أن فكرة إعادة تأهيل الأسد التي أصبح واضحا أنها الأكثر تداولا في الأوساط الدولية، حتى التي لا تتردّد في وصفه مجرماً، تثير مشاعر من غير الممكن ضبطها من الألم والبؤس والاحتجاج عند غالبية السوريين الذين فقدوا كل شيء، بسبب سياساته وخياراته الخرقاء والإجرامية، أبناءهم ووطنهم. وينظر إليها كثيرون على أنها إمعان في احتقار القيم الإنسانية، وتجديد الحرب ضد السوريين.

1

وبالفعل، لا أدري كيف يمكن لرجال دولةٍ وديمقراطيين أن يفكروا لحظة في أن من الممكن المراهنة من جديد على الشخص الذي كان السبب الأول في إطلاق شرارة الحرب ضد شعبه، منذ الأيام الأولى للثورة، من أجل إعادة السلم الأهلي، وتدشين حقبة جديدة في تاريخ سورية، من المفروض أن أساس جدّتها هو قطعها مع حقبة الأسد السوداء وتاريخها وقيمها ومؤسساتها وطرق إدارتها، وقبل أي شيء رموزها. والغريب أننا عندما نتحدّث عن ذلك مع الدبلوماسيين والسياسيين الغربيين، لا نجد أحدا منهم يجد ذريعةً واحدةً تخفف من مسؤوليته، أو تبرّر سلوكه. بالعكس، إنهم يعترفون جميعا، بما في ذلك الروس في بعض اللقاءات، بأنه المسؤول الأول عن الكارثة الإنسانية والحضارية التي تشهدها سورية، وأن ما قام به من أعمال القتل المنظم والقصف الأعمى واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا لا يمكن أن يصدر عن رجلٍ لديه الحد الأدنى من النضج والاتزان. وبعض المسؤولين الدوليين الكبار، إن لم يكن معظمهم، ينظرون إليه إنسانا أحمق ومجرما خطيرا، قادرا على ارتكاب أبشع الجرائم للاحتفاظ بالحكم.

لكن في كل مرة يطرح هذا الموضوع، وبعد التأكيد على عدم صلاحية الأسد للقيادة، لا قبل الثورة ولا بعدها، يخرج السؤال الذي رافق المعارضة والثوار منذ بداية المشاورات مع من أطلقوا على أنفسهم اسم أصدقاء الشعب السوري: ما هو البديل؟

ليس هذا الطرح جديدا، فقد كان يطرح علينا منذ الأيام الأولى لتشكيل المجلس الوطني. ومع 

"كيف يمكن لرجال دولةٍ وديمقراطيين أن يفكروا لحظة في أن من الممكن المراهنة على الشخص الذي كان السبب الأول في إطلاق شرارة الحرب ضد شعبه" بدء عملية بناء علاقاتنا الدولية مع المجتمع الدولي، تحت تأثير انقسام المعارضة، أو بالأحرى الأصوات النشاز التي كانت تشوش على قيادة المجلس الوطني، ليس لخلافاتٍ سياسية في الواقع، وإنما لحساسيات شخصية على الأغلب.وكان جوابي الدائم على هذا السؤال أن المعارضة ليست هي، ولا تطلب أن تكون البديل عن بشار الأسد ونظامه، وليس من المهم كثيرا انقسامها. فليس المطلوب استبدال حكم طغمةٍ بحكم طغمة أخرى، ولا ديكتاتورية الأسد بديكتاتورية غليون أو أي شخص آخر، ولكن إقامة حكم يقرر فيه الشعب مصيره، وينتخب هو نفسه ممثليه، ويمكن له أن يغيرهم في أي وقتٍ يدرك أنهم لا يخدمون مصالحه، ولا يلبون طموحاته. بمعنى آخر، البديل هو من طبيعة مؤسسية، يقوم على تغيير بنية السلطة وممارستها، لا على تغيير رجالها. ولو افترضنا أن الشعب مال إلى انتخاب رجالٍ كانوا من النظام القديم، فهو حر في ذلك. وهذا ما حصل في البلدان التي كانت تابعةً للاتحاد السوفييتي السابق، حيث حصل الحزب الشيوعي في بعضها على الأغلبية في مراحل الانتقال الأولى. لكن المهم أن ذلك حصل ضمن بنيةٍ ديمقراطيةٍ وتعدّدية للسلطة، تسمح بتغييرهم هم أيضا في دورةٍ لاحقة.

وكنت أصر على أن المفاوضات بشأن المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تكون مفاوضاتٍ على تفاصيل الحكم ودقائقه، لأن المعارضة ليست ممثلةً للشعب، وإن مثلت، في أحسن الأحوال، الثائرين في صفوفه، ولكن على شروط التعاون من أجل إيصال السوريين إلى مرحلةٍ يستطيع فيها الشعب نفسه أن يقرّر مصيره، وأن ينتخب ممثليه، ويشكل الحكومة التي يريدها، والتي يستطيع هو أيضا إقالتها، وسحب الثقة عنها وتبديلها، في انتخاباتٍ نزيهة وحرة. وهذا يعني أن البديل ليس المعارضة، وإنما مجلس شعب منتخبٍ وممثل للشعب. وهذا المجلس هو الذي سيقود سورية ما بعد الأسد، لا المجلس الوطني، ولا المعارضة، ولا شركاؤها من أنصار النظام في المرحلة الانتقالية. وكل ما يطرحه المبعوث الأممي اليوم من نقاشٍ بشأن الدستور ورؤية سورية المستقبل من وثائق نهائية لا معنى له، وهو يستجيب لمطالب الروس الذين يريدون أن يلغوا المرحلة الانتقالية بموازاة إلغائهم تغيير النظام، واستبدالها بتفاهمٍ نهائيٍّ بين المعارضة والسلطة على الحكم القادم من وراء الشعب، وضد مصالحه. المطلوب مبادئ دستورية لقيادة المرحلة الانتقالية فحسب، قبل إيصال الحكم إلى الشعب وجمعيته الوطنية التي لها وحدها الحق في أن تصوغ الدستور النهائي، وتتفق على المبادئ فوق الدستورية أيضا.

لكن هذا الطرح الذي يركّز على إيصال الحقوق إلى أصحابها، أي إلى تطبيق مبدأ ممارسة الشعب حقه في تقرير مصيره في انتخاباتٍ حرّة ونزيهة، وما يريد الروس قطع الطريق عليه بتكريس اتفاقاتٍ مسبقة ونهائية بين المعارضة والنظام، لم يستطع أن يقاوم للأسف طويلا متطلبات الدبلوماسية الدولية التي لا تريد أن تسمع كثيرا، وربما لا تؤمن بأن فرضية الحل الديمقراطي، المقبول والمطلوب في كل مجتمعات الأرض، يصلح لسورية. وبعد استقالتي من رئاسة المجلس، ومع إصرار الغرب والشرق، بما في ذلك الدول الصديقة، على فكرة البديل الجاهز، دخل السوس إلى فكر المعارضة التي أضعفت موقفها بالاعتراف بأنها لا يمكن أن تكون بديلا، ولا تملك البديل، بدل أن تؤكد أنها لا هي ولا الأسد ونظامه البديل، وإنما الشعب وجمعيته الوطنية المنتخبة. وهذا ما كانت تحتاجه الدبلوماسية الدولية، لقطع الطريق على المرحلة الانتقالية، والاتجاه إلى فكرة المشاركة في حكومةٍ واحدة، أو ما تسمى وحدة وطنية.

2

الواقع أن المطالبة المسبقة والشاملة ببديل، بمعنى بطاقم حكومي جاهز ومؤسسات بديلة، يحل محل طاقم الأسد ومؤسساته، لم تطرح على أي ثورة أو حركة احتجاج في العالم، فهي تستبطن أمورا عديدة.

أولا، أن من الممكن بناء قوة جاهزة ومنظمة سياسية، أو كتلة قادرة على الحكم وحدها منذ

"حتى الروس يشهدون، في بعض اللقاءات، أن الأسد هو المسؤول الأول عن الكارثة الإنسانية والحضارية"  البداية. ولا أدري كيف يمكن لهذه القوة السياسية المنظمة والقادرة على استلام الحكم أن تتكون في ظل ديكتاتورية فاشية وهمجية، في الوقت نفسه، تُخضع الأفراد إلى مراقبةٍ يومية، وتحرّم أي شكل من التواصل بينهم، الفكري والسياسي، وتُخضعهم لمحاكمةٍ دائمةٍ وتجرّدهم من أي حماية سياسية أو قانونية. وأول برهان على ذلك روسيا المنتفضة على النظام السوفييتي نفسها.

وتستبطن ثانيا استبعاد أن يكون الشعب صاحب السيادة والصلاحية في اختيار ممثليه في انتخاباتٍ حرّة ونزيهة، أي أيضا الاعتقاد بأن الشعب السوري ليس على مستوى من النضج يسمح له بممارسة حقوقه السيادية. وهذه هي الفرضية وراء فكرة مؤتمر شعوب سورية الذي أعلن الروس عن عقده في حميميم، ثم نقلوا مكانه إلى سوتشي، ولا يزال غامض المصير. وبينما تهدف مفاوضات جنيف للتوصل إلى تفاهم بين الحكم والمعارضة على صيغةٍ للانتقال السياسي من سنة ونصف السنة إلى سنتين، تشكل مدخلا لتطبيع الحياة السياسية، والدخول في نظام الديمقراطية الذي يكرّس سيادة الشعب، وحقه في تقرير مصيره بحرية، يفترض مؤتمر شعوب سورية حوارا بين المكونات الإثنية والطائفية والعشائرية السورية، يلغي إشكالية الانتقال من جذورها، ويفتح باب الحوار بين جماعاتٍ مختلفةٍ ومتنابذةٍ على تقاسم المناصب، ويفضي، لا محالة، إلى تحييد الدولة، وإحلال إدارات محلية مكانها، تضمن لكل قوة احتلت جزءا من الأرض السورية الاحتفاظ بنفوذها ووصايتها في المنطقة التي بسطت سلطتها عليها. ولو حصل ذلك، لكانت طهران التي تتمتع بحضور أوسع وأكثر عمقا، سياسيا وعسكريا وبشريا، اليوم في البلاد، هي صاحبة الكلمة الأولى، والسيطرة الأكبر على الحكومة والإدارة وجميع المرافق الاقتصادية والخدمية في الدولة السورية القادمة.

ويستبطن هذا الطرح ثالثا أن ما يرمي إليه الحوار والمفاوضات ليس الانتقال الذي أعلنته الثورة نحو نظام ديمقراطي، يلبي مطالب الحرية والكرامة والتطلع إلى ملاقاة قيم العصر. وإنما التمثيل الشامل والميكانيكي لجماعات الهوية، وإلغاء مفهوم المواطنة التي تقوم على حكم القانون والمساواة بين الأفراد، وقبل ذلك حرية الفرد ومسؤوليته السياسية لصالح مفهوم العصبية الأهلية الجمعية، الطائفية والإتنية. وهو النظام الذي فرض، حسب المنطق نفسه، في لبنان، وبعده في العراق، والذي يكرّس إعادة تنصيب زعماء العشائر والقبائل ووجهاء المناطق والقوميات على الدولة والسياسة، وتوريث مناصبهم لأبنائهم، وإلغاء أي فرصةٍ لتكوين نخبة وطنية سياسية، تتناغم مع مفهوم الدولة، وهو ما يهدف إلى إجهاض أي حياة مدنية حقيقية، ودفع السوريين إلى الانشغال بصراعات هويةٍ وتنازع على مناصب الدولة والإدارة، لا تنتهي، بدل مساعدتهم في الارتفاع على الانقسامات العمودية، وتوسيع قاعدة التعاون بين الأفراد، بصرف النظر عن انتماءاتهم الأهلية، وتوحيد القوى والجهود من أجل تحديث المجتمع السوري، وتطوير مؤسساته المدنية والسياسية، وتعميق روح الوطنية والقيم الإنسانية الكونية.

ويستبطن رابعا أن الوظيفة الرئيسية لنظام سورية القادم ليس تجاوز النقائص والعيوب التي حالت دون تفاعل أبناء الشعب السوري، وتكون إرادة وطنية فعلية، وهو ما عبّرت عنه شعارات الثورة، وأولها "واحد واحد الشعب السوري واحد"، ولكن إقامة نظام من الطبيعة نفسها التي جسدها نظام الأسد، والتي لا تهدف إلا إلى تلبية المطالب والمصالح الخارجية، والاستقواء بأصحابها لعزل الشعب السوري سياسيا، وتقويض وحدته وإرادته الوطنية. ما يعني أن ما هو مطلوب للخروج من الحرب والدمار والخراب ليس مصالحة الشعب السوري مع نفسه وتاريخه، وحل الإشكالات التي دفعته إلى الثورة والحرب، وإنما زرع بذور نزاعاتٍ لا تنتهي، ولا يمكن السيطرة عليها. وأن وظيفة النظام المنشود ليست خدمة السوريين ورعاية شؤونهم، كما هي وظيفة النظم السياسية، أو أغلبها، وإنما خدمة الأطراف الخارجية التي تضمن بقاء النظام وحمايته واستمراره. وهذه كانت وظيفة نظام الأسد الذي استمد قوته ونفوذه وفرص استمراره من اشتغاله على ضبط السوريين وتحييدهم، وشل إرادتهم لحساب دول وحكومات ومصالح أجنبية. وهذا ما جعل من مسألة تغييره أو استبداله، عندما فشل في تحقيق مهامه، وانتفض السوريون ضد سياساته، مسألة إقليمية ودولية وعالمية خارجة عن إرادة السوريين.

لم تترك موسكو، التي تعمل صاحب تفويض دولي في المفاوضة مع المعارضة، فرصةً من دون أن تستغلها لقطع الطريق على خيار الانتقال السياسي الديمقراطي، والسعي إلى إغراق مسألة سيادة الشعب السوري بمسألة التعددية الإثنية والطائفية والسياسية، والدفع في اتجاه حلٍ يقوم على تقاسم السلطة بين الجماعات الأهلية وتقسيم البلاد إلى أقاليم ذاتية الإدارة بعد أن فشلت في فرض الفيدرالية.

3

لا ينبع التذكير الدائم بغياب البديل، كما قد يخطر إلى البال، من القلق على مستقبل سورية، أو على نجاح عملية الانتقال السياسي فيها، ولا من الاعتقاد بالفعل بغياب شخصيات قادرة على

"وظيفة النظام المنشود ليست خدمة السوريين ورعاية شؤونهم، وإنما خدمة الأطراف الخارجية التي تضمن بقاء النظام وحمايته واستمراره" الحكم، أو عن الخوف من عقم المجتمع السوري وعجزه عن إنتاج "شخصية فذة" مثل بشار الأسد، ولا من عدم إمكانية الحؤول دون عمليات الانتقام الجماعي، أو انهيار مؤسسات الدولة، أو الدخول في الفوضى، كما يزعم بعضهم. ولكنها تنبع من الخوف من أن لا تتمكّن القوى التي كانت وراء الأسد، واستفادت من حكمه، وعقدت صفقاتٍ كبرى معه على حساب حرية الشعب السوري، وحقوقه وتقدمه وأمنه، من إيجاد البديل المطابق له. أي في الواقع من أن لا تتمكن هذه القوى من ضبط الأوضاع السورية في إطار نظام ديمقراطي، يعكس إرادة الشعب وتطلعاته، ويعمل لخدمة أهدافه والدفاع عن مصالحه، ويعمّم نشر روح الحرية والكرامة والاستقلال والسيادة في ربوعه. وهو ما كان سائدا قبل عهد الانقلابات العسكرية، والذي جعل من السوريين، في حقبة الخمسينيات، في طليعة حركة الكفاح التحرّري والاجتماعي الذي خاضته الشعوب حديثة الاستقلال في العالم. فالبديل المطلوب للأسد وحشٌ مثله مستعدٌّ، لقاء ضمان استمراره في السلطة وتوريث الحكم لأبنائه، لقتل شعبه وتحويل سورية إلى معتقل جماعي، وجاهز للقيام بجميع المهام القذرة، الداخلية والخارجية، التي قبل بتنفيذها نظام الأسد، غالبا بمبادرته الخاصة، خلال نصف قرن، وضمنت استقرار النظام الإقليمي والدولي القائم على تجميد الحياة في المنطقة، وحرمانها من أي فرصة للتعاون من أجل التقدم والتنمية والتطور الاجتماعي والسياسي والفكري، في سبيل الحصول على رضى الدول الكبرى وتلبية مصالح وكلائه، بصرف النظر عن مصالح السوريين، وعلى حسابها في أغلب الأوقات. ولأن هؤلاء الوكلاء ليسوا واثقين من قدرتهم على تدجين الشعب السوري، بعد تضحياته الهائلة، وسوقه إلى إنتاج نظامٍ شبيه بنظام الأسد، وقادر على أداء مهامه الداخلية والخارجية، كما فعلوا في بلدان الربيع العربي الأخرى، فليس لهم خيار سوى الدفاع حتى آخر نفسٍ عن إعادة تأهيل الأسد نفسه، حتى لو كانت قناعتهم بعدم صلاحيته، وربما بسبب ضعفه، بل موته السريري نفسه أيضا.

ليس المطلوب "دوليا" في سورية نظاما ديمقراطيا مدنيا، يضمن وحدة الشعب وتفاهمه على قواعد واضحة وثابتة وكونية للشرعية وتداول السلطة، ويمكن للشعب أن يختار ممثليه ويستبدلهم بحرية، كما الحال في الدول الديمقراطية جميعا، وإنما المطلوب، كما تبين في السنوات الست الماضية، العكس تماما، أي نظاما يجرّد الشعب السوري من سيادته، ويفرض عليه خياراتٍ لغير مصلحته، تضمن الأمن والاستقرار والتوسع والازدهار لدولٍ بعينها في الشرق الأوسط، وتحفظ هيمنة الغرب، وروسيا جزء منه، على عالم الشرق والإسلام والعرب الذي يبدو أكثر فأكثر مرتعا للقوى المتمرّدة والمتطرّفة والثائرة. وليس هناك بديل عن الديكتاتورية الفاشية المتهاوية تحت ضربات الثورات العربية، للحفاظ على هذه المصالح الكبرى والتوازنات، سوى نظم مقوّضة العزم والشرعية، ودول مفكّكة تلغي الشعب، وما له من قوة وكيان سياسيين، وتحل روابط المجتمعات، وتفتك بقيمها ورموزها، وتباعد بين أقاليمها وجماعاتها، أي سوى فرط عقدها وتحويلها إلى إثنيات وطوائف ومحليات، وتقسيم أراضيها إلى كانتونات ومناطق معزولة وعازلة، منطوية على نفسها، لا شاغل لها سوى التنازع على البقاء في منطقة محرومة وعاجزة عن إيجاد شروط التنمية، تعاني أكثر فأكثر من شحّ الموارد، ومن حروب أهلية دائمة، ونزاعات هوية، لا حل لها ولا تسوية فيها. هذا هو البديل الوحيد الذي يضمن، في الوقت نفسه، تحييد الشعوب، وإخراجها من معادلة القوة، والإبقاء على الأسد وأمثاله رؤساء وقادة لدولٍ لم يبق منها سوى الاسم، ومن وراء ذلك، تكريس المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية الكبرى التي حقّقتها الشراكة المدنّسة بين طهران وموسكو وتل أبيب وواشنطن وأتباعهما، عوائد الحرب التي فجّرها الأسد على السوريين نيابة عن الجميع، وبمساعدتهم، لسحق ثورة الحرية والفتك بأبنائها، وتشريدهم في كل بلاد المعمورة.

ما أنتج عقدة الأسد التي عطلت مفاوضات الحل السياسي ست سنوات متواصلة، ليس وجود الأسد وشخصه، أو النزاع على دوره، ولكن تصميم الفاعلين الإقليميين والدوليين على رفض خيار التحول الديمقراطي الذي يلبي تطلعات السوريين، ويضمن حقوقهم بالتساوي، من خلال انتخابات حرّة ونزيهة لممثليهم وقادتهم، الحقيقيين والشرعيين، والإصرار على الإبقاء على نظم استبدادية ليست بحاجة إلى أي توجيهٍ، أو ضغوط استثنائية، كي تقوم بتنفيذ مهمتها التاريخية في الدوس على رقاب الشعوب وتفكيكها، وإخضاعها بالقوة، وإن لم تستطع تشتيت شملها بحروب الإبادة الجماعية، المادية والسياسية معا. لتحقيق هذه المهام، الإبقاء على كواسر أثبتت قدرتها على الفتك، من دون أن يرفّ لها جفن، بشعوبها، هو بالتأكيد الخيار الصحيح لدولٍ تتصرف هي نفسها كوحوش ضارية.

========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 36) .. وقف رسائل المصالحة والعودة إلى العنف الثوري ونجاة الرئيس حافظ الأسد من محاولة اغتياله وارتكاب النظام مجزرة بشعة بحق المعتقلين في سجن تدمر الصحراوي .. محمد فاروق الإمام

نجا الرئيس حافظ الأسد بأعجوبة من محاولة اغتيال محبوكة بدقة وإتقان من قبل خلية زرعت في جهاز أمنه وحرسه الخاص يوم 26 حزيران عام 1980م، حين ألقى أحد أفراد حرسه الشخصي قنبلتان يدويتان استهدفته مباشرة، فصدت الأولى وتم إبعادها، واحتضن أحد أبرز مرافقيه الثانية.

وأعلنت (الطليعة) أن الخلية التي حاولت اغتيال حافظ الأسد هي إحدى خلاياها.

كانت هذه الرسالة تشير بأن (الطليعة) قد تمكنت من التسلل إلى أكثر المناطق حساسية، وهذا دفع صقور (العنف الثوري) الذين حاولوا جاهدين أن ينتزعوا تفويضاً من الرئيس بتصفية (العصابة) على طريقتهم، فأقدموا على إعدام عشوائي للمعتقلين الإسلاميين في سجن تدمر الصحراوي الذي راح ضحيته نحو (800) سجين في مذبحة رهيبة بشعة نفذها المقدم (محمد ناصيف) بأمر من (العقيد رفعت الأسد) قائد سرايا الدفاع.

 

مجزرة تدمر الكبرى

القصة الكاملة للجريمة (كما رواها بعض المنفّذين)

التحضير للعملية:

في تمام الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم 27/6/1980 دُعيت مجموعتان من سرايا الدفاع للاجتماع بلباس الميدان الكامل، المجموعة الأولى من اللواء (40)، الذي يقوده الرائد معين ناصيف (زوج بنت رفعت الأسد)، والمجموعة الثانية من اللواء (138)، الذي يقوده المقدم علي ديب، وكل من المجموعتين يزيد تعداد عناصرهما على مائة عنصر.

أما مجموعة اللواء (40) فقد اجتمعوا في سينما اللواء، حيث ألقى فيهم معين ناصيف كلمة، قال فيها: (راح تقوموا بهجوم على أكبر وكر للإخوان المسلمين، وهو سجن تدمر .. مين ما بدو يقاتل؟)، وبالطبع، فلم يرفع أحد منهم يده، ثم انتقلت المجموعة الموجودة إلى مطار المزة القديم، حيث التقت المجموعتان، وكان بانتظارهم عشر طائرات هيلوكوبتر، وكل طيارة تتسع لـ 24 راكب.

كان قائد العملية المقدم سليمان مصطفى، وهو قائد أركان اللواء (138)، وكان من جملة الضباط المشاركين: الملازم أول ياسر باكير، والملازم أول منير درويش، والملازم أول رئيف عبد الله.

أقلعت طائرات الهيلوكبتر حوالي الساعة الخامسة صباحاً، ووصلت إلى مطار تدمر حوالي الساعة السادسة، وعقد اجتماع لضباط العملية، تمّ فيه توزيع المهمات وتقسيم المجموعات، ثم أعطي العناصر استراحة لمدة ثلاث أرباع الساعة.

في هذه الأثناء كان سجن (تدمر) هادئاً، وقد اتخذت ترتيبات مُعينة؛ مثل: إجراء تفقد للمعتقلين وتسهيل مهمة مجموعات سرايا الدفاع، فلم تكن هناك عراقيل أو اعتراض، بل كانت الشرطة العسكرية المكلفة بالحراسة مستعدة على الباب الخارجي، كما كان رئيس الحرس وشرطته العسكرية مجتمعين في ساحة السجن، وقد أبعد العديد من أفراد الشرطة العسكرية ممن ينتسبون للسنة وأعطوا إجازات سريعة لقضائها في بلدانهم.

ثمّ دُعي عناصر سرايا الدفاع إلى الاجتماع؛ حيث تمّ تقسيمهم ثلاث مجموعات:

ـ المجموعة الأولى: وهي مكوّنة من (80) عنصراً، وكلفت بدخول السجن، وسُميت "مجموعة الاقتحام".

ـ المجموعة الثانية: وهي مكونة من (20) عنصراً، وكُلّفت بحماية طائرات الهيلوكبتر.

ـ المجموعة الثالثة: وهي مكونة من بقية العناصر، وقد بقيت في المطار للاحتياط.

ركبت مجموعة الاقتحام سيارات (دوج تراك)، وحين وصلت إلى السجن؛ انقسمت المجموعات الموجودة إلى مجموعات صغيرة، كل منها بإمرة أحد الضباط، وقد سلّم مدير السجن مفاتيح المهاجع إلى ضباط سرايا الدفاع، كما زوّدوا بمرشدين لغرف السجن وباحاته.

كان في سجن تدمر العسكري (34) مهجعاً، في كل منها (20-70) معتقلاً؛ تبعاً لحجم المهجع، وقد تم تنظيم العملية بقتل المعتقلين على دفعتين: الدفعة الأولى شمل الغرف المطلّة على الباحات (1 و2 و3)، والدفعة الثانية تشمل الغرف المُطلّة على الباحات (4 و5 و6)؛ وبسبب انخفاض المهاجع وعتمتها في غرف الباحات (1 و2 و3)؛ تقرر إخراج المعتقلين إلى الباحات لتنفيذ الإعدام فيهم.

وتوزّعت مجموعات سرايا الدفاع على المهاجع والباحات، وفُتحت الأبواب، وبموجب نظام السجن؛ وقف المعتقلون عند فتح أبواب المهاجع مغمضي العيون ووجوههم إلى السقف، وقدم رئيس كل مهجع الصف (ويكون أحد السجناء، ويُطلب منه ترتيب السجناء وتنظيمهم، ويكون له نصيب أكبر من العذاب، انظر كتاب شاهد ومشهود).

ـ في الباحة رقم (1) تم إخراج نزلاء المهجعين (5 و6)، ونزلاء المهجع (4)، وجُمعوا في زاوية الباحة الشمالية الشرقية.

ـ في الباحة رقم (2) تمّ إخراج نزلاء المهاجع الثلاثة (8 و9 و10)، وجُمعوا في آخر الباحة الجنوبية الغربية، مقابل المهجع (8) ذي الشرفة الواسعة من الأمام.

ـ في الباحة رقم (3) تمّ جمع المعتقلين من المهاجع (12 و13 و16 و17)، في الزاوية الشرقية الجنوبية من الباحة أمام المهجع (12).

وهكذا تمّ تجميع المعتقلين مع أغراضهم بشكل يجعل عملية القتل والإبادة تبدأ في الباحات الثلاثة في وقت واحد.

والجدير بالذكر أن المعتقلين جميعاً خضعوا في اليوم السابق لأنواع من التعذيب الشديد الذي لم يسبق له مثيل، فقد اندفعت عناصر الشرطة العسكرية تطوف بالمهاجع، وتضرب المعتقلين بالسياط والعصي، كما أخرجوا نزلاء بعض المهاجع إلى الباحات بالتسلسل، وانهالوا عليهم ضرباً بالعصي والسياط، فأصيب الكثيرون من المعتقلين بكسور وجروح مختلفة.

بدء المجزرة الوحشية:

بعد ذلك أعطيت إشارة البدء لعناصر سرايا الدفاع، فانطلقت الآلات النارية تصبّ وابل الحمم على المعتقلين العزل الأبرياء، وألقيت عدة قنابل ـ لا سيما في الباحة رقم (2)، واستخدمت بعض قاذفات اللهب مع إطلاق النار الكثيف في كل من الباحات الثلاث، حيث تعالت أصوات المعتقلين بهتافات: الله أكبر.

وخلال دقائق قليلة انتهى الأمر، لكن بعض المعتقلين في الباحة رقم (1)؛ تمكنوا من الهروب، وتمكنوا من دخول المهجع الكبير المزدوج (4 و5)، فتواروا فيه، فلحق بهم بعض عناصر سرايا الدفاع، فقتلوهم ومثّلوا بهم.

حين انتهت العملية في الساحات الثلاث، تجمع القتلة وانطلقوا إلى الباحات الثلاث الأخرى، ولكيلا تتكرر عملية هرب بعض الضحايا إلى المهاجع؛ قرر الضباط دخول المهاجع على المعتقلين، وقتلهم فيها.

اندفعت ست مجموعات من القتلة إلى الباحة رقم (4)، وفيها ثلاثة مهاجع مليئة بالمعتقلين، فتوجهت كل مجموعتين إلى مهجع، وفتح الباب، وقدم رئيس كل مهجع الصف، فدخلوا عليهم، وأمروهم بالابتعاد عن الباب، ثم ألقوا على المهجع قنبلتين دفاعيتين، ثم دخلوا عليهم، وأخذوا يُطلقون رصاصهم رشاً على الضحايا الذين ارتمى معظمهم على الأرض بين قتيل وجريح، واستمروا في ذلك إلى أن أتمّوا قتل من في المهجع.

ثم انطلقت المجموعات إلى الباحات رقم (5 و6)، حيث توزّعت على المهاجع الخمسة الباقية، وتم فتح الأبواب عليهم، وبُدئ بإطلاق النار على المعتقلين العُزّل.

وفي أحد مهاجع الباحة رقم (5) اختبأ أحد المعتقلين في دورة المياه بالقرب من الباب، وحين دخلت العناصر المسلحة، وبدأت بإطلاق النار على المعتقلين العُزّل، انقضّ هذا المعتقل من دورة المياه، وتمكّن من انتزاع السلاح من أحد عناصر سرايا الدفاع، وهو الرقيب اسكندر أحمد، وأطلق عدة طلقات أدت إلى مقتل هذا الرقيب وجرح إثنين آخرين، لكن بقية العناصر المسلحة بادرت إلى إطلاق النار على المعتقل البطل حتى استشهد.

قام بعض الضباط والعناصر بتقليب جُثث الضحايا، والتأكد من مقتلها أو الإجهاز على من فيه بقية رمق؛ حتى تلطّخت أيديهم وثيابهم وصدورهم بالدماء، مثل الملازم: رئيف عبد الله، والملازم منير درويش، والرقيب علي محمد موسى.

بقي دم الضحايا البريئة يغمر أرض السجن؛ وتجمد في كثير من الأماكن من الباحات والمهاجع، فتم تنظيف الساحات، وتم طلاء جدران السجن بسرعة لإخفاء معالم الجريمة، أما المجرمون منفذو العملية فقد عادوا إلى مطار المزة في الساعة 12.30 ظهراً، وانصرفت مجموعة اللواء 138 إلى لوائها، كما انصرفت مجموعة اللواء 40 إلى لوائها، وكان بانتظارهم الرائد معين ناصيف، حيث اجتمع بهم في السينما، وشكرهم على جهودهم، وعزاهم بوفاة الرقيب اسكندر، وقال لهم: أنتم قمتم بعمل بطولي، بعمل رجولي، ثم أمرهم بكتمان العملية، وقال لهم: ما لازم تطلع هالعملية خارج منا، يعني لازم تظل مكتومة وسرية.

وفي اليوم التالي وزعت السلطة مبلغ 200 ليرة سورية على كل عنصر من العناصر الذين اشتركوا في هذه الجريمة.

ملاحظة:

هذه التفاصيل جاءت ضمن اعترافات الرقيب المجرم عيسى إبراهيم فياض، والعريف المجرم أكرم علي جميل بيشاني، وكلاهما علويان من سرايا الدفاع، اشتركا في محاولة فاشلة لاغتيال رئيس الوزراء الأردني السابق مضر بدران، وأدليا باعترافاتهما كاملة على شاشة التلفزيون الأردني، ونشرت في كتاب الوثائق الأردنية – 1981، والذي طبعته وزارة الإعلام الأردنية بتاريخ 25/2/1981.  

هذا وقد اطلعت لجنة حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، التي انعقدت في جنيف فيدورتها السابعة والثلاثين على وقائع مجزرة تدمر، خلال مناقشتها للبند 13 من جدولالأعمال الخاص بانتهاكات حقوق الإنسان في العالم، ووزعت على اللجنة الوثيقة رقم (E/CN/4/146تاريخ 4/3/1981، والتي تضمّنت إفادات المشاركين في مجزرة تدمر، (عيسى إبراهيم الفياض وأكرم بيشاني). وناقشت اللجنة بجلستها رقم 1632 تاريخ 9/3/1981 مضمون المذكرة وشارك في النقاش مندوبو الأردن والعراق وسورية.

fiad

المجرم عيسى إبراهيم فياض

akram

المجرم أكرم بيشاني

وعادت المجابهة الدموية إلى نقطة الصفر، وانطلق العنف من جديد، ليشهد شهر تموز عام 1980م أعنف حملات العنف الرسمي. فقد ارتكب المقدم (هاشم معلا) قائد مجموعات الوحدات الخاصة في حلب مذبحة في حي المشارقة الشعبي صباح يوم عيد الفطر، راح ضحيتها نحو مئة مدني. في حين أقر مجلس الشعب في 7 تموز عام 1980م، وعلى إيقاع ما سماه كتاب حزبي بـ(الانتفاضة الشعبية العارمة ضد عصابة الإخوان المسلمين) القانون رقم (49) الذي ينص على إنزال عقوبة الإعدام بكل من ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأعفى هذا القانون من العقوبة كل من يعلن خلال شهر خطياً انسحابه إذا كان داخل القطر وخلال شهرين إذا كان خارج القطر.

يتبع

=========================

فاروق الشرع في معادلة التسويات الجديدة .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 9/12/2017

يتداول بعض أطياف المعارضة ووسائل الإعلام اسم فاروق الشرع، النائب السابق لرئيس النظام السوري، كرئيس لمؤتمر سوتشي، المزمع عقده في شباط (فبراير) المقبل برعاية روسية، بعد توافقات تركية وإيرانية. ويأتي هذا التداول المبكّر في سياق حملة ترويجية للمؤتمر، على رغم عدم وجود ما يؤكد موافقة صاحب العلاقة أو رفضه، وهو الذي كان اختار الصمت مبتعداً عن أروقة العمل السياسي، كحال كل المبعدين من القيادات السابقة في سورية، سواء أولئك العاملين ضمن منظومة قيادة حزب البعث الحاكم، أوحتى في مجالات العمل التنفيذي، الذي لا يفصله عن العمل الحزبي سوى خيط وهمي غير مرئي لكثير من السوريين.

ترشيح الشرع أتى من كل من المعارضين خالد محاميد نائب رئيس وفد المعارضة حالياً، وهيثم مناع رئيس تيار «قمح» (الرئيس المشترك السابق لـ «مجلس سورية الديموقراطية»، التحالف العربي- الكردي)، خلال اجتماع ضمهما مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف ومبعوث وزير الخارجية الروسي للتسوية في الشرق الأوسط سيرغي فيرشينين منتصف الشهر الماضي في موسكو، في محاولة منهما لطرح اسم شخصية تمكن المراهنة أو الإجماع عليها خلال المرحلة الانتقالية، بعد تعذّر قدرة المعارضة على فرز شخصية منها تجمع عليها كل أطيافها، وفي الوقت ذاته يمكنها أن تكون إحدى شخصيات النظام، التي لم تنغمس في الحرب المعلنة على الحاضنة الشعبية للثورة السورية التي انطلقت من درعا، المدينة التي ينحدر منها الشرع، في آذار (مارس) 2011.

بيد أن المراهنة على صمت النظام ورئيسه حيال هذه التسريبات والأخبار المتداولة يعيدنا إلى البحث في الأسباب التي أدت فعلياً إلى إزاحة الشرع من منصبه، رغم ما كان يتميز به من مكانة لدى نظام الأسد (الأب والابن)، حيث بدأت أوساط النظام تتساءل عن موقفه الحقيقي من الثورة بعد اللقاء التشاوري الذي ترأسه في فندق «صحارى» (قرب دمشق)، في 10 تموز (يوليو) 2011، وأعلن خلاله أن سورية مستعدة للانتقال إلى دولة تعددية ديموقراطية يحظى فيها جميع المواطنين بالمساواة، وبالمشاركة في صياغة مستقبل سورية، وجهر آنذاك بالموافقة على مقترحات بإلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري، التي تلغي حكم البعث لسورية، وهو الأمر الذي بدّد على ما يبدو مكانته لدى النظام لأنها جاءت إعلانا مسبقاً وضع النظام وقتها، في حرج ولم يعد أمامه إلا التعامل مع هذا الوعد، ما قاده إلى إعداد دستور جديد (2012) ألغى من خلاله هذه المادة، ولو نظرياً، لكنه في المقابل كبّل السوريين بمواصفات رئاسية تتطابق على شخص رئيسه، بحيث تعيد له من جديد حق الترشح لمرتين متتاليتين بدءاً من عام 2014، وهو ما بات يدافع عنه النظام بإصرار، كما شهدنا خلال الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، بدعم من حليفتيه روسيا وإيران.

وعلى رغم عدم تعاطي النظام إعلامياً مع مؤتمر سوتشي، الذي تتبناه روسيا، ومع ما يحيط به من شائعات، ومنها رئاسة الشرع له، إلا أن وفد النظام استخدمه ضمنياً كفزاعة في وجه المعارضة، التي بدأ يملي عليها شروطه، التي وصلت إلى حد مطالبته لها بسحب بيان الرياض2 من التداول، معتبراً أن ما جاء في هذا البيان حول مصير الأسد «شرط مسبق ومرفوض»، في الوقت الذي تجتهد فيه المعارضة للحفاظ على شعرة معاوية لإبقاء العملية التفاوضية قائمة في جنيف خوفاً من أن يصبح سوتشي ممراً إجبارياً للتفاوض مع النظام.

يستنتج من ذلك أن نظام الأسد يريد أن تأتي صياغة وثائق المعارضة بحسب المقاس الذي يناسب خطته لمجرد الحوار، وليس للتفاوض، وأن خياراته لا زالت مفتوحة، بسبب الدعم اللامحدود من حلفائه الذين يزدادون مرحلة إثر مرحلة، بانتقال الصراع على الملفات، من ملف الصراع السياسي بين المعارضة والنظام إلى ملف المصالح الإقليمية لدول الجوار، ومن تحالف أصدقاء الشعب السوري إلى عداواتهم البينية، واللعب على خلافاتهم لمصلحة انتزاع أدوارهم، ومن التكامل لمصلحة القضية السورية إلى التنافس عليها وتبديد عنصر قوتها.

على ذلك فإن محاولات التعطيل التي يقوم بها وفد النظام في الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، بدفعها إلى مواضيع جانبية بعيداً عن متطلبات عملية التفاوض الحقيقية، وعن البحث في متطلبات الانتقال السياسي وأدواته، التي تنظم هذه العملية وتأخذها نحو الغايات المرجوة منها، تأتي ضمن خطة واضحة لكسب مزيد من الوقت، ينهي خلالها النظام عملياته العسكرية على الأرض، وخاصة في الغوطة الشرقية، لإعادتها تحت سيطرته، وإعلان خريطة جديدة لمنافذه الحدودية بعد تفاهمات روسية وكردية جديدة في شرق سورية. أي أن النظام يتعامل على الأرض مع خطة بديلة، تلتف على المفاوضات وتجعلها من دون معنى، وهي خطة يتوخى أن تقود ختاماً إلى إعادة معظم المناطق التي خرجت عن سيطرته (ومنها دير الزور التي أعلنت قوات سورية الديموقراطية تبعيتها لها) إلى سيطرته لاحقاً ضمن اتفاقيات منفردة بعيداً عما يجري في جنيف الآن.

هكذا، فإن الحديث عن مشاركة كردية واسعة في مؤتمر سوتشي، مثلاً، رغم الاعتراض التركي عليها، لا يزال ممكناً، مقابل أن تحصل تركيا على ضمانات روسية بأن تكون هذه المشاركة لإعلان شكل الدولة السورية الجديدة، التي تنهي حلم الحكم الذاتي للأكراد، بينما تمنحهم في ذات الوقت مشاركة سياسية مضمونة دستورياً، وتهيئ لحكم لامركزي مفتوح الخيارات لاحقاً.

في مقابل كل ذلك تجد المعارضة نفسها أمام أكثر من تهديد بتصدّع موقفها، وذلك: أولاً، نتيجة إعلان توحيد صفوفها (غير المتكامل بعد)، والذي لم يأخذ وقته ليتحول إلى شراكة سياسية حقيقية تدافع عن وجودها بمزيد من التوافقات والتفاهمات، بدل التلويح بتفاوت المواقف تجاه قضايا رئيسية، مما يجعل من مؤتمر سوتشي كعصا الراعي بيد بعضهم، ضد بعض آخر، حيث لا تفيد هذه العصا في وقت تعم فيه الفوضى، وهي في الوقت ذاته لا بد منها لتجميع المخاوف في مكان واتجاه واحد. ثانياً، بسبب موجة الغضب الشعبي الذي يواجهها الوفد التفاوضي، المشكّل من مجموع تلك القوى، والتي يعتبرها معارضو الوفد قوى متفاوتة في مطالب الثورة وسقوفها، وهو ما يزيد من مخاوف انخراط المعارضة في قبول مؤتمر سوتشي، كأحد الحلول لمواجهة تصدّع الوفد المعارض وانهيار مشروعه المشترك. ثالثاً، بسبب التغيرات السريعة والمتلاحقة في مواقع الدول وتحالفاتها بعضها مع بعض، وبينها وبين النظام الذي يتغير موقعه من عدو إلى حليف أو شريك لحليف في مكان آخر.

اعتراض النظام على وثيقة المعارضة، وعرقلة ما يسعى إليه الوسيط الدولي بإحداث خرق في حائط مسدود على مدار خمس سنوات من بدء العملية التفاوضية، وتحويلها من مشاورات مع الأمم المتحدة إلى مفاوضات مباشرة بين خصمين في قاعة نزال سياسية، هو أيضاً، من وجهة نظر النظام، بمثابة «مفاوضات»، يحصد نتائجها جولة إثر الأخرى، ويعيد الصراع بينه وبين المعارضة إلى ما قبل الثورة، وليس إلى مربعها الأول، وهو صراع بين سلطة مستبدة تمتلك عوامل بقائها، ومعارضة منزوعة القوة والأسباب لا يترك لها سوى سوتشي بالرعاية الروسية، كمآل أخير لبعض إصلاحات وبعض سلطة في ظل هيمنة الأسد وبقاء نظامه، سواء قبل بإعطاء دور للشرع، أو لم يقبل.

========================

هل تسلم روسيا سورية لإيران؟ .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 9/12/2017

لا أحد يمكنه تقدير مدى الانسحاب الروسي من سورية، وحجمه، وهو الذي أعلن عنه رئيس الأركان، فاليري غيراسيموف، ذلك أن روسيا سبق وأعلنت مرتين سابقتين عزمها الانسحاب ولم يحصل، بيد أن مؤشرات عديدة تجمعت تجعل تصديق هذا الأمر ممكناً، كما أن طرح هذه المسألة في هذا الوقت بالتحديد، وإن لم ينته بانسحاب روسيا فعلياً، هو رسالة منها أنها ليست مهتمة بكامل سورية.

ثمّة أسباب كثيرة تدفع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى اتخاذ هذا القرار، خصوصاً أنه ثبت أن الكرملين، وعلى عكس مما ورد في تحليلات وتقديرات كثيرة، كان قد درس كل خطوة بعناية واهتمام وتدقيق واسع، بل بالغ في الحسابات أحياناً، على الرغم من الجرأة التي ظهر عليها، وعلى الرغم من أن الأمور في سورية كادت أن تنزلق في محطات كثيرة نحو صراع إقليمي ودولي كبير.

ولعل من أهم الأسباب أن بوتين صنع ما يعتقد أنها مهمة كبيرة جداً، وهي تثبيت حليفه في الحكم وإنهاك قوى المعارضة، وربطه الكثير من المكونات العسكرية والسياسية السورية المعارضة بعلاقات مع موسكو، وهذا الوضع يطمئنه إلى استحالة ظهور تهديدات محتملة ضد النظام، أقله في المديين القريب والمتوسط، بعد ان استخدم سياسة تجميد الصراع، وتحويل الفعالية والمبادرة إلى مقلب نظام الأسد وحلفائه، كما أن بوتين ضمن قطع خطوط الإمداد الخارجية للمعارضة، وأصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إعادة الديناميات السابقة إلى وضعها.

ومن بين الأسباب الدافعة لانسحاب روسيا إدراك قياداتها أن البقاء في سورية سيرتب عليهم  

"السوريون لن يكونوا إلا همّاً عربياً، وإن نامت الأمة، فمن يستيقظ لنصرتهم؟" تكاليف وأعباء لا داعي لها، أو بمنطق الحسابات السياسية والاقتصادية غير مجدية، بعد أن أمنت روسيا قواعدها في الساحل السوري وسيطرة شركاتها على حصص النفط والغاز، كما أن سورية ستكون بحاجة لإعادة إعمار، وربما يدفع بقاء روسيا أطرافاً دولية وإقليمية كثيرة إلى الامتناع عن المساهمة في تمويل إعادة الإعمار، وهذا من شأنه إحراج روسيا سياسياً وتوريطها بالتزاماتٍ لا تقدر عليها، بالإضافة إلى أن روسيا تسعى إلى إدخال الأمم المتحدة، بالشروط الروسية طبعاً، لكن ذلك من شأنه إظهارها عاملاً مساعداً في صنع السلام، وطرفاً فاعلاً في النظام الدولي.

بيد أن أحد أهم الأسباب التي تدفع روسيا إلى اتخاذ هذه الخطوة قناعتها، وربما وجود معطيات لديها، عن احتمال نشوب صراع إقليمي، لا تريد أن تكون طرفاً فيه، خصوصاً أن قدرتها في التأثير على أطرافه منخفضة، وهي ترى وتسمع طبول الحرب تقرع بين إسرائيل وإيران، كما راقبت روسيا تعقّد الأزمة إقليمياً، ونفاذ جميع فرص الحل، وما يهمها أن تبقى الحرب بعيدة عن قواعدها ومصالحها الإستراتيجية. وفي هذا الإطار، هي مطمئنة على نظام الأسد، لأنه العنوان الوحيد الذي تتفق عليه إيران وإسرائيل وأميركا، تجنباً لما تقول تقديراتهم، حصول الفوضى جرّاء رحيله.

باتت إيران متشجّعة لتقليص الوجود الروسي، وانكفائه إلى الساحل السوري، بعد أن أنجزت 

"لدى إيران قدرة هائلة على التظاهر بالتراجع أمام الخصم وعدم منحه المبرر الكافي لشن الحروب عليها" المهمة، وزالت المخاطر المحدقة، ولعل كلام المسؤولين الإيرانيين عن عزمهم تحرير الرقة وإدلب، على الرغم من أنهما تدخلان في معادلات إقليمية ودولية، شاركت روسيا في صنعها، دليل على أن إيران تسعى إلى صياغة معادلات جديدة لمرحلة ما بعد السيطرة الروسية، وتثبيت ركائز السيطرة الإيرانية.

وتتوجّس إيران من احتمالات إقدام روسيا على عقد صفقاتٍ على حساب المصالح الإيرانية في سورية، سواء مع تركيا أو إسرائيل وأميركا، بغرض المقايضة على ملفاتٍ تهم روسيا في أوكرانيا، أو فيما يخص العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية.

لا يختلف هذا السيناريو، في حال تحقّقه، عن السلوك الأميركي في العراق وأفغانستان، حين دمّرت القوّة الأميركية القوى المعادية لإيران، وسلمتها البلدين على طبق من فضة، مع فارق بسيط، هو أن إيران في سورية جهّزت بنية قوية على مدار سنوات من الصراع، وباتت لديها جيوش وقواعد وخطوط إمداد علنية، في بلدٍ بات أغلب سكانه بين نازح ومهاجر ومعتقل ومخفي، ولا يملكون ما يسد رمقهم لليوم التالي. وصار تأمين خبز الوجبة التالية أكبر همهم، فيما إيران تغدق على مقاتليها ومناصريها الأموال الطائلة، ليتفرغوا لإخضاع السوريين، والسيطرة على بلادهم.

ومن نكد الدنيا على السوريين أنهم باتوا يركنون إلى الرهانات، بعد أن قطع الصديق والشقيق كل أسباب الدعم عنهم، وتركهم في مواجهة قوىً لا ترحم، والرهان اليوم على أن تنقلب المقادير، وتأتي الرياح بحربٍ إقليمية تغير الواقع، وتنسفه من جذوره وتعيد المعادلات إلى ما كانت عليه، أو أن تضغط أميركا باتجاه إخراج إيران من سورية، ألم يقل الأميركيون أنهم بصدد تصميم استراتيجية مواجهة لإيران في سورية؟.

لكن تجاربنا في التاريخ المعاصر تكشف خُدَعَ مثل تلك الرهانات، فالحروب الكلاسيكية صارت أمراً بعيد الحصول، بدليل أن أميركا منذ سنوات تحارب بطائرات الدرون والعمليات الخاصة والوكلاء، وإسرائيل تتبع نمط الضربات الجراحية، ولدى إيران قدرة هائلة على التظاهر بالتراجع أمام الخصم وعدم منحه المبرر الكافي لشن الحروب عليها، أكثر من مئة غارة إسرائيلية على حزب الله والأسد لم تلاقِ الاهتمام والرد.

وبعد، السوريون لن يكونوا إلا همّاً عربياً، وإن نامت الأمة، فمن يستيقظ لنصرتهم.. يا ملح الأرض؟.

========================

كيف تصنع رأياً عاماً بلمح البصر؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 9/12/2017

من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، كما يفعل بعض العاملين في الإعلام. ففي ذلك إساءة بالغة ليس للرأي العام، بل للبغل، فمن المعروف أن البغل، ابن الحمار والفرس، حيوان مشهور بالعناد وكبر الرأس وصعوبة المراس، أي أنه ليس من السهل التحكم به وقيادته حيث تريد، فغالباً ما يحرن بسرعة، وفي أحيان كثيرةً يركل صاحبه ركلات موجعة ودامية. وكل هذه الصفات البغلية ليست من خصال الإنسان.

وإذا أراد أحدكم التعرف على سهولة التحكم بالناس وسوقهم كقطعان فعليكم بكتابي «سيكولوجية الجماهير» للمفكر الفرنسي الشهير غوستاف لوبون، وكتاب «بروبوغاندا» للداهية الأمريكي الشهير إيدوارد بيرنيس. وبالمناسبة كلا الكتابين كانا الكتابين المفضلين للزعيم النازي أدولف هتلر ووزير إعلامه الشهير جوزيف غوبلز. فقد كان هتلر يضع الكتابين المذكورين وراء مكتبه لشدة تعلقه بهما.

لقد كشف لنا لوبون في كتابه كيف بإمكانك التحكم بالحشود في الشوارع، وكيف بإمكانك سوقها حيث تريد ببساطة متناهية. وجاء بيرنيس ليؤطر ذلك إعلامياً من خلال كتابه الشهير الذي أصبح المرجع الأول والأخير لوسائل الإعلام الأمريكية خاصة، والغربية عامة. ولا ننسى أيضاً كتاب «المتلاعبون بالعقول» لهيربيرت شيلر».

الكثير منا يعتقد أن الديمقراطيات الغربية محكومة بالرأي العام، وأن الحكومات هناك لا تستطيع أن تقوم بشيء إلا إذا كان الرأي العام موافقاً وقابلاً بالسياسات والاستراتيجيات المطروحة. وهذه طبعاً كذبة كبيرة لا أساس لها من الصحة. فالأصل ليس رأي الشعب، بل من يصنع رأي الشعب، ويوجهه في الاتجاه الذي يريد. وقد سخر أحد الإعلاميين قبل فترة عندما برر أحد المتحدثين تقاعس الرئيس الأمريكي على مدى أكثر من عامين عن القيام بإجراء حازم ضد النظام السوري بأنه نتيجة لرفض الرأي العام الأمريكي لأي حروب أمريكية خارجية جديدة بعد أفغانستان والعراق. ليس صحيحاً أبداً أن الإدارة الأمريكية تخشى ردة فعل الشعب فيما لو كانت تريد القيام بإجراء عسكري ضد النظام السوري، بل هي في هذه الحالة، كما يقول معارضوها من الصقور، تبرر تقاعسها وترددها بإلقاء اللوم على الشارع الأمريكي. وهي كاذبة في ذلك حسب رأيهم، فمن عادة الحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية أن تفعل ما تريد عندما يكون لها مصلحة في تحرك ما، وعندما لا يكون لها مصلحة تبرر صمتها بأكذوبة الرأي العام.

من أسهل ما يكون أن تصنع رأياً عاماً في الديمقراطيات الغربية، خاصة في الزمن المعاصر حيث أصبحت وسائل الإعلام السلطة الأولى وليس الرابعة كما كانت في القرن التاسع عشر. العملية حسب تعليمات الداهية الكبير إيدوارد بيرنيس في غاية السهولة، فإذا كان بيرنيس قادراً بوسائله الإعلامية المتواضعة أن يوجه المجتمع الأمريكي في أي اتجاه تريده الحكومة في بداية القرن العشرين، فما بالك الآن، وقد أصبحت وسائل الإعلام وحشاً كاسراً أقوى من كل الترسانات الحربية، وهي التي تحسم المعارك الكبرى على الشاشات قبل أن تـُحسم على الأرض. عندما فكرت أمريكا بالمشاركة في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان على نطاق واسع في العقد الرابع من القرن الماضي مثلاً، بدأت تبحث عن أعذار وحجج للالتحاق بالحرب، فطلبت من بيرنيس أن يضع لها استراتيجية إعلامية لإقناع الأمريكيين، وبعد أيام ظهرت الصحف وعلى صفحاتها الأولى كاريكاتير صممه بيرنيس. الكاريكاتير كان عبارة عن رسم لطائرات يابانية تقصف تمثال الحرية في نيويورك. وما أن شاهد الأمريكيون الصورة حتى ثارت ثائرتهم، وبدؤوا يتوعدون اليابان بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويدفعون حكومتهم للتدخل أكثر فأكثر في الحرب. لقد جاء الكاريكاتير كالقشة التي قصمت ظهر البعير، خاصة وأن الصراع احتد وقتها كثيراً بين الطرفين عسكرياً. من الخطأ الاعتقاد أن الشعوب الغربية أكثر ذكاء وفطنة من شعوب العالم الثالث، فعلى العكس من ذلك، فهي سهلة الانقياد، وبإمكانك أن توجهها بسهولة. ولو نظرنا إلى الطريقة التي أدار فيها الإعلام الأمريكي الحملة لغزو العراق لوجدنا كيف نجح بسهولة في توجيه الأمريكيين دفعة واحدة لتأييد القضاء على صدام حسين. وقد ذكرت الإعلامية الأمريكية الشهيرة أيمي غودمان أن بعض الصحف الأمريكية الكبرى مثلاً كانت يومياً تنشر ما نسبته خمسة وتسعون في المئة من الآراء المؤيدة للغزو على صفحاتها الأولى، وخمسة في المئة فقط من الآراء المعارضة في صفحات أخرى. ويحدثونك عن الموضوعية والمهنية. ولو نظرنا إلى تعامل وسائل الإعلام الغربية مع المسألة السورية لوجدنا أنها كانت تعكس فعلاً الموقف الغربي الرسمي البارد والمتردد. وبالرغم من البشاعات التي شهدها الوضع السوري من مجازر رهيبة، إلا أن الشعوب الغربية لم تتأثر كثيراً بما يحدث من الناحية الإنسانية، لأن وسائل الإعلام صانعة الرأي العام كانت تريد الشعوب الغربية بعيدة عن الشأن السوري كي تبرر تقاعس الحكومات الغربية، كما يرى منتقدوها. ولو كانت هناك رغبة غربية حقيقية في الدخول على خط الأزمة السورية لصنعت رأياً عاماً يبرر لها تدخلها خلال أيام فقط، كما يرون. ولعلنا شاهدنا كيف تحرك الشارع الغربي فجأة لمجرد نشر بعض صور ضحايا الهجوم الكيماوي على غوطة دمشق في ذلك الوقت. فعندما فكرت الحكومات الغربية بالتدخل في سوريا، غدا الخبر السوري فجأة الخبر الأول في نشرات الأخبار التلفزيونية الغربية، وبدأ الناس يدعون لوضع حد لمحنة الشعب السوري. لا أحد يحاول أن يضحك علينا بالرأي العام، فالرأي العام مجرد لعبة مفضوحة تلعبها الحكومات متى أرادت أن تفعل شيئاً، وتتحجج به عندما تريد أن تتهرب من فعل شيء. صحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى منابر وبرلمانات شعبية يمكن أن تنافس الرأي العام الرسمي، لكن الحكومات في السنوات القليلة الماضية بدأت تصنع جيوشها الالكترونية الجبارة لمواجهة الزخم الشعبي لمواقع التواصل. ولا شك أن الحكومات بإمكانياتها الضخمة تستطيع أن تنافس رواد المواقع الذي يعملون فرادى. بكل الأحوال المعركة بين الرأي العام الرسمي والرأي العام الشعبي في مواقع التواصل ما زالت في أولها. وسنعرف لاحقاً من ستكون له اليد الطولى في صناعة الرأي العام.

========================

جنيف 8.. متى بدأت حتى تنتهي؟ .. يمان دابقي

العربي الجديد

السبت 9/12/2017

للمرة الثامنة على التوالي، يتم خداعنا، نحن السوريين، بمسلسل جنيف الذي يأبى أن ينتهي بخلاف كما بدأ، فالمبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، أعطى زخماً خاصاً لجولة جنيف 8 التي انطلقت في 28 من الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، وقد تمثل الزخم بإيهام الجميع بضرورة استثمار الوقت على أنه المناسب، هذه المرة، لإنتاج تسوية نهائية، ولا سيما بعد أن أعلن الحلفاء النصر المزيف على تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق، وسرعان ما تنافست روسيا وإيران على نسب النصر إليهما من دون أي اعتبار لنظام بشار الأسد.

وفي وقت كان دي ميستورا يتهيأ لممارسة مواهبه في جنيف، كانت الآمال تُعقد على بداية جدية دولية تحققت في سوتشي بين الدول الضامنة، روسيا وتركيا وإيران، فقد سبقت جنيف قمة ثلاثية تُوجت بوثيقةٍ لحل كامل في سورية، قوامه الحفاظ على وحدة البلاد وتكريس مناطق النفوذ الدولية، ومساعدة السوريين بحل سياسي ينهي مأساة العصر، وقد أعطت هذه الوثيقة زخماً كبيراً أقله للسوريين، إنّ الدول الضامنة استطاعت تشكيل حلف ثلاثي، يكبح توجهات واشنطن وضبابية سياستها في سورية، ما من شأنه أن يضع أميركا أمام الأمر الواقع للموافقة على الحل الثلاثي، بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

زادت في نسق الخداع مسارات المعارضة التي نتجت عن مؤتمر الرياض 2 برعاية العربية السعودية، فقد استطاعت المعارضة لأول مرة إنتاج وفدٍ واحد بالشكل، أما في الجوهر فقد ظهرت تيارات متعدّدة بتوجهاتٍ مختلفة، وهوما بدا للعيان أنّ الوحدة كانت بالإكراه، وليس بالتوافق، فهو وفد واحد، وليس موحدا كما عبر عنه العضو في وفد منصة موسكو، علاء عرفات.

لم تعق هذه المؤشرات انطلاقة جنيف، فقد بدت الصورة أنّ نجاح مؤتمر الرياض سيقود إلى مؤتمر الشعوب في سوتشي، لكن مررواً من جنيف. وهنا تكمن الخديعة أن واشنطن استسلمت للحلف الثلاثي، وسترضى بحلول ما تضمن لها مصالحها وقواعدها في سورية.

إلى هنا، ظن بعضهم أنّ أحلام السوريين قُتلت نهائيا، وفقاً لسجال تخلي المعارضة عن بند رحيل الأسد، ونسفٍ كامل لكل ثوابت الثورة مع دخول القاعة المستديرة بدون سقف تفاوضي يذكر. وعلى صعيد آخر، بدأ التفكير جديا أن بشار الأسد سيبقى في السلطة، بناء على قرار دولي تم اتخاذه وفقاً لتدوير الملف السوري من تركيا والسعودية، بما يتناسب مع مصالحهما القومية والتوجهات الروسية.

عطفاً على ذلك، تمّ نسف هذه المسارات على الأقل في الوقت الحالي، بعد غياب وفد النظام عن اليوم الأول للمؤتمر، أعقب ذلك رفضه أي مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة، فعاد إلى دمشق بخفي حنين، رافضاً أي حديث عن مرحلةٍ انتقاليةٍ تُفضي إلى خروج الأسد.

إزاء ذلك، صرّح كل من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن مسار جنيف هو المرجعية الوحيدة للحل السياسي في سورية، الأمر الذي عكس غاية المكر والخداع التي يمارسها الجميع، وأنّ النية الدولية المشتركة لإنتاج حل سياسي لم تتضح بعد، فلا نضوج لتفاهم أميركي روسي بعد، وصحيح أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستعجل لحل يجني به ثمار التضحيات التي قدمها منذ تدخله في سورية في 2015، إلا أنّ هذا الأمر غير ممكن، بدون المرور من جنيف، وواشنطن لا ترغب بعد بحل نهائي، ولن تسمح لروسيا بأن تضع اللمسات الأخيرة في سورية، كما يناسب تطلعاتها، فما كنا نعتقد أنّه تحقق بتقاسم الحلول والمصالح بين الدول الضامنة الثلاث، اصطدم بحركة أميركية بسيطة عطلت كل الحلول، فما يجري في قاعات جنيف يختلف تماماً عمّا يجري على الأرض، فعلى سبيل الحقائق، أميركا وإسرائيل لطالما طالبتا بوتين بوضع حد لإيران، وتقليم أظافرها في سورية، فيما بوتين لم يهتم إلا لانتزاع شرعية دولية لمؤتمره المؤجل في فبراير/ شباط المقبل.

وعليه، تصبح المعادلة بعناوينها العريضة إرهاصاتٍ وخلافات بين تركيا وواشنطن في ملف الأكراد في عفرين، ولم تحسم بعد، ناهيكم عن عدم بلورة تفاهم أميركي روسي، فكلا القطبين يرغب بتحقيق نقاطٍ على حساب الآخر من بوابة سورية، إلى جانب توجّه دولي لتقليم أذرع إيران من كامل المنطقة، بناء على التهديدات الإسرائيلية المتكرّرة، وقد بدأت تُترجم رسائلها بتكرار غاراتها على مواقع إيرانية في سورية.

أمام هذا المناخ الدولي المتأزم، فلا يمكن أن يكون جنيف سوى مضيعة وملهاة، فهو معطل في الوقت الحالي برغبة أميركية، وسيبقى هذا طالما الجميع لا يريد التنازل للآخر، وطالما أنّ إيران تسرح وتمرح في أربع عواصم عربية، فلن يكون هناك جنيف، أما عن وفدي النظام والمعارضة فقد أصبحا طرفين خارج المعادلة، وقراراتهما مصادرة.

========================

كيف نحاصر حصار روسيا؟ .. يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 9/12/2017

قامت السياسة الروسية في سورية على الخنق والاحتكار، فسعت، من دون كلل أو ملل، إلى حصار كل من يقول لا لنظام الأسد عسكرياً وسياسياً ومعنوياً.

في الجانب الأول، حوّلت سورية إلى حقل تجارب لأسلحتها، وأسقطت على أرضها وشعبها ما فاق ما أسقط من قنابل في الحرب العالمية الثانية ست مرات، وتجاوز عدد السوريين الذين قتلتهم روسيا العشرة آلاف، وضاعفت مناطق سيطرة النظام جغرافياً.

سياسياً، حمت روسيا نظام الأسد داخلياً وإقليمياً ودوليا. داخلياً بترتيب "مصالحاتٍ" عبر التفاعل مع من كانوا تحت الحصار، وبنسج علاقاتٍ مع فصائل مقاومة للأسد، بذريعة حمايتهم، كونها صاحبة دكان "خفض التصعيد". إقليمياً، بابتزاز كل قوة إقليمية تدعم المعارضة عبر استغلال حاجتها أو توتر علاقاتها مع قوى أخرى، أو بإشراكها ضامنا كما حدث مع تركيا.

ودولياً، استغلت إدارة الظهر الأميركية للقضية السورية ومنهجية "التكتكة" التي اتبعتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، لتصل إلى احتكار الملف السوري والتحكّم بمسيره.

وزادت على ذلك حماية مطلقة في مجلس الأمن، مستخدمة حق النقض (الفيتو) 11 مرة، 

"لا بد من البحث عن أدوات مقاومةٍ إبداعيةٍ لإعطاء وهج جديد لمقاومة منظومة الاستبداد" لحماية منظومة الأسد من الإدانة. هذا إضافة إلى حصارها المبعوث الأممي وضبط إيقاع أدائه.

معنوياً، لم تترك روسيا فرصةً لنسف مصداقية المعارضة، إلا واستغلتها إلى أبعد حد، بداية ببعثرتها، والمساهمة بإيجاد ما سميت "منصات" عبر "دحش" تلك المنصات في قرار مجلس الأمن الدولي 2254، مستخدمة ذلك ذريعة لتطعن بأهلية التمثيل للمعارضة، ولم يكفها ذلك، بل ابتدعت محطة أستانة، لتجعل منها منصةً لتحقيق ما ذكره القرار عن "وقف إطلاق النار"، ولكن بشكل مشوه، ليبدو وكأن الوصفة الأنجح والواقعية لمناطق تقسيم على خطوط الواقع، الأمر الذي حمل تهديداً وحصاراً من نوع جديد للمناطق المحرّرة وأهلها.

بعد كل هذا الإطباق العسكري والسياسي والمعنوي على الجبهة المضادّة لمنظومة الاستبداد الأسدية كان لابد لروسيا من ترجمة "منجزاتها" إلى ثمرة سياسية، تعيدها إلى صاحبة قولٍ فصل في السياسة العالمية، تدفعها إلى ذلك استحقاقات روسية داخلية، تتمثل باقتراب استحقاق رئاسة بوتين الرابعة لروسيا، وحدث مباريات كأس العالم في روسيا الصيف المقبل. ومن هنا، تراها متوترة ومستعجلة لجني الثمار من سياسات الخنق والحصار المنتهجة في سورية.

ينعقد مؤتمر الرياض 2 الذي صرحت بأنها تشجعه، والأمل يحدوها، على ما ثبت، بأن يتفجّر أو يخرج هزيلاً، ولكن مخرجاته ربما صدمتها. فها هو مؤتمر الرياض يسحب ورقة تبعثر المعارضة، ويخرج ببيان ما توقعت أن يكون سقفه بهذا الارتفاع، وتحضر المعارضة جنيف 8 بوفد واحد، وأداء متميز عالي المهنية. ويقابل ذلك أداءٌ أخرق غير مسؤول لوفد من تحميه وتحصّنه، لتسقط إحدى دعائم الحصار الروسي للثورة والمعارضة.

من هنا، وبعد تقويض أحد أهم أعمدة الحصار الروسي هذا، لا بد من التفكير باستهداف أعمدة الحصار الأخرى عبر استراتيجيةٍ تأخذ نقاط الارتكاز التالية في منهجيةٍ تفضي إلى حصار الحصار الروسي ذاته. أولها الاستفادة من حالة الاستعجال والتوتر الروسي في جني ثمار ما فعلت في سورية، والسعي إلى تعميق تضارب المصالح الروسية الإيرانية في سورية، باستغلال التوتر الخفي بين البلدين، وخصوصا إحساس إيران بأن روسيا تحتكر الملف السوري لنفسها، على الرغم من كل ما استثمرته إيران في الحالة السورية. ويُكتفى، هنا، بذكر عناوين عناصر تلك الاستراتيجية المضادّة لقوى الثورة والمعارضة في مقاومة الهيمنة والحصار الروسي للقضية السورية:

أولا، البداية من التصدي لمؤتمر سوتشي الذي أرادته روسيا ورقةً احتياطية مراهنةً على فشل مؤتمر المعارضة "الرياض 2"، واعتبار سوتشي "مصالحةً كبيرة مهينة"، "ودمل جرح على زغل" خارج إطار الشرعية الدولية، وحرف للمسار الأساسي في جنيف، لإيجاد حل للقضية السورية.

ثانيا، إحياء دور أصدقاء سورية وتعزيزهم، والاستفادة من مواقفهم الرافضة مؤتمر سوتشي، والملتزمة مسار جنيف.

ثالثا، لا بد من العمل مع تركيا ضامنا في محادثات أستانة على ربط حضورها بعدم حضور "سوتشي"، أو الموافقة عليه، تحت يافطة أنه ليس إلا وضع العربة أمام الحصان، وأن الحوار الوطني في تسلسله في إيجاد حل سياسي في سورية يأتي بعد انتقال سياسي، يكون الأمان قد حل نسبياً في سورية.

رابعا، في مقابل مؤتمر سوتشي، لا بد لقوى الثورة والمعارضة من السعي الفوري إلى عقد مؤتمر وطني لتلك القوى، كي يظهر أن ما يمكن أن تفعله روسيا في سوتشي ليس إلا تجميعاً لمنسجمين، حسب مواصفات الأسد في حديثه عن "مجتمع متجانس". وفي المؤتمر الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة، لا بد من تجلي الحضور الذي وجد في "الرياض 2" بكل أطيافه، إضافة إلى الذين وقفوا موقفاً سلبياً من المؤتمر، وبذلك يبرز طيف من المعارضة ينهي كل تلك المحاولات الروسية الخلبية في سوتشي وغيرها.

أخيراً، لا بد من لملمة الأمور العسكرية للفصائل، بالعودة إلى الاستفادة من آلاف الضباط المنشقين الذين حيّد دورهم، والبحث عن أدوات مقاومةٍ إبداعيةٍ لإعطاء وهج جديد لمقاومة منظومة الاستبداد ومن يحميها.

========================

تنافس أمريكي روسي على "قسد" .. حسين عبد العزيز

عربي 21

السبت 9/12/2017

بغض النظر عن الأسباب التي دفعت روسيا إلى تقديم الدعم الجوي لـ "قوات سوريا الديمقراطية" في ريف دير الزور الشمالي والشرقي، فإن رسالة الشكر التي وجهتها "وحدات حماية الشعب" الكردي لروسيا تحمل في طياتها رسائل سياسية تتجاوز مسألة العرفان بالجميل للدور الروسي.

لا يمكن فصل هذه الرسالة والصراحة المقصودة في شكر روسيا عن تطورين مهمين:

 - الرئيس الأمريكي يخبر نظيره التركي عبر اتصال هاتفي، بأن البيت الأبيض أصدر أوامر بوقف إرسال شحنات إضافية من الأسلحة إلى المقاتلين الأكراد في سوريا.

 - وزير الدفاع الأمريكي، جيم ماتيس، يعرب عن توقعه بأن يتحول التركيز إلى الاحتفاظ بالأراضي بدلا من تسليح المقاتلين الأكراد، مع دخول العمليات الهجومية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا مراحلها الأخيرة.

العلاقة بين واشنطن والوحدات الكردية في مرحلة ما بعد داعش تختلف كثيرا عن مرحلة محاربة التنظيم

يعني التطور الأول أن الولايات المتحدة بدأت بإعادة ترتيب علاقتها مع حليفتها التقليدية (تركيا)، ويعني التطور الثاني أن العلاقة بين واشنطن والوحدات الكردية في مرحلة ما بعد داعش، تختلف كثيرا عن مرحلة محاربة التنظيم. وإذا كانت مرحلة محاربة التنظيم تفرض إعطاء أولوية أمريكية للوحدات الكردية، فإن مرحلة ما بعد التنظيم تتطلب انفتاحا على القوى الاجتماعية كافة، وما يفرضه ذلك من إعادة ضبط سياسات القوة.

 فهمت الوحدات الكردية الرسائل الأمريكية، وردت عليها برسالة مماثلة لا تخلو من شعور بفائض القوة. لا يقتصر الأمر على شكر روسيا فحسب، بل تجاوز الأمر إلى حد حماية الوجود الروسي على الأرض في دير الزور، وإجراء تفاهمات سياسية - اجتماعية - اقتصادية بين الطرفين في الشمال السوري، حيث تشهد النقاشات الكردية - الروسية تطورا مهما في الفترة الماضية، لجهة تشكيل مجالس إدارة مدنية تضم رؤساء العشائر ووجهاء وشخصيات اعتبارية، للتمثيل المباشر للعرب والأكراد وبقية المكونات العرقية والدينية في المنطقة، وفق مبدأ "الديمقراطية والإدارة الذاتية".

من مصلحة الوحدات الكردية أن تنسج علاقات قوية مع الروس، ليس فقط لموازنة العلاقة مع الولايات المتحدة مستقبلا، بل أيضا لضبط إيقاع الأتراك، فموسكو الأقدر على لجم تركيا في الشمال السوري.

من مصلحة الوحدات الكردية أن تنسج علاقات قوية مع الروس، ليس فقط لموازنة العلاقة مع الولايات المتحدة مستقبلا، بل أيضا لضبط إيقاع الأتراك

بالنسبة لروسيا، يشكل التعاون مع الوحدات الكردية فرصة للتوصل إلى تفاهمات بينهم وبين النظام. وتحاول موسكو منذ فترة إدخال "حزب الاتحاد الديمقراطي" في العملية السياسية، ومنحه ضمانات في الحصول على حقوقه وفق ما هو متاح، مقابل تقديم الوحدات تنازلات جغرافية لصالح النظام في الرقة وريف حلب الشمالي والغربي، وبعض المناطق في ريف دير الزور الشرقي والشمالي.

 وقد عادت محافظة الرقة وإدلب ومنطقة عفرين إلى الواجهة من جديد، مع التصريحات التي أطلقت من دمشق وأنقرة تجاه الوحدات الكردية، قبل أن تضع المعارك أوزارها في دير الزور.

 لكن المشكلة التي يواجهها النظام السوري وتركيا - على السواء - مع "قوات سوريا الديمقراطية"، هي أنهما لا يستطيعان شن هجوم عسكري ضد هذه القوات من دون غطاء روسي، لا يمكن توفيره من دون التفاهم مع الولايات المتحدة، ولا يستطيعان بالمقابل ترك الأمور على ما هي عليه ورؤية الأكراد يعززون وجودهم العسكري والسياسي والإداري والديمغرافي في الشمال السوري.

تدرك روسيا جيدا أن الولايات المتحدة لن تسمح للوحدات الكردية باستثمار انتصاراتهم العسكرية سياسيا، أي لن تسمح واشنطن بإقامة فدرالية كردية. وعليه، تعتقد موسكو أن التعاون مع الوحدات في المرحلة المقبلة سيحقق للطرفين مكاسب كبيرة، ويسمح للأكراد بالانفتاح على المحور الروسي.

 وقد ظهرت بوادر الخلاف الأمريكي مع الأكراد جلية في الآونة الأخيرة، حين طلبت واشنطن تسليم الإدارات المحلية التي يسيطر عليها الأكراد إلى العرب والعشائر المحلية في حلب والرقة ودير الزور، وفي حال نفذ الأكراد ذلك سيجدون أنفسهم محاصرين في بقعة جغرافية ضيقة.

والحل الأفضل بالنسبة للوحدات الكردية يأتي من البوابة الروسية لا الأمريكية؛ لأن مناطق السيطرة الكردية محاصرة من قبل المحور الروسي (النظام في الجنوب، تركيا في الشمال)، وعقد صفقة مع موسكو تتخلى الوحدات بموجبها عن بعض الأراضي، مقابل حصولها على امتيازات اقتصادية في بعض المناطق يعد الحل الأمثل.

وعلى الرغم من كل ذلك، من المبكر الحديث عن تغيير في طبيعة التحالفات القائمة بين مختلف الفرقاء، في ضوء قرار الولايات المتحدة الإبقاء على حضورها العسكري في سوريا خلال المرحلة المقبلة، وهذا أمر يتطلب استمرار التحالف الأمريكي/ الكردي.

 كما أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتخلى عن الورقة الكردية، وكل ما تريده هو أن يغير الأكراد استراتيجيتهم بما يتناسب مع طبيعة المرحلة؛ التي سيكون لها قواعد عمل جديد من شأنها أن تعدل من التحالفات القائمة دون أن تلغيها.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com