العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17-07-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أصداء المصالحة التركية الروسية على الثورة السورية .. بشار عمر الجوباسي

القدس العربي

الخميس 14/7/2016

أصبح الآن جليا أن الخلاف بين الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه السابق داود أوغلو لم يكن فقط حول تحويل النظام السياسي التركي إلى نظام رئاسي.

هذا ما يظهر من التحول الجذري في السياسة الخارجية التركية التي عادت إلى حالة الحمائم البيضاء، أو ما يسمونه في تركيا سياسة صفر مشاكل.

إذن فالخلاف بين الرجلين كان حول رغبة داود أوغلو بالاستمرار في العمل لتحويل تركيا إلى قوة إقليمية ترسم رؤى إستراتيجية وتدافع عنها وتتحمل دفع أثمان سياسية واقتصادية في سبيلها، وهذا ما لم يعد يريده أردوغان، الذي ربما كان من الأنسب أن يطلق على سياسته اسم التجريب، أكثر من اسم صفر مشاكل.

فبعد تدخل روسيا في سوريا جرب زج حلف الناتو في مواجهة معها إثر إسقاطه للطائرة الروسية، ثم طالب بتفعيل المادة الخامسة من دستور الناتو التي تنص على وقوف دول الحلف إلى جانب أي دولة منه تتعرض لتهديد خارجي، لكن كان رد أوباما سحب بطاريات الصواريخ الأمريكية المضادة للطائرات من تركيا، وتركها لتواجه مشاكلها بنفسها.

جرب أردوغان بعدها التوجه إلى أوروبا عبر المساومة حول حل ملف الهجرة إليها مقابل الحصول على مكاسب تغنيه عن خسائره المترتبة عن جمود علاقته بروسيا، وأيضا لم ينجح. جرب أيضا إنشاء حلف إسلامي أو بعبارة أدق حلف سعودي تركي يساعده على حل مشاكله ويقوي نفوذه في المنطقة، وكذلك واجهت مساعيه المصير البائس نفسه، لا شك أن إفشال المحاولات التركية للعب دور خارج حدودها تقف وراءه الولايات المتحدة.

رغم الدعم الإيراني المباشر والعلني لنظام الأسد الإرهابي، واقترافها جرائم ومجازر يومية منذ اليوم الأول للثورة السورية وإلى الآن، لم تتأثر علاقة حكومة أردوغان مع إيران، لا بل ظلت علاقاتهما تتطور بوتيرة لا تشهدها علاقتها مع أي دولة أخرى، عمليا يتحاربان بالوكالة في سوريا من دون أن يؤثر ذلك على تطور التبادل التجاري بينهما؛ تجمعهما فقط الرغبة في عدم السماح في ظهور كيان كردي في سورية، يتمتع بأسباب الاستمرار الذي قد يؤدي إلى إنشاء دولة كردية يوما ما، وهذا ما دفع تركيا التي تضع عادة الاقتصاد في أعلى سلم أولوياتها إلى تجاهل علاقاتها الاقتصادية بروسيا التي كان يصل حجمها إلى 34 مليار دولار سنويا، عندما رأت الدعم الروسي لما يسمى وحدات حماية الشعب الكردي التي قد تؤدي لوقوع ما تخشاه تركيا.

تمثل القضية الكردية أهم قضية استراتيجية لتركيا وتفوق الاقتصاد أهمية وكانت وراء الصدام التركي الروسي، وهي أيضا أحد أسباب المصالحة التركية مع روسيا ومع إسرائيل، التي لا يغيب عن أحد نشاطها وعلاقاتها مع وحدات حماية الشعب الكردي التي تسيطر على أرض وقرار الأكراد السوريين بقوة سلاحها الروسي والأمريكي.

لم تعد تثق تركيا بحليفها الأمريكي، وتيقنت بعد الكثير من المحاولات، ربما كان آخرها المساومة بتدخل تركي سعودي عسكري لضرب «داعش»، تقاطرت في سبيله القوات السعودية إلى تركيا، لكن الولايات المتحدة خذلت حليفتيها التاريخيتين وفضلت عليهما حليفا جديدا هو فصيل كردي – يملك عقلية نظام الأسد نفسها ويتصرف مثله – وذلك لغاية في نفسها.

تسعى تركيا إلى إعادة علاقاتها الاقتصادية مع روسيا من جهة، وإلى العثور على شريك يطمئن مخاوفها حول القضية الكردية في سوريا هذا بعدما فقدت الأمل من الأمريكيين، وهي تملك أوراقا تستطيع أن تضغط بها على روسيا كتتار القرم مثلا. تتدخل روسيا عادة في محيطها في الدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي البائد التي لا تزال تعتبرها حصنها الأخير في وجه رياح التغيير التي يحاول بوتين إبقاءها بعيدة عن نظامه.

سوريا هي الدولة الوحيدة التي تدخلت فيها روسيا عسكريا بشكل مباشر خارج دول الاتحاد السوفييتي منذ سقوطه، لذلك لا شك أن الاحتلال الروسي لسوريا كان بضوء أخضر أمريكي لمنع سقوط النظام، أو بعبارة أخرى لمنع نجاح الثورة السورية، تهدف روسيا عبر ذلك الاحتلال إلى تصدير أزماتها الداخلية وإبقاء صراعها مع الغرب خارج حدودها وكذلك إلى الإطمئنان إلى أن الوجهة المقبلة التي ستسلكها عناصر «داعش» ستكون بعيدة عنها؛ فوجدت في تركيا شريكا يمكن الاعتماد عليه في هذا الأمر إضافة لحاجتها الماسة إلى إعادة إحياء علاقاتها التجارية مع تركيا في ظل استمرار الحظر الأوروبي عليها، الذي مدد مؤخرا لستة أشهر إضافية، ولا تلوح في الأفق أي بوادر لإنهائه، نظرا لاستمرار التوتر والتصعيد بين الناتو وروسيا في شرق أوروبا على خلفية الأزمة في أوكرانيا والقرم.

بعد التقارب التركي الروسي تقدم الثوار السوريون في جبهات الساحل ولكنهم يخسرون في حلب التي تقاوم الوقوع تحت حصار قوات المليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية المدعومة بغطاء جوي روسي، وهذا الأمر لم يتمخض عنه أي تصريحات تركية، أو دعم عسكري للثوار لمواجهة هذه الهجمة الأخيرة التي تهدف إلى حصار حلب، الأمر الذي كان يمثل خطا أحمر لتركيا سابقا. وهذا ما يوحي باستمرار محرقة الشعب السوري وباتفاق تركي روسي للنأي بعلاقاتهما عما يجري في سوريا.

الحديث عن قبول تركيا ببقاء رأس النظام السوري لفترة انتقالية قصيرة في سبيل حل سياسي في سوريا بعد عودة الدفء للعلاقة التركية الروسية يوحي بمعارضة تركيا أو عرقلتها لمبادرات سابقة حول سوريا، وهذا ليس صحيحا؛ الحل في سوريا وإيقاف الحرب بيد الولايات المتحدة وإسرائيل أولا وأخيرا، في حين تحاول كل دولة في المنطقة الحصول على حصة لها في سوريا، أو طمأنت مخاوفها حول ما قد يخبئه لها مستقبل سوريا بعد رحيل نظام الأسد.

مهما كانت الدوافع والمخاوف الإستراتيجية التركية فإن المصالحة بين تركيا ونظام الأسد التي تحدث عنها رئيس الوزراء التركي مؤخرا وكذلك إعادة العلاقات التركية مع نظام السيسي، وأذناب ملالي إيران الآخرين في العراق، يسقط تركيا وحزب العدالة والتنمية من المكانة التي كان يشغلها في نظر المسلمين، فلم تعد تركيا إذن وريثة الدولة العثمانية التي تقود وتتصدر المشهد للدفاع عن قضيا المسلمين في المنطقة والعالم، وإنما دولة ضعيفة تبحث عن سلامتها ورزق أبنائها فقط.

لا شك أنه تمت مساومة تركيا على الاختيار بين قيام دول كردية في سوريا وبقاء نظام الأسد  وطبعا ليس وراء ذلك إلا إسرائيل ولوبياتها – فكان ما ستأتي به الأيام المقبلة.

٭ كاتب سوري

========================

موقفنا : الانقلاب على الحكومات الديمقراطية انقلاب على إرادة الشعوب .. محاولة الانقلاب الفاشلة : أي درس!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 16/7/2016

من الفهم العميق لحقيقة ما جرى في ليلة السادس عشر من تموز / يوليو في تركية الديمقراطية خرج الشعب التركي ليلة الأمس ليذود عن إراداته ، ويدافع عن حريته وحقه الآني والمستقبلي في اختيار من يحكمه ..

لم يخدع الشعب التركي العظيم ، كما خدع آخرون ، بدعوى اللصوص ، أنهم خرجوا دفاعا عن الديمقراطية وعن حقوق الإنسان . لأن الدفاع عن الديمقراطية لا يكون بالدوس على مبادئها ، وحماية حقوق الإنسان لا يكون بانتهاكها .

إن أجمل ما تابع المتابعون في تجربة الانقلاب المخفقة في تركية بالأمس هو هذا الإجماع الوطني الرافض للانقلاب ، المستعد لمقاومته ، المتوحد وراء المصلحة العليا للدولة التركية ، حيث لم يجد الانقلابيون في الساحة السياسية التركية رأس جسر يضعون أقدامهم عليه ..

هذا المستوى من الوعي التركي الشعبي ، والوعي لدى القوى السياسية التركية ، هو الأفق الذي يجب أن تتطلع إليه شعوبنا العربية على المستويين الفردي والجماعي . وليكون الدرس أوضح نقول : لقد نجح الأتراك حيث أخفقت العديد من القوى والأحزاب العربية على مدى سنوات من الربيع العربي ، حيث يتلاعب المتلاعبون بهذه القيادات من العراق إلى الشام إلى مصر إلى ليبية إلى تونس ..

 لا يجوز التهوين من أمر محاولة اختطاف قرار شعب ، وكسر إرادة أمة . فهؤلاء الانقلابيون تحركوا تحت الأعين ليرتكبوا جريمة نكراء . هؤلاء الانقلابيون ليسوا شرذمة قليلين ، كما يقول بعضنا تهوينا لشأنهم . فهؤلاء هم الذين نجحوا في تفتيت العراق ، واختطاف مصر وشعبها العظيم ، وفي تدمير سورية وتهجير الملايين من أهلها . والذهاب بروعة الربيع الجميل في اليمن وتونس وليبية .. هؤلاء الانقلابيون هم جزء من شبكة أخطبوطية إقليمية ودولية ، ما زالت تفتك بأمتنا وشعوبها ، منذ ارتكبت انقلابها الأول فخلعت السلطان عبد الحميد في السادس من ربيع الآخر / 1327 – السابع والعشرين من نيسان / 1909 .

خطر هذه الشبكة الأخطبوطية من القتلة والخونة واللصوص تدعونا دائما أن نبقى يقظين ، وحاضرين ، وأقوياء ، وحكماء وأصحاب شكيمة وعزيمة كما كان شعب تركية العظيم ليلة الأمس ، وكما كانت كل القيادات التركية التي رفضت الانقلاب وتصدت له .

وقبل إدانة الانقلاب يجب أن ندين عقله وثقافته وكل الذين يفكرون بهذا العقل ، وكل الذين يثرثرون بهذا الثقافة . ويختلقوا لها الأسباب ، ويفذلكوا لها المعاذير.

وقبل أن ندين الانقلابيين ، الشراذم ، يجب أن ندين كل الذين يقبلون التعامل مع هؤلاء اللصوص ، ويمدون لهم أيديهم ، مهما تكن ذرائع هؤلاء وادعاءاتهم . وإذا كان العالم يبدو اليوم مهووسا في الثرثرة عن الحرب على الإرهاب . فيجب أن يعلنها مجلس الأمن وكل الدول والقوى والنخب والأحزاب : كل انقلابي إرهابي. إرهابي كل من يغتصب قرار شعب ، ويكسر إرادة أمة ، وبغير ذلك لن يستقيم عيش على هذه المسكونة لبني الإنسان ..

وأن يصنف الانقلاب جريمة إرهابية ، جريمة لا تسقط بالتقادم ، وإرهاب لا يضفي عليه الشرعية تطاول الزمان ، ولا امتلاك الكرسي والصولجان ..

وكلمة الحق في موطنها يجب أن تقال ، إن الدول والقادة الذين تريثوا وتربصوا وما نطقوا حتى تبينوا من اتجاهات الريح ، أو مؤشر لسان الميزان ؛ هؤلاء يجب أن ترد مواقفهم عليه ، وأن ينبذ إليهم على سواء . وليس للشعوب ولا لنخبها ولا لقياداتها أن تستحيي من كلمة الحق ، وأن نداري فيما لا يتمارى فيه اثنان .

ندين الانقلاب على الشرعية الديمقراطية في تركية بالأمس ، فهذا الانقلاب لم يكن ضد إرادة الشعب التركي فقط ، وإنما كان ضد إرادة الحياة ، وحركة التاريخ ، وأمل كل الشعوب المستضعفة المستلبة في الخلاص ...

ندين الانقلاب على الديمقراطية الحقيقية الوحيدة ، في منطقتنا العربية والإسلامية ، وندين الانقلابيين ومن وقف ويقف وراءهم ويدعمهم ويتماهى معهم . ويجب على شعوب المنطقة أن تقول كلمتها للانقلابيين الأخفياء ، كما قال الشعب التركي بالأمس كلمته للانقلابيين المجاهرين .

نهنئ الأمة التركية ، ونهنئ قوى المعارضة التركية ، ونهنئ القيادة التركية ، وحزب العدالة ، والحكومة التركية ، بانتصارهم العظيم ...

ونهنئ كل الذين يؤمنون بالشعوب وبإرادتها وبخياراتها في صنع حاضرها ومستقبلها ...

ولقد غربت شمس الفرد وأشرقت شمس الشعوب الحية الواعية ألا فتعسا وبؤسى للصوص والمستبدين والقتلة والمجرمين ...

وصدق سيدنا رسول الله ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم . وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم...)

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

ما الذي أخذه أردوغان في صفقة التطبيع مع روسيا وإسرائيل؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 14/7/2016

قيل وكتب الكثير عن التحولات الجديدة في السياسة الخارجية التركية التي بدأت بتطبيع العلاقات مع إسرائيل وروسيا، وتتكاثر المؤشرات إلى أنها لن تقف عند هذا الحد. لكن شطراً في المعادلة، ربما هو الأهم، ما زال طي الكتمان، وربما نبدأ بتلمس تفاصيله في الأيام والأسابيع المقبلة. أعني بذلك البحث عن جواب على السؤال: ما هي الحوافز التي ستحصل عليها أنقرة مقابل الانحناء أمام ضغوط مورست عليها من كل الجهات، طوال الفترة الماضية، وبخاصة منذ إسقاط طائرة السوخوي الروسية، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي؟

لا شك أن الخروج من العزلة المطبقة على أنقرة، يعدُّ، بحد ذاته، حافزاً كبيراً يحتاجه أردوغان بالذات -إضافة إلى الدولة التركية ككل- لتعزيز سلطته في الداخل، من خلال الحصول على غطاء خارجي لانتهاكاته السلطوية، بحق المناطق الكردية، أولاً، التي دمر كثيراً من مدنها وهجَّر مئات الآلاف من سكانها؛ وبحق جماعة فتح الله غولن الإسلامية المعتدلة، ثانياً، المتهمة بإنشاء «دولة موازية داخل الدولة»؛ وبحق المجتمع المدني، ثالثاً، إذا تذكرنا الحملة القضائية الظالمة التي ما زالت تطال طبقة الأكاديميين، بسبب بيان أصدروه، أوائل هذا العام، نددوا فيه بحصار المدن الكردية، يشبه، في مضمونه ومصير القائمين عليه، «بيان الحليب» الشهير الذي أصدره فنانون ومثقفون سوريون، في بدايات الثورة السورية، ربيع 2011، طالبوا فيه بفك الحصار عن مدينة درعا. من لم يطلهم القضاء، بعد، من أساتذة الجامعات التركية ممن وقعوا على «بيان الحليب التركي» هذا، بدأوا يهاجرون خارج تركيا هرباً من مصير زملائهم.

غير أن بؤرة السياسة الداخلية التركية، تبقى الحرب المفتوحة التي تشنها الحكومة على حزب العمال الكردستاني وأذرعه الخارجية في سوريا والعراق، وتشمل كذلك واجهته السياسية في البرلمان «حزب الشعوب الديمقراطي». هذه الحرب هي التي تحتل أعلى سلم الأولويات في صياغة السياسة الخارجية أيضاً، بما في ذلك تحولاتها الأخيرة.

منذ دخول روسيا الحرب في سوريا لمصلحة نظام الكيماوي والبراميل، دخلت تركيا في حالة من الارتباك الشديد، دفعتها إلى خطوة رعناء ستكلفها غالياً، كما بينت التطورات اللاحقة، هي إسقاط طائرة السوخوي الروسية. ليس أسوأ ما في عواقب ذلك الحدث أن ردة الفعل الروسية كانت تصعيداً مطرداً للتوتر، بل ترك الحليف الأمريكي، ومن ورائه حلف الناتو، لتركيا وحيدة في مواجهة موسكو التي عملت كل ما من شأنه إخراج تركيا من معادلات الصراع في سوريا، من غير أن تلقى أنقرة أي دعم مقابل من حلفائها الأطلسيين المنشغلين تماماً ب»الحرب على داعش».

هذه «الحرب على داعش» التي تلكأ أردوغان، طوال عامين، في الالتحاق بها، جعلت من الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني حليفاً ميدانياً موثوقاً لواشنطن، وهو الذي ترى فيه «تركيا العميقة» تهديداً وجودياً، خاصةً بعدما تحولت الكانتونات الكردية الثلاث إلى كيان فيدرالي راح يتمدد خارج الكانتونات في شمال الرقة وشمال حلب.

يمكن القول إن الواقعية التركية الجديدة بصدد سياسة أنقرة السورية تتمثل بالتخلي عن هدف إسقاط النظام، والتفرغ لمحاربة الكيان الكردي الممتد جنوب حدود تركيا مع سوريا. هذا الهدف الجديد هو ما تراهن أنقرة أن يشكل تقاطع مصالح بينها وبين والي دمشق الإيراني بشار الأسد، ومن ورائه ولي الفقيه نفسه الذي بدأ تمرد كردي جديد يواجهه داخل الأراضي الإيرانية. إن تصريحات رئيس الوزراء بن علي يلدرم الأخيرة التي تضمنت رسائل إيجابية تجاه دمشق وبغداد، يمكن قراءتها وفقاً لشيفرة المحور الكلاسيكي الذي طالما جمع أنقرة ودمشق وبغداد وطهران ضد أي نهوض كردي في هذا الإقليم.

أما فيما يتعلق بالهواجس التركية بشأن تجاوز القوات الكردية إلى غربي نهر الفرات، فيبدو أن الأتراك قد حصلوا على تطمينات كافية من الأمريكيين بشأن القوات التي ستسيطر على منبج بعد تحريرها المحتمل من داعش، بحيث تكون وحدات عربية، هي تلك المتحالفة مع الوحدات الكردية في إطار ما يسمى بقوات سورية الديموقراطية. وينطبق الأمر نفسه على جرابلس والرقة أيضاً.

ماذا بشأن حلب التي باتت محاصرة، بعد المعارك الأخيرة، ومنقطعة عن خط الإمداد الذي يصلها بالحدود التركية؟ بالنظر إلى المساهمة الروسية الفعالة في قصف حلب المحررة وريفها الشمالي  وذلك بخلاف امتناعها عن تقديم الدعم الجوي للقوات الإيرانية في جنوب المدينة  قد يمكن الاستنتاج بأن تركيا تخلت عن حلب للروسي، مقابل إطلاق يدها ضد الكيان الكردي في الشمال، بدلالة الدور المحتمل للاستخبارات التركية في اغتيال القيادي الكردي البارز باهوز إردال.

إذن تطمينات أمريكية بشأن عدم تمدد الكيان الكردي إلى غربي نهر الفرات، وسماح روسي بحرب استخبارية تركية ضد الفرع السوري للعمال الكردستاني، لا يستبعد أن تتطور إلى حرب أوسع، مقابل تخلي تركيا عن فصائل المعارضة الإسلامية الحليفة لتركيا، وضمناً القبول بحصار حلب.

سياسياً، بدت موسكو، في أعقاب حصولها على اعتذار أردوغان عن اسقاط الطائرة الروسية، أكثر حماسةً من أنقرة نفسها لإعادة «التعاون» بشأن الملف السوري بين الجانبين، على ما عبر سيرغي لافروف في أكثر من مناسبة. هذا يعني عودة تركيا إلى نادي الدول المخولة بتحديد مصير سوريا (مجموعة فيينا) مقابل تخلي روسيا عن حزب الاتحاد الديمقراطي. أن يكون لتركيا رأي في مصير سوريا، يعني شيئاً واحداً اليوم، وهو عدم السماح بقيام كيان كردي في شمال سوريا.

أما الحوافز الاقتصادية من الانعطافة التركية الجديدة، فهي أوضح من أن نسعى وراء «تحليلها»: ستتحول تركيا، في السنوات القادمة، إلى ممر لنقل الغاز من كل مكان إلى أوروبا: من كردستان العراق وروسيا وإسرائيل، وربما من إيران أيضاً. هذا دون أن نذكر عودة السياح الروس والإسرائيليين إلى الشواطئ التركية الرخيصة والجذابة.

٭ كاتب سوري

========================

يا أهل الشام… وترجون من الله ما لا يرجون .. د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء  13/7/2016

أجمل اللحظات هي أصعب اللحظات، وأجمل الأيام هي أقساها، ففلذات الأكباد لا تأتي إلا في أشد اللحظات ألماً وقسوة ومكابدة على الوالدة، ومع هذا تزورها ثانية وثالثة طالبة المزيد من تلك اللحظات رغبة بثمرتها وهي البنين والذرية، والشام اليوم هي والدة الأمّة التي تصر على تلك المعاناة والمكابدة مهما تكالب الأعداء وتواطؤا شرقاً وغرباً وما بينهما، فهي تدرك تماماً كما تدرك الوالدة والأمّ أن ذرية وبنين وحفدة سيولدون من رحم هذه المعاناة، وربيع عربي يليق بحاضرة بني أمية سيولد من جديد يُنهي ويُنسي الأمة كل ما عانته وهي تنظر إلى المولود الجديد الذي سيكبر ويكبر ليصوغ أمة جديدة تقطع الصلة بأمة الإجرام والاستعباد الماضية.

قدر الحواضر الكبرى، تماماً كقدر أحفاد الإمبراطوريات والحضارات الكبرى لا ينظرون إلى اللحظة والآني على أنه قدرهم، وإنما ينظرون إلى الهدف الأسمى الذي وضعوه أمام أعينهم متسلحين بماضٍ مجيد عتيد من العراقة والمقاومة، ولذا حين ينظر البعض إلى ظاهر الصراع في الشام اليوم قد يصيبه اليأس والقنوط، ولكن من ينظر إلى باطنه وحقيقته وكنهه، يعي تماماً أن الشام وأهلها منصورة بإذن الله، والدليل هو كثرة تكالب الميليشيات الطائفية ومعها الاحتلالين الروسي والإيراني ومع هذا لا تزال صامدة صابرة مرابطة.

فالإمبراطوريات أول ما تنهار أخلاقياً وقيمياً، وهذا ما حل بالإمبراطورية الرومانية كما قرره مؤرخها إدوارد غيبون، وسلطة الأب أول ما تسقط حين يكذب أمام ابنه فتنهار قيمته وينهار معه كل أمر يصدره، ولك أن تنظر اليوم إلى القيم الغربية التي دفنتها الشام والتي كانت تتشدق بالوقوف مع الشعوب والحرية والديمقراطية لتنقلب عليها، وتنقلب حتى على خطوطها الحمراء، وفي الوقت الذي تتشدق بانفجار الهويات في عالم الربيع العربي وهو توصيف أبداً غير صحيح، كانت الهويات تنفجر في دالاس، ومن قبل تنفجر بخروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، بينما كانت روسيا تتقلّب بين حكم شمولي وديمقراطي بائس إلى حكم فردي مزاجي يوماً مع طاغية الشام وأخرى ضده وثالثاً يدعو إلى قوانين لمكافحة الإرهاب وصفته مراكز بحثية بأنه لم يسبق للبشرية أن سنته من قبل وهو أن كل من يتستر على الإرهاب يتم سجنه لعام ونحوه من القوانين الغريبة العجيبة.

على الساحة الشامية الداخلية ما يعانيه الطائفيون أضعاف ما يعانيه أهل الشام، لكن معاناتهم وجودية فالطائفة العلوية الموالية للنظام تدرك تماماً أنها تتعرض لخطر انقراض حقيقي بعد بلوغ قتلى شبابها أكثر من مائة وعشرين ألف قتيل على أقل التقديرات، وهو ما يعني وجود أكثر من 300 ألف جريح ومعاق، وهذا يعني أن نسبة الخارجين عن الخدمة في الطائفة يتعدى السبعين بالمائة، ما يهددها فيما إذا استمر الحال بالانقراض، وهو ما يفسر خفّ الاحتلالين الروسي والإيراني وأذنابهما الطائفية إلى إنقاذهما، فغدا الخبر العاجل هو مقتل ضابط علوي وليس مقتل ضابط روسي أو أفغاني ولبناني وعراقي وإيراني شيعي طائفي.

وصدق الله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} وإنما النصر صبر ساعة، فإن الشام تخط الخط البياني للأمة رفعة ومقاماً، وشقوق التصدع في جدار الظلم العالمي بدأ في تململ إيراني داخلي إلى أميركي وروسي وغربي، وأحلى الأيام يا شام هي التي لم تأتِ بعد.;

========================

دموع التماسيح .. ميشيل كيلو

البيان

الاربعاء  13/7/2016 

ليس هناك من هو أرق قلباً وأنبل عاطفة من ساسة البلدان الغربية، الاستعمارية سابقاً وراهناً. تضرب أميركا اليابان بقنبلتين ذريتين باركهما أحد رجال الدين وكتب عليهما بخط يده صلاة تضرع إلى الله أن يأمرهما بقتل أكبر عدد من ذوي العيون المائلة والوجوه الصفراء، وهو ما لم تكن القنبلتان بحاجة إلى من يذكرهما به، فقد قتلتا وجرحتا وبخرتا وفحمتا مئات آلاف الآمنين، الذين أحرقتهم نيران سعرها بانفجار بلغت حرارته نيفا وثلاثة آلاف درجة مئوية، حول إلى هباء مدينتي هيروشيما وناغازاكي، اللتين اشتعلتا كعودي ثقاب قبل أن تتحولا إلى غبار ابتلع البشر والحجر.

لو أسست اليوم لجنة تحقيق في الجريمة، التي صار اسمها بمرور الوقت «الواقعة»، لألقت مسؤوليتها على سياسي لم يعد أحد يذكر اسمه، ولعبر تقريرها عن الندم على قراره الخاطئ، ولذرفت دموع غزيرة بعد أعوام من البحث عن أدلة لا لزوم لها، لأن الدليل الجرمي متوفر بالصوت والصورة وبشهادات الطيارين الذين القوا القنبلتين، وبرقية رئاسة أركان جيش اليابان إلى القيادة العسكرية الأميركية في المحيط الهادي، التي تعلن استسلام اليابان دون قيد أو شرط، قبل أربع وعشرين ساعة من الهجوم الأميركي النووي، الذي كان ترومان، رئيس أميركا أعطى الأمر بشنه، يعم أنه سيستخدم سلاحا لم يسبق أن طور أحد من قبل سلاحاً يجاريه في قدراته التدميرية، فعلق ببرود: أريد أن يرى السوفييت هذا. كي يرى السوفييت هذا ويخافوا، كان من الضروري إحراق مئات آلاف اليابانيين وهم نيام، وتعويضهم عن الحياة بذرف بعض الدموع عليهم، هذا، إن تقرر تشكيل لجنة تحقيق في الحادث. لكن واشنطن رفضت تشكيل لجنة كهذه، والاعتذار عن استخدام السلاح الذري ضد مدنيين، وبعد نهاية الحرب.

 زعموا أن العراق يملك أسلحة فتاكة، نووية وجرثومية وكيميائية، تهدد كل مواطن في العالم، وأن الضرورة تحتم ملاقاة خطره في بلاده، قبل انتقاله إلى خارجها. وأضافوا: من الطبيعي أن تكون ملاقاة طاغية وسفاح نووي/‏ كيميائي بالسيف.

وبالفعل، فقد جردوا سيوفهم وانقضوا على العراق ودمروه تدميرا شاملا، ليس فقط بما تعرض له من قصف، بل كذلك بمن نصبوهم حكاما عليه لم يكن «الطاغية السفاح» غير نقطة في بحرهم، في كل ما يتصل بالطغيان وسفك الدماء والخراب الأخلاقي/‏ الروحي، الذي ألقى بشعب قاد الحضارة الإنسانية طيلة قرون في هاوية همجية بلا قاع، انحط بعض المحسوبين عليهم إلى درك من الوحشية لا تقارن به حتى وحشية الكواسر والمفترسين.

هذه المرة، شكلوا لجنة ذرفت قدرا من الدموع يكفي لإغراق العراق، لكنه لا يكفي لغسل الدماء عن أيدي المجرمين الذين دمروه أو لتبييض صفحتهم.

وكالعادة، أبدت الندم الشديد، لان رئيس وزراء بريطانيا خدع الشعب والبرلمان، واختلق أكاذيب ادعت أن العراق يمثل خطرا على العالم، تبين للجنة أن الحرب التي شنها ضد بغداد «لم تكن شرعية»، وأن المسؤول عنها هو طوني بلير، الذي تأكدت من انه تولى بمفرده تضليل البرلمان وأحزابه والشعب والصحافة والرأي العام... إلخ، وجر بلاده إلى حرب لم يكن لها أي مسوغ. بذلك، «بتكون الشغلة طلعت برأس بلير»، الذي غادر منصبه كرئيس للوزراء منذ نيف وعقد، وينجو النظام وبرلمانه وأحزابه وإعلامه وجيشه.. إلخ، ويتحقق الهدف من تشكيل اللجنة.

لو شكلت اللجنة قبل الحرب، وعارضتها لأنها غير شرعية وتستند إلى أكاذيب، لكنا أمام حالة رائعة من النزاهة السياسية والأخلاقية. أما أن تعلمنا اليوم، وبعد قرابة عقد ونصف من تدمير العراق، بما كنا نعرفه ونقوله دوما، وأن تدين شخصا لتنزه نظام بريطانيا ومؤسساته، فهذا يثبت عكس ما أرادته: انعدام النزاهة السياسية والأخلاقية لدى دولة لا بد أن نعتبرها مارقة، ما دام شخص قد تمكن بمفرده من سوقها إلى حرب خاضتها بحماسة واندفاع، ورفضت أن ترى ما فيها من أكاذيب، بينما تعارض بإصرار وحزم وقف مجازر بشار الأسد ضد شعب سوريا المسالم، رغم حقائق مرئية ودامغة تؤكد ما يرتكبه من جرائم ضد أبرياء طالبوا بحقهم في الحرية، الذي يدعي برلمان بريطانيا دعمه بلا تحفظ !.

كم عاماً سننتظر قبل أن يشكل برلمان صاحبة الجلالة لجنة تدين كاميرون أو غيره من ساسة بريطانيا بتهمة الكذب على البرلمان والشعب، والسماح بقتل السوريين، وأي أحمق أو أبله يصدق اليوم تقرير العراق، أو سيصدق غدا تقرير سوريا، مهما ذرفت اللجنة من دموع تشبه دموع التماسيح، التي تتسلى بالبكاء على ضحاياها، وهي تهضمهم؟.

========================

أردوغان الثاني و«الصفقة» السورية .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء  13/7/2016

يخشى معارضون سوريون أن تكون تركيا «السلطان» رجب طيب أردوغان انتقلت من حقبة سياسة «صفر مشاكل»، إلى مرحلة «صفر ثوابت». ومبرر القلق لديهم أن مَنْ كان يُعتبر عرّاباً للإسلام السياسي في دول ما سُمِّي «الربيع العربي» وفتحَ أبواب تركيا لكل معارض و «إخواني»، وتعهَّدَ معركة حتى تنحية الرئيس بشار الأسد، وانحاز إلى معاناة الشعب السوري... كان حذّر مرات من «الخط الأحمر» الذي يحول دون فتح النظام أبواب حلب، وبات معتصماً بالصمت، رغم شراسة القتال حول المدينة واستهداف الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة ومحاولة محاصرتها لتركيعها.

والقلق مبرَّر لدى كثيرين من السوريين النازحين والمشرّدين في أصقاع الأرض، لأن التحوُّل في موقف أردوغان من الحرب في بلادهم، سيعني بالحد الأدنى- أي التفرُّج على «خنق» الفصائل المعارضة في حلب- إطالة أمد المعاناة والمآسي، وربما حسم المعركة هناك لمصلحة النظام. وواضح أن شكوكاً وارتياباً يثيرها اقتراح الرئيس التركي منح الجنسية للاجئين السوريين في بلاده، لن تبدّدها بسهولة مقولة دمجهم في سوق العمل التركية، فيما شريحة واسعة من مواطني «السلطان» ما زالت تحلم بالانتقال إلى دول في الاتحاد الأوروبي، بحثاً عن فرص.

يتضخّم الارتياب لأن الصمت التركي على محاولة «خنق» حلب المعارِضة، وسعي قوات النظام السوري إلى السيطرة على الشريان الوحيد لها، يأتي بعد تحوُّلات في السياسة الإقليمية لأنقرة، كان أبرز محطاتها التطبيع مع موسكو، الحامي الأول لنظام الأسد، فيما لم يفرّط أردوغان بالتهدئة مع طهران التي تعتبر بقاء الأسد في السلطة خطاً أحمر.

تركيا إذاً في حقبة أردوغان الثاني بعدما ابتلع الأول هزيمة خيار «صفر مشاكل»، لكنه ضحّى بداود أوغلو كبش فداء. انتهت أنقرة قبل محطات التطبيع الجديدة، إلى قطيعة مع روسيا وريبة مع أميركا، ومقاطعة لإسرائيل، وخصومة مع القاهرة وعداء لدمشق الأسد، وتوتر صامت مع طهران وأزمات متعاقبة مع بغداد. وبعد سعي مرير إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، بدا ان السلطان نفض يديه من حلم السوق الهائلة لدول الاتحاد، لا سيما بعد الضربات الإرهابية و «زلزال» الاستفتاء في بريطانيا الذي وضعها على عتبة مغادرة قطار القارة «العجوز». وكل ذلك بعد اختبار مرير لبلادة الإدارة الأميركية في التعامل مع جحيم حرب التهمت الأخضر واليابس لدى الجيران السوريين، وباتت تهدد بتفكيك تركيا.

الأكيد أن أردوغان الثاني يفضّل عدم النوم على حرير التطمينات الأميركية إلى مدى الدعم الذي حظيت به «قوات سورية الديموقراطية» والأكراد السوريون. فجأة باتت تركيا بين ضربات الإرهاب ومطرقة التراجع الاقتصادي وهواجس الحصار السياسي إقليمياً، وأرق تمدُّد طموحات الإدارات الذاتية الكردية. اختار السلطان التطبيع مع الجوار والحسم الأمني في الداخل، وتعاوناً استخباراتياً إقليمياً يمكّنه من إجهاض حملات حزب العمال الكردستاني.

اختار «الاعتذار» لسيد الكرملين عن إسقاط الطائرة الروسية، لا أن ينتظر فوز السيد الجديد للبيت الأبيض في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. اختار أردوغان الورقة الروسية «الرابحة»، الطاغية في تقرير مسار الحرب في سورية ومصيرها، فيما أقصى طموحات الأميركي أن يخفّف النظام السوري الضغط العسكري على الفصائل المقاتلة «المعتدلة»، لتتولى واشنطن وموسكو إضعافها!

هل يدفع السوريون ثمن قطار التطبيع التركي، وتدفع أنقرة ثمن التطبيع مع موسكو صمتاً على «الخط الأحمر» في حلب؟ «صفر ثوابت» كما يقال في تهكُّم بعضهم على التحولات الإقليمية لأنقرة، ألم ينعكس تخلياً عن المطالبة برحيل الأسد، شرطاً لنجاح المرحلة الانتقالية في دمشق؟

قد يكون التطبيع مع القاهرة المحطة المقبلة في تكيُّف أردوغان الثاني مع «واقعية» التخلي عن دور العرّاب للإسلام السياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعدما انتهت تجارب عربية إلى حروب أهلية، وتطايرت شرارات الإرهاب في كل اتجاه. بل إن الذين يدافعون عن خيارات السلطان، يرون في السلوك الأميركي على مدى ولايتي باراك أوباما، ما يكفي لعدم الاتكال على قوة عظمى كانت وحيدة، قادرة على ضمان استقرار الخرائط، وباتت «ناعمة» عاجزة عن مواجهة ثارات بوتين وأحلامه.

ولكن، هل يبرر كل ذلك، الخوف من صفقة «مشبوهة» في سورية، يريد أردوغان استباقها بكسر جدران العزلة، فلا تدفع تركيا ثمن تمديد الحرب والتهجير والتشريد، ولا ارتدادات خيار التقسيم، بما تعني من جولات طويلة... بدماء السوريين؟

========================

في أسباب انعطاف سياسة أنقرة .. أكرم البني

الحياة

الثلاثاء 12/7/2016

أربع نقاط يمكن التوقف عندها لتفسير الانعطافة المزدوجة للسياسة التركية، نحو تطبيع العلاقة مع إسرائيل وتجاوز ما وضعته من اشتراطات لقاء ذلك، ونحو إصلاح العلاقة مع روسيا والرضوخ لمطلب موسكو بتقديم اعتذار صريح عن إسقاط طائرة السوخوي أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) المنصرم.

أولاً، يأس أنقرة من استنهاض موقف غربي داعم لسياستها في الصراع السوري، حيث استمر رفض الأميركيين والأوروبيين توفير مظلة سياسية وعسكرية لحظر جوي أو لمناطق آمنة، ولم تتراجع ثقتهم بالأكراد السوريين ودعمهم بصفتهم شريكاً رئيساً في مواجهة تنظيم» داعش».

ويصح القول أن الحكومة التركية قد استنفذت كل محاولاتها لإقناع حلفائها بخطر نفوذ الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني وسيطرته على حدودها الجنوبية، وباتت مستعدة لتقديم تنازلات لروسيا وإسرائيل في رهان على تعاونهما لحماية أمنها القومي وتلافي هذا الخطر، وعبرهما للضغط على واشنطن لتليّن موقفها الداعم بشدة للدور الكردي في الصراع السوري.

ثانياً، الاطمئنان التركي لسقف التدخل الروسي في سورية بعد قرار موسكو وقف عملياتها الحربية وسحب القسم الأكبر من قواتها، وبعد وضوح دور الكرملين في دعم خطة أممية للحل السياسي، والضغط على النظام السوري للموافقة على مفاوضات جنيف وهدنة وقف الأعمال العدائية، زاد الأمر وضوحاً ميل موسكو نحو تثمير نتائج تدخلها العسكري في سورية بفتح الباب لعقد تحالفات جديدة في المنطقة تؤكد دورها كقوة كبرى مؤهلة للمشاركة في معالجة أزمات الشرق الأوسط ومشكلاته.

ثالثاً، يبدو أن أنقرة، وبعد التداعيات السياسية لثورات الربيع العربي، إن لجهة تراجع الاهتمام الشعبي بالقضية الفلسطينية وإن لجهة تنامي التطرف الإسلاموي الجهادي وهزيمة الإسلام السياسي في غير بلد، قد أدركت أن صلاحية الاستثمار في المظالم الفلسطينية واللعب بورقة غزة و «حماس» قد انتهى، وأنه لم يعد ينفعها، لكسب الرأي العام العربي والإسلامي، الظهور بمظهر الدولة التي تتحدى الغطرسة الصهيونية وتتباهى بأنها أوفى نصير للشعب الفلسطيني وكفاحه الوطني.

رابعاً، ثمة حاجة اقتصادية ضاغطة على الحكومة التركية للانفتاح على روسيا وإسرائيل، تهدف لاستعادة التبادل التجاري الكبير والمميز مع البلدين، وضخ النشاط في قطاع السياحة الذي تحتل إيراداته موقعاً مهماً من الدخل القومي.

لكن ما كان للأسباب السابقة أن تفعل فعلها لدى حكومة أنقرة وتدفعها لتلك الانعطافة السياسية لولا النهج البراغماتي الأصيل لحزب العدالة والتنمية، وتاريخه المفعم بتوظيف مختلف الأوراق والوسائل من أجل الاستمرار في حيازة السلطة واحتكارها، حتى وإن كانت هذه الأوراق والوسائل عارية عن القيم والمبادئ وعن المقاصد الدينية ومتعارضة مع ما يرفعه من أهداف وشعارات، وحتى لو كان ثمنها غض النظر عما يجرى من فتك وتنكيل من جانب السلطات الاستبدادية أو الجماعات الإسلاموية، وطبعاً ليست قليلة المحطات التي عدل فيها حزب العدالة والتنمية سياساته، مبتعداً عن الثوابت التي جاهر بنصرتها، وسالكاً دون خجل أو تردد طريق الأنانية وتغليب المصلحة الخاصة، وما سرع انعطافته اليوم اضطراره لإعادة بناء صلاته الدولية وتحالفاته الإقليمية في ظل انحسار قدرته على التحكم بقواعد اللعب مع تنظيم «داعش»، الذي حين استشعر ببدء تضييق أنقرة على طرق إمداده ونشاطاته، لم يتردد في تنفيذ عمليات إرهابية طاولت غير مدينة تركية، وآخرها تفجيرات مطار أتاتورك التي بدت أشبه بإعلان حرب وقطيعة نهائية بينهما.

فيما مضى، وعلى النقيض من الإجماع الدولي، بدت حكومة العدالة والتنمية كأنها المتفهم الوحيد لصعود تنظيم «داعش» والأقدر على التعاون معه، لم يقف الأمر عند إطلاق سراح ديبلوماسييها بعد احتلاله الموصل، أو استجرار النفط منه والصمت عن جرائمه، بل وصل إلى تسهيل مرور آلاف الجهاديين للالتحاق به عبر حدودها، ثم رفض الانضواء في التحالف الدولي والتهديد بمنع طائراته استخدام قاعدة أنجرليك، لكن السحر انقلب أخيراً على الساحر، وفشل رهان أنقرة على استثمار ما يحدثه تنظيم «داعش» من تغييرات على الأرض لتحسين نفوذها الاقليمي ومحاصرة الحضور العسكري الكردي، لتجد نفسها وجهاً لوجه في حرب ضروس ضد هذا السرطان الإرهابي.

يبدو أن السباق قد انطلق للقضاء على «داعش» كمدخل لحجز موقع في خريطة التوازنات والتسويات القادمة، ويبدو أن هذا التحدي سيكون العامل الأساس في تحديد هوية السياسة التركية الجديدة، فهل تنجح انعطافة حزب العدالة والتنمية في تخفيف أزمته وتمكينه من استعادة هيبته وثقة الآخرين به؟! وهل تمهد لتعديل دوره تجاه أزمات المنطقة والصراع السوري تحديداً، وعلى الأقل، دعم هدنة لوقف إطلاق النار، تأخذ في الاعتبار المصلحة التركية بتحجيم حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي وتغليب الوزن العربي في قوات سورية الديموقراطية، كما المصلحة الروسية بالفرز الواضح بين فصائل المعارضة المعتدلة والجماعات الجهادية المتطرفة؟!

صحيح أن أحزاب الإسلام السياسي، تحدوها شدة الولاء الأيديولوجي للتجربة التركية وقادتها، لم تتأخر في وضع الأعذار والمبررات لتلك الانعطافة السياسية وتحميل مسؤوليتها لتآمر جهات خارجية أو لتعقيدات الصراعات الدموية في المنطقة، وصحيح أن ثمة نقطة مضيئة لحكومة أنقرة في استيعاب ثلاثة ملايين لاجئ سوري على أراضيها، وتوفير شروط حياة لائقة لهم مقارنة بالبلدان الأخرى، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الانعطافة بدت عند الغالبية أشبه بالصدمة والانقلاب، ربما لأن إعلانها كان سريعاً ومفاجئاً من دون مؤشرات أو مقدمات، وربما لأنها جاءت على نقيض صارخ مما تجاهر حكومة أنقرة به، أو مما كان ينتظر منها.

أخيراً، وبعيداً عن عبارات التبرير والانزعاج والاستغراب والتخوين، ربما يصح الاستنتاج بأن الخاسر من الانعطافة التركية هو نهج الحروب وتسعير الصراعات وإلغاء الآخر، والرابح تقدم الحقل السياسي وروح المشاركة في معالجة أوضاع مأسوية باتت أحوج ما تكون إلى مثل تلك الانعطافات للتحول عن مستنقع الدماء وجحيم العنف.

========================

أسئلة الانتقال السياسي في سورية .. د.عبدالله تركماني

 كلنا شركاء

الثلاثاء 12/7/2016

يشير إيغال سلطة الاستبداد في الحل الأمني إلى أنّ الانتقال السياسي أضحى حاجة ملحة لسورية، لذلك من المهم محاولة رؤية محتوى ومضامين ومستويات هذا الانتقال وصوغ أسئلته.

فقد عقد الشعب السوري العزم على أن يخرج من حياة العبودية‏،‏ التي تخبط في أوحالها وظلماتها أكثر من 40 سنة‏،‏ ويعود حراً كما ولدته أمهاته‏.‏ فما الذي ينبغي تغييره ؟ وما الذي ينبغي الإبقاء عليه ؟ وكيف نضمن التطورات المستقبلية ؟ وماذا نفعل بالثقافة السلطوية القديمة ؟ وهل التغيير يحدث من تلقاء نفسه أم لابد من إدارته ؟ وما هي الفترة التي ستستغرقها عملية التحول ؟ وهل يمكن لثقافة بكاملها أن تتغير لتحل محلها ثقافة أخرى؟

والسؤال الرئيسي هو: كيف يمكن أن يتحقق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية في سورية ؟ أي كيف يتم تفكيك النظام الشمولي والدولة الأمنية ؟  وكيف يعاد إنتاج النظام السياسي على نحو يؤسس لديمقراطية تشكل أساساً للتغيير بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يفرضه ذلك من إعادة بناء الدولة السورية الحديثة ؟

لاشك أنّ تحديد الأولويات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها ضرورة ملحة في سورية، ليتم التركيز على متطلبات تكريس القواعد الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية ومعالجة المشاكل المعيشية وتحديث الهياكل والبنى الاقتصادية والاجتماعية  والثقافية، وتحقيق التنمية والارتقاء بمستويات القدرات السورية.

إنّ للحالة السورية الراهنة أسبابها العميقة: تفاقم غير مسبوق للفقر والبطالة وفشل السياسات التنموية والخدمات، ونظام الامتيازات الاجتماعية والفساد الإكراهي الذي تديره الأجهزة الأمنية بصورة خاصة.

وهكذا تجمعت لدى أغلبية الشعب السوري مؤشرات تظهر أنّ هذا النظام بات محنّطاً وعصيّاً على الإصلاح، لأسباب عديدة منها الخلل العميق في تركيبته الداخلية نفسها، وطريقة فهمه لدوره وموقعه من الدولة السورية، ولطبيعة الهياكل التي أنشأها انسجاماً مع تلك التركيبة وهذا الفهم. فقد ثار السوريون في وجه الدولة الأمنية التي استبدّت في كل مجالات عيشهم، وقرروا أنه لا بد من التغيير على كل المستويات الوطنية، في ظل علاقة قائمة على القناعة والثقة والتفاعل الحر، علاقة مقننة في إطار عقد اجتماعي جديد يوفر الشفافية والمؤسسية والقانون.

إنّ سورية أحوج ما تكون إلى الدولة الديمقراطية القادرة والعادلة والفاعلة، دولة الحق والقانون والمؤسسات الدستورية والتنمية الشاملة المستدامة، حقوق المواطنين فيها هي واجبات الدولة، بما هي دولة الكل الاجتماعي. هي دولة كل مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، يشارك فيها الأفراد والمكوّنات الاجتماعية مشاركة فعلية من خلال المؤسسات. والحل المجدي الوحيد يكمن في قيام الدولة، التي عمادها المواطنة الكاملة القائمة على دستور عادل لا يميّز بين المواطنين على أساس ديني أو مذهبي أو قومي.

ولعل مسألة الديمقراطية هي من أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها، فقد أدى إضعاف دور المواطن وتقليص المشاركة الحقيقية في العملية الإنمائية إلى ضعف الإنجازات التنموية الحقيقية، إذ أنّ التقدم الشامل لا يمكن تحقيقه واستمراره في ظل غياب التغيير السياسي، والاستناد إلى قاعدة ديمقراطية أوسع وتمتع فعال بالحريات السياسية والفكرية. ولا يمكن تمثّل هذه التحولات بعمق إلا في إطار الدولة الحديثة التي تقوم على أسس ثلاثة: فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ورقابة المجتمع على سلطة الدولة، وخضوع سلطة الدولة نفسها للقوانين التي تسنها.

ومن غير الممكن تصور سورية لكل مواطنيها بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة السورية الحديثة. إنّ الدولة التي لا تستمد مشروعيتها من مجتمهعا المدني، وليد مفاهيم السياسة المدنية والعقد الاجتماعي، تكون هشة وضعيفة مهما ادّعت القوة.

وفي كل الأحوال، وطالما أنّ كرامة وحرية الإنسان هي التي تشكل أساس تطور أي مجتمع، فإنّ الرقابة المُمَأسسة، التي تمكّن من وضع الإنسان السوري المناسب في المكان المناسب، تشكل أحد أهم الشروط لتحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الدولة المدنية الديمقراطية التعددية بأقل الخسائر، واستئصال شأفة العنف من العلاقات الاجتماعية والسياسية.

إنّ عملية التحوّل الديمقراطي تقتضي إعادة صياغة القيم السائدة، وتغيير أنماط السلوك من خلال مجموعة كبرى متكاملة من التحولات، من أهمها: التغيير من مناخ اليأس والقدرية إلى مناخ الثقة بالذات والقدرة على التحكم في المصير، والانتقال من القدرية التي يسيطر عليها الماضي إلى التوجهات المستقبلية. والتحدي الكبير هنا لا يقتصر على إصلاح التخريب الإنساني والوطني الذي تسبب به الاستبداد، بل يتعداه إلى ظهور الإنسان الجديد، الفرد المستقل الضمير والعقل. فما هو قادم لا يزال كبيراً، ولا يقل عن ثورة دائمة في أشكال وتعبيرات سياسية وثقافية وإنسانية مختلفة. ففي المرحلة الجديدة لن يقبل السوريون بعدم المشاركة في صياغة مستقبلهم، بل سيتصرفون انطلاقاً من حقهم الطبيعي في الكرامة والعدالة والمساواة التامة في وطنهم. وهذا سيعني اعتبار الوطن ملكاً لجميع مكوّناته وليس لفرد أو حزب أو أقلية.

وفي سياق الثورة السورية من أجل التغيير فإنّ القوى الحقيقية، التي نزلت إلى الشارع وقدمت الشهداء من أجل الحرية وإعادة الكرامة للشعب، بلغت بسقف مطالبها ضمان الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، مع المطالبة بمحاكمة رأس السلطة ومسؤولي الأجهزة الأمنية وقادة الشبيحة. وهي تتبنى، بشكل واضح، تصوراً مستقبلياً لسورية: ديمقراطية، مدنية، دولة كل مواطنيها، ودولة قانون وحريات عامة وفردية تنبذ العنف والطائفية.

وتبقى أسئلة المرحلة هي: هل يكون النظام الانتقالي مفتاحاً لتوافق سوري عام على محتوى التغيير المقبل، وفسحة لانتقال سلمي وهادئ نحو نظام جديد في سورية ؟  مع إعلان فوري لوقفٍ تام لاستخدام السلاح والشبيحة ومنع الاعتقال، وإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي والضمير، وإعلان عفو عام عن جميع المحكومين السياسيين والمبعدين خارج البلاد وعودتهم دون قيد أو شرط، مع الدعوة إلى مؤتمر وطني عام تشارك فيه كل المكونات الوطنية الناشطة والفاعلة تحت إشراف نزيه، تنتج عنه حكومة انتقالية مكونة من كفاءات وطنية مستقلة، تعمل على متابعة وضمان الانتقال السلمي للسلطة، وصياغة دستور جديد يؤسس لدولة مدنية مبنية على الحرية والعدالة والديمقراطية تُتداول فيها السلطة سلماً، ويؤصل  لإصدار قانون للأحزاب السياسية يؤسس لحركة سياسية مدنية ديمقراطية تداولية، وانتخابات برلمانية حرة ؟

إنّ الإجاب  بحاجة إلى كثير من التمعن والترقب لما ستحمله الأيام القادمة، كما أنّ تماسك أهل النظام لا يعني بالضرورة تجانس مكوناته، فالمستجد الذي أفرزه الحراك الثوري استطاع خلخلته، وهو ما سيفرض التغيير ورحيل سلطة الاستبداد.

غازي عينتاب في 9/7/2016

========================

شهداء التعذيب ليسوا أرقاماً فحسب .. براء موسى

الحياة

الاثنين 11/7/2016

بُعيد انتصاره في حطين، عفا صلاح الدين الأيوبي عن أسراه سوى واحد منهم اسمه أرناط، وكان قد أقسم أن يقتله بيده، وفعل، ذلك لأنه لم يحفظ العهود وقواعد الحرب والسلم، فكان يقتل الأسرى، ويُغير على قوافل التجارة والحج المحمية بموجب معاهدات متفق عليها. وفي الحالة السورية فإنّ معظم مقاتلي المعارضة يخوضون الحروب كخيار شخصي، وبذلك يكونون إذا قُتلوا في المعارك قد اختاروا موتهم وطريقتهم في الموت، السجناء ليس لديهم هذا الخيار ولا غيره، لأنّ معظمهم من المدنيين الذين لم يحملوا سلاحاً.

لم تشهد البشرية جريمة من هذا النوع بهذا الحجم، 12679 شهيداً تحت التعذيب وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بينهم 163 طفلاً و53 سيدة، وبالنسبة إلى جهة الفاعل في الجريمة فإن النظام الأسدي قتل 99 في المئة من الضحايا، يتوزعون كالتالي: 12596 شخصاً، بينهم 160طفلاً، و38 سيدة، بينما سجل التقرير مقتل 29 شخصاً، بينهم 13 سيدة وطفل واحد على يد داعش، وأمّا قوات الإدارة الذاتية (ب ي د) فقتلوا 18 شخصاً بينهم طفل واحد وسيدة واحدة، وهناك 15 شخصاً قتلهم تنظيم جبهة النصرة، فيما قتلت فصائل في المعارضة المسلحة 19 شخصاً.

في بداية التظاهرات في آذار (مارس) 2011 كان النظام يركز في اعتقالاته على النشطاء فحسب، وبالفعل واجه الناشطون ضغوطات هائلة، واعتقل بعضهم وفرّ الآخرون. كان النظام آنذاك ضائعاً وتائهاً ولا يصدق أن الشعب قام، وتلك هي طبيعته بأيّة حال، وأمّا بعد تلك المرحلة فجنّ جنونه، وغدت التوقعات أصعب، فهو يعتقل الجميع، بل يقتل الجميع، وإذا كنا نستغرب حينها استهداف النشطاء المدنيين فضلاً عن غيرهم، فقد زالت الشكوك حول الأمر. وحتى يومنا هذا، بعد 5 سنوات ونيف من اندلاع الثورة، ما زال النظام يُفضّل المسلحين على المدنيين في معارضته، كي يتفنن بمظلوميته كضحية للإرهاب أمام العالم. وفي كل الأحوال قُتل الكثير من الناشطين المدنيين تحت التعذيب في السجن، والمسلحين في المعارك والسجن أيضاً، ونعم التجارة الرابحة أبداً، بقتل جميع المعارضين!.

التنكيل بالسجناء يأتي في أسفل بشاعات التاريخ الحديث، ليس من وجهة نظر دينية فحسب، فقيمة الجسد البشري تتربع أسمى موقع بين الكائنات، وهي مقدّسة لذاتها، من دون النظر في صفاتها ومهماتها، وهي إذ تموت تحت التعذيب تتحوّل إلى قضيّة لا تسقط بالتقادم، وبذلك تكون قانونيّاً من أقوى القضايا التي يُفترض أن تهزّ الضمير العالمي، النائم، وهي من أصعب أنواع الموت، والقصص الموثقة توثيقاً دقيقاً تكفي لإدانة القاتل بأحكام لا تنتهي أيضاً يوم القيامة، ومنذ أكثر من 5 سنوات والدهشة تعتري السوريين وغيرهم بجمل كُتب لها أن تكون ممجوجة لكثرة تردادها عندما تفقد المعنى والغاية العادلة: «أين حقوق الإنسان في هذا العالم؟»، بل «أين المنظمات السورية التي تهتم بهذه القضايا لتوصلها إلى مآلها الطبيعي؟» وأين المكتب القانوني؟ وأين وأين وأين؟

الجريمة واضحة، بل يُعاد تمثيلها كل يوم بضحايا جدد، والأدلة متوافرة بكثرة، وما صور «القيصر» سوى جزء من الأدلة، فأين العدالة التي نقرأ عنها ونسمع بها؟

* كاتب سوري

========================

أكراد سوريا يُقررون نسبتهم .. باسل العودات

المدن

الاثنين 11/7/2016

تحت حكم نظام الأسد (الأب والابن)، كان الأكراد يُطالبون بحقوقهم الوطنية المشروعة، كمنح الجنسية للمحرومين منها في الإحصاء الإشكالي الذي جرى العام 1962، والسماح لهم بممارسة حقوقهم الثقافية، واستخدام لغتهم، وضمان تمثيلهم السياسي، ورفع المظالم التمييزية التي مورست بحقهم لعقود. وكانت المعارضات السورية، يسارية ويمينية، تؤيد مطالبهم وتعتبرها جزءاً من مطالب السوريين. وبطبيعة الحال لم يتجاوب نظام الأسد (الأب والابن) مع هذه المساعي، واستخدم في الكثير من الحالات العنف والقمع لوأد مطالبهم.

مع انطلاق الثورة تبدّلت أولويات الأكراد السوريين، وصاروا يُطالبون بحقوق قومية، واعتراف دستوري بهم ك”ثاني” أكبر قومية في سوريا، وشددوا على أن لهم حقوقاً خاصة وتفضيلية، وصارت هذه الأولويات بالنسبة لبعض القوى السياسية الكردية شرطاً غير مُعلن لمواصلة دعم الثورة السورية والمعارضة. واستغل أكبر الأحزاب الكردية، الظرف، ليُشكّل ميليشيات عسكرية لتحقيق هذه الأولويات بحال لم تنفع الضغوط والمساومات في تحقيقها.

بعد خمس سنوات من انطلاق الثورة، صارت مطالب هذه القوى السياسية الكردية ومؤيديها مختلفة جذرياً، وتراوحت بين حكم ذاتي وفيدرالية قومية وأقاليم مستقلة، وتغلّبت الطموحات القومية على الوطنية، وقلّت القواسم المشتركة بينهم وبين كل السوريين على اختلاف قومياتهم ومِلَلهم.

قبل نحو أسبوع، قال المبعوث الأممي، ستيفان دي مستورا، إن نسبة الأكراد لا تقل عن خمسة في المئة في السوريين. وسرعان ما أثارت تصريحاته استياءً لدى أكراد سوريا، وشنّوا – أفراداً وجماعات – حملة قاسية على الرجل يتهمونه فيها بالانحياز والتآمر والخيانة والتقزيم، وراح الكثير منهم يدلون بدلوهم حول نسبة الأكراد في سوريا لدرجة قول البعض إن عددهم يقارب ربع السكان.

قال قياديون أكراد إن المجلس الوطني الكردي قدّم للأمم المتحدة العام 2014 وثيقة تؤكد أن عدد الأكراد في سورية هو أربعة ملايين (16%)، من دون أن يوضحوا مصادر نسبتهم المُفترضة هذه. ووجد كثير من الناشطين الأكراد والمثقفين الفرصة مواتية للترويج لنسب تُعجبهم أو يرونها قريبة من الواقع من وجهة نظرهم، ومسك بعضهم شاربيه وقال إنه متأكد بأنهم بين 20 و25% من تعداد السوريين.

عملياً، من المستحيل الوصول إلى رقم صحيح ودقيق لنسبة الأكراد في سوريا. فلا الأكراد قادرون على ذلك ولا غيرهم، سواء من المعارضة أم النظام، لعدم إجراء أي إحصاء لهم على الإطلاق، ولأن السجلات الرسمية السورية لا تُشير إلى الأصل الإثني للمواطن، لصعوبة معرفة من حُرم من حق الجنسية فعلاً، ومن أتى لسورية مؤخراً، وأيضاً لعدم وجود الأكراد بشكل تجمع يمكن تقدير عدده، ولتداخل مفهوم (الأصل الكردي)، خاصة وأن قسماً من الأكراد (القدماء) انتشر في سوريا واندمج مع العرب بطريقة يصعب تمييزها، ونسي لغته الأم وحتى التقاليد والعادات، وذاب في المجتمعات الدمشقية والحلبية والحمصية وغيرها، بل ويمكن الجزم بأنهم “تعرّبوا”.

الأكراد أنفسهم وقعوا في تناقضات تقدير نسبتهم. ففي العام 1989 قدّرت مراكز بريطانية عدد المواطنين الأكراد في سوريا بنحو 600 ألف كردي، وفي العام 2007 قدّرت السلطات السورية عددهم بمليون نسمة. ورفض الأكراد هذه التقديرات وقالوا إن عددهم مليونان. وفي العام 2010 قدّرت مراكز أبحاث كردية عددهم بين 2.5 إلى 3 ملايين شخص (بين 10 و12%)، أي زاد عددهم بين نصف المليون، والمليون، خلال ثلاث سنوات(!)، وفي الفترة نفسها، قدّرتهم مراكز أبحاث سورية مقرّبة من المعارضة بنحو المليونين.

تُضاف إلى هذه النسبة أولئك المحرومين من الجنسية، إذ يقول الأكراد إن الكثير منهم حُرم من الجنسية خلال إحصاء 1962 سيء الذكر، ولا يُعرف إلا الله كم هو عدد هؤلاء. فالنظام السوري الذي حاول “رشوة” الأكراد، مطلع الثورة، ووعدهم بمنحهم الجنسية، قدّر عددهم بنحو 30 ألف نسمة (وسائل إعلام النظام)، فيما اعترض الأكراد وقدّرت بعض الأوساط الكردية عددهم بنحو 250 ألف نسمة. وبعد الثورة راحت بعض الأحزاب الكردية تقول إن المحرومين من الجنسية باتوا أكثر من نصف مليون كردي، أي بزيادة ربع مليون كردي خلال سنة أو سنتين(!).

أدخل بعض الساسة الأكراد أتباعهم في متاهات وأنفاق مُظلمة، لا تفيد سوى المتعصبين وأمراء الحروب، لأن مسألة تحديد نسب كل قومية من السوريين تُعتبر أمراً ثانوياً وهامشياً (بل وخطيراً) فيما لو كان همّ السوريين الوصول لدولة ديموقراطية لا طائفية، دولة المواطنة لا دولة المحاصصة، دولة القانون والحقوق والواجبات، ولن تفيد هذه المباريات العددية سوى الراغبين في تحويل الدولة المُرتقبة إلى دولة محاصصة دينية وطائفية وقومية لا تستند لمعايير المواطنة والعيش المشترك الدائم والراسخ.

من حق كافة القوميات السورية (أكراداً وغير أكراد) أن تكون لهم خصوصية في إطار وحدة سوريا، ودستوراً يعترف بهم كجزء لا يتجزأ من الشعب السوري، وعدا ذلك لا حقوق تمييزية لأحد، ولا المحاصصة ولا جود لأفضليات من أي نوع. ودون هذا لن تكون سوريا المقبلة إلا دويلات طائفية تستبدل الانتماء الوطني بانتماءات بدائية، وتستعيض عن مفهوم الأمة بمفهوم العشيرة، ومفهوم الوطن بمفهوم الحارات، وعندها ستجد الدول الكبرى مبرراتها لتبقى عقوداً طويلة تتحكم في مصائر السوريين بكل قومياتهم وطوائفهم.

========================

انتصار الثورة المضادة .. مازن كم الماز

الحوار المتمدن

الاثنين 11/7/2016

الحقيقة أنه لولا الطائفية لما نجح الإسلاميون في اغتصاب الثورة من أيدي السوريين , اذا كانت العسكرة مبررة جدا فإنها لوحدها لم تكن كافية أبدا لإخضاع الثورة و السوريين للإسلاميين , وحده تطييف الصراع في سوريا هو الذي حسم القضية لصالح الإسلاميين على حساب الثورة و الجماهير .. بعد 2012 تحديدا تحولت الثورة السورية إلى ما يشبه “ثورة” 23 يوليو الناصرية , من ثورة جماهير تريد الحرية إلى ثورة “يقودها” أشخاص يلبسون الزي العسكري و يفرضون أفكارهم و سياستهم بقوة السلاح الذي يحملونه , “دفاعا عن الوطن أو الأمة أو الشعب” , أو الطائفة هنا .. شيء مثل هذا حدث أيضا في مصر لكن بطريقة مختلفة ..

ثورة 30 يونيو كانت بطريقة أو بأخرى تكرارا لثورة يوليو الناصرية .. نفس الأشخاص , على اختلاف إيديولوجياتهم أو شعاراتهم و مبرراتهم , انقضوا على السلطة , هنا و هناك , باسم الثورة و الشعب و تحريره من خلال إخضاعه لهم , استخدموا نفس الأدوات القمعية و نفس الخطاب السياسي لنفس الغرض أي قمع الناس و استمرار تهميشها , حتى أنهم ارتدوا بزات عسكرية متشابهة , باستثناء شروال الجولاني و زي البعض الأفغاني و أن السيسي وحده كان يضع رتبة الماريشالية .. لم تكن “ثورة” يوليو , ثورة عبد الناصر , ثورة بالمعنى الحقيقي , كثورتي يناير في مصر و آذار في سوريا , كانت ثورة يوليو ثورة مضادة لثورة لم تقع في الواقع .. تماما كما وصف البعض الفاشية بأنها كانت ثورة مضادة لثورة لم تقع , و كيلا تقع .. و نعرف تماما كيف انتهى الوضع مع ثورة يوليو و شبيهاتها في سوريا و العراق و ليبيا و اليمن الخ الخ , و أيضا مع الفاشية ..

لكن ليست المشكلة فقط في الطائفية و لا في النخبة المعارضة السورية التي أقسمت أغلظ الأيمان على أن الصراع في سوريا هو صراع طائفي , أكثر مما فعل الإسلاميون ربما , و لا في همجية السيسي و خصومه أيضا , بل في أن الظروف تغيرت كثيرا منذ 23 يوليو 1952 .. إذا كان عبد الناصر قادرا على أن يقوم بفعل كبير على مستوى تأميم قناة السويس ثم ينجو من حرب السويس بفضل روسيا و أمريكا و يحقق تراكما رأسماليا جزئيا و بعض التطور باتجاه التصنيع , فإن الوضع اليوم مختلف .. لا يمكن للضباط “الأحرار” , جدا , الجدد أن يفعلوا شيئا كهذا اليوم ..

الوضع في سوريا في مأزق عميق , و الحسم بعيد جدا عن الجميع , و أي حل سياسي سيعني نهاية عصر الضباط الأحرار الجدد الذين أصبحوا يرتبطون مباشرة باستمرار الحرب و اقتصادها و خطاباتها التعبوية , الشيء الوحيد الذي يمكن أن يخفي و يؤجل أزمتهم .. أما السيسي فإنه غارق في مآزق متراكمة على صعيد البنى التحتية و الفوقية و الظروف التي يحاول فيها بناء ديكتاتورية طبقته و ديكتاتوريته الخاصة أصعب بكثير من الظروف التي كانت عندما انقض عبد الناصر على السلطة .. ليس صحيحا أن المصريين يفترض أن يكونوا سعداء بخلاصهم من حكم مرسي , و أنهم يكفيهم أن يتأملوا ما يجري في دار الإسلام في سوريا كي يدركوا كيف كان سيكون حالهم لو بقي مرسي في السلطة , على العكس , إن ما يجري في دار الإسلام في سوريا هو بالتحديد ما ينتظرهم , بأشكال مختلفة , على يد السيسي .. لقد اشترى هؤلاء بعض الوقت على عروشهم , الكبيرة و الصغيرة , لكنهم في مأزق كبير لا يدركونه ربما , قد ينتظر السوريون و المصريون طويلا , بل و أطول مما قد يعتقد هؤلاء , لكن لهذا الانتظار نهاية بلا شك , هكذا يخبرنا يناير و آذار على الأقل

========================

هل تستعاد المفاوضات السورية؟ .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 9-7-2016

أتوقع أن يكون إحياء مسيرة الحل السياسي أهم ما سيشغل المعنيين بها بعد عطلة العيد، فقد مرت فترة طويلة دخلت فيها المفاوضات في سبات، وبدا أن الهوة واسعة بين فريقي التفاوض (النظام وهيئة التفاوض العليا المنبثقة عن مؤتمر الرياض). فالنظام يرفض الحل السياسي شكلاً وموضوعاً، وقد جدد رفضه لتشكيل هيئة حكم انتقالي في خطاب بشار الأخير أمام مجلس الشعب، وهو يفتح المجال فقط لحكومة ائتلافية، ربما تضم بعض المعارضين الذين يختارهم وعلى الغالب سيختار أقربهم إليه، متجاهلاً كل ما حدث في سوريا، ومعتقداً أن القضية الوحيدة التي يواجهها هي الإرهاب وحده، وأما أسباب الانتفاضة السورية والحل الأمني الذي اختاره لمواجهة الشعب وقتل مليون مواطن واعتقال مئات الآلاف الذين مات كثير منهم تحت التعذيب في المعتقلات، وتهجير ملايين السوريين، وهدم منازلهم، وتدمير العديد من المحافظات السورية، فضلاً عن المجازر التي ارتكبها، فهي في نظره أمور ثانوية يمكن حلها بتوزير بعض المعارضين الذين هم موالون له في الحقيقة، ولكنه ألبسهم لبوس المعارضة كي يقدم منصات جديدة للسيد «ديمستورا» الذي لا يخفى عليه أن الهدف من وفرة المنصات هو خلط الأوراق وتمييع الحل السياسي، وهو الذي قال لأعضاء هيئة التفاوض في لقائه الأول بهم في الرياض (أنتم الوفد الوحيد الذي يمثل المعارضة، وهذا هو امتيازكم)، لكن روسيا سرعان ما صنعت معارضة دخلت ساحة المفاوضات لتؤيد النظام باسم المعارضة أيضاً، وهي ما تزال تعطل القرار الدولي، والمعارضة الوطنية تتمسك ببيان جنيف وبالقرارات الدولية التي تكررت ومنها القرار 2118/2013 والقرار 2254/2015 الذي حدد فترة ستة أشهر للوصول إلى حل، وقد بدا مؤسفاً أن يخفق مجلس الأمن في تنفيذ قراراته، وأن تكون روسيا التي أسهمت في القرار معطلة لتنفيذه.

ولقد كان مفجعاً أن يتم تجاهل مقترح الهيئة العليا للتفاوض حول هدنة في شهر رمضان وفي أيام العيد، فقد تصاعدت الهجمات على المدنيين، وبخاصة في محافظتي إدلب وحلب، وقضى مئات المواطنين تحت الأنقاض إثر القصف الذي استخدمت فيه روسيا قنابل عنقودية وفراغية وفوسفورية فضلاً عن عودة النظام إلى استخدام البراميل المتفجرة، وخلال الفترة الأخيرة تعطل إدخال المساعدات للمناطق المحاصرة، وتم التزييف حتى على الأمم المتحدة، وظهرت فضائح مخجلة، بل إن بعض قوافل المساعدات وصلت فارغة.

وما تزال بنود مرحلة ما قبل التفاوض التي حددها القرار الأممي في البعد الإنساني معطلة، فلم يطلق سراح المعتقلين ولم يفك الحصار، بل زاد عدد المناطق المحاصرة، كما أن النظام وروسيا وإيران وحزب الله تجاهلوا اتفاقية الهدنة الموقعة بين روسيا والولايات المتحدة، واستخدموا ذريعة مكافحة الإرهاب لتبرير قصفهم اليومي على المدنيين.

ولكون المنطقة تمر الآن بتحولات جديدة في خارطة العلاقات السياسية، ولاسيما بعد أن أعلنت تركيا عن مراجعة لسياساتها الخارجية وبخاصة مع روسيا وإسرائيل وربما مع مصر قريباً، فإن المشهد السياسي قد يشهد نوعاً من الحيوية إذا تمكنت تركيا من تخفيض حدة التوتر في المنطقة عامة، وإذا تمكنت من ترويض الجموح الروسي الذي وصل إلى طريق مسدود، وقد آن أن تدرك روسيا أن مغامرتها ضد الشعب السوري لن تحقق سوى مزيد من الجرائم ضد الإنسانية، وأن القضاء على الإرهاب، يبدأ بإنهاء مسبباته، فمن أطلق الحل العسكري فتح الساحة لكل من بيده سلاح، وجعل الدم وحده المباح، ولا حل لمشكلة الإرهاب إلا بتمكين السوريين من الاستقرار عبر حكم عادل يحافظ على بقايا الدولة السورية وعلى وحدة الوطن والشعب، ويحفظ للمواطنين حريتهم وكرامتهم، ويحقق العدالة الانتقالية، عندها سيتكاتف السوريون جميعاً لمقاومة الإرهاب، وهم يدركون أنه مصنوع للتعمية على قضيتهم.

========================

لعبة التوريط الأمريكية من صدام إلى أردوغان؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 9-7-2016

لا أدري لماذا مازال البعض يسقط بمحض إرادته في الأفخاخ والأشراك الأمريكية، مع العلم أن التاريخ القديم والحديث يقدم لنا الكثير من الأمثلة التي يمكن أن تفيدنا في تجنب الحبائل الأمريكية المفضوحة للإيقاع بالدول ودفعها إلى الهاوية. ومع أن الماضي القريب حافل بالمؤامرات الأمريكية، إلا أن الأمريكيين مازالوا يكررون مكائدهم على الملأ، والبعض يسقط فيها بسهولة.

من منا لا يتذكر المصيدة الكبرى التي نصبها العم سام للنظام العراقي السابق بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين؟ لقد كان الأمريكيون يعرفون ويخططون منذ عشرات السنين أنهم لا يستطيعون التحكم بمنطقة الخليج العربي والسيطرة عليها تماماً من دون لعبة كبرى. صحيح أنهم كانوا موجودين في المنطقة بقوة منذ زمن طويل، لكنهم كانوا يطمحون إلى ما يشبه السيطرة التامة وإخضاع المنطقة بأكملها، ليس بتكريس وجودهم فيها فقط، بل ليستخدموها أيضاً كمركز دولي للتصدي لكل خصومهم في العالم، وخاصة الصينيين والروس، وكل من يطمع بالوصول إلى أهم منطقة استراتيجية في العالم. كيف يمكن أن يحقق الأمريكيون ذلك؟ كان لا بد من مؤامرة كبرى في المنطقة، فوجدوا أن أفضل من يحقق لهم أهدافهم هو النظام العراقي، وكلنا يتذكر كيف اجتمعت السفيرة الأمريكية الشهيرة ايبريل غلاسبي في بغداد مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكيف قالت له: «إن أمريكا لا تمانع أبداً في أن تقوم القوات العراقية بغزو الكويت، لأن الأمر لا يعنيها». ومن سذاجة القيادة العراقية وقتها أنها صدقت الكلام الأمريكي، وقررت غزو الكويت لتكتشف لاحقاً أنه فخ استراتيجي تاريخي بامتياز، فما أن دخلت القوات العراقية إلى الكويت حتى راحت أمريكا تستجمع القوى الدولية والعربية والإقليمية لإخراج القوات العراقية من الكويت. وقد حشدت وقتها أكثر من ثلاثين دولة لتحرير الكويت. وهذا ما حصل فعلاً، لأن النظام العراقي وقتها سقط في الفخ الأمريكي مرتين، الأولى عندما صدق كلام السفيرة، والثانية عندما ركب رأسه، ورفض الخروج من الكويت، وبذلك أعطى الأمريكيين المبررات لكي يسحقوه، ويدمروا جيشه، ومن ثم يحاصروه لثلاثة عشر عاماً، وبعدها قرروا غزو العراق والإطاحة بالنظام، ووضع المنطقة كلها تحت تصرفهم.

ولا ننسى أن أمريكا من قبل ورطت العراق وإيران في حرب دامية دامت لثمان سنوات، كانت تدعم فيها الطرفين بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية كي تستنزف الجهتين. وبالأمس القريب، لعبت أمريكا اللعبة نفسها مع حليف آخر في المنطقة، ألا وهي تركيا، فأعطت الضوء الأخضر للأتراك كي يقوموا بإسقاط طائرة روسية على الحدود مع سوريا. وقد ظن الأتراك أن حلف الناتو وأمريكا سيهبان لنجدة تركيا فيما لو تعرضت لهجوم روسي، أو دخلت في صراع سياسي مع الروس. وعندما بدأت روسيا تضيّق الخناق على تركيا عسكرياً وسياسياً، طلب الرئيس التركي بتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو والتي تنص على أن يقف الحلف صفاً واحداً للدفاع عن أي عضو من أعضائه عندما يتعرض لخطر خارجي. لكن الرئيس الأمريكي رفض تفعيل المادة، لا بل قام بسحب بطاريات صواريخ باتريوت من على الحدود التركية عندما تدخلت روسيا في سوريا، وبدأت تواجه الأتراك. عندئذ شعرت القيادة التركية بأنها تعرضت لخديعة كارثية، فمن الواضح أن الأمريكيين كانوا يخططون لتوريط تركيا في صراع مع الروس لاستنزاف الطرفين، كما فعلوا من قبل مع العراق وإيران. لكن الفرق بين القيادتين العراقية بقيادة صدام حسين والتركية بقيادة أردوغان أن الأخير فهم اللعبة مبكراً، وبدل أن يركب رأسه ويتصرف بعقلية البغال العنيدة الطائشة، التف على اللعبة الأمريكية مبكراً، وأفشلها في مرحلتها الأولى، فقام الرئيس التركي بإعادة العلاقات مع القيادة الروسية دون علم الأمريكيين. وهذا ما كشفته المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية التي أكدت بعد الاتصال بين أردوغان وبوتين أن أمريكا لم تكن على علم مسبق أبداً بهذا الاتصال، وأنها اصيبت بالذهول من هذا التقارب المفاجئ بين الأتراك والروس، وكأنها تريد أن تقول إنها مصدومة من أن لعبتها لم تنجح.

لقد لعب الأمريكيون لعبة الإيقاع بالدول وتوريطها في صراعات قاتلة منذ الحرب العالمية الثانية، حتى أن الأمريكيين تآمروا على حليفهم السوفياتي ستالين ضد النازية، وتركوه يستنزف قواته مع هتلر عدو الأمريكيين والروس في لحظة من اللحظات. والغريب أن الأمريكيين لا يخبئون ألاعيبهم، فقد صرح المفكر الأمريكي الشهير دانيال بايبس أحد أهم العاملين في مراكز التفكير الأمريكية الشهيرة بأنه يوصي الحكومات الغربية بأن تدعم نظام الأسد رغم أنه من المفترض خصمها اللدود. وسبب هذا الاقتراح، حسب بايبس، «أن القوى الشريرة لا تشكل خطراً كبيراً علينا عندما تتقاتل فيما بينها. وثانياً: فإن الاقتتال بين الأسد والجماعات الأخرى سيمنع الحسم العسكري وانتصار فريق على آخر. ولو انتصر أحد الفريقين، فإنه سيشكل خطراً أكبر علينا. لهذا على القوى الغربية أن تقود الأطراف المتقاتلة في سوريا إلى حالة من الجمود، بحيث تقوم بدعم الطرف الخاسر كي يستمر في القتال وذلك من أجل إطالة أمد الصراع واستنزاف كل الأطراف لصالح أمريكا والغرب».

وشهد شاهد من أهله

========================

وثيقة حول سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 9-7-2016

هي وثيقة أميركية، لكنها ليست رسمية، وقد صدر جزؤها الأول في سبتمبر/ أيلول من عام 2015، والثاني في منتصف العام الحالي عن "وقفية راند"، المقربة جدا من أوساط الخارجية الأميركية، والتي جعلت لوثيقتها عنواناً مثيراً هو "خطة سلام من أجل سورية". ومع أنها صدرت قبل أشهر قليلة، فقد تم تحديثها قبل أسابيع قليلة، في إشارة إلى اهتمام واضعيها بما ترتّب على ما اقترحوه من نتائج بعد سبتمبر. ويقترح نواب وزير الخارجية الثلاثة السابقون، الذين كتبوا الخطة:

أولاً، التخلي التام عن "جنيف" ووثيقته التي أقرها الخمسة الكبار، وعن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخصوصاً منها القرار 2118 الذي يرسم آلية تنفيذ ما اتفق الخمسة الكبار عليه في جنيف، بمن في ذلك أميركا، الدولة التي ينتسب إليها كتّاب الخطة، فلا هيئة حاكمة انتقالية، ولا تراض بين الطرفين، ولا انتقال ديمقراطي.

ثانياً، الانطلاق من أولوية مطلقة، هي ضرورة وقف أعمال العنف عبر هدنةٍ تتوافق عليها روسيا وأميركا، وتلتزم بها أطراف الصراع، على أن يجري تحويلها إلى وقف إطلاق نار دائم، يتيح أجواء مناسبة لبدء البحث عن حلول.

ثالثاً، المحافظة على ما هو قائم ميدانياً من أوضاع بين الأطراف المتقاتلة، وتشمل منطقة النظام الأسدي، بين دمشق والساحل، مروراً بحمص ومناطق من حماة، وهي ستبقى في يده، وسيديرها تحت قيادة بشار الاسد، على أن ترابط فيها قوات روسية. والمنطقة التي سيطرت عليها قوات "البايادا" الكردية في الشمال والشمال الشرقي من سورية، والتي سترابط فيها قوات أميركية. ومنطقة سيطرة المعارضة في الشمال والجنوب، حيث سترابط في أولاهما قوات تركية، وفي ثانيتهما أردنية. أما المنطقة الخاضعة ل"داعش" فستوضع تحت إشراف دولي، بعد طردها منها، وستبقى خاضعةً للإشراف الدولي، إلى أن يتقرّر مصيرها النهائي في التسوية النهائية.

 

الرابعة، انتشار قوات دولية في مناطق مختلفة من سورية، لكي تشرف على وقف القتال، وإيصال الإغاثة إلى السوريين، ريثما تتفق أميركا وروسيا على الحل النهائي الذي تقول الخطة، بكل وضوح، إنه لن يستعيد دولة سورية المركزية، وسيفرض أشكالاً جديدة من الحكم والإدارة في المناطق الثلاث، على أن تكون مداولات الأطراف السورية بشأنها هي المفاوضات الجديدة التي ستقرّر مصيرها، وبالتالي، شكل الدولة السورية المقبلة، وعلاقات أطرافها وصلات مكونات المجتمع السوري ببعضها، وهل ستكون فيدرالية، أم إدارة ذاتية موسعة، أم لا مركزية سياسية ... إلخ.

لا تسمّي "الخطة" فترة زمنية لتطبيق ما تقترحه، بل تترك الأمر القائم الحالي، الذي تكرّسه

"صديقنا الأميركي المخلص" نجح في الضحك علينا وخداعنا طوال السنوات الخمس الماضية" باعتباره أساس أي حل، وتبقيه مفتوحاً على مدى زمني غير محدد، وتشحنه باحتمالاتٍ تقسيميةٍ، تناقض جذرياً ما قبلته واشنطن وموسكو في وثيقة جنيف ومقدمة القرار 2254 الذي صدر قبل أشهر، وحمل تعهداً صريحاً منهما بضمان وحدة الدولة والشعب في سورية.

ليس هذا كل ما يثير القلق في الخطة، المقلقة جداً، ما يثير القلق والغضب حقاً يرد في فقرة تؤكد أن "الخطة" لم تجر أية تعديلات ذات أهمية أو شأن على الثوابت التي اعتمدها البيت الأبيض سياسة حيال الحدث السوري منذ عام 2011، وتمسّكت بها طوال السنوات الخمس الماضية. هذا الاعتراف المذهل ينقل الخطة من حيز السيناريوهات التي ترسمها مراكز الأبحاث والدبلوماسية لمواجهة احتمالات تطور أو حدثٍ ما، ويجعل منها كشفا ل"ثوابت"، عمرها نيف وخمسة أعوام، كانت جوهر سياسة واشنطن تجاه ثورة سورية التي أطلق الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في حينه عشرات التصريحات المؤيدة لها، لكنه أقرَّ، أخيراً، في أحاديث متعدّدة، مع صحافي اسمه غولدبرغ، أصدرها تحت عنوان "عقيدة أوباما"، بأنها لم تكن مهمة إطلاقاً بالنسبة له، ولم تحتل أية أولوية في سياساته. تقول الخطة إنها التزمت بهذه الثوابت في ما اقترحته، وإنها تقوم على مواقف واشنطن الحقيقية، عديمة الاكتراث بحق الشعب السوري في الحياة والحرية، وبمجازر النظام. لذلك، قامت على مساراتٍ متكاملةٍ، مهد لها تأجيج الصراع والصمت على عنف النظام وإيهام السوريين بقرب اتخاذ موقفٍ أميركي حاسم من بشار الأسد، بينما شجعوا على تصعيد الصراع، ليستخدموه في تصفية حسابات إقليمية ودولية، تمت بدماء جميع السوريين، من كان منهم مع النظام أو ضده، ولإيصالهم، في النهاية، إلى ما تفصح "الخطة" عنه: حل يضع مناطق النظام و"البايادا" والمعارضة تحت احتلال دول وجيوش أجنبية وإشراف دولي، ويترك مصير نصف مساحتها الذي تحتله "داعش" اليوم معلقاً، محولاً وطننا السوري الذي نعرفه، ونريد تجديده بالديمقراطية والنهج المدني/ السلمي، إلى وطن افتراضي، يرهن مصيره بصراعات الأميركيين والروس وتفاهماتهما، وبإرادة الأميركيين بالأحرى الذين لعبوا دوراً خطيراً في تحويل ثورةٍ طالبت بالحرية إلى ساحة صراعٍ متشعب ومفتوح، أمسكوا بها بكل قوة، كي يروّضوا من خلالها إيران وروسيا، كما تقر الخطة، وهي تذكر الفوائد التي يعود حلهم بها على واشنطن.

هذه "الخطة" التي تقول، في جزئها الثاني، إن الهدنة التي تم الاتفاق عليها، وطبقت بهذا القدر أو ذاك من النجاح، كانت الخطوة الأولى على طريق تطبيق ما اقترحته في جزئها الأول. لذلك، يجب أن تكون موضوع دراسة وتأمل عميقين، ما دام تطبيق بقية بنودها يعني نهاية وطننا، وفشلنا في نيل حريتنا، والقضاء على ثورتنا، وبقاء ملايين السوريات والسوريين مشرّدين في المنافي والمغتربات، وفوز الأسد بالمساحة الأكبر من سورية، وبساحلها الذي ستمكّنه سيطرته عليه من خنق بقية مناطقها، وإركاع سكانها بالتجويع والحصار، ويعني أن هيئات المعارضة وتنظيماتها أضاعت تماما الطريق التي يمكن أن تمكّنها من بلوغ أهداف الشعب والثورة، وأنها تتابع وهماً لم يعد له أي مرتكز أو مكان في الواقع الدولي والوطني، يسمونه "الحل السياسي وفق وثيقة جنيف والقرارات الدولية". ويعني، أخيراً، أن "صديقنا الأميركي المخلص" نجح في الضحك علينا وخداعنا، طوال السنوات الخمس الماضية التي كنا في أثنائها في غفلةٍ أوقعتنا في حال من الغباء وسوء التقدير والفهم، ساقتنا إلى هاويةٍ تقدم لنا الخطة بعض تفاصيلها، لن نخرج منها بما ننتهجه اليوم من سياسات، ونقيمه من علاقات، ستأخذنا إلى ما بعد سورية، وليس إلى ما بعد النظام.

ماذا علينا أن نفعل لمواجهة ما يدبّر لنا منذ سنوات على يد دولةٍ اعتقد معظمنا، معظم الوقت، أنها صديقة لنا، لن تسمح بهزيمة ثورتنا المطالبة بالحرية؟. علينا الإجابة على هذا السؤال في أقرب الآجال، كي لا نخون شعبنا وأنفسنا.

========================

موقفنا : علميهم يا حلب ... أديبهم يا حلب .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 13/7/2016

المعركة اليوم على أرض حلب مكشوفة واضحة جلية ، وسيعلم الخاذلون والمتخاذلون من المتفرجين والمتشاغلين الذين يديرون ظهورهم لوطيسها أي إثم يأثمون ، وأي جناية يرتكبون ..

يتساوق الاستسلام الاستباقي المخزي لما يسمى القوى والهيئات السياسية المحلية على مختلف عناوينها ومسمياتها ، والدول الإقليمية لإرادة القوى الدولية للقوى بالتخلي عن حلب وإفرادها وخذلانها مع الانسحاب الخياني الاستباقي الذي أعلن فيه حافظ سقوط القنيطرة قبل سقوطها بثمان وأربعين ساعة ...

حافظ الأسد وثق جريمته وخيانته بالبلاغ 66 وتركها بلقاء ناطقة في أفق التاريخ الوطني السوري وهؤلاء ما زالوا يجمجمون ويحمحمون .

منذ 28 شباط / 2016 أي منذ أربعة أشهر تقريبا دخل قرار خذلان حلب وأهلها وثوارها في إطار التوافق ( الروسي – الأمريكي ) ، وتم الإعلان عن ذلك في صيغة تهديدية أو تحذيرية ألقاها سفير أمريكي فوق رؤوس أعضاء ما يسمى الائتلاف الوطني ، الذين لم يقرؤوا الرسالة كما يجب ولم يعيروا التهديد الأمر الذي يستحق...

تمثل معركة حلب برمزيتها التاريخية ، ومكانتها الاستراتيجية ، وثقلها البشري ، لسان الميزان في معارك الثورة السورية وملاحمها الفاصلة التي ستصنع المستقبل وستؤشر عليه . وما سيحصل في حلب خلال الأيام القادمة سيكون المؤشر الناطق على مستقبل الثورة ، وحصاد تضحيات أبنائها العظيمة . إن دماء ما يقرب من مليون سوري ، وعذابات عشرة ملايين مهجر ولاجئ ، وآلام الملايين من الثكالى والأرامل والأيتام والمعتقلين تقع كلها اليوم في كفة معركة حلب التي يخوضها الروسي والإيراني والحزبلاوي والأسدي بكل ثقله ومن عجب أنّ عنها يتشاغل المتشاغلون ويتخاذل المتخاذلون ...

معارك كثيرة فاصلة خاضها الأبطال السوريون في اكثر من موقع ، بدأ من القصير ، والزبداني ومضايا ، والقلمون ، وبلدات الغوطة وفي مقدمتها داريا وأخواتها وفي كل هذه المعارك صبر الأبطال في هذه المدن وصابروا وأدوا ما عليهم ، وظللنا نقول (الحرب وكر وفر ) ، ولكن الحقيقة التي يجب أن تقال في هذا المقام : بعد معركة حلب ، إن كانت النتيجة على غير ما نحب وتحبون ، فإنه لن يكون بعدُ كرّ ..

بدأ التحضير لمعركة حلب ، بتدمير عمرانها ، وتشريد إنسانها ، تم هذا تحت سمع العالم المتحضر وبصره ، مع كثافة نيران الطيران الدولي الذي يتناوب على الأحياء السكنية حيث يصطف الطيران الروسي والأمريكي والأسدي على الدور ليتناوب كل يوم على المدينة بل على المحافظة الصامدة بكل طاقته التدميرية ، ليكمل بعد ذلك أوباش الولي الفقيه وتوابعهم ، والهمج المتحالفون مع الروس والمدعومون من الأمريكيين، في وقت معا المهمة التي مهد لها الطيران ثم ليكمل دواعش الشر الدور في إعمال خنجر الخاصرة والظهر في أطراف الأرض المحررة ..

قريبا من نصف عام ، ولم تستطع قوى الشر حتى الآن أن تنال من عنفوان حلب ، ولا من صمود مجاهديها ، ولا أن تحقق بعض الأهداف المرحلية التي تتغنى بها ، على الرغم من الحجم الكبير من القوة التدميرية التي تصبها قوى الشر والعدوان على أرضها ...

يتغنى الصفوي الكريه بانتصارت وهمية في حلب ويتوعد ، يتمجد حسن نصر في خطابات تهويلية ضد حلب وأبنائها ، يعقد بشار الأسد برعاية الأوصياء عليه الهدن في كل مكان ، ويقدم التنازلات من الجنوب إلى الشمال ليجعل من حلب محور جهده الأساس

وفي الوقت نفسه ، يغمس المثربون الذين عابوا على حلب تريثها رأسهم في الرمال ، ويهادن بعض الناس طلبا لسلامة وقتية على طريقة الثور الأحمر ، وتتشاغل القوى السياسية بتشكيل حكومة انتقالية، بدون وزير دفاع ، لتقدم خدمات لا ندري بعد حلب لمن ستكون ؟! ..

حلب لم تعد منذ أشهر على جدول أعمال أدعياء الصداقة ، وربما يكون بدل النصرة والتحرير جنسية عوض يستأثر بها كما جرت العادة المستاثرون . حتى الإعلام العربي الذي يزعم أنه منبرلا منبر له ، يدير ظهره للمشهد السوري عموما وللبطولات التي يسطرها الأبطال في حلب كل يوم ببحر من الدماء . و تتحول الأمم المتحدة من الحديث عن جرائم الحرب التي يرتكبها تحالف دولي غير معلن ( روسي بتوابعه ، أمريكي بأدواته ، إيراني بزعانفه ، صهيوني بثقله ) ، في حلب وضد سكان حلب إلى حديث عن كارثة إنسانية فيها حصار وجوع وعطش ..

التحليل السياسي للمعركة في حلب بأدواته التقليدية ومعطياته الواقعية ، وظروفه المحيطة قد لا يبشر بخير ؛ ليبقى لنا نحن أصحاب شعار : ما لنا غيرك يا الله ، منطقنا المقدس في الرؤية والتقدير والتحليل ..

منطقنا الذي يستحضر : (( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ))

وأنت يا حلب ...

علمي الخائنين والمتواطئين والمتخاذلين والمغرورين كيف تكون البطولة والرجولة والصبر والثبات ..

وأنت يا حلب ...

أدبي المعتدين ، أذيقيهم كؤوس شرهم مترعة ، ردي عليهم حرابهم، وانثريهم على بطاحك العزيزة الكريمة كما نثرهم سيف دولتك من قبل :

كما نثرت فوق العروس الدارهم

والله أكبر ولله الحمد

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

الاستدارة التركية ومفاعيلها على المسألة السورية والمشهد الإقليمي .. خطار أبو دياب

العرب

الاحد 10/7/2016

“ليس في السياسة صديق دائم ولا عدو دائم”، مقولة من الثوابت لا يشذ عنها “القيصر الجديد” فلاديمير بوتين، وكذلك “السلطان – الرئيس” رجب طيب أردوغان الذي أقر، ولو متأخرا، بغلبة الواقعية السياسية على الأيديولوجيات. وهكذا فإن تسريع استئناف العلاقات بين تركيا وإسرائيل، والتطبيع التركي مع روسيا، يثيران تساؤلات مشروعة حول دوافع الانقلاب الأردوغاني ومكاسب أنقرة وإسرائيل وإنجازات روسيا في خلط الأوراق والتحالفات الإقليمية. ومما لا شك فيه أن الترتيبات الإقليمية الجديدة ستنعكس على المسألة السورية والطموحات الكردية والمصالح الاقتصادية للأطراف المعنية.

للوهلة الأولى، يظهر أن الرئيس التركي أخذ يخشى خطر العزلة وأن تكون بلاده مستبعدة من الحلول التي سترتسم في المرحلة القادمة أو لإعادة تركيب الإقليم. أردوغان المسكون بالتاريخ سعى للتحكم بقطار “الربيع العربي” بعد حذر في بداياته، وكان يريد بعث “العثمانية الجديدة” ولعب الدور القيادي في المنطقة من خلال “منظومة الإسلام السياسي” التي برزت في 2011 – 2013، لكن التطورات في مصر وسوريا وبروز داعش والرهان الأميركي على الأكراد، ووصول الفوضى التدميرية إلى تركيا، دفعت بالسياسي العنيد الحماسي أن يعود إلى أرض الواقع بعدما حلق عاليا مع سحر الكلمات والرهانات الخائبة، إذ اتضح له أن الانتقال من طموح تركيا الأوروبي إلى مسعى ممارسة الزعامة الإقليمية وتقاسم النفوذ في العالم العربي “الرجل المريض” (لقب السلطنة العثمانية منذ قرن من الزمن) لهذه الحقبة ليس مضمونا. وكان الأدهى عدم وقوف حلف شمال الأطلسي إلى جانب أنقرة بعد حادث الطائرة الروسية، وخيبة الأمل التركية من الموقف الأميركي المتباين، والذي لا يعنيه في المقام الأول الحفاظ على مصالح تركيا أو بالأحرى زعامتها الإقليمية.

إزاء تغيير موازين القوى في النزاع السوري وتهافت الكبار على لعب الورقة الكردية ضد داعش، ومع تبلور التقاطعات الروسية مع إسرائيل وإيران تحت عين واشنطن، أدرك أردوغان أنه لا بد له من لعب كل أوراقه خاصة وأن الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي حول اللاجئين والصلة مع ألمانيا لا تعيدانه إلى المربع الإقليمي الأول بسبب أخطاء التقدير والنهج التي ارتكبها إن في المسألة السورية (عدم دعم الجيش الحر في اللحظة المناسبة) أو في تحويل وجهة الربيع العربي كي يصبح إسلامي الطابع، أو بالنسبة إلى العلاقات مع إيران، والأهم كان في عدم استيعاب أهمية العنصر الكردي في المعادلة الإقليمية. وإضافة إلى كل ذلك ساد عدم الثقة مع واشنطن ووصل الرئيس التركي إلى الحائط المسدود. بالرغم من أن البعض يريد أن ينسب إخفاقات السنوات الأخيرة والتشدد إلى أحمد داود أوغلو رئيس الحكومة السابق، فإن في ذلك مجافاة للحقيقة في ظل هيمنة أردوغان الذي يبدو أنه قرر الاستغناء عن رفيق دربه وتحقيق هدف داخلي لأنه لا يتحمل وجود شخصية قوية تلجم سعيه لتركيز نظام رئاسي. وفي نفس الوقت تم تقديم داود أوغلو صاحب نظرية “صفر مشكلات” مع الإقليم بمثابة القربان أو الضحية كي يبرر الرئيس التركي تراجعاته أو يمهد لنهج تكتيكي جديد بدأه عبر البوابة الإسرائيلية.

 

منذ خمسينات القرن الماضي تعاونت إسرائيل وتركيا، وهما قوتان إقليميتان غير عربيتين في الشرق الأوسط، وتصرفتا كأنهما في حلف طبيعي،غير أن سياسة أردوغان في الانخراط مع العالم العربي وإيران، وموقفه من اجتياح غزة في العام 2009 وحادث سفينة مرمرة في مايو 2010، أدت إلى قطع العلاقات بين شريكين استراتيجيين سابقا في الإقليم. لكن في موازاة حصاد سلبي في المجمل لتركيا منذ 2011، تحسنت علاقات إسرائيل مع مصر واليونان وقبرص وهي دول في شرق البحر الأبيض المتوسط وكلها متخاصمة مع تركيا.

إن هذا الواقع، بالإضافة إلى التوتر مع روسيا والحذر من الغرب والخوف من العزلة، حفز الرئيس التركي على تقديم التنازلات اللازمة والتوقيع على الاتفاق. استغرقت المفاوضات وقتا طويلا لأن أردوغان كان يطالب باعتذار إسرائيل والتعويضات وفك حصار غزة، وقد نال فقط المطلبين الأوليْن واهتزت صورته بشدة لأنه أراد تقديم نفسه للعالم الإسلامي باعتباره المدافع القوي عن الشعب الفلسطيني، والمنافس لإيران في لعب دور البطل بالوكالة عن العالم العربي.

كل هذا لا يعني أن كل الملفات الخلافية أغلقت بين إسرائيل وتركيا إذ لا يزال هناك حذر في إسرائيل بسبب علاقات حزب العدالة والتنمية مع حركة حماس، وإزاء التعاون الأمني الكبير بين أنقرة وطهران في مناسبات عديدة، ولذلك ستتطلب عودة التعاون الأمني والعسكري مرحلة اختبار بين الجانبين. بيد أن أهم الخلاصات الاستراتيجية لهذا التحول تتمثل في التفاهم على احترام مصالح الطرفين في الساحة السورية، والتوافق على إيصال أنابيب الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى تركيا.

إنها الحاجة المتبادلة بين الدولتين على ضفاف المتوسط، التي فرضت النقلة الجديدة وتليين جموح نتنياهو وأردوغان لأن الأيديولوجيا السياسية تسقط أو تتوقف أمام مصالح الدول ومستقبلها، وهذا درس يتوجب على اللاعبين العرب تأمله مليا للحفاظ على مصالحهم وإنهاء زمن الانكشاف الاستراتيجي العربي.

في استكمال التحولات، قام السلطان وطرق على باب القيصر وهنا أيضا كانت الحاجة متبادلة بالرغم من شدة لهجة الخطاب السياسي بين أنقرة وموسكو في الأشهر الأخيرة. وهنا شرب أردوغان “كأس السم” واعتذر عن حادث إسقاط الطائرة، ويبدو أن خصم الأمس نتنياهو هو الذي سهل إخراج اللحظة الأخيرة من التطبيع التركي – الروسي كي تتكامل لعبة المصالح بين أطراف تشعر بقوة تأثيرها في غياب سطوة القوة الأميركية المتراجعة في الإقليم. ربما ترتسم أمامنا صورة متكاملة تبين مكانة الموقع التركي، إذ أن خط الغاز الإسرائيلي التركي إلى أوروبا، يوازيه خط روسي تركي ومرور للطاقة الإيرانية عبر تركيا، وهكذا فإن إيران وإسرائيل وروسيا بحاجة للممر التركي، وبالتالي يتضح أن الجغرافيّتَيْن السياسية والاقتصادية تفرضان وقائع لا بد من أخذها بعين الاعتبار، ولذا ستبذل أنقرة ما بوسعها لإعادة العلاقات مع دول البحر المتوسط والبحر الأسود.

بالنسبة إلى الانتعاش مع موسكو، هناك مصلحة سياسية اقتصادية وأمنية لكلا الطرفين؛ إذ أن بوتين الذي يخوض مبارزة مقننة مع حلف شمال الأطلسي، يرى في هذا التحول التركي فرصة للغمز من قناة واشنطن. واقتصاديا عانى البلدان من القطيعة إذ كانت روسيا في 2011 أول شريك تجاري لتركيا وبلغ حجم المبادلات بينهما 30 مليار دولار. وعلاوة على ذلك، تحتاج أنقرة إلى موقف روسي معتدل من المسألة الكردية، وفي المقابل تحتاج موسكو إلى التعاون الأمني مع تركيا بخصوص الحركات الجهادية في الجمهوريات الإسلامية في الجوار الروسي، خاصة أن آخر الأخبار تشير إلى نجاح تنظيم داعش في المزيد من تجنيد المقاتلين في آسيا الوسطى والقوقاز وجوار روسيا.

ستنعكس النقلات النوعية لأنقرة على المشهد الإقليمي وفيها تهميش للاعبين العرب، ووضع إسرائيل في قلب اللعبة الشرق أوسطية، واحتكاك غير مباشر مع المصالح الإيرانية وحماية في المقام الأول لطموحات أردوغان ومصالح أنقرة. وبالطبع، لن تكون هناك مصالحة بين أردوغان وبشار الأسد فهي ليست على جدول أعمال صناع القرار، بل في حال تعذر تركيب الحل الروسي ربما يبدأ تقاسم النفوذ بين مناطق مكونة عمليا في سوريا، وهنا يكمن كل جهد أردوغان في السعي لتحطيم الحلم الكردي.

من المبكر إعطاء أجوبة حاسمة لأن مخاض ولادة المشهد الإقليمي الجديد ستنتظر الرئيسة القادمة أو الرئيس القادم إلى البيت الأبيض، وكذلك نتائج الصراع المفتوح على أكثر من جبهة. في المختصر، لملم أردوغان أوراقه للبقاء لاعبا مؤثرا، ونجحت إسرائيل في تسجيل اختراق، وجرى التسليم لبوتين في موقعه الجديد في المشرق، واستمر الكسوف الأوروبي. ويتضح أن إنهاك القوى العربية الفاعلة بالصراعات من العراق إلى اليمن وليبيا سيحرمها، إن لم تبلور حلف الضرورة بينها، من الجلوس على طاولة التفاوض وإعادة التركيب الإقليمية في مرحلة لاحقة.

========================

هذا الرهان السوري على هيلاري كلينتون .. عمر كوش

العربي الجديد

الاحد 10/7/2016

يحظى السباق الانتخابي الأميركي، الموصل في النهاية إلى البيت الأبيض، في أيامنا هذه، باهتمام سياسي وإعلامي كبير، على المستوى العربي، حيث تنال أنشطة المرشحين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري وتصريحاتهم قسطاً وافراً من التغطية التي تقوم بها مختلف وسائل الإعلام العربية، وخصوصاً قنوات التلفزة الفضائية التي تقدم تغطية واسعة، ومبالغاً فيها في بعض الأحيان. غير أن للرهان على أحد المرشحين، سواء هيلاي كلينتون أو دونالد ترامب، مبرراته، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة قوة عالمية عظمى، يؤثر أي تغيير في تركيبتها السياسية الحاكمة على أمن العالم، والبلاد العربية خصوصاً. وبالتالي، من المهم معرفة مواقف المرشحين من القضايا العربية بشكل عام، والقضايا ذات الملفات الشائكة والملتهبة في المنطقة بشكل خاص، كالمسألة السورية والقضية الفلسطينية والوضع في كل من العراق ولبنان ومصر.

ومن المهم كذلك، في هذا السياق، أن يتحكّم بعلاقتنا بالولايات المتحدة الأميركية مدى وكيفية مقاربة المرشحين للرئاسة الأميركية هذه القضايا، بل ومقاربة الإدارة الأميركية منها، مع أن منصب الرئاسة، على أهميته، لا يحدّد من يعتليه وحده المواقف والسياسات، كونه يخضع لجملة من الاعتبارات والعوامل التي تتحكّم في السياستين، الداخلية والخارجية، للولايات المتحدة، وفي مقدمتها المصالح الأميركية والشركات الكبرى، ومجموعات الضغط واللوبيات المؤثرة على صانعي القرار.

ويخطئ كل من يراهن على نتائج الانتخابات الأميركية، وخصوصاً الساسة العرب، لأن وصول رئيس أميركي جديد، لن يفضي إلى أي تغييرٍ جوهري في الموقف الأميركي المنحاز بشكل سافر إلى إسرائيل، بسبب الإطار المرجعي الذي تشكّل فيه العقل السياسي الأميركي حيال القضايا العربية، وبسبب وجود جماعاتٍ مواليةٍ وداعمة لإسرائيل وسياساتها، وغياب أي تأثير عربي على صانعي القرار، على الرغم من أهمية المصالح الأميركية في منطقتنا.

فيما يخص المسألة السورية، يلاحظ أن مشتغلين في الحقل السياسي لا يخفون حماستهم لوصول هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض، معتقدين أنها ستفوز في الانتخابات الأميركية المقبلة، وأنها ستساهم في إيجاد حلّ سياسي للمسألة السورية، من جهة أنها لن تترك الملف السوري بيد الروس، بل ستمارس ضغطاً قوياً باتجاه إيجاد حل سياسي، وإلا فإنها قد تعمد إلى التلويح والانحياز إلى حل عسكري للمسألة.

 

وقد أسرّ لي أحد أعضاء قيادة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أن "هنالك

"ما يهم السوريين أن يكون الرئيس المقبل أكثر واقعية في تعامله مع مطالبهم في الخلاص من الاستبداد" ما يشبه التصميم، أو القرار، الأميركي، على أن يبقى الملف السوري في حالة من الجمود، مع الحرص على عدم إحداث تغييراتٍ كبرى على الأرض، إلى حين مغادرة الرئيس باراك أوباما، وأن كل المؤشرات تفيد بأن لهيلاري كلينتون الحظ الأوفر في الوصول إلى البيت الأبيض. لذلك، أضحت الاتصالات قائمةً مع طاقم كلينتون الانتخابي، لترتيب المرحلة المقبلة، ومعروفة مواقفها من المسألة السورية، وأنها ستدعم المعارضة السورية بالأسلحة النوعية، على الأقل، في حال عدم التوصل إلى حلّ سياسي. وبالتالي، هذا يفسر القول إن "على الأسد أن يرحل عبر حلّ سياسي، وإلا فإنه سيرحل بالقوة العسكرية".

يخفي هذا الرهان على هيلاري كلينتون، أماني كثيرة، مع انسداد الأفق السياسي، إضافة إلى الإصابة بالعجز، والتعويل على التمنيات. ولعل الدرس المفيد هو عدم المراهنة على ما يقوله، ويعد به، المرشحون للرئاسة في حملتهم الانتخابية، لأن الأقوال والوعود شيء، والواقع والمتحقّق بعد انتهاء الحملة الانتخابية شيء آخر، إذ ما أن يعتلي أحدهم كرسي الرئاسة، حتى تأتي السياسات متناقضةً، في غالب الأحيان، مع الوعود. ولا شك في أننا سمعنا وعوداً أميركية كثيرة حيال المسألة السورية، على لسان مسؤولين أميركيين عديدين، وذهبت كلها هباءً، وقبل ذلك، سمعنا غيرها من الوعود حيال القضية الفلسطينية، إذ نتذكّر، على سبيل المثال، ما عرف ب"وعد بوش أو رؤيته" بخصوص إقامة الدولة الفلسطينية، إذ غادر دبيلو بوش البيت الأبيض، قبل أكثر من سبع سنوات، ولم يبذل، في فترتي رئاسته الولايات المتحدة، أي جهد حقيقي من أجل تحقيق رؤيته في إقامة دولة فلسطينية.

ومعروف أن القضايا والأزمات والكوارث الخارجية، بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، لا تبدو أساسية، وقد تحتل حيزاً صغيراً، من منطلق عام، يخص السياسة الخارجية، وتطاول مكانة الولايات المتحدة، القوية أو الانعزالية. صحيح أن لدى بعض الساسة خشية كبيرة على مكانة الولايات المتحدة في العالم، بسبب سياسات باراك أوباما المنكفئة، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، لكن إعادة الانخراط تحتاج إلى إدارة جديدة، تملك الرغبة والمحرّض والوقت الكافي لذلك، وليس هناك ما يؤكد أن مواقف هيلاري كلينتون، إذا ما وصلت إلى البيت الأبيض، ستختلف عن مواقف أوباما، بالرغم من مواقفها التي يمكن استخلاصها من مذكّراتها، أو من مواقفها عندما كانت وزيرة خارجية، حيال الأزمة الليبية، وما يُحكى عن محاولاتها إقناع أوباما بالتدخل في سورية. يضاف إلى ذلك أنها أظهرت في حملتها الانتخابية مواقف حيال أزمات (وملفات) المنطقة العربية، لا تبتعد كثيراً عن سياسة الانكفاء التي مارسها، وما يزال، الرئيس باراك أوباما.

ولا يعدم الأمر إمكانية تخلي الرئيس القادم عن سياسات أوباما في المنطقة العربية، خصوصاً المسألة السورية، لكن الرهان قد لا ينجح، إذا علمنا أن كلاً من كلينتون وترامب، إذا وصلا إلى كرسي الرئاسة الأميركية، فإنهما سيعملان وفقاً لما تمليه عليهما مصالح الولايات المتحدة. لذلك، على بعض المشتغلين في السياسة، سوريين وغير سوريين، ألا ينتظر عصا الحل السحرية من الرئيس الأميركي القادم، خصوصاً أن هناك مشكلات وأزمات عالمية عديدة متراكمة أمام صانعي السياسة الخارجية الأميركية، وبالتالي، من المهم جداً التسليم بأن العلاقات الدولية تبنى وفق موازين قوى، ولا تتحقق بالتمنيات أو الأحلام، بل ببناء عناصر القوة، عبر تشكيل مجموعاتٍ ضاغطة على صانعي القرار، وبناء صلاتٍ مؤسساتية، وإيصال معاناة السوريين بشكل صحيح إلى الرأي العام الأميركي.

ولا شك في أن الناخب الأميركي سيقترع، في انتخابات الرئاسة المقبلة، لمن يطلق وعوداً أو يطرح برنامجاً، يلبي مطالبه في تحسين ظروف حياته ومعيشته، ولا يكترث معظم الناخبين بالمسألة السورية، وبسواها من المسائل العربية، في حين أن ما يهم السوريين أن يكون الرئيس المقبل أكثر واقعية في تعامله مع مطالبهم في الحرية والديمقراطية والخلاص من الاستبداد، وحين قاموا بثورتهم، قبل أكثر من خمس سنوات، لم يراهنوا على أحد، بل على أنفسهم.

========================

لعنة سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 10/7/2016

يبدو العالم وكأنه سيتعرض من الآن لما يمكن تسميتها "لعنة سورية"، عقابا له على سكوته المشين حيال إبادة شعبها بيد نظامه الذي استعان لتحقيقها بجيوش احتلال روسية وإيرانية وأحط أصناف المرتزقة الذين شاركوه في قتل مواطنين طالبوا بحريتهم. لم يكن هدفهم يوماً الانخراط في صراعاتٍ خارجيةٍ، لكن العالم " المتمدّن" في الغرب و" المتوحش" في الشرق خذلهم، وتفرّج مستمتعاً على أمواتهم بيد نظامهم والقتلة متعدّدي الجنسيات والمذاهب والأعراق والأهداف، ممن فبركت الأسدية بعضهم، وفبرك الخارج بعضهم الآخر، أو تعاون معه على فبركتهم وتزويدهم بالأسلحة الضرورية للقضاء على شعبٍ يعني نجاحه في إسقاط الأسدية انقلاباً تاريخياً سيطاول المنطقة بأسرها. وللأمانة، حقق القتلة مهمتهم باحترافيةٍ، رعتها جهاتٌ خبيرة، يسمونها "العالم المتمدن" و"رعاة حقوق الإنسان" و"حكومات شرعية".

واليوم، وقد قطعت الإبادة شوطاً كبيراً، ووصل الناجون منها إلى أكثر أمكنة العالم بعداً عن وطنهم، صار من المرجح أن تحل "لعنة سورية" به، وتتظاهر، من الآن فصاعداً، في أمواج فوضى عاتية، لن يمر زمن طويل قبل أن تجتاحه بكامله، بعد أن غمرت "الشرعية الدولية"، وقوّضت شرعيتها وزلزلت قدراتها، وأطاحت عديداً من مؤسساتها، وأحدثت صدوعاً خطيرةً في البلدان "المتحضرة" ذات أبعاد اجتماعية وسياسية وأخلاقية، كشفت بؤس قياداتها وأحزابها، ومهّدت الطريق إلى يمينٍ جديدٍ معادٍ لها، أخذ صعوده العاصف يقوّض أمنها، ويدخل الرعب إلى قلوب مواطنيها، وكذلك الخشية من أن يغدو مصيرهم متصلاً بمصير ملايين السوريين الذين يغرقون في البحر، أو يموتون تحت أنقاض بيوتهم، أو يتبدّدون في انفجارات القنابل والصواريخ، أو يهلكون جوعاً وعطشاً عند حدود الدول، الصديقة والعدوة، أو تحزّ السكاكين أعناقهم ويدمّرهم نفسياً وروحياً، ويفشلون في الحصول على خبرٍ عن أخ أو أبٍ أو زوجٍ أو ابن اختفى منذ سنين، ولم يعد لديهم من أمل غير أن يكون قد فارق الحياة، أو ... أو... أو ... . هل نعجب بعد هذا من امتلاء قلوبٍ سوريةٍ كثيرة بحقدٍ أعمى على عالمٍ سمح بقتلهم عن سابق عمد وتصميم، لم يرف له جفن وهو يتأمل سعيداً القضاء عليهم، فلماذا تأخذهم شفقةٌ به، ولا يتحوّلون إلى "ذئاب منفردة وجماعية" تفتك بما تعيش بين ظهرانيه من أغنام، ولم لا تجرّد حكوماتها من أية قدرةٍ على مواجهتها، ومجتمعاتها من أمنها، وتخوض ضدّهما حرباً، لطالما توهما أنهما في منجاةٍ من ويلاتها، وها هي طلائعها تطيح ثقتهما بنفسيهما، وتدخلهما في ذعر من الآخر الذي يمكن أن يكون حزاماً ناسفاً أو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت ومكان.

ليس ما ظهر إلى اليوم من "لعنة سورية" سوى بداية، ستمدّها التطورات بمواد متفجرة، ستحولها إلى حال تصعب السيطرة عليها، وحروب ستسعرها عيوب ونواقص ومشكلات نظامٍ دوليٍّ، فيما ملايين السوريين يقتلون ويذبحون كالنعاج، متجاهلا أن انهيار حواضنه القانونية والأخلاقية لن يتوقف عند حدوده، وأنه سيخترق بلدانه ويهشّمها من الداخل. ومن يراقب صعود اليمين الجديد في بلدان أوروبا يدرك أنها صارت هي أيضا في قبضة أخطارٍ تفقد أكثر فأكثر السيطرة عليها.

خال لعالم أن إبادة شعب سورية سيُنجيه من القتل والموت. وها قد بدأ يدفع ثمن تقاعسه عن وقف ما كان في استطاعته وقفه: ذبح شعبها الأعزل، المقتول بيد قتلةٍ وطغاة محليين وإقليميين ودوليين. ومع أنه لا يوجد سوري حر يريد ابتلاء أي فردٍ أو شعبٍ بما ابتلي هو وشعبه به، فإن "لعنة سورية" ستلاحق كل من شارك النظام الأسدي في قتل وتهجير وتشريد وتجويع وتعذيب وإخفاء ملايين عزّلاً صدّقوا ما كان يُقال عن حقهم في الحياة الحرّة، وها هي بقاياهم تهيم على وجوهها في الأرض، حاملة

ملاحظة: قصدت في مقالتي في "العربي الجديد" (3/7/2016) عن لقالق المعارضة حالاً قائمة، ولم أقصد أي شخصٍ بعينه.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com