العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17-02-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المقاومة الشعبية.. والطلقة الأخيرة

خالد المطلق

سوريا تي في

الخميس 14/2/2019

عندما يتعرض شعب للاضطهاد والظلم ولا يستطيع تحقيق أهدافه من خلال الحراك السلمي والمقاومة السلمية، وعندما يتوغل الحاكم المستبد أو المحتل في قتل الشعب والتنكيل به، يتنادى أبناؤه المخلصون لرفع هذا الظلم والاضطهاد عن أهلهم وشعبهم، خاصة إذا استخدم الظالم مستعمراً كان أم حاكماً كل أنواع القوة والبطش لإسكات صوت هذا الشعب ويمكن أن نُعرّف المقاومة الشعبية كمصطلح بأنها:

حركة شعبيّة مناضلة سياسيّة لها مبادئ، عناصرها مسلّحة، تقاوم السّلطة الحاكمة أو قوّات الاحتلال الأجنبي للبلاد، وإذا أردنا أن نسقط هذا التعريف على المقاومة الشعبية في الثورة السورية، والتي بدأت معالمها وأشكالها المبتكرة تتضح الآن، لوجدنا أن هذه المقاومة السورية لها طابعها الخاص من حيث المراحل التي مرت بها من بداية الثورة السورية، وتمثلت هذه المراحل في البداية بالمظاهرات السلمية والتي قابلها الأسد وعصاباته بالحديد والنار، وكان لابد من طريقة لحماية هذه المقاومة السلمية فتشكلت مجموعات من المقاومة المسلحة الصغيرة، كان هدفها في البداية حماية المظاهرات السلمية من القتل والتنكيل المنظم، وسرعان ما تطورت هذه المجموعات لتصبح سرايا وكتائب ومن ثم جيوش وفصائل استطاعت حتى عام 2013م من السيطرة على ثلثي مساحة سوريا.

إلا أن عدم وجود قيادة موحدة سياسية وعسكرية وطنية حقيقية لهذه الفصائل، أوقعها في شرك أعداء الثورة فتم في البداية إغراق قادة هذه الفصائل ومن سيطر على مؤسسات الثورة السياسية بالمال السياسي والوعود الوهمية، ومن ثم تم مصادرة قرارهم عبر الدول الداعمة لكل فصيل ولكل المؤسسات التي تدعي تمثيلها للشعب السوري الثائر، والتي اتضح مؤخراً أن هذه الدول جميعها كان جزءا من عملية تهدف إلى وأد ثورة الشعب السوري وإعادة إنتاج نظام الأسد، ومن هنا شاهدنا التراجع الرهيب في زخم الثورة وبدأت الاتفاقات المذلة التي سُلمت من خلالها أغلب المناطق المحررة وعلى رأس هذه الاتفاقيات ما سُمي اتفاقيات خفض التصعيد في أستانا والتي كانت الخنجر المسموم في صدر الثورة، والتي وقع عليها مجموعة تم اختيارهم من أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية، وأغلبهم ليس له أية علاقة بالثورة السورية، والباقي لهم مشروعهم العصبوي المتمثل في الوصول إلى السلطة أو حتى المشاركة في السلطة مع بشار الأسد، ولو على حساب دماء الشعب السوري ومعاناته وأهداف ثورته، وبعد كل هذا الخذلان والخيانات التي تعرضت لها الثورة من القادة العسكريين والسياسيين على حد سواء.

وبعد تسليم مناطق ما يسمى خفض التصعيد والممارسات الإجرامية التي مارستها عصابات الأسد على أهلنا وشعبنا في هذه المناطق بعد تسليمها، وتلافيا لما حدث في هذه المناطق وقد يحدث في المناطق المحررة المتبقية، ونتيجة عدم ثقة الشعب السوري الثائر بمن يفاوض باسمهم وبقادة الفصائل المسلحة، كان لابد من تحرك للرجال الذين خرجوا من بداية الثورة وكان وما يزال همهم الوحيد إسقاط الأسد ونظامه، وباشروا بتشكيل جسم يمكن أن يحققوا هدفهم الأسمى من خلاله، فكانت المقاومة الشعبية التي ظهرت الآن بعض أعمالها على شكل عمليات بسيطة في المناطق التي سُلمت للأسد في حوران، وقبلها تم تشكيل مجموعات من المقاومة الشعبية في الشمال السوري في المناطق المحررة تلافياً لأية خطوة لتسليم هذه المناطق يقوم بها مغتصبو مؤسسات الثورة السياسية وقادة الفصائل، وبهذا يمكن أن نقول بأن هذه المقاومة

مهمتهم الحقيقية وهي المقاومة المشروعة للمحتل الروسي والإيراني وإسقاط المجرم الأسد وعصاباته

حققت جزءا من أهدافها من خلال رفع العصا الغليظة بوجه كل من تسول له نفسه بيع الشعب السوري وثورته من جديد في البازارات السياسية لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية.

ومن هنا لابد لنا جميعا أن ندعم هذه المقاومة ونقوم بتوجيهها بالاتجاه الصحيح كي تعيد الثورة إلى ألقها وسيرتها الأولى، وأعتقد جازماً أن أهم ما يخدم هؤلاء الأبطال هو العمل الإعلامي المنظم لإظهار مطالبهم وعملهم بشكل لائق أمام الرأي العام العربي والعالمي، ليعكس مهمتهم الحقيقية وهي المقاومة المشروعة للمحتل الروسي والإيراني وإسقاط المجرم الأسد وعصاباته، وتحقيق الهدف الأسمى الذي خرج من أجله السوريون وهو الحرية والكرامة والديموقراطية، كما يجب على كل مقتدر من السوريين أن يسعى وبكل الطرق المتاحة لتأمين متطلبات هؤلاء الرجال الذين يبذلون كل جهودهم لمنع سقوط الثورة، والجميع يعرف أن سقوط الثورة يعني سقوطنا جميعًا ولن تستطيع قوة في العالم يومًا أن ترفع أيدي القتلة عنا وعن أهلنا وشعبنا لأجيال وأجيال.

إن ابتعاد النخب السياسية السورية عن حاضنة الثورة السورية من خلال تشكيل كثير من الأجسام السياسية المتعددة والوهمية والتي لن تحقق أهداف الشعب السوري الثائر إلا بوجود قوة عسكرية وطنية حقيقية على الأرض تكون مرتكزاً أساسياً لأي حل يمكن أن يُفرض على السوريين، فالمفاوضات والحلول لا تأتي إلا من خلال قوة تَفرض على الجميع شروطها والتي غالبًا ما تكون لصالح الشعب الثائر، وأي تخلٍّ أو التفاف على هذه القوة سيعيدنا إلى المربع الأول وسيتمكن أعداء الشعب من فرض قرارهم على أي تكتل أو حزب أو مجموعة تدّعي تمثيل الشعب السوري، هذا إذا كان هدف هؤلاء تحقيق المصالح الوطنية والشعبية وليس تحقيق مصالح ضيقة شخصية أو حزبية، والتي سرعان ما سيتم الالتفاف عليها لتعود أوضاع السوريين إلى ما كانت عليه قبل الثورة بل ستكون أسوأ من ذلك بكثير.

أما الأحرار القائمون على هذه المقاومة فيجب تذكيرهم بعدد من النقاط المهمة وعلى رأسها السرية التامة بكل أعمالهم، والحرص وبشكل صارم على تطبيق تدابير الأمن لمنع الاختراقات التي أهلكت فصائل الجيش الحر والثورة السورية، وعليهم أيضاً أن لا يثقوا بأي من القائمين على مؤسسات الثورة السياسية والدينية وقادة الفصائل وشرعييهم، والجميع يعرف هؤلاء إلى أين أوصلوا شعبنا وثورتنا، أما من الناحية الإستراتيجية والتكتيكية ومن خلال

هذه المقاومة ستكون الطلقة الأخيرة في جعبة الشعب السوري وثورته، وفشلها يعني انتصاراً للأسد وحلفائه

الدروس المستفادة مما حدث أثناء الثورة يجب على هؤلاء الأبطال التركيز على مراكز المدن وخاصة العاصمة دمشق، فالأسد لم يسقط حتى الآن لأنه مازال يتحكم في مراكز المدن ودوائر ومؤسسات الدولة في العاصمة، وهذا ما سوّق له داعموه أمام أصحاب القرار في العالم من خلال تأكيدهم بأن مؤسسات الدولة تحت سيطرة الأسد وتقوم بعملها على أكمل وجه، وبالتالي لا قيمة لمن يسيطر على الريف وحتى لو كانت السيطرة على كامل أرياف المحافظات.

موجز القول: يمكن أن نقول بأن هذه المقاومة ستكون الطلقة الأخيرة في جعبة الشعب السوري وثورته، وفشلها يعني انتصار للأسد وحلفائه، وإسكات لضمير وصوت الشعب السوري لعقود قادمة، وإن توفر لها الظروف الملائمة يمكن لهذه المقاومة أن تقلب الطاولة على الجميع، وتعيد إنتاج الثورة من جديد بوجهها الجميل الذي انطلقت من خلاله منذ ثمانية أعوام، وهذا ما يجب أن نسعى إليه جميعا أبناء للثورة التي مرضت ووهنت في مرحلة من مراحلها لكنها لن تموت لأنها ثورة الحق على الباطل وثورة العدل على الظلم وثورة الكرامة على المذلة، وهذا ما صدحت به حناجر شعبنا على مساحة الوطن بشعارها الخالد الذي زلزل كيان القتلة المجرمين "الموت ولا المذلة".

==========================

موقفنا : مؤتمر سوتشي وقبقاب عرس جدتي

زهير سالم

15شباط 2019

مركز الشرق العربي

سهل علي أن أكتب منشورا عن مؤتمر وارسو . أكدت فيه أننا ضد إيران ومشروعها في المنطقة . وأننا كذلك ضد الكيان الصهيوني ومشروعه في المنطقة . وأننا لسنا من مجموعة ( حيط بصد وحيط برد ) . وأننا نعتقد أن الصفوي والصهيوني والامبريالي في خندق واحد . وأنهم متفقون علينا ونحن لن ننتصر بفريق على فريق . وأن الأمريكي حين ثرنا على عميله الصهيوني بشار الأسد ضربنا بعصاه الصفوية ضربا آلمنا وأوجعنا . وأن ادعاء التناقض الجدلي بين الصفوي والصهيوني والمتطرف العدمي ادعاء لا يمكن أن يمر بعد الآن على عقولنا ولا على قلوبنا ..

وبعد أن تابعت مؤتمر سوتشي المتزامن مع مؤتمر وارسو ( التزامن له معناه ومغزاه) واستمعت إلى التصريحات المتساوقة والتي تحاول توظيف المشترك اللغوي إلى أبعد الحدود / فعندما يلفظ أي واحد من الضامنين الثلاثة كلمة إرهاب ..فلا يذهبن وهمك أنهم يتحدثون عن دلالة واحدة وإن كان اللفظ واحدا . فلفظ الإرهاب يتجسد عند المتحدثين الثلاثة في أقانيم . وكذا عندما يذكرون عودة اللاجئين ، أو إعادة الإعمار، أو وحدة الأرض السورية ، أو عودة الاستقرار ، أو الشعب السوري ...حتى هذا اللفظ له معنى مختلف بين بوتين وروحاني الداعمين لصاحب نظرية المجتمع المتجانس وبين أردوغان الذي يتمثل الشعب السوري في مخيلته بملايين المستضعفين من اللاجئين بعبئهم الإنساني الذي لم يمد لهم يد المساعدة أحد ؛ بل ما زال الأمريكيون والأوربيون والروس والإيرانيون يساومون التركي النبيل على إنسانيته فيرتدون خائبين وذلك بعد أن أحكموا الحصار على خيارات هذا النبيل ، في منطقة آمنة معترف بها تصبح موئلا وسندا ومتنفسا للشعب البطل ومأوى للكرام المشردين .

ربما رابني أو لفتني في تصريحات روحاني قوله مساوما أو مطمئنا لأردوغان التصريح الذي أوردته قناة الجزيرة على سبيل التمسح : على تركية ألا تشعر بأي تهديد من سورية ويجب أن تكون علاقات تركية بسورية أخوية ..

نعم لقد كانت أخوية منذ زمن طويل . منذ عبد الله أوجلان وعصاباته التي ما فتئت تفجر وتقتل على الأرض التركية على مدى عقود طويلة ؛ حتى بلغ عدد ضحاياها عشرات الألوف ؛ يومها لم يكن في تركية سلطان اسمه أردوغان ولا عدالة وتنمية يمكن أن يتهم بدعم الإرهاب ...

أردت أن أقف أمام خلطة التصريحات التي تختلط فيها الأصوات والألحان والدلالات كما يقولون ولكن شعرت أن المداخل ضيقة وأن المخارج أضيق وأن الموقف يحتاج إلى من هو أشد لحيين مني يلوكه كما تقول العرب . وتذكرت على الفور قبقاب عرس جدتي المرصع بالصدف بارتفاع أربعين سم . وكيف كنا نلبسه ونحن صغار ونعبث به ولكن كثيرا ما نسقط على الأرض فتوقفت عن الكتابة حذر السقوط من هذا المرتقى الذي هو حق للآخرين وعليهم ...

أتذكر كم كان يتهلل وجه جدتي حين نطلب إليها أن تحكي لنا حكاية القبقاب وكيف لبسته وماست فيه بين الصبايا وأقول بعض المواقف الدقيقة الحرجة تحتاج إلى مباشرة العروس ذات القبقاب الأعلى حتى يسمع منها ويفهم عنها ودائما تعود ناسنا أن ينادوا : يا كحلا من فمك أحلى ..

أظن أن أكثر كلمة فرح بها بوتين وروحاني هي قول السيد أردوغان حسب قناة الجزيرة أيضا : هناك وقف لإطلاق النار يجب أن يحافظ عليه النظام السوري.

هذه " اليجب " يدفع ثمنها بوتين وروحاني وبشار الأسد الكثير وأكثر من الكثير .

____________

* مدير مركز الشرق العربي

=============================
ثلاثي سوتشي في اجتماع جديد

  بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 14/2/2019

تنعقد القمة الروسية – التركية – الإيرانية مجدداً في شروط تغيرت، إلى حد كبير، في الصراع السوري، أهمها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قواته من سوريا، ذلك القرار المثير للجدل الذي أعاد خلط الأوراق، وجعل جميع القوى المنخرطة في الصراع السوري تعيد حساباتها وفقاً للوحة جديدة سيغيب عنها الأمريكيون.

ثمة ملفات سورية عدة ستكون على طاولة المباحثات بين الرؤساء الثلاثة، هي مستقبل الوضع في إدلب، ومستقبل شرقي نهر الفرات بعد الانسحاب الأمريكي المتوقع، بما في ذلك مصير قوات سوريا الديمقراطية ومناطق الإدارة الذاتية التي تسيطر عليها، وأخيراً موضوع اللجنة الدستورية التي يقال إن تشكيلها قد تم، بصورة أولية، بانتظار توافق القادة الثلاثة عليها.

كذلك لا يمكن إغفال تزامن موعد انعقاد القمة مع انعقاد اجتماع دولي في وارسو، بدعوة من الولايات المتحدة، موضوعه مواجهة إيران وتشديد خناق الحصار عليها. وبهذا المعنى يمكن القول إن ثلاثي سوتشي يقف على طرفي نقيض مع أجندة الولايات المتحدة الهادفة إلى محاصرة إيران وتقويض نفوذها الإقليمي. سيجد الرئيس الإيراني حسن روحاني متنفساً في سوتشي بين دولتين صديقتين سبق وأعلنتا رفضهما لمقاطعة إيران من خلال الرضوخ لنظام العقوبات الاقتصادية المفروض من واشنطن.

لكن هذه البيئة الودية لا تعني أن الشركاء الثلاثة هم «سمن على عسل» على طول الخط، وخصوصاً في سوريا. فمنظور كل من الدول الثلاث للصراع في سوريا يختلف عما لدى الشريكين الآخرين. بل إنه كلما اقترب اللاعبون من خط النهاية المفترض ظهرت إلى السطح الخلافات العميقة بينهم. وكما كان غياب التوافق الدولي سبباً لانعدام القدرة على وضع نهاية للصراع السوري، في مسار جنيف، كذلك قد يكون غياب التوافق بين شركاء سوتشي الثلاثة سبباً مماثلاً، وإن كان ذلك تحت غطاء خادع من التوافق بينهم.

ويمكن تقسيم المسائل الخلافية بين الشركاء إلى تلك التي تخص الشمال السوري، عن أخرى تخص الجنوب. ففي الشمال لدينا العامل البارز هو تركيا التي لديها هواجسها الكردية وطموحاتها التوسعية التي لا تتطابق مع مصالح وتطلعات شريكتيها. في حين أن العامل البارز في الجنوب هو إسرائيل وهواجسها الأمنية وموقفها من الوجود الإيراني.

التخلص من الشريك الإيراني المنبوذ دولياً يناسب طموح بوتين في التفرد بمصير سوريا، وربما من شأن إخراج إيران من سوريا أن يمنح بوتين هامش عمل أوسع مع تركيا بما يزيد من إبعادها عن حلف الأطلسي

لعل «الوجع التركي» العاجل يتركز، حالياً، على محافظة إدلب وجوارها حيث بسطت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) سيطرتها الميدانية على معظم تلك المناطق التي من المفترض أن تركيا تضمنها، وفقاً لاتفاق سوتشي في أيلول 2018، لإقامة منطقة منزوعة السلاح، تضمن إعادة الحياة للطريقين الدوليين حلب ـ دمشق، وحلب – اللاذقية. وهو ما تضغط موسكو على أنقرة لتحقيقه، في حين ليست الأخيرة في وارد فتح معركة عسكرية ضد هيئة تحرير الشام. من الصعوبة بمكان أن يخرج من اجتماع سوتشي حل لهذه المعضلة غير الحل العسكري الروسي المؤجل. ما الذي يمكن لروسيا أن تعطيه لأنقرة مقابل تخليها عن إدلب لمصلحة النظام الكيماوي؟.

الشائع في التوقعات هو صفقة منبج مقابل إدلب. لكن منبج ليست في يد روسيا ليتسنى لها إتمام صفقة مماثلة، بل هي في يد الأمريكيين والفرنسيين و«قسد». فهل يحصل أردوغان على مهلة إضافية أم يوافق صاغراً على حل مشكلة إدلب على الطريقة الروسية؟ مع العلم أن الورقة الوحيدة في يد تركيا للحصول على تأجيل جديد لعمل عسكري روسي – أسدي في إدلب، هي ورقة الخوف من موجة نزوح جديدة وكبيرة باتجاه الأراضي التركية. ولا يمكن لروسيا أن تقدم ضمانات لتركيا بعدم حدوث ذلك إلا بالتخلي عن الخيار العسكري. وفي هذا الموضوع يجد أردوغان دعماً من الأوروبيين، هذا ما حصلت عليه أنقرة من الاجتماع الثلاثي الذي انعقد في إسطنبول، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وضم، إلى أردوغان، كلاً من الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل.

المرجح، في ظل هذه الشروط أن يتوافق ثلاثي سوتشي على استمرار الوضع في إدلب على ما هو عليه، بانتظار تغير الشروط الحالية.

أما موضوع ملء الفراغ الذي سينتج عن الانسحاب الأمريكي، فهو موضوع خلافي بين الشركاء الثلاثة. وقد اقترح بوتين على أردوغان، في اجتماعهما قبل أسبوعين، العودة إلى تفعيل اتفاقية أضنة التي تعطي تركيا الحق في ملاحقة قوات حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية بعمق 5 كلم. لكن هذا التفعيل يقتضي تطبيعاً للعلاقات بين أنقرة ونظام دمشق. للمرة الأولى تحدث الرئيس أردوغان بنفسه عن وجود اتصالات مع النظام «بمستوى منخفض»، وذلك بعد عودته من موسكو بأيام قليلة. وإذا صح خبر زيارة قام بها رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك إلى مدينة أنطاليا للقاء نظرائه الأتراك، يكون هذا التسريب، بحد ذاته أي بمعزل عن صحته من عدمها، نوعاً من تمهيد الجو لعلاقات «بمستوى أعلى» كما ترغب موسكو. على أي حال، ثمة بعض الوقت قبل إتمام الانسحاب الأمريكي، ليرتب الشركاء الثلاثة أمورهم لمواجهة الفراغ الذي سينشأ في شرقي الفرات.

أما في الجنوب، فالسائد هو صراع إسرائيلي – إيراني على الأراضي السورية، مع موقف روسي ملتبس يغض النظر عن ضربات إسرائيل للمواقع الإيرانية، في الوقت الذي تعمل موسكو بشراكة معلنة مع إيران، وتحميها من الضغط الأمريكي. هناك تكهنات كثيرة حول اقتراب موعد انفجار الشراكة الروسية – الإيرانية في سوريا. فلا شك أن التخلص من الشريك الإيراني المنبوذ دولياً يناسب طموح بوتين في التفرد بمصير سوريا، وربما من شأن إخراج إيران من سوريا أن يمنح بوتين هامش عمل أوسع مع تركيا بما يزيد من إبعادها عن حلف الأطلسي. وكذلك يكون قد استجاب لطلب واشنطن بإخراج إيران من سوريا. أما هل تملك روسيا القدرة على ذلك فهذا هو التحدي الحقيقي الذي لن يخوضه بوتين إلا بإبرام صفقة عزيزة المنال مع واشنطن.

يبقى موضوع اللجنة الدستورية. من المحتمل أن يخرج القادة الثلاثة من اجتماعهم ليعلنوا هذا «الإنجاز» الذي لا يعني بحال أن الحل السياسي بات قريباً. بل فقط لإظهار أنهم عملوا شيئاً.

==========================


لماذا يتجاهل ترامب سوريا تماماً؟

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 13/2/2019

من المحق القول أن الرئيس ترامب وإدارته تمتلك خطة سياسية تجاه إيران يطلق عليها اليوم "The Maximum Pressure"، أي "أقصى درجات الضغط"، هذه السياسة تتجلى في حصار إيران اقتصاديا ومعاقبتها على أفعالها في سوريا ولبنان واليمن، لكن ترامب لا يمتلك أية سياسة تجاه سوريا، بالنسبة له سوريا ملحقة بإيران وعقاب إيران يعني ضمنا معاقبة سوريا، سوريا بالنسبة له كلها "موت وصحراء" لا تستحق حتى تطوير استراتيجية لها أو حتى الاكتراث لأرواح آلاف المدنيين الذين ماتوا ويموتون هناك، سيما أن لا فائدة اقتصادية أو منفعة استثمارية ستعود على الولايات المتحدة من هذا البلد الفقير المعدم الذي يحكمه نظام رئيسه "حيوان".

وعلى ضوء ذلك يشعر النظام في سوريا بالراحة قليلاً أنه ليس المستهدف أو أنه في الحقيقة لا يمثل شيئا يستحق أن يستهدف من أجله لا اليوم ولا في المستقبل، دولة فاشلة وستبقى كذلك على مدى العقود القادمة، لا قدرة لها على إطعام شعبها أو ما بقي منهم ولا قدرة لها على السيطرة على حدودها، كل مواردها الضعيفة ستستخدمها في قتل ما تبقى معارضاً داخل الحدود السورية الافتراضية، نهاية مؤلمة لثورة عظيمة أرادت يوما ما أن تغير خارطة المشرق العربي للأفضل فانتهت إلى ما هي عليه اليوم.   

لم تختلف سياسة ترامب عن أوباما فيما يتعلق بسوريا، فمنذ أن جاء الرئيس ترامب إلى السلطة في يناير كانون الثاني عام 2017 لم يلق أي خطاب رئيسي عن المأساة السورية

لم تختلف سياسة ترامب عن أوباما فيما يتعلق بسوريا، فمنذ أن جاء الرئيس ترامب إلى السلطة في يناير كانون الثاني عام 2017 لم يلق أي خطاب رئيسي عن المأساة السورية، بل على العكس من ذلك حملت كل جمله وعباراته الخوف من التورط في الأزمة السورية بسبب تعقيدها وبسبب التدخل الروسي هناك، ولذلك أكد أكثر من مرة أن الأولوية هناك هي لمحاربة التنظيمات المتطرفة مثل داعش والقاعدة وغيرهم، وهذا هو السبب في أنه ليس من المُستغرب أن يقترح عدة مرات خلال حملته الانتخابية التنسيق مع روسيا من أجل "إنهاء" الأشرار هناك.

ثم تلى ذلك تصريحه العجيب خلال اجتماعٍ لحكومته كي يؤكد سحب القوات الأمريكية من هناك "لأنه لا شيء هناك سوى الصحراء والموت" ليظهر بشكل أو بآخر مدى "شغفه" بالمسألة السورية أو اهتمامه بها، صحيح أن روسيا موجودة اليوم في سوريا وبقوة وهو لا يريد الصدام معها بأي شكل من الأشكال لأسباب من الصعب فهمها وعلينا الانتظار حتى نرى تقرير مولر الذي من المفترض أن يكشف خبايا العلاقة بين ترامب وروسيا. فعندما أصبح ترامب رئيسا بقيت نفس القضايا في سوريا كما كانت في عام 2016 مع الفارق الوحيد أنه وبشكل رسمي جرى فتح تحقيق جنائي فيما يسمى "التواطؤ" بين روسيا وحملة ترمب ودور روسيا في التدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016؛ وفي وقت لاحق، عيّنت وزارة العدل مولر مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق ليكون المستشار الخاص لقيادة التحقيق في هذه المسألة.

جرى فتح تحقيق جنائي فيما يسمى "التواطؤ" بين روسيا وحملة ترمب ودور روسيا في التدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016

وبالتالي فإن أي خطوة للرئيس ترامب باتجاه روسيا سوف تكون عكسية هنا في السياسة الأمريكية الداخلية، وربما تؤخذ ضده بشكل دائم.

أدى استخدام حكومة الأسد للسلاح الكيماوي في خان شيخون في شباط / فبراير 2017 إلى ظهور ترامب آخر مختلف عما كان عليه في الحملة الانتخابية، صحيح أن السبب في أنه كان عليه أن يفعل ذلك هو أن يميز نفسه عن "الخط الأحمر" الشهير للرئيس السابق أوباما الذي لم ينفذ وعوده أبداً، فإعادة استخدام الأسد للسلاح الكيماوي مجدداً في دوما بعد عام تقريبا من استخدامه للسلاح الكيماوي في خان شيخون استلزم رداً عسكريا آخر من قبل الرئيس ترامب، هذا الرد كان أوسع لكنه كان محدوداً أيضا لدرجة أنه لم يوصل أية رسالة سياسية والأهم ينم عن غياب كامل للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وفي سوريا تحديداً، وهو ما جعل روسيا تستقبل هذه الضربة بوصفها حفظاً لماء وجه القادة الثلاث، فترامب وعد بأن يكون مختلفاً عن أوباما في تنفيذ الخط الأحمر، والرئيس الفرنسي ماكرون الذي كرر أكثر من مرة أن فرنسا سترد ولو كانت وحيدة على تجاوز الخط الأحمر متمثلاً في استخدام الأسد للسلاح الكيماوي ، ولذلك وبمجرد انتهاء الضربة عاد ترامب لتغريداته ضد أعدائه "الديمقراطيين" وخاصة التحقيق الذي يقوده مولر، وعاد الرئيس الفرنسي لحل مشكلة فرنسا المستعصية مع البطالة وإضرابات التي لا تتوقف، أما رئيسة الوزراء البريطانية فعادت للبحث عن حلول لمشاكل بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، أما الأسد فعاد في استراتيجيته المتمثلة في الاعتماد على روسيا في سحق المعارضة عسكريا مع الترديد الأجوف بالحل السياسي ومهما كانت التكلفة أو الثمن بحق المدنيين الذي لا وجود لهم في الحسابات الروسية أو السورية أو في أحسن الأحوال يتم تهجيرهم أو طردهم من بيوتهم .

بمجرد انتهاء الضربة عاد ترامب لتغريداته ضد أعدائه "الديمقراطيين" وخاصة التحقيق الذي يقوده مولر، وعاد الرئيس الفرنسي لحل مشكلة فرنسا المستعصية مع البطالة

صحيح أن المفهوم الأمريكي لسوريا يبدو مختلفا تماما عن المفهوم الروسي لسوريا المفيدة التي أشار لها الرئيس الروسي بوتين، فالمفهوم الأمريكي تحت إدارة ترامب يعتمد بشكل رئيسي على مبدأ عدم الاكتراث، وأن تحقيق النصر ضد داعش كافٍ بالنسبة للإدارة الأمريكية التي تنهكها الخلافات الداخلية وتعصف بها الفضائح المحلية من مثل تحقيق FBI  بعلاقة حملة ترامب الرئاسية بروسيا والاستقالات المتكررة من قبل المسؤولين داخل الإدارة الأمريكية، وبالتالي فلا تجد الإدارة الأمريكية لا الوقت ولا تستشعر بالجدوى في توفير الموارد السياسية أو المالية من أجل الدفع بعملية الانتقال السياسي في سوريا قدماً.

==========================

بين الدولة والأسرة

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 13/2/2019

بدأ مفهوم الدولة في أوروبا ينفصلُ عن مفهوم الحاكم، سواءٌ أكان ملكاً أم قيصراً أم أميراً، بشكل تدريجيّ بعد ثورة البرلمانيين الإنكليز عام 1688 المسمّاة الثورة المجيدة (Glorious Revolution)، وبدأ معها إعلان الحقوق، الذي أصدره البرلمان الإنكليزي في العام التالي، يأخذ مفعوله في تحرير الدولة من وحدتها مع الحاكم، فقد نصّ هذا الإعلان على اعتبار أنّ حق الملك بالتاج مستمّدٌّ من الشعب الممثل بالبرلمان وليس من الله، وأنّه ليس للملك وقف تنفيذ القوانين أو إلغاؤها أو إصدارها دون موافقة البرلمان، كذلك الأمرُ بالنسبة للضرائب وتشكيل الجيش وإعلان الحرب. ثم أتت الثورة الفرنسيّة لتنشر مبادئها عبر أوروبا وأميركا ثم العالم بأكمله.

لقد كان لانفصال مفهوم الدولة عن شخص الحاكم، أكبر الأثر في تطوّر المجتمعات الغربيّة، فهذا الانفصال كان نتيجة حتميّة لتغيّر طبيعة علاقات الإنتاج التي بدأت تنتقل من مرحلة الزراعة والإقطاع، إلى مرحلة الصناعة ورأس المال، وكان -الانتقال- أيضاً سبباً في تعزيز سلطة الحكّام الجدد الذين بدأوا يشعرون بقدرتهم على الحكم مباشرة باسم الشعب لا باسم الله، ولا ضير من أن يأخذ الناسُ

تغيّر شكل الأسرة وتغيّر دورها في المجتمع وتغيّرت مسؤولياتها بالنتيجة، تغيّرت كذلك العلاقات الاجتماعيّة بين الناس بعضهم البعض، وبين الناس وأجهزة الدولة ذاتها

بعضاً من حقوقهم، في معرض استلام أصحاب رؤوس الأموال زمام السلطات، فقد ثبت لهم بالتجربة وعاماً بعد عام، أنّ هذا الأمر سينعكس بشكلٍ إيجابي بلا أدنى شك على مستوى الإنتاج ذاته.

أدّى هذا التحوّل عبر عشرات السنين، إلى تغييرات كبيرة في بنية المجتمعات الغربيّة، فتغيّر شكل الأسرة وتغيّر دورها في المجتمع وتغيّرت مسؤولياتها بالنتيجة، تغيّرت كذلك العلاقات الاجتماعيّة بين الناس بعضهم البعض، وبين الناس وأجهزة الدولة ذاتها. لقد بدأت تتقلّص مسؤوليات الأسرة شيئاً فشيئاً، وبالمقابل بدأت تزداد مسؤوليات الدولة والأعباءُ الملقاة على عاتقها.

لفهم نموذج الأسرة الأوروبيّة ومسؤولياتها الكبيرة قبل قرنين أو ثلاثة، يمكننا أن ننظر إلى الأسرة في دول العالم الثالث بكلّ بساطة. في أي بلد من بلداننا، تتحمّل الأسرة مجتمعة، وبالدرجة الأولى الأب ومن ثمّ الأم أي العنصر المنتج فيها، مسؤولية تأمين أسباب الحياة كلّها. ويمكن اختصار هذا الأمر بما شرحه فقهاء الشريعة الإسلامية في معرض تفسيرهم للنصوص المتعلّقة بالنفقة، فيتوجّب أن تتضمّن تأمين احتياجات المرء من الغذاء والدواء والكساء والإيواء، وهذا ما تتعهّد بتأمينه وتؤمّنه فعلاً الدولة الحديثة في أوروبا حالياً عند عجز الإنسان عن العمل.

تتلخص احتياجات الإنسان، حسب الرسم البياني الذي قدّمه العالم أبراهام ماسلو في بحثه المسمّى "نظريّة الدافع البشري"، في الاحتياجات الفيزيولوجية من مأكل ومشرب ومسكن، واحتياجات الأمان من استقرار وصحّة، والاحتياجات الاجتماعية المتعلّقة بالأسرة والصداقة، والحاجة للتقدير والاحترام من الآخرين واحترامهم، والحاجة لتقدير الذات.

يمكننا ببساطة القول: إنّ الدولة في المفهوم الاجتماعي التكافلي الحديث قد أمّنت للإنسان، أيّ إنسان مقيم على أراضيها وتحت سيادتها – وليس للمواطن فقط – كلّ الاحتياجات الأساسيّة حسب هرم ماسلو، كما يمكننا القول بكلّ ثقة إنّها -الدولة الحديثة – قدّ وفّرت للإنسان بلا أدنى شك أسباب إشباع الحاجة لتحقيق الذات، التي تتربّع على قمّة هذا الهرم، أي القدرة على الإبداع والابتكار وقبول الاختلاف والحقائق.

بينما في بلدان العالم الثالث، لم يعهد الناسُ التعامل مع الدولة ككيان إيجابي أبداً، لقد كانت الدولة وما زالت، رمزاً للسلطة وجهازاً للقمع وجابٍ للأموال، لم تتشكّل في أذهاننا للدولة صورة أخرى غير تلك. الدولة هي القادرة على احتكار العنف وممارسته، هي القادرة على كتم الحريّات والمعتقدات، هي القادرة على بناء السجون وتعليق المشانق، هي القادرة على مصادرة الأملاك أو استملاكها بأبخس الأثمان، هي رمزٌ لكلّ ما هو جبريّ وواجب على الإنسان القيام به. بينما لا يدخل في مفهوم الدولة خدمة المواطن أبداً، فليس ثمّة مواطن في الدول المحكومة بالاستبداد، هناك رعايا فقط، والرعايا يقبلون بما يمنّ عليهم به الراعي، والراعي مازال يحكم باسم الله، وفي بعض البلدان ينصّب نفسه مكان الإله.

لتعويض هذا النقص في تلبيّة الاحتياجات، يتضخّم دور الأسرة في مجتمعاتنا، فيصبحُ كلُّ جيل عالةً على الجيل الذي يسبقه، ولا يستطيع أفرادُ أية طبقة من طبقات الآباء أو الأبناء أو الأحفاد، العيش لتحقيق احتياجاته وتطلعاته الذاتيّة، بل نجد كل فئة من هذه الفئات، تعمل لتحقيق الحدّ الأدنى لاحتياجات الفئة المسؤولة عنها. فعلى سبيل المثال، يتوجّب على أي أب أن يؤمّن لأسرته إضافة إلى المسكن والمأكل وأسباب الرعاية الصحيّة، أسباب استكمال التعليم حتى أعلى درجاته الجامعيّة، كذلك عليه أن يتعهّدهم بالرعاية والإنفاق خلال فترة العطالة المطلقة المتمثّلة في الخدمة العسكريّة الإلزامية (خدمة العلم)، ثم عليه أن يؤمّن لهم أسباب مباشرة الحياة، أي مورد الرزق، فيساعدهم على إيجاد فرصة العمل أو الحصول على الوظيفة، ثم يتوجّب عليه أن يؤمن لهم أو يساهم بدور كبير على الأقل في مشاريع زواجهم، وهذا يتطلّب بالضرورة أن يساهم في تأمين المسكن وما يستلزمه من فرش واحتياجات ضروريّة أخرى. تتكرّر هذه الدورة الحياتيّة وتتابع بين الأجيال المختلفة، فلا الأجداد عاشوا ليحققوا احتياجاتهم ولا تيسّر ذلك للآباء، ولن يتيسّر للأبناء ولا للأحفاد.

يأتي هذا الحصادُ النهائي من حيث النتيجة، على شكل سلوكيّات اجتماعيّة تؤطر حياة الأفراد في مجتمعاتنا، فتتقلّص مساحة الحريّة الفرديّة بالضرورة لصالح مساحة العمل الجماعي المتمثّل في نظام الأسرة، فنجد الكثير من الاختلاف بين طبيعة الفرد في المجتمعات الغربية وبينها في مجتمعاتنا. الأب في الأسرة الغربيّة ليس إلهاً، ويمكن بكلّ بساطة الاستغناء عن دوره المادي في حال أراد أن يفرض سيطرته وآراءه وطريقة عيشه على الزوجة والأبناء، بالأساس لا تسمح مجمل الظروف الاقتصاديّة والاجتماعية ومجموعات القوانين والقيم السائدة لذلك أن يحدث.

بالمقابل، يتمتّع الأب في الأسرة عندنا بدور محوري لا غنى عنه، لذلك تترتّب له صفات وسلطات تتناسب ومسؤولياته الجمّة. من هنا يُطلق عليه باقتدار وصفُ ربِّ الأسرة، وهذه الصفة المُستنسخة من صفات الإله، تمنحه الكثير من الحضور المعنوي والسلطة الفعليّة المتحقّقة على أرض الواقع. يستطيع الأب – والأم بدرجة أقلّ مباشرة وأكثر مواربة – غالباً أن يقرر شكل حياة الأبناء، فإمّا أن يتابعوا الدراسة أو أن ينخرطوا في سوق العمل مباشرة. كذلك يستطيع أن يختار للأولاد شركاء حياتهم، أو على الأقل أن يعطّل اختيارهم أو يدفع باتجاه تبنّي اختيار ما، دوناً عن غيره.

بينما لا يستطيع الأب ولا تستطيع الأم في الأسرة الغربيّة – غالباً – التدخّل في اختيارات الأولاد هذه، فمساحة حياة الفرد هنا أكبر من مساحة حياة الجماعة، وقرار الفرد هنا وشخصيّته لا يمكن الاستحواذ عليها من قبل الأسرة أو غيرها من مؤسسات المجتمع. يتربّى الفرد هنا أساساً على الحريّة والفرادة والتألّق، فهو يشعر منذ الولادة بأنّه كائنٌ كامل الأركان وليس بحاجة لتكملة شخصيّته من قبل كيان خارجي أياً كان.

تحمل دولة المواطنة والتكافل الاجتماعي في مفهومها الغربي الحديث، الكثير من الأعباء الأساسيّة التي لا غنى عنها لاستمرار الحياة. تفرض الدولة من خلال قوانينها، احترام الحدّ الأدنى من الأجور، الذي يفي بغرض تأمين حياة كريمة آمنة لأي إنسان يعيش على أراضيها، كما تلتزم الدولة أساساً بتأمين البنى التحتيّة والمرافق العامّة اللازمة للإنتاج، وبالتالي توفّر فرص العمل لجميع الناس، كما تلتزم الدولة بتوفير أسباب تطوير قدرات الأفراد لتأهيل أنفسهم للانخراط في سوق العمل، وتؤمّن فوق ذلك كلّه أسباب العناية الجسديّة

الأسرة لبنة من لبنات المجتمع في دول المواطنة الحديثة، لها مساحتها المتوازنة مع دورها الوظيفي، بينما تشكّل وتحتلّ الأسرة في مجتمعات الدول المتخلّفة المحكومة بالديكتاتوريّات، أكبر من حجمها الطبيعي بكثير، بل تكاد تبتلع المجتمع بأسره

والنفسيّة، من خلال برامج التأمين الصحي والرعاية الطبيّة والعناية بالأطفال والمسنّين، كما من خلال برامج التأمين التقاعدي المكفولة بصناديق الدولة السياديّة. يتمّ ذلك كلّه من خلال نظام ضريبي متوازن ومن خلال عمليّة تخلو من شبهات الفساد والمحسوبيّات إلى أقصى درجاتها الممكنة.

بينما تتحمّل الأسرة في مجتمعاتنا العالم ثالثيّة هذه المسؤوليات، ويضيع الناتج الفردي، ضمن صحراء المتطلّبات الحياتيّة التي لا ترتوي، كما يضيع الناتج القومي للدول، ضمن وديان الفساد الهائلة، في سبيل تأبيد طغيان الاستبداد من حيث النتيجة والمحصّلة النهائيّة.

الأسرة لبنة من لبنات المجتمع في دول المواطنة الحديثة، لها مساحتها المتوازنة مع دورها الوظيفي، بينما تشكّل وتحتلّ الأسرة في مجتمعات الدول المتخلّفة المحكومة بالديكتاتوريّات، أكبر من حجمها الطبيعي بكثير، بل تكاد تبتلع المجتمع بأسره، خاصّة عندما ننظر إلها بمفهومها العائلي الأوسع، الذي يتداخل مع مفهوم العشيرة والقبيلة أكثر فأكثر، خاصّة كلّما اتجهنا إلى المناطق الريفيّة.

خلاصة القول، إنّ التداخل في بنية الأسرة ووظائفها مع بنية الدولة ووظائفها، لا ينقطع ولا يتوقّف، لكن ما يرسم حدوده وآفاقه وأشكال تجلّيه النهائية، هو طبيعة الحكم السياسي السائد بكلّ تأكيد، فكلّما اتسعت مساحة الحريّات العامّة والسياسية منها خاصّة، ومساحة مشاركة الناس في اختيار ممثليهم وحكّامهم، كلّما تقلّصت الحاجة لبناء مجتمع موازٍ ودولة مصغّرة تتمثّل في الأسرة، وكلّما قلّت أسباب هذه المشاركة، وانعدمت حريّات الأفراد، وتقلّصت مساحات وجودهم وحضورهم وإبداعهم، كلّما تغوّلت الدولة وتقلّص المجتمع وتفاقمت مسؤوليات الأسرة لتعوّض النقص وتسدّ الفراغ.

==========================


"قيصر" أداة تحتاج إلى استراتيجية في سوريا

علي حسين باكير

سوريا تي في

الثلاثاء 12/2/2019

في شهر كانون الثاني الماضي، صوت مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا للعام ٢٠١٩، وفي الأسبوع الأول من الشهر الحالي، قام مجلس الشيوخ بالتصويت على مشروع القانون بصفته جزءاً من حزمة تتضمن مشروعين آخرين كذلك ضمن قانون تعزيز أمن الولايات المتّحدة في الشرق الاوسط.

ويسمح قانون قيصر بفرض عقوبات على من يدعم نظام الأسد ويتعامل معه من الناحية الاقتصادية والمالية بما في ذلك عمليات التمويل، والمشاركة في عملية إعادة الإعمار، ودعم قطاع الطاقة والطيران وتأمين قطع الغيار.. إلخ. كما يفرض القانون عقوبات على الأجانب العاملين كمتعاقدين عسكريين أو في ميليشيات تقاتل لصالح نظام الأسد أو نيابة عنه على الأرض في سوريا.

وفي ظل النقاش الجاري حول مدى أهمية هذا القانون لناحية التوقيت والمضمون، ومدى فعاليته أيضا حال تطبيقه ضد نظام الأسد، هناك بضعة ملاحظات لا بد من أخذها بعين الاعتبار. القانون مهم جداً وضروري ومطلوب، لكنّه متأخر جداً قياساً بالتطورات التي تشهدها الساحة السورية وبالمسافة التي قطعها نظام الأسد وداعموه في عملية التعويم وإعادة التطبيع. وبالرغم من ذلك لا يمكننا إلا أن نثني على القانون لأنّه من الممكن له أن يكون ورقة ممتازة في الملف السوري.

لكن في المقابل، من المهم التذكير بأنّ مراحل نفاذ هذا القانون لم تكتمل بعد وهو يحتاج إلى

تكمن أهمية القانون كذلك في إمكانية استخدامه كأداة ضغط ليس على نظام الأسد وحسب وإنما على داعميه أيضا لاسيما إيران وروسيا

توقيع الرئيس الأمريكي في المرحلة النهائية. وكما أصبح معلوماً، فإن كل ما يتعلق بالرئيس ترمب لا يمكن المراهنة عليه إلا بعد التأكد من صدوره ومتابعته، وبالتالي فإن جزءً من الحسابات المتعلقة بهذا القانون يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه النقطة بالتحديد عند الحديث عنه.

تكمن أهمية القانون كذلك في إمكانية استخدامه كأداة ضغط ليس على نظام الأسد وحسب وإنما على داعميه أيضا لاسيما إيران وروسيا. هناك من يشير إلى أنّ إقرار القانون بحد ذاته هو رسالة مهمّة ساعدت على كبح اندفاع بعض الدول العربية باتجاه عملية إعادة التطبيع، وربما تثبّط من عزيمة الآخرين الذين كانوا ينوون إتباع نفس النهج أو الأسلوب.

أمّا وقد قلنا هذا الكلام، فإن القانون لا يبدو مخصصاً لمحاسبة الأسد أو الإطاحة به، وكونه مجرّد قانون لا يكفي لكي يكون رادعاً أو فعّالاً بذاته، فنظام الأسد استطاع تجاوز الكثير من قوانين العقوبات الأمريكية والأوروبية والدولية التي تمّ إقرارها حتى اليوم، ولذلك لا بد أنّه سيسعى مع حلفائه إلى طرق للالتفاف لاحقاً حوله. البعض يشير إلى أنّ القانون سيجعل من عملة تعويم نظام الأسد أو عملية التطبيع معه أمراً مستحيلاً وهو تقييم غير دقيق في أحسن الأحوال، ذلك أنّ القطع بصحة

خلال السنوات الماضية قامت العديد من الدول الصديقة والحليفة للولايات المتّحدة بخرق العقوبات دون أي رادع بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة

هذا الأمر سيرتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفية تطبيق القانون لاحقاً، فإذا تمّ تطبيقه بشكل وثيق، عندها من الممكن الحديث عن هذا الأمر، لكن حتى حينه فالأرجح أنّه لن يحمل معه هذه القطعية.

الأمر الآخر المتعلق بهذه النقطة بالتحديد هو ذلك المرتبط بمدى توافر الإرادة لدى الإدارة الأمريكية لفرض عقوبات على حلفائها ممّن يصرون على خرق العقوبات وليس على إيران وروسيا فقط. خلال السنوات الماضية قامت العديد من الدول الصديقة والحليفة للولايات المتّحدة بخرق العقوبات دون أي رادع بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة -على سبيل المثال لا الحصر-. فبالإضافة إلى العلاقات السياسية والدبلوماسية، للإمارات الكثير من الاستثمارات في مجال المقاولات والعقار في سوريا حالياً بالشراكة مع نظام الأسد، فإذا لم تقم واشنطن بمنع حلفائها في البداية، فالغالب أنّ القانون لن يردع حلفاء النظام السوري.

في النهاية، يجب أن ننظر إلى هذا القانون باعتباره أداة للضغط على النظام وحلفائه وللحصول ربما في وقت لاحق على تنازلات منه مقابل الالتزام بعملية سياسية جادة والتوصل إلى حل سياسي مستدام في سوريا، لكن وكأي أداة، فإنها ما لم تكن جزءاً من مجموعة أوراق ضمن استراتيجية واضحة لتحقيق هذه الأهداف، لن تكون حينها ذات قيمة حقيقية. وحتى الآن لم نر أي استراتيجية جدّية لدى هذه الإدارة في التعامل مع الملف السوري، وإذا لم يتم حسن هذا الموضع قريباً، فإن مدى فعالية القانون وتأثيره على نظام الأسد سيكون مثاراً في أحسن الأحوال.

==========================

مكافحة الإرهاب

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 11/2/2019

بعد الثورة في سورية بنيف وعامين، وظهور تنظيمات الإرهاب الداعشي والقاعدي، أقنعت واشنطن نفسها أن بديل النظام الأسدي هو الإرهاب، وبقاء الأسد في السلطة ضروري، كي لا تسقط سورية في أيدي إرهابيين، سيفتكون بمواطني الغرب وأميركا.

قبل هذا الاقتناع، كان إرهاب دولة الأسد العميقة يفتك بالسوريين، ويقتلهم بمختلف أنواع السلاح، وكان المتظاهرون السلميون يسقطون بالعشرات يوميا برصاص جيشه ومخابراته ومرتزقة ايران. أما الناجون منهم فكانوا يفضلون الموت بالرصاص، السريع والرحيم بالمقارنة مع الموت البطيء تحت التعذيب، بعد اعتقالهم.

لم تتجاهل واشنطن إرهاب الأسد، بل أطنبت في إدانته، بيد أنها تجاهلته عمليا، على الرغم من تحذير المعارضة من أن حل الأسدية الحربي، الرافض الإصلاح والحلول الوسط، سيعزّز فرصة المتشدّدين الدينيين في الاستيلاء على الشارع، وتدمير ثورة الحرية وحاملها المجتمعي، الواسع والسلمي.

وكانت واشنطن تشكّك في قدرة المعارضة على إدارة السلطة. وبما أنها جمدت رفضها الأسد، وأحجمت عن مساعدة السوريين على التخلص منه، فقد صعد إرهابه، وأمعن في قتل من يطالبون بالحرية. عندئذ، تبنّى البيت الأبيض موقف الروس حياله باعتباره رئيس نظامٍ يحارب الإرهاب، ولا بد من دعمه والإبقاء على رئيسه: لحماية الغرب.

تخلت واشنطن في مرحلةٍ مبكرةٍ عن إزاحة الأسد وتغيير نظامه، وارتاحت للموقف الروسي، لأن البيت الأبيض كان يخوض، قبل عام ونيف من الثورة السورية، مفاوضات بشأن برنامج طهران النووي، قبل خلالها ابتزاز الملالي في مسائل عديدة، منها المسألة السورية التي أخرجها من دائرة اهتمامه، بل وتراجع بضغوط إيرانية عن تعهدٍ كان قد قطعه الرئيس أوباما على نفسه في تصريحٍ معلن، التزم فيه بتسديد ضربةٍ عسكريةٍ إلى الأسدية، إذا ما استخدمت السلاح الكيميائي ضد المدنيين.

وعندما فعلت ذلك، وقتلت قرابة ألف وخمسمائة مدني في الغوطتين الشرقية والغربية، تراجع عن تهديده، لأن إيران هدّدته بوقف التفاوض حول برنامجها النووي، وقبل حلا قيل إن نتنياهو قدمه لبوتين، أن تنزعه الأمم المتحدة من الأسد، في مقابل بقائه في السلطة، واستمرار إيران في التفاوض. فيما بعد، وما أن وقع الاتفاق، حتى قال أوباما لمستشاريه: لا أريد أن أسمع كلمة واحدة بعد اليوم عن الملف السوري.

لستر عورة هذا الموقف المشين، ركّزت واشنطن على نقطتين: تضخيم إرهاب التنظيمات والفصائل وطمس إرهاب النظام الذي كان يرتكب مجازر يومية، بلغت، حسب إحصاءات الأمم المتحدة الرسمية، نيفا وأربعمائة مجزرة. والتفاهم مع الروس على تقسيم عمل لأميركا فيه حق التخطيط والإشراف، ولروسيا الحق في تنفيذ ما يتفق عليه، من دون إزعاج.

والآن: هل ارتكبت التنظيمات جرائم إرهابية؟ نعم، فعلت ذلك وبأساليب شنيعة. هل كان إرهابها هو كل الإرهاب الذي تعرّض السوريون له؟ كلا لم يكن، فقد فاق إرهاب الأسد وموسكو والإيرانيين ومرتزقتهم أي حدود وإرهاب، وأخضع الشعب المنادي بالحرية لأفتك أنواع الإرهاب، قبل ظهور داعش والقاعدة. وعندما ظهر التنظيمان، شاركاه في إبادة السوريين، كل في مناطقه، ورفضا مثله ثورة الحرية والقول بوحدة الشعب السوري، وانخرطا في قتالٍ طائفيّ الهوية شنّه النظام، مذهبي الطابع تبنّاه الجهاديون، فتك بمئات آلاف السوريين من جهة، وقوّض ثورة الحرية، ومزّق حاضنتها المجتمعية، لصالح الأسدية، من جهة مقابلة.

هل خدم السكوت عن إرهاب الأسدية الحرب ضد الإرهاب، أم شجعها على ممارسته، وتوسيع دائرة ضحاياه من العزّل والآمنين؟ وهل إنقاذ نظام إرهابي لم يتوقف عن قتل بنات وأبناء شعبه نصف قرن، ينتمي حقا إلى محاربة الإرهاب؟ وهل سيختفي الإرهاب بتجريم ضحاياه وتبرئة الإرهابي الذي قتل ملايين السوريات والسوريين السلميين، وعذّبهم وذوّبهم وجرحهم وشرّدهم؟

==========================


إيران؛ العدو الضرورة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 11/2/2019

التنافس أو التناقض أو التضاد أو حتى العداء خصائص وديناميكيات أساسية في إعطاء الحياة لون وكنه ومعنى استناداً إلى مبدأ /لا يظهر طبيعة الشيء إلا ضده/. يتجلى ذلك عندما يكون هناك قوة أو جملة من القوى تسعى ليكون مكانها أوسع أو أكثر وزناَ من قوى أخرى؛ ما يستلزم أحياناً وجود واحدة على حساب الأخرى، أو حتى إلغاء واحدة لأخرى. بعضها لا يستطيع العيش، أو لا يثبت وجوده إلا بوجود عدو؛ ما يجعل وجود العدو مبرراً لتلك القوة كي تمارس هيمنتها وسيطرتها على محيطها، والتحكم بقدر شعوبها.

لقد عاشت أميركا، ومعها أوروبا- التي اصطُلِح على تسميتها بـ "أوروبا الغربية"- على عداء للشيوعية معتبرة وجود "الاتحاد السوفيتي" خطراً مهدداً للغرب وقيمه في الحرية والديمقراطية. خلق ذلك صراعاً عاشه العالم لعقود؛ ووصل مشارف نهايته في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم مع سقوط الاتحاد السوفييتي، أو ما عُرِف بالمعسكر الشرقي.

مع نهاية ذلك الخطر المفترض كان لا بد من إبداع أو اصطناع أو حتى فبركة عدو جديد من أجل ديمومة التوتر والسيطرة والتناقض والتنافس والتضاد المولدة لحالة الهيمنة المسَلًم بها للضرورة في عالمنا البائس. كان المرشح الأفضل كعدو- ولأسباب كثيرة يطول شرحها- هو "الإسلام أو الأسلمة"؛ وكان لا بد من إيجاد حامل لذلك "البعبع" أو الشبح المخيف الجديد. وكان المرشح الأوفر حظاً لذلك هو انتفاضة تم ترتيبها على شاه إيران تجاذبها اليسار الإيراني والمد الديني. وكان التحبيذ والنصرة للمد الديني الذي كان رأس حربته الخميني، ليخرج على العالم ليس بمد ديني فقط بل بـ "دولة" كاملة ستبنى على أسس دينية تحكها ولاية الفقيه وكأنه "نبي" جديد بتعاليم وتشريعات يصدرها لها صفة //المُنزَلة// وكانت {الجمهورية الإسلامية الإيرانية}.

رأى الغرب أن ذلك يخدم هدفين رئيسين: أولهما وجود "عدو" جديد وثانيهما إعطاء مبرر

 كي تأخذ ثورة الملالي الدينية شرعنة، لابد من عداء لأميركا رأس الإمبريالية العالمية؛ فكان بداية الفعل الميداني المتمثل بحصار السفارة الأميركية لـ 440 يوما

لإسرائيل ربيبة هذا الغرب بأن تطلق على نفسها ["الدولة اليهودية"the Jewish State]. تحت هذه اليافطة أكلت الحق العربي، وفي الوقت ذاته أحيت مسلسل الدم القديم في المنطقة في صراع وتوتر لا ينتهي.

المفصل الزمني الذي أتت فيه دولة الملالي إلى منطقة فيها عصب اقتصاد العالم، وأسواقه، وبوابة ثلاث من أهم قاراته كانت نهاية العدو الشيوعي، العدو التقليدي للغرب لعقود؛ تماماً في الوقت الذي أشد ما يحتاج إليه الغرب عدوا جديدا.

 كي تأخذ ثورة الملالي الدينية شرعنة، لابد من عداء لأميركا رأس الإمبريالية العالمية؛ فكان بداية الفعل الميداني المتمثل بحصار السفارة الأميركية لـ 440 يوما، ما تسبب بخسارة مرشح للرئاسة الأميركية من الديمقراطيين ونجاح جمهوري ممثل "رونالد ريغان"؛ وكان الخروج بشعارات "الموت لأميركا". ولإثبات إسلاميتها، كان لا بد أن تكون الحاضن لتنظيم /القاعدة/ الإسلامي الإرهابي.

من جانبها، الدولة العميقة الأميركية ساعدت إيران في حربها مع العراق؛ والكل يتذكّر ما سُمَي " فضيحة الكونترا" حيث مدت أميركا –عبر إسرائيل- "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" بالأسلحة لتأجيج تلك الحرب المجنونة لثماني سنوات عجاف. كل ذلك تم رغم العداء المُعْلَن للـ "كيان الصهيوني" بلغة الملالي الجديدة.

في العراق كافأت أميركا الملالي، فأصبحوا المتحكم الأساس بتنفس العراق شيعيّاً وسنياً؛ لا فرق إلا بآلة الدعاية الخبيثة والتقية. في فلسطين، الأمر ذاته

مع بداية الربيع العربي، أطلقت إيران على ما يحدث: the Islamic rise// "النهوض الإسلامي"؛ ولكن عندما امتدت الثورة إلى سوريا أصبح الاسم الإيراني لها تماماً كاصطلاحات النظام الأسدي

بالنسبة للقضية الفلسطينية: اخترع الملالي يوماً للقدس، وشكلوا لواء قتل عسكري سمّوه "لواء القدس"؛ باختصار، سحب الملالي ملف فلسطين من الفلسطينيين والبلاد العربية؛ وهذا كان مُشتهى إسرائيل وأميركا أيضاَ. رغم أن القضية الفلسطينية لم تكن بأيدٍ أمينة أساساً، إلا أن وضع اليد الإيرانية فيها زاد في ضياعها.

في القضية السورية، ومع بداية الربيع العربي، أطلقت إيران على ما يحدث: the Islamic rise// "النهوض الإسلامي"؛ ولكن عندما امتدت الثورة إلى سوريا أصبح الاسم الإيراني لها تماماً كاصطلاحات النظام الأسدي: "مؤامرة "، "حرب على المقاومة والممانعة"، "مندسين"، أو "مؤامرة إسرائيلية أميركية".

أراد أوباما مكافأة إيران بالاتفاق "النووي". أعطاها ما تريد؛ تمددت؛ اضطر الروس المتدخلين احتلاليا بالقضية السورية إلى إشراكها في أستانا؛ أصبحت مقرراً في القضية السورية؛ مستندة إلى علاقات وصاية على نظام أورثه الأسد الأب للأسد الابن؛ كان الاحتلال أيديولوجياً، وامتد اقتصاديا؛ وها هو نائب الرئيس الإيراني "جاهانغيري يوقع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية مع نظام الاستبداد الأسدي فاقد الشرعية.

الآن، الكل يطالب بخروج إيران من سوريا. الاستثناء الظاهر "نظام الأسد" الذي يريد بقاءها علنا؛ لكن في الخفاء لا أحد يعلم ما يضمر. تراه بانتظار التأكيد الإسرائيلي: هل إذا خرجت إيران من سوريا، يبقى؟ هذا هو هاجسه. إذا تيقّن من ذلك؛ سيعرف كيف يخرجها: شركاء الجريمة أدرى ببعضهم البعض. هذا التعهد لم يصل النظام بعد؛ والاعتقاد السائد /لن يصل/. من هنا؛ تراه في أسوأ وضع يمر به منذ 2011. ها هي إيران "العدو الضرورة" يتحول إلى عبء على مشغليه؛ والأمور إلى أسوأ. أمل السوريين الخلاص من هذا الوباء. في الذكرى الأربعين للخمينية، كما نحن، شعب إيران يستحق الخلاص.

==========================

ما هو مشروع قانون قيصر؟ إمكانات الكونغرس لفرض إجراءات بشأن سوريا

تلفزيون سوريا - المركز السوري للعدالة والمساءلة

الاثنين 11/2/2019

بدأ الكونغرس الأمريكي مؤخراً بالنظر في سلسلة من مشاريع القوانين المتعلقة بالنزاع السوري. لكن في نهاية المطاف، تملك السلطة التنفيذية جُلّ سُلطة صنع القرار في مجال السياسة الخارجية. ومع ذلك، يتمتع الكونغرس أيضاً ببعض التأثير على السياسة الخارجية، مثل القدرة على المطالبة بفرض عقوبات وتخصيص أموال، بما في ذلك فرض قيود على التمويل الأجنبي والذي يمكن أن يوقّع الرئيس عليه ليصبح قانوناً. وتغطّي التشريعات الثلاثة التي نناقشها أدناه جوانب مختلفة من الإجراءات التي اتّخذها الكونغرس فيما يتعلق بالعدالة في سوريا، ولكن مع تداخل المواضيع، وفي حالة واحدة، تداخل الأحكام.

في آب/أغسطس 2018، أقرّ الكونغرس قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2019، الذي تضمّن فصلاً عن المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في سوريا. ونصّ مشروع القانون، ضمن بنود أخرى، على إجراء “وصف وتقييم…للبرامج التي تعهّدت بها حكومة الولايات المتحدة لضمان المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي ارتُكبت ضد الشعب السوري من قبل نظام الرئيس بشار الأسد، ومجموعات متطرفة عنيفة، ومقاتلين آخرين”. وفوّض أيضاً إعداد تقرير حول آليات العدالة الانتقالية المحتملة التي يمكن أن تكون مناسبة في السياق السوري وخوّل إمكانية تقديم المساعدات لإنشاء مثل هذه الآليات إذا ما تمّ اعتبارها مناسبة. وعلى غرار ذلك، فقد فوّض مشروع القانون الكونغرس بدعم الكيانات والمنظمات التي تحدّد هوية الجناة المشتبه بهم، ودعم التحقيقات والملاحقات القضائية. ولم يتم الانتهاء من أي من التقييمين حتى وقت كتابة هذه المقالة، لذلك لم يؤثرا على التشريعين التاليين.

وتم تقديم مشروع قانون ثانٍ بعنوان قانون لا مساعدة للأسد في كانون الأول/ديسمبر 2017، وصادق عليه مجلس النواب في نيسان/أبريل 2018، وبعد ذلك لم يُفلح مجلس الشيوخ في المصادقة على مشروع القانون. ولا يزال يتعيّن إعادة طرحه في الكونغرس الجديد. وقد حدّد مشروع القانون الشروط الواجب توفّرها لتمضي الولايات المتحدة في تقديم المساعدة في التعافي أو إعادة الإعمار أو تحقيق الاستقرار.

وصادق مجلس النواب على قانون قيصر لحماية المدنيين لعام 2019 في 22 كانون الثاني/يناير. كما تمت المصادقة عليه في مجلس الشيوخ كمكوّن لمشروع قانون آخر، وهو قانون تعزيز الأمن الأمريكي في الشرق الأوسط، لذا فمن المحتمل أن يتم التوقيع عليه كقانون خلال الأسابيع القادمة. ويستحدِث مشروع القانون مجموعة جديدة من العقوبات تستهدف ليس فقط الحكومة السورية، ولكن أيضاً رجال الأعمال أصحاب الروابط الاقتصادية بالحكومة أو قطاع الأمن أو البنك المركزي أو البنية التحتية التي تديرها الدولة، بما في ذلك شركات الطيران، ووكالات الطاقة، ومشاريع الإنشاءات. ولكن يمكن للرئيس استخدام السلطة التقديرية لرفع العقوبات أو إنفاذها على أساس كل حالة على حِدة بناء على أهداف سياسته الخارجية.

ويتضمن قانون “قيصر لحماية المدنيين” وقانون “لا مساعدة للأسد” أحكاماً تفرض شروطاً مسبقة ينبغي الوفاء بهاء من أجل رفع العقوبات وتوفير أموال لإعادة الإعمار، على التوالي. وتشمل هذه الشروط إنهاء استهداف المدنيين والأعيان المدنية، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين، والسماح للمراقبين الدوليين بالوصول إلى مرافق الاحتجاز، والسماح بالعودة الآمنة والطوعية للاجئين، وغيرها من وسائل الحماية المدنية. غير أن قانون “لا مساعدة للأسد” يذهب إلى أبعد من ذلك ليشمل أحكاماً تتطلب إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإصلاح القطاع الأمني ​​(بما في ذلك التدقيق والتطهير)، وإحراز تقدّم نحو تقليل الاعتماد على القوات العسكرية الإيرانية والقوات المقاتلة بالوكالة.

وعلى الرغم من أن قانون قيصر يتضمن التركيز على قضايا حقوق الإنسان، إلا أن المركز السوري للعدالة والمساءلة يوصي بأن يقوم المشرعون الأمريكيون بإجراء التعديلات التالية على كل من قانون قيصر وقانون “لا مساعدة للأسد” (إذا ما أعيد طرحه في الكونغرس الجديد):

-  في ضوء عدم اهتمام الإدارة الحالية بضمان حل سلمي للنزاع السوري، يجب على الكونغرس دعوة الرئيس بوضوح وحزم إلى دعم عملية السلام السورية بموجب أحكام قرار مجلس الأمن 2254. فمنذ أن وصل الرئيس ترامب إلى سدّة الحكم، غابت الولايات المتحدة إلى حد كبير عن عملية السلام، مما سمح لروسيا بالسيطرة على المفاوضات وتهميش حقوق الإنسان ومظالم الضحايا.

- ينبغي ألا يقتصر التشريع على “تخويل بتقديم المساعدة” فحسب، بل ينبغي أن يتضمن أيضاً تخصيص أموال للتوثيق والتحقيقات، بما في ذلك مجموعات حقوق الإنسان والآلية الدولية المحايدة والمستقلة المعنية بسوريا.

- ينبغي أن يتضمن التشريع الذي يدعو إلى عودة آمنة وطوعية وكريمة للاجئين الذين شردهم النزاع إشارة إلى أن اللاجئين يتمتعون بحق العودة إلى ديارهم، تماشياً مع توصيات المركز السوري للعدالة والمساءلة بشأن استرداد الملكيات العقارية. ومن شأن ضمان عودة النازحين إلى ديارهم بموجب إطار واضح لاستعادة الملكية أن يساعد على منع التغييرات الديموغرافية التي تقوم بها الحكومة، والأنماط الأوسع للفساد والإساءة للنازحين.

- يجب أن يقوم أي تطبيع للعلاقات أو المساعدة على تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار على إصلاح مؤسسي، بما في ذلك إصلاح قطاع الأمن. وأجرى المركز السوري للعدالة والمساءلة مؤخراً مراجعة لخمسة آلاف صفحة من وثائق أجهزة الأمن التي أظهرت أنماطاً واسعة النطاق من الانتهاكات وتدخّلات منهجية من قبل قطاع الأمن في الحياة اليومية للسوريين، والتي سيتم نشرها في تقرير قادم.

 - لا تشكّل العقوبات وحدها بديلاً كافياً للمساءلة؛ بل يجب على الكونغرس أن يتناول أشكالاً أخرى للتطبيع المحتمل بطريقة ترسل إشارة إلى مرتكبي الانتهاكات بأن الولايات المتحدة لن تدعم الحكومات التي تنتهك حقوق الإنسان.

 - على موظفي الكونغرس المكلفين بصياغة هذه التقارير حول أنماط انتهاكات حقوق الإنسان أن يفعلوا ذلك بالتشاور مع الضحايا السوريين ومنظمات حقوق الإنسان.

==========================

حضرة القاتل المحترم!

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 11/2/2019

كان صديقي يسجل رواية نادرة عن تجارب النظام الكيماوية على السجناء السياسيين عندما تعثر باسم لا ينسجم مع السياق. روى الشاهد كل شيء بالتفصيل؛ حدد الموقع في منطقة أبو الشامات بريف دمشق الشرقي، وصف الطريق والبناء والهنغارات. قبل التجربة بأيام تنطلق سيارات إلى سجن تدمر لتطلب العدد الذي تريده من المعتقلين على ذمة قضية «الإخوان المسلمين». وضمن الوقت المتاح يُعامَلون بشكل جيد ويُغذَّون بانتظام لتحسين حالتهم الجسدية كي لا تؤثر على التجربة. في اليوم المحدد يُنقَلون إلى هنغار مغلق بإحكام يسمّى «المخبر». يُجمَعون في آخره ثم يدخل عليهم أحد الضباط ويبلغهم بلطف شديد أن التحقيق مع كل منهم سيُعاد وسيُطلَق سراحهم. ثم يخبرهم، كملاحظة هامشية، أن قنبلة غاز مسيل للدموع ستُرمى بعد قليل في الهنغار، وأن عليهم أن يركضوا حينها إلى أطباق البصل القريبة في الطرف الآخر منه لتخفيف أثر الغاز.

إثر ذلك يرمي أحد المنفذين قنبلة كيماوية إلى داخل الهنغار، بعد أن يرتدي اللباس الخاص، ثم يغلق الباب من الخارج. يبدأ مفعول الغاز بعد دقيقة. فيما يراقب ضباط المخابرات وخبراء متعددون من مركز البحوث العلمية عبر نوافذ زجاجية محكمة تطل على السجناء وهم يختلجون بشدة دون أن يتمكن أي منهم من التحرك نحو البصل، ثم يتهاوون بالتتالي جثثاً ستُنقل بعد ساعات إلى حفرة جماعية.

روى الشاهد كل شيء. ولأنه منشق حدد الضباط المسؤولين بدقة إذ كان يعرفهم بشكل جيد؛ أسماءهم، رتبهم، تنقلاتهم، أصولهم، سماتهم، مصائرهم. شخص واحد بقي محل التباس؛ وهو أحد خبراء مركز البحوث، متخرج في أوربا الغربية، من عائلة دمشقية عريقة، شارك في بعض التجارب.

وكان علينا أن نبحث عنه.

تطابق الاسم الذي استطاع الشاهد تذكره مع اسم أستاذ دكتور في أحد أقسام كلية الهندسة بجامعة دمشق. بدا عالماً محترماً، باختصاص بعيد عن السلاح الكيماوي، ولم يرد في سيرته الذاتية أنه عمل في مركز البحوث، ولم نستطع الحصول على صورة له ليراها الشاهد الذي كان يعصر ذاكرته ويعيد تأكيد الاسم علينا كل مرة.

أما العائلة فكانت كتيمة. لا مع الثورة ولا مع النظام. من الصامتين الذين ربما غادروا البلد بهدوء عندما «تسوء الخدمة». خلا أسرة صغيرة استطعنا الوصول إليها بما يشبه الصدفة، كانت قد فقدت أكبر أبنائها بعد اعتقاله، لسبب غير مفهوم، من أحد شوارع دمشق ذات يوم من أواخر 2012. كان شاباً وسيماً بجسم رياضي، كما بدا في الصور. حاول إخوته وأخواته ما يستطيعون من تسخير وساطات ودفع رشاوى لمعرفة مصيره الذي وردت بشأنه أنباء متضاربة، حتى فاض بهم الكيل وخرجوا من سورية وجاهروا بتأييدهم للثورة.

إنهم ضالتنا إذاً! بدأنا التواصل لمفاتحتهم بهدفنا الغريب: هناك شبان ورجال، عزيزون كشقيقهم الأثير، قُتلوا ببرودة دم وحشية، بمشاركة قريبهم الأكاديمي على الأرجح. فهل يمكن أن نعرف عن مسيرته أكثر؟ وهل نجرؤ على طلب «خيانة العائلة» وتزويدنا بصورة له؟!

تولت الشقيقة الكبرى الرد على أسئلتنا. وبالتدريج راحت تفقد هدوءها الظاهر. صُدِمتْ بالشهادة لكنها أصرّت أن العم كما تعرفه شخص راقٍ ومتدين ولا يمكن التخيل أنه الشخص المذكور فيها. اعترفت أنه عمل في مركز البحوث بالفعل لكنه كان «موظف عادي». وبدأت بالأسئلة الشكاكة: «هل هناك خطأ في الاسم أو الكنية؟ هل يفتري الشاهد؟ هل حرّضه النظام على تشويه سمعة العائلة المحسوبة على الطبقة السياسية في الخمسينات؟». حتى أخذت ترفض الإجابة وقطعت تواصلها معنا.

هاجر الشاهد. وتوفي العم خارج البلاد التي غادرها دون أن «ينشق» أو يتكلم. وتوفي مثاله الأكبر، الدكتور عبد الله واثق شهيد، مؤسس «مركز الدراسات والبحوث العلمية» ومديره لسنوات طويلة، بينها عقد الثمانينات الذي شهد ذروة هذه التجارب الكيماوية، حتى تقاعده. ليصبح بعدها أميناً عاماً لمجمع اللغة العربية الذي أصدر مؤخراً سيرته بقلمه.

كانت السيرة فرصة لإعادة تداول اسم شهيد في نطاق من الزملاء والتلاميذ المفعمين بحبه واحترامه والثناء عليه، الذين يتجاهلون عادة كل ما بات معروفاً عن الكيماوي السوري ودور مركز البحوث في تصنيعه، لصالح انطباعاتهم الشخصية المتواترة عن شهيد كعالِم حقيقي متفان وزاهد، ودود وأبوي ودمث.

لكنه كان هناك!!

تحتل الطفولة والصبا ثلث صفحات سيرة شهيد، وتذكر أوسع التفاصيل عن نشأته في محافظة حلب، ريفاً ومدينة. بينما يخلو القسم المخصص لمركز البحوث من أي وقائع ذات شأن رغم تقادمها بمرور الزمن، ويكاد يقتصر على استعراض الأطر العامة والبنى الإدارية والعلمية والهيكلية، وينعدم فيه ذكر الأسلحة الكيماوية بالطبع.

لكن الاحتفاء بالكتاب، والكلمات الملقاة في حفل تأبين صاحبه، وشهادات تسربت هنا وهناك بالمناسبة؛ أوضحت العلاقة الوثيقة بين الرجلين. فقد كان أستاذ الهندسة الراقي خبيراً في ديناميك الطيران والقذائف، وجاءت مشاركته في بعض تجارب الكيماوي لدراسة آلية إطلاق هذا السلاح من الطائرات وبالصواريخ، وبإشراف وإدارة أستاذه ومديره العام الدمث!

ومجدداً سنستنتج: لقد صنعْنا الكيماوي جميعاً!!

==========================


قصص الحرب السورية التي لا تنتهي

رضوان زيادة

العربي الجديد

الاحد 10/2/2019

تعرّفت إلى الصحافية رانيا أبو زيد خلال السنوات الأولى للثورة السورية، كانت تكتب لمجلة التايم الأميركية حينها، وتغطي التطورات في سورية التي كان وقتها صحافيون قليلون فقط مهتمين بها، أو يسعون إلى الكتابة عنها.

تم منع رانيا من دخول سورية كما تشرح ذلك في كتابها الصادر حديثا بالإنكليزية "لا عودة إلى الوراء"، وبعد وقت قصير من بدء الاحتجاجات، ولكنها على الرغم من ذلك قضت نحو ثلاثة أسابيع في كل شهر عبر الدخول إلى سورية، على مدى سنوات، من أجل تقاريرها الصحافية ولاستكمال كتابة كتابها هذا.

اعتقدت أن كتابها مجرد تغطية صحافية، أو استكمال لتغطيتها الصحافية الجيدة عن سورية عموماً، لكن قارئه يستكشف أن رانيا رغبت منه أن يؤدي فكرة أبعد ورسالة أجمل، فهو يرصد تحولات الحياة الإنسانية في سورية، عبر تتبع أربع قصص وأربع شخصيات خلال سنوات الثورة من عام 2011 وحتى 2017. يدور الكتاب حول رواياتٍ مفصلةٍ عن الحياة في سورية الثورة منذ اللحظة الأولى التي نزل فيها الشباب إلى الشوارع، معلنين بدء الثورة والاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد، وما تبع ذلك من الفوضى الدامية والحرب الأهلية. ولذلك، تحاول رانية تحليل التمرد السوري في المقام الأول من خلال قصص شبانٍ اعتقلهم النظام، ومن ثم عذّبهم من دون رحمة. وتتبع مصائرهم خلال سنوات الحرب المختلفة، وهم سليمان طلاس فرزات، رجل أعمال ثري كان يدير شركة للتأمين من حماة، وشارك في المظاهرات في مدينته الرستن. محمد ضاهر والمعروف بأبي عزام، مدرس لغة عربية في مدينته الطبقة – حمص، ثم أصبح قيادياً في كتائب الفاروق في حمص. ومحمد من جسر الشغور، نشأ في اللاذقية، ثم سجن في الثمانينات بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين في فرع فلسطين في دمشق، وتعرّض للتعذيب فيه، وكان من أوائل المنضوين إلى جبهة النصرة. ويسرد الكتاب

"الشخصيات التي تركّز عليها رانيا تنتمي إلى تيار أيديولوجي واحد، ما يعطي الانطباع الخاطئ أن الثورة "ثورة إسلامية" محنة المدنيين من غير المقاتلين، مثل فتاة صغيرة، اسمها روها، كان عمرها تسع سنوات، حيث يروي الكتاب سيرتها مع عائلتها التي فرّت إلى تركيا.

مصائر هذه الشخصيات الأربع هو ما يشكل رواية الكتاب التي تختصر، بشكل أو بآخر، رواية الثورة السورية، وانتقالها من سلميتها إلى الصراع المسلح، فيسرد الكتاب التنافس السياسي والعسكري المعقد بين من يدعمون النظام ويعارضونه، ويناقش تأثير المقاتلين الأجانب والمحليين الذين انضموا إلى "داعش" ودورهم.

بدأت الانتفاضة السلمية في سورية بمطالب بالحرية والديمقراطية، ووضع حد لأربعة عقود من حكم عائلة الأسد. وقد قوبلت بقمع النظام الذي أودى بحياة آلاف من المتظاهرين السلميين، ما أدى إلى عسكرة الثورة، واستيلاء إسلامي متطرّف على معظم المعارضة المسلحة. "لا عودة إلى الوراء" هو سرد للأشخاص الذين سلطت قصصهم الشخصية الضوء على ذلك التحول إلى السلاح والتطرّف الذي نشهده اليوم.

تتفوق رانيا أبو زيد في وصف المشهد وتصوير الشخصيات. تنقل كلماتها القراء إلى زنزانات سجن النظام، إلى الحياة تحت القصف، وإلى الاجتماعات السرية لمقاتلي المعارضة، في ضوء الليل الصيفي في شمال سورية. تأخذنا عبر مراحل الثورة، وتضيء الأمل، وتصف اليأس والوهم والتشرذم الذي سيطر على المعارضة المسلحة فيما بعد. كما تمكّنت من الوصول إلى أكثر أعضاء الجماعات عنفاً، بما في ذلك جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة. تقدّم أبو زيد رواياتٍ حميميةً عن حياة شخصياتها، وكيف أن عنف نظام بشار الأسد، وتلاعب القوى الإقليمية والوعود التي لم يتم الوفاء بها من الغرب، حوّلا أحلام هؤلاء الثوار في التغيير إلى كابوس. ولكن روايتها تثير بعض الأسئلة، حيث تفترض أبو زيد أن الثورة السورية كانت عملاً إسلامياً مسلحاً منذ البداية، وهو ما يوازي دعاية نظام الأسد. كان تكتيك النظام محاولة إقناع العالم بأنه لا توجد انتفاضة للمواطنين، بل هي حركة إسلامية مسلحة تهدّد الحكومة، وتحتاج إلى سحقها. ساعدت هذه القصة النظام على اتخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ ضد النشاط السلمي منذ البداية. من دون أن تدرك أنه، بموجب تعليمات النظام، تم إطلاق سراح إسلاميين عديدين من السجن في عفو عام 2011، وفي الوقت نفسه، حبس الأسد آلافا من النشطاء السلميين، مثل غياث مطر ويحيى شربجي وغيرهما ممن توفوا تحت التعذيب، نتيجة وحشية لم يسبق لها مثيل. وهو ما سمح للمعارضين الإسلاميين بالتعبئة والتنظيم، ما ساعد في إنتاج روايةٍ للأسد إن الانتفاضة كانت مشكلة إسلامية للنظام.

ويهمل هذا التصور المعنى الشعبي للثورة السورية، بوصفها ثورةً شعبيةً، بدأت بدون قيادة

"الأمم المتحدة أقلعت عن إحصاء القتلى منذ أكثر من أربع سنوات"  وبدون أيديولوجيا، شاملا جميع قطاعات المجتمع، ويضم جميع الفئات الاجتماعية والدينية الذين أرادوا رؤية التغيير الديمقراطي في سورية. ولذلك تبدو الشخصيات التي تركّز عليها رانيا وكأنها تنتمي إلى تيار أيديولوجي واحد، وهو ما من شأنه أن يضع الانطباع الخاطئ عن الثورة السورية بوصفها "ثورة إسلامية" قامت على الثأر من الاعتقالات السياسية السابقة التي استهدفت الإسلاميين خلال سنوات الثمانينات الذين ثاروا بهدف الثأر من الاعتقال والتعذيب الذي تعرّضوا له، وهو بكل تأكيد مكون مهم وعامل رئيسي في رفد الثورة السورية، لكنه ليس الوحيد، كما أنه لم يكن المهيمن خلال سنوات أو على الأقل شهور الثورة السورية الأولى في عام 2011.

وعلى الرغم من ذلك، تقدّم رانيا أبو زيد سردية للحرب السورية التي لا تنتهي من عام 2011 وحتى عام 2017 بشكل رائع ومثير للحماسة، فهي صفحة بعد صفحة تضع سيلاً لا يتوقف من التقارير الاستثنائية، وومضات عديدة من النثر الوصفي، فالشخصيات التي بنيت

"يقدم الكتاب روايات مفصلة عن الحياة في سورية الثورة منذ اللحظة الأولى لبدء الثورة والاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد"  حولها القصة هي التي تجعل الكتاب لا يُنسى، لأن أبو زيد تمزج قصصهم عن الأمل والخسارة في بلدٍ حيث "الموتى ليسوا مجرّدين فقط، مقتصرين على الأرقام. حتى أن الأمم المتحدة أقلعت عن إحصاء القتلى منذ أكثر من أربع سنوات، على الرغم من أن عدد القتلى قد قدّر بأكثر من نصف مليون".

تروي رانيا أبوزيد قصة تاجر عطور سوري من الطائفة العلوية قتلت زوجته وابنته الكبرى، وأخذ فصيل جهادي أطفالها الآخرين رهائن. ثم تقوم بإجراء مقابلات مع "أمير" سابق غير نادم، لأحد الفصائل المعنية التي عرفتها منذ سنوات. وهي بذلك تلقي ضوء على صعود الخطاب الطائفي في الحرب السورية، وكيف أصبح جزءا من الحياة اليومية للسوريين، وكيف لعب في تعزيز المعارضة الجذرية للسوريين ضد الأسد، حيث يوصف الأسد دوما دكتاتورا لا يرحم، لا يمانع في زجّ وطنه وطائفته بأتون حربٍ أهليةٍ طاحنةٍ لا تبقي ولا تذر، إذا كان في ذلك إنقاذ له ولبقائه على سدة الحكم.

تتبع مصائر هذه الشخصيات يخلق في الحقيقة قصصا عن مآلات الحرب السورية لا تنتهي، لا سيما أن أثر هذه الحرب على السوريين لم يستثن أحداً منهم على الإطلاق.

==========================

روسيا في سوريا: الرقص مع الجميع

شعبان عبود

سوريا تي في

الاحد 10/2/2019

يخطئ من يعتقد أن وراء كل هذا الحضور الروسي الطاغي في الشرق الأوسط دهاء وقدرات مميزة للرئيس فلاديمير بوتين أو قدرات سياسية براغماتية كبيرة لموسكو. جلّ المسألة يتعلق بانكفاء أميركي تأسس في حقبة الرئيس الأسبق باراك أوباما، واستمر لاحقا مع الرئيس الحالي دونالد ترمب، وذلك بالرغم من كل الانتقادات التي وجهها فريقه، وما يزال، لسياسة أوباما الخارجية، وتحميله مسؤولية ما آلت إليه الأمور في سوريا والعراق وغيرها من المناطق.

لقد بدأ الانكفاء الأميركي منذ حملة الانتخابات الرئاسية الأولى للرئيس أوباما، والتي قامت على عهود قطعها للجمهور والناخبين بسحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان، وإخراج الاقتصاد من أسوأ أزمة مر بها منذ أزمة الانهيار الاقتصادي 1929. وخلال ثمانية أعوام قضاها أوباما في البيت الأبيض، شهدت السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط انحسارا كبيرا، وخاصة في العراق، حيث فضّل أوباما عدم إزعاج إيران مدفوعا بطموح التوصل إلى اتفاق "تاريخي" يضع حدا لبرنامجها النووي. وهو ذاته الطموح الذي جعله ينكفئ ويتردد في دعم الانتفاضة الشعبية ضد النظام السوري، أو انتهاج سياسة تزعج إيران، و تلبي تطلعات السوريين في إسقاط هذا النظام.

لقد استخدمت إدارة أوباما الحرب في سوريا كورقة تفاوض مع الإيرانيين حول برنامجهم النووي، ولم تكترث كثيرا للنتائج الخطيرة المترتبة عن استمرار الصراع. وتسبب نهج "القيادة عن بعد"، الذي اتبعه أوباما في سوريا، وغياب إستراتيجية واضحة إزاء النظام والثورة الشعبية ضده، تسبب كل ذلك بتكريس حالة من الشلل في السياسة الأميركية إزاء سوريا، وملفات عديدة في المنطقة مثل اليمن، كان أبرز تجلياتها حضور إيراني وروسي متزايد، وتوترات في علاقة واشنطن بأبرز حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم تركيا والسعودية، اللتان لم تترددا في طرق أبواب موسكو كلما سنحت لهما الفرصة للتعبير عن غضبهما إزاء واشنطن.

حتى إسرائيل ذاتها، وهي أقرب حلفاء واشنطن، وجدت أن لا مفر من التنسيق الدائم مع روسيا، وقد شهد العامان المنصرمان عشرات الزيارات والاتصالات الهاتفية لكل من الرئيس التركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

حتى حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في منطقة الخليج العربي، شعروا بانحسار الدور الأميركي وزيادة الحضور الروسي وفاعليته، حيث استطاعت موسكو بناء علاقات اقتصادية قوية مع السعودية، وعملت على زيادة علاقاتها التجارية مع قطر وباعت أسلحة بمليارات الدولارات للإمارات العربية المتحدة.

لقد برهنت روسيا خلال السنوات القليلة المنصرمة، وخاصة بعد 2015، حين تدخلت لإنقاذ النظام السوري الذي كاد ينهار في أية لحظة، أنها حليف يمكن الوثوق به والركون إليه، بعكس الولايات المتحدة التي بدت أنها مستعدة للتخلي عن حلفائها وأصدقائها الشرق أوسطيين، وخاصة بعد دعمها للثورات الشعبية التي حصلت في كل من مصر وتونس وطلبها من رئيسي البلدين التنحي عن السلطة.

وخلال الفترة التي تلت مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول بتركيا، سعت موسكو للنأي بنفسها عن الولايات المتحدة، وغالبية الدول الغربية التي أدانت الجريمة وحملت السلطات السعودية مسؤولية الجريمة، لا بل هي ذهبت بعيدا، وبدت كما لو أنها تمدّ حبل نجاة لها، حين رحب فلاديمير بوتين خلال قمة العشرين الأخيرة في بونس آيرس بالأرجنتين، بولي العهد السعودي محمد بن سلمان وصافحه وتضاحكا مطولا، في وقت كان العالم يشجب الجريمة، ويتهم السلطات السعودية بتورطها فيها. لقد بدت موسكو أنها جاهزة أبدا لتلقف كل الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة وجاهزيتها دائما للاستفادة من كل الثغرات والخلافات الثنائية بينهم وبين واشنطن.

ولعل أكثر تجليات الحضور الروسي وبراعته في إدارة التناقضات لصالح موسكو، يتجلى في سوريا، حيث تحافظ روسيا على "علاقات وظيفية مع جميع الأطراف ذات الصلة داخل البلدان والمنطقة، بما في ذلك مع الأفرقاء الذين قد يعتبرون بعضهم بعضاً ألدّ الأعداء" حسب  "ديميتري ترينين" مدير مركز كارنيغي في موسكو، الذي يعتقد أنه يجب نسيان  أمر "الأيديولوجيا والقيَم الأخلاقية العالية التي يُنادى بها في أوروبا والولايات المتحدة"، فالشرق  الأوسط حسب رأيه "منطقةٌ صُنِعت للسياسة الواقعية الكلاسيكية".

ولعل أبرز تجليات "الواقعية السياسية" التي تنتهجها روسيا، تتمثل في طريقة إدارتها للصراع في سوريا، الذي خرج منذ فترة طويلة عن كونه صراعا داخليا بين النظام وخصومه المعارضين، وأصبح صراعا إقليميا ودوليا واضحا، وإن بالوكالة. 

تدعم موسكو سياسيا وعسكريا النظام السوري، وبنفس الوقت فتحت خطوط اتصال وتواصل مع خصومه في المعارضة

ففي سوريا، تدعم موسكو سياسيا وعسكريا النظام السوري، وبنفس الوقت فتحت خطوط اتصال وتواصل مع خصومه في المعارضة، وعملت على استضافتهم في موسكو أكثر من مرة، كذلك تحتفظ بقنوات اتصال مع قوات كردية سورية مدعومة من واشنطن، وتسعى إلى التوصل لتفاهمات بينها وبين النظام السوري من جهة، وبينها وبين أنقرة من جهة أخرى.

كما تحافظ موسكو على علاقات قوية مع إيران، وتقف معها في نفس الجبهة الداعمة للنظام السوري، بنفس الوقت الذي تنسق فيه مع إسرائيل عسكريا، وتتغاضى عن الضربات الجوية التي توجهها الطائرات الحربية الإسرائيلية للمواقع والجنود الإيرانيين في سوريا.

وأيضا، استطاعت روسيا أن تكسب ثقة الأتراك والإيرانيين، وتجمعهم في مسار سياسي حول المسألة السورية هو مسار "أستانة"، رغم تناقض المصالح والأهداف بين كل من روسيا وإيران وتركيا في سوريا.

كذلك، ورغم التنسيق العالي المستوى بين موسكو وطهران وأنقرة، فإن روسيا تسعى للجم التمدد الإيراني في سوريا، والبقاء متيقظة إزاء الطموحات التركية. وفيما يخص لجم التمدد الإيراني في سوريا، حصل أكثر من مرة أن تدخلت موسكو عسكريا ضد وحدات إيرانية، مثل تلك المواجهات المسلحة في ريف حماة الغربي والتي تسببت بسقوط عشرات القتلى والجرحى بين الفرقة الرابعة حليف طهران من جهة والفيلق الخامس المدعوم روسياً من جهة أخرى. كذلك أشارت تقارير إلى أن روسيا مارست ضغوطات كبيرة على الفروع الأمنية في محافظة درعا جنوب سوريا بسبب تسهيلها عمل "حزب الله" بالمنطقة.

أعلنت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف رفض بلاده المقترح الأميركي بإقامة منطقة آمنة شمال سوريا

أما فيما يخص التيقظ الروسي إزاء طموحات تركيا في سوريا، فقد أعلنت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف رفض بلاده المقترح الأميركي بإقامة منطقة آمنة شمال سوريا، وشدد على أن الجيش السوري هو مَن يجب أن يسيطر على شمال البلاد، قائلا إن "الحل الوحيد والأمثل هو نقل هذه المناطق لسيطرة الحكومة السورية وقوات الأمن السورية والهياكل الإدارية».

ومن الواضح أن موسكو تخشى من دور تركي كبير مدعوم من واشنطن في هذه المنطقة، خاصة وأن التنافس الأميركي -الروسي على كسب تركيا في سوريا ما يزال قائما، في وقت تعي أنقرة تماما هذا التنافس وتسعى لتحقيق مكاسب من الطرفين تساعدها في ترسيخ دور إقليمي أساسي في المعادلة السورية بما يتوافق مع مصالحها القومية ويبدد هواجسها الأمنية.

وخلاصة القول، إن روسيا اليوم، وفيما يخص سياستها الشرق أوسطية، تسعى للرقص مع جميع الأطراف المتخاصمة، دون أن تعطي إشارات بالصداقة الكاملة مع طرف على حساب آخر، وأيضا دون إعطاء إشارات بالعداوة الكاملة مع أحد. إن هذه السياسة تعكس فنا متميزا في إدارة الصراع، ومهارة فائقة في الحفاظ على حضور كبير في كل الملفات، تماما مثل التاجر الماهر الذي يوزع أصوله وأمواله هنا وهناك وليس في سلة واحدة. لكن قد يكون المأخذ الوحيد على هذه السياسة، أنها لن تصنع حلفاء دائمين لموسكو، لأن جميعهم يدركون أنهم لن يحصلوا على كل شيء يريدونه منها، ولأنهم يدركون أن الاقتراب منها أفضل بكثير من تجنبها ومعاداتها.

==========================

في نقد الهزيمة السورية

نجاتي طيارة

سوريا تي في

الاحد 10/2/2019

على طريق كتاب (النقد الذاتي بعد الهزيمة) لأستاذنا الراحل الكبير صادق جلال العظم، ابن دمشق وسليل العائلة العريقة فيها، والمنشق الراديكالي عن طبقتها كما عن التقاليد السائدة، سأقترح نقدا يكمل ويتابع تلك الطريق، لكنه هذه المرة على سبيل النقد والنقد الذاتي بعد الهزيمة السورية.

وإذ أبدأ بمحاولة تحديد موضوعاتي الواردة في إطار ذلك، فأنا ألفت النظر إلى أن هذا التحديد الذي تفرضه ضرورات التحليل، لا ينفي تفاعلها وجدلها الواقعي بطبيعة الحال:

أولا: في النقد، وأقصد به النقد المنصب على العوامل الموضوعية أو ما يدعى نقد الخارج أو الآخر.

ثانيا: في النقد الذاتي، وأقصد به نقد ذاتنا الثورية، أي النقد الذي يشمل الأنا الفردية والجمعية لنا نحن المنتمين بشكل أو بآخر إلى الثورة، أفرادا ومنظمات، أفكارا وبرامج، ممارسات وأدوارا قمت بها أو قام بها كل من ضمه أحد أطر الثورة.

ثالثا: الهزيمة السورية، وهي الهزيمة الراهنة لمشروع سورية الوطن والدولة، المجتمع والنظام، الثورة والسلطة، أو هو الشكل الراهن لإخفاق أو تعثر هذا المشروع، كما يمكن القول، إن أردنا تخفيف الوقع القاسي لتعبير الهزيمة، تجاوزا لفوبيا الكلمات الصادمة!

اولا: في النقد، وهو يشمل:

1ــ نقد ما يدعى بالنظام أولا وحلفائه ثانيا،  وهم مجرمون وأعداء نهائيون للثورة والشعب السوري، ولن يؤدي أي تحليل نقدي لهم إلا إلى المزيد من فضحهم أو كشف المكشوف وزيادة من جرائمهم.. وأولهم عصابة النظام التي فقدت كل مشروعية رغم مظاهر الانتصار العسكري، كما فقدت سيادتها وصارت محتلة من قبل المستعمرين الروسي والإيراني.

2ــ نقد الخارج:  وهو الخارج العربي والغربي والعالمي، الذي تربطنا بالعربي منه روابط العروبة والإسلام والتاريخ والجيرة إلخ. أما الخارج الغربي والعالمي منه، فلطالما توهمنا أن شرائع القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان تربطنا به، إلى جانب مصلحة الشعوب في تغيير النظام الإرهابي وبناء علاقات دولية جديدة ومغايرة.

الثورة اليتيمة، الثورة المغدورة، الثورة المستحيلة، وهي وغيرها تحدثت عن خيانة الخارج للثورة

وفي نقد هذا الخارج، وردت وترد عناوين مثل: الثورة اليتيمة، الثورة المغدورة، الثورة المستحيلة، وهي وغيرها تحدثت عن خيانة الخارج للثورة، وتخليه عنها، بل وتدخله تحت ستار مساعدتها دبلوماسيا وعسكريا، في مثال غرفة الموك وغيرها، كما عكسته مؤتمرات ولجان دولية متعددة، لكنها عملت في الواقع على حرفها عن مسارها وإحباطها بشكل أو آخر.

وذلك الخارج، يشمل المجتمع الدولي بما فيه الأمم المتحدة وما يتفرع عنها، كما يشمل من زعموا أنهم أصدقاء سورية في المحيط العربي وفي الغرب وفي العالم أجمع، سواء بمؤتمراتهم العديدة، أم بشبكاتهم ومنظماتهم الدولية القديمة والجديدة، وصولا إلى خطوطهم الحمراء المتحركة، وإلى تدخلهم العسكري المباشر، سواء تحت ستار محاربة الإرهاب الإسلامي من جهة التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، أو تحت ستار مكافحة الإرهاب الكردي من جهة تركيا. وقد حدث ذلك، وما زال يحدث في إطار عولمة متجددة وصراعات جيوبولوتيكية إقليمية ودولية يكاد ممثلوها المعاصرين (ترامب، بوتين، أردوغان، وغيرهم) يبشرون بحرب عالمية ثالثة، لكن من طراز مختلف. الأمر الذي يفسح لنظريات المؤامرة مجالا واسعا للبحث ومحاولة التفسير، وقد لخّص الهتاف الشعبي السوري الغني التعبير والرمزية رده على موقف ذلك الخارج في عبارة (ما إلنا غيرك يالله!).

كل ما ورد سابقا، وبالتأكيد يمكن إضافة الكثير من تفاصيله الكبيرة أو الصغيرة، متوفر وموجود بقوة وغزارة، كما فضحت في مجاله أسرار، وبالتأكيد ستكون هناك أخرى لم يفصح عنها بعد،  وهي جميعا تقوم بخدمة مصالح دولها أو ما تزعم أنه كذلك، وتدعي في ذلك ما يمثل بالنسبة لها واجبها الوطني، ولاحاجة للتذكير بقواعد ميكيافيلي الشهيرة في هذا المجال!.

هذا كله ليس موضوعنا المركزي، أو هو موضوع جانبي. نظرا لأننا، وبكل بساطة، لا نستطيع تغييره! فهو لايتعلق بي أو بذاتنا أساسا، بل يتعلق بالآخر كما ذكرت سابقا، ولن يتغيّر إلا إذا تغيّرت الأنا أو الذات الثورية، وعندها أستطيع أو نستطيع محاولة تغييره. وتلك هي حكمة التجربة الإنسانية التي لخّصها القرآن الكريم بقوله: ( إن الله لايُغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).

 ثانيا : في نقد الذات أو نقد الثورة التي أنتمي وننتمي إليها بشكل أو بآخر.

في نقد دوري الفردي: وأبدأ هنا بالاعتذار من  القارئ الكريم ومن شعبنا، على الرغم من أنني ذكرت ذلك في مناسبات عامة متعددة، لكنني أسجله الآن كتابيا. فقد كان دوري نقديا وواضحا تجاه النظام سواء في سنوات ما قبل الثورة أم في بداياتها، ولذلك تصدى لي بما هو معروف، لكن هذا الدور كان ضعيفا تجاه الثورة لاحقا. وإن ارتبط ذلك الضعف بوضعي المضطرب بعد خروجي من السجن وهربي من سورية،  خوفا من رصاصة غامضة، أو عودة إلى سجن همجي، وتعذيب يدفع إلى تمني الموت بديلا عنه!.

وبمناسبة ذلك، فإنني أعلن هنا أنني هربت إلى الأردن عابرا الحدود مشيا، وبمساعدة ميدانية، أشرفت الغالية رزان زيتوني على تنظيمها مع عناصر ما دعي بالجيش الحر (وهي أي رزان كانت مساعدتي الأمينة في إدارة موقع إعلان دمشق حتى ما قبيل الثورة، فك الله أسرها وأسر زملائها) وعلى وهم عودة وانتصار لن يتأخر طويلا !.  لكن كل ذلك لايكفي لتبرير ضعف دوري، الذي سرعان ما تجسد في استجابتي لاستبعادي عن الائتلاف في مؤتمره الأول، فانسحبت مكتفيا من السلامة بالإياب. 

وفي ذلك الانسحاب، حانت لي فرصة النجاة من الركاكة والتدخلات التي عاينتها في أجواء المعارضة، وقبل التلوث المالي الذي بدأت تفوح رائحته، فارتكست إلى طهرانية طالما كانت ملجئي. ومع إقراري بأن من يسبح في ماء النهر لابد له من التلوث ببعض شوائبه، فقد زاد من ارتكاستي أن نهر المعارضة صار طينا ورمالا متحركة أغرقت كل من تشاطر وحاول السباحة فيه!. وبعدها تراجع دوري إلى أشكال ضعيفة في مساعدة شعبنا المنهك من جهة، وإلى مجرد إبداء الرأي في مجريات الثورة بعد تعثر محاولات استنهاض متعددة. علما أنني كنت قد صرحت منذ بداية الثورة، إلى أن الكرسي الوحيد الذي أطمح إليه، إنما هو كرسي مقهى الروضة المتوفرة في عدة مدن سورية، ولله الحمد.

أما اليوم، وبعد أن تجاوزت السبعين بسنوات، فأنا أعتقد أنه الكرسي الوحيد الملائم لكل المعارضين الذين هم في مثل سني أو أكثر، ويبقى لنا في الرأي والمشورة وخلاصة الخبرة الدور الوحيد الممكن خارج أي منصب مسؤول وتنفيذي، إن كان في ذلك ما يفيد شباب الثورة الراهنة أو القادمة بشكل أو بآخر، ما دامت أسبابها مستمرة بل وقد تفاقمت إلى حدود كارثية، وذلك من أجل مستقبل حر وأفضل لسورية.

أما عن نقد ذاتنا الجمعية الثورية، فسيكون له حديث ومجال آخر! .

==========================

موقفنا : التربية النبوية على الولاء .. والولاء حب وطاعة ونصرة ونصح

زهير سالم

16/ 2 / 2019

مركز الشرق العربي

حيثما يممت وجهك في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوي تنتصب أمامك مجالي عظمة هذا الرسول الكريم آفاقا وآمادا ..

ومن معاناة مع الذين يزعمون أنهم يوالون ويحبون أكتب هذه الكلمات إلى الذين يفهمون الولاء والحب إطفاء لسراج العقل ، وتبعية مطلقة لمن يوالون في كل ما ينهج و يفعل ويقول ؛ ملقين عليه ثوبا من العصمة الكهنوتية بغير وعي منهم ولا بصيرة ولا فقه ..

وكان من عظمته صلى الله عليه وسلم ، وقد استخلص ولاء أصحابه لله ولرسوله من غير غبش ولا ريبة ، أنه علمهم كذلك كيف يميزون بين الولاء للوحي المنزه المعصوم في صيغة النص المنزل ، أو في شخص النبي الرسول الأمين المبلغ ، وبين إعمال العقل والفكر والتدبير حتى فيما يصدر عن محمد القائد والإمام من اجتهاد وتدبير في أمور الحرب والسياسة وتدبير مصالح الناس .

وحقيقة الولاء كما يقول أهل التفسير هي حب وإخلاص ونصرة ونصح واتباع لله ولرسوله . وهي كذلك مع تمعن وتفكر وتدبر مع الإمام والسلطان والقائد والأمير والمقدم على الناس ؛ تحبه وتنصره وتشير عليه ، وتسدده ، وتحثه ، وتعينه ، وتحميه ، وتحول بينه وبين الزلة والعثرة والبغي والتمادي وإن اقتضى المقام تأطره على الحق أطرا ، إن استطعت ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكل ذلك كان في خريجي مدرسة النبوة وتابعيهم على اختلاف العصور . وكان شيء منه في عهد النبي المعلم والمربي الذي كان يقول : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ... . والذي علم أصحابه التمييز بين أمر الله وأمر الاجتهاد البشري فيسأل أحدهم : أهو منزل أنزلكه الله ما يكون لنا أن نتقدم عنه أو هو الرأي والحرب المكيدة ..هذا الإدراك الدقيق المتضمَن في فحوى هذا السؤال يختصر تجربة عظيمة في التربية والتعليم والتنشئة ..

بعض الناس الذين تربوا في مدارس المستبدين ، وترعروا على مناهجهم ، ثم أنفوا منهم ومن حصادهم الآثم ؛ حين وجدوا في حياتهم من هو موضع للولاء الحق ، ومظنة للحب والطاعة والنصرة والمتابعة ظنوا أن عليهم أن يكونوا له كما تابع المستبد للمستبد . يصفق لكل كلمة ، وينتشي بكل عبارة ..

أليس من حق أن نتساءل إذا كانت سياساتنا وقراراتنا كلها محكمة متقنة مسددة متغلبة : لماذا نحن هنا في أعقاب الناس ؟! أما آن لنا أن ندرك أن الموقف الضنك الذي صرنا إليه بفعل مقدمات كانت خيارات هي التي ألجأتنا إلى نتائج لا يسوغها عقل ولا تدبير إلا لأنها ضرورات ، تجعلنا نرى حسنا ما ليس بالحسن .

لا والله .. لقد كان الذين أشاروا على محمد رسول الله في إمامته للمسلمين ، ثم على الخلفاء والملوك والسلاطين أولياء حقيقيين . كانوا مع ولاء الحب والطاعة والنصرة قد تربوا في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من الولاء ومع الحب والطاعة والنصرة النصح الخالص لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ..

والنصح لأئمة المسلمين ألا يحوروا وألا يزيغوا وألا تلجئهم الملجئات ، وتضغطهم الضواغط بعض العهد الذي أخذه الله على صالح المؤمنين ..

وحين أراد الرسول القائد أن يصالح غطفان ومن معها من الأحزاب شفقة على الأنصار ، على ثلث ثمار المدينة ويرجعوا ...

قال الأنصار أهو أمر الله ..قال : بل هو أمر أصنعه لكم فقد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة . قال لا والله يا رسول الله بعد أن أعزنا الله بالإسلام ..

من يقولها اليوم نصحا لكل المشفقين على السوريين : لا والله بعد أن أعزنا الله بثورة كلفتنا مليون شهيد ..

ولله الأمر من قبل ومن بعد .

______________

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

أفق الصراع بين روسيا وإيران حول سوريا!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 9/2/2019

ثمة وجهتا نظر تتبلوران اليوم حول ما يثار عن احتدام الخلاف بين موسكو وطهران على حصص النفوذ في سوريا، ربطاً بتواتر أخبار تنافسهما المكشوف للاستيلاء على ثروات البلاد ومفاصل المؤسستين الأمنية والعسكرية، وتكرار الاشتباكات بين قوات موالية لكلا الطرفين في السباق لانتزاع بعض المواقع والمرافق الحيوية في أرياف حماة ودرعا ودمشق، يحدوها تصريحات للكرملين حول ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية من البلاد بما فيها القوات الإيرانية والميليشيا التابعة لها، والردود المتحدية لقيادات إيرانية بأنه لا أحد يستطيع إبعادهم عن الساحة السورية.

وجهة النظر الأولى تعتقد أن هذا الخلاف سطحي وربما أشبه بمناورة أو شكل من أشكال توزيع الأدوار بينهما، ولن يصل، بأي حالة، إلى حد كسر العظم، بل سيجد طريقه بسرعة، نحو التفاهم والتقاسم التوافقي للمغانم، حتى لو اكتنفته بعض المواقف والتصريحات المتعارضة، أو بعض الاحتكاكات العسكرية والمعارك الجانبية، والأسباب في رأيهم كثيرة، تبدأ بعلاقة تاريخية عميقة بين الطرفين انعكست بتنسيق وتعاضد لم تشبهما شائبة لعقود من الزمن في مواجهة العدو الغربي المشترك، وفي التكاتف للالتفاف على العقوبات الاقتصادية المتخذة ضدهما، مروراً بتفهم موسكو لمصلحة إيران في سوريا وغض نظرها عن كثير من اتفاقات الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين دمشق وطهران، إنْ في المجال الأمني أو العسكري أو في مجال المساهمة بإعادة إعمار قطاعات الاتصالات والتعليم والصحة والبناء السكني، والأسوأ صمتها عن التغيير المذهبي والديموغرافي ونقل ملكية كثير من البيوت والأراضي الزراعية التي تركها السوريون الفارون من الحرب، إلى مرتزقة إيرانيين، وانتهاء بتحسب الكرملين من مخاطر وتكلفة فتح معركة مع طهران لإخراجها بالكامل من سوريا، وتالياً لاحتمال انزلاقه إلى فخ استنزاف لا طاقة له على تحمله، ربطاً بما تمتلكه الأخيرة من حضور قوي ومهم في سوريا وأدوات أذى ضاربة في لبنان والعراق، فكيف الحال حين تدرك روسيا أنه من دون إيران لا يمكنها الحفاظ على استقرار الميزان العسكري للصراع السوري تجاه وفرة المتدخلين فيه! وكيف الحال حين يذهب العقل التآمري، ربما يكون محقاً، نحو الإشارة إلى وجود مصلحة حقيقية لموسكو في الحفاظ على البعبع الإيراني ورعايته في الإقليم، لابتزاز الغرب والعرب معاً وتحصيل المزيد من النفوذ والمنافع!

واستدراكاً، ومثلما ليس من مصلحة طهران منازعة موسكو على حضورها ودورها في سوريا والمشرق العربي ما دامت تستمد منها وجوهاً متعددة من الدعم والحماية، إنْ في مواجهة الضغوط الأميركية، وإنْ لتغطية توغلها في العراق ولبنان واليمن، وإنْ لتغيير ميزان القوى في سوريا بعد فشلها ولسنوات في إحداث انعطافة عسكرية لصالح النظام، كذلك ليس من مصلحة موسكو خسارة تحالفها مع طهران وورقة الملف السوري ما دامت توظفهما في صلب لعبة التنازع على النفوذ مع الغرب حول بؤر التوتر في العالم، إنْ في مشكلة القرم والأزمة مع أوكرانيا ومؤخراً في فنزويلا، وإنْ في مواجهة تمدد الدرع الصاروخية، والأهم قطع الطريق على كل من يفكر في مد خطوط غاز من الإقليم باتجاه أوروبا، والقصد أنه ليس ثمة حافز عميق لدى موسكو لإنهاء وجود طهران في سوريا، وإن كانت تسعى لتحجيمه وتطويعه، في سياق تعويم دورها ليكون أكثر نجاعة في ضبط توازنات القوى في الإقليم، بما في ذلك محاصرة التمدد التركي عسكرياً وعقائدياً، والتحكم باحتمال تقدم دور جديد للغرب في سوريا قد تحفزه عملية إعادة الإعمار.

وفي المقابل، ترى وجهة النظر الثانية أن هذا الخلاف جدي وسوف يتفاقم مع خمود المعارك وبدء موسم القطاف، ليأخذ أبعاداً حادة تفضي في نهاية المطاف لتمكين طرف على حساب الآخر في تقرير المصير السوري، ليس فقط لأن التجربة تفيد بأن قوتين نافذتين يصعب أن تتعايشا على أرض واحدة، وإنما أيضاً بسبب تباين شروط الطرفين ودوافعهما للتدخل في الشأن السوري وتعارض خططهما حول مستقبل البلاد، ففي حين يفتقد التدخل الإيراني للشرعية الإقليمية والدولية، وتحدوه حسابات طائفية فاقعة طمعاً في الهلال الشيعي وإحياء الإمبراطورية الفارسية، محتقناً برغبة مزمنة في إزاحة الكتلة الإسلامية السنية من الوجود عنفاً، أو على الأقل إضعاف وزنها ودورها إلى أبعد الحدود، يمتلك التدخل الروسي تفاهمات دولية، خصوصاً مع الأميركيين والأوروبيين، تحدوه حسابات سياسية تميل إلى أخذ مصالح مختلف مكونات المجتمع في الاعتبار توخياً للاستقرار وديمومة نفوذه في سوريا والمنطقة، الأمر الذي تجلى بفتح خطوط مبكرة ومصالحات واسعة مع قوى معارضة ذات وجه إسلامي سني، والبدء بتنظيم القوى شبه العسكرية، خاصة جماعات الدفاع الوطني المشكّلة والمدعومة من طهران، ومحاسبة وإقصاء الضباط الفاسدين أو المرتبطين مع الميليشيا الإيرانية لمنع طهران من زج البلاد في معارك مذهبية لتغيير الستاتيكو القائم في المشرق العربي، من دون أن نغفل ما يعنيه صمت روسيا وحيادها تجاه الغارات المتكررة للطيران الإسرائيلي على مواقع للحرس الثوري و«حزب الله» في سوريا.

ويخلص أصحاب هذا الرأي إلى أنه ليس من مصلحة موسكو الذهاب بعيداً في تغطية سياسة طهران التوسعية، خاصة وقد أدركت مؤخراً أن الوجود الإيراني في سوريا بات سبباً رئيسياً للتوتر والتفكك داخليا، ولإزعاج أطراف إقليمية وعالمية، وأنه هو دون غيره ما يعيق تحويل نصرها العسكري إلى إنجاز سياسي مقبول دولياً، ما يعني تأخير تمويل إعادة الإعمار، الذي يربطه المجتمع الدولي بمستوى من التغيير السياسي، تبدو طهران معادية له على طول الخط.

أخيراً، وأياً تكن طبيعة التنازع على النفوذ بين روسيا وإيران حول سوريا فإن أفقه يبقى محدوداً، ما يعني ضرورة توخي الحذر من البناء والتعويل عليه أو تشجيع التدخل لتسعيره على أمل تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة العربية، فالتجربة التاريخية، أكدت مراراً مرارة هذا الرهان، وأنه مجرد هدر للجهد والفرص، وأظهرت قدرة الطرفين واستعدادهما العالي لتجاوز أي خلاف وهما أكثر تضامناً وتعاضداً، ولنقل أكثر إدراكاً لفداحة الأضرار الناجمة من دفع تنافسهما وما يرافقه من افتراق في المصالح والأهداف إلى آخر الشوط!

==========================


جبران باسيل وورقة اللاجئين السوريين

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 9/2/2019

بين حين وآخر، يرمي وزير خارجية لبنان، جبران باسيل، قنبلةً صوتيةً لإثارة الخوف من وجود اللاجئين السوريين في لبنان. مرة هم "قنابل موقوتة" يهدّدون الاستقرار اللبناني، ويشكلون خطرا إرهابيا على أوروبا، وثانية يعطّلون تصدير التفاح اللبناني، وأخرى يفسدون موسم السياحة. وجديد ما جادت به قريحة الوزير أن اللاجئين باتوا خطرا على النسيج الاجتماعي اللبناني.

تقول إحصاءات دولية إن تعداد اللاجئين السوريين في لبنان قبل نهاية عام 2017 أقل من مليون نسمة، وعاد منهم عشرات الآلاف منذ ذلك الحين لأسباب مختلفة، أهمها الممارسات العنصرية التي يتعرّضون لها على المستوى الرسمي، حيث بلغت عنصرية بعض البلديات حد إصدار أوامر منع تجول ليلي تطاول السوريين، ولقي ذلك استنكارا لدى أوساط لبنانية من منظمات المجتمع المدني الناشطة بين اللاجئين. وجرى تفسير هذا الإجراء المعيب بأنه للحد من التجاوزات التي يقترفها بعض اللاجئين. ومؤكّدٌ أن هناك من بين اللاجئين أشخاصا لا يحترمون القوانين، وقاموا بتجاوزاتٍ لا يقرّها أحد، وهذا حصل في لبنان وغير لبنان من بلدان اللجوء، ومثال ذلك تركيا التي حصلت على أرضها عشرات الحوادث، ولكن الحكومة التركية امتصت تجاوزاتٍ كثيرة بالتعامل معها بوضعها في إطارها، ومنعت بذلك توظيفها لتجريم اللجوء السوري فوق أرضها، والذي استقبلته بتفهم شديد، وأعطته الفرصة كي يقدم أفضل ما لديه، فصار السوريون مثالا للاندماج والإنتاجية في العمل والمثابرة وحسن الجوار.

من يستعد تصريحات باسيل على مدار السنوات الماضية يستنتج أن وجود اللاجئين السوريين في لبنان يشكل خطرا على مستقبل التعايش، وهم قنبلة موقوتة ستنفجر لتدمّر الصيغة اللبنانية الحالية القائمة على التوازنات الطائفية. هذا إذا اعتبرنا أن باسيل يرمي من مقولة النسيج الاجتماعي التوطين، وهذا بعبعٌ يلوّح به زعماء سياسيون في لبنان، وسبق لهم أن أشهروا هذا الخوف في وجه الفلسطينيين الذين نفخوا أعدادهم حتى تتضخم المخاوف في ذهن الرأي العام، ثم تبين في الإحصاءات أن عددهم لا يتجاوز نصف الرقم المعلن، ولم يتم تجنيس سوى فئات قليلة منهم. وسواء قاس الوزير أثر تصريحه الأخير، أم أنه أطلقه من دون حساب، فإن سمعة اللاجئين السوريين باتت على لسان باسيل، واستمر يلوكُها بمناسبة ومن غير مناسبة، حتى وصل به التحامل إلى حد تحريض العالم من أجل الضغط على اللاجئين للعودة إلى سورية، من باب وقوفه إلى جانب النظام السوري الذي يلعب ورقة اللاجئين، من باب طلب مساعدات دولية لإعادة الإعمار، وزج الشباب في القتال ضمن قواته ضد الفصائل المسلحة. والغريب أن الائتلاف وهيئة التفاوض يصمّان الآذان عن تطاول باسيل، ولا يحرّكان ساكنا، وفي أيديهم كل الأسباب القانونية لتحريك دعوة قضائية ضد وزير الخارجية اللبناني أمام المحاكم الدولية لحقوق الإنسان، ذلك أن اللجوء واحترام كرامة اللاجئين محفوظان في الاتفاقيات الدولية.

يصدر جبران باسيل عن مزاج عنصري، شائع في لبنان منذ زمن طويل. ويتحول هذا العارض المرضي من حين إلى آخر. في الماضي غير البعيد، كان الفلسطيني وأبناء الطوائف الأخرى هم الهدف، وانضاف إليهم اللاجئون السوريون. ويلعب باسيل هذه الورقة، وهو يدرك مردودية الشعبوية، فالرجل الذي وصل إلى منصب وزير خارجية في لبنان من دون كفاءة سياسية، فقط لكونه صهر الرئيس ميشال عون، يذهب بنظره نحو البعيد، ولا يقبل أقل من وراثة الجنرال الذي جاء إلى الحكم على جناح تحالفه مع حزب الله، حليف دمشق التي نفته خارج بلده قرابة 15 عاما، وعاد من باب تقديم الولاء والطاعة.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com