العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17-01-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عندما تجدّد روسيا حكم الأسد

غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 14/1/2021

جرت العادة أن تمهّد روسيا للإجراءات التي تعتزم القيام بها في سورية، عبر منابرها الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، بغرض جعل الأمر المراد إجراؤه يتحوّل، مع الزمن، إلى مسألة قابلة للأخذ والرد في مرحلةٍ أولى، ثم تحويلها إلى قضيةٍ ممكنة، وعندما تصبح في هذا المجال تنبري دبلوماسيتها إلى تبنّيها، وثم يقرها الكرملين نهائياً.

يبدو أن روسيا حرقت جميع تلك المراحل في مسألة إعادة تجديد الحكم لبشار الأسد، وبدأت بتبنّي التجديد ومطالبة الأطراف الدولية بمباركته، أو على الأقل، عدم معارضته، بذريعة عدم التأثير على الاستقرار وسير عمل المؤسسات في سورية على ما أكّد نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، حتى لو لم يتم إقرار دستور جديد وفق مقتضيات تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 الخاص بإيجاد حل للأزمة السورية.

ما تريده روسيا، ومن خلفها نظام الأسد، تحقيق المكاسب في كل الحالات، بمعنى إجراء الانتخابات التي تضمن فوز الأسد

وبحسب الرأي الروسي، لا داعي للاستعجال، ولا لتحديد أطر زمنية لنهاية عمل اللجنة الدستورية، فالحل الدائم يستلزم التمهل، حتى يكون مضموناً وراسخاً، وكأن سورية لا تمرّ بأزمة مدمّرة، وأن كل يوم زيادة في تأخير الحل يدفع الشعب السوري ثمنه دماءّ وعذابات، حيث لا حل لقضايا اللاجئين والمعتقلين والمطلوبين للأجهزة الأمنية، كما لا حل للأزمات الطاحنة التي يعاني منها السوريون الواقعون تحت سلطة النظام.

والواضح أن ما تريده روسيا، ومن خلفها نظام الأسد، هو تحقيق المكاسب في كل الحالات، بمعنى إجراء الانتخابات التي تضمن فوز الأسد، وفي الوقت نفسه، ادعاء الالتزام بتطبيق القرارات الدولية، ما دامت اللجنة الدستورية تجتمع، من حين إلى آخر، وليس مهماً مضامين نقاشات هذه اللجنة وكيفية سير عملها. المهم أن النظام يرسل وفده لحضور اجتماعاتها. أما متى تتوصل إلى نتائج وحلول، فذلك ما لا ينبغي أن يطالب به المجتمع الدولي، ويلح عليه.

والأصل في مثل هذه الأوضاع أن يصبح الالتزام بتنفيذ القرار الدولي هو الأساس، ما يعني تعطيل أي إجراءٍ مخالف، وتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين التوصل إلى اتفاق، وإلا فماذا تعني الأزمة؟ ولكن روسيا تتعامل مع الموقف، وكأن تطبيق القرار الدولي ومندرجاته ما هو إلا لزوم ما لا يلزم، أو حتى سقط متاع، باعتبار أن الزمن تجاوزه، وتغيرت المعطيات، إلى درجة أن تطبيقه قد يكون من عوامل عدم الاستقرار، وتخريب ما تم إنجازه لصالح تقدّم سورية واستقرارها!

ليس سراً أن العالم وضع روسيا أمام خيارين: الالتزام بتطبيق القرار الدولي الخاص بحل الأزمة السورية، أو بقاء سورية بلداً منبوذاً ومحاصراً

وبعيداً عما تريده روسيا وترغب به ووسائلها في إخراج عملية التجديد للأسد، ما هي خياراتها في مواجهة تداعيات هذا الإجراء، وهل تستطيع تحمّلها؟، ليس سراً أن العالم، في أغلبه، وضع روسيا أمام خيارين: الالتزام بتطبيق القرار الدولي الخاص بحل الأزمة السورية، بما يعنيه ذلك من تطبيق للسلال الأربع في هذا القرار، أو بقاء سورية بلداً منبوذاً ومحاصراً، وما يعنيه ذلك من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتحول سورية إلى برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة.

مؤكّد أن روسيا، التي تمتلك أجهزة مخابرات لديها القدرة على رصد اتجاهات الرأي العام في سورية، التقطت وجود حالة كبيرة من التذمر في أوساط البيئات المؤيدة للأسد في سورية، وفي مناطق الساحل تحديدا، إذ يبدو أن ثمّة قناعة بدأت تترسخ لدى هذه الأوساط باستحالة الخروج من الأوضاع الصعبة التي تعاني منها من دون القيام بإجراءات مؤلمة، وأن الحل لن يهبط من السماء، ولم يعد باستطاعة روسيا ونظام الأسد انتشالهم من واقعهم البائس، كما أن سيطرة روسيا على أكبر قدر من موارد سورية، وبقاء الأسد في السلطة لن يؤمن لهم أوضاعاً أفضل من الحالة التي هم عليها الآن.

كل ما تفعله روسيا هو زيادة منسوب التدمير والخراب في سورية

ولكن، من الظاهر أن روسيا التي تعتبر سورية "درّة تاج" إنجازاتها على الصعيد الدولي، لا تريد الخروج من حالة النشوة التي يضعها فيها هذا الشعور، بل تطمع بتحقيق المزيد والمزيد، فلا تكتفي بما خطّطت لتحقيقه، بل تريد أيضاً تحقيق ما لم تخطّط له بعد، لهذا تبدو إدارتها الأزمة غير منطقية، ولا تتوافق مع المنطق والممكن، في عالم يقوم على الاستقطاب والتنافس والصراع.

وليس تنجيماً ولا رغبوية هنا القول إنه سيكون لهذه السياسة انعكاساتها الخطيرة على سورية، أولها جعل التقسيم واقعاً نهائياً وأبدياً يستحيل تغييره، في ظل اختلاف القوى المسيطرة على البلاد وتنوّعها، حيث خطوط القتال تجمّدت، وأصبح تغييرها بالقوّة مغامرة خطرة، ولعبا في توازنات القوى، لا تستطيع روسيا الإقدام عليه. والأخطر تحطّم المجتمع السوري، بقيمه وأخلاقياته، وهبوط قيمة العمل والتعليم والنظام وتدنيها، والبحث عن الخلاص الفردي بأي وسيلة، في ظل انتشار النهب والسطو والخطف والفديات من جهات مرتبطة عضوياً بهيكلية النظام الحاكم، وغير خاضعة، في الوقت نفسه، لأي قانونٍ أو ضابط.

لن تستطيع روسيا فرض عملية تجديد الأسد، فلن يختلف الغد عن اليوم والأمس، وكل ما تفعله روسيا هو زيادة منسوب التدمير والخراب، والظن أن السوريين، بموالاتهم ومعارضتهم، سيقطعون هذه الصيرورة، ولن يتأخروا عن ذلك كثيراً.

=========================

موقفنا : الثورة السورية على مائدة فرقة " حسب الله " للتحليل السياسي ... وفي التاريخ الدبلوماسي شواهد وعبر

زهير سالم

مركز الشرق العربي

١٥ / ١ / ٢٠٢١

ويعجبني في حكايات التاريخ الدبلوماسي، أن قائدا عثمانيا استسلم في إحدى المدن المحاصرة ، وسلمها للعدو ، ووقع شروط استسلام مهينة معه ، واستطاع أن يخرج وجنوده من تلك المدينة سالمين .

على عجل استدعى السلطان قائده، واستقبله غاضبا هائجا سائلا : كيف استسلمت ؟؟؟؟

رد عليه القائد بهدوء لقد كان عندي سبعة عشر سببا للاستسلام يا مولاي ، وكان عليّ أن أحفظ حياة جنودنا ، الذين هم أمانة في عنقنا جميعا.

كانت ثورة السلطان لم تهدأ بعد فقال سبعة عشر سببا للاستسلام !!! هات ما عندك ..

قال القائد : أولا يا مولاي لقد نفذت ذخيرتنا ، ولم يبق عندنا ما نقاتل به، ولم يكن لنا سبيل إلى المدد ...!!

سكن غضب السلطان ، وقال لقائده : يكفي هذا السبب . والتفت إلى المستقبل ، وماذا سنفعل الآن ، وكيف سنحتوي. هذه الخسارة ...

سبب واحد يكفي لتعليل الفعل المهين ولا يحتاج الموقف إلى كثير من فذلكة المتفذلكين.

في سورية كانت الثورةُ ثورة شعب مستضعف أعزل ، ضد ظالم مستبد مجرم سفاك للدماء ...

 في الشهور الأولى للثورة وفي كل المقابلات الإعلامية كان المشككون يطرحون علينا هذا السؤال : هناك نصف مليون جندي سوري في إمرة الأسد ، فكيف ستنتصرون عليهم ؟؟

ونقول بالإرادة والثبات والتضحية سننتصر ...

وانتصرت إرادة شعبنا بحمد الله وفضله، وحاصر جنود الثورة مطار دمشق ، وكادوا يحيطون الجمهوري ..

فانضم إلى نصف المليون مثلهم ، مع دولة بحجم إقليمية عظمى بحجم إيران ، انضمت بتنسيق وغطاء عالمي مفتوح على كل القوى ومنها الولايات المتحدة ومنها إسرائيل ومنها الاتحاد الروسي ... فثبتنا وكدنا ننتصر ، فانضم إلى صف بشار الأسد دولة عظمى على مستوى العالم ، ودخلت المعركة بكل ثقلها ، وسط صمت وتواطؤ عالمي لم يمر مثله في التاريخ الحديث ..ثم انضم التحالف الدولي لمحاربة ما أسميه فصائل " أبو عدس " وكان التحالف الدولي وراء من كانوا وراء بشار ...

ثم يتكئ محلل على أريكته فيقول للثوار خسرتم لأنكم .. ولأنكم .. ولأنكم

ولو قال : انتهى ربيع مصر بانقلاب عسكري رعته دول الشر العالمي لكفى، ولعلم أن كل ما قاله زيادة على ذلك هو من سفاسف الكلام ..

ولو قال قائل وأحيط بربيع سورية - ولم يستسلم بعد - كما أحيط بربيع المجر سنه ١٩٥٦ وبربيع براغ ١٩٦٨ لوفر على نفسه كثيرا من شقشقة الكلام .

كنت قد ناهزت العشرين يوم غزا الروس السوفييت " تشيكوسلوفاكيا " وأطاحوا بدوبتشك..

ما أظن أن عملية الإصلاح في المجر أو في تشيكوسلوفاكيا انكسرت لأن الثوار صاحوا هناك : ما لنا غيرك يالله ..

بل لأن الدبابات الروسية استسهلت السير على أجساد البشر ..

انظروا سرعة استسلام أولئك ثم انظروا حجم صمود من ينادي : ما لنا غيرك يا الله ورددوا معهم : ما لنا غيرك يا الله .. الله - سورية - حرية - وبس

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

صورة بشار الأسد في "يوميات قاض سوري"!

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 14/1/2021

يروي حسين حمادة في كتابه المعنون "يوميات قاض سوري في العمل القضائي والسياسي والثوري" الصادر قبل أشهر، ثلاثة لقاءات جمعته مع السفاح السوري بشار الأسد، من المفيد تسليط الضوء عليها لأنها تساعدنا على رسم صورة مقربة له من شأنها تفسير جانب من مأساة هذا البلد المنكوب.

الكاتب قاض منشق شغل مواقع عدة في المؤسسة القضائية، إضافة إلى عضوية قيادة فرع حلب لحزب البعث الحاكم، وقام بمبادرات عديدة للعمل السياسي المعارض، بعد انشقاقه وخروجه إلى منفاه التركي، فكان شاهداً على أحداث كثيرة وجمعته الظروف مع شخصيات كثيرة وشارك في فعاليات مهمة، سواء في مرحلته الأولى داخل بنية النظام، أو في مرحلته الثانية بعد انشقاقه المعلن. الكتاب غني بالوقائع الجديرة بالاهتمام، لكن هذه المقالة ستقتصر منه على سطور قليلة خصصها لشهادته الشخصية عن بشار الأسد.

"التقيت به أكثر من مرة" يقول حمادة "وكان في المرة الأولى مبهراً بحديثه المتماسك الشامل، وفي المرة الثانية أعاد الحديث نفسه حروفه وفواصله ونقاطه، فأدركت أنه يحفظ النصوص جيداً ويرددها كروبوت آلي! ولقطع الشك باليقين، سألتُهُ عن موضوع خارج السياق، فأجابني جواباً لا علاقة له بالسؤال، وكان يتحدث وهو يؤشر بيديه ويحرك فمه ويصدر أصواتاً من فمه دون أن أميزها هل هي ضحك أم بكاء!" ويضيف حمادة معلقاً: "أدركتُ لدرجة اليقين بأن صاحبنا مجنون". (حسين حمادة: يوميات قاض سوري في العمل القضائي والسياسي والثوري" نون للنشر والتوزيع 2020، ص 133).

تتقاطع هذه الشهادة مع ما نعرفه من خطابات بشار التي تتألف، عادةً، من قسمين، الأول المكتوب متماسك، بصرف النظر عن مضمونه، والثاني مرتجل يكاد أن يكون لغواً بحتاً، تتخلله في أكثر الحالات ضحكات عجيبة تعطي الانطباع بشخص غير متوازن عقلياً.

وفي إحدى زياراته لمدينة حلب استدعى قيادة فرع حزب البعث في المدينة، وكان الكاتب حمادة عضواً فيها، فاستقبلهم في غرفة صغيرة في قصر الضيافة، أو القصر الرئاسي في حلب، وبدأ يخاطبهم. كان باب الغرفة مفتوحاً، ظهر فيه مدير القصر إياد غزال وأشار لبشار بأصبعه "فهرول هذا إلى الباب وابتعد مع غزال، ولم يعد إلى الاجتماع"!

نشأ بشار تحت السلطة الأبوية الصارمة لحافظ الأسد، واختفى في ظل أخيه الأكبر باسل الذي كان المفضل لدى أبيه باعتباره الوريث القادم للحكم، وفي حضن أم قوية تمكنت من إدخال أخيها، محمد مخلوف، وأولاده إلى الدائرة العائلية الضيقة للسلطة

إياد غزال هو أحد الشخصيات المقربة من بشار، كان مديراً لمؤسسة السكك الحديدية حين حدث الاجتماع المذكور، ثم عيّنه بشار محافظاً لمدينة حمص حيث كان مستهدفاً بصورة خاصة في شعارات المظاهرات الاحتجاجية في الأشهر الأولى من الثورة 2011. وقبل ذلك قدم سكان المدينة شكاوى كثيرة بحقه بسبب تسلطه وفساده، فكان بسلوكه الوظيفي أحد أسباب الاحتقان فيما سيسمى لاحقاً بعاصمة الثورة السورية. يمكننا أن نفهم من الحادثة المذكورة أن العلاقة بين الرجلين أعمق بكثير من التراتبية السلطوية، فمن المحتمل أنه كان بمثابة "مدير ملذات الرئيس" على غرار من كانوا يحملون هذه الصفة في الأنظمة السلطانية القديمة. هذا على أي حال ما يوحي به الكاتب ولا يفصح. ففي اليوم التالي التقى حمادة مع إياد غزال وسأله عن إشارته بأصبعه لبشار، فضحك غزال وقال: "افهمها كما تريد". فألح حمادة في السؤال: هل بينكما علاقة تسمح لك برفع الكلفة إلى هذا الحد؟ "وألمحتُ في سؤالي إلى قضايا سبق ومرت عليّ وأنا قاضي تحقيق…!" عندها اصفر لون وجه إياد غزال وقال لي: مثل هذه الأمور لا يجري المزاح فيها (ص 135 من الكتاب).

بصرف النظر عن العلاقة الخاصة الملمح إليها التي قد تسمح لغزال برفع الكلفة، فإن استدعاءه لبشار بتلك الطريقة المهينة أمام غرباء، واستجابة بشار له يشيران إلى بنية نفسية لا تتناسب مع موقع قيادي حتى لو كان الأمر يتعلق بقيادة عصابة أو مجموعة مراهقين أو سهرة سكر. فلا أحد يمكن أن يتقبل هذه المعاملة مهما بلغ به الهوان. أما عدم عودته إلى الاجتماع الذي انعقد بطلب منه، فهو يشير إلى مدى استهتاره بالشؤون العامة، ومن المحتمل أنه نسي الاجتماع والمجتمعين لأن "الأمر الملح" الذي جعل غزال يستدعيه بتلك الطريقة ربما كان من النوع الذي يوصف بأنه "قد أنساه حليب أمه".

ويتقاطع هذا الموقف مع ذلك الفيديو الشهير الذي يظهر فيه بشار لاحقاً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة حميميم الجوية، وضابط روسي يمنعه من اللحاق به ويحدد له "بروتوكول" الإذلال المخصص له، فيلتزم بشار ويقف بأدب ويداه معقودتان خلف ظهره.

اللقاء الثالث الذي جمع المؤلف مع بشار كان بمناسبة طلب حمادة استقالته من عضوية قيادة الحزب. فقد استدعي إلى دمشق للقاء بالأمين القطري المساعد لحزب البعث سليمان قداح. وفي الموعد المحدد دخل مكتب قداح ففوجئ ببشار الأسد بدلاً من قداح. كرر طلبه بقبول استقالته من قيادة فرع الحزب، فعرض عليه بشار أن يعين محافظاً لدرعا أو دير الزور. فقال حمادة إنه يريد العودة إلى سلك القضاء. فقال بشار: هل تريد أن تصبح نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات؟ فكرر حمادة رغبته في العودة إلى عمله في القضاء. فقال له بشار: "تلحس ط..".!

هذه الخفة في تقديم المناصب بقرار ارتجالي، وهذه البذاءة أمام تعفف الكاتب عن المناصب، يشيران أيضاً إلى المستوى الأخلاقي المنحط لشخص معتوه فوجئ، بعد موت أبيه، بأنه أصبح قادراً على فعل أي شيء مهما بلغ به الشطط، تحيط به جوقات من المصفقين المهللين بـ"عبقريته الفذة" التي يعرف أنه لا يملكها، ويتعامل مع السلطة كلعبة يستطيع تغيير قواعدها كما يشاء، ولا يحاسَب على أي شيء مهما بلغ به الإجرام والعته.

لقد نشأ بشار تحت السلطة الأبوية الصارمة لحافظ الأسد، واختفى في ظل أخيه الأكبر باسل الذي كان المفضل لدى أبيه باعتباره الوريث القادم للحكم، وفي حضن أم قوية تمكنت من إدخال أخيها، محمد مخلوف، وأولاده إلى الدائرة العائلية الضيقة للسلطة والثروة، وكان بشار ضعيفاً أمامها. وبقدر ما كان حادث السير الذي أودى بحياة باسل الأسد وبالاً على سوريا، كان وبالاً أيضاً على بشار الذي وجد نفسه فجأةً في موقع يتجاوز إمكانياته النفسية والعقلية.

=========================

الضربات الإسرائيلية المُكثّفة لسوريا تدحض التقديرات الغربية عن قآني وتبعث برسالة للأسد وبايدن

النهار العربي

الخميس 14/1/2021

لا يختلف المحللون العسكريون والسياسيون في إسرائيل على أن قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية لأهداف في الأراضي السورية الليلة قبل الماضية، بدا مختلفاً عن الضربات والقصف خلال الأعوام السابقة، وأسهبوا في شرح وتوضيح طبيعة هذه الهجمات، وخلصوا الى أن الضربات الصاروخية للطائرات كانت هذه المرة أشد فتكاً وأن القصف كان أكثر كثافة وأطول مدة واتساعاً لنطاق الأماكن المستهدفة، خصوصاً للمقار الأساسية ومراكز الدعم اللوجستي الإيرانية في منطقتي دير الزور والبوكمال على الحدود العراقية والتي تجاوزوت الـ18 موقعاً، والهدف منها دفع طهران لمراجعة حساباتها، إذ إن إيران تغتنم فرصة التغيير بين إداراتين في الولايات المتحدة وتزيد من نقل الأسلحة المتطورة الى سوريا.

اللافت أن مصادر أميركية كشفت أن هذه الضربات جاءت بناءً على معلومات استخبارتية أميركية، قدمها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لرئيس جهاز الموساد الإسرائيلي خلال لقائهما في مقهى في واشنطن قبل أيام.

العلاقة الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تعود إلى زمن بعيد، لكنها شهدت تقارباً واضحاً وملموساً خلال عهد الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، وفقاً لرونين بيرغمان المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، حيث كتب في تحليله عن عملية إغتيال أبو محمد المصري، قائلاً: "إن العلاقة الاستخباراتية بين إسرائيل والولايات المتحدة هي أفضل من أي وقت مضى، ودرجة الثقة والتقارب والتعاون عالية، وأن الموساد يقوم بتصفية حسابات لأقوى دولة في العالم".

 ويشير بيرغمان إلى أنه "ليس في وسع اسرائيل أن تقوم بجزء كبير من العمليات المنسوبة اليها ضد إيران، سواء في سوريا ولبنان أو العراق أو في إيران نفسها، من دون تغطية الولايات المتحدة ومظلتها عليها، فيتم استقبال رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين بحفاوة كبيرة، وتقدير عميق من قبل المسؤولين الذين يتواصل معهم الموساد في البيت الأبيض، ووكالة الاستخبارات المركزية وأركان الدولة".

لكن يبدو أن اسرائيل تسعى لما هو أبعد من لجم تنامي قدرات إيران العسكرية والحد من تمركزها في منطقة الشرق الأوسط، وفق رون بن يشاي المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" فعلى الرغم من اغتيال قاسم سليماني، لم تتوقف مساعي إيران عن ترسيخ قواعدها في سوريا، وإقامة جبهة ضد إسرائيل، لكنها فعلت ذلك بتكتم هذه المرة، وغيرت انتشارها في سوريا والعراق لتقليل قدرة القوات الجوية الإسرائيلية على إلحاق الضرر بالبنية التحتية العسكرية التي تبنيها في سوريا".

ويشير بن يشاي الى "أن الغرب اخطأ بتقديراته تجاه قآني من أنه يواجه صعوبات في خلافة سليماني، فقد استمر بعملية التوسع الإيرانية في الشرق الاوسط، بتكتم وبعيداً من الإعلام وبحذر أكثر من سلفه. التغييرات التي أجراها قآني في التعامل مع الميليشيات والقواعد ونقل الأسلحة كشفت ضوءاً للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وعلى افتراض انه نجح في تنفيذ خطته، فمن المرجح أن يجعل هذا الوضع صعباً على الجيش الإسرائيلي وعلى التعامل مع الجبهة السورية وربما الجبهة اللبنانية في الحرب المقبلة... إن حدثت".

 وبحسب المحللين العسكريين في الإعلام الإسرائيلي، فقد جاء قصف الخط الخلفي الإيراني شرق سوريا، وعلى ضفاف نهر الفرات قرب الحدود العراقية أكثر فتكاً، وبدقة كبيرة، وأدت عمليات القصف الجوي الى مقتل عسكريين وعناصر ميليشيات شيعية أجنبية، فيما قامت الطائرات الإسرائيلية من نوع "أف 35" بالتحليق على بعد مئات الكيلومترات في المجال الجوي السوري، وتم استخدام الأسلحة الموجهة بدقة لقصف ما لا يقل عن عشرة أهداف، كما أن توقيت الهجمات تم تحديده وفقاً لاعتبارين أساسيين، الاول الطقس الصافي خلال الأسابيع الأخيرة والذي يسهل القيام بأي هجوم نظراً لاتضاح الرؤية، أما الثاني، فهو استباق تغيير الإدارة السياسية في واشنطن.

وتشير التقديرات السياسية في إسرائيل، الى أن إدارة الرئيس جو بايدن المرتقبة ستحد من حرية إسرائيل السياسية في تحريك جيشها، بعد أن كانت إدارة ترامب قد منحتها الحرية الكاملة للعمل، كما منحتها الكثير من المعلومات الاستخباراتية والتعاون والمجال لتنفيذ عمليات عسكرية، لذلك فإن لقصف الاراضي السورية رسالة أيضاً إلى الرئيس السوري بشار الأسد ولإدارة بايدن بأن إسرائيل ستعمل من دون انقطاع وستستمر في وقف التمركز الإيراني في المنطقة، ولن تسمح للمشروع الإيراني بالتموضع في سوريا.

هنغبي

الوزير الإسرائيلي في حكومة بنيامين نتنياهو، تساحي هنغبي، رد على سؤال للإذاعة الإسرائيلية الرسمية، عما اذا ما كانت إسرائيل وراء الهجمات الجوية على سوريا، وكان لافتاً أنه برر الضربة الإسرائيلية لسوريا من دون أن يجيب صراحة عن مسؤولية إسرائيل عن القصف بقوله: "إن أكثر ما يقلق إسرائيل هو المشروع النووي الإيراني، خلال إدارة الرئيس ترامب الذي قام خلالها بإلغاء الاتفاق النووي وفرض عقوبات اقتصادية على إيران للحد من تطويرها لمشروعها النووي، لكن الإيرانيين نجحوا بالاستمرار خلال السنوات الأربع الماضية، كما نجحوا ايضاً في تحويل سوريا إلى نسخة عن "حزب الله" اللبناني، وتشكيل ميليشيات مع جنود مدربين وأسلحة وقواعد عسكرية. إسرائيل قامت بقصف القوة العسكرية الإيرانية مرة تلو الأخرى، لم يستسلم الإيرانيون او يتوانوا عن الاستمرار بمشروعهم، لذلك نقوم في كل فرصة سانحة بضرب هذه القواعد مرة تلو الأخرى.

وأكد هنغبي أن الإيرانيين لم يستسلموا بعد وفي كل مرة يحاولون من جديد، وبعد نجاح هذه الضربات في تدمير القواعد، فإن هدف إسرائيل الآن هو إقناع الإدارة الأميركية الجديدة ألا تعود إلى البنود القاسية في الاتفاق النووي السابق والصادم الذي أبرمته ادارة الرئيس باراك أوباما، وكان الرئيس بايدن أحد المخططين له. الاتفاق النووي ساعد إيران على تطوير مشروعها وتوسيع طموحها ونحن نسعى الى أن لا يحدث ذلك. اذا لم يقتنع الرئيس بايدن بذلك فإن إسرائيل ستكون وحيدة أمام إيران والمشروع النووي الإيراني. لن نسمح بذلك، لقد قمنا مرتين بما يلزم أمام المشاريع النووية في المنطقة... عام 1981 المفاعل النووي العراقي، وفي 2007 المفاعل النووي السوري. ونحن عازمون على فعل ما يلزم اذا كان هذا هو المطلوب".

=========================

الشرق الأوسط وألغام ترامب الأخيرة

جمال زحالقة

القدس العربي

الخميس 14/1/2021

ترك هجوم الرعاع الداعمين لترامب على الكونغرس الأمريكي أثرا قويًا على السياسة الأمريكية، ووضع الكثيرون في النخب الأمريكية علامات استفهام جدية حول إرث ترامب عموما، وليس فقط على سلوكه في معركة الانتخابات، ورفضه الاعتراف بالنتائج، وقيامه بحملة شعبوية غير مسبوقة ضد قرار الناخب الأمريكي.

وعلى الرغم من العزلة النسبية التي يعاني منها ترامب هذه الأيام، فإنه لم يتوقف عن اتخاذ قرارات تضع العراقيل أمام الإدارة الأمريكية المقبلة، ومن بينها قرار اعتبار الحوثيين منظمة إرهابية، واتهام إيران بإيواء قيادة منظمة "القاعدة" وتشجيع إسرائيل على تكثيف هجماتها على سوريا، وإطلاق مشاريع استيطانية جديدة، والعمل على بناء جبهة عربية ـ إسرائيلية للتصدي لمحاولات إدارة بايدن تجديد الاتفاق النووي مع إيران.

تخشى إسرائيل أن تتدهور الأمور بين الولايات المتحدة وإيران، في أيام ترامب الأخيرة، نتيجة لقراءة خاطئة للنوايا وسوء فهم للتحركات، وأن يؤدّي ذلك إلى مواجهة عسكرية، يصل مداها إلى إسرائيل. وتستعرض القوات الأمريكية في الخليج عضلاتها، بادّعاء ردع إيران، وتقوم بتحركات للقوات والسفن الحربية وبتحليق متكرر لقاذفات بي 52 العملاقة. وإذ يزداد التوتّر لدى القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، فقد قامت في الأيام الأخيرة برفع مستوى الاستعداد لأذرع الجيش، وبتسريب ذلك لوسائل الإعلام، حتى تصل الرسالة الى إيران مباشرة. وفي هذا الإطار جرى الكشف عن تحرّك غواصة إسرائيلية، تحمل رؤوسًا نووية عبر البحر الأحمر إلى جهة "قريبة من إيران" وهناك ايضًا طلعات لطائرات سلاح الجو الإسرائيلي في أنحاء البلاد كافة، وعلى مدار الساعة تأهبًا لأي طارئ. لهذا الحراك هدف مزدوج، فمن جهة هو استعداد لكل ما يمكن أن يحدث في أيام ترامب الأخيرة، ومن جهة أخرى استغلال التوتر لاستعراض القوّة وتوجيه رسالة الى إيران حول الذي "ينتظرها" في حال حصلت مستقبلًا مواجهة عسكرية. ومن المحتمل أيضًا أن يكون هذا التوتّر مفتعلًا للقيام بهذا الاستعراض للقوّة.

اقتحام الكونغرس أضعف شرعية ما قام به ترامب، ما يسهّل عملية إلغاء أو تجميد المشاريع والخطوات المرتبطة بفترة حكمه

وتستغل إسرائيل أيام ترامب المتبقية في البيت الأبيض، لتكثيف هجماتها العدوانية على ما تسمّيه أهداف إيران وحزب الله في سوريا. هي تقوم بهذا التصعيد استنادًا إلى فرضية أن إيران لن ترد، وانّها لن تسمح لغيرها أن يرد، حتى لا تفسد الأمور مع الإدارة الأمريكية الآتية إلى البيت الأبيض، وحتى لا تعطي ترامب ذريعة للقيام بهجوم عسكري عليها. وتأتي هجمات الأيام الأخيرة، التي ذهب ضحيتها العشرات، في ظل رضى أمريكي قد يتغيّر بعد ذهاب ترامب ومجيء بايدن، وما قد يليه من تحسين العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، التي ستعود إلى إعادة صياغة سياساتها تجاه الملف السوري أيضًا. وإذ ينهي ترامب عمله السياسي في البيت الأبيض، يستعد صديقه، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو لانتخابات جديدة يأمل ان يحصل خلالها على أغلبية مطلقة، تمكنه من تغيير القوانين كي يحمي نفسه من السجن، ومن تنفيذ ما يريد بحرية. لقد تعوّد نتنياهو، في حملاته الانتخابية، على الحصول على هدايا "ثمينة" من ترامب، وقد حصل فعلًا على هدايا كبيرة في الأشهر الأخيرة، وفي مقدمتها اندفاع عدد من الأنظمة العربية للتطبيع والتحالف العلني مع إسرائيل، بدعم وتشجيع من ترامب وإدارته. الاتصالات المكثّفة بين القيادات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية وصفقات الأسلحة، التي لم يعلن عن تفاصيلها بعد، ولقاء رئيس الموساد يوسي كوهين وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في "مقهى في واشنطن" هي مؤشرات إلى احتمال وجود هدايا سرية قد يعلن عنها لاحقًا.

ما ليس سريًّا هو الإعلان، قبل أيّام، عن خطّة استيطانية جديدة تشمل بناء ما يقارب 800 وحدة سكنية. ويأتي إقرار هذه الخطّة بعد إعلان بلدية القدس عن مخطط بناء 8300 وحدة، وتوسيع منطقة "تل البيوت" المتاخمة لبيت لحم، وهناك خطط أخرى جرى إقرارها في مسعى للاستمرار في حمّى الاستيطان، حيث وصل عدد الوحدات الاستيطانية، التي تم بناؤها عام 2020، أكثر من 12 ألفًا، ما يشكّل ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات الأخيرة. لقد تبنّت إدارة ترامب موقف المستوطنين حول شرعية الاستيطان، وشملت "صفقة القرن" اعترافا بها جزءًا من إسرائيل، حتى بلا تسوية سياسية. وتحاول إسرائيل استغلال ما تبقى من أيام ترامب لإقرار المخططات الاستيطانية، ووضع الأسس لبدايات بناء على أوسع نطاق، خشية أن يضغط عليها بايدن لتجميد الاستيطان، وعندها سيكون بيدها الادعاء، أنها تستكمل فقط ما تم إقراره، وما جرى البدء في بنائه، وهذا يكفي حتى انتهاء ولاية بايدن. ويقوم السفير الأمريكي في إسرائيل، اليميني المتطرف دانيئيل فريدمان، بالضغط على الحكومة الإسرائيلية لتسريع المخططات الاستيطانية، قبل أن يرحل ترامب، خدمةً للمستوطنين وأملًا في زيادة العقبات أمام الإدارة الجديدة.

إمعانا في الاستمرار في الخراب حتى اللحظة الأخيرة، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، عن أن الحوثيين في اليمن منظمة إرهابية، في خطوة تهدف إلى وضع العراقيل أمام إدارة بايدين في مسعاها المرتقب للعودة إلى المفاوضات مع إيران، وللاتفاق النووي، وفي محاولاتها البحث عن مخرج لإنهاء الحرب في اليمن، كما يطالب الكثيرون في الحزب الديمقراطي. من الواضح أن الولايات المتحدة أقدمت على هذا الإعلان، الذي سيدخل حيّز التنفيذ في 19.1.2021 يوما واحدا قبل حفل تنصيب بايدن، بعد أن طالبت بذلك السعودية وحكومة اليمن. وبما أن هذه الخطوة تضع العراقيل أمام المصالحة اليمنية، فهي تعبّر عن عدم رغبة السعودية بالتوصل إلى إنهاء الحرب وعن خشيتها أن تتعرض لضغوط من إدارة بايدن في هذا المجال. هناك إجماع على أن التأثير المباشر لتصنيف "أنصار الله" الحوثيين منظمة إرهابية، سيكون على حملات الإغاثة الدولية، التي تمنع المزيد من التدهور في حالة الكارثة الإنسانية، التي يعيشها الشعب اليمني، ومن الناحية العملية هذا عقاب لغالبية أهل اليمن وليس للحوثيين فقط. من اللافت للانتباه في هذا السياق أن إسرائيل نصبت بطاريات صواريخ حول مدينة ايلات شمالي البحر الأحمر، تحسّبًا لإمكانية تعرضّها لهجوم من اليمن، وقد أضافت إسرائيل الخطر اليمني ضمن التهديدات التي تأخذها بالحسبان، خاصة أنها متورطة في بعض جوانب الحرب الأهلية هناك. من الصعب تقييم تداعيات الإعلان الأمريكي المتأخّر، لكن من المهم الانتباه إلى أنه مهما فعلت إدارة ترامب في أيامها الأخيرة لضمان استمرار المواجهة في اليمن، فإنّ قرار الحرب والسلم يأتي من الرياض وليس من واشنطن.

وفي خطوة مفضوحة، هدفها عرقلة المفاوضات بين إدارة بايدن وإيران، وجّه وزير الخارجية الأمريكي تهمة إلى إيران بأنّها تأوي قيادات لمنظمة "القاعدة" وتسمح لها بإقامة معسكرات تدريب. هذه التهمة هي من النوع الثقيل في الولايات المتحدة، لأن "القاعدة" في الوعي الأمريكي ليست مجرد منظمة إرهابية، بل هي المسؤولة عن تفجير بناية التوأم ومقتل الآلاف من الأمريكيين. يعرف مايك بومبيو جيّدًا ان مثل هذا الكلام لن يمنع بايدن من الدخول في مفاوضات، لكنّه قد يضطره إلى وضع شرط إخراج "القاعدة" من إيران كجزء من المفاوضات، أو حتى كشرط لها، ووضع عراقيل جديدة امام سياسة بايدن في الشرق الأوسط. جاء اعلان بومبيو هذا، بعيد اجتماعه مع رئيس الموساد يوسي كوهين، المتواجد في واشنطن هذه الأيام للتنسيق، في ما يمكن لإدارة ترامب أن تفعله في اللحظات الأخيرة لمساعدة إسرائيل، بالأخص بكل ما يتعلّق بالملف الإيراني. ولا شك في أن زيارة كوهين تستهدف "عصر الليمونة" الترامبية حتّى آخر قطرة وحتّى آخر لحظة.

صحيح أن إدارة ترامب في مسعى محموم لنصب ألغام في طريق الرئيس المنتخب، جو بايدن، لكنّ اقتحام الكونغرس أدّى الى إضعاف مصداقية وشرعية ما قام به، وما يقوم به ترامب، ما يسهّل عملية إلغاء أو تجميد الكثير من المشاريع والخطوات المرتبطة بفترة حكمه. لقد خلق الهجوم على الكونغرس ميلًا جارفًا لدى الحزب الديمقراطي للتخلّص من إرث ترامب، وأضعف التوجّه نحو الاستمرار بالالتزام بما التزمت به الإدارة الجمهورية المنتهية ولايتها. يمكن استغلال هذا الوضع لرفع مطالب فلسطينية وعربية (هناك تردّد في استعمال هذه الكلمة بسياق الأنظمة) أصبحت الآن واقعية ومنها، إلغاء "صفقة القرن" جملة وتفصيلًا، وعدم الاكتفاء بوضعها على الرف، وكذلك شطب الاعتراف بضم الجولان، وتغيير الموقف بالنسبة للقدس، وعلى الأقل محو تعبير "القدس الموحدة" من القاموس السياسي للإدارة الجديدة، واتخاذ موقف حازم بالنسبة للاستيطان، استنادا إلى قرار مجلس الأمن 2334، الذي اتخذ في ديسمبر 2016 وغير ذلك من الأمور المرتبطة بترامب والمختلفة عن السياسات الأمريكية المعروفة. وإذ تعتقد إسرائيل ان ما حدث في تل الكابيتول يؤثر فيها سلبًا لارتباطها بترامب وتخشى من رياح جديدة مخالفة لإرثه، فإن على القيادة الفلسطينية بكل مستوياتها، الشروع بحملة تستهدف في مرحلتها الأولى رد الاعتبار لأولوية القضية الفلسطينية، واستغلال كل ثغرة لتحقيق ذلك، بما فيها بعض الثغرات في الموقف الأمريكي، الناجمة عن النفور من همجية ترامب، وما يمثله. مع الأخذ بعين الاعتبار، أن الولايات المتحدة منحازة لإسرائيل، وأن مواجهة إسرائيل تعني، في بداية ونهاية المطاف، مواجهة أمريكا. باختصار، من جهة العمل على تحقيق مكاسب على الساحة الأمريكية، ومن جهة أخرى الاستعداد لمواجهة السياسة الأمريكية المعهودة، التي سيعود إليها بايدن.

رئيس حزب التجمع الوطني في أراضي 48

=========================

ماذا تريد إسرائيل من سوريا؟

عدنان علي

سوريا تي في

الثلاثاء 12/1/2021

مع توالي الضربات الإسرائيلية الجوية والصاروخية في سوريا، يبرز السؤال عن حقيقة السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا منذ انطلاقة الثورة فيها قبل عشر سنوات، وهل وقفت على الحياد فعلا، وركزت فقط على محاربة الوجود الإيراني هناك، كما تدعي.

والواقع أنه بعد انطلاق الثورة السورية في ربيع 2011، حاولت إسرائيل الإيحاء رسميا بانتهاجها موقف الحياد حيال ما يجري، لكنها عمليا تدخلت هناك بطرق عدة تبعا لتطور الاحداث، وبما يخدم مصالحها الأساسية.

وفي السنوات الأولى، سكتت إسرائيل عن التدخل الإيراني المتصاعد آنذاك لصالح النظام الحاكم عبر الميليشيات الطائفية، بما فيها حزب الله اللبناني، قبل أن تغير موقفها خلال العامين الماضيين باتجاه محاربة ما تسميه الوجود الإيراني في الأراضي السورية.

وتميل معظم التحليلات الى أن السبب المقنع الذي يفسر "الحياد" الإسرائيلي إزاء التطورات في سوريا، هو أن تل أبيب رأت فيها فرصة ليس لإضعاف نظام الأسد وحسب، بل لإضعاف سوريا، كدولة، وتفتيتها كمجتمع وبنية داخلية، بهدف التخلص نهائيا من أي تهديد محتمل قد يصدر من جانبها تجاه إسرائيل لعقود عدة مقبلة. وهذا الهدف الاستراتيجي العام لإسرائيل، لا ينفي وجود تباينات بين قادتها حول الأهداف المرحلية. وانقسم هؤلاء بين اتجاهين: واحد يرى أن استمرار الحرب الداخلية دون غالب أو مغلوب هو مصلحة استراتيجية لإسرائيل، وآخر رأى أن على إسرائيل التدخل لصالح إسقاط النظام الذي ربط مصيره مع إيران، وطالما هو موجود سيظل لإيران موطئ قدم في سوريا. لكن السياسة الإسرائيلية تبلورت أخيرا، بالتفاهم مع روسيا، لصالح دعم الإبقاء على النظام الحالي، لكن مع مواصلة إضعافه إلى الحد الذي لا يمكنه أن يشكل خطرا على إسرائيل، بالتوازي مع مواصلة محاربة النفوذ الإيراني في سوريا.

إسرائيل كانت في وضع استراتيجي مريح جراء استمرار الصراع في سوريا بما يدمر الدولة المركزية والجيش المركزي دون أن تتكبد أية كلفة

ودخلت الاستراتيجية الإسرائيلية التي تركز على محاربة الوجود الإيراني مرحلة جديدة مع انحسار المعارضة المسلحة، وتركزها في شمالي غرب سوريا، وهزيمة تنظيم الدولة، وما رافق ذلك من اعتقاد بدنو مرحلة رسم صورة سوريا المستقبلية، ورغبة إسرائيل، على غرار بقية الأطراف الإقليمية والدولية، بأن يكون لها دور في ذلك. ومن هنا، زادت إسرائيل خلال الأعوام الأخيرة من معدل ضرباتها الجوية والصاروخية في سوريا، بالتزامن مع جنوحها لتبني هذه الضربات علنا في افتراق عن سياسة "الغموض البناء" التي انتهجتها سابقا.

وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل كانت في وضع استراتيجي مريح جراء استمرار الصراع في سوريا بما يدمر الدولة المركزية والجيش المركزي دون أن تتكبد أية كلفة، ودون أن تحلّ مكانه قوة ثورية مركزية فاعلة، حيث نشأت ميليشيات وقوى متشددة أو عرقية تسيطر على مساحات جغرافية محددة في ظل سلطة مركزية ضعيفة.

وبدت سياسة الإدارة الأميركية متماهية مع هذه المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث غضت واشنطن الطرف عن تدخل إيران وحزب الله لدعم النظام السوري، بحيث يتمكن النظام من البقاء، وأخذ زمام المبادرة، مثلما تغاضت عن تدفق السلاح والمقاتلين الداعمين للمعارضة، بما يسمح بتواصل عملية التدمير والإنهاك المتبادل بين الطرفين، ولكن لا يسمح لأي منهما بالانتصار مع تغذية الشعور لديهما بإمكانية الحسم العسكري.

وساعدت هذه السياسة القائمة على إطالة أمد الصراع في جعل كل الأطراف، بما فيها إيران، تدفع أثمان سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، فضلا عن حرف الأنظار عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والجولان السوري.

لكن مع انخراط قوى إقليمية ودولية بصورة فاعلة في مسار الأحداث، وخاصة روسيا في سبتمبر أيلول 2015، ظهرت المزيد من القيود والتعقيدات على الدور الإسرائيلي في سوريا، وهو ما استلزم مضاعفة الجهد للتفاهم مع روسيا حول حدود هذا الدور، على قاعدة المصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة.

وفي النتيجة، فقد واجهت الاستراتيجية الإسرائيلية عقبات عدة، بسبب إما محدودية القدرات الإسرائيلية في التعامل مع الأزمة، أو بسبب طبيعة العلاقة والمصالح والتشابكات التي نشأت بين اللاعبين الدوليين والإقليميين. كما أن هناك شكوكا حول مدى نجاح تل أبيب في الحد من نفوذ إيران وحزب الله في سوريا، سواء لجهة إحباط التموضع العسكري هناك، أم منع وصول أسلحة نوعية إلى حزب الله في لبنان.

كما أن إسرائيل تواجه معضلة في تحقيق أهدافها. فمن جهة هي تحارب الوجود الإيراني في سوريا، ومن جهة أخری فإن ضرباتها الجوية والصاروخية ضد هذا الوجود تؤدي إلى التصاق النظام أكثر بإيران لمواجهة هذه الضربات.

ووفق المعطيات المعلنة، فقد بدأت الضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية في مطلع العام 2013، لتتكرر بعد ذلك الهجمات الإسرائيلية الجوية والصاروخية والقصف المدفعي، على المواقع السورية وعلى نقاط لحزب الله وإيران، تركزت خاصة حول دمشق والحدود السورية مع إسرائيل، إضافة إلى العمق السوري في حماة وحمص وحلب وشرقي البلاد، استهدفت شحنات أسلحة متجهة إلى الأراضي اللبنانية أو قواعد قوات إيرانية.

وبالنسبة لردود النظام على هذه الهجمات الإسرائيلية، ظل النظام بشكل عام يحاول تحاشي الرد، أو حتى الإعلان عن الهجمات، إلى أن أحرجته إسرائيل بتبني الهجمات بطريقة أو أخرى في الفترات الأخيرة. وقبل إسقاط طائرة إسرائيلية في فبراير شباط 2018، خلال إحدى الغارات، لم تواجه إسرائيل ردودا تذكر على هجماتها من جانب النظام السوري و"محور المقاومة" بسبب انشغالهم بأولويات أخری في الحرب المحتدمة آنذاك وعدم رغبتهم في إشعال جبهة جديدة. لكن مع التدخل العسكري الروسي في سوريا سبتمبر 2015، بدأ النظام يستعيد تدريجيا المناطق التي خسرها من فصائل المعارضة، وهو ما أتاح له ولحلفائه زيادة جرعة التحدي للهجمات الإسرائيلية خاصة بعد إسقاط الدفاعات الجوية للنظام طائرة روسية بالخطأ في سبتمبر 2018 أثناء غارة إسرائيلية على الساحل السوري، حيث عمدت موسكو بعدها إلى إدخال منظومة صواريخ إس 300 إلى سوريا، لتخف بعدها نسبيا الغارات الإسرائيلية، قبل أن تنشط مجددا في الفترات الأخيرة.

ومع سعي روسيا إلى اقناع إيران بتقليص وجودها وميليشياتها في دمشق ومحيطها، فضلا عن تواصل الضربات الإسرائيلية على هذه المناطق في الفترة الماضية بغض طرف روسي مقصود، بدأت إيران البحث عن خيارات أخرى تمثلت في التوجه إلى العراق أو الحدود مع العراق (منطقة البوكمال السورية) إضافة إلى لبنان، وهو ما حدا بإسرائيل إلى تركيز عملياتها في الفترات الأخيرة على قصف مخازن سلاح وصواريخ إيرانية في البوكمال، تنفيذاً لتوافق أميركي ـ روسي بهذا الخصوص، بحسب مصادر دبلوماسية غربية.

ومنذ تدخلها العسكري في سوريا، توصلت روسيا إلى تفاهمات مع إسرائيل، احترمت بموجبها خطوطها الحمراء، وأكدت مرارًا أنها تتفهم مصالح إسرائيل الأمنية في سوريا. وفي البداية كان التفاهم بين الجانبين يقضي بالسماح لإسرائيل في مهاجمة الأهداف الإيرانية دون طلب إذن مسبق من روسيا، لكن روسيا لن تتحمل مسؤولية هذه الهجمات. وفي المقابل، قضى الاتفاق بأن تتجنب إسرائيل التدخل في جهود النظام السوري لإعادة السيطرة على المناطق التي سيطرت عليها فصائل المعارضة. لكن هذا التفاهمات تغيرت في سبتمبر 2018 بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية مقابل الساحل السوري، حيث باتت روسيا بعدها أقل تساهلا إزاء الهجمات الإسرائيلية مع التشديد على ضرورة إحاطتها علما قبل أية غارة إسرائيلية بوقت كاف، وتجنب استهداف مناطق فيها وجود للقوات الروسية.

وخلال سيطرة قوات النظام على الجنوب السوري في ربيع العام 2018، سعت إسرائيل للتوصل إلى تفاهمات مع روسيا تقضي بإبعاد إيران وميليشياتها مسافة 80 كلم عن الحدود، وهي تفاهمات لم تستطع روسيا الوفاء بها، حيث ما زال لإيران وجود ملحوظ في الجنوب السوري.

وخلال المشاورات اللاحقة من جانب مسؤولين في إدارة ترامب مع مسؤولين روس وإسرائيليين، أبدت إسرائيل والولايات المتحدة استعدادهما، بحسب تسريبات وسائل إعلام إسرائيلية وغربية، للمساعدة في تأهيل النظام السوري إقليميًا ودوليًا، مقابل أن تساعد روسيا في إخراج القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة من قبلها من سوريا، وهو العرض الذي سبق أن طرحه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، على الرئيس الروسي بوتين في سوتشي منتصف أيار مايو 2019. كما جرى طرح الموضوع خلال زيارة نتنياهو إلى موسكو، مطلع نيسان أبريل 2019، حيث اقترح نتنياهو تشكيل "فريق مشترك للعمل على سحب جميع القوات الأجنبية من سوريا".

روسيا تدرك أنه مهما بلغت درجة نفوذها، مع إيران أو دونها، فلا يمكنها التوصل إلى تسوية نهائية في سوريا من دون الحصول على مباركة الولايات والغرب بشكل عام

وحسب الصحف الإسرائيلية، فإن أبرز ما حملته اجتماعات نتنياهو – بوتين الأخيرة طلب موسكو بعدم استهداف قوات الأسد، أو أية أهداف أخرى في دمشق ومحيطها، لأن مثل هذه الغارات تضعضع نظام الأسد الذي تسعى روسيا جاهدة لإعادة تعويمه على الساحتين الإقليمية والدولية، مع مواصلة روسيا غض الطرف عن استهداف إسرائيل لإيران وميليشياتها بعيدا عن دمشق.

 وما يعزز من فرص إسرائيل للقيام بدور في سوريا، أن روسيا تدرك أنه مهما بلغت درجة نفوذها، مع إيران أو دونها، فلا يمكنها التوصل إلى تسوية نهائية في سوريا من دون الحصول على مباركة الولايات والغرب بشكل عام. ومن هنا، فإن روسيا تبحث عن شراكات جديدة لتسويق "إنجازاتها" في سوريا على المستوى الدولي بغية الحصول على اعتراف دولي بها، وتاليا بنظام الأسد، ومن ثم الحصول على الأموال المطلوبة بشدة من أجل إعادة إعمار البلاد، بما في ذلك تمكين النظام من الوصول إلى حقول النفط والغاز في شرق البلاد والواقعة اليوم تحت نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها. وبطبيعة الحال، لا يخفى مدى التأثير الإسرائيلي في الدور الأميركي في سوريا، وهو ما تدركه روسيا، وتسعى بقدر ما تستطيع إلى عدم إغضاب إسرائيل، على أمل التأثير من خلالها على الموقف الأميركي الذي يعيق حتى الآن عملية إعادة تأهيل نظام الأسد، وتدفق الأموال الأجنبية لإعادة إعمار البلاد.

وعليه، فإن المحددات التي تحكم سياسة إسرائيل تجاه سوريا مرتبطة بالتفاهمات مع روسيا، أكثر من ارتباطها بالموقف من نظام الأسد نفسه الذي لم تعد إسرائيل ترى فيه شريكا يعول عليه، نظرا لضعفه الداخلي، وعزلته الخارجية، وغموض مستقبله، بالتالي تدني قيمة أية تفاهمات قد يتم التوصل إليها معه. وبانتظار جلاء مصير النظام، فإن خطة إسرائيل هي القضاء على أكبر ما يمكنها من عناصر قوة لدى سوريا ككل، يمكن أن تشكل خطورة ولو محدودة عليها في المستقبل بعد طي صفحة النظام.

=========================

دروس روسية للأميركيين

بسام مقداد

المدن

الثلاثاء 12/1/2021

في زمن دراستنا في موسكو ، كانت تكثر النكات ، التي كان يتداولها الروس عن المقارنة بين الحياة في كل من الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة . واحدة من هذه النكات كانت تقول ، بأن أميركياً كان يتباهي أمام روسي بالديموقراطية الأميركية ، قائلاً : عندنا ديموقراطية في أميركا تسمح لك ، بأن تقف أمام البيت الأبيض وتشتم نيكسون ما وسعك ، من دون أن يتعرض لك أحد . فرد عليه الروسي بقوله : وعندنا في روسيا أيضاً ديموقراطية تسمح لك ، بأن تقف في الساحة الحمراء وتشتم نيكسون ما وسعك ، من دون أن يتعرض لك أحد.

ما يدور في روسيا الآن بشأن الحدث الأميركي ، يشبه إلى حد بعيد هذه النكتة ، حيث يقارن الروس بين ديموقراطيتهم والديموقراطية الأميركية ، وبين نظامهم الإنتخابي والنظام الأميركي ، ليستنتجوا أفضلية ديموقراطيتهم ونظامهم الإنتخابي ، مستشهدين بالحدث الأميركي الراهن . وزير الخارجية سيرغي لافروف ، وفي سياق تذكره لحديث قديم مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس ، وصف نظام الإنتخابات الأميركي بأنه "مغرق في القدم" ، فردت عليه رايس ، بأنهم عل اطلاع على عيوب النظام ، لكنها طلبت منه عدم التدخل في الشؤون الداخلية ، إلا أنها عادت وسألته عن نظام الإنتخابات الروسي ، حسب موقع "موسكوـــــ باكو" الأذري ، من دون أن يذكر الموقع ما الذي كان يعني رايس في نظام الإنتخابات الروسي.

رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الإتحاد كونستانتين كوساتشيف قال ، بأن الديموقراطية الأميركة أخذت تعرج على الساقين ، وأن أحداث واشنطن الأخيرة أثبتت ، أن الولايات المتحدة فقدت الحق بفرض النهج السياسي على البلدان الأخرى ، حسب موقع قناة التلفزة "ren.tv" . كما نقل الموقع عن الناطقة الرسمية بإسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا قولها ، بأن الإضطرابات في الولايات المتحدة إندلعت بسبب عيوب تظام الإنتخابات ، الذي لا يفي بالمعايير الحديثة ، ويتضمن إمكانية إنتهاكه.

كما ينقل الموقع عن بوليتولوغ روسي تأكيده مع ترامب ، بأن الإنتخابات الرئاسية الأميركية لم تكن شفافة ، ولهذا بالذات ، برأيه ، نظم أنصار الرئيس ترامب الشغب في الكابيتول . ويرى بأن شغب "الترامبيين" كان ردة فعل على عدم الإحترام من قبل النخب الأميركية ، التي "حطمت الديموقراطية منذ زمن بعيد".

توقف السياسيون الروس والمواقع الإعلامية الروسية بصورة خاصة عند وقف حسابات دونالد ترامب على الفيسبوك وتويتر ، ونبهوا الأميركيين إلى عيوب ديموقراطيتهم ونظامهم الإنتخابي . فقد اعتبر الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف ، أنه أصبح مع ترامب متشابهين في حظرهما على شبكات التواصل الإجتماعي ، وقرر إملاء درس عليه في ...الديموقراطية وحقوق الإنسان . فقال بأن ترامب سيق وأن فرض عليه الحظر في شبكات التواصل الإجتماعي ، لكن "العلي القدير استرجع العدالة" ، وتم حظر حسابات "ترامب المتمرد" في هذه الشبكات . فلو كان قد احترم الديموقراطية وحقوق الإنسان ، لكان من المحتمل ألا يحصل شيئ من هذا ، كما جاء على الموقع الأذري المذكور.

فلاديمير سالافيوف ، مقدم البرنامج السياسي الأشهر على قناة التلفزة الرسمية الروسية "المساء مع فلاديمير سالافيوف" المعروف بفظاظته مع أصحاب الرأي المختلف عن رأي الكرملين ، يملي بدوره على الأميركيين درساً آخر في إحترام دستورهم بشأن حقوق الإنسان. فقد نقلت عنه نوفوستي تذكّره كيف لم يسمحوا لترامب حظر تغريداته على تويتر عن بعض المستخدمين ، لأن مثل هذا الحظر ينتهك الحق في حرية الكلمة. لكن اليوم تجري عملية عكسية ، برأيه، إذ يفرضون حظراً دائماً على حسابات ترامب من دون إذنٍ من المحكمة ، مستندين فقط إلى قواعد الشركة الداخلية . ويتساءل سالافيوف ، ما إن كان هذا يشير إلى أنهم يسمحون للشركات الخاصة بإقامة مناطق غير خاضعة لأحكام الدستور الأميركي ، وما إذا كان هذا كله لا يمس بكل فردٍ أميركي، لأنه يُظهر بوضوح إنتهاك حقوق المواطنين الأميركيين.

كما تنقل نوفوستي أيضاً عن رئيس لجنة العلاقات مع أجهزة الإعلام في مجلس الإتحاد الروسي ألكسي بوشكوف ، إملاءه درساً إضافياً على الأميركيين في تحذيرهم من دور شبكات التواصل الإجتماعي الأميركية . يقول بوشكوف في تعليق له على حظر حسابات ترامب في تويتر وفيسبوك ، بأن ما قامت به هاتان الشركتان حيال ترامب هو "رمز آخر من رموز عالم أورويل( عالم جورج أورويل المتخيل) ، وإشارة إلى كل من بقيت لديه أوهام بهذا الشأن" . ويقول بأن شركات التواصل الإجتماعي الأميركية هذه أصبحت تقوم بدور الوصي على النظام الليبرالي وبأن غوغل ليس منصة معلوماتية ، بل منصة سياسية ، وبأنه جعل الرقابة جزءاً لا يتجزأ من عمله.

صحيفة الإزفستيا نقلت عن رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي قولها ، بأن إقتحام الكابيتول كان بمثابة الهدية ل بوتين. ورأت أن ترامب هو "أداة" روسيا من أجل تخفيض دور الديموقراطية في العالم ، وقالت ، أنه بين هدايا ترامب الكثيرة لبوتين ، قدم له بالأمس الهدية الأكبر . وذكّرت الصحيفة بدعوة بيلوسي إلى إزاحة ترامب الفورية عن السلطة ، بموجب التعديل 25 على الدستور الأميركي.

ونقلت الصحيفة عن رسلان حزباللاتوف ، الرئيس الأخير لمجلس السوفيات الأعلى في روسيا السوفياتية ، إعتقاده بأنه ، على الرغم من الإضطرابات في واشنطن ، إلا أن الأمر لن يبلغ حد عزل ترامب عن منصبه ، وذلك ، لأنه لم يتبق سوى أيام معدودة على تسلم جو بايدن السلطة.

كما تنقل الصحيفة ، مع غيرها من المواقع الروسية ، عن بوليتولوغ ، لم تحدد ازفستيا هويته ، أو أي من المواقع الأخرى ، والذي نبه بدوره الأميركيين والعالم ككل ، إلى أنه لم يكن من ديموقراطية في الولايات المتحدة في يوم من الأيام ، وأن إنتخابات 2020 الأميركية زادت الوضع تعقيداً.

صحيفة الكرملين "vz" كان لها التنبيه الأشد للأميركيين ، إذ عنونت نصها بشأن الحدث بالقول "طرد ترامب من شبكات التواصل الإجتماعي ، ستكون له عواقب كثيرة على الولايات المتحدة". وقالت ، بأنه يخطئ من يظن ، أن النخب الأميركية ردت على إقتحام الكابيتول بالحوار مع أنصار ترامب ، بل هي ردت بالقمع ، وليس في العالم الحقيقي فقط (التسريح من العمل للمشاركين في الإقتحام ، والتهديد بعزل ترامب) ، بل وفي العالم الرقمي أيضاً . فحظر ترامب وكبار أنصاره من شبكات التواصل الإجتماعي ، يعني عملياً حرمانهم من الوسيلة الأهم والوحيدة للتواصل مع العالم ، إذ أن وسائل الإعلام الأميركية التقليدية ، هي بيد الليبراليين ، او مسؤولي النظام.

تبشر الصحيفة شركات شبكات التواصل الإجتماعي الأميركية ، بأنه حتماً سوف يظهر بديل للفيسبوك وتويتر وأمثالهما لكي يتمكن المعترضون من إسماع صوتهم ، ولا بد ، برأيها، أن تظهر "روسيا اليوم" ، لكن على شكل شبكة تواصل إجتماعي . وترى ، أن حظر اليمينيين الأميركيين من قبل الليبراليين ، ينقذ اليمينيين ، لأنه بعد وصول بايدن ، وخسارة مجلس الشيوخ ، وخيانة النخب اليمينية ، وإقتحام الكابيتول ، تبدو الحركة اليمينية مشوشة وغير منظمة . والإضطهاد يمنحهم إمكانية رص صفوفهم ، والبرهان على أنهم ليسوا طائفة رئيس محدد ، بل هم تلك القوة ، التي تستطيع من جديد "أن تجعل أميركا أميركا".

ذلك هو الدرس الأخير ، الذي تمليه على الأميركيين صحيفة الكرملين ، وتريدهم أن يحبوا أميركا ويعيدوا لها مجدها ، الذي اضاعه الليبراليون برأيها.

=========================

الوطن والوطنية والمواطنة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 11/1/2021

الوطن والمواطنة والوطنية عبارات تكثر الآراء فيها، وتتداخل مفاهيمياً، وتغوص فيها الحقول والميادين المعرفية، لتجعلها تتراقص بين المسلّمات والحقائق كقضايا كأداء مستعصية على الفهم. عند عبورها الخاطر، يرتسم في الذهن الآدمي: الكرامة، ومسقط الرأس، وحليب الأم، وجرعة الهواء والماء والغذاء، والمدرسة، وأول لمسة حنان؛ إضافة إلى عَلَم الدولة واسمها ولغتها المدوّنة على هويتك.

ترتسم صور الأهل والتراب والتاريخ والصداقات والناس والإرث والتراث والمناقبيات ومواضع الفخر والانكسارات والنجاحات والإبداعات، وسلسلة تكوينية لا تنتهي؛ هي أنت والتاريخ والجغرافيا والسياسة والديموغرافيا والعقل والنفس والاجتماع والاقتصاد والحب والحرب والسلام والإنسان. تلك هي مكونات الوطن والمواطنة والوطنية، فمن الطبيعي أن تكون هذه المفاهيم على هذه الدرجة من التعقيد.

كل ذلك كان في المستوى العام والعاطفي والسليقي؛ أما في الأبعاد الموضوعية والسياسية، وشروط التحقق والكينونة، فلا بد من توفر مجتمع يحمل ويعيش حالة وحدة وطنية طوعية الانتماء، لا إقصاء أو تمييز فيها، أهله يعرفون الحق والواجب، في جغرافيا مهابة محققة ومعترف به دولياً، خيراته له، لا للحاكم أو المحتل، يعمل ويبني وينمو ويتطور بتوازن وتكافؤ فرص ضمن علاقات الديموقراطية نظامها، والمسؤولية نهجها والحرية تاجها.

في "الوطن" السوري، وخلال المائة عام الماضية؛ هل حقق السوريون أو تحقق لهم أيٌّ من القضايا أعلاه؟ الجواب حتماً بالنفي. ولذلك كتب المبدع السوري محمد الماغوط كتابه الأشهر: "سأخون وطني" وبالتأكيد لا يقصد أياً من المندرجات المذكورة أعلاه، بل ذاك الذي سحقها جميعاً، أو تسبب بعدم تحققها؛ فأي وطن أو مواطنة أو وطنية عاشتها سوريا خلال القرن المنصرم؟ لقرون، وليس لقرن، كانت أوامر الحياة والعيش، وكان الاسم والعنوان والعَلَم والرزق والتاريخ والسياسة خارج ما نسميه وطننا اليوم؛ كانت في الباب العالي؛ وما كنا غير رعايا كمجموعات وقبائل وعشائر وحمولات تابعة لمركز الإمبراطورية؛ مجموعات تمتلك مشتركات دينية ولغوية وجغرافية؛ ولكن كلها مجتمعة لم تشكل دعائم وطن أو وطنية أو مواطنة.

في الربع الثاني من القرن العشرين أتانا وصيٌ علينا، انتدبته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ومن أجل تدبر أمورنا وتحويلنا إلى كيانات "منسجمة"- باعتقاد القوة الاستعمارية- المنتدبة، قسمونا إلى دويلات على أسس وخطوط طائفية عصبوية إثنية اعتباطية لتيسير التحكم بها.

لم يخرج الاستعمار من وطننا دون أن يعهد لأذناب مرتبطة به القيام بمهمة السيطرة على البشر والحجر

وما كان ذلك حقيقة لتدبر أمورنا أو خلق عصبية مجتمعية قابلة للعيش كدولة/ أمة، ولكن من أجل تسهيل التحكم بنا؛ إلا أن رجال الوطن الشرفاء حالوا دون ذلك، وبقيت سوريا واحدة في جغرافيا الـ 185 ألف كم مربع، بعد اقتطاع أجزاء أُلحقت بلبنان وتركيا والعراق اليوم.

لم يخرج الاستعمار من وطننا دون أن يعهد لأذناب مرتبطة به القيام بمهمة السيطرة على البشر والحجر، حيث تعب المحتل من القيام بدور السلطة التي تتعهد كل شيء. لقد اكتفى بأخذ الخراج والخدمات دون كلفة. وهكذا، تحوّل الوكلاء إلى سلطةٍ تحكم بالحديد والنار، وبمركزية عجز الانتداب عن القيام به. تفنن الوكلاء باستبدادهم، وابتلعوا كل شيء. وأفدح ما أنجزوه ترسيخ إيديولوجية لا فسحة فيها للحرية أو الديموقراطية. احتكروا القانون والسلطة والمال والمقدرات.

طف الكيل. ورغم تبعثرهم، انتفض السوريون من كل حدب وصوب دون أن يكون هناك ما يوحدهم إلا الظلم والاستبداد والفقر. قامت ثورة السوريين، لأسباب تشبه ما حصل في دول عربية أخرى، ولكنها تختلف بعمقها وجوهرها وأطرافها وتشعباتها. عقد من الزمن، ويكاد الوطن والمواطنة والوطنية أو ما تبقى منها أن يتسرب من بين أصابع أهلها وأرواحهم الدامية. الدولة المركزية المبنية على امتلاك واحتكار كل شيء والاستبداد به، تلك التي تطعم وتحرم، والتي تلغي الوطن والوطنية والمواطنة، غير قابلة للحياة؛ وتلك القوى الخارجية- إقليمية كانت أم دولية- والطامحة للتوسع والهيمنة غير قادرة ولَم يعد في مصلحتها أن تستعمر هكذا جغرافيا وهكذا بشر، أو أن تحمي أو تشرف على وكلاء استبداديين ينوبون عنها؛ لأن تكلفة ذلك كبيرة سياسياً وعسكريا ومادياً. حتى أهل هكذا "وطن" يفضلون تركه لقرفهم من المركزية والوصائية والانتداب والإيديولوجيات كيفما كان شكلها.

وهاهم السوريون يجدون أنفسهم أمام جملة من المسارات الصعبة وأحياناً الإجبارية والقاهرة؛ فهل تسير الأمور باتجاه ترسيخ الأوضاع الراهنة بكل ما فيها من مظلوميات وصراعات وموازين قوى وانفلات؛ أو تركها تحت وحشيتهم لتتفسّخ وتتبعثر أكثر.

لا بد أن نقرَّ بأن فهمنا للوطن والمواطنية والوطنية مبني على أسس إيديولوجية عقائدية بعضها موروث عقائدياً وجلّها مزروع بقصدية خبيثة

وما العمل، وما الحل، وكيف الخروج من هذا الاستعصاء؟ هل يكون ذلك بتصعيد نخب وطنية في وجه القوى الدولية الوصائية، كما فعل زعماء الكتلة الوطنية السورية لإثبات أن ثمة قوة وطنية جامعة قادرة على التوافق بما يتجاوز الواقع المتشظي القائم؟ نخب تخلق البديل، وتجترح توافقات وطنية جديدة تسمح للناس بالتعايش والحياة. وهل نحتاج إلى مشروع تاريخي وعقائدي أو إلى مجرد سلمٍ أهلي وتعايش وطني يبعد منطق ما سُمِّي بقصدية الحرب "الأهلية" أولاً، ويحيّد ثنائية التناقض: السلطة- والمعارضة، ويعيد بذور التأسيس للتوحيد الطوعي للدولة الأمة؟

لا بد أن نقرَّ بأن فهمنا للوطن والمواطنية والوطنية مبني على أسس إيديولوجية عقائدية بعضها موروث عقائدياً وجلّها مزروع بقصدية خبيثة حالت دون ولادة أي حكم رشيد أو تنمية حقيقية أو ممارسة ديموقراطية وهي المرتكزات الأساسية للوطن والدولة العفيّة.

تبعثر أو تدمير سوريا وإقامة كانتونات أو ممالك صغيرة تافهة حتى لو حمتها قوى إقليمية أو كبرى لن يبني للسوريين دولتهم الأمة ولا وطناً ولا مواطنة، ولن يحمي هوية أو ثقافة مكونات مسكونة بالمظلومية. فهذه الكنتونات لن تكون إلا بؤرَ تعصب وعنف وفقر؛ حتى لو توفرت ريعيات للبعض. ومن هنا ليس هناك نجاة فردية، ولا نجاة لمكون، بل في بناء دولة المواطنة والمدنية والحرية والديموقراطية والحكم الراشد تؤسسه نخبة سياسية أخلاقية وطنية تضع الإنسان والقانون والوطن فوق كل اعتبار.

=========================

من يملك حق التجنيد الإجباري؟

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 11/1/2021

على طول مناطق سيطرة النظام السوري وعرضها يقبع آلاف الشبان في بيوتهم هرباً من التجنيد. يتحركون في نطاق محدود حذرين من الحواجز، ويحلّون مشكلة الدوريات المكلفة بالبحث عنهم بالرشوة.

مع اقتراب العام العاشر للثورة من نهايته، مع ما تلا ذلك من صراع عنيف، فقد واجهت هذه المعضلة مئات آلاف المطلوبين لأداء الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية مهما كان موقفهم السياسي. وربما كان العدد أكبر من ذلك مع توالي الأجيال التي كبرت خلال العقد الأخير لتجد نفسها أمام هذا الاستحقاق بمجرد بلوغها الثامنة عشرة، أو إنهائها الدراسة التي هي المبرر الأشهر للتأجيل عن الخدمة الإلزامية.

لم يبدُ الأمر باهظ الثمن في البداية، ولا سيما لدى البيئات المؤيدة للنظام أو الرمادية. فقد انخرط الأولون في قواته بحماسة للقضاء على "المؤامرة"، في حين انصاع الآخرون، كعادتهم، لحكم "الدولة" وأرسلوا أبناءهم للقتال في صفوفها دون أن يعوا مقدار الخطورة وعظم المهمة التي استهلكت من أعمار الشبان ما تجاوز الثمانية أعوام أحياناً، في حين أن المدة النظامية المقررة للخدمة الإلزامية كانت قد استقرت على ثمانية عشر شهراً في آذار 2011 الذي صادف قيام الثورة. ومن المهم أن نذكّر أن من نجوا بعد سنوات الخدمة الطويلة هم المحظوظون، في حين توالت التوابيت مصحوبة بمراسم تكريم "الشهداء" البائسة، أو سيارات الإسعاف إلى المشافي وربما الإعاقة بعد ذلك. مما دفع إلى التهرب من الخدمة حتى في أوساط موالين لصيقين أو البحث عن طرق للتحايل وتدبير هجرة الشبان في بيئات مؤيدة هاجعة. في حين قاد الوقوع في الاصطفاف، نتيجة التجنيد الإلزامي لا الاختيار، إلى تورط أسر في الوقوف في معسكر النظام طالما أنها لن تتمنى لابنها الهزيمة التي كثيراً ما عنت الموت. وتمزقت عائلات أخرى بين معارض و"شبّيح" ارتدى البزة العسكرية عنوة.

تجاوز النظام حذره من مسألة الولاء فعمد إلى تجنيد أبناء المناطق الثائرة بعد أن استعاد سيطرته عليها

غير أن الأمر لم يتوقف هنا. فمع النزيف المفتوح الذي أصاب "الجيش العربي السوري" بالمعارك والانشقاقات والتهرب، واستنكاف أكثر المطلوبين للتجنيد في محافظة كاملة، هي السويداء، عن الالتحاق بالخدمة؛ تجاوز النظام حذره من مسألة الولاء فعمد إلى تجنيد أبناء المناطق الثائرة بعد أن استعاد سيطرته عليها، في انهيارات عسكرية أعقبتها "مصالحات" خلال السنوات الأخيرة، أرجعت إلى سلطته جزءاً معتبراً من مساحة البلاد ومئات آلاف، وربما ملايين، "الرعايا" الذين فرض على المكلّفين منهم الالتحاق بالخدمة العسكرية بعد مدة ستة أشهر على إنجاز اتفاقية "المصالحة" وتسوية أوضاعهم الأمنية حتى لو كانوا من المقاتلين المناهضين له خلال السنوات السابقة. معتمداً على الرقابة التي يشرف عليها ضباط موثوقون، وعلى صعوبة الانشقاق بعد أن استقرت الحدود المسلحة عملياً في البلاد. ومؤخراً أضاف إلى المستهدفين بالتجنيد أولئك الذين خرجوا من السجن بعد اتهامهم بمناهضة السلطة في "محكمة الإرهاب"، سواء قضت هذه المحكمة ببراءتهم أو أنهوا سنوات حكمهم أو ما زالوا قيد المحاكمة خارج السجن. ومن المعروف أن معظم من مثُل أمام هذه المحكمة هم من معتقلي الثورة في المظاهرات وغيرها.

بناء على الجردة الواسعة السابقة والمستمرة لأعوام، مدفوعاً بغريزة البقاء، أضاف النظام إلى جرائم قصف المدنيين وحصارهم وتهجيرهم واعتقالهم؛ جريمة زج عدد يصعب حصره من الرجال في معارك الموت، ليقتُلوا أو يُقتَلوا ببساطة. وإذا كانت الانتهاكات الأولى مما يطوله القانون الدولي، ولو نظرياً، فإن التجنيد الإلزامي ما يزال من الصلاحيات المعترف بها للنظام ما دام يمسك بتمثيل سوريا في الأمم المتحدة. وهذا وجه فادح من أوجه قصور المواثيق الدولية وتعاطي العالم مع القضية السورية ما دام قد قرر، بناء على وصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن النزاع في هذا البلد أصبح، قانوناً، صراعاً مسلحاً غير دولي، أو حرباً أهلية بالتعبير السياسي الشائع، في تموز 2012.

طالما أن تجريم قيام الجماعات المسلحة بالتجنيد الإلزامي هو محل اتفاق؛ فعلى أي أساس تقوم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بهذا السلوك

لا يفرض القانون الدولي على "الحكومة" أي قيود على تجنيد الأفراد حتى بعد أن أصبحت أحد أطراف النزاع. فوفق ورقة أعدها "المركز السوري للعدالة والمساءلة" ينظر القانون الدولي إلى التجنيد الإلزامي على أنه ممارسة لسيادة الدولة، ولا توجد أحكام في هذا القانون تمنع تلك الممارسة. أما بالنسبة للجهات المسلحة غير الحكومية فيعدّ التجنيد الإلزامي انتهاكاً للقانون، مثله مثل الاسترقاق أو الخطف، لأن هذه الأطراف لا تملك المزايا التي تتمتع بها الدول ذات السيادة. وهنا نتساءل إن كان رفض أداء الخدمة أو الفرار منها أو الانشقاق عنها، وهو مما يخالف أنظمة السيادة المحلية، فهل العقوبات التي تفرضها السلطات على هذه السلوكيات مغطاة أيضاً بالقانون الدولي؟ أم أن تجنب الخدمة في قوات متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مما ينبغي تشجيعه من الناحية القانونية وليس الأخلاقية فقط. وهل تعود هذه المسافة بين حق الفرد وصلاحيات الدولة هنا إلى أن واضعي القانون الدولي هم ممثلو الدول، لا المجتمعات، في الأصل؟

سؤال آخر يجدر طرحه في الحالة السورية: طالما أن تجريم قيام الجماعات المسلحة بالتجنيد الإلزامي هو محل اتفاق؛ فعلى أي أساس تقوم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بهذا السلوك دون أن يتناقض ذلك مع الدعم الذي تتلقاه من دول غربية حليفة مقيدة بالقانون؟ علماً أنها الجماعة الوحيدة التي تفرض التجنيد الإلزامي، وهو ما لم تفعله قوات الجيش الحر أو الوطني أو الفصائل الإسلامية، ولم تمارسه حتى داعش!

=========================

ما تأثير عودة ماكغورك حليف "قسد" إلى الملف السوري في مجلس الأمن القومي الأمريكي؟

القدس العربي

الاثنين 11/1/2021

أنطاكيا – "القدس العربي": تشير الأنباء من واشنطن إلى تعيين المبعوث الأمريكي السابق للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم "الدولة" بريت ماكغورك في منصب مدير ملف الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي بإدارة الرئيس المنتخب جو بايدن.

وتلقفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هذه الأنباء، وعبرت عن ارتياحها للخطوة، نظراً للعلاقة الجيدة التي تربطها بماكغورك، وهو ما عبر عنه عضو هيئة العلاقات الخارجية في حزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي، دارا مصطفى، بقوله في تصريح لموقع كردي: "نأمل من عودة ماكغورك القوية لموقع مسؤولية أعلى لإدارة كامل ملفات الشرق الأوسط، أن يساهم في حلحلة الأزمة السورية عبر دعم مشروع الإدارة الذاتية". ومقابل ارتياح "قسد" تسببت هذه الأنباء في حالة من القلق لدى طيف واسع من المعارضة السورية، وذلك بسبب مواقف ماكغورك الداعمة لـ "قسد" ومشروعها الموصوف بـ "الاتفصالي".

وكان ما كغورك قد استقال من منصبه السابق، في كانون الأول/ ديسمبر عام 2018 احتجاجاً على قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، وذلك بعد ساعات من إعلان وزير الدفاع حينها جيمس ماتيس استقالته.

وقال الباحث في جامعة "جورج واشنطن" رضوان زيادة، إن حصول ماكغورك على منصب في إدارة بايدن، يعد أمراً متوقعاً، بالنظر إلى أنه كان عضواً في حملة بايدن الانتخابية.

"سوريا الديمقراطية" مرتاحة للخبر بعكس المعارضة

وحول تأثير تعيين ماكغورك في هذا المنصب على الملف السوري، اعتبر زيادة أن من المبكر الحكم على ذلك، موضحاً لـ"القدس العربي": "يجب أن ننتظر كيف سيكون حجم اهتمام وزير الخارجية الأمريكي المقبل أنتوني بلينكن، بالملف السوري، فإذا كان وزير الخارجية مهتماً ووضع الملف السوري كأولوية فربما يتم تحييد الأشخاص الآخرين في مجلس الأمن القومي". وأضاف، أنه في هذه الحالة، سيبقى تأثير ماكغورك على الرئيس الأمريكي، لكن لن يكون الصوت الوحيد، والملف السوري مرتبط أيضاً بالوضع الذي ستؤول إليه العلاقات الأمريكية- التركية.

وبسؤاله عن مدى ارتياحه لشغل ماكغورك هذا المنصب، أشار زيادة إلى مواقف ماكغورك "السلبية" من المعارضة السورية، ودعمه لقوات الحماية الكردية على حساب الانتقال السياسي من سوريا، وقال كل هذه المواقف تدعو للشك والريبة من رؤيته المستقبلية. وأنهى بقوله: "بصراحة لست في حالة ارتياح، لأن ماكغورك أثار الكثير من المخاوف لدى شريحة واسعة من السوريين".

الباحث المختص بالشأن الأمريكي، عبد الرحمن السراج، قال إن "فوز بايدن منذ البداية أثار مخاوف المعارضة السورية، وهذا الخوف مبرر، بسبب الخشية من تكرار طريقة إدارة باراك أوباما، في الملف السوري".

وأكد لـ"القدس العربي": أن "تعيين ما كغورك سيكون سلبياً بكل المقاييس في الملف السوري، حيث من المرجح أن لا تدعم إدارة بايدن صراحة إعلان حكم ذاتي في شمال شرق سوريا، وإنما ستسعى إلى فرض ذلك بخطوات على الأرض لفرض الأمر الواقع ". وحسب السراج فإن خطورة ما كغورك لا تتوقف على دعمه المشروع الكردي فحسب، وإنما من موقفه المتشدد تجاه تركيا الداعم الوحيد المتبقي للمعارضة السورية، أيضاً. وقال إن "الإدارة الأمريكية عودتنا على القصور في وضع السياسات والاستراتيجيات في ملفات الشرق الأوسط، وبالتالي فإن موقف ماكغورك المتشدد تجاه تركيا، سيضع المعارضة السورية في خيارات صعبة".

وحسب مصدر مطلع على الشأن الأمريكي، فإن تولي ماكغورك لهذا المنصب، من شأنه زيادة الدعم المقدم لـ "قسد" وقال لـ"القدس العربي" طالباً عدم الكشف عن اسمه، "ماكغورك يُعتبر من أشد المناصرين لفكرة منح الأكراد حكماً ذاتياً".

وفي السياق ذاته، يرى الصحافي الكردي شيرزان علو، أن "قسد" تبدو أكثر ارتياحاً مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وتحديداً لجهة تسلم ماكغورك منصباً مهماً في هذه الإدارة.

وأضاف لـ"القدس العربي" أن تشدد ماكغورك تجاه تركيا، يجعل "قسد" في حالة من الترقب للسياسة الأمريكية في الملف السوري.

ووصفت صحيفة "يني شفق" التركية الأنباء عن تعيين ماكغورك بـ "القرار مثير للجدل من بايدن" وقالت إن "ماكغورك معروف بمعاداته لتركيا وحبه ودعمه لتنظيمات بي كا كا الإرهابي" حسب الصحيفة التركية. وذكّرت بتلقي ماكغورك لوحة تقديرية من أحد القادة المزعومين لتنظيم الوحدات الكردية الذراع السورية لمنظمة "بي كا كا" في وقت سابق.

=========================

2021 .. عام الحروب الممتدّة

معين الطاهر

العربي الجديد

الاثنين 11/1/2021

لم يكن عام 2020 خاليًا من المعارك والحروب في منطقتنا العربية، فقد اشتعلت فيه جبهات عدة من اليمن وحتى ليبيا، مرورًا بالعراق وسورية وقطاع غزة، وطاولت شظايا المعارك السعودية، وشهدت إيران تفجيراتٍ في منشآتها النووية، واغتيل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بغارة جوية أميركية بالقرب من مطار بغداد، وأخيرًا اغتيل رائد المشروع النووي الإيراني، محسن فخري زاده.

شهد قطاع غزة، خلال العام المنصرم، ثلاثمائة غارة إسرائيلية، وطاولت الصواريخ الفلسطينية والبالونات الحرارية مستوطنات غلاف غزة، ووصلت إلى بعض المدن الإسرائيلية القريبة. أما سورية، وإلى جانب معارك النظام والمعارضة، ووجود قوات روسية وأميركية وتركية فيها، فقد تعرّضت لخمسين غارة إسرائيلية في مواقع تعود إلى حزب الله والحرس الثوري الإيراني الذي زاد من رقعة انتشاره على الأرض السورية، وتمكّن من التموضع على طول الطريق البريّ الذي يربط بين الحدود الإيرانية عبر العراق إلى داخل سورية، ومن نقل أعداد كبيرة من الصواريخ البالستية القادرة على الوصول إلى عمق الجبهة الداخلية الإسرائيلية. ذلك كله يعني، بوضوح، أن منطقتنا عاشت حالة حرب كاملة بأشكالها المختلفة خلال عام 2020.

التاريخ يحفل بالحوادث المفتعلة التي استُخدمت لإشعال الحروب وتأجيج النزاعات

أما عام 2021، فيبدأ والعالم يحبس أنفاسه تخوّفًا من عمل طائش قد يُقدم عليه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لإعاقة انتقال السلطة إلى الرئيس المنتَخب جو بايدن، أو لجعل مهمته في التفاوض على الملف النووي الإيراني أكثر صعوبة، عبر إيجاد حقائق جديدة على الأرض، قد تورّط الإدارة الأميركية التالية في مواجهة طويلة. لذا، تكثر التحليلات عن توقّعات ضربة أميركية على إيران، تتناول هدفها ومداها، وتوقعات ردة الفعل الإيرانية عليها، وهل ستتمكّن من احتواء الموقف، كما فعلت تجاه عمليتي اغتيال سليماني وزاده، وتجاه الغارات الإسرائيلية على مواقعها في سورية، لتفويت الفرصة على ترامب، وبدء صفحة جديدة مع خليفته، أم أنها ستنفذ ردًا مناسبًا؟ علمًا أن خيارات الرد وأماكنه المحتملة واسعة، تمتد من المصالح الأميركية في الخليج، إلى الأرض الفلسطينية المحتلة، أو تنطلق من إيران ذاتها، أو من مواقع حلفائها في سورية ولبنان والعراق واليمن، ما يجعل التنبؤ باندلاعها وتطوّرها مسألة صعبة، ويترك الخيارات مفتوحةً على مصراعيها. وتقل فرص ترامب لشنّ هذه الحرب إذا ما واجهته إيران وحلفاؤها بضبط النفس، مع ملاحظة أن التاريخ يحفل بالحوادث المفتعلة التي استُخدمت لإشعال الحروب وتأجيج النزاعات.

لم تعد الجيوش العربية مصدر قلقٍ للجانب الإسرائيلي، إذ اختفت جبهاتها معه

لن تختفي المخاطر على منطقتنا برحيل ترامب عن رئاسة الولايات المتحدة؛ إذ ما زالت بؤرة الشر المتمثّلة بالكيان الصهيوني قائمة، ولا توجد إرادة دولية لإيجاد حلٍّ يكفل للشعب الفلسطيني حقوقه العادلة، وستنحصر الجهود الأميركية والدولية في إطار إدارة الصراع، في وقتٍ سيزداد فيه قضم الأرض الفلسطينية وتوسيع المستوطنات. كما أن تحوّل التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني إلى تحالفٍ في مواجهة قوى إقليمية أخرى، مثل إيران وتركيا، سيجرّ المنطقة إلى مخاطر ستتّسع بعودة إسرائيل إلى ممارسة دور الشرطي في المنطقة، فضلًا عن انعكاس العلاقة الأميركية – الروسية، في ظل إدارة الرئيس بايدن، على تطوّرات الوضع في سورية، ومحاولات إدراج ملف الصواريخ البالستية والنفوذ الإيراني في المنطقة ضمن بنود المفاوضات على الملف النووي الإيراني، وهي بنودٌ، تفوق في أهميتها، بالنسبة إلى الكيان الصهيوني وبعض دول المنطقة، امتلاك إيران قنبلة نووية؛ فهذه الصواريخ يمكن استخدامها في نزاعاتٍ محدودة، على عكس السلاح النووي الذي يُعتبر سلاحًا للردع، وطريقًا للوصول إلى حالة من توازن القوى، من شأنها أن تمنع أي طرفٍ من الإقدام على استخدامه، هذا كله سيُبقي منطقتنا عرضةً لأشكال مختلفة من التوترات والنزاعات والحروب، لكن السؤال الرئيس هنا يتركّز حول أشكالها المتوقعة.

في الجانب الإسرائيلي

كثيرة المتغيّرات العسكرية والتقنية والسياسية التي أثّرت في قدرات الجيش الإسرائيلي منذ آخر حروبه مع الجيوش العربية في عام 1973، واحتلاله بيروت في 1982، والانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية، وانسحابه من لبنان في عام 2000، ومن ثم حروبه على قطاع غزة، في 2008 و2012 و2014، وحربه على لبنان في 2006.

لم تعد الجيوش العربية مصدر التهديد الأول للكيان الصهيوني، حيث حُيّدت منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد مع مصر، والاحتلال الأميركي للعراق، وتوقيع اتفاقية وادي عربة مع الأردن، وتوقيع اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاك سورية في الحرب الضارية التي تشهدها. لم تعد الجيوش العربية مصدر قلقٍ للجانب الإسرائيلي، إذ اختفت جبهاتها معه. وفي الوقت ذاته، تولّدت جبهاتٌ أخرى ذات طبيعة مختلفة؛ جبهتان ترابط فيهما قوات شبه نظامية: جبهة قطاع غزة، حيث حركتا حماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة الفلسطينية، وهي جبهة دائمة الاشتعال، فما إن تهدأ أيامًا حتى تشتعل بضرباتٍ وضرباتٍ مضادّة، مع ترقّبٍ دائم لانفجارها، كما حدث في الاجتياحات الإسرائيلية الثلاثة. وجبهة ثانية مفترضة، وهادئة بحذر، منذ حرب عام 2006 في الجنوب اللبناني، وإن كانت قد امتدت إلى سورية التي انتشرت فيها قوات من حزب الله بعد انحيازه للنظام السوري، جنبًا إلى جنب مع الحرس الثوري الإيراني، حيث يسعى جيش العدو إلى إعاقة نقل الأسلحة والصواريخ ومراكمتها عبر توجيه ضرباتٍ مستمرة لمواقعهما في سورية وعلى الحدود العراقية، من دون ردٍّ منهما، لكن كل التقديرات تشير إلى تحقيق نجاحٍ لافتٍ على مستوى تخزين ترسانة صاروخية، وتموضع قوات، وإقامة منشآت تصنيع عسكرية، على الرغم من كثافة الضربات التي وُجّهت إلى تلك المواقع، وتم ذلك وسط معادلة معقدة، عمادها عدم الرد على الضربات الإسرائيلية، والاستمرار في تدفّق السلاح والقوات. ولم تتغير هذه المعادلة خلال عام 2020.

ثمة جبهة ثالثة في الضفة الغربية تتمثّل في عمليات "الذئاب المنفردة"، من طعن ودهس وإطلاق نار، وأشكال المقاومة الشعبية المتعدّدة. وهي في حالة اشتباك مستمر مع الاحتلال، على الرغم من تنسيقه الأمني مع السلطة الفلسطينية، الأمر الذي أنهك الجيش الإسرائيلي منذ الانتفاضة الأولى، وحوّل وحدات المشاة التي انتشرت على الحواجز وفي الطرقات إلى وحدات شُرَطية، وأعاق برامجها التدريبية، وأضعف من روحها المعنوية.

نتيجة تطوّر القدرات الصاروخية في قطاع غزة، ولدى حزب الله، ظهرت معطيات جديدة أدّت إلى نشوء جبهة داخلية في الكيان الصهيوني

في الحروب الأخيرة على غزة ولبنان، تراجعت أفكار كانت تشكّل جوهر الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، مثل فكرة الحرب الخاطفة القادرة على تحقيق النصر في غضون ساعات أو أيام، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وإبعاد الجبهة الداخلية عنها، حيث كان المستوطن الإسرائيلي يجلس على مقاهي تل أبيب وشواطئها، في وقت يحتل فيه الجيش الإسرائيلي أراضي عربية جديدة.

وقد حقّقت الآلة العسكرية الإسرائيلية تقدّمًا كبيرًا في القوة النارية التي تمتلكها؛ في سلاح الجو والصواريخ والمدفعية، كما هي الحال في قدرتها الاستخبارية المدعّمة بالتكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى قدراتها التقنية باستخدام الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية لأغراض عسكرية، وصلت إلى حدّ استخدامها في عمليات الاغتيال والقتل وتوجيهها عن بُعد. ولكن تلك الآلة المتطوّرة واجهت ثلاث نقاط ضعف، هي بمنزلة كعب أخيل:

الأولى: نتيجة تطوّر القدرات الصاروخية في قطاع غزة، ولدى حزب الله، ظهرت معطيات جديدة أدّت إلى نشوء جبهة داخلية في الكيان الصهيوني، إذ لم يعد العمق الإسرائيلي، بما فيه من مدن ومستوطنات ومنشآت اقتصادية، بعيدًا عن أي حربٍ محتملة. وقد تنامت هذه القدرات بشكل لافت خلال العامين الماضيين، فأصبحت دولة الاحتلال كلها ضمن مدى هذه الصواريخ، وخصوصًا في ظل عدم نجاح منظومة القبة الحديدية في التصدّي لها. لهذا، وفي أي حربٍ مقبلة، ستكون إسرائيل بأسرها منغمسة فيها على نحو أشدّ مما شهدته خلال حرب عام 2014 على قطاع غزة.

الثانية: تتعلق بالمدى الزمني للحروب؛ ففكرة الحروب التقليدية الخاطفة قد انتهت، ولم تعد هناك جيوش كلاسيكية يمكن تطويقها وإبادتها. أي حربٍ جديدةٍ ستستغرق وقتًا طويلًا، وستكون إسرائيل كلها تحت وطأتها بدرجات مختلفة، وسقوط بضعة صواريخ على التجمعات الكبرى في كل يوم سيكون كفيلًا بشلّ الحياة فيها، وجعل سكانها يقضون أغلب أوقاتهم في الملاجئ.

الطائرة والصاروخ قادران على تدمير الأهداف المقصودة، لكن ليس على احتلالها أو السيطرة عليها، والتي لا يمكن أن تتم من دون العامل البشري

الثالثة: تتعلّق بوحدات المشاة في الجيش الإسرائيلي. انتبه رؤساء أركان الجيش المتعاقبين إلى ضعف قدرات وحدات المشاة، على عكس التطوّر الكبير الحاصل لدى وحدات الجيش الأخرى، مثل القوة النارية، وسلاح الجو، والصواريخ، وسلاح الاستخبارات، والتطوّر التقني العام. فمن المعروف أن الطائرة والصاروخ قادران على تدمير الأهداف المقصودة، لكن ليس على احتلالها أو السيطرة عليها، والتي لا يمكن أن تتم من دون العامل البشري. وضع الجيش الإسرائيلي خططًا عدة من أجل تطوير وحدات المشاة، لكنها اصطدمت بتطوّرات الوضع في الأرض المحتلة، كما بالأزمات السياسية في داخل الكيان الصهيوني، والموازنات اللازمة، واستدعاء وحدات المشاة للسيطرة على الوضع في الأرض المحتلة وحماية المستوطنين، انتهاءً بما سببته جائحة كورونا، فلم تتمكن فعليًا من إعادة تأهيل هذه الوحدات وتدريبها وربطها بالتقدّم الذي طرأ على أذرع الجيش الأخرى.

توالت محاولات قادة الجيش الإسرائيلي لتحقيق ذلك، منذ وضع رئيس الأركان الأسبق، غابي أشكنازي، خطة "تيفين" في عام 2008، والتي طوّرها غادي آيزنكوت إلى خطة "جدعون"، في 2015، لتستقر مع رئيس الأركان الحالي، أفيف كوخافي، على خطة عُرفت باسم "تنوفا"، في عام 2020، بهدف إعادة الاعتبار إلى سلاح المشاة في أرض المعركة. لكن الذي تحقّق فعلًا هو تأهيل بضع وحدات فقط من وحدات النُخبة في الجيش الإسرائيلي لتمكينها من استخدام القدرات التقنية المتوافرة، والتعامل مع المعطيات الميدانية، ومنحها صلاحية الاتصال المباشر مع أسلحة الجيش الأخرى خلال مهماتها الميدانية.

على وقع ما حدث من تطوّرات في عام 2020 وما قبله، قد يكون بالإمكان التنبؤ بما قد يحدث في عام 2021، ونلخصه بما يلي:

1- من الصعب الحديث عن اجتياحاتٍ تستهدف احتلال أراضٍ جديدة والبقاء فيها، سواءً في غزة أم في جنوب لبنان، لكن قد نشهد تقدّمًا محدودًا في بعض المواقع يعقبه انسحاب سريع.

2- السمة الرئيسة لعمليات الجيش الإسرائيلي ستكون استخدام القدرة النارية الكبيرة التي يمتلكها، وقد يلجأ إلى التوسّع في استخدامها في حال وقوع مواجهاتٍ واسعة باتجاه ضرب أهداف اقتصادية وبنى تحتية.

سيشهد 2021 توسّعاً في استخدام أساليب جديدة، مثل الطائرات المسيّرة والعمليات السيبرانية

3- قد يتميّز هذا العام باستخدام وحدات النُخبة في عمليات كوماندوز واسعة، لضرب أهداف، أو مواقع ومستودعات أسلحة، وقواعد صواريخ، ومراكز قيادة بعيدة عن الخطوط الأمامية، وبالتنسيق مع أسلحة الجو والمدفعية والاستخبارات. وهو يُعدّ تطويرًا لأسلوب الجيش الإسرائيلي الحالي، المتمثّل بغاراتٍ جويةٍ وصاروخيةٍ فحسب، قد لا تكون قادرةً على تدمير أهدافها. لذا، أي موقع مهم قد يكون معرّضًا للاستهداف بعملياتٍ أرضية، بغض النظر عن مكانه. يسمح هذا النمط من العمليات للعدو بتحقيق ما يعتقد أنه إنجازات، من دون التورّط في حربٍ طويلة، ومن دون الحاجة إلى موافقاتٍ دوليةٍ مسبقةٍ على عملياته، ويكون بذلك قد تجنّب حدوث شلل كامل في بنيته الاقتصادية وجبهته الداخلية نتيجة حربٍ طويلة. وقد سبق للجيش الإسرائيلي تنفيذ عملياتٍ محدودة ضمن هذا النمط على الجبهات، المصرية والسورية واللبنانية، في السبعينيات.

4- سيشهد هذه العام توسّعًا في استخدام أساليب جديدة، مثل الطائرات المسيّرة والعمليات السيبرانية.

5- من المهم الانتباه إلى عملية اغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده، في طهران، إذ قد تشكّل نموذجًا يُحتذى في اغتيال شخصياتٍ قياديةٍ عبر استخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، وتقنيات التعرّف على الأشخاص المستهدفين، ما يعني أن مفهوم الأمن الشخصي للقيادات والمسؤولين قد تغيّرت أساليبه، وما عاد يعتمد على عدد الحرّاس والمرافقين، وهذا يحتاج إلى انتباه مبكر وتغيير في نمط العادات المتبعة لحماية الشخصيات.

6- بعض مواقع التطبيع الرسمي العربي، وخصوصًا تلك التي انتقلت من موقع تطبيع العلاقات إلى موقع التحالف، ستمنح العدو ميّزات إضافية، سواءً باستعادته دور الشرطي، أم بالتعاون الاستخباري والعسكري، أم بتدخله المباشر في الوضع الداخلي، أم حتى بمنحه تسهيلاتٍ وموطئ قدم يعزّز من إمكاناته.

7- ثمة عوامل أخرى سيكون لها أثر كبير في مسار الأمور، مثل المفاوضات مع إيران حول ملفها النووي والصاروخي ونفوذها في المنطقة، والعلاقات الروسية – الأميركية - التركية، فقد تسعى الأطراف المختلفة إلى إحداث وقائع للتأثير في مجرى الأحداث.

استراتيجية العدو تلك حافلة بمكامن ضعف يمكن من خلالها إلحاق هزيمة مدوّية به عبر السعي إلى تطوير الهبّات الثورية في الضفة الغربية إلى انتفاضة شاملة، والتي من شأنها أن تشلّ قطاعات واسعة من جيشه وجهده الاستخباري، وتخرج بعضها من أي مواجهة مقبلة. كما أن النضال الشعبي العربي ضد التطبيع سيكون قادرًا على الحدّ من أضراره، والعمل على مناهضته، وكذلك فإن تعرية نظام الأبارتهايد الصهيوني سيربك علاقاته الدولية، ولاحقًا قد يؤدي إلى عزله، وإلحاق الهزيمة به في أيٍّ من مغامراته، ستربك استراتيجيته بأسرها؛ فهو غير قادر على احتمال الهزائم. وتبقى خاصرة العدو الرخوة، والمتمثلة في جبهته الداخلية، هدفًا مشروعًا للردّ على مغامراته العسكرية، إلّا أن هذا كله يقتضي موقفًا حازمًا مبنيًا على الإيمان بقدرتنا على الانتصار، ورؤية حالة التراجع الاستراتيجي التي تعصف بالعدو وحلفائه، مهما بدت عليهم مظاهر القوة الزائفة.

=========================

ما الذي يحمله 2021 للسوريين؟

منتصر أبو نبوت - غازي عنتاب،

الجزيرة

الاحد 10/1/2021

يودع السوريون عام 2020، الذي شهد عدة تطورات ميدانيا وسياسيا واقتصاديا سيمتد تأثير بعضها إلى العام الحالي، إلى جانب جائحة كورونا وتداعياتها على جميع الأصعدة.

فقد تغيرت خلال 2020 خارطة السيطرة بعد أن ظفر النظام بالطريق الدولي حلب دمشق الذي يمر بإدلب، وما يقع على جانبيه من مدن وبلدات كانت تسيطر عليها المعارضة السورية.

ثم شددت الولايات المتحدة الأميركية الخناق على النظام السوري اقتصاديا بفرضها عقوبات تحمل اسم "قانون قيصر"، ستظهر تأثيراتها بشكل أكبر في قابل الأيام.

أما سياسيا، فقد ظلت المفاوضات بين المعارضة والنظام تراوح مكانها بجولات مكوكية لدراسة كتابة أو تعديل الدستور بدون نتائج واضحة، متغافلين خلال 2020 عن باقي السلال الأربعة للحل السياسي في سوريا؛ المتمثل بتأسيس هيئة حكم انتقالي وإجراء انتخابات رئاسية بإشراف الأمم المتحدة.

وبدوره، تسبب فيروس كورونا بتعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية محققا انتشارا واسعا، وواضعا السوريين في حالة تأهب بلا أسلحة حقيقية لمواجهته.

الانتخابات الرئاسية

وسيكون عام 2021 حافلا بالعديد من الأحداث السياسية، لعل أبرزها هو الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في أبريل/نيسان المقبل، والتي يصمم النظام السوري على إجرائها رغم ما تشهده البلاد من أحداث أمنية.

أما المعارضة، فينتظرها تحديات كبيرة -كما تقول- أولها معركتها السياسية عبر اللجنة الدستورية، التي ستدخل خلال 2021 في "جوهر صناعة الدستور"، وفق ما وصفها المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية المعارضة، الدكتور يحيى العريضي، خلال حديثه مع الجزيرة نت.

ورأى العريضي أن الثلث الأول من العام القادم سيكون حاسما على الصعيد السياسي، نظرا للتبلور الجديد للسياسية الأميركية الخارجية مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض.

كما استبعد العريضي أن تكون مفوضيات الانتخابات، التي أعلن عنها الائتلاف السوري المعارض تهدف إلى مشاركة النظام في الانتخابات، وإنما بمشاركة الأطراف التي تجد أن التعايش مع النظام بات مستحيلا، مؤكدا أن المفوضية ستشرع في عمليات إحصاء وتعريف بحق الانتخابات للسوريين المشتتين في بقاع الأرض.

اقتصاد الظل

يرتبط الوضع الاقتصادي في سوريا بالعملية السياسية، وتشي العقوبات الأميركية على كيانات وأشخاص مرتبطين بالنظام، بانهيار اقتصادي قادم إلى البلاد مع اعتماد كبير على ما يعرف باقتصاد الظل.

وقد أكد الباحث في الشؤون الاقتصادية السورية، يونس الكريم، خلال حديثه مع الجزيرة نت أن عام 2021 سيشهد توسعا كبيرا لاقتصاد الظل، الذي لا يزيد إلا بمقدار ما يأخذ من الاقتصاد الحقيقي.

كما أن ازدياد الوضع الاقتصادي سوءا يعني معاناة أكبر للمواطنين، فقد تشهد البلاد مزيدا من ارتفاع أسعار السلع الأساسية أضعاف ما كانت عليه بدون أن يتغير دخل المواطن بالعملة المحلية، وعليه، لن يكفيه راتبه الشهري معيشة يوم واحد.

كما يزداد الوضع الاقتصادي تعقيدا بسبب الصراع الجاري حاليا بين من يصفهم السوريون بأمراء الحرب في إشارة منهم إلى رامي مخلوف وأسماء الأسد زوجة بشار الأسد، حيث ينقسم الشارع المؤيد للنظام بينهما.

أما قانون قيصر، الذي دخل حيز التنفيذ في 2020 سيكون حاضرا في العام المقبل بناء على الخطة التي يسير عليها هذا القانون، الذي يطلب تطبيقا لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالحل السياسي في سوريا.

خريطة السيطرة

تمثل منطقة (شمال غربي) سوريا أكثر المواقع دموية في صراع النفوذ، الذي يقوده النظام ضد مقاتلي المعارضة، فالمنطقة باتت نقطة لبناء التحالفات السياسية والإستراتيجية بين دول العالم أجمع؛ لذلك لا يمكث فيها اتفاق مدة طويلة في ظل خروقات متكررة للنظام السوري له.

وتتمثل خروقات النظام إما بتكثيف القصف على القرى والبلدات، أو بشن عمليات عسكرية للتقدم إلى مناطق جديدة فيها، وهذا ما يتوقع أن يحدث في الثلث الثاني من عام 2021؛ أي بعد إجراء الانتخابات الرئاسية، كما يقول مراقبون.

ووفقا لهؤلاء المراقبين، فإن مما يزيد الأمر تعقيدا بروز سياسة أميركية جديدة بوصول رئيس جديد للبيت الأبيض والوجود التركي، والذي أكدوا أن سببه هو ضرب النظام السوري عرض الحائط باتفاقية سوتشي.

وبالرغم من الصدام بين أنقرة والنظام السوري لم يتوقف النظام عن خروقاته إلا جزئيا بدخول روسيا على خط المفاوضات، وتثبيت قواعد اشتباك جديدة؛ لكنها تبقى هشة في ظروف مثل التي تعيشها إدلب، وفق هؤلاء المراقبين.

أما شرقي نهر الفرات، فخلال 2021 يتوقع أن تستمر أنقرة في سعيها بالحفاظ على خطها الأحمر هناك، بتشتيت وتجزئة مناطق سيطرة ما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية المصنفة من أنقرة على قائمة الإرهاب.

كما يتوقع أن إسرائيل ستكون حاضرة في سوريا، وربما بقوة خلال 2021، خصوصا مع تأجج الصرع بينها وبين إيران على خلفية اغتيال العالم النووي الإيراني، وعادة ما يكون رد تل أبيب داخل الأراضي السورية نقطة الخلاف الأهم بالنسبة لها في ظل محاولات طهران تعزيز وجودها فيها؛ لذلك يتوقع أن تتكثف خلال العام المقبل الضربات الجوية الإسرائيلية على مواقع القوات الإيرانية المنخرطة مع جيش النظام السوري.

=========================

هل بدأ الاستنزاف الروسي في سورية؟

غازي دحمان

السورية نت

الاحد 10/1/2021

منذ أكثر من ثلاثة شهور أعلنت روسيا خوضها حرباً ضد تنظيم “داعش” في البادية السورية، ورغم مرور هذا الوقت، لم تحقّق القوات الروسية والقوى التي تعمل تحت إمرتها أي نجاح يذكر، بل على العكس من ذلك، زادت عمليات “داعش” التي أصبحت نوعية ومؤلمة.

من غير المتوقع أن تعلن روسيا عن خسائر لها في المعركة ضد “داعش”، لكن الآمر لا يحتاج لإعلان، فهناك خسائر لا يمكن إخفاؤها يوقعها التنظيم بشكل يومي بخصومه في البادية وعلى أطرافها، ومن الطبيعي أن يكون بين هذه الخسائر العديد من العناصر الروس، وهذا ليس افتراضا بل واقعا تؤكده المعطيات العديدة:

أولاً: استطاعت روسيا في المرحلة السابقة تجنب وقوع خسائر كبيرة في صفوف عناصرها، لاعتمادها على المليشيات الإيرانية، التي ثبت أن خسائرها كانت هائلة، وذلك باعتراف القيادي في الحرس الثوري الإيراني، محمد رضا نقدي، قبل أيام، بإخفاء عدد قتلى الحرس في سوريا.

اليوم باتت هذه المليشيات منهكة، وهمّها الحفاظ على ما يقع تحت أيديها من مواقع، كما أن هذه المليشيات تتعرض بدورها لهجمات قاتلة من “داعش”. ثم إن المسألة باتت مكشوفة بالنسبة لها، فروسيا تريد السيطرة على مصادر الثروة في سوريا، وخاصة في البادية، على حساب دماء عناصر هذه المليشيات.

ثانياً: استطاع “داعش” تغيير تكتيكاته العسكرية، فلم يعد راغباً في السيطرة على المدن والقرى، كما لم يعد يمتلك أصولا عسكرية واضحة (معسكرات ومواقع) يستطيع الطيران الروسي استهدافها، بل تحوّل إلى أشباح تنتشر بين الصخور والكهوف في بادية شاسعة، ويقوم بعمليات خاطفة على امتداد طرق شاسعة بين حماة وحمص وحلب والرقة ودير الزور.

وبهذا، تثبت روسيا أنها ليست قوّة جبارة إلا في مجال القصف العشوائي للمدن والأرياف، وتسجيل موت عشرات ومئات المدنيين من الأطفال والنساء على أنهم إرهابيون قتلتهم القوات الروسية.

لكن ما يعزّز فرضية سير روسيا في طريق الاستنزاف، عجزها عن تحويل التفوق الذي حقّقته في السنوات الماضية (بفضل عوامل كثيرة يأتي في مقدمها السكوت عن مجازرها) إلى حل سياسي، تقبله جميع الأطراف ويساهم في استقرار الأوضاع والخروج من حالة الحرب.

قيل في هذا الصدد الكثير عن براغماتية روسيا، واختلافها عن إيران، وأنها ستكون مستعدة للتخلي عن بشار الأسد إذا شعرت بأنه يشكل عبئاً على مشروعها الجيوسياسي، وقيل أيضاً إن بوتين ماكر وماهر ويتقن جيداً دروس إدارة الأزمات، غير أن كل ذلك ظل كلاماً نظرياً لا ملامح له على أرض الواقع، وأن هذا الماهر الماكر عاجز عن صنع مخارج من ورطته السورية التي تضيق عليه يوما بعد آخر.

ليس ذلك وحسب، وإنما يصرّ الكرملين على الوقوع في فخ الاستنزاف السوري من خلال العناد في التجديد لبشار الأسد لولاية جديدة في الحكم، دون أي اعتبار لقرار مجلس الأمن 2254 ولا لمفاوضات اللجنة الدستورية، من دون فهم الفائدة التي سيجنيها من وراء هذا الإجراء، ما دامت الشركات الروسية قد وضعت يدها على كل الثروات المعلومة في سوريا.

لا معنى لذلك سوى أنه مساهمة في حفر روافد جديدة لاستنزاف روسيا، فلن يطول الأمر حتى تتعمم تجربة “داعش”، القائمة على الابتعاد عن المدن والقرى وشن عمليات على أهداف محدّدة. فهناك عشرات ألاف المقاتلين في سوريا، وأضعاف مثلهم حملوا السلاح في فترات معينة، وهؤلاء يعيشون أوضاعاً مزرية، ويعتقدون أن روسيا تقف وراء هذه الأوضاع، حتى ضمن البيئة المؤيدة للنظام نفسه بات كثر يحمّلون روسيا مسؤولية التردي الذي وصلت له أحوال سوريا.

لا تدرك روسيا، ولا تريد أن تدرك أن الأمور تغيرت بشكل كبير عما كانت عليه في السنوات السابقة، وأنها ستبدأ قريباً مرحلة التراجع ما لم تجد مخارج سريعة لأزمتها السورية، كما أن خياراتها باتت ضعيفة جداً. على سبيل المثال، بات الجمود على جبهات إدلب يشكل مصلحة عسكرية كبرى لها، وأن أي محاولة منها لتغير الأوضاع سيفتح عليها عش دبابير، ليس بسبب قوّة الفصائل الموجودة في إدلب، ولكن بسبب ما قد تذهب إليه تلك الفصائل إذا ما جربت روسيا الزحف صوب آخر معاقل تلك الفصائل.

لا تملك روسيا سوى الخديعة، وهذه قد تنطلي مرّة ولكنها لا تنطلي دائماً، ومواسم الخداع انتهت، وعلى روسيا أن تستعد للقادم، الذي سيأتي حتماً طالما لم تستطع الخروج بحل يرضي ويحقق مصالح الجزء الأكبر من السوريين.

=========================

"كورونا" وجه كارثة في بلد مدمر

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 10/1/2021

حيث توجهنا بالنظر عبر عام 2020، فإن عيوننا تقع على آثار كارثية، أوقعها فيروس "كورونا" في العالم من حولنا، والكلام في هذا الجانب، لا يتصل بالبلدان القليلة النمو أو في البلدان الفقيرة، إنما يتجاوزها إلى البلدان المتقدمة والأكثر تقدماً، بما هي قادرة عليه من جذب الأنظار والاهتمام، في حين البلدان الفقيرة أو قليلة النمو أبعد عن المتابعة لبؤس واقعها، وضعف احتمال التغيرات غير المتوقعة فيها.

واحتلت الولايات المتحدة مكانة أولى في قائمة البلدان المتقدمة التي أصابها فيروس "كورونا" في العام الماضي، ثم تليها من الدول المتقدمة بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى، قبل أن يصيب "كورونا" الصين عملاق العالم، التي ركز كثيرون على قول، إن دورها كان أساسياً في كارثة "كورونا"، حيث انطلق وحشه من إحدى مدنها، ولو أن ذلك يبدو بمثابة أسطورة متواضعة عصية عن الثبات في ذاكرة إنسان القرن الحادي والعشرين.

المهم في الآثار الكارثية، التي سببها فيروس "كورونا" في هذه البلدان، أنها شملت كل مناحي الحياة في المستويين العام والخاص. وباستثناء ما تركه من فقد وألم كبيرين، فإنه فرض تغييرات في طبيعة العلاقات وأشكال التواصل الاجتماعي بين سكان تلك البلدان في كل وحداتهم الاجتماعية، ورغم أن البعض في هذه البلدان، ما زال يرفض التباعد الاجتماعي أو يحتج ويعترض عليها، فإن القسم الأكبر من السكان، جعلها أساساً في سلوكه اليومي، أو أنها صارت جزءاً من تطبيقات الحياة اليومية، وكانت إلى جانب الحجْر العام الذي تكرر في ثلاث تجارب متوالية، سبباً في تغيير طبيعة العمل سواء لجهة توقفه، وسيرورة أصحابه إلى بطالة، أو تغيير مكانه بانتقاله إلى عمل من البيت، وفي كل الحالات تغيرت ملامح الحياة في ارتباطها بما حدث من تحول، فانخفضت مداخيل أو غابت أو تغيرت طبيعتها، وحدث تغيير في أولويات الإنفاق والاهتمامات.

وإذا كانت تداعيات "كورونا" على سكان بلدان متقدمة بهذا المستوى، فإن تداعيات الفيروس على حكومات تلك البلدان كانت أوسع، ليس فقط للارتباط العميق بين تلك الحكومات وشعوبها، حيث الأولى ناتجة من صندوق انتخابات الثانية، بل لأن للحكومات مسؤوليات اجتماعية تجاه مواطنيها في إطار مسؤولياتها العامة الأخرى، وكون آثار "كورونا" تضرب في المساحة الجغرافية والبشرية العامة للبلاد، فإن حمل المسؤولية الاجتماعية كبير، خاصة أن نتائجه في هذا الجانب، تتزامن مع نتائج أخرى في ترديات الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وبالتالي انخفاض العائدات الناجمة عنها، وثمة حادثة عشتها في لندن ذات مساء من أبريل (نيسان) 2020 لها دلالة ذات معنى. ففي واحدة من ساحات لندن التي تصل بين أربعة مفارق لشوارع رئيسية بمنطقة الوسط، لم يكن هناك غيري لنحو ربع ساعة، وهو ما أعتقد أنه لم يحدث من قبل.

ومما لا شك فيه، أن دول العالم الأخرى، عاشت تفاوتاً في تعاملها مع "كورونا" وتداعياته على السكان وحكوماتها في آن معاً، وكل واحدة من الحكومات اتبعت سياسات أقرب إلى روحها وقدراتها وموقعها وعلاقاتها مع المجتمع، فاتخذت سياسات تراوحت بين الأفضل وصولاً إلى الأسوأ في تلك العلاقات، غير أن حالة الأسوأ في عموم البلدان لا تتماثل ولا تتقارب مع الأسوأ في بلد مدمر، وقد صارت البلدان المدمرة، وإن اختلفت مستويات تدميرها ظاهرة في عالمنا المعاصر.

ففي عالم اليوم، صارت البلدان المدمرة تشكل بقعاً ظاهرة على خريطة العالم، لكن الكثافة الأشد والأوضح في الظاهرة، تتموضع في جنوب غربي آسيا، ممتدة من أفغانستان مروراً إلى العراق، ثم سوريا وبعدها لبنان شاملة ثلاثة من بلدان المشرق العربي، التي تصل بين البحر المتوسط وإيران، وهي جزء من طريق تسعى فيه إيران للوصول إلى اليمن على زاوية التقاء البحر الأحمر مع خليج عدن.

ورغم الاختلافات البينية في واقع تلك البلدان، فإن فيها كثيراً من التشابهات؛ فكل واحد منها يتمتع بمزايا تجعلها جاذبة من طراز قدرات العراق، وموقع سوريا ولبنان واليمن، وكلها تجذب اهتمام إيران؛ مما جعل الأخيرة مهتمة بحضور قوي فيها مباشرة أو عبر وكلاء لها، وغالباً بالمزاوجة بين الحالتين لضمان السيطرة عبر التدمير، كما يحدث في بلدين دمارهما ساخن هم سوريا واليمن، وبلدين دمارهما متواصل هما أفغانستان والعراق، وبلد يجري تدميره بأقل قدر من الضجيج وبلا استخدام مباشر للسلاح هو لبنان، عبر تحالف يديره سلاح "حزب الله" اللبناني ذراع إيران القوية في لبنان والمنطقة.

في هذه البلدان المدمرة نتيجة تدخلات إيران وميليشياتها، بالتحالف مع فئات حاكمة مرهونة لسلطة الملالي في إيران، يظهر وجود "كورونا" باعتباره إحدى قوى التدمير، لا باعتباره فيروساً ممرضاً، بل إن تداعياته لا تتماثل مع تداعيات مثيله في البلدان المتقدمة، وهو واقع يستند في الأهم من أسبابه إلى التفاوت بين حالتي البلدان المتقدمة والبلدان المدمرة.

إن مؤشرات ظاهرة الدمار، تبدو في واقع العنف ضد السكان الذي يولد قتلاً واعتقالاً وتشريداً وتهجيراً لأعداد كبيرة من السكان طبقاً لمستويات العنف، وبين مؤشراتها الفقر والجوع والبطالة في بلدان، تملك قدرات وإمكانات، يمكن أن تعيش عليها ومنها أعداد مضاعفة من السكان، كما يظهر في مثالي العراق وسوريا. ولعل الأهم في مؤشرات ظاهرة دمار هذه البلدان، هو سياسات السلطة الحاكمة، التي تحرص على استمرار سياسات، أدت إلى ما صارت الأمور عليه تحت شعارات كاذبة ومضللة، عن استقلال تنتهكه بتسليم البلاد إلى أعداء، صاروا في عداد المحتلين وناهبي الفئات الأوسع من الشعب، وعن مقاومة لدول وقوى، تسعى حكومات الدول المدمرة لاسترضائها بكل الطرق والأساليب للقبول باستمرار بقائها في السلطة على ركام ما تبقى من الشعب والبلاد، من دون أن ترف جفونها إزاء كل ما يبدو من مظاهر تدهور وبؤس، فيما صارت إليه حالة البلاد وسكانها الذين غالباً ما تقوم تلك الحكومات بتحميلهم مسؤولية ما آل إليه الحال.

إن نسق ومحتوى سياسات حكومات البلدان المدمرة، جعل من الأخيرة تختط نهجاً مختلفاً في التعامل مع وصول فيروس "كورونا" إلى تلك البلدان، فأدخلته في سياق سياساتها، بل وفي أدواتها من أجل مزيد من التحكم والسيطرة، ومن هذه الزاوية يمكن ملاحظة سياسة التعتيم والتكتم المحيطة بواقع انتشار "كورونا"، والتي وصلت إلى حد الكارثة في تلك البلدان، مثلما تبين التسريبات والمعلومات غير الرسمية، كما أن الحكومات لا تتحرك لإنهاض سياسات صحية، ولا تعمل من أجل ترميم أنظمة وهياكل صحية مدمرة وعاجزة، ولا تتخذ أي خطوات من شأنها الإيحاء بأن ما يحدث من اجتياح لـ"كورونا"، يستحق اهتماماً من جانبها.. إنها باختصار شديد، لا تجاوز في سياستها حيال "كورونا" وتداعياته، فكرة أن "كورونا" وجه الكارثة في بلد مدمر.

=========================

الثورة السورية في ضوء كتاب تشريح الثورة

محمد جمال طحان

سوريا تي في

الاحد 10/1/2021

ليست الثورة السورية، كما ثورات الربيع العربي، خارج سياق الثورات عبر التاريخ. وإذا كان "ابن خلدون" قد تحدّث عن أعمار الدول، و"الكواكبي" قد فصّل لنا الكلام على الثورة وموجباتها ضد الاستبداد، كذلك شرح المؤرخ الأميركي المعاصر "كرين برينتن" في كتابه “تشريح الثورة” المراحل التي تمر بها معظم الثورات.

ولقد جمع الكاتب المعلومات من أربع ثورات كبرى: الثورة الأميركية، الثورة الفرنسية، الثورة البلشفية، الحرب الأهلية في إنجلترا، وباستخدام هذه الثورات وضع برينتن أربع مراحل تمر بها الثورة: المرحلة الأولى “المرحلة التمهيدية للثورة” وخصائصها :التنافر الطبقي، وعدم كفاءة الحكم، وفشل القوة .وأعراض هذه المرحلة تتمثل في أن الطبقة الوسطى هي القوة الدافعة وراء الثورة، وأنها تعبّر عن سخطها بسبب القيود الاقتصادية التي تفرضها الحكومة، وغالباً يكون السبب وجود حاكم أخرق. ومع مرور الوقت تزداد الاحتجاجات ضد الحكم الذي لا يلبث أن يخنث بوعوده، التي قطعها على نفسه في تحقيق العدالة والحفاظ على المصلحة العامة، بل إنه ليأتي بأفظع الجرائم ثم يحاول تأويلها على أنها لمصلحة الأمة. وهذا كله لأنه يمتلك القوة التي تغريه بالاستبداد، "ولأن القوة لا تُقابل إلا بالقوة"، لذلك على الأمة، التي يحكمها الاستبداد، أن تقاومه بكل ما أوتيَت من القوّة. لكن الأمّة، إذا رسخ فيها الاستبداد واعتادت عليه، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف قيمة الاستقلال، بل هي تتعود التبعية العمياء. وحتى إذا نقمت على المستبد، فإنها تنقم من شخصه ولا تقتلع الاستبداد من جذوره، وهكذا تستبدل مستبداً بمستبد. وقد تتحرر من الاستبداد عفواً وبلا تخطيط فلا تلبث تتخبط في الفوضى حتى يعاودها الاستبداد أشد وطأة وأكثر شراً.

ولهذا فإن "الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأمّا التي تحصل على إثر ثورة حمقاء فقلّما تفيد شيئاً". ومن يريد أن يأخذ بيد الأمّة لإنقاذها من شر الاستبداد، ومساعدتها على اقتلاعه من جذوره، عليه "أن يبثّ فيها الحياة وهي العلم، أي علمها بأن حالتها سيئة وإنما بالإمكان تبديلها بخير منها". فإذا شعرت بآلام الاستبداد ومساوئه تتحمس للتخلص منه وتسعى لاستبداله. وإيقاظ شعور الاستياء في الأمّة، التي تعاني من وطأة الاستبداد، إنما يقع على عاتق ذوي الشهامة، ممن يرغبون في نهضة قومهم، الذين على كلّ واحد منهم، حتى يصغي الناس إليه، أن يحرص على ترقية معارفه، وإتقان أحد العلوم، والمحافظة على الآداب العامة، وقلّة الاختلاط بالناس، وتجنّب مصاحبة الحكّام والممقوتين، وتجنّب الحسد، واختيار الأصدقاء، وكتم الآراء، والتحلي بالأخلاق الحميدة، والثبات على المبادئ، والشفقة على الضعفاء، والغيرة على الوطن والدين. حتى إذا عمّ الوعي واجتمع الرأي، بدأت على الاستبداد حملةٌ شعواء. وهذا يقودنا إلى الشرط الثاني الذي وضعه الكواكبي لرفع الاستبداد، ونعني به مقاومة الاستبداد باللين والتدرّج لا بالشدّة والعنف. والوسيلة الوحيدة لإزالته "هي ترقّي الأمة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس" من قِبَل الراغبين في نهضة الوطن، وتخليصه من أسر الاستبداد وشروره. والذين عليهم أن يعلموا أن اقتناع الناس بضرورة التخلص منه لا يتأتى إلا في زمن طويل، وأن إزالته ليست بالأمر السهل، بل هي تحتاج إلى جهد وصبر طويلين. كما لا بد من معرفة "أن كل أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون أحكم وأرسخ وأطول عمراً مما إذا حصل بمزيد قوة في زمان قصير". فلا ينبغي أن يقاوم الاستبداد بالعنف كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً، ثم لا تثمر عن شيء. أمّا إذا اشتد الاستبداد وانفجرت الفتنة فعلى العقلاء أن يتباعدوا عنها، مبدئياً، حتى يتم حصد المنافقين والمستبدين، بعدئذٍ عليهم أن يوجّهوا أفكار الناس، بالحكمة، نحو تأسيس العدالة، وذلك بالإشراف على إقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد، ولا بمن لهم علاقة بالفتنة التي حدثت، وذلك ليُصار إلى بناء حكومة جديدة جذرياً.

ويبيّن الكواكبي كيفية اندلاع الفتنة أو الثورة الفجائية على الاستبداد، من خلال استعراضه بعض أحوال مخصوصة تهيّج العوام. فهي لا تحدث غالباً إلاّ عقب أحوال منها:

1- مشهد دموي يوقعه المستبد على مظلوم

2- حرب يخرج منها المستبد خاسراً

3- إهانة المستبد الدينَ

4- تضييق اقتصادي شديد

5- مجاعة أو مصيبة عامة

6- تعرّض المستبد للمحرَّمات

7- مناصرة المستبد للعدو

إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال. وهي كلّها قد قام بها النظام السوري في وضح النهار، ما أدّى إلى تصاعد سخط الطبقة الوسطى، حيث ثار الشعب، وبدأ ينهار الهيكل الحكومي تحت ضغط الديون المالية والانتفاضة الشعبية، ولن يطول الأمر حتى يشكّل المعتدلون حكومة جديدة.

غير أن الحكومة المعتدلة الجديدة تظهر أنها غير قادرة على الصمود في وجه مشكلات إدارة الدولة والأزمة الاقتصادية. فيتولى المتطرفون السيطرة على السلطة، ويتم استبعاد المعتدلين، ثم تتركز القوة في مجلس ثوري يسيطر عليه رجل قوي.

معظم الثورات تنتهي عموماً بالعودة إلى حيث بدأت، وتنشأ بعض الأفكار الجديدة، ويتحوّل هيكل القوة قليلاً، وتطبّق بعض الإصلاحات، ويمحى أسوأ ما في النظام القديم

وفي هذه المرحلة تبلغ الثورة ذروتها عندما يصبح المعتدلون عاجزين عن أداء مهمة حكم البلاد، ويطوّح بهم المتطرفون أو اليسار السياسي بالقوة، ويبدأ حكم الإرهاب حيث يشرع المسرفون في التطرف بالتخلص من المعارضة باستخدام العنف. ثم تتم العودة البطيئة إلى الهدوء.

ويخلص برينتن من هذه المراحل إلى أن معظم الثورات تنتهي عموماً بالعودة إلى حيث بدأت، وتنشأ بعض الأفكار الجديدة، ويتحوّل هيكل القوة قليلاً، وتطبّق بعض الإصلاحات، ويمحى أسوأ ما في النظام القديم، غير أن الوضع القائم يصبح مشابهاً للوضع في فترة ما قبل الثورة وتشرع الطبقة الحاكمة مرة أخرى باستخدام القوة.

وإذا كانت الثورة السورية، بعد عشر سنوات على انطلاقها، ماتزال في مرحلة النزاع على السلطة، ولم تتمكن، بعد، من إزالة حكم الأسد الابن الذي يستقوي بالأجنبي للحفاظ على الكرسي، فإن مشوار الثورة ما يزال طويلاً للإطاحة بنظام الحكم المافيوي، لتنتقل، بعدها، لتكوين مجلس رئاسي معتدل، من الواضح أنه لن يكون قادراً على حكم البلاد، بعد كل هذا الخراب، وهذا يعني أنه لابد من تنصيب طاغية، أو السماح لطاغية بتسلم زمام الأمور، لتتم عملية فرض الاستقرار تمهيداً لوضع دستور جديد للبلاد يسمح بإجراء انتخابات، شبه نزيهة، رضوخاً لمشيئة السوريين الذي بدأ وعيهم ينضج، بعد تلك الحروب الطاحنة التي ارتكبت فيها جرائم وحشية من النظام ومن بعض فصائل المعارضة التي لم تكن تستند إلى نخبة تسدّد خطاها.

حينذاك تبدأ مرحلة جديدة تنتشر فيها مبادئ الديمقراطية، ويكبر وعي الجماهير لتتعرف إلى أن مصالحها تكمن في قبول الاختلاف، واللجوء إلى صناديق الاقتراع لحل مشكلاتها المستعصية.

 وندرك، حينها، أنّ التحلي بقدر معين من الصبر والحكمة وإجادة قراءة الأحداث هو سبيلنا للتخفيف من آثار هذه الأزمات والعبور إلى الاستقرار.

=========================

آفاق الصراع في شرق سوريا: توقف المعارك الكبرى وانتعاش تنظيم “الدولة الإسلامية”

منهل باريش

القدس العربي

الاحد 10/1/2021

نجحت قسد في تخفيف الضغط عليها في ملف عين عيسى من خلال نقل التوتر إلى مدينة القامشلي شرقا والتي تعتبر أهم المدن لعدد من أطراف الصراع، فهي مركز النشاط السياسي في سوريا، والعاصمة الأمنية لمحافظة الحسكة، رغم أن مركز المحافظة السياسي والإداري هو في مدينة الحسكة. إضافة إلى أنها تملك المطار المدني الوحيد في شرق سوريا، قبل أن يتحول مطار دير الزور العسكري إلى مطار لهبوط الطائرات المدنية للرحلات القادمة من دمشق واللاذقية. وكان قاسم سليماني أول المتنبهين إلى أهميته ففرض حزب الله اللبناني وجوده وسيطرته الأمنية على المطار، وتحول إلى قناة نقل سلاح له. وفي عام 2019 أخرجت روسيا حزب الله اللبناني منه بعد أن انتزعت عقد تشغيله من النظام لمدة 50 عاماً.

وشهدت القامشلي حملة اعتقالات متبادلة بين الدفاع الوطني وقوى الأمن الداخلي “أسايش” التابعة لوحدات حماية الشعب الكردية، استمرت طوال الأسبوع الماضي، وانتهت بتدخل روسي لحل المشكلة وإطلاق سراح المعتقلين من الطرفين. وعقدت القيادة العسكرية الروسية في مطار القامشلي اجتماعا حضره الطرفان وانتهى باتفاق على إنهاء حالة التوتر في المدينة وإطلاق سراح المعتقلين من قبل الجانبين وإنهاء الانتشار الأمني وسحب الآليات الثقيلة والقناصات عن المباني والمقاتلين من شوارع مدينة القامشلي الحدودية مع تركيا.

وتعتبر أحياء طي وحلكو ومحيط المربع الأمني للنظام السوري بؤرة التوتر ومركز الاشتباكات التي أوقعت عددا من المدنيين جرحى. وأدت الاشتباكات إلى نزوح المدنيين وإقفال شبه عام للمحال التجارية في المنطقة.

ويعتبر الدفاع الوطني والأسايش مولدا شرر الاقتتال الذي عادة ما يجري في محافظة الحسكة دائما، وتعتبر عشائر طي وحرب والبو عاصي العمود الفقري لميليشيا الدفاع الوطني في محافظة الحسكة، وشكل الشيخ محمد فارس العساف شيخ قبيلة طي، الدفاع الوطني في مدينة القامشلي وتضم طي 12 عشيرة كلها منضوية بالدفاع الوطني. ويعتبر الشيخ محمد الفارس أحد أبرز المحرضين على قتال الأكراد السوريين في انتفاضة الأكراد السوريين عام 2004 حيث جند مئات الشباب للهجوم على القامشلي، فعل الأمر ذاته بعد قتل النظام الشيخ معشوق الخزنوي، حيث وصل موالوه المسلحون إلى أطراف مدينة القامشلي الجنوبية ونهبوا المحال التجارية ووصلوا إلى مشارف حي الهلالية، وكانت تلك رسالة قوية من النظام أن العشائر العربية جاهزة في أي وقت يتجرؤون على التظاهر والتحرك ضده، رغم أن النظام كان قد نشر عددا من أفواج القوات الخاصة التي ما زال بعضها موجودا في محيط الحسكة والقامشلي. إلا انه كان يدرك أن التهديد الأهلي والعشائري يجنبه انتقادات القمع أو زج الجيش في مواجهة الأكراد حينها. ويدرك أن الانتقام العشائري والاثني غير منطبط وغير مسؤول كحال سلطة الدولة، وخرج الدفاع الوطني في القامشلي مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي دورة جديدة تضم 200 مقاتل جديد من أبناء العشائر العربية. أشرف على تخرجها عضو مجلس الشعب وقائد مركز الدفاع الوطني في محافظة الحسكة، حسن السلومي.

 

النظام يحاول الاستفادة من التواجد الروسي في مطار القامشلي لفرض واقع جديد

وتعتبر العشائر العربية في الحسكة موالية لروسيا منذ العام 2019 حيث ترعاها وتقدم خدماتها الإنسانية لها، وخصوصا في منطقة القامشلي لعدة اعتبارات أولها امتداداتها إلى المناطق الشرقية التي تعتبر مداخل المناطقة النفطية، واعتمدت عليها بشكل أساسي في تجنيد المرتزقة السوريين الذين نقلتهم لصالح شركة فاغنر إلى بنغازي للقتال إلى جانب قوات حفتر.

 

عين عيسى مقابل القامشلي

حاولت قسد، من خلال التوتر في القامشلي، إيصال رسالة أن البديل عن تخليها عن عين عيسى سيكون مدينة القامشلي، وانه في حال إصرار الروس والنظام على تسليم عين عيسى للنظام ستكون سيطرة قسد على القامشلي هي الثمن عوضا عن عين عيسى. وتمكنت قسد من تشتيت الروس والنظام في نقل التفاوض من عين عيسى إلى إغراقهم بالتفاصيل حول آليات تحرك الأطراف وانتشار الحواجز والسيطرة على دورات وأزقة الأحياء المختلطة في القامشلي وحدود جبهات الفصل بين الأحياء الكردية والعربية.

وفي السياق، أكد عضو قيادة قوات سوريا الديمقراطية، الملقب جيا فرات لوكالة أنباء “هاوار” المحلية انهم رفضوا “تسليم عين عيسى إلى حكومة دمشق”. وأعرب عن استعدادهم لأي هجوم من قبل تركيا وفصائل الجيش الوطني السوري المعارض. وتشير التوقعات إلى انتهاء الضغط على قسد في تل أبيض.

وتظاهرت عشيرة طي في القامشلي، بدعم وتحريض من الأفرع الأمنية احتجاجا على ما وصفته الحصار على حي طي أبرز معاقلها في المدينة، وأغلب المتظاهرين هم من البعثيين وقادة الدفاع الوطني وكتائب البعث، كما أظهرت الصور مشاركة مسلحين من الدفاع الوطني لتلك المظاهرات. ويسعى النظام بدوره إلى الاستفادة من التوتر في القامشلي، بسبب انتشاره في المدينة وخصوصاً مربعها الأمني وتمركز قطعه العسكرية في أعلى التلال والجبال المشرفة على مدينتي الحسكة والقامشلي، إضافة إلى وجود قوات كبيرة من الدفاع الوطني من أبناء العشائر العربية. ومن غير المستبعد أن يسعى إلى توتير الأوضاع في المدينة مستفيدا من تواجده الكبير فيها ومحاولة طرد قسد منها بشكل أو بآخر، رغم المخاطر الكبيرة لهذا التحرك. إلا أن النظام يحاول الاستفادة من التواجد الروسي في مطار القامشلي من أجل فرض واقع جديد.

 

مكاسب جديدة

روسيا من جهتها، تحاول تحصيل مكاسب جديدة في مكان من مناطق سيطرة قسد، سواء في عين عيسى أو منبج أو شمال وشرق دير الزور، تحديدا في مناطق الانتشار الأمريكي والمناطق النفطية، ولا تتردد بدعم النظام في حال قرر توتير الأجواء ومحاولة فرض سيطرته على القامشلي، أو على كامل طريق M4 الذي يخترق منطقة الانتشار الأمريكي شرقي محافظة الحسكة. وتنظر موسكو إلى أي مكسب في شرق سوريا على انه خسارة لأمريكا ومحاولة تضييق الخناق عليها ومحاصرتها، كخطوة لانتزاع أي من حقول النفط التي تسيطر عليها.

تركيا، بدورها تنظر إلى أي توتر بين قسد والنظام السوري والروس والإيرانيين في شرق سوريا انه يصب في خدمة أمنها القومي واضعاف شوكة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وجناحه العسكري الممثل بوحدات حماية الشعب الكردية، التي تصنفه أنقرة إرهابيا كونه ذراعا سوريا لحزب العمال الكردستاني. ولا تترد أنقرة بالضغط على الوحدات في كل المناطق دون استثناء، وتضع قواتها في تركيا أو سوريا بكامل الجاهزية العسكرية لشن أي عملية عسكرية في أي مكان داخل الحدود السورية. وتطلب من فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لها الاستعداد دائما لاغتنام أي فرصة تحدث في اختلال العلاقات الدولية والإقليمية كما حصل في هجومها الأخير، عام 2019 على تل أبيض ريف الرقة الشمالي ورأس العين غرب محافظة الحسكة.

 

التوتر بين قسد والنظام والروس شرق سوريا يصب في صالح تركيا

على الصعيد الأمريكي، يتوقع ان تتعزز منطقة النفوذ الأمريكية في شرق سوريا، وان تعود العلاقة بين واشنطن وقسد إلى شهر عسل طويل يمتد أربع سنوات، فترة ولاية الرئيس بايدن على غرار طبيعتها قبل عام 2018 حين أعلن الرئيس ترامب انسحابه من سوريا. وفي حال عودة العلاقة الأمريكية مع قسد إلى سابق عهدها، سيودي ذلك لتراجع في العلاقة بين قسد ومحور حلفاء النظام بمن فيهم الروس. لكن ستبقى العلاقة محكومة بتوجه واشنطن في شرق سوريا. والأمر الأهم هنا محكوم برغبتها باستعادة كامل منطقة نفوذها شرقي الفرات حسب التفاهمات الروسية الأمريكية القديمة، أم انها ستقبل بالمنطقة التي تراجع إليها البنتاغون مؤخرا بعد إطلاق ترامب يد تركيا في منطقة “نبع السلام”.

ومن المرجح أن تتجه منطقة شرق سوريا إلى فترة استقرار في زمن الرئيس بايدن، وان تتوقف العمليات العسكرية الكبرى هناك بشكل شبه نهائي، مع بقاء التوتر على خطوط التماس بين الجيش التركي والفصائل السورية الموالية له. في حين سيعود شعار “القضاء على داعش” إلى واجهة الأحداث، ومعه يعود التحالف الدولي للقضاء على التنظيم إلى الواجهة مجدداً.

ويدعم هذا التوجه تنامي نشاط تنظيم “الدولة” الإسلامية بشكل كبير للغاية خصوصا في محافظة دير الزور. كما بين التنظيم من خلال نشره إحصائية لهجماته خلال عام 2020 أشار فيها إلى انه شن نحو 600 هجوم في سوريا، أغلبها شرقي سوريا. موضحا انه استهدف 1327 عنصرا، 900 منهم من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وتبنى التنظيم 389 هجوما في دير الزور، أي بمعدل 59 في المئة من الهجمات.

=========================

مخاوف السوريين في العام الجديد!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 9/1/2021

يمكن القول مجازاً، إن الأحلام انطفأت لدى الشعب السوري، وغابت عنه تلك الأمنيات والرغبات الطيبة التي تأمل كل شعوب المعمورة تحققها في العام الجديد، أمام شيوع قلق وخوف شديدين، من أن يحمل الزمن الآتي، كما كان الحال في -

والبداية من مخاوف جدية تعتمل في نفوس غالبية السوريين، وتتنامى مع كل يوم يمر، على مصير وطن يحملون اسمه ويعتزون بالانتماء إليه، ما داموا عاجزين عن وقف انزلاقه من بين أصابعهم نحو الضياع، وتالياً نحو التفكك إلى مناطق نفوذ تحكمها تدخلات عسكرية خارجية لا يهمها مصير السوريين واجتماعهم الوطني، بقدر ما يهمها حماية مصالحها وجعل البلاد ميداناً لتصفية حساباتها وتحسين فرص نفوذها.

ألا يشكل اليوم مصدر خوف وقلق عميقين لدى السوريين، حين يرون كيف يتسارع التداعي والتهتك في بنية دولتهم، ويتكرس خضوع السلطة وارتهانها الذليل لمن استجارت بهم من قوى أجنبية؟ أو حين يلمسون كيف تسعّر حكومتا طهران وأنقرة الاستفزازات الطائفية وتشحن العصبيات والغرائز لتثبيت اصطفافات وتخندقات تمكنهما من الاستئثار بمزيد من الأراضي السورية ووضع فكرة تقسيم البلاد البغيضة موضع التنفيذ، تحدوهما مساعٍ حثيثة لتكريس نمط حياة اقتصادي واجتماعي يشبههما في مناطق سيطرتهما، سواء أكان في شمال وشرق البلاد حيث تتمركز القوات التركية والكتائب التابعة لها، أو في العاصمة دمشق وأريافها ومحافظتي درعا والسويداء حيث تتمدد أذرع إيران وميليشياتها؟

واستدراكاً، ألا يزيد هلعَ السوريين ويخنق أبسط تطلعاتهم نحو الخلاص، استمرارُ وقائع وتوازنات تعزز استعصاء أزمتهم، في ظل عجز المجتمع الدولي ومنظمته الأممية عن تحقيق أي اختراق لتفعيل خطة الحل السياسي، وفي ظل تقدم أدوار لمراكز قوى إقليمية ومحلية من النظام والمعارضة على السواء، لا مصلحة لها بتخميد الصراع، بل يهمها استمرار مناخ الحرب للحفاظ على امتيازاتها ومصادر ثرواتها؟ ثم لمَ لا تثار مخاوف السوريين من وصول رئيس جديد للبيت الأبيض يرجح أن تفتح سياسته تجاه المنطقة الأبواب على تفعيل حدة التنافس والخلاف بين الأطراف المؤثرة في الصراع السوري، وعلى انكشاف التنازع بين روسيا وأميركا على الحصص والمغانم؟ بل لمَ لا يهلعون مما قد تفعله إيران وتستبيحه للحفاظ على نفوذها في سوريا ومواجهة تنامي الرغبة العالمية في محاصرتها وإخراجها من البلاد؟ أو حين تنعكس الخلافات بين حسابات موسكو ومطامع أنقرة بمعارك عسكرية، ربما لا تزال محدودة، لكنها مرشحة للاتساع وتنذر بنقض التوافقات المبرمة بينهما في الآستانة وسوتشي، وباحتمال تأجج الصـراع الدمـوي من جديد، وعودة العنف المنفلت وما يخلفه من ضحايا وخراب ومشردين؟!

يبقى الخوف المباشر والأعم الذي يداهم السوريين على مشارف العام الجديد، هو خوفهم مما قد تخلفه تداعيات التدهور الاقتصادي الشامل في البلاد، محفوفة بفشل جميع الأطراف المتصارعة، السلطة والمعارضة والقوات الكردية، في إدارة مجتمعاتها وتوفير أبسط مستلزمات العيش، ولا تكفي هنا الإشارة إلى ملايين السوريين ممن خسروا بيوتهم وممتلكاتهم نتيجة القصف والتدمير، وباتوا في حالة عوز شديد، ومثلهم من فقدوا أعمالهم ولا يجدون فرصة لتأمين دخل مادي يقيهم وعائلاتهم الجوع والحرمان، فالأمر قد طال غالبية العاملين في الدولة الذين باتوا يلهثون بلا جدوى وراء لقمة العيش مع الارتفاع الجنوني للأسعار والتراجع الكبير لقيمة الليرة السورية، زاد الطين بلة ما خلّفه العنف المفرط من دمار في البنية التحتية وتراجع دور وأداء كثير من المؤسسات الخدمية والصحية والتعليمية، وليس أدل على ذلك سوى ملايين الأطفال الذين لم تتوفر لهم فرصة الالتحاق بالمدارس، ثم شدة ما يكابده السوريون للحصول على الكهرباء ووقود النقل والتدفئة، وأيضاً تلك الطريقة المؤلمة التي تعاملت بها مختلف الأطراف المتصارعة مع جائحة كورونا وعنوانها الاستهتار بأرواح البشر واسترخاص حيواتهم، فكيف الحال مع تنامي خوف السوريين من سطوة الأجهزة الأمنية على حياتهم ومقدراتهم، وقد بات لها أذرع غامضة يمكنها أن تفعل ما تشاء بالمواطن من دون أن تخضع لأي مساءلة أو محاسبة؟! وكيف الحال مع ازدياد رعب السوريين ممن تحكمهم فصائل إسلاموية جهادية، أصابها العمى الآيديولوجي وتواجه قتلاً وتكفيراً كل من يخالف ما تعتقده، ساعية إلى فرض نمط حياتها وما تحلله وتحرمه على البشر من دون احترام لخيارتهم الإنسانية؟!

وإلى المشهد، ينضم النازحون واللاجئون السوريون، الذين بدأ الخوف يتآكلهم، ليس فقط من عوامل الطبيعة ببردها وقيظها، أو من تراجع المعونات الأممية وتردي شروط حياتهم، وإنما أيضاً من تغير موقف مجتمعات الاغتراب منهم، جراء ضغط كثرتهم عليها وما حصل من تعديات "داعشية" فيها، وتالياً من صعوبة بحثهم عن حلول كريمة للاستمرار في العيش هناك، وتحمل ظواهر التمييز والإذلال.

والحال، بغضّ النظر عن الأسباب، مجتمعة أو منفردة، التي أوصلت السوريين إلى هذه المحنة المروعة، إن كانت تعود لتعنت نظام لم يكن يهمه سوى البقاء في السلطة، فاستجرّ مختلف أشكال الدعم الخارجي، وتوسل أشنع وسائل الفتك والتنكيل لسحق شعب طالب بحقوقه البسيطة المشروعة، أم تعود لحضور جماعات جهادية ديدنها التعصب والإرهاب، ولغياب بديل سياسي يحوز ثقة المجتمع، ربطاً بضعف المعارضة السورية وارتهانها لضغوط جماعات الإسلام السياسي وإملاءات الخارج، أم تعود لسلبية المجتمع الدولي وعجزه عن التدخل، طيلة سنوات، لوقف العنف وحماية المدنيين وفرض المعالجة السياسية، فإن النتيجة واحدة، وهي تنذر بالضياع وبما نشهده من تنامي مخاوف الشعب السوري أمام حقيقة أن كل شيء يتراجع في وطنه نحو الأسوأ والأكثر إيلاماً، استقلاله وهويته الوطنية، وحدة المجتمع ومؤسسات الدولة والاحتقانات القومية والطائفية والأهلية، الأمن وشروط الحياة، الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وشدة ما يكابده الناس، وأيضاً طريق خلاصهم.

تحت وطأة تلك المخاوف، يصح تفسير المشاركة الواسعة للسوريين، على اختلاف اصطفافاتهم، وبغياب التمثيل السلطوي، في وداع المبدع، حاتم علي... كأنهم كانوا ينتظرون مناسبة للتعبير عن شدة حزنهم وتفجعهم على ما صارت إليه أحوالهم... وكأنهم توخوا "ردح" مأساتهم حين ردد المشيعون في موكب الجنازة، وبصورة عفوية، مقدمة الشارة الغنائية من مسلسله "أحلام كبيرة"؛ كل شيء ضاق... ضاق حتى ضاع!

=========================

لماذا تخشى أميركا ضرب إيران؟

راني الجابر

سوريا تي في

السبت 9/1/2021

تتسارع التوقعات والتحليلات المختلفة حول قرب توجيه أميركا ضربة عسكرية قاصمة للنظام في إيران؛ وخاصة مع التوتر الكبير في الداخل الأميركي قبيل أيام من تغيير القيادة الأميركية، وسط كثير من الأخبار والتسريبات حول نقل الجيش الأميركي لعدد من الوحدات العسكرية الاستراتيجية إلى المنطقة، ونشرها في الخليج العربي ومن بينها قاذفات ب-52 وحاملات طائرات وغواصات نووية، ورغبة الرئيس الأميركي "ترامب" في ضرب إيران.

أميركا القوة الكبرى في العالم؛ والمسيطرة عسكرياً على القارات الخمس بمجموعة من القواعد العسكرية الثابتة والمتنقلة، تمتلك أكبر تجمع عسكري لها في العالم في الخليج العربي، حيث تنتشر قواتها في مجموعة من القواعد العسكرية موزعة بين السعودية وقطر وتركيا والكويت بشكل أساسي إضافة إلى الإمارات والبحرين (قيادة الأسطول الخامس) وعمان والعراق وسوريا والأردن وإسرائيل وجيبوتي والصومال وأفغانستان، وصولاً إلى وجود قواعد تستطيع استخدامها عند الحاجة في مصر وقبرص وجميع دول المنطقة، وحتى اليونان وصولاً لباكستان، وتستطيع كذلك نشر قوات في بحر العرب والخليج العربي وأذربيجان بدون أي عوائق، وصولاً لوجود قواعد عسكرية أميركية في عدة دول أوروبية.

تنتشر القوات الأميركية في 35 قاعدة عسكرية في المنطقة، فحسب العديد من التصريحات لوزارة الدفاع الأميركية يبلغ العدد الكلي للقوات الأميركية في الشرق الأوسط حوالي 80 ألف جندي، منهم قرابة 14 ألف جندي في أفغانستان، و13 ألف جندي في قطر ومثلهم في الكويت، وخمسة آلاف جندي في الإمارات، وثلاثة آلاف جندي في السعودية، في حين تحتفظ أميركا بستة آلاف جندي في العراق و2500 في تركيا، أما سوريا فنصيبها 800 إلى 2000 جندي بين الشمال والتنف، في حين أرسلت أميركا العام الماضي 3500 جندي لتعزيز قواتها في المنطقة حسب إعلان للبنتاغون إثر الهجمات على السفارة الأميركية في العراق بعيد تصفية قاسم سليماني.

الحجم الكلي للقوات الأميركية في المنطقة لا يعبر عن القدرات الحقيقية لها، فأميركا تركز في المنطقة على خليط من القدرة الجوية بعدة مئات من الطائرات المتوزعة بين المقاتلة والقاذفة والمسيرة، وأسطول شحن وإمداد ضخم، والاعتماد على قوات محلية سواء جيوش أو قوات غير نظامية تتحمل الجهد الأساسي في أي مواجهة محتملة، ما يجعل تقدير الحجم الحقيقي للقوات التي تديرها أميركا في المنطقة أمراً معقداً لدرجة كبيرة.

فحجم القوات التي تمتلكها دول الخليج التي تعتبر الحليف الأميركي الحتمي في حرب كهذه يفوق ما لدى إيران على المستوى الكمي والنوعي بعدة أضعاف، سواء كعدد العناصر أو كمية العتاد ومستواه التقني، وخاصة القوى الجوية والبحرية والقدرات الصاروخية الاستراتيجية؛ وحتى القدرات غير التقليدية (وخاصة في حال مشاركة مصر وباكستان).

وهذه القوى ستكون مضطرة للتدخل في أي صراع محتمل في المنطقة لأنها ستكون الهدف المباشر لأي هجمات إيرانية انتقامية سواء بحرية أو صاروخية.

كيف ستكون الضربة الأميركية المفترضة لإيران؟

معظم التحليلات المنتشرة حالياً تتحدث عن ضربة أميركية لإيران (حرب أميركية ضد إيران) بدون حديث عن حجم الضربة ومستواها وأثرها، ومدى تأثيرها على النظام الإيراني ودول المنطقة، ولا حتى عن طريقة احتواء تبعاتها وخاصة مع عدد الميليشيات الضخم الذي تسيطر عليه إيران وتسيره، ولا حتى على المستوى البيئي مع وجود عدة مراكز لتخصيب اليورانيوم كهدف محتمل ضمن الضربات.

يوجد ثلاثة احتمالات رئيسية لحرب مثل هذه وهي شن أميركا بالاشتراك مع دول الخليج -التي تصالحت مؤخراً- حرباً شاملة تنتهي بالسيطرة على إيران برياً ونشر قوات برية بعد تدمير النظام فيها.

فيما يمثل الخيار الثاني ضرب النظام جوياً، وتفكيكه وتدمير قدرته العسكرية وإسقاطه؛ ودعم المعارضة لتولي الحكم بدون الدخول برياً لإيران أو بتدخل محدود.

أما الخيار الثالث فهو توجيه ضربات جوية تحجيمية لقدرات النظام الإيراني، وتدمير مشروعه الصاروخي والنووي والقدرات العسكرية والاقتصادية بشكل كامل أو جزئي؛ وضمان عدم استعادته لها، وربما تغيير في قيادات النسق الأول مع الإبقاء على النظام ككتلة منضبطة وضابطة.

طبول للحرب التي لم تقرع

الخياران الأول والثاني يبدوان بعيدين حالياً على الأقل؛ لعدم وجود بوادر لهما على عدة مستويات.

فخلال العام الماضي لم تشاهد أي تحركات كبيرة للجيش الأميركي في المنطقة، تحركات ونقل قوات لعشرات آلاف الجنود ومئات الدبابات وعشرات الطائرات، على مستوى ما حدث قبيل حرب 1991 ضد العراق أو العمليات في يوغوسلافيا السابقة 1999 أو عام 2001 لغزو أفغانستان أو 2003 لغزو العراق.

إضافة لهزالة الحشد والتجهيز الإعلامي لـحرب مثل هذه مع إيران، فالإعلام الأميركي يتحدث بالمجمل عن توتر الوضع في المنطقة، وعن التوتر مع إيران، ونقل بعض أخبار الضربات التي تتعرض لها القوات الإيرانية وميليشياتها في المنطقة، بدون التجييش المباشر للحرب، بل مجرد تحذير منها كنتيجة للتطورات في المنطقة، وهذا معاكس تماماً لما حدث خلال الحروب الأميركية الثلاثة الأخيرة؛ التي شهدت تمهيداً إعلامياً وسياسياً وتهيئة نفسية للشعب الأميركي وشعوب المنطقة لعدة أشهر قبل -ساعة الصفر- وحملة من إيجاد المبررات والدوافع والأسباب لها، إضافة لبناء تحالف عسكري سياسي؛ يحمل عن أميركا المسؤولية ويوزعها على مجموعة من الدول وهو أمر لما يشاهد حتى هذه اللحظة.

ما يدفع للاعتقاد أن أي عمل -شامل- ضد إيران لا مكان له حالياً على الأقل، بل أقصى ما قد يحصل هو عمل بالحد الأدنى، وربما لا يصل لمرحلة تدمير أي من البرامج الاستراتيجية الإيرانية وخاصة البرنامج النووي والصاروخي، فضلاً عن إسقاط النظام الحاكم الحالي واستبداله.

فالسيناريو الأكثر منطقية للبدء بعمل محدود مثل هذا قد يكون رد فعل على استفزار إيراني يحصل في المنطقة، سواء ضربات على مواقع أميركية في الخليج أو استفزار لحركة الملاحة البحرية أو أي عمل مشابه تحفز به إيران أميركا لشن ضربة كهذه.

فعلى الرغم من حجمها الكبير لا تمثل القوى النظامية الإيرانية سواء القوة البرية ولا البحرية ولا القوى الجوية والدفاع الجوي أي تهديد حقيقي للقوات الأميركية ولا الدول في المنطقة ككل؛ بسبب تخلفها التقني واعتمادها بالمجمل على تقنيات تعود للحرب الباردة، ويتركز التهديد لحد كبير في القوة الصاروخية سواء الباليستية أو الدفاع الساحلي، والتي قد تتسبب بالقسم الأكبر من الأذى على المستوى الاستراتيجي-قبل أن تتعرض للتدمير- لكن إيران تدرك أن استخدامها سيترتب عليه رد فعل عنيف؛ قد يسرع انهيار منظومتها ككل، خاصة في حال استهداف ناقلات النفط أو المنشآت النفطية الكبرى، أو القطع البحرية الأميركية الرئيسية في الخليج العربي كحاملات الطائرات، ما يجعلها تستخدمها بالحد الأدنى خاصة في حال تأكدها أن النظام لن يتعرض للتغيير.

نظام مركزي

يشابه النظام الإيراني في تركيبته جميع الأنظمة في المنطقة، فهو نظام مركزي بحت، يوجد تدفق وحيد الاتجاه للأوامر فيه من الرأس نحو الأذرع التي تنفذ التعليمات الصادرة بدون وجود أي هامش للمناورة، فهي مرتبطة عضوياً بالقيادة ولا تستطيع تنفيذ أي عمليات أو تصرفات بشكل مستقل، ما قد ينعكس سلباً على "القيادة" خاصة بغياب الأوامر؛ ما يعني أن معظم أذرع النظام الإيراني في المنطقة من ميليشيات وقوى وأحزاب سوف تكون غير قادرة على تنفيذ أي عمل في حال استهداف الصف الأول للنظام، بل من غير المستبعد انهيارها بسرعة كبيرة، خاصة أن تمويلها يعتمد على الدعم الإيراني والذي سيتوقف تلقائياً مع انهياره، فضلاً عن إمكانية تعرضها للاستهداف بشكل مباشر لأن قسماً كبيراً منها مصنف أو مرتبط بميليشيات مصنفة "إرهابية" كالحرس الثوري وغيره.

ما يعني أن القوة الإيرانية الأساسية المتمثلة بعشرات الميليشيات الشيعية المنتشرة في العراق واليمن وسوريا؛ ستكون غير قادرة على تنفيذ أي عمل على المستوى الاستراتيجي عند تعرض بنية النظام الإيراني لأية ضربة، وخاصة فيما يتعلق بإغلاق المضائق أو استهداف المنشآت النفطية الأساسية، فضلاً عن استهداف القوات الأميركية ذاتها، وستستجلب مثل هذه العمليات رد فعل يدفع العديد من الدول للمشاركة في أي عمل لمنع التعرض لشرايين النفط البحرية، وهو أمر تخشاه إيران بشكل كبير ويتحكم بشكل كبير بمستوى قدرتها على الرد ومستواه.

بالمحصلة أذرع إيران العسكرية بالمجمل سواء القوى النظامية أو الميليشيات بمختلف أشكالها ستكون عاجزة عن الدفاع عن النظام الإيراني في حال تعرضه لهجوم مكثف يستهدف بنية النظام المركزية ورأس هرمه، أو في حالة تأكد النظام أنه ليس مستهدفاً بشكل مباشر بل مجرد عمليات تحجيم يستطيع التفاوض على حجمها ومداها.

 فراغ خطير

تمتلك أميركا والدول التي تجتمع تحت مظلتها في المنطقة قوة عسكرية ضخمة؛ قادرة على تدمير النظام الإيراني خلال وقت قياسي -في حال وجود رغبة حقيقة لذلك- وتستطيع ضمان منع أي عمل انتقامي من أذرع إيران المختلفة سواء عسكريا أو عبر الاحتواء أو التفكيك.

لكن المشكلة الأساسية التي لا تشجع أميركا على تنفيذ أي عمل عسكري واسع أو حقيقي ضد إيران هو المصلحة المشتركة والاستفادة المتبادلة بين الطرفين التي وصلت مرحلة التبعية الكاملة، والتي ترسخت خلال العقد الماضي بشكل كبير، فالتمدد الإيراني الذي يخدم المشروع الأميركي في المنطقة بشكل أساسي، يمثل ثقلاً موازياً وضاغطاً على مجموعة القوى المحلية المعادية لأميركا في المنطقة، ويخفف عنها الحمل العسكري والاقتصادي، وأي عمل يستهدف تحجيم إيران في المنطقة بشكل مفاجئ سيتسبب بفراغ كبير وخطير بالنسبة لأميركا؛ سوف تستغله هذه القوى التي تراها أميركا عدوها والتهديد الاستراتيجي الحقيقي لها.

ما يجعل من فكرة ضرب أميركا لإيران وتدمير نظامها، وإخراجها من المنطقة مجرد فكرة تجانب الوقائع على الأرض بسبب تداعياتها على السيطرة الأميركية على المنطقة أساساً، خاصة أن البديل الذي قد يشغل مكان إيران لما يجهز بعد، وما تزال إيران تمثل الخيار الافضل لأميركا لضبط الأوضاع في المنطقة.

=========================

الانحطاط السياسي للمشرق: من الدولة إلى الإمارة

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 9/1/2021

(1)

بينما تتسابق الدول الإقليمية، في ضوء تغير الإدارة الأميركية، على استعراض عضلاتها لتقاسم الكعكة السورية، لا تكفّ الوقائع الجديدة المأساوية عن فرض نفسها على الأرض. ومع تراجع قوى المعارضة وتفكّكها، وبروز الإفلاس السياسي والأخلاقي، منقطع النظير، للنظام الذي يصرّ على أن يبقى حتى على خراب سورية وموت شعبها، لا أعتقد أنه لا يزال هناك أساس عملي ومادّي يضمن، في إطار التوازنات الراهنة، حتى التطبيق المجتزأ لقرار مجلس الأمن 2254، فما بالك بالانتقال السياسي نحو نظام ديمقراطي جديد.

لكن الاعتراف بذلك لا يحل المشكلة، فمع استمرار العقم في المفاوضات الدولية، العلنية والسرية، وبطء ظهور صحوة وطنية سورية سورية، لن يحصل شيء آخر سوى ما يسفر عنه صراع القوى القائمة على الأرض. وما ظهر من استهتارٍ ملفتٍ للنظر من الدول المعنية بمصير المفاوضات، وسماحها بالتلاعب بالقرارات الدولية خلال السنوات الطويلة الماضية، يدل على أن الدبلوماسية الدولية لم تكن تعتقد، ربما منذ البداية، أو لا تريد أن تقوم من جديد دولة سورية موحدة، وليس مركزية فحسب. وأنها كانت تنتظر ولا تزال رسم حدود المناطق والإمارات البديلة بالدم، كما ذكر ذلك أحد رؤساء الإمارات الكبيرة القائمة، التي هي أيضا حدود مناطق النفوذ المنتظرة من الجميع. حيث يمكن أن تبدأ برعايتها وتحت إشرافها بعد ذلك التسويات/ المساومات بين النخب الجديدة المناطقية وحماتها، خارج أي مرجعياتٍ وطنية أو أممية. ففي غياب هذه المرجعيات وتأخر نشوء نخبة سياسية سورية فعالة وموحدة تضمن الحفاظ على الدولة، وتطرح نفسها بديلا للنخبة الاستبدادية الحاكمة، تشعر الدول المتنازعة على النفوذ أنه لا توجد ضمانات للحفاظ على ما تسمّيه مصالحها الخاصة سوى بالتحالف مع من ينجح من القوى المحلية في فرض سيطرته في هذه المنطقة أو تلك، ما دام الأسد ونخبته العسكرية والسياسية الملوثة بالدم والدمار لم يعودا محاورين مقبولين لأغلبها، عدا عن أنهما أصبحا مرتهنين للوصيين، الإيراني والروسي.

نحن أمام ظاهرة تفكّك سورية إلى مجموعة من الدويلات الخاصة، باستغلال كل الذرائع القومية والطائفية والقبلية والدولية والاستراتيجية

لا يستدعي هذا المسار "البلقاني" الإعلان الرسمي عن إقامة دويلاتٍ تخضع للسيطرة المباشرة للدول المتنفذة، وتعتمد على حمايتها. كما لا يتناقض الحديث المكرّر عن ضرورة تطبيق القرارات الدولية عن سورية الموحدة، مع ترك الأمور تنضج على نار هادئة، لكن حارقة بشكل أكبر للسوريين الذين يعيشون على حافّة المجاعة، بانتظار أن تأخذ الصراعات المناطقية مداها، مع الدعم العلني والسري لهذه الجماعة المحلية أو تلك، ومساعدتها على حل مشكلاتها الخاصة أو مع القوى والدول الأخرى.

لكن لا يمكن أن ننفي أننا أصبحنا منذ الآن أمام عدة مشاريع لما ينبغي تسميتها "إمارات الأمر الواقع"، من بينها مشروع إمارة إدلب شبه المستقلة ذاتيا، والتي تسيطر عليها قوى إسلامية، بما فيها جبهة النصرة، بالارتباط مع الاستراتيجية التركية في صراعها مع مشاريع حزب العمال الكردستاني التركي، الطامح إلى لعب دور مليشيا "أممية" إقليمية. ومنها أيضا إمارة شرق وشمال الفرات التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وأحد فروع الحزب المذكور نفسه: حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، وهي من الإمارات التي تحظى بشكل علني بدعم الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي. وهناك إمارة غرب ووسط سورية التي تضم ما تسمى مناطق سيطرة النظام تحت رعاية الروس وحمايتهم، مع تطلعات إيرانية لفرض المشاركة الندّية في هذه السيطرة والإدارة والحماية العسكرية.

وكما تؤكد موسكو على أنه لا بديل للأسد في المنطقة التي تخضع لسيطرتها ونفوذها، تريد واشنطن، حسب تصريحات المبعوث الأميركي السابق إلى سورية، جيمس جيفري، أن يكون شرق الفرات وشماله منطقة "حكم ذاتي سياسي" مع قوة عسكرية مستقلة، أي دولة حزبية على شاكلة دولة الأسد. ما يعني أن الأمر يتجاوز حتى مشروع الاتحاد السوري البائد للعشرينيات نحو الكونفدرالية التي تجمع بين دول ذات سيادة تفاهمت على إقامة علاقات تعاون في ما بينها مع احتفاظ كل واحدةٍ منها بجيشها وسياستها الخارجية ومصرفها المركزي، وكلها من علامات السيادة، وهي تستطيع، في أي لحظة، أن تستقل بنفسها. في المقابل، يبقى الجنوب السوري المنطقة الأخيرة التي لم تتبلور بعد معالم القوة المحلية التي ستنجح في فرض سيطرتها الرئيسة عليها. وهي المنطقة الأكثر حساسيةً وتعقيدا، سواء بسبب تكويناتها الأهلية أو موقعها الاستراتيجي بالنسبة للقوى الإقليمية المتنافسة، وفي مقدمها إسرائيل وإيران. وربما تدخل زيارة المبعوث الأميركي جول ريبرن، أخيرا، إلى الأردن والإمارات، في سياق البحث في تجاوز هذه الأزمة، ورسم خطوط الكانتون الجنوبي وهويته، بما يمكن أن يشرعن أيضا الاستعدادات الأميركية المتزايدة لتقديم دعم أكبر لكانتون شرق الفرات.

تبدو بلقنة المشرق للمجتمع الدولي مخرجاً سهلاً، أو أسهل المخارج، من الأزمة التاريخية العميقة التي تضرب المشرق لأسباب داخلية وخارجية

والواقع أن ما لم يعد من الممكن إعادة تأهيله، على الصعيد المركزي، أي نموذج نظام الجمهورية الوراثية، يسعى الجميع إلى تعويضه بنظم بديلة ومن النموذج البائس ذاته، لكن على مستوى المناطق، وعلى شكل دويلات خاضعة لحكم المليشيات التابعة، المحلية والأجنبية، بما في ذلك بالطبع دويلة الأسد المتبقية من إرث الجمهورية، وهي أكبرها مساحةً وساكنةً، لكنها أكثرها تأزما وإشكالية، والتي يصعب حسم أمورها بوجود الأسد، قبل أن تستقر أوضاع الإمارات الجديدة الأخرى.هذه ليست استنتاجات أو توقعات، وإنما ما يحصل على الطبيعية أمام ناظرينا، وما يستطيع أي إنسان عادي من دون خبرة سياسية أن يكشفه بالعين المجرّدة، فنحن أمام ظاهرة تفكّك البلاد إلى مجموعة من الدويلات الخاصة، باستغلال كل الذرائع القومية والطائفية والقبلية والدولية والاستراتيجية، وكلها تهدف لخدمة مصالح حماتها، ولا علاقة لأيٍّ منها بمراعاة مصالح ساكنيها حتى لا نقول خطأ الموطنين السوريين.

(2)

يأتي هذا التفكيك بمثابة مرحلة ثانية لاستكمال ما كانت الدول "المعنية" ذاتها قد أنجزت المرحلة الأولى منه، عندما قسمت المملكة السورية وبلاد الشام في العشرينيات إلى عدة دول، جميعها غير قادرة على الوفاء بشروط قيام دولة سيدة قادرة على الاستقلال بقرارها، ومالكة للموارد المادّية والبشرية الضرورية لتطوّرها وتنمية مواردها واندماجها الفعلي في مجتمع العصر الراهن. للأسف، وبعكس الأوهام التي يبنيها بعضهم على هذا التحول الجديد، لن يقدم تحطيم الدولة السورية أي فرصٍ جديدة لتطور الحريات الفردية والسياسية والفكرية، ولا لدفع عجلة التقدّم العلمي والتقني والحضاري عموما، وإنما سيزيد من الضغوط الداخلية بمقدار ما سيحول المناطق إلى مزارع لبعض الأحزاب والأسر والعشائر القوية، ويضع مجتمعاتها في طريق مسدود. ولن تستطيع أي جماعة محلية أن تعيد بناء هويتها الخاصة أو خصوصيتها من خلال دويلاتٍ سوف تتحول سريعا إلى أقفاص لساكنيها، ولكنها سوف تتحد، هوية وثقافة واقتصادا، في الحروب والنزاعات التي لن تتوقف بين العصائب المتنازعة على السلطة والموارد الشحيحة والحمايات الأجنبية، كما رأينا ذلك خلال أكثر من قرن في منطقة البلقان، حتى صارت مفردة البلقنة مصطلحا للإشارة إلى منطقة الحروب والنزاعات الصغيرة الهوياتية التي لا تهدأ، والتي لم تخمد إلا بعد إدخالها في حماية الاتحاد الأوروبي. والبلقنة هي مصير كل الجماعات الأهلية التي تُخفق في التفاهم على إقامة دولةٍ سياسيةٍ قانونيةٍ تمكّنها من تجاوز مفهوم الهوية الإثنية والخصوصية الثقافية، وتمكّنها من مواكبة العصر، بينما لا تملك أي واحدة منها الشروط الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية لإقامة هذه الدولة. ولذلك تبقى على الرغم منها محكومة بهوس إضاعة هويتها الخاصة. وقد بقيت إمارات إيطاليا الصغيرة وممالكها ثمانمئة عام، بعد اختفاء الدولة والحكومة المركزية الذي ساهمت فيه الغطرسة البابوية، حتى نجحت في أن تستعيد وحدتها في بداية القرن التاسع عشر، بالرغم من أن فكرة المملكة الإيطالية لم تختف من المخيال العام، على أثر الثورة الفرنسية وتطور الحركات القومية الحديثة.

لن يقدم تحطيم الدولة السورية أي فرصٍ جديدة لتطور الحريات الفردية والسياسية والفكرية

أول نتائج هذه البلقنة السورية المتنامية وأهمها إلغاء الشعب السوري بالمعنى السياسي وتحييده، وتحويله إلى طوائف وأقليات وجماعات تتنازع على إثبات الهوية، وتمييز نفسها بعضها عن بعض، بالبحث عن التفاصيل ونسيان الرئيسيات، وفي ما وراء ذلك إخراج سورية كقوة مشرقية من أي حسابات استراتيجية إقليمية. وهذا يعني الاستمرار في إنجاز المهمة التي ضمن تنفيذها للأسد الاعتراف له بما يشبه مملكة وراثية رسمية، من المجتمع الدولي، مع صرف النظر عن أي انتهاكات، مهما بلغت من الخطورة، لحقوق الإنسان في سورية ومحيطها معا.

لا يمنع ذلك من أن بعض المجتمعات المحلية سوف تشعر، على الأقل في المرحلة الأولى، وهذا ما يثير حماسة بعض المثقفين، بانفراج أمني نسبي يعوّض خمسين عاما من الرعب وحكم الإرهاب الذي مارسه نظام سيطرة همجي ومتوحش، وعقدا كاملا من القتل المنهجي والموت تحت التعذيب والاعتقال والاختطاف بالجملة. فمن المحتمل أن يتمتع بعضهم، في فترات الهدوء، بهامش أكبر من الحريات السياسية أو الفكرية مع تراجع وتيرة الاعتقالات الجماعية والاختطاف العشوائي، والإذلال المتعمد، بهدف التأديب والتربية على العبودية، فسورية المبلقنة سوف تكون بالضرورة مفتوحة على العالم، أو على بعض دوله المتمدّنة، ومرتعا للجمعيات ومنظمات المجتمع المدني العالمية، ومقرّا لقواعد عسكرية وأجهزة مخابرات أجنبية. وهذا ما يصعّب قيام نظام أمني مركزي استعبادي على شاكلة نظام الأسد القديم. ومن الممكن أيضا أن يساعد هذا الانفتاح على بعث بعض الحياة في الحركة التجارية والاقتصادية عموما، خصوصا مع توفر جيش العاطلين واليد العاملة الرخيصة. لكن على المدى المتوسط جميع المشكلات التي كنا نعاني منها في الدولة القديمة، والتي حاول نظام الأسد التغطية عليها بالعنف سوف تتضاعف: من فساد ومحسوبية وغياب حكم القانون وانعدام الاهتمام بالتنمية وتوفير فرص العمل وفي الاستثمار في الصناعية والعلم والتقنية، واستمراء التبعية للحماة الخارجيين، وانتشار الفوضى والاقتتال ومعه تنامي الجريمة وعمليات الاختطاف والاغتيالات السياسية والمواجهات المتواترة بين المليشيات والطامحين للسلطة ومواقع السيطرة.

يكمن الحل في إعادة بناء دولة المواطنة والمدنية والتنمية الإنسانية والتقدّم التقني والعلمي والاقتصادي، لا في تحطيمها

لكن ما يمكن أن يكون أكثر مأساوية من نتائج التقدّم في هذا المسار، فيما لو استمر وتكرس بالفعل، هو نهاية الحلم بعودة أكثرية اللاجئين، أو إطلاق سراح المعتقلين، أو معاقبة المسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وربما سيريح تكريس هذه البلقنة بعض الوقت المجتمع الدولي لما يوحي به من الاستقرار النسبي، وانحسار خطر تجدّد موجات الهجرة الجماعية التي عرفناها في العقد الماضي. والأخطر من ذلك احتمال خسارة سورية جميع أراضيها وحقوقها الإقليمية واعتبارها كانت جزءا من سورية التي لم تعد قائمة، وانشغال زعامات مليشيات الإمارات الناشئة بنزاعاتها وصراعاتها عن التفكير حتى بإثارة قضيتها في المحافل الدولية.

تبدو بلقنة المشرق للمجتمع الدولي مخرجا سهلا، أو أسهل المخارج، من الأزمة التاريخية العميقة التي تضرب المشرق لأسباب داخلية وخارجية، لا مجال هنا للتفصيل فيها. لكنها ليست كذلك في الحقيقة، وإنما هي تعميق لها، والدفع بشعوب المنطقة إلى المجهول، وتحويل الكانتونات الضعيفة والمفقرة إلى قنابل موقوتة، وحواضن للتطرّف والعنف والإرهاب. والسبب أن جوهر هذه الأزمة الطاحنة هو بالضبط الفشل في بناء هذه الدولة الفاعلة والقادرة على أن ترد على تطلعات الأفراد والشعوب، وتقدّم لهم المنافع والمكتسبات المادية والمعنوية، وفي مقدمها الكرامة والحرية وفرص العمل والترقي الاجتماعي التي افتقدوها. ويكمن الحل في إعادة بناء دولة المواطنة والمدنية والتنمية الإنسانية والتقدّم التقني والعلمي والاقتصادي، لا في تحطيمها. وهذا هو الدرس الأهم الذي قدّمته لنا في هذين العقدين التجربة العراقية الغنية، بعدما اكتشفت الجماعات الأهلية، المذهبية والمناطقية والقومية، كيف جرّدت الكونفدرالية، في بلد يفتقر لطبقة سياسية حقيقية ووطنية، من مضمونها، وأصبحت مدخلا لشرعنة الإمارات العائلية والشخصية ونهب الدولة وتحكم المليشيات الطائفية بالشأن العام وتعميم الفساد وتكريس التبعية تجاه قوى الاحتلال الأجنبية والتسليم للولاءات الخارجية، على حساب تعزيز روح الوطنية والمواطنة والكرامة الشخصية والعدالة وحكم القانون.

=========================

موقفنا : أصبحنا ... بين كوفيد 19 - والقصف الصهيوني - وأبو عدس بومبيو

زهير سالم

مركز الشرق العربي

13/ 1/ 2021

أصبحنا ..

وفيروس كوفيد 19 يحاصرنا فيمن يحاصر من أهل الأرض . وأتلو ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا ...) وأتساءل هل يحاصر كورونا الجن شركاءنا في التكليف ، كما يحاصرنا ..؟؟؟ وأعود إلى أخبار العدو غير المرئي ، والقاتل الرهيب ، وأخبار طفراته ، وتقارير العلماء والمختبرات عنه ، والحديث عن انتشاره ولقاحاته وعجز الأقوياء عن الإحاطة به ..

وأعود إلى كوفيد 19 ، وما فرضه على البشر من وحدة وعزلة وترقب وخوف ووحشة ثم أنظر إلى ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان ...!!!

أصبحنا ...

والطيران الصهيوني يغدو علينا ويروح بين القنيطرة ودير الزور . دير الزور معقل المروءات العربية الأبية ، التي تكاثرت عليها خناجر الغادرين والطامعين والخائنين ...نتابع عمليات القصف ، وقد جعل بشار الأسد وحلفاؤه الإيراني والروسي من الجغرافيا السورية مرتعا للصهيوني ...!!

يقول لي متفذلك مدع متنطع : أرأيت لقد أضعفت ثورتكم سورية عن الامتناع والدفاع .. ومتى امتنع بشار الأسد من صفعة ؟؟؟ ومتى رد الولي الفقيه على لكمة ؟؟؟ وإنما هي أحابيل وأساطير وما نحن فيه لا يخفى إلا على صم بكم لا يعقلون .." إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله .

أصبحنا ...

وأصبح بومبيو يحدثنا عن " أبو عدس " متعدد الجنسيات ...

 كان " أبو عدس " الأول أسديا ، فجاءت حكايته مكشوفة عارية ، قصيرة الحبال ، ثم طوروا نسخته فكان أمريكيا روسيا صهيونيا صفويا .

وجاءت الطبعة الأخيرة من " أبو عدس" تحت عنوانين مثل " البيبسي كولا " و " الكوكا كولا " ودائما الخيار الديمقراطي بين السلع يبقى حاضرا ..

ما كشفه بومبيو عن علاقة إيران بمشروع " أبو عدس " ليس معلومات جديدة بالنسبة إليه ، ولا بالنسبة إلينا . هذه معلومات مخزنة منذ حملت بأبي عدس - الرمز وليس الإنسان المظلوم - أمه سفاحا في سجون الطغاة والمجرمين صلاح نصر وشمس بدران وحافظ وبشار الأسد ..

حكاية بومبيو وزير خارجية الدولة العظمى ، الذي رفضت أكثر من دولة أوربية بالأمس استقباله ، عن أبي عدس هي حكاية من أرشيف عمره نصف قرن . كنت طالبا في جامعة القاهرة حين قتل أبو عدس الشيخ الذهبي صاحب التفسير والمفسرين ...وإن استمر مرير الجهل فينا ستكون لأبي عدس طفرات ، لا تحيط بها ربما المختبرات ، وسوف تعلمون ..

حكاية أبو عدس هي نفسها حكاية ميشيل سماحة ، هي نفسها حكاية الدولة التي سكت العملة !! نتذكر أن المسلمين لم يسكوا العملة إلا في عهد عبد الملك أو ابنه الوليد !! نحن نعلم وهم يعلمون، وتبقى الحقيقة التي ترطم جباهنا في كل مرة ولا نستفيق : أن المعرفة شيء والاستفادة منها شيء آخر .

وكم من معلومة أريقت كما دراهم المجانين ...

أصبحنا ...

وأصبح الملك لله ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

التسوية التاريخية ومسوّغاتها

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 9/1/2021

ثمّة مسوّغات متعدّدة لما أطالب به من تسوية تاريخية بين أطياف العمل السياسي السوري المعارض، ديمقراطيةً كانت أو إسلامية أو قومية أو مدنية ... إلخ، منها أن مطالب هذه الأطياف جميعها لا بد من أن تتقاطع في التسوية التي يجب أن تحقق الهدف الرئيس لكل طرفٍ فيها، من دون أن يكون تحقيقها على حساب غيرها، بما أن أيا منها لن تبقى بعدها على وضعها السابق، وإنما ستمر جميعها، خلال إنجاز التسوية، في تحوّل ستفقد معه ما لا يتفق مع هدف التسوية المشترك: تراكم قدر من القوة المعنوية والمادية، السياسية والتنظيمية، من شأنه أن يقلب موازين القوى بين الشعب والأسدية، ويعد الشروط الضرورية لإقامة نمطٍ من الدولة، وظيفي ومتفاعل مع التيارات التي تنخرط فيه، بكل ما تعنيه كلمة الوظيفية من ترجيح واقعي لقيام سورية الجديدة على الإفادة من تشابكات الفاعلين، السياسيين والمدنيين، التي يلتزمون بتطويرها ويتعهدون بتنميتها عبر التسوية، بحيث لا يعتقد الديمقراطيون أو الإسلاميون أو القوميون .. إلخ أن النظام الجديد ليس من صنعهم، وليس تشاركيا بينهم، ولجميع السوريين.

إلى جانب العامل الحاسم، وهو أن أيا من القوى السياسية لن يتمكّن من إسقاط الأسدية بمفرده، هناك عوامل أخرى كثيرة تبرّر "التسوية التاريخية"، أهمها:

أولا، تناقض قوى (وتيارات) التسوية مع الأسدية عدائي، ولا يحل بغير إزاحتها له، أو إزاحته لها، بينما تعتبر خلافات تياراتها وأحزابها مشكلاتٍ يمكن تخطيها بالحوار، والتسويات، والحلول الوسط، والتنازلات المتبادلة، أو ما يفترض بالتسوية تحقيقه، في سياق إقامتها من دون عنف أو إزاحة، وبالتكافل والتكامل هدفا لجهود القائمين عليها. في وضعنا الراهن، ترقى خلافات المعارضة إلى سوية تناقضاتٍ عدائية، لن يمكن التخلص منها من دون تنافس متبادل بينها، ما يخدم الأسدية: عدوها المشترك المزعوم الذي تمكّنه طرقها في الاختلاف من التلاعب بها، مثلما حدث طوال فترة ما قبل الثورة وما بعدها، عندما تحوّل عداؤها لنظام القتل إلى تزاحم عبثي بينها على سلطةٍ وهميةٍ، خال معظم أطراف المعارضة أنها توشك على السقوط في حجره، ما إن تُسقط واشنطن الأسد، فلا مفرّ من إبعاد الآخرين عنها بأي وسيلة وطريقة من وسائل وطرق الإزاحة السرية والعلنية، وصولا إلى تكبير حصته على حساب الآخرين.

ثانيا، أسّس دخول الشعب الاقتحامي والموحد ساحة الثورة بيئة غير مسبوقة في تاريخ سورية لإعادة تعريف الأحزاب الديمقراطية والإسلامية والقومية والمدنية على أرضيةٍ تاريخيةٍ جديدة، تحرّرها من طابعها النخبوي المحدود، وعلاقاتها الواهية، والبرّانية، بالواقع، وتمكّنها من إعادة تأسيس نفسها في إطار مشترك وتوافقي، لا ينهض على حزبيةٍ مفصولةٍ عن أولوية المصالح الوطنية والجامعة التي تستوجب، بل وتحتم، توحيد تعبيراتها، وما يتصل من أنشطتها بالعمل العام، وتحرّرها من عزلتها وتناقضاتها القائمة على الإزاحة والتنافس المفعم بالعداء الذي لطالما عزّز ضعفها وتبعثرها، وخدم الأسدية، وأدّى إلى تراجع الثورة واستيلاء عدوهم الإرهابي/ الأصولي والأسدي على معظم مواقعهم. سيرتكب العاملون في الحقل السياسي جريمةً سياسيةً كاملة الأركان، إن استمرت تناقضاتهم في تفتيت حاضنةٍ اجتماعيةٍ فشلوا في التموضع داخلها، حتى بعد أن صنعت الثورة، بيد أنهم لم يقرأوا دلالاتها التاريخية، ومعانيها الاستثنائية الأهمية بالنسبة لحاضر الصراع ومستقبله في وطننا وعليه، كما لم يدركوا خطورة ما ألحقه تزاحمهم من ضررٍ كارثي بالشعب، وبتمرّده العظيم.

ثالثا، لترقية السياسة، يجب ترقية تمثيلاتها عبر تسوية تاريخية تبدّل دورها في الشأن العام، الوطني والديمقراطي، بالإفادة من تمرّد الحرية، وتضحيات الشعب وصموده الأسطوري الذي حوّله إلى طليعة تفتقر اليوم إلى تمثيل سياسي منظم، ستكون التسوية التاريخية حاضنتها المعبرة عن جديد التاريخ، والتي ستخرجها من العجز، وتلبي حاجة السوريين إلى الحرية.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com