العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-12-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عناصر جديدة في الصراع السوري

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 13/12/2018

ظهرت شعارات معارضة للنظام الكيماوي، في شهر تشرين الثاني الماضي، على جدران بعض مدن وبلدات محافظة درعا، كما لو كان تكرراً للشرارة التي أطلقت الثورة السورية، قبل نحو ثماني سنوات في المنطقة نفسها.

ففي ذلك الزمن، اعتقلت أجهزة المخابرات عدداً من أطفال درعا اتهمتهم بكتابة شعارات، كان أشهرها «اجاك الدور يا دكتور»، وعرضتهم لتعذيب شديد، أدى إلى مقتل عدد منهم، ورفضت مناشدات أهاليهم لإطلاق سراحهم. وباقي القصة معروفة.

جاء ظهور هذه الشعارات الجديدة بعدما سيطرت ميليشيات النظام على «مهد الثورة» في إطار الخطة الروسية المسماة بـ«مناطق خفض التصعيد» التي كانت نتيجتها سقوط ثلاث منها في يد النظام، ولم يبق غير الرابعة، محافظة إدلب وبعض جوارها، وهي مهددة بالمصير نفسه، مع وقف التنفيذ، مؤقتاً، بفعل اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا.

الجديد الذي يمثله هذا الحدث هو أنه أول إشارة إلى بداية مقاومة شعبية ضد النظام في مناطق يسيطر عليها.

تعززت تلك الإشارة بأحداث أخرى كالهجومين المسلحين على مواقع لميليشيات النظام في بلدتي اليادودة والصنمين، أديا إلى مقتل عدد من عناصرها. ثم كان هناك تفجير في موقع آخر لقوات النظام في مدينة درعا، قتل فيه ستة ضباط برتبة ملازم، تخرجوا حديثاً من الكلية الحربية. وأعلنت «حركة المقاومة الشعبية» عن نفسها باسمها المكتوب على بعض الجدران.

من المبكر جداً، في الوقت الحالي، الحديث عن انطلاق مقاومة مسلحة ضد النظام، أو التكهن بحجمها، أو ما يمكن أن تقوم به من عمليات في مقبل الأيام. فمن الطبيعي أن تكون حركة من هذا النوع حريصة على السرية الشديدة، بالنظر إلى الظروف الصعبة للعمل في مناطق يسيطر عليها النظام. حتى المقاومة المدنية لا يمكنها أن تكون إلا سرية، تستغل ظلام الليل لكتابة شعارات على الجدران أو توزيع منشورات في المناطق السكنية. مع توقع كلفة بشرية باهظة إذا بدأ النظام بالرد، فهو لا يتقن غير حرق ما يعتبره الحاضنة الشعبية لأي معارضة مدنية أو مسلحة، بحيث يجعل أي مقاومين محتملين يتخلون عن العمل درءاً للعمليات الانتقامية بحق السكان. واقع الحال أن تلك المؤشرات الأولية لمقاومة شعبية ظهرت، أصلاً، رداً على عمليات انتقامية قامت بها ميليشيات النظام، من اعتقالات وقتل تحت التعذيب لعدد ممن سلموا أنفسهم في إطار «المصالحات»، فضلاً عن التعامل مع سكان تلك المناطق كجيش احتلال لا روادع تقف في وجهه.

حتى المقاومة المدنية لا يمكنها أن تكون إلا سرية، تستغل ظلام الليل لكتابة شعارات على الجدران أو توزيع منشورات في المناطق السكنية. مع توقع كلفة بشرية باهظة إذا بدأ النظام بالرد

بالمقابل، لا يمكن استبعاد أنواع من العمليات العسكرية ضد ميليشيات النظام، في كل المناطق التي سيطر عليها النظام، بعد سنوات من خروجها عن سيطرته، للسبب نفسه، أي لأن النظام يتعامل مع تلك المناطق بدافع ثأري لا يخلو من الطائفية، فينهب البيوت المهجورة، وينكل بالسكان، ويمنع من نزحوا من العودة إلى بيوتهم، ويقوم باعتقالات، ويجند الرجال في صفوف ميليشياته. أمام كل هذا القهر والإذلال، سيكون هناك دائماً من يفضلون احتمال الموت على العيش كعبيد تحت سلطة قوة قاهرة، بصرف النظر عن الجدوى السياسية لأي مقاومة من هذا النوع. بل يمكن لدافع الثأر وحده أن يشكل سبباً كافياً لعمليات تستهدف ميليشيات النظام والميليشيات الأجنبية «الرديفة» التي استجلبها من لبنان والعراق وغيرهما.

تزداد فعالية عامل الشعور بالقهر، إذا انتهت الحرب فعلاً بتسوية سياسية مجحفة تبقي على النظام، كما يريد حليفاه الروسي والإيراني، وتكرس ما جرى من تغيير ديموغرافي في بعض المناطق، ويُفرض على عموم السكان نظام عبودية لا يمكن لكائن بشري أن يتحمله. ففي هذه الحالة المفترضة سيوجد دائماً أناس يتساوى عندهم الموت وحياة العبودية. أما هل يمكن لحالات من هذا النوع أن تشكل مقاومة فاعلة لها هدف سياسي قابل للتحقيق، فهذا يتوقف على شروط التسوية التي يفترض بها إنهاء حالة الحرب. فإذا نظرنا إلى فشل محاولات المفوض الأممي المستقيل ديمستورا في تشكيل اللجنة الدستورية، وحالة الحرب المجمدة مؤقتاً حول إدلب، وغياب أي توافق دولي حول الحل السياسي، سنرى أن نهاية الصراع وبداية التسوية ما زالتا بعيدتي المنال. وسيكون محكوماً على أي عمليات مقاومة، في الوقت الحالي، بأن تبقى عمليات منفردة، لن تؤثر على النظام وحلفائه، بل قد تكون له تداعيات مؤلمة على السكان المدنيين.

أما في مناطق سيطرة النظام المستدامة، أي تلك المناطق التي لم تخرج في أي وقت عن سيطرته، فمن الواضح أن هناك استسلاما كاملا أمام القوة الغاشمة، وهي صورة عن الوضع الذي يريد النظام فرضه في جميع المناطق الأخرى التي استعادها في السنتين الأخيرتين. تطرح تكهنات غير واقعية عن أن البيئات الموالية ستعارض النظام ما أن ينتهي «الخطر الخارجي» الذي دفعهم للاحتماء بالنظام، أي بعد القضاء على المجموعات المسلحة الإسلامية. صحيح أن ظروف العيش في تلك المناطق ليست مقبولة، وأن الميليشيات الموالية تتصرف خارج سيطرة النظام، لكن تلك البيئات قد خسرت أي فرصة لمعارضة النظام بعد سكوتها، في أحسن الافتراضات، على ما لحق بالسكان في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة من عمليات إبادة وتهجير.

تبقى منطقتان: أولها مناطق سيطرة الأمريكيين، شرقي نهر الفرات، خارج كل التوصيفات السابقة، حيث تسيطر قوات «قسد» وعمادها قوات كردية مدعومة من الولايات المتحدة. فمصير تلك المناطق رهن بالسياسة الأمريكية المتذبذبة التي لا تستقر على حال، والهواجس الأمنية التركية. وهناك جو مشحون، تحت الرماد، له طابع التوتر العربي ـ الكردي بسبب مسالك «قسد» وانتهاكاته بحق السكان. والثانية مناطق سيطرة المجموعات المسلحة التابعة لتركيا، في «درع الفرات» وعفرين.

هذا التصنيف لمختلف المناطق السورية، يعني فيما يعنيه، غياب إطار تحليلي موحد للحالة السورية. فلكل منطقة ديناميات خاصة ومنطق مختلف. وهو ما يجعل من أي مشروع مقاومة شعبية تلي الحرب ضرباً من الإعجاز.

==========================

موقفنا : أوراق مختلطة .. حول غدر العصابة الأسدية بالمغرورين المصالحين

زهير سالم

مركز الشرق العربي

14/ 12 / 2018

في المشهد العام في منطقتنا العربية تختلط الأوراق وتتداخل المواقف والسياسات إلى حد كبير . لم يعد من السهل فرز المواقف على قواعد إيديولوجية مطلقة ، في زمن ساد فيه النفاق والزيف والادعاء على كل المستويات الدينية والفكرية والسياسية .

ولم يعد من السهل تحديد المواقف والحكم عليها على قواعد البوصلات الكبرى التي ظلت تحكم الرأي العام الشعبي منذ قرن من الزمان ، فقد غدت مؤشرات هذه البوصلات خاضعة لكثير من كتل الجذب والنبذ  والتحويل والانحراف ..

حتى الموقف الرجراج في حراك شعوبنا اليومي بات محكوما بكثير من الضرورات والإلجاءات والإملاءات والاضطرارات فلا تدري وأنت ترقب المشهد من حولك من المصيب ومن المخطئ ؟!  هذا إن كنت قادرا على تمييز الخطأ من الصواب !!

في ثقافتنا الفكرية بيت من شعر الحكمة معبر عن بعض ما آل إليه حالنا يقول حكيمه :

يُقضى على المرء في أيام محنته .. حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

فترى بعض الناس يدافعون عن الخطأ درأ للخطيئة . ويتبنون القليل من المفسدة دفعا للكثير منها . هذا إذا وجد من يدرك المعايير الدقيقة للمفاسد والمصالح . الإدراك الذي وصفه ابن تيمية رحمه الله بالفقه الحق . حين قال لا يكون الرجل فقيها حقا حتى يدرك أعلى المصلحتين من أدناها ، وأعظم المفسدتين من أحقرها ؛ فيحقق الأعلى إن اضطر لتفويت الأدنى ، ويدرأ الأعظم وإن اضطر لاحتمال الأحقر .

الأوراق المختلطة على خارطتنا العربية والوطنية اليوم كثيرة ومتكاثرة . وهي اختلاطات شائكة حساسة ما أن تمسك بطرف إحداها حتى تنالك وتستزلك وتحشرك في دوائر انغلاق الفهم ، وسوء النية ، وتسارع بعض الناس إلى التخوين والتهوين ..

من هذه الأوراق المختلطة مثلا لا حصرا ، ما تقدم عليه العصابة الأسدية من نكث وغدر بحق مواطنين سوريين وثقوا بها ، وما كان لهم أن يفعلوا ، فعقدوا معها الاتفاقات والمصالحات ، بعد انخراطهم في ثورة ما تزال وستظل تهدد هذه العصابة من أساس وجودها .

وتصل الأخبار من وطننا المدمى بجراحه ومن مناطق ما سمي ، المصالحات ، عن تصفية العديد من رجال الثورة السابقين الذين غرر بهم فاغتروا ، وضُمن لهم فوثقوا بالضامنين ، وتحول بعضهم بفعل فعل إلى أدوات قتل وتشبيح بيد من ثاروا عليه وخرجوا لخلعه وتغييره ...

الأسماء تتناثر حولنا ، وبعضنا يرى فيما يقع على هؤلاء الجزاء الوفاق . وأنهم ينالون استحقاقات نكوصهم وغرورهم وانقلابهم على أهليهم ، إن لم يتعد ذلك إلى إعلان الشماتة والتشفي وإتباع هؤلاء المقبوحة ،عن الثورة، ردتهم بألفاظ النبذ واللعن ..

الحقيقة التي لا حقيقة وراءها هي أننا مهما اختلفنا في تقويم فعل هؤلاء ، والحكم عليهم، وتفهم دوافعهم وذرائعهم وضروراتهم واضطراراتهم ....

فإننا لا يجوز أن نختلف على اعتبار ما يقع عليهم  جريمة جديدة تضاف إلى جرائم المجرم الأول ، وجرائم الضامن الروسي المشرف على المصالحات والمتعهد بإعادة كل اللاجئين إلى حضن سورية الجديدة ..ليعاملوا بطريقة التصفية العاجلة نفسها.

قد يقول قائل إن هؤلاء المغرورين المنقلبين على ذواتهم يجنون جراء ما كسبت أيديهم؛ ولكن لا يجوز أن نزيد على هذا غير استنكار الغدر بهم ، والنكث معهم ، واستنكار الجرائم التي ترتكب بحقهم ورفع الصوت عاليا في إدانة ما يقع عليهم ..

ومن كان في جعبته سهم فليرمه باتجاه من قتل السوريين وشردهم ودمر ديارهم . وحين تختلط الأوراق يحتاج الموقف إلى حكمة ، ويحتاج الخطاب إلى كلمة فصل . "وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ".

--------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

القصف الأميركي بين أفغانستان وسوريا

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 12/12/2018

كنت شاهداً على الحرب الأميركية على أفغانستان، وشاهداً على القصف الأميركي على مناطق القبائل الباكستانية، الذي استهدف مقاتلي «القاعدة» ثم «طالبان» أفغانستان وباكستان، وأتابع اليوم القصف الأميركي على المناطق الشرقية في سوريا، فأجد الفرق الكبير والبون الشاسع بين الاستراتيجيتين، ففي الأولى كان ثمة حرص أميركي كبير من قبل القوات الأميركية على تفادي ما اصطلح عليه بـ «الأضرار الهامشية والجانبية»، تصاحبه وحدات تابعة لـ «البنتاجون» العاملة في أفغانستان، من أجل إعادة إعمار ما تم تدميره من آبار ومدارس وبنى تحتية، أما الضربات الأميركية في سوريا، فالظاهر والواضح أن الهدف الرئيسي لها هو تطبيق سلاح المدفعية من قصف وتدمير بذريعة تنظيم الدولة «داعش»، وبالتالي أعفت نفسها من كل مسؤولية في إعادة الإعمار، وأعفت معه نفسها من استخدام سلاح الهندسة.

في أفغانستان، كان المحتل واحداً، وبالتالي المسؤولية يتحملها هذا المحتل وهو الأميركي، أما في سوريا، فالمسؤولية تفرقت بين الدول «روسيا وإيران وأميركا»، وفي أفغانستان كان ثمة حكومة من كرازاي إلى الحكومة الحالية، وبغضّ النظر عن المواقف تجاهها وتقييمها، إلا أنهما لعبتا دوراً إيجابياً ومهماً في تقليص القصف الأميركي، كون الحكومة تعترض وترفض أي قصف يستهدف المدنيين أو يصيبهم، أما في سوريا، فقد ابتليت بحكومة تقوم بقصف واغتصاب وقتل وتشريد المدنيين، ولذا فترى أن من يأتي من محتل يساعدها في مهمتها، وجاء تعدد هويات المحتل ليضعف المسؤولية الأخلاقية والقانونية على من يقوم بالمجازر والمذابح، وربما سيضعف مستقبلاً مسؤولية العصابة الطائفية عن المجازر التي تقوم بها وترتكبها.

ما قام به الطيران الأميركي في الحرب على «داعش» في الرقة ودير الزور والبوكمال، سيظل شاهداً لأجيال مقبلة، إن كان من حيث الدمار والخراب والقتل والجثث التي خلّفها، لتروي قصتها للأجيال المقبلة، أم من حيث تحالف القوات الأميركية مع الميليشيات الكردية التي ساهمت بشكل خطير في تغيير التركيبة الديموغرافية، وكانت ممارساتها شبيهة بممارسات العصابة الطائفية في دمشق وغيرها، بينما كانت القوات الأميركية حرباً على الجيش السوري الحر لاحقاً، بعد أن استخدمته في قتال «داعش»، وتخلت عنه وأسلمته للعصابة الطائفية وداعميها الروس والإيرانيين، وهو ما سيضعف الأرضية الأخلاقية للأميركيين على المدى البعيد قبل القريب والمتوسط، إن كان في سوريا أم خارجها.

سيتذكر العالم كله، أنه بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، لم يقم تنظيم القاعدة ولا غيره من حركة طالبان بالانتقام والثأر من موسكو وغزوها واحتلالها لأفغانستان، وإنما كان الانتقام والثأر من نيويورك وواشنطن كونها المسؤولة -في نظرهم- عن عرقلة قطف ثمار هزيمة الاتحاد السوفييتي، فكانت الحرب الأهلية الأفغانية التي ينظر إليها شريحة واسعة من الأفغان على أنها مسؤولية أميركية، وسيذكر اليوم الشعب السوري أن من منع سقوط بشار، ومن سعى إلى القضاء على الثورة الشامية، وتعظيم خسائرها ومعاناتها خلال السنوات الثماني الماضية، إنما هي واشنطن إن كان بتجاوز خطوطها الحمراء.

المصالح الأميركية منتشرة في كل العالم، بخلاف المصالح الروسية والإيرانية، وبالتالي فالأجيال الشامية المقبلة لن تنسى أبداً ما حلّ بآبائها وأجدادها في سوريا، وقد تعددت كل أشكال التعذيب والقتل والمعاناة لديهم، الانتقام سيكون أشد، والحل الإسعافي هو بمراجعة حقيقية وشاملة، لإسقاط هذه العصابة الطائفية وتمكين الشعب السوري من حقه في تقرير مصيره ، فهل من مدّكر؟!;

==============================

إدلب المواجهة آتية

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 12/12/2018

قاد تراجع شعبية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين؛ على خلفية رفعه سن التقاعد وتدني مستوى المعيشة في بلاده، والحصار الذي يواجهه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتحقيقات المحقق روبرت مولر بشأن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية؛ وبضغوط الكونغرس لاتخاذ موقف صلب ضد السعودية؛ على خلفية قتل المدنيين في اليمن وقتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول؛ وهبوط مؤشرات الأسواق الأميركية، قاد هذا كله إلى تصعيد سياسي وعسكري في أكثر من ملف وقضية، في سعي من الرئيسين إلى تشتيت انتباه الرأي العام المحلي بإيجاد بؤر ساخنة تشد المواطنين، بعيدا عما ينتظرهم نتيجة سياساتٍ وقراراتٍ ستنعكس سلبا على حياتهم ومستقبلهم.

في هذا السياق، جاء هجوم البحرية الروسية على ثلاث قطع بحرية أوكرانية في مضيق كيرش، واحتجازها واعتقال بحارتها، بذريعة انتهاكها المياه الإقليمية الروسية، وأثبت الأوكرانيون بالخرائط أنهم كانوا في المياه الدولية عند مهاجمتهم من البحرية الروسية، تطبيقا لنصيحة منسوبةٍ إلى فياتشيسلاف كونستانتينوفيتش فون بليهيف، وزير الداخلية في عهد القيصر نيقولا الثاني، تقول: "لتفادي الثورة، نحتاج إلى حرب صغيرة منتصرة"، يتبعها بوتين في سياسته، وفق المحلل السياسي الروسي تيخون دزيادكو. وقد شن الكرملين ووزارتا الخارجية والدفاع الروسيتان وأعضاء لجان برلمانية في مجلس الدوما هجوما دبلوماسيا وإعلاميا عاصفا ضد الدور الأميركي في الشرق الأوسط، خصوصا في سورية، والعالم، ردا على مواقفها من معاهدة نزع الأسلحة النووية متوسطة المدى (من 500 إلى 5500 كلم)، عبر الرئيس الروسي عن استعداد بلاده للانخراط في سباق تسلح، ومن مسارَي أستانة وسوتشي، مع تركيز خاصٍ على دورها في منطقة شرق الفرات، تتهمها موسكو بالمسّ بوحدة الأراضي السورية عبر تشكيل مؤسساتٍ موازيةٍ لمؤسسات الدولة السورية على طريق إقامة دويلة كردية، واعتمادها دبلوماسية العقوبات، وتحرّكها لإقامة قواعد عسكرية في قبرص، لموازنة الوجود العسكري الروسي في سورية، "لن يبقى من دون رد"، وفق الخارجية الروسية.

صعّد الرئيس الأميركي، هو الآخر، في ملفات خارجية، توسّع في استخدام دبلوماسية العقوبات؛ عقوبات ضد الصين وروسيا وإيران وتركيا والاتحاد الأوروبي وكندا، لوّح بالانسحاب من معاهدة نزع الأسلحة النووية متوسطة المدى، ما لم تلتزم روسيا بمقتضياتها. وحدّد وزير الخارجية، مايك بومبيو، موعد الانسحاب خلال ستين يوما، أي حتى 14 /2 /2019، ودعا إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وإطلاق "قوات فضائية"، ألغى اللقاء مع الرئيس الروسي على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في الأرجنتين؛ وطيّر طائراتٍ حربيةً أميركية فوق أوكرانيا، طلعات جوية اعتبرها معلقون غير اعتيادية، ردا على مهاجمة البحرية الروسية القطع البحرية الأوكرانية. وأعلنت واشنطن، على لسان المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، عن وصول مساري أستانة وسوتشي إلى طريقٍ مسدود؛ وهي التي ترى في التمسّك الروسي والإيراني بالمسارين إخفاءً لرفض نظام الأسد المشاركة في العملية السياسية، برعاية الأمم المتحدة. وضغطت على الأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الأممي الجديد إلى سورية، غير بيدرسون، للبحث عن جدول أعمال جديد للمسار السياسي، واتفقت مع "المجموعة المصغرة"، مكونة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والسعودية ومصر والأردن، على عدم إعطاء شرعيةٍ دوليةٍ لأي لجنةٍ دستوريةٍ تشكلها منصة أستانة. وأعلنت تأييد الموقف التركي في إدلب، حيث التخطيط المشترك بين الولايات المتحدة وتركيا يتضمن دعم الأخيرة في إدلب أيضًا، وفق جيفري.

من بين الملفات المفتوحة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وهي كثيرة، يبقى الملف السوري أكثرها عرضة للاستثمار والتسخين، في ضوء توفر شروط صراع "نظيف" عبر إدارة تناقضات وتوازنات مسرح مكتظ بالقوى والخطط والبرامج، ما يتيح توظيف قوى 

"مصلحة أميركا المحافظة على اتفاق سوتشي لإبقاء النار بعيدة عن شرق الفرات" وقدرات محلية في إطلاق حربٍ بالوكالة، فتركيز روسيا على الأوضاع شرق الفرات هدفه ليس الولايات المتحدة فقط، بل وتركيا التي تريد من خلال تضخيم مخاوفها مما يحدث هناك دفعها إلى الاصطدام بالقوات الأميركية لتعميق الافتراق بينهما عل واشنطن تسحب اعتراضها على عملية عسكرية روسية إيرانية في إدلب التي تحاول وضعها على الطاولة مجددا؛ بذريعة عدم نجاح تركيا في الفصل بين الفصائل المعتدلة والمتشددة؛ وعدم التزام الفصائل المتشددة بوقف إطلاق النار؛ ناهيك عما قالته: "استخدامهم أسلحة كيميائية في قصف أحياء في مدينة حلب"، وقصف الطائرات الروسية مواقع للفصائل "لمعاقبة الإرهابيين الذين استخدموا السلاح الكيميائي"، وفق بوتين، وإرضاء إيران والنظام اللذين لم يقبلا اتفاق سوتشي حول المحافظة، وعملا على تقويضه عبر خرقه، لاستدراج رد فعل الفصائل وإقناع روسيا بالتخلي عنه، والمشاركة في الهجوم عليها، فاجتياح إدلب يحقق لروسيا مكاسب جغرافية ترجّح سيطرتها على السيطرة الأميركية، ويخلط الأوراق ويضع منطقة شرق الفرات على نار حامية، خصوصا أن إيران تسعى إلى التصعيد ضد الولايات المتحدة، لتحسين شروط التفاوض معها حول برنامجها النووي والصاروخي ودورها الإقليمي. روسيا حتى الآن مع ضربات موضعية كجزء من إدارة التناقضات والموازنة بين مطالب كل من إيران وتركيا للمحافظة على التفاهم مع تركيا، على أمل أن تقوم تركيا بمشاغلة القوات الأميركية شرق الفرات، وتشتيت انتباهها وتحجيم دورها. لذا فإنها تنتظر إعلان تركيا عجزها عن تنفيذ بنود اتفاق سوتشي حول إدلب، لكي يأتي هجومها على المحافظة تحصيل حاصل، وبتسليم تركي كامل في ضوء نتيجة محاولة تنفيذ الاتفاق.

أخذ رد الولايات المتحدة على استثمار روسيا الاتحادية لعلاقتها القلقة مع تركيا على خلفية تحالفها مع "قوات سورية الديمقراطية"؛ أشكالا عدة، في مسعى إلى موازنة إجراءاتها الميدانية (إقامة نقاط مراقبة في عين العرب (كوباني) وتل أبيض ورأس العين والدرباسية وعامودا؛ والتخطيط لتدريب أربعين ألف مقاتل من أبناء المنطقة) دعما لـ "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، من العمل على إعادة صياغتها بإبعاد قادة الصفين الأول والثاني فيها في محافظة الرقة، ووضع قادة سوريين عرب في مواقعهم لتبديد مخاوف أهالي المحافظة من الهيمنة الكردية، إلى الإعلان عن إشراك تركيا في مراقبة مناطق حدودية شرق الفرات، على شاكلة الاتفاق في منبج، والإعلان عن أن التعاون مع (قسد) "مؤقت وتكتيكي"، إلى تحديد ملامح الحل في سورية بطرح محددات النظام الجديد: حكومة سورية لا تدفع نصف سكانها إلى مغادرة البلاد، ولا تشنّ حرباً إجرامية على شعبها، ولا تستخدم الأسلحة الكيميائية، ولا تهدد جيرانها، ولا توفّر قاعدةً لمشروع الطاقة الإيراني، ولا تنشئ أو تتسبب في إنشاء حركات إرهابية مثل "داعش"، إلى الإعلان عن أهمية التنسيق الأميركي التركي للوصول إلى حل نهائي في سورية، ناهيك عن تأكيدها المتكرّر حول تأييد الموقف التركي في إدلب، وإصرارها على إخراج إيران، منافسة تركيا في سورية ووسط آسيا، من سورية وإضعافها يصب في مصلحة تركيا.

"مصلحة روسيا حسم الموقف في إدلب تمهيدا للانتقال إلى مواجهة الوجود الأميركي والتركي في الشمال"

تركيا واقعة بين تعاون مع واشنطن، يتيح الضغط على النظام السوري ويدفعه إلى الانخراط في العملية السياسية، للتوصل إلى حل متوازن ومقبول، وهذا يفتح مجالا لعودة الدولة السورية إلى شرق الفرات، ويقود إلى الحد مما تعتبره مخاطر على أمنها القومي؛ والتخلص من عبء اللاجئين، والحاجة إلى مراعاة روسيا، لأن استمرار سيطرتها على مناطق واسعة شمال سورية وشمال غربها مرهون برضا روسيا ومباركتها، استمرارية السيطرة حيوية لها لاستكمال مشروعها في إيجاد موطئ قدم دائم عبر إعادة هندسة المنطقة سكانيا وعمرانيا وربطها بها لغويا وثقافيا وتعليميا واقتصاديا. وهذا لا يتعارض مع الموقف الروسي الذي يعطي الأولوية لاستعادة النظام السيطرة على جميع الأراضي السورية على الحل السياسي؛ في حين تعطي تركيا الأولوية للحل السياسي، فقط بل ومع الموقف الإيراني الذي ينطلق من الحسم العسكري وصياغة دستور يلحظ مصالحها في الوجود والنفوذ، ولا يمس التغييرات التي أحدثتها على صعيد التركيبة السكانية والمذهبية.

إدلب على موعد مع مواجهة كبيرة، فالرئيسان المأزومان لن يتوانيا عن إشعال حريق بمبرّرات "منطقية"، مصلحة الولايات المتحدة المحافظة على اتفاق سوتشي حول المحافظة لإبقاء النار بعيدة عن شرق الفرات، وهي مصلحة لتركيا والمواطنين القاطنين فيها، سيقول ترامب، ومصلحة روسيا حسم الموقف فيها تمهيدا للانتقال إلى مواجهة الوجود الأميركي والتركي في شمال سورية وشمال شرقها وغربها، وهي مصلحة للحلفاء إيران والنظام، سيقول بوتين. ما يستدعي من المواطنين والقوى السياسية والمدنية عدم الركون إلى الوعود والتطمينات، والاستعداد لملاقاة الحدث بموقف وطني موحد ومتماسك، يعبر عن مطالب الشعب، ويعمل على حماية المواطنين، وتوفير أمن وسبل عيش مقبولة في ظروف سياسية وعسكرية قاسية وخطيرة.

==============================

قواعد إيران في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 12/12/2018

أثيرت في الفترة الأخيرة قضية القواعد العسكرية الإيرانية في سوريا، ودخلت أطراف متعددة مختلفة على القضية؛ التي وإنْ رفضتها قوى دولية وإقليمية ومحلية من بوابة العداء لوجود وسياسة إيران في سوريا، كما هي حال الولايات المتحدة ودول الخليج العربية وإسرائيل، وكل من زاويته الخاصة، فإن أطرافاً أخرى ذات علاقة مع إيران؛ بينهم الروس ونظام الأسد، أظهروا من زاوية مصالحهم أيضاً معارضتهم وجود القواعد العسكرية، مما دفع بإيران لنفي وجود تلك القواعد.

نفي طهران لا يعكس حقيقة الحال؛ بل هو نفي شكلي يتوافق مع الظروف السياسية المحيطة بوجود إيران من جهة؛ وجملة المواقف الدولية والإقليمية والمحلية، التي باتت ترى في وجود إيران العسكري وسياستها من بين معوقات حل مقبل للقضية السورية، وأنه يمكن لغياب إيران أن يكون عاملاً مساعداً للسياسة الروسية في شقها السوري، وخطوة يمكن أن تساعد في إعادة تطبيع علاقات نظام الأسد الخارجية من جهة أخرى. ومن هاتين الزاويتين يمكن فهم الاعتراض الروسي - السوري على قواعد إيرانية في سوريا.

ولعله من المهم تناول طبيعة الوجود العسكري الإيراني في سوريا، لأنه يكشف حقيقة القواعد العسكرية وطبيعتها، التي تبدو مختلفة، إلى حد بعيد، عما هو شائع ومعروف في فكرة القواعد العسكرية.

يتألف الوجود العسكري الإيراني في سوريا من كتلتين؛ الأولى تمثلها قوات رسمية إيرانية فيها نوعان؛ الأول، وهو الأقل عدداً، يتألف من خبراء عسكريين وأمنيين، واتصالات أخرى، ويعمل جل هؤلاء في مواقع ومراكز تتبع الجيش والقوى الأمنية السورية وفي مراكز ذات حساسية عالية بالنسبة لنظام الأسد، ولا يشترط وجود هؤلاء وعملهم أن يكونوا في قواعد تخصهم، وإنما يوجدون ضمن مقار تتبع مؤسسات النظام وأجهزته. والنوع الثاني من القوات الرسمية الإيرانية وحدات عسكرية منظمة ونخبوية، تشكل جزءاً من «فيلق القدس» التابع لـ«حرس الثورة». وحسب تقارير، فإن هؤلاء يتمركزون داخل قواعد تابعة للنظام؛ أهمها مطار دمشق الدولي الذي يعد المقر الرئيسي لقيادة القوات الإيرانية، وتجعله نقطة ربط مباشر مع إيران لتأمين احتياجاتها؛ بما فيها التموين والتسليح والدعم البشري، ومنه يتم الإشراف على قواتها العاملة في دمشق ومحيطها، والتواصل منه مع امتداداتها؛ لا سيما مطار «ضمير» في القلمون الشرقي، وقاعدة الشعيرات الجوية قرب حمص، ومطار التياس(T4) القريب من تدمر وسط البادية السورية.

والكتلة الثانية من الوجود العسكري تمثلها أولاً الميليشيات التابعة لإيران بصورة شبه كاملة، رغم تعددية أسمائها وتنوع جنسيات المنضوين فيها، وفي عدادها تنظيمات محلية أنشأتها إيران من سوريين وفق دواعٍ طائفية أو عشائرية أو مناطقية، وقامت بتنظيمها وتمويلها وتسليحها. وثانياً تمثلها ميليشيات لبنانية أبرزها «حزب الله» الذي يعد رأس حربة إيران في المنطقة، وكان أول أدواتها تدخلاً في سوريا. وتشكل الميليشيات العراقية ثالثة المجموعات؛ أبرزها وأكبرها وأقدمها في سوريا «لواء أبو الفضل العباس» الذي يكاد يتحول إلى ما يشبه «حزب الله» اللبناني. ورابع المجموعات، ميليشيات نظمتها ودربتها وسلحتها إيران وجلبتها إلى سوريا؛ بينها ميليشيات أفغانية منتظمة في لواء «فاطميون» ولواء «زينبيون» المؤلف من الباكستانيين، وقد استعمل الإيرانيون هذين التنظيمين رأس حربة على جبهات القتال المختلفة.

وإذا كان الوجود العسكري الإيراني قد وجد في المعسكرات والقواعد الجوية لجيش النظام مكاناً يستقر فيه، دون الحاجة إلى قواعد تخصه، فإن الميليشيات التابعة لإيران اتخذت لها قواعد علنية، يمكن أن يستثمرها الإيرانيون في أي وقت يرغبون، وتتوزع أهم قواعد الميليشيات التابعة لإيران في غوطة دمشق الغربية، وغرب القلمون وفي ريف حمص الغربي، ولـ«حزب الله» اللبناني قواعد رئيسية وخاصة في القصير، فيما تقيم أغلب الميليشيات الأخرى قواعد رئيسية لها في السيدة زينب ومحيطها في جنوب دمشق.

وإذا كان وجود إيران قد بيّن طبيعة القواعد العسكرية التابعة لها، فإن الأهم من القواعد العسكرية، ما أسسته إيران وطورته على مدار 4 عقود مضت، فقد أسست خلالها قاعدة للسيطرة على النخبة الحاكمة؛ بدءاً من رأس النظام، وصولاً مسؤولين صغار فيه، ثم مدت قاعدة سيطرتها نحو فعاليات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وحققت نجاحاً لدى بعض تلك الفعاليات، كما حققت نجاحاً، ولو محدوداً، في نشر التشيع الإيراني، وعززت سيطرتها على الجزء الرئيسي من الشيعة السوريين في إطار عملية تجييش طائفي بمشاركة النظام أولاً، ثم بمساعدة غير مباشرة من جماعات التطرف والإرهاب من «داعش» و«النصرة»، وأخواتهما... وكلها، إلى جانب مجريات أخرى، جعلت من سوريا قاعدة واسعة ومتعددة لإيران، وليس مجرد قاعدة أو قواعد عسكرية.

وتضعنا النتيجة أمام حقيقة أن مواجهة إيران في سوريا لا تتركز، ولا ينبغي لها، على وجودها العسكري فقط؛ بل ينبغي أن تكون شاملة ضد كل ما صنعته إيران في 40 عاماً مضت؛ وأوله نظام الحكم الذي صار تابعاً لها بقدر يقارب تبعيته لحليفها الروسي. ودون القيام بهذه الخطوة، فقد يكون بلا نفع للعالم أي إجراء ضد إيران في سوريا.

==============================

عندما وقعنا في الشرك الكبير!

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 12/12/2018

كنّا نلهث دائماً من شدّة تسارع الأحداث، ولم نكن في الغالب الأعمّ قادرين على التقاط أنفاسنا ولا على إدراك المرحلة ومتطلّباتها. لقد أُغرِقنا، بل وأحياناً كثيرة أَغرَقنا أنفسنا بالتفاصيل الدقيقة، ونسينا الصورة العامة التي كان يجب أن ننظر إليها عن بعد، لتتكاملَ المشاهدُ في لوحة كبيرة واضحة المعالم والألوان.منذ اليوم الأول للثورة السورية كان سائداً لدى أغلب الثوّار وخاصّة الشباب منهم، هذا الشعور العارم بالقوّة والفخر، وهذا الإحساس العميق بقرب زوال الاستبداد وانتصار قيم الحرية والديمقراطيّة والعدالة. لقد كانت الحماسة تأخذنا في متاهات الزهو والشعور بالتفوّق الأخلاقي، وهذا ما بدأ يتبدّل شيئاً فشيئاً مع مرور الأياّم وتتابع الوقائع.

في البداية كانت التضحية والفداء والإقدام والشجاعة والإيثار أغلى القيم، وكانت سائدة في عموم مناطق الحراك الثوري. لم نتنبّه إلى أنّ النظام – بما لديه من قدرات هائلة على التخطيط والتنظيم – قد أدرك نقاط ضعفنا وعرف نقاط قوّتنا فركّز على تعزيز الأولى منها وعلى تحطيم الثانية.

كان انعدام وجود قيادة للثورة، منذ بدايتها وحتى عمّت أغلب مدن وقرى سوريا إحدى أهمّ نقاط قوّتنا، لكنّها تحوّلت بعد بضعة أشهر لأكبر نقطة ضعف. ليس المقصود بالقيادة تلك المجموعة من الأشخاص القادرين على رسم السياسات العامّة أو الخطط المرحليّة للعبور بالحراك الشعبي عبر المطبّات والمنعطفات فقط، بل أيضاً تلك الحالة المعنويّة التي تعي هذه الضرورة من قبل النخب الفكرية والسياسية من جهة، والإيمان الراسخ بضرورة وجودها لاكتمال عناصر القوّة من قبل الأغلبيّة الثائرة ضدّ نظام الاستبداد من جهة ثانية.

انقسمت النخبُ التي تصدّرت قيادة المشهد الثوري على بعضها، وكان أن اتّسم أغلبها بضيق الأفق والشخصنة

عملت نخبُ المعارضة على تقسيم الشارع وفق أهوائها وتبعيّاتها من جهة، كما سارت وراءه في شعبويّة غير مسبوقة للحصول على شرعية بُنيويّة مفقودة

والانحياز للتيّار أو الحزب أو العقيدة القومية أو الدينية أو حتى المذهبيّة، الأسباب كثيرة وراء ذلك وقد يكون أهمّها انعدام الممارسة الوطنيّة للشأن العام مدّة نصف قرن ونيّف. بينما كانت مراكز قوى النظام تزداد تلاحماً حول رأس الهرم في بناء سلاسل مترابطة من خطوط الدفاع وجدران الحماية.

عملت نخبُ المعارضة على تقسيم الشارع وفق أهوائها وتبعيّاتها من جهة، كما سارت وراءه في شعبويّة غير مسبوقة للحصول على شرعية بُنيويّة مفقودة كانت تبحث عنها من جهة ثانية. أدّى هذا الأمر إلى إحساس عامٍّ لدى الناس على الأرض بأنّهم يشكلون بمجموعهم القيادة السياسية والميدانيّة للثورة، بينما لم يكن فعلهم الحقيقي يتجاوز دوائر محيطهم المحلي على أبعد تقدير، خاصّة بعد أن قطّعَ النظام أوصال البلد بالحواجز العسكرية والأمنيّة.

انتقل الإحساس من مستوى القناعة الفرديّة إلى مستوى التطبيق العملي الجماعي، بحيث بات من مصلحة القوى المسيطرة تدريجيّاً نفي حالة الضرورة السابقة وإحلال ضرورة جديدة مكانها، ضرورة بقاء القيادة بيد أصحاب سلطة الأمر الواقع.

بالمقابل كان النظام يعطي هامشاً واسعاً لقيادات الصفوف الدنيا والمتوسّطة من قوّاته ليعزّز لديهم روح المبادرة والارتجال والتصرّف، ما دامت أفعالهم الإجراميّة تصبّ في منحى إرهاب المجتمع عموماً والثائرين على النظام خصوصاً. أدّت هذه السلطات الاستنسابيّة الواسعة للقادة الميدانيين من عناصر المخابرات والجيش إلى تعزيز الالتفاف حول القيادة العليا باعتبارها قد فتحت لهم سُبُلَ الاسترزاق والنهب وفرض السلطة المطلقة دون خوف من حساب أو عقاب.

كانت المسافة تزداد يوماً بعد يوم بين انفصال الشارع الثوري عن القيادة الميدانية، وكلاهما عن قيادة مؤسسات المعارضة السياسية، وبين تلاحم مصالح رأس النظام وقادة الصفّ الأوّل من صنّاع القرار مع القادة الميدانيين من الأمن والجيش والميليشيات المحلّية والأجنبيّة.

فرّقت المصلحة الفرديّة صفوف الثوّار والمعارضين، بينما وحّدت نفس المصلحة الفرديّة صفوف المرتزقة والمنتفعين والمستبدّين. لقد زال عنصر التفوّق الأخلاقي من ساحة الثوّار، فانتصر عليهم النظام بعد أن تساوت موازينهم القيميّة ورجحت كفّة ميزان القوّة الصرف والتنظيم والقيادة المركزية.

ثمّ كانت مشكلتنا الكبرى الثانية المترتّبة على انعدام القيادة السياسية الواحدة، ألا وهي اللجوء إلى العنف الثوري من خلال التسليح، إضافة الشعبويّة وضيق الأفق وانعدام التخطيط للمستقبل.

لقد عرف النظام كيف يجرّنا إلى التسليح من جهة، وكيف يصبغ حراكنا الوطني السلمي الديمقراطي بصبغة دينيّة تزايدت ألوانها قتامة يوماً بعد يوم إلى أن أصبحت سوداء قاتمة من جهة ثانية.

أطلق سراح المعتقلين الإسلاميين من سجونه في شهر أيار من العام 2011 بموجب مرسوم عفو رئاسي مدروس بكلّ عناية. ثم ركّز على قتل واعتقال نشطاء الحراك الثوري المدني، وعلى تسهيل هروب أو سفر من لم يتمكّن من اعتقالهم أو قتلهم.

بهذا أفرغ الساحة أمام المشاريع الأيديولوجيّة الدينية، ووفّر لها السلاح عن طريق وكلائه المحليين والإقليميين، وقد لعب عناصر حزب الله دوراً بارزاً في تسليح الثوار عن طريق لبنان من خلال الحدود المفتوحة بين البقاع والقصير وغيرها من المناطق الحدودية الأخرى. وعلى الجانب الآخر بدأ بتسليح أبناء الطائفة العلويّة وأبناء الطائفة الشيعيّة أينما كانوا وحتّى قبل أن تنتقل الثورة إلى طورها المسلّح. كما بدأ بتسريب التسجيلات ومقاطع الفيديو ذات المحتوى الطائفي لتأجيج النزعات ما دون الوطنية عند جميع أفراد المجتمع السوري.

استطاع النظام إشراك الطائفتين العلوية والشيعيّة في الصراع مباشرة، ثم استمال فئات كبيرة من المسلمين السنّة ومن المسيحيّين ومن الدروز، ومن لم يستطع زجّه في أتون الحرب مباشرة، حيّده أو وضعه موضع الرهينة الخائفة من كلا الطرفين.

هكذا بدأت تتقلّص مساحة الفعل الثوري الوطني الحقيقي رويداً رويداً، إلى أن تلاشت مع ظهور التيارات الإسلاميّة المختلفة من أقصى يسارها إلى أعتى يمينها المتطرّف المتمثّل بالنصرة وداعش.

كان لتسليح الثورة الأثر الأكبر على انزياح مراكز التأثير من يد المدنييّن إلى يد العسكر أولاً، وعلى سيطرة قوى لا تؤمن بمبادئ الثورة من أساسها ثانياً. لقد كان الميدان العسكري بالأساس ميدان النظام وساحته المفضّلة، ولم يعد يهمّ التوصيف المُطلق على هذا الصراع بعد أن تغيّرت التسمية من "الثورة الشعبيّة" إلى محاربة الإرهاب أم حتّى إلى الحرب الأهلية، فقد كان النصر بلا شك حليفاً للنظام قانونياً وسياسياً وإعلامياً، لأنه ببساطة بات صراعاً على السلطة بين حكومة معترف بها دولياً، وبين متمرّدين يناصبونها العداء.

ثم جاء الشرك الأخطر والطامّة الكبرى عندما ارتهن حملةُ السلاح إلى الخارج، فبعد أن كان الثوار الأوائل يعتمدون على ما يشترونه من سلاح وذخيرة بمدّخراتهم وحُليّ نسائهم، باتوا رهائن لغرف الموك والموم، وبالتالي خرج القرار من أيديهم بشكل نهائي.

لم يكن النظام على الضفّة الأخرى بمنجاة من هذا الارتهان، وكما فعل الدكتور فاوست قبل خمسة قرون عندما باع روحه للشيطان، وضع النظام مقاليد أموره بيد كلٍّ من روسيا وإيران، وهكذا لم يبقَ من السوريين أي أحد خارج دائرة الصراع وخارج دائرة الارتهان. حتّى الفئة الرماديّة التي حاولت البقاء على الحياد، انخرطت مرغمة في الصراع على إحدى الجبهتين حتى وإن لم تدرك ذلك أو لم ترده أو تسعى إليه.

وحتى هذه اللحظة، وأينما توجّهنا بأبصارنا في مناطق سوريا المختلفة، سنجد نفس العقليّة السائدة عند جميع السوريّين. مازال الانقسام كبيراً في صفوف الناس الذين يعيشون في المناطق الخارجة

 جمهور كاملٌ من المؤيّدين يرسف في أغلال العبوديّة ويأبى الخروج منها أو مجرّد حتى التفكير بذلك

عن سيطرة النظام، وكذلك في أوساط أولئك الذي عادت مناطقهم لسيطرته بالقهر والقوّة أو بالمصالحات. انقسام فكري أيديولوجي عميق بين عدّة فئات، إحداها كانت وما زالت تغلّب الولاء للجماعة أو التيّار أو الحزب على الولاء للوطن والثورة، والأخرى تغلّب المصالح الفرديّة الشخصيّة على كل مصلحة واعتبار، والثالثة وهي القلّة القليلة من الثوّار الحقيقييّن الذين مازالوا على العهد في ولائهم للوطن والإنسان وقيم الثورة الأولى.

وعلى ضفّة النظام مازلنا نرى هذا الانحطاط الخلقي والفكري المقزّز، ونشاهد أشباه البشر الذين لم يستطيعوا التعلّم من أهوال الحرب سوى الإسفاف في التملّق والتذلّل والانبطاح. جمهور كاملٌ من المؤيّدين يرسف في أغلال العبوديّة ويأبى الخروج منها أو مجرّد حتى التفكير بذلك، يريدون إعمار البلد بتنسيب طلّاب المدارس لطلائع البعث وحوزات الخميني وبوتين، وببناء تماثيل قائدهم الخالد وبالعودة إلى حظائر التجنيد هاتفين باسم قاتلهم كي يحيا إلى الأبد.

لقد وقعنا في الشرَك الكبير عندما قبلنا بانقلاب البعث الأول وعندما سكتنا على جرائم العسكر المتتالية، لم يبق من سوريا سوى اسمها، شكلٌ بلا جوهر وبلا روح، هذا التاريخ العريق المعمّر منذ بدء البشريّة، تم اختصاره بشخص الأسد. يا لهول المأساة، يا لوقع الفاجعة! ما الخطيئة الكبرى التي ارتكبناها لنستحقّ كلّ هذا العذاب وكلّ هذا السخط؟ وإلى متى ستبقى الصخرة تُثقلُ كاهل سيزيف في رحلة الشقاء الأبديّ؟ أما آن لنا أن نتخلّص من كل هذه القذارة ومن كلّ هذا الخراب، أما آن للعنقاء السوريّة أن تنهض من تحت الرماد؟

==============================

عن الدوائر الأمنية الحاكمة في سورية الأسد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 11/12/2018

يتنافس اليوم جهازان أمنيان واضحان على حكم سورية داخلياً، وهما متماسكان ضد من يخالفهما من المدنيين السوريين، ومتحاربان ضد بعضهما بعضاً من أجل مصالحهما وتبعيتهما الدولية، أحدهما يُستخدم كأدوات حكم محلية بيد إيران، والآخر هو أداة رئيسية لاستكمال سيطرة روسيا على الواقع السوري داخلياً، بعد قدرتها على تسوير ملف سورية داخل منظومة تفاهماتها الدولية من جهة، واختراقاتها المحلية على الصعيدين: الموالي للنظام، والمعارض له على اختلاف الدول التي يتبع أجندتها، من جهة أخرى، أي بمعنى أن دوائر الحكم الفعلية التي حكمت سورية خلال عقد من حكم الرئيس الأسد الابن (2000 - 2011) تماهت لتصبح أدوات قمعية لدولتين تحتلان سورية عسكرياً وقراراتياً (إيران وروسيا). ما يعني انتقال سورية من حكم دوائر أمنية متعدّدة داخل النظام، وهذه على الرغم من قبضتها الأمنية، إلا أنها كانت تمنح بعض العاملين في الأجهزة التنفيذية هوامش حركة، حتى عندما يمكن تسميتها هوامش "اللعب على الحبال"، إلى الخيار للمتنفذين اليوم بين التبعية لإحدى الدولتين، وتندرج حملات التصفيات الجسدية، والاعتقالات المتبادلة اليوم، بين الجهتين الأمنيتين "بتسمياتهما المختلفة" ضمن إطار ما يمكن تسميتها تصفية الحسابات بين مناصري الهيمنة الروسية ضد مناصري الوجود الإيراني في سورية، ما يجعل كل الشخصيات التي تتقدّم الصف الأول تحت طائلة "التغييب القادم" سواء بالقتل، أو تهم الفساد، التي لا يحتاج كل منافس منهما لجهدٍ كثير لإثباتها على بعضهما.

ومن هنا يمكن توضيح: يدرك من يعمل داخل منظومة الحكم في النظام السوري أنه في لعبة خطرة، فالنظام ليس وحدة متماسكةً، كما يبدو للجميع، وولاء المجموعات التي تعد الصف الأول به ليس لشخص الرئيس "الأسد الابن" كما يعتقد العموم، فهناك دوائر متشابكة فيما بينها، يجمعها عامل "البقاء" المصلحي. ولكن حتى هذا العامل تفسّره المجموعات المؤثرة داخل النظام بطرق مختلفة، هكذا فمن يساند بشار الأسد له مجموعات أو دوائر متداخلة في منظومة الحكم من الأجهزة الأمنية، وحتى الحكومة التنفيذية بأصغر تفاصيلها، وكذلك الأمر بمن يرى أن الولاء لماهر الأسد شقيق الرئيس، والتفاني في العمل من أجله، لا يعني الولاء للمجموعة السابقة، بل في أحيانٍ كثيرة الدخول في حالة منافسة معها، أيضاً ضمن الدوائر المختلفة.

"تفجير اجتماع خلية الأزمة 2012 لم يكن ليتم من دون إرادة مدعومة من إيران"

وإذا كان هذا ينطبق اليوم بكل ما فيه على مجموعتي العمل الأساسية الموزّعة في انتماءاتها بين الهيمنة الروسية عليها أو "الانسلاب" التام لإيران، وينعكس على ما يتم في الواقع من عمليات اعتقالٍ أو تصفياتٍ لكبار ضباط داخل منظومة العمل الأمني أو الجيش، فهو، في الآن نفسه، يجعلنا نفهم بوضوح كيف اتسعت خلال الولاية الثانية من حكم بشار الأسد (2007- 2011) مساحة دائرة مجموعة اللواء آصف شوكت، زوج بشرى الأسد الشقيقة الكبرى للرئيس بشار، التي لا تكن أي تقدير واضح للمجموعات التي كانت تتحكّم بآلية ضبط إيقاع الحياة في سورية، بل تعمل بحذر معها، وتتنافس على احتلال مساحاتٍ أوسع داخل المنظومة العسكرية والأمنية، وحتى المدنية، حيث استطاعت الأخيرة أن تجمع حولها أسماء بارزة، سواء من داخل العائلة الحاكمة، أو من الأوساط العسكرية والشعبية. وربما يفسر هذا سرعة إنجاز أول عملية اغتيال داخل النظام، من خلال حادثة تفجير "خلية الأزمة" (2012)، التي أودت بحياة اللواء آصف شوكت، وعضو القيادة القطرية، العماد حسن تركماني (رئيس الأركان السابق) واللواء هشام اختيار، ووزير الدفاع داود راجحة، وأدّت إلى انشقاقاتٍ عن النظام لبعض المحسوبين على شوكت من الأجهزة الأمنية والعسكرية.

هذه العملية التي لم يكن إنجازها ليتم من دون إرادة مدعومة من إيران التي كانت صاحبة القرار الوحيدة داخل سورية آنذاك، وذلك للخلاص من أهم الشخصيات التي قد تمثل بديلاً، سواء بالنسبة للطائفة التي ينحدر منها النظام (العلويين)، أو بالنسبة للدول الكبرى، كروسيا والولايات المتحدة الأميركية. ولعل واحدةً من سقطات المعارضة السورية تبنّيها تفجير مقر اجتماع خلية الأزمة، وادّعائها ذلك "كذباً"، ما أدّى إلى رفع الحرج عن مسؤولي النظام في أعلى مستوياته، وتبرئته من تهمة قتل قياداته، وتصفية أقربائه، عندما يتعلق الأمر بحسابات السلطة، كما أن هذا الادعاء ضيّع على "المعارضة" إمكانية الاستثمار في تناقضات النظام، أو ربما لم يكن هذا الإدراك في حسبانها أصلا، وهي التي اختارت، منذ البداية، الارتهان لأي ممول عابر لطموحات شخوصها المالية والسلطوية.

ومن ضمن الدوائر الحاكمة، كان لأسماء الأخرس زوجة بشار الأسد فرصتها في دخول لعبة السلطة، وتوسيع دائرة نفوذها من خلال ما أسمته المجتمع المدني، وإعطاء مزايا لمؤسساتها للتغلغل في المجتمع السوري، مثل مؤسسة فردوس للتنمية، التي أرادت من خلالها بناء قاعدة شعبية لها، تهيئ الأجواء لإنهاء منظمات الحزب، كمنظمة طلائع البعث، واتحاد شبيبة الثورة،

"واحدةً من سقطات المعارضة السورية تبنّيها تفجير مقر اجتماع خلية الأزمة، وادّعائها ذلك "كذباً"" إذ استطاعت فعلياً الاستيلاء على مساحاتٍ كبيرةٍ داخل دمشق، لإقامة أنشطة منظماتها، والتدخل في المسار الاقتصادي السوري، ليتناسب وما عزمت عليه، بالتعاون مع نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك، عبد الله الدردري، الأداة الرئيسية في تحويل اقتصاد سورية إلى ما سمي لاحقاً "اقتصاد السوق الاجتماعي"، الذي انعكس سلباً على حياة المواطنين والصناعيين، لينتعش مجال رجال الأعمال والتجار على حساب المصلحة الوطنية في دعم الصناعة السورية. وتعد هذه الدائرة هي الأوسع نشاطاً وإنتاجاً لمصلحة النظام السوري خلال السنوات الماضية عقب انطلاقة الثورة السورية عام 2011.

لهذا كله، يمكن القول سابقاً ولاحقاً، وبحكم الخبرة التي اكتسبتها خلال عملي في الإعلام السوري، إن الحفاظ على منصب داخل النظام ليس بالأمر الهين والبسيط، قبل الثورة وبعدها، خصوصا للذين ينطلقون من مبدأ التغيير من الداخل، فهو يحتاج إلى أن يكون المسؤول المعين من خارج هذه الدوائر قادراً على الوقوف على خط تلاقي هذه الدوائر، من دون أن يدوس بقدمه عليها، وأن يتحلى بدبلوماسية عالية وجرأة مدروسة، وذلك لمواجهة الضغوط التي يمارسها عليه بعض الحاشية، التابعين لهذه الدائرة أو تلك. ويندرج ذلك في حال كانت وظيفته في إطار الخدمة العامة لمؤسسة وطنية. أما في ظل انقسامات الولاءات بين محتل وآخر، فإن انتفاء صفة "السورية الوطنية" هي العامل الحاسم في تأجيل قرار "الانتحار"، الذي يوقع عليه أصحاب الكراسي المتحرّكة على فوهة المدافع المتأهبة، روسيةً كانت أم صناعة إيرانية محرّمة.

==========================


حروب الأيديولوجيات في المنطقة: هل تكون بداية قيام الدولة العربية الوطنية

عبدالباسط سيدا

العرب اللندنية

الثلاثاء 11/12/2018

لا يمكن فصل ما شهدته وتشهده منطقتنا من صراعات وقتل وتدمير وتهجير وتغيير في طبائع الأمور، لا سيما على المستويين الديني المذهبي والقومي، وحتى على المستويين الجغرافي والديموغرافي، عن ظاهرة تصادم الأيديولوجيات التي اتُّخذت وسيلة لتعبئة الجماعات والأنصار دون إعطاء أي اعتبار للولاءات الوطنية، أو الحدود الوطنية التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الأولى والاتفاقيات التي سبقتها، أو أعقبتها، خاصة اتفاقية سايكس- بيكو وملاحقها المختلفة.

ونحن إذا أمعنا النظر جيدا في مسوغات هذه الأيديولوجيات في دول منطقتنا الحديثة نسبيا، نرى أنها كانت وسيلة لإسباغ قسط من المشروعية على أنظمة الحكم الجديدة التي سيطرت على الحكم عبر انقلابات عسكرية، أو نتيجة صراعات بين القوى المؤثرة، وبدعم خارجي متعدد الأشكال في غالب الأحيان. هذا ما حصل في تركيا ومصر، وحصل في سوريا والعراق وليبيا وكذلك في اليمن وإيران، وغيرها من الدول.

الأيديولوجية القومية التي اعتمدها مصطفى كمال في تركيا، واتخذ منها هوّية جديدة لتركيا، التي كانت قد استطاعت في مرحلتها العثمانية من السيطرة على مناطق واسعة شاسعة في آسيا وأفريقيا وأوروبا باسم الخلافة الإسلامية، استهدفت بالدرجة الأولى إضفاء الشرعية على حكم العسكر الذين تمكنوا بعد تفاهمات مع الدول المنتصرة في الحرب الأولى، وحتى مع روسيا، من إلغاء الخلافة، وفرض صيغة من الأيديولوجيا القومية العلمانية المتشددة، وهي الأيديولوجيا التي لم تتمكن بفعلها تركيا حتى الآن من تجاوز واقع إشكالية الهوية. ربما هذا الأمر يفسّر راهنا حالة التداخل الأيديولوجي بين ما هو ديني وقومي، وتأثير ذلك على توجهات السياسة التركية على المستويين الداخلي والإقليمي.

الأمر ذاته حصل في مصر، وذلك عام 1952 مع وصول مجموعة عسكرية بقيادة فعلية من جمال عبدالناصر، وبتغطية صورية من جانب محمد نجيب، إلى حكم البلاد، التي كانت عبر التاريخ موضوعا لصراعات دولية بين القوى العظمى في مختلف المراحل.

كانت الشعارات القومية الكبرى هي الأداة الأيديولوجية الأساسية لدفع الناس نحو تحمّل المشقات الداخلية، سواء من جهة الأوضاع المعيشية أو السياسية، وذلك من أجل أهداف أكبر وأساسية في معركة مواجهة القوى الإمبريالية وتحرير فلسطين، بموجب الماكينة الدعائية في ذلك الحين.

لكن الذي تبيّن لاحقا هو أن الأمور لم تخرج عن نطاق تعزيز دكتاتورية المجموعة الحاكمة، وهي التي توزعت في ما بعد بين جملة مراكز قوى، ظلت فاعلة في المراحل التي تلت رحيل عبدالناصر.

تقاطعات مصلحيةفي الدول العربية الأخرى التي حكمها العسكر، ورفعوا شعارات قومية اشتراكية في مزج هجين لم يكن بمنأى عن الاستلهام من النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، مع تقاطعات مصلحية مع أيديولوجيا الحليف الجديد الذي كان قد تمثّل منذ مرحلة الستينات في الاتحاد السوفييتي السابق.

اتخذت الأمور في كل من سوريا والعراق طابعا أكثر حدية، وأدت إلى نتائج دموية نتيجة الصراع بين أجنحة النظامين البعثيين المختلفة. سعى كل نظام منهما إلى فرض مشروعيته عبر إلغاء التنوع المجتمعي من جهة، وترسيخ قناعات زائفة لدى مختلف الشرائح المجتمعية عبر وسائل الإعلام، والتنظيمات الفاشية العديدة، وكانت جميعها تحت سيطرة مباشرة من جانب النظام، وخاضعة لمراقبة مستمرة من قبله، وهي مراقبة حديدية لا تسمح بأي خروج عن الخط المرسوم.

قرن كامل مضى ومنطقتنا تعيش صراعات داخلية – داخلية. صراعات تبدّد الطاقات والإمكانيات، وتكرّس الأحقاد والنزعات الانتقامية. وكل ذلك لن يساهم مطلقا في بناء المجتمعات وتأمين فرص التعليم والعمل للأجيال المقبلة في إطار خطط تنموية شاملة

ومع وصول الخميني إلى الحكم في إيران عام 1979، دخلت المنطقة مرحلة جديدة نتيجة الأيديولوجيا المذهبية التي استهدف مروّجوها توجيه أنظار الداخل الإيراني نحو نجاحات النظام في الجوار الإقليمي، وإرباك الدول المحيطة بمشكلات داخلية، وذلك بعد عجز تلك الدول عن إنجاز المشاريع الوطنية، وهذا ما مكّن النظام الإيراني من استغلال المظلومية الشيعية، التي هي في الأساس قضية مجتمعية وطنية في كل دولة من الدول المعنية، كان لا بد من التعامل معها بصورة عادلة على قاعدة الاعتراف بالخصوصية وتأمين الحقوق، ليسوّق نفسه بوصفه المرجعية الأساسية لشيعة المنطقة، بل ولشيعة العام أجمع.

ما أفسح المجال أمام الأيديولوجيات المذهبية الإيرانية هو الانهيار الكامل للأيديولوجيا القومية العربية بعد غزو نظام صدام حسين للكويت، والنتائج التي ترتبت على ذلك، وانتهت بسقوط النظام المعني في عام 2003.

هذا مع العلم أن الأيديولوجية المعنية -القومية- كانت قد تراجعت كثيرا قبل ذلك على إثر تجربة الانفصال بين سوريا ومصر عام 1958، وظهور خلافات أجنحة الحكم المصري في ذلك الحين إلى العلن. وتبيّن للناس أن الموضوع في جوهره كان موضوع سلطة ومصالح المجموعات الحاكمة، ولم يكن قط موضوع مشروع قومي متكامل. كما جاءت الخسارة الفادحة في حرب 1969 لتؤكد هلامية القدرات الفعلية لأنظمة الشعارات القومية الكبرى.

التعبئة الدينية

في يومنا هذا، نلاحظ أن الأيديولوجيا الدينية باتت هي الموجهة والمعبئة لمختلف القوى بالدرجة الأولى. لا سيما في مناخات عدم تبلور ملامح المشاريع الوطنية في دول المنطقة، وهي المشاريع التي من شأنها استقطاب أوسع القطاعات الشعبية من جميع المكونات المجتمعية.

وليس سرّا أن الأيديولوجيا الدينية الشيعية تحديدا هي المهيمنة في الساحة، فهي التي تمتلك المال والإعلام والقوة العسكرية، إلى جانب وجود خطة استراتيجية، وأخرى تكتيكية مكملة لها. وقد استغل أصحاب هذه الأيديولوجيا واقع التغاضي الدولي عن انتشارها، وامتداد أذرعها في كل من لبنان والعراق وسوريا واليمن، وتحوّلها إلى واقع ميداني في الدول المعنية.

هذا في حين أن الأيديولوجيا الدينية بوجهها السني باتت متماهية إلى حد كبير، في الوجدان الشعبي الداخلي، والرأي العام الدولي، مع الإرهاب، وذلك بفعل جهود مركزة من جانب النظام الإيراني وحلفائه من جهة، ونتيجة إخفاقات وأخطاء الحركات الإسلامية من جهة ثانية، وتفاعل كل ذلك مع حسابات دولية وإقليمية من جهة ثالثة.

ومن الواضح أنه لا خروج من الوضعية الكارثية التي تعيشها منطقتنا راهنا، وفي المستقبل المنظور، من دون القطع مع الأيديولوجيات التي تطرح مشاريع تضليلية لا تجسد المصالح الفعلية لمواطني كل دولة، بل هي في حقيقة أمرها مشاريع لتثبيت أنظمة لم تتمكّن من تحقيق الحد الأدنى من حاجات شعوبها الأساسية، هذا رغم توفر الإمكانيات المعرفية، والثروات المادية التي تعرضت لهدر لامعقول من جانب مجموعات الفساد والإفساد، سواء ضمن الأنظمة الحاكمة نفسها، أو المتشابكة معها، المشاركة لها.

عملية القطع هذه لن تكون من دون جهد تنويري عميق، واسع مركّز، يقوم به المفكرون والمثقفون الجادون استنادا إلى معرفة واقعية بجملة المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا، وبناء على دراسات بحثية متحررة من أوهام المسرح والسوق والذات وغيرها. جهد يمتلك أصحابه الجرأة الكافية لتحمّل نتائج الخلاصات والمقترحات المبنية على تحديدات مشخّصة لجميع المشكلات التي نعاني منها، ومن دون أي استبعاد أو تحوير أو تطويع.

لكنّ عملا من هذا القبيل، رغم أهميته القصوى، لن يكون ناجعا ما لم يستكمل بعمل آخر على الصعيد السياسي، عمل يتمثل في امتلاك الإرادة السياسية الحكيمة المدعومة وطنيا، القادرة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحمّل المسؤولية، وكل ذلك يستوجب الانفتاح الواسع على سائر المكونات المجتمعية من دون أي تمييز، كما يتطلب القطع مع مركبات الفساد.

خطط تنموية شاملة

قرن كامل مضى ومنطقتنا تعيش صراعات داخلية – داخلية. صراعات تبدّد الطاقات والإمكانيات، وتكرّس الأحقاد والنزعات الانتقامية. وكل ذلك لن يساهم مطلقا في بناء المجتمعات وتأمين فرص التعليم والعمل للأجيال المقبلة في إطار خطط تنموية شاملة.

والمشكلة الأساسية هنا أن الجميع على دراية تامة بالآفاق المسدودة. فتجاربنا، وتجارب غيرنا، تؤكد بوضوح أن ما يجري في واقعنا الحالي ربما يكون لصالح هذه المجموعة أو تلك من المجموعات الحاكمة على المدى القصير. لكن أصحاب التفكير البعيد النظر، من الحريصين على مستقبل شعوبهم وأوطانهم، هم على يقين كامل بأنه ما لم يتم تجاوز الحاضر بعقلية إبداعية قادرة على معالجة الأزمات والمشكلات التي نعاني منها ضمن أوطاننا، بعيدا من الأيديولوجيات العابرة للحدود، فهذا مؤداه المزيد من الخراب، والضياع، وانسداد الآفاق.

==========================

سوريا بلد الذل والأغلال

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 11/12/2018

ما زال للصورة سحرها، فبالرغم من أن كل سوري يعرف أن التجنيد الإجباري قبل الثورة أشبه بالعبودية وبعدها أشبه بخيانة لدم أهله وأخوته فإن الصورة التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي تظهر شباباً سوريين يساقون بالسلاسل إلى شعبة التجنيد يظهر الحال الذي وصلت إليه سورية اليوم، ومصير الشباب السوري الذي ما زال داخل سوريا لأنه لم يستطع الهروب أو اللجوء أو أنه لم يقتل على يدي عصابات الأسد وميليشياته الطائفية.

التشبيه بين الصورة وبين العبودية تشبيه في الصميم اليوم، فلا وجود لمعنى المواطن في سوريا منذ استلام حزب البعث في سوريا لكنه اليوم أصبح ليس مجرد عبد وإنما أصبح عبداً حقيقياً، فمطلوب منه ليس الدفاع عن الوطن وقيمه وإنما الدفاع عن قاتل مجرم يسكن قصر المهاجرين، المطلوب التضحية بكل دماء وأرواح السوريين فداء له، ولا شيء آخر.

لم يعد لسوريا الوطن اليوم أية قيم يمكن أن يدافع عنها السوري، فسوريا اليوم هي سجن كبير ومسلخ لا تكف أخبار السوء عن الخروج منه، ذكريات السوريين عنه مليئة بالدم والألم والتعذيب.

يخاف السوريون من مجرد التفكير بأن يجبروا على العودة إلى وطنهم، ففي الفيديو الذي أظهر عدداً من ضباط الجيش الحر المنشقين عن الجيش النظامي بالإضافة إلى عدد آخر من السوريين والذين كانوا في الجزائر وحاولت السلطات الجزائرية إعادتهم إلى مطار المزة، يظهر الفيديو حجم الألم الذي يسكنهم من فكرة عودتهم إلى "الوطن" فهم يبكون ويعبرون عن خوفهم بكل الوسائل من أن الوطن بالنسبة لهم يعني اليوم الموت.

لم يعد لسوريا الوطن اليوم أية قيم يمكن أن يدافع عنها السوري، فسوريا اليوم هي سجن كبير ومسلخ

تلك صور من سوريا اليوم التي لم تصبح بعد طاردة لأبنائها وكفاءاتها وإنما طاردة لكل الكفاءات العلمية والأدبية حتى تلك غير المسيسة منها فالكل يبادره الشعور بأن الوطن أصبح مقبرة تتسع للجميع وأن الأسد لا يبالي في تحويل سوريا إلى مقبرة بالمعنى الحرفي للكلمة لكل سوري لا يمجد باسمه ويحمل رأياً آخر في رفعة الوطن ونهضته.

أما سيرة المعتقلين السياسيين فإنها أشبه بالكابوس الذي يحاصرنا كل يوم وكل لحظة، هؤلاء يعيشون الموت اليومي ولا نستطيع أن نقوم بشيء لهم، لا نستطيع أن نوقف آلة الموت التي حصدت أرواح المئات بل الآلاف، إنها لا تتوقف بالرغم من كل الصرخات وبالرغم من كل الدعوات، فالنظام السوري تحول إلى آلة إبادة لا تجد لها من يوقفها مع الانسحاب الدولي الكامل من الملف السوري وترك السوريين كي يواجهوا مصير الموت وحدهم، غير مكترثين بعذابات مئات الألوف من السوريين الذين لا يجدون اليوم من يتكلم باسمهم.

نهاية عصر الذل هذا لا يكون أبداً بالتنازل أو الاستسلام للجلاد، إنه يتطلب تصميماً دائماً على الصمود والمقاومة ضد الظلم وعائلة الأسد التي حولت سوريا إلى ما هي عليه اليوم، يجب أن تتكاثف الجهود وتتعزز بهدف عدم الاستسلام أم الوقوع في فخ المبالاة فصمود السوريين فيما بينهم يعزز دورهم وثقتهم أن سنوات المعاناة لن يحصدها نظام الأسد بمزيد من القمع والألم، لابد من تعزيز النضال عبر توحيد جهود المعارضة والمجتمع المدني، لابد من إعادة إعلاء فكرة الوطنية السورية والتضامن بين السوريين من أجل الوصول إلى الدولة الحلم في المدنية والديمقراطية.

لابد من ترك اللامبالاة التي سادت وتسود بين كثير من السوريين اليوم خاصة في اللجوء وتعزيز فكرة الانتماء الوطني عبر التضامن المشترك بين السوريين وتفعيل دورهم في الشتات من أجل النضال للتخلص من نظام الأسد، فكل يوم في بقائه يعني مزيداً من المعاناة للسوريين ومزيداً من الألم للضحايا، النضال ضد الأسد هو هدف السوريين اليوم وتوحيد جهودهم من أجل الخلاص من نظام الذل والعبودية وبناء سورية الحرية والكرامة.

إنه طويل شاق لكن لابديل عنه للسوريين اليوم، لا بديل عنه من أجل استعادة الثقة بحاضرهم ومستقبلهم وفخرهم بحضارتهم، فالأسد يمثل اليوم كل الأسوأ في تاريخنا، إنه وصمة العار التي تلاحقنا والتي لابد من التخلص منها يوما طال أم قصر.  

==========================


علاج انفصام الرؤية الروسية بسيط !

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 10/12/2018

خلال انخراطها في القضية السورية، ما استنفرت موسكو مرة أكثر من استنفارها من عبارة المبعوث الأمريكي "جيمس جيفري" حول إنهاء مسلسل (أستانا). حتى أنقرة عبّرت عن عدم ارتياحها تجاه التصريح واصفة إياه بـ “غير الموفق". شريكهما الثالث في (أستانا)، طهران، لم ينبس ببنت شفة؛ فما  فيه من حصار وتهديد بالاقتلاع من سوريا يكفيه.

كل ذلك التراشق يدور حول إدلب بحكم ارتباط جملة من الخيوط السورية بها. فإدلب تَجَمٌع لكل من رُحِل داخلياَ في سوريا- وهم بالملايين؛ وفيها كل مَن دُمِغً بدمغة الإرهاب؛ والاتفاق حولها استعصى في أستانا لأكثر من جولة، ولم يرَ النور إلا في سوتشي؛ وهي بين اثنين فقط من شركاء أستانا، وغياب أو تغييب الثالث "إيران". إدلب أيضاً شكّلت دولياً خطاً أحمر غير معلن، لأن أي هجوم عسكري يعني تدفق تلك الملايين إلى بلاد سلفاً تضيق ذرعاً بما لديها من لاجئين سوريين.

عبارة جيفري، التي استنفرت فرقاء أستانا، تكسر من جانب، وتجبر من جانب آخر. الجبر فيها التمسك والإشادة باتفاق سوتشي التركي - الروسي حول إدلب؛ والكسر فيها انتفاخ أستانا وتمددها لأمور سياسية بهدف التشويش والتعطيل على مسار جنيف. ومن هنا رأينا جيفري -بعد ساعات من تصريحه إياه- في لقاءات مع المسؤولين الأتراك لإيضاح الصورة.

ربما يكون "اتفاق سوتشي" حول إدلب أهم خطوة أنجزتها موسكو منذ تدخلها في سوريا. هناك إجماع سياسي عالمي على هذا المنجز في الحفاظ على الحياة البشرية، وهناك تصميم على اقتلاع تلك المجموعة المصنفة إرهابية. وهناك انخراط قيادات أوربية (فرنسا وألمانيا) مع أصحاب هذا الاتفاق في قمة عُقدت في استنبول، وأخرى قادمة على الطريق.

ربما يكون "اتفاق سوتشي" حول إدلب أهم خطوة أنجزتها موسكو منذ تدخلها في سوريا، هناك إجماع سياسي عالمي على هذا المنجز في الحفاظ على الحياة البشرية

إضافة إلى ما سبق، شكّل ذلك الاتفاق التمهيد الطيب للعملية السياسية من خلال تعبير المجتمعين عن تصميمهم على تيسير عقد اللجنة الدستورية. ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن أن تكون روسيا منجزة لأمر بهذه الأهمية، وتراها تعمل على هدمه أو تصمت على استهداف الآخرين له؟

الاستنفار الروسي تجاه زيادة الانخراط الأمريكي في القضية السورية يصيب روسيا بمزيد من التوتر والإرباك؛ فتراها على استعداد لارتكاب المعاصي نكاية بالطهارة؛ فتجدها على استعداد لتخريب ما يراه العالم خطوة ناجحة كاتفاق سوتشي حول إدلب. ومن هنا فهي تتعامى عن الحشود العسكرية للنظام ولإيران حول ما اتُفِقَ عليه كـ “منطقة عازلة"؛ وتشاهد الخروقات من جانبهما يومياً، ولكن لا تتردد عن اتهام الجانب الآخر بذلك زوراً وبهتانا. ومنذ أسبوعين، كانت روسيا مساهمة (دعائياً على الأقل) في تلك المسرحية السمجة الدموية حول استخدام الكيماوي مؤخراً، ليتبين أن النظام قام بذلك. وربما كان الهدف من ذلك أن يكون ذريعة للهجوم على إدلب أو غطاء احتياطيا، إذا ما استخدم النظام السلاح الكيماوي.

في هذا السياق، قد لا تكون "هيئة التفاوض السورية" بالحسبان بالنسبة لموسكو، لكن اهتمام المجموعة المصغرة، وتحديدا الولايات المتحدة، بدعوتها إلى حضور اجتماعاتها كمعارضة، كان كفيلاً برفع درجة توتر موسكو لتفتح النار عليها، وتدفع بمنصتها ضمن الهيئة لتشن ذلك الهجوم على الهيئة. وهذا يدل على حالة الإرباك، وربما انفصام الرؤية لديها تجاه قضية أضحت عاجزة عن الخروج منها بأي جنى سياسي، بعد أن استثمرت فيها عسكريا وسياسياً كل هذه السنوات.

قيل إن قلب حافظ الأسد كان مع أمريكا، ويده في جيب الروس؛ طبعاً إعلامياً ونفاقاً كانت الصورة أن القلب مع الروس

انفصام الرؤية الذي يولد الإرباك وحتى الاستنفار قابل للعلاج إذا ما قاربت روسيا القضية السورية بجوهرها، واستراتيجياً لا تكتيكياً من أجل جنى عابر. عندها لن يؤزمها تصريح أمريكي هنا أو موقف أمريكي هناك.

قيل إن قلب حافظ الأسد كان مع أمريكا، ويده في جيب الروس؛ طبعاً إعلامياً ونفاقاً كانت الصورة أن القلب مع الروس. أما شعبها فكان تاريخياً معها قلباً وقالبا. والآن رغم أن هذه الروسيا تختلف عما سبقها، إلا أن بعض الخصائص تدوم. ومن هنا، ما يمكن أن يعيد بعض ثقة الشعب السوري بروسيا؛ وما يمكن أن يخفف من ملفات الجرائم العسكرية التي ارتكبتها بحق السوريين، عندما كانت تقصف وتدمر وتقتل وتستعرض أسلحتها في بلدهم؛ وما يمكن أن يخفف أيضاَ من الجرائم السياسية، عندما كانت تحمي النظام بالفيتو وتستّر على جرائمه، ومن الجرائم الإعلامية بتماهيها مع التضليل الإعلامي الذي كان يمارسه إعلام النظام وأبواق إيران؛ وما يمكن أن تكسبه روسيا سياسيا ودولياً بعد عناء دموي تجاوز ثلاث سنوات؛ وما يمكن أن يفوّت الفرصة على المتربصين بروسيا الراغبين برميها في حضيرة الدول المارقة؛ هو فقط أن تعمل على تطبيق القرارات الدولية الخاصة بسوريا، وأن تساهم بإخراج ميليشيات إيران من سوريا. فهل هذا كثير، سيد بوتين؟!

==========================

موقفنا : الحياة السياسية المنظمة نقطة للبداية الصحيحة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

8/12/2018

حاجة الأمة إلى تنظيم شعبي قوي ، جامع ، مرحلي يقطع مع الخيانة والظلم والاستبداد والفساد ويرفع راية العدل والمساواة والحريّة وسيادة القانون المنبثق عن الإرادة الجمعية لأبناء هذه الأمة حول أولويات أقطارها وشعوبها .

لا نتحدث هنا عن تنظيم جامع بمعنى الحزب الواحد، وإنما نتحدث أكثر عن تنظيمات جامعة ربما تكون خلافاتها على الطرائق أكثر من خلافاتها على الأهداف.

إن تركيز أعداء هذه الأمة في الداخل والخارج على التشنيع على فكرة العمل الجماعي المنظم على خلفيات متعددة هو محاولة شريرة خبيثة لاستبعاد العتبة الأولى للتغيير المنجز في فضاءات الفكر والاجتماع والسياسة .

يستند أحدهم على أريكته في المجالس وعلى الفضائيات ليتباهى انه لم ينتم لأي حزب أو جماعة أو تنظيم

يخرج قوم لا خلاق لهم ممن يحسبون على الإسلام والمسلمين ليقرأ على الناس بطريقة منكوسة قوله تعالى " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء.."

كما يخرج منظرو العدمية السياسية الذين فقدوا قواعدهم السياسية ليعزفوا على الوتر نفسه .

العمل العام المنظم " الحزبي" في كل دول العالم الحر هو جزء ركين من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية .

إن تماهي بعض النخب في الهجوم على فكرة العمل العام المنظم وسأكرر كلمة الحزبي نكاية ببعض القوى والأحزاب هو تدعيم مباشر لمشروع الاستبداد.

إن على قيادات الأحزاب التي تمتلك قبولا اجتماعيا ان تعيد طرح مشروعاتها على أساس المتغيرات والمستجدات الكبرى ، وعلى قواعد أكثر عملية وأكثر مرونة وشمولا .

إن الدعوة إلى التعاون جميلة وهي فريضة شرعية ووطنية ولكن موضوع التعاون وعنوانه في القرن الحادي والعشرين يختلف عنه في القرن العشرين .

إن الانكشافات الصادمة للنظام العربي بكل ممثليه تفرض على جماهير الأمة وقادة الرأي والفكر فيها استحقاقات لا يمكن القفز عليها ولا تجاهلها.

ندرك أن مشروع الاستبداد عمل جاهدا لتحطيم كل الشخصيات المجتمعية حتى لا يعلو اسم على اسم الظالم المستبد

إن إعادة تنظيم أولية لفكرنا الجمعي ولصيغ عملنا السياسي وبقواعده وأهدافه هي واجب الوقت بالنسبة لكل الحريصين على مستقبل هذه الأمة وخلاص شعوبها.

قاعدتان أساسيتان للانطلاق :

الأولى: لا شيء يجمعنا بهؤلاء المستبدين الفاسدين .

والثانية : إلى العدل والحريّة في ظل سيادة القانون المعبر عن إرادتنا الجمعية نسعى، إرادتنا الجمعية بلا وكس ولا شطط.

_______________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

عن الدوائر الأمنية الحاكمة في سورية الأسد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 10/12/2018

يتنافس اليوم جهازان أمنيان واضحان على حكم سورية داخلياً، وهما متماسكان ضد من يخالفهما من المدنيين السوريين، ومتحاربان ضد بعضهما بعضاً من أجل مصالحهما وتبعيتهما الدولية، أحدهما يُستخدم كأدوات حكم محلية بيد إيران، والآخر هو أداة رئيسية لاستكمال سيطرة روسيا على الواقع السوري داخلياً، بعد قدرتها على تسوير ملف سورية داخل منظومة تفاهماتها الدولية من جهة، واختراقاتها المحلية على الصعيدين: الموالي للنظام، والمعارض له على اختلاف الدول التي يتبع أجندتها، من جهة أخرى، أي بمعنى أن دوائر الحكم الفعلية التي حكمت سورية خلال عقد من حكم الرئيس الأسد الابن (2000 - 2011) تماهت لتصبح أدوات قمعية لدولتين تحتلان سورية عسكرياً وقراراتياً (إيران وروسيا). ما يعني انتقال سورية من حكم دوائر أمنية متعدّدة داخل النظام، وهذه على الرغم من قبضتها الأمنية، إلا أنها كانت تمنح بعض العاملين في الأجهزة التنفيذية هوامش حركة، حتى عندما يمكن تسميتها هوامش "اللعب على الحبال"، إلى الخيار للمتنفذين اليوم بين التبعية لإحدى الدولتين، وتندرج حملات التصفيات الجسدية، والاعتقالات المتبادلة اليوم، بين الجهتين الأمنيتين "بتسمياتهما المختلفة" ضمن إطار ما يمكن تسميتها تصفية الحسابات بين مناصري الهيمنة الروسية ضد مناصري الوجود الإيراني في سورية، ما يجعل كل الشخصيات التي تتقدّم الصف الأول تحت طائلة "التغييب القادم" سواء بالقتل، أو تهم الفساد، التي لا يحتاج كل منافس منهما لجهدٍ كثير لإثباتها على بعضهما.

ومن هنا يمكن توضيح: يدرك من يعمل داخل منظومة الحكم في النظام السوري أنه في لعبة خطرة، فالنظام ليس وحدة متماسكةً، كما يبدو للجميع، وولاء المجموعات التي تعد الصف الأول به ليس لشخص الرئيس "الأسد الابن" كما يعتقد العموم، فهناك دوائر متشابكة فيما بينها، يجمعها عامل "البقاء" المصلحي. ولكن حتى هذا العامل تفسّره المجموعات المؤثرة داخل النظام بطرق مختلفة، هكذا فمن يساند بشار الأسد له مجموعات أو دوائر متداخلة في منظومة الحكم من الأجهزة الأمنية، وحتى الحكومة التنفيذية بأصغر تفاصيلها، وكذلك الأمر بمن يرى أن الولاء لماهر الأسد شقيق الرئيس، والتفاني في العمل من أجله، لا يعني الولاء للمجموعة السابقة، بل في أحيانٍ كثيرة الدخول في حالة منافسة معها، أيضاً ضمن الدوائر المختلفة.

"تفجير اجتماع خلية الأزمة 2012 لم يكن ليتم من دون إرادة مدعومة من إيران"

وإذا كان هذا ينطبق اليوم بكل ما فيه على مجموعتي العمل الأساسية الموزّعة في انتماءاتها بين الهيمنة الروسية عليها أو "الانسلاب" التام لإيران، وينعكس على ما يتم في الواقع من عمليات اعتقالٍ أو تصفياتٍ لكبار ضباط داخل منظومة العمل الأمني أو الجيش، فهو، في الآن نفسه، يجعلنا نفهم بوضوح كيف اتسعت خلال الولاية الثانية من حكم بشار الأسد (2007- 2011) مساحة دائرة مجموعة اللواء آصف شوكت، زوج بشرى الأسد الشقيقة الكبرى للرئيس بشار، التي لا تكن أي تقدير واضح للمجموعات التي كانت تتحكّم بآلية ضبط إيقاع الحياة في سورية، بل تعمل بحذر معها، وتتنافس على احتلال مساحاتٍ أوسع داخل المنظومة العسكرية والأمنية، وحتى المدنية، حيث استطاعت الأخيرة أن تجمع حولها أسماء بارزة، سواء من داخل العائلة الحاكمة، أو من الأوساط العسكرية والشعبية. وربما يفسر هذا سرعة إنجاز أول عملية اغتيال داخل النظام، من خلال حادثة تفجير "خلية الأزمة" (2012)، التي أودت بحياة اللواء آصف شوكت، وعضو القيادة القطرية، العماد حسن تركماني (رئيس الأركان السابق) واللواء هشام اختيار، ووزير الدفاع داود راجحة، وأدّت إلى انشقاقاتٍ عن النظام لبعض المحسوبين على شوكت من الأجهزة الأمنية والعسكرية.

هذه العملية التي لم يكن إنجازها ليتم من دون إرادة مدعومة من إيران التي كانت صاحبة القرار الوحيدة داخل سورية آنذاك، وذلك للخلاص من أهم الشخصيات التي قد تمثل بديلاً، سواء بالنسبة للطائفة التي ينحدر منها النظام (العلويين)، أو بالنسبة للدول الكبرى، كروسيا والولايات المتحدة الأميركية. ولعل واحدةً من سقطات المعارضة السورية تبنّيها تفجير مقر اجتماع خلية الأزمة، وادّعائها ذلك "كذباً"، ما أدّى إلى رفع الحرج عن مسؤولي النظام في أعلى مستوياته، وتبرئته من تهمة قتل قياداته، وتصفية أقربائه، عندما يتعلق الأمر بحسابات السلطة، كما أن هذا الادعاء ضيّع على "المعارضة" إمكانية الاستثمار في تناقضات النظام، أو ربما لم يكن هذا الإدراك في حسبانها أصلا، وهي التي اختارت، منذ البداية، الارتهان لأي ممول عابر لطموحات شخوصها المالية والسلطوية.

ومن ضمن الدوائر الحاكمة، كان لأسماء الأخرس زوجة بشار الأسد فرصتها في دخول لعبة السلطة، وتوسيع دائرة نفوذها من خلال ما أسمته المجتمع المدني، وإعطاء مزايا لمؤسساتها للتغلغل في المجتمع السوري، مثل مؤسسة فردوس للتنمية، التي أرادت من خلالها بناء قاعدة شعبية لها، تهيئ الأجواء لإنهاء منظمات الحزب، كمنظمة طلائع البعث، واتحاد شبيبة الثورة،

"واحدةً من سقطات المعارضة السورية تبنّيها تفجير مقر اجتماع خلية الأزمة، وادّعائها ذلك "كذباً"" إذ استطاعت فعلياً الاستيلاء على مساحاتٍ كبيرةٍ داخل دمشق، لإقامة أنشطة منظماتها، والتدخل في المسار الاقتصادي السوري، ليتناسب وما عزمت عليه، بالتعاون مع نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك، عبد الله الدردري، الأداة الرئيسية في تحويل اقتصاد سورية إلى ما سمي لاحقاً "اقتصاد السوق الاجتماعي"، الذي انعكس سلباً على حياة المواطنين والصناعيين، لينتعش مجال رجال الأعمال والتجار على حساب المصلحة الوطنية في دعم الصناعة السورية. وتعد هذه الدائرة هي الأوسع نشاطاً وإنتاجاً لمصلحة النظام السوري خلال السنوات الماضية عقب انطلاقة الثورة السورية عام 2011.

لهذا كله، يمكن القول سابقاً ولاحقاً، وبحكم الخبرة التي اكتسبتها خلال عملي في الإعلام السوري، إن الحفاظ على منصب داخل النظام ليس بالأمر الهين والبسيط، قبل الثورة وبعدها، خصوصا للذين ينطلقون من مبدأ التغيير من الداخل، فهو يحتاج إلى أن يكون المسؤول المعين من خارج هذه الدوائر قادراً على الوقوف على خط تلاقي هذه الدوائر، من دون أن يدوس بقدمه عليها، وأن يتحلى بدبلوماسية عالية وجرأة مدروسة، وذلك لمواجهة الضغوط التي يمارسها عليه بعض الحاشية، التابعين لهذه الدائرة أو تلك. ويندرج ذلك في حال كانت وظيفته في إطار الخدمة العامة لمؤسسة وطنية. أما في ظل انقسامات الولاءات بين محتل وآخر، فإن انتفاء صفة "السورية الوطنية" هي العامل الحاسم في تأجيل قرار "الانتحار"، الذي يوقع عليه أصحاب الكراسي المتحرّكة على فوهة المدافع المتأهبة، روسيةً كانت أم صناعة إيرانية محرّمة.

==========================

إدلب: درّة آستانة

عمر قدور

المدن

الاحد 9/12/2018

حشود الميليشيات الشيعية وميليشيات الأسد، على تخوم المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، ليست استعراضاً للقوة، كذلك هو القصف المتواصل لبلدات في تلك المنطقة وبلدات في ريف حماة الشمالي. ما يكمل مهمة الحشد أن موسكو لم ترَ طوال الأيام الأخيرة خرقاً للتفاهم حول إدلب سوى من الجهة الأخرى، متجاهلة على نحو متعمد الإعلان التركي "الخجول" عن تسجيل انتهاكات قوات الأسد وإيصالها إلى الضامن الروسي. السلوك الروسي كان قد اختُبر في كافة مناطق خفض التصعيد السابقة، حتى عندما كان الطيران الروسي يبادر إلى قصفها بوحشية، ثم يتهم الفصائل الموجودة فيها بانتهاك الاتفاق.

لإدلب وضع مختلف عن بقية المناطق التي تمت التضحية بها على مذبح آستانة، هي درّة هذا المسار بمعنى أن الانقضاض عليها سيكون انقضاضاً على المسار كله. هي الثمن المقدَّم لأنقرة لقاء انخراطها في مسار آستانة، ولقاء تغليبها إياه على المسار الذي يُفترض أن يكون برعاية أممية. إرضاء أنقرة يصبّ أيضاً في إبعادها عن الغرب، عطفاً على علاقاتها به المتوترة أصلاً، وعلى المخاوف التركية المتعلقة بالملف الكردي في سوريا. لإدلب مهمة أخرى، فهي قد استوعبت آلافاً من مهجّري مناطق خفض التصعيد الأخرى التي تم الانقضاض عليها، لذا وفّرت "مع عفرين" على الجار التركي ومن بعده أوروبا موجات نزوح ضخمة. هذا ما جعل التفاهم حول إدلب يحظى بدعم أوروبي وأممي، بخلاف المناطق الأخرى، وهو الأمر الذي يجعل من استهدافها مجدداً بمثابة رسالة ثأرية من الغرب الذي لا يحابي موسكو في كل ما تشتهيه في الملف السوري.

السبب المباشر للتصعيد الأخير يكمن في التصريحات الأخيرة لجيمس جيفري المبعوث الأمريكي للملف السوري، حيث أصرّ فيها على استكمال تشكيل اللجنة الدستورية قبل نهاية العام الحالي، محملاً الأسد مسؤولية التأخير. قبل ذلك بأيام قليلة كان جيفري كان قد أعلن يأس إدارته من مسار آستانة، واعتبره منتهياً بلا نتائج سوى تضييع الوقت أو كسبه لصالح الأسد وحلفائه. جملة المواقف الأمريكية الأخيرة تشير إلى أن إدارة ترامب لن تعرقل المسار الروسي في سوريا، طالما بقي بعيداً عن أماكن تواجدها، ولن تنخرط في التسوية التي تريدها موسكو وتعتقد أنها باتت قادرة على فرضها بشروطها.

كما هو معلوم لم توفد إدارة ترامب ممثلاً عنها إلى اجتماعات آستانة الأخيرة، حيث درجت العادة أن يحضر مندوب أمريكي بصفة مراقب. في قراءة الموقف الأمريكي نستطيع القول أن واشنطن قدّمت كل التسهيلات التي يمكن تقديمها لموسكو مجاناً، فهي تخلت نهائياً عن الخيار العسكري، لا لإسقاط الأسد فحسب وإنما كخيار للضغط عليه من الدخول في تسوية، وكانت أوضح خطوة على هذا الصعيد تسليم الجبهة الجنوبية التي بقيت تحت إشرافها لسنوات. الثمن الذي تريده واشنطن للمضي أبعد يتلخص في الوصول إلى تسوية تحفظ القليل من ماء الوجه لها وللمجتمع الدولي، بحيث تنص على نوع من المشاركة في الحكم داخلياً، وتنص على إبعاد إيران نهائياً عن مفاصل القرار لصالح موسكو.

رد فعل المسؤولين الروس على التصريحات الأمريكية لم يخفِ الاستياء والتشنج، وحمل اتهامات مباشرة من نوع العمل على تقسيم سوريا وتهديد الأمن والسلم في المنطقة! الترجمة العملية للتصريحات أتت بتصريحات أخرى تعكس عدم الرضا عن الوضع في إدلب، مع تنويه "من مقتضيات اللباقة الدبلوماسية" بأن أنقرة فعلت ما في وسعها، بحيث تحتمل قراءة التصريحات الدلالة على عجر الأخيرة عن فعل المطلوب منها. هنا يجوز التكهن بأن الدور التركي لم يؤدِّ المأمول منه روسياً في مكان آخر، أي في الجهة الشرقية من خلال الضغط على واشنطن بحجة الملف الكردي، مثلما لن يكون لهذا الدور الأهمية ذاتها في حال أطلقت إدارة ترامب الرصاصة الأخيرة على مسار آستانة.

ما يحمي إدلب نظرياً تلك العلاقة الجيدة التي نشأت بين أردوغان وبوتين، إثر محاولة الانقلاب على الأول واتهامه الغرب بتشجيعها وربما الضلوع فيها. لكن لا يصعب ملاحظة التموضع التركي الضعيف ضمن التحالف الجديد، فجزء معتبر من قوة تركيا تقليدياً مستمد من وجودها في حلف الناتو وتحالفاتها الغربية عموماً، ويمكن القول أن علاقة أنقرة بالغرب في أسوأ مستوياتها، وربما كانت ستصل إلى أسوأ مما هي حالياً على الصعيد الأوروبي لو لم تستخدم أنقرة سلاح اللاجئين للضغط على دول الاتحاد. لا يُستغرب أن تشجع هذه الوضعية طامحاً مثل بوتين على استهداف منطقة النفوذ التركي في إدلب من دون تحسب لأية عواقب، تاركاً لأنقرة تنفيث غضبها أوروبياً بسلاح اللاجئين، وأمريكياً بالتركيز على الملف الكردي واعتباره الوحيد الذي يمس بأمنها القومي.

الخشية من كارثة إنسانية في إدلب تشتد كلما اشتدت حاجة بوتين، وربما الحاجة المشتركة مع النظام الإيراني، إلى تسجيل انتصار جديد يعوّض عن الخسارة في مكان آخر. يعلم بوتين أن سقف انتصاراته سيقف في النهاية عند حائط الوجود الأمريكي شرقاً، إلا أنه رغم التوقف الإجباري هناك سيظهر كمن أدى مهمته كاملة وأثبت صدق مزاعمه حول حماية وحدة واستقلال سوريا بخلاف الأمريكيين الذين يريدون التقسيم بحسب المزاعم ذاتها. إذا حدث هذا السيناريو يكون مسار آستانة قد أدى ما كان مطلوباً منه بالكامل، الأمر الذي ينطبق على الدور التركي أيضاً. المسار الأممي لن يكون أفضل حالاً في المدى المنظور مع العناد الروسي، وفي الانسداد القائم ربما لا أحد سيكون مرتاحاً مثل بشار الأسد الذي يجد متسعاً من الوقت والجغرافيا لممارسة هوايته في التنكيل بالسوريين.

==========================

هل فشل حقاً ديمستورا..؟

سهير الأتاسي

سوريا تي في

الاحد 9/12/2018

العديد من المقالات الإخبارية التي تُغلق أبواب عام ٢٠١٨ على مأساة شعب أراد الحرية والكرامة والحياة، تتحدّث عن فشل مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستيفان ديمستورا في مهمته المتعلقة بالدفع بمسار العملية السياسية قُدماً بهدف الوصول إلى حل سياسي لقضية الشعب السوري.

وتُجمع الآراء فيها حول الحصاد الهزيل والمحدود لعمله الدبلوماسي بهذا الاتجاه، ولكنها تتجاهل في انطباعاتها العامة وتحليلاتها الغالبة، النجاح الباهر والحصاد المثمر الذي حقّقه في اتجاهات معاكسة تجلّت في عدم احترام المبادئ النظرية لميثاق الأمم المتحدة حول حفظ السلام والحماية الإنسانية، كما في خرق وتجاوز القرارات الأممية التي كانت تضمن الحدّ الأدنى من حقوق شعب قدّم كل التضحيات لضمان مستقبل حرّ لا يحكمه فيه سفاحون ومجرمو حرب.

وفي إصراره، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على تعيينه في منصبه الذي من المفترض أن يغادره نهاية هذا العام، على اعتبار تشكيل اللجنة الدستورية ومهمتها وضع دستور جديد دائم للبلاد تجري على أساسه الانتخابات وتنسف مرحلة الانتقال السياسي، بمثابة التحقيق الأمثل لاختراقٍ في الملف السوري المعقد، الدليل الكافي الوافي على خدمته لمصالح نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين.

إذاً لقد نفّذ ديمستورا ببراعة الأجندة المطلوبة منه، وبذلك نجح في مهمّته في حرف المسار السياسي للقضية السورية، وما يتمّ ترويجه حول فشله هو محض تضليل يشابه عمليات التضليل التي مارسها هو نفسه على قوى الثورة والمعارضة طيلة سنوات عمله معها.

لقد نفّذ ديمستورا ببراعة الأجندة المطلوبة منه، وبذلك نجح في مهمّته في حرف المسار السياسي للقضية السورية، وما يتمّ ترويجه حول فشله هو محض تضليل

وبالعودة إلى بدايات حكاية ديمستورا مع الثورة السورية والحل السياسي واستراتيجيته المُحكمة التي اتّبعها بشكل منظّم وبدأبٍ مشهود، تلك الاستراتيجية التي قاربت رؤية حلفاء نظام الأسد، وبالأخص الرؤية الروسية، لإجهاض الثورة واستمرار النظام الأسدي في التحكّم بالشعب السوري والالتفاف على القرارات الأممية التي كسبتْها الثورة بفعل تضحيات أبنائها، في ظل غياب أية استراتيجية أو رؤية واضحة لمن أطلقوا على أنفسهم لقب: أصدقاء الشعب السوري، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة التي أطلقت يد روسيا في المنطقة وسلّمتها مفاتيح الحل.

 لا بدّ أن نستذكر مقترح ديمستورا المشبوه حول "تجميد القتال في حلب" ووقف المعارك بالأسلحة الثقيلة في العام 2014 بعد أيام من انتصارات مهمة للثوار على قوات النظام والمليشيات المساندة له، وذلك بحجّة ضرورة إعطاء إشارة لخفض مستوى العنف وزيادة نقل المساعدات الإنسانية.

رفضتْ حينها الفصائل العسكرية والفعاليات الثورية مبادرة ديمستورا باعتبارها تعتمد على حلّ جزئي وربما تطبيعي، تتناقض مع المقررات الدولية التي تتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة تؤسس لرحيل نظام الأسد، بل وتعمل على نسفها لتصبّ في خانة الإجراءات العلاجية لإطالة عمر النظام، واعتبروها مبادرة روسية بامتياز حيث ازداد الدعم العسكري الروسي الإيراني لقوات الأسد التي شنّت هجوماً واسعاً في حلب وحاصرت المدينة لإجبار المعارضة على الرضوخ للمبادرة.

ومن مبادرة "تجميد القتال في حلب" إلى خطة ديمستورا ومقترحه تشكيل "مجموعات العمل الأربع" عام 2015، الذي اعتبره حينها البيان المشترك الصادر من الهيئة السياسية للائتلاف الوطني بالمشاركة مع كبرى الفصائل العسكرية الثورية، تجاوزاً لمعظم قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالشأن السوري لا سيما القرارات ٢١١٨ و٢١٦٥ و٢١٣٩، بما تضمّنه المقترح من غياب للمبادئ الأساسية الواضحة لصيغة الحل السياسي في سوريا ومن غموض مقصود يصفه ديمستورا بالبنّاء ليخفي من خلفه دبلوماسيته الهدّامة.

أتى ذلك المقترح منسجماً مع بداية تغيير المواقف السياسية الدولية من قضية مصير الأسد وطبيعة المرحلة الانتقالية، وأتى مترافقاً مع وثائق سريّة قدّمها المبعوث إلى مجلس الأمن تحت مُسمى "التوصية الأولى" وهي "مسودة الإطار التنفيذي لبيان جنيف"، حيث تنص الفقرة (51) من الملحق الرابع للتوصية بشكل صريح على بقاء بشار الأسد، فتقول الفقرة: "إن وجود المرحلة التحضيرية (وهي مرحلة يبتكرها ديمستورا على اعتبارها القسم الأول من المرحلة الانتقالية) يسمح ضمنياً باحتمال استمرار الرئيس في ممارسة بعض المهام خلال هذه الفترة، على الرغم من أن المسؤوليات الأساسية مثل الإشراف على الشؤون العسكرية والأمنية ستتولاها منذ البداية هيئة الحكم الانتقالي والتي تكون الحكومة الحالية ممثلة فيها". فرنسا هي الدولة الوحيدة الدائمة العضوية في مجلس الأمن التي رفضت تلك الوثيقة، وبناءً على ذلك وضع ديمستورا مسودة جديدة سلّمها لكافة الأطراف المعنية، حذف فيها الفقرة (51) وبعض التفاصيل الأخرى ليجعل مصير الأسد غامضاً فيكتفي بذكر "الحفاظ على الصلاحيات البروتوكولية للرئيس".

هي استراتيجية ديمستورا ذاتها والتي بدأت تتجلى منذ ذلك الوقت عبر اختراعه الثلث الثالث - بالإضافة إلى ثلث النظام وثلث المعارضة - في مجموعات العمل الأربع ممن اعتبرهم خبراء وربما مستشارين له، وأصحاب رأي ملزم في بعض الأحيان بسبب "خبرتهم"، وضرب مثلاً: عبد الله الدردري. هي استراتيجيته في خلط الأوراق وبعثرتها، وفي أن يكون هو مايسترو العملية السياسية وليس مُيسّراً لها، الأمر الذي يعطيه الصلاحية المطلقة للوصول إلى النتائج التي خطط لها، أو بشكل أدق النتائج التي يُراد له لعب دور المنفذ للوصول إليها، والتي هي نفسها صيغة الإطار العام التنفيذي المذكورة في توصيته إلى مجلس الأمن.

وفي حركة بهلوانية، وإصرار منقطع النظير على تحقيق الهدف النهائي في تقزيم الحل السياسي السوري، انزلق ديمستورا بقوى الثورة والمعارضة مع عودة انطلاق قطار المفاوضات الرسمية في جنيف، من "مجموعات العمل الأربع" التي سبق ورفضتها إلى "السلال الأربع" عام 2017، وهي: هيئة الحكم الانتقالي، والدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب، والتي اعتبرها غاتيلوف نائب وزير الخارجية الروسي سلالاً متساوية الأهمية يجب بحثها بشكل متواز.

 لا بدّ أن نستذكر مقترح ديمستورا المشبوه حول "تجميد القتال في حلب" ووقف المعارك بالأسلحة الثقيلة في العام 2014 بعد أيام من انتصارات مهمة للثوار

ومنها إلى "الآلية التشاورية بشأن المسائل الدستورية والقانونية" في نفس العام، على اعتبارها الآلية التي ستضمن عدم وجود أي فراغ دستوري أو قانوني خلال عملية الانتقال السياسي المتفاوض عليها، ويرأس تلك "الآلية" مكتب ديمستورا مستعيناً بخبراء تابعين له حَرِص دوماً على دورهم كطرف ثالث ابتداءً من مقترح "مجموعات العمل الأربع"، ليس بسبب خبرتهم وإنما على اعتبارهم بيضة القبّان في معادلة مستعصية طرفاها النظام والمعارضة، والطرف الثالث هو الذي يتيح له تطويع المخرجات بما يتناسب مع التصوّر النهائي للحل. أبدت المعارضة تحفظاتها وطالبت بالتركيز على الهدف الأساس من مفاوضات جنيف: تحقيق الانتقال السياسي، والركن الأول من القرارات الأممية: تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، فسحب المبعوث الأممي المقترح ولكنه شرع بتنفيذه بشكل غير مباشر وبتواطؤ روسي بل ودولي.

ومثلما نجح ديمستورا في تجاوز البنود الإنسانية 12، 13 من قرار مجلس الأمن 2254، والمتعلقة بإطلاق سراح المعتقلين وفك الحصار ووصول المساعدات الإنسانية والوقف الفوري للقصف العشوائي للمدنيين، على الرغم من اكتسابها صفة البنود فوق التفاوضية على اعتبار أنها واجبة التنفيذ الفوري، بحجة أن الأمم المتحدة ليس لديها أدوات ضغط وقوة لتنفيذ تلك البنود، وأن حلفاء الثورة والمعارضة مستكينون وغائبون بينما الروسي هو الفاعل على الأرض وفي ساحة جنيف، نجح أيضاً في اعتماد فكرة منصات المعارضة لتشتيت التمثيل وتمييع المواقف وتمرير قرارات لا يمكن أن تقبل بها القوى الحقيقية للثورة والمعارضة، وذلك عبر قبوله وتسويقه التفسير الروسي للقرار 2254 بوجود منصتَي موسكو والقاهرة. ويُضاف إلى نجاحاته براعته في "المشاركة في الرقصة الدائرة بين جنيف وآستانة وسوتشي" بعد أن سهّل شق مسار جديد مع الروس بذريعة فصل قضية الملف الإنساني عن الملف السياسي ليشكّل غطاء أممياً لمسار آستانة الذي ساعد على الحسم العسكري التدريجي لصالح نظام الأسد.

هو يغادر منصبه اليوم مستمراً ببيع أوهامه حول رغبة روسيا وقدرتها على دفع نظام الأسد إلى الحل السياسي، محتفظاً بدوره الحقيقي حتى الرمق الأخير في استسهال المساومات والتخلي عن المرجعيات الدولية لذلك الحل، وتزييف وحرف المسار السياسي عن حقيقته ليصبح تقاسم سلطة بين فرقاء سياسيين ولتصبح اللجنة الدستورية بمثابة النافذة الوحيدة الممكنة اليوم للتقدّم في العملية السياسية. نجح ديمستورا، وبكل أسف، في كل ما سبق بسبب تعاون بعض الأطراف والشخصيات المحسوبة على المعارضة الحقيقية معه، والتي لطالما منعت أي مطالبة فعلية بعزله معتبرةً تلك المطالب "ثورجية"، بل ومتشدّدة متطرفة تأتي من أطراف تريد تعطيل الحل السياسي. 

==========================

جديد واشنطن في سوريا

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 9/12/2018

يعكس كل هذا الحشد وهذه التعبئة السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية في سوريا وبعد 8 سنوات من عمر الثورة، حقيقة أهمية وموقع البلاد في لعبة التوازنات في المنطقة والعالم.

سوريا نقطة تقاطع جغرافي لا يمكن تجاهل موقعها ودورها كمحور ربط وفصل بأكثر من اتجاه مع دول الجوار التركي والعراقي واللبناني والأردني والأطماع الإسرائيلية في الجنوب .

وسوريا أيضا لها مركزها وثقلها في قلب السياسة الأميركية العربية والإقليمية. خط مواجهة / التقاء مهم مع إيران وتركيا وروسيا وهو ربما ما حرك الإصرار الأميركي على البقاء في قلب المشهد السوري بكامل تفرعاته، إلى جانب أهميتها كنقطة اختبار او احتكاك إقليمي يتفاعل في التعامل مع الكثير من الملفات، قد يكون الملف الكردي بشقه السوري والإقليمي الأبرز فيها اليوم .

سوريا نقطة تقاطع جغرافي لا يمكن تجاهل موقعها ودورها كمحور ربط وفصل بأكثر من اتجاه مع دول الجوار التركي والعراقي واللبناني والأردني والأطماع الإسرائيلية في الجنوب

الإجماع على ضعف الموقف الأميركي في سوريا مع إدارة أوباما هو الذي دفع ترامب ساكن البيت الأبيض في الأشهر الأخيرة لتبني سياسة سورية جديدة تقطع الطريق على تفرد موسكو وطهران وأنقرة بالجلوس أمام طاولة التسويات الكبرى في سوريا .

واشنطن تحركت مؤخرا على أكثر من جبهة وبأكثر من اتجاه ومع العديد من الحلفاء والشركاء في الداخل والخارج يتقدمهم اللاعب الكردي المحلي والإسرائيلي الإقليمي .

لخص وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تليرسون العام المنصرم أسس سياسة الإدارة الأميركية الجديدة في سوريا بأنها ستقوم على :

القطيعة الكاملة مع سياسة الإدارة السابقة في البيت الأبيض المتناقضة والغامضة وفيها الكثير من الفوضى.

طرح الهدف الأول الجديد القائم على وجود أميركي في شرق سوريا إلى أجل غير مسمى لمواجهة النفوذ الإيراني ومنعه من إقامة ممره البري الذي يربط بين إيران ولبنان.

منع عودة ظهور تنظيمات متطرفة مثل الدولة الإسلامية والقاعدة، والوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية تنهي حكم عائلة الأسد.

وجود دبلوماسي وسياسي  لمساعدة أبناء المناطق التي تم طرد عناصر داعش منها، وتوفير الخدمات الأساسية فيها بالتعاون مع الدول الأعضاء في التحالف الدولي .

باختصار المشروع الأميركي الذي يتقدم في سوريا هو البقاء عسكريا وسياسيا وأمنيا هناك ريثما تحصل واشنطن على ما تريده من ناحية ولإثبات أنها لن تكون الطرف الضعيف في سوريا كما كانت حتى الأمس من ناحية ثانية ، ثم لطمأنة حلفائها المحليين أنها لن تتخلى عنهم وربما هي النقطة الثالثة الأكثر أهمية. وأميركا تقول إنها تعلمت الدرس من العراق وهي لن تسحب قواتها من سوريا قبل أن تستقر الأوضاع الأمنية والسياسية تماما .

أوراق واشنطن في سوريا كثيرة اليوم وهو ما يعرفه الجميع :

هناك سيطرة القوات الأميركية عبر حليفها الكردي على ربع مساحة سوريا وهي المناطق التي تتحكم بثروات الطاقة والأراضي الزراعية الخصبة .

وواشنطن قادرة على إشعال حالة من القلق والفوضى  وإحداث أزمات سياسية اقتصادية اجتماعية مرتبطة بملف اللجوء والهجرة الذي قد يكون بمقدورها  لعبه ضد الأوروبيين ودول الجوار السوري مثل لبنان والأردن وتركيا عند الضرورة .

واشنطن تكرر بين الحين والآخر أن التواجد العسكري الأميركي في سوريا من أهدافه إنشاء حلف قوي ضد النظام  لمنعه من استخدام الأسلحة الكيماوية . لكن المؤكد هو أن ما تسعى إليه قبل كل شيء هو إضعاف وتفكيك اللاعبين المحليين والإقليميين و إطالة أمد الصراع ؛ بانتظار أن تنضج "الطبخة" .

واشنطن وكما يبدو استطاعت في الآونة الأخيرة :

إضعاف أوراق أستانا وسوتشي التركية الروسية الإيرانية في سوريا .

دفع الأمور ليس نحو إعطائها ما تريده بل أن تأخذ هي ما تطمح إليه سياسيا وميدانيا هناك.

الإعلان عن استعادتها لموقعها ودورها في سوريا.

إفشال خطط التحالف الثلاثي باتجاه محاصرتها وتضييق الخناق عليها في سوريا.

فرض جلوسها أمام طاولة نقاش مستقبل سوريا السياسي والدستوري والعرقي والصفقات الكبرى التي ستتم مع روسيا.

وإبلاغ الكرملين أن الاستعجال في الملف السوري بدونها تحول إلى تسرع وأنه لا يمكن لأحد أن ينسى أو يتناسى أن أميركا ما زالت الدولة الأولى والأقوى في العالم .

واشنطن تحركت مؤخرا على أكثر من جبهة وبأكثر من اتجاه ومع العديد من الحلفاء والشركاء في الداخل والخارج يتقدمهم اللاعب الكردي المحلي والإسرائيلي الإقليمي

ومع ذلك فإدارة ترامب نفسها هي التي تعلن باستمرار تمسكها  باستئصال " داعش " من سوريا وعدم التفريط بعلاقتها مع المعارضة السورية المعتدلة لأنها ستحتاجها عند نقاش المرحلة السياسية والدستورية الانتقالية في البلاد .

إذا ما سألت الإيرانيين والأتراك والروس تحديدا فهم سيقولون لك أن سياسة واشنطن في سوريا فشلت وهي تتحمل المسؤولية الكبرى عن إيصال الأمور الأمنية والسياسية إلى ما هي عليه اليوم من انسداد وتوتر . لكن إذا ما سألت الرئيس ترامب فهو سيقول لك أنه لا يريد أن يمنح البعض الترويج للمثل  القائل " الصوت العالي من الطبل الأجوف " بل أن يطبق مقولته هو حول " سياسة الصوت العالي والعصا الكبيرة " . ما فعلته واشنطن كان تحريك القوات في شمال وشرق سوريا تحت ذريعة الحرب على الإرهاب حيث نجحت في تبرير أسباب نقلها كل هذا السلاح والعتاد والتدريبات لقوات سوريا الديمقراطية ، فقلبت الأمور لصالحها بعدما كان الجميع يردد أن من يملك السلاح في سوريا هو الذي سيحسم الأمور وأن واشنطن خسرت هذه الفرصة ولم يعد لها أي خيارات تجعلها مؤثرة هناك .

تعرف واشنطن جيدا استحالة إقناع أنقرة الالتحاق بمشروعها السوري عبر توحيد مناطق نفوذها هي ومناطق سيطرة القوات التركية لتصل النسبة إلى حوالي 40 بالمئة من مجمل الأراضي السورية لأن كلفة أي تفاهم ثنائي تركي أميركي من هذا النوع سيكون له ارتداداته السلبية الكبيرة على العلاقات التركية الروسية والتركية الإيرانية.

السياسة الأميركية تتقدم في سوريا وهي تدرك إذن أن حسابات الربح والخسارة بين أنقرة وواشنطن متضاربة في شمال سوريا . فتركيا قلقة من مخطط الكيان الكردي على حدودها الجنوبية ، بينما تريد الولايات المتحدة من حليفها التركي تجميد التنسيق مع روسيا وإنهاء التقارب مع إيران .

المشكلة الأكثر خطورة والتي تحذر منها واشنطن بين الحين والآخر كخطر يهدد سوريا والسوريين  ويفجر صراعات داخلية أكبر لكننا لا نعرف آخر ما عند الإدارة الأميركية حوله ، هي استهداف  النسيج الاجتماعي والديني والفكري  بين مكونات الشعب السوري . ثم تدمير ما تبقى من البنية الاقتصادية ووسائل الإنتاج وإذابة روح حماية الدولة المركزية وانتماءاتها العربية والإسلامية .

بقي أن نشير إلى احتمال " هامشي ثانوي " ربما ، لكن لا بد من التوقف عنده وهو أن تكون إسرائيل أولا وآخرا في مركز السياسة الأميركية السورية الجديدة لذلك نرى واشنطن منشغلة بمواضيع لا علاقة لها بالمرحلة الانتقالية وتغيير النظام في سوريا لأن ذلك لن يكون في مصلحة تل أبيب في هذه الآونة . وأن البديل بالنسبة للبيت الأبيض هو مشروع التقسيم تحت ذريعة أن الجهود المبذولة وصلت إلى طريق مسدود في سوريا .

الجغرافيا السياسية كانت المُحرك الأول والأساسي وما تزال في خطط واشنطن السورية قبلَ الدخول في أي نقاش  دستوري أو أخلاقي أو ديمقراطي .

==========================


تنافس أميركي روسي في سوريا على تعزيز الحلف مع تركيا واستقطاب الأوروبيين

رانيا مصطفى

العرب اللندنية

الاحد 9/12/2018

بدأت تتبلور ملامح استراتيجية أميركية جديدة في سوريا، مع تسلّم جيمس جيفري، مهمة المبعوث الأميركي إلى سوريا؛ إذ عززت الولايات المتحدة تواجدها شرقي سوريا، وفي قاعدة التنف، وهددت بالتدخل برفقة حلفها الغربي الأوروبي لمنع هجوم النظام السوري وإيران على إدلب، وبالتالي دعمت موقف تركيا في اتفاق سوتشي المتعلق بالمنطقة منزوعة السلاح في إدلب.

قبل ذلك جرى اتفاق للمجموعة المصغرة بشأن سوريا، والتي تقودها الولايات المتحدة، على مسودة “لا ورقة”، للدفع باتجاه تغيير سياسي ومرحلة انتقالية، وفق مسار جنيف.

مؤخرا، استكملت الولايات المتحدة استراتيجيتها حول سوريا، وصعّدت من ضغوطها على روسيا من أجل تعطيل مخططاتها لتمرير الوقت عبر الهدن المؤقتة، واستمرار قضم المناطق المتبقية، وبالاستعانة بالميليشيات الإيرانية؛ أي لفرض سياسة الأمر الواقع المتمثلة “باستعادة الحكومة السيطرة على جميع الأراضي السورية”، وهذا يشمل كلا من محافظة إدلب ومناطق شرقي الفرات.

تعمل الولايات المتحدة على تقوية الحلف مع تركيا؛ فقد شكّل جيفري مع مسؤولين أتراك “مجموعة العمل رفيعة المستوى من أجل سوريا” خلال زيارته الحالية إلى تركيا، في مسعى لزيادة التقرّب من الحليف التركي، ولتعطيل أي اتفاقات منفردة تركية -روسية، في ما يتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية.

تختلف أجندة طرفي الحلف الروسي – التركي في ما يتعلق بمنطقة خفض التصعيد شمال سوريا؛ فروسيا أرادت من اتفاق 17 سبتمبر في سوتشي، المتعلق بإدلب، تهدئة الجبهة مؤقتا، والتفرّغ لمناطق النفوذ الأميركي شرق الفرات.

وتركيا تريد نفوذا في منطقة إدلب، غير الاستراتيجية من الناحية الاقتصادية، لكنها مهمة لها لأغراض دفاعية تتعلق بتعزيز نفوذها في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات؛ حيث سعت خلال الأشهر الأخيرة إلى تحقيق نفوذ ثقافي واجتماعي بعيد المدى في مناطق نفوذها، عبر إنشاء شبكة طرق حديثة وعمليات إغاثة ومشاريع صحية وخدمات تعليمية، مثل فتح فرع جامعي تركي في الباب وتوفير الكتب المدرسية والمعلمين وفرض اللغة التركية وإعداد وتدريب الأئمة عبر جماعة الإخوان المسلمين.

تتلاقى واشنطن وأنقرة حول ضرورة التغيير السياسي في سوريا، رغم أن الإطاحة بالنظام ليست في أولويات الطرفين؛ فلا تزال أولوية أنقرة حماية أمنها القومي، وهي نقطة خلاف مع واشنطن التي تدعم وحدات الحماية وتنظيمها الأم حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تعتبره فرعا لحزب العمال. وكانت أولوية واشنطن في الفترة الماضية هي تخفيض النفوذ الإيراني واستكمال محاربة الإرهاب، وتعزيز نفوذها في الشرق عبر دعم حلفائها في قوات سوريا الديمقراطية، ومساعيهم إلى شكل فيدرالي للحكم.

وبالتالي لا تملك واشنطن من مغريات جذب الحليف التركي، بقدر ما تملك من مسببات نفوره وتمسكه بالحلف الروسي الإيراني. وأنقرة لن تغامر بعلاقتها مع موسكو في سوريا، بسبب تشابك مصالحها معها في ملفات خارج سوريا، تتعلق بانطلاق عمليات خط أنابيب الغاز الطبيعي “ترك ستريم” بين روسيا وتركيا، وبإمكانية تسليم روسيا منظومة الدفاع الجوي الروسية أس-400 إلى الجيش التركي خلال العام القادم.

يمكن وصف القمة الرباعية التي عقدت في إسطنبول في 27 أكتوبر، بأنها توسيع لدائرة المشاركين في اتفاق سوتشي حول إدلب ليضّم إضافة إلى روسيا وأنقرة أطرافا أوروبية، تريد روسيا جذبها لتمويل ملف إعادة الإعمار، فيما تريد أنقرة إشراكها في منع حدوث كارثة إنسانية في إدلب، وما يرافقها من زيادة حجم اللجوء إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.

أجندة طرفي الحلف الروسي – التركي تختلف في ما يتعلق بمنطقة خفض التصعيد شمال سوريا؛ فروسيا أرادت من اتفاق 17 سبتمبر في سوتشي، المتعلق بإدلب، تهدئة الجبهة مؤقتا، والتفرّغ لمناطق النفوذ الأميركي شرق الفرات

النظام السوري وميليشيات إيرانية يحشدان للهجوم على إدلب من محور أو محورين، وفق دوائر الاستطلاع التابعة للجيش الحر. هذا الحشد يأتي بموافقة روسية؛ وهدفه الضغط على تركيا والغرب الأوروبي باحتمالية تفجّر الوضع وتقويض الاتفاق، وذلك مع سعي جديد لعقد قمة إسطنبول2، مع تركيا وفرنسا وألمانيا، وقد تجذب أطرافا أخرى متخوفة من تفجر الوضع في إدلب.

تبني موسكو استراتيجيتها العسكرية والسياسية في سوريا على هدف التفرّد بالملف السوري بكامله. وتضع كل رهاناتها على النظام أو معارضات صنعتها هي لغرض القبول بالنظام؛ لذلك تتحدث موسكو عن حوار سوري – سوري، وتسعى، منذ مؤتمر سوتشي مطلع العام الحالي، إلى توفير غطاء أممي له، وتوجّه النظام لتعطيل القائمة الثالثة من اللجنة الدستورية، لفرض إصلاح دستوري تقره حكومة النظام؛ رغم التهديد الأميركي والسعي لإقناع كل من المبعوث الأممي الجديد إلى سوريا، غير بيدرسون، والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بعدم تأمين غطاء أممي للجنة دستورية يقرها مجلس الشعب الحالي وحكومة النظام.

أما واشنطن، فتريد حصر نفوذ موسكو في قاعدتي حميميم وطرطوس؛ وكانت موافقة على استعادة النظام السوري وروسيا لمناطق في الغوطة وحمص ودرعا، وقبلها حلب، وما يقابلها من سيطرة تركية على جرابلس وعفرين ومحيطهما. وليس لواشنطن مصالح في إدلب، لذا دعمت اتفاق المنطقة منزوعة السلاح ودعمت قمة إسطنبول، دون حضورها، خاصة أنها لا تشمل إيران كطرف ضامن.

بالتالي واشنطن تضغط لفرض جدول أعمال جديد حول الملف السوري، وفق استراتيجيتها الجديدة؛ فأولويتها محاربة الإرهاب وإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، ولا تريد للحل السياسي أن يخرج من مسار أستانة وسوتشي للحوار الوطني، أي عبر تشكيل لجنة دستورية تملك روسيا والنظام فيها الأغلبية لفرض إصلاح دستوري، بل تضغط، وبثقل تواجدها العسكري شرقي الفرات، للعودة إلى مسار جنيف، ونقاش الانتقال السياسي، وتعمل مع حلفائها الأوروبيين والعرب لربط ملف إعادة الإعمار بالانتقال السياسي، وتدفع بثقلها الدبلوماسي الأطراف الأوروبية، لاستمرار القطيعة مع النظام السوري، واستمرار فرض العقوبات على شخصيات بارزة فيه، وتفعيل ملف المحاسبة.

في ظل غياب اتفاق أميركي – روسي على الحل في سوريا، تستثمر روسيا في عقدة تركيا تجاه الأكراد، وقد تشكل معها حلفا يهدد مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية شرقي الفرات، للضغط على واشنطن. في حين أن هذه الأخيرة بدورها لم تستطع استقطاب الحليف التركي من الحضن الروسي، بسبب عجزها عن تطمينه في ما يتعلق بالخطر الكردي على الحدود التركية في شمال سوريا.

==========================


ألم يحن الوقت لتقوية العامل الداخلي؟

زكي الدروبي

حرية برس

السبت 8/12/2018

مما لا شك فيه أن العامل الخارجي هو الأساس والمقرر في الشأن السوري حالياً، دون أي اعتبار أو مشاورة للسوريين، نظاماً ومعارضة، وهذا ينبع من الاستهانة والاستخفاف بنا جميعاً، ولا مجال حالياً لنقاش الأسباب التي أدت لتعاظم دور العامل الخارجي وليس من مهمة هذه المقالة مناقشة هذا الموضوع، لكن المتابع يرى أن العامل الخارجي في هذه الأيام يصب في بعض جزئياته لصالح الثورة السورية، فالتوكيل الأمريكي لروسيا بالحل في سوريا بدأ يتقلص، خصوصاً بعد التدخل الأمريكي الأوروبي والورقة التي أطلقوها بشأن سوريا، وما جرى بعدها من منع مليشيات الأسد وإيران ومن ورائها روسيا من القيام بعملية عسكرية شاملة في إدلب والتصريحات الأمريكية الأخيرة بإنهاء مساري سوتشي وآستانا والعودة إلى مسار جنيف، والضغط على إيران للخروج من المنطقة وحصارها عبر العقوبات الاقتصادية واستهداف قواتها والمليشيات المقاتلة معها في سوريا من قبل طيران العدو الصهيوني، وامتداد التوتر إلى لبنان وتهديد الكيان الصهيوني لحزب الله بعملية عسكرية، كلها تجري باتجاه إضعاف التحالف الداعم لنظام الأسد، فخروج قوات إيران والمليشيات العاملة معها من سوريا سيؤثر بالتأكيد على قوات نظام الأسد وعلى القوات الروسية التي لا تريد أن تشارك في عمليات عسكرية على الأرض مخافة دفع الكلف العالية، وبالتالي فالجميع في مأزق، ولهذا يلهث الأسد باتجاه تأمين قوات بديلة لقوات إيران وميلشياتها لسد الفراغ الذي سيحصل عبر تجنيد شباب مناطق المصالحات وسوقهم للخدمة الإجبارية وإيهام الشباب السوري في الخارج بالعفو من الخدمة العسكرية ليفاجأ من عاد منهم باعتقاله وتجنيده مع قوات الأسد، وعبر الضغط على اللاجئين السوريين في لبنان لدفعهم للعودة إلى سوريا وبالتالي تجنيدهم في قواته.

هذه العوامل الإيجابية التي تصب في صالح الثورة لا تجد لها صدى لدى قوى المعارضة والثورة السورية يستطيع استثمارها لتحقيق أهداف الثورة السورية في الانتقال من نظام الأسد الاستبدادي القاتل لشعبه الناهب لثروات بلاده العميل لقوى الخارج، إلى نظام مدني ديمقراطي تعددي، ففي ضفة الثورة لا يزال الإرهاب يتحكم بمساحة من سوريا ولا يزال يمارس نفس ممارسات النظام تحت ذرائع تطبيق شرع الله وكأننا من كفار قريش وننتظر هؤلاء الإمعات ليهدونا إلى الصراط المستقيم، ولا زالت هذه القوى الإرهابية تقتل نشطاء الثورة السورية وتختطفهم وتعتقل الأحرار وتمنع الصحافة الحرة وتكمم الأفواه وتمنع النشاط السياسي وحرية تشكيل الأحزاب بقوة السلاح في نسخة طبق الأصل عن ممارسات نظام الأسد المجرم.

أيضاً لا زالت قوى الثورة والمعارضة مبعثرة مفككة، فالتنسيقيات لازالت ضعيفة مفككة مبعثرة، ولم تستطع أن توحد عملها لأسباب متعددة، من أهمها الأنا المتضخمة والذاتية المفرطة، وقسم منها منكفئ على ذاته معتد بنفسه لا يرغب بالتواصل والعمل مع الآخرين، وكذلك القوى السياسية المبعثرة والضعيفة التي يملك كل واحد منها الحقيقة المطلقة ويرغب بإعادة إنتاج الهيمنة بعقلية الإقطاع السياسي، فهو يريد من القوى السياسية الأخرى أن تكون تابعة له مؤتمرة بأمره لا تعمل أي نشاط إلا من خلاله، ويسعى ليعيد إنتاج الهيمنة كما كانت تجربة المجلس الوطني السوري ويبعد الآخرين غير الموافقين على نهج التبعية.

هذا النهج وهذه العقلية المدمرة للثورة السورية لا زالت موجودة لدى عدد من القوى السياسية، ولم تستطع رغم كل ما جرى من كوارث نتيجة هذه العقلية من تجاوزها والاتجاه إلى عقلية التشارك والعمل المشترك بدلاً من عقلية الهيمنة والتبعية، وهذا الأمر خطير جداً على الثورة السورية بعد كل هذه السنوات وبعد كل ما حصل.

إن الحوار واستمرار الحوار ومحاولات الإقناع والعمل المشترك وصولاً لبناء الثقة بين الفرقاء أمر مهم جداً، وسيؤدي شيئاً فشيئاً إلى بناء عمل وطني مشترك بين القوى الوطنية الديمقراطية ينتج فيما بعد قيادته المشتركة للثورة السورية، وهذا لن يتم قبل الحوار والتشاور والبناء على عقلية الندية والشراكة وإبعاد عقلية الهيمنة والتبعية، هذا الحوار والعمل المشترك سينتج تفاهمات وثقة بين تلك القوى تؤدي بالنتيجة إلى وحدة عمل القوى الوطنية وتكوين جسم متماسك يستطيع قيادة العمل الثوري بمختلف أشكاله وتفرعاته والاستفادة من تناقضات مصالح الدول، وما يحصل حالياً من تدخل أمريكي واضح وسحب التوكيل المعطى للروس قد لا يدوم طويلاً.

==========================

سورية.. اللجنة الدستورية والاستعصاء السياسي

حسين عبد العزيز

حرية برس

السبت 8/12/2018

منذ تمديد الأمم المتحدة مهمة مبعوثها إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، فترة غير معلومة، بدا واضحا أن ثمة جديدا قد يحدث خلال أسابيع في ما يتعلق باللجنة الدستورية. وفعلا، لم تمضِ أيام حتى أعلن دي ميستورا في 20 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) أن من الممكن انعقاد اللجنة أواخر ديسمبر/ كانون الأول الجاري.

وعلى الرغم من إعلان دي ميستورا فشل اجتماع “أستانة 11” في التوصل إلى نتائج مهمة في هذا الشأن، إلا أن ما رشح عن الاجتماع يشي بأن ملف اللجنة الدستورية قارب على نهايته بعد التوافق على 42 اسما من أصل 50 اسما ضمن القائمة الثالثة الخاصة بالمستقلين.

يؤكد التقدم المفاجئ في تحديد هوية أعضاء القائمة الثالثة أن ثمّة قرارا دوليا بضرورة تشكيل اللجنة قبل نهاية العام: على الصعيد الأميركي، هناك ضغوط كبيرة لتشكيل اللجنة، وإطلاق المسار السياسي. وعلى صعيد الأمم المتحدة، هدد الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، قبل أسبوعين، بأنه “في حال عدم السماح لدي ميستورا بتشكيل اللجنة الدستورية، وحل عقدة المجموعة المستقلة الثالثة مع النظام السوري، وفقا لاتفاق سوتشي بحلول ديسمبر/ كانون الأول، فستنهي الأمم المتحدة دورها في الإشراف على العملية السياسية السورية وستترك الملف برمته لروسيا”.

قد يبدو انسحاب الأمم المتحدة من العملية السياسية في الظاهر مفيدا لروسيا، لكن المسألة غير ذلك، فروسيا لا تتحمل حالة ستاتيكو سياسي طويل الأمد. ومن شأن ذلك إن حصل أن يشكل صفعة كبرى لكل إنجازاتها العسكرية، فلا هي قادرة على إنهاء الوجود الأميركي الذي يهيمن على نصف مقدرات البلاد، ولا هي قادرة على الانسحاب العسكري، ولا هي قادرة على ضبط موازين الصراع الإقليمي في سورية مددا طويلة.

كما أن روسيا لا تريد الانعزال عن المجتمع الدولي، لأن ذلك يضعف من قدرتها على التعامل مع الغرب، وهذا ما فسّر إعلان الرئيس فلاديمير بوتين في القمة الرباعية التي عقدت في تركيا أن تشكيل اللجنة الدستورية سيتم قبل نهاية العام.

الصورة غير مكتملة، وثمة عدة سيناريوهات:

الاتفاق على كامل القائمة الثالثة، وبالتالي عقد اجتماع اللجنة خلال الشهر الجاري، وهذا الاحتمال الأكثر ترجيحا.

عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الأسماء الثمانية المتبقية من القائمة الثالثة، وبالتالي عقد اجتماع اللجنة بحضور الأسماء المتفق عليها.

عقد اجتماع اللجنة بغياب القائمة الثالثة، والاقتصار على قائمتي النظام والمعارضة مؤقتا، وتصريح دي ميستورا قبل أيام قد يفهم بهذا الشكل: “أدعو الأطراف السورية إلى تجاوز أزمة تشكيل الدستور، خصوصا اللجنة الثالثة التي يدور حولها خلافٌ كبير”.

وقد تكون مقاربة دي ميستورا والأمم المتحدة مبنيةً على عدم تجميد أعمال اللجنة الدستورية وتجاوز نقطة الخلاف لمرحلة لاحقة تتطلب مشاورات كثيرة، في ظل تمسك الأمم المتحدة والمجموعة الدولية المصغرة المعنية بسورية بضرورة أن تكون القائمة الثالثة محايدةً تماما، وهو ما أكده مجددا المبعوث الأممي، حين قال إن “الأمم المتحدة ترحب بالاقتراحات المعتدلة والبناءة للجنة الدستورية، طالما حافظت على المصداقية والتوازن والشرعية الدولية للقائمة الثالثة التي يجب أن تضم مستقلين وخبراء وزعماء القبائل والمجتمع المدني والمرأة، إضافة إلى تمثيل الطوائف الدينية والعرقية، وهذا يعني أن لا تكون هذه القائمة أداةً للسياسيين، في المعارضة والنظام”.

السيناريو الأخير هو عدم عقد اجتماع للجنة الدستورية هذا العام، وتأجيل انعقادها إلى ما بعد تسلم المبعوث الأممي الجديد مهامه.

في كل الأحوال، كشفت الصعوبات التي رافقت عملية تشكيل اللجنة الدستورية منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، أن سلة الدستور ليست أقل تعقيدا من سلة الحكم، إن لم تكن أكثر تعقيدا، فالنظام والمعارضة يدركان أن كتابة دستور جديد لا تحدث بشكل متكرر، وإنما مرة واحدة. وعليه، سيحدد الدستور الجديد طبيعة المسار السياسي للحل وأهدافه. ومن هنا، يحاول كل طرف ضمان هيمنته على اللجنة، أو على الأقل ضمان نصف أعضاء اللجنة.

بالنسبة إلى النظام، سيكون أي نص دستوري بمثابة السيف الدولي المسلط عليه، وسيكون أداة للتدخل الخارجي إذا لم يلتزم بتنفيذ بنود الدستور. وبالنسبة إلى المعارضة، فإن دستورا جديدا يضمن تحقيق دولة القانون والمؤسسات، وبناء نظام حكم ديمقراطي، سيشكل أداة شرعية لها أمام المجتمع الدولي يمكن اعتمادها لملاحقة النظام والضغط عليه، إن أخلّ بالتزامات الدستور الجديد.

وبناء عليه، لن تكون العملية السياسية المقبلة ممكنة التحقق، في ظل المعطيات السياسية والعسكرية القائمة. وأغلب الظن أن المجتمع الدولي سيجعل من ملف الدستور فرصةً لإطالة التوصل إلى حل سياسي في سورية لعدة سنوات أخرى.

==========================

خيارات روسية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 8/12/2018

أنجزت روسيا في سورية مهمةً معقدةً بمزيج من العنف العسكري والسياسي، بالتفاهم مع واشنطن وأنقرة. ونفذت ما اعتبرته مهمتها بحماسةٍ تنم عن غرورٍ أملته ثقةٌ مفرطةٌ بالنفس، أوهمتها أنها تمسك بالملف السوري وأطرافه، وأن إرادتها غدت قدرا لا يستطيع أحد مقاومته.

انتهى الإنجاز العسكري بانتصار ميداني لا شك فيه، لكنه، ويا للغرابة، انتصارٌ لم يوفر أوراقا سياسيةً تستطيع موسكو بواسطتها ممارسة ضغوط فاعلة على أميركا التي أنهت دعمها لها، وقرّرت التحكم بالمآل النهائي للصراع عبر ورقتين: الامتناع عن تمويل إعادة الإعمار من دون مقابل سياسي، يتصل بطبيعة النظام القادم الذي يجب أن تكون لها الحصة الأكبر، والتمسّك بالقرارات الدولية التي ليس تطبيقها في مصلحة بشار الأسد، أو يجافي مصالح الشعب السوري ومطالبه.

لا يترك هذا الوضع خيارات كثيرة لموسكو التي لا تستطيع تحدّي الوجود الأميركي شرق الفرات، وفي منطقتي التنف والزكف، ولا تفكّر بالانسحاب من سورية. كما لا تستطيع تحدّي تركيا، وإخراجها من الشمال السوري بتفرعاته المتعددة. ومع أن لها منطقة لا يتحدّاها فيها أحد، فإنها لا تشعر بالراحة، بسبب وجود إيران فيها، وتذبذب الأسد في علاقاته معها، وكثرة مشكلاتها الضاغطة، الناجمة عن وجود اثني عشر مليون مواطن سوري في المنطقة التي تشرف عليها، يفتقرون إلى كل شيء تقريبا، وقد تنتج مشكلاتٍ معقدةً معهم، بعد وقف إطلاق النار الشامل، واستمرار جوعهم وفقرهم وحاجتهم إلى منازل وأعمال، ستتحمل روسيا أعباء المسؤولية الثقيلة عنها التي ليست مساعدة لها.

ليس الوضع الحالي مريحا لموسكو، كما أن عائده السياسي محدود، بالمقارنة مع الجهد العسكري الذي بذلته، والوعود التي رتبتها عليه، سواء في سورية وجوارها العربي، أم على الصعيد الدولي الخاص بمكانتها العالمية، وعلاقاتها مع أميركا وأوروبا، وكذلك مع رغبتها في الانفراد بسورية، وتوسيع نفوذها وحضورها إلى جوارها العربي، وفرض خياراتها على المنخرطين الآخرين في الصراع عليها، في أول خروج كبير إلى العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

لدى موسكو خياران ممكنان للخروج من الوضع الراهن: هجوم كبير تشنه على إدلب، يؤدّي إلى احتلال الشمال السوري، يخرج تركيا منه، يضع القضية السورية برمتها في أيدي واشنطن وموسكو وحدهما، الأمر الذي يفتح باب تعاون روسي/ أميركي/ إسرائيلي، وربما أسدي، ضد إيران، التي ستقبل عندئذ بإنقاذ نظامها عبر قبول مطالب الولايات المتحدة وأوروبا منها. والخيار الثاني فتح بازار الأسد مقابل تطبيق حل دولي بالقراءة الروسية، يعيد النظر في النظام، ويؤسّس لمصالحة وطنية سورية، بعيدا عن إيران.

بالتفاهم على إيران والأسد، وبقبول واشنطن بقاء روسيا العسكري في سورية، تنضج شروط صفقة تاريخية بين الدولتين في مقابل فك واشنطن قبضتها عن حل سياسي، تراكمت أوراقه في يدها، ستحصل إن قبلت به على تمويل دولي لإعادة الإعمار، وقبلت الوجود العسكري الأميركي شرق الفرات، في إطار فيدرالية يرحب كيانها الكردي بانتشار جيشها في أراضيه، مع إعطاء ضمانات مشتركة، روسية أميركية لتركيا في ما يتعلق بالكرد، قد تكون مناطق الرقابة الأميركية أول مظاهرها.

ليست روسيا قادرةً على إغضاب تركيا، من دون تفاهم استراتيجي مع أميركا. وليست أميركا قادرةً على التخلص من بشار الأسد، من دون صفقة كبيرة مع موسكو، هي اليوم ورقتها الأقوى التي ستفتح لها المداخل التي تأخذها إلى ما خططت له: حكومة وحدة وطنية، ولكن من دون بشار، وإنتاج نظام سوري وإقليمي جديد، لا يفني فيه الغنم الروسي أو يموت الذئب الأميركي.

==========================

إسرائيل تبوح: نظام الأسد فاقد الأهلية

يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 8/12/2018

لأكثر من ثلاثين سنة، دأبت إسرائيل على محاولة تمرير قرار ضمها الجولان السوري المحتل، ولم تتمكن؛ وما زال الموقف الدولي في مجلس الأمن، كما كان عام 1981؛ عندما اعتبر قرار إسرائيل ضم الجولان لاغيا وباطلا. والآن في 2018، تدفع إسرائيل مجددا قرارها آملة ألا يكون هناك اعتراض كما كان سابقا؛ وذريعتها هذه المرة: "عدم أهلية النظام" لحماية حدوده؛ والمقصود إسرائيلياً حماية حدود الجولان من الجانب السوري.

واضح أن إسرائيل تريد أن تمتص هذا النظام في مماته كما في حياته، فخلال حياته سحبت منه كل ما أرادت؛ ولذا كان المدلل، لأن أهم ما أسداه لها كان الحرص على أمن "حدودها"، من جانب الجولان؛ حيث عاشت إسرائيل في نعيم وأمان مطلق. والآن، خلال مماته تعمل على الغنيمة الختامية (ضم الجولان ببسط "قوانينها" عليه). السؤال: لماذا تفضح إسرائيل من أسدى لها خدمة الحراسة نحو نصف قرن بوصفه "غير مؤهل"؟ وهل فعلاً هو غير مؤهل للقيام بالواجب تجاهها؟

حجة إسرائيل واهية، فلو أوكلت هذه المهمة بمفردها للنظام في مقابل بقائه في السلطة، بشرط عدم العلنية (من أجل الأنصار البلهاء)، لقبل راضياً فرحاً راقصاً في ساحة الأمويين؛ فهو أساساً بقي في السلطة، واستمرت المأساة السورية كل هذا الوقت، لأنه يقوم أساساً بهذه المهمة. ولكن لماذا فتح هذا الباب الآن؟ ولماذا إطلاق وصف "عدم الأهلية" فجأة؟ لا بد أن إسرائيل استشعرت، ومن أميركا بالذات، أن هذه المنظومة الاستبدادية يستحيل استمرارها؛ وهي تريد على حياة عين هذا النظام أن تثبّت سيطرتها القانونية على الجولان.

تجاه المحاولات الإسرائيلية في الحصول على تشريع قانوني بضم الجولان، وإحياء قرار 

"إسرائيل مربكة، وتضطر لإطلاق صفة "عدم الأهلية" على المنظومة المفضلة" برلمانها (الكنيست) السابق في بسط "قوانينها" على الجولان، والذي اعتبرته الأمم المتحدة عام 1981 لاغياً وباطلاً (null and void)، تسعى إسرائيل إلى تمرير هذا القرار الآن. فيما سبق، كانت أميركا تمتنع عن التصويت في مجلس الأمن، كلما ثبّت المجلس اعتراضه على القرار أو الإجراء الإسرائيلي، إلا أن ممثلة أميركا في الأمم المتحدة قالت أخيرا إنها لن تمتنع عن التصويت هذه المرة، لكنها ستمرر القرار بالاعتراض على اعتبار المجلس الإجراء الإسرائيلي لاغياً وباطلاً؛ وبذا ينفذ قرار إسرائيل بضم الجولان؛ والآن، لعلة "عدم أهلية النظام السوري".

أرادت أميركا من جانبها أن تأخذ من هذا النظام ثمناً مختلفاً، عندما طرحت في دهاليز السياسة تجاه سورية عرضاً تجاهله النظام، لا لأنه لا يريد، بل لأنه غير قادر على تنفيذه. كان العرض فك ارتباطه بإيران، أو إخراجها من سورية. تتمنى روسيا ذاتها أن يقوم هذا النظام السام الكسيح بفعل ذلك تجاه إيران؛ لكنها تعرف تماماً أنه أعجز من أن يقوم بمهمة كهذه؛ فهو مُرتَهَن لإيران.

وحدها إسرائيل تسعى إلى تحقيق ما يمكن أن يقوم به نظام الاستبداد، ولكن هذه المرة ليس بصمت؛ بل علانية؛ وهذه ذروة الابتزاز الإسرائيلي. يبقى العائق، على أي حال، ليس فقط إيرانياً بل روسياً أيضاً؛ فإن فعل وافتضح أمره، يدمر آخر ورقة توت سياديةٍ، تسعى روسيا (لأسبابها) إلى أن تسبغها عليه.

حتى لو استطاع نظام الاستبداد التفلت من كل المعيقات، وأن ينفذ هذا العمل الإجرامي الخياني، لن تكون الجولان كما تريدها إسرائيل، ولن تحقق لها أميركا هذه الأمنية؛ ولا الأمم المتحدة يمكن أن تمرّر قراراً يخالف الشرعة الدولية بهذا الشكل الفاضح؛ والأهم من ذلك كله يبقى موقف وفعل أهل الجولان السوريين الأبطال الذين رفضوا الهوية الإسرائيلية كل هذه الفترة الزمنية، والذين رفضوا انتخابات الكيان الصهيوني أخيرا.

المفارقة العجيبة أن نظام الاستبداد هذا دأب على توزيع شهادات الوطنية والخيانة للسوريين؛ 

"نظام الاستبداد هذا دأب على توزيع شهادات الوطنية والخيانة للسوريين" والأطرف بين تلك الاتهامات كانت: جريمة "النيْل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي"، أو "إضعاف الشعور الوطني والانتقاص من هيبة الدولة"، وغيرها من الخزعبلات التي ذهب آلاف السوريين ضحيتها، فإن المفارقة العجيبة أن من يتهم السوريين بوطنيتهم هو من باع الوطن سراً سابقاً، ثم علناً لاحقاً للإيراني والروسي؛ وهو جاهز أن يبيعه الآن؛ وعلناً؛ ولكن هناك معيقات لوجستية تحول دون فعلٍ كهذا الآن. من هنا، كانت مسألة "البديل للنظام"، والتي يسبّح بها المتدخلون بالشأن السوري على الدوام، إحدى الأدوات الخبيثة للإبقاء عليه. حسب مقاييس إسرائيل ومطالبها، ليس هناك بديل؛ ولكن من قال إن معايير إسرائيل وأمنياتها هي التي ستكون سارية إلى الأبد! والدليل أن إسرائيل ذاتها مربكة، وتضطر لإطلاق صفة "عدم الأهلية" على المنظومة المفضلة؛ وتريد أن تنجز المطلب الأهم لها في ما تبقى من وقت لهذه المنظومة. مرة أخرى، يمكن أن يتم سلب حقوق الشعوب بالقوة، وبوجود أنظمة عميلة رخيصة؛ ولكن لا يمكن أن يتحول إلى حالة قانونية؛ فكل ما وقّعه نظام الاستبداد للروس وللإيرانيين لاغ وباطل وغير قانوني؛ ببساطة لأنه "فاقد للأهلية". وللمفارقة، حتى إسرائيل باحت بذلك.

==========================

لماذا استقبلت الدول الأوروبية آلاف الشبيحة السوريين كلاجئين؟

  د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 8/12/2018

لا بد طبعاً في البداية من توجيه الشكر للبلدان الأوروبية كألمانيا وبريطانيا وفرنسا والسويد وهولندا وفنلندا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا وغيرها على استقبال ملايين اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم النظام الذي قتل حتى الآن أكثر من مليون سوري وشرد أكثر من نصف الشعب، ودمر ملايين البيوت بطائراته ودباباته، ونهب عشرات الألوف من المنازل. ولو نظرتم إلى شكل الدمار في سوريا لوجدتم أن معظم البيوت مقصوفة من الجو، وهذا يعني أن كل ما نشاهده من مظاهر الخراب التي حلت بسوريا وتكاد تتفوق على مشاهد الحرب العالمية الثانية ببشاعتها، هي من أفعال الجهات التي تملك قوى جوية كالنظام السوري والروس تحديداً. ومن الغريب أن روسيا التي شاركت في تدمير سوريا بمئات الأنواع من الأسلحة التي استخدمتها على الأرض السورية بشهادتها هي نفسها، لم تستقبل لاجئاً سورياً واحداً، ووضعت مئات العراقيل أمام أي سوري يريد أن يحصل على تأشيرة لدخول أراضيها، مع العلم أن طائراتها استهدفت حتى المشافي والمدارس السورية. بعبارة أخرى، فإن المسؤول الأول عن تدمير سوريا وتهجير شعبها هو صاحب اليد العليا من الجو، مع الاعتراف طبعاً أن بعض الفصائل الشيطانية ساهمت بطريقتها في التدمير والتهجير والنهب والسلب. لكن لا يمكن مقارنة التدمير الذي مارسه النظام وحلفاؤه الروس من الجو بما فعلته بعض الفصائل على قذاراتها.

ماذا يفعل أهالي المناطق التي سوّاها الطيران السوري بالأرض كحمص وحلب ودرعا وريف حماة ودير الزور وغوطة دمشق وغيرها الكثير من المناطق السورية المنكوبة؟ ليس أمامهم طبعاً سوى الهرب من سوريا لأن النظام استهدف مناطقهم حصراً، ودفعهم للهجرة خارج البلد. أما المناطق المؤيدة للنظام فلم يُسقط عليها الطيران السوري برميلاً واحداً. وظل سكانها يدخنون الشيشة حتى الصباح، وخاصة في مدن الساحل ودمشق. ويتذرع بعض سكان المناطق المؤيدة أنهم كانوا يتعرضون لهجمات من داعش وغيرها، لهذا طلب بعضهم اللجوء. ولو صدقنا مثل هذه المزاعم المشكوك فيها، من حقنا الآن أن نسأل: ماذا يفعل آلاف اللاجئين المؤيدين للنظام الذين هاجروا إلى أوروبا بحجة الخوف من داعش والنصرة وغيرها؟ لم يعد هناك أي وجود لداعش لا في الساحل السوري ولا في الجنوب ولا في أي منطقة مؤيدة أخرى. وحتى الدواعش الذين هجموا على محافظة السويداء قبل فترة، وقتلوا أكثر من ثلاثمائة شخص واختطفوا العشرات، كانوا من منسوبي المخابرات السورية بشهادة أهل السويداء أنفسهم. بعبارة أخرى، لقد كانت مناطق النظام التي هاجر منها ألوف المؤيدين إلى أوروبا بحجة الهرب من الدواعش، كانت آمنة إلى حد بعيد.

كل ما نشاهده من مظاهر الخراب التي حلت بسوريا وتكاد تتفوق على مشاهد الحرب العالمية الثانية ببشاعتها، هي من أفعال الجهات التي تملك قوى جوية كالنظام السوري والروس تحديداً

لقد وقعت الدول الأوروبية التي استقبلت اللاجئين السوريين في حيرة من أمرها قبل سنوات، وكانت تستقبل الهاربين من داعش قبل الهاربين من جحيم النظام الذي تفوق وحشيته الوحشية الداعشية بعشرات المرات. وحسب إحصائيات الأمم المتحدة فقد اتضح أن نسبة الذين هربوا من خطر داعش لم تتجاوز خمسة بالمائة على أرض الواقع، بينما كانت نسبة الهاربين من المناطق التي دمرها النظام تفوق التسعين بالمائة. وكان الأوروبيون يتضامنون مع أي شخص يقول إنه هارب من الإرهابيين الدواعش وغيرهم، وكان يحصل على اللجوء فوراً. لا بل إن بعض الأشخاص كانوا يُخبرون بعضهم البعض عندما يصلون إلى أوروبا بأن يقولوا للسلطات الأوروبية إنهم تركوا سوريا بسبب الإرهاب الداعشي، لأن السلطات هناك كانت تمنحهم حق اللجوء بسرعة أكبر. وقد اضطر كثيرون أن يكذبوا على السلطات الأوربية ويقولوا لها إنهم هاربون من داعش وليس من النظام لتسريع إجراءات الحصول على حق اللجوء.

ولو افترضنا أن بعض اللاجئين الذين حصلوا على حق اللجوء في أوروبا كانوا فعلاً هاربين من الإرهاب الداعشي وغيره، فلماذا لا تبدأ الحكومات الغربية بالنظر في أوضاعهم مرة أخرى كي يعودوا إلى سوريا، خاصة وأنهم من أكثر المؤيدين للنظام، ويخرجون في مظاهرات تدافع عنه في الساحات والميادين الأوروبية على الملأ؟ لماذا تنفق تلك الدول ملايين اليوروهات على أشخاص ينتمون إلى النظام وربما شارك بعضهم في قتل وتهجير اللاجئين الحقيقيين؟ كيف تسمح الدول الأوروبية لعشرات الألوف من مؤيدي النظام السوري أن يحصلوا على حق اللجوء وما يتبعه من امتيازات في السكن والتربية والرواتب وغيرها، بينما باستطاعتهم سالمين آمنين تحت سيطرة النظام في سوريا؟ لماذا لا تقول لهم إن النظام الذي تدافعون عنه وتحبونه أولى بكم، ويجب أن تعودوا للعيش في أحضانه، فهو قارد على حمايتكم، لا بل يحتاجكم الآن في صفوف جيشه المنهار؟

لقد كان وزير داخلية مقاطعة بايرن الألمانية «يواخي هيرمن» محقاً عندما قال إن «هناك العديد من اللاجئين السوريين المؤيدين للأسد في ألمانيا، وهم غير مهددين بالقتل والتعذيب في حال ترحيلهم إلى سوريا». وأضاف الوزير في مقابلة تلفزيونية، أنه «يجب على المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين التفريق بين اللاجئين السوريين المؤيّدين للأسد، وبين المُهددين فعلاً من نظامه». أليس من الأفضل للدول الأوروبية وللاجئين السوريين الحقيقيين أن يأخذوا الأموال الطائلة المرصودة للاجئين المزيفين الذين يعمل الكثير منهم بوظيفة مخبرين وجواسيس لصالح النظام؟ لماذا تدفع أوروبا ملايين اليورهات على أشخاص يتجسسون على اللاجئين الحقيقيين، ويكتبون التقارير للنظام من أوروبا كي يلاحق أهلهم أو من تبقى منهم في سوريا والسطو على ما بقي من أرزاقهم؟ إن منح حق اللجوء لأتباع النظام السوري لا يشكل عبئاً مالياً فقط على الدول الأوروبية، بل يشكل أيضاً عبئاً أمنياً خطيراً على الدول الأوروبية وعلى اللاجئين السوريين الحقيقيين الذين هربوا من سوريا من الشبيحة، فوجودهم أمامهم في أوروبا. نترك هذا الكلام برسم السلطات الأوروبية كي تعيد النظر وتتحرك في أقرب وقت ممكن توفيراً للمال وتعزيزاً للأمن. ولا تنسوا أن مفتي النظام السوري أحمد حسون هدد الدول الأوروبية قائلاً بالحرف الواحد: «أقولها لكل أوروبا وأقولها لأمريكا سنعد استشهاديين هم الآن عندكم ليضربوكم. وبعد اليوم العين بالعين، والسن بالسن».

==========================

الثورة السورية والمسؤولية !؟

يحيى حاج يحيى

لا تقل مسؤولية الذين انحرفوا بالثورة السورية من الداخل في بعض مراحلها ، عن مسؤولية الذين حاولوا ويحاولون إجهاضها من الخارج !؟

فعليهم وزر ما فعلوا ! ولكم أجر مٓن صدقوا صبروا !!

تمر الثورات التي ترتبط بحقوق وأهداف جماهيرها بمحطات ومنعطفات ، ولكنها لا تموت !

فدماء شهدائها ، وتضحيات شبابها وشيبها، أكبر في ميزان الحق والعدل من انحرافهم  ومحاولات إجهاضهم !؟

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com