العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-10-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية واحتمالات ما بعد الفيتو الروسي .. سميرة المسالمة

الحياة

الخميس 13-10-2016

لا مفاجآت تذكر في الجلسة التي عقدها مجلس الأمن الدولي السبت الماضي، فكلا المشروعين الفرنسي والروسي كان على قائمة الرفض بين الفريقين المتضادين في الرؤية والهدف. ولعل هذا ما عبر عنه صراحة ممثل روسيا، وهو رئيس الدورة الحالية للمجلس، في وصفه الجلسة بأنها «واحدة من أغرب الجلسات التي تعقد»، إذاً يعلم المجتمعون سلفاً أنهم لن يقرّوا أي مشروع مقترح.

فبينما سعى الطرف الفرنسي ومن سانده إلى فرض هدنة في حلب قد يمكن لها أن تمتد لتشمل باقي سورية، بحيث تكون معبراً للدخول إلى حلبة التفاوض السياسي مجدداً، كان الطرف الروسي يسعى إلى فرض شروطه داخل حلب لتمكين النظام من العودة إليها للاستحواذ على طاولة تفاوض شبه خالية من طرف متعادل معها بالقوة العسكرية أو الديبلوماسية.

رغم ذلك، لا بد من المصارحة بأن النقاط المشتركة بين المشروعين كانت أكثر من نقاط الخلاف في مضمونهما، إلا أن حال الاستقطاب من جهة، والتعالي والغطرسة الروسية والتسلط، والشعور بالشبه وحتى التماهي بين النظامين الروسي والسوري، وكسر الثاني (السوري) لإرادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية بدت بمثابة رسالة للأول أي (الروسي)، أبعدت تماماً فكرة الوصول إلى مشروع مشترك كان من شأنه أن يعيد لمجلس الأمن بعضاً من تسميته في الحفاظ على ما تبقى من الأمن الدولي وأمن المنطقة.

أمام هذا الواقع الأممي الجديد، تعود الخيارات المفتوحة على كل الاحتمالات إلى الواجهة، والتي يأتي من ضمنها تراجع الإدارة الأميركية عن سياساتها التي أوحت بتركها منطقة الشرق الأوسط، ومنها سورية، للروسي مع بعض المساحات للشرطي الإيراني، فيما اعتبر بمثابة استدارة منها إلى مناطق جديدة أكثر مردودية عليها من الناحية الاستراتيجية، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. ويفهم من ذلك أن ما اعتبر بمثابة استدارة أو تخلّ عن المنطقة من قبل الولايات المتحدة كان موضع جدل، إذ ثمة من رأى أن في ذلك نوعاً من الاستدراج أو التوريط لروسيا لدفعها إلى الانغماس في مستنقع الحرب السورية لاستنزافها وإنهاك قواها العسكرية والديبلوماسية، فيما الولايات المتحدة تراقب من بعد من دون أن تتكلف شيئاً.

وفي هذا الإطار تحديداً، فإن وجهة النظر هذه تعتقد بأن هذه الاستراتيجية (الأميركية) وصلت حدّها الأقصى، أو أنها استنفدت أغراضها، بحيث بات ينبغي التعامل بطريقة مختلفة عن السابق، لا سيما ما يتعلق بتحجيم الدور الأوروبي في الصراع السوري لمصلحة الاستفراد الروسي، أو أن رغبتها في مزيد من الوقت لاستمرار الصراع لن تتحقق في ظل التورم السرطاني للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يرى إمكان الحسم العسكري سريعاً للقضاء على معارضة مدعومة بالصمت الأميركي فقط، أي من دون دعائم حقيقية تقوي واقعها العسكري، ما من شأنه خروج الوضع على السيطرة ووضع الموقف الأميركي ومعه الأوروبي في مكانة حرجة أمام الغطرسة الروسية التشبيحية.

بناء عليه فإن الافتراق الأميركي - الروسي، بخاصة صلف بوتين وتصعيده العسكري على الأرض، يبدو أنه وضع الإدارة الأميركية أمام لحظة الحقيقة، في بحثها على انتهاج خيارات أخرى غير التي عودتنا عليها سابقاً، وإن كانت ستبقى في دائرة الردود المحدودة عسكرياً، على ما أعتقد، ومن ضمنها:

أولاً: إبداء مزيد من الضغط على روسيا بالوسائل السياسية والديبلوماسية، وربما تذهب بعيداً من مجلس الأمن الدولي الذي تملك روسيا مفاتيحه بالتساوي مع الدول الأعضاء الدائمة، عبر التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتخاذ قرار تحت بند «الاتحاد من أجل السلام» بغرض انتزاع موافقة أكثر من ثلثي الأعضاء، على ما تريده في سورية، وبهذا تكون الإدارة الأميركية أيضاً استرجعت الدور الأوروبي في الملف السوري، وربما تذهب نحو فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على روسيا تجعل موقفها أكثر ضعفاً أمام الرأي العام الروسي.

ثانياً: التعامل بجدية مع متطلبات «الجيش الحر» تأمين سلاح نوعي محدود من شأنه تشكيل تهديد حقيقي لقوات النظام وروسيا وإيران، وإعادة بعض التوازن إلى الصراع الدائر. وبداهة أن هذا تحديداً يستوجب إجراءات مقابلة من فصائل «الجيش الحر» وبعض الفصائل الإسلامية المعتدلة المدعومة من جهات عربية أو غيرها، تتمثل بتلبية النداءات التي وجهتها إليها المعارضة السياسية المتمثلة بالائتلاف وبعض مكونات الهيئة العليا للتفاوض بتوحيد قواها والانضواء في «الجيش السوري الحر»، متجاوزين بذلك سياسة الفصلنة والشعارات المتنوعة لمصلحة السعي إلى دولة سورية ديموقراطية متعددة للمواطنين الأحرار تحت علم الثورة معلنين وقوفهم مع القيادة السياسية في رؤيتها للحل السياسي المنشود.

ثالثاً: ضمن حملة المراجعات في الموقف الأميركي تجاه القضية السورية لا يمكن للولايات المتحدة تجاهل القوى الإقليمية والعربية وضرورة إشراكها في صناعة الحل السياسي لأن الصراع الدائر بات أوسع من كونه قضية داخلية سورية، فهو الآن قضية إقليمية عربية ودولية بامتياز وصلت شظايا انعكاساتها إلى الجميع بلا استثناء.

رابعاً: مع استبعاد تدخل أميركا في حرب مباشرة على النظام، فإن التطورات الأخيرة من شأنها أن تشجع الولايات المتحدة على القيام بتحرك ولو محدود يلحق خسائر مؤلمة بالنظام ومن خلفه روسيا، وهو الأمر الذي حاولت الولايات المتحدة تجنبه، رغم أنها دأبت في تصريحات متضاربة على عدم نفيه بالمطلق، علماً أن ذلك قد يستدرج في المقابل رد فعل روسياً، ربما يأتي بدوره بتصعيد أميركي. وعموماً فإن ذلك كله سيتوقف على الأرجح على ردة الفعل الروسية إزاء التغييرات في الموقف الأميركي.

خامساً: طي ورقة التفاوض (في جنيف) بينما تستنزف كل القوى إمكاناتها عسكرياً وديبلوماسياً بحيث تكون أكثر استعداداً لقبول خيار المبعوث الدولي للمشاركة في حكومة انتقالية تبقي على النظام أو تعيد إنتاجه، حتى مع إنهاء حكم بشار الأسد شخصياً، علماً أن هذه مسألة من المبكر التحدث بتداعياتها، إذ إن ذلك يعتمد على مآلات التجاذب بين الرؤيتين الأميركية والروسية، كما يعتمد على كيفية إنهاء حكم الأسد.

أمام هذه الاحتمالات كلها ومردوداتها الكارثية، باعتبارها تثقل على الثورة السورية، بعد كل المداخلات التي أحاطت بها، يبقى هناك مجال لحركة المعارضة السورية، إن أقلعت عن الجمود، وأحسنت التصرف، بحيث تسعى إلى حسم أمرها وترتيب بيتها، وتشكيل قيادة سياسية - عسكرية تستحوذ على ثقة أوسع قطاع من السوريين لفرض حل سياسي عادل لا يهدر تضحياتهم ولا يبدد حلمهم بإقامة دولة الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية والديموقراطية.

هكذا تبدو خيارات السوريين معارضة ونظاماً شبه معدومة، على ما نلحظ، فالمعارضة بفعل العوامل الذاتية والمداخلات الخارجية تبدو قدراتها أقل من محدودة، وتتمثل في خيار واحد لا ثاني له هو تجاوز حال الانقسامات السياسية والعسكرية وتوضيح مواقفها من كل دخيل على ثورتها، بحيث لا يصبح ذلك عبئاً عليها وتتحمل كوارث ارتباطاته مع مشاريع غير سورية، ويجبرها على فتح جبهة جديدة إضافة إلى جبهتيها مع النظام و «داعش». وعليه يتوجب أن تحمل المصارحة بين قوى المعارضة مشروعاً سياسياً واقعياً يبعد كل العناصر غير السورية ويوفر خيارات الانضواء للسوريين في جيش حر واحد، وفي مشروع واحد يستعيد الأهداف الأولى للثورة السورية كثورة وطنية ديموقراطية تفتح على دولة مواطنين أحرار ومتساوين.

في المقابل أيضاً فإن النظام في تعنّته ورفضه تقديم أي بوادر لحل سياسي مقبول، ومضيه في تسليم البلاد لقوى روسية وإيرانية وميليشيات طائفية، يبدو فاقداً للخيارات ليبقى مقيّداً بمزاجية بوتين الذي لن يتوانى في لحظة المقاربات المقبولة روسياً تركه يتهاوى عسكرياً وديبلوماسياً كما الحال اليوم اقتصادياً.

========================

موقفنا : سوريون ويتفرجون على الجريمة ... والنصر بين أيديهم قريب .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

16/10/2016

يكتب الكثيرون منددين بالمواقف الدولية والإقليمية الرسمية والشعبية ، من جريمة حرب الإبادة تنفذ على مدينة حلب التاريخية بإنسانها وعمرانها، وحق كل ما يكتبه هؤلاء الكاتبون . ولكن الأعجب ، والأولى بالانتقاد ، والتوجيه ، والتدبر والتفكير هو موقف ( جماهير من السوريين) من حرب إبادة يشنها غزاة مستعمرون على إخوان لهم سوريين في الغوطة أو في حمص أو في إدلب أو في حلب . أو في دير الزور .

باعتراف بشار الأسد لم تعد المعركة في سورية بين ، ثوار ونظام ، بل هي كما اعترف للصحفية الروسية ( بين الروس والغرب ) . فكيف يتأتى لسوري أن يصمت وهو يرى الروسي والإيراني يثخن قتلا وتدميرا في أخيه السوري وهو لا يبالي ..

أين هؤلاء المتوسدون على أرائك القرار ، من القواعد الشعبية التي يزعمون أنهم يمثلونها ، وانهم يملكون مفاتحها ، لوضع برنامج عملي لتحريك الجماهير ، وتجييشها ، في إطار تظاهر سلمي ، وغضب شعبي ، يستكمل مسيرة الثورة التي يزعم الكثيرون ، أن العسكرة ، والتسليح قد أخرجتها عن سياقها ..

مهما قيل عن القبضة الأمنية في سورية ، فهي أضعف مئات المرات ، منها يوم خرج الثوار في آذار 2011 في دمشق وفي درعا وفي حمص وفي حماة ، وفي كل ميدان كنا نسمع الجماهير يفدّي بعضها بعضا ( حنا معاك للموت ) ، فهل كان هذا النداء مجرد فورة أطفأها لهب الواقع يصبه المعتدي الغاشم ، على معاقل الثورة الأخيرة ...

من حق أن نتساءل ، أين هم أهالي حلب الغربية مما يجري على أهلهم في حلب الشرقية ؟! أين هم سكان إدلب وحواضرها من التظاهر السلمي ؟! بل أين هم سكان حماة ومليونية ساحة العاصي ؟! أين هم وهم الأولى بالسؤال سكان دمشق ، حيث السفارات والوزارات وحيث النخبة السورية المدينية ، وحيث القيادات السياسية ، والمرجعيات المتعددة الأطياف ؟! أين هم ...؟! وإنما ندعوهم للخروج في مظاهرات أنيقة تنادي بوقف حرب التقتيل والتدمير والتهجير ..وأن يعوا أن الذي يجري على غيرهم سيؤول إليهم .

أين هم الإسلاميون وقياداتهم ، وأين هم العلمانيون ؟ وأين هم الليبراليون ، وأين هم القوميون ؟ وهل في هؤلاء من يؤيد حربا ( روسية – أمريكية) ومرة أخرى حسب تعبير بشار الأسد ، يكون ضحيتَها رجال ونساء وأطفال سويون ؟! ...

أين هي مرجعيات الطوائف (الكريمة ) من حرب الإبادة والتهجير تنفذ على مناطق حيوية في سورية التي يجب أن تبقى حبيبة إلى قلوب الجميع؟! كيف لنا ألا نعتبر صمتهم موافقة واشتراكا ، في الجريمة التي لا يكف منفذوها عن التصريح بأن حماية الأقليات على رأس أولوياتهم .

اطلعت ، في مشروع للجنة المفاوضات العليا ، على تعداد الخبراء 27 الذين انتدبتهم هذه اللجنة ، لوضع عقد اجتماعي سوري جديد ، يلتقي عليه السوريون ، ويجمع ما انفرط من عقدهم ، وبالنظرة العجلى وجدته يعج بممثلي هؤلاء الذين يقتلون ، أو يصمتون !!!

 العقد الاجتماعي لا يكتب بالحبر وإنما يكتب بالدم . العقد الاجتماعي لا تحفظه السطور وإنما تحفظه الصدور ، وعلى كل الذين تصدروا ليسطروا عقدا اجتماعيا للغد المأمول ، أن يقدموا للشعب السوري كشوف حساباتهم بأن يطلبوا ممن يزعمون أنهم يمثلون الخروج إلى الشوارع غاضبين منددين بقتل إخوانهم السوريين . ففي الميدان الحقيقي يسطر العقد الاجتماعي الحق ، بلا تزييف ولا تزوير ...

اليوم وقد أصبحت (حلب ) عُقر دار الثورة ، وهدفا لأعتى قوى الأرض ، تنتظر فقط أصوات متظاهرين سلميين تنادي : يا حلب حنا معاك للموت ، ليستبين الناس من بكى ممن تباكى . وليعلم المستبدون والطغاة أن حلب ليست وحدها في الميدان.

امتحان صعب على قيادات المعارضة وأدعياء قيادات المجتمع المدني في الخارج . ولكنه سهل وقريب على القيادات الميدانية . سلاح سهل وميسور وقريب يغلق على المجرمين أبواب الجريمة من حيث لا يحتسبون ...

لا يأس ولا استسلام ولا قنوط .

(( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

(مشنقة الكاوبوي)… من سورية إلى البحر الأحمر .. زهير قصيباتي

 الحياة

الاربعاء 12-10-2016

قد يكون مبكّراً استخلاص نتيجة وحيدة من قمة القيصر- السلطان في اسطنبول: بوتين صاحب القرار الأول في سورية وجحيمها يحاول «شراء» حياد رجب طيب أردوغان إزاء معركة تصفية كل الفصائل السورية المعارضة في حلب، لكي يتمكّن النظام في دمشق من ادعاء انتصار، يمكّنه من تجديد سيناريو الحل الجاهز: طاولة الحوار أمامنا، وأمامكم (معارضي الداخل) صك «الوفاق» والاستسلام.

يغري بوتين الشريك الجديد في تركيا بجزرة تطبيع كامل، بكل ما يعنيه من تبادل مصالح اقتصادية فضلاً عن التعاون الأمني- الاستخباراتي، ورغبة أردوغان في مدماك روسي لأول مفاعل نووي في بلاده. لذلك دلالاته بالطبع في صراع النفوذ الإقليمي بين أنقرة وطهران، فيما القيصر يجمع أحجار الدومينو، مستغلاً التبلُّد الأميركي أمام «انتفاضة» بوتين على مرحلة ما بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي.

على طاولة أحجار الدومينو، يمسك الثعلب الروسي بشراكة أمنية مع إسرائيل، وتحالف مصالح مع إيران، وأخيراً شراكة تجارة واستخبارات مع تركيا لـ «مكافحة الإرهاب» على رغم الفارق الكبير بين تعريفَيْ موسكو وأنقرة للإرهاب.

حتى الآن، لا يعاتِب السوريون الذين بالكاد يستطيعون إحصاء أرقام شهدائهم في «محرقة» حلب، حليفهم السلطان الذي يخاطب قاتلهم بكلمة «صديقي». وبين هؤلاء مَنْ يعتبر أن ما تفوّه به أردوغان في المؤتمر الصحافي مع ضيفه الروسي في اسطنبول، إنما يختصر حرب إبادة في حلب بمسألة الإغاثة التي لن تعطّل- إذا تأمّنت للمحاصرين- الخطة الروسية.

وطاولة الدومينو الرباعية، إن عنَتْ شيئاً فلن يكون سوى شطب القرار العربي، وإلحاح موسكو على تحييد الدور التركي في سورية حيث «تتدخّل واشنطن في شؤوننا»… والعبارة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي حذّر إدارة الرئيس باراك أوباما من التفكير في قصف القواعد الجوية والمطارات السورية، لأن في ذلك «لعبة خطرة جداً».

ولم يتردّد الوزير في التلويح بردّ، لأن روسيا تدخّلت في سورية استجابة لطلب من «حكومتها الشرعية، ولدينا هناك أنظمة دفاع جوي في قاعدتين، لحماية أصولنا». والأصول لا تعني أموالاً ولا مصارف ولا منشآت نفطية، بل جنوداً وقاذفات وأنظمة صاروخية، للدفاع عن نظام الأسد، والأهم تسريع مشروع بوتين لنشر قواعد عسكرية في المنطقة العربية.

وإن كان بعضهم يذكر تجارب السوفيات في مصر جمال عبدالناصر، وفي عدن، فهل من المصادفة تسريب الصحافة الروسية نبأ السعي الى استئجار مواقع عسكرية في مصر، وهو ما نفته القاهرة؟ وهل مجرد مصادفة عزف حلفاء موسكو في طهران على وتر التصعيد ضد السعودية، واقتداء شركاء إيران الحوثيين بالنهج الإيراني ضد المملكة (استهداف أراضيها بصواريخ باليستية)، وبأسلوب استفزاز البحرية الأميركية (في البحر الأحمر)؟

كله تنويع على الوتر الروسي الذي انقلب 180 درجة، ليلتف على أعناق ضحايا المحرقة في سورية ويؤسس لإمبريالية يريدها بوتين انتقاماً لانهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان مناصراً لقضايا العرب. ببساطة ينتقم الكرملين من الغرب «الشرير» باستباحة بؤر التوتر والحروب في المنطقة العربية، مدخلاً لإعادة التفاوض بعد شهور على مناطق النفوذ مع الإدارة الأميركية الجديدة. ولا يشذّ عن السيناريو ذاته، الطموح إلى تجديد القواعد «السوفياتية» التي أُغلِقت في فيتنام وكوبا.

يردّ الكرملين على «تسلُّل» الحلف الأطلسي إلى أوكرانيا والحديقة الخلفية للحدود الروسية، بعقيدة إحياء «الحق التاريخي لروسيا في أن تكون قوية»… في كل مكان، من البحر الأسود إلى البحر الأبيض، ومن قزوين إلى البحر الأحمر.

قبل أيام قليلة، تبنّى البرلمان الروسي طمع الكرملين بوجود عسكري دائم في سورية. تجاوزَ الدوما الحلم التوسُّعي لدى طهران بجعل البلد العربي المنكوب بأكثر من ثلاثمئة ألف قتيل وملايين المشرّدين «محافظة إيرانية»، رايتها «الحرس الثوري».

ولسان القيصر، بعدما رمّم طاولة الدومينو، أن الشراكة مع تركيا مرحلية، فتحييدها أولوية، مثل إلهائها بورقة «الإرهاب» الكردي… وأما إسرائيل وإيران، فالأولى مطمئنة إلى أمنها «اليهودي» بضمانة روسية، والثانية جندي على الأرض في معركة «روسيا العظمى» والأقوى، إلى أن تحين لحظة الحقيقة مع الغرب الحائر بأميركا الكسيحة.

موسكو، يردّد إعلامها أن «لا مفاوضات قبل حسم معركة حلب»، ولا يجد حرجاً، على هامش الاشتباك بـ «الفيتو» في مجلس الأمن، في وصف الوزير جون كيري بأنه «الكاوبوي الذي لفّ حبل مشنقته وسلّمه إلى روسيا».

========================

صدمات الأزمة السورية .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 12-10-2016

منذ ست سنوات تقريباً، والأزمة السورية تواجهنا كل يوم بصدمةٍ، وتُسقط من حولنا أقنعةً، وتصفعنا في وجوهنا بقوة، حتى أيقظتنا على عالمٍ لا نعرفه، وهو بالتأكيد غير الذي كنا نظن أننا نعيش فيه. اعتقدنا وهلةً أننا بتنا نعيش في عالمٍ "متحضّر"، لا يمكن أن يسمح لديكتاتور، أي ديكتاتور، بتكرار مستويات عنفٍ أقلّ كثيراً مما شهدته حماة قبل ثلاثة عقود. في ذلك الوقت، تمت المذبحة بصمت، فلا صور ولا أخبار ولا صرخات للضحايا، تستفز العالم "المتحضّر" لنجدتها. ثم إن المذبحة تمت في ظروف الحرب الباردة وثنائية القطبية، حيث لا حديث عن تبعاتٍ سياسيةٍ، ولا بحث في مسؤوليةٍ قانونيةٍ في عالم جمّدت مشاعره الواقعية، بنسختها الكيسنجرية. في ذلك الوقت أيضاً، لم تكن الإنسانية قد اخترعت بعد شيئاً اسمه محكمة الجنايات الدولية (بدأت عملها في أول يوليو/ تموز 2002)، لردع مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، كما أن الأمم المتحدة لم تكن قد أقرّت بعد مبدأ المسؤولية في الحماية (R2P)، حيث للمجتمع الدولي الحق في التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، في حال ارتكبت حكومتها جرائم تطهير أو إبادة بحق مواطنيها. كانت القناعة، كل القناعة، أنّ ما حصل في سبرينيتسا في البوسنة، وحتى في الشيشان وميدان تيان آن من في بكين أصبح وراءنا. لم لا ونحن نعيش فضائل القرن الحادي والعشرين، حيث تنتشر تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وتتحول قيم الحرية إلى قيم عالمية، وترتقي الإنسانية.

على الأرض، وفي الواقع، كانت الأمور جداً مختلقة، اذ تجاوزنا في سنة الأزمة الأولى ما جرى في سبرينيتسا، وباتت مذابح راوندا وبورندي اليوم وراءنا، والأرجح أننا في الطريق إلى استعادة تجربة "الخمير الحمر" في كمبوديا، حيث قضى نصف السكان (4 ملايين نسمة) على يد ديكتاتورية بول بوت العسكرية بين 1976-1979، والعالم يراقب، وهو لا يلوي على شيء.

لم تقتصر الصدمة على اللامبالاة التي أبدتها حكومات العالم "المتحضر" تجاه المأساة السورية، بل تجاوزها الأمر إلى الشعوب والرأي العام الغربي الذي صدمنا، هو الآخر، بمقدار لا إنسانيته ولا مبالاته، فسورية ليست ضحية الإمبريالية الأميركية، حتى يخرج بمظاهرات مليونية للتضامن مع شعبها. هنا، يبدو بجلاء أن مشكلة الرأي العام الغربي اليساري التقدّمي لم تكن يوماً مع فعل القتل، بل مع هوية القاتل، فتجده يلوذ بالصمت، إذا كان القاتل من الجنس "الممانع" الروسي أو السوري أو الايراني، أما إذا كان القاتل "إمبريالياً" فالويل له والثبور وما يليه من عظائم الأمور. ولو أن تحرّكاً أميركياً أراد اليوم، مثلاً، استهداف "الممانعين"، لوجدت شوارع لندن وبرلين وغيرها من عواصم الغرب تنتفض، كما فعلت يوم غزو العراق، لمقاومة العدوان الأميركي على سورية.

صُدمنا أيضاً بمواقف نخبٍ عربيةٍ طالما ادّعت النضال في سبيل الحرية، وطالبت الشعوب بالبذل في سبيلها، فلما تحرّكت هذه، وصفت بالغوغائية والتطرّف والإرهاب والتكفير والسقوط ضحية مؤامرة خارجية. صُدمنا بموقف حزب الله وطائفية مشروعه المقاوم، وبمخزون العنف والحقد الكامن فيه، كما أسأنا تقدير حجم المشروع الإيراني، وأبعاده التدميرية وخططه لتفكيك الدولة العربية من دواخلها، وحكمها بمليشيات طائفية، مرجعياتها ايرانية. أسأنا تقدير حجم التغيير الذي حصل في تفكير النخب الأميركية تجاه المنطقة العربية، بعد أحداث "11سبتمبر" وغزو العراق. كما أسأنا تقدير مدى التزام روسيا بمشروع الأقليات في المشرق العربي، ومدى خوفها مع الصين من ثورات الربيع العربي، وخطورة امتدادها اليها، وإصرار الاثنتين على إحداث تغيير عميق في بنية النظام الدولي، بالاستفادة من حالة الانكفاء الأميركي. أسأنا بالتأكيد تقدير مدى التزام العالم "الحر" بقيم الحرية ونشر الديمقراطية، عندما يصل الأمر إلى العرب والمسلمين. فوجئنا بعدم إدراك الدول العربية (الخليجية خاصة) أبعاد الصراع في سورية، وعدم تقديرها أن مصيرها، لا بل وجودها، معلقٌ بنتيجته، فظهرت بمظهر الداعم أو المساند للسوريين في خوض معركتهم، بدلاً من أن تخوض هي المعركة بهم ومعهم.

بالنتيجة، أسأنا الحسابات، تلقينا صدماتٌ عديدة، وفاتتنا أكثر التقديرات، ووصلنا إلى الحال التي وصلنا إليها. الآن، ليس أمامنا وقد وعينا ذلك كله إلا أن ننظر إلى الأمام، ونواصل المسير، وكلنا أملٌ في ألا نستمر في إساءة التقدير.

========================

فصائل الجيش الحر وخيارات "النصرة" .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 12-10-2016

يطرح الواقع الدولي، وقرارته المتعلقة بالوضع السوري، أمام المعارضة السورية مسؤولية توضيح خياراتها تجاه الواقع الذي تفرضه جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً)، خصوصا أنها لا تعترف بالثورة ولا بكياناتها. أيضا لا تستطيع المعارضة التملّص من المسؤوليات الواجبة عليها، والناتجة من سياسات هذه الجبهة؛ خصوصاً في ظل أوضاعها الصعبة، وقدراتها المحدودة والمداخلات الدولية والإقليمية في الشأن السوري. من زاويةٍ أخرى، لا تستطيع المعارضة الوقوف صامتةً إزاء تجاهل هذه الجبهة الأوضاع المأساوية التي يمر بها السوريون، والظروف المعقدة التي تمر بها الثورة، ولا تجاهل الموقف الدولي والإقليمي الحاسم في طلبه من المعارضة، بكياناتها السياسية والعسكرية، ضرورة النأي عن هذه الجبهة، خصوصاً مع كل الأضرار والتداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن ذلك على شعبنا وثورتنا.

السؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق: ما هي علاقة ثورتنا بجبهة النصرة؟ أو بالأحرى ما علاقة هذه الجبهة بالثورة؟ أي أن هذا السؤال لا علاقة له بأي خلفياتٍ، لا سياسية ولا فكرية، ولا بمواقف مسبقة، لا سلبية ولا إيجابية، إذ ينطلق من واقع موضوعي.

منذ قامت هذه الجبهة، شكلت حالة افتراق عن الثورة، فهي لم تر في نفسها جزءاً منها، ولم تتبنّ أهدافها، ولم تنضو في كياناتها، ولا حتى رفعت علمها، بل إنها ناهضت ذلك كله، معلنة انتماءها لتنظيم القاعدة، ولمشروع آخر مختلف، ومتبنّيةً ثقافةً غريبة عن ثقافة السوريين، ومنها الإسلام المعتدل والمسالم (وإن أعلنت افتراقها عنها أخيراً بتغيير اسمها)، أي أن هذه الجبهة لم تقطع مع الثورة السورية فقط، وإنما قطعت أيضا مع مجتمع السوريين متنوع ومتعدّد الثقافات.

المؤسف أن هذه الجبهة أيضاً ظلًت قريبة من "داعش"، حتى أن التنقل سهل جداً بينهما، وعلى الرغم من اقتتالهما في هذه المنطقة أو تلك، بين فترة وأخرى، إلا أنهما أقرب إلى بعضهما في الثقافة والأيديولوجيا السياسية، وفي التعصب الديني والإكراه والعنف في مواجهة المجتمع.

وللتذكير، ليست سيرة جبهة النصرة مع جماعات الجيش الحر أفضل حالاً، إذ إنها لعبت دوراً كبيراً في قضم المناطق التي كان يسيطر عليها هذا الجيش، وفي إضعافه وإنهاكه، بعد استهدافها له، ولمقرّاته ونهبها مستودعاته.

أيضا، المناطق المحرّرة التي تسيطر عليها هذه الجبهة (وبعض قوى أخرى) لم تستطع أن ترضي السوريين، باعتبارها بمثابة أنموذج بديل عن نظام الأسد، لأنها اعتمدت القوة والإكراه في فرض سلطتها، بل وتصوّراتها واجتهاداتها عن الدين والمجتمع والمرأة، وتدخلها الفظ في الشؤون والمسلكيات الشخصية، إذ نمّى ذلك كله مخاوف السوريين من مختلف المكوّنات من هذه الجبهة وإمكان تحكّمها بهم، وقد تم التعبير عن ذلك في مظاهراتٍ عديدة ضدهم في درعا ودمشق وسراقب والمعرّة مثلا.

لا أقلل من جهد الجبهة في مقاتلة النظام، لكن هذا الجهد قام به أبناؤنا الذين لم يجدوا أمامهم

"شكلت "النصرة" حالة افتراق عن الثورة فهي لم تر في نفسها جزءاً منها، ولم تتبنّ أهدافها" سوى هذه الجبهة، لسبب أو لآخر، ثم إن من دفع الثمن هم أهلنا أيضاً الذين خضعوا للقصف والحصار والجوع والتشريد، بسبب هيمنة الجبهة على مناطقهم، وطريقتها في الصراع العسكري ضد النظام، مع ضعف الإمكانات العسكرية، والاعتماد على دعم هذه الدولة أو تلك، وهو دعم محدود ومقيّد، ولا يتناسب مع ما تحاوله هذه الجبهة، كما ثبت بالتجربة.

وعليه، لا يجوز لهذه الجبهة، ولا لغيرها، أن تمنن على شعبنا بجهدها العسكري في مقاتلة النظام، لأن هذا لم يؤثر في تغيير موازين القوى منذ أكثر من أربعة أعوام، ولأن إمكاناتنا محدودة في العمل العسكري، والدعم العسكري يأتي بالقطارة. وأقصد أن على من اختار هذه الطريق أن يُخضعه للمساءلة والمحاسبة، وعليه أن يقدّر تضحيات شعبنا وعذاباته نتيجة هذا الطريق، فكيف إذا علمنا أن ذلك أتاح للنظام تحويل البيئات الشعبية إلى مناطق محاصرة، أو فارغةً بعد البطش بسكانها أو تشريدهم؟

الأهم أن هذه الجبهة، في ما تطرحه من أفكار، أثارت المخاوف عند كل مكونات السوريين منها، (وضمنهم السنة)، ومن الثورة عموماً، وأضعفت التعاطف الدولي مع قضيتنا، وأثارت الشكوك حول مطالبنا بالحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

أكرّر، ليست القصة ما تتبناه هذه الجبهة من أفكار، ولهذا نقاش آخر، وإنما في أنها لا تعتبر حالها جزءاً من الثورة، وأن لديها مرجعية أخرى، ومشروعاً مختلفاً، أيضاً في أن طريق هذا الجبهة يفضي إلى إعادة إنتاج الاستبداد، وفي أنها تعتبر نفسها وصيةً على الإسلام والمسلمين، وأنها ترى حتى الجماعات الإسلامية الأخرى، والتي تحظى بتأييد واسع، ضالةً أو منحرفة، وأنها تستخدم القوة والقسر لفرض رأيها.

ليست هذه دعوة إلى نفض اليد، وإنما لنقاش آثاره حديثٌ مع أصدقاء، مفعم بروح المسؤولية إزاء كيفية التعامل مع ظاهرة جبهة النصرة، بعد أن أضحت عبئاً على السوريين، بسبب مواقفها وتصرفاتها التي ثير مخاوفهم، وأيضاً بسبب المطالبات الخارجية. في النقاش المذكور، طرح سؤال مفاده إن كانت جبهة النصرة، وأخواتها، تستطيع إسقاط النظام في ظروف تشرّد أغلبية السوريين، وخروجهم من معادلات الصراع، وفي الظروف العربية والدولية والإقليمية الراهنة؟ وفعلاً، يجيب سؤالٌ كهذا على كل شيء، فمن غير المسموح لهذه الثورة أن تسقط النظام وفق منطق هذه الجبهة، ومن غير المسموح تمكين هذه الثورة من تحقيق هدفها بإسقاط النظام من دون التكيف أو المواءمة مع معايير الواقع الدولي والإقليمي الراهن.

في هذا الوضع، لا مناص من إبداء الضغط على هذه الجبهة، أو على العناصر الخيّرة فيها، لترشيدهم إلى هذا الواقع الصعب، ووضعهم أمام خيار الانحياز لمصلحة شعبهم، للتخفيف من معاناته وعذاباته، إذ لن يجدي الإمعان في الطريق الأحادي والإقصائي، ولن يوصلنا إلى شيء، بل هذا يفيد النظام، ويخدم تعويمه، سيما أنه كان، منذ البداية، يجرّنا إلى حربٍ أهلية وطائفية لنعت الثورة بالإرهاب، وبالحرب الدينية.

لذا، من مصلحة شعبنا وثورتنا وضع حد لهذا الإرباك، الناجم عن وجود جبهة النصرة، وتجاوز تداعيات الموقف الدولي والإقليمي المناوئ لها، بتأكيد الطابع الوطني الديمقراطي لثورتنا من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، ولاسيما بوضع حد لتشرذم الكيانات العسكرية، من خلال الانصهار في كيان واحد يكون هدفه تحديداً حماية البيئات الشعبية الحاضنة للثورة.

وعلى الرغم من أني لا أعتبر أن الثورة أتت من رحم الكفاح المسلح، بل إن ذلك جاء في معرض الرد على انتهاج النظام أقصى العنف ضد الثائرين بوجه استبداده وقمعه وتنكّره لاستحقاقات الحرية والكرامة والمواطنة التي طالبه بها الشعب السوري، إلا أنني أجد نفسي مضطرةً للتعامل مع هذا الواقع على أرضية الحفاظ على سلامة مسار الثورة، وتحقيق أهدافها.

========================

سوريا والعقلانية السياسية .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 10/10/2016

راح جمع من الدبلوماسيين والسياسيين العسكريين يعلنها دون غمغمة، بأن الحل في سوريا انتهى إلى أن أصبح عصياً على جهود المجتمع الدولي في الخيار السلمي. وانتهى الأمر إلى الاعتقاد بأن العالم عاد إلى «الحرب الباردة» ومن ثم إلى كل أشكال الحروب المباشرة، وبالوكالة، وعبر الدبلوماسية، وأخرى بصيغة قتال مفتوح، ناهيك عن الحروب المتنوعة المتتالية حتى تلك الكيميائية، وربما كذلك «النووية»! تجد سوريا الآن نفسها أمام أقوام من ذوي المصالح المتعددة والباحثين عن موطئ قدم لها في الوطن السوري: في الاقتصاد والثقافة والفن. الشعب السوري أسهم مع كثير من الشعوب في تكوين حضارة الشرق الأدنى والأقصى وما يقترب من حضارات أخرى، منها الأوروبية الوسطية. كما يلفت النظر التكوين الطبيعي لسوريا، الذي أسهم ويسهم في إرساء حضارة زراعية خصيبة يعمل فيها شعب يتشكل من عدد مفتوح من الطوائف والمذاهب الدينية، إضافة إلى تعددية ثرية في الأعراق والإثنيات، ما يضفي على الأمر خصوصية بالغة الأهمية من التعايش الديني والإثني والطائفي.

والأمر الذي لم يدع سوريا تنمو بمقتضى القوانين الطبيعية والمجتمعية والسياسية - الثقافية، التي واجهتها على امتداد تاريخي مديد، خصوصاً في العصر الحديث بسبب العثمانية والمطامع الكولونيالية، حتى انتهت إلى استقلالها الوطني.

ولعل التاريخ السوري الحافل بمواجهات الخارج النازي والداخل المُصادر في معظمه قدم «أسباباً» لانتهاء ذلك التاريخ. فالصراع الذي نشب في سوريا مع بداية الأحداث الدامية الراهنة، عام 2011 فاق كل ما سبقه. والأمر اللافت ها هنا أن ذلك الصراع أتى بمحاولة لفْت نظر السلطات آنئذ للاهتمام بقضايا الإصلاح وقضايا التقدم، وإنْ بطرق ووسائل مناسبة متدرّجة، وللأسف، جرى تجاهل ذلك، وهذا ما عمق الحكم الخطير التالي: إن تحقيق حدود معينة ومفتوحة من قضايا الإصلاح والتقدم في سوريا، مع بداية عام 2011، كان يمكن أن يعادل اللّف على ما أتى بعد ذلك من اشتعال للنار، وبعبارة أخرى نقول: لقد كان تناول القضايا المتعلقة بذينك المذكورين، الإصلاح والتقدم، يمكن أن يكون معادلاً لوجود سوريا نفسه، إضافة إلى الاستمرار في تدفقه واتساعه بحدٍّ من حدود الديموقراطية وآفاقها المفتوحة.

لقد رُفض ذلك المطلب التاريخي الشرعي، فظهر البديل الجهنّمي، هو الحرب والتدمير والتفكيك، على نحو غير مسبوق حقاً، وعقّد الموقف أكثر فأكثر أن معالجة المسألة بمحاولات تهجير عرقي طائفي من مناطق إلى أخرى ضمن الوطن السوري، وربما كذلك إلى خارجه، وهذا أحدث صدمة هائلة في ذاكرة السوريين التاريخية، كما في حياتهم المشتركة وازداد ذلك مع الأسف والأسى، أن هنالك من كان يعمل على إدخال مجموعات أخرى ومن بلد أو آخر حول سوريا إلى تلك المناطق التي أُفرغت.

وجاءت ثالثة الأثافي لتتركز في اندلاع حرب اخترقت الأكوان في المدينة الأكثر قدماً وعراقة في التاريخ، نعني حلب، أما المقاتلون، فبالطبع سنجد تباينات بينهم في المسكن والأفكار الإيديولوجية والانتماءات الطائفية، ولكنهم كلهم سوريون يعملون على مواجهة الغرباء، وهذا يعني ما وُجد على امتداد التاريخ السوري، نعني أن السوريين ينتمون إلى الوطن السوري الموحد طبيعياً جغرافياً وبشرياً: هذا ما تعلمه الكبار والصغار في مدارسهم، أما ما يُلجأ إليه من أساليب غريبة على السوريين، مثل القتل والتهجير، فهذا أمر يُؤسف له.

سوريا بلد الشهامة والتآخي والعقلانية السياسية بما يشوبها من حكمة واحترام للوطن، هي التي تستطيع أن تواجه الظلامية السياسية والعقلانية والدينية، ها هنا نضع يدنا على ما يجعلنا جديرين بوطن غذّى العالم برمته بمبادئ احترام الأوطان والشعوب.

========================

صوتان لنظام السيسي في مجلس الأمن .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 10/10/2016

تصويت مصر على مشروعي قرارين متناقضين في مجلس الأمن، يدعو أحدهما (الروسي) صراحة إلى شرعنة الاحتلالات الروسية والإيرانية وتهديد وجود الشعب السوري، لا يتسق منطقياً مع الدور المفترض لمصر سياسياً، ولا مع سياق مصالحها الأمنية والسياسية، ولا مع النسق الذي يجتمع في إطاره شعب مصر مع باقي الشعب العربي في المنطقة.

يعبر الإقليم، في هذه اللحظات، أحد أخطر مراحله السياسية، حيث يجري التأسيس لمشاريع جيوسياسية بعيدة المدى، وتعمل الأطراف على إحداث تغييراتٍ عميقة في جغرافية المشرق، تنذر بتغيير هوية هذه المنطقة اجتماعياً وإعادة تركيبها سياسياً بما يتفق مع طموحات أصحاب تلك المشاريع. وعلى وقع ذلك، يبدو من الطبيعي أن تتشكّل، لدى الدول الإقليمية، صغيرها وكبيرها، غرف عمليات لمواجهة هذه العاصفة، لكن الخفّة التي ظهرت بها مصر في مجلس الأمن تستدعي التساؤل عن الطريقة التي يدير فيها نظام القاهرة المتغيّرات الإقليمية الجارفة وطبيعة المقاربة التي ينطلق منها؟.

تمثلت مكانة مصر وعبقرية سياستها على مر العصور، على الأقل منذ زمن محمد علي، بقدرة قياداتها السياسية على دمج طموحها بتطلعات الأقاليم المجاورة، وطالما شكّل هذا الأمر محرّكات فاعلة لنجاح سياسات مصر وتوليد أيديولوجيا تعبرعن المرحلة وتطلعاتها. كان قادة مصر، على الدوام، يستشعرون الحساسية السياسة لحضور مصر وفعاليتها، لذا عرفوا أن تظهير هذا الدور مثلما يحتاج الجرأة والإقدام يحتاج القدرة على التقاط الظرف المناسب للعب أدوارهم، وتمريرها في سياقات طبيعية.

جعلت تلك السياسات مصر دائما في موقع اللاعب الإقليمي، الذي لا يمكن تجاوزه في أية ترتيبات، بل تجاوز تأثيرها دائرة نفوذها بكثير في بعض المراحل، صحيح أن مشاريع مصر الإقليمية كانت قد تعرّضت لنكساتٍ كبرى، نتيجة توسيع بيكار مساحة الأدوار حيناً، وحصول

"ما زال نظام السيسي يشتغل على أساس أن الربيع العربي أم المخاطر، من دون أن يدرك أن المخاطر تتغير وتتبدّل، ويتوجّب معها تغيير السياسات والمدارك" متغيرات دولية طارئة أحياناً أخرى، لكنها كانت، في كل مرحلةٍ، تؤسس واقعاً جديداً في مجالاتها الجغرافية، واقعاً وإن كان يحد من فعالية مصر، لكن الأمور لا ترجع معه إلى الخلف، وحتى بعد خسارتها كانت تبقى لاعباً مؤثراً ويحسب حسابه.

أما أن تصل مصر إلى مرحلة من الإسفاف بأن تتخلى عن موقعها ودورها وتنشغل السياسة فيها بسفاسف الأمور، فذلك انحراف خطير في مسار صنع السياسات الإقليمية وحتى الأمنية، والذي طالما اعتبر جزءاً من صناعة السياسة الداخلية، نظراً لمعادلات الترابط والتأثير بين الأمن الداخلي لمصر والمتغيرات الحاصلة على الحدود وفي البر الجغرافي الممتد من إيران وتركيا شمالاً حتى إثيوبيا جنوباً، ومن مراكش في الغرب حتى الخليج في الشرق، بحكم شبكة المصالح المصرية والانتشار البشري المصري في تلك الأقاليم.

كيف لمصر أن تتساكن مع العزم الروسي على احتلال بلد عربي، بما يجعل احتمالات تفكّكه حاضرةً بنسبة كبيرة، نتيجة اصطفاف روسيا مع أحد أطراف الصراع، والذي لا يخفي موقعه في الصراع طرفاً طائفياً؟ وكيف لا تتنبه للمخاطر التي يرتبها السلوك الروسي تجاه الكتلة الأكبر من الشعب السوري على الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي في المنطقة؟ ألم تكتشف القيادة في مصر أن شبكة قنوات تغذية الأفكار مترابطة إلى مدى بعيد في الجغرافية العربية، وأن التأثيرات الحاصلة في بلد عربي ما تنتقل بأسرع من رفّة جناح الفراشة؟

وكيف لا تستشعر الخطر الإيراني الذي يهدف، بدرجةٍ كبيرة، إلى تفكيك النظام الإقليمي، وعزل مكوناته وإضعافها، وقد شكل هذا النظام الحاضنة الطبيعية لمصر التي لا يمكنها تأسيس أي شكلٍ من الأدوار والنفوذ، من دون دعم تلك الحاضنة وتدعيمها؟ أي نظام إقليمي سيبقى، بعد أن يستتب الوضع لإيران في سورية والعراق. يقول المنطق إن مصالح مصر تستدعي عرقلة المشروع الإيراني ومحاربته، والوقوف ضد روافد دعمه، حتى لو كانت مشتبهة وغير مؤكدة، فما بالنا وروسيا تعمل علناً على تكريس الهيمنة الإيرانية في المنطقة، بل لم يخجل وزير خارجيتها بالتصريح أن بلاده لن تسمح للأكثرية العربية في الوصول إلى الحكم في سورية، ما يعني بوضوح تسليم البلد لإيران وأتباعها.

كيف يقارب المطبخ السياسي المصري كل هذه التطورات، ومن أية زاوية نظر يقرأها؟ هل يعتقد أنها تحمل له فرصاً معينة، تدفعه إلى تسهيل موضعتها؟ وما هي الفرص التي يمكن انتظار تسربلها من القبضتين الروسية والإيرانية، بعد سيطرتهما على الجناح الشرقي في العالم العربي؟ بالتأكيد، ستشكل هذه التطورات اتجاهات الأحداث القادمة في المشرق، والتي إن لم تجر مقاومتها الآن، في ظل وجود فرصة دولية وإقليمية مواتية، لن يمكن تغييرها مستقبلاً، وستنتج عنها، بالضرورة، صياغة شبكة علاقات إقليمية تحتل مصر فيها وضعية دفاعية ودوراً هامشياً، وسينعكس هذا الأمر على مصالحها واستقرارها الداخلي.

استطاع نظام السيسي هضم موقفين متناقضين في مجلس الأمن برفّة عين، وهو لم يستطع احتضان إقليمه العربي النازف، ولا الجزء الأكبر من شعبه المختلف معه سياسياً، وما زال يشتغل على أساس أن الربيع العربي أم المخاطر، من دون أن يدرك أن المخاطر تتغير وتتبدّل، ويتوجّب معها تغيير السياسات والمدارك.

========================

لماذا تعثّر البديل السوري روسياً؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 11/10/2016

في واحدة من زيارات المعارضة السورية إلى موسكو، كان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يسأل من يقابلهم: هل لديكم علاقة مع الجيش والأمن تمكّنكم من ضمان ولائهما لكم؟ وهل يمكنكم إدارة البلاد بطرق منظمة وشرعية، إذا قرّرنا التخلي عن الأسد؟ هل لديكم، في المقابل، "مونة" على الجيش الحر ومقاتلي التنظيمات المتطرّفة تمكّنكم من إقناعهم بِ، أو إرغامهم على، احترام نظامكم الجديد، واستعادة الأوضاع الطبيعية في البلاد، وحماية جميع مكونات شعبكم، وصيانة مؤسسات الدولة ورعاية المجتمع، وحماية جيرانكم والعالم من فلتان القوى المسلحة المتناقضة والمتصارعة التي، إن تصارعت على السلطة، انخرطت في صراعٍ سينتج حالات عنفٍ قد تجدّد الحرب في سورية، وتفجّرها في البلدان المجاورة ثم في العالم، إذا ما رجحت كفة التنظيمات المتطرّفة، ووجد الجوار السوري نفسه مجبراً على العودة من جديد إلى سورية، وتسبّب في مشكلاتٍ يصعب حلها، ستكونون أول من يدفع ثمنها الفادح الذي ستنتجه مصالحها المتناقضة وخلافاتها؟

لم يتوقف لافروف عند الجانب الحقوقي من الحدث السوري، الخاص بشرعية ثورة الحرية وحق الشعب السوري في تقرير نمط نظامه، ولم يكترث لضياع شرعية النظام، ورأى الوضع السوري بعين بلاده وبدلالة مصالحها. لذلك، وبدل أن ينطلق في موقفه من الإقرار بحقوق السوريين، وشرعية ثورتهم، نظر إلى النظام البديل الذي يطالبون به بمنظارٍ يرى مصالح (وصراعات) الدول الكبرى وحدها. لذلك أخبر محادثيه أنهم لن يحافظوا على مؤسسات النظام، في حال وقع التغيير الذي يطلبونه، الأمر الذي ستترتب عليه مشكلاتٌ خطيرة بالنسبة

"تقاسمت واشنطن الهموم الروسية، في ما يتصل بقدرة الثورة على تقديم بديل فاعل للأسدية، وبالموقف منها جهةً تضمن مصالح دولية، يرجّح أن تضيع، في حال تسرّع العالم في التخلي عن الأسد، أو مكّن الثورة من إسقاطه" لمن يحتاج إليها، وخصوصاً روسيا التي تواجه تحدياتٍ خطيرة، بينما تمر بمرحلة تحولاتٍ هيكليةٍ تتحدّى استقرارها، وتنقلها من نظام اقتصادي/اجتماعي/سياسي إلى نقيضه، في ظروفٍ تتعثر فيها بناها الجديدة، وتواجه ظروفاً دولية غير ملائمة، ذات نتائج بعيدة المدى، وغير مسيطر عليها، بالنسبة إلى أوضاعها، بما أن من يصنعها هم خصومها الغربيون.

بميلنا إلى رؤية الخارج، بدلالة الطابع الشرعي لثورتنا ووضعنا الذاتي، وميل لافروف إلى رؤية أوضاعنا بدلالة تناقضات وتشابكات تمسّ، في رأيه، بمصالح الخارج عموماً، وروسيا خصوصاً، تحول كل حديث مع لافروف إلى حوار طرشان. يتحدّث عن موضوعين مختلفين أشد الاختلاف. ومع أن بعض المعارضة عرض عليه تعاوناً مفتوحاً يعطي روسيا الحق في استخدام الموانئ السورية، وفي بناء جيشها الوطني الجديد، وإعادة إعمارها، فإن عروضه لم تلق آذاناً صاغية لدى وزير الكرملين الذي كرر دوماً أن مشكلات سورية ستستمر وتتصاعد، في حال انتصرت الثورة، وستمثل تهديداً للوضع الدولي، ولعلاقات بلاده بالدول الغربية، وستنزل بها قدراً كبيراً من الضرر، وستضرّ بقدراتها وعلاقاتها الخارجية، وما تنتهجه من سياسات. كان لافروف يخشى أن تضعف أية خطوةٍ يقوم بها لصالح الثورة مكانة روسيا في سورية، المضمونة بنظام أسدي يخدم مصالحها القومية، عبر محافظته على مؤسساتٍ لعبت دوراً مهماً في بنائها، تخشى موسكو أن يقوّض غيابها قدرتها على استعادة الموقع الذي ستخسره بتخليها عن الأسد، في ظل منافسةٍ شرسةٍ مع أميركا والدول الغربية التي يرجّح أن تحتل مكانتها في دمشق، فليس في وسعها التخلي عن نظامٍ قاتل، لكنه يخدمها، في وضع دوليٍّ ليست موسكو الطرف الذي يضبط توازناته، ويوجه تطوراته، ويرجّح أن تزيده خسارة سورية ضعفاً على ضعف. من جانبها، تقاسمت واشنطن الهموم الروسية، في ما يتصل بقدرة الثورة على تقديم بديل فاعل للأسدية، وبالموقف منها جهةً تضمن مصالح دولية، يرجّح أن تضيع، في حال تسرّع العالم في التخلي عن الأسد، أو مكّن الثورة من إسقاطه.

والنتيجة، وازنت روسيا بين مصالحها وحقوق الشعب السوري، فتمسّكت بالنظام الأسدي، وزاد من دعمها له أن المعارضة لم تقم بأي جهدٍ لكسب جيش النظام وأمنه، أو لاختراقهما، وبناء بديل لهما، إلى جانب إلزام الجيش الحر بخياراتها وقبوله بقيادتها، وإضعافها التنظيمات المتطرّفة وتهميشها، ووضع حد للخلافات التي استهلكت قواها، ودار معظمها حول محاصصاتٍ تتصل بتياراتٍ متناقضةٍ أرادت السيطرة على مؤسستها الرسمية، المعترف دوليا به، مؤسسة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية التي لعبت انقساماتها وصراعاتها دوراً خطيراً في ما أصابها من شلل وعطالة، وعزلةٍ عن الشعب. بسلبيتها حيال مشكلات الثورة، تعزّزت الهوة بين المعارضة والداخل، وتفاقمت مشكلاتها مع الخارج، وزاد طينها بلةً اعتقادها أن القبول بالحل السياسي ومفاوضات جنيف هما كل المطلوب منها ، وأن القرارات الدولية الخاصة بالحل تعطيها السلطة، وإن كان العالم غير مقتنع بأهليتها، ومؤمناً بعجزها عن نقل سورية إلى نظام بديل، وبأن أي حل سياسي سينقلب إلى مشكلة دولية، وسيطلق صراعاتٍ لا مصلحة لأحد فيها. لذلك ابلغ المعارضين مرات عديدة أن بلاده قرّرت عدم الموافقة عليه، ولتذهب حقوق السوريين وثورتهم إلى الجحيم.

لم تقبل روسيا إغراءات المعارضة الوهمية، وفضّلت التعامل مع النظام، باعتباره حليفاً يجب دعمه ضد معارضيه الذين فشلوا في تحويل أنفسهم إلى بديل له، وانحازوا إلى خصمها الأميركي، وعجزوا عن توحيد الجيش الحر والفصائل العسكرية، وعن إخضاعهما لقيادة سياسية/ ميدانية مشتركة، فلا عجب أن موسكو لم تجد نفسها مجبرةً على تغيير مواقفها

"توهمنا أن روسيا التي قطعت علاقاتها بالشيوعية صارت حقاً نصيراً للديمقراطية، سيضع حريتنا فوق مصالحه" وخياراتها منا، وعلى أخذنا بجديةٍ وقبول مطالبنا، وبالتالي، تغيير موقفها من النظام الأسدي، تحت ضغط خطواتٍ تستكمل من خلالها شرعية الثورة الوطنية والديمقراطية القانونية التي سيكون من الصعب عليها تجاهلها، وإلا خسرت مكانتها في بلادنا ومصالحها فيها، بانتقالنا من سياسةٍ تستند على فكرة الحق إلى واقعٍ نتحكّم بمفاصله، ونسيطر عليه، يقنع العالم بقدرتنا على تحقيق مطالبنا، وبأننا الطرف الذي يضمن مصالحه.

بالقطع مع طريقةٍ ألفنا النظر إلى أمورنا من خلالها، غربتنا عن واقعنا، وحالت بيننا وبين القيام بأفعال منسقة ومنظمة، قادرة على ردم الهوة بيننا وبين مجتمعنا، وتصحيح أولوياتنا، فلا يأخذنا تفكيرنا الحقوقي إلى خارج السياسات الدولية وواقعنا في آنٍ معا، ونخرج مما نحن فيه كشكّائين شكاكين، يكتفون بمواقف تنوس بين إدانة العالم وتجريمه وبين شتمه بأشنع الألفاظ، كما نفعل كل يوم.

أدرك الروس عجزنا، فتجاهلوا حقوقنا. وكنا نتوهم أن معسول وعودنا سيقنعهم بتأييدنا، وحين بانت عبثية سلوكنا التي أقنعتنا أننا ما زلنا نتعامل مع الاتحاد السوفييتي، أو مع شيوعيين يؤمنون بحق الشعوب في اختيار نظامها السياسي/ الاجتماعي، وتقرير مصيرها بنفسها، لم نراجع أنفسنا، ربما لأننا لم نفهم أن الدول تسيرها السياسات التي تعود بأقل ضرر على مصالحها، وفاتنا أن العالم أدار ظهره قرناً وربع القرن لحقوق الفلسطينيين ولقراراته الدولية بشأنها، وتوهمنا أن روسيا التي قطعت علاقاتها بالشيوعية صارت حقاً نصيراً للديمقراطية، سيضع حريتنا فوق مصالحه. وحين تبين لنا أنها لن تفعل، قاطعناها وأعلنا العداء لها، بدل أن نرسي حقوقنا على أرضيةٍ ثوريةٍ، لا تترك لها خياراً غير مراجعة موقفها بما يخدم أهدافنا، لأن تحقيقها يخدم مصالحها، بعد أن صار لها أنياب توجع من يتجاهلها.

بدل أن نصحح، نحن في المعارضة السورية، أخطاءنا التي انتقدتها أميركا مراراً وتكراراً، طالبنا الروس بالتخلي عن مصالحهم وتبني مواقف من النظام مطابقة لموقفنا، وحين رفضوها، توطّدت ورطتنا التي لم نخرج منها إلى اليوم.

========================

الرفيقان بوتين وأوباما .. بيار عقيقي

العربي الجديد

السبت 8/10/2016

يبقى أن تُمنح جائزة نوبل للسلام لهذا العام للرئيسين الأميركي، باراك أوباما، والروسي، فلاديمير بوتين. دورهما في سورية يستحق ذلك. عمل الرجلان ويعملان بكدّ لمنع سقوط مزيدٍ من الضحايا وإرساء السلم والأمن على امتداد الأراضي السورية. على هذه الجائزة أن تُخصص مكاناً خاصاً في سجلاتها التاريخية للثنائي الأكثر جدلاً في القرن الـ21 حتى الآن. وعلى هذا المكان أن يكون مزداناً بالذهب، لا بدماء آلاف السوريين، لإبعاد الشعور بالذنب عن أحاسيسهما.

المعايير كثيرة في هذا الصدد. عمل بوتين وأوباما بقوة في السنة ونصف السنة الأخيرة على تمتين علاقتهما بمبدأ السلام، إلى درجة أن أحدهما قد يسبق الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، في إطلاق الصواريخ النووية، خارج إطار المناورات التدريبية. سواء في سورية أو في أوروبا، على خلفية الملف الأوكراني. لا يعبأ الرجلان بشيء، طالما أنهما يسعيان، يداً بيد، في سبيل سلام عالمي، ينشده الكوكب وأهله.

صحيح أن أوباما يعاني، بسبب إرث الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، تحديداً في العراق وأفغانستان، محاولاً معالجة الأمور "على طريقته"، في ما بدا وكأنها محاولةٌ للفصل بين عهدين، إلا أن الرئيس المفترض أن تنتهي ولايته بعد أسابيع يُعتبر شاهداً على أسوأ مآسي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945): سورية.

لم يعمل أوباما إطلاقاً لنجدة السوريين، لا سياسياً ولا إنسانياً. بات، في آخر أيامه الرئاسية، يتصرّف على قاعدة "أنا راحل، ومن بعدي الطوفان". ما بدا كـ"نسمة في سبرينغفيلد" في خريف عام 2007، قبل إعلان ترشيحه لرئاسة الولايات المتحدة، ينتهي كإعصار مجنون، يُصيب السوريين في مقتل. بالنسبة لأوباما "سورية بعيدة". الرجل يستحق جائزة نوبل للسلام.

بدوره، يُعتبر بوتين حمامة سلام من الطراز الرفيع. لم يرد على قرارٍ يخصّ جورجيا سوى برسائل التنديد، ولم تقم قواته باجتياح تلك الدولة السوفييتية السابقة. كما أنه لم يضمّ شبه جزيرة القرم الأوكرانية، بل رغب سكانها في الانفصال من أوكرانيا والانضمام إلى روسيا. تماماً كما فعل في الشيشان وداغستان اللذين سيمنحهما استقلالهما، نوعاً من تطبيق مبدأ "حق تقرير المصير". لم تقصف الطائرات الروسية سورية، بل عمل بوتين على إرسال قوافل المساعدات الإنسانية. لم يُدمّر جنوده "معاقل الإرهابيين" فحسب، بل ارتكبوا مجازر تستحق جائزة نوبل للسلام.

لا يحتاج الرفيقان بوتين وأوباما إلى تلميع صورتهما، كون "نقائها" تغني عن كل تلميع وتبييض. لم يُشكّل الرجلان، في نهاية اليوم، مساراً مختلفاً عن أسلافهما. بل استمرّا على هديهم. يشكل بوتين امتداداً صارخاً لكل مفاهيم "السوفييتية" الممزوجة بالتاريخ القيصري، والمعطوف على عالم اليوم، أما أوباما فيُعتبر "تصالحاً" شكلياً مع تاريخ أميركي عنصري، عرقياً واجتماعياً، فقط لا غير. الاستراتيجيات واحدة لدى ساكني موسكو وواشنطن، وإن اختلفت تكتيكاتهما.

قد يكون "ندم" ألفريد نوبل في اختراع الديناميت سبباً في تأسيس جائزة نوبل للسلام، لكنه بات عُرفاً في المسار التاريخي لصناعة أبطال هذه الجائزة. يُمكن لجزارٍ أن يصبح حمامة سلام. شيمون بيريز وإسحاق رابين نموذجاً. يُمكن لغزاة دول باسم "الحرية والديمقراطية" أن يصبحوا أبطالاً خالدين في سجلات "نوبل" للسلام. يُمكن لديكتاتوريين يدمّرون بلادهم التحوّل إلى أساطير باسم "محاربة الإرهاب وحماية الاستقرار".

غداً قد يأتي يوم، ويضع فيه الرفيقان أوباما وبوتين شهادة نوبل مرتقبة للسلام، تكون الثانية للأميركي (بعد عام 2009) والأولى للروسي، على حائط ما في مقرّي سكنيهما. سيدلّان عليه بالإصبع لزوارهما قائلين "كسبناها بفعل الدمار السوري والمجازر في سورية. حصلنا على الجائزة فقط لأن هناك مجرما وشريكا غير مباشر في الجرم، قرّرا التفرّج على الانهيار السوري". بعدها، سيصفق الجميع، لأن روسيا والولايات المتحدة حميا الكوكب على حساب إنسانه.

========================

الحرب العالمية الروسية .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 8/10/2016

لم يعد أحد يجادل في أن معادلات القوة في العالم تغيرت خلال السنوات الخمس الماضية. الحديث ليس فقط عن مسارات النفوذ العالمي، والذي كانت تحتكره الولايات المتحدة الأميركية عقدين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بل أيضاً في مجال استعراض القوة العسكرية الذي لم يكن أحد يقارع فيه الولايات المتحدة. لكن، من الواضح أن الأمور متغيرة بشكل كبير في المرحلة الحالية، خصوصاً بعد اتخاذ الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خيار الانكفاء عن الملفات العالمية، والانكفاء إلى الداخل الأميركي، ما أفسح المجال أمام القوة الروسية بالصعود.

استغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا المجال أحسن استغلال، فمن التدخل المباشر في الحرب السورية، وما تلا ذلك من مجازر وتدمير، إلى مناكفة أوروبا على الساحة الأوكرانية، غير آبه بكم العقوبات التي فرضت على بلاده، والتي يبدو أنها جاءت بمفعول عكسي، إذ زادته غطرسةً، وهو ما يمارسه فعلياً على الأرض سياسياً وعسكرياً، وأمام أنظار الغرب بأسره الذي بات واضحاً توجهه إلى استرضاء الروس في كل صغيرة وكبيرة عالمياً، وليس فقط في الساحة السورية.

استرضاء جعل روسيا قطباً سياسياً أساسياً في العالم، وربما أصبحت متقدمةً على الولايات المتحدة في هذا المجال، بفعل أوراق القوة التي تمتلكها على أكثر من ساحة. لكن، يبدو أن هذا لم يشبع بوتين بعد، وربما يرى فيه تحولاً مؤقتاً لا بد من تكريسه عملياً وبشكل دائم.

تكريس بحاجة، بحسب ما يعتقد بوتين، إلى حدث ضخم وأساسي يقلب الموازين فعلياً في العالم، تماماً كما كان الأمر في أعقاب الحربين العالميتين، الأولى والثانية، واللتين ساهمتا عملياً في أفول إمبراطوريات وظهور أخرى على الساحة العالمية. ففي الحرب العالمية الأولى، كانت النهاية الفعلية للإمبراطورية العثمانية، والتي تقاسمت تركتها الدول الحليفة، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا. ثم جاءت الثانية لتعلن نهاية هاتين القوتين الأساسيتين في ذلك الحين، على الرغم من انتصارهما عملياً في الحرب، بعدما باتتا مدينتين للولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً. وبالتالي، كانت الحرب الثانية بداية صعود القوة الأميركية التي استمرت قرابة سبعة عقود.

مثل هذه القراءة التاريخية هي التي تدور في ذهن بوتين اليوم، وإنهاء عصر الإمبراطورية الأميركية، وبروز الروسية على أنقاضها بحاجة إلى حدثٍ ضخم على غرار الحربين العالميتين السابقتين، وهو عملياً ما يحضر له سيد الكرملين الذي يقرأ ملامح الضعف الواضحة في المعسكر الآخر. من الواضح أن بوتين يحضر فعلياً لمثل هذه الحرب، سواءً عبر استفزاز الأطراف الأخرى، ولا سيما الولايات المتحدة، أو من خلال الحشد العسكري واستعراض العضلات الذي يقوم به على الساحة السورية، والتي يرى أن منها، أو على أرضها، ستكون المواجهة الأساسية. وعلى هذا الأساس، كان إرسال مزيد من البوارج الحربية والمقاتلات النفاثة، ونشر منظومة "أس 300" المضادة للصواريخ، والتي بالتأكيد لم تأت لمواجهة صواريخ غراد التي حصلت عليها المعارضة المسلحة أخيراً. أضف إلى ذلك التهديدات المباشرة التي بات يطلقها الجنرالات الروس للولايات المتحدة، والتي لم يسبق أن سمعها المسؤولون الأميركيون، إلا في إطار الحرب الدعائية التي تشنها كوريا الشمالية على سبيل المثال، والتي لم تكن تؤخذ على محمل الجد. أما اليوم، فها هم المسؤولون العسكريون الروس يهدّدون باستهداف أي تحرك عسكري أميركي على الأرض السورية، والذي من شأنه أن يزلزل المنطقة.

بناء عليه، كل معطيات الحرب العالمية التي تريدها روسيا باتت جاهزة، باستثناء عنصر واحد، وهو الطرف الآخر المحارب. فمن الواضح أن: لا الولايات المتحدة، ولا أي من حلفائها، في وارد الدخول في مثل هذه الحرب حالياً. وهذا ربما ما يثير جنون بوتين الذي يريد حربه العالمية الخاصة.

========================

سورية ومأساتها .. وليد البني

العربي الجديد

السبت 8/10/2016

تنتهي السنة السادسة، منذ تحرّك السوريون في مارس/ آذار 2011، آملين التخلص من أحد أكثر أنظمة الحكم دموية وفساداً، ويكاد يصل عدد من فقدوا حياتهم من السوريين إلى نصف مليون مع عدد مماثل من المعاقين والجرحى، وعشرات آلالاف المفقودين والمقتولين تعذيبا في سجون طاغية دمشق، إضافة إلى ملايين المشرّدين واللاجئين داخل سورية وخارجها، وآلاف المقتولين ذبحاً بسيوف داعش وأشباهه، من دون أن يرى السوريون ضوءاً في نهاية نفق الدمار والموت.

كانت هناك آمال كبيرة لدى ملايين السوريين، في بداية ثورتهم، بإمكانية نقل بلادهم من سطوة نظام عائلي مافيوي دموي إلى نظام ديمقراطي، يمكّنهم من اختيار حكوماتهم وممثليهم بطريقة ديمقراطية، ويتيح لهم التحكّم بثروات بلادهم وطاقات شبابهم وبناتهم، وحشدها لإحداث نقلة حضارية في حياتهم، تخلصهم من فقر وتخلف فرضته عليهم مافيا أمنية اقتصادية، عطلت طاقاتهم، وبدّدت ثرواتهم نصف قرن. لكن شراسة نظام مافيا الأسد ودمويته، وتخاذل المجتمع الدولي وتمنّعه عن دعم الطموحات المشروعة للسوريين، إضافة إلى أسلمة الثورة (بالمعنى السياسي للكلمة) وتسليحها، رداً على عنف النظام المفرط وإجرامه، وتناقض مصالح القوى الإقليمية الداعمة للمعارضة، حوَّل حلم التغيير الديمقراطي في سورية إلى كابوس مليء بالدماء والدمار، وحوّل سورية ساحةَ لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، خاسرها الأكبر هو الشعب.

استطاعت روسيا، سعياً منها إلى استعادة دورها الدولي، تأمين حماية كاملة لنظام الأسد، ففي البداية منعت اتخاذ أي قرار أممي جدي، يوقف قتله المتظاهرين السلميين، واعتقال آلاف منهم بوحشية، وقتل بعضهم تعذيباً، كما منعت إنضاج أي حل سياسي متوافق عليه دولياً، يؤمن انتقالاً سياسياً سلمياً في سورية، بينما تولت إيران ومليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية حماية النظام عسكرياً بوجود مباشر على الأرض السورية، قبل أن تضطر روسيا للتدخل العسكري المباشر لمؤازرة إيران ومليشياتها والحفاظ على النظام ومنعه من السقوط.

اقتصر دور الولايات المتحدة التي تزعمت الدول الداعمة للمعارضة السورية على الحفاظ على توازن قوى، يمنع المعارضة من إسقاط الأسد، ويمنع الأخير من هزيمة المعارضة، واستعادة

"مازالت هناك آمال في إنقاذ سورية من التحول دولة فاشلةً وساحة حربٍ مزمنةٍ" السيطرة على البلاد، ما أدى إلى إطالة زمن الحرب، وأعطى الفرصة لجذب متطرفي العالم إلى سورية، وتحويلها إلى ساحة معركة بين تنظيماتٍ متطرّفة تدعم النظام (حزب نصر الله، إيران وحرسها الثوري، والتنظيمات الأصولية الشيعية المدعومة من إيران)، وتنظيمات تكفيرية أرادت إسقاط النظام، لتحويل سورية إلى قاعدة لإرهابها لتهديد العالم (داعش والقاعدة وتفرعاتها)، ما يتيح فرصة ذهبية للولايات المتحدة للتخلص من الطرفين معاً بأقل تكلفة بشرية واقتصادية ممكنة، ولو أدى ذلك إلى تدمير سورية وتشريد شعبها، الأمر الذي يخدم مصلحة إسرائيل في تدمير الشعب الأكثر قدرةً على الوقوف في وجهها، لو أتيحت له فرصة امتلاك زمام أمره، بعيدا عن الاستبداد والفساد.

نجح إجرام نظام الأسد المافيوي، بخبرته الطويلة في القمع وجاهزيته لرهن سورية ومصيرها لمن يمنع سقوطه، مستفيداً من معارضة عديمة الخبرة، منقسمة في ولاءاتها ومتنافسة فيما بينها، في تحويل الثورة التي قام بها، في البداية، جميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية ضد نظام مافيوي مستبد وفاسد إلى حربٍ أهلية، ذات صبغة طائفية، واستطاع أن يتحول من نظام مجرم تجب محاكمته، إلى طرفٍ في هذه الحرب، فضمن لنفسه كرسياً حول أي طاولة مفاوضات، للبحث في حل سياسي، ينهي الكارثة السورية.

سورية اليوم كوطن وشعب واقعة بين سندان استبداد الأسد والمليشيات الطائفية الإيرانية التي تدعمه ومطرقة التطرّف التكفيري، المتمثل بداعش والتنظيمات القاعدية والإسلامية الرافضة الدولة الحديثة القائمة على حكم الشعب والدستور الذي لا يميّز بين مواطني الدولة على أساس الدين أو الطائفة أو الانتماء القومي.

ليس للدول العظمى مصلحة مباشرة في إيقاف مثل هذه الحروب المذهبية، طالما أنها تحقق مصالحها، وتجري في منطقة بعيدة عنها جغرافياً، ولا تهدد مصالحها مباشرة، وهي مرشحة لأن تتحول إلى حروب مزمنة، تحاول كل قوة دولية أو إقليمية أن تخوضها بالوكالة، عبر تمويل أو دعم مليشيا أو تنظيم عسكري أو سياسي من المليشيات والتنظيمات العسكرية والسياسية، المتكاثرة كالفطر على الساحة السورية. وهذا ما بدا واضحاً في تحالف إيران وروسيا مع مليشيات النظام والولايات المتحدة مع مليشيات "قوات سورية الديمقراطية"، وأخيرا تركيا مع جزء من المعارضة المسلحة لتحجيم "داعش" والأكراد، ومنع خطرهم عن حدودها، والأصابع الأخرى، المرئية وغير المرئية، لدول صغيرة وكبيرة، ما سيؤدي إلى تلاشي إمكانية استعادة سورية دولة ووطناً، وتحولها إلى حالة شبيهة بالصومال أو أفغانستان، أو تقسيمها كما حصل في يوغسلافيا السابقة.

على الرغم من استفحال المعضلة السورية، وخطورة المرحلة التي تمر بها، إلا أنه لازالت هناك آمال في إنقاذ سورية من التحول دولة فاشلةً، وساحة حربٍ مزمنةٍ، أو بلقنتها وتقسيمها، لكن ذلك يحتاج نخبة سياسية سوريةً وطنيةً ونزيهة، قادرة على طرح حلول جريئة وواقعية، تعتبر وقف هذه الحرب المجنونة أولويةً لا بد منها، والعمل على الانفتاح على جميع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة على الحالة السورية، ومناقشة هذه الحلول معها، للوصول إلى تفاهماتٍ لا تحقق بالضرورة كل أهداف الثورة، لكنها توقف التدمير، وتفتح طريقاً آمناً لعودة المهجرين، والبدء بإعادة إعمار ما دمرته الحرب. وقبل كل شيء، تؤمن مرحلة انتقالية بضماناتٍ دولية، تنتهي بانتخابات حرة، تتيح للسوريين التصويت على دستور يحكم حياتهم، وانتخاب قياداتهم بحرية.

========================

لستم وطنيين بل «وطنجيين» .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 8/10/2016

بما أن النظام في سوريا اعتاد على فرض كل شيء في البلاد بالقوة والبلطجة الأمنية، فقد ظهرت لنا أجيال وأجيال من السوريين تقول عكس ما تضمر توخياً للسلامة. لهذا أصبح النفاق ديدن الكثير من السوريين، فغابت الوطنية الحقيقية، وأصبح الكذب واللف والدوران والتظاهر بالوطنية شعار المرحلة. وقد ظل الكثير من السوريين، وخاصة لاعقي أحذية النظام، ظلوا ملتزمين بممارسة النفاق رغم أن غالبية السوريين حطموا جدار الصمت ودفعوا ثمناً غالياً.

وإذا أردت أن تتعرف على الوطنجية السورية على أصولها ادخل إلى صفحات الشبيحة ومؤيدي النظام اللاوطني، حيث ستشعر حتماً برغبة عارمة للتقيؤ، فهم صورة طبق الأصل عن نظامهم، يتشدقون ليل نهار بالوطنية وحب الوطن، بينما هم أكبر أعداء الوطن بدليل أن النظام الذي صدع رؤوسنا على مدى عقود بالوطنية دمر سوريا فوق رؤوس شعبها لمجرد أن الشعب طالب بأبسط حقوقه الإنسانية. لاحظوا التشابه العجيب بين النظام ومؤيديه الوطنجيين، فالطرفان يرفعان الوطنية شعاراً زائفاً ويفعلان عكسها تماماً.

أعرف شخصاً وطنجياً مغترباً من منطقتنا وقف بقوة ضد الثورة وراح يؤيد النظام بجنون ضد المتظاهرين السلميين، لكنه بدل أن يعود إلى سوريا للوقوف مع النظام و»الوطن» طلب اللجوء إلى دولة أوروبية، ومن هناك راح يملأ صفحته على فيسبوك بالأناشيد الوطنية وصور بشار الأسد والأعلام الوطنية. ولا يمر يوم إلا وتجد صفحته تعج بالمنشورات الوطنجية ومهاجمة «الخونة والعملاء والفورجيين» حسب وصفه. لو افترضنا أن ذلك الشخص وطني فعلاً وصادق في حبه للوطن، ويقف مع النظام عن قناعة، فلماذا يتعامل مع أهله وعائلته في سوريا بطريقة لا تمت للوطنية بصلة؟ كيف يكون المرء وطنياً ويموت في حب الوطن، وهو يتصرف مع عائلته بطريقة قذرة حقيرة لا علاقة لها بالوطنية لا من بعيد ولا من قريب؟

هذا الوطنجي الذي يعيش في أوروبا لم يتصل بأهله في سوريا منذ سنوات، رغم أن أمه مريضة، وأهله في حالة عوز مادي. حتى أنه لا يطمئن على أهله في مناسبات الأعياد. لم يحدث منذ سنوات أنه اتصل بأهله في سوريا أو في المهجر، فما بالك أن يرسل لهم بعض المساعدات المادية، خاصة وأن الأسعار ارتفعت بشكل رهيب في سوريا وأصبح الحصول على لقمة الخبز أمراً عسيراً. كيف نصدق أنك وطني أيها الوطنجي إذا كنت لا تهتم بأهلك القريبين، فما بالك أن تهتم بالوطن الأكبر. ألم تسمع بالقول الجميل: «الأقربون أولى بالمعروف»؟ لو كنت وطنياً حقاً لتواصلت مع أهلك في سوريا وبلاد الاغتراب على أقل تقدير، فكيف تدافع عن الوطن الأكبر وأنت تهمل الوطن الأصغر؟

الوطنية الحقيقية تبدأ من البيت، فمن كان طيباً مع أهله وذويه، سيكون طيباً مع الوطن، لكن لا يمكن لمن يدوس الوطن الصغير أن يحب الوطن الكبير أيها المنافق الوطنجي السفيه.

كما أعرف أيضاً فتاة سورية من منطقتنا تتصدى يومياً على صفحتها في فيسبوك لكل من يقول كلمة يتيمة ضد النظام، وتتهمه بالخيانة والعمالة، لا بل تنظم قصائد في حب سوريا الأسد، لكن هذه الوطنجية تآمرت مع والدتها قبل فترة ضد والدها الذي أتى بها إلى الحياة، فقد أصيب الوالد بمرض عضال، وبدل أن تهتم تلك الوطنجية بوالدها وترعاه في مرضه، قامت هي وأمها بوضع الوالد في غرفة مظلمة وأقفلتا الباب عليه، وتركتاه يموت وحيداً بلا أدنى شفقة أو رحمة، لا بل إن والدة تلك الفتاة الوطنجية تزوجت من شخص آخر وزوجها على قيد الحياة بمباركة من ابنتها الوطنجية.

أليست الوطنية الحقيقية أن نهتم بأهلنا إذا مرضوا، ونرعاهم؟ كيف نصدق أنك وطنية عندما تتعاملين مع والدك بهذه الطريقة الوحشية أيتها المنافقة؟

أما المثال الثالث فهو شخص نعرفه في فنزويلا. هذا الوطنجي بدوره ينشد قصائد غرام بحب قائد الوطن ليل نهار على صفحته، ويملأ منشوراته بالأعلام السورية وصور جيش الوطن. ومن يتابع صفحته يأخذ الانطباع أنه مستعد لأن يموت من أجل وطنه، بينما هو في الواقع لم يتصل بأهله في سوريا منذ سنوات.

يبدو أن حب الوطن أنساه أمه وأباه اللذين يكادان يموتان من الجوع بسبب الفقر وغلاء الأسعار في سوريا. لم نسمع أبداً أنه أرسل قرشاً لوالديه. فكيف نصدق أنك وطني إذا كنت تهمل أقرب الناس إليك أيها الأفاق الأسدي؟ ألا تعلم أن الوطنية من أعلى درجات الإنسانية، فكيف تكون وطنياً، وأنت تفتقر إلى أبسط الأساسيات الإنسانية؟

شتان بين الوطني و«الواطي».

========================

حلب: هل هي الخاتمة أم المقدّمة؟ .. عبدالباسط سيدا

الحياة

السبت 8/10/2016

هل ستكون حلب الحد الفاصل بين سورية المفيدة وسورية «الأخرى» التي لم تتحدّد معالمها بعد؟ أم ستكون الورقة الأصعب في الحسابات الأصعب بين الراعيين الكبيرين الخصمين لمشروع السلام المفقود؟ أم أنها ستكون المقدّمة لتحوّل نوعي في استراتيجية المقاومة السورية وتكتيكاتها في مواجهة اندفاع حلف النظام؟

أسئلة مشروعة تُطرح، مع غيرها، تحت وطأة الحالة السوريالية التي تعيشها المبادئ والقيم الإنسانية، والمعاهدات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الشعوب، وروحية العالم المتحضّر والأنظمة الديموقراطية. فهذه كلها باتت أشبه بالسراب الخادع مقابل ما تتعرض له حلب من تكالب غير مسبوق للقوى الوافدة جميعها، حاملة رايات الحقد والانتقام من العقد الماضوية بكل تلاوينها وأسمائها.

حلب تتعرّض للذبح أمام الجميع، بحيث تجاوز بان كي مون قلقه المعتاد ليتجرأ ويقول: تحوّلت حلب إلى مسلخ. حلب العاصمة الإقتصادية الأشهر في شرق المتوسط تتحوّل إلى مسلخ، لا للبشر وحدهم، بل للقيم كلها التي أصبح مجرد الحديث عنها، وعن مبادئ وميثاق الأمم المتحدة، يسبب الغثيان الوجودي.

حلب تتعرض، ومعها سورية، للذبح أمام هلامية دور النظام الرسمي العربي نتيجة تباين الأولويات، وانشغال كل نظام بمشكلاته الداخلية، وخشيته من مواجهة الاستحقاقات المكبوتة.

المجتمع الدولي شبه مشلول لأسباب غير مقنعة في مواجهة الاندفاع الروسي، والبطر الإيراني. والأمم المتحدة لم تتمكّن من فعل أي شيء على مدى أكثر من خمسة أعوام لإيقاف القتل والتدمير والتهجير، ما يؤكد مجدداً ضرورة إعادة النظر في ميثاقها ونظامها الداخلي، لتكون في مستوى التحديّات والمهمات المطلوبة، التي تختلف كثيراً عن تلك التي انطلقت منها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية في جهودها التأسيسية للمنظمة.

مجموعة أصدقاء الشعب السوري الضخمة لم تتمكّن بقيادة الولايات المتحدة من اتخاذ أية خطوة لدعم الشعب السوري، بحيث يُصادَر على كل ما نراه اليوم من تدمير وقتل وتطرّف وإرهاب.

وكان من الواضح منذ البداية أن المحور الذي تمفصلت حوله هذه المجموعة هو الموقف الأميركي غير الحاسم، ما أدّى إلى ترّهل المجموعة وضعفها، وتقلّص دائرة الفاعلين فيها، حتى اختُزلت تماماً في الموقف الأميركي الذي تناغم لمدة طويلة مع الموقف الروسي، على أساس تفاهمات ما زال معظمها طي الكتمان.

ولمعرفة الأسباب الكامنة وراء إقدام الولايات المتحدة على إعطاء هذا الدور لروسيا، يمكننا التفكير في احتمالات عدة منها:

- الرغبة في تجاوز تبعات دور القطب الواحد وتكاليفه عبر إشراك قوة أخرى وفق معايير لا تخرج عن نطاق المرسوم المحسوب. قوة تتحمّل أعباء وتكاليف إعادة ضبط المعادلات الإقليمية والدولية، وحتى إعادة رسم الخرائط في ضوء المصالح والأولويات المستجدة.

- الرغبة في استنزاف طاقات القوى المتصارعة، بما فيها روسيا، وإنهاكها، في سياق استراتيجية المصادرة على دورها المتنامي والإرباكي مستقبلاً، ما يطمئن التحالف الاستراتيجي في المنطقة، ويوسّع دائرة خياراته.

- غياب الاستراتيجية أصلاً في ميدان التعامل مع قضايا المنطقة، واعتماد منطق التجريب، ما يفسّر إلى حدٍ ما المعالجات الوحيدة التوجه لجملة قضايا، بينها محاربة الإرهاب. فالتركيز هنا يتم على النتائج من دون المقدمات. كما تُهمل التبعات والمآلات لمرحلة ما بعد إنجاز الهدف الآني الإغاثي.

وربما كانت هناك احتمالات أخرى، أو حالة مزج وتداخل بين أكثر من احتمال. لكن النتيجة على الصعيد الواقعي هي ذاتها بالنسبة إلى الشعب السوري. فقد غدت معاناته خارج نطاق اهتمامات أصحاب المصالح، إن لم نقل إنها تشكل وجهاً من أوجه حصيلة الصفقات التي كانت، أو هي في طريقها، إلى التبلور، بين هؤلاء.

معركة حلب مهمة بنتائجها المنتظرة، لكنها مكلفة جداً على صعيد المعاناة البشرية في ظل الشلل شبه التام للجهود الدولية. ولكن في موازاة معركة حلب، هناك معركة الموصل التي يمكن أن تبدأ في أية لحظة، وكذلك معركة الرقة.

وعلى ضوء نتائج هذه المعارك الثلاث ستتحدّد ملامح المنطقة من مختلف النواحي، وستكون هناك إعادة ترتيب للتحالفات ولمناطق النفوذ، وربما الشروع في عملية إعادة نظر في الخرائط المعتمدة راهناً. وكل ذلك يثير حفيظة وهواجس القوى الإقليمية الكبرى التي تدرك قبل غيرها مواطن ضعفها، وتعمل بدأب على منع استغلالها من الآخرين.

لكن تجربة قرن بعد سايكس- بيكو أثبتت أن حالات الإنغلاق والتشنج والصراعات بدرجاتها المختلفة، قد بدّدت الطاقات، وشتّتت الجهود التنموية، وأفسحت المجال أمام أنظمة استبدادية أغرقت مجتمعاتها بالمظالم والفساد.

وما تحتاجه منطقتنا قبل كل شيء هو ترسيخ ثقافة الاعتراف بالآخر المختلف دينياً، أو مذهبياً، أو قومياً- عرقياً، أو فكرياً وجنسياً، واحترام خصوصيته وحقوقه بعقود مكتوبة، واجراءات وممارسات فعلية واقعية، وبناء جسور التواصل والتفاعل معه. وذلك عوضاً عن الهستيريا المدمّرة الطاغية هذه الأيام، والتي تُسبغ قداسات مزيفة على ممارسات وجرائم مدنّسة.

ما نحتاجه هو التعاون الإقليمي لحل المشكلات والقضايا الإقليمية والداخلية لكل دولة، لا السعي المستمر من أجل قمع الإرادات، والتستّر على المشكلات والقضايا، والهروب منها عبر استخدام كل أنواع القمع، وإرغام المطالبين بالحل على السكوت أو الرحيل بكل صيغه.

الأوضاع التي نعيشها سوداوية في جميع أبعادها، ولكن مع ذلك فالعقل يُلزمنا بضرورة عدم قطع الأمل.

========================

داعشيّة مرحبٌ بها .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 9/10/2016

ليس هناك ما هو أشد إثارة للغضب من لجوء سياساتٍ دوليةٍ مسؤولةٍ إلى ما يرتكبه "داعش" من جرائم، لكي تنسينا جرائم مماثلة، أو أشد، ترتكبها "داعشيات" دولية وإقليمية وأسدية، تمسك بتلابيب منطقتنا وتفتك بشعوبها، تفوق فظاعاتها فظاعات "داعش" أو تماثلها، على الرغم من أن بعض هذه الداعشيات هي جهة دولية تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن الدولي، وتنفذ جرائمها بأحدث التقنيات العسكرية التي تستهدف أبرياء السوريين، وتغمرهم بأنماط من الإرهاب لا يجاريها فيها أحد، لكن يتم تجاهلها بحجةٍ مضحكة هي التركيز على محاربة الإرهاب. والآن:

ـ ماذا نسمي ممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وإطلاق جنود "جيش الدفاع" النار على أطفال في مقتبل العمر، والإجهاز عليهم حتى وهم جرحى أو أسرى، بينما يتفرّج العالم على ما يجري كأنه ليس إرهاباً، بل ويقبل حجج القتلة التي تدحضها كاميرات وشهادات صحافيين عرب وأجانب، يؤكدون أن القتلى كانوا عزّلاً، وأن الجنود أطلقوا النار عليهم على الشبهة، وليس لأنهم هاجموهم، أو كانوا يحملون سكاكين؟

ـ وماذا نسمي ممارسات الحشد الشعبي في العراق الذي تحميه المرجعية والحكومة، ونشر صور يظهر فيها "مجاهدوه" وهم يحتفلون بإحراق أشخاص علقوهم على شجرةٍ كالخراف، ثم أشعلوا النار فيهم، وشرعوا يستمتعون بمنظرهم وهي تلتهمهم؟ لماذا لم يغضب العالم كما غضب يوم أحرق "داعش" الطيار الأردني معاذ الكساسبة؟ هل صمت لأنه سعد بضحكات القتلة وسخريتهم من ضحاياهم؟ أليس هؤلاء القتلة "دواعش" بامتياز، فلماذا يسمح لهم بمواصلة استباحة حياة مئات آلاف العراقيين الذين كان "داعش " قد طردهم من منازلهم، ويمنعهم هؤلاء من العودة إليها، لمجرد أنهم لا ينتمون إلى مذهب "مجاهدي" الحشد الذين نافسوا "داعش" على اغتصاب النساء، وتسبّبوا في انتحار كثيرات منهن؟ أليست أفعالهم "داعشية" إجرامية من أحط طراز؟

ـ وكيف لا يسكت "العالم الحر" عن دور جيش الأسد في تعليم الداعشيين فنون الإجرام على أصولها؟ ألم ير صور دفن مواطنين سوريين أحياء، لأنهم لم يقولوا إن بشار الأسد، وليس الله، هو ربهم؟ ما معنى ألا يعامل النظام كما يُعامل "داعش"، إذا كان قد ذبح أطفالاً أمام أهليهم، وألقى أسراً كاملة من أعلى المبانى إلى الشوارع وهم أحياء؟ وما معنى موافقة أميركا على بقاء الأسد رئيساً، إن كانت تتهمه بالإرهاب وتحارب "داعش"؟

ـ أخيراً، أليس من الداعشية أن تستخدم روسيا أفتك الأسلحة ضد نساء وأطفال وشيوخ ليسوا مسلحين أو محاربين، ولم يعلنوا "الجهاد" ضد الكرملين أو يتظاهروا في موسكو، مطالبين بإسقاط عبد الأمير أبو تين؟ أليست جرائم القتل الجماعي التي تستهدف السوريات والسوريين إرهاباً، أم أن الإرهاب حكر على "التنظيمات، حتى إن مارسته الدول". لذلك، تشن أميركا الحرب على تنظيماته، وتسكت عن قيام جيشي روسيا وجيش إيران به، بل وعن عصابات القتل العابر للحدود التابعة لهما؟ هل تسكت واشنطن، لأنها موافقة على سحق مقاومي بشار الأسد ومخابراته "المندسين" في صفوف الشعب، وتؤيد أن تطهرها موسكو وطهران منهم، وإن استعارا وسائلهما من "داعش"؟ ثم ما المشكلة إذا كانت جرائم الإرهابيين مجرد لعب أطفال بالمقارنة مع ما أنجزاه من أعمال؟

كيف كان "العالم الحر" سيقبل أعمال البر والإحسان الروسية والإيرانية والأسدية، لو أن "داعش" لم يحجب جرائمهم بجرائمه، وتغطي إرهابيي الحشد الشعبي ومرتزقة الأسد؟ وهل كانت هذه الجهات ستنافس "داعش" في الإجرام، لو لم تتمتع بضوء أخضر، يسمح لها بقتل أعداد غفيرة من بسطاء الناس في سورية والعراق وتصفيتهم، وعلى امتداد المنطقة؟

إذا كانت الداعشية تتخطى اليوم تنظيم داعش، وتشمل دولةً كبرى هي روسيا، وإقليميةً هي إيران، والعصابة الحاكمة في دمشق. لماذا لا تشملها الحرب ضد الإرهاب التي تشن منذ عام ونصف ضد "داعش"؟ ولماذا هذا التمييز بين إرهابٍ يحارَب، وآخر يرحَّب به، ويعتبر سياسة شرعية، على الرغم مما يحمله من تهديد لأمن العالم وسلامه، ويتصف به من طبيعة فوق داعشية. أخيراً، هل نحارب داعشيةً تقتل الأفراد، ونقبل أخرى، أشد قوة وإرهاباً منها، تقتل الشعوب؟

========================

لا شرقية ولا غربية، حلب شهيدة .. سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 9/10/2016

في حوار مع الإذاعة الكندية، سألني الصحافي عن انتقاد سوريين في كندا التركيز الحاصل على مأساة حلب من جهتها الشرقية، في مقابل "الصمت" عن معاناة حلب في جهتها الغربية.

تم تجاهل مدينة حلب طويلاً من السلطة المركزية في دمشق، لاعتبارات عديدة لا يمكن إيجازها، منها "الحقد" الشخصي الناجم عن عقدٍ ذاتية لدى بعض من استلب السلطة في الدولة السورية عقوداً. كما نجم ذلك الكره، والتهميش الذي صاحبه، عن الشك في ولائها للمركز، على اعتبار أنها كانت من أهم ثلاث حواضر مدنية في الحقبة العثمانية. يُضاف إلى هذين العاملين فشل مشروع الدولة الوطنية في سورية، والذي لم يؤدِّ إلى تعزيز الانتماء الى "وطن"، بقدر ما هو انتماءٌ إلى جماعة أو قبيلة أو طائفة أو مذهب. وقد ساهمت سنوات الجمر الأخيرة في تعميق هذه الهوّة بين مختلف مكوّنات الشعب السوري، بالاستناد إلى القاعدة الاستعمارية المعروفة "فرّق، تَسُد"، والتي تبيّن بالتجربة العربية عموماً أن المستبد المحلي طبّقها بحذافيرها والتزم بمحتوياتها كافة، أكثر بكثير مما رواه التاريخ عن ممارسة المستعمر الأجنبي لها.

عانت حلب الشهيدة إذاً من التهميش، ومن الحرمان طوال سنين. وقد تأثرت هذه الحاضرة التجارية بالوضع السياسي الإقليمي، حيث كانت مبادلاتها مع تركيا، كما شمال العراق، أساسية، ساهمت القطيعة مع بغداد صدام حسين والبرود المشوب بالتوتر مع تركيا ما قبل تورغوت أوزال، في انخفاض حجمها وقيمتها إلى أدنى مستوى. وقد أتت بعدها فترة التصالح المفروض بقوة الحشود العسكرية على الحدود سنة 1998 مع تركيا، والتي حملت، فيما حملته، من شروطٍ وواجبات، ضرورة "تقنية" لاهتمام المركز بها. كما أن تركيا التي تبعد قليلاً من الكيلومترات حافظت على علاقة اقتصادية رسمية وغير رسمية، نظامية أو تهريبية، مع الداخل السوري، طوال عقود القطيعة أو البرود عبر حلب ونواحيها. وساهمت التركيبة الاجتماعية لبعضٍ من برجوازيتها التقليدية، وليست المُحدَثة، والمرتبطة، عائلياً أحياناً، ومصالحياً في أحايين أخرى، مع تركيا ونسيجها الاجتماعي والاقتصادي، في إعادة بعض من الأمل، في سبيل استعادتها دورها الاقتصادي التاريخي على الأقل.

تتعارض سرديات الأطراف حول مسارات الوصول إلى ما تنام وتصحو حلب عليه، إن هي استطاعت، من قصفٍ وتدميرٍ منهجي وتهجيرٍ شاملٍ وقتلٍ موصوف. وعلى الرغم من مشاهد الدمار التي تتجاوز، في بشاعتها، ما يحمله المخيال الشعبي ليوم القيامة، إلا أن بعضاً من السوريين ما زال يشكّك في مأساتها وفي ملحمتها. ليسوا وحدهم من يتمتع بمثل "قلّة الحسّ" هذه، فكثيرون غيرهم من العرب وغير العرب يُشاركهم هذا التشكيك، ويمارس نفياً سوريالياً لحقائق الأرض ووقائع السماء. ولكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضةً، وأعمق جرحاً وطعنة نافذة في صميم القلب "المواطني" والانتماء "الوطني".

وعلى الرغم من عدمية المقارنة بين مستويات الألم والمعاناة، إلا أن تكرار هذا اللحن النشاز

"مئات الآلاف من ساكنيها غادروها في تغريبة القرن الواحد والعشرين" يكاد يُجبر على التوقف عنده وسماعه ومحاولة فهمه والسعي إلى الرد عليه. آلافٌ مؤلفةٌ تموت تحت أنقاض جزءٍ مهمٍ من المدينة يُشكل عصبها الاقتصادي والتاريخي. آلاف البراميل تتساقط فوق ساكنيها. أحقابٌ تاريخية زالت وتزول من خريطتها. مئات الآلاف من ساكنيها غادروها في تغريبة القرن الواحد والعشرين. في المقابل، تجد من يقول في "الطرف الآخر"، كما في مقالة نشرت بالفرنسية، ووقعها إلى جانب من هو مُجبر من السوريين، نوابٌ من اليمين المتطرّف الفرنسي، أن أنقذوا "حَلَبَهُم" من العطش، ومن نقص التزويد بالطاقة الكهربائية ومن قذائف الهاون (...). إدانة استهداف المدنيين، كما الاستخدامات الحربية للموارد الطبيعية ومنع السكان، أي سكان، من الحصول عليها، هو واجبٌ أخلاقي. ولكن الاكتفاء بالتوقف عند معاناةٍ جزئيةٍ، وغض النظر، وإعماء البصر عن معاناةٍ ملحميةٍ على بعد عشرات الأمتار، فيمكن اعتباره ممارسةً لا أخلاقية، وصفها يطول ويُؤلم ويُحرج. لو سعى من هم مجبرون على الحديث بهذه الطريقة لمصالح شخصية أو بسبب ضغوطٍ سياسية/ أمنية، إلى الحديث عن مأساة مدينةٍ بأكملها من دون اختزالها عبر منطقهم الأعوج إلى "منطقتهم"، ففي ذلك حيادٌ "إيجابي" يمكن نقده، ولكن لا يمكن رفضه أو إدانته.

يكتمل مشهد الألم بما انتشر من صور الرقص والاحتفال في جزءٍ من المدينة في مقابل القصف والموت في جزء آخر منها. إنها مشاهد صادمة، وتحمل شتماً صريحاً لكل قيم التضامن الإنساني. ومن السهل أن يُقال إن هذه الطقوس من مظاهر مقاومة الموت وتأكيدٌ على استمرار الحياة. كان يمكن أن يصح هذا الكلام نسبياً في ساحات حروبٍ أهلية، كما في لبنان مثلاً، أما في حلبة دماء تقع فيها الحرب على الأهالي، فإن هذا الرقص جزءٌ من تدمير أخلاقي لمستقبلٍ يريده السوريون مشتركاً. ولن تنفع كل أعذار الخطابة الجوفاء والتبريرات اللعوبة في نسيانه.

هناك مأساة الآن اسمها حلب، وما الانقسام الحاصل، إنسانياً بعد أن كان جغرافياً واقتصادياً، بين غربها وشرقها، إلا نموذج قميء لنجاح جماعةٍ حاكمةٍ صادرت حيوات السوريين منذ عقود، وسعت إلى تعميق الهوة الطبقية والاجتماعية والدينية والمناطقية فيما بينهم. ويبدو أنها نجحت.

========================

كيف ينتصر الدم على السيف؟ .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 9/10/2016

انشغل الأميركيون والأوروبيون بالفعل أخيراً بالمقتلة الدائرة في حلب. ويقول الأميركيون في اجتماعهم بحلفائهم في أوروبا إنّ كل الخيارات العسكرية والسياسية والاقتصادية مطروحة.

أما المراقبون الجدّيون فيرجّحون أنه بعد التهديد الروسي إن قُصفت قوات النظام السوري، فإنّ الرد سيكون مزلزلاً، بأن لا يلجأ الأميركيون ولا حلفاؤهم إلى قصف قوات النظام وتمركزاتها، بل ربما وافقوا لأردوغان على المنطقة الآمنة التي يريد إقامتها. وقد يزيدون من تسليح المعارضة بأسلحة نوعية. ويكتفون مع الأكراد بالمناطق التي سيطروا عليها، ويدفعون الأتراك و«الجيش الحر» باتجاه الرقة بعد الباب. وإذا كانوا صارمين جداً فقد يحمون بالطيران قوافل المساعدات لنجدة حلب، وإن يكن ذلك غير مرجَّح.

لماذا وصل الأمر إلى هذا الحدّ؟ منذ ثلاث سنواتٍ هناك تعاوُنٌ وثيقٌ بين كيري ولافروف. وقد أعطت الولايات المتحدة روسيا الأَولوية في سوريا، منذ أعرضت عن قصف قوات النظام بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة. وقد فهم الروس الرسالة، ودخلوا بشروطهم وشروط النظام في المفاوضات السياسية التي ما كان منتظَراً أن تُنتج شيئاً. وكان الروس يراهنون في المماطلة على أن يستطيع الإيرانيون وقوات النظام مع الميليشيات من حزب الله والعراق وأفغانستان وباكستان الانتصار في الحرب، فيأتي الحلُّ السياسيُّ الذي يرعاه الروس والأميركان لمصلحة الأسد ونظامه وحرس سليماني الثوري. لكنّ الروس وبعد الاستيلاء من جانب المسلَّحين على إدلب، أدركوا أنّ الإيرانيين (وقد بلغت قواتهم وميليشياتهم الستين ألفاً منذ عام 2015) كانوا واهمين، وبخاصةٍ بعد أن زارهم سليماني مرتين مستحثاً إياهم على التدخل. وتدخل الروس بالطيران الكثيف قبل عام، وما وفّروا هم وقوات الأسد وميليشيات إيران المستشفيات والأفران والمدارس. وقد تقدمت قوات النظام وإيران في ريف دمشق، وفي ريف اللاذقية والجنوب. ومع ذلك فإنّ المسلَّحين الذين فقدوا معبر «الكاستيلو» بحيث حوصرت قواتهم ومدنيوهم في شرق حلب، عادوا فاستولوا على «الراموسة» والكليات العسكرية المحصنة جداً، واحتاج الأمر إلى عدة أسابيع حتى استعادها الطيران الروسي، مع خسائر فادحة للنظام والإيرانيين والمسلَّحين على الأرض.

وما كان كيري واهماً ولا جاهلاً، لكنّ قرار الرئيس الأميركي كان ولا يزال عدم التدخل في سوريا، وإعطاء الروس الفرصة لتحقيق انتصار محدود، يسمح بالوصول إلى حلّ سياسي، مع بقاء الأسد لسنتين قادمتين. وهذا هو تفسير الرئيس الأميركي للأرجحية الروسية في مقابل حلّ اللا غالب واللا مغلوب. وبهذا الاقتناع أقبل كيري على التفاوُض مع لافروف حتى على التعاون أو التنسيق العسكري. وبعد ساعاتٍ طويلةٍ (نحو أربعين ساعة خلال شهرين)، وحديثين بين بوتين وأوباما، توصل الطرفان إلى اتفاق يبدأ بهدنة وإدخال للمساعدات إلى شرق حلب. وهنا اعترض العسكريون الأميركيون يقودهم وزير الدفاع فهم لا يقبلون تنسيقاً عسكرياً واستخباراتياً مع الروس غير المأمونين، ويخشون من تبادل المعلومات التي يمكن أن تؤثر على أمن قواتهم الخاصة في سوريا والعراق. وعجز الرئيس وكيري عن إقناعهم، في الوقت الذي كان فيه الروس يلحّون على أنه إن لم يجرِ التعاون ضد «النصرة» و«أحرار الشام»، فإنهم لن يسمحوا بإدخال المساعدات، ولا باستمرار الهدنة. وقصفوا قافلة المساعدات الآتية من تركيا بالفعل، فردَّ الأميركيون بقصف قوات النظام في دير الزور «خطأ»! وهكذا جُنَّ جنون بوتين فأنهى الهدنة، وعزم على الاستيلاء على شرق حلب بالقوة لأنّ الأميركيين لم ينفذوا الاتفاق!

.. وهنا كما في حرب العراق، انتصرت حرب الصورة ووسائل الاتصال. حيث نقلت وسائل الإعلام العالمية وقائع فظائع الروس والأسد والإيرانيين على المدنيين بالذات في حلب وعلى مدار الساعة. وحققت القوات الإيرانية والمتأيرنة بعض التقدم على الأرض. لكنّ الثلاثة آلاف روسي الذين حضروا إلى الجبهة -في ما يقال- لم يشاركوا بعد. والمسلَّحون المعارضون ما أظهروا انهياراً، بينما جاع المدنيون وتاهوا وضاعوا. ولذا فإنّ الفرنسيين والبريطانيين والأمم المتحدة، حمّلوا روسيا المسؤولية عن المذابح.

في العاشورائيات الجارية هذه الأيام، يقول الخطباء إنّ الدم الحسيني انتصر على السيف! فهل ينتصر دم الشعب السوري على الميليشيات الإيرانية؟ لقد عجز بوتين عن الانتصار بالسيف، فعاد للمطالبة بالتعاون الأميركي. لكنْ بين القصف والتفاوض ستضيع حلب، وتُهجَّر البقية الباقية من الأحياء إلى «المنطقة الآمنة» التي يريدها أردوغان.

*أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية.

========================

موقفنا : العقل الروسي ...والفيتو الخامس .. حلب ... ليست مسرح دوبروفكا .. ولا هي مدرسة بيسلان .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/10/2016

حتى لو استرسل المسترسلون مع الطرح الروسي ، واعترفوا ، أن ثمة مجموعات إرهابية مندسة في صفوف الفصائل الثورية ، فكيف يمكن ان يكون الحل المرجو ، لو كان على الساحة قادة أو ساسة أو دبلوماسيون ؟ إن الجواب على هذه الأحجية البسيطة ، والتي لا تعدو أن تكون معادلة رياضية من الدرجة الأولى ؛ يختلف باختلاف عقل المجيب ، درجة الذكاء ، والمستوى الثقافي ، والخلفية الإيديولوجية .

العامة تقول : أحرقَ اللحاف من أجل برغوث . وقيل لجحا علق رأس الثور في الجرة ، قال : اقطعوا رأس الثور ، فلما قطعوه ، وظل الرأس عالقا داخل الجرة ، قال الآن : اكسروا الجرة . من غير العقل الروسي ، أو عقل بوتين ( المخبر الصغير ) المتسم بالغباء والمشحون بالحقد والكراهية ، يقترح خنق رواد مسرح بمن فيه بالغاز لأن عشرة من المعارضين، الذين يطلق عليهم ( إرهابيين ) تسللوا إلى المسرح واحتجزوا من فيه؟ ! من غير بوتين المخبر الصغير يأمرباقتحام مدرسة فيها أكثر من ألف تلميذ بالدبابات ، لأن مجموعة من (الإرهابيين) حسب مصطلحاته قد احتجزتهم ؟! من غير العقل الروسي الذي تربى في ظل نظرية تشييء الحياة ( الحياة مادة ) ، واحتقارها والاستهانة بوجود الإنسان ، حياته ومشاعره وآلامه وعذاباته وطموحاته وتطلعاته يلجأ إلى تدمير آبدة من أوابد التاريخ الإنساني مثل حلب لأن بين مئات الألوف من سكانها عشرات أو مئات ممن يصنفهم هو إرهابيين .

حديثنا هذا ليس تحليلا سياسيا مهوما منطلقا من دوافع إيديولوجية ، أو مندفعا في فراغ التعميم العدمي القائم على خطاب إعلامي عدمي واستهلاكي . بل إن المتابع الدبلوماسي لإبداعات العقل الروسي البوتيني ، سيجد العديد من الشواهد الناطقة ، التي تكشف عن أكثر من براءة اختراع بوتينة ، لم يُسبق بوتين إليها ، في أي دولة من العالم غير ما سبق إليه حافظ الأسد في حماة وفي تدمر وفي جسر الشغور وإدلب وحلب في ثمانينات القرن الماضي .

يروي لنا تاريخ بوتين الدبلوماسي أنه في 23 / تشرين الأول / ( اكتوبر ) 2002 قام عشرة أو عشرات من المقاومين الشيشان المطالبين بحرية وطنهم ، واستقلاله ، والذين يصفهم العقل الروسي بأنهم ( إرهابيون ) بالتسلل إلى مسرح ( دوبروفكا الثقافي ) في موسكو واحتجزوا فيه مئات الرهائن ، مطالبين بحرية وطنهم ، واستقلاله ، وانسحاب المحتل الروسي منه ، فكيف عالج العقل البوتيني الموقف المكرور في كل دول العالم.

لقد درجت كل حكومات العالم عندما تبتلى بمثل هذا الحدث ، أن تحتويه بالمزيد من الدبلوماسية وبتقديم التنازلات من فوق الطاولة وتحتها حرصا على أرواح المدنيين الأبرياء ؛ بينما قرر عقل بوتين المبدع الشرير المستهين بالحياة الإنسانية ، أن يضخ نوعا من الغاز السام القاتل ، من فتحات التهوية على قاعة المسرح فسمم كل من فيه ، غير مبال بأعداد الضحايا الذين يمكن أن يتساقطوا نتيجة هذا العمل الإرهابي الخسيس، الذي يقدم عليه رئيس دولة ، الأصل الأول فيه حماية أرواح الناس . لقد أقدم القاتل الإرهابي على تنفيذ العملية التي أسفرت عن إصابة المئات من رواد المسرح وخلصت بالنهاية إلى مقتل مائتين من المواطنين الروس ، قتل منهم 129 مواطنا نتيجة استنشاق الأنفاس الأولى من الغاز السام ، الذي لا يزال الخبراء الدوليون يحارون في معرفة ما هو . كانت جريمة بوتين في رائعة النهار ، وتحت سمع المجتمع الدولي وبصره ، وأغضى الجميع عن جريمة المجرم كما يغضون اليوم عن جريمته في إبادة السوريين ، وتدمير ديارهم ...

ومرة أخرى ، وبعد عامين تقريبا من جريمة ( مسرح موسكو ) وبالتحديد في 1 / إيلول ( سبتمبر ) / 2004 /قام عدد من الثوار الشيشان المطالبين بحرية بلادهم واستقلالها ، والملقبين بالإرهابيين حسب معجم المحتل المتغطرس ، بالتسلل إلى مدرسة في بلدة ( بيسلان ) مطالبين باستقلال بلادهم . كان في المدرسة ما يزيد عن 1100 إنسان ، من الطلاب والمعلمين والمعلمات. ومرة أخرى ، وبدلا أن يذهب بوتين إلى حل دبلوماسي ، يقوم على سياسة الاحتواء ، عاد عقل المخبر الصغير إلى إبداع الحل الأسهل عليه ، والأقرب إلى روحه وقلبه ؛ فسير رتل من الدبابات خلال ثمانية وأربعين ساعة ، لتقوم في في 3 / أيلول سبتمبر ، باقتحام المدرسة على من فيها مما أدى إلى قتل ثلاث مائة وعشرين إنسانا ( 320 ) ، منهم ستة وثمانون طفلا ( 186 ) ، لم يسأله أحد في العالم الذي يكرر عزمه على محاربة الإرهاب ، فيم قتلتهم ..

واليوم ، إن السلوك الروسي في سورية ، والفيتو الروسي ، في مجلس الأمن ، هو حلقة في سياق عقل إرهابي ينجدل تلقائيا مع قوى الإرهاب الطائفي الأسدي والصفوي على السواء ، الإرهاب الذي يحمل على كاهله عبارات ثأر عمرها ألف وخمس مائة عام .

في عالم الأدب تعود النقاد أن يقولوا ( الأسلوب هو الرجل ) ، بكل بساطة يمكن أن ننقل المقولة إلى عالم السياسة لنقول لصاحب الفيتو الخامس في سورية ( الإرهاب هو بوتين ) ( الإرهاب هو بشار ) . وكل من يشكك في هذه الحقيقة أو يجادل فيها ، فهو شريك في جريمة الحرب التي تمارسها مدرسة الشر العالمي ضد السوريين .

لا ينفع أن نقول نستنكر وندين تعليقا على الفيتو الروسي الخامس لأن الفيتو الخامس بالنسبة إلينا هو نفسه الفيتو الأول وهو نفسه الفيتو العاشر ، ولو نفعت إدانة مع الفيتو الأول لنفعت مع الذي يليه ..

يبقى من واجب الذي يريد أن ينفض عن نفسه عار الاشتراك في حرب الإبادة التي تشن على السوريين ، من دول العالم والإقليم ، العودة المباشرة للتحرك العاجل المبادر للتحرك خارج إطار مجلس الأمن ، لقطع الطريق على رغبات بوتين المظلمة ، وبتفعيل عملي لروح القانون الدولي ورفع مفهوم القانون فوق منطوقه ..

ويبقى من واجب السوريين أجمع أن يدركوا من الوقائع التي قصصناها في هذا المقال ، أن يدركوا طبيعة عدوهم ، ومترديات تفكيره ، وحقيقة ما يراد بهم . بفعل واع رشيد .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

حلب.. آه يا حلب .. محمد فاروق الإمام

يحار القلم من أين يبدأ رسم حروف الكلمات ومن أين يبدأ إنزال النقاط ومن أين يبدأ بالحديث عن حلب الشهباء..

آه يا حلب وألف ألف آه.. وأنت أول مدينة مأهولة  في التاريخ وعمرك تجاوز الخمسة عشر ألف سنة.

آه يا حلب وألف آه..إبراهيم عليه السلام توقف يمتع ناظريه  مدهوشاًبما حباك الله وآثر النزول فيك وحط الرحال، وكان طعامه حليباً من شهبائه التي راحت عنواناً لحلب الشهباء.

آه يا حلب وألف ألف آه.. سيف الدولة قارع الرومان فكنت له مثال الوفاء والكبرياء.. وأبو فراس والعشرات من الشعراء تغنوا بك قصيداً وشعراً لا يزال صداه تسمعه أجيال خلف أجيال.

آه يا حلب وألف ألف آه.. هنانو هز عرش غورو وأقام فيك قلعة للكفاح مرغت أنوف الفرنسيين وألبستهم ثوب العار.

آه يا حلب وألف ألف آه.. كنا نخط تاريخك بمداد أزرق فاقع واليوم نخطه بقاني الدماء..

وجاء البعث يحمل على كتفيه عصابة من الغربان نشرها تنعق وقد قضى على البلابل وشدوها وشلّ حياة الإنسان.

آه يا حلب وألف ألف آه.. خمسون سنة عجاف قضيتها خلف القضبان.. سجانك مجرم أفّاك.. نذل وجبان.. استقوى عليك بكل سفهاء أهل الأرض من طهران وكابول وبغداد وموسكو وضاحية لبنان مع نذل قرداحة المعتوه والجبان.. وقفت بصدور أبنائك العارية تقارعين الحديد والنار (نابالم عنقودية فراغية براميل اهتزازيه ألغام بحرية صواريخ عابرة للقارات) أحياء تهدم وبنايات تفجر وأشلاء تتناثر وأحياء تحت الركام تقضي، تدعو على من قتلها: (بأي ذنب قتلتني؟).

تصدحين مع صوت المؤذن : لا.. لا.. لغير الله لن نركع.

وكل البشر من أبيض وأصفر وأسود وأحمر مع الأشقاء وأبناء العم صامتون لاهون لا يعيرون أي بال لهذه الدماء وما ينزل بحلب.. لك الله يا حلب.. لك الله يا حلب.

=========================

روسيا القوية والمستنقع السوري .. حسن شامي

الحياة

الاحد 9/10/2016

العبارات التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه أمام مجلس النواب (الدوما) استوقفت عن حق غير مراقب ومتابع. وليست دعوته، المرفوعة كشعار مرحلي واستراتيجي، إلى حق روسيا في أن تكون دولة قوية هو ما استدعى ويستدعي في حد ذاته إمعان النظر في نبرة الخطاب. والحق أن إشهار الدعوة البوتينية إلى «روسيا قوية» يأتي في مناخ من التوتر ومن انقطاع التفاهم مع الإدارة الأميركية على خلفية التطورات الميدانية للأزمة السورية خصوصاً في حلب، حيث تتقدم القوات النظامية للسيطرة على أحياء حلب الشرقية تحت مظلة غطاء من القصف الجوي العنيف.

هذا المناخ المضطرب الذي يلف العلاقة بين دولتين عظميين، وينعكس بالتالي على خريطة الاصطفافات الإقليمية والمحلية، هو ما يعطي خطاب بوتين فائضاً دلالياً يتعدّى لعبة الإنشاء البلاغي المعهود في أدبيات التعبئة والتبرير الدولية والقومية. وقد لا يكون مستغرباً، في سياق من هذا النوع، أن يستشهد بوتين بعبارات ألقاها رئيس الوزراء في زمن الأمبراطورية القيصرية في مطالع القرن الماضي، أي قبل سنوات من انتصار الثورة البلشفية واستتباب منظومة الحكم الشيوعي طوال سبعة عقود. ذلك أن منظومة الشيوعية السوفياتية وامبراطوريتها انهارتا وبات المتحسرون عليهما أشبه بالمقيمين داخل المتاحف.

لو استعاد أي مسؤول روسي قبل ثلاثة عقود عبارات العهد القيصري، كما فعل بوتين قبل أيام، لتعرّض لمحاكمة قاسية إيديولوجياً وقضائياً، بتهمة الخيانة العقائدية والدفاع عن نظام قديم وجائر. ويفهم من هذا أن لغة بوتين لا تترنم بأدبيات الحرب الباردة والصراع الحتمي بين نمطين من الحياة والانتاج والكينونة، الرأسمالية والشيوعية.

ولأن بوتين يعلم أن لغة ما بعد الحرب الباردة تقتضي تدوير زوايا كثيرة، فقد أكد في خطابه أن الحق في القوة الروسية هو أيضاً من حق كل الشعوب والدول وليس تعبيراً عن غرور دولة عظمى. فروسيا القوية لا تملي على أحد شيئاً ولا تتطلع إلى السيطرة، وفق عبارات بوتين. يجدر القول ههنا إن الحمقى وحدهم يصدقون أن نهاية الحرب الباردة تعني نهاية كل شيء، التاريخ والإيديولوجيات والطوباويات وفق ما هلّل المبشّرون والدعاة المتكاثرون كأسهم البورصة وسوق المضاربات المالية وتحول المثقفين إلى خبراء وأرباب حرف دعوية.

بكلام آخر، ينم خطاب بوتين الأخير عن قناعة ثابتة بطي صفحة الحرب الباردة والعودة إلى زمن «اللعبة الكبرى»، أي لعبة الأمم الكبيرة وتسابقها على المكانة والنفوذ والسيطرة. ومن مفارقات الأمور أن أركان الإدارة الأميركية، والأوروبية أحياناً واستطراداً، هم الذين يلوحون، كلما اضطربت العلاقة مع موسكو، بيقظة أشباح الحرب الباردة وتجديد شبابها.

روسيا البوتينية لا تخفي اندفاعتها إلى وصل ما انقطع في التاريخ الروسي القومي والامبراطوري. وينطبق هذا التوصيف أيضاً، وإن في قوالب مختلفة، على حال تركيا الأردوغانية وفوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي المديد، وسعيه إلى تجديد الصلة الرمزية وغير الرمزية مع التاريخ العثماني الأمبراطوري. يصرّ الأميركيون، والغربيون عموماً، خصوصاً في دوائر السلطة والتخطيط والقرار، على تسويق مخاوف من عودة روسيا إلى لغة ومنطق الحرب الباردة. هذا الإصرار يبدو دعوياً وغير واقعي، لكنه يتناسب مع الترسيمة الإيديولوجية السائدة في الزمن النيوليبرالي. فوفق هذه الترسيمة، تتخذ أهواء السيطرة والجشع والربح السريع صورة الواجب الأخلاقي الذي يقتضي الذهاب أبعد في القطيعة مع أمبراطورية الشر السوفياتية والشيوعية السابقة، بل حتى مع دولة الرعاية والتوزيع المتناسب، والعادل نسبياً.

هنا بيت القصيد. ونعني العلاقة بين الأخلاق والسياسة. فمن المعلوم والشائع أن صورة الاندفاعة الروسية، وغيرها ربما من الدول الصاعدة في العالم، إلى تحصيل القوة والمكانة داخل المشهد الدولي، أو العولمي إذا شئتم، تتعرض لمحاكمات ذات طابع أخلاقي تهدف إلى نزع البداهة عن أي محاولة لتثبيت قدر من الاستقلالية السياسية ومن اعتبار المصالح والحسابات الجيواستراتيجية. كل تعديل في وضعية القطبية الدولية الواحدة والمنتصرة منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار المنظومة السوفياتية سيطلق العنان بالضرورة لأحكام قيمة تظهر الخصم أو المتفلت من السيطرة في صورة الشرير والشاذ أو الضال عن السويّة الكونية. في المقابل تظهر القوة المسيطرة عالمياً وأحادياً في صورة الوصفة الناجحة للتناغم والتوازن المنشود بين نصاب الأخلاق ونصاب السياسة. صورة روسيا اليوم، وتدخّلاتها في غير مكان، لا تشذ عن هذه الترسيمة السائدة. فسواء كان الأمر يتعلق بأوكرانيا أم بالأزمة السورية الفاحشة العبثية والفظاعة، تبدو روسيا في مخيلة المستأنسين بالقدر العولمي الراهن على درجة عالية من الفظاظة والتسلّطية. والفظاظة هذه يجري دائماً تقديمها على أنها من رذائل سلطة تقوم جوهرياً على البطش والغلظة والمحسوبية والنزعة السلطانية مما يعزز الاعتقاد، في المقابل، بأن فظاظة التدخلات الغربية تبقى عرضية وهامشية حتى عندما تقود إلى تدمير بلدان ومجتمعات وأنسجة وطنية بكاملها. في الحالة الأولى، الروسية مثلاً لا حصراً، تكون المحاسبة جاهزة وسابقة على الفعل السياسي الذي لا يفعل سوى إشهار الطبيعة الشريرة للسلطة. في الحالة الثانية، الغربية والأطلسية عموماً، تصبح المحاسبة ضرباً من الرعونة والتحامل والتطاول على أفضل وصفة منحها القدر التاريخي للبشر.

هذا ما يظهر حتى الآن وبقوة إذا ما وضعنا الفظاظتين، الروسية والغربية، في مرآة المأساة السورية المتطاولة. لقد ميّز عالم الاجتماع ماكس فيبر بين أخلاق أو خُلُقية القناعة الراسخة وبين خُلُقية المسؤولية. الحالة الأولى هي من نصيب الوعاظ الأخلاقيين والدعاة الذين لا يعنيهم ما قد يترتب على أفعالهم الصادرة عن يقينيات معتقدهم. وهذا ما يتقاسمه النظام ومعظم المعارضة السورية. الحالة الثانية هي من نصيب رجال السياسة الذين يقدّرون إلى هذا الحد أو ذاك نتائج وتبعات أفعالهم وأفعال غيرهم. وهذا ما يزعمه اللاعبون الدوليون. فغداة التدخل الروسي العسكري المباشر في المعمعة السورية، قبل عام، اعتبر قادة أميركيون أن روسيا ستغرق في المستنقع السوري كما حصل من قبل في أفغانستان. على أن الحديث عن مستنقع يفترض القدرة على تحويل الواقع إلى مستنقع وتحويل القابلية السورية، أو غيرها، للاستنقاع إلى واقع مرير. وهذا ما حصل. سورية تنتظر تسوية أخرى بين السياسة والأخلاق.

========================

الاختراق العربي، الممكن جداً، في سوريا .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 9/10/2016

الاختراق العربي، الممكن جداً، في سوريا «صعود هتلر» هو الكتاب الذي وضعته صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية على رأس قائمتها الشهيرة المتعلقة بالكتب التي تنصح بقراءتها.

ماعلاقة هذا بالموضوع السوري والعربي؟ يمكن فهم العلاقة من زاوية قراءة الواقع الأمريكي والأوربي، المتعلق بصعود شخصياتٍ فاشية قُدُماً على سلّم السلطة السياسية في القارتين، في ظل نظامٍ ديمقراطي. وهو مايزيد الحديث دولياً عن احتمالات فوضى عالمية قادمة.

ثمة بُعدٌ آخر يجب أخذه أيضاً بعين الاعتبار. فمنذ يومين، نشرت الصحيفة نفسها مقالاً تحليلياً يتحدث عن محاولة روسيا بوتين لاستغلال الأسابيع القليلة الباقية إلى يوم الانتخابات الرئاسية الأمريكية لخلق أمرٍ واقعٍ جديد على الأرض في سوريا. وتنقل الصحيفة عن أندرو تابلر، أحد كبار الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أنه سمع شخصياً من ساسة وخبراء روس اعتقادهم بأن هيلاري كلينتون ستكون أقرب لسياسة استخدام القوة في سوريا من الرئيس أوباما، حالَ فوزها بالرئاسة. كما تنقل عن مسؤولين أمريكان يقينهم أن من السهل انزلاق روسيا إلى مستنقع في سوريا «خاصةً إذا قامت الدول العربية المؤيدة للثوار بتزويدهم بأسلحة مضادة للطائرات»، كما أكدت الصحيفة.

أما صحيفة (واشنطن بوست) فقد اهتمت بالموضوع من جانبٍ آخر، حين أشارت في تقريرٍ لها يوم الجمعة أنه، بعد أن أقر المشرّعون الروس إقامة قاعدة عسكرية دائمة لبلادهم في سوريا، فإن الحديث عاد في روسيا إلى مسألة فتح قواعد عسكرية في كوبا وفيتنام، وربما مناطق أخرى من العالم.

قد يرى البعض مبالغةً في هذا الحديث. لكن مايغيب عن المعادلة هو التفاعلات غير المحسوبة، التي يمكن أن تنتج عن قرارٍ (مجنونٍ) واحد يمكن للرئيس الروسي أن يتخذه في لحظة نشوةٍ (مافيوية)، ممزوجة بجرعةٍ من جنون العظمة، وغرور عقلية (الكي جي بي). فهناك شعورٌ سائد حتى الآن في واشنطن بأن «الأمور تحت السيطرة» فيما يتعلق بالتدخل الروسي، وكل ممارساته. وبأن هذا يدخل في إطار استجابة بوتين (اللاواعية) لفخّ الاستنزاف الذي تم سحبهُ إليه استراتيجياً، بغض النظر عن كل الكلام الاستهلاكي المُعلن عن الخلافات الروسية الأمريكية. لكن ثمة حديثاً يتصاعد في دوائر حساسة بأن الرجل بدأ «يُصدّقُ نفسه».. والأخطر من هذا، الإشارات إلى أن بعض جنرالاته صدّقوا الوهم الذي باعهم إياه الأمريكان، وصاروا يهاجمون أمريكا، لأول مرة منذ عقود، بأسلوب (قبضايات) الحارات الشعبية.

فمنذ أيام مثلاً، أطلق الناطق باسم وزارة الدفاع إيغور كوناشينكوف، تصريحات بشكلٍ استعراضي دعا فيها من وصفهم بـ «ذوي الرؤوس الحامية»، في واشنطن، ليتذكروا أن روسيا نشرت صواريخ «إس-300» في طرطوس و «إس400» في قاعدة حميميم باللاذقية، داعياً للتنبه إلى أن «مدى النظامين وقدراتهما ستحمل مفاجآت تنتظر من يفكّر في الهجوم على سوريا».

وفي خضمّ انغماس الروس في هذه الطريقة في التفكير، يحاولون، بشكلٍ محموم، استغلال الأسابيع العشرة القادمة، الحساسة جداً، لتغيير الوقائع على الأرض السورية.

هنا تنفتح إمكانيات الاختراق العربي المقابل، وفي سوريا تحديداً. فـ «الظروف الاستثنائية تحتاج إلى تدابير استثنائية» كما يقول المثل الغربي. وحين ننظر إلى مايواجهه العرب بشكلٍ عام، ودول الخليج تحديداً، من الأوضاع في سوريا إلى مستتبعات قانون «جاستا» الأمريكي، يبدو واضحاً أن المشهد يندرج حتماً تحت عنوان الظروف الاستثنائية. بل إن ثمة تسريبات عن سيناريوهات (وحشية) يطرحها البعض في معرض السياسات الممكنة للتعامل مع المملكة والخليج في الفترة القادمة.. باختصار، ومع (الاحترام) لكل الحسابات الدبلوماسية في الحديث عما يجري.. نحن نعيش، دون شك، واقعَ وجود عدة محاور للمواجهة والمُدافعة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية في هذه الفترة، ومن الخطأ القاتل الزهدُ في العمل الكثيف فيها جميعاً.

وبين إمكانية أن (يضغط) الروس على الزر الخطأ في أي لحظة، والفوضى العارمة في السياسة الأمريكية هذه الأيام، واحتمالات دخول العالم بأسره في فوضى كبيرة، يبدو هذا الوقتَ المناسب لقرارٍ خليجيٍ حاسم، تقوده المملكة، لإحداث اختراقٍ على الأرض في سوريا، تُضاف نتائجه إلى الأوراق التفاوضية للخليج في هذه المرحلة المفصلية.

مرةً أخرى، تتصرف الغالبية العظمى من القوى الدولية والإقليمية في هذه الأيام بعيداً عن الحسابات السياسية المُندرجة في إطار التوازنات التقليدية القديمة. وهناك شعورٌ عام بإمكانية خرق كل قواعدها. لهذا، سيكون من غير المعقول بقاء دول الخليج الطرف الوحيد الملتزم بتلك القواعد حالياً، ماسيعود بضررٍ كارثي عليها في المدى المنظور.

أخيراً، ثمة بالحسابات السياسية احتمالاتٌ عالية في أن تكون نتيجة الاختراق الذي ندعو إليه إيجابية. ولكن، مهما كانت النتائج في النهاية، فلن تكون أسوأ من الواقع الذي يبدو أننا كعرب سائرون إليه بشكلٍ مخيف. هذا إن كنا صادقين مع أنفسنا، وتذكّرنا الحكمة العربية العميقة والعملية: «أنا الغريقُ فما خوفي من البَلل».

========================

هل يصلح أنطونيو غوتيريش ما أفسده الكبار؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 9/10/2016

توافق أعضاء مجلس الأمن الدولي على انتخاب أنطونيو غوتيريس، ليكون خليفة للأمين العام للأمم المتحدة الحالي، بان كي مون، المنتهية مدة ولايته، وسط ظروف معقدة في مستوى الأمم المتحدة وسياسات مرتبكة في الملف السوري من جهة، وفي ظل تصاعد الخلافات الدولية ولا سيما الخلاف الأميركي - الروسي حول سوريا، الأمر الذي يشير صراحة إلى المهمات، التي يعلقها مجلس الأمن الدولي على مجيء الأمين العام الجديد، التي سيكون في مقدمتها تنشيط دور الأمم المتحدة في سوريا، وإجراء متغيرات في سياستها هناك من جهة، وتخفيف حدة الخلافات الدولية خصوصا الأميركية - الروسية فيما يتصل بالقضية السورية.

أنطونيو غوتيريس القادم إلى منصب الأمين العام، سياسي برتغالي مخضرم، تولى ملف اللاجئين للسنوات العشر الماضية، بصفته المفوض الأعلى للاجئين في الأمم المتحدة، وقبلها تولى مسؤوليات مهمة في بلاده منها رئاسة وزراء البرتغال صاعدا من داخل الحركة الاشتراكية، التي نشطت في تصفية الإرث الثقيل للديكتاتورية، التي عزلت البرتغال، وأعاقت نهوضها لعقود طويلة، قبل أن تطوى صفحتها في السبعينات، والرجل في تجربته الطويلة، كان حاضرًا وفاعلاً سواء في السياسة الداخلية، التي أثبتت نجاحه، أو في السياسة الدولية المرتبكة لملف اللاجئين، التي أحاطت به تطورات عاصفة، ولا سيما ملف اللاجئين السوريين الذي فرض تحديات ومشكلات، لم يشهدها الملف في وقت سابق.

بين النجاح والارتباك، يأتي الرجل إلى منصب الأمين العام، وقد شغله لسنوات طويلة الأمين العام السابق بان كي مون، وقد تميزت سياساته بالمواربة والتساهل، وتجنب اتخاذ مواقف وسياسات هي في صلب وظيفته، حيث لم تتعد تصريحاته في السنوات الست الماضية حول انتهاكات القانون الدولي وجرائم الحرب واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا وغيرها، التعبير عن القلق في أغلب الأحيان. بل إنها ترافقت مع اعتماده على مساعدين ومبعوثين أبعد ما يكونون عن مواصفات وظيفتهم.

تركة بان أمام خليفته أنطونيو غوتيريس بكل ما فيها من وقائع ومعطيات، والأهم أن الظروف التي قادت إلى هذه التركة، قائمة وتتفاعل بصورة سلبية وسط الخلافات الأميركية - الروسية، التي لا يمكن أن يفهم من موافقة الطرفين على مجيئه إلى منصبه، أنها انتهت أو أنها في هذا المسار، بل إن اختياره، وإن جاء باعتباره حاجة لإملاء هذه الوظيفة الأممية، فإنها تعبير عن رغبتهما في تمرير الضرورة بانتظار ما يمكن أن تصير إليه نتائج احتدامات سياسيتهما في سوريا وحولها.

وسط هذا الوضع، تبدأ المهمة الصعبة للأمين العام الجديد. غير أن ذلك لا يعني أنها بالضرورة ستكون استمرارا لعهد سابقه، بسبب سياسة الدوليين الكبار وارتباكاتها وارتكاباتها أيضا، بما سببته من مآس تم تمريرها في سوريا، وأغلبها ما زال مستمرًا، بل متصاعدا على نحو ما يبدو عليه الوضع في حلب بعد أسبوعين من حرب دموية مدمرة هناك لا تبدو لها نهاية.

الخطوة الأولى، التي ينبغي على الرجل القيام بها في إطار مسؤوليته الأممية، تأكيد دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومسؤوليتهما حيال الوضع في سوريا، خصوصا في جوانبه السياسية والإنسانية، وفي سياق ذلك لا بد له من توصيف ما يجري فيها استنادًا إلى الحقيقة وللنصوص والتجارب، التي عايشتها المنظمة الدولية في المراحل الماضية، والمضي نحو محاسبة المجرمين والمرتكبين. والخطوة الثانية المفترض القيام بها، هي السير بخطوات عملية إجرائية في صلب اختصاصه، أبرزها العمل على تطبيق القرارات والتوافقات الدولية، التي تم اتخاذها سابقًا في القضية السورية، والسعي نحو وقف العمليات العسكرية وإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، ولا سيما للمناطق المحاصرة، والعمل على وقف عمليات التهجير القسري الجارية للسوريين من مناطق سكنهم. ولعل الفاتحة العملية في هذا المجال خطوة يقوم بها الأمين العام باتخاذ موقف من ستيفان دي ميستورا، الذي أثبت أن مبادراته في القضية السورية ليست أكثر من عملية تمرير للوقت، واستفادة نظام الأسد منه، الذي ليس لديه حل سياسي، وإنما مجرد حل عسكري، يقوم على إعادة إحكام سيطرته على ما يمكن من سوريا، والتهرب من كل الجرائم التي ارتكبها.

ومما لا شك فيه أن انخراط أنطونيو غوتيريس الأمين العام الجديد للأمم المتحدة في مسؤوليات منصبه بصورة جدية لمعالجة القضية السورية، سيؤدي إلى تغييرات في سياسة المنظمة الدولية وأعمالها، وسوف يؤثر هذا التطور على سياسات الكبار الدوليين حيال سوريا. فهذا المنصب ليس بروتوكوليًا، وليس مرهونًا بما يقرره الكبار وحدهم، بل إن رجلا صاحب موقف مثله، سيعطي للمنصب أهميته وتأثيره.

========================

منحبك ؟؟!! .. يحيى حاج يحيى

لست ممن يؤمنون بالحب من أول نظرة ؟! ولا من أول همسة ؟ ومع ذلك فقد فرض علي وعلى أمثالي أن نحبه ونهتف له ونجدد البيعة كلما أراد ، ولكن على مبدأ ! إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تمقتهم .

عندما دخلت إلى إحدى سفاراتنا العتيدة فوجئت بصورته وتحت كلمة (منحبك) ، كان إلى جواري أحد الإخوة العرب وقد حضر للحصول على فيزا مرور . فوجدته يتهجى الكلمة ويقرؤها (مَنْحُـبُك) ثم يزم شفتيه متعجبا ، فأدركت الإشكال الذي يدور في ذهنه . فقلت : إنه رئيس الدولة (مَنْحُـبُك ) الثاني ، فقال مستغربا : ما سمعت بهذا اللقب !

قلت : أبوه الراحل كان مَنْحُبـُك الأول ، وابنه الصغير الذي يلعب بالدراجة في ساحة القصر الجمهوري يُخٓطط له أن يكون مَنْحُبـُك الثالث ؟!

ازداد تعجب الرجل ، وبالغت في مضاعفة استغرابه فقلت : مَنْحُـبُك لقب مثل فرعون وكسرى وشاهنشاه ولهؤلاء جميعا أسماء غير هذه ؟!

أدار وجهه وكأن هذا التفسير لم يلق لديه قبولا

قلت : ولكنني قرأتها مُنْحَبَك وقد تقرأ مُنْحَبِك : اسم مفعول واسم فاعل من انحبك ينحبك ، والحبك كما في القاموس إجادة نسج الثوب

فإن كانت بفتح الباء فإن الذي حبكه أبو الراحل بعد مقتل شقيقه وآخر حبكة له كانت عندما جيء بأعضاء مجلس الشعب يسوقهم زوج أخته آصف شوكت وأستاذه الذي علمه الحكم بهجت سليمان ، ليغيروا القانون ، ويخفضوا من عمر رئيس الجمهورية إلى 34 عاما ، في أكبر موسم للتخفيضات في العالم الثالث بإدارة عبد القادر قدورة خبير التخفيض العالمي .

ثم حُبك حبكة أخرى حين طلبوا من نائب رئيس الجمهورية أن يصدر قرارا بترقيته إلى رتبة أبيه العسكرية (فريق أول ) وقرارا آخر يرفعه إلى مكانة أبيه الحزبية ( الأمين العام لحزب البؤس ) أحسست أن هذه التفريعات لم ترق لصاحبي فهي لا تهمه في قليل أو كثير فحسبه أن يحصل على تأشيرة المرور ومع ذلك قلت في نفسي : لا بد أن يعرف كيف أحببناه ولماذا ؟ وإلى متى ؟ فأوضحت له أن الكلمة هي (مِنْحِبَّك )أي أننا نحبك ؟؟؟؟!

انفرجت أساريره وقال : أ لهذه الدرجة ؟ قلت : وأشد فأنت عندما تزور قطرنا الممانع الصامد المتصدي ستجد شعبنا يتغدى ويتعشى على حبه , وينام ويستيقظ وهو يحلم به !!

أما كيف حصل هذا فإن والده الراحل الكبير بعد أن رقق مشاعر الشعب ، ونقله إلى حالة من الرومانسية نتيجة الجوع والخوف ، على اعتبار أن الجائع يصل إلى حد الهلوسة والخائف يصل إلى حد التسليم ، هذا الراحل أراد أن لا يحرم العباد والبلاد من نسله المبارك ؟؟ فأخذ عهدا على كل الذين رافقوه في سنوات نضاله الثلاثين بأن يلتزموا مصحاتهم ومساكنهم ويتركوا المجال للأمل الواعد ( ابنه ) بعد أن أكدت له دوائر المخابرات بأنواعها بان السوريين يحتاجون إلى الحب وليس للمواد التموينية ورفع الرواتب والحريات السياسية والفكرية وأنه باختيار ابنه لخلافته يكون قد حقق أمل الشعب مستشهدين بقول المطرب الشعبي : لا باكُلْ ولا بَشْرَبْ بس بطَّلَّع بعيوني ؟!

ولما كانت العيون هي أداة المعرفة الوحيدة بعد تعطيل السمع والفكر فإن شعبنا يحتاج إلى صور تعلق لنجله المُسْتَخْلَف في كل مكان من البلاد ؟ وقطعا لدابر الدعايات الخارجية المغرضة وزعت الصور على السفارات والقنصليات وتحتها كلمة (منحبك) دون تشكيل ليقرأها كل واحد كما يريد .

========================

مندوب روسيا في مجلس الأمن والصفعات التي استقبلها بكل خسة ونذالة .. محمد فاروق الإمام

تابعت كما تابع الملايين فصول مسرحية انعقاد مجلس الأمن للتصويت على قرارين،الأول مقدم من فرنسا واسبانيا، والآخر مقدم من روسيا، وقبل التصويت تكلم عدد من المندوبين تقدمتهم كلمة وزير خارجية فرنسا (جان مارك إيرولت) صاحبة المشروع الأولقائلاً: "إذا لم نتدخل الآن سيخسر العالم حلب إلى الأبد".

وأضاف إيرولت: "على مجلس الأمن أن يدعو لوقف القصف على حلب وإدخال المساعدات، فما يحدث في سوريا هو تكرار لعمليات التطهير العرقي".

كما دعا مجلس الأمن لوقف ما يجري في حلب. وقال: "رئيس النظام السوري وأنصاره لا يحاربون الإرهاب وإنما يغذونه، ومن يقف مع النظام الذي يقتل شعبه عليه تحمل العواقب- في إشارة إلى روسيا - يجب ألا يفلت مرتكبو الجرائم في سوريا من العقاب."

إلى ذلك، لفت إلى أن البعض يفرض شروطاً مسبقة قبل وقف القصف الذي يطال المدنيين- في إشارة إلى روسيا - وختم قائلاً: مشروع القرار أمامكم سيسمح بمساعدة المدنيين والتحقيق بالانتهاكات.

وبعد إجهاض روسيا للمشروع باستعمال الفيتو شن المندوب البريطاني هجوماً صاعقاً ولاذعاً على المندوب الروسي قائلاً:

إن الفيتو الروسي يمثل "العار" الذي نعلمه بشأن أعمال روسيا. وأضاف متوجهاً بكلامه للمندوب الروسي: "لا أستطيع أن أشكرك على الفيتو". وأردف متابعاً: "على مجلس الأمن أن ينهي المهزلة التي تجري".

وقال: "في العادة أستهل بياناتي بكلمة شكر لك سيدي الرئيس لكني اليوم لا يمكن أن أشكرك. اليوم لا يمكنني أن أشكرك، فقد رأينا للمرة الخامسة تستخدم روسيا حق النقض الفيتو بعد خمس سنوات من الصراع في سوريا استخدمتم الفيتو لتوقفوا المجلس من خلق الوحدة التي يحتاج إليها لإعطاء بارقة أمل للشعب السوري للخلاص من المعاناة. إنه فيتو مرة أخرى. هذا الفيتو قلل من احترام مجلس الأمن في عيون العالم، لا أستطيع أن أوجه لك الشكر على ذلك. آلاف النساء والأطفال والرجال محتجزون في حلب وهم لن يشكروكم أيضا، يتألمون في هذه الليلة أيضا، وليس لديهم أمل أن يشهدوا صباح يوم جديد. لقد قمتم بالتعاون مع النظام السوري لكي تقتلوا من يرغب بحل ومستقبل سلمي، إن روسيا غير ملتزمة بمسؤولياتها".

علينا أن نرفع ذلك الحصار الذي كما لوكان من العصور الوسطي، علينا في مجلس الأمن أن نأتي معا وأن نوقف هذا العار الإنساني علينا جميعا وبشكل نهائي".

أما المندوب الأميركي فأكد أن روسيا ونظام الأسد يدمران حلب، وأن روسيا تشارك في القتل، مردفاً: "إنه لأمر مروع".

وأضاف: "روسيا كالعادة تطرح سيناريو مختلفا، وتلقي باللوم على الولايات المتحدة، متهمة إياها بالتلكؤ في محاربة الإرهاب، لكن الواقع أنها مجرد حجة لتبرير مساعدة نظام الأسد، وإلا لماذا يتم استهداف كل مستشفى في شرقي حلب؟ ولماذا استهدفت قافلة للمساعدات الإنسانية؟ إنها جرائم حرب".

كما شدد على أنه لا يمكن لروسيا استخدام بضع مئات من مقاتلي النصرة من أجل تبرير قصف الآلاف من المدنيين. وأضاف: "روسيا باتت واحداً من اللاعبين الرئيسيين الذين يمارسون الإرهاب في حلب".

لقد كان موقف المندوب الروسي وهو يتلقى كل هذه الصفعات موقف العاجز المقر بالذنب، الذي لا حيلة له إلا أن يدير وجهه يمنة ويسرة ليتلقى بكل نذالة وخسة كل هذه الصفعات.

وفي صفعة رمزية لنظام الأسد، انسحب معظم أعضاء مجلس الأمن، لا سيما دائمي العضوية، من قاعة المجلس مع بدء كلمة مندوب النظام السوري بشار الجعفري، مساء السبت، في تسجيل موقف واضح لاعتراض المجتمع الدولي على الجرائم التي يرتكبها هذا النظام لا سيما في حلب.

ولم ير الجعفري رداً مناسباً على هذا الانسحاب سوى أن يشكر "ساخراً" الأعضاء المنسحبين قائلاً: "أشكركم لأنكم بانسحابكم أعطيتموني صفة العضو الدائم مكانكم". بعدها هنأ روسيا، حليفة النظام السوري، على ترؤسها مجلس الأمن في تلك الفترة التي وصفها بالحرجة.

أما الحديث عن مصر السيسي فشيء معيب، فقد صوت المندوب المصري، الذي من المفترض أنه يمثل العرب في مجلس الأمن، بكل صفاقة لصالح المشروع الروسي، وهذا الموقف المخجل لمصر دفع المندوب السعودي في مجلس الأمن، عبد الله المعلميبعد تصويتها بالموافقة على المشروع الروسي حول مدينة حلب قائلًا: "كان مؤلما أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب العربي (المصري).. وأضاف أنه يرثي موقف تلك الدول التي صوتت لصالح القرار الروسي، مؤكدا أن بلاده ستواصل دعمها للشعب السوري بكل الوسائل.

ووصف المندوب السعودي طرح روسيا مشروعا مضادا، واستخدامها الفيتو ضد مشروع القرار الفرنسي بالمهزلة، مشيرا إلى أن المشروع الروسي لم يحصد سوى أربعة أصوات.

وقال المعلمي إن بلاده وعشرات من الدول الأخرى ستوجه خطاب احتجاج لمجلس الأمن عما جرى السبت. تجدر الإشارة إلى أن مصر هي عضو غير دائم بمجلس الأمن، بينما تتولى روسيا الرئاسة الدورية للمجلس خلال الشهر الحالي.

من جهتها وصفت مندوبة دولة قطر لدى الأمم المتحدة علياء آل ثاني الموقف المصري لجهة التصويت لصالح مشروع القرار الروسي، بالمؤسف. وقالت إن المهم الآن هو التركيز على ما يمكن فعله لمواجهة فشل مجلس الأمن في حل الأزمة السورية بعد استخدام روسيا الفيتو للمرة الخامسة.

وأضافت علياء في هذا الإطار "كما قال سفير المملكة العربية السعودية.. سنتحرك ونعمل مع الدول الصديقة للشعب السوري لنعرف ما هي الخيارات الأخرى التي يمكن عملها".

وأكدت بدورها أن خطابا سيُرفع الإثنين إلى رئيس مجلس الأمن بعد أن توقع عليه عشرات الدول، يتضمن احتجاجا على ما حدث في جلسة مجلس الأمن أمس السبت، ووصفت ما حدث من طرح مشروع مضاد واستخدام الفيتو بالمهزلة.

من جهتنا كسوريين نقول صبرنا كثيراً على جراحنا وآلامنا وأحزاننا وبان للعالم أجمع حقيقة النظام الذي يقتل مئات الألوف من مواطنيه ويدمر بنية بلاده ومدنها وبلداتها وقراها ويعتقل عشرات الآلاف ويهجر الملايين داخل البلاد وخارجها، وبات العالم أجمع يعرف كيف نشأ الإرهاب في سورية ومن نماه وباركه ودعمه، وبات يعرف بما لا يدع مجالاً للشك أن روسيا هي وراء كل ما يفعله النظام في سورية، ليس فقط بالتأييد السياسي والإعلامي واللوجستي والعسكري، بل تخطى كل ذلك إلى المشاركة في قتل السوريين وحرق المؤسسات المدنية والطبية والإغاثية والتعليمية والثقافية والتاريخية، ولا أعتقد أن العالم ينسى الدور الإيراني في دعم الأسد وتجييش الفرق المرتزقة من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان وكوريا الشمالية وروسيا للقتال معه بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط والهزيمة.

نتوجه إلى هذا العالم بكل هيئاته ودوله وتنظيماته وفعالياته أن يقف وقفة نبيلة تجاه سورية لوقف نزيف الدم والتجويع والحصار والقتل والتهجير والتعذيب، فهل سنجد عند هذا العالم وقفة مع الضمير بعد أكثر من خمس سنين عجاف تذوقها الشعب السوري وشرب كأس مراراتها وعذاباتها؟!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com