العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-08-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

خطيب الضمائر.. حمزة الخطيب

إيمان محمد

سوريا تي في

الثلاثاء 11/8/2020

فقدت الثورة السورية كثيراً من أبنائها على مدى السنوات الطوال من التضحية والدماء، ومع كثرة أسماء الشهداء التي عبرت وتعبر في ذاكرة السوريين، يبقى اسم الشهيد الطفل حمزة الخطيب لامعاً وبشدّة إلى حد لا يمكن تجاهله أو نسيانه، وإن تساءلنا ما الذي ميّز حمزة عن سواه من أطفال قتلهم النظام المجرم، سنجد إضاءات كثيرة في حياة هذا الطفل، وفي رحيله أيضاً، فهو مختلف بسيرته التي عبقت في أرجاء العالم حاملاً للواء الثورة، ممثلاً لها، كرمزٍ للبطولة والنخوة والشجاعة، وأيضاً يَمثُلُ حمزة الخطيب دليلاً قاطعاً على وحشية النظام وبطشه وساديّته.

ولد حمزة الخطيب في بلدة الجيزة قرب درعا 24 أكتوبر 1997، ومن يعرف درعا يدرك أنها مدينة حملت قيم الأصالة والنخوة والشجاعة طابعاً خاصاً في نفوس أبنائها، وأما درعا في الثورة فحكاية أخرى عظيمة، منها انطلقت الشرارة الأولى للثوار، وقدمت أول شهيد في الثورة، ومنها اشتعلت المظاهرات الهادرة وما زالت مثابرة على ما بدأت به حتى اللحظة، وأما الأطفال في درعا فلم يقلّوا شجاعة عن الكبار، فكتاباتهم على جدران المدارس بإسقاط الدكتاتور كانت كفيلة أن تدب الخوف والرعب في أجهزة الأمن والمخابرات هناك، فقاموا باعتقال عدد منهم وتعذيبهم، وحين تجمع الأهالي لإنقاذهم، قوبلوا بالتهديدات البشعة من رؤساء الفرع ليتحول الغضب من الظلم الممارس إلى مظاهرات تهتف ضد النظام وتنادي بالحرية.

عاش حمزة الخطيب في بيئة من الصدق والوضوح ربّت في داخله إنساناً عظيماً منذ الصّغر، فكان قلبه متجهاً لخدمة الناس، وهاجسه مساعدة الفقراء والتخفيف عنهم،  كما شاهد وتابع مجريات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا فتحركت مشاعر الثائر داخله وهو يبلغ 13 عاماً، وقد رأى بلدته كلها ثائرة، تماماً كما شاهد وحشية النظام وهو يجابه الناس العُزّل بالرصاص والدبابات، وكيف يشن الحصار عليهم وعلى أطفالهم في درعا ليكسر إرادتهم، لقد كانت مشاهدة الأطفال جائعين ومتعبين مؤلمة وقاسية إلى حد لا يُحتمل، كما كانت نظرة العزّة في عيون الآباء رغم الانكسار أكثر إيلاماً وقسوة، وقد كانت المُدن في بدايات الثورة تفزع لبعضها وهدفها تخفيف البطش وفك الحصار، وتلك أسمى معاني الإنسانية!

أن تبادر عائلات بأسرها لترفع القيد عن مدينة محاصرة، فذلك درسٌ للإنسانية في البطولة، وهكذا كانت عائلة حمزة وعائلات أخرى خرجوا جميعاً ليحموا درعا العزيزة بأرواحهم، فساروا قرابة 12 كلم باتجاه بلدة صيدا وهناك بدأ إطلاق النار على المتظاهرين، وسادت لحظات من الخوف والفزع، فارتقى منهم شهداء وهم يحاولون فك الحصار، واعتقلت قوات الأمن العشرات ممن أتوا وفي تلك الأثناء اختفى حمزة، ولم يجدوا له أثراً، لتسلّم جثة حمزة لأهله بعد مدة، وعليها آثار التعذيب الشديد.

بذل نظام الأسد كل ما يملك من حقد وبطش في تعذيب حمزة، ولم يترك وسيلة من وسائل التعذيب الجسدي إلا مارسها عليه، وكأنه شعر بضعفه ودونيّته أمام شجاعة ذلك الطفل وإنسانيته، وهو الذي خرج ليحمي أطفالاً من حقدهم، بينما خرجوا هم ليقتّلوا الشعب إنقاذاً لكرسي الأسد، ولذلك فبراءة حمزة أزعجتهم، وابتسامة حمزة كانت نغصت حياتهم، ووقفة حمزة الحرة لمساعدة الناس أوضحت مدى عبوديتهم وذلّهم، وقد ظنوا أن الخوف من مشاهدة جثة حمزة المعذبة

=========================

موقفنا : بين الوطنية والوطنلوية عود على بدء ..

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

10/ 8 / 2020

وأستعين الله

تعليقات كثيرة ومثيرة على مقالي عن " الوطنلوية "

وكلها تعليقات تستحق الاحترام والاهتمام ..

بعضها يثير قضايا سياسية وتاريخية غاية في الأهمية ..

المهم المقال : ليس ضد الموقف الوطني ، والسواء الوطني ، والدولة الوطنية ، ولكنه ضد الوطنلوية .. ضد حالة خاصة سادت في سورية فأدت إلى ما نحن فيه ..والأخطر في الأمر أنها ما تزال مستمرة حتى اليوم . ما يزال خطابها ومقدماتها راسخة في مواقف كثير من الوطنلويين .,

معالجة الموضوع بشكل علمي تاريخي - استشرافي مستقبلي يحتاج إلى كثير من الشجاعة والموضوعية والجرأة . ولاسيما سياط الوطنلويين تقف لنا بالمرصاد ..

بالأمس علق أحدهم على مقالي كتابة " تستحقون ما جرى عليكم وأكثر .." هذه وجهة نظر تستحق الاحترام !!وتتضمن أن الحرة التي تم اغتصابها تستحق الاغتصاب . وأن الطفل الذي تم هصره يستحق الهصر . طبعا الباشا صاحب التعليق سبق أن سمع بحكاية الرضيع ، وهذا قبل 2011 بزمن ، الذي أمسك المحقق بجسده الغض وهصره بين يديه ، القوتين ليكسر إرادة أمه ، كما سمع بحكاية الرضيع الآخر الذي داس المحقق على رأسه بحذائه ففتته كما حبة تفاح . ثم يعلق الباشا بقوله نحن نستحق !! والأعجب أن الباشا يحسب نفسه على الثورة والثوار . ولعله من العيب أن نرد على الباشا كلامه ..

إننا مع تمسكنا بكل المعايير السياسية الدولية لمفهوم " الدولة الوطنية " ، و"المجتمع المدني،" يجب أن نمتلك الجرأتين العلمية والموضوعية ، النظرية والعملية ، لخوض غمار البحث العلمي في التمييز بين الوطني والوطنلوي .. وأن نفعل ذلك من منطلق وطني محض .

كل الأوطان محكومة بقواعد وطنيتها . والعنوان الوطني ليس عنوانا للكذب ولا الخداع ولا المراوغة ولا التدليس ، ولا لسلب الحقوق ، ولا العدوان على الحرمات . وأكبر المجرمين بحق الوطنية هم الذين جعلوا عنوان " الوطنية " سلما لمآربهم ، وغطاء لمكاسبهم ، وشرعنة لامتيازاتهم ، وغطاء لعنصريتهم وادعاء تفوقهم ..

عندما علمونا الفقه وفقه الجنابة والطهارة والحدثين ، أول ما علمونا انه : لا حياء في الدين .. وعندما علمونا البيولوجيا والجهاز التناسلي في الإنسان وألية الحمل والإنجاب: أول ما بدأنا أستاذ العلوم بقوله : لا حياء في العلم ..

وإذا كان فينا من يرغب في مباشرة الحقائق السياسية العلمية ، في وقائع التاريخ بغير تلفيق ولا تزوير ولا تدليس ، في شكل الدولة الحديثة ، وبناء المجتمع المدني ، فيجب أن نبدأ بالقول : لا حياء في مواجهة الحقائق . وأن نقول : فليسقط الكذب الوطني . وأن نقول لغة السياسية هي لغة علمية واقعية محددة المفاهيم والدلالات ، وليست لغة رومانسية كلغة جبران خليل جبران عندما كتب " لكم لغتكم ولي لغتي " لغة السياسة ليست لغة وشوشة حبيب لحبيب ، وليست لغة مناغاة أم لطفلها ، هي لغة الجاحظ في كتابه الحيوان ، أو لغة إميل زولا في روايته الأرض ..

لغة السياسة قاسية مؤلمة وجارحة وقد لا يطيقها الكثيرون . لغة السياسة هي لغة الواقع التاريخي الذي كان بكل مآسيه ، ولغة الغد المنشود بكل ما يجب أن يكون فيه حتى يستقيم . لغة السياسة التي تسمي الأمور بمسمياتها فتقول لمن خان لقد خنت ، ولمن هان لقد هنت .

لغة السياسة ليست لغة الإيديولوجيا الرغائبية على مذهب من قال : نحن أبناء الله وأحباؤه .!! وليست لغة الاسترسال مع الاستصحاب ، ليبقى ما كان على ما كان .

أهرامات مصر على ما فيها من أعاجيب مستقرة على قاعدتها . وكل الذين يسوقون لهرم يستقر على رأسه ولا تؤثر فيه الزوابع والأعاصير كذابون مخادعون

فتح الملف في هذا الأفق ، وعلى هذا الشرط أصبح حقا وضرورة ومحطة لا بد منها على طريق الغد الذي طمح إليه ، وضحى من أجله مليون شهيد ، وخمسة عشر مليون مهجر ..

نسأل الله أن يهيئ لكلمة الحق هذه حاملا ..!! ولي أسوة في نبي الله لوط

(لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

المعارضة وجوهر القضية السورية

يحيى العريضي

قناة سوريا 

الاثنين 10/8/2020

الصراع في سوريا ليس صراعاً على السلطة، ولا هو بين حزب حاكم وآخر معارض يريد أن يستولي على السلطة، وما هو "مؤامرة كونية" على نظام يهدد المصالح العليا للكبار ومحمياتهم؛ إنه صراع بين دكتاتورية مستعدة أن تدمّر كل شيء في سبيل أن تبقى، وشعب ينشد الحرية والعيش الكريم؛ إنه صراع بين منظومة استبدادية الطبع، احتلالية النهج، لا قدرة لديها على تحمُّل من يقول "لا"، وشعب اعتقد أنه ما زال للإنسان حقوق على هذا الكوكب... شعب ما كان ليتصور أن مصير مَن يعارض هو القتل أو الاعتقال أو التشريد.

في سوريا قامت ثورة بالمعنى الكامل للكلمة؛ قامت على نظام لم يحرجه جَلْبُ الميليشيات والاحتلال الخارجي كي يبقى، آخذاً من سوريا وشعبها رهائن، مستخدماً كل أنواع الإجرام والوحشية، متصرفاً بلا مسؤولية كغريب في بلد منكوب. فلا الاحتلال الإسرائيلي قتل من الفلسطينيين والعرب بقدر ما قتل، ولا نظام "الأبارتايد" في جنوب أفريقيا ذبح من السود بقدر ما ذبح. رغم كل ذلك استمرت الثورة، وانضم إليها من انشق عن المنظومة رافضاً ممارساتها؛ كما التحق بها عناصر و"أحزاب" تقليدية، أخذت لاحقاً شكلها الرسمي وانتظمت فيما عُرف بالمجلس الوطني، ثم الائتلاف، وما تفرّع عن ذلك لاحقاً؛ ودرجت الإشارة إلى كل ذلك بالمعارضة.

هذه المعارضة بمعظمها، نتاج مجتمع حُكم من قِبَلِ نظام دكتاتوري كانت غايته الرئيسية إعادة صياغة وبرمجة عقول السوريين بطريقة تقتل نوازع الإبداع الفطري في النفس البشرية، وذلك من أجل أن يتماهى مع فكر النظام الذي يهدف إلى تحويل العقل الجمعي السوري إلى مجرد كتلة هلامية يصنع منها الأشكال التي توافق رغبته، والتي يجب عليها عبادة الفرد أو "الأخ الأكبر".

لا يختلف اثنان على أن ثمة ضعفاً يعتري المعارضة؛ ضعفاً يعود إلى أسباب ذاتية، وأخرى موضوعية:

في الذاتية، هناك قلة الخبرة، وهذا أمر طبيعي بسبب خضوع البلاد إلى حكم دكتاتوري على مدى خمسين عاماً، كانت أجهزته تُجَرّم المواطنين استناداً إلى نواياهم، حيث أدت هذه القبضة الستالينية إلى انكفاء المواطنين المعارضين على أنفسهم، مما انعكس سلباً على التيار العام المعارض. لقد عانت هذه المعارضة من تناذرات ضعاف النفوس، وشراء الذمم، والاصطفافات، والمنصات، والإقصاء، والولاءات للدول الداعمة؛ مما أدى إلى ضعف تأثيرها على الداخل السوري، إضافة إلى عدم تمكنها من استثمار الدعم الدولي لصالح الحراك الثوري بالشكل الأمثل.

وفي الأسباب الموضوعية، فإنه إضافة لانتظارها التدخل الخارجي، وعدم أخذ الاعتراف بالائتلاف مفاعيله الرسمية، ومعاناتها من العسكرة والانقسام على الذات؛ وإضافة لما فعله النظام تجاهها من تشويه؛ وما فعلته قوى وأنظمة لم تفك ارتباطها بالنظام وأمِنَت المعارضة جانبها؛ كان لموسكو الدور الأكثر تدميراً بالنسبة للمعارضة، حيث دأبت على نسف مصداقيتها: فإن هي لم تنعتها بالإرهاب، كانت لا ترى فيها أو تعاملها إلاّ كمعارضات.

كان الأخطر في كل ما تعرضت له المعارضة أنه رغم كره النظام واحتقاره لكل من يعارضه، فإنه يستعذب مساواته مع المعارضة وإسقاط معايير التقييم على كليهما بشكل متساوٍ ووضعهما في قارب واحد؛ ويُطرَب لسماع نغمة أن "النظام والمعارضة أسوأ من بعضهما البعض"؛ فهو ارتكب أبشع أنواع الجرائم بحق الأبرياء. وهنا يقع الحيف والظلم على كل مَن عارض؛ فمن ناحية، يضعه نظام الاستبداد في خانة الخيانة، لمجرد أنه تجرأ ورفع صوته بوجه الظلم؛ ومن ناحية أخرى تشبيهه بمنظومة الاستبداد التي بلغت حداً من التوحش لم يشهد له التاريخ مثيلا. يكفي أن هذه المنظومة الاستبدادية قد دفعت بأفعالها المتوحشة نصف الشعب السوري إلى الرحيل القسري والتشتت في أصقاع الأرض، وبلغت درجة من الاحتيال أنها حاولت إقناع العالم بأنها تكافح الإرهاب، في الوقت الذي استجلبت فيه كل شذاذ الآفاق بما فيها "داعش" إلى حضن الوطن ليشاركها في نهش الجسد السوري.

والآن، وفي هذا المفصل بالذات، وفي ضوء كل ما سبق، ومع استمرار استحالة الانتخابات والتمثيل الصحيح لسوريا في ضفة المعارضة، تبرز دعوات لتصحيح وضع المعارضة وإعادة إطلاقها. فهل هذا الأمر ممكن؟ هل يستطيع العطار أن يصلح ما أفسدته تسع سنين من التعثر، وما سبقها من موات سياسي؟ هل فَهْمُ وتفهيم طبيعة وجوهر الصراع في سوريا يجدي نفعاً؟ هل تستطيع المعارضة تجاوز تأثير مفاسد وهنات أضحت على الملأ، مما أدى إلى زعزعة ثقة المواطن السوري العادي بمصداقيتها؟ هل تستطيع أن تنأى بنفسها عن الخلافات السياسية بين الدول الداعمة لها وتحتفظ ببوصلتها لتحقيق أهداف الثورة في التغيير السياسي في سوريا؟ هل تستطيع تحقيق الانسجام الذاتي بين مشاربها المختلفة؟ هل يمكنها التوقف عن حرق نفسها بنفسها، وإعدامها المعنوي لكل شخص يبرز فيها؟ وأخيراً، هل يستطيع "الائتلاف"- الجسد المعارض القائم سلفاً باعتراف أكثر من مئة دولة كممثل للشعب السوري، برؤيته وانطلاقته الجديدة ودعوته إلى مؤتمر وطني شامل صحيح، أن يستوعب بعض الدعوات الفردية ويعززها لإعادة إطلاق المعارضة؟ أسئلة تجيب عنها الأشهر القليلة المقبلة؛ والأجوبة يمكن أن تشكل خارطة طريق لمشروع جديد للثورة والمعارضة، مشروع يهزم منظومة الاستبداد حقوقياً وثقافياً وأخلاقياً وقانونياً واقتصادياً واجتماعياً في ظل استحالة الحسم العسكري. أخيراً، رغم قول البعض بتشاؤم إن القادم أعظم! ولكنني أراه أعظم بالبدء بعودة سوريا إلى سكة الحياة.

=========================

روسيا وإعادة تأهيل الأسد

ياسر النجار

ترك برس

الاحد 9/8/2020

تعمد روسيا الى إعادة صناعة وتأهيل النظام من أجل قطف الثمار وتغطية فواتير التدخل العسكري الروسي وحصد الأرباح.

الرسالة الأهم لها في ذلك ارسال رسائل عن أهلية النظام واستعادته الأراضي السورية من الثوار وقدرته على الحسم العسكري، ورسائل بخصوص دوران العملية السياسية في سوريا من مثل انتخابات بخصوص مجلس الشعب وانتخابات لرئاسة الجمهورية يشارك فيها بشار الأسد مثل كل السوريين ورعاية وتسويق فكرة ان السوريين سيتفاعلون مع الاصلح لهم وهم وحدهم من يقررون بقاء الأسد من عدمه عبر صندوق الاقتراع وهذا الهدف الأخير ينظر له كضامن للمصالح الروسية الإيرانية في سوريا.

الولايات المتحدة الامريكية وبعد الضوء الأخضر عن التدخل العسكري الروسي ومن قبله الإيراني القت بكرة الحل السياسي في ملعب روسيا ولكنها تملك حق الفيتو في أي مشروع حل لا يرضيها وهذا مسلم به لدى الروس.

شهد عام 2019 تطورات تجلت فيها قدرات روسيا في إعادة تأهيل النظام من خلال تقارب بعض الدول العربية مع النظام ضمن سلسلة تؤدي الى تفعيل عودة النظام الى مقعد الجامعة العربية.

وكذلك بعض الدول الاوربية ضمن سلسلة تؤدي الى فتح سفارات دول غربية في دمشق كل ذلك بسبب نشاط روسي حثيث مؤداه مرحلة جني الأرباح لروسيا.

ومع إقرار قانون حماية المدنيين " سيزر " في نهاية عام 2019 وبدء تنفيذه مع السنة المالية 2020 بدأ سيناريو إعادة تأهيل النظام المرعي من روسيا بالتلاشي وأصبح على روسيا البحث من جديد عن خطة جديدة تضمن من خلالها البدء بجني الأرباح ولم يعد سيناريو إبقاء الأسد هو السيناريو الوحيد لضمان مصالحها بل على العكس أصبح بقاء الأسد عبء لا تريد روسيا ولا إيران تحمله.

السلال الأربعة "دي مستورا" تم التركيز فيها فقط على ما يعرف بسلة الدستور وكان الطريق يراد تمهيده الى سلة الانتخابات وكل ذلك بعد تجاوز السلة الأولى والاساس وهي سلة الحكم الرشيد الذي يعرف بحقيقة الحل الانتقالي ضمن آلية حل سياسي تباركه الأمم المتحدة.

المهم في الامر ان روسيا والنظام بدأت دعم ما يعرف طرح أسماء مرشحين للوصول الى دعايات انتخابية مفادها ان سوريا دولة يمكن ان تقوم بها عمليات انتخابية تكون من خلالها مخرجات إرادة الشعب السوري ضمن إدارة النظام وأجهزته الأمنية لهذه العملية الانتخابية والتي يحكم عليها الشعب السوري ابتداء بأنها انتخابات مزورة ومفبركة للوصول الى تسويق مشروعية النظام لإدارته للانتخابات ومشروعيته من خلال النتائج التي يعرف جميع السوريين ان الأسد وعصابته الأمنية هم من يتولون إخراجها كما يرسمون لها.

هذا الامر بدأ يتلاشى مع قانون حماية المدنيين في سوريا " سيزر" إلا أن البعض انساق في هذا السيناريو وبدأ الطرح لأسماء تحمل مصداقية ولها قبول لدى الحاضنة الثورية من أجل تجاوز جدار الفاعلية السياسية المعطلة من خلال مؤسسات المعارضة والجسم التفاوضي وغيرها من خلال المسارات التفاوضية التي يرى فيها الثائر والمعارض السوري انها لا تمثله وغير راض عن حالة التكتم الشديد حول تفاصيل ما يجري و اللا جدوى وعدم فاعلية السوري فيها.

بالمحصلة اردت ان أوضح ان ترشيح مثل هذه الأسماء المقبولة يعيدنا الى مربع إعادة تأهيل النظام الذي بدأته روسيا ويروج لرسالة مفادها ان الشعب السوري سلم بتجاوز ما يعرف بالمرحلة الانتقالية وألغى وتجاوز مسؤولية المجتمع الدولي لإيجاد حكم رشيد يدير المرحلة الانتقالية والانتخابات بعيدا عن سلطة الأسد واجهزته الأمنية.

لا يمكن ان يكون هناك انتخابات تشرعن وجود الأسد إضافة الى إعادة تأهيله بترشيح نفسه وهو موجود على قوانين المحاسبة الدولية وقوائم المجرمين الذين انتهكوا القوانين الدولية من خلال ارتكابه لجرائم إبادة جماعية موصوفة ومقرة بشكل واضح.

===========================

دولة لبنان .. البداية والنهاية

حسام كنفاني

العربي الجديد

الاحد 9/8/2020

في الأول من سبتمبر/ أيلول من عام 1920، وقف المندوب السامي الفرنسي، الجنرال هنري غورو، على درج قصر الصنوبر في بيروت، وحوله عدد من المسؤولين اللبنانيين، ليعلن قيام "دولة لبنان الكبير". بعد مائة عام على هذه الواقعة التاريخية، وقف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المكان نفسه، ليعلن ضمناً أن هذه الدولة لم تعد قابلة للحياة، وأن تغييراً جذرياً لا بد منه لإعطاء هذا الكيان الهش فرصة أخرى، ولو ضئيلة.الانفجار الكارثي الذي هزّ بيروت، ودمّر أجزاء كبيرة من المدينة، كان الإشارة النهائية إلى أن هذه التسمية، أي "الدولة"، لم تعد صالحة للاستخدام في بلد مثل لبنان. الأمر الذي سمح للرئيس الفرنسي بتقمّص دور المندوب السامي، واستدعاء كل القوى السياسية إلى قصر الصنوبر (مقرّ السفارة الفرنسية في بيروت)، لتقريعها وطرح فكرة العقد اللبناني الجديد، والذي لا يزال غير واضح. لكن بغض النظر عمّا يحويه المقترح الفرنسي من تفاصيل، إلا أنه يعطي انطباعاً مباشراً بأن لبنان لم يعد مخوّلاً حكم نفسه، وأن تدخلاً خارجياً لإعادة تشكيل "الدولة" بات أمراً ملحّاً. 

الملفت في تصرّف ماكرون ومبادرته هو تسليم الأطراف السياسية كافة في البلد بها، وهي التي أوصلت هذه "الدولة" إلى حافة الانهيار. هذا ليس إقراراً من هذه القوى بالذنب، ولا قبولاً ضمنياً بالمسؤولية عما آلت إليه الأمور في لبنان، بقدر ما ترى في المبادرة فرصة إنقاذ لها شخصياً، وإنعاشاً لدورها في السلطة، أو ما بقي منها، وخصوصاً مع ما تمثله المبادرة من كسر للحصار المفروض على لبنان منذ أشهر، والذي أوصل البلد إلى هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة. هذا ما أوحى به مباشرة الرئيس اللبناني، ميشال عون، والذي اعترف أخيراً بأن لبنان تحت الحصار، رغم النفي السابق المتواصل. والأنكى أنه رأى في الكارثة ومئات القتلى والجرحى فرصة لإعادة الانفتاح العالمي على لبنان.

غير أن هذه الرؤية تحمل الكثير من القصور السياسي، سواء من عون أو كل القوى السياسية التي تسعى كالطفيليات للحياة على جدران الأزمة، فالقراءة المتأنّية لكل التصريحات الدولية، والتي يراها المسؤولون اللبنانيون كسراً للحصار، تؤكّد عدم الثقة بهذه السلطة، وبالتالي بالوجود الفعلي للدولة وهياكلها، وهو ما لم تقرأه السلطة الحاكمة، فالحديث عن المساعدات التي أعلن عن تقديمها، ومن المرتقب أن تعلن عنها الدول المانحة اليوم، لن تسلَّم مباشرة إلى مؤسسات ما يسمّى "الدولة"، بل الحديث هو عن إيصالها مباشرة إلى الشعب اللبناني. آلية إيصال هذه المساعدات إلى الشعب، والتي يحتاج إليها اللبنانيون بشكل عاجل، هي ما يمكن أن تكون "مربط الفرس" في سقوط "الدولة اللبنانية"، فهذه المساعدات، وإذا كانت لن تسلم إلى السلطة، فلا بدّ من لجنة دولية تكون مهمتها الإشراف عليها وعلى طريقة توزيعها، ما يعني ضمناً وضع لبنان تحت الوصاية الدولية، وهو ما يمكن أن يضاف إلى ما أعلنه ماكرون، والمهلة التي منحها للسياسيين لتشكيل عقد جديد للبلد.

تؤكد كل هذه المعطيات والمؤشرات أن وجود "الدولة اللبنانية" بالنسبة إلى المجتمع الدولي بات محل شك. والانفجار الكارثي الذي دمّر بيروت قبل أيام لم يكن إلا المسمار الأخير في نعش هذه "الدولة"، إذ سبقته معطياتٌ كثيرة تؤكد أن هذه الدولة ليست إلا "مزرعة" كل طرف فيها يتصرف على هواه، وضمن نطاق استزلامه الخارجي ومصالحه الشخصية. 

مائة عام لم تكن كافية بالنسبة إلى المسؤولين اللبنانيين لبناء دولة، فخلالها دخل البلد في محاور وحروب أورثته طبقات سياسية تحيا على الصراعات الطائفية التي لا يمكن أن تبني دولة، وهو ما وضع هذه "الدولة" اليوم على طريق النهاية.

===========================

سوريون بلا أصدقاء

خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 9/8/2020

بمناسبة عيد الصداقة العالمي الذي صادف قبل أيام، لا بد من الإقرار بحقيقةٍ واقعةٍ هي أننا، نحن السوريين، خُلقنا لنعيش من دون أصدقاء. ثمّة سلسلة من القواعد التربوية تلقيناها ونحن في عمر الزهور، أولُها أن الناس بلاء الناس، وثانيها يا جاري أنت بحالك وأنا بحالي، وثالثها إياكم ورفاق السوء، ورابعها "لا تعاشر الردي بيرديك".. وكان معلم صفنا إذا أراد أن يوبّخنا يقول: آه منكم يا أولاد الأزقة.. هذا لأن الوضع الطبيعي للتلميذ النجيب، المربّى في بيته ومدرسته، بحسب معلمينا وآبائنا، أن يبقى في بيته لا يخرج إلى الزقاق إلا في الضرورات القصوى.

نحن، إذن، أمام ثقافةٍ تمتدح العزلة والانغلاق، وتجعلهما موضعاً للفخر والتباهي. وفي هذا الصدد، نتذكر نادرة سياسية بطلُها رئيس وزراء سورية الأسبق، فارس الخوري، الذي كان، ذات سنة، منهمكاً بتشكيل حكومته، فجاءه واحد من معارفه يرشّح له شخصاً ما. سأله عن مواصفاته؛ متوقعاً أن يكون مختصاً في الاقتصاد، مثلاً، أو في إدارة الأعمال، وعنده سجل شخصي يشير إلى خبراته في التجارة، أو الزراعة، أو الصناعة، أو الإعمار، ولكنه فوجئ بوصف هذا الرجل، المرشّح لحمل حقيبة وزارية في دولة صاعدة، بأنه: إنسان طيب جداً، ملتزم ببيته، قليل الكلام، لا أصدقاء له، طول عمره ما دخل سرايا، ولا مخفرا. قال فارس بيك للرجل، بكل احترام: أقترح عليك أن تزوجه أختك!

وحقيقة أن ذلك الشخص لا يصلح لأن يكون (حتى) زوجاً للأخت، بدليل حكاية قديمة متداولة في أرشيف عائلة بدلة، ملخصُها أن رجلاً من معرتمصرين أراد أن يخطب لابنه إحدى بنات عمّي، وكانت فتاة جميلة، فذهب إلى أخيها محمد الذي وُلّي أمرها بعد وفاة الوالد، وفاتحه بالموضوع. ومن قبيل مديح "البضاعة" أمام الزبون، راح يمدح سجايا ابنه: "ابني بيمشي جنب الحيط وبيقول يا رب سترك، ما بيشرب، ولا بيدخن، ولا بيقرا جريدة، وما له أصحاب، ولا أصدقاء". فقال عمي محمد للرجل: "بظن إذا بتبقى أختي عايشة معنا راح تكون مبسوطة أكتر من عيشتها مع ابنك".

ولعل من حسن حظنا، نحن السوريين، أننا نمقت النصح، والوصايةَ بشقّيها، البيتي والمدرسي. لذلك، وما إن شممنا رائحة إبطنا حتى تحوّلنا إلى بشرٍ نهمين للصداقة. ومن تجربتي، وأنا أخوكم، صادقت عدداً لا يستهان به من الناس، وكانت عندي طبيعة، ظننتها جيدة، ولكن معظم الناس يعتبرونها سيئة، وهي أنني أحب الصديق وأتحمّس له من دون تردد أو تحفظ، ومن دون ترك مسافات أمان.. في سنة 1982، كنت في خدمة الجيش الاحتياطية، فالتقيت بشابٍ يشبهني بهذا الحماس للصداقة، وكان يحكي لي كل شيء عن نفسه وعن أسرته، ويريد أن يعرف كل شيء عني، فأخبرتُه أنني متزوج حديثاً وعندي بنت صغيرة اسمها ريتا، فصار يناديني "أبو ريتا".. وذات يوم سبت، كان عائداً من قريته بعد الإجازة الأسبوعية (خميس وجمعة) وجاء يبشرني، والفرح يغمره، بأن زوجة أخيه ولدت بنتاً، وكانوا يبحثون لها عن اسم. قال: "قلت لهم، بحضي وبديني ما منسميها غير ريتا، ولو إنكم بتعرفوا أبو ريتا تَـ تسموها ريتا عْلَى العمياني". لم أقل شيئاً، كنت أصغي إليه، وأنا مستمتع بهذا الكم الهائل من الحب وطيبة القلب، فاعتقدَ أنني غير مسرور لما حصل، فراح يسوّغ لي فعلته: "شوبك أبو ريتا؟ أوعى تفكر إنه خيي ومرته مو كيسين، بحضي خيي مهندس ومرته دكتورة، ولولا هيك ما بقلهن يسموا البنت ريتا".

معظم السوريين، بلا شك، طيبون، وأوادم، ومستعدّون لصداقة الآخرين بقلب طيب، ولكنّ ما نراه بينهم اليوم من ضغائن ومشاحنات، سببه، في ظني، الكارثة الكبرى التي حلّت بهم، والأمل كل الأمل أن يراجعوا أنفسهم، ويدركوا أهمية الصداقة حتى في بناء الأوطان.

===========================

عن احتمال الحرب بين محور «الممانعة» وإسرائيل!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 8/8/2020

على عكس التوقعات والتقديرات التي تستبعد حرباً بين أطراف محور «الممانعة» وإسرائيل، ثمة توقعات واجتهادات تقول بحرب قادمة خلال فترة لا تتعدى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، على أن يكون لبنان ميدانها الرئيسي، لكن بالتكامل، مع تفعيل الجبهتين السورية والفلسطينية، ودلائل هذا التكامل الاتفاق الجديد بين طهران ودمشق لتطوير أنظمة الدفاع الجوي السورية، وتواتر التصعيد اللفظي والتهديدات لقادة من حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«حزب الله» ضد حكومة تل أبيب، ثم توقيت حديث المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل، عن تفاصيل جديدة متعلقة بدور سوريا خلال حرب 2006، أهمها إعلان جاهزيتها لفتح جبهة الجولان، يعزز ذلك ما أعلنته إسرائيل منذ أيام عن القضاء على أفراد خلية ترتبط بإيران حاولت زرع عبوات ناسفة عبر الحدود السورية، تلته ضربات جوية، اعتبرتها إسرائيل عقابية، طالت تمركزات حدودية لقوات النظام السوري.

ثمة من يرجح احتمال الحرب ربطاً بتنامي حاجة تل أبيب وواشنطن، وإنْ بدرجات ولأسباب متباينة، لهذا الخيار، فالرئيس دونالد ترمب وقد تراجعت حظوظه بولاية ثانية، حسب استطلاعات الرأي، يبحث عما يمكن أن يعزز فرص فوزه من جديد، وربما إحداها تشجيع إسرائيل لتشديد ضرباتها ضد المواقع الإيرانية في سوريا، وإن أفضت لاندلاع حرب واسعة، والمعروف أن حرباً صغيرة تجلب نصراً، هي إحدى الطرق التقليدية لجذب الناخبين، خاصة عقب الكارثة الاقتصادية التي نجمت عن الحجْر الصحي، وردود الفعل الشعبية الأميركية التي تتسع ضد بعض ظواهر التمييز العنصري.

أما حاجة تل أبيب فتتجلى ليس فقط بتوظيف هذه الحرب كوسيلة للالتفاف على خلافاتها وأزماتها الداخلية، بل للنيل من «حزب الله» والوجود الإيراني في سوريا، ووضع حد لما تعتبره مستجدات نوعية عززت تهديدهما لمصالحها الراهنة والاستراتيجية، خاصة بعد أن غدت ميليشيا طهران قرب حدودها، وتجاوز «حزب الله» مواقعه التقليدية في لبنان متوغلاً في عمق الشريط الحدودي السوري، من مدينة القصير، ريف حمص، حتى مرتفعات الزبداني، غرب دمشق، ما أكسب محور «الممانعة» قدرة أكبر على المواجهة والمناورة، وعلى إخفاء منظومته الصاروخية وبعض الأسلحة الاستراتيجية، الأمر الذي تعتبره تل أبيب خطاً أحمر وتطوراً خطيراً لا يمكن تمريره، أو السكوت عنه.

ولعل ما يشجع أكثر، أميركا وإسرائيل، على الحرب، تقدم مناخ عام يوفر موضوعياً الغطاء السياسي والعسكري لهما إن بادرتا بالهجوم، يحدوه انحسار شعبية إيران وحلفائها على الصعيدين العربي والعالمي وسقوط ادعاءاتهم حول تحرير فلسطين، ثم التداعيات السلبية عليهم لجائحة «كورونا» ولأزماتهم الاجتماعية والاقتصادية ولتوغلهم المخيف في المأساتين السورية واليمنية، والأهم التزايد اللافت لأعداد الشيعة في العراق ولبنان الرافضين للصراع المذهبي والمناهضين لسياسات طهران التدخلية وسعيها للهيمنة على المنطقة، والأهم الاعتقاد بأن ثمار ما قامت به واشنطن خلال السنوات الماضية من ضغوط وعقوبات على إيران وحلفائها قد أينعت وحان قطافها، ولنقل أدّت وظيفتها في خلق ظروف مؤاتية لشن حرب سريعة وحاسمة، وبأقل تكلفة، لكسر وتحجيم أذرع طهران في لبنان وسوريا وفلسطين.

في المقابل، ثمة من يرى أن العكس يمكن أن يحصل، وأن أطراف محور الممانعة باتت مستعدة للذهاب بعيداً لفك الحصار وتخفيف الضغوط الاقتصادية والمالية التي يتعرضون لها، في رهان على أن تفضي هذه الحرب لقلب الطاولة وخلط جميع الأوراق، وأن تتحول نتائجها ورقة خاسرة لترمب في السباق الرئاسي، وهو تقليد مألوف أن تعتمد الأنظمة والجماعات الاستبدادية المأزومة سياسة الهروب إلى الأمام، وتلجأ إلى افتعال حروب خارجية لربح الوقت وفرص الهروب من المشكلات التي يتخبطون بها، خاصة أن التوغل في أساليب القمع والعنف لم يعد يجديهم نفعاً، ولن تكون النتيجة أفضل في حال الانكفاء والتراجع، ما يترك أمامهم نافذة تسعير الصراع وافتعال حرب خارجية، للالتفاف على الأسباب الحقيقية لأزماتهم وكسب نقاط تساعدهم في تحصيل بعض الشرعية ومعالجة أهم التصدعات والعقبات!

ومع أن إيران وحلفاءها غارقون في مستنقعات العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتعيش شعوبهم أزمة اقتصادية ومعاناة حياتية وصحية لا سابق لها، ثمة دافع قوي لديهم اليوم لشن حرب كرد رادع وانتقامي، أو على الأقل لحفظ ماء الوجه، على عمليات قصف إسرائيلية لم تتوقف ضد مرتكزات إيران و«حزب الله» وحركة «الجهاد الإسلامي» في سوريا، وطالت عدداً من رموزهم وكوادرهم، بما في ذلك توظيف تداعيات هذه الحرب للحد من تفرد روسيا بالمصير السوري، خاصة أن التباين بين موسكو وطهران وصل إلى درجة تشي بخلافات لم يعد يصح تجاهلها، وآخر تجلياتها توجيه أصابع الاتهام للفرقة الرابعة التي تدعمها إيران في تفجير حافلة للقوات الروسية قرب قاعدة حميميم، كما تبادل عمليات الاغتيال بين فصيلين في محافظة درعا، أحدهما موالٍ لطهران، والآخر لموسكو، ثم تقدم القوات الروسية قبل أيام للسيطرة على حقل «الورد» النفطي بدير الزور، بعد إخراج الميليشيات الإيرانية منه، وما يزيد خيار الحرب وضوحاً، استشعار طهران وحلفائها بحاجتهم لرد استباقي على ما رشح من تحضيرات إسرائيلية لشن الحرب، تحدوهم قناعة بأن حرباً يخوضونها بإرادتهم اليوم، وتؤهلهم ربما لتحقيق بعض الانتصار، هي أقل سوءاً من حرب تفرض عليهم، وهزيمتهم فيها شبه مؤكدة.

وحيث لن تغفل الأطراف المعنية بهذه الحرب العتيدة حسابات التكلفة والثمن الذي ربما يكون باهظاً، فإن سقفها يتحدد ربما بوجود مصلحة أميركية وإسرائيلية مضمرة في استمرار حضور إيران وأطراف محورها كفزاعة في المشهد السياسي، لشلّ الحياة في سوريا ولبنان والعراق وتدمير فرص تقدمها، أو لمحاصرة الأطراف العربية وإشغالها، تقابلها مصلحة مكشوفة لمحور «الممانعة» في الاتكاء على بقاء التهديد الإسرائيلي لخلط الأوراق وتبرير سياسته التدخلية في شؤون المنطقة!

والحال، سواء أحجمت إسرائيل مؤقتاً، ومن خلفها واشنطن، عن شنّ حرب جديدة ضد محور الممانعة، أو تجرعت طهران وحلفاؤها، بذلّ وصمت، كأس ما يتكبدونه من خسائر، متحسبين من حرب واسعة قد تطيح ما راكموه طيلة سنين، فإن موجات التوتر والتصعيد لن تهدأ، وربما تفضي إلى اندفاعات مدمرة، يغدو معها ما تعيشه المنطقة، هذه الأيام، أشبه بلعب أطفال.

===========================

القادم أعظم

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 8/8/2020

لا شك أن الكثيرين يتساءلون: ماذا بعد هذا الخراب والدمار الرهيبين في المنطقة؟ ماذا بعد تدمير البلاد وتهجير العباد؟ هل انتهت موجة التخريب؟ هل بدأت الشعوب تلملم أشلاءها وتعود إلى حياتها الطبيعية ولو ببطء شديد؟ هل وصلنا إلى القاع فعلاً كي نشعر بأن الضوء أصبح في نهاية النفق؟ هل حُسمت الحروب والمعارك لصالح الذين باتوا يرفعون إشارة النصر هنا وهناك، وخاصة في سوريا؟ لسنا بحاجة أن نكون منجمين أو نقرأ الغيب حتى نعلم أن كل ما جرى حتى الآن على فظاعته وهوله أشبه بالمقبلات، وأن الوجبة الرئيسية لم تنضج بعد.

قبل عقد من الزمان عندما بدأت موجة الثورات الشعبية، كانت الأوضاع أفضل من الآن بمرات ومرات، مع ذلك ضاقت بها الشعوب ذرعاً، وضحت بالغالي والنفيس من أجل الانعتاق من قبضة ما أسماه الشاعر اليمني البردوني بـ»المستعمر الوطني» وكفلائه الخارجيين. لكن النتيجة كانت أسوأ بكثير مما كانت عليه الشعوب قبل «الربيع العربي». هل يا ترى نجحت لعبة الإقطاعي مع الفلاح؟ تذكرون تلك القصة عندما اشتكى الفلاح للإقطاعي بأنه يعيش مع أسرته الكبيرة في غرفة واحدة، وقد ضاقت بهم الغرفة، فما كان من الإقطاعي إلا أن جاء إلى الفلاح وهو يحمل معه عنزتين وديكاً، وطلب من الفلاح أن يضع معه العنزتين والديك في الغرفة حتى يعود الإقطاعي من رحلة، فتحولت حياة الفلاح في الغرفة الصغيرة إلى جحيم لا يُطاق. ثم عاد الإقطاعي بعد مدة وأخذ العنزتين والديك، وسأل الفلاح لاحقاً عن عيشته في الغرفة الصغيرة بعد أن تخلص من العنزتين والديك، فقال الفلاح: الحياة ممتازة والغرفة كبيرة ولا ينقصنا شيء والحمد لله.

ها هو العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يواجه أصعب أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث. وهذا بدوره سيؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار والعنف وسفك الدماء بالضرورة

طبعاً هكذا كانت خطة الأنظمة الطاغوتية ومشغليها مع الشعوب العربية في مصر واليمن وسوريا وليبيا والعراق وتونس وكل البلدان التي تنزع إلى التحرير من ربقة الطغاة وكفلائهم. لكن لا يمكن مطلقاً أن تنجح لعبة الإقطاعي هنا، فالأوضاع صارت تحت التحت على كل صعيد، وكثرة الضغط علمياً تؤدي إلى الانفجار خاصة عندما لا يبقى للشعوب المضغوطة شيء تخسره بعد أن خسرت في الجولة الأولى كل شيء أصلاً. لهذا علمياً لا يمكن أن نتوقع من الآن فصاعداً سوى مزيد من الانفجارات. وهذه المرة لن تبقى محصورة في بلاد الثورات، بل بالتأكيد ستمتد إلى مناطق جديدة.

ويقول مروان بشارة في مقال له في موقع الجزيرة الإنكليزية: «صحيح أن المنطقة عانت الأمرين على مدى العقد الماضي، لكن المؤشرات الجديدة تؤكد على أن القادم أخطر وأسوأ». وها هو العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يواجه أصعب أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث. وهذا بدوره سيؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار والعنف وسفك الدماء بالضرورة.

هل سيحل السلام النهائي بين إسرائيل والفلسطينيين أم إن الوضع مرشح للتصعيد الكارثي على ضوء السياسات الإسرائيلية التوسعية؟

هل نجحت إيران في تحقيق مشروعها الامبراطوري القومي في المنطقة، أم إنها تواجه الآن كوارث داخلية وخارجية بعد أن غرقت في أوحال المنطقة من العراق إلى سوريا فلبنان فاليمن؟ ولا شك أن ذلك سيكون له تأثيراته الرهيبة على دول المنطقة وخاصة تلك التي تسيطر عليها إيران.

هل جاء الروسي إلى المنطقة كي يصحح ما خربه الأمريكي كما يدعي الروس، أم إنه سيزيد الطين بلة بحماقاته ووحشيته الرهيبة ضد سكان المنطقة وخاصة في سوريا وليبيا؟

هل سيبقى الصراع الليبي محصوراً داخل حدود البلاد أم إنه بدأ يؤثر سلباً على الدول المجاورة كمصر وتونس وربما الجزائر لاحقا، وهذه بلدان كلها تقف على صفيح ساخن من قبل أصلاً، لهذا لا يمكن أن نتوقع فيها سوى مزيد من الانفجارات، خاصة بعد اندلاع الصراع الأثيوبي المصري حول المياه.

انظروا أين كان لبنان وأين صار بعد انفجار مرفأ بيروت؟ لقد كان اللبنانيون في حالة ثورة يومية على الأوضاع الكارثية منذ شهور وشهور، فجاءت ضربة المرفأ لتزيد الدمار والخراب والعذاب أضعافاً مضاعفة. وحتى الأردن فإن النار تعتمل تحت الرماد. وتونس عروسة الربيع العربي تواجه حرباً أهلية باردة من داخل البرلمان. وقد حذر الرئيس التونسي نفسه من أن البلاد تواجه أخطر أزمة اقتصادية وسياسية في تاريخها.

ومما يزيد الطين بلة أن بلدان الخليج التي كانت تحتضن ملايين العرب بدأت تتخلص من العمالة، وتتوقع الكويت وحدها أن يغادرها أكثر من مليون ونصف مغترب مع نهاية هذا العام. ولا شك أن البعض بدأ يتحدث عن الهجرة من الخليج وليس إلى الخليج بعد تدهور الاقتصاديات الخليجية بسبب كورونا وانهيار أسعار النفط. وهذا سيحرم ملايين المصريين واللبنانيين والسوريين والأردنيين والسودانيين وغيرهم من مليارات الدولارات التي كانت ترفد اقتصاديات بلدانهم المأزومة. فكيف سيكون الوضع في تلك البلدان عندما يعود إليها ملايين المغتربين ليصبحوا عالة عليها بعد أن كانوا بمثابة رافعة اقتصادية تعيل ملايين البشر؟ ولا ننسى أن الاقتصاد السوري مثلاً الذي دمرته الحرب سيزداد سوءاً مع عودة المغتربين وبعد إغلاق بنوك لبنان في وجهه، ناهيك الآن عن فقدان الشريان الاقتصادي والتجاري الذي كان يمد بشار الأسد ونظامه بالحياة، ونقصد طبعاً مرفأ بيروت الذي تدمر عن بكرة أبيه.

لا شك أن المنطقة تحتاج إلى معجزات لوقف التدهور الرهيب على كل الأصعدة، لكن زمن المعجزات قد ولى. ولا يكفي حتى لو سقطت الأنظمة الطغيانية، فهذا لم يعد الآن حلاً بعد أن أصبحت معظم الدول على شفير الهاوية. ما الحل إذاً؟ انتظروا الموجة الثانية من الخراب والدمار. القادم أعظم.

===========================

موقفنا : في " الوطنلوية "

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

9/ 8 / 2020

في مطلع ثمانينات القرن الماضي أتيح لي أن أزور الفريق " أمين الحافظ " مع مجموعة من السوريين ، كان بي شغف لألتقي به ، فقط لأسمع منه كيف أسلموا رقاب مجتمعنا لهؤلاء الذين ما زالوا يفظّعون ويفعلون بنا الأفاعيل !!!.. جلسنا في مجلسه نستمع إليه كتلاميذ ، لمدة ثلاث ساعات ، نتدخل بين الفينة والفينة بسؤال من كلمات طلبا للتوضيح : كيف ؟! وهو يتكلم ويتكلم ويتكلم بطريقته المعهودة . وربما استمع إلى منطقه بعضكم يوم قدم حلقات : شاهد العصر . لأختصر عليكم الحديث لم أسمع في حديثه إلى أي جواب مقنع ، أو كلام يستقيم مع مقتضيات : العقل والسياسة والوطنية الحقة ..

قضيت عمرا من قبل ، وكلما التقيت مع إخوة لنا عرب أو مسلمين أشرح وقع المأساة ، هذا قبل 2011 . . كل البعيدين عن المشهد السوري بعد أن يعرفوا الخارطة الديموغرافية للشعب السوري ، تتحول نظرة التعاطف عندهم إلى نظرة إشفاق ، أستحيي أن أسميها نظرة ازدراء . شيخ سياسي ثمانيني عربي قال : ظنناكم أقلية في الشام جئتمونا تطلبون النصرة لننصركم ، وأما والأمر كما ذكرت فإنكم تستحقون ما يجري عليكم . وحالتكم ليس لها سابقة ، لا في عالم الاجتماع ، ولا في عالم السياسة..

المنطق " الوطني - الغوغائي " الذي كان يحدثنا به الفريق " أمين الحافظ " ما زال سائدا مع الأسف عند السواد العام من النخب السورية المسيطرة ثقافيا وفكريا . وما زال البعض يحمل علينا سوط الإرهاب " الوطنلوي " والذي يعني أن الوطنية تعني أن تكون تحت نير كل الأقليات وأن تخشع في كل المذابح .. وأن تنحني حتى يكون ظهرك مع جذعك زاوية قائمة ، أمام كل القامات الوطنية من الهويات الأرفع ، وإلا فأنت رجعي طائفي متعصب عديم الوطنية ..

لتكون وطنيا يجب أن تعلي كل الهويات الفرعية إلا هويتك ، وأن ترفع باحترام كل الأجندات . ويجب تنسى حليب أمك التي أرضعتك .. وأن تتسامح في كل شيء ربك ودينك ولغتك وبعد أن غيروا اسم البلد سيشترطون علينا في اسم الولد .. وإن غدا لناظره قريب .

ومجرد أن تقول تعالوا يا قوم إلى الكلمة السواء والمجتمع السواء ، فأنت طائفي زنيم وأنت عدو الوطن والوطنية .. ويتربصون بنا عن يمين وشمال وكم فينا من سماعين لهم . وإن يقولوا تعجبهم أقوالهم ، وما زالوا يتحفوننا بها ساعة بعد ساعة .

يشترط عليك الوطنليون أن تقر بطريقة صريحة أو مبطنة بقانون الامتيازات ، ورحم الله السلطان سليمان القانوني فقد كان أول من أقر قانون الامتيازات .. القانون الذي كان يعني بعض التسهيلات الاقتصادية للفرنساويين وأصبح يعني " امتياز الأقلية على الأكثرية "

 في سوريتنا الحاضرة امتلكت كل الأقليات على كل الخلفيات ، امتيازاتها على الأكثرية في كل شيء ، في كل شيء ، في كل شيء .. ولو شئتم لعددت. لا أنسى أنني يوم تخرجت من الجامعة وكنت الأول على دفعتي ، واغتصب مقعدي في البعثة الجامعية ابن أقلية ناجح بدرجة مشحوط . كانت كل مؤهلاته انه ابن أقلية !!!

نعرف حقوقنا . ونعرف لماذا ثار شعبنا ، ولن نقبل أن نخدع من جديد ، ولن تضيع دماء الشهداء هدرا لا نريد ظلما لأحد وننادي بالعدل للجميع ومستعدون لنحتكم مع الجميع إلى قواعد الحق والعدل والصدق ..

ولمعرفة ماذا كان وكيف كان فنحن مستعدون للاحتكام إلى الإحصاء فالأرقام شفافة وليست تكذب ولا تحابي . وعلى قاعدة النسبة والتناسب ظلت أكثريتنا في وطننا الأوفر حظا في الظلم في القتل والسجن والمصادرة . وعلى القاعدة نفسها ظلت أكثريتنا في وطننا الأقل حظا في السلطة والفرصة والثروة .

وحين يتحدث المتحدثون عن مجتمع مدني موحد فعلى أصحاب الأجندات الوطنلوية أن يبلعوا أجنداتهم . ونحن أول من يدعو إلى المجتمع المدني الموحد وإلى صندوق الاقتراع الوطني والمدني . وعلى الذين يقبلون به أن يكفوا عن الازدواج . وأن لا يقولوا مجتمع مدني موحد ثم يتحدثون عن أكثرية وأقلية . وأن يقولوا مجتمع مدني موحد ثم يطالبوا بكوتا ، وأن يقولوا مجتمع مدني موحد ثم يطالبوا بمواد فوق دستورية، فصندوق الاقتراع إما أن يكون وطنيا مدنيا . أو تُفرض عليه شروط ، فإذا فرضت عليه شروط ؛ فأول الشروط هي شروط الأكثرين الذين استبيحت دماؤهم وأعراضهم وأموالهم على مدى أكثر من نصف قرن ..

أسوأ ما في الأمر أن محامي الدفاع عن هؤلاء الوطنلويين هم تلاميذ صغار في مدرسة الفريق الركن " أمين الحافظ " دعاء ورغاء ومكاء وتصدية ..

وما نزل سوط الظلم على ظهر سوري إلا كان على غوغاء الوطنلوية من وزره نصيب.

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

لبنان: المصائب لا تأتي فُرادى!

رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 8/8/2020

كنتُ أريد الكتابة لـ«الشرق الأوسط» هذا الأسبوع عن صدور الحكم من المحكمة الدولية في مقتل الرئيس رفيق الحريري عام 2005، إنما بعد ما حدث في مرفأ بيروت، وخراب رُبع المدينة أو أكثر، أردتُ الذهاب إلى بعض التأملات والمراجعات التي لا تَبعُدُ على أي حال عن حدث العام 2005 وتداعياته.

يوم 14 فبراير (شباط) عام 2005 ما كنتُ بعيداً عن مسرح جريمة اغتيال الحريري. كنتُ في مقر جريدة «الحياة» الذي يبعد حوالي الثلاثمائة متر عن فندق السان جورج الذي أُوقفت شاحنة التفجير في الشارع المقابل له. وفندق السان جورج لا يبعُد عن المرفأ الذي حدث في مخازنه الانفجار أكثر من خمسمائة متر. سمعنا بوضوح من جريدة «الحياة» الانفجار الكبير. وعرفنا بعد نصف ساعة أنه كان ضد موكب الرئيس رفيق الحريري. وكان صوت الانفجار والحقّ يقال هائلاً ومخيفاً. لكنّ ما حدث يوم الثلاثاء كان أفظع بكثيرٍ جداً، وهو ما أحسسنا به وسمعناه جميعاً كأنه زلزال هَزَّ المباني حتى من على بُعْد خمسين أو ستين كيلومتراً. كنتُ في منزلي على بُعد عشرة كيلومترات من المرفأ، وبعد ثوانٍ من الهزّة أو الزلزال، حدث انفجاران؛ أولهما متوسط الضخامة مثل انفجار موكب الحريري، أما الآخر أو الثاني فيبلغ من هوله أنه كما شبّهه مراسل الـBBC مثل القنبلة الذرية على ناغازاكي اليابانية!

لماذا وكيف تحدث هذه الأهوال على المدينة المنكوبة برئيس جمهوريتها ورئيس حكومتها والحزب المسلَّح الذي يسيطر على مرافقها؟! لقد اجتمع مجلس الدفاع الأعلى اللبناني برئاسة رئيس الجمهورية بعد أربع ساعاتٍ من الانفجار المروّع، وهذا زمنٌ قياسي إذا قورن بظروفٍ أُخرى حتى ظروف الاجتياحات الإسرائيلية. فالدولة اللبنانية في الزمنين السوري والإيراني لا تعتبر أنه من واجبها متابعة شؤون الأهوال والكوارث الوطنية؛ لأنّ الذي يتولى ذلك بالفعل هو الحزب الإيراني، ومن قبل كان النظام السوري. في الأسبوع الماضي، وعندما كانت الحرب قاب قوسين أو أدنى بين الجيش الإسرائيلي، والتنظيم الإيراني، ما اجتمع مجلس الدفاع الأعلى إلاّ بعد يومٍ ونصف اليوم، وهو إنما اجتمع وقتها ليعلن عن حدوث عدوان إسرائيلي ومخالفة للقرار الدولي (1701) ولذلك تقررت الشكوى لمجلس الأمن! وهذه رواية أرادها حزب السلاح الذي قال إنه أربك العدوَّ بعدم الردّ على نيرانه!

على كل حال، لو كانت هناك ثقة بسلطة هذا العهد لفكرنا في روايتها بعد اجتماع مجلس الدفاع الأعلى للجمهورية. قال بيان المجلس إنّ هناك كمية ضخمة جداً من المواد الشديدة الانفجار مثل نترات الأمونيوم والـC4 في مستودعٍ بمرفأ بيروت منذ العام 2014! هذه المواد الشديدة الخطورة من يملكها؟ لا يمكن أن تكون إلاّ للجيش أو الحزب. بينما الرواية تتابع أنها صودرت من باخرة أو بواخر بغرض إتلافها، وهو الأمر الذي لم يحدث منذ ذلك الحين! وبذلك فإنّ الجيش غير مذنب ولا علاقة له، وكذلك الحزب المعصوم بالطبع. أما كيف حدث الانفجار في هذه المواد؟ وهنا يأتي التعليل الأغرب أنه كانت هناك محاولة لسد فراغٍ أو «فتحة» بحديد المستودع من طريق التلحيم حتى لا تُسرق المواد، وأنّ نار اللحّام أو اللحّامين هي التي تسببت في الكارثة! طيب، أولم يكن المفروض أن تُنقل، فلماذا هذا الاهتمام بعد ست سنوات بتشديد الإقفال عليها في مكانها بدلاً من الاهتمام الأَولى بنقْلها وإتلافها؟ ثم ما دامت هذه الموادّ على هذه الدرجة من الأهمية والخطورة، فلماذا لم يحرص الجيش على تملكها أو إتلافها حفظاً لأمن البلاد؟

إنّ الظاهر لكل ذي عينين أنّ الجيش ما كان يملك القرار بشأنها، بل الذي يملكه حزب الله الذي صار معروفاً أنه يسيطر على المرفأ والمطار والمعابر مع سوريا. مَنْ الذي فجَّر تلك الموادّ؟ وأين كانت حراسات الحزب أو الجيش؟ هل الوضع في هذه الحالة مثل الوضع في إيران التي حدثت في منشآتها العسكرية والنفطية عشرات الانفجارات الغامضة والحرائق واختلفت التكهنات في أسبابها. وقد رأيتُ في «العربية » و «الحدث » ضابطين لبنانيين كبيرين متقاعدين (لا أعرف مدى خبرتهما واختصاصهما!) يذهبان إلى أنّ تأمل الصُوَر الدقيقة يظهر سقوط صاروخين على ذلك المستودع الهائل! مع أنّ الإسرائيليين نفوا القيام بهجوم!

ولنعد إلى ويليام شكسبير الذي يقول إنّ المصائب لا تأتي فُرادى! عندنا انهيار اقتصادي ومالي ومصرفي. وعندنا وباء «كورونا» المتنامي. وعندنا الحالة المعيشية المُكربة والتي وصلت لحدود المجاعة. وعندنا رئيس لا يصلح رئيساً، ورئيس حكومة لا يصلح رئيساً للحكومة وكلاهما أتى بهما حزب السلاح. ويواجه الحزب والسلطات الآن الحكم في قضية الحريري والتي يُدانُ فيها أربعة من حزب السلاح بتنفيذ الاغتيال، بحيث يقتضي ذلك لو كان الأمر بيدها أن تُعلن دولتنا العظيمة حزب السلاح تنظيماً إرهابياً كما أعلنت ذلك دولٌ كبرى ووسطى كثيرة، من دون أن يكون حزب الله قد قتل رئيس وزرائها وكثيراً من سياسييها وإعلامييها! وقد كانت الحرب مستبعدة باعتبار أنّ الحزب وإسرائيل بينهما «قواعد اشتباك» وليست لديهما مصلحة آنية في النزاع المسلَّح. لكننا نعرف جميعاً أنّ قيادة الحزب ليست في لبنان بل هي في إيران، وإيران في ضيقٍ شديد، والانفجارات فيها تتوالى، وإسرائيل تُغير على قواعد إيران في سوريا كل يومٍ تقريباً: أفلا يكون ممكناً أن تأمر القيادة الإيرانية الحزب الإيراني في لبنان بشنّ الحرب على إسرائيل حتى لو كانت حرباً خاسرة؟! هم يريدون إيقاف الحرب عليهم في سوريا بأي ثمن، ولا سبيل لذلك إلاّ بهذه الطريقة، أو هكذا يعتقدون.

سلوك الحزب يُظهر التملُّص من النزاع المسلَّح حتى الآن والاقتصار على محاولاتٍ صغيرة ما نجحت أي منها. وقد اختلفت أنظار المراقبين، فهناك من يذهب إلى أنّ إسرائيل تستثير الحزب لجرّه إلى حرب، بينما يزعم آخرون أنّ الحزب هو الذي يجر إسرائيل إلى الحرب بأمرٍ من إيران!

لبنان بلدٌ منكوبٌ بالميمين (م - م) الميليشيا المسلحة، والمافيا السياسية. وجاءت البلية الخامسة أو السادسة اليوم، بتخريب رُبع أو ثلث بيروت، وعمائر وسيارات وممتلكات أُخرى للمواطنين وللدولة، وهذا إلى جانب مقتل مئات المواطنين وسقوط آلاف الجرحى.

وبسبب كارثة يوم الثلاثاء أظهرت معظم الدول العربية ودول العالم (وحتى أميركا!) التضامُن وإرادة المساعدة: فهل تستعيد السلطة الرُشد بظهور أنّ العرب أو العالم لا يعادون لبنان، وإنما يُعادون تصرفات حزب السلاح؟ لا أمل في استعادة الرشد، كما أنه لا أمل في أن يلتزم حزب الله النأي بالنفس الذي أجمع عليه اللبنانيون عام 2011، أو عدم التحرش بالدولة العبرية الآن على الأقل! ولذلك صدق شكسبير في أنّ المصائب لا تأتي فرادى! وإحساسي أنّ البلاد على مشارف أحداثٍ كبرى سواء لجهة حكم محكمة الحريري أو لجهة مناقشة التجديد للقوات الدولية في شهر (أغسطس) آب اللهّاب والتي صرّح رئيس الجمهورية مراراً أنه لا يحتاجها لاستغنائه بحزب السلاح! وأخيراً لا يستطيع لبنان ولا يريد أن يكون له نظام مثل النظام السوري أو نظام ولاية الفقيه أو النظام الفنزويلي، إنما على مَنْ تقرأ مزاميرك يا داود؟!

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com