العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-07-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل يفتح يأس السوريين باب الحوار الوطني المسدود؟ .. برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 13/7/2017

1

لم يتعرّض شعب في التاريخ الحديث لما تعرّض له الشعب السوري في الأعوام السبع الماضية. ولم يحصل في أي وقت أن دولةً، بكل ما تملكه من قوةٍ وأجهزةٍ ومؤسسات، انقلبت على شعبها وتحولت من إطارٍ لحمايته وتنظيم شؤونه والدفاع عن مصالحه إلى أداةٍ لقتله بالجملة، وتشريد من أمكن من أبنائه وتجويعه وتقطيع أوصاله، وفتح أبواب بلاده للاحتلالات الأجنبية. ولم يكن من المنتظر، في أسوأ التوقعات الممكنة، أن يحظى نظامٌ سياسي، تخلى عن جميع مسؤولياته السياسية والأمنية، وانتهك، بشكل فاضح، وخلال سنوات طويلة، كل مواثيق الحرب الدولية وحقوق الإنسان، تجاه شعبه نفسه، وفي مقدمها الحق الأول في الحياة، واستخدم من دون رادع جميع أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة الكيميائية، بما حظي به نظام الأسد من الدعم العلني والواسع من مجموعةٍ واسعة من الدول المهمة. ولم يجد أي نظامٍ دموي في التاريخ الحديث من يدافع عنه، ويبرّر جرائمه الوحشية، ويتعاطف مع الجلاد ضد الضحية، من الأنظمة والمثقفين والسياسيين والصحفيين والفنانين، ما وجده في عصرٍ اعتقد الجميع أنه مثل نهاية الحرب الباردة، وفتح الأبواب أمام تعميم قيم الحرية والديمقراطية.

ولم يظهر المجتمع الدولي الذي قامت مؤسساته لما بعد الحرب العالمية الثانية على مبادئ حفظ الأمن والسلام الدوليين، والحيلولة دون العودة إلى نظام العنصرية، وتبرير المذابح الجماعية وجرائم الإبادة العرقية أو الدينية، وتمكين الشعوب من حقها في تقرير مصيرها، تحللا من التزاماته القانونية والأخلاقية، في أي حقبةٍ سابقةٍ، كما أظهره إزاء الانتهاكات والارتكابات الشاملة والمستمرة لحقوق الشعب وحقوق الإنسان، حقوق الفرد والجماعة التي حصلت، ولا تزال تحصل، منذ سنوات، على يد الطغمة الحاكمة في دمشق. ولم يظفر أي مجرمٍ في التاريخ الحديث بمن يبرّر جرائمه، ويزيّن أعماله له ولغيره، ويدعو إلى تأهيل القاتل، وتمكينه من شعبه، كما ظفر الأسد ونظامه. ولم يظهر الرأي العام الدولي تواطؤا مع قاتلٍ، أجمعت المنظمات الإنسانية والحقوقية على ضرورة تقديم ملفه للعدالة الدولية، واتهامه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما أظهره أمام نظامٍ لم يتوقف عن التأكيد على تصميمه على الاستمرار في إبادة "شعبه"، وإخضاعه بالحديد والنار لشهواته وإرادته. ولا تكاد تكون هناك سابقةٌ في العالم على الغياب الكامل لأي رد فعل، رسمي أو شعبي، وانعدامٍ كامل للتضامن الإنساني، أمام صور ألوف البشر، من الاطفال والنساء والشباب والشيوخ، الذين قضوا تحت التعذيب حتى

"لم يظفر أي مجرمٍ في التاريخ الحديث بمن يبرّر جرائمه كما ظفر الأسد ونظامه" الموت، وأؤلئك الذين ماتوا خنقا بالأسلحة الكيميائية، أو تحت أنقاض المنازل والملاجئ المستهدفة بالبراميل المتفجرة، كما حصل مع جرائم الحرب الدائرة في سورية منذ سنوات. ولم يعامل احتلالٌ لبلد آخر بالتساهل، إن لم نقل بالتعاطف، ولم يحصل استهتار بمبدأ السيادة وحرمة الدم، وشرعنة لغزو المليشيات الطائفية، وإقامة للقواعد العسكرية في أراضي الغير، كما حظي به الاحتلال الإيراني والروسي للأراضي السورية.

بالتأكيد، ليست المذبحة السورية الأولى في التاريخ القديم أو الحديث، فقد سبقتها مذابح وحروب تطهير عرقي وإبادة جماعية في أكثر من منطقة، حتى بعد الحرب العالمية الثانية، لا تقلّ دمويةً عما شهده السوريون، مرت من دون أي محاسبةٍ أو عقاب. لكن ما يميز حرب التطهير العنصري السورية أنها لم تحصل في غفلةٍ من الرأي العام العالمي، ولكنها تكاد تجري مباشرة على الشاشات، في كل مراحلها وتفاصيلها. وربما لم تحظ حربٌ بالقدر الهائل من التصوير ونقل المعلومة ومعرفة الجناة والضحايا، أي بهذه الشفافية و"المعروضية"، كما حظيت المحنة السورية. فقد مرّت حروب الإبادة الجماعية السابقة جميعا من دون إعلام واسع، أي قبل الثورة المعلوماتية، ونجح مرتكبوها في إخفاء صورها الأليمة عن الرأي العام، كما أنها حصلت في عالمٍ لم يكن على الدرجة التي يعرفها اليوم من التواصل والتفاعل والاندماج.

 

2

حتى الحرب السورية، كان هناك افتراض واسع الانتشار بأن المجازر الكبرى التي شهدتها المعمورة في القرن الماضي حصلت لأن مرتكبيها نجحوا في إبقائها بعيدةً عن الأنظار، ونشأ شعور واسع، في المقابل، بأن مثل هذه المجازر لن يكون حدوثها ممكناً في عالم ثورة المعلومات، وأن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يتحمل رؤية مشاهد المذابح الواسعة، من دون أن يتدخل أو يسعى إلى وقفها. ونشأ عن ذلك اعتقادٌ لدى الناشطين السوريين الذين كانوا يتعرّضون للقتل المنهجي واليومي أن خلاصهم يكمن في التوثيق اليومي، بالصوت والصورة، لكل ما يحصل من مجازر، حتى صارت وظيفة الإعلام الأبرز بين وظائف نشطاء الثورة جميعها، وهذا ما حوّل الناشطين الإعلاميين من الشباب إلى هدفٍ أول لرصاص النظام. وبانعدام وسائل أخرى لمواجهة عنف السلطة، راهن السوريون على تعبئة الرأي العام الدولي، وتمسّكوا بأمل أن يثير النشر الواسع لصور المأساة ومشاهد العنف الوحشي للنظام رد فعل عالمياً قوياً، ويبعث ديناميات التضامن مع الشعب المذبوح. كان شعارهم غير المنطوق به: لا يمكن للعالم أن يقول إنه لا يعرف كما حصل مع المذابح السابقة. اليوم نحن نقدّم يوميا، بالصور والأرقام، الأدلة القاطعة على ما يجري من انتهاكاتٍ غير مسبوقة لحقوق الشعب والأفراد. أدلة على القتل والتمثيل بالجثامين والتجويع والتشريد. لذلك لم تحظ أحداثٌ بالأرشفة اليومية التي حظيت بها الأحداث السورية. حتى ليكاد يكون هناك كل يوم سجلٌ كاملٌ بعدد القتلى والشهداء وأسمائهم وسيرهم، ومكان استشهادهم، وبمشاهد القصف والعنف والإبادة. لم يحظ الموت بسجلٍّ مفصل وجامع ويومي في أي حرب، كما حصل في الحرب السورية.

كان هذا هو الفخ الذي وقع فيه السوريون، ولا يزال أغلبهم، وفي مقدمهم الناشطون، غير

"راهن السوريون على تعبئة الرأي العام الدولي، وتمسّكوا بأمل أن يثير النشر الواسع لصور المأساة رد فعل عالمياً قوي" متحررين من وهمه بعد، فقد اكتشف السوريون، على حساب أرواح أبنائهم، عدم صحة هذه الفرضية التي تستمد قوتها من الاعتقاد المثلث الخاطئ بأن ما منع العالم من التدخل لوقف المجازر الجماعية في الماضي هو غياب المعلومات أو تغييبها، وأن النزوع إلى الحرية والديمقراطية أصبح مطلبا عالميا وأخلاقيا معا، يوحّد بين جميع الأمم والشعوب، ويشكل مصدراً للتضامن في ما بينها، وأن العالم الذي نعيش فيه ارتقى بثقافته السياسية إلى ما فوق أنانية المصالح القومية، وولد بالتأكيد، في المعمورة المعولمة، ضمير جماعي، يدفع الدول والحكومات والرأي العام إلى العمل لوقف أي مذابح أو جرائم ضد الإنسانية. ما حصل في الحالة السورية أثبت خطأ هذه الافتراضات جميعاً.

فلم يؤثر التوثيق اليومي للأحداث على سلوك الجمهور العالمي، ولا أعارت الدول والحكومات الديمقراطية اهتماماً كبيراً للوثائق الدامغة التي قدّمتها منظمات حقوق الإنسان الدولية عن اتساع دائرة الانتهاكات والقتل بالجملة خارج القانون، والموت تحت التعذيب، أو في حصار التجويع وتحت قصف القنابل العمياء، أو حتى بالأسلحة الكيماوية والعنقودية المحرّمة. ولم يُحدث نشر هذه الوثائق والصور أي تغييرٍ في مواقف الدول المؤثرة، ولم يجعلها تتقدّم خطوةً عما كانت تفعله في أول أيام اندلاع الأحداث. وربما أكثر مما حصل في أي أحداث دولية كبيرة سابقة، لم يسد منطق المصالح الوطنية حسابات الدول الكبرى والصغرى على حساب المبادئ والقيم الأخلاقية، كما ساد في الحالة السورية. ولم تشهد الساحة الدولية تظاهرةً مهمة واحدةً لإدانة القتل والضغط على الحكومات، لوقف المذبحة السورية المستمرة منذ سنوات. منذ البداية وحتى الآن، لم تغيّر الحكومات المعنية بالأحداث رؤيتها للمسألة وللمعادلة الأساسية التي توافقت عليها ضمنا منذ الأيام الأولى: معادلة لا غالب ولا مغلوب، والتي لا تعني شيئا آخر سوى مساواة الجلاد بالضحية، وشرعنة استمرار الحرب، والقبول بفكرة استمرار القتل والإبادة.

 

3

ظهرت معالم هذا الواقع واضحةً منذ إفشال النظام أول مسعىً دولي لطرح حل للمشكلة، والرد الباهت للمجتمع الدولي على إخفاق مؤتمر جنيف الأول الذي عقد في فبراير/ شباط 2012، لتطبيق المبادرة العربية الدولية التي لخصها كوفي أنان في ست نقاط، أبرزها وقف النار وسحب الأسلحة الثقيلة من المدن، والسماح بدخول المساعدات الإغاثية، والبدء بإطلاق سراح المعتقلين، والبدء بمفاوضات الانتقال السياسي. وقد حاول بعضنا الهرب من مواجهة هذه الحقيقة التي سوف تتأكد أكثر مع الوقت، بافتعال قضيتين ثانويتين، والتذرّع بهما، هما غياب وحدة المعارضة، وفي ما بعد تسليح الثورة وأسلمتها. وساعدت الذريعتان على الإبقاء على وهم الرهان على تحريك المجتمع الدولي، وتدخله الإنساني أو السياسي قويا عند الأغلبية الساحقة من جمهور الثورة والرأي العام. وزاد من قوة هذا الاعتقاد أيضا عزلة موسكو في استخدامها حق الاعتراض في مجلس الأمن، حتى تقلصت خطة العمل السياسي الثوري بمجموعه تقريبا إلى البحث في وسائل ثني روسيا عن موقفها المعارض اتخاذ أي قرارٍ يفرض على النظام التحرّك في اتجاه الانتقال السياسي، أو يمكن، أقل من ذلك، من تشكيل ضغط قوي على النظام السوري. وشيئا فشيئا، وجدت الدول الصديقة، أو التي أعلنت عزمها على مناصرة القضية

"العالم الذي نعيش فيه ارتقى بثقافته السياسية إلى ما فوق أنانية المصالح القومية" السورية، في اعتراض موسكو وتعطيلها مجلس الأمن أفضل ذريعةٍ لتبرير تقاعسها ورفضها الانخراط أو التورّط في أي خطوةٍ عمليةٍ للضغط على النظام، أو ثنيه عن سياساته الدموية.

هكذا اكتملت شروط المجزرة، وصار من الممكن للنظام السوري أن يستمر في قتل شعبه وتشريده وتدمير شروط حياته، بشكل علني ومنهجي. ومع سبق الإصرار أمام صمت العالم، وعطالة حكوماته، ورأيه العام معا. وفي المحصلة النهائية، قبول الجميع واستسلامه لما يحصل. ولم يعد لعرض مشاهد العنف المروّعة وتوثيقها أي أثر إيجابي على سياسات الدول والحكومات. بل تحولت القضية بسرعةٍ من قضية سياسية إلى قضية إنسانية، وتركّز الحديث فيها في مسائل الإغاثة ومساعدة اللاجئين واستقبالهم هنا وهناك، وترك الفاعل الرئيسي وموقد الفتنة والنار حرا طليقا، وصرف النظر عن تسليحه، وتعزيز قدراته من حلفائه. ومع مرور الوقت، لم يعد القتل الجماعي والتنكيل بالناس وتشريد الملايين وقتل الأطفال يثير أي رد فعل، أو حتى اعتراضٍ، من المجتمع الدولي. بل إن الصور والفيديوهات التي لا تحصى التي عرضت على شاشات العالم حوّلت حرب الإبادة إلى ما يشبه التمثيلية التي يلعبها أشخاصٌ مجهولون على مسرحٍ مفتوح على مستوى العالم، وحولت القتلة والضحايا ممثلين في تراجيديا يونانية، وساعدت في تخدير مشاعر الجمهور وتبليده، بدل أن تدفعه إلى التحرّك والوقوف في وجه مأساة حقيقية.

لم تكن هناك إرادة سياسية دولية لوقف الجريمة. لذلك، لم تكن هناك أيضاً مصلحة في إعطاء الصورة والشهادة الحية معنىً وتحويلها إلى فعل أو رد فعل على العنف المتصاعد. فما منع الرأي العام في حروب التطهير العرقي السابقة من التحرّك، حتى في أوروبا الوسطى سنوات طويلة، ليس عدم المعرفة الصحيحة بما يجري، ولا تعقيد الوضع، كما كان يقال بالنسبة للحالة السورية، وفي الواقع في جميع حالات الصراع، وإنما الاعتقاد بغياب المصلحة في وقف الحرب، وربما المصلحة في تسعير نارها، وتوسيع دائرة انتشارها. وهو موقفٌ نابعٌ من أمور مختلفة أهمها المراهنة على إمكانية الاستفادة من حروب الآخرين لتأمين مصالح أو ما يعتقد أنه مصالح قومية أو خاصة، بصرف النظر عن مصير الضحايا، وهو ما يندرج تحت بند الأنانية القومية، ومنها الخوف من التورّط في حروبٍ لا تنجم عن المشاركة فيها مصالح واضحة، وقد يترتب على هذه المشاركة خسائر ينبغي تجنبها، ومنها عدم الرغبة في تقديم تضحياتٍ لإنقاذ شعبٍ لا يثير مصيره التعاطف، أو لا يحظى بالثقة، إما بسبب ثقافته أو ديانته أو الإرث السلبي من العلاقات التاريخية.

كل هذه العوامل والمصالح المباشرة وغير المباشرة تفسّر ما ينبغي أن نسميه التواطؤ الدولي على تمرير المذبحة السورية، وهو تواطؤ يعكس، لدى جميع الأطراف التي التزمت الصمت على الجرائم ضد الإنسانية أن السياسة الدولية شهدت عودة ما يسمى مذهب الواقعية السياسية، أي البحث عن تعظيم المصالح لكل دولة، مهما كان الثمن، وخارج أي اعتبار أخلاقي أو سياسي، وبصرف النظر عن مصير العالم ككل، وشعوبه الضعيفة خصوصاً، إلى حقل العلاقات الدولية. وهذا يعني تحرير منطق القوة من أي قيد، وتحويل العالم إلى غابةٍ يفترس فيها القوي الضعيف، ويعني، في ما وراء ذلك، شرعنة الحرب الدائمة على حساب حلم إقامة سلامٍ عالميٍّ، وتعاون ناجع بين جميع الدول والشعوب من أجل التنمية، وتحسين فرص التقدم الشامل الذي راود المجتمع الدولي، بعد كوارث الحرب العالمية الثانية.

والقصد من ذلك أن كوننا ضحايا التحولات العميقة التي تحصل على مستوى ديناميات العلاقات الدولية لا ينبغي أن يدفعنا إلى الاستسلام لموقف الضحية، والغرق في الندب والشكوى، وإنما بالعكس إلى استعادة زمام المبادرة، وتحمل مسؤولياتنا تجاه شعوبنا. وبدل أن تقودنا خيبتنا من المجتمع الدولي إلى قبول الحلول الخادعة والعرجاء التي يقدّمها لنا أصحاب الانتداب الجديد، علينا أن نعود إلى تلمس إمكانية تفعيل نوابض القوة المادية والمعنوية في مجتمعاتنا، والعمل على تعزيز فرص الحلول الداخلية، وربما البدء بتكوين لجنة اتصالٍ وطنية، مهمتها القيام بالمشاورات الأولية لاستكشاف إمكانية فتح حوار وطني منتج، على مستوى المجتمع المدني، يمهد في المستقبل لبناء تفاهمات والإعداد لعهد وطني جديد، يختم حقبة الحرب، ويؤسس لحقبة ما بعد الأسد وإنهاء التدخلات والاحتلالات الأجنبية جميعا. وربما وجدنا في هذا المسار، بعد معاناة الجميع من ويلات الحروب الداخلية والخارجية المهولة، ونهاية مشروع إيران وقرب التخلص من "داعش"، فرصا جديدة لإعادة التواصل بين أطياف المجتمع المختلفة، وبدء الخطوة الأولى على طريق التحرّر من وهم الحلول الخارجية، والعودة إلى منطق التفاهم الداخلي والحوار الوطني.

========================

هل انتهت المغامرة الروسية في سورية؟ .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 13/7/2017

لعل أهم إنجاز روسي، بنطر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحقّق من اتفاق الجنوب السوري مع الرئيس دونالد ترامب أنه استطاع فتح ثغرة داخل الإدارة الأميركية تسمح بأحد خيارين: إما أن تكون هذه الثغرة بداية انفتاح أبواب واشنطن أمام روسيا ومناقشتها ومشاركتها في القضايا العالقة معها، أو زرع لغم ينفجر داخل الإدارة ويخلق صراعات بين أركانها يتيح لبوتين التحرك بسهولة أكبر في خرائط الأزمات الدولية.

لكن ماذا لو لم يحصل أحد الاحتمالين، بحيث أن الإدارة الأميركية اكتفت بهذا الاتفاق، على ما هو ظاهر حتى اللحظة، بل وذهبت إلى توكيل الأردن وإسرائيل لمتابعة ترتيباته وإجراءاته، بالتالي إخراج نفسها من أي استحقاقات مستقبلية، وبالتبعية لم تحصل أي توتّرات في العلاقة بين الأجنحة والتيارات في إدارة ترامب؟

تشكّل هذه الاحتمالات في حال تحقّقها ضربة غير مسبوقة لبوتين، فهو للمرّة الأولى يقدم على خطوة بهذا العمق في سورية، وكان قبل ذلك اعتمد سياسة الصبر والإمساك بأكبر قدر من مسارات الحرب السورية انتظاراً لنضوج التسويات التي اعتقد انه سيكون المتحكِّم بخيوطها ويجبر واشنطن على دور شرفي ديكوري لا يتعدى اعترافها بنهائية السيطرة الروسية على الإقليم السوري.

أن يشكّل خطأ تقديرات بوتين مغامرة فتلك مسألة بنيوية لها علاقة بوضع روسيا وواقعها في ميزان القوّة العالمي، فروسيا دولة ما زالت في طور بناء قوّتها ليست لديها إمكانات الدول العظمى والتي إضافة الى ثراء عناصر قوتها فإنها تملك مساحة واسعة من الخيارت والأوراق التفاوضية تدعم بها مواقفها وتسند بها تحركاتها.

وإذ لا تمتلك روسيا مثل هذه المزايا، إلا في خيالات وأوهام بعض رجالات الكرملين، فإنها بسبب قلة أوراقها وضيق خياراتها تعتبر أن كل ورقة تملكها كافية لتسوية جميع ملفاتها الخلافية مع العالم، من جزيرة القرم في أوكرانيا إلى تمدّد حلف الأطلسي على حدودها، وثبت أن هذا أمر لا يمكن ترجمته وتصريفه سياسياً لذلك تتحول القضايا العادية إلى أزمات مستدامة نتيجة هذه الحسابات المعقّدة.

ويذكر الجميع العروض التي قدّمتها دول الخليج العربية لروسيا كي تتخذ مواقف متوازنة من الأزمة السورية، وأثار موقفها هذا الاستغراب والشك لدرجة ذهب البعض معها إلى اعتبار أن روسيا عادت لزمن المواقف المبنية على الإيديولوجيا، غير أن الحقيقة التي تكشّفت بعد ذلك أثبتت وجود فارق شاسع بين تقدير روسيا للأوراق التي تملكها ورؤية وتقدير الآخرين لتلك الأوراق، وهذه إشكالية من شأنها تخريب أي عملية تفاوضية لأن أي طرف مقابل لروسيا سيجد نفسه أمام معادلة خاسرة غير مضطر للقبول بها في الوقت الذي تتوافر له بدائل، او حتى يمكن صناعتها، بأثمان أقل مما تطلبه روسيا.

لا شك في أن تراكب الإشكاليات البنيوية للقوّة الروسية مع طرائق إدارة صراعات موسكو مع اللاعبين الآخرين كفيلة بإنتاج مركب المغامرة الذي يشكل وزناً معتبراً في السلوك الروسي الحديث، فقد انبنت جميع تحركات موسكو على مغامرة واضحة ومزيج من النزق والتهوّر لم يكن في الإمكان إخفاءهما، وهو ما يشبه سلوك دولة إقليمية ليست لديها الثقة الكاملة بتصرفاتها.

ولكن ماذا لو أن واشنطن اعتبرت أنها دفعت ثمن الاتفاق مع روسيا عبر الاعتراف بها طرفاً مقرّراً في سورية، وبخاصة أن هذا الأمر لطالما شكل هدفاً عزيزاً على قلب موسكو، بالتالي تصبح واشنطن هي التي في موقع من ينتظر من روسيا دفع الاستحقاقات المترتبة عليها؟

والأمر ليس تخميناً، بل ثمّة مؤشرات عديدة على أن واشنطن بالفعل تسعى إلى تطوير الاتفاق بهذا الاتجاه، وبخاصة بعد أن صرّحت إدارة الرئيس ترامب بأنها تطمح لاستنساخه على بقية المناطق السورية، بما يعني حصر التفاهمات بين روسيا وأميركا وإبعاد إيران، ليس سياسياً وحسب، بل مادياً عبر إخراج ميليشياتها من تلك المناطق كما حصل في اتفاق جنوب سورية، بل أن واشنطن تذهب أبعد من ذلك في ما يخص الترتيبات الواجب إجراؤها لتهيئة المناخ اللازم لحل الأزمة في سورية، عبر تحديد مصير بشار الأسد ووضع إطار زمني لخروجه لا يتعدى المرحلة الانتقالية على ما صرح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، وعلى رغم رد بوتين العصبي لا يبدو أن كلام الوزير الأميركي يدخل في إطار توقعاته من روسيا بقدر ما هو نتيجة تفاوضية صريحة جرت خلال لقاء ترامب – بوتين.

لقد مارست روسيا، منذ تدخلها في سورية، سياسات تضليلية الهدف منها استنزاف الخصوم بالخدع، ولا شك في أنها استنزفت ما لديها من تكتيكات بهذا الخصوص، وتضع اليوم نفسها في قلب اتفاق ربما يرتب عليها استحقاقات أكبر من قدرتها على الالتزام بها، وفي حال استمرار سيرها بالاتفاق أو تراجعها عنه فإن المغامرة الروسية في سورية أمام شروط ووقائع مختلفة.

* كاتب سوري

========================

خمسة ثوابت في عهدة الشباب السوري الحر .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 10-7-2017

أولا - التمسك بكرامة مجتمعاتهم الإنسانية ، ولتستمر ثورتهم على دولة القنانة ، حتى لا يورثوها لأبنائهم وأحفادهم ...

ثانيا - المفاصلة الشاقولية الحادة مع كل من يساومهم على حرياتهم المدنية العقائدية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، أو ينازعهم في حريتهم في اختيار من يسوسهم من مختار الحي إلى رئيس الجمهورية ..

ثالثا - التمسك بأفق مستقبلي لحياتهم الفردية ، والجماعية ، والتأسيس لدولة تنتمي إلى العصر وتليق به . كل ذلك على القواعد الثابتة العريضة لشريعتهم الغراء , فكرامة الإنسان قاعدة ، والمساواة بين الناس قاعدة ، والعدل قاعدة ..

رابعا - الدفاع عن كل ذرة تراب من إرثهم الوطني التاريخي ، فأمام وحدة الأرض وحماية كل شبر منها تسقط كل الموازنات السياسية والمناورات ..

خامسا -الاعتداد والافتخار بصفة المجتمع التعددي الذي لازم حضارتهم عبر القرون ورفض فكرة النقاء الأحادي ، الذي كان سمة لثقافة الأخرين .

أيها الشباب السوري الحر ..

لا تنم ، لا تغرّ ، لا تخدع ، لا تمل ، لا تتوقف...

ففي سبع سنوات قد كشفت سوأة حضارة ظلت تزعم أنها حضارة الإنسان ، وعريت عالما من الاستبداد والشر والفساد ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=================================

حروب الدول لتقاسم البلد تلي حروب الأسد على السوريين .. عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 13/7/2017

ماذا يعني «مسار آستانة» والاتفاق الذي انبثق منه لإقامة المناطق الأربع «لخفض التصعيد»، وماذا يعني «مسار عمّان» واتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غربي سورية؟ إنهما نموذجان لإدارة الأزمة بعدما تعب الطرفان المتقاتلان، نظام بشار الأسد وفصائل المعارضة، وبلغا من الضعف ما يسمح للقوى الدولية والإقليمية بأن تقرّر أن سورية المعروفة انتهت، أصبحت مناطق مشرذمة، ولم يعد ممكناً توحيدها ولا حُكمها، وأن المتاح هو تقاسمها مناطق نفوذ في انتظار الظروف المواتية لـ «حلٍّ نهائي» يُفترض أن يفضي الى تقسيمها. ولا شيء يؤكّد أن التقسيم ممكنٌ وعمليٌّ، أو أنه قدرٌ محسوم. والأهم أن شعب سورية (وليس النظام)، على رغم كل الانقسامات، يرفض مثل هذا المصير.

ليس في الغالبية الصامتة، بمَن تضم من موالين ليسوا مع الأسد ومعارضين لا يراهنون على المعارضة، مَن يؤيّد التقسيم أو يسلّم به، بل إن لديهم ايماناً ضمنياً بأن صعوبات ترميم التعايش مهما بلغت تبقى أهون من آلام التجزئة الجغرافية والاجتماعية. كذلك، ليس في المعارضة وأنصار الانتفاضة الشعبية مَن دفعهم هول المآسي، على فظاعاتها، الى اعتبار التقسيم مصيراً يلبي طموحاتهم أو يحقق المستقبل الذي حلموا به. ما يتوافق عليه هؤلاء وأولئك أن دمار الوطن أصاب الجميع، شعباً ودولةً، وأن تقسيمه لا يعوّض خسارات الأفراد والعائلات والطوائف، بل يضاعفها.

الأكيد أنهم متوافقون أيضاً على رفض الأمر الواقع الذي تفرضه القوى الدولية والإقليمية عليهم الآن، وليست لديهم قدرة ولا حلفاء أو «أصدقاء» يعولون عليهم لتفعيل هذا الرفض بموقف «وطني» جامع. فالمعارضة تحاول بشقّ الأنفس الحفاظ على وجودها في آستانة وجنيف، من دون أي قدرة على مقاومة «مناطق النفوذ» وأصحابها. أما النظام، الطائر زهواً بـ «انتصارات» اعتقدها نتيجة لشطارته وتزكيةً لبقائه، فيتبيّن له أكثر فأكثر أنه لم يكن سوى أداة في أيدي حلفائه وأعدائه، حتى أنه يتلهّف اليوم لقنوات مفتوحة مع الولايات المتحدة والسعودية، اعتقاداً منه أن اللعب على التناقضات والتوازنات لا يزال في مستطاعه. لم تمكّنه عقليته السياسية البائسة من إدراك أن حلفاءه عملوا على تقزيم أي قيمة يمكن أن يمثّلها، وأنه بالنسبة اليهم لم يعد سوى ورقة يساومون بها على مصالحهم، وتوشك أن تفقد صلاحيتها. ولعل اللحظة الراهنة الأكثر دلالة الى أنه فاقد «الشرعية»، فميليشياته وأجهزته وشبّيحته لا تؤهّله لأن يكون حاكماً، أما تآمره على شعبه فلا يخوّله استنهاض حال «وطنية» - على افتراض أنها خطرت في باله - ضد الاملاءات الخارجية. لذلك، وحده هذا النظام يجد في التقسيم مآلاً يناسب طائفته ومخرجاً يغطّي عجزه عن إبقاء البلد موحّداً ويعفيه من مواجهة تحدّيات ما بعد الحرب.

في ضوء التقاسم الحاصل راهناً، ودخلت الولايات المتحدة على خطّه من باب التعاون لا التصادم مع روسيا، دخل الصراع السوري مرحلة يقول اللاعبون الرئيسيون فيها إنهم يسعون الى وقف التقاتل، سواء عبر «مسار آستانة» أو «مسار عمّان»، ليتوجّهوا بعدئذ الى «المسار السياسي». وفيما هم يتقاسمون لا يزالون يقولون، باستثناء الإسرائيليين، أنهم يرفضون أي مشاريع لتقسيم سورية. فبعدما استخدموا التقاتل لتمكين النظام هنا وإيران هناك و«داعش» و«القاعدة» هنالك، ولتعجيز المعارضة وإضعافها في كل مكان، استخدموه أيضاً لرسم الخرائط والحدود بين المناطق، هل يمكّنهم وقف التقاتل من استخدام الفوضى التي صنعوها في استنباط «حلّ سياسي» كفيل بعدم زرع أسباب لتجدّد القتال. الأكثر واقعية أنهم، أي الروس والأميركيين والإيرانيين والأتراك والإسرائيليين، يتنافسون على تقاسم البلد، وليسوا مهتمّين بأي حل سياسي، ويصعب تصوّر أي في ظل هذا التقاسم. ولذلك يُعزى عدم أكتراثهم بـ «مسار جنيف» الى أن التفاوض بين النظام والمعارضة ليس الإطار الذي يُتوقّع منه البحث في التقسيم أو الاتفاق عليه. هذا يفسّر أيضاً لعبة إضاعة الوقت التي يمارسها النظام في المفاوضات، واذا كان انخرط أخيراً في مناقشة «أي دستور للمرحلة الانتقالية» فلأن هذه رغبة موسكو المهتمّة بدسترة تعيد انتاج النظام (من دون الأسد) وبفدرلة تغلّف التقسيم المزمع.

لا وقف حقيقياً للتقاتل، وعدا مواصلة الحرب على «داعش» في دير الزور التي تُوصف بأنها أهم مواقع سيطرته بعد الموصل، سيخوض المتقاسمون المعارك المقبلة لتحريك حدود مناطق النفوذ، توسيعاً أو تضييقاً، فالتقاسم لم يُحسم بعد. لا شك في أن إيران راكمت في الآونة الأخيرة خسائر عدة، بعضٌ منها بفعل الاتفاق الأميركي- الروسي- الأردني في شأن الجنوب الغربي لسورية، وبعضٌ آخر قبله. ولعل هذا الاتفاق أشعر طهران للمرّة الأولى بما عنته واشنطن حين تحدثت عن تقليص نفوذها، إذ إنه يحول دون أن تهاجم باسم «قوات النظام» لاستعادة كامل درعا والاقتراب من حدود الأردن أو لاستعادة كامل القنيطرة لبلوغ الحدود مع إسرائيل. كان هذان الهدفان بالغَي الأهمية في الاستراتيجية الإيرانية، سواء للعبث بأمن الأردن أو بالأخص لإشعال جبهة الجولان.

قبل ذلك، حاول الإيرانيون باسم «قوات النظام» أيضاً السيطرة على معبر التنف، وباسم «الحشد الشعبي» الاستحواذ على معبر القائم - البوكمال، لجعل الحدود العراقية - السورية مفتوحةً لتنقّل ميليشياتها وآلياتها، وتحديداً لتأمين مشاركتها في معركة دير الزور، غير أن الضغط الأميركي على حكومة بغداد أوقف اندفاعها. بل حاولت أيضاً اقحام «قوات النظام» في معركة الرقّة، فأسقط الأميركيون طائرة «سوخوي 22» تابعة للنظام لمنعها من قصف «قوات سورية الديموقراطية»، ما أغضب الروس فأوقفوا التنسيق الجوي ثم أعادوه بعدما اضطرّوا لتفهّم الدوافع. يضاف الى ذلك أن نهاية معركة الموصل، بجهد رئيسي للجيش العراقي وجهازَي مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، تترافق مع تطورَين: أولهما فرز سياسي حاصل، خصوصاً في البيئة الشيعية المؤيدة لإيران، والآخر طرح مصير ميليشيات «الحشد الشعبي» التي كانت محاربة «داعش» المبرّر المعلن لإنشائها... صحيح أن هذه الوقائع لم تُضعف نفوذ طهران، لكنها تظهر أن ثمة عقبات باتت قائمة أمام تمدّدها، وأن التقارب الروسي - الأميركي سيربك أهدافها ولا بد أن تعمل للتفلّت من قيوده.

المواجهة الأخرى المؤكّدة ستخوضها تركيا لإحباط أي مشروع لدويلة كردية محاذية لحدودها في شمال سورية، أو في أسوأ الأحوال لتكبيل أي كيان كردي بكثير من القيود لمنعه من التحوّل الى دولة. هذه معركة تجمع بين إيران وتركيا وتتجاوز خلافاتهما، بل تجمعهما مع نظام الأسد اذا كان لا يزال مؤثّراً في المعادلات الدولية والإقليمية. لكن روسيا وأميركا تبدوان متوافقتَين على خطوط عامة ومبدئية بالنسبة الى تلبية طموحات الكرد، وتحاولان معاً تهدئة الغضب التركي، من دون أن تقطعا أي تعهّد حاسم لأنقرة، إما لأن توافقهما لم يبتّ الوضع النهائي لما سيكون عليه الكيان الكردي أو لأنهما - خصوصاً الولايات المتحدة - لا يريدان كشف أوراقهما وسط تصدّر الكرد القتال ضد «داعش» في الرقة، ولذلك مثلاً أكّد وزير الدفاع الأميركي أن واشنطن ستستمر في تسليح الكرد حتى بعد تحرير الرقّة ردّاً على الرئيس التركي الذي كشف أن الأميركيين أبلغوه أنهم سيسحبون الأسلحة التي وفّرت لمقاتلي «حزب الاتحاد الديموقراطي» بعد انتهاء الحرب على الإرهاب. والمؤكّد أن تركيا التي عدّلت سياساتها مراراً في إطار تعاملها مع الأزمة السورية، وقدّمت تنازلات كثيرة على حساب فصائل المعارضة، لا تستطيع التنازل أو التهاون في المسألة الكردية.

قد تكون القوى المتقاسمة في صدد إنهاء القتال بأبعاده الداخلية البحتة، لكن المرحلة المقبلة ربما تشهد أغرب حرب بالوكالة تتقاتل فيها الأطراف المحلية لا من أجل استعادة سورية وإعادة حق تقرير المصير للشعب السوري، بل من أجل تحسين حصص الأطراف الخارجية وتعزيز مواقفها التفاوضية في عملية التقسيم. لكن السوريين «بحاجة الى وقف إطلاق شامل للنار وإلى نشر الأمن في سورية كافة، وليس الى اتفاقات تتخذ ذريعة المناطق الآمنة حجة لتقسيم سورية وتناهب أرضها...» على ما يقول بيان هو أولٌ من نوعه ووقّعت عليه عشرات من الشخصيات السورية.

========================

كيف أصبحت سورية ضحية الصراعات الدولية؟ .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 13/7/2017

لم يكن المبعوث الدولي الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا متفائلاً عندما دعا الى الجولة الحالية من محادثات السلام في جنيف، والسبب أنه لا يوجد تغيير في المشهد السياسي في الوقت الذي تتزايد حرارة المعركة ضد «داعش» في سورية.

ذكر دي ميستورا في أحد مؤتمراته الصحافية أن غياب مشاركة دبلوماسية اميركية انعكس على النتيجة الضعيفة لعملية السلام في جنيف، وقد أثارت الضربات الأميركية ضد نظام الأسد بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في خان شيخون الأمل في أن تتحرك الولايات المتحدة من الدور السلبي في الأزمة السورية منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة إلى دور أكثر نشاطاً للتوصل إلى حل لإنهاء الأزمة المستمرة في سورية منذ عام 2011.

انتقد العديد من المسؤولين السابقين وأعضاء الكونغرس الإدارة الأميركية لعدم وضع استراتيجية بدلاً من القيام بضربة واحدة مع تأثير ضئيل جداً على الحرب في سورية، حيث تواصل الإدارة فك الارتباط مع آستانة وجنيف، هذا الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة ملأته روسيا التي تشجعت بعد تدخلها العسكري في البلاد في ايلول (سبتمبر) 2015.

لكن، مع كل ما يحدث داخل ادارة ترامب، من التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات، والتهديد اليومي لكوريا الشمالية، إلى خفض ميزانية وزارة الخارجية، يشعر ترامب بعدم الأمان في موقعه، ما يعني أن من غير المحتمل أن يكون لديه الوقت لتطوير أو وضع استراتيجية لسورية قريباً. وهذا هو السبب في أنه بالكاد ذكر سورية في رحلته الأخيرة في الخارج وإلى الشرق الأوسط والتي ربما كانت فرصة له لجلب جميع اللاعبين النشطين في الشرق الأوسط للاندماج في استراتيجية سورية واحدة حيث تلعب الولايات المتحدة دوراً رائداً، ولكن كون أي من هذا لم يحدث يترك الأزمة السورية تحت رحمة روسيا اليوم بشكل كبير.

هناك حاجة إلى استراتيجية أميركية في سورية، وليس الضربة لمرة واحدة، لكن ولسوء الحظ تواصل الإدارة الأميركية تجاهل الحاجة إلى مثل هذا النهج والتركيز فقط على هزيمة تنظيم «داعش» في سورية، وحتى في هذا الصدد قررت الإدارة تجاهل كل دعوات المعارضة السورية وحليفتها في «الناتو» تركيا بالاعتماد على «الجيش السوري الحر» في هزيمة «داعش» بدل الاعتماد على «قوات الدفاع الكردية»، فهذه السياسة ستمكن الأكراد الانفصاليين في سورية من تقويض وحدتها في النهاية.

لقد ذكرنا من قبل أن النظام الفيدرالي الذي يدعمه «حزب الاتحاد الديموقراطي» في سورية غير واقعي ويمكن أن يطيل أمد الحرب الأهلية في سورية بعد هزيمة «داعش» ويؤدي إلى مزيد من الخلافات بين الأكراد والقبائل في سورية بعد القضاء على التنظيم في الرقة حيث لا وجود لأقلية كردية في تلك المحافظة.

وبتجاهل هذه الدعوات، ستعقد الولايات المتحدة عملية السلام خلال المرحلة الانتقالية في سورية، وهذا هو سبب الحاجة الى تحقيق التوازن مع التأثير الروسي في سورية، فعلى الولايات المتحدة اليوم أن تشارك في عملية السلام أو الدفع بالمرحلة الانتقالية وأن تستثمر المزيد من الجهود الدبلوماسية والموارد لتكون قادرة على ربط المعركة ضد «داعش» مع المرحلة الانتقالية لرؤية النور في نهاية المطاف.

وإذا انتقلنا إلى الجبهة العسكرية، فقد قامت الولايات المتحدة بإسقاط طائرة نفاثة سورية، وقبل ذلك قامت باستهداف الجيش السوري والقوات الموالية للنظام لحماية «قوات سورية الديموقراطية» من هجوم قامت به الحكومة السورية، وردت روسيا وبسرعة كبيرة واعتبرت هذا الهجوم شكلاً من أشكال الإرهاب من قبل الحكومة الأميركية.

ولكن يبدو أن الولايات المتحدة جادة في حماية قواتها على الأرض لتكون قادرة على إنهاء معركة الرقة وإنهاء «داعش» في سورية والوصول إلى مقر التنظيم الدولة الإسلامية في الرقة قبل القوات الروسية.

لدى روسيا، بطبيعة الحال، الكثير من المزايا في سورية على حساب الولايات المتحدة، فلديها قوات كبيرة على الأرض، ولها على الأقل الآن ثلاث قواعد عسكرية. وبالتالي فإن أي مواجهة في سورية ستكون لمصلحة روسيا، ما يجعل موقف الولايات المتحدة أضعف بكثير.

قدمت روسيا للنظام السوري نظام صاروخ دفاع جوي متقدم S400 يمكن أن يهدد القوات الجوية الأميركية إذا قررت الطيران فوق سورية، وبعد أن أعلنت روسيا ما يسمى «مناطق خفض التصعيد» اشارت إلى حظر الطيران الاميركي فوق هذه المناطق. ويمكن اعتبار ذلك علامة تصعيد من روسيا ولكن روسيا سوف تنفذه أو سوف تستخدم مثل هذا البيان فقط كلغة تهديد.

لا يزال الرئيس ترامب يعتقد أنه سيكون قادراً على مفاوضة روسيا في سورية في ما فشل فيه سلفه أوباما والوزير كيري عدة مرات، والفجوة بين الموقفين لا تزال واسعة، ولكن الجانبين يعتقدان أن عليهما فعل شيء ثم فرضه. نهج روسيا أكثر تركيزاً على البعد الأمني ومستوى العنف مع عدم الرغبة في مناقشة مسألة الانتقال السياسي ومستقبل الأسد. فيما الولايات المتحدة أكثر اهتماماً بالقضاء على «داعش» أولاً ثم التحقق من كيف سيبدو الانتقال في المستقبل.

إن وجهتي النظر المختلفتين بشأن سورية تخفيان الصورة الأكثر تعقيداً لقوتين دوليتين تطمحان لاستعادة النظام في سورية وفق شروطهما، ويبدو أن المدنيين السوريين هم الخاسر الأكبر في المعادلة.

========================

التدخل التركي في الشام.. حقيقة أم وهم؟! .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 12/7/2017

يتأكد يوماً بعد يوم أن التشظي والتفتت في الساحة الشامية السياسية والجغرافية وغيرهما السمة البارزة التي اتسمت بها الساحة على مدى سنوات، فهذا التشظي والتشتت ليس مقتصراً على ساحة الفصائل والجماعات الثورية الشامية، وإنما تمدد واتسع ليشمل الساحة الإقليمية، لقد عجزت دولة، كتركيا، حتى الآن عن حشد وتعبئة الشارع الشامي لصالحها في كل قضية تقوم بها، وهذا يعود بالدرجة الأولى والأخيرة إلى فشلها في إيجاد قنوات تواصل حقيقية وعملية ومستمرة مع نخب الشام الفاعلة على الأرض، بهدف توجيه البوصلة، بحيث تكون هذه الجهود قائمة على المصارحة والوضوح وتقاطع المصالح الكثيرة، والكثيرة جداً، الموجودة، بين الثورة وداعمها التركي الإقليمي.

لم يكن يوماً من الأيام التواصل العسكري بين الدولة الداعمة والثوار على مدى التاريخ القناة الكافية لبناء علاقات صحية وحقيقية تخدم الطرفين، وإنما لا بد من قنوات دعم لهذا الهدف العسكري إن كان على المستوى السياسي والإعلامي والثقافي أو النخبوي بكافة مجالاته، وهذا ما تجلى بشكل واضح أيام الجهاد الأفغاني، فتمكنت يومها باكستان من إقامة قنوات تواصل حقيقية وعملية وواقعية مع النخب الأفغانية، من أجل جمع الكل في بوتقة الثورة والتحرير، وحتى حين تصادمت خيارات باكستان مع حركة طالبان بتعاون الأولى مع 38 دولة للإطاحة بها وتسليم قادتها لم تتصادم الحركة مع باكستان لقناعتها أنها الرئة الوحيدة لتنفسها، وضرب هذه الكلية إعلان عن موت معلن وواضح أبدي للحركة.

ظهر بشكل واضح العجز التركي في حشد الكل أو أكثر هذه النخب في معركة درع الفرات، وهذا يعود بشكل أساسي إلى الافتقار للرؤية التركية الواضحة التي تستطيع من خلالها تسويقها للثورة والثوار والنخب، فضلاً عن الحاضنة الاجتماعية، وإن كان هذا للأمانة يعود إلى أن الساحة الشامية ودعمها أكبر من قدرات تركيا، تجلت باتفاق كل القوى الإقليمية والدولية على معاداة تركيا بشكل مباشر أو غير مباشر، فكان أن تقزمت المنطقة التي وعدت بها تركيا من خمسة آلاف كيلو متر مربع في معركة درع الفرات إلى ألفي كليو متر مربع، بالإضافة إلى اتضاح أن تركيا لم تعتمد على قوة عسكرية حقيقية قادرة على تقديم أداء عسكري مميز في تلك المعركة، تماماً كما لم تستطع إقناع الحاضنة الاجتماعية للثورة الشامية بصوابية الموقف التركي في هذه العملية، وتكلل بالنجاح الناقص لتركيا في عملية درع الفرات، مما انعكس سلباً على أي رغبة في أي تدخل تركي مستقبلاً بالشام.

بكل صراحة وشفافية، كما أن نظام الأسد وصل إلى طريق مسدود بعد سنة أو سنتين على حسم الأوضاع عسكرياً لصالحه، فاستنجد بكل حثالات الأرض من ميليشيات طائفية وقوى إقليمية ودولية، فإن الثورة الشامية اليوم تعاني من حالة انسداد في قدرتها على الحسم، كون دول إقليمية ودولية تدخلت بشكل كامل في الشام، وهو ما جعل عبء إسقاط العصابة الطائفية أكبر من الثورة والثوار، مما يفرض دخول طرف إقليمي لصالح الثورة ليقلب الموازين على الأرض، أو على الأقل يخلخل الأرض الشامية شيئاً ما، وهو ما يفسح مجالاً لهامش تحرك أفضل للثورة والثوار، عبر ضرب الأطراف الدولية والإقليمية بعضها ببعض، وإن لم يحصل هذا الصدام، فإن المظلة الأمنية قد توفرت لأكثر من خمسة ملايين شخص يعيشون في محافظة إدلب تقريباً من أهل المحافظة أو من المهاجرين المشردين إليها، منعاً لتكرار سيناريو الموصل والرقة وحلب وغيرهم من التكرار.

لا مجال أمام الثوار على الأرض، بكافة أطيافهم، إلا التعاون والتنسيق على المستوى العسكري، ولا مجال أمام تركيا إلا مصارحة ومشاركة القوى السياسية والعسكرية والنخبوية الشامية بشيء من مشروعها، لعلنا نستطيع أن نقيم مشتركات أقوى وأمتن بين الطرفين، ولا مجال أمام القوى الثورية إلا أن تتفرغ للعمل العسكري وتفرعاته مع تشكيل جسم سياسي موحد، من أجل استثمار الانتصارات العسكرية على الأرض، ومنعاً لتجيير الآخرين لها لمصالحهم ومكاسبهم، وإلا فستغدو الفصائل العسكرية بلا مخ سياسي، وأقرب ما تكون إلى قطاع طرق.;

========================

فورد وماكرون ومسألة الشرعية السورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 12/7/2017

بخفّةٍ سياسيّةٍ، ومن دون تحفظٍ، يقول السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، في مقابلته الصحافية أخيراً، إن بشار الأسد انتصر، وإن الولايات المتحدة الأميركية ستنحسب كما انسحبت من بيروت 1983. أيضاً، يؤكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الأسد رئيسٌ شرعيٌّ. ونضيف أن الإدارة الأميركيّة، توقفت في السنوات الأخيرة لحكم الرئيس السابق، باراك أوباما، وكذلك مع الرئيس الحالي، دونالد ترامب، عن الكلام عن عدم شرعية النظام. طبعاً، يؤكد الروس أن النظام السوري مُمثّلٌ للدولة، أي هو الجهة الشرعيّة الوحيدة، ولهذا دلالته الواضحة أنّ احتلالهم سورية شرعيّ، وجاء عبر نظامها السياسي. وأوقفت تركيا حملاتها ضد النظام السوري ورئيسه، والخلاف الخليجي الحالي يُقوّي من النظام، ويُضعف بالتأكيد من المعارضة، وهو ما ظهر تهميشاً للشأن السوري، وتدويراً للزوايا من الأطراف الدوليّة، من أجل تطويق ذلك الخلاف. وباعتبارهما دولتين فاعلتين في المنطقة، تتعامل روسيا وأميركا مع المشكلة الخليجية بالضغط على تلك الأطراف، ودفعها إلى تبني موقفها مما يحصل في سورية، أي محاربة "داعش" وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) والتضييق على إيران، ودفع المعارضة لتقبلَ حلا سياسيّا بالشراكة مع النظام الحالي، ومع بقاء رأسه فترة زمنية معينة.

الحضور الإيراني في سورية كثيف وكبير، ولكن لا يمكن مقارنة الوجود الأميركي في شمال سورية وجنوبها وشرقها بالوجود في لبنان قبل ثلاثة عقود، وكذلك سيكون لهذا الوجود دورٌ

"تقول الدول المتدخلة في سورية للسوريين، وللمنطقة، إن الثورات المضادة هي من سيشكل النظام المقبل" مقررٌ وأساسيٌّ في مآلات سورية والعراق ومحاصرة إيران، وذلك في إطار تحالفاتٍ إقليميّة واسعة، لم تتضح ملامحها بعد. يقول الوجود الروسي والأميركي والتركي والإيراني إن سورية أصبحت مُحتلة، وبالتالي يصبح الحديث عن شرعية النظام السوري متهافتاً، وطبعاً سيظل النظام واحداً من الأطراف في أيّة مفاوضاتٍ حالية أو قادمة، أي في أستانة أو في جنيف أو في مفاوضات جديدة.

الدور الفرنسي الجديد في إطار تعزيز الاتحاد الأوروبي مجدّداً، والكلام عن شرعية الأسد، يتأتى على خلفية الموقف الجديد لترامب، وأن أميركا أولاً، وعلى دول العالم أن "تخضع" لها بما فيه الاتحاد الأوروبي. وقد وجد ماكرون أن الخروج عن "طاعة" أميركا أمرٌ مستحيلٌ، وبالتالي خياراته محدّدة للغاية، فإما الدوران ضمن الفلك الروسي، وهذا مستحيل، فروسيا بحصارٍ دوليٍّ وتحكمها "مافيا"، أو الفلك الأميركي، وهذا سيضطره، بالضرورة، إلى التوافق مع رؤية ترامب إلى الوضع العالمي والوضع في سورية، وهو ما أجبره على العودة إلى مواقف جديدة، تؤكد الرؤية الأميركيّة، أي الصمت عن وضع النظام والاستمرار بالسياسات السابقة لزميله هولاند. الحقيقة إن المواقف الدولية، وليست فقط مواقف روسيا وإيران، لم تُهدد "شرعية" النظام طوال السنوات السبع، ولم يتعرض لأيّ عقوباتٍ دوليّةٍ، تخرجه من مؤسسات هيئة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي وسوى ذلك.

التأكيد الدولي على شرعية النظام، وأن لا بديل له، يُفهم منه أن المعارضة ليست شرعية، ولم تحدث ثورة في سورية، وأن الوضع السوري بسنواته السبع الأخيرة يُختصرُ بأن النظام يواجه إرهاباً إسلاميّاً متشدّداَ، وأن على المعارضة التي استغلت هذه الظروف أن تتقبل النظام، وتعود إلى حضنه. ولكن، هل هذا ممكن، وهل هذا فعلاً هو الحل الوحيد؟

تعلم الدول الكبرى وروسيا وإيران ذاتها، أن سورية لم يعد ممكناً إعادتها كما كانت، أي تحت النظام الشمولي، وأن ما جرى في سورية كانت ثورة شعبية، وتمت محاصرتها والإجهاز عليها. على الرغم من ذلك، لم يعد النظام ذاته يمتلك أيّة ممكناتٍ ليعاد إنتاجه شعبيّاً؛ ليس فقط من المعارضة أو سكان المدن المدمرة، بل وكذلك من الموالين، وأن الانتقال إلى أيّة مرحلةٍ جديدة ستفجر كل التناقضات، حيث سينقل الصراع إلى صراعٍ سياسيٍّ، وهذا سيسمح بتشكيل قوىً سياسيّة ونقابيّة وطلابيّة وشعبيّة جديدة، وستطالب بحقوقها. إذاً ستتغير كل أسباب الصمت والرمادية والخوف، بل والانقسامات الطائفية، طبعاً ستظل كتلٌ مصابةٌ بفوبيا مُتعدّدة الأشكال، وستصمت.

ستلعب القوى السياسيّة الجديدة دوراً مركزياً في تقدم رؤيةٍ جديدةٍ لكل السوريين، وأن الدولة الجديدة هي دولة الكل الاجتماعي، ووفق مبدأ المواطنة وشرعة حقوق الإنسان. سيكون التعقيد في هذه المرحلة بسبب أن سورية أصبحت دولةً تحت الاحتلال، وسيظهر للجميع أن سورية ليس فيها أيّة جهةٍ شرعيّةِ؛ فوجود الاحتلال يُنهي شرعيّة أيّة مجموعةٍ سوريّة. الشرعيّة هذه يمنحها الشعب للقوى الفاعلة، بسبب تلبية حاجات هذا الشعب أولاً، وثانياً بمقدار الموقف من الاحتلال وأدواته السوريّة. وفي ظل هذه الاحتلالات، ستكون إدارة الشأن السوري من الدول الفاعلة فيه، أي روسيا وأميركا أولاً، وتركيا وإيران ثانياً، وثالثاً المجموعة الخليجية، وفي مقدمتها كل من قطر والسعودية. وستكون إسرائيل أكبر الرابحين، فمصالحها في سورية والمنطقة ستكون مضمونة، وربما تنفتح مرحلة جديدة في السنوات المقبلة على تطبيعٍ كاملٍ معها.

ويعود السؤال مجدداً: لماذا يتكرّر الحديث عن شرعية النظام؟ الجواب بالتأكيد، وهو مكرّر

"الثورات المضادة هذه، ستُبرزُ قوىً سياسيّةً وطنيّةً مضادة لها" بدوره، لأن هذه الدول لا تريد الاعتراف بأيّ ثورات شعبيّة، وفي أيّة دولة. وثانياً لأن الوضع السوري يقترب من نهايته؛ فتنظيم داعش انتهى تقريباً في العراق وسينتهي في سورية، وسيوضع حدّ لهيئة تحرير الشام قريباً، ضمن صفقة تخفيض التوتر والدول الضامنة لها. إذاً، تقول الدول المتدخلة في سورية للسوريين، ولكل شعوب المنطقة، إن الثورات المضادة هي من سيشكل النظام المقبل، وإن عليها القبول به، وبالتالي أزمات ليبيا واليمن وسورية لن تحل خارج هذا السياق.

معاقبة قطر، والصمت الأميركي حيال ذلك، وإعادة الحياة لعبد الفتاح السيسي، ووضع المنطقة تحت خطر الحرب على الإرهاب والادّعاء بدعمه والاتهام بالإسلامية والجهادية، كلها عناصر تدفع إلى القبول بأنظمة الثورات المضادة، وإعادة الحياة للنظام العربي القديم بأكمله، وإغلاق ملف الثورات الشعبية.

الثورات المضادة هذه، ستُبرزُ قوىً سياسيّةً وطنيّةً مضادة لها، وستكون واعية لشروطها، وقادرة على قراءة الواقع الجديد هذا، وتهيئة الذات الثورية لرفض واقع الثورات المضادة، والنظام القديم والاحتلالات المستجدة للمنطقة. هنا القضية بأكملها، فهل وصل العرب إلى مرحلةٍ يعون فيها شروطهم المعقدة، وينتهجون رؤية وطنيّة وحداثيّة لكيفية إخراج مجتمعاتهم من مشكلاتها، والانتصار لأهداف الثورات العربية في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والمواطنة.

========================
كيف أصبحت سورية ضحية الصراعات الدولية؟ .. رضوان زيادة

الحياة

الاربعاء 12/7/2017

لم يكن المبعوث الدولي الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا متفائلاً عندما دعا الى الجولة الحالية من محادثات السلام في جنيف، والسبب أنه لا يوجد تغيير في المشهد السياسي في الوقت الذي تتزايد حرارة المعركة ضد «داعش» في سورية.

ذكر دي ميستورا في أحد مؤتمراته الصحافية أن غياب مشاركة دبلوماسية اميركية انعكس على النتيجة الضعيفة لعملية السلام في جنيف، وقد أثارت الضربات الأميركية ضد نظام الأسد بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في خان شيخون الأمل في أن تتحرك الولايات المتحدة من الدور السلبي في الأزمة السورية منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة إلى دور أكثر نشاطاً للتوصل إلى حل لإنهاء الأزمة المستمرة في سورية منذ عام 2011.

انتقد العديد من المسؤولين السابقين وأعضاء الكونغرس الإدارة الأميركية لعدم وضع استراتيجية بدلاً من القيام بضربة واحدة مع تأثير ضئيل جداً على الحرب في سورية، حيث تواصل الإدارة فك الارتباط مع آستانة وجنيف، هذا الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة ملأته روسيا التي تشجعت بعد تدخلها العسكري في البلاد في ايلول (سبتمبر) 2015.

لكن، مع كل ما يحدث داخل ادارة ترامب، من التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات، والتهديد اليومي لكوريا الشمالية، إلى خفض ميزانية وزارة الخارجية، يشعر ترامب بعدم الأمان في موقعه، ما يعني أن من غير المحتمل أن يكون لديه الوقت لتطوير أو وضع استراتيجية لسورية قريباً. وهذا هو السبب في أنه بالكاد ذكر سورية في رحلته الأخيرة في الخارج وإلى الشرق الأوسط والتي ربما كانت فرصة له لجلب جميع اللاعبين النشطين في الشرق الأوسط للاندماج في استراتيجية سورية واحدة حيث تلعب الولايات المتحدة دوراً رائداً، ولكن كون أي من هذا لم يحدث يترك الأزمة السورية تحت رحمة روسيا اليوم بشكل كبير.

هناك حاجة إلى استراتيجية أميركية في سورية، وليس الضربة لمرة واحدة، لكن ولسوء الحظ تواصل الإدارة الأميركية تجاهل الحاجة إلى مثل هذا النهج والتركيز فقط على هزيمة تنظيم «داعش» في سورية، وحتى في هذا الصدد قررت الإدارة تجاهل كل دعوات المعارضة السورية وحليفتها في «الناتو» تركيا بالاعتماد على «الجيش السوري الحر» في هزيمة «داعش» بدل الاعتماد على «قوات الدفاع الكردية»، فهذه السياسة ستمكن الأكراد الانفصاليين في سورية من تقويض وحدتها في النهاية.

لقد ذكرنا من قبل أن النظام الفيدرالي الذي يدعمه «حزب الاتحاد الديموقراطي» في سورية غير واقعي ويمكن أن يطيل أمد الحرب الأهلية في سورية بعد هزيمة «داعش» ويؤدي إلى مزيد من الخلافات بين الأكراد والقبائل في سورية بعد القضاء على التنظيم في الرقة حيث لا وجود لأقلية كردية في تلك المحافظة.

وبتجاهل هذه الدعوات، ستعقد الولايات المتحدة عملية السلام خلال المرحلة الانتقالية في سورية، وهذا هو سبب الحاجة الى تحقيق التوازن مع التأثير الروسي في سورية، فعلى الولايات المتحدة اليوم أن تشارك في عملية السلام أو الدفع بالمرحلة الانتقالية وأن تستثمر المزيد من الجهود الدبلوماسية والموارد لتكون قادرة على ربط المعركة ضد «داعش» مع المرحلة الانتقالية لرؤية النور في نهاية المطاف.

وإذا انتقلنا إلى الجبهة العسكرية، فقد قامت الولايات المتحدة بإسقاط طائرة نفاثة سورية، وقبل ذلك قامت باستهداف الجيش السوري والقوات الموالية للنظام لحماية «قوات سورية الديموقراطية» من هجوم قامت به الحكومة السورية، وردت روسيا وبسرعة كبيرة واعتبرت هذا الهجوم شكلاً من أشكال الإرهاب من قبل الحكومة الأميركية.

ولكن يبدو أن الولايات المتحدة جادة في حماية قواتها على الأرض لتكون قادرة على إنهاء معركة الرقة وإنهاء «داعش» في سورية والوصول إلى مقر التنظيم الدولة الإسلامية في الرقة قبل القوات الروسية.

لدى روسيا، بطبيعة الحال، الكثير من المزايا في سورية على حساب الولايات المتحدة، فلديها قوات كبيرة على الأرض، ولها على الأقل الآن ثلاث قواعد عسكرية. وبالتالي فإن أي مواجهة في سورية ستكون لمصلحة روسيا، ما يجعل موقف الولايات المتحدة أضعف بكثير.

قدمت روسيا للنظام السوري نظام صاروخ دفاع جوي متقدم S400 يمكن أن يهدد القوات الجوية الأميركية إذا قررت الطيران فوق سورية، وبعد أن أعلنت روسيا ما يسمى «مناطق خفض التصعيد» اشارت إلى حظر الطيران الاميركي فوق هذه المناطق. ويمكن اعتبار ذلك علامة تصعيد من روسيا ولكن روسيا سوف تنفذه أو سوف تستخدم مثل هذا البيان فقط كلغة تهديد.

لا يزال الرئيس ترامب يعتقد أنه سيكون قادراً على مفاوضة روسيا في سورية في ما فشل فيه سلفه أوباما والوزير كيري عدة مرات، والفجوة بين الموقفين لا تزال واسعة، ولكن الجانبين يعتقدان أن عليهما فعل شيء ثم فرضه. نهج روسيا أكثر تركيزاً على البعد الأمني ومستوى العنف مع عدم الرغبة في مناقشة مسألة الانتقال السياسي ومستقبل الأسد. فيما الولايات المتحدة أكثر اهتماماً بالقضاء على «داعش» أولاً ثم التحقق من كيف سيبدو الانتقال في المستقبل.

إن وجهتي النظر المختلفتين بشأن سورية تخفيان الصورة الأكثر تعقيداً لقوتين دوليتين تطمحان لاستعادة النظام في سورية وفق شروطهما، ويبدو أن المدنيين السوريين هم الخاسر الأكبر في المعادلة.

* كاتب سوري وباحث في المركز العربي – واشنطن

========================

هل سيتغير دور روسيا في سورية؟ .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الثلاثاء 11/7/2017

وقّعت روسيا وتركيا وإيران، في شهر يونيو/حزيران الماضي، اتفاقاً لإنشاء "مناطق خفض التصعيد" في سورية، تعتبر روسيا الوسيط والعرّاب في هذه الصفقة، فقد أكد الاتفاق أن المناطق الأربع المعلنة في سورية ليست "مناطق آمنة"، ولكن "مناطق خفض التصعيد" في خطوةٍ أخرى للتمييز عن مفهوم المناطق الآمنة التي كانت المعارضة السورية تطالب بها فترة من الوقت.

لا يوجد تعريف قانوني لمثل هذه "مناطق تخفيف التصعيد" في القانون الدولي، لأن هذه المصطلحات تستخدم على نطاق واسع من المنظور العسكري، بدلا من الخلفية القانونية، وهذا هو السبب في أن شروطها دائماً غامضة، ويمكن أن تُملأ بتعاريف وتفسيرات عديدة؛ وهذا بالطبع مفضّلٌ بالنسبة لروسيا، لأنها تحت اتهامات يومية من المنظمات الحقوقية السورية والدولية، بارتكابها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سورية، ضد المدنيين، خصوصاً في حلب.

ويعكس الاتفاق الدور الذي قامت به محادثات أستانة خلال الفترة الماضية، والتي انتهى اجتماعها أخيراً بدون تحقيق أي نتائج تذكر، والتي حاولت روسيا جاهدةً تظهير هذه المفاوضات على حساب مفاوضات جنيف، لتكون "المكان" لمناقشة عملية السلام في سورية، في محاولةٍ لنزع الشرعية عن أي جهودٍ للأمم المتحدة في جنيف، والأهم من ذلك التقاط وتحديد مجموعة المعارضة السورية التي ترغب في التعامل معها.

ادّعت روسيا، خصوصاً بعد معركة حلب، أنها تركّز على فرض وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية، وأحدثت مسار أستانة لخدمة هذا الغرض، جنبا إلى جنب مع تركيا وإيران.

"تحاول روسيا الخروج من سورية، بأقل الخسائر الممكنة، مع المحافظة على بقاء الأسد، بوصفه ورقتها الوحيدة" والهدف الأساسي من مفاوضات أستانة هو فرض وقف إطلاق النار، وفق الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين تركيا وروسيا مع نهاية عام 2016؛ لكن ما هو مثير للاهتمام في مثل وقف إطلاق النار هذا أن قوات نظام الأسد لم تحترمه أبداً، فالغارات الجوية لم تتوقف يوما في الغوطة الشرقية، والآن في درعا وغيرها من المناطق الأخرى التي تسيطر عليها المعارضة، كما أنه جرت عمليات تهجير قسري للسكان، لم تتم من قبل بهذا الحجم، كما جرى في حي الوعر في حمص، والمدن الأربع الأخرى، مضايا والزبداني والفوعة وكفريا، حيث أجبر السكان على ترك منازلهم بسبب سياسات حكومة الأسد، كما تم استخدام الأسلحة الكيميائية في خان شيخون في إدلب. والسؤال: إذا كانت كل هذه السياسات والترسانة العسكرية استخدمت في "وقت وقف إطلاق النار"، فما الذي يمكن توقّعه عند عدم احترام وقف إطلاق النار، ويمكننا أن نسأل أنفسنا عن مدى احترام الأطراف هذه الصفقة!

رفضت روسيا الإعلان عن انهيار وقف إطلاق النار هذا، وأصرّت على استمرار محادثات أستانة، على الرغم من لا جدواها، وانتقلت إلى الحديث عمّا تسمى "مناطق التصعيد" في جولة محادثات أستانة في مايو/أيار 2017، كانت الولايات المتحدة حاسمةً في رفض الاتفاق الجديد بسبب إضافة إيران "ضامنا"، فقد ذكر بيان وزارة الخارجية الأميركية: "إن الأنشطة الإيرانية في سورية لم تساهم إلا في العنف، وعدم توقفه، ودعم إيران الثابت نظام الأسد أدّى إلى استمرار البؤس في سورية". ولم تعلق وزارة الخارجية الأميركية على الإطلاق على مفهوم "مناطق التصعيد" في سورية، حيث انتقد البيان دور إيران، لكنه رحب بأي شيء يمكن أن يساعد في تهدئة العنف في سورية اليوم.

يمكن القول إذاً إن الدور الروسي تغيّر من فرض عملية سياسية إلى شبه إجراءات عسكرية تقوم على تخفيف العنف، مع قناعتها بفشل القيام بأية عملية سياسية في سورية اليوم، فقد كانت روسيا راعيةً، خلال محادثات أستانة في العاصمة الكازاخية، عملية سياسية تقوم على البدء بكتابة الدستور، فقد وزعت على المعارضة السورية المسلحة التي شاركت في المحادثات مسودة مقترحة لدستور جديد لسورية وضعته "لتسريع المفاوضات السياسية لإنهاء الصراع"، وفقاً لمبعوث الكرملين.

والسؤال الذي طُرح حينها: لماذا قرّرت روسيا أن تبدأ من نقطةٍ بالغة الحساسية بالنسبة لأية أمة، فأي دستورٍ لأية دولة إنما يعكس قيمها الأساسية، وبما أن روسيا تكرّر، في كل مرة منذ بدء الانتفاضة السورية في عام 2011، أن الأمر متروكٌ للشعب السوري، وتصر في كل فرصة أن الحل يجب أن يكون سورياً من خلال تسوية سياسية وحصرية من السوريين. ثم كيف تأتي روسيا وتُقدم على صياغة "دستور سوري"، وتسأل السوريين مناقشته والموافقة عليه.

أعد هذا الدستور "خبراء روس"، بعد يومين من المحادثات غير المباشرة بين المعارضة

"تبدو روسيا اليوم أنها البلد الوحيد الذي يقوم بالمبادرات في سورية" المسلحة السورية وممثلي النظام، من دون أي إشارة إلى وجود اختراقٍ للتوصل إلى تسوية سياسية أوسع لإنهاء الحرب. ثم فجأة، قرّرت روسيا عدم التركيز على تنفيذ وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية، حيث انتهكته حكومة الأسد كل يوم تقريبا، ولم تعد تركز على بنود الاتفاق بين روسيا وتركيا الذي قبلت المعارضة به، على أمل أن يحدث فرقا على الأرض، من خلال التطبيق الكامل لوقف إطلاق النار، بدل التركيز على ذلك، فضلا عن قضايا أخرى، تشكل أولوية للسوريين اليوم، مثل اللجوء والوضع الإنساني، فإن روسيا قفزت وعملت على صياغة دستور، ووضعته تحت تصرّف الشعب السوري.

مثّل الاقتراح الروسي لدستور "سوري" مفاجأة، لاسيما أن الطريقة التي تم الإعلان عنها خلال محادثات أستانة، وكأنه من أشكال الفرض الروسي على المحادثات، وكون روسيا هي الفاعل العسكري الأكبر في سورية، فمنذ تدخّلها العسكري في سبتمبر/أيلول 2015، أصبحت روسيا المحرك العسكري والسياسي الرئيسي، بحكم انسحاب الولايات المتحدة، خصوصا بعد مجيء الرئيس ترامب الذي طبّق سياسة أميركية انعزالية، مع تركيز وحيد على محاربة "داعش" في سورية.

تعكس قراءة النص الروسي المقترح للدستور في سورية، بكل تأكيد، وجهة النظر الروسية للحل السياسي في سورية الذي تنادي به يومياً من دون الالتزام بمحدّداته على الأرض.

تظهر المسودة المقترحة، والتي قال وزير الخارجية الروسي، لافروف، إن "خبراء روس" أعدوها، أنها مصاغة على صيغةٍ مماثلة تقريبا لدستور الاتحاد الروسي الذي أقر في 12 ديسمبر/كانون الأول 1993، فالديباجة تكاد تكون نفسها تقريباً، والتبويب يحمل السمات نفسها، وتوزيع الصلاحيات بني بناء على صلاحيات المؤسسات الروسية الشبيهة. لكن، ما يجدر التوقف عنده هو كيف ينظر الروس إلى سورية الجديدة التي يقترحونها من خلال دستورهم، خصوصا قضيتي التركيبة التعددية الطائفية والإثنية التي يشير إليها الدستور مراراً، ومركزية السلطات بيد السلطة التنفيذية التي تكاد تكون مكرّرة من مواد الدستور الروسي.

فالدستور الروسي المقترح يقوم على فكرة تعدّدية الشعب السوري، لينتهي إلى مبدأ المحاصصة الطائفية والقومية في المناصب الوزارية، بما يذكّر بأنظمة سياسية شبيهة في لبنان والعراق وإيرلندا الشمالية والبوسنة والهرسك، من دون أن تفلح أيٌّ من الأنظمة السياسية المذكورة، القائمة على مبدأ المحاصصة الطائفية، في ضمان الاستقرار السياسي للنظام السياسي، أو تحقيق النمو الاقتصادي، فهي أنظمةٌ قائمةٌ على الشلل الطائفي، بدل أن تفتح الباب لتحويل النظام السياسي إلى نظامٍ ديمقراطي كامل.

تبدو روسيا اليوم أنها البلد الوحيد الذي يقوم بالمبادرات في سورية، من محادثات أستانة إلى اقتراح دستور جديد، إلى اتفاق خفض التصعيد، ويعكس ذلك كله بشكل ما كيف تحاول روسيا الخروج من سورية، بأقل الخسائر الممكنة، مع المحافظة على بقاء الأسد، بوصفه الورقة الوحيدة الذي يمكن لها أن تضمن مصالحها من خلاله.

========================

السوريّون الأكراد على عتبة المصير .. حسان القالش

الحياة

الثلاثاء 11/7/2017

التطوّرات التي تشهدها معركة استعادة الرقّة من سيطرة «داعش» تعيد مسألة الأكراد السوريين إلى الواجهة، سواءً على المستوى الداخلي المتعلق بهم كجماعة، أو على مستوى علاقة هذه الجماعة بالكيان السوري. فعلى المستوى الداخلي يبدو أنّ الأكراد على عتبة مرحلة مصيرية تستوجب منهم تقويم ومراجعة أدائهم خلال سنوات الثورة، وذلك على رغم أنّ المقارنة بين أدائهم السياسي وأداء بقيّة المجموعات المعارضة تُشير إلى تفوّقهم وإلى كثير من الإيجابيات، لعلّ أبرزها استقلالهم النسبي في قرارهم الخاص والقدرة على ضبط الخلافات الداخلية ما بين مجموعاتهم المختلفة، فضلاً عن نجاحاتهم العسكرية على الأرض.

هنا، يمكن القول إنّ الأكراد نجحوا في اختبار وطني أثبت أهميتهم السياسية والعسكرية في المعادلة السورية، وهذا ما يستدعي أن يستعدّ الأكراد لمرحلة مقبلة تتطلّب منهم جهداً خاصاً في ما يتعلق بمصير ميليشيات قوات «سورية الديموقراطية» وتقويم سياستها، وبذلك يضيفون إلى فكرة الفيديرالية التي كانوا سبّاقين إلى طرحها مقدرتهم العمليّة على أرض الواقع.

هذا بينما تتكثّف المعطيات الجديدة على المستوى الوطني العام بالنسبة الى المسألة الكردية في سورية، فقد أثبت الأكراد بأنهم رقم صعب في المسألة السورية بالعموم، وبقدرتهم على أن يكونوا الحارس القويّ لحدود سورية الشرقية، بيد أنّ ذلك كلّه بات يثير من الريبة أكثر ممّا يقدّم من التطمينات بالنسبة الى البعض. والأرجح أنّ هذه الريبة غير المبرّرة ناتجة من قصور معرفي تجاه الأكراد، وهذا ما يمكن ملاحظته من كمّ التحليلات التي تناولتهم أخيراً، إذ يبدو وكأنّ هناك صورة نمطيّة عنهم تصوّرهم على أنّهم جماعة لا يمكن التنبّؤ بأفعالها، وهذا ما أدّى إلى غلبة التطيّر والتنجيم على تلك التحليلات على حساب طرح الأسئلة والبحث عن أجوبتها. وأغلب الظنّ أنّ هذا التخبّط المعرفي عند السوريين المتعاطين في الشأن العام ناتج من عاملَين، أولهما وأهمّهما أنّ تناول المسألة الكردية في سورية كان ينطلق في معظمه من النظر إلى هذه الجماعة كجماعة قوميّة، مع إهمال إدراجها ضمن مسألة الأقليات السورية. بينما يكمن العامل الثاني في طبيعة تناول السوريين المسألة الكردية، إذ كانت في معظمها تنطلق من فكرة مقارعة نظام الأسد وتفنيد مظالمه، من دون إدراج هذه المسألة في سياق المشكلات الوطنية السورية بالشكل والمستوى المطلوبَين.

وفي هذا المعنى تجوز الخشية من أن تتحوّل الريبة تجاه الأكراد إلى خوف حقيقيّ منهم قد يسمّى فوبيا الأكراد، يخلق حاجزاً يبرّر للمتعصّبين وأصحاب الغايات من الأطراف جميعها تمسّكهم بخطاب وأفكار استقصائية الطابع، وهذا ما يعيق ما تتطلّبه المرحلة الراهنة من تطمين الأكراد والسعي إلى جذبهم والاستفادة من مشاركتهم في المسألة الوطنية، كما يعيق الجهود التي يبذلها الوطنيون الأكراد في تطوير درجة الوعي السياسي لجماعتهم، التي تلوح فرصة تحوّلها من أقلية غير مستقرة منذ نشأة الكيان إلى أقلية مرشّحة لتساهم في حماية هذا الكيان.

========================

السوريّ اليوم .. حازم صاغية

الحياة

الثلاثاء 11/7/2017

في ديار الله الواسعة يهيم السوريّ. لكنّه في معظم تلك الديار يقاسي ويتألّم كما لو أنّ الدنيا هي الوحشة أو الغاب أو المتاهة. في تغريبته هذه، وفي معاناتها، قد يتراءى له أنّ العالم لم يعرف ذات مرّة التنوير وصعود النزعة الإنسانيّة. أنّ هذا العالم لا يعيش راهناً زمن التواصل والاتّصال. بل قد يتراءى له أنّ أحداً لم يحبّ أحداً في هذا الكون، وأنّ أحداً لم يُهدِ أحداً وردة أو شيئاً جميلاً. الناس لا يتبادلون بينهم إلّا السمّ. هكذا هي الحياة.

حقّاً، هناك الكثير ممّا يُغري السوريّ بأن يكفر بالعالم.

من لبنان إلى تركيّا، تواجهه المِحن التي ترقى إلى سويّة الوجود نفسه. الجدران تُرفع في وجهه. الأسوار تُسوِّر إقامته وإقامة أهله. فوق هذا، تُلقى عليه مسؤوليّة الأزمات في تلك البلدان، علماً أنّ تلك البلدان، جلّها إن لم يكن كلّها، مرادفات للأزمة وبيوت للاستحالة...

في البرّ الأقرب والأبعد، تشحذ القوى المتعصّبة نصلها على عنقه. في البحر، ومع رفاق آخرين من بلدان منكوبة كبلده، يحاول الوصول إلى يابسة يدرك أنّها سوف تعامله باللؤم والقسوة. مع هذا، يناضل كي يبلغ تلك اليابسة اللئيمة، فقط كي لا يموت غرقاً كما مات آخرون!

السوريّ إذاً تواجهه خيارات من نوع تفضيل المهانة على الموت أو تفضيل الموت على المهانة!

شامُه وحلبه وراءه، وكذلك أريافه وحقوله المحروقة وبيوته المهدّمة، ووراءه أيضاً وجوه أحبّة قضوا أو أُعطبوا أو خُطفوا أو يئنّون في الزنازين تحت الأرض. أمّا أمامه، فوق هذه الأرض، فوجوهٌ كالحة وسياسات عديمة الرحمة وأسماء مدن وعواصم تقرّر له. تقرّر عنه. «تطمئنه» إلى أنّها سوف تكتب له تاريخاً لا يستند إلى جغرافيا، وأنّها سوف ترسم له مستقبلاً يعالج ماضيه بالنسيان.

لكنّ السوريّ وقد جُعل «الآخرَ المطلق» لكثيرين، بات مِعلماً في تحقيب الزمن، بل المِعلم الأوّل للقرن الحادي والعشرين. سيقال: عشنا المحنة السوريّة ولم نفعل شيئاً، أو لم نفعل إلّا القليل، تماماً كما قال كثيرون ممّن عاصروا المحن الكبرى للقرن العشرين. وهو يغدو معياراً للقياس، لقياس الأنظمة: أيّها أخلاقيٌّ وأيّها عديم الأخلاق. لكنْ، أيضاً لمحاكمة أخلاق الشعوب وما تقوله في مديح ذاتها. إنّ السوريّ اليوم يمتحن طاقة الشعوب على تقبّل أن يكون الجار «إنساناً حلّت عليه اللعنة»، إنساناً يُستثنى من ضمانات القانون من دون أن يُستثنى من عقوباته.

في هذه المعاني، يلوح السوريّ، المهيض الجناح، قوّة جبّارة.

وإذا صحّ أنّ فقر الأخلاق يستدعي ذريعته، صحّ أنّ الذريعة تملك اليوم اسماً: مساواته بـ «داعش» و «النصرة». هكذا يُرسَم، هو الأعزل، مسلّحاً. هكذا يصير من الجائز أن يُعامَل كإرهابيّ خطير. أن يموت كما تموت الحشرات.

تصنيع السوريّ كإرهابيّ وظيفةٌ مطلوبة بأكثر من معنى. جعله ذاك الغجريّ الخطر، لا الغجريّ المألوف والمزعج، أمر يخدم أغراضاً عدّة. إنّه، في زمن الثورات المضادّة والقمع الذي ينقضّ في بلدان ويتأهّب للانقضاض في بلدان أخرى، يُجعل رائزاً وتمريناً. قسوة الأنظمة يمتحنونها عليه وبه يختبرون أشكال المقاومة كي يطبّقوا على شعوبهم ما اختبروه. والسوريّ، عند حكّام يومنا، وعند حاكمه خصوصاً، عبرة ينبغي أن يُعتبر بها: يريد الحرّيّة؟ فليتعلّم، إذاً، وليتعلّم الآخرون، أنّ البقاء على قيد الحياة هو وحده الهدف الممكن والمعقول. السوريّ لا يتعلّم. نحن أيضاً لا نتعلّم.

ولأنّنا كذلك، فإنّ معاييرنا تناهض معاييرهم. وستبقى تناهضها. وأوّل تلك المعايير أنّنا معه، مع السوريّ، ضدّ أشياء كثيرة جدّاً وبشعة جدّاً جدّاً.

========================

الصراع بين «حزب الله» والكيان الصهيوني بين الوهم والحقيقة .. إحسان الفقيه

القدس العربي

الاثنين 10/7/2017

كانت «الرسالة المفتوحة للمستضعفين» التي أعلن فيها حزب الله اللبناني توجّهاته السياسية والفكرية عام 1985، بمثابة الوثيقة الأساسية الرسمية التي اعتبرها تحديدا لإطاره الأيديولوجي، وفيها دعا الحزب إلى تحرير فلسطين المُحتلة كاملة من النهر إلى البحر، وإزالة إسرائيل من الوجود.

لكن مضمون الوثيقة والواقع العملي لحزب الله تجاه إسرائيل، يختلفان جملة وتفصيلا، فبعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، أعلن حسن نصر الله في «بنت جبيل» أمام مئة ألف جنوبي، أن حزبه لن يشارك في أي عمل عسكري ضد إسرائيل من أجل تحرير فلسطين.وفي تفاهمات يوليو 1993، وأبريل 1996، تعهّد حزب الله بعدم ضرب أهداف إسرائيلية داخل فلسطين المحتلة ابتداء.

الأمر الذي يعني أن تحرير فلسطين والقضاء على الكيان الإسرائيلي خارج حسابات حزب الله، وليس كما أعلن في الوثيقة، وهو ما أكّد عليه من قبل، حسن روحاني الرئيس الإيراني الحالي والأمين العام لمجلس الأمن القومي سابقا، حيث قال:»حزب الله مقاومة تقتصر على الأراضي اللبنانية».

إنها التقيّة السياسية التي مارسها حزب الله بزعامة حسن نصر الله، الذي كان يلعب على عاطفة الشعوب الإسلامية، ومكانة القدس لدى المسلمين، تماما كما فعلت إيران التي صنعته في لبنان، وجعلت منه ذراعها العسكرية في المنطقة لتنفيذ أجندتها. لم يكن حسن نصر الله يوما مُستهدفا من قبل إسرائيل، التي لم تحاول اغتياله رغم معرفة تحركاته، فحزب الله بالنسبة إلى إسرائيل هو حارس الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، والقضاء عليه يعني أن تبقى هذه المنطقة رخوة، قابلة لاستقدام الجماعات الجهادية التي تبحث عن نقاط تماسّ مع العدو الإسرائيلي. حرب تموز 2006، لم تكن سوى أكذوبة روّج لها إعلام حزب الله على أنها انتصار ساحق على العدو الإسرائيلي، ولم تترتب عليها فائدة لصالح لبنان أو فلسطين، إنما كان المنتفع منها إسرائيل وإيران. فإسرائيل من خلال هذه الحرب سوّقت كعادتها للأخطار التي تتهددها وتحيق بها، ومن خلالها تتلقى الدعم وتُحقق المكاسب، وهذا شأن السياسة الإسرائيلية التي تستثمر التهديدات والمخاطر التي تهدد وجودها للحصول على الدعم الدولي، وهو ما صرّح به جوناثان غولدبرغ رئيس تحرير صحيفة «ذي فوروارد» العبرية، حيث قال: «إن وحدة الرأي العام اليهودي والأمريكي في دعمه إسرائيل ناجمة عن المحرقة، وعن فكرة أن إسرائيل من دون دعم تواجه خطر الموت». لقد ربحت إسرائيل من هذه الحرب حماية حدودها بقوات دولية «اليونيفيل»، وبذلك أغلقت الطريق وأمّنت حدودها ضد العمليات التي كانت تنفذها المقاومة الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي عن طريق لبنان.

أما إيران فهي أحد أبرز الأطراف الرابحة من حرب 2006، التي كانت حربا يخوضها حزب الله بالوكالة عن إيران، في ظرف كانت تُمارس فيه الضغوط الدولية والأمريكية على الملف النووي الإيراني، ومن ثمَّ كانت طهران بحاجة إلى استخدام ذراعها العسكرية في لبنان (حزب الله) لفك هذا الضغط عن الجمهورية الإيرانية.

متانة العلاقة بين حزب الله وإيران معلومة للجميع منذ نشأتها، وقادة الحزب لم يتوانوا في الانتساب لإيران وإظهار الولاء والانتماء والتبعية لها. فالناطق السابق لحزب الله إبراهيم الأمين يقول: «نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران».

وقال محمد حسين فضل الله المرشد الروحي لحزب الله: «إن علاقة قديمة مع قادة إيران الإسلامية بدأت قبل قيام الجمهورية الإسلامية، إنها علاقة صداقة وثقة متبادلة، ورأيي ينسجم مع الفكر الإيراني ويسير في سياسته نفسها». كما قال حسن نصر الله: «إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام، والدولة التي تناصر المسلمين والعرب. وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما إن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا ونضالنا». ويؤمن مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والإفريقية محمد صدر، على كلام نصر الله قائلا: «السيد حسن نصر الله يتمتع بشعبية واسعة في إيران كما تربطنا به علاقات ممتازة».

بعد أن كف حسن نصر الله وحزبه الجعجعة ضد إسرائيل – نظرا لأنه يتحرك في فَلَك السياسة الخارجية الإيرانية – بدأ قناعه بالتشقق، وأدركت الجماهير المؤيدة للحزب وزعيمه، أن تلك الحرب كانت تنفيذا لأجندات خاصة.

وزال القناع كلية عن وجه نصر الله وحزبه، بعد اندلاع الثورة السورية، وتوجه كتائب الحزب إلى سوريا لقمع الثوار والحفاظ على الحليف السوري. فالحزب يلعب دورا محوريا في الصراع الدائر في سوريا، ويعمل على تماسك نظام الأسد أمام كتائب الثوار. تدخُّل حزب الله في سوريا عسكريا يُعد خروجا صريحا عن السياق الوطني في لبنان، فكيف لحزب أن يتناول ملفا خارجيا بهذا الحجم دون الرجوع إلى الحكومة اللبنانية؟ السبب في الأساس أن لبنان قام على ركيزة تجميع الطوائف بدلا من انصهارها، فرَعَتْ الدولة المؤسسات الطائفية التي توسعت في أنشطتها إلى حد مخيف، وأعني حزب الله.

وكالعادة مارس نصر الله كذبه المعهود، حين ادّعى أن تدخّل الحزب في سوريا لمواجهة التكفيريين الإرهابيين، وحماية العمق اللبناني.

لقد كشف نصر الله عن طائفيته المقيتة، وأن معركته ليست مع الكيان الصهيوني، وإنما يخوضها ضد أهل السنة، عندما دعاهم إلى التقاتل معه على الأرض السورية تحت عنوان: «دعونا نتقاتل هناك ونُحيِّد لبنان، وهي بلا شك دعوة تُعتبر اعتداء على سيادة دولته».

أما الاقتحامات المتتابعة للمسجد الأقصى والعدوان الإسرائيلي على غزة، فالسيد نصر الله في شُغُل عظيم عنها. وأختتم هنا بتصريح لضابط استخبارات إسرائيلي لصحيفة «معاريف» في سبتمبر 1997 قال فيه: العلاقة بين إسرائيل والسكان اللبنانيين الشيعة غير مشروطة بوجود المنطقة الأمنية، ولذلك قامت إسرائيل برعاية العناصر الشيعية، وخلقت معهم نوعا من التفاهم للقضاء على التواجد الفلسطيني، الذي هو امتداد للدعم الداخلي لحركتي حماس والجهاد.

كاتبة أردنية

========================

موسكو: السير على حبل مشدود .. علي العبدالله

الحياة

الاثنين 10/7/2017

تشكل اجتماعات آستانة خيار روسيا الرئيس في تحركها الدؤوب لتكريس وتثبيت دورها كمقرر في الملف السوري، باعتبارها سورية مسرحًا لصياغة معادلات سياسية وعسكرية تعظم دورها الإقليمي والدولي وتؤسس لتطويبها قوة عظمى نداً للولايات المتحدة الأميركية، وإقرار المجتمع الدولي، واشنطن بخاصة، به، والتسليم بما يترتب عليه من حقوق وواجبات.

مر التحرك الروسي بثلاث مراحل أولاها تحقيق مكاسب ميدانية في سورية عبر الزج بقوة نارية كبيرة ومدمرة في مواجهة المعارضة السورية المسلحة من أجل إخراجها من المعادلة العسكرية تمهيدًا لإخراج المعارضة من المعادلة السياسية. وقد حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال حيث لم تعد المعارضة المسلحة تشكل تهديدًا استراتيجياً للنظام السوري. وهذا مهد لانتقالها إلى المرحلة الثانية: توظيف التنافس الإقليمي على الساحة السورية، واستثمار التناقضات والتباينات بين مواقف القوى الإقليمية والدولية في إبعاد الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج عن الملف والانفراد في إدارته بالاتفاق مع تركيا وإيران.

المرحلة الثالثة، وهي الأهم والأخطر، تمثلت في الحفاظ على دورها المقرر في ضوء التغير الذي فرضه الانخراط العسكري الأميركي المتصاعد في المشهد العسكري السوري على مستويين: محاربة «داعش»، ومقاومة التمدد الإيراني، وما يمكن أن يترتب عليه سياسيًا لجهة حل الصراع في سورية وعليها، بخاصة أن تمدد تنظيم الدولة بدأ بالانحسار، وأن واشنطن وحلفاءها يعملون على ملء الفراغ، ما يعزز دورهم السياسي في أية مفاوضات/مساومات مقبلة، ما استدعى ليس تقديم غطاء جوي لقوات النظام وميليشيات إيران للتقدم في البادية السورية نحو حدود العراق، ودرعا، وريف حلب الشرقي، بل نشر قوات خاصة روسية في مواقع حساسة (ريف السويداء، قاعدة عسكرية في خربة رأس الوعر في البادية السورية، موقع حساس بموقعه الجيوسياسي يبعد نحو 50 كيلومترًا عن دمشق و85 كيلومتراً عن خط فك الاشتباك في الجولان المحتل و110 كيلومترات عن جنوب الهضبة، ويبعد 96 كيلومتراً من الأردن و185 كيلومتراً من معسكر التنف التابع للجيش الأميركي في زاوية الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية)، «لرسم حدود المناطق»، و «منع واشنطن من السيطرة الكاملة على الحدود السورية العراقية»، وفق تصريح لمسؤول روسي، ولقطع الطريق على خططها لدفع حلفائها إلى البوكمال وديرالزور.

لقد قرأت موسكو عودة واشنطن القوية إلى المسرح السوري، وتعزيز قدرات حلفائها بإقامة قواعد تدريب في التنف والزقف والشدادي ومطار الطبقة العسكري، إلى جانب القواعد والمطارات السابقة في رميلان (محافظة الحسكة) وعين العرب/كوباني (محافظة حلب) وتل ابيض (محافظة الرقة)، بالإضافة إلى نشر راجمات صواريخ هيمارس المتطورة في قاعدة التنف، قرأتها كإضعاف لدورها وإبعاد لها عن الدور المقرر في الملف.

غير أن للنجاح في مواجهة التحرك العسكري الأميركي المتصاعد ثمنًا لابد من دفعه للقوى الإقليمية المنخرطة في الصراع على سورية، تركيا في شكل رئيس، حيث تمس الحاجة إليها لتحقيق تقدم على صعيد مفاوضات آستانة من جهة وتخفيف آثار التحالف مع النظام وإيران على علاقاتها ومصالحها مع الدول السنّية من جهة ثانية، وإيران بالدرجة الثانية، حيث لا تزال الحاجة إلى ميليشياتها لخوض حروب بالوكالة مع حلفاء واشنطن وتحقيق مكاسب على الأرض للحفاظ على شروطها الجيوسياسية وفرض تصورها للحل السياسي على قاعدة رجحان كفة النظام السوري. ما اضطرها إلى مسايرة الموقف التركي في صراعه مع حزب الاتحاد الديموقراطي (الكردي) وجناحه العسكري (وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة)، وتحضيراته لشن هجوم على منطقة عفرين، بسحب قواتها من منطقة عفرين (معسكر كفر جنة، الذي يقع في المنطقة الفاصلة بين مدينتي إعزاز وعفرين)، وتغطية العمليات العسكرية للميليشيات الإيرانية في البادية السورية، بخاصة على الحدود السورية العراقية، ودرعا والغوطة الشرقية، وانعكاسها السلبي على صدقيتها كدولة مسؤولة، وعلى دورها كـ «ضامن» لاتفاق خفض التصعيد، ناهيك عن انعكاسه السلبي على حاجتها إلى التوافق مع الإدارة الأميركية للوصول إلى حل سياسي في سورية، وعلى سعيها لإقناع واشنطن بالدخول في مفاوضات على صفقة شاملة، وهذا ما كشف عنه معاون الرئيس الروسي بقوله: «إن تنسيق الجهود مع الولايات المتحدة في إطار الوضع في سورية يتمتع بأهمية خاصة، وبوسع البلدين القيام بالكثير معاً لتسوية النزاعات الإقليمية ليس في سورية فقط بل في اليمن وفلسطين وأوكرانيا»، وعلى توسلها لاختراق الرفض الأميركي بالدعوة إلى بحث مشكلة الإرهاب الدولي، العنصر الذي يحظى بإجماع دولي.

كشفت تحركات الديبلوماسية الروسية مأزق روسيا وحالة شقاء الوعي التي تعيشها، فعلى رغم تفوقها العسكري في الساحة السورية ونجاحها في خطب ود جميع اللاعبين الإقليميين، والإبقاء على قنواتها مفتوحة معهم، فقد وقعت في براثن معادلة مستحيلة: فرض حل عبر منصة آستانة، وهو ما لا تزال واشنطن ترفضه لأنه يعني «انتصار» النظام، حيث أعلن مؤخرًا مسؤول في وزارة الخارجية عن التمسك بوثيقة جنيف 2012، وروسيا ترفض حلاً عبر منصة جنيف لأنه يعني «انتصار» المعارضة.

========================

الموصل: طريق سليماني إلى اللاذقية! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 9/7/2017

رغم أنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» لم يعد يسيطر إلا على مساحات ضئيلة في مدينة الموصل وجوارها، فإنّ عناصره أفلحت، منذ أواسط حزيران (يونيو) الماضي، في شنّ سلسلة هجمات مضادة مباغتة؛ أسفرت عن تفكيك خطوط الدفاع الأولى للجيش النظامي العراقي، خاصة الفرقة 16 التي تتولى قتال «داعش» في المدينة القديمة. آخر تلك الهجمات وقعت يوم الجمعة الماضي، حين نجح عشرات من مقاتلي التنظيم في اختراق صفوف الفرقة، وإجبارها على التراجع عشرات الأمتار خلف الأبنية السكنية، وبعيداً عن أحد الطرق الرئيسية. قبل هذا كان مقاتلو «الدولة»، متخفين في ثياب عناصر «الحشد الشعبي»، قد باغتوا الجيش العراقي عند الأطراف الغربية للمدينة، فانهارت القطعات التي تعرضت للهجوم، في مشهد أعاد التذكير بالأيام الأولى لسقوط المدينة السهل في أيدي جحافل «داعش»، قبل ثلاث سنوات.

ذلك يعني أنّ طريق تحرير المدينة ما يزال طويلاَ، من جانب أوّل، بالنظر إلى ما يعدّه تنظيم «الدولة» من تكتيكات مضادة، على أصعدة عسكرية تقليدية وأخرى أقرب إلى حرب العصابات. كما يعني، من جانب آخر، أنّ مفهوم «التحرير» محفوف بإشكاليات شتى، وتعقيدات سياسية وعسكرية ومذهبية وإثنية، من جهة ثانية. أوّل العناصر التي تضع علامات ارتياب كبرى حول مصداقية تحرير المدينة، هو موقع «الحشد الشعبي» في المعادلة: أهو تابع، أولاً، لقيادة العراق السياسية والعسكرية الرسمية (رئيس الوزراء حيدر العبادي، وكبار قادة الجيش النظامي)؛ أم يأتمر، عسكرياً وسياسياً ومذهبياً، بالجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» الإيراني أيضاً؟ وكيف تُفسّر مشاعر البغضاء الفاضحة تجاه سنّة الموصل، والعراق عموماً، التي لا يجد أبو مهدي المهندس، القائد الفعلي الميداني لـ«الحشد»، أيّ حرج في الإعراب عنها؟ وماذا عن حقائق الأرض، وأعمال التصفيات والتعذيب والتطهير المذهبي والمناطقي، التي مارستها وتمارسها قوات «الحشد» أينما انتشرت إجمالاً، وفي الموصل تحديداً؟ وأيّ مهامّ «تحريرية» يتولى «الحشد» تنفيذها داخل الأراضي السورية، ضمن مشروع حلم سليماني بالسفر عبر طريق برّي يقوده من إيران إلى اللاذقية، عبر العراق؟

هذه الأسئلة، التي تخصّ «الحشد» وحده بادئ ذي بدء، سوف تتوالد عنها أسئلة أخرى كثيرة تخصّ تكوينات الموصل المذهبية والإثنية الأخرى؛ إذْ ليس من المنتظَر أن يتقبّل السنّة والكرد والكلدان والتركمان، في الأمثلة الأبرز، طراز الهيمنة التي تبشّر به ممارسات ميليشيات أبو مهدي المهندس، في أطوار ما بعد «التحرير». وليس خافياً، بالطبع، أنّ «الحشد» لم يعد مجرد ميليشيات عسكرية، وليس البتة على غرار ما أفتى به السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الكبير، حول استحقاقات «الجهاد الكفائي»؛ بل صار «الحشد» قوّة كبرى، فاعلة وفعلية، في المستويات السياسية والحزبية، وتحديداً بعد النقلة الحاسمة في اعتزام خوض الانتخابات التشريعية كمجوعة عسكرية (على نقيض ما يقول الدستور العراقي!).

ولعلّ سليماني، وجنرالاته في «الحشد»، سوف ينشغلون بمعارك «تحرير» الطريق البرّي إلى اللاذقية، أكثر بكثير من انشغالهم بما ستعتمده «داعش» من تكتيكات قتال مضادة، وهجمات مضادة أكثر شراسة وعنفاً، في مناطق أخرى من العراق. ذلك لأنّ تنظيم «الدولة» ما يزال ـ للتذكير المفيد مجدداً، ودائماً ـ يمتلك هوامش مناورة قتالية، وجيوباً يسهل التحشيد فيها، وخلايا نائمة يمكن إيقاظها في كلّ حين لتتولى مهامّ التشويش والإرباك ودبّ الاضطراب. صحيح أنّ المواطن العراقي، في الموصل ذاتها كما في كلّ وأية منطقة عراقية أخرى، يظلّ ضحية «داعش» الأولى؛ إلا أنّ قاتله التالي هو سلطة حاكمة بائسة، مطعون في شرفها الوطني والأخلاقي، تنحدر أدنى فأدنى نحو درك الطائفية والتمييز والفساد والقصور والتبعية، وتُسلم قياد البلد إلى جنرالات أغراب، على رأس ميليشيات محلية مذهبية.

========================

إيران وتركيا.. والداخل العربي .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 9/7/2017

في سياق الجدال المندلع بالداخل الإيراني بين جماعة المرشد خامنئي والرئيس روحاني، قال الجنرال سليماني، قائد فيلق القدس، إنه لولا الحرس الثوري ما بقيت إيران، وإنه في مجريات الصراع على العراق وسوريا فإنّ إيران تضاعفت قوتها عشر مرات! ومشكلة روحاني مع الحرس الثوري ليس في مدى قوة إيران العسكرية، بل في أن الحرس استولى على الكثير من المرافق الاقتصادية بالداخل، وعلى الكثير من ملفات الكسب والتجارة، لكي يموِّل بها عملياته الخارجية، والتي لا يخضع الإنفاق عليها لرقابة الحكومة، بل لقيادة المرشد واعتباراته، فالملف الاقتصادي ضاغطٌ جداً على روحاني، باعتباره مسؤولاً عنه، وخصومه المحافظون يقولون إنّ وعوده الاقتصادية لم تتحقق لجهتين: لجهة انتظاراته من الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة والدول الكبرى ولجهة مكافحة الفساد. وروحاني يدافع عن سياساته بأنّ ما لم يتحقق من الوعود علَّتُه استيلاء الحرس وجهات أُخرى تابعة للمرشد على مرافق تستنزف الكثير من جهود التنمية والتطوير.

هذا التنافر بالداخل الإيراني، والذي يتسبب بجدالاتٍ بين المرشد والرئيس في الأسابيع الأخيرة، لا يظهر مثله بالداخل التركي بين السياسيين والعسكريين. وفقط في وسائل الإعلام التي خضع أكثرها هناك تذمُّراتٌ من الفشل في الملف الكردي، وفي الأزمة السورية، وأخيراً في التدخل بين دول مجلس التعاون الخليجي لصالح قطر.

يعتقد المسؤولون العسكريون والأمنيون بإيران أنه آن أوانُ قطف ثمار التدخلات بسوريا والعراق بعد جهود هائلة لأكثر من خمس سنوات. لقد خدمتهم الولايات المتحدة بالتدخل ضد «داعش» في العراق، وخدمتهم روسيا بالتدخل ضد معارضي الأسد في سوريا. وهناك تنافُسٌ الآن على مَن يكون المستفيد الأكبر من زوال «داعش»، وَمَنْ يخلُفُها على الأرض. في المناطق العربية السنية بالعراق، تتقدم إيران، وتسير الميليشيات التي يقودها سليماني باتجاه الحدود العراقية السورية الأردنية، بل وتحاول الاقتراب من الحدود السورية الإسرائيلية. وستعود التجاذُباتُ قريباً على منطقة تلعفر بين إيران (ومعها الحكومة العراقية) وتركيا، التي لها قواتٌ بشرق الموصل، وعلى مقربة من تلعفر لجهة الحدود التركية مع المنطقة. والطريف أن الجدال اندلع علناً على المياه والسدود الإيرانية والتركية على فروع الفرات ودجلة. الأكراد الموالون لإيران في السليمانية ودهوك، شكوا من السدود الإيرانية التي قطعت المياه عنهم أخيراً، بحيث ما عادوا يستطيعون تزويد المناطق العراقية الأخرى بالمياه للزراعة والري. أما خامنئي فشكا علناً من السدود التركية التي قللت كثيراً من كميات المياه الواصلة إلى المنطقة الكردية، والمناطق العربية والإيرانية!

والصراع هائلٌ بين الإيرانيين والأتراك على البترول والمياه والحدود في الشمال السوري، ويشارك في ذلك بالطبع النظام السوري والروسي. إيران مرتاحة أكثر بالطبع، لأنه ما كان لميليشياتها وجود في شرق حلب وهي تتقدم الآن في تلك النواحي. وتأتي ميليشياتها وضباط حرسها الثوري مع قوات النظام من البادية باتجاه دير الزور. ويكون على تركيا الآن، مع الميليشيات السورية التابعة لها أن تصارع على عدة جبهات: الجبهة الرئيسية مع الأكراد على مقربة من حدودها، وقد تقدمت واستولت على مدينة الباب، لكن أميركا منعتها من الاستيلاء على منبج بغرب الفرات، وعهدت للأكراد بتحرير الرقة. ومشكلة تركيا الثانية مع الأكراد هي حول جيب بلدة عفرين الذي يسيطرون عليه، ويريدون استحداث كوريدور يصل بين عفرين ومناطقهم الأُخرى. وهذا الكوريدور الشاسع تقع على امتداده بلدات تسيطر عليها المعارضات المسلحة أكبرها مارع، ويحميه الجيش التركي. والأكراد المطمئنون للولايات المتحدة، يتهمون الآن الروس بأنهم هم الذين يسمحون للأتراك بحصار عفرين، وربما الاستيلاء عليها، بخلاف إرادة الأميركيين، فيما يزعمون!

لقد لعب الإيرانيون في العامين الماضيين مع أكراد العراق (طالباني) وسوريا (قوات الحماية، وحزب العمال)، وضد تركيا، لكنّ الشكوك بهم تصاعدت بعد إعلان الأكراد العراقيين جميعاً (البارزاني والطالباني وقوى التغيير) عن استفتاءٍ على الاستقلال. وصرحت تركيا علناً ضد الاستفتاء، وستنزعج جداً من حدوث أمرٍ مُشابهٍ من جانب الأكراد السوريين. لذا فهناك نوع من التقارب أخيراً بين الطرفين في هذا الملف بالذات.

إن الاستقلال الكردي في العراق يهدد إيران وتركيا بالفعل، لوجود ملايين الأكراد على حدود الدولتين مع كردستان الساعية للاستقلال.

لا يملك الأتراك حرية حركةٍ لا في سوريا ولا في العراق. وحرية الإيرانيين في الحركة بالبلدين أكبر بكثير، بيد أنّ المصائر النهائية لحكومات البلدين ووحدة أراضيهما أو تقسيمها متعلقةٌ بكلٍّ من الولايات المتحدة (في العراق وسوريا)، وبروسيا (في سوريا). وحتى الآن فإنّ الداخلين الإيراني والتركي لا يؤثران كثيراً على حكومتيهما لجهة التدخل والقتال باعتبار أنها مسألة أمن قومي واستراتيجي!

========================

موقفنا : الموصل الجريحة .. والجريمة مثلثة الرؤوس .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 12-7-2017

في قراءة استراتيجية فإن كل ما جرى ويجري في العراق هو جزء من تداعيات العدوان الأمريكي يوم قرر الرئيس بوش تدمير الدولة العراقية ، لمصلحة نظام الملالي ومشروعه الطائفي في المنطقة .

وعلى التوازي فإن كل ما جرى ويجري في سورية هو مخرج من مخرجات التدخل الثنائي (الروسي _ الأمريكي) في وطننا . التدخل الروسي الاحتلالي المباشر ، ثم التدخل الأمريكي السلبي ابتداء ، بإطلاق يد المستبد الفاسد بشار الأسد باستعمال كافة صنوف الأسلحة ضد ثورة سلمية لشعب أعزل خرج يطالب بالعدل والحرية ، ثم بكف أيدي الدول الداعمة للشعب السوري عن تمكينه من الدفاع الجاد عن نفسه ، وعن ثورته ؛ ثم بالسماح للميليشيات الطائفية بالدخول إلى سورية وقتل ناسها وتهجير سكانها ، ثم رابعا بالتدخل المباشر بالتحالف مع مجاميع من الإرهابيين المرتزقة للإمعان في قتل السوريين، وتدمير وجودهم .

وحين يحتفل القتلة والمجرمون بكل أحلافهم ، هذه الأيام بما يسمونه تحرير الموصل ، ونسميه تدمير الموصل وإبادة إنسانها فإنه من الضروري أن نضع هذه الجريمة في سياقها التاريخ ، لكي لا تختلط الأمور ، وتميع الحقائق .

لقد كان ما جرى على الموصل خلال ثلاث سنوات من تاريخها جريمة بل محرقة حقيقية مخططة مبرمجة مبيتة اشتركت فيها كل قوى الشر في العالم على السواء.

ولقد كانت الخطوة الأولى على طريق الإعداد للجريمة (المحرقة) هي في تسليم الموصل في بضع ساعات لحفنة من القتلة المجرمين . قتلة ومجرمون قام أعداء هذه الأمة بتجميعهم وتجنيدهم وتوظيفهم وإعدادهم ثم التلاعب بهم ؛ ليكونوا الذريعة التي تدمر تحت عنوان الحرب عليها هذه الأمة ، وتشرعن الحرب على وجودها وحضارتها وثقافتها وعقيدتها وشريعتها ومنهج عيشها.

في بضع ساعات تم تسليم الموصل الشهيدة ، لم يدافع عنها الأشاوس أدعياء البطولة اليوم بطلقة ، وتم مع ذلك التسليم تسليم ترسانة ضخمة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة ، وخزائن من المال تكفي لتمويل المعركة – المحرقة التي كان يخطط لها كل المجرمين الآثمين معا .

وحين تم تسليم الموصل إلى هؤلاء (المجندين الوظيفين) ، الذين تم إعدادهم في مختبرات أجهزة الشر العالمية ، كان بعض المقصود أن يعاني أهالي الموصل ، كما أهالي الرقة ودير الزور، من هذا الهجين الاستخباري ، الذي حُمل اسم الاسلام ودولته ودعاته ومشروعه إثما وزورا وبهتانا .. وكانت هذه الجريمة المقصودة لذاتها الفصل المتمم لمحرقة الابادة والتدمير .

ثم كان الحشد الطائفي الشيعي الرأس الثاني للجريمة المحرقة..

 ومضت معاناة أهل الموصل مع محتليهم الوظيفيين حتى بلغت واستوفت ليستكمل الطائفيون والقتلة والمجرمون على الطرف الآخر مشروعهم التدميري الرهيب ، فتم تشكيل الحشد الطائفي الشيعي ، بدعوة من المرجعية الشيعية الطائفية ، ليحتشد تحت عناوين الحقد والثأر الطائفي كل أشرار العراق وداعميهم من الإيرانيين ، وليصبح هذا الحشد في لحظات حالكة من تاريخ المدنية الإنسانية حليفا مباشرا لدول تدعي التمسك المدنية وتنادي بحقوق الإنسان . ثم ليلبس القتلة والمجرمون والطائفيون والأجراء والعملاء ثوب الوطني والمنقذ والمخلص ..

 ألا لعنة الله على الظالمين ..

وكان الرأس الثالث للجريمة البشعة ..

دور ما يسمى التحالف الدولي ، وشيطانه الأكبر ، الذي خطط واستخدم ونفذ . والذي تحالف وهو يزعم أنه يريد القضاء على دولة الإرهاب مع كل رموز الإرهاب وأقانيمه في عالمنا : بشار الأسد والولي الفقيه والمالكي والعبادي وكل رؤوس الشياطين ..

اليوم وقد زمّر الحاوي لثعابينه فانسحبت من الموصل غير مأسوف عليها، يلتمس المسلمون جرحهم الغائر هناك ، بين الأعراض التي انتهكت ،  والمهج التي أزهقت ، والأوابد التي دمرت ، ويتذكرون أقسى ما مرّ عليهم من تاريخ المغول والصليبيين والغزاة ..

لتبقى الجريمة (المحرقة) أكبر من الاستنكار ، وأكبر من الإدانة ، وأكبر من كل بيان استنكار تصدره منظمات حقوق الإنسان .. وليبقى سفر المحرقة مفتوحا ، وجرحنا الثاعب في الموصل الحدباء كما في حلب الشهباء كما في حمص ابن الوليد كما في حماة أبي الفداء كما في فلوجة المآذن يصيح على المدى وإن لنا مع التاريخ ومع أعداء الإنسانية والإنسان موعدا ..

صبرا أهلنا في موصل فإن لكم مع بني حمدان وآل الزنكي موعدا

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

أوهام الانتصار في حضرة الخراب .. أكرم البني

الحياة

الاحد 9/7/2017

ثمة لازمة يكررها عادة النظام السوري حين يحرز تقدماً عسكرياً لافتاً في إحدى المناطق: بأن الأزمة انتهت وما تواجهه البلاد سيغدو بعد وقت قريب، أي أسابيع أو أشهر، من مخلفات الماضي. وهي لازمة سرعان ما تصطدم بواقع عنيد ينقضها وبتطورات ميدانية تؤكد استمرار الصراع، وربما أشد. والجديد اتكاء النظام اليوم على ما حققه وحلفاؤه من نتائج عسكرية منذ معركة حلب، لإيهام نفسه والمجتمع بأن انتصاره العظيم والنهائي صار في متناول اليد، تحدوه مبادرات تبدو مدروسة للإيحاء بأن الحياة بدأت تعود إلى سابق عهدها.

من هذه القناة يمكن النظر، إلى جولات تتم من دون حراسات ظاهرة، يصطنعها أهم المسؤولين للقاء الناس في بعض الأحياء والأسواق الشعبية وأيضاً إلى زيارات لهم، تبدو عفوية وتلقائية، لبعض دور العبادة ولخطوط جبهات القتال ولأسر الجرحى والشهداء، ثم إلى إزالة بعض الحواجز الأمنية من وسط دمشق وساحات مدينتي حمص وحماة ومن الطريق الدولي الذي يصل العاصمة بالساحل السوري، ولا يضير هذه المبادرات أو الإيحاءات بل يؤكدها في عرف النظام، سقوط بعض قذاف الهاون على أحياء العاصمة وتواتر عمليات انتحارية (كتفجير ثلاث سيارات مفخخة أخيراً في دمشق) على أنها محاولات يائسة من قبل جماعات الإرهاب لتغطية هزائمها وتعويض عجزها عن وقف النجاحات الأمنية والعسكرية لقوات السلطة.

للأسف، لم تفارق النظام الأوهام، وهو في أشد لحظات تراجعه، عن تحقيق «انتصار» يسحق عبره قطاعات واسعة رافضة له من الشعب السوري، متوسلاً ما يملكه من وسائل قهر وفتك، وما استجره من قوى ودعم خارجيين، من دون أن يقيم أي اعتبار لما يخلفه العنف المفرط من ضحايا ومشردين ولاجئين. من خراب معمم للمناطق الآهلة وللبنية التحتية. من تهتك وتردي مختلف القطاعات الحيوية وأهمها الكهرباء والمياه. من وضع معيشي لم يعد يطاق مع الغلاء الفاحش وتوقف غالبية المشاريع الإنتاجية. من شروخ وعداوات مذهبية أججها قاصداً ليمرر سياسات التهجير القسري، حتى لو شرع ذلك الأبواب أمام مشاريع التقسيم وتقاسم النفوذ، وعزز تغييب دور الدولة العمومي ومؤسساتها الخدمية والتعليمية والصحية عن ملايين المشردين واللاجئين، وعن مساحات مهمة من الوطن باتت تكتظ بآلاف المقاتلين المهجرين من مناطق محاصرة، ويترقبون في كل لحظة استعار المعارك ضد النظام وحلفائه!

هو أمر مؤسف ومحزن اعتبار ما أوصل النظام البلاد إليه انتصاراً، فلا معنى لهذا «الانتصار» إلا إذا تم اختصاره في ما تخلفه قوة قمعية هائلة من موت ودمار في البلدات والمناطق المتمردة، أو كتفريغ رغبة ثأرية تعتمل في نفوس أسياد البلاد ضد من يعتبرونهم عبيداً متمردين وناكري الجميل، أو إذا تم تفسيره كنجاح للعنف المفرط والاستفزازات الطائفية في استثارة أسوأ الغرائز المفككة المجتمع وتشويه حراك البشر والطعن بمشروعية مطالبهم، أو كتشجيع لكل حامل سلاح على انتهاك أبسط حقوق الناس بما هو إباحة كل شيء أمام «حماة الديار» كي ينهبوا ويسرقوا ويعيثوا فساداً من دون مساءلة أو محاسبة، والأسوأ اعتباره انتصاراً لعملية استباقية، طالما سعى النظام إليها، لتلقين أجيال السوريين، درساً مروعاً كي لا يحلموا أو يفكروا، مجرد حلم أو تفكير، في التمرد والثورة.

وتبقى المسألة التي لم يدركها النظام أو لا يريد إدراكها أن استمراره في السلطة ليس سوى الوجه الآخر لانكسار المجتمع وتدميره، وأن ما يسميه انتصاراً هو أكبر هزيمة لوطن كان يقدر له أن ينمو وينهض كي يحتل موقعاً مشرفاً في سلم الحضارة الإنسانية، هو انتصار لنهج دأب على قمع وقهر شعب يتطلع لنيل حقوقه المشروعة ككل شعوب الأرض، والأخطر هو انتصار التفريط بسيادة البلاد وتسهيل استباحتها وتطويع مكوناتها في صراع النفوذ بين مختلف الأطراف الإقليمية والدولية على المنطقة، الأمر الذي لم يقف عند الحضور السياسي والعسكري الفاضح للداعمين الروسي والإيراني، بل امتد ليشمل تدخلاً أميركياً يحاول تعزيز نفوذه بعد طرد «داعش» من مناطق مهمة في شرق البلاد وشمالها، وسبقه التمدد العسكري التركي وما انتزعه من مواقع على طول الشريط الحدودي غدت عملياً أوراق ابتزاز وضغط بيده، من دون أن نغفل الدور الإسرائيلي الذي صار أكثر تأثيراً في رسم مستقبل وطننا، وأكثر حرية في توجيه ضرباته أينما يرغب ووقت يشاء؟

فأي مأساة تحل بوطن تصر نخبته الحاكمة على الاستئثار بالسلطة لتخضع، بفعل القوة والعنف والإرهاب، شعباً مهزوماً ومفجوعاً وتتوهم الانتصار؟ وأنى لمثل تلك السلطة أن تطمئن الناس وتستعيد ثقتهم بعد ما أحدثته من الفتك والدمار، أو تستقر وتدير وطناً واقتصاداً وسياسة بعد الشروخ العميقة التي أحدثتها في المجتمع، والأهم بعد أن أخضعت نفسها بصورة شبه كلية لإرادة الخارج الذي لولاه لما استمر وجودها؟

من المفيد التذكير بأن إحدى أهم سمات العقل السياسي الحاكم عدم اعترافه بالهزائم وتحبيذه، على رغم مرارة انكساراته، التغني بالانتصارات، فالسياسة عند أصحابه ليست واجباً ومسؤولية، بل تسلط ووصاية وامتيازات، والإقرار بالخطأ وبمواطن الضعف وبالعجز والفشل قد يهز هذه الأركان الثلاثة ويهدد استقرار السلطة القائمة، التي فاض تاريخها الطويل بطرائق التفنن في اختلاق الذرائع والحجج عن المؤامرات الخارجية كي تتنكر لإخفاقاتها وتتهرب من الاعتراف بهزائمها.

في الماضي حاول «مدعو الانتصارات» التستر على الخراب الذي أحدثته هزيمة 1967 وتحلية مرارتها بذريعة فشل العدوان الإسرائيلي في تحقيق هدفه المفترض برأيهم، وهو إسقاط النظامين الراديكاليين في سورية ومصر، واليوم، يتكرر المشهد ذاته في تمرير وتسويغ ما حصل ويحصل من دمار وقتل واعتقال وتشريد على أنه انتصار عظيم لنظام تمكن من هزيمة مؤامرة كونية كان غرضها إضعاف موقعه المقاوم أو كسر موقفه الممانع!

========================

لماذا لن تبقى منظومة (بشار الأسد)؟ .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاحد 9/7/2017

 كيف سيكون حال سورية وأهلها إذا بقي /نظام الأسد/” كان موضوع نقاش مقال سابق جاء فيه باختصار أن سورية لن تعود إلى الحياة، إذا استمرت سلطة “النظام”، لأنها ستتحول إلى ميليشيا انتقام أكثرجنوناً وعنفاً، وأشدَّ فتكاً وانتقاماً ممَّا هي عليه الآن؛ وبأحسن أحوالها، ستكون منظومة في ظل الاحتلال الروسي- الإيراني. ومن هنا جاء السؤال البحثي التالي: ” كي لا تستمر المأساة السورية، ما الذي يجب فعله؛ وكيف ؟”.

تنوعت الإجابات المقَدّمة، ولكن تركيزها الأكبر كان حول (ما الذي يجب فعله) دون التطرق إلى كيفية إنجاز أو ترجمة المقترح وتحويله إلى واقع. ولكن حسب هذه الخطوة البحثية أنها تقدِّم جملة أفكار على الباحثين و”القادة” من أهل الثورة السورية التمعن بما جاء فيها، والدخول الفوري في عالم {كيف يتم ذلك}

ستقدم هذه الورقة تكثيفاً للرؤى والآراء التي وردت، ثم تختم بمقترح يتعلق بمنهجية مقاربة المسألة بحثياً.

       قبل الولوج في طبيعة الأفكار المُقَدَّمة لا بد بداية من القول بان الإجابة عن السؤال: ” لماذا يجب أن يرحل نظام الأسد؟” لا تحتاج إلا لبديهيات البشر في القرن الواحد والعشرين؛ إذ كيف يمكن تقبُّل استمرار أي شخص في السلطة لسبع عشرة سنة ؟! لماذا تحدد الدول المتحضرة الولاية الرئاسية الأقصى بثمانية أعوام مثلاً؟.. خاصة إن كانت شبكات الإجرام ضد الإنسانية تتقاطع على طاولته !! بل إن هذا ” النظام” هو أصغر الجالسين إلى طاولة الحكم بينما كرسي الحكم الفعلي يقتسمه مستشار إيراني يفرض سطوته بميليشيات طائفية، وحاكم عسكري روسي يزرع قواعد عسكرية هي أقرب ما تكون لثكنات احتلال على الأرض السورية!! أليس من حق السوريين تحديد ولاية أي حاكم بمدة لا تتجاوز العشرة سنين ؟ أليس من البديهي أن يحاسبوا الحاكم على أي تجاوز؛ فكيف إن كان تورط بجرائم ضد الإنسانية ؟! أليس من حق أي شعب أن يحافظ على استقلاله ويتخلص من أي حاكم عميل للتسلط الخارجي وقوى الاحتلال ؟!

       من جانب آخر هناك حقائق تفقأ العيون على الأرض السورية تقدِّم ألف سبب وسبب لإزالة منظومة الأستبداد ومن بينها المسؤولية عن تدمير البنية الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية للمجتمع السوري، وعن بعثرة نصف السكان وتدمير أكثر من نصف سورية واعتقال ما تجاوز الربع مليون سوري، وقتل نصف مليون ، وإقعاد مليون…. وكل ذلك موثق.  زد على ذلك أن مَن دعم المنظومة يريدها قوية؛ ولكنها أضحت غاية في الهشاشة مع تهدم جدار الخوف منها؛ ومن هنا، لن يحرص على بقائها لحظة نضوج الصفقة.

       وفي ضرورة إزالة منظومة الإستبداد، لا بد من إدراج حقيقة إصرار ومطالبة السوريين بالحفاظ على “وحدة سورية أرضاً وشعباً” ؛ فلا يختلف سوريان شريفان على هذا الكلام؛ ولكن بنظرة سريعة إلى الواقع السوري، بعد سبع سنوات عجاف، أضحى المطلب الطبيعي للسوري هو حقيقة {إعادة توحيد} سورية أرضاً وشعباً؛ لأن النظام- إضافة إلى تمزيقه النسيج الإجتماعي والروحي والنفسي والإقتصادي السوري-  فإنه بعثر ومزق وشرد السوريين بقيامه بتطهير عرقي في بعض الجغرافيا السورية،  يساعده في ذلك إيران- التي لا يستقيم مشروعها العبثي التخريبي لمحيطها- إلا عبر تمزيق المكان الذي تحل به……..

       من جانب آخر ما تم هو تدمير لسيادة الدولة التي يدعي بوتين أنه حريص عليها، لأنها هي التي تشرعن تدخله الإحتلالي، وهي التي يتلظى بها أمام العالم قائلاً “لا بد من المحافظة على منظومة الأسد لأنها هي التي تحافظ على وحدة سورية”. وحقيقة ما يحدث فعلاً هو عكس ذلك تماما؛ً فالنظام لا يعيش إلا على التمزيق والتوتير واستمرار الحرب. من هنا أتت أفكار كـ “سورية المفيدة” يوماً. فمن له سيادة وما هو شرعي، لا يختار جغرافيا بعينها في بلد ما تاركاً/مجبراً أم مختاراً/ باقي الجغرافيا نهباً لمن هب ودب ويستمر بادعاء السيادة والشرعية.

        في الأفكار المُقَدَّمة بخصوص ما يجب فعله للخلاص، و على صعيد ثوري سياسي مدني، وتحديداً فيما يتعلق  بالبنية الذاتية للثورة، لا بد بداية من نبذ الخلافات وتغليب المصلحة العامة والتخلص من كيانات وأجساد غريبة دخلت الثورة؛ ما يستلزم أولاً الانطلاق من حالة ذهنية ترى بأن سورية واحدة ووطن للجميع ضمن حدود معترف بها دوليا. تلحظ الإجابات توقاً لإعادة إحياء روح الثورة الشعبية السلمية العفوية  تحت يافطة “نحن شعب” ولسنا “معارضة تبحث عن سلطة”. ومن هنا لا بد من تطوير البنية النفسية والفكرية للثورة عبر أناس لهم مصداقية عالية لدى مختلف فئات الشعب؛ ما يهيىء  بديلاً سياسياً مقنعاً يشكّل قيادة شريفة تثق بها الجماهير تجسدها أسماء لم تُلَوَّث. هناك شبه إجماع على الدعوة إلى مؤتمر وطني سوري “يضع النخب أمام مرآة الحقيقة”؛ ينتخب قيادة سياسية جديدة غير مرتهنة لأي أجندات خارجية أو خاصة؛ يحلُّ أو يصلح الأجساد السياسية القائمة في المعارضة، ويشكل ما هو جديد.

       أما في البنية الموضوعية للثورة، رأى المساهمون ضرورة  التنسيق مع دول ذات مصالح، وخلق تفاهم حقيقي مع روسيا وأمريكا. ووصَلَ البعض إلى طرح ما يُعتَبر بالنسبة للسوري من المحرمات: “تفاهم من نوع ما مع إسرائيل”، بغية سحب البساط من تحت أقدام النظام، باعتبار إسرائيل حاميه الأول. رأى المساهمون في هذه الدراسة أنه على صعيد ثوري عسكري، لا بد من  توحد الفصائل العسكرية الثورية في جسد عسكري واحد يكون “جيش تحرير وطني” يشكل النواة الأساس لجيش سورية المستقبل؛ ولا بد من نزع ثوب الإرهاب الذي سعى النظام أن يلبسه لكل من يقاومه.

باختصار؛ الطريق هو التركيز على حق السوريين في عقد اجتماعي يضمن ألا يستمر أي شخص أو حزب في السلطة لأكثر من عشر سنوات ؛ والعمل على محاسبة جميع مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية والتخلص منهم وعلى رأسهم مافيا الأسد ؛ والكفاح لأجل التحرر من التسلط الخارجي إيرانياً كان أم روسياً. مرة أخرى، لألف سبب وسبب، لن يبقى نظام الأسد. والأصل بما على السوريين القيام به وكيف.

========================

شعب بلا غطاء .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 8/7/2017

تنتقل المسألة السورية إلى طورٍ جديد، يُراد له أن يكون طور ما بعد الثورة، طور تقرير مصير ملايين السوريين الذين طردهم النظام الطائفي/الاستبدادي من وطنهم، منذ استهدفهم بحملات قتلٍ منظمةٍ نفذها جيشه، لم تترك لهم غير الموت تحت ركام منازلهم، أو الفرار إلى بلدانٍ لا يقيم حكامها وزنا للقوانين، ولحقوقهم بشراً، وليس لديها الرغبة في خدمتهم، تفتقر مؤسساتهم الحكومية إلى إجماعٍ وطني، يمكن أن يفيدوا منه، باعتبارهم لاجئين تقرّ القوانين الوضعية والشرائع السماوية بحقوقهم، وإلى شرعيةٍ وطنيةٍ تقبلها الأطراف السياسية والحزبية، وتلزمها بما تتبناه حكومات بلدانها من مواقف. لو أخذنا لبنان مثالا، حيث يُعامل السوريون كأنهم أسرى حرب لدى حزب الله وامتداداته في الجيش وأجهزة الأمن، وتمارس عليهم سياساتٌ هي امتداد لحرب الحزب ضدهم، وهو الذي أخرجهم من مواطنهم الأصلية في سورية، بعد أن غزاها ودمرها بأمر من خامنئي، لوجدنا أن حكومته في واد وحزب إيران في آخر، وأن كلمته وليس كلمتها هي الحاسمة، وأن سلطاتها لا تشمله في أية قضية تخص إيران وسياساتها الاحتلالية والتدخلية في المشرق العربي عامة، وسورية ولبنان خصوصا.

لا يعني هذا أن حكومة لبنان ليست مسؤولةً عّما يتعرض له السوريون من عدوانٍ على يد جيشٍ تابع لها، يفترض أنه خاضع لإمرتها يضع نفسه بتصرفاته ضد مدنيين عزّل، ويضعها هي أيضا في موقع العداء للسوريين الذين لو كان ربع من اعتقله من لاجئيهم "إرهابيا"، لما نعم لبنان يوما واحدا بالأمن والاستقرار، ولما تمكّن جنوده من دخول المخيمات، ناهيك عن إلقائهم أرضا وتمريغ وجوههم بترابٍ مغطى بالحصى، وهم عراة الجذوع مكبلو الأيدي.

يقول ما يجري في لبنان أمرين:

أولاً، من اعتدوا على السوريين من دون تمييز، لمجرد أنهم سوريون، أنهوا سياسة النأي بالنفس التي أعلن لبنان الرسمي التزامه بها حيال الصراع الدائر في سورية. لذلك، يجب توجيه سؤال إلى حكومة الرئيس المقدّر سعد الحريري: عن أي نأيٍ بالنفس يمكن أن نتحدث منذ الآن، إذا كان حزب الله يقتل السوريين داخل بلادهم، وجيشكم الرسمي يقتلهم خارجها: في مخيمات البؤس والموت التي طردهم الحزب إليها عقابا لهم على رفضهم نظاما مرتبطا مذهبيا بإيران، هو أقوى ركائزها في المشرق، وأعمق اختراقاتها السياسية والعسكرية والمذهبية للجسد العربي؟

ثانياً، لبنان الرسمي الضعيف حيال لبنان المتحكّم، أي حزب إيران، قرار أن يسهم بقوةٍ في مرحلة قادمةٍ تلوح تباشيرها من الصراع السوري، تقول تصرفات جيشه المفاجئة، وأخبار تركيا والأردن، أنها ستستهدف ملايين السوريين خارج وطنهم، الذين أتاح خروجهم لهم فرصة النجاة من القتل، والتمسك بقضيتهم، فإن نظموا أنفسهم وقرّروا ممارسة عمل سياسي منظم ومؤسسي/ موحد، بقيت الثورة حية، وإن تراجعت أمام النظام في الداخل. للخلاص من هذا الاحتمال، بدأ عمل واسع وجدّي لتمزيق الخارج السوري وإرهابه، وهو الذي تفيد دلائل متنوعة بأنه سيكون ضحية سياساتٍ تريد تحقيق هذا الهدف، سواء أعادتهم طائعين خانعين من خلال "هدن" استسلامية إلى ركام بيوتهم، حيث ستفرض الأسدية عليهم نمطا من العيش الموتُ أفضل عليه، أو عرّضتهم أدواتها لتصفياتٍ وملاحقاتٍ وسياساتٍ إذلالية تقوّض قدرتهم على أن يظلوا كياناتٍ متماسكةٍ تعي نفسها جزءاً من مجتمع تاريخي، يوحّده الاستبداد داخل وطنه، ونضالهم للعودة إليه وطناً حرّا خارجه، إن أقام الأواصر والصلات المطلوبة بين جزأيه، الداخلي والخارجي، حافظ على هويته الجامعة شعباً ثائراً، يرفض الأسدية وعازم على تجاوز محنته، بما لديه من مؤهلاتٍ فردية وجماعية، وروح وطنية حية ولا تقبل الهزيمة. يريد الأسد وحزب الله تحويل الجسم السوري في لبنان إلى حالةٍ "غجرية"، ليست كيانا سياسيا أو وطنيا، وليس لها هوية جامعة وقضايا مشتركة، إن عاد بعضها إلى سورية صار عبدا تحت البوط العسكري الأمني، وانضم إلى جموع الأموات من مواطنيه. وإن بقي خارجها نبذ وقتل عشوائيا بالرصاص، أو تحت التعذيب في "المستشفيات"، مثلما حدث أخيرا في لبنان.

يعتقد أسد إيران أن روسيا قضت على جزءٍ مهم من قوى الثورة، وأنه حان وقت القضاء على حاملها: شعب سورية أو ما تبقى منه، فإن نجح جعله نجاحه خيارا لا بديل له، وقبله العالم. هذه الجريمة الفظيعة لا يجوز أن يشارك فيها جيش لبنان، فهي ليست مهمته، وستلحق مشاركته فيها ضررا فادحا بشعبين شقيقين، لا مصلحة لهما في ارتكابها.

========================

مستقبل سورية في ظل قوات ردع دولية .. عبدالباسط سيدا

الحياة

السبت 8/7/2017

تشمل التوافقات الدائرة في شأن سورية اليوم ذاك التوفق الأساسي الحاصل بين الجانبين الروسي والأميركي. وهو الذي يمثل الإطار العام لجملة التوافقات الفرعية مع القوى الإقليمية. ويُشار هنا بصورة خاصة إلى ما تم في الآستانة بين روسيا وتركيا وإيران، وإلى التواصل المستمر بين الدول الخليجية والأميركيين والروس والأوروبيين، وإلى الرسائل الديبلوماسية والميدانية المتبادلة بين الأميركيين والإيرانيين.

كل ذلك يشي ببلوغ عملية تقاسم النفوذ في سورية مرحلة متقدمة، ولكن من دون الوصول إلى مرحلة الإعلان عن التقسيم الفعلي الذي ستكون تبعاته معقدة ومكلفة بالنسبة إلى الجميع، وستكون سلبياته أكثر بكثير من ايجابياته المحتملة في حسابات كل طرف.

ولعل هذا ما يفسر جانباً من التصريح الأخير للرئيس الفرنسي ماكرون حول دور بشار الأسد، وهو تصريح يتناغم مع الموقف الروسي، ويستمد نسغه من حالة الغموض التي تحيط بالموقف الأميركي. ويلقي الضوء في الوقت ذاته على الإعلان التركي عن تقاسم الأدوار بين القوات الدولية في ما يسمى مناطق «خفض التوتر»، فطالما أن التقسيم الرسمي غير وارد في المدى المنظور، وبما أن الرغبة لدى مختلف الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة على الساحة السورية تتقاطع حول الحصول على منطقة نفوذ، أو ممر حيوي، فهذا مؤداه الإبقاء على بشار الأسد يافطة لوحدة سورية جغرافياً، انتظاراً لما قد تكون عليه الأمور مستقبلاً، وأمر من هذا القبيل ربما كان بمثابة القاسم المشترك المطمئن للجميع.

فبشّار، وبعد كل الذي حصل، سيكون مجرد واجهة هزيلة، تستخدم للتغطية على اللاعبين الأساسيين الذين سيحصل كل منهم على ما يريد بهذه الدرجة أو تلك من الرضا، وذلك ضمن إطار المتاح، وفي غياب عربي مثير للجدل والتساؤل.

وحدها إيران ستكون المزعجة والمنزعجة في الوقت ذاته. فهي تريد الدور الإقليمي الأكبر على حساب الدور العربي، السعودي تحديداً. وستحاول بشتى السبل الاحتفاظ بالأوراق والميادين التي تضمن لها قابلية هذا الدور.

ولكن هذا الدور لا يستقيم مع الإستراتيجية الأميركية الجديدة المتمحورة حول إعادة صياغة معادلات التوازن في المنطقة، وهي إستراتيجية متقاطعة في بعض جوانبها مع توجهات الشركاء الأوروبيين.

فإيران ستظل قوة إقليمية أساسية، ولكنها لن تكون المهيمنة. فكما أن روسيا تتحدث اليوم عن انتهاء مرحلة الأحادية القطبية على المستوى الدولي، فإن الأحادية ذاتها على المستوى الإقليمي لن تكون في مصلحة الفاعلين الإقليميين الآخرين.

وجود إيران قوةً إقليمية مهدِّدة، يُحسب حسابها، ضروري بالنسبة إلى القوى الدولية في سبيل الحفاظ على التوازن في المنطقة، والمصادرة على الاحتمالات غير المرغوب فيها مستقبلاً، هذا فضلاً عن الحسابات الاقتصادية ومنها مبيعات الأسلحة وتوابعها، والنفط والغاز.

وفي سياق تناولنا لدور العامل الإيراني في المنطقة، لا يمكننا تجاهل دور «حزب الله» المستقبلي في لبنان، وربما في مناطق محددة في سورية أيضاً، منها مثلاً الريف الدمشقي المحاذي للحدود البنانية- السورية، وكذلك الريف الحمصي.

فـ «حزب الله» خسر الكثير من أعضائه وسمعته نتيجة القتال في سورية إلى جانب النظام وضمن إطار الإستراتيجية الإيرانية، لكنه في المقابل امتلك المزيد من الخبرات القتالية والمعدات العسكرية، كما انه اكتسب المزيد من هيبة القوة، إذا صح التعبير، ضمن الساحة الداخلية اللبنانية نتيجة قوته الذاتية من ناحية، وضعف خصومه وخلافاتهم البينية من ناحية ثانية.

والسؤال هنا هو: هل سيستمر الوضع هكذا بالنسبة إلى حزب الله في أجواء المعادلات الإقليمية الجديدة، أم أن فائض القوة الموجود لديه سيعالج بطريقة ما؟ كيف؟ وأين؟ ومتى؟ وإلى أي حد؟ أسئلة يرجح وجودها على جداول أعمال الاجتماعات المحمومة المتواصلة التي تعقد بين مختلف الأطراف في أكثر من مكان.

والأمر ذاته بالنسبة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي تشكل قواته النواة الصلبة ضمن قوات سورية الديموقراطية. وهي القوات التي اكتسبت خبرة قتالية، وامتلكت معدات عسكرية متطورة، وسيطرت على أراض واسعة في الشمال الشرقي، وشرق سورية، وكل ذلك بفضل الدعم الشامل، بخاصة الجوي من جانب قوات التحالف بقيادة الولايات المتخدة الأميركية.

هل سيستمر هذا التفاهم والتعاون مستقبلاً أم أن دوامه مرتبط بفاعلية الأسباب؟ ولكن ماذا بعد زوالها؟ وأي دور سيُناط بالحزب المذكور في المستقبل الإداري في المناطق الكردية على وجه التخصيص وفي غيرها من المناطق؟

هذا مع فارق لافت بالنسبة إلى وضعية هذه الحزب وحزب الله. فالأخير حزب لبناني، مهيمن على الساحة الشيعية في لبنان، وليس في مقدوره التمترس خلف أي دور سياسي في سورية مستقبلاً. بينما يقدم حزب الاتحاد الديموقراطي نفسه بوصفه حزباً سورياً، وله أنصاره بين الكرد السوريين، ولو إلى جانب أحزاب كردية سورية أخرى منافسة، تمتلك حاضنة شعبية واسعة لم يتمكن حزب الاتحاد الديموقراطي، على رغم كل أساليبه القمعية والترغيبية، من إقناعها بشرعية وجوده على المستوى الكردي السوري.

الأمور متداخلة كثيراً. ولكن يبدو أن عقدة الحكاية السورية بلغت دولياً وإقليمياً الذروة، وحان الوقت لإنهاء أسطورة داعش، تمهيداً لتقاسم الأدوار والنفوذ في الميدان السوري، الذي كان، وسيظل، هدفاً للهيمنة من قبل مختلف القوى المتصارعة التي تدرك أهمية ثقل الجغرافيا السورية وأهميتها في عملية إعادة ضبط الموازين في المنطقة.

========================

السوريون بين بيروت الظلم وبيروت العدل .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 8/7/2017

ليست هناك مدينة تشبه المرأة كبيروت. الصفات التي تطلق على أي منهما تنطبق على الأخرى، فهي الفاتنة والمراوغة، الجذابة والعنيدة، الحنون والقاسية، السهلة والصعبة، ما من وصف إلا وبيروت سيدته، وهي التي منحها الشاعر محمود درويش أعذب قصائده.

هكذا كانت بيروت قبل أن نصبح نحن السوريين «لاجئين» بين جنبات مخيماتها، لأنها أقرب إلينا كلاجئين جدد، وأبعدها عن استبداد ينخر عظام «دولتنا»، ويقذف بنا في شتى أرجاء الأرض، وهي بقيت كذلك حتى بعد أن أصبحت النيران تأكل خيامنا، في مخيم الرائد، في محيط مدينة قب الياس، ومخيم تل السرحون في بلدة بر الياس، ولا نعلم متى وأين موعد النيران القادمة مع أجساد سوريين آخرين في أرجاء أخرى من لبنان «يا قطعة سما»!

في الغضون تصدح أصوات ممثلي الكتل البرلمانية داخل أروقة البرلمان اللبناني طالبة ترحيلنا، كأننا هناك بمحض صدفة سياحية قادتنا إلى حيث «سويسرا الشرق»، أو لؤلؤته، كما يحلو لنا تسميتها، والتي تناسى أصحابها أن ثمة منهم من ذهب إلى أماكننا في القلمون وريف دمشق وحمص وحلب، ليقتلعنا من جذورنا، بسلاح ادعى أنه لمقاومة إسرائيل فقط، في حين لم يعد يوجهه ضد عدوه المفترض إسرائيل وإنما ضدنا، أي ضد الشعب السوري الذي احتضنه، وأمّن له المسكن والاحتياجات زمن كان الادعاء صحيحاً، وكانت البندقية باتجاه غير صدور السوريين ومدنهم.

السوريون موجودون في لبنان في شكل طارئ وقسري، لكن بعض من ادعى أنه يمثل لبنان بات في سورية منذ سنوات، يقتل ويهجر ويدمر في شعبها، بل ويستولي على أملاك السوريين ويغير خريطة مدنهم جغرافياً وسكانياً. وهذا البعض يلبس حيناً وجهه اللبناني، الذي لا يشبه وجوه أهالي لبنان «الطيبين»، لكنه في أحايين أخرى لا يراه السوريون إلا وجهاً إيرانياً، ينفذ أجندة إيرانية بلسان لبناني في سورية، وكذلك اليوم في البرلمان اللبناني وفي الحكومة وعبر وشاياته بين المواطنين، عندما يطالب بإعادة السوريين إلى بلادهم عبر محادثات مع الحكومة السورية، ليس لأنه يرى أن الحرب الوحشية التي شنتها هذه الحكومة على السوريين انتهت وحل الأمان في أرض طاولها التدمير، بل لأن شروط توسيع حصة النظام في أي حل تفاوضي مع المعارضة، باتت تتطلب هذه الأكاذيب والمراوغات، متناسياً ومن معه، من المطالبين بعقد التفاهمات مع النظام لإعادة السوريين، أنه بذلك يزيد من دائرة ضحايا المقتلة السورية التي جرت بالمشاركة مع «حزب الله»، اللبناني الهيئة والإيراني التبعية والأجندة. ينسى هؤلاء كلهم أن معظم السوريين هربوا من جور النظام وملاحقاته الأمنية وأحكامه الجائرة عليهم، فكيف يمكن الدعوة لإعادتهم إلى حيث ينتظرهم الغدر؟ وكيف يحدث ذلك بدل أن تقوم الحكومة اللبنانية بدورها الانساني والسياسي برعايتهم وتوفير الأمان والحماية لهم؟

لا ينكر أحد على لبنان معاناته لكونه دولة صغيرة المساحة، وقليلة الموارد، وتعاني ما تعانيه اقتصادياً، وسياسياً، وهو ما يتوجب على الأمم المتحدة -الصامتة أمام عذابات السوريين في لبنان اليوم- أن تتحرك لإيجاد حلول تجنب لبنان الدولة آثار استضافتها نحو مليون ونصف المليون من السوريين، كما يتوجب على المعارضة السورية المتفرجة بدورها أيضاً، أن تتحرك مع أصدقائها لإيجاد مخرج للسوريين من جهة، وللدولة المضيفة التي أرهقت خلال السنوات السبع وما قبلها، من هجرة السوريين إليها، كملجأ من عذاباتهم، سواء السياسية أو الاقتصادية، حيث بنت العمالة السورية المهاجرة إلى لبنان كثيراً من ذاكرة العمارة الحديثة في بيروت وبقية المدن، وهو الأمر الذي لا ينكره شعب لبنان غير المؤدلج إيرانياً الآن، أو المرشح لانتخابات نيابية في العام المقبل.

لا أحد يريد لأهلنا أن يبقوا في غربتهم هذه، كما لا يمكن القول إننا عاجزون عن فعل أي شيء يتعلق بعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم، أو على الأقل عودتهم إلى المناطق المحررة عبر تركيا، وهو ما تستطيع كيانات المعارضة وفي مقدمها «الائتلاف»، أن تعمل عليه مع أصدقاء الثورة وذلك حماية للسوريين من جهة ولتعزيز وجودها في المناطق المحررة من جهة ثانية.

لا يمكن أن ننكر دور المعارضة في ضرورة تحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين السوريين في لبنان والأردن وتركيا، طالما أرادت أن تكون ممثلة لهم سياسياً وخدمياً، عندما أنشأت حكومتها التنفيذية. لكن قبل ذلك لا يمكن أن يتناسى المجتمع الدولي، ومنه الدولة اللبنانية، أن وجود السوريين في لبنان إنما هو بسبب حرب طاحنة شنها النظام على شعبه، وشارك فيها لبنانيون، أقصد «حزب الله»، سواء بتفويض من الحكومة الشرعية، أو باغتصاب هذا التمثيل عنوة، لذا فإن عودتهم، أي اللاجئين، إلى سورية قبل أن تحط هذه الحرب رحالها، وتعود ميليشيات «حزب الله» إلى جنوبها مع سلاحها، هي عودة بالإكراه، هدفها إكساب النظام السوري نصراً مزوراً، ككل انتصاراته على شعبه الأعزل الذي طالب بدولة ديموقراطية، دولة مواطنين أحرار متساوين أفراداً وقوميات، فقوبلت مطالباته بالنار والقنابل والصواريخ والبراميل المتفجرة، من جانب النظام ومن يدعمه، مثل إيران عبر ذراعها «حزب الله» والميليشيات الطائفية من كل حدب وصوب، ولا يستبعد أن جزءاً منها لن يغادر لبنان في طريق عودته من سورية بعد انتصاراته المزعومة.

أعود إلى بيروت: الطاحنة، القاهرة، بيروت التي تطحن الجيوب والأرواح وتقهر عشاقها بالانتكاسات المتجددة، وأقول هامسة، بيروت معشوقة السوريين، لا يهز صورتها بعض الأصوات النشاز، ولا يعكر صفو وجهها التنافس على طرد السوريين من قبل مرشحين لانتخابات قادمة، لأننا نثق أن بيروت الجميلة القوية الحرة ستنتصر على بيروت المتأرجحة على حساسية ميزان الصراعات الطائفية والمصلحية، وعلى بيروت التي زعمت النأي بالنفس في حرب تأكل من دمها، وتعتاش على أرواح أولادها. بيروت الحب التي يعرفها نزار قباني، ونحبها معه، على رغم حماقات الانسان ستظل معنا وفي قلوبنا: ما زلت أحبك يا بيروت القلب الطيب... ما زلت أحبك يا بيروت الأمل، يا بيروت العدل.

========================

السوريون بين آستانة وجنيف .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 8/7/2017

لم يشعر السوريون بجدية المفاوضات حتى الآن، وبات صعباً على الهيئة العليا للمفاوضات وعلى الفصائل العسكرية المنخرطة في البحث عن حل سياسي أن تقنع الشعب بدوافع استمرارها في التفاوض العبثي الذي لم يفض إلى أية نتيجة سوى المزيد من القصف وارتفاع وتيرة التصعيد بدل انخفاضها، كما حدث في درعا بعد الجولة الرابعة من محادثات آستانة! وقد أدرك السوريون أن ما يتم بحثه هو تقاسم نفوذ دولي بعيداً عن مضمون بيان جنيف وخارج مظلة الأمم المتحدة والقرارات الدولية.

وأمام تضخم المأساة السورية والحاجة الماسة إلى التخفيف من معاناة الشعب وافقت الفصائل العسكرية على الحضور والمشاركة المعنوية في مفاوضات آستانة بحثاً عن وقف شامل وكامل لإطلاق النار، ولكنها وجدت من الجولة الأولى رغبة روسية في إقحام القضايا السياسية في جدول آستانة، حيث طلب الروس بحث قضية الدستور، مما جعل المفاوضين يصرون على أن مهمة جولات آستانة تقنية عسكرية محضة، وأما القضايا السياسية فلا بد أن تبحث في جنيف تحت سقف القرارات الدولية التي أقرها مجلس الأمن.

ولقد شعرنا بأن الإصرار على الاستمرار في آستانة يهدف إلى سحب البساط القانوني من تحت مفاوضات جنيف، ويبدو أن المبعوث الدولي أجبر على أن ينضم إلى مفاوضات آستانة، ولكنه سارع إلى متابعة مسار جنيف، ولم يكن يملك بيئة دولية مساندة. فالولايات المتحدة لم تقدم أية رؤية للحل السياسي، بل بدا أنها تركت الملف كله لروسيا! كما بدت دول الاتحاد الأوروبي في حالة انتظار وترقب، ولم يعد بيد السفراء المتابعين أكثر من توجيه النصائح للهيئة العليا وحثها على مزيد من الإيجابية التي أوشك أن يفقدها المفاوضون، ولاسيما حين وجدوا مماطلة واضحة في بحث قضية الانتقال السياسي التي وعدوا بأن تكون لها أولوية، ولكن موضوع مكافحة الإرهاب طغى على كل الأولويات.

ولا يغيب عن أحد أن مكافحة الإرهاب تبدأ من الانتقال السياسي، ومن كف يد إيران عن العبث بمستقبل الشعوب في المنطقة، وقد لاحظ العالم كله أن الحرب على «داعش» كانت أقرب إلى التمثيلية غير المتقنة، تماماً كما كانت تمثيلية ظهور «داعش» في الرقة والموصل، وقد تصدرت الصحف في العالم أسئلة من أهمها هذا السؤال المريب: أين اختفى 35 ألف مقاتل من تنظيم «داعش»؟ ولست في صدد الحديث عن ذلك، ولكن السؤال يوجه إلى إيران التي تمكنت من تشكيل «حشد شعبي» ضخم بذريعة مكافحة الإرهاب، وحققت مزيداً من السيطرة على العراق ولبنان وسوريا؟ ولم توقفها التصريحات المتلاحقة ضدها عن تحقيق المزيد من العدوان، وكان من المفارقات أن يقبل أعداؤها تحولها إلى ضامن في مفاوضات آستانة، مما جعل الشعب السوري يفقد الثقة في من يزعمون أنهم يبحثون عن حل عادل، فكيف يكون المعتدي ضامناً وجلّ مأساة السوريين كان سببه دخول إيران العسكري بدءاً من دخول «حزب الله» اللبناني وليس انتهاء بدخول مئات الميليشيات الطائفية، فضلاً عن دخول جيوش إيرانية دمرت سوريا وهجّرت شعبها. وكان ثمن تمكين النظام ملايين القتلى والشهداء والمعوقين والنازحين والمهجرين أمام عجز دولي مريع عن إيقاف هذه المأساة الكبرى، بحجة عدم وجود بديل للنظام، واتهام للمعارضة بأنها عاجزة عن المشاركة في الحكم مع أن الجميع يعرفون أسباب تشتتها، وكثير منهم هم الذين شتتوها ودعموا التنظيمات المتطرفة التي نمت على هوامشها وتمكنت من إضعاف الجيش الحر، ومنعته قسرياً من إقامة أي جسد يوحد قواه العسكرية، كما أن الآخرين لعبوا أدواراً سيئة في توزيع ولاءات المعارضة، ولم يسمح لها حتى بأن يكون لها صندوق دعم مالي موحد يكف عنها تشتت الولاءات.

ويدرك الجميع أن السعودية والإمارات تمكنتا من لم شمل المعارضة بقواها الرئيسة في مؤتمر الرياض، وأن بيان الرياض أعلن ثوابت توافقت عليها كل المكونات المشاركة، وأن الهيئة العليا للمفاوضات مضت قدماً في مسار الحل السياسي، ولكنها لم تجد أية استجابة من النظام، ولم تجد أية خطوة روسية جادة لتنفيذ القرار الدولي 2254، بل كانت روسيا تبحث عن المصالحات عبر الضغط والإذعان لجعلها بديلاً عن الانتقال السياسي. والمفجع أن يتحول الحل السياسي المنشود إلى تهجير قسري عبر (الباصات الخضر) التي تنقل السوريين إلى الشمال حيث المحرقة المرتقبة، أو المصير المجهول، وما حدث في عرسال مؤخراً من عدوان فادح على اللاجئين السوريين وقتل العديد منهم تحت التعذيب بهدف إجبارهم على العودة القسرية إلى سلطة النظام في ذات الوقت الذي تنعقد فيه مفاوضات آستانة، وتستعد فيه الوفود للمشاركة في جولة جديدة من مسار جنيف، يجعل الشعب السوري يفقد أي أمل في الوصول إلى حل سياسي مقبول.

========================

آذار وبحار الدم (الحلقة 15) - الشعارات المضللة التي انطلق منها حزب البعث العربي الاشتراكي .. الوحدة العربية .. محمد فاروق الإمام

حتى قيام الوحدة السورية-المصرية عام 1958م، كان المفهوم القومي لحركة البعث ينبع من إيمان عميق يشبه إلى حد بعيد (العشق الصوفي)، في أن الوحدة العربية هي المهمة الأولى والوحيدة. وكان الحزب دائماً يعطي مسألة الوحدة أهمية ورجحاناً معنوياً على الحرية والاشتراكية.

إلا أن تركيز الحزب على أهمية الوحدة لم يدفعه بنظر التقرير العقائدي.. إلى صياغة دليل نظري يستبين الطريق إلى الوحدة ويرسم أسلوب تحقيقها وضمانات حمايتها وتطورها. من هنا -كما يقول التقرير - يأتي ضعف الأسس النظرية والعملية لوحدة عام 1958م، وبالتالي ضعف حمايتها من الانهيار والسقوط عام 1961م.

وفي مجابهة التحدي الشيوعي المحلي، أعطى الحزب نوعاً من القداسة للاتجاه القومي، ومفهوماً مثالياً للقومية العربية فتح المجال -كما جاء في التقرير- لتفسير مناف أحياناً للعلم ولتطور التاريخ، فتحولت القومية العربية إلى مفهوم متحجر جامد.. واعتبرت القضية الاشتراكية فرعاً من القضية القومية.. مما طمس في أذهان البعض حقيقة الصراع الطبقي لمحتوى حقيقي ومنطلق نضالي أساسي للقومية العربية.

غير أن المؤتمر القومي السادس يعتبر دائماً أن الوحدة العربية نظرية أساسية في العالم العربي وواقع يحرك أعماق الجماهير العربية من الخليج إلى لمحيط. ولكن المهم الآن هو تحديد أسسها السياسية ومضمونها الاجتماعي.

إن التجربة السياسية بين البلاد العربية خلال فترة زمنية طويلة.. أوجدت -تدريجياً- فوارق واختلافات في الفكر الاقتصادي.. انعكست في البنيات السياسية والاجتماعية والثقافية لكل قطر. وبسبب السيطرة والتدخلات الاستعمارية.. فإن الرأسمالية أو بالأحرى الرأسمالية العربية.. لم تستطع أن تنمو وفق متطلبات السوق الرأسمالي.. بمعنى أن تزيل وتهدم الحدود والحواجز السياسية بين هذه البلاد.

فالوحدة العربية ليست تحريراً قومياً فحسب وإنما هي أيضاً تحرر اقتصادي واجتماعي وقضاء على التخلف.. بمعنى آخر.. إن علاقة الاشتراكية بالوحدة هي علاقة جدلية -على ذمة التقرير العقائدي- فالوحدة العربية.. حيث إن مضمونها هو بناء الاشتراكية، تكوّن إطاراً بشرياً واقتصادياً أكثر ملائمة لمتطلبات التحويل الجذري والشامل للوطن العربي.

باختصار: الوحدة العربية والاشتراكية - بنظر المؤتمر القومي السادس- هما قضيتان متلازمتان من الناحية التاريخية والاقتصادية.

لهذا فإن الحركة القومية الوحدوية.. في مجرى تطورها الموضوعي.. سارت في اتجاه جديد.. وعملت على التخلص من السيطرة الاستعمارية باعتبارها الموجدة والمكرّسة للتجزئة والمحافظة على بقائها.. ومن سيطرة الإقطاع كأسلوب إنتاج متخلف وكطبقة سياسية عميلة.. ومن البرجوازيات كعامل تناقض سياسي وإقليمي بين البلاد العربية.

وهكذا ففي الوقت الذي تحقق فيه الجماهير الوحدة العربية.. تتجه وتسير في طريق الاشتراكية.. فإزالة البرجوازيات العربية يصبح عندئذ الشرط الأول لإقامة الوحدة.. وهذه الوحدة تأتي إذاً في الظروف الحالية ضمن أفق تاريخي اشتراكي صحيح وتعبّر بالتالي عن أمل الجماهير في التحرر الوطني والاجتماعي والاقتصادي.

كما يؤكد البيان العقائدي على أن بناء الوحدة بين بلاد تركت التجزئة السياسية رواسب إقليمية ومصالح ضيقة.. يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. على الأقل في الابتداء. وذلك حتى تستطيع فيما بعد أن تتغلب عليها تدريجياً. وهذا يعني أن الوحدة يجب أن تقام على مراحل. وإن إحلال الامتداد محل التفاعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين مختلف التجارب الثورية العربية.. يؤدي عملياً إلى تعميق التناقضات الإقليمية وإبرازها بشكل عدائي ويهيئ الظروف لردة انفصالية كما حدث في 28 أيلول 1961م في سورية. وهي أكثر خطورة من التجزئة ذاتها.

يتبع

==========================

آذار وبحار الدم الحلقة (16) .. الديمقراطية الشعبية (الحرية) .. محمد فاروق الإمام

لابد في هذا السياق من أن نعود قليلاً إلى الوراء وان نشير تلميحاً إلى ما كانت تفهمه حركة البعث العربي.. منذ تأسيسها.. من اصطلاح (الحرية). في الحقيقة وواقع الأمر، كانت كلمة الحرية تأخذ دائماً في أدبيات البعث السياسية صفة (القداسة). ففي مقال للأستاذ ميشيل عفلق تحت عنوان: (لماذا نحرص على الحرية؟).. يعتبر مؤسس حركة البعث ومفكرها.. أن قضية الحرية هي قضية جوهرية في حياة الفرد الشخصية وفي حياة الأمة على حد سواء. ويؤكد بهذا الصدد على أن (الحرية لا تتجزأ فلا يمكن أن نثور على الاستعمار الأجنبي ثم نسكت عن الاستبداد الوطني. لأن الدافع الذي يحركنا ضد الاستعمار هو نفسه الذي يمنعنا الآن من الرضا بالاستبداد.. أما الذين لا يستطيعون أن يحكموا الشعب إلاّ إذا استعبدوه.. فهذا الشعب الذي غلب الاستعمار.. سوف يريهم كيف يستطيع التخلص من حكمهم والتحرر من عبوديتهم).

فحرص مؤسس الحزب على الحرية ودفاعه عنها -كما يقول- ليس شيئاً نظرياً (لا علاقة له بالواقع. فالحرية هي التي تسمح للشعب أن يعرف أين يذهب خبزه اليومي وكيف تبذر ثروته وثمار عمله وإنتاجه.. وتتيح له أن يعرف المدى الذي بلغه في تحقيق استقلاله والنواقص التي تشوب هذا الاستقلال..).

وهكذا فإن التعلق بالحرية والدفاع عنها إنما هو تعلق بحياة الفرد الشخصية وبحياة الأمة ككل.. وأن المعركة التي تخاض من أجلها ستكون والحالة هذه (معركة حياة أو موت). إذ أن (الحرية ليست مواد في الدستور ونصوصاً في القوانين وليست هي مجرد موضوع للخطابة والكتابة.. ولكنها عمل قبل كل شيء. إنما لن تدخل حياتنا ما لم نرخص الحياة في سبيلها ولن نفرض على الحاكمين احترامها وَنُشعر الشعب بقيمتها وقدسيتها إذا لم يكن إيمانا بها جهاداً ودفاعنا عنها استشهادا).

لذلك ومن هذا المنطلق.. فإن نهضة الأمة العربية لا يمكن لها أن تتحقق إلا إذا تمتع كل فرد بحريته الشخصية وبحقه في التعبير عن رأيه سواء في الصحافة أو عن طريق الاجتماعات العامة أو في تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية. وليس هناك من سلطة تستطيع أن تعطي لنفسها حق كبت الحرية الشخصية والحريات العامة لأي سبب كان. يؤكد حزب البعث.. في (الدستور) الذي أقره المؤتمر التأسيسي الأول في 7 نيسان 1947م.. (أن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير.. كما أن قدسيتها متوقفة دوماً مع نمو حرية الفرد.. لذا فإن حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة أن تنتقصها).

لهذا فإن المؤتمر القومي السادس.. عند تحليله وتقييمه لمفهوم الحرية في إيديولوجية حركة البعث العربي.. يرى بأنه كان ينبع من مفهوم (رومانسي مجرد). وإذا كانت الحرية قد فهمت بشكل عام على أنها تحرير للإنسان العربي.. تحرير سياسي واقتصادي بكل صوره وأشكاله.. إلا أن الحزب (لم يتصد لمحاولة تصحيح مفهومها الاجتماعي والطبقي بشكل كامل وملموس). إذ أن (الحرية بشكلها السياسي لم تكن مفهوماً مجرداً مطلقاً.. بل هي دائماً حرية ملموسة ذات مضمون اجتماعي محدد.. منحت لطبقة ومنعت بشكل أو بآخر.. عن طبقة أخرى).

لقد اعتقدت حركة البعث ومنذ تأسيسها أن النظام السياسي الذي يجسد مفهومها لهذه الحرية.. يكمن في تطبيق الديمقراطية البرلمانية على النمط الغربي. وقد اعتبرت الديمقراطية البرلمانية هذه (ضرورة) لكي يستطيع الشعب (أن يحصل على حقوقه في جو من الحرية). فكل حكومة إذاً لا تكون منبثقة عن انتخابات عامة أو لا تمثل الشعب تمثيلاً صحيحاً (يجب أن تزول ويحل محلها حكومة من الشعب وللشعب) وتخضع لرقابته العامة.

يتبع

==========================
أريد حياته ، ويريد قتلي !؟ الطيار القاتل .. شعر : يحيى حاج يحيى

هوت طائرته و سقط جريحا ، فحمله المواطن – و كان قد جاء لقتله –

حملتُكَ فوق ظهري رغمَ ضعفي      و  لم أبخلْ عليكَ بنصف زادي

و أحضرتُ الطبيبَ ، و لا دواءٌ      لـديه سِـوى الـمحبةِ و الودادِ

و  كـم أرجو نجاتَكَ قبلَ نفسي      ألـمْ تـكُ قـبلَ ذا أملَ البلاد؟ّ!

فـماذا قـد دهـاكَ قتلتَ طفلي      رضـيعا ، لم يَزَلْ رهنَ المِهاد؟

و هـذي زوجتي احترقَتْ يداها      و هـذي طـفلتي العميا تنادي!

و لا دفءٌ لــديَّ و لا وقـودٌ       فـلم يُـبقوا لديّ سوى القَتاد *

و  زيـتوني غَدا شبحا و مأوى      لـغِـربانٍ و زادي فـي نَـفاد

و  عَـيشي بعد كوخي في شقاءٍ      و قـد هـدموه في يوم الحصاد

مـتى يـا أيّـها الطيّارُ تصحو      و  تَرجِعُ فارسا يُردي الأعادي؟

أنـا الـسوريُّ مِـثلُكَ لا تَبِعْني      لـطاغوتٍ يَـبيعُكَ في المزاد!

_________

* القتاد : الشوك

==========================

إرهاب العصابة الأسدية خارج سورية !؟ للدكتور محمد الداخل  .. عرض وتعليق : يحيى حاج يحيى

على الرغم من أن أحداثا كبيرة و ممارسات فظيعة ، و انتهاكات مروعة قد حدثت في سورية و خارجها  بعد إصدار الطبعة الأولى من الكتاب عام 1981 م ، إلا أنه يبقى وثيقة ذات أهمية كبيرة لما حواه من حقائق تدين النظام الأسدي المجرم ، و تدلل على استهانته بأرواح السوريين و غيرهم

ففي الساحة اللبنانية حيث تنظيمات و أدوات النظام الأسدي كانت محاولة اغتيال السياسي اللبناني ( ريمون إده ) الذي اضطر إلى مغادرة لبنان بعد أن نجا من المحاولة القذرة عام 1976 ، ثم اغتيال الزعيم اللبناني ( كمال جنبلاط ) 1977 عند حاجز لقوات الردع السورية التي دخلت لبنان لحفظ الأمن و منع القتل و الحؤول دون التقسيم و الحفاظ على المقاومة فيما تزعم ، فإذا هي تمارس القتل و الخطف و تبعد المقاومة الفلسطينية عن خطوط التماس مع العدو ، و تقوم نيابة عنه بتدمير و تهجير الفلسطينين

و مع وجود جيش الأسد الهالك استمر مسلسل الاغتيالات كما في اغتيال ( رياض طه ) نقيب الصحفيين 1980 ، و  سليم اللوزي ، وكذلك موسى شعيب و علي الزين و عدنان سنو من البعثيين المعارضين لجناح أسد الخائن كما تم خطف الملحق في السفارة التونسية ( فرح بلعبادي ) و نسف مكتب ( رشيد كرامي ) و تتابعت جرائم النظام على الساحة اللبنانية و لم يكن اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري و كوكبة من رفاقه في بيروت آخر جرائم النظام الباطني المتآمر على المسلمين .. فقد سبقه اغتيال مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد 1989 و العلامة صبحي الصالح والشيخ أحمد العساف و لا يستبعد أن يكون نظام العصابة الأسدية وراء مقتل رشيد كرامي رئيس الوزراء اللبناني

و تعددت جرائم النظام في الساحة العربية كما في محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني مضر بدران ، و خطف القائم بالأعمال الأردني في بيروت السيد هشام المحيسن ، و قد بث التلفزيون الأردني التفاصيل الكاملة لاغتيال مضر بدران في 1981 /2/25

ثم ينتقل المؤلف إلى فصل آخر بعنوان الجرائم الدبلوماسية إذ بدأ المسلسل باغتيال السياسي السوري ، و أحد مؤسسي حزب البعث صلاح البيطار في فرنسا ، بعد كتاباته التي فضحت النظام في مجلة الإحياء العربي

و بعد أسبوع  شهدت عَمان اغتيال الضابط عبد الوهاب البكري ، و كل ذنبه أنه كان قاضيا عسكريا في عام 1962 و حقق مع المتآمرين في ذلك الوقت ، و منهم حافظ أسد و كانت الجريمة الثالثة على الساحة العراقية وقد اكتشفت السلطات هناك السموم و المتفجرات في سفارة سورية ببغداد و كانت تستهدف القتل و القيام بأعمال إجرامية

و في الساحة الكويتية و في 17 / 11/ 1980 تم اكتشاف متفجرة وضعها عملاء النظام الحاكم في دمشق في مقر جمعية الإصلاح الاجتماعي و كل ذنبها أن المجلة التي تصدرها ( المجتمع ) تناصر الشعب السوري و تفضح طغاة دمشق و في ساحة الإمارات العربية المتحدة اكتشفت مؤامرة دنيئة في مدينة دبي إذ هز انفجار ضخم في 1/3/1981 مطعم يا مال الشام ، و ألقى القبض على ثلاثة من عملاء النظام يتجهون إلى المطار بعد ارتكاب الجريمة !

و في ألمانيا توجه مجرمو النظام و أدواته القذرة لاغتيال الداعية الإسلامي عصام العطار ، في مدينة آخن بتاريخ 17/ 3/ 1981  فلم يجدوه و أفرغوا رصاصاتهم الحاقدة الآثمة في جسد زوجته السيدة بنان علي الطنطاوي ، و تركوها تتخبط بدمها ؟!

و لم تسلم الأراضي التركية من أعمال و جرائم النظام السوري النتنة فأذاعت الإذاعة التركية بتاريخ   23/5/1981 خبر ضبط أسلحة روسية مرسلة من النظام السوري للخلايا الإرهابية المتربصة

و أما الجريمة الثامنة فكانت على أرض يوغسلافيا بتاريخ 1/10/ 1981 إذ أفرغ جبناء و عملاء المخابرات الأسدية رصاصات حاقدة في جسد الطالب السوري محمود ودعة الذي كان يدرس هناك

و بعد شهر تقريبا و بتاريخ  22/11/1981 شهدت إسبانيا جريمة نفذها النظام الأسدي بحق الداعية السوري نزار أحمد الصباغ أمام مكتبه في برشلونة جهارا نهارا ؟!!

و يذكر المؤلف  شهادات للتاريخ  فقرات من كتاب كمال جنبلاط ( هذه وصيتي )

وإدانة المجلس الاستشاري الأردني للنظام الطائفي و مقتطفات من أقوال الأستاذ عصام عطار ..

ثم يعدد أسماء عدد من قادة الإجرام في نظام العصابة مع لمحة من حياتهم و جرائمهم .. مبتدئا بالهالك الطاغية حافظ أسد و ثم وريثه بشار الذي غطى على جرائم عمه رفعت وأبيه الهلك فأثبت أن الحية لا تلد إلا حية .. و اللواء الهالك آصف شوكت زوج ابنة المجرم الأكبر و اللواء رستم غزالة الآبق الفاسق ، و اللواء بهجت سليمان الذي أصبح سفيرا وسفيها للنظام في الأردن .

و يضيف إليهم مفتي العصابة أحمد بدر الدين حسون عليم اللسان ، جهول القلب

و يختم المؤلف بالقول : لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النظام السوري الطائفي لا يتعامل عربيا و دوليا بمنطق الدولة ، وأن سفاراته في الخارج أصبحت فروعا للمركز الرئيسي لعصابة [المافيا] الطائفية المتسلطة على رقاب الشعب السوري الأبي.

==========================

من الأدب السياسي الساخر .. حالات السيد  صابر للكاتب الراحل شريف الراس .. عرض : يحيى حاج يحيى

تتضمن ثمانية عشر مشهدا فنياً ساخراً تعالج في مجملها قضية أساسية في حياة الإنسان وهي قضية الحرية! وأول هذه المشاهد كان بطله السيد صابر فقعتوني، الذي اختاره المؤلف ليكون محور هذا العمل الفني، وهو حلاق بسيط، أفرج عنه بعد سنة من الاعتقال خطأً، مع عدد من الصحفيين! ولم يكد يهنأ بنعمة الحرية حتى رن جرس الهاتف في بيته، وكان على الخط ضابط، طلب من صابر أن يراجع مكتب الأمن في صباح اليوم التالي، من دون أن يذكر اسمه أو عنوانه!

وهكذا تبدأ رحلة السيد صابر بين مراكز #الأمن المختلفة، بادئاً رحلته من مكتب الأمن الداخلي، إلى مكتب الأمن الخارجي، مروراً بمكتب الأمن البحري، وانتهاء بمكتب الأمن الغذائي، وهم يؤكدون له في كل مكتب من هذه المكاتب أنهم لا يطلبون أحداً بهذا الأسلوب! وأنهم لو أرادوه لداهموا بيته على الفور. وتخلل هذه المشاعر لقطات ساخرة لأناس آخرين في أماكن أخرى فالمثقفون المهاجرون طلباً للحرية وراء البحار يستبد الشوق بأحدهم إلى بلده، ويبدأ في طريق العودة لخدمة الوطن، ولكن لا يطول به المقام إذ تتبدد أحلامه منذ لحظة وصوله إلى الحدود من خلال الإبتزاز والحواجز. فيقفل راجعاً من حيث أتى. ومشهد أخر لطفلين فقيرين حافيين تستأجرهما إحدى السيدات المشاركات في مؤتمر الطفولة، ليحملا لها لافتة كتب عليها (المؤتمر الحادي والعشرون للطفولة السعيدة)!

بل إن الأمر يبدو أشد صعوبة، والصورة أكثر قتامة، عندما يصل الأمر إلى المتاجرة بدماء الشهداء الذين دافعوا عن أمتهم وكرامتها وحريتها، كما في هذه اللقطة (طفلة صغيرة والدها شهيد)، تسكن المقابر مع جدتها. لماذا؟! يَسألُها صحفي تبدو عليه النباهة: هل تلعبين بين القبور؟ فتجيبه: وهل هناك ملاعب؟! وحين يغضب الزعيم –كما في هذا المشهد- على وزرائه لأنهم يخفون عنه الحقيقة ولم يبينوا له سبب كره الشعب له، يتجرأ أحدهم قائلاً: الشعب يريد الحرية -يا مولاي- فيذعن الزعيم ويسلم للإرادة الشعبية، ويصرح: إنني قررت أن أمنح شعبي الحرية! اكتبوها في كل مكان في الشوارع وعلى الجدران... ويبدأ التنفيذ..حتى إن وزير السجون يزور أستاذه شكري (مدرس الجغرافيا) في المعتقل، ويسلم عليه ويرحب به ثم يعتذر إليه بلطف، ويقول: اطلب يا أستاذ شكري ما تشاء؛ لكن لاتحرجني بطلب الإفراج عنك فأنا كما تعلم وزير السجون ولست وزير الإفراجات! فيقدر الأستاذ شكري للسيد الوزير هذه الشفافية، فيقول وهو يشير بيده إلى خريطة الوطن العربي الكبير خارج الزنزانة: أرأيت هذا الوطن ما أطوله وما أعرضه؟ إنه كما تعلم أكبر من قارة أوربا كلها. كل ما أريده هو أن تعطوني من أرض هذا الوطن الواسع جداً ستين سنتيمتراً فقط؛ لأن هذا عرض كتفي، لعلي أستطيع النوم مستلقياً على ظهري! فيعتذر الوزير فالمكان مزدحم.

ثم يصل الكاتب بالسيد صابر إلى السجن مرة أخرى، لا بتهمة الصحافة هذه المرة، فقد قبض عليه الأمن اللغوي بتهمة الخيانة؛ لأنه كتب على دكانه كلمة (كوافير) بدلا من (حلاق)، وهذه الكلمة أجنبية! (مجلة الإصلاح "دبي" العدد 290 – 2/6/1994م – عبد الكريم حمودي).

عالج الكاتب قضية أساسية من خلال مشاهد تتكرر هنا وهناك بأسلوب ساخر، وخفة ظل، وهذه البراعة التي ظهرت في اسقاطاته على الواقع ،لم يكن المقصود منها السخرية فحسب، ولكنها رسالة ملتزمة بقضايا الأمة والإنسان. ولعل في مذكرات الكثيرين وأعمالهم التي تنشر حيناً بعد حين عن الأنظمة الجبرية والحكومات القهرية، عجائب وغرائب هي من الواقع الذي استمد منه الكاتب وغيره، كما في "رسائل من نفاقستان – ولهان والمتفرسون – خميس في بلاد العجائب" وكل ما فعله الكاتب أنه عندما سيم خطة خسف أو رأى أبناء أمته يسامونها قال: لا (ساخرة)، في حين قال آخرون: لا (غاضبة)! وفي كليهما رفض للظلم والقهر ، ولو كان في حد أضعف الإيمان.

==========================

شهداء الأطباء في سورية !؟ .. يحيى حاج يحيى

للأطباء مكانة متميزة منذ القديم ، ويحضرني هنا أن الشعراء وغيرهم إذا أرادوا أن يصفوا أحداً  بالشجاعة قالوا هو ليث ، غضنفر ، ضرغام ، وغير ذلك من أسماء وصفات الأسد ! إلا المتنبي فقد وصف الأسد بالطبيب  ( الآسي )  يطأ الثرى مترفقاًمن تيهه - فكأنه آسٍ يجسُّ عليلا !؟

ولأهمية هذه المهنة فقد صنف فيها الأقدمون الكتب ، يتحدثون فيها عن أعلامها ، كما فعل ابن أبي أصيبعة في كتابه : عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ذكر فيه بعض الصفات الأخلاقية المطلوبة للمهنة ، وكان موسوعة للعلماء الذين عملوا بالطب منذ عهد الإغريق والرومان !

ولايغيب عن الذهن أن هذه المكانة عرفها تاريخنا حكاماً ومحكومين للأطباء على اختلاف مللهم وأديانهم !

ويأتي زمن العجائب والغرائب في عهد الوريث القاصر بشار ، فيستحر القتل فيهم ، وقد وثّقت اللجنة الإعلامية في اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية أسماء مئة وواحد وخمسين طبيباً من شتى المحافظات السورية ، والاختصاصات ، قتلتهم السلطة الباطنية ، أو تسببت في موتهم !؟  ( إحصاء تقريبي للعام الماضي ) وهناك مئات المئات من السجناء والمُهجرين ، الذين اعتقلهم النظام ، أو تسبب في حرمانهم  من وطنهم وأعمالهم !؟

فهل سنجد من يذكر معاناتهم وعذاباتهم وسجنهم وتشريدهم للأجيال ؟ ومن يصنف كتاباً يُدرس في كليات الطب السورية مستقبلاً ، ليعرف الدارسون أي أناس سبقوهم ومقدار جهودهم التي بذلوها  في خدمة الوطن والإ نسان !؟

رحم الله من قضوا ، وألف تحية وتقدير للمرابطين في العيادات الميدانية ، وغيرها ، يداوون جراحاتنا، ويخففون من مأساتنا !

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com