العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-06-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تقاطعات إيرانية أميركية.. ضرب السنية السياسية والقضايا العربية

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 13/6/2019

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، كانت تختزل طهران وجهين سياسيين لمشروعها في المنطقة. يرتكز المشروع على مبدأ تصدير الثورة، فحملت ولاية الفقيه شعار الدفاع عن الأمة الإسلامية، وهذا بحد ذاته عنوان يتعارض مع عنوان آخر أيضاً بقي في صلب النموذج الإيراني، وهو الدولة القومية. استخدمت طهران العنوانين لإنجاز مشروعها، فخطاب الأمة الإسلامية وحمل هموم المنطقة موجه للعرب والجوار، والدولة القومية موجودة في أساس التركيبة الاجتماعية والسياسية في الداخل الإيراني، وقابل للاستخدام في أي مفاوضات مع الغرب وخصوصاً مع الولايات المتحدة الأميركية.

في ظل الموجة العالمية الحاصلة اليوم، والتي تفرض على الدول والمجتمعات العودة نحو إحياء مفهوم الدولة القومية، تجد طهران نفسها أيضاً عائدة في هذا الاتجاه، فيغيب عن خطبائها التركيز على مسألة الأمة الإسلامية، ويستبدل التهديد الذي تتعرض له هذه الأمة، بأنه تهديد تتعرض الطائفة الشيعية، أو الدولة القومية الإيرانية. ولكن أيضاً لا تغفل طهران الاحتفاظ بشعارها الأساسي وهو الدفاع عن الأمة الإسلامية، وذلك لخدمة السياق السياسي لمشروعها، عبر استمرارها في دعم حلفائها بمختلف دول المنطقة. 

تظهر التطورات على مدى السنوات الفائتة، أن ثمة تناغماً إيرانياً أميركياً قد حصل وتجلّى في منطقة الشرق الأوسط، ولا تتوانى طهران عن المراكمة دوماً على هذا التناغم، والذي يقوم على مبدأ أساسي، وهو التوجه ضد الإسلام السياسي السني، وهذا التقاطع حصل في أفغانستان، العراق، وضرب الثورة السورية.

والمسار السياسي الذي سلكته إيران لتحقيق مشروعها في المنطقة، لطالما ارتكز على افتقار العرب لأي مشروع جامع وبديل ويحاكي تطلعات الشعوب، في مقابل مراكمتها لأوراق القوة التي تخولها الدخول في مفاوضات مع الغرب وخاصة مع الأميركيين لتحسين شروطها

 وكذلك بالنسبة إلى العراق، إذ معظم مكونات المعارضة العراقية الذين اجتمعوا مع الأميركيين تحضيراً للغزو، كانوا من المحسوبين على إيران، بينهم حزب الدعوة وأحمد الجلبي وغيرهم. هذه اللقاءات التي كانت تحصل في لندن، لم تكن لتتم لولا وجود ضوء أخضر إيراني، ولم يصدر أي موقف إيراني سلبي من هذه اللقاءات، التي وصلت إلى توافق وتكامل إيراني أميركي على توحيد المعارضة العراقية لتوفير الغطاء للغزو الأميركي. خاصة أن واشنطن كانت بحاجة إلى هذا الغطاء، في ظل غياب قرار من الأمم المتحدة.

 كانت طهران عاملاً مساعداً للغزو وليس معرقلاً له، ومع بدايته بدأ يظهر الدخول الإيراني إلى العراق، خاصة أن من وصل إلى السلطة كانوا محسوباً على الأميركيين والإيرانيين معاً. وهذا المسار هو الذي أنتج سيطرة إيرانية على عدد من الدول العربية، لتتجلى هذه السيطرة في المرحلة القصيرة التي سبقت توقيع الاتفاق النووي مع إدارة باراك أوباما، ولا تزال مستمرة إلى هذا اليوم. وكان واضحاً أن توقيع الاتفاق النووي يأتي كثمن للنفوذ الإيراني في المنطقة.

مع مجيء دونالد ترمب، وانسحابه من الاتفاق، بدا السلوك الأميركي في التعاطي مع ايران قد تغيّر، صحيح أن المعالم النهائية له لم تتضح بعد، ولكن بلا شك أنه لا يمكن إغفال طموح الطرفين إلى بناء عامل للثقة بينهما، وهذه ستكون بحاجة لمسار سيأخذ وقتاً، خاصة أن ترمب يريد إيران والخليج معاً، وهو قد انسحب من الاتفاق تحت تأثير الضغوط الخليجية وتحصيل المزيد من المكاسب، لكنه أيضاً يطمح إلى عقد اتفاق جديد مع إيران.

وفي حين رسّخ الدخول الأميركي إلى أفغانستان والعراق نفوذاً إيرانياً لا يزال قائماً إلى اليوم، فبلا شك أن التطورات التي تشهدها المنطقة العربية حالياً والنية إلى فتح مفاوضات لتوقيع اتفاق نووي جديد، سيؤدي أيضاً إلى ترسيخ نفوذ إيراني في بعض الدول الأخرى

 على ما يبدو أن إيران أرادت تقديم إشارة إيجابية في هذا الصدد تجلّت بالإفراج عن المعتقل اللبناني في سجونها نزار زكا، في توقيت لافت، خاصة مع ترحيب أميركي بهذه الخطوة، وأمل بالإفراج عن معتقلين آخرين. أرادت طهران من هذه الخطوة أن تقول لواشنطن إنها جاهزة لتقديم تنازلات، وبلا شك أيضاً أن إيران تستخدم لعبة الاستثمار بالوقت، لتحقيق أمرين، حصول ليونة إيرانية داخلية من الناحية الإيديولوجية والأمنية، وحصول ليونة أو تغير في الأداء الأميركي تجاه إيران، سواء بفعل عوامل سياسية او انتخابية. وأشارات التغيير الإيرانية تم إيصالها للأميركيين، سواء في مرحلة توقيع الاتفاق النووي في العام 2015، أو في بعض المساعي التي تقوم بها طهران حالياً من خلال إطلاق سراح نزار زكا والتي قد تفتح الطريق أمام مفاوضات بشأن موقوفين آخرين.

 خطوة الإفراج عن زكا، ستكون مقدمة لفتح باب جديد للتفاوض مع واشنطن، وإذا ما كان العراق وأفغانستان هدية إيرانية للأميركيين طمعاً بتحقيق نفوذ إيراني فيهما، فإن الهدايا الإيرانية ستتوالى في المنطقة للأميركيين، على أن تحصل طهران على المكاسب لاحقاً. وهنا تلعب إيران بطريقة أساسية موجهة للغرب خاصة للأوروبيين والاميركيين عبر إعادة تعزيز مفهوم الدولة القومية لديها، وهذا سيفرض عليها اللجوء إلى الانكفاء بصمت، ومن دون تقديم تنازلات ظاهرة، بحيث لا يمكن اكتشافها سريعاً، بل بعد مرور أشهر على هذه التنازلات. وهذا ربما يمكن التقاطه من خلال بعض التطورات على الساحة السورية، أولاً عبر غياب أي تأثير إيراني عن مجريات معركة إدلب، أو عن انسحابات إيرانية ولحزب الله من بعض المناطق والميادين، بالإضافة إلى توسيع القبضة الروسية على مفاصل النظام الأمنية والسياسية والعسكرية.

أي صفقة أميركية روسية مع إيران، ستكون إسرائيل شريكة فيها بشكل غير مباشر، وستمثل القضاء على القضية السورية. وليس بالضرورة للذهاب إلى صفقة القرن هذه، أن تتخلى إيران عن خطابها الإيديولوجي المعادي لواشنطن وتل أبيب

ما يجري بين إيران وأميركا من تصعيد حيناً ومن مفاوضات أحياناً، يصح أيضاً أن يطلق عليه صفة "صفقة قرن" ستعقد في النهاية بين الطرفين، وقد تكون هذه المرة أشمل من صفقة العام 2015، وهذه الصفقة بلا شك ستكون مرتبطة بصفقة القرن الأخرى والتي ستقضي على القضية الفلسطينية، بينما أي صفقة أميركية روسية مع إيران، ستكون إسرائيل شريكة فيها بشكل غير مباشر، وستمثل القضاء على القضية السورية. وليس بالضرورة للذهاب إلى صفقة القرن هذه، أن تتخلى إيران عن خطابها الايديولوجي المعادي لواشنطن وتل أبيب، بل تحتفظ بتلك اللغة، علناً مقابل ممارسة سياسة مختلفة كلياً، إذ ستمارس ايران لعبة حافظ الأسد، في إعلان العداء العلني لإسرائيل مقابل الالتقاء معها على اتفاقات ضمنية كما كان حاصلاً بخصوص الجولان، وهو يتكرر اليوم. والمسألة الأساسية في استمرار إيران على خطابها الإيديولوجي النزعة، والذي سيعود بالمنفعة عليها وعلى واشنطن في آن، هو استمرار استهداف العرب داخل بيئتهم العربية واتهامهم بالتخاذل، مقابل أن تستثمر واشنطن بالفزاعة الإيرانية للدول العربية، وتبقى تلعب على تناقضات تأبد سباق التسلّح، وتبقي العرب في حاجة دائمة إلى حماية أميركية من بعبع ليس بعيداً عن سياسة واشنطن.

===========================

موقفنا: إحراق محاصيل السوريين .. أي شيطان رجيم !؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

13 / 6 / 2019

لا شيء تم في هذا العالم بالصدفة . ولا شيء يجري على الأرض السورية بالصدفة . فلم يقصف المدنيون بالصدفة ، ولم تدمر المساجد والمدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية بالصدفة . وكذا لم تحترق محاصيل القمح في منطقة بعد منطقة في هذه الأيام بالصدفة . كما أن شجر الزيتون لا يقطع ويقلع ويقصف على يد الحليفين ( الصهيوني - الأسدي ) بالصدفة ..

هي الحرب ، بل هي الجريمة المنظمة تفعل كل شيء بمكر وخبث وتخطيط وتدبير . وإن جريمة إحراق محصول القمح - في سلة الغذاء السوري - في الجزيرة السورية الدنيا والعليا ما هي إلا حلقة في مخطط تركيع ( السوريين السوريين ) بسلاح إضافي للحرب القذرة ؛ بالقضاء على حبة القمح التي كانت للسوريين أما وعمة وخالة ، كما كانت شجرة التخيل عمة لعرب الجزيرة العربية من أهل الحجاز ، كما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تتم الجريمة بسلاح إضافي ينضم إلى أكثر من مائتي سلاح استراتيجي جربها الروسي في سورية وشعبها ، في أطفالها ونسائها وشيبها وشبابها بترخيص أسدي قذر ، وتحت غطاء صمت دولي أشد قذارة !!

وإذا كان استخدام هذا السلاح يشكل نوعا من جريمة الحرب في القانون الدولي ، فإن من الحق أيضا أن نتساءل كسوريين : وماذا يعني القانون الدولي ؟!! وماذا يفيدنا وماذا أفادنا أن يدين القانون الدولي أو يجرّم أو يحظر ؟! بل من حقنا أن نتساءل : وأي جريمة من جرائم الحرب الموصوفة المرصوفة في مواد هذا القانون لم ترتكب حتى الآن ضد هذا الشعب الأعزل المتطلع إلى العدل والحرية ، غير ربما جريمة تجربة الأسلحة النووية على بنيه ؟!

وسبق جريمة إحراق محاصيل القمح في شمال وشمال -شرق سورية حيث يتشارك في السيطرة الروسي والأمريكي والأسدي والقسدي ، جريمة افتعال المعارك في كروم الزيتون المباركة لحرمان السوريين من ثمراتها وجناها .

والجريمة التي تشكل ابتداء كارثة شخصية لأصحاب هذه المحاصيل ، والذين سيجدون جهدهم خلال عام يضيع ، وأملهم يتبخر ، هي كارثة قومية بكل معاني الكلمة حيث سيفقد الشعب السوري سلة غذائه الحقيقية على مدى عام قادم . وبالتالي سيكون رغيف الخبز وحفنة البرغل التي طالما سدت الرمق بعيدة المنال ..

إن جريمة إحراق محاصيل القمح في سورية والتي تمت في الجنوب كما في الشمال هي جزء مكمل للمخطط الروسي - الأمريكي التي مكنت قوات تنظيم الدولة أولا من آبار النفط السورية ، لتجعلها قادرة على الصمود أكثر ، ثم نقلت السيطرة عليها إلى قوات قسد الأشد إرهابية . لن ننسى أن نؤكد أن أولئك وهؤلاء ظلوا يتقاسمون مخرجات آبار النفط مع شريكهم الاستراتيجي بشار الأسد الخائن والعميل .

إن المطلوب أولا أن يدرك كل السوريين السوريين الذين يشتركون اليوم في الجوع والفقر والحاجة أن عملية إحراق المحاصيل هي جزء من جريمة حرب منظمة يقوم عليها مثلث الجريمة في سورية ( الروسي والأمريكي الإيراني ) و ينفذها أدواتهم من المثلث المتناظر : الأسدي - الداعشي - والقسدي .

والمطلوب أيضا أن نعترف جميعا ولاسيما صناع القرار منا ، أن تكرار عبارات ندين ونستنكر ونشجب أصبحت من اللغو الباطل الذي لا جدوى منه . وأن التلطي خلف مؤسسات الأمم المتحدة والقانون الدولي أصبح جزء من الجريمة نفسها . وأنه قد أصبح لواقع الحال في سورية ألف لسان ، ينطق كل لسان بألف لغة يخاطب هؤلاء الممسكين بعقدة القرار ، ومفاصل الموقف : إما اعتدلتم وإما اعتزلتم .

الثورة السورية : قدرنا ولم تعد خيارنا . نثور أو نموت . نثور فننتصر أو نمضي على درب الشهادة . أو نسترسل مع الدولي والإقليمي والأسدي فنموت ذلة ومهانة أو ندفن تحت أنقاض قصف الروس ونفايات الأمريكيين في مغارات الجوع التي أصبحت تترصدنا ..

الثورة ثقافة . والثورة موقف . والثورة استراتيجية . والاستراتيجية علم . والعلم تحمله الإرادة . وعنوان الإرادة :

وإمساكي على المكروه نفسي .. وضربي هامة البطل المشيح

وقولي كلما جشأت وجاشت .. مكانك تحمدي أو تستريحي

تقدموا بنا فنحن من ورائكم أو افسحوا الطريق لمن يريد أن يتقدم واحذروا أن تكونوا العثرة في طريق الصادقين ..

وإن سوريا لم يغضب لحبة القمح تحرق عاق لا يغضب لأمه أن تهان ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الصراع على رمزية عبد الباسط الساروت

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 13/6/2019

لم يكن مصرع عبد الباسط المأساوي مفاجئاً لأحد. فهذه هي الخاتمة المنطقية التي مضى إليها بتبصر وعناد منذ بداية الثورة. لم يكن بحاجة إلى أوهام إيديولوجية أو تحليلات سياسية أو توقعات مستقبلية ليدرك أن حربه غير المتكافئة مع الوحوش لا بد أن تنتهي بالاستشهاد الذي تمناه.

فقد كانت خيارات أخرى كثيرة أمامه، أبسطها الخروج من سوريا الميئوس منها، كما فعل كثيرون منا، وكانت مساهماته المكشوفة في الثورة كفيلة بأن تفتح له أبواباً لحياة مريحة في المنافي. لكنه لم يفعل. كانت لديه مهمة، وضعها بنفسه لنفسه، هي العمل، بكل ما يتاح له من وسائل، على محاربة النظام الساقط. وهي مهمة مستحيلة في الشروط التي وجد الساروت نفسه فيها، فكان الموت أمامه، بانتظاره في أي لحظة.

سيرة الساروت ملحمية بذاتها، وليست بحاجة إلى نسج أي أساطير مختلقة لتخليدها في رمز. هي سيرة الشاب المفعم بالعنفوان، البسيط، النقي، غير المفتقر إلى لحظات ضعف بشري، ولا إلى أخطاء بشرية، يعرف ما يريد، بلا تعقيدات أو لف ودوران، يعيش الشروط الفظيعة التي يجد نفسه فيها بصبر وثبات، لا يؤجر بندقيته لجهة كما فعل كثيرون، ولا تراوده أوهام عن حل سياسي يعرف أن الوحش القابع في دمشق لا يمكن أن يجنح نحوه، وبخاصة أن «الحل السياسي» المزعوم تتولى إدارة اللعب به دولة المحتل الروسي.

كذلك هي سيرة شاب مفجوع بمقتل أفراد أسرته وتدمير مدينته وحيه على يد وحش دمشق، ولم تحطمه المآسي، فمضى بثبات نحو ما يؤمن به: الموت البطولي.

على رغم اجتماع كل هذه العناصر المهمة بذاتها لصنع رمز وطني، يبقى الأهم هو هذا الإجماع الذي حظي به، حياً وميتاً، وخاصة بعد استشهاده. إجماع قلت سوابقه، يذكرنا برمز آخر صنعه مصرعه، هو الشهيد مشعل تمو الذي اغتالته يد الغدر في خريف 2011، عشية سفره إلى الخارج. يمكننا القول، من هذا المنظور، إن مشعلاً نجا من الاحتراق السياسي الذي سبقه إليه كثير من المعارضين. صحيح أننا لا يمكن أن نعرف شيئاً عن المصير المحتمل لمشعل، لو أنه نجح في الهروب وواصل نشاطه المعارض من خارج الحدود، لكن سوابق الآخرين تضعنا أمام أحد احتمالين: فإما الغوص في السياسة في أطر المعارضة التي رأينا مصائرها المؤسفة، أو النأي بالنفس عن أوساخ السياسة، ليصبح محكوماً بالشلل والنسيان. الاختيار بين المصيرين متاح لكل شخص، وهو يتحدد بأخلاقيات الشخص أكثر مما بفهمه للسياسة والعمل السياسي.

سيرة الساروت ملحمية بذاتها وليست بحاجة إلى نسج أي أساطير مختلقة لتخليدها في رمز

نجا مشعل، إذن، من هذا المصير، وإن كان الثمن حياته بالذات. باستشهاده تحول مشعل إلى رمز للثورة السورية، فرفعت صوره في مظاهرات معظم المدن السورية، وشهد تشييعه سيلاً بشرياً جارفاً على رغم ضآلة حجم الحركة السياسية التي أسسها وقادها. ربما كان تياره هو الأصغر حجماً بين القوى السياسية الكردية، في حين بات مشعل، بعد استشهاده، بحجم سوريا.

تكرر ذلك، للمرة الثانية، في لحظة استشهاد عبد الباسط، فاستطاع أن يجمع السوريين من مختلف ألوان الطيف الوطني لسوريا ما بعد الأسد. يمكن إيراد الكثير من نقاط الاختلاف بين الشهيدين الرمزين، لكن الفارق الأهم يكمن في السياق التاريخي لاستشهاد كل منهما. فقد استشهد مشعل في زمن صعود الثورة، في حين استشهد عبد الباسط في زمن انحسارها. ولهذا الفارق معنى: ففي لحظة مشعل لم يكن السوريون بحاجة ماسة إلى رمز يمثل ثورتهم، لكن الاغتيال الخسيس الذي تعرض له، إضافة إلى الخيارات السياسية للرجل، خلقت من حوله إجماعاً وطنياً كبيراً. أما اليوم، بعد الحصيلة المهولة لاغتيال سوريا المديد، وفي زمن «المصالحات»، والاستسلام، وحالات العودة إلى حضن النظام، وتواطؤ المجتمع الدولي ضد تطلعاتهم في الحرية والعدالة والكرامة، وضياع البوصلة السياسية لدى أطر المعارضة، فقد بات السوريون بحاجة ماسة إلى رمز يلخص سيرة ثورتهم وتطلعاتها ومصيرها، فكان عبد الباسط خير من يمثل هذا الرمز.

اللافت في أمر استشهاد الساروت أن «سوريي» الضفة الأخرى، أعني سوريي الأسد المكشوفين والمموهين، قد اهتموا أيضاً بهذا الحدث، وإن بصورة سلبية بالطبع، أكثر من اهتمامهم بأي حدث مشابه. هناك تجنيد أو تطوع واسع النطاق لكسر أي رمزية محتملة قد تصنع حول الشهيد. لقد وصل الأمر حد حملات تبليغ مكثفة لحذف بوستات فيسبوكية تتحدث بصورة إيجابية عن الساروت، بوستات عادية لا تنطوي على أي إيحاءات تدعو للكراهية أو التحريض على العنف أو غيرها من المضامين التي تستوجب الحذف. وبدلاً من التجاهل الذي هو السلوك المعقول والمفهوم، لجأت «الموالاة» إذا صحت هذه التسمية، إلى الحرب النشطة ضد رمزية الساروت، فهوجم من أعلنوا مواقف إيجابية من الشهيد، بأكثر مما هوجم هو نفسه.

لقد تحول عبد الباسط إلى رمز، بهذا الإجماع الكبير الذي حظي به. وقد يمكن تفسير هذا الإجماع لدى السوريين الذين اشتهروا بعمق خلافاتهم، بحاجتهم إلى الرمز، في هذا الظرف من شعور طاغ بالخسارة، مقابل شعور الطرف الآخر بأنه «منتصر». فوجدت هذه الحاجة ضالتها في الشاب الذي أحببناه جميعاً بأغنياته الثورية وقيادته للمظاهرات السلمية في حمص ومسيرته المأسوية بعد الخروج منها.

الصراع على رمزية الساروت هو، في حقيقته، صراع رمزي على سوريا ومصيرها.

كاتب سوري

===========================
لا مكان للساروت في قواميسكم

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 12-6-2019

كحارسٍ محترفٍ لها، آمن بالثورة في بلاده سورية. أغواه جمالها وجمالياتها، فحازت على قلبه، وأصبحت رئتيه اللتين يتنفس بهما. عشقها بوجدِ الولهان، وغنّى لها، وخَطبَ بأهلها. لم يترك مناسبةً إلّا وكان في مقدمة نشاطاتها، واحتفالاتها. لم يكن قبلها (العام 2011) يتقن الصلاة؛ الألم والحصار والجوع والاعتقال والموت تستدعي الله والأنبياء، حينها تعلّمَ بعض أصول الدين وصلى لرب العباد، ليجد للبلاد خلاصاً من الأهوال التي بدأت معالمها بالظهور. لم تكن نصرةُ الدين هدفه، ولن تكون، فلهذه الغاية أصحابها وأهلها وتجّارها ومجانينها؛ كان يبتغي مؤازرة مدينة درعا، والإفراج عن المعتقلين، والاعتراف بالحريات، وإيقاف الفساد وكل أشكال التطييف. رَغِبَ ابن الثامنة عشرة بإصلاحٍ يُجنب البلاد المآسي التي صارت إليها، ولكنّ هذا الإصلاح لم يأتِ. بعدها تكثف القتل الهمجي، والذي كان سبباً في الانتقال من الإصلاح إلى الإسقاط. 

أحبَّ عبد الباسط الساروت سورية "جنّة جنّة جنّة"، ليس لنفسه أو لطائفته، بل أحبّها من أجل كل السوريين؛ فهو ابن حمص، حيث التعدديّة بكل أشكالها، مسيحيين وعلويين وسنّة، بدوا ومدنيين، عربا وتركمان وشركسيين، سفورا ومحجبين، شيوعيين وبعثيين وإخوانا... وفي الثورة تَشاركَ تأييده لها، وانخراطاً فيها، مع باسل شحادة وفدوى سليمان، وآخرين كثر، ومن كل الانتماءات. قوبل حبّه ذاك بمزيدٍ من القمع والقتل والمجازر والدمار والحصار والتطييف وتقسيم حمص على أساسٍ طائفي! 

رفض النظام الاعتراف به وبالثورة، وغرقت أغلبية قيادات المعارضات بالفساد، وبترتيب

"لم تُقنع الساروت إلا أهداف الثورة الشعبية كما ملايين السوريين، ولم يسعَ إلّا من أجل تحقيق أهدافها"  علاقاتٍ تصبح عبرها أداةً للدول، وتنفذ سياساتها وتَحمِلها على طبقٍ من ذهب إلى السلطة. ليس الساروت سياسياً، ولم تمدّ له يدُ المساعدة؛ حُوصر وجاع وأكل أوراق الشجر، ونحف. ولكنه لم يُصالح، ورفض كل عروض الإغراء، وأصبح من المطلوبين للنظام وبكل السبل، قتلاً أو أسراً، وخُصص لمن يقتله مال، وداهنه بتسويةٍ تُعطيه امتيازاتٍ كُبرى؛ لم يقبل الحارس، ولم يداعبه حلم العودة إلى الطاعة وأيّة طاعة أخرى. 

حوصر عبد الباسط الساروت في حمص، وحاول الصمود بكل السبل. ويقول الموالي والمعارض إن الأحياء التي أصبح يحكمها مع آخرين لم تتعرض للسرقة والنهب والتعفيش؛ إطلاقا ومطلقاً، فقط أخذوا الطعام والوقود، أي ما يقيهم من الموت جوعا أو برداً. هذا يوضح الأخلاق التي يستند إليها الرجل، والحلم الذي يسعى إليه، فهو لم يكن إلّا ثوريّاً، وفعل كل ما يستطيع للوصول إلى غايته. قُتل أهلُه، وأصيب أكثر من مرّة وقُتل رفاقه. وحينما غادروا مدينته، خرجوا بأسلحتهم الفردية، ومن لم يمت من أهلٍ ظلّوا مع أولادهم المقاتلين. وبعزيمة العودة إلى حمص؛ لم يغادر ذلك الحلم، وظلَّ يجول في فؤاده، وكأنّه حبيبته السرية، ولكنها المعلنة أيضاً، فتطابق في وجدانه السر والعلن، ومات وهو يسعى إلى هدفه. كان في وسع الساروت استثمار أنه رياضي، ومغنٍّ، ولديه حقيقة وأسطورة الحصار والصمود، واستشهاد كثيرين من عائلته؛ أبى إلّا العودة إلى ميادين القتال. من هنا، يمكن أن نفهم أسطورته، والحب الذي كان له قبل الاستشهاد وبعده. 

حاولتُ تقصّي حكاية الجهادية، والأقوال التي نسبته تارةً إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتارةً إلى جبهة النصرة، وتبيّن أنّه لم ينضوِ يوماً تحت أيّ من رايتيهما، بل ولوحق وحوصر منهما، واضطر بسبب ذلك للهرب إلى تركيا، ثم عاد إلى وطنه؛ فهو لم يجد مبرّراً للبقاء في الخارج. وحالما عاد حاكمته جبهة النصرة، ثم أسقطت الاتهامات ضده؛ هذه هي القصة أيها المنافقون. حينما اقترب من "داعش"، لم ينضوِ فيها، وتمَّ ذلك لأن كل سبل المساعدة أغلقت في وجهه ولأسباب أخرى. وحالما تبيّن له أن "داعش" فصيل لقتل الثوار، ابتعد عنه، وكذلك فعل مع جبهة النصرة. نعم، لم يقبل الرجل تلويث دمه وسيرة الثورة، وعاد إلى القتال، وبأسوأ الشروط. 

الساروت هذا أيقونة. نعم، فهو يمتلك كل أسباب الحياة، ويرفضها من أجل الانتصار لقضيته،  

"حاولتُ تقصّي حكاية الجهادية، والأقوال التي نسبته تارةً إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتارةً إلى جبهة النصرة، وتبيّن أنّه لم ينضوِ يوماً تحت أيّ من رايتيهما" ويعلم أن ذلك قد يُفقده الحياة؛ ذلك الفناء الذي سبقه إليه أهله ورفاقه، وما خانهم، وما صالح وما صار سلفيّاً أو جهاديّاً؛ إمّا أن تفهم الأمر كذلك، أو أنت تبتغي الصيد القذر، وليس العكر فقط. تتحدّد قيمة الإنسان في أفعاله. والفعل يجمع القول والعمل. لم يبتدع الرجل أمراً ليس فيه، وأسطورته شكلتها أفعاله، وتمايزه عن سواه ومعهم، والسؤال: ألا تستحق الجلجلة السورية أنبياء وملائكة وأيقونات؟ المقاييس التي تمجّده كإلهٍ ليست صحيحة، والتي تشيطنه ليست صحيحة، والتي تُخرجه من جنة قواميس الثورات المتخيلة أيضاً ليست صحيحة. الحقيقة أنّه ابن مدينة حمص العديّة، خاض كل معاركها، ورَهنَ حياته للقضية التي وجدها مُحقة، وهو بذلك انسجم مع ذاته ومع الشعب، كما قال هو، والتزم بذلك. 

إن كان من مدانٍ، بكل مالآت سورية، فهو النظام أولاً، والمعارضة بكل تنويعاتها ثانياً، والدول الخارجية ثالثاً، وبالتأكيد التنظيمات الجهادية، والتي ليست أكثر من أدواتٍ سياسيةٍ لصالح الدول، ويقودها جهاديون منفصلون عن العصر، ويبتغون إعادة الزمن إلى لخلف، وهذا غير ممكن. أمثال الساروت كانوا مجانين بالمعنى الثوري فقط؛ سعوا من أجل الثورة واستشهدوا من أجلها؛ هو ورفاقه، وكثيرون لا يعرفونه، ولا يعرفهم، وفي كل المدن السورية. 

لنتأمل المشهد: لو أن النظام اعترف بسلميّة الثورة في الأشهر الأولى وأفرج عن الحريات والديمقراطية، وحاسب الفاسدين؛ هل كان سيحصل في سورية ما حدث؟ هل كان الجيش سينشقّ، وتُدمر البلدات والمدن، ويُقتل نحو مليون سوري، ويُهجر ملايين آخرون، ويصبح السوريون لاجئين بالملايين! هنا أس كل الحكايا، ولهذا يصبح نقد سيرورة الساروت معدومة الموضوع، وكلاما خارج السياق، والأنكى أن الأمر كلّه كذبٌ بكذب. 

لم تُقنع الساروت إلا أهداف الثورة الشعبية كما ملايين السوريين، ولم يسعَ إلّا من أجل تحقيق أهدافها. ومن هنا تشارك مع فدوى سليمان وباسل شحادة وغيرهما. ومن هنا مناشدته كل أهالي سورية، ومهما كانت مذاهبهم، للانخراط بالثورة التي كان حارساً لها، وأبى إلّا أن يستشهد من أجل حلمه بانتصارها يوماً ما. وفي سياق ذلك، حارب النظام وقاتل الجهاديين، وظل ينسج أسطورته، ويتمايز. وبالتالي من الخطأ تشبيهه بسواه، إنّه يُشبه ذاته فقط. وفي هذا، يتمايز عن أيقونات الثورة، فلكلٍّ منها تمايزها، وفي تمايزاتها تتكامل العزائم وتتأسطر وتشدّ.

===========================

"العسكرتاريا" العربية باقية وتتمدّد

 عبد اللطيف السعدون

العربي الجديد

الاربعاء 12-6-2019

إذا كان الاعتراف بالخطأ فضيلة، فإن على العراقيين أن يعترفوا بأنهم أول من شرعن "الانقلاب العسكري" طريقاً للتغيير في العالم العربي، وأول من تورّط في ارتكاب الخطيئة الكبرى في مواجهة أنظمة الحكم المدنية، وبعضهم كان أول من صفّق لضابط يضع النياشين على صدره، طارحاً نفسه مدافعاً عن حقوق الشعب، على خلفية أن حكومة بلاده لم تعد تهتم بمصالح المواطنين ورفاههم.

كان ذلك قبل ثمانين عاماً، عندما ألقت الطائرات التي سيّرها الفريق بكر صدقي على سكان بغداد بيانه الأول باعتباره "قائد القوة الوطنية الإصلاحية"، داعياً "أبناء الشعب المخلصين" إلى مؤازرته في مطالبته الملك غازي بإقالة حكومة ياسين الهاشمي، وإسنادها إلى مرشح الجيش حكمت سليمان، وقرن ذلك بإبلاغ الملك أن عدم الاستجابة لمطلبه سيدفعه إلى تنفيذ ما يريده بقوة السلاح. وعندما انفجرت أول قنبلة في بغداد، أمسك الملك بالقلم، ليطلب من الهاشمي الاستقالة، ومن سليمان تشكيل حكومة جديدة، وليعين الضابط المتمرّد رئيسا لأركان الجيش الذي سرعان ما انفتحت شهيته على السلطة، ولم يكتف بالمهام والصلاحيات التي يوفّرها له منصبه فقط، بل اتخذ لنفسه موقع "الرجل الأول"، وأخذ يطرح الإجراءات التي يفرضها في غير مرفق وميدان، حتى أصبح لما يقوله قوة القانون، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ تعرّض للاغتيال على أيدي خصومه، بعد عام واحد فقط على توليه المسؤولية.

تلك كانت الحكاية التي حفظها التاريخ عن ولادة التدخل المباشر للعسكرتاريا العربية في شؤون السياسة وإدارة البلاد. وفي الوسع هنا أن نرى كيف تعلم العرب الآخرون منها. العسكريون السوريون انتقلت إليهم العدوى بعد عشر سنوات، إذ قاد رئيس الأركان، حسني الزعيم، تحرّكا عسكريا على وقع الأزمة الحكومية التي عانت منها سورية بعد النكبة الفلسطينية. وكشف مايلز كوبلاند في مذكراته "لعبة الأمم" أن الزعيم لم يكن في وارد القيام بانقلاب، إنما "المخابرات 

"العسكريون السوريون انتقلت إليهم العدوى بعد عشر سنوات، مع انقلاب حسني الزعيم عام 1949"  المركزية" هي التي حرّضته على ذلك، ووضعت له خطة الانقلاب بالكامل، وبعد أقلّ من عام، سقط الزعيم صريعا ضحية انقلابٍ آخر، قاده أحد مساعديه، ثم توالت الانقلابات على النحو المعروف. 

وفي مصر، تحقق صعود "العسكرتاريا" إلى السلطة على خلفية هزيمة الجيوش العربية في فلسطين، إذ تحرك جمال عبد الناصر وجماعته في تنظيم الضباط الأحرار، وقبض على السلطة في لحظةٍ دراماتيكية فارقة، شارعا في تحقيق انعطافة تاريخية، حقق من خلالها لشعب مصر مكاسب كثيرة، وأعاد لها عروبتها، كما وجد العرب في المحافل الدولية، من خلال مصر، شخصيتهم التي افتقدوها زمانا، لكن تلك "الانعطافة" الثورية أخفقت في إرساء دعائم دولة ديمقراطية مدنية، توفر لمنجزاتها الاستمرار والنمو. واستغلت العسكرتاريا "عقب أخيل" هذا، بعد رحيل عبد الناصر، لتتوغل في المجتمع، وترهن مؤسسات الدولة لصالحها. 

وفي ليبيا، أراد العقيد معمر القذافي استنساخ تجربة عبد الناصر، ورأى في نفسه خليفته في العالم العربي، كما طرح نفسه "أمينا للقومية العربية"، وقد مارس نهجا دكتاتوريا صارما أزيد من أربعة عقود. وبعد رحيله، تصاعدت دوامة التنافس والصراع على إدارة البلاد على نحوٍ لم يحفظ لليبيا وحدتها، ولم يوفر لها القدرة بعد على إرساء معالم وضع داخلي مستقر. 

وفي الجزائر، أعطت حرب التحرير للعسكر "الشرعية" للاستحواذ على السلطة بعد الاستقلال، وقد تآكلت تلك "الشرعية" بمرور الزمن، وبفعل سلوك العساكر أنفسهم الذين أدمنوا تدبير الانقلابات في ما بينهم، وقد ظلت سيطرتهم على مقاليد القرار قائمة، وما يجري أمامنا اليوم من مشاهد الشد والجذب بين قيادة الجيش والحراك الشعبي يوحي أن القبضة العسكرية على البلاد لن تتراخى، إنما هي باقية وتشتد! 

وعساكر السودان هم أيضا مثل أقرانهم الآخرين، ركبوا الموجة، وقبضوا على السلطة معظم السنوات التي أعقبت الاستقلال. الوحيد الذي عرف حده، وأدرك قدره، هو الراحل عبد الرحمن سوار الذهب الذي تخلى عن السلطة باختياره، وانصرف إلى حاله مبكرا، محققا وعده بتسليم السلطة للمدنيين، لكن خلفاءه عادوا، هذه الأيام، يعضّون على كراسي الحكم بالنواجذ، ولم يقبلوا أية حلول، باستثناء بقائهم الدائم على الكراسي، حتى لو أدّى الأمر إلى سقوط مئات الضحايا! 

خلاصة الخلاصة أن العسكرتاريا العربية باقية وتتمدّد، وهي مستعدة لأن تشرع الأبواب أمام الغريب والقريب، من أجل أن يضمن لها سلطتها، ويحميها من غضبة شعوبها، ومن يعش ير.

===========================

السودان إذ يستنسخ الدرس الأسدي

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 12-6-2019

جاء تحذير تجمع المهنيين السودانيين المعارض من الانجرار إلى عسكرة الثورة، بعد قيام الجنجويد وقوات الأمن السودانية بترك الأسلحة والذخائر في أماكن التظاهر لجرّ المتظاهرين إلى مربع الثورة المضادة، وهو المربع الذي أتقنته تماماً، مما يُفرغ الثورة السودانية من شرعيتها التي قامت عليها، وهي ثورة سلمية، أقوى ما فيها هو سلميتها، وهو سلاح النظام السوداني الأضعف، كما غيره من الأنظمة الاستبدادية.

‏ وبموازاة هذا التكتيك -الذي نقلته أجهزة القمع السودانية من مؤسسي القمع العربي، وهو العصابة الأمنية في سوريا- سعت إلى تطبيق تكتيك آخر أسدي وهو التخلص من ضحاياها، لكنها هنا اختلفت عن السورية، فبدلاً من قيامها بشراء محارق خاصة للتخلص من جثث ضحاياها وإخفاء كل الأدلة على الجريمة وطمسها، فقد قامت برمي جثثهم في نهر النيل، لتثبت أنها أكثر غباءً من نظيرتها السورية، حيث فضحها النيل مع أول قذفة للضحايا على الضفة الأخرى، ليكتشف العالم كله جريمتها وغباءها.

‏ ليس هناك حل لدى الاستبداد سوى أن يرى كل الخطوط معوجة كما هو، وأكثر ما يقلقه هو أن يرى خطاً مستقيماً يفضح خطوطه المعوجة، فجرّ الثورة السلمية في السودان إلى العسكرة يجعل الخصم يشبهه، والتحدي أمام الخصم اليوم هو أن يقول له قولاً ويمارس ذلك عملاً؛ إننا لا نشبهك ولا تشبهنا، ولذا لم يجد ورثة البشير اليوم شيئاً يستطيعون استنساخه من النظام الأسدي في سوريا، أكثر من جرّ الثورة إلى مربع الثورة المسلحة، ثم تحميلها كل خطاياه وأوزاره، وهو الذي يملك شبكة علاقات دولية عميقة تكره أكثر ما تكره السلمية والديمقراطية وحق الشعوب في نيل حريتها وكرامتها، وهو ما أكدته للمرة الألف كل تجارب الربيع العربي وثوراته على مدى العقد الماضي تقريباً.

‏ يخطئ حكام السودان مرات عدة إن ظنوا أن بمقدورهم التلاعب بالثورة السودانية، كما حصل في الثورة السورية، فالأوضاع بين البلدين مختلفة ومتباينة تماماً، وهذا التباين بالطبع لصالح الثورة السلمية والمتظاهرين، وليس في صالح الاستبداد والمجلس العسكري، إن كان على صعيد الحكام المستبدين، أو على صعيد المحكومين، فحكام السودان لا ينحدرون من نظام طائفي مستبد مغلق ومصمت تعود تجربته في الحكم لحوالي نصف قرن كما هو في سوريا، فهم يفتقرون إلى عمق الدولة، كما هو في سوريا ومصر وغيرهما، فليس لديهم عصبية حزبية، ولا عصبية طائفية، أما على صعيد المحكومين، فالسودان يتمتع بطبقة حزبية حكمت ديمقراطياً وتداولياً بالسلطة لسنوات، وهذه الأحزاب أعرق من المؤسسة العسكرية والأمنية ، إن كان على صعيد العلاقات السودانية، أو على صعيد العلاقات العربية والدولية، فضلاً عن تجربة سودانية عريقة -ولعلها الوحيدة في العالم العربي- بنجاحها بثورتين سلميتين أقالت أنظمة استبدادية، مما خوّلها امتلاك تجربة تاريخية ناجحة في اقتلاع الاستبداد سلمياً، وهو ما يخيف ويقلق المجلس العسكري السوداني وداعميه من معسكر الثورات المضادة.

===========================


كيف تحولت سوريا إلى سوريا الأسد

فراس علاوي

حرية برس

الثلاثاء 11/6/2019

في العاشر من شهر حزيران عام 2000، كانت سوريا السياسة تقف على حافة الهاوية، لحظات ومواقف كانت تفصل بين استمرار سوريا الأسد أو عودة سوريا إلى حضنها وعمقها العربي والإقليمي.

في هذا اليوم الذي توفي فيه حافظ الأسد، الدكتاتور الذي تحول في مخيلة البعض إلى نصف إله، كان لا بد لمن قامت على كاهلهم أساسات مزرعة بيت الأسد أن يكملوا ماقاموا به، فعاجلوا بتنصيب الوريث الذي أُعِدَّ على عجل بعد مقتل أخيه، الذي كان يُعد لهذه المهمة وبذلك يكون قد استمر في خط سوريا الأسد والتي اتخذت عنواناً عريضاً لها تمت ترجمته بوضوح فيما بعد “الأسد أو نحرق البلد”.

منذ وصوله إلى السلطة كان الهدف الأول لحافظ الأسد، المعروف بقدرته على حياكة المؤامرات والتوازنات داخل المنظومة العسكرية والسياسية السورية، احتكار السلطة وإمساك زمامها بيده وحده والإبقاء على دائرة مقربة تابعة له تنفذ أفكاره وتوجيهاته من دون أي اعتراض، وفي سبيل ذلك مارس نوعاً من الاصطفاء بدأ بالتخلص من الدائرة المقربة منه التي ساهمت في إيصاله إلى الحكم، ومن ثم مسلسل التجريب الذي أعقب 5 وزارات وتشكيل عدد من الفروع الأمنية حتى ثبّت حكمه بالأشخاص الأكثر ولاءاً له.

إتبع حافظ الأسد خطاً بيانياً متصاعداً لإحكام قبضته على البلاد وتحويلها إلى مؤسسة تحمل اسمه، ومزرعة يسيطر عليها وتدر عليه المكاسب السياسية والاقتصادية، لذلك لجأ إلى إجراءات لإقناع الشعب بداية ومن ثم للسيطرة عليه بعد ذلك.

بداية كان لا بد من إظهار حافظ الأسد وكأنه القائد المخلص الذي ظهر من بين الجماهير لإحياء الأمة وإشعال جذوة النضال، ولم يكن إيجاد عدو خارجي بالأمر الصعب؛ فالوجود الإسرائيلي في الجولان وفلسطين هو استثمار كبير في مشاعر الجماهير، وهو في الوقت ذاته محو لصورة هزيمة حزيران الملتصقة به، فخاض حرباً عبثية ضده في تشرين 1973.

ولتمكين حكمه كان لا بد من إحكام قبضته على البلد أمنياً؛ لذلك كان لا بد من إختراع عدو داخلي يكون الذريعة وحصان طروادة للوصول إلى القبضة الأمنية، فكانت أحداث حماة وما تلاها من سلسلة اعتقالات طالت جميع مناوئي نظامه مهما كانت صفاتهم السياسية والاجتماعية بذريعة الانتماء إلى جماعة الإخوان، وهو ما يفسر وجود الماركسيين واليساريين بمختلف انتماءاتهم وحتى المعارضين من أديان أخرى بذريعة أنهم من المخربين الإسلاميين.

المرحلة التي تلت تمكين الحل الأمني والسيطرة المطلقة على البلاد كانت بالتحول من زعيم ومنقذ إلى نصف إله يحارب الشر مهما كان قريباً منه، فكانت خطوته بإبعاد أخيه رفعت الطامع بالحكم والوجه القبيح لشكل الحكم فترة السبعينات ليظهر حافظ الاسد مجدداً ناصع البياض فارغ الخطايا ولتبدأ مرحلة تحويل سوريا إلى جمهوية ملكية كل مافيها ملك لحافظ الاسد وعائلته وهي مرحلة الأسدية أو سوريا الأسد.

حيث تحول النفط المكتشف حديثاً ليده الأمينة وبدأت آثار تغيير اقتصادي يصب في خدمة العائلة لتتضخم أملاك العائلة وتبدأ ملامح الثراء تظهر وتمتلئ البنوك بحسابات أبنائها، في وقت كان يعيش فيه المواطن السوري حالة من الحصار الاقتصادي جعلت الحصول على لقمة الخبز معركة بحد ذاتها تلهيه عن ممارسات السلطة وتوسعها وإحكام قبضتها على البلاد.

استخدم حافظ الأسد الإعلام بصورة جيدة مدعوماً برجال دين استخلصهم بعد أن ضرب التيارات الدينية ببعضها، ما جعلها تفقد قدرتها على التأثير في المجتمع وهو ما فعله في البنية الاجتماعية السورية حين اخترقها وأدار الصراعات بينها ليبقي على شخصيات هامشية تدين بالولاء له وتتمسك ببقائه من أجل بقاء مصالحها وامتيازاتها، سواء المشيخة الدينية أو المشيخة العشائرية ووجهاء الأسر الكبرى والشخصيات البرجوازية التي قضى عليها وقضم الطبقة الوسطى ليمسك بمقدرات البلاد مع دائرة تدين بالولاء له وتنتهي خيوط سلطتها في يده، فيما تحول باقي المجتمع إلى باحث عن لقمة العيش بعيداً عن أي تجاذبات سياسية.

ولإكمال صورة نصف الإله كان لابد من أساطير يبثها الإعلام الموالي وكلمات كبرى وجمل غير مفهومة انتزعت من سياقها لتصبح “عناوين مرحلة”، امتازت بتعبئة الشعب في منظمات تبدأ من مرحلة الطفولة ولا تنتهي حتى الموت؛ جميعها تصب في أدلجة المجتمع وفكرة القائد الخالد الذي صنعته آلته الإعلامية، ولتثبيتها كان لا بد من أن يظهر القائد الخالد في جميع الأمكنة ليبقى ساكناً ذاكرتهم، فانتشرت تماثيله وصوره في كل مكان وأطلق اسمه على كل ما يمكن تسميته ليقترن بكل شيء في وطنهم؛ فلعلاج أمراضهم يزورون مشفى الأسد ولتنمية أفكارهم لا بد من مكتبة الأسد ومَعارض الاسد، ولعبادتهم لا بد من معاهد ومساجد الأسد وشوارع وأكشاك وملاعب الأسد، حتى ارتبط اسمه بكل زاوية وتفصيل في الوطن.

ولتمكين السيطرة ومع إحساس حافظ الاسد بأنه يحتاج إلى من يرث هذه التركة، كان لا بد من إعداد وريث قادر على إكمال مابدأه فكان إعداد “الباسل” الذي سرعان ماظهر اسمه إلى جانب اسم العائلة لتتحول بعض الأمكنة إلى ماركة مسجلة باسمه، حيث حاولت أجهزة إعلام السلطة تصويره على أنه الملاك الحارس لمنجزات الأب، لكن هذا الملاك سرعان ماتهاوى في غمرة الصراع على مكتسبات السلطة، ما اقتضى إيجاد بديل جديد لم يكن يملك قدرة سابقيه على الحفاظ على مكتسبات العائلة، فتحول إلى نيرون بدأ بإحراق البلد ليصل إلى أصابعه ويدمر المزرعة التي طالما تبجحت أسرته بامتلاكها، محققاً شعارها الذي وضعته نصب أعينها: “الأسد أو نحرق البلد”!

===========================


الوضع السوري والأدوار الوظيفية الدولية والإقليمية

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 11/6/2019

ما تجاهله السوريون الثائرون على النظام الأسدي هو الدور الرئيس للعامل الإسرائيلي في تحديد هوية ووظيفة وهامش التحرّك لأي نظام حكم، وسيحكم، بلادهم في ظل موازين القوة الحالية والحسابات والاحتمالات المستقبلية المبنية عليه. هذا على الرغم من إدراك النخب السورية لاستحالة إجراء تغيير نوعي لطبيعة الحكم في سورية بموجب الإرادات الدولية من دون الموافقة الأكيدة، الصريحة أو الضمنية من الجانب الإسرائيلي الذي يعتبر الساحة السورية جزءاً من مجاله الأمني الحيوي الخاص، وبالتالي هو يعتبر نفسه، وبالتفاهم مع الحليف العضوي الأميركي، صاحب القرار بالتدخل، أنّى ومتى وكيفما وحيثما شاء.

وهكذا، غدا العامل الإسرائيلي في الحالة السورية من الموضوعات الحسّاسة التي يبنغي السكوت عنها، سواء بالسلب أم الإيجاب داخل أوساط المعارضة، فمن ناحيةٍ هو إدراك بصعوبة التغيير من دون القبول الإسرائيلي. ومن ناحية أخرى، هي الالتزامات الوطنية، والاعتبارات النفسية والعاطفية؛ ولكن الأهم من هذا وذاك عدم وجود قيادة قوية تحظى بشعبية كبيرة، ومصداقية لا يشكّك فيها، كان في مقدورها اتخاذ القرارات الصعبة، والدخول في تفاهماتٍ مع الجهات الدولية المعنية. هذا في حين أن النظام أبدى، منذ الأيام الأولى للثورة، استعداده للاستمرار في دوره السابق، المبني على التفاهمات مع إسرائيل، بل كان مستعداً للدخول في صفقةٍ جديدة، وبشروطٍ جديدة، وعلى حساب المصلحة الوطنية السورية بطبيعة الحال، مقابل بقائه في السلطة.

ونحن إذا عدنا بالذاكرة قليلاً، وتوقفنا عند جملة مقدّمات وخطوات، كانت تبدو متنافرة

"النظام أبدى، منذ الأيام الأولى للثورة، استعداده للاستمرار في التفاهمات مع إسرائيل" ومتعارضة في مناخات التفاؤل والقراءات الرغبوية، وظروف الانشغال، وعدم وجود التنظيم المتماسك، وغياب القيادة القادرة على التوجيه، ووضع استراتيجية وطنية، والالتزام بها، كل ذلك أدّى، في أحيانٍ كثيرة، إلى عملية غض الأنظار عن التدخلات الكبرى التي كانت على جميع المستويات، وفي أدقّ التفاصيل، حتى بما في ذلك التي كانت تخص الأوضاع والمجالس المحلية، إلا أن الذي تبين لاحقاً أن المقدمات المعنية كانت متكاملةً من جهة الوظائف والأهداف، الأمر الذي يؤكد وجود خطة استراتيجية تم التوافق على خطوطها العامة على الأرجح، وما زالت ملامحها وأبعادها تظهر تباعاً، فاتهام المتظاهرين، منذ اليوم الأول، بالإرهاب والأسلمة لم يكن اعتباطاً. وفرض العسكرة على الثورة لم يكن مصادفة. كما أن الإصرار على إبعاد المكونات السورية خارج نطاق المكون العربي السني عن الثورة لم يكن جزافاً. وإطلاق سراح المتشدّدين من الإسلاميين من السجون، سيما من سجن صيدنايا، لم يكن قطعاً بغرض إبداء حسن النية من النظام. وعمليات تسهيل إرسال السلاح غير النوعي إلى الداخل السوري لم تكن من أجل سواد عيون الثائرين على النظام. والقرار الحازم الصارم أميركياً بمنع إدخال السلاح المضاد للطيران، ولا بأي شكل أو بأيٍّ من آليات الضبط والتحكم والتيقن من هوية الجهة المستخدمة وغرضها، ما زال يثير ألف سؤال وسؤال.

كما أن غض النظر عن استخدام النظام كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك الكيميائية والصواريخ

"إبعاد المكونات السورية خارج نطاق المكون العربي السني عن الثورة لم يكن جزافاً"  الباليستية، وبراميل البارود، واستمرار النظام في ذلك نحو خمسة أعوام متتالية؛ ذلك كله لا يندرج في دائرة الصدف المتزامنة. هذا في الوقت الذي أثار، ويثير، أسئلةً وملاحظاتٍ كثيرة ظهور "داعش" الهوليوودي، وتحرّكاته الاستعراضية بناقلات جنده ومدرعاته، وصهاريجه، تحت مرأى ومسمع أحدث أجهزة الرادار والتنصت والأقمار الصناعية المتعدّدة الجنسيات.

من جهة ثانية، كان دخول مليشيات حزب العمال الكردستاني في وضح النهار إلى المناطق الكردية بموجب اتفاقية تسليم واستلام مع النظام، وبناءً على موافقات القوى الدولية والإقليمية المعنية؛ ومن ثم دخول مليشيات حزب الله بذريعة حماية المزارات والمراقد المقدسة، بناء على طلب النظام، وبالتنسيق الكامل معه. ومن ثم دخول المليشيات العراقية والأفغانية والقيادات والقوات العسكرية والأمنية الإيرانية، والصمت الإسرائيلي والأميركي والروسي عن ذلك، على الرغم من التباينات المعلنة، ذلك كله لا يمكن فصله عما سبقه من خطوات، وما تبعه من نتائج.

وبعد إخفاق كل تلك الخطوات والإجراءات في إبعاد مخاطر السقوط عن النظام الذي كان يواجه غالبية السوريين على المساحة السورية الواسعة نسبياً (حوالي 185 ألف كم مربع)، كان القرار بدخول الروس بكامل عدتهم إلى الميدان. ولم يكن دخولهم بعيداً عن التفاهمات والتوافقات مع الجانبين، الأميركي والإسرائيلي. وكان ذلك بناءً على قواعد واضحة بالنسبة إلى الأطراف الثلاثة من جهة تمركز القوات، ومسارات الطيران، وحدود مناطق النفوذ، وصلاحيات كل طرف. وعلى الرغم من المناوشات والاختراقات التي كانت تحدث أحياناً هنا وهناك، كان الانطباع العام أن الأمور مبرمجة، مرتبة بطريقةٍ تؤكد تكامل الأدوار، على الرغم من تباين الإعلانات والمواقف.

ودخل الروس بقوتهم التدميرية الضاربة، واستعرضوا تكنولوجيتهم العسكرية وتباهوا بها، وعملوا، ويعملون، على إقناع دول المنطقة بشرائها في خطوةٍ تستهدف التغلغل إلى المناطق التي تعتبر مجالاً حيوياً للنفوذ والوجود الأميركيين، في رد على ما تُقدم عليه الولايات المتحدة من امتداد وانتشار في المناطق الاستراتيجية المحيطة بروسيا، مثل بولونيا وأوكرانيا وجورجيا وغيرها من المناطق، المحاذية أم القريبة من حدود الاتحاد الروسي.

لم يكن الروس يوماً بعيدين عن الوضع السوري الداخلي، فقد كانوا يمدّون النظام بالأسلحة، ويغطونه سياسيا، ولكن تدخلهم العسكري المباشر المفتوح كان في 30 سبتمبر/ أيلول 2015، بعد أن تبينت لهم صعوبة إنقاذ نظام بشار اعتماداً على المليشيات من الأذرع 

"تدخلت روسيا عسكرياً في سورية بعد أن تبين لها صعوبة إنقاذ نظام بشار اعتماداً على المليشيات من الأذرع الإيرانية والقوات الإيرانية نفسها" الإيرانية والقوات الإيرانية نفسها. وكان من الواضح أيضاً، منذ اليوم الأول، أن التدخل الروسي ما كان له أن يحصل، لولا التفاهم مع الأميركان والإسرائيليين الذين وجدوا في التدخل الروسي عاملاً مساعداً في إبعاد الوجود الإيراني القوي عن سورية، أو على الأقل تحييده، استعداداً لتفاهمات جديدة، تخص الوضع العراقي، ووضع الإقليم بصورة عامة، وربما على المستوى الدولي بصورة أعم. وبناء على ذلك، ليس مستبعدا أن يكون الوجود التركي، هو الآخر، بنداً على جدول أعمال اللقاءات الأمنية العسكرية الثلاثية، الأميركية الروسية والإسرائيلية. فقد تكون هناك صيغة من صيغ المقايضة يتوافق عليها الجانبان، الروسي والأميركي، لإخراج إيران من سورية، في مقابل إخراج الأتراك، والتفاهم على قواعد جديدة للعبة الشد والجذب في سياق إرهاصات الحرب الباردة الجديدة التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق، سواء في أوروبا أم أميركا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط، وحتى في أفريقيا، فلا يمكن عزل ما يجري راهنا في كل من السودان والجزائر وليبيا عن كل ما يجري في منطقتنا والعالم.

والملاحظ أن الاستراتيجية الروسية هي ذاتها منذ اليوم الأول للثورة السورية، وهي تتمحور حول الدعوة إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وترك مسألة الحكم لأبناء البلد، كما تفعل اليوم في الموضوع السوداني؛ وهي دعوةٌ تترافق من الجانب الروسي بالالتزام بدعم الأنظمة الاستبدادية، وتمكينها من الاستمرار عبر قمع المعارضين، بل أكدت روسيا، في المثال السوري، أنها على استعداد للتدخل السافر إذا ما لزم الأمر، على الرغم من كل حديثها البائس عن أهمية وضرورة عدم التدخل في شؤون البلدان والشعوب.

===========================

سورية الحرائق المستمرة

 هوازن خداج

جيرون

الاثنين 10/6/2019

السوريون وحدهم يعرفون حجم كوارثهم، ويدركون معنى الانتقال من أزمة إلى أخرى، وما يرافق ذلك من تداعيات تصبّ بمجملها عليهم، وإن كان آخرها نكبة الحرائق التي التهمت أملهم بمحصول وافر، حيث أخذ حرّ الصيف ما أعطاهم مطر الشتاء من بُشرى الخير، لكنها نكبة مضافة، فالسوريون يعرفون حدود الجوع والتجويع، ويدركون أن إضرام النيران أصعب من إخمادها.

إن كان للطبيعة شأنها في كوارثها وحرائقها، فإن المأساة تكمن في أن هذه الحرائق التي طالت قوت السوريين وأرزاقهم في أرياف الرقة ودير الزور والحسكة، وإدلب ودرعا والسويداء، لم تجد من يردعها. فالكل مشغول عن إخمادها بإشعال حرائق أخرى قلبت أحلام السوريين كوابيس منذ ثماني سنوات. القصة ليست بحريق من نتاج الطبيعة، بل بعجز الدولة السورية المتهالكة عن ضبطه أو مواجهة أي أزمة يعانيها السوريون من جهة، ومن جهة ثانية قدرتها هي وداعموها على استكمال الحرائق، فالسلطة أضرمت النيران في ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، قبل أن تُشعل محاصيل موسم القمح والشعير، وراح ضحية قصف إدلب 430 مدنيًا، بحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، خلال أيار/ مايو الفائت. ليكون الحريق الأكبر من نصيب الرقة، التي تخضع هي ومحاصيلها لحسابات سياسية مختلفة ومتباينة، بين قيادات “قوات سوريا الديمقراطية” والعرب، جعلت مسؤولية إطفاء الحريق تقع على عاتق الإدارة الذاتية، بوصفها الحامي لتلك المنطقة، على الرغم من تبنّي تنظيم “الدولة الإسلامية” الحرائق في الرقة ودير الزور.

أزمة الحرائق لا تبتعد عن أزمات معيشية أخرى: الكهرباء، الغاز، المازوت وغيرها، فسورية تحوّلت منذ 2012 من بلد مصدّر للقمح إلى مستورد، وأبرمت عقود الاستيراد لهذا العام مع شركات روسية، وطوق الجوع الملتفّ على أعناق السوريين كغيره من المداخل التي تلجأ الأنظمة السياسية إلى استغلالها بل تسعى لتصنيعها في سبيل إعادة ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، من مدخل الحاجة إلى تعزيز قيادته، فالاعتياش على الأزمات كبيرها وصغيرها يضمن الصمت، ويشكّل ناظمًا لتمتين التحكم، وهذا ما شكّل أساسًا للسلطة السورية انتقل داخليًا من استغلال أزمة “الإخوان المسلمين”، إلى وجود (داعش) والنصر على الإرهاب، التي شكّلت تبريرًا لدخولها بحرب مفتوحة ضدّ مجتمعها، وأعادت ضبط اصطفاف بعض الفئات حول السلطة، ومع نهاية (داعش) صارت بحاجة إلى أزمة إلهاء بأدوات مختلفة.

حرائق الطبيعة، بعشوائيتها التي أحرقَت رغيف السوريين وسلّتهم الغذائية، أتت تتويجًا لحرائق مفتعلة كانت ردًا على شرارة ثورة ومطالبة بالكفّ عن التجويع ورفع الحصار عن أعناق السوريين، لتشعل بلدًا بأكمله وتُدخل السوريين بمعظم المناطق في جحيم القتل والدمار والتهجير واللجوء والإذلال. فالجوع الذي كان أحد الأسباب التي دفعت السوري إلى يرفع صوته مطالبًا بحقوقه، تحوّل سلاحًا فعالًا للمصالحات الواهية، واسترجاع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وإعادة إخضاعها، ولإحكام القبضة على السوريين في مناطق النظام، وإشغالهم برغيف خبزهم المصادَر، مثلهم مثل بلدهم الذي صار خاضعًا لإدارات موتٍ مختلفة، ولحروب تفرضها الأطراف كافة لتصفية الحسابات، التي توجّهت مؤخرًا نحو إيران التي تريد مواجهة “إسرائيل” من خارج حدودها، وتهتف “الموت لأمريكا” وتحرّك بيادقها في سورية، كمحاولة لفتح جبهة إشغال جديدة لتخفيف الضغوط الدولية والإقليمية عنها، و”إسرائيل” تردّ بصواريخها لضرب مواقع تابعة للحرس الثوري و”حزب الله” لردع إيران، وكذلك للتخفيف من أزمتها السياسية، على إثر فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة، واختياره التوجّه إلى انتخابات جديدة، وقد أدخل التصعيد بين الطرفين السوريين في متاهات الترقّب لحرب مستبعدة ولكنها ممكنة، خصوصًا أن إيران غارقة بحصارها الاقتصادي، ومتعمّقة في معتركات حروب متنوّعة لتثبت قدرتها على التحرّك وسط دائرة نفوذها وقوّتها الإقليمية. وأميركا و”إسرائيل” لن تتراجعا في قراراتهما حول الوجود الإيراني وميليشياته، وأي انفجار بينهما سيجرّ محرقة واسعة يكون وقودها السوريين الذين لم تكن لهم أصلًا دولة تحميهم وتصون مصالحهم، ثم تحوّلت دولتهم في الحرب إلى مساحة محروقة لحلّ الخلافات ولإثبات القدرات العسكرية لجميع الأطراف.

الحرائق السورية ستبقى تشتعل وتنتقل من مكان لآخر، في بلد تأكله نيران الحرب والتدخلات الدولية والإقليمية، التي يتكاثف دخانها مع الدخول إلى حقبة القرار النهائي والمرحلة الرمادية لتسوية سياسية بين الأطراف، الثابت الوحيد في معادلاتها -حتى الآن- أن الغرب لا يعمل على إزاحة روسيا عن سورية، كما عمل قبل عقود على إزاحة الإتحاد السوفييتي عن أفغانستان، تعرف موسكو ذلك وتدرك أن الغرب يريد شراكة يفرض شروطه داخلها، وموسكو الساعية للاستقرار في سورية وامتلاكها، ما زالت تراهن على صيانة النظام فيها. وهذا ما حمله التقرير الذي نشرته صحيفة (غازيتا) الروسية، مشيرة إلى إمكانية عرض الولايات المتحدة و”إسرائيل” صفقة بشأن سورية على روسيا، خلال الاجتماع الثلاثي المقرّر عقده في القدس، وأنهما ستعترفان بشرعية الرئيس السوري، مقابل عمل موسكو على تقليص النفوذ الإيراني في سورية المُستملكة فعليًا لصالح الطرفين.

حرائق الدولة السورية لن تُخمدها شعارات الحلّ السياسي، فهو مجرد مسار احتياطي لترتيب الواجهة بما يناسب جهات الحلّ والربط، و”اللّقمة” صعبة مع انتظار الآخرين، ليتمّوا إنتاج سورية على مقاسات تفاهماتهم الدولية والإقليمية. ومهما تمخّضت عنه هذه التفاهمات؛ فستبقى قاصرة عن إعادة الحقوق إلى أصحابها، فنظريات التسوية الممكنة التي تتماشى مع رغبة الأطراف الخارجية، تتجاهل السوريين كشعب وتضع بديلًا له السلطة، مع إنكار الجميع أنه منذ اللحظة الأولى التي استبدلت فيها السلطة وجودها بفوّهة البندقية للحصول على الطاعة الكاملة، فقدت قدرتها على النصر، وما يدفعه الشعب السوري من دماء تدفعه السلطة في قدرتها على الاستمرار، فدعاية النصر الزائف لا تدوم إلا في أذهان من روّجوا لها.

===========================


ياقوت عبد الباسط الساروت

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 10/6/2019

حين كتب أطفال درعا «إجاك الدور يا دكتور» على ألواح مدارسهم وعلى جدران المدينة، كان عبد الباسط ممدوح الساروت (1992 ــ 2019) لا يحمل من أثقال سوريا المعاصرة، مزرعة الاستبداد والفساد والمافيات والتمييز المناطقي والطائفي، سوى 19 سنة: لا «يفهم في السياسة» كما ردّد مراراً، وليد أسرة جولانية فقيرة هاجرت إلى تخوم حمص في أعقاب تسليم الجولان على يد كبير مجرمي الحرب، الأسد الأب؛ لم يكمل تعليمه «لأسباب معيشية ذات صلة بفقر العائلة»، كما يوضح؛ حارس مرمى نادي «الكرامة» الحمصي، ومنتخب شباب سوريا لكرة القدم؛ المنشد المغنّي بغريزة شعرٍ يتدفق في داخله مثل جداول ربيع، وإحساس عارم بالنغم الشعبي وإلحاح الإيقاع الحارّ.

أطفال درعا، وذلك الحنين العميق الجارف إلى الكرامة الإنسانية والعدل الاجتماعي والحرّية والخبز، وربما النشيد الطلق المتحرّر من نير المستبدّ، كانت أوّل بواعث مجيء الفتى إلى الانتفاضة؛ أو إلى الثورة كما يحلو له أن يسمّيها، محقاً بالطبع لأنها بدأت هكذا في يقينه، وهكذا تواصلت خلال ثماني محطات ونيف من تجربته الشخصية في خضمها العاصف. وكان ذلك الخضمّ أشدّ عتوّاً، في استثارة الآمال وتكبيد الآلام وفي الانتصارات مثل الانكسارات، من أن يتحمّل قلبَه الطفل ولسانَه الهاتف وتكوينَه الوطني والحمصي والبدوي والجولاني الأصيل، المتجذر مثل سنديانة. ولقد خرج إلى ساحات حمص يذكّر طالبي الحرّية بأنّ هذا الوطن «جنّة» حتى في ناره، وهو «الحبيّب» و»أبو التراب الطيّب»؛ فلم تعد الأغنية تردّ السامعين إلى أصولها عند كريم العراقي وماجد المهندس، بل تجردّت من أيّ مستوى في الاستنساخ لأنها باتت سورية بامتياز: ابنة هذا الوطن/ الجنّة الذي ينتفض، وترنيمة هذا الفتى السوري الثائر الذي يُلهب حناجر الجموع، ويُشعل جذوة في الحماس والتعبئة والاستبشار لم يكن لها نظير في مواقع الانتفاضة الأخرى، حتى عند ذلك الحموي الصادح الساخر الذي اشتهر بلقب «القاشوش».

محطة تالية في هذه الوظيفة الثورية، الخاصة والمدهشة وذات الفعالية العالية، التي انتدبها الساروت لنفسه، وارتضتها له الحشود في أربع رياح سوريا، وليس في حمص وحدها؛ كانت ظهوره خلال التظاهرات والاعتصامات برفقة فدوى سليمان (1970 ــ 2017)، الأمر الذي جعل هذا الثنائي يتخذ تلقائياً، ولأسباب وجيهة، سلسلة دلالات عالية التأثير في الوجدان الجَمْعي: أنّ شريكته امرأة، أوّلاً؛ وأنها فنانة ممثلة، خريجة المعهد المسرحي، ثانياً؛ وهي، ثالثاً، ولدت لأسرة من الطائفة العلوية. وليس أنّ اجتماع الساروت وسليمان كان محاولة، بارعة وصادقة، في تمرين الشارع الشعبي على تطبيق شعار «الشعب السوري واحد»، في مناطقه وإثنياته وأديانه وطوائفه، فحسب؛ بل كانت، أيضاً، رسالة جبارة ضدّ الأجنّة الجهادية المتطرفة التي أخذت تتوالد رويداً رويداً، بتشجيع منهجي وتسهيلات من النظام.

محطة تالية، حاسمة في حياة الساروت، كانت اللجوء إلى السلاح بوصفه المآل الوحيد المتبقي، ليس في مواجهة الحصار الهمجي الذي فرضه النظام والميليشيات المذهبية على حمص وأهلها، وانتزاع كيس الطحين، وفتح ممرّات عبور المدنيين، فقط؛ بل كان الوسيلة الأوحد للدفاع عن النفس، وعدم فتح الصدر عارياً أمام القذيفة الفاشية. ومثلما كان التسلّح أداة فُرضت على شارع الانتفاضة الشعبي، جرّاء وحشية النظام وصعود الجهاديين، ولم يكن البتة خياراً إرادياً؛ كذلك فإنّ بندقية الساروت كانت قد ارتفعت على كتفيه بحكم الحاجة في حدودها الدنيا، القصوى والأقرب إلى الضرورة وخيار الدرجة صفر. وليست هذه السطور المقام المناسب للسجال حول هذه المحطة في مسيرة الساروت، ولا هي ملائمة لمساءلة أو تبرير اضطراره، خلال طور قصير للغاية، إلى مخاطبة «داعش» في «بيعة قتال» لا «بيعة طاعة»؛ إذْ يكفي التذكير بأنّ شرعيي التنظيم الإرهابي ذاته رفضوا قبول الساروت في صفوفهم، وأنه طُورد من جهاديي «النصرة» واعتُقل، وكاد أن يلقى حتفه على أيدي الظلاميين من مشارب مختلفة.

ورغم أنّ الساروت فقد أباه وأربعة من أخوته بنيران نظام الأسد وميليشيات إيران المذهبية، وأنه في نهاية المطاف سقط شهيداً في ميدان قتال مشرّف لا تديره أطراف الجهاد المتشدد؛ فإنّ نموذجه في الاستشهاد لا يشبه سواه لاعتبارات شتى، وإنْ كان يستكمل النماذج كافة، ويُغنيها. ولعلّ أبرز ما انطوت عليه خصوصية الساروت أنه لم يكن نسخة مطابقة من غياث مطر أو باسل شحادة، إذا وضع المرء جانباً شهداء عسكريين على غرار «أبو فرات» وعبد القادر الصالح؛ بل كان أمثولة القياس الأعلى في التعبير عن ولادات تلك المطحنة الجهنمية، التي خلطت معادلات القوّة والضعف، والصواب والخطل، والنزاهة والارتزاق، والمعارضة الصادقة النظيفة وتلك الكاذبة الملوّثة… حصيلة انتفاضة نبيلة امتلكت كلّ الحقّ وكلّ الشرعية وكلّ الأداء الملحمي، وتكاتفت قوى إقليمية ودولية عظمى لوأدها في المهد، ثمّ اغتيالها على النحو الأشدّ بربرية حين ترعرعت قليلاً ولاح أنها توشك على مقاربة المستحيل.

والشهيد الساروت اختار لقب «أبو جعفر» تيمناً، أغلب الظنّ، بابن عمّ النبيّ محمد والصحابي شهيد غزوة مؤتة الذي لُقّب بـ»جعفر الطيّار» لأنه، حسب الرسول، «يطير في الجنّة بجناحين من ياقوت». وليس كثيراً على فتى الانتفاضة السورية، أحد الأجمل والأبهى في لوائح شهدائها، أنّ له من ياقوت الذاكرة السورية النصيب الأسخى والأرقى والأجدر.

===========================


الساروت ووالدته وأغنياته

معن البياري

العربي الجديد

الاثنين 10/6/2019

يستثير فيديو صورة والدة شهيد سورية، عبد الباسط الساروت، تقبّله وتودّعه إلى الجنة، زوبعة من اللواعج التي تتْعب اللغة في البحث عن مفرداتٍ تعبّر عنها. واللاعج في المعاجم حُرقة القلب من الحب. وسيرة هذا الشاب الذي غادر الحياة عن 27 عاما مثقلةٌ بما يجعل حبّه ليس شعورا عاطفيا فحسب، وإنما حاجة يتسلح بها كل فردٍ منا، لتُسعفنا في مناوأة كل تعاسةٍ في العالم، في كل العالم. .. تنطق صورة الجثمان المسجّى، وحواليْه جمعٌ من رفاق عبد الباسط ومن الشباب السوري النظيف، يحيطون بالأم المكلومة، بحزمةٍ من المعاني، تجعل التخلص من نظام الأسد في سورية ضرورةً من أجل حفاظ الجنس البشري على اسمِه هذا جنسا بشريا. تتملّى في الصورة، وفي بالك أن عبد الباسط الساروت هو ابنٌ خامس لهذه المرأة، يرتقي إلى الأعالي بفعل جرائم هذا النظام الذي تقصّد مرّات قتل هذا الثائر النبيل، صدّاح الثورة السورية وبلبلها عن حق، حاول مرّات وأخفق، أعلن عن آلاف الدولارات لمن يرشدُه إليه. تُحدّق في الصورة، وفي بالك أن ثلاثة من إخوة المرأة، أخوال أولادها، قضوا أيضا برصاص نظام القتل نفسه، وكذا اثنان من أحفادها، وزوجُها أيضا. أي خنساءَ إذن، تلك التي شابه بعضُنا هذه الأم، الزوجة، الأخت، الجدّة، بها. المخيّلات الفقيرة جعلتها كالخنساء، فيما مخيلةٌ رحبةٌ كانت سترى هذه المرأة التي كانت تقول "لله ما أعطى ولله ما أخذ" جبروتا لا مثالَ له، أرضا لا تجفّ، وإن ينعف منها الدم كثيرا، وإن يسّاقط الدمع فيها كثيرا.

ربما يصيب نجاحا من يكتب، بحذاقةٍ ونباهةٍ ضروريتين، عن عبد الباسط الساروت من مدخل التعليق السياسي على لحظةٍ مستجدة، بالغة الصعوبة، تعبر إليها سورية وثورة شعبها وخرائط مستقبلها، ولكن الحمولات الوجدانية والعاطفية الباهظة في هذا الحدث المجلّل بأرطالٍ من الأحاسيس المرّة لا تجعل كتابةً من هذا اللون ميسورة، سيما أن صور تشييع الساروت، والأهازيج التي هتفها المحتشدون في وداعه، والموكب المهيب الذي نقله إلى مدفنه، لا تترك لأي كلامٍ في السياسة موضعا جدّيا. ببساطةٍ، لأن حارس مرمى منتخب شباب سورية لكرة القدم سابقا، ومغنّي ثورة السوريين، وشهيدها الشجاع، الفارس، يغادر الدنيا بطلا شعبيا، أمثولةً استثنائية، لا يمنّ عليه أحد عندما يخلع عليه صفته أيقونة. ثمّة بساطةٌ شاسعةٌ في انتقاله من لاعب كرة قدم إلى ثائرٍ بالأغنية والتظاهر وبالبارودة. قال إنه لم يكن يهتم بالسياسة، ثم صيّرته جرائم النظام ضد السوريين، في مدينته حمص وغيرها، يصبح من الثائرين، الساخطين الناقمين الغاضبين، الساعين إلى تحرير سورية من الحاكمين القاتلين فيها. هذه هي القصة فحسب. ثم في سبع سنوات، صار الساروت يغنّي، ويتظاهر، ويقاتل.. ثم يُقتل.

كأن صوت عبد الباسط الساروت احتاج إلى شيءٍ من اللكنة البدوية، والبحّة العراقية، ليلهج بأغنياته القصيرة، المشحونة بحب البلد، بسورية جنّةً، بالوطن "الحْبيّب". كتب زملاؤه كلمات أغنياته، ولحّنوها، تبدو غير سوريةٍ تماما، ففيها تلك الرّنتان، البدوية والعراقية، وقد لا يكون زعمي هذا دقيقا تماما، الأهم أنها تضرب الخسيس المطلوب رحيلُه بالهجاء الذي يليق به، وتحتفي بحمص، وبالنصر والشهادة، وذلك كله بقاموسٍ متقشّف، ومفرداتٍ لا تتقصد الشعرية، ولا الإيحاء، فما تنطق به عن السلاح وحمْله "لأجل عيونك يا حمص" هو المُراد منها. ولمّا جاءت آخر أغنيات الساروت (إنتاج تلفزيون سوريا، 2019) على ثورتي الجزائريين والسودانيين، وتمنّت لمصر خلاصا من الطاغية فيها، فذلك يستقيم مع الجوهريّ في كفاح هذا البطل الشعبي، الحمصي الجولاني المنبت، استهداف الظلم، والهجس بالعدالة.

باسل شحادة، وغياث مطر، وإبراهيم القاشوش، وزران زيتونة، وسميرة الخليل، ورائد الفارس، وحميد الجنيد، وفدوى سليمان، ومي سكاف، وباسل الصفدي، وعمار جربوع، ونيراز سعيد، وعبد الباسط الساروت.. أسماءٌ لشجعان سوريين وسوريات وفلسطينيين، فنانين ومبدعين، ثوارٍ ومناضلين، أقمارٍ دلّ ضياؤها الباقي على أن الأمل في انتصار سورية على نظام الفتك والقتل غزير، وهذه وداعيات عبد الباسط، وقبلات والدته على جبينه، وأغنياتُه، تنعش هذا الأمل الذي لا يغيب.

===========================

من التوريث السوري إلى القمامة اللبنانية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 10/6/2019

لا تختلف أحداث المسلسل الذي نتابع تفاعلاته مع تصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، كثيراً عن أحداث مسلسل "خمسة ونص" للكاتبة إيمان السعيد، والذي يبدأ من تفاصيل سورية، ثم ينتقل ليعيش يوميات القمامة اللبنانية، منهياً حياة بطلته في نفقٍ طويل، يوزّع قاتلها الموت على كل من حوله، وحيث تكثر المصادفات التي تجمع بين مجريات الأحداث اللبنانية في الوقائع المذكورة على الحلقات الممتدة على أيام السهرات الرمضانية، مع آلية وصول بشار الأسد إلى رئاسة سورية، بعد حادث مروري مريب لا يزال قيد الشكوك لشقيقه باسل الذي كان حافظ الأسد قد هيأ له كل الإمكانات لمسك خيوط الدولة العميقة في سورية، قبل أن يخالف إرادته القدر "المدبّر"، ليكون سبباً في إعادة ترتيب شؤون توريث النظام من الأب المريض إلى الابن المغيب عن شؤون سورية سنوات طويلة.

وبالقدر نفسه، فإن مصادفات تحريك الولايات المتحدة ملف سورية تتلازم دائما مع التصعيد الإسرائيلي ضد إيران، أي الانتقال من الملف السوري إلى الملف الإيراني، وبما يضمن مصالح إسرائيل فقط في المنطقة في سياق السيناريو المعدّ لتجديد "تخريب" شكل المنطقة، وإعادة صياغة أولوياتها، بعيداً عن وجود إيران التي نمت في المنطقة بفعل الوجود الأميركي فيها، وليس خلافاً لذلك، ما سمح لإسرائيل باستثمار الوجود الإيراني لإحداث النعرة الطائفية في المنطقة العربية، وجعلها مثار الخلاف الأول بين الأطراف المحلية التي هتكت ستر الهدوء 

"مصادفات تحريك الولايات المتحدة ملف سورية تتلازم دائما مع التصعيد الإسرائيلي ضد إيران" السطحي الأمني في الدول العربية.

ولعل ما يمكن ملاحظته، مع كل عودة للولايات المتحدة إلى الملف السوري، أنه يبدأ من الأحداث المتصاعدة في سورية، بينما هو غارق في تفاصيل حربها مع إيران بالنيابة والتكافل والتضامن مع إسرائيل، على الرغم من أن هذه الحرب حتى اليوم لم تحرّك من موقع إيران في المنطقة عموماً، وفي سورية تحديداً قيد أنملة، بل على العكس، فالولايات المتحدة اليوم، والتي يمثلها جيفري في الملف السوري، تمد يداً لتركيا وأخرى لروسيا، في وقتٍ تقف فيه إيران في "النص"، أي وسط تركيا وروسيا ثالثا مكملا لتحالف ما سمي مسار أستانة، والذي نتج عنه تمدّد إيران في سورية في كل المناطق التي كانت تحت مسمّى "محرّرة" قبل أن يغتالها ما سمي اتفاق خفض التصعيد، الموقع بين حليفتي الولايات المتحدة الأميركية اليوم (تركيا وروسيا) مع عدوها (إيران).

وكما خلط المسلسل بين واقع نظام سورية البنيوي وواقع لبنان الغارقة عاصمته في ملف القمامة، فإن الإدارة الأميركية تخلط بين ضرورة الحل في سورية، والذي يستمد شرعيته من إرادة شعبه في بناء منظومة حكمه الجديدة، ومن القرارات الأممية التي زادت عن 17 قراراً لإنهاء الصراع في سورية، ورغبتها في صناعة صورة إسرائيل الجديدة من خلال اجتماع القدس الثلاثي (الإسرائيلي والأميركي والروسي) ضد إيران التي تحتل كذلك مرتبة الصدارة في عدائها مع السوريين، بصفتها الداعمة للنظام على أساس طائفي، ومع الخليج العربي الذي يرى في نموها تهديداً لمصالحه في المنطقة، ما ينقل إسرائيل من مرحلة اللعب تحت الطاولة إلى فوق الطاولة، حيث تضطلع بدور المحرّك لعمليتي الحرب والسلام في المنطقة، وتنتقل من على أجندة العرب من دولة احتلال إلى شريكٍ مؤسسٍ لتحالفات القوى الاقتصادية الجديدة التي وقعت على صفقة القرن أو (للدقة "صفاقة القرن").

يقدّم الاجتماع المعلن عنه في القدس بين الدوائر الأمنية الثلاث (الإسرائيلية والأميركية والروسية) شرحاً تفصيلياً لمستقبل المنطقة المستولى عليه اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وحتى أمنياً، وبينما تحاول روسيا من خلاله استعادة حضورها دولة عظمى تقارع الولايات المتحدة الأميركية، وتزاحمها على نفوذها في إسرائيل وفي سورية، مقابل انتزاع تنازلاتٍ منها في 

"خلط المسلسل بين واقع نظام سورية البنيوي وواقع لبنان الغارقة عاصمته في ملف القمامة" ملفات اقتصاديةٍ وسياسيةٍ في أوروبا وأوكرانيا والبلطيق وبرنامج الدرع الصاروخي، وحيث مكّنت إسرائيل روسيا من لعب دور الوسيط الضامن في حدودها مع سورية ولبنان، وحولتها في أوقاتٍ كثيرة إلى صندوق بريد، تتراسل من خلالها مع إيران، فإن الولايات المتحدة لا تزال تستخدم روسيا من خلال الشراكة معها تارّة، والوقوف في وجه تحالفاتها تارة أخرى، كمجرد أداة تحقّق مشروعها في تغيير خريطة العلاقات الدولية، وجهات التحالفات وجبهات المواجهات التقليدية محلياً وعربياً، وهو ما فعله المسلسل في استخدام الوجه الجميل للفنانة ندين نجيم، مع فارق الشبه مع الرئيس الروسي، بوتين، أداة موظفة في حرب قذرة.

وبينما تلوّح الإدارة الأميركية بيدها للصفقات المشتركة مع روسيا، حامية النظام السوري في القدس، فإن يدها الأخرى تلوّح بنزع النظام المذكور، بالشراكة مع حليفها التركي في أنقرة، أساسا لحل سياسي ينهي الحرب في سورية، حسب تصريحات المبعوث الأميركي جيمس جيفري لصحيفة حرييت التركية، أي أن الموقف الأميركي الذي يشارك روسيا في إسرائيل هو نفسه الذي يعادي حليفتها إيران في دمشق وبيروت، ويتقارب من شريكتها تركيا في أستانة، وخصمها "الصامت" حالياً في إدلب، ما يضع موسكو في تصعيدٍ دراميٍّ محترف، يترك فرصة للمشاهد "الضحية" أن يكون جزءاً من الحدث، وليس تابعاً له. وحيث يطلب منها الانتحار على حبل شراكاتها مع كل من إيران وتركيا في أستانة، وينقل بندقية موسكو التي تقتل السوريين جنباً إلى جنب مع إيران، لتصبح في مواجهة شريكتها هذه، دعماً للموقف الإسرائيلي الأميركي، والانتقال من لعب دور الداعم للنظام إلى مؤسّس في عملية سلام تهدّد فعلياً أركان نظام الأسد، من الرئيس حتى حاشيته، و"تشكيل اللجنة الدستورية" التي تستحوذ فيها تركيا 

"لا تختلف نهايات الدراما الرمضانية، والمعلنة عن خراب منظومة القيم في المجتمعات العربية، عن وقائع حياتنا اليومية" وروسيا على نسبة تمثيلٍ عالية، من خلال تسميتهما كثيرين من أعضائها المحسوبين على حصة المعارضة السورية من جهة تركيا، والنظام من جهة أخرى روسية، بينما تأخذ إيران الثلث الثالث من اللجنة تعويضا معنويا لها عن الحرب الإعلامية المؤلمة ضدها.

لا تختلف كثيراً نهايات الدراما التي عرضت خلال شهر رمضان المنصرم، والمعلنة عن خراب منظومة القيم في المجتمعات العربية، عن وقائع حياتنا اليومية، وبالتحديد مشكلتنا السورية مع "مقاومة" لبنان في سورية، بل تكاد هذه "الدراما" تتشارك معنا الجلوس على الأريكة نفسها، لتشاهد خرابنا، دولا وبنى اجتماعية، وتبادلنا نظرات الحسرة، أنه تم صناعة جسر من حرية السوريين المنشودة بالتشارك مع النظام، عن قصد أو من دونه، ليكون مطية لصراع الدول، بينما ذبحت سورية والسوريون على مائدة حوار ثلاثي في قدسنا المسروقة، يستطيل ظلها حتى لا يترك أيا من دول أصدقاء سورية المستغربين والمستعربين، من دون أن يجلسها تحت عباءته، فأصبحنا كالمستجير من الرمضاء بالنار.

===========================


قبل خديعة إيران الجديدة في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 10/6/2019

تؤكد أغلب المعلومات والتحركات المتصلة بالشأن الإيراني، أن إيران ستوافق على الانسحاب من سوريا، وأن ما يشبه تجرع السم في الحرب الإيرانية - العراقية سوف يحصل، وإن كان تنفيذ الأمر سوف يتعلق بالآلية التي تجعله ممكناً بما يتماشى والعنجهية الإيرانية، وبقبول الولايات المتحدة التي لا شك أنها حريصة على إبقاء قليل من ماء الوجه لدولة الملالي، خصوصاً أن تصريحات رجال الإدارة الأميركية خففت من لهجتها في الموقف من إيران في الآونة الأخيرة، لا سيما قول إن المفاوضات مع طهران لا تحتاج شروطاً مسبقة، وإن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام.

انسحاب إيران من سوريا، الذي بدأت أولى خطواته بسحب ميليشيات «الفاطميون»، لن يكون انسحاباً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل هو انسحاب شكلي، لا يمس جوهر حضورها وسيطرتها، وكلاهما سيبقى حاضراً وفاعلاً، وسوف يلمسه القريب والبعيد، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، تماماً وفق طريقة الانسحاب الإيراني بالرعاية الروسية إلى ما بين ثمانين ومائة كيلو متر عن خط وقف إطلاق النار في الجولان، طبقاً لمطالب إسرائيل، حيث ذاب الوجود الإيراني في المنطقة وسط انسحاب جزئي منها.

الانسحاب الإيراني المحتمل من سوريا، ليس من بوابة الاستجابة للمطالب الأميركية - الإسرائيلية، وإن كان فيه بعض ذلك تجنباً لمواجهات أبعد، إنما هو وقف للعمليات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية في الأراضي السورية، ومنع لاحتمالات مواجهة، أو صدام عسكري يمكن أن يحصل بين إيران وإسرائيل، لا ترغب فيه طهران، كما أنه في جانب مهم دعم لمساعي إعادة تطبيع علاقات نظام الأسد مع المحيط الإقليمي والدولي، الذي يقف وجود إيران العلني دونه في سوريا.

الترجمة الفعلية للانسحاب، ستكون عبارة عن سحب بعض الوحدات العسكرية والميليشيات المؤيدة لإيران، والجزء المتبقي الذي يمثل ضرورة عسكرية - أمنية للبقاء، سوف يتحول إلى جزء من جيش الأسد، ينتشر في قواعد مخصصة له ضمن حواضن مأمونة على نحو ما هي عليه الفرقة الرابعة في «الحرس الجمهوري»، التي يقودها ماهر الأسد، وهو أحد رجال إيران البارزين في نظام الأسد، وستبقى إلى جانبهم مجموعة من «الخبراء العسكريين والأمنيين» الإيرانيين، وهي قضية لن يتوقف الكثيرون عندها. وستكون المجموعة العسكرية - الأمنية، سواء من الوحدات أو الخبراء الباقين، بمثابة غرفة عمليات إيرانية ترصد وتحلل وتضع خططاً، ويمكنها أن تدير تكتيكات طهران، وتقود معاركها في سوريا، عندما تدعو الحاجة، وستجد هذه المجموعة سنداً سورياً داعماً، يشكل بناءً هرمياً، يبدأ من قمة النظام، ويتوسع في كل المؤسسات والهياكل السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية للنظام وللمجتمع في مناطق سيطرة الأخير، وهو أمر اشتغل عليه الإيرانيون طوال أربعة عقود من علاقاتهم مع نظام الأسد، وركزوا عليه أكثر بعد ثورة السوريين عام 2011، عبر تدخلهم المباشر والواسع، بحيث صارت لهم شخصيات قيادية مرتبطة بهم، ومؤسسات وهياكل عسكرية وأمنية تعمل تحت سيطرتهم المباشرة، ولهم سيطرة في أوساط نخبة النظام من رجال أعمال وشخصيات اجتماعية ودينية، وقد عززوا وجودهم البشري والاقتصادي والثقافي في مناطق سيطرة النظام بشراء أراضٍ وعقارات، وإقامة شركات، وحصلوا على استثمارات، وأقاموا مؤسسات دينية وثقافية تروج التشييع الفارسي، وأحكموا سيطرتهم على الطائفة الشيعية، وأغرقوا البلاد بحملات التشييع، خصوصاً في ريفي دمشق ودير الزور، وتعزيز علاقات إيران في أوساط الطوائف الأخرى، وطوروا عبر السنوات الأخيرة بنية سياسية - ميليشياوية، أبرز تعبيراتها «حزب الله السوري»، في محاولة لخلق توأم سوري لـ«حزب الله اللبناني».

الانسحاب الشكلي من سوريا، يمثل خديعة إيرانية جديدة اعتاد نظام الملالي على ممارسة حلقات فيها منذ ولادته في عام 1979، فقد خدع الملالي بقيادة الخميني الشعب الإيراني بوعده أن يكونوا البديل لنظام القهر، الذي كان يمثله نظام الشاهنشاه محمد رضا بهلوي، فصاروا أكثر منه قهراً وقمعاً، إضافة إلى تشددهم وتطرفهم، وخدعوا شركاءهم في الثورة من «مجاهدي خلق» وغيرهم، وعملوا على تصفيتهم بعد إبعادهم، وخدعوا جيرانهم العرب بالإخوة والحرص عليهم، ومساندتهم ضد العدوان الإسرائيلي ودعماً لقضية فلسطين، قبل أن تنكشف علاقاتهم مع إسرائيل في فضيحة «إيران غيت»، وقبل أن يسكتوا عن كل الضربات الإسرائيلية لقواتهم وقواعدهم في سوريا، وخدعوا أخوتهم المسلمين بشعارات الإخوة والمساواة، واستبدلوها عملياً بتصدير الثورة، وبالتدخلات المسلحة التي تظهر نتائجها واضحة في خراب العراق وسوريا ولبنان واليمن.

إن المثال الفاقع للخديعة الإيرانية للعالم تجسده فتوى المرشد الإيراني علي خامنئي الخاصة بالأسلحة النووية، التي أكدت: «نعتبر استخدام هذه الأسلحة حراماً، وأن السعي لحماية أبناء البشر من هذا البلاء الكبير واجب على عاتق الجميع»، وقد جاءت الفتوى في وقت كانت فيه سلطة إيران، التي يقودها صاحب الفتوى تسير بخطوات متسارعة لامتلاك قدرة نووية، وجرى استخدام الفتوى لتضليل الرأي العام، وللتأثير على القوى الدولية في مفاوضاتها مع إيران حول مشروعها النووي.

وإذا كانت سياسة الخديعة الإيرانية سوف تتكرر في موضع الانسحاب الإيراني المحتمل من سوريا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي والدول التي ستدير المفاوضات مع إيران والجوار الإقليمي لإيران، أخذ الحيطة والحذر من احتمالات الخديعة، والتأكيد على أن انسحاب إيران من سوريا هو انسحاب حقيقي لا شكلي.

===========================


الساروت.. صوت الثورة وروح السوريين

نوال السباعي

حرية برس

الاحد 9/6/2019

هذا الوجه .. يمثل عندي سورية، اليوم، وغداً، وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولا ..

بشبابه، بثورته، بثباته، بوعيه، بأخطائه، بحداثة سنه، بزلاته الكثيرة، بمسيرته الرائعة التي تمثل مسيرة الثورة خطوة فخطوة، بسلميته ومدنيته ووعيه المبكر بملابسات الوضع في سورية، بالتحاقه بالكفاح المسلح بعد أن سُدّت في وجوه الشباب الثائر، طرق النجاة..

هذا الوجه، يمثل عندي اليوم سورية.. سورية الجريحة المنكوبة، سورية الهزيمة والنصر، سورية الرجولة والخذلان، سورية الثورة والحرب، سورية الشعب الذي لم يؤت إلا من عند نفسه… سورية سورية، التي تُشوى اليوم على نيران العدو الحاقد، كما الصديق الخائن، كما الابن العاق، كما النفوس الأمارة بجميع أنواع السقوط الأخلاقي.

الساروت.. صوت الثورة، وروح الشعب السوري، وعنقاء الحرب، ورمز البقاء ..

عبد الباسط سيبقى، في الضمائر والأرواح والقلوب، شهيداً ورمزاً ومشعلاً في هذه الدرب .. التي سنبقى سائرين فيها، رغم أنف العالم كله، ورغم أنوف أذياله من الخونة العملاء الأحذية التي ينتعلها المجتمع الاستعماري، ويستخدمها لتدمير الشعوب، ورغم أنف آلامنا وأحزاننا ويأسنا وتعبنا ومللنا وارتكاس ونكوص بعضنا، ورغم أنف محننا وقرحنا ولأوائنا.

===========================


اجتماع القدس وبيع سورية لروسيا

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 9/6/2019

تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بتحقيقه إنجازاً أمنياً لإسرائيل، عبر موافقة روسيا والولايات المتحدة على إرسال مستشاريهما للأمن القومي إلى القدس للتباحث حول قضايا الشرق الأوسط الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك والمصالح المتقاطعة. وليس خافياً سر تفاخر نتنياهو، وتأكيده للجمهور الإسرائيلي أن هذه القضايا هي التي يجب أن يجري الاهتمام بها، وليس إعادة انتخابات الكنيست، يريد القول إنه استطاع وضع إسرائيل في منزلة القوى الكبرى التي تناقش مصائر الشرق الأوسط، وتحدّد مساراته في قادم الأيام والسنين، الأمر الذي لفت انتباه إعلام موسكو، وغمزت صحافتها من حماسة نتنياهو الزائدة، على اعتبار أن إسرائيل ليست أكثر من قناة لعقد اللقاء، وليست شريكاً في صنع القرارات التي ستصدر عنه.

وبعيداً عن مدى دقّة كلام الإعلام الروسي، ليس سراً أن المؤتمر الذي سيحضره كل من جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي، ونيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، ومئير بن شابات مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، سيركز، بالدرجة الأولى، على مصير سورية. وعلى الرغم من العنوان الفضفاض الذي تم الإعلان عنه، مناقشة قضايا الأمن في الشرق الأوسط، التي تتشعب لتطاول "أكثر من نصف" جدول يوميات السياسة الدولية، حسب وصف صحيفة الكرملين، فإن الأمر لا يعدو سوى عنوان فضفاض، على اعتبار أن روسيا لا تهتم كثيراً بقضية صفقة القرن التي تعتبر أهم قضايا الشرق الأوسط في هذه المرحلة، كما أن واشنطن وتل أبيب لا تبغيان من موسكو في هذه القضية سوى عدم الرفض العلني لها.

وفي البحث عن مصير سورية، يجري الحديث عن دور إيران ووجودها ونفوذها الضارب، وفي خروج إيران من سورية مصلحة لكل سوري، كونها قامت بأعمال مدمّرة في سورية بشنها حرب إبادة معلنة ضد الأكثرية السورية، كما أنها سعت إلى إلغاء الهوية السورية لجميع السوريين، وتحويلهم إلى أتباع بهوية مذهبية وجنود في مشروعها الفارسي الطامح للسيطرة على الشرق الأوسط. ولكن ليس من مصلحة السوريين أن يتم تجيير طرد إيران من سورية لخدمة المشروع الجيوسياسي الروسي، ولا أن تصبّ فوائد إخراج إيران في أرصدة روسيا على حساب دماء مئات آلاف السوريين وآلام الملايين الذين تم تشريدهم، والذين ساهمت روسيا بحصةٍ وازنةٍ في عملية قتلهم وتشريدهم وإفقارهم!

لم توافق روسيا على هذا الاجتماع وتتحمّس له، لو لم تكن لديها تأكيداتٌ بأنها ستنال مقايضة دسمة في ما يخص وجودها في سورية، وروسيا على علمٍ بالوعود الدولية الكريمة لها في حال نجاحها في إخراج إيران، ولديها وعودٌ بتطويب سورية ملكاً لها، ومنحها رخصة تشكيل النظام السياسي والتحكّم بالحياة السياسية، بل وبإعطائها حصصاً معتبرة من عائدات عملية إعادة الإعمار في سورية، وذلك كله في مقابل الحفاظ على أمن إسرائيل. وبهذا تستبدل سورية "الأسد" وظيفتها من ممرّ للسلاح الإيراني إلى حزب الله إلى قاعدة روسية لحماية أمن إسرائيل، وكأنه مكتوبٌ على شعب سورية أن يبقى صفراً في المعادلات السياسية الإقليمية ثمناً لحكم آل الأسد.

ليست روسيا أكثر رحمة من إيران على السوريين، وتكريس وجودها في سورية ينطوي على خطر وجودي على الأكثرية؛ بالنظر إلى العداء الذي تكنه تجاههم، ولم تُحرج عن إعلانه في أكثر من مناسبة، كما لم يُخف إعلامها عداءه للسوريين، وتشويه صورتهم وملاحقتهم إلى بلاد اللجوء، والتحريض عليهم عبر وصفهم برابرة. وفضلاً عن احتكارها مصادر الثروة في سورية لعقود مقبلة، ما يعني أن السوريين طوال مرحلة إقامة روسيا في ديارهم لن يحلموا بأكثر من عيش الكفاف.

وبموازاة ذلك، ستقوي روسيا حكم الأوليغارشية لخمسين سنة مقبلة في سورية، وبما أنها في الأصل نظام مافيوي، فإنها ستعمل على دعم (وتقوية) النخب التي تشبهها، وقد بدأت بنسج علاقات مع رجالات اقتصاد الحرب في سورية، الذين صنعوا رؤوس أموالهم من تجارة الحرب السوداء، كما أسّست طبقةً سياسية، غالبية عناصرها من الشخصيات التي أعلنت عداءها لثورة السوريين، ووقفت ضد طموحاتهم في الحرية والكرامة. وقد ينتهي بها الأمر إلى فصل الساحل السوري نهائياً، وضمه للاتحاد الروسي. وفي النهاية، روسيا دولة احتلال، وستعمل بأدوات الاحتلال واستراتيجياته في سورية.

اجتماع القدس خطير جداً بالنسبة لسورية، لأنه سيطلق ورشةً من المتغيرات، وسيشرعن الاحتلال الروسي، ويمنح عميله الأسد شرعية الحكم، وسورية مقبلة على مرحلة خطيرة في ظل معادلة مقايضة الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية الاحتلال الإيراني بالاحتلال الروسي. ولكن من قال إن روسيا، وبعد أن تأخذ شرعية من العرب والعالم بحكم سورية، وتتدفق عليها الأموال بذريعة تمويل عملية البناء، لن تسحق السوريين الذي يدورون خارج فلكها، وهم كثيرون، ويمثلون أكثر من ثلاثة أرباع السوريين؟

من حق نتنياهو أن يزهو بنفسه أمام الإسرائيليين، ما دام يشتري لهم مصالح استراتيجية يدفع ثمنها الضحايا، وتقطف إسرائيل ثمار تضحيات الشعوب العربية، أما العرب فلا عزاء لهم، ما دامت نخب الحكم البائسة تسيطر على مصائرهم.

===========================

موقفنا : " عاد إلى حضن الوطن " .. لا تضعوا هذا العنوان في غير مكانه

زهير سالم

مركز الشرق العربي

6/6/2019

ومن الأسئلة التي وجهها هرقل إلى أبي سفيان وهو يستطلع أمر رسول الله : هل يرتد أحد من أتباعه عن دينه بعد الإيمان به ؟ يجيب أبو سفيان : لا ..

وأسئلة هرقل أسئلة ملوكية ذكية تستحق المزيد من العناية والتدقيق لإدراك مراميها ، وإدراك أن الرجل كان جادا وكان مهتما وكان ألمعيا في البحث عن الحق ؛ ولولا أن بطارقته نخروا لكان له مع الإسلام شأن آخر ؛ ولاسيما حين بشر : أن رسول الله صلى الله وسلم عليه ، سيبلغ موضع قدميه .

من العبارات الرائجة هذه الأيام على ألسنة بعض المعارضين عبارة " عاد إلى حضن الوطن " أو إلى " حضن بشار " بحق بعض محترفي الفن من ممثلين ومخرجين ومغنين أو بعض محترفي الدين ، من الذين قال الأول في لحاهم

ألا ليت اللحى كانت حشيشا   فنعلفها دواب المسلمينا

وأقول إن استعمال تعبير العودة القميء هذا بحق هؤلاء الناس خطأ مزدوج في التعبير عن الحقيقة من وجه وفِي الانعكاس على روح الموقف الثوري من وجه آخر ..

فتعبير عاد إلى الحضن يستخدم أصلا بحق من غادره ، بحق من أعلن انحيازا حقيقيا صادقا إلى دينه أو إلى وطنه أو إلى شعبه أو إلى قيم الحق والعدل والخير ..

أما هؤلاء الذين أخرجهم جبنهم وخوفهم وحبهم لحياةٍ أي حياة من مربعات جغرافيتهم طلبا للأمن الشخصي وخوفا من رذاذ الثورة أن يصيب ثيابهم ، ولم يعلنوا موقفا واضحا حاسما صريحا بانحيازهم إلى الثورة فهـؤلاء لم يغادروا دفء الحضن الأسدي أصلا ولذا فإن استعمال لفظ " العودة " إلى الحضن المذكور بالنسبة إليهم خطأ دلالي لا يسوغ في هذا المقام .

وفِي الوجه الثاني فإن الانعكاس التعبوي لمثل هذا الإعلان غير حميد . وكأن أمر الثورة كان موجة عابرة ، أو نزوة جامحة وأن هؤلاء الناس قد رفعت الغمامة عن أعينهم فقرروا العودة ..

هؤلاء الناس لم يحوزوا أصلا شرف الانحياز إلى الثورة حتى يحسب ترنحهم في الحمأة عليها . في مستنقعات الريبة والشك نُشّئوا وظلوا في ريبهم يترددون ..

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

مجانين موسكو

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 9/6/2019

أصدرت موسكو عام 2013 وثيقة عن سياساتها الخارجية، استجابة لوضعها الدفاعي، ثم أصدرت وثيقة ثانية عام 2017، حملت طابعا هجوميا، أعلن عنه الرئيس بوتين بالقول إن روسيا سترد مباشرة على من يعتدي عليها، وستستهدف المعتدي بالسلاح النووي. وبشأن بلداننا، أعلن رفض تغيير أو إصلاح أي نظام بوسائل غير شرعية، وقال إن روسيا ستعتبر الإصلاح بالقوة عملا إرهابيا. والتقى هذا الموقف الروسي مع تعريف الأمم المتحدة للإرهاب الذي يعتبره خروجا عنيفا على سلطة شرعية.

تفترض الوثيقة الروسية أن للعنف مصدرا وحيدا هو الشعب الذي يطالب بإصلاح سلطةٍ تكتسب شرعيتها من أنها حاكمة. وتتجاهل عنف هذه السلطة ضد شعبها، ولا تعترف بوجود إرهاب دولة، لأن شرعية نظام ما لا ترتبط بقبول شعبها الطوعي بها، بل تتوقف على اعتراف الأمم المتحدة القانوني بها، كما النظام الأسدي الذي أقلع المجتمع الدولي منذ سنوات عن اتهامه بممارسة الإرهاب، وإدانة عدوانه على الشعب السوري كإرهاب دولة، وقصر إدانته على الشعب السوري الذي اتهم بالإرهاب، على الرغم من أنه كان أعزل في بداية مطالبته بالإصلاح، وتعرّض منذئذ لعدوان إرهابي من جيشٍ يفترض أنه وطني، وعليه الدفاع عن حقه في المطالبة بحريته الذي يكفله الدستور.

تقول الوثيقة الروسية إن موسكو ستدعم أي إصلاح يتم بالتعاون مع المؤسسات الشرعية. يكفي إذن أن يطلق أي نظام النار على شعبه، حتى يعتبر الروس هذا الشعب غير متعاونٍ مع مؤسساته الشرعية. ترى، هل هذا هو سبب مشاركتهم الأسد في تجويع سكان المناطق غير المتمرّدة وترويعها، كذلك الخاضعة لحكمه، وتلك التي أعادوها إليه بالعنف مجرّدة من السلاح، ويفترض أنه صار لها الحق في العودة، في أقل تقدير، إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الثورة، ناهيك باحترام ضمانات روسيا الخاصة بأمنهم الشخصي، وبتحرير معتقليهم، والامتناع عن سوقهم إلى الحرب، وإجبارهم على القتال إلى جانب مليشيات الأسدية ضد شعبهم، وإعادة من فقدوا أعمالهم منهم إلى وظائفهم.. إلخ.

لم يطالب الروس النظام الأسدي باحترام تعهداتهم للأهالي، بل سمحوا للذي أنقذوه قبل سويعات من هلاكه بتصعيد كل ما هو سيئ في نظامه الإجرامي، مما ثار السوريون عليه، وضحّوا بالغالي والنفيس، ليتخلصوا منه، لكن الأسد أعادهم إليه بالصور الأشد فظاعةً التي يمكن تصوّرها، بشهادة الأمم المتحدة ومؤسساتها التي تقول إن 75% من السوريين الذين يحكمهم الأسد، أي ستة ملايين سورية وسوري، تعرّضوا لملاحقات واعتقالات واعتداءات رسمية طاولت جميع جوانب حياتهم، بعد إعلانه الانتصار، وقد وقع القسم الأكبر منها عند حواجز جيشه التشبيحي، أو في أثناء وجود الناس في شوارع قراهم وبلداتهم ومدنهم، أو وهم في منازلهم التي اقتحمها العسكر والشبيحة وعفشوها، وأخضعوا سكانها، إناثا وذكورا، لمختلف صنوف الإهانة والاعتداء، بما في ذلك ضرب الآباء والأمهات أمام أطفالهم، والتشبيح على بناتهم، بمن فيهن صغيرات السن، بينما يزجّ النظام عناصر المصالحات الذين تمنعه الاتفاقيات من تجنيدهم قبل مضي ستة أشهر في صف المعارك الأول، تاركا الصفوف الخلفية للجيش والشبيحة، فكأنه أصدر حكما بإعدام من صالحهم، ولسان حاله يقول إن موتهم في المعارك، وهم يقاتلون ويقتلون المدافعين عن بيوتهم وأهلهم، هو أفضل طرق الانتقام من السوريين، بالتعاون مع الروس وتحت إشرافهم.

غطّى الروس موقفهم المعادي للشعب السوري بأكذوبةٍ تدّعي أن رفض الأسد إجراء إصلاح بالتعاون معهم، يجعل منهم إرهابيين، لا علاج لهم غير توسيع قدرته على القتل، والعمل لإجبار المجتمع الدولي على إبقائه رئيسا لشعبٍ يرفضه، متناسين أن لعنة سورية ستطاردهم إلى أن يُطردوا منها، مهما فتكوا بشعبها كرمى لمجرم لما كان له أن يبقى في السلطة لولاهم، سيضمن مصالحهم إن نجح يوما في ضمان حياته.

===========================

معركة إدلب وانهيار الاقتصاد

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 9/6/2019

يعيش النظام السوري لحظات اقتصادية صعبة، ويزداد الوضع سوءاً مع فقدان المشتقات البترولية اللازمة للنقل والتدفئة. قد يقلّل دخول أشهر الصيف من معاناة النقص بعض الشيء، ولكن أزمة وقود السيارات قائمة. يحاول النظام أن يدير النقص بطريقة توزيع المعاناة من خلال ما سميت "البطاقة الذكية" التي تقنن عملية التوزيع، وتزيد الإجراءات أمام المواطنين للحصول على الوقود، وهذا يؤمن أيضاً ظرفاً مناسباً للفساد الذي يشكل قاعدة أساسية من قواعد النظام.

على الرغم من شعارات النصر التي يرفعها النظام في وجه معارضيه، وعلى الرغم من مظاهر الاستقرار التي حظيت بها بعض المناطق، إلا أن الليرة السورية ما زالت تواجه سقوطاً بعد الآخر، يمكن اعتبار هذه المكابدات الاقتصادية من آثار العقوبات الأميركية المشدّدة على إيران، وتقلص قدرتها على تمويل النظام، والصعوبة في إيصال الخامات النفطية إلى الموانئ السورية، ولكن السبب الأساسي في الغالب، يعود إلى الشكل شبه النهائي الذي أصبحت عليه سورية المفيدة.

اتفق ترامب مع مستشاريه على وضعية القوات الأميركية في الشمال السوري، بعد حالة شد وجذب ترجح بقاءها أو عدمه، وتقرَّر أن تبقى بعض القوات في أماكن، وتعزَّز في أخرى، الأمر الذي يوصل رسائل مطمئنة للكرد المسيطرين على المناطق الشرقية، ورسائل أخرى إلى النظام والروس لإزالة هذه المنطقة من اعتباراتهم، ما يعني أن النظام فقد إمدادات نفطية مهمة، وتوريدات مائية كبيرة من نهر الفرات، وهذا الوضع مرشّح لأن يستمر مدة طويلة جداً، وقد لا يتوقف على شكل الرئاسة المقبلة في الولايات المتحدة، فهناك مصلحة أميركية بالحفاظ على هذا المستوى من الوجود لتأمين معادِل للوجود الروسي في المنطقة. ومهما كان شكل التوافق الذي يمكن أن يحصل بين النظام والكرد، فلن ينال النظام بالنتيجة أي مكتسبات من دون أن يدفع أثماناً باهظة، فوجود أميركا سيعطي للمنطقة التي يسيطر عليها الكرد شكلاً استقلالياً تفاوِض النظام من خلاله، وهذا يشكل أعباءً اقتصادية جديدة على النظام، فالداخل السوري يكاد يكون بلا مخزون نفطي يذكر، ما قد يدفعه إلى الاستيراد من المناطق الشرقية أو من غيرها، وهذا يتطلب البحث عن كتلة نقدية ضخمة للتمويل.

في الوقت نفسه، تمتلك روسيا خططاً طويلة الأمد في سورية، فحجم الاستثمار العسكري والسياسي فيها كان ضخماً طوال السنوات الثماني السابقة، وهي تخطط لتستعيد كل ما أنفقته على شكل أقساط غير محدّدة المدة، فتقوم الآن بتشغيل قاعدة عسكرية، تطلّ بها على المتوسط من مكان استراتيجي. وكانت قد بنت قاعدة جوية واسعة في حميميم، بعد أن أخلتها من كل ما هو سوري. وكان مطار حميميم في السابق مهبطاً لطائرات مدنية تم تحويل مسارها إلى مكان آخر، ليشعر الروس براحة تامة. وضمن خطة روسيا لجني العوائد، تم البدء بتشغيل ميناء طرطوس مدة طويلة. ولأنها لا ترغب بالاستثمار في بلد خاسر يعاني من أزمات، بدأت روسيا معركةً في إدلب، تريد أن تستعيد فيها المدينة الزراعية الخصبة التي تقع في منطقة غزيرة الهطول المطري (أكثر من 250 ملم في العام)، وتمتلك أراضي زراعية شاسعة، تؤمن مردوداً اقتصادياً مهماً، ولكن المعركة في إدلب طويلة الأمد، ولا تشبه المعارك التي جرت سابقاً.

الجائزة الكبرى التي يمكن أن تحصل عليها روسيا هي بداية التنقيب عن كمياتٍ مهمة من النفط والغاز على سواحل شرق المتوسط، وهذا بحاجة إلى تنسيق أكبر مع الجانب الإسرائيلي، وهي مرحلة مقبلة بلا شك، لكنها ستتم بعد استقرارٍ مطلوبٍ لتحديد التموضع النهائي لكل الأطراف، وتحديد الحجم الإيراني، وهو ما سيتم الاتفاق عليه في المؤتمر الأمني المقبل في القدس بين روسيا وأميركا وإسرائيل. وإذا حدث ذلك الاتفاق كما يرغب الروس، فسيكون للجغرافيا والاقتصاد في سورية وضع كئيب.

===========================

ما هو مستقبل العلاقة بين بشار الأسد والنظام السعودي؟

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 9/6/2019

على عكس الغزل المتبادل الذي ساد لبرهة في الإعلام، وعقب إعادة افتتاح السفارة الإماراتية بدمشق، فقد كان المؤتمر الصحفي للعقيد المالكي المتحدث باسم التحالف السعودي الإماراتي في اليمن مؤخراً، وبغض النظر عن مضامينه العسكرية وأبعاده الأمنية والاستراتيجية فقد حمل رسائل دبلوماسية واضحة لا تقل عن تلك العسكرية والأمنية والاستراتيجية وتعكس تطورات الحرب السعودية الأمريكية..

ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده قبل أيام العقيد المالكي لم يشر كثيراً ولم يتحدث عن إيران عدوه التقليدي اللدود، بل صب جام غضبه ولومه على نظام الطرطور الذي أصبح مكسر عصا للجميع وعرضة للانتقام وتصفية الحسابات، وحين يشعر بنيامين نتنياهو وفريقه بأي ضيق و"ملل و"زهقان" فحالاً يلجأ لضرب سوريا للتسلية والفرفشة وتسخين الأجواء ونشر البهجة، وصار الطيران الإسرائيلي يحلق بكل أمان ويسر بأجواء دمشق في سعادة واطمئنان غامر لا يشعر بها فوق مطار اللد نفسه، وها هو العقيد المالكي يوجه جل انتقاده ويضع اللوم على الطرطور بالاعتداءات الأخيرة على الأراضي السعودية.

فالمؤتمر الصحفي للعميد المالكي الناطق الرسمي باسم قوات التحالف السعودي الذي عرض فيه صوراً لصواريخ حوثية عليها صور بشار الإسد إنما يبعث رسائل قوية محددة وواضحة للنظام السوري أن لا عودة وشيكة للجامعة العربية والتي-أي العودة- ستكون، وكما هو معلوم، بقرار سعودي أولا كما لا عودة ولا تطبيع للعلاقات ولا فتحا للسفارة السعودية بدمشق، كما يروج مؤيدو النظام الحالمون بالعودة للمجتمع الدولي، وربما يكون -المؤتمر- مؤشراً واضحاً على قطيعة نهائية أو حكم نهائي على نظام الأسد برمته صدر في دوائر فاعلة والسعودية إحدى واجهات تلك الدوائر...

كان واضحاً من البداية أن العنتريات الأمريكية ورفع سقف الخطاب والتصريحات الرسمية المائعة الصادرة عن الإدارة كتلك التي قالت بإرسال 120 ألفاً من الجنود الأمريكييين، تم تقليصهم لـ1500، يا للهول، لم تكن جادة بالمطلق وما كانت لتذهب باتجاه أي تصعيد عسكري، قدر ما هي للتخويف وللاستهلاك المحلي وحصد نتائج سياسية تجر بموجبها إيران لطاولة التفاوض، فيما الدور الخليجي والسعودي الواضح إنما هو عبارة نقل الرسائل الأمريكية، ويظهر في مرات كثيرة كملحق صحفي وإعلامي بوزارة الخارجية والدفاع الأمريكية، ومن هنا فقط يمكن أن نقرأ فحوى ومضمون ورسائل مؤتمر المالكي المتعددة..

وبالانتقال لمستوى أعلى، وكما هو معلوم فالمفاوضات تجري في السر والخفاء على مقايضة أو تسوية شاملة كاملة تبرد كل الجبهات القائمة، وأتت تصريحات بومبيو حول التفاوض مع إيران بلا شروط انعكاساً للتوصل إلى مبادئ مشتركة لبدء انطلاق التسوية المذكورة قد تكون التضحية بنظام الأسد ورأسه هي أولى ثمار تلك التسوية لاسيما بعد الانعطافة الأمريكية الواضحة والاستدارة الكاملة عكس الاتجاه تماماً أو ما تعرف بالـ" U-Turn" في تصريحاتها النارية ضد إيران لتكون تصريحات المالكي التي تعني فيما تعني القضاء على أية احتمالية لعودة علاقات محتملة بين السعودية وسوريا هي بمثابة طوق النجاة وممر إنقاذ للنظام من الموت والفناء...

حديث الصحفي اللبناني خضر العواركة، المحسوب والمقرب جداً من المخابرات السورية، وبالتالي الروس، عن استبدال الأسد بسهيل الحسن يكشف الكثير الكثير. هل يستطيع أبواق المخابرات السورية وذيول الاحتلال الروسي والإيراني في سوريا أن ينشر مثل هذا الكلام الذي ذكره عواركة من دون ضوء أخضر من مكان ما؟ لقد بدا عواركة كما أوعزوا له بدا وكأنه يتباكى على بشار الأسد ولا يريد له أن يسقط، بينما الرسالة الحقيقية من وراء المقال المثير هو فتح الباب أمام ما هو قادم في سوريا. لقد كان بإمكان المتحدث السعودي أعلاه أن يتحدث عن الصواريخ الحوثية من دون التطرق إلى صور بشار الأسد المرسومة عليها، لكنه تعمد التركيز على الصور بإيعاز من السلطات العليا في السعودية لإيصال رسائل محددة. وقد وصلت الرسائل إلى مستلميها هذه المرة. هل نحن بصدد إمكانية أن يكون رأس الطرطور كبش فداء يتم التضحية به على مذبح التسويات؟

===========================

متى ينقلب الاذناب

يحيى حاج يحيى

لا ينقلب الأذناب والمصلحيون على أسيادهم من الطواغيت والظلمة إلا عندما تُهدد مصالحهم وشهواتهم ، ويشعرون أنها قد أفلتت من أيديهم !؟ فكثير منهم عند ذاك سوف يبحث في صفوف الشرفاء عن موضع يستر سوءاتهم التي لم يكونوا يخجلون من ظهورها من قبل !

===========================

إلى جبران باسيل

يحيى حاج يحيى

إلى جبران باسيل الوزير اللبناني !؟

الذي يتخوف من توطين المهجرين السوريين في لبنان !؟

لعمرُك ماضاقت بلادٌ بأهلها / ولكنّ أخلاقٓ الرجال تضيقُ !؟

سورريا لم تضق بالسوريين فمساحتها تكفي لهم ولغيرهم ، وخيراتها تفيض عليهم وعلى من بجوارهم ! ولكن ضيّقها عليهم المقبور حافظ بسياسة البطش ، والمجرم ابنه بعمليات القهر والتهجير !؟ وأنت تعلم هذا ولكنك وأمثالك لا تجرؤون على قول الحقيقة ، بعد أن استمرأتم  الذل على يد قوات الردع بالأمس ، وتهديدات حزب اللات الصفوي اليوم ؟ !

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com