العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-02-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

نظرية التفاوض الإيرانية ــ الأميركية

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 12/2/2020

تبدو احتمالات بدء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران اليوم أبعد مما كانت عليه في أي وقت مضى، وقد وصلت احتمالاتها، في رأي كثيرين، إلى الصفر، بعد تصفية الولايات المتحدة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، وقادة آخرين في مليشيات تتبع إيران في العراق مطلع العام. ويظهر أن سياسة الضغوط القصوى التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالتزامن مع انسحابها من الاتفاق النووي في مايو/ أيار 2018، أدت إلى ردود فعل عكسية في إيران، اذ عزّزت موقف الرافضين لأي مفاوضات مع واشنطن. وفي المقابل، يلاحظ متتبع تاريخ العلاقات الأميركية – الإيرانية، منذ سقوط نظام الشاه عام 1979، أن المفاوضات الأميركية - الإيرانية لم تكن تجري، إلا في أصعب الأوقات، وحين يكون الخطاب العدائي بين البلدين مرتفعا إلى درجة يظن المرء معها أن الحرب واقعة لا محالة. والواقع أن أحدنا يمكنه أن يستخلص نتيجة رئيسية من تتبع تاريخ التعامل بين واشنطن وطهران على مدى العقود الأربعة الماضية، وهي أنه كلما ساءت العلاقات، واحتدّت نبرة الخطاب العدائي في العلن، زادت احتمالات أن يكون الطرفان منخرطين في مفاوضات سرّية. وقد استخلص الأميركيون نتيجةً مفادها بأن إيران لا تفاوض إلا تحت الضغط، ويستدلون على ذلك بسلسلة من الحوادث الشهيرة.

في عام 1980، وفيما كان الإيرانيون يردّدون شعارات "الموت لأميركا"، كانت الحرب مع العراق تدفع حكومة الثورة إلى التواصل سرًا مع حملة المرشح الجمهوري، رونالد ريغان، لحل أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران، حيث تم الاتفاق معها على تأخير إطلاق سراحهم إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، في مقابل وعود بتنفيذ عقود سلاح كانت وقعتها حكومة الشاه، وأوقفتها إدارة الرئيس كارتر بسبب اقتحام السفارة. في عام 1984، وفيما كانت طهران ترمي الشيطان الأكبر بحجارةٍ من سجّيل، كانت مستغرقة سرًا في مفاوضات معه للحصول على دفعة جديدة من إمدادات السلاح، تم شحنها هذه المرة من إسرائيل. واستخدمت إيران في هذه الجولة ورقة الرهائن الذين كان حزب الله قد اختطفهم في لبنان. حولت إيران، بموجب الاتفاق، ثمن السلاح إلى حركة التمرد في نيكاراغو (الكونترا) التي كانت تحارب ضد حكومة الساندينيستا اليسارية، برئاسة دانييل أورتيغا، وقد مكّن ذلك ريغان من الالتفاف على قرار الكونغرس الذي كان فرض حظرا على دعم حركات مسلحة أجنبية.

في إبريل/ نيسان 1988، دمّرت الولايات المتحدة 90% من القدرات البحرية الإيرانية، بعد أن اصطدمت المدمرة الأميركية، صمويل روبرت، التي كانت تتولى حماية ناقلات النفط في الخليج بلغم بحري إيراني. فهمت إيران أن العملية الأميركية تمثل انحيازا كاملا للعراق في الحرب ضدها، فقرّرت قبول قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 لوقف إطلاق النار، بعد أن ظلت ترفضه منذ صدوره في يوليو/ تموز 1987.

في عام 2001 عرضت طهران مساعدة واشنطن في إطاحة نظام حركة طالبان، عبر علاقاتها القوية بتحالف الشمال، وساعدتها كذلك في إطاحة نظام الرئيس صدام حسين، عبر علاقتها مع المعارضة العراقية. ومع تنامي مخاوفها من نوايا واشنطن تجاهها، بعد أن باتت تحيط بها من الشرق والغرب، عرضت طهران تسليم برنامجها النووي، ولكن إدارة الرئيس بوش الابن تجاهلت العرض، لاعتقادها أن النظام الايراني آيل للسقوط، وأن أي مفاوضات معه سوف تعزّز موقعه.

في عام 2013، وفيما كان الرئيس أحمدي نجاد يهدد بإزالة إسرائيل من الوجود، وبحرق الأساطيل الأميركية في المنطقة، كانت إدارته منخرطة في مفاوضاتٍ سرّية مع واشنطن في عُمان، تعود بداياتها، بحسب تفاصيل كشفتها صحيفة وول ستريت جورنال، إلى الأشهر الأولى التي تلت وصول الرئيس أوباما إلى الحكم عام 2009. قبول إيران بالشروط القاسية التي فرضها الاتفاق النووي جاء نتيجة العقوبات الشديدة التي فرضتها إدارة أوباما بين عامي 2010-2012.

بالنتيجة، يمكن القول إن هناك ميلا عاما في العلاقات الإيرانية الأميركية تتزايد وفقا له احتمالات التفاوض طردا مع تزايد منسوب الخطاب العدائي، ما يعني أنه يجدر بنا توقع وجود مفاوضات سرّية تجري الآن بين الطرفين، تحت غطاء سميك من دخان العداء اللفظي.

===========================

موقفنا : كانت الحرب مفروضة على أمتنا ولم تكن خيارنا

زهير سالم

مركز الشرق العربي

16 / 2 / 2020

في عالمنا العربي منذ قرن مضى بشر يدافعون عن حقوق آدميتهم . وحقوق الآدمية منظومة من الحقوق الأولية السابقة في الترتيب الوجودي على منظومات ما يسمى مواثيق حقوق الإنسان . على الإنسان العربي المسلم أن يذل ويضرع ويخاف ويجوع لكي ينعم المسيطرون على هذه العالم برفاهية حقوقهم المخملية !!

صراع الشعوب المسلمة العربية من أجل حقوقها الأولية بدأ منذ الهزيمة الأخيرة لدولة الأمة بعد الحرب العالمية الأولى . وفتحت شعوب هذه الأمة أعينها لترى نفسها تحت نير سيطرة لا قبل لها بها .

حتى الشعوب التي كانت لها اصطفافاتها المغايرة ، وخرجت من الحرب العالمية الثانية في صفوف المنتصرين ، زعموا ، كتب عليها الاستعمار السياسي والعبودية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بأقصى أشكالها . وفرض عليها منذ ذلك التاريخ نظام من الرق والقنانة لا يقل سوء عن أبشع ما شهده تاريخ الحضارة الإنسانية . وأوكل أمر حراسة نظام القنانة هذا ليس إلى مستعمر خارجي ، ولا إلى رهبان كهنوت التفتيش ، وإنما إلى أمثال هؤلاء الذين ما زلنا نعايشهم منذ قرن من الزمان ..القذافي والأسد وما أكثر الجلادين

صراع الشعوب العربية المسلمة من أجل حقوقها الأولية هو نوع من صراع "عبيد روما " بقيادة "سبارتاكوس" ضد سادتها وطغاتها . لا بأس أن نعلم أن سبارتاكوس الذي رفض أن يقتل أخاه العبد على مسرح تسلية الطغاة ؛ قد انكسر . ولكن العبودية في حلقة من حلقاتها التاريخية تلك قد انهزمت . انهزمت بما لم يحص تاريخ الحضارة من تضحيات ..نحكي هذا لنظل على يقين !!

 صراعنا ضد أنظمة الرق والعبودية والقنانة على أرضنا العربية والمسلمة هو شكل من أشكال مقاومة سكان العالم الجديد ضد المستعمرين الحاملين للأسلحة النارية ولقلوب هي كالحجارة أو أشد قسوة . تلك المعركة أزهقت فيها أرواح الملايين من البشر ، ولا تزال سينما الغزاة تصور الضحايا البسطاء المستضعفين على أنهم كانوا هم الإرهابيين والمتوحشين .

وحين تتابع الصمت العالمي على مدى عقد من الزمان على ما يجري في سورية والعراق واليمن وليبية وأفغانستان وأركان تقول : وكأن ما كان هناك هو المطلوب !!

صراع شعوبنا العربية من أجل حقوقها مظهر من مظاهر الصراع ضد التمييز العنصري ، صراع الملونين الأفارقة في ديار استعبادهم . صراع ضد عناوين مثل " يمنع دخول السود والكلاب . ولنعلم أننا هنا لا نتكلم عن تاريخ قديم ، نتكلم عن معركة يقال إنها وضعت أوزارها منذ عقود فقط ، وما نظن ذلك قد كان ..!!

ثورات الربيع العربي نوع من أنواع الصراع الإنساني ضد النازية والفاشية والستالينية والرأسمالية البئيسة ...ضد الذين أعلنوا " موت الله " ووسدوا أمر البشر من بعده لهتلر وموسوليني وستالين وصاحب هيروشيما وناغازاكي ..!!

 نرى ونسمع كل هؤلاء اليوم في حلف واحد ضد الاعتراف بآدمية المسلم العربي استمعوا إلى لافروف يقول " من الخطر أن يحكم " أهل السنة " سورية " !! استمعوا إلى ترامب يعلن عن " 50 مليون دولار لدعم الأقليات العرقية والدينية في سورية "..

يلومنا الكثير من السذج من بني قومنا : كيف اخترتم هذه الحرب ؟!

يا قومنا نحن لم نختر هذه الحرب ..

هذه الحرب فُرضت علينا . فرضها علينا المستكبرون ، ونفذها من أدواتهم الصغار الصغار الولي الفقيه وبشار الأسد وبقية السلسلة من خبث الخيانة والغدر ..

يا قومنا ألم تسمعوا عدو الله حسن نصر الشيطان يعلنها عليكم منذ 2012 : " حربا وجود... " وهل تتأملون في دلالة الكلمات في شعاره عن حرب الوجود . الحرب ضد الملايين من غير المتجانسين ، يعلنها بشار الأسد ، وهل تأملتم دلالة " الملايين من غير المتجانسين "

يا قومنا لم تكن الحرب خيارنا ولا خياركم ، لم تكن خيار أمتكم ولا شعوبكم بل كان التحدي أمامنا جميعا : نكون أو لا نكون ؛ وليس أمام مثل هذا التحدي اختيار ..!!

أتساءل أحيانا : هل تمنى سبارتاكوس يوما لو أنه قتل شقيق عبوديته ولم يخرج على طاعة المستكبرين !!

فكيف تجيبون ؟!

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الظاهر الروسي والخفي الأميركي في سوريا!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 12/2/2020

تزايد على نحو لافت للنظر عدد الذين يعتقدون، أن موسكو وسياساتها في سوريا، هي المتحكم الرئيسي في القضية السورية، وأنها منذ تدخلها العسكري الواسع والمباشر في أواخر العام 2015 زاد حضورها وتأثيرها في القضية السورية لدرجة أصبحت فيها اليوم، صاحبة القرار الرئيسي في المصير السوري، ونتيجة الصورة الروسية الشائعة، تبنى كتاب ورجال سياسة ممن يتابعون القضية السورية إلى ذات الاعتقاد، وزاد عدد المبشرين بالعصر الروسي في سوريا، وأن موسكو صاحبة قرار الحسم في المصير السوري خاصة في ضوء ما يتواصل من تطورات ميدانية راهنة في إدلب ومحيطها وحولها، والذي أدى إلى تآكل وجود التشكيلات المسلحة هناك، واستعادة النظام للسيطرة على نحو ثلث المنطقة، تمهد لسيطرته الكاملة على ما تبقى في وقت لاحق.

وسط المعطيات المحيطة بالوجود الروسي ومجريات التطورات الراهنة في إدلب وحولها، وما يدور حولهما من تزايد للتأثير الروسي الظاهر في القضية السورية. يبدو من المهم استعادة بعض المعطيات والوقائع والتدقيق فيهما، وإعادة تقييم الوضع، ورؤية احتمالاته في المسارات القريبة والبعيدة في القضية السورية.

ولعل أهم ما ينبغي استعادته من الوقائع والمعطيات، تأكيد أن روسيا دولة عظمى، وأن كل الأطراف، لا يمكنها تجاهل وجودها ومصالحها في سوريا، وارتباط الأخيرة بتاريخ وإرث متعدد المحتويات والمستويات مع روسيا، بالإضافة إلى وجود علاقات مميزة روسية مع إسرائيل وتركيا جارتي سوريا في الجنوب والشمال على التوالي، والأهم فيما ينبغي استعادته حقيقة تفويض الولايات المتحدة روسيا بالملف السوري، ولولاه ما كان بإمكان الروس، أن يتدخلوا عسكرياً بالشكل الذي تم في العام 2015 بعد أربعة أعوام ونصف العام من الصراع في سوريا.

وللحقيقة، فإن التفويض الأميركي لروسيا في سوريا، ليس منحة، إنما حاجة ومصلحة أميركية لإدارة قررت، ألا تتدخل مباشرة في قضية معقدة ومكلفة، وتستلزم القيام بأعمال قذرة، يشارك فيها خصوم معلنون لها بينهم إيران وميليشياتها ونظام الأسد، والروس راغبون في القيام بالمهمة، ويملكون كل الإمكانيات اللازمة، وفوق ذلك كله، فإنهم لن يكلفوا واشنطن أي أعباء سياسية أو مادية، بل سيجعلون من واشنطن، حيث رغبت في أن تظهر معارضتها لسياسات مواقف الروس القائمين بالمهمة، ويمكن لها في أي مرحلة من المراحل، أن تتدخل لتكون طرفاً في تسوية، تحفظ لها مكانتها وحصتها في الكعكة السورية.

قبول موسكو بالتفويض الأميركي في سوريا، كان ولا يزال يلبي كثيراً من مصالح الروس. فهو يعيدهم إلى سوريا ومياه المتوسط بعد أن سجلوا فيهما غياباً شبه كامل لسنوات طويلة، ويسمح لهم بالسيطرة على موارد ومزايا بلد له مكانة إقليمية مهمة أو المشاركة فيها على الأقل، ويقوي حضورهم الإقليمي وعلاقاتهم مع دول المنطقة على اختلافها وخلافاتها، ويخفف من إثر العقوبات المفروضة عليهم بسبب سياساتهم في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، بل ويجعل من وجودهم في سوريا ومنطقة شرق المتوسط بوابة لمساومات وتسويات في موضوعات أخرى متعددة.

وسط تلك المعطيات والوقائع، مضى التفويض الأميركي للروس في سوريا محاطاً بآمال متناقضة من الطرفين الروسي والأميركي. حيث الأول يأمل أن يكون تدخله في سوريا فرصة لاستعادة كاملة لمكانته عبر منافسة واشنطن على سيطرتها الإقليمية، وأن يستعيد الروس مكانتهم في منافسة واشنطن على زعامة العالم، فيما يأمل الثاني في إبقاء الدور الروسي في إطار استراتيجيته، وجعله أداة غير مباشرة في خدمة أهدافه في سوريا والمنطقة، ومن هذا الموقع، يمكن مراقبة سياسات وسلوكيات الإدارة الأميركية في التعامل مع الروس في سوريا بالتدقيق في ثلاث نقاط أساسية، أولها مقاومة الولايات المتحدة لأطروحات الحل الروسي في سوريا، وهذا ما بدا واضحاً في حرص واشنطن على منع تغليب آستانة وسوتشي على المسار الدولي في جنيف، الذي لا ترغب الولايات المتحدة في دفنه، حتى لا يصبح المسار الروسي بديلاً عنه.

والنقطة الثانية، إصرار واشنطن على خلق حليف محلي قوي ومضمون، وهو ما وجدته بقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، التي يمثل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي(PYD) قوتها الرئيسية، حيث أشركته في الحرب على «داعش»، وساعدته في السيطرة على منطقة الجزيرة، التي تمثل خزان القدرات الأساسية في سوريا ومنها المياه والنفط والغاز والزراعات الاستراتيجية من حبوب وقطن، وعندما حاول الروس عبر مرتزقتهم من منظمة فاغنر التمدد في المنطقة بالهجوم على قاعدة قوات سوريا الديمقراطية قرب حقول نفط دير الزور في فبراير (شباط) 2018، قام الأميركيون بتدمير المهاجمين على وجه السرعة دون أن يتجرأ الروس على الاعتراض، بل رفضوا مجرد الاعتراف بوجود مرتزقتهم.

النقطة الثالثة، تثبيت وجود عسكري أميركي في سوريا. ولئن بدا هذا الوجود رمزياً من حيث عدد القوات وما يرافقها من معدات، فلا بد من النظر إليه بما يتجاوز تلك الرمزية من حيث وجود نحو عشر قواعد عسكرية أميركية في الأراضي السورية، تضاف إلى قواعد تدعمها موجودة في الجوار وخاصة التركي والعراقي، ثم هناك الحلفاء المحليون المضمونون على الأرض من قوات «قسد» الذين أثبتوا حرصهم الشديد على البقاء في الحضن الأميركي الذي وإن لم يوفر لهم فرصة انتصار مشروعهم، فإنه حماهم من الدمار على أيدي خصومهم الكثيرين.

خلاصة القول، فإن الوقائع تؤكد، أن الصورة عن الروس في حضورهم وتأثيرهم في سوريا، ليست كما تبدو، وأن مشكلة السوريين الحقيقية، ليست عند الروس، ولا في وجودهم وسياساتهم رغم ما يمثله ذلك من أهمية في بعض السياسات والمواقف. بل إن المشكلة عند الأميركيين الذين أعطوا تفويضاً للروس، لا يؤهل الأخيرين للمضي إلى حل كامل، ولا يجعل الأميركيين يذهبون إلى حل يرونه مناسباً في القضية السورية، وفي ظل استمرار الوضع على ما هو عليه فإن المسلسل سيظل مستمراً، ويظل السوريون بانتظار حل بعيد لقضيتهم.

===========================


العدالة أبرز ضحايا الحرب السورية

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 10/2/2020

لا يؤسس مشهد البلاد الحالي لأفق تسوده مطالب الثورة البكر. وبين ثلاثي الحرية والكرامة والعدالة تبدو الأخيرة هي الأبعد، حتى دون الاستجابة لمزاج قانط بات يرى أنه يستحيل تحقيق أي من هذه «الشعارات» مع التقدم العسكري المطّرد للنظام الذي ازداد وحشية. فيما يؤكد آخرون أن السيطرة على الأرض لن تحمي الأسد من الخضوع لاستحقاق الانتقال السياسي، بضغط دولي، في نهاية المطاف.

غير أن العدالة تبدو أضعف معالم المرحلة المقبلة أياً كانت.

العدالة الصافية

ما كان يبدو واضحاً في صيف 2011 بات الآن شديد التعقيد. كان المطلوب محاسبة من سفكوا الدماء من رجال النظام خلال عمره القمعي المديد، وبالأخص في الأشهر الأولى للثورة. كان عدد هؤلاء محدوداً نسبياً، وكان تعيينهم ممكناً مع وفرة الشهود وتوالي المنشقين. لا سيما مع النظر، وقتها، إلى عموم المنفذين على أنهم من «إخوتنا» المغلوبين على أمرهم في الخدمة العسكرية الإجبارية، وحتى في أجهزة الأمن بنظر البعض، الذين يتحينون الفرصة للانشقاق وتغيير اتجاه البندقية، أو العيش بسلام.

أطاحت السنوات بهذا السيناريو البسيط. اجتذبت رائحة الدم عشرات ألوف المتطوعين الشرسين في القوات النظامية والرديفة ومجموعات الشبّيحة. لبس كثير من الإلزاميين دورهم طوعاً وتورطوا فيه حد الحماسة. بعد أن جف تقاطر المنشقين أخذت اتفاقات «المصالحات» تقلب البوصلة فيتوجه ثوار سابقون للقتال في إدلب وحماة واللاذقية وحلب وسواها. أسهمت ميليشيات أجنبية بالقسط الأكبر من العمليات التي أوقفت تهاوي النظام، وبات تخيّل مشهد محاسبة هؤلاء سوريالياً، عبر محكمة دولية في لبنان والعراق وإيران وروسيا وأفغانستان وباكستان! ناهيك عن «تلطخ» جهات عسكرية ثورية وإسلامية بالدم الحرام؛ سواء بالقمع في مناطق سيطرتها، أو بإطلاق قذائف بدائية سيئة التسديد على مناطق سيطرة النظام التي يقطنها مدنيون، أو بالاحتراب الداخلي.

العدالة الانتقالية: لم يوجد هذا المفهوم للسخرية من كثرة دوراته في عنتاب. لقد نشأ بالضبط استجابة لأوضاع مشابهة آل إليها الصراع في بلدان أخرى. وهو يتأسس على تقديم بعض القرابين الكبرى من القادة والمسؤولين على مذبح الطريق إلى المصالحة الوطنية

العدالة الانتقالية

لم يوجد هذا المفهوم للسخرية من كثرة دوراته في عنتاب. لقد نشأ بالضبط استجابة لأوضاع مشابهة آل إليها الصراع في بلدان أخرى. وهو يتأسس على تقديم بعض القرابين الكبرى من القادة والمسؤولين على مذبح الطريق إلى المصالحة الوطنية، لبثّ الشعور بأن قدراً رمزياً مهماً من العدالة قد توافر بعدما تعذر تحقيقها كلياً، بالتزامن مع انتقال سياسي يُفترض أن تشهده البلاد نحو صفحة جديدة عادلة من مستقبلها.

لكن السخرية تبدو قدَر هذا المصطلح في السياق السوري. منذ البداية لأنه طُرح مبكراً على ناشطين من الثورة والمعارضة في زمن أملهم بالعدالة الصافية، وثانياً لأنه بدا حُسن نيةٍ من طرف واحد، ما دام النظام لم يأبه له نهائياً، لا أوقات انحسار سيطرته على الأرض، وبالتأكيد ليس في هذه الأيام التي تنبش فيه قواته قبور الشهداء من خصومها في المناطق «المطهرة» حديثاً.

خارج الاشتراطات الأكاديمية، ولكن ربما في عمقها، لا يمكن للعدالة الانتقالية أن تتحقق إلا استجابة لتوازن قوى متكافئ وترجمة لميزان من الدم! وهو ما سنعود للحديث عنه.

العدالة «الانتقائية»

يوافق الكثيرون على هذا الوصف الذي اختاره الشيخ معاذ الخطيب لعملية توقيف إسلام علوش (مجدي نعمة) في فرنسا أواخر الشهر الماضي. تفيض العلاقة بين الرئيس الأسبق للائتلاف الوطني وبين الناطق السابق باسم جيش الإسلام على مجرّد كونهما «إسلاميَّين» بطريقتين مختلفتين. في الحقيقة لم يعد الإسلاميون يتمتعون بسمعة ناصعة في أوساط الثورة هذه السنوات، لا فقط بين علمانييها وناشطيها المدنيين. وبين الفصائل الإسلامية قد يبدو جيش الإسلام الأشد عرضة للانتقاد. لا ينسجم هذا مع قدر لا يمكن تجاهله من التعاطف الذي حظي به إسلام علوش في حواضن الثورة التي تنحو، من جهة أخرى، إلى إدانة التهمة الأولى المتواردة في الذهن تجاهه، وهي قضية مخطوفي دوما الأربعة، رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، التي شكلت إهانة للثورة تراجع عدد الذين يمارون فيها بالتدريج، وتشير الأدلة إلى مسؤولية جيش الإسلام عنها.

وفي حين لاقى احتجاز علوش ارتياحاً ملحوظاً في الأوساط الحقوقية والمدنية والإعلامية، وهي الأظهر صوتاً، فإن قطاعاً عريضاً من المتذمرين بهمهمة خافتة، غالباً، انطلقوا من خلطة من القناعات والدوافع التي تبدأ من تآزر الأخوّة الدينية، وتسأل، دون دراية كافية، عن سبب الاستقواء على علوش و«تجاهل» محاسبة نموذج صارخ كرفعت الأسد، وتصل إلى استحضار الماضي الاستعماري و«الصليبي» لفرنسا والغرب، دون أن تغفل عن الغمز من مازن درويش، رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، والذي بنى القضية، بأنه «علوي»، استئناساً بالأصل «المسيحي» لأنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، والذي بنى قضية مشابهة طالت منشقَّين في ألمانيا منذ عام.

هل يبدو هذا خطلاً؟ نعم، لكنه شائع.

تبقى، في قضية علوش، نقطة مهمة ربما لم تأخذ حقها من الإضاءة، هي أن وحدة جرائم الحرب التابعة لمحكمة باريس اتهمته بارتكاب «جرائم التعذيب والإخفاء القسري». في ذمة جيش الإسلام قضية مخطوفي دوما الأربعة، وقضايا عدد كبير من الأهالي هناك ذاقوا طعم سجن التوبة وسواه. لكن ما قد يثبت عليه بشكل أسهل هو احتجاز سكان من عدرا العمالية لسنوات، وفيهم رجال ونساء وأطفال كما بث إعلام «الجيش» نفسه. وفي ذمته مئات المخطوفين على خلفية طائفية من أنحاء مختلفة من الغوطة قبل المفاصلة الجغرافية المذهبية، وقد رأينا خيبة أمل ذويهم عندما خرجت الباصات الأخيرة من دوما دون الكشف عن مصيرهم.

ما العمل لو شارك هؤلاء في القضية ضد علوش؟ لا شك أن العدالة المحضة تقتضي الترحيب بهم كمدّعين إضافيين طالما أنهم يمثلون مدنيين. غير أن هذا سيزيد المشهد حوَلاً إذ يضاف إليه مؤيدو النظام هؤلاء، القادمون من ضواحي دمشق وجبلة وطرطوس، جنان الإفلات من العقاب.

لا ينسجم الانتقام مع المعطيات الحقوقية للعدالة، بالتأكيد. لكنه وسيلة الجماعات لتحصيل حقها «العام» حين يتعذر الوصول إلى الجناة بأعيانهم في العدالة الصافية

 «العدالة الانتقامية»

لا ينسجم الانتقام مع المعطيات الحقوقية للعدالة، بالتأكيد. لكنه وسيلة الجماعات لتحصيل حقها «العام» حين يتعذر الوصول إلى الجناة بأعيانهم في العدالة الصافية، أو إلى رموزهم في العدالة الانتقالية، التي تتطلب، كما سبق التوقع، إحساس أطراف النزاع بأنها أَثخَنت وأُثخِنت بما يكفي. هذا ليس عدلاً ولكنه واقع. لنقرأ التاريخ قبل أن نتهم أحداً بالإساءة إلى المحكمة الموقرة. القانون فوقي وثقيل على النفس، والغرائز أصيلة ومستمرة.

وفي ظل صراعٍ بات التعريف الطائفي أبرز وجوهه، فإن الجماعات لن تشفي غليلها إلا حين تتقارب كمية براميلها من دماء العدو. وبما أن هذا يبدو بعيداً الآن، بالنظر إلى التفاوت النوعي في السلاح، فلن تستقر الكفة إلا بشكل عارض، وبالبوط. هذا ما يعرفه النظام جيداً ويمارسه غريزياً بوصفه سبيل خلاصه الوحيد. لكنه لن ينجو، ولن تفلح البلاد في تجنب دورة دموية ثأرية جديدة بمجرد أن تسنح الفرصة.

ليست هذه رغبة كاتب هذه السطور. لو استطاع المرء أن يرسم مستقبلاً لبلده فسيرجو لها خياراً أفضل. لكن أحكام التاريخ تلقننا دروساً قاسية، فلنأمل أن تخيب...

===========================

تركيا والقرارات الأصعب

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 10/2/2020

صحيح أن الدول ليست جمعيات خيرية، وصحيح أن من حقها أن تضع مصالحها فوق كل اعتبار؛ ومؤكدٌ أنها إذا عرفت طعم الديمقراطية تحترم حقوق الإنسان. وربما تكون عينها على ما يحدث خارج حدودها صاحية. تركيا، ها هنا ليست استثناءً؛ فبحكم الجغرافيا والتاريخ، اهتمت بما جرى ويجري في سوريا. ومنذ اندلاع الأحداث في سوريا، عبّر مسؤولوها عن ذلك. ولا ننسى ما قاله مؤسس حزب العدالة والتنمية فيها بأن "أي نار في سوريا، كأنها في تركيا". تصريحات مسؤوليها الحاليين تجاه أحداث سوريا ذهبت في ذلك الاتجاه، ولكنها اصطدمت على الدوام بخذلان الناتو؛ - وهي عضو فيه - وبتوجّس من التذبذب الأمريكي، ومبدأ السياقة من الخلف تجاه القضية السورية، وخاصة عندما عبّرت عن نيّتها في إقامة منطقة آمنة لملايين السوريين الذين تدفقوا إليها هرباً من جحيم طائرات "الوطن" منذ عام 2012.

بعد التدخل العسكري الروسي المكثف في سوريا، زادت تعقيدات المشهد بالنسبة لتركيا. دخلت مضطرّة مع فصائل الجيش الحر في اتفاقيات "خفض تصعيد" مع روسيا ومن تحميه أو "تضمنه"، علّها تساهم بخفض منسوب الدم والخسائر المحتمة أمام قطب دولي كان يوماً نظيراً ونداً لأمريكا، قطباً يتحالف مع مشروع إيراني توسعي خبيث، ونظام قرّر أن يقتل شعبه، ليبقى في السلطة. دخلت تركيا ومعها الفصائل في ظل خذلان أمرو-أوربي كانت مهمته الكلام والوعيد والإدانة والسياقة من الخلف. حمَلَت اتفاقات "خفض التصعيد" تلك بذور خرقها في بنيتها الأساس: فخفض التصعيد لا يشمل من سمّاهم حلف روسيا "الإرهابيين"؛ وهذا المصطلح ينطبق على كل سوري ليس مع النظام بعرفه. تمت الخروقات لتلك الاتفاقات؛ وكان أول من يركب باصات الرحيل "هيئة تحرير الشام" أو ما كان يُعرَف بالنصرة، لاستكمال مهامها في مناطق أخرى قادمة وبانتظار خرق جديد ، ونهاية اتفاقية جديدة؛ لتكون المحطة الأخيرة إدلب التي كانت رهينة للجولاني قائد النصرة كممثل محترف للنظام.

كانت أخف الأوصاف التي تُطلق عليها تجاه هذه المسألة /التردد/ و/الجُبن/؛ ولكن الأقسى عليها كان /التآمر/ مع روسيا

ويالعودة إلى تركيا، وفي ظل كل ذلك، كانت أخف الأوصاف التي تُطلق عليها تجاه هذه المسألة /التردد/ و/الجُبن/؛ ولكن الأقسى عليها كان /التآمر/ مع روسيا. والحجة التي تُساق للبرهان على ذلك أن المصالح التي تربط تركيا بروسيا (اقتصاد بالمليارات وفتور مع الغرب)، تدفعها لبيع السوريين والاستهتار بمصيرهم. أصحاب تلك السرديات يريدون لتركيا -في ظل خذلان من الناتو وأمريكا تحديداً، وفي جو من النفور والعداء العربي، وفي سياق تكبيلها الاقتصادي والتهديد الدائم لعملتها- أن تُقْدِمَ على الانتحار في مواجهة روسيا وإيران، وأن تندفع -ضمن هذا اللاتوازن المرعب، والسير على حد السيف بين مطارق الإجرام وسنادين الخذلان- باتجاه حروب لا تبق ولا تذر.

لم يكن اعتذار تركيا لروسيا عن إسقاط طائرة لها، كانت تقتل السوريين، بالأمر السهل أو العابر؛ إلا أنه كان بداية الاستبداد الروسي بتركيا في سوريا. فروسيا لا تريد منافساً لها في القضية السورية؛ وأي يد تدخل لا بد أن يكون تحريكها بتخطيط وإرادة روسية وبخدمة أهدافها الاحتلالية للمكان.

سعت تركيا، عبر السير على حد السيف، أن تحافظ على بعض ماء الوجه؛ وخاصة تجاه ما يحدث مؤخراً في الشمال السوري، مذكّرةً أحياناً باتفاقات أضنة، وأحياناً باتفاقات خفض التصعيد. وكانت الصدمة الكبرى باستهداف جنودها مباشرة، وقتل عددٍ منهم على يد الميليشيات العاملة تحت إدارة الروس. ردّت تركيا، وأعلنت قتل 35 ممن استهدفها. والمفارقة أنه حتى محاولة الحفاظ على بعض ماء الوجه تلك، لم تمررها روسيا؛ التي كذّبت التصريح التركي من جانب، وألقت باللائمة على الأتراك، بأنهم مَن تسبب بكل ذلك؛ لأنهم لم يُعلِموا الروس بمسير قافلتهم. ولو أنهم أخبروا الروس -أولياء أمر المنطقة- لما حصل لجنودهم ما حصل. وإمعاناً بالإهانة، صرّح الروس بأن الأتراك يقصفون من أرضهم خارج الحدود السورية؛ وذلك مخالفة للاتفاقات؛ وكأن الروس ملتزمين بالاتفاقات. وعندما ارتفعت عقيرة الأتراك بتصريحات حادة تجاه نظام الأسد والروس، قابلهم الطرف الآخر ببرودة وإهانات هادئة.

أمام هذا الحال، ما العمل؟! لا تستطيع تركيا أن تنكفئ، رغم خذلان أمريكا والناتو؛  فلا غنى لها عنهما، ولا غنى لهما عنها، أين تذهب بقاعدة "أنجرلك" مثلا؟. من جانب آخر، لا أحد يعرف بوتين بقدر ما تعرفه تركيا؛ ولا أحد يخبر منظومة الأسد بقدر ما تخبرها. لم يبق أمام تركيا إلا مواجهات متعددة. ولا يمكنها الاستمرار بهكذا حال تجاه القضية السورية. تركيا ليست بخبث بوتين، ولا بقوته؛ وما من دولتين بينهما ثلاث جبهات (القرم وليبيا وسوريا) كما بين الدولتين؛ ولكن مواجهة البلطجة ونكث العهود والإهانات تحتاج إلى ردع. من جانب آخر، لا بد من إشعار أوروبا أيضاً بأن موجات نزوح تلوح في الأفق تجعل حكوماتها تستنفر، وتضع روسيا في حالة حرج خانقة. الأهم من كل ذلك، أمام تركيا إما أن تزيل الذريعة التي يتسلّح بها الجميع: "النصرة"، أو أن تضعها ضمن امتحان يقلب كل المعادلات. وأخيراً على من تقف تركيا معهم ومع أهدافهم، أن يقوموا بما عليهم؛ وبذا، هي تنقذ نفسها، وهم يستعيدون وطنهم.

===========================

حرب طريق "إم 5" تقترب من نهايتها في سورية

مصطفى رجب

العربي الجديد

الاثنين 10/2/2020

لم يعد يفصل قوات النظام السوري عن السيطرة على الطريق الدولي الذي يربط شمال البلاد بوسطها إلا عدة كيلومترات. كما أن قوات النظام لم تكتف بالتقدم، بدعم روسي مباشر، في تحدٍ واضح للجانب التركي، بل إنها حاصرت نقطة مراقبة تركية جديدة، بعد فشل مباحثات في أنقرة بين وفدين، تركي وروسي، حول الوضع في محافظة إدلب ومحيطها، وهو ما فتح الباب أمام كل الاحتمالات، بما فيها المواجهة العسكرية.

وما يعزز هذا الاعتقاد، دفع الجيش التركي لتعزيزات كبيرة إلى الداخل السوري، في خطوة تؤكد جدية تنفيذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تهديده بدفع قوات النظام بالقوة إلى خلف النقاط التركية المحاصرة في أرياف حماة وإدلب وحلب. وقالت مصادر محلية، لـ"العربي الجديد"، أمس الأحد، إنه لم يعد يفصل قوات النظام عن أهم الطرق في سورية، وهو طريق حلب- حماة، أو ما يعرف بـ"إم 5"، سوى كيلومترين، بعد سيطرتها على قرى الزربة والبرقوم والكماري والصالحية والكلارية في ريف حلب الجنوبي. وكانت قوات النظام أعلنت، ليلة السبت - الأحد، السيطرة على منطقة إيكاردا في ريف حلب الجنوبي وقرى الطلحية، وجب كاس، والبوابية شمال شرقي إدلب، التي تقع على الطريق الدولي حلب ــ دمشق. وبهذه السيطرة يكون قد تبقى لها أقل من 15 كيلومتراً للسيطرة على كامل الطريق الاستراتيجي.

وأكدت مصادر محلية أن قوات النظام ومليشيات تساندها حاصرت، بدعم جوي روسي، نقطة المراقبة التركية في الهضبة الخضراء قرب بلدة العيس في ريف حلب الجنوبي، بعد إحكام السيطرة على البلدة وتلّتها. وبسيطرة قوات النظام على بلدة العيس وتلتها ومنطقة إيكاردا، وهي عبارة عن مجموعة مبان تتبع لمركز بحثي زراعي أممي وكانت تعتبر من أكبر معسكرات الفصائل المسلحة في المنطقة، تكون قد أزالت أكبر عقبتين من طريقها للوصول إلى السيطرة الكاملة على الطريق الدولي. وأشارت مصادر محلية إلى أن قوات النظام تتقدم في ريف حلب الجنوبي من دون أي مقاومة من قبل الفصائل المسلحة، موضحة أن التقدم يترافق مع قصف مدفعي وصاروخي. وبيّنت أن هذا التقدم مكّن قوات النظام من الاقتراب من مطار تفتناز، الذي أقام فيه الجيش التركي، الأربعاء الماضي، نقطة عسكرية، إذ باتت المسافة الفاصلة بين هذه القوات والمطار لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات.

من جانبها، ذكرت صحيفة "الوطن"، التابعة للنظام، أن "بلدات ريفي إدلب الشرقي وحلب الجنوبي تساقطت كأحجار الدومينو" في قبضة قوات النظام، التي "سيطرت على جزء من الطريق الدولي الذي يصل حماة بحلب شمال سراقب، وباتت أدنى من قاب قوسين لمد نفوذها على كامل الطريق وصولاً إلى مدينة حلب". وأشارت الصحيفة إلى أنه "عقب السيطرة على بلدة العيس وتلتها، التقت المجموعات المتقدمة من ريف إدلب الشرقي مع تلك المتقدمة من ريف حلب الجنوبي في بلدة العيس بريف حلب". ونقلت عن "مصادر ميدانية" قولها إن قوات النظام حاصرت النقطة التركية في تلة العيس بريف حلب الجنوبي، لتكون سادس نقطة تركية محاصرة. وأشارت إلى أن قوات النظام قلصت المسافة مع مدينة أريحا في ريف إدلب الجنوبي، والتي تقع على الطريق الدولي الذي يربط شمال سورية بغربها، إلى نحو 6 كيلومترات، وأنها أنهت تمشيط أحياء مدينة سراقب، التي تشكل عقدة لالتقاء طريقي حلب حماة، وحلب اللاذقية. وأعلنت قوات النظام، في بيان أمس الأحد، أنها "حققت إنجازات ميدانية نوعية، والتقت القوات المتقدمة من ريف إدلب الشرقي بالقوات المتقدمة من اتجاه حلب الجنوبي"، مشيرة إلى "استعادتها السيطرة على مساحة جغرافية تزيد عن 600 كيلومتر مربع، وأحكمت السيطرة على عشرات البلدات والقرى والتلال الحاكمة".

وجاءت هذه التطورات الميدانية المتسارعة عقب فشل المباحثات بين الجانبين التركي والروسي في أنقرة. وفي اعتراف ضمني بفشل المباحثات، نقلت وكالة "الأناضول" عن مصادر دبلوماسية تركية قولها إن "الوفدين قررا عقد مباحثات أخرى خلال الأسابيع المقبلة"، مشيرة إلى أنهما ضمّا مسؤولين عسكريين واستخباراتيين من البلدين. وأوضحت أن نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال ترأس الوفد التركي، فيما ترأس الوفد الروسي نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين، والمبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية ألكسندر لافرنتييف.

وفي السياق، قال مصدر عسكري في المعارضة السورية، لـ"العربي الجديد"، إنّ الاجتماع، الذي عقد لإيجاد صيغة جديدة للتوافق حول إدلب، "قد باء بالفشل". وأشار إلى أنّ الوفد الروسي جاء إلى الاجتماع بخريطة جديدة لـ"منطقة خفض التصعيد"، تمتد من الحدود التركية – السورية وحتى عمق 30 كيلومتراً، إلا أنّ الجانب التركي رفض الخريطة والطرح الروسي بالمطلق. وبحسب المصدر، فإنّ الروس أصرّوا أيضاً على استكمال العمليات العسكرية حتى السيطرة على كامل الطريقين الدوليين حلب ــ اللاذقية (إم 4)، وحلب ــ دمشق (إم 5)، والإبقاء على كل المدن والبلدات التي دخلتها قوات النظام على جانبي الطريقين تحت سيطرتها. ولفت المصدر إلى أنّ الوفد التركي أصرّ على انسحاب قوات النظام، والمليشيات التي تسانده، إلى ما وراء النقاط التركية، تطبيقاً لاتفاق سوتشي الموقّع بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، في العام 2018، وأنه رفض التفاوض على أقل من ذلك. وفتح عدم الاتفاق التركي الروسي الباب أمام كل الاحتمالات في الشمال الغربي، بما فيها المواجهة المباشرة بين الجيش التركي وقوات النظام.

وحذر وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في مقابلة مع صحيفة "حرييت" نشرت أمس الأحد، من أن أنقرة ستغير مسارها في شمال غرب سورية إذا تواصل خرق اتفاقات وقف إطلاق النار في إدلب. وقال "إذا تواصل خرق الاتفاق، لدينا خطة ثانية، وخطة ثالثة"، مضيفاً "نقول في كل مناسبة: لا تضغطوا علينا، وإلا فخطتنا الثانية وخطتنا الثالثة جاهزتان". ولم يعط الوزير تفاصيل حول الخطتين، لكنه أشار إلى العمليات العسكرية التي نفذتها أنقرة في سورية منذ 2016. وقال أكار "نقاط المراقبة التابعة لنا في المنطقة ستبقى مكانها بموجب الاتفاق"، موضحاً أن تركيا تواصل إرسال إمدادات إلى نقاط المراقبة بالتنسيق مع السلطات الروسية. وقال "رغم ذلك، إذا ظهرت أمامنا أي عوائق، نقول بوضوح إننا سنفعل ما يلزم". وتابع "هدفنا الأساسي هو منع الهجرة ومنع حصول مأساة إنسانية. نعمل على تحقيق وقف لإطلاق النار بأسرع ما يمكن ووقف سفك الدماء".

 

في غضون ذلك، لا يزال الجيش التركي يحشد قوات في الأراضي السورية، في استعداد كما يبدو لعمل عسكري واسع النطاق، في حال عدم انصياع النظام لطلب أنقرة الانسحاب إلى خلف النقاط التركية نهاية الشهر الحالي. ودخلت، أمس الأحد، تعزيزات عسكرية تركية، قدرها مصدر في فصائل المعارضة بنحو 100 آلية عسكرية، موضحاً أن التعزيزات تشمل دبابات ومدافع ومدرعات وناقلات جند، مشيراً إلى أنها دخلت محافظة إدلب عبر معبر قرية كفرلوسين على الحدود السورية التركية، وتوزعت على مطار تفتناز شمال مدينة إدلب، ومعسكر قرية المسطومة جنوبها، بالإضافة إلى مدخل مدينة إدلب الشرقي. وحسب إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن الشاحنات والآليات العسكرية، من دبابات وناقلات جند ومدرعات ورادارات، والتي دخلت الأراضي السورية منذ الثاني من فبراير/شباط الحالي، وصل عددها إلى أكثر من 1240، مشيراً إلى وجود نحو 5000 جندي. وذكرت "الأناضول" أن قافلة التعزيزات الجديدة تضم دبابات وذخائر، وقد توجهت نحو نقاط المراقبة داخل إدلب، وسط إجراءات أمنية مشددة.

بموازاة ذلك، قال مراسل "العربي الجديد" إن الجيش التركي نشر قوات على تلة قرب قرية قميناس، جنوب شرقي مدينة إدلب، التي باتت قوات النظام على مقربة منها. وأوضح أن التلة تمتاز بموقع استراتيجي، بسبب ارتفاعها وإشرافها على قرية النيرب التي سيطرت عليها قوات النظام، بدعم روسي، قبل يومين. وكان الجيش التركي قد أنشأ أخيراً العديد من نقاط المراقبة الجديدة في محيط سراقب، وفي مطار تفتناز. وقال المحلل السياسي التركي أوكتاي يلماز، لـ"العربي الجديد"، إنه ليس هناك اتفاق تركي روسي، لكنه أضاف "لا يمكننا القول إن المباحثات فشلت. هناك اتفاق على متابعة التفاوض". وأشار إلى أن الجيش التركي "يتجه نحو مواجهة قوات النظام بالقوة في حال استمرار تقدمها"، مضيفاً "الروس لم يحترموا التفاهمات مع تركيا، ويريدون الوصول إلى الطرق الدولية والتوقف عند هذا الحد".

وعقب التطورات المتلاحقة وتواصل تقدم قوات النظام باتت فصائل المعارضة السورية محصورة في منطقة جغرافية ضيقة للغاية، في ظل عدم قدرتها على استعادة زمام المبادرة، والانتقال إلى موقع الهجوم، في ظل الدعم الجوي الروسي. وفقدت المعارضة السورية خلال الحملة الراهنة معاقل بارزة لها، أبرزها معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي وسراقب في ريف إدلب الشرقي، إضافة الى الايكاردا والعيس والزربة في ريف حلب الجنوبي، الذي لطالما شهد معارك كبرى بين فصائل المعارضة و"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) من جهة وبين المليشيات التابعة إلى إيران من جهة أخرى. وباتت مواقع المعارضة السورية في ريف حلب الغربي مهددة بالسقوط، ومنها خان العسل، ودارة عزة والأتارب والمنصورة. وفي الشمال الغربي من مدينة حلب تسيطر فصائل معارضة و"هيئة تحرير الشام" على حي الليرمون وعلى مدن وبلدات كفر حمرة، وحريتان، وعندان، وبيانون، وحيان، ومعارة الأرتيق. ويحمل القيادي السابق في الجيش السوري الحر المقدم سامر الصالح مسؤولية تراجع الفصائل المسلحة إلى "سكوت الأطراف الفاعلة دولياً عما يحصل، بالإضافة إلى عدم تسليح الفصائل بشكل يحول دون تقدم الروس والإيرانيين، ناهيك عن القصف الممنهج والعنيف للحاضنة والمدن". واستبعد، في حديث مع "العربي الجديد"، مواجهة بين الأتراك والنظام "لأن النظام أذكى من أن يحشر نفسه بمواجهة مع الأتراك"، مضيفاً "المشكلة مع الروس".

على الصعيد الإنساني، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عدد النازحين من إدلب، منذ بدء الهجوم البري في 24 يناير/كانون الثاني الماضي بلغ نحو 340 ألف مدني، في حين ارتفع عدد النازحين من حلب وإدلب، منذ منتصف يناير إلى 440 ألف مدني، مشيراً إلى أن العدد الإجمالي، منذ مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، يصل إلى نحو 870 ألف نازح من محافظة إدلب وريف حلب.

===========================

حصة روسيا وحسابات تركيا المحدودة

العربي الجديد

عمار ديوب

10 فبراير 2020

أنهت روسيا بالقوة كل مناطق خفض التصعيد في سورية، حيث أصبحت خاضعةً لسيطرتها؛ النظام الآن تابع لها. اطمئنانها لهذا الأمر آتٍ من صمتٍ وموافقة أميركيين على هيمنتها على سورية، منذ سبتمبر/ أيلول 2015. وهذا سيحجّم طموحات الدول الإقليمية، أي إيران وتركيا. ساهمت الأخيرة، عبر "مسار أستانة" بصفقة مناطق التصعيد، توهمت أن روسيا ستجعل منها شريكاً في سورية، وتبقي المناطق التي بادلتها إياها تحت سيطرتها "مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام"، وكذلك إدلب المشمولة باتفاقية سوتشي بين القيصر والسلطان؛ روسيا الساعية إلى هيمنة منفردة على سورية، وهو حال الدول العظمى في السيطرة، ناورت كثيراً، وتحققت لها، وعبر تركيا وأميركا، السيطرة على مناطق خفض التصعيد، ولكن ذلك ليس نهاية المطاف، وها هي تحاول التحرّك تارةً نحو إدلب وتارة نحو شرق الفرات. معركة إدلب أسهل، حيث تخشى تركيا المواجهة، والأحداث أخيرا ومقتل جنود أتراك، من دون ردٍّ تركي حقيقي، توضح ذلك. وهناك اتفاقيات سرية وعلنية بينهما، ولا بد من فتح الطرق الدولية، واجتثاث الجهاديين. وفي إطار ذلك، ستستغل روسيا الحرب لتوسيع المناطق الواقعة تحت سيطرتها. روسيا الآن، وبعد تقدّم قوات حلفائها وتحت إشرافها، ستعقد

"مشكلة روسيا الكبرى مع أميركا، حينما يتفعّل قانون سيزر، وبالتالي ربما تترك بعضاً من المناطق تحت السيطرة التركية"اتفاقاً جديداً أغلب الظن، وستحشر فيه ملايين السوريين على الحدود مع تركيا، وستورّط الأخيرة بتلبية احتياجاتهم وحل مشكلاتهم؛ ربما ذلك، وربما تدفع بهم إلى تركيا أيضاً!.

ليس التصعيد التركي أخيراً ذا معنى، وتصريح أردوغان عن ضرورة تراجع النظام، حتى نهاية فبراير/ شباط عن المناطق التي احتلها، هو بحد ذاته تدوير للزوايا مع الروس، وريثما يتم الوصول إلى اتفاقٍ جديد، سترضى به تركيا، وأياً كان ذلك الاتفاق!، وبالتالي ليس التصريح السابق بمثابة موقفٍ تركيٍّ "ناري"، وتهدف عبره إظهار العين الحمراء للروس، كي يتوقفوا عن التقدّم وترك مناطق السيطرة التركية لها. روسيا التي تعلم أن مشكلتها الكبرى مع أميركا، حيث توجد قواتها شرق سورية، وفي السياسات العالمية كذلك، وسيكون الوضع أكثر تعقيداً، حينما يتفعّل قانون سيزر، وبالتالي ربما تترك بعضاً من المناطق تحت السيطرة التركية، ولكنها لن تشرعنها، وستكون مناطق ابتزاز لصالح روسيا، مع بروز أي خلاف بين الدولتين، وربما لن تترك شيئاً.

أخطأت تركيا في كل سياساتها إزاء سورية، ولكنها قبل 2011، كانت تضع كل سلة بيضها عند النظام، وبعد مرحلة بسيطة نقلتها إلى "الإخوان المسلمين"، بينما الثورة شعبية، وتتطلب رؤية مختلفة. ولاحقاً اكتفت بتصريحات نارية عديمة الجدوى، كالقول إن حماة خط أحمر. وتتالت الحكاية، حتى تدخلت روسيا وفرضت شروطها كاملة. وتوضح طريقة إدارتها للطائرة الروسية التي أسقطتها في 2015 الفرق بين قوة الدولتين، وقوتهما العالمية والإقليمية. لم

"قبل 2011، كانت تركيا تضع كل بيضها عند النظام، وبعد مرحلة بسيطة نقلتها إلى "الإخوان المسلمين"" تضع تركيا سياسة هيمنية على سورية، وبذلك اكتفت بوضعية الدولة العالمثالثية، وهي حالتها الفعلية، حيث حماية أمنها القومي أولويتها، ورفض أي شكل مؤسساتي للأكراد، باعتبار الأخيرين امتداداً للأكراد في تركيا ودول المنطقة، ويشكل أي استقلال لهم تحفيزاً للأكراد في تركيا والمنطقة.

في الجزيرة السورية، لم تتمكن من تشكيل منطقةً آمنة، ولم يتدفق السوريون نحو المناطق تحت سيطرتها، وحتى المهجّرون إلى عفرين وسواها، يعيشون في أسوأ الأوضاع، واللاجئون على حدودها أيضاً في حالةٍ رديئة. في الجزيرة، رسمت سياستها بالتوافق تارة مع روسيا وتارة مع أميركا، ولم تنجز تقدّماً إلى أيّة منطقةٍ من دون ذلك. وبالتالي، قوّة تركيا في الشأن السوري متعلقة في شمولية النظام ورفضه أية تسويات مع المعارضة والشعب، وفي رداءة المعارضة السورية التي استخدمتها تركيا ورقة بيدها، من دون أن تستفيد هي فعلياً من ذلك. وأيضاً، لو استطاع المهجّرون لولّوا وجوههم إلى أوروبا، ومن دون وخز ضمير أو تفكير ثانية أو ثالثة.

عكس تركيا، حينما تقدّمت قوات روسيا إلى مناطق سيطرة الأميركان تمت إبادتها في 2018، وكذلك حينما تحتك الدوريات الروسية بالأميركية في الجزيرة السورية، فتنسحب الأولى سريعاً. روسيا مستعجلة إلى مدّ نفوذها إلى قلب إدلب، وربما إلى حدود تركيا هناك، وتتهيأ لترتيب الأوضاع مع الأميركان، سيما أن الأخيرين يعيدون تمركزهم، ويعلنون مواقف جديدة، ربما تشكل سياسة ثابتة في سورية، وهي عدم دمج النظام السوري في المنظومة العالمية قبل الحل السياسي، والبقاء في مناطق الطاقة السورية، ومنع روسيا والنظام من الاستفادة منها، ورفض 

"روسيا مستعجلة إلى مدّ نفوذها إلى قلب إدلب، وربما إلى حدود تركيا هناك، وتتهيأ لترتيب الأوضاع مع الأميركان"السماح لإيران بتشكيل طريقٍ بريٍّ بين العراق وسورية، ودعم موقف إسرائيل في قصف أية مواقع عسكرية في سورية، تراها مُهدِّدة أمنها الإقليمي، ولن نتكلم عن صفقة القرن، والحلف العربي الذي يدعمها ويشرعنها بكلٍ خسّةٍ، وتتضمن تهميشاً للتدخل الإيراني في فلسطين وكل المنطقة.. المقصد من هذ الاسترسال أن الولايات المتحدة بدأت ترسم سياسة جديدة، تمنع بموجبها أن تصبح سورية كاملة لصالح روسيا، وأن ذلك لن يكون من دون ثمنٍ حقيقيٍّ. وضمن ذلك، تحاول روسيا الحصول على أكبر حصة من سورية بما لا ينهي علاقتها المهمة مع تركيا، ويجعل منها شريكاً أساسيّاً في أيّة صفقة تتناول سورية مستقبلاً. لهذا يميل الكاتب هنا إلى أن روسيا ستعقد اتفاقاً جديداً مع تركيا، ولن تكمل تهجير السوريين مما تبقى من إدلب، أو المناطق التي تسيطر عليها تركيا.

معارك سورية، وتموضع الدول على الأرض السورية، يوضحان أن روسيا لن تنال سورية قبل تنفيذ الشروط الأميركية والأوروبية، وتتمحور حول تغييرٍ كبيرٍ في بنية النظام. وهذا سيفتح تدخلاً دولياً واسعاً في سورية، ولن يكون لتركيا وإيران حصة الأسد كما توهمتا طويلاً، وأيضاً ستتراجع حصة روسيا، وعلى نفسها جنت براقش. يمكن أن تكون روسيا شريكاً أساسياً في سورية للغرب، ولكن ذلك يتطلب ما ذكرنا، وبالتالي كل انتصارات روسيا وحروبها ومعاندتها أوروبا وأميركا لم تكن سياسةً صائبة، والنظام لن يتعوّم أبداً، وهي تُعدُّ الآن ومستقبلاً احتلالاً، ويجب طرده.

خسرت تركيا فرصاً كثيرة، ولن يعود دورها في سورية كما كان. وبالطبع، لن تستفيد من استثمارها في المعارضة التي أصبحت هامشية وعديمة القيمة. تركيا الآن تتهمش أكثر فأكثر، وستظلُّ في بعض الجيوب الحدودية، وما ستتركه لها روسيا وأميركا في آنٍ واحد. لن تتحرّك تركيا نحو أميركا، على الرغم من سياسة الأخيرة الجديدة، حيث خذلتها مراتٍ ومرات، وهي تدعم قواتٍ كردية، وربما تمكّنها من حكمٍ ذاتيٍّ بعض الوقت.

إذاً في معارك الدول العظمى، ليس للدول الصغرى، إلا شعوبها وتبنّي قضايا الشعوب المظلومة، وهو ما لم تفهمه تركيا، ولا كل دول المنطقة، ولا المعارضة السورية. وبالتالي حسابات تركيا محدودة وهامشية، وكذلك حسابات النظام والمعارضة. وفي النهاية، يظل حلّ الوضع السوري متعلقاً بصفقةٍ روسية أميركية، تجبُ كل الاتفاقات التي قاربت الوضع السوري، وتحقق مصالح الدولتين العظميين.

المأساوي في ذلك كله أن سورية تدمرت، وأن أية إعادة إعمارٍ لها، وفي حال وجدت، لن تكون قبل عقود متتالية. المأساوي هذا شاركت فيه كل الدول العظمى ودول الإقليم، وهذا ما على المعارضة والشعب السوري وعيه بعمقٍ، والمطالبة بحقوقهم من تلك الدول.

===========================

حدود التنافس التركي الروسي في سورية

مروان قبلان

العربي الجديد

الاحد 9/2/2020

تتعرّض العلاقات التركية - الروسية لاختبار كبير هذه الأيام، قد يكون الأصعب ربما منذ أزمة الطائرة الروسية التي أسقطتها تركيا على الحدود مع سورية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، أي بعد نحو ستة أسابيع على التدخل العسكري الروسي في سورية. منذ ذلك الوقت، طرأ تحول كبير على العلاقات بين موسكو وأنقرة، وعلى موقف تركيا من الصراع في سورية، وأهدافها فيه. وقد مالت تركيا التي تعرّضت لضغوط سياسية واقتصادية روسية كبيرة، في لحظة تخلي الغرب عنها، إلى التسليم بعد ذلك لموسكو باعتبارها صاحبة اليد العليا في سورية، بعد أن كان صراعها فيها يتسم بشيءٍ من الندّية، مع خصم إقليمي من وزنها تقريبا (إيران)، وأخذت تنحو منحىً براغماتياً تخلت فيه عن طموحاتها الأولية بإنشاء نظام قريب منها في دمشق. وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، ضاق اهتمام تركيا بسورية أكثر، لينحصر في تأمين مصالحها على الحدود، وفي مقدمتها منع إنشاء كيان كردي، أو إدارة ذاتية كردية، وحجز مقعد لها على طاولة الحل السوري، من خلال نفوذها على فصائل المعارضة.

بداية التحول

المحطة الأولى التي انطلق منها قطار التحول التركي نحو روسيا بدأت بعملية "درع الفرات"، في أغسطس/ آب 2016، سمحت بموجبها روسيا لتركيا بأول عملية عسكرية كبيرة داخل الأراضي السورية، سيطرت خلالها على مثلث جرابلس – الباب – أعزاز، بمساحة تقدر بـ 2000 كم، بعد أن طردت منه كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية، ووحدات حماية الشعب الكردية. في المقابل، ساعدت تركيا في ديسمبر/ كانون الأول 2016 في "إقناع" فصائل المعارضة

"اعتقدت تركيا أن علاقتها مع روسيا ستسمح لها بإنقاذ إدلب"بإخلاء الجزء الشرقي من مدينة حلب، ليبدأ بعدها ما سُمِّي مسار أستانا، حاولت خلاله روسيا استمالة تركيا وإثبات أن التعامل معها أجدى من التعامل مع واشنطن التي حاولت تركيا عبثاً إقناعها بإنشاء منطقة "آمنة" في الشمال السوري، والتوقف عن دعم الفصائل الكردية.

خلال عام 2017، تطورت التفاهمات التركية - الروسية التي انطلقت من أستانا، لتبلغ ذروتها في اتفاق مايو/ أيار 2017 الذي تضمن إنشاء ما سُميت حينها "مناطق خفض التصعيد"، وهي فكرة استعارتها موسكو من المبعوث الأممي، ستيفان دي مستورا، الذي اقترح تجميد الصراع بين السوريين في حلب صيف عام 2016. سعت موسكو، خلال هذه المرحلة، إلى تجميد الصراع مع المعارضة، حتى تتفرغ للسباق مع الولايات المتحدة على الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصاً في مناطق البادية والشرق. أما تركيا، فقد أدركت أنها لن تتمكن من تحقيق أهدافها التي غدت أكثر تواضعاً في سورية بعد التدخل الروسي، إلا بشراكة مع موسكو. وقد تجلت أهمية هذه المقاربة لتركيا، عندما سمحت روسيا لها ثانيةً، باجتياز الحدود السورية، وتنفيذ عملية غصن الزيتون التي سيطر فيها الأتراك على منطقة عفرين، وطردوا وحدات حماية الشعب منها. في المقابل، أجهزت روسيا على مناطق التصعيد الثلاث التي جرى التوافق عليها مع أنقرة، واحدة تلو الأخرى، بدءاً من غوطة دمشق، ثم مناطق شمال حمص، وصولاً إلى درعا، وذلك بعد أن تمت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، واتضحت مناطق النفوذ الروسية والأميركية في سورية.

اعتقدت تركيا أن علاقتها مع روسيا التي كانت قد تطوّرت كثيراً في هذه الفترة على مستويات متعددة، عسكرية وأمنية واقتصادية، ستسمح لها بإنقاذ إدلب، وهي التي كانت تعنيها أساساً من بين كل مناطق خفض التصعيد. وبالفعل، جرى التوصل إلى اتفاق سوتشي في لقاء قمة جمع الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، في 17 سبتمبر/ أيلول 2018، بعد عشرة أيام فقط على فشل قمة طهران الثلاثية بشأن إدلب. تضمن الاتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق يصل إلى 15 - 20 كم، وفتح الطرق الدولية حماة - حلب واللاذقية - حلب، وإقامة نقاط مراقبة لتطبيق الاتفاق.

الأولوية لشرق الفرات

خلال هذه المرحلة، كانت موسكو مهتمةً أساساً بإخراج واشنطن من مناطق شرق الفرات، وقد أفزعها إعلان وزير الخارجية الأميركية السابق، ريكس تيلرسون، في يناير/ كانون الثاني 2018، أن بلاده تنوي الاحتفاظ بوجودها العسكري في شرق سورية، بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. كان بوتين يحتاج إلى تعاون تركيا لإقناع الرئيس ترامب بالانسحاب من مناطق شرق الفرات. وهو ما حصل. إذ قرّر ترامب، بعد مكالمة هاتفية مع أردوغان، مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2019، إخلاء أجزاء كبيرة من مناطق شرق الفرات، على الرغم من معارضة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ما سمح لتركيا بتنفيذ عمليتها العسكرية الثالثة داخل الأراضي السورية تحت مسمى "نبع السلام"، والسيطرة على شريط حدودي بطول 110 كم وعمق 30 كم بين رأس العين وتل أبيض. استفادت روسيا من الوضع الجديد القائم، وعرضت على تركيا اتفاقاً وُقِّع في سوتشي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، تعهدت موسكو بموجبه سحب وحدات حماية الشعب الكردية التي بات لها تأثير أكبر عليها الآن، بعد أن بدا وكأن الأميركيين تخلوا عنها، من كامل الشريط الحدودي السوري - التركي الواقع شرق الفرات (440 كم) وبعمق 32 كم داخل الأراضي السورية خلال 150 ساعة من توقيع الاتفاق، وسُيِّرَت دوريات مشتركة روسية - تركية لضمان التنفيذ. أرادت روسيا من الاتفاق منع تركيا من إنشاء "منطقة آمنة" في ما بقي من الشريط الحدودي، وتعزيز مواقعها شرق الفرات على حساب الأتراك والأميركيين والأكراد.

ما إن حققت روسيا أقصى فائدة ممكنة من تفاهماتها مع تركيا شرق الفرات، حتى عادت إلى 

"ما إن حققت روسيا أقصى فائدة ممكنةٍ من تفاهماتها مع تركيا شرق الفرات، حتى عادت إلى التركيز على إدلب"التركيز على إدلب. وكانت روسيا خلال عام 2019، وخصوصاً بعد فشل الجولة الـ12 من اجتماعات أستانا أواخر إبريل/ نيسان من ذلك العام، أطلقت عملية عسكرية كبيرة ضد إدلب، بحجّة أن تركيا لم تلتزم اتفاق سوتشي، لجهة إنشاء المنطقة منزوعة السلاح وفتح الطرق الدولية. وكانت روسيا تعارض، في الأصل، إنشاء "منطقة آمنة" تركية في شرق الفرات، وتستخدم إدلب أداة ضغط على تركيا لمنعها من ذلك، فكان القصف الروسي على إدلب يتصاعد كلما اقتربت تركيا من التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن هذه المنطقة، بقصد إشغال فصائل المعارضة في إدلب، ومنع نقلها إلى شرق الفرات. لكن روسيا عادت وغيرت موقفها، إذ وجدت ضرورة في التعاون مع تركيا لإخراج الأميركيين من شرق الفرات أولاً، والتفرّغ بعدها لإنهاء الوجود التركي في إدلب، وإعادة تنظيمه في أنحاء الشمال السوري من خلال تفعيل اتفاق أضنة لعام 1998. بناءً عليه، أعربت قمة أنقرة الثلاثية (شاركت فيها روسيا وإيران) في سبتمبر/ أيلول 2019 عن تفهمها مخاوف تركيا الأمنية في شمال سورية، وأكدت احترام هدنة إدلب التي جرى التوصل إليها عشية الجولة الـ13 من اجتماعات أستانا مطلع أغسطس/ آب 2019، واتُّفق خلالها على تفاصيل إنشاء اللجنة الدستورية التي انبثقت من مؤتمر سوتشي في يناير/ كانون الثاني 2018، بعد أكثر من 18 شهراً من المفاوضات والمشاورات.

سقوط الهدنة

سقطت الهدنة بمجرد أن آتت توافقات شرق الفرات أكلها روسياً. وكانت تركيا تظن، على الأرجح، أن اهتمام روسيا بإدلب يقتصر على تنفيذ اتفاق سبتمبر 2018، القاضي بإبعاد "هيئة تحرير الشام" مسافة 15 - 20 كم في عمق إدلب، حمايةً للقواعد والمنشآت العسكرية الروسية التي كانت تُستهدَف بصواريخ وطائرات مسيّرة، والسيطرة على المناطق الواقعة على الطرق الدولية. لكن بمرور الوقت، بدأ يتضح أن الروس عازمون على سحق المعارضة بالكامل وفرض رؤيتهم للحل النهائي.

أثار الأمر غضب الأتراك، أو بدا كذلك، خصوصاً بعد أن سقط لهم قتلى في مواجهات مع قوات النظام في الأيام الأخيرة. وتخشى تركيا من أن تؤدي الحملة العسكرية الروسية على إدلب إلى حصول أزمة نزوح كبيرة باتجاه أراضيها، وفقدان قدرتها على التأثير في الشأن السوري سياسياً وميدانياً (بمعنى هزيمة مكتملة الأركان). ودفع هذا الأمر الرئيس أردوغان إلى إطلاق تهديدات غير مألوفة، ودفع تعزيزات كبيرة إلى داخل المحافظة، في ظل وجود نقاط مراقبة تركية عديدة فيها، بعضها محاصر.

تركت التهديدات التي أطلقها أردوغان لدى بعضهم انطباعاً بأن تركيا قد تكون هذه المرّة مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا، لحماية مصالحها والذود عن حلفائها في إدلب. ولكن هذه القراءة لا تبدو واقعية، كما كان حالها منذ البداية، ذلك أنها ظلت تحاول فهم العلاقات التركية - الروسية من زاوية سورية محضة، بمعزل عن تعقيدات جوانبها الأخرى، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في حين أن الروس والأتراك لا يرون في سورية إلا جزءاً من حزمة مصالح وتناقضات تحكم علاقتهم، ومفصلاً متداخلاً مع مفاصل وقضايا وصراعات إقليمية ودولية أخرى، تعنيهم بالقدر نفسه، وربما أكثر.

أبعد من سورية

في السنوات الثلاث الأخيرة، تعمقت العلاقات الروسية - التركية، من دون أن يعني ذلك تنامي الثقة بين طرفيها، وباتت مرتبطةً بشبكة متداخلة من المصالح، إلى درجةٍ يصعب معها تصور 

"من المستبعد، توقع حصول مواجهة بين البلدين في سورية"استعدادهما للتضحية بها، والدخول في مواجهةٍ بسبب إدلب. فروسيا هي اليوم شريكٌ تجاري رئيس لتركيا، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2019 نحو 30 مليار دولار، مع وجود خطط لرفعه الى مائة مليار خلال السنوات المقبلة. وتعتمد تركيا كثيراً على إمدادات الغاز الروسية (60% من احتياجاتها) وقد زاد اعتمادها أكثر عليها بسبب العقوبات الأميركية على طهران (كانت تزود تركيا بنحو 20% من احتياجاتها من الغاز). وأصبحت تركيا بلد عبور رئيساً لإمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا منذ مطلع العام الحالي (2020)، بعد افتتاح خط "السيل التركي" الذي يمرّ تحت البحر الأسود (بطول 910 كم). وتبني روسيا حالياً أول محطة توليد طاقة نووية في تركيا، بمعنى أنها باتت تسيطر على جزء كبير من قطاع الطاقة التركي بأنواعه. فوق ذلك، أصبحت تركيا تعتمد، في دفاعاتها الجوية، على منظومات صواريخ إس 400 التي ابتاعتها من روسيا العام الماضي، بعدما سحبت واشنطن بطاريات صواريخ باتريوت من تركيا عام 2016، ورفضت طلباً من أنقرة لشراء عدد منها. وفي ظل تنامي العلاقات العسكرية بين واشنطن وأثينا، وتوجّس تركيا من أن إدارة ترامب أخذت تنحاز إلى اليونان في الصراع على الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن النفط في شرق المتوسط، ستسعى تركيا، على الأرجح، إلى استمالة روسيا إليها في هذا النزاع، وقد بدا ذلك ممكناً في ضوء الاتفاق الذي توصل إليه البلدان بشأن ليبيا.

من المستبعد، لهذه الأسباب وغيرها، توقع حصول مواجهة بين البلدين في سورية، فلا تركيا ولا روسيا تريدان تكرار سيناريو إسقاط الطائرة الروسية عام 2015، وتركيا لن تفعل ذلك بالتأكيد، في ظل تنامي حالة عدم الثقة التي باتت تميّز علاقتها بواشنطن. وتوضح السنوات الماضية مدى براغماتية السياسة التركية، وقدرة الروس والأتراك على إدارة خلافاتهما في سورية، وحتى عزلها عن بقية الملفات التي تشهد تعاوناً تركياً روسياً.

في المحصلة، لا ينبغي التعويل على الموقف التركي بخصوص إدلب، لمجرد أن نبرة الصوت صارت أعلى، فالأرجح، في ظل المصالح الكبيرة التي تجمعهما، أن يتوصل الروس والأتراك إلى تفاهمات جديدة. وستكون هذه التفاهمات، كما درجت العادة، على حساب السوريين الذين دفعوا أثماناً كبيرة، وما زالوا، نتيجة تحوّل بلادهم إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مكشوف، إلى درجة بات معها استمرار هذا الصراع ضرباً من العبث المُطعَّم بالجنون. أما توقع حصول مواجهة بين الكبار في عصر انهيار الأخلاق، فليس إلا وهماً يغذيه الأمل، فهؤلاء يجيدون القتال حتى آخر قطرة من دماء الآخرين.

===========================

===========================

معضلة أردوغان السورية بين تنمر الحليف الروسي وتشفي الحليف الأمريكي والعالم الذي يتفرج على كارثة إنسانية

إبراهيم درويش

القدس العربي

الاحد 9/2/2020

مرة أخرى يقف العالم متفرجا على المأساة السورية ويتذكر أن الحرب الأهلية التي مضى عليها تسعة أعوام لم تنته. وتتشكل أمام ناظري العالم وقائع مأساة كبرى مرشحة لأن تكون الأسوأ، وهي كارثة تتجمع خيوطها منذ نيسان (إبريل) العام الماضي مع بدء محاولات النظام السوري لبشار الأسد استعادة معقل المعارضة الأخيرة في مدينة إدلب.

وعلى خلاف المعارك الأخرى تمثل إدلب كل ما حدث في سوريا خلال الأعوام التسعة الماضية، فقد تحولت المحافظة إلى ملجأ لكل الذين أجبروا على الخروج من مدن وبلدات المعارضة التي أجبرت على الاستسلام. وخلال أعوام زاد عدد سكانها عن الثلاثة ملايين نسمة معظمهم من المدنيين، وسيطرت عليها الجماعات الجهادية خاصة هيئة تحرير الشام الموالية لتنظيم القاعدة.

وتم تأخير الهجوم على المحافظة عبر تدخل تركيا التي تفاهمت مع روسيا وتم الاتفاق على إنشاء نقاط مراقبة تعرضت يوم الإثنين لقصف من القوات السورية مما أدى إلى سقوط سبعة جنود أتراك ومدني تركي. وردا على ذلك شنت القوات التركية عملية قالت إنها قتلت فيها 76 جنديا سوريا. فيما حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من المزيد من الأعمال الحربية إن لم تتراجع القوات السورية عن مواقع المراقبة التركية في إدلب. ولكنها لم تتراجع مما أدى بأنقرة لإرسال تعزيزات جديدة في محاولة منها لمنع قوات اختلاط الأوراق.

تصدع علاقات

ذلك أن تركيا لا تريد الدخول في مواجهة مفتوحة مع روسيا التي تسيطر على القرار في سوريا. وليست من مصلحة أردوغان أو بوتين تخريب العلاقات فيما بينهما رغم اقتراح عدد من المحللين كسميح اديز في “المونيتور” بأن تركيا وروسيا في الواقع في حالة حرب غير معلنة اليوم. أو ما قاله المعلق ديفيد غاردنر في صحيفة “فايننشال تايمز” )4/2/2020) عن التحالف الذي انهار بين الرئيسين من أن الأتراك يشعرون بطعنة روسية في الظهر فيما ترد موسكو أن الأتراك لم يفوا ببنود الاتفاق الذي وقع قبل عامين من أجل نزع سلاح الجماعات الجهادية في إدلب. كما أن النظام السوري المدعوم من الميليشيات الإيرانية والطيران الروسي لم يكن ليقبل ببقاء نقاط المراقبة التركية حول إدلب ويلتزم بخفض التصعيد. ولا يمكن النظر إلى معركة إدلب بمعزل عن المخاوف التركية وتطور أولويات أنقرة. فرغم وقوف أنقرة وموسكو على جانبي النزاع في الحرب إلا أن المصالح المشتركة بينهما جمعتهما للتعاون. فقد اكتشفت تركيا أن الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية وتطور جيب كردي مستقل على حدودها الجنوبية يعتبر تهديدا وجوديا ولهذا حرفت انتباهها قليلا لمواجهة هذا الخطر وقامت بثلاثة توغلات لمنع امتداده أولا من شرق الفرات إلى غربه حيث منعت في عملية درع الفرات (2016) إلى غصن الزيتون (2018) سيطرة الأكراد على عفرين. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2019 قامت تركيا بتوغل في المناطق الكردية أدى لتشويش الجيب، مع أن العملية كانت محدودة ومشروطة بالموافقة الأمريكية والروسية.  وفي الجانب الروسي رأى بوتين في توتر علاقات أردوغان مع أوروبا وأمريكا فرصة للتأثير على دول الناتو. ورغم نهاية الخصام بين البلدين إثر إسقاط الطائرة الروسية عام 2015 إلا أن العلاقة لم تكن اصطفافا حقيقيا، وهي تشبه علاقة موسكو مع طهران. إلا أن الاستراتيجية التركية تختلف عن استراتيجية بوتين في سوريا، فالأولى باتت ترى أن عمقا لها في داخل البلد كفيل بمنع قيام جيب كردي يهددها، خاصة أن امتداداته موجودة في جنوب تركيا على شكل حزب العمال الكردستاني وفي جبال قنديل في العراق. وبالمقابل استخدمت روسيا سوريا كنقطة انطلاق لها لتوسيع مصالحها وتأثيرها في الشرق الأوسط. ويجب ألا ننسى أن الجيب التركي في شمال- غرب سوريا يعتمد في وجوده على الروس. وكان سببا في دفع الأكراد إلى أحضان النظام السوري، مما يصب في مصلحة موسكو وطهران. وبالضرورة فالعلاقة التركية- الروسية ليست سهلة لأنها قائمة على زواج مصلحة بين البلدين. وما يجمعها هي مصالح الغاز والعمق الإستراتيجي والتناقضات الجيوسياسية، وأحيانا يشعر الأتراك بالغبن من طريقة معاملتهم كما شعروا مع أمريكا عندما سلّحت الميليشيات الكردية في الحرب ضد تنظيم “الدولة” (داعش). وأحيانا يجري التعبير عن الغضب بطريقة رمزية كما فعل أردوغان أثناء زيارته لأوكرانيا وهتف للجيش “المجد لأوكرانيا” والتي كانت توبيخا واضحا للرئيس بوتين. فالعلاقة بالضرورة معقدة. وكما قال مسؤول تركي لصحيفة “فايننشال تايمز”(5/2/2020) “من السهل على بعض المسؤولين والمعلقين الغربيين القول إن تركيا أدارت ظهرها إلى الغرب، مثلما أننا نصطف بالكامل مع الروس في كل شيء، فهذا ليس هو الحال”. كما أن تركيا ليست تابعة للقرار الروسي مثل نظام الأسد، ولكنها تعتمد عليه ولا يمكن أن تلغي كل شيء في ضربة قلم. ومن هنا يمكن أن تتجاوز العلاقة الأزمة الأخيرة من خلال ترضيات لأردوغان بشكل يحمي أمن بلاده.

أمريكا غاضبة أيضا

ومشكلة أردوغان أن علاقات بلاده مع أمريكا تضررت بعد قراره شراء منظومة الصواريخ الروسية أس-400 التي اعتبرت تهديدا لحلف الناتو. ولهذا جرى استبعاد تركيا من برنامج تصنيع مقاتلات اف-35. وقبل عدة أشهر فقط قامت أمريكا بشجب تركيا لتحركاتها في سوريا ضد القوات الكردية. ونقلت رويترز يوم الأربعاء الماضي أن أمريكا أوقفت برنامج الاستخبارات العسكرية السري مع تركيا في شهر تشرين أول (أكتوبر) بعد الاجتياح التركي لشمال سوريا. ووقع الاجتياح بعد أن أعلن الرئيس ترامب بشكل غير متوقع بأن القوات الأمريكية في سوريا ستغادر. ومع أنه لم يتم تنفيذ ذلك الوعد، إلا أن سوريا ليست على سلم أولويات الإدارة: وفي خطاب حالة الاتحاد يوم الثلاثاء الفائت لم يشر إليها إلا في سياق زعيم تنظيم “الدولة” المقتول، أبو بكر البغدادي. وكان يأمل ترامب أن يغسل يديه من سوريا، ولكن أزمة إدلب تشير إلى أنه لن يكون الأمر بتلك السهولة. وحتى لو رفض الغرب دعم تركيا في عملياتها في سوريا، فهناك حقيقة مزعجة أخرى وهي أن تركيا حليفة لأمريكا ويخزن فيها حوالي 50 قنبلة نووية أمريكية على بعد 250 ميلا من الحدود السورية، وهي أيضا عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وهو ما يعني أن أمريكا وكندا وكثير من البلدان الأوروبية ملتزمة بحمايتها إن هي هوجمت. وربما رأت واشنطن اليوم في التوتر الحاصل بين موسكو وأنقرة مدعاة للرضا، خاصة أن الحاكم التركي، كما تقول “واشنطن بوست”، اكتشف الغدر الروسي الذي واجه إدارة باراك أوباما عندما كان بوتين يعد بالحد من وحشية النظام ليساعده على قصف المدن والبلدات وقتل المدنيين. وفي أزمة إدلب تلقي الصحيفة اللوم على موسكو، وترى ضرورة معاقبتها وليس الأسد كما اقترح المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري، فالعقوبات لم تعد مجدية على نظام اقتصاده منهار.

 

أكثر من عدو

 

في قلب المعضلة التركية سياسة أردوغان الخارجية الحاسمة التي تبناها على عدة جبهات سواء في سوريا أو ليبيا أو شرق المتوسط وجلبت له أعداء وليس أصدقاء، فقد كان قراره إرسال قوات لدعم الحكومة الشرعية في ليبيا مدعاة لغضب الأوروبيين. فهو وإن استطاع الحصول على مقعد في مؤتمر برلين وترتيب العلاقة من جديد مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلا أن أكبر ناقد له في أوروبا هو إيمانويل ماكرون الذي شجب التدخل التركي في ليبيا، مع أنه داعم للجنرال خليفة حفتر. ولا يمكن استبعاد المواجهة العسكرية على أي من الجبهات لكن خلاف المواقف حول ليبيا، خاصة على الساحة الأوروبية تعمل لصالح أردوغان. لكن ليس في سوريا التي قتل إصرار روسيا على حماية نظام الأسد في مجلس الأمن الدولي أية فرصة للإجماع. فلم تستخدم موسكو الفيتو لمنع شحب دولي بل وقام الدبلوماسيون الروس بتعطيل ميزانيات في المنظمة الأممية لجمع الأدلة عن جرائم الحرب أو حتى إصدار تقارير تشجب الدور الروسي في قصف المدارس والمستشفيات والمؤسسات المدنية كما ورد في تقرير لموقع “بلومبيرغ” (4/2/2020).

 

إيران

 

ويضاف إلى هذه التوليفة من التحديات إيران التي لم تكن موجودة في العمليات السابقة على إدلب، ولكنها الآن حاضرة كما كشفت تسريبات لصحيفة بريطانية عن وجود حوالي 800 من عناصر لواء الفاطميين المكون من مقاتلين أفغان على جبهة إدلب. وربما كان قرار إيران التدخل ردا على مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني في غارة أمريكية الشهر الماضي في العاصمة بغداد، أو أنها تريد توزيع وجودها في سوريا وبعيدا عن دمشق والجنوب السوري حتى لا تكون عرضة لغارات إسرائيل. وربما اعتقدت أن تركيا لم تعد مهتمة كثيرا في سوريا بعد تركيز اهتمامها على ليبيا. وتجازف طهران في علاقتها مع أنقرة، خاصة أن الاخيرة ساعدتها على تجاوز آثار العقوبات الأمريكية.

 

المدنيون

وبعيدا عن الحسابات السياسية للدول فإن المدنيين في إدلب، بمن فيهم الكثير من النساء والأطفال هم من يعانون. فالحرب السورية امتدت لحوالي عقد وارتكبت خلالها جرائم وحصل نزوح جماعي وبأي مقياس فهذا الهروب الأخير من ادلب يأتي في ترتيب أعلى. وتقول المجموعات الحقوقية بأن ما لا يقل عن 150 ألف شخص فروا من بيوتهم على مدى الأسبوعين الماضيين، مما يوصل عدد النازحين منذ 1 كانون أول (ديسمبر) الماضي إلى 500 ألف. ويظهر فيديو من منطقة القصف زحمة السير للهروب من المنطقة القريبة من منطقة القصف. ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” (6/2/2020) ما قاله ديفيد ميليباند، مدير منظمة انترناشونال ريسكيو كوميتي :”على مدى الشهرين الماضيين قتل ما يقارب 300 مدني نتيجة لتكثيف القتال في شمال غرب سوريا، وإن استمر هذا العنف، فإن حوالي 800 ألف شخص في مرمى النار لن تكون أمامهم خيارات كثيرة لأمنهم”.  وأثبتت التحقيقات بأن الغارات الجوية السورية استهدفت بشكل متعمد المستشفيات العام الماضي. ومن هنا فواجب الحكومات الأجنبية الاعتناء بما يحصل في إدلب. فقد رأى العالم الآثار التي قد تتسبب بها كارثة إنسانية في سوريا. فقد فر من البلد أكثر من 5.6 مليون لاجئ منذ بدأت الحرب. وتستضيف تركيا حوالي 4 ملايين منهم. ولهذا كان أردوغان واضحا أنه لن يسمح بدخول لاجئين جدد إلى بلاده التي كانت تأمل أن ينقصوا لا أن يزيدوا. وفي النهاية ربما كان التدخل التركي الأخير قادرا على وقف التقدم نحو إدلب ومنع مذبحة فيها. كل هذا يذكرنا بحقيقة مرة أخرى أن الحرب مستمرة ولم ينتصر فيها أحد.

===========================

موقفنا : الدور التركي في سورية مشروعيته ... والمعترضون عليه !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

14/ 2/ 2020

تتوحد قوى الشر العالمية الدولية والإقليمية في موقفها من حراك الربيع العربي في جميع أقطاره . وعلى التوازي من هذا الحراك تنسج موقفها من سياسات الدولة التركية الداعمة لهذا الحراك ، والمؤيدة لمبادئ ما يطلق عليه القيم الكونية المتجسدة في العدل والمساواة والحرية والديموقراطية .

على خلفيات متوحدة متعددة تطلق قوى الشر في العالم ومؤسساتها الفاعلة والتابعة النار على كل من يشترك في الثورة ضد باستيلات القرن الحادي والعشرين . التي باتت أكثر قتامة وبؤسا على جميع خطوط الطول في العالم العربي من المحيط إلى الخليج ..

وعلى خلفيات شتى ، وبألسنة حداد متلونة ، يظل من يطلق عليهم زورا كتاب ومحللون يطرحون تساؤلات مريبة عن مشروعية الدور التركي الحضاري والإنساني والسياسي في سورية والمنطقة العربية ، وأكثر ما يتعلقون به حبال رثة أكلها العث من مفاهيم السيادة الموهومة ، والتدخل في الشؤون الداخلية المزعومة . وكأن القصف الصهيوني بالأمس لا يمس سيادة ، ولا يمس الألبسة الداخلية !!

إن أول ما يؤكد مشروعية الدور التركي في سورية ، ويشرعن الحضور بل يستنكر الغياب ؛ ’هو حق تفرضه " الجيوسياسة " بالآفاق المفتوحة للمصطلح وتجلياته حسب معطيات العصر . والصياغة بالتبسيط هو حق يفرضه الجوار . ونحن أبناء أمتنا في صميم ثقافتها " حق الجار على الجار " . و " الجيوسياسة " بالصياغة القانونية هي حق الشفعة المضمون بقوانين أكثر أهل الأرض مدنية ورقيا .

ومنذ بداية الثورة السورية ، كان السوريون يتساءلون : كيف سبق إلى سورية الإيراني والحزبلاوي وغاب التركي ؟!

تختصر الجيوسياسة بمشاهد تصويرية : الحريق في بيت الجيران ، كورونا على الطرف الآخر من الحدود ، الحذر من أن تتحول سورية إلى قاعدة للعدوان على تركية كما كانت كذلك منذ 1980 وحتى 1998 . كلام كثير يمكن أن يقال تحت هذا العنوان ولا يجادل فيه إلا مبطل أو جاحد ..

ثم ثاني ما يعطي الدور التركي مشروعيته في سورية هو المشترك الإسلامي والحضاري والتاريخي . فقبل مائة عام فقط كان يعيش على هذه الجغرافيا أمة واحدة تحت راية دولة واحدة .

إن على الذين يزعمون أنهم يستمدون مشروعية وجودهم على الأرض السورية من بشار الأسد أن يعلموا أن بشار الأسد لم يملك الشرعية قط ليمنحها !!

وحين نكتب المشترك " الإسلامي " يبعق في وجوهنا أعداد من الطبول الحمقى حول وطنية الطين ، وأي طين يقصدون ؟!

ولماذا يسمح للسيد سيرغي لافروف أن يتحدث عن حماية النصارى ، وحماية الأرثوذكس في سورية وكأنه كافلهم وراعيهم ولا يسمح لمسلم سوري أو تركي أن يقول كلمة عن حق التناصر والتكافل والتعاون ؟!

لماذا يحق لرئيس دولة عظمى اسمه ترامب أن يعلن عن جاهزيته لحماية من يسميهم " الأقليات العرقية والدينية " ويعلن بلا حياء تحالفه معهم ، وتبرعهم لهم بخمسين مليون دولار - لم يسأل أحد منا أين ذهبت هذه الملايين ، ومن لهطها ، وفيم وظفها من لهطها ؟! ، ولا يحق لمستضعف شردته أسلحة بوتين وعضه الخوف والجوع والبرد في ليلة فيرفع رأسه إلى السماء فيرى فيها أملا ؟؟؟

 وحين يحق لبوتين ولترامب وهم على بعد آلاف الأميال من سورية وشعبها أن يؤسسوا قواعدهم على الأرض السورية ، ويصبوا نار حممهم وحمم أتباعهم على اللحم الحي للسوريين ؛ أفلا يحق لتركية ، بل ألا يجب عليها أ، ن تبادر إلى حماية الأكثرية المستهدفة في سورية ، قدر استطاعتها كما حق للافروف وكما حق لترامب من قبل ..ويحدثك أهرت الشدقين عن السيادة الطينية !!

ثم ثالثا - يستمد الدور التركي في سورية مشروعيته من معين القيم الإنسانية الحضارية التي تشكل إرثا مكينا لكل البشر . وموئلا لإنسانية الإنسان قيمة ملازمة لهذه الحضارة التي صفتها أنها حضارة الإسلام وليست حضارة العرب أو الترك أو الكرد .

أيعاب على تركية أن كانت وفية للقيم الإنسانية ، في حين تنكر لها كل الأدعياء ؟! أيعاب على تركية أنها حضرت حين غابوا ، وأنها أطعمت حيث جاع البشر على قدر وسعها ، وأنها أدفأت حيث قرض البرد أجساد الأطفال على قدر وسعها . أيعاب عليها أنها أمنت الخائف ، وأغاثت الملهوف ، وأعانت المستضعفين على ما نزل بهم من نوائب الدهر ..ويسكتون عن المجرم الذي قتل ودمر وشرد وأجاع ؟!

ثم رابعا في مشروعية الدور التركي في سورية ..

قانون الأمم المتحدة الذي ينص على ضرورة حماية المدنيين أثناء المعارك والحروب، هو قانون دولي لمن يريد أن يتحدث عن القانون الدولي . قانون دولي لا يبطله فيتو روسي قام على الباطل منذ أول يوم . قانون دولي يقطع ألسنة كل المشككين فيه . هذا القانون الدولي في لبوسيه السياسي والإنساني الذي تنكر له الجميع وانفردت الدولة التركية وحدها بالسعي للوفاء له ..

المعترضون على الدور التركي في سورية ..

 وفريق من المعترضين على الدور التركي في سوري هم عاتبون ، وجلهم من السوريين ، الذين كانوا يؤملون في تركية أكثر ، وينتظرون منها دورا أكبر ، فهم يطلقون ألسنة العتب ، التي تصطبغ أحيانا بمرارة الواقع ، وسواد المأساة ؛ فيتحول عتبهم إلى نقد ، وفي بعض الأحيان يتحول نقدهم إلى هجاء . وكثير من هؤلاء من أصحاب النوايا الطيبة الذين يتجاهلون دور القدرة في صناعة الموقف ، ويظلون يحومون في فضاءات الإرادة توهينا و تشكيكا . فبالنسبة لهؤلاء أنت لا تفعل لأنك لا تريد ، ولا يتصورون أنك قد لا تقدر .

أو فريق آخر هم موضع حديثنا في هذا المقام وهم أشتات من الدول والقوى وفئام من الزعانف الذين أسسوا مواقفهم ابتداء على نقض أديم هذه الأمة ، والسير في ركب أعدائها ، ( أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ ) فمرة في هذا المركب ومرة في ذاك .

حين نتأمل موقف صانعي القرار العالمي من أعداء هذه الأمة ، نستطيع أن ندرك بقليل من التحليل بواعثه وأبعاده ، مدخلاته ومخرجاته ، أهدافه القريب منها والبعيد ..ولكن حين نتأمل موقف الأتباع المؤسس على التناقض مع المصلحة الوجودية للذات ..

لا نملك إلا أن نرد بالطبع على غير بوتين وترامب ..

أقلوا عليهم من اللوم لا أبا لأبيكم ..أو سدوا المكان الذي سدوا

والله لوددنا أنكم حضرتم ، وودنا أنكم سددتم ، ولوددنا لو أنكم حين غبتم وفرطتم لو صمتم ففي الصمت ستر لكثيرين من أهل الخطل والعي .

فقد سأل عربي حكيما من حكمائهم : ما خير ما يرزقه المرء ؟؟

أجاب الحكيم : عقل يرشده .

قال السائل فإن لم يكن - أي لم يكن له عقل يرشده ، أجاب الحكيم : فخلق يزينه ..

قال السائل : فإن لم يكن ؟؟ قال الحكيم فمال يستره . قال السائل : فإن لم يكن ؟؟ قال الحكيم : فصاعقة تحرقه تريح منه البلاد والعباد !!!

فصاعقة تحرقهم تريح منهم البلاد والعباد ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

إدلب: ازدحام الاحتلالات وارتطام المصالح

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 9/2/2020

كلا المتفاهمَين الروسي والتركي، كي لا يقول المرء: المتشاركَين، في ازدحام تعقيدات محافظة إدلب السورية على الأقلّ؛ يدرك حدود التسخين أو التبريد في شروط اللعبة التي تفاهما عليها جيداً ومراراً، بعد خصام وصدام أعقب واقعة تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، حين أسقطت الدفاعات الجوية التركية طائرة سوخوي 24 روسية، فوق جبل التركمان داخل الحدود السورية. كلاهما، إلى هذا، قوّة احتلال عسكري على الأرض، تطبّق أطوار اللعبة مباشرة، أو عبر تفويض (النظام السوري عند موسكو، والفصائل المختلفة و”هيئة تحرير الشام” ذاتها عند أنقرة). وكلاهما، ثالثاً، في حال مركبة من التكامل تارة، أو التناقض تارة أخرى، مع الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، تستدعي هذه الدرجة أو تلك من التفاهم أو التناحر؛ مرحلياً غالباً، وعلى نحو استراتيجي في الخلفيات الأبعد.

التطورات الأخيرة خير كاشف لعناصر هذا الازدحام المعقد:

ـ قوات النظام السوري تتقدم أكثر في عمق إدلب، ضمن تكتيك القضم التدريجي، تحت غطاء جوي روسي لا يترك ريبة لمستريب في أنّ موسكو ليست موافقة على هذه العمليات العسكرية، فحسب؛ بل يستحيل ألا تكون هي صاحبة الضوء الأخضر في إطلاقها. وهذا تقدّم لا يخلو من مجازفة أولى، كبرى، هي الاصطدام العسكري مع أنقرة عبر نقاط المراقبة التي يديرها الجيش التركي؛ ومجازفة ثانية، سياسية هذه المرّة، هي الإضرار بتفاهمات أستانة وسوشي بين تركيا وروسيا.

ـ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدرك جيداً أنّ الذهاب، أبعد مما ينبغي، في تجاوز حدود اللعبة ليس البتة في صالح موسكو سياسياً، كما أنه عسكرياً نقطة ضعف فادحة في جانب النظام السوري كما أثبتت التجارب السابقة؛ ليس ضمن احتمالات أية مواجهة عسكرية بين جيش النظام والجيش التركي فقط، بل كذلك إذا شاءت أنقرة رفع سوية التسليح، كمّاً وكيفاً، لدى كتائب ما يُسمّى بـ”الجيش الوطني السوري” الملحق بوزارة الدفاع التركية، أو حتى منح الجولاني “غمزة” من نوع ما يقرأها كترخيص بالتصعيد.

ـ ويدرك أردوغان، جيداً أيضاً أغلب الظنّ، أنّ الانسحابات الأمريكية من بعض مناطق التسخين (كما في القاعدة الجوية صرين قرب عين العرب، أو في منبج والطبقة)، لم تُمنح إلى الشرطة العسكرية الروسية إلا بموجب مقايضة؛ مؤقتة، كما يقول المنطق، ويمكن أن تُلغى بموجب أيّ تبدّل يطرأ على خيارات البنتاغون في سوريا. هذا إذا لم يفترض المرء أنّ الخلافات التركية ــ الروسية الراهنة توفّر فرصة ثمينة لدقّ إسفين بينهما، يصعب ألا يكون لصالح واشنطن، على المدى القريب في أقلّ تقدير. ولم يكن مفاجئاً، استطراداً، أنّ الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً شديد اللهجة في مساندة الجيش التركي ضدّ النظام السوري وموسكو معاً، تذكّرت إحدى فقراته بأنّ أنقرة… عضو في الحلف الأطلسي!

ـ على صعيد الكرملين، لا يلوح أنّ إعطاء الإذن لقوات النظام السوري بالتوغل أبعد نحو إدلب يشمل، في الآن ذاته، إعلان ساعة الصفر لمعركة المحافظة الكبرى؛ بالنظر إلى أنّ هذا التطور الحاسم يتجاوز التكتيك المرحلي إلى تقويض الكثير من عناصر ستراتيجية موسكو في العلاقة مع أنقرة. وثمة الكثير الذي لا يُرجّح أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعدّ لخسرانه، اقتصادياً بادئ ذي بدء، خاصة بعد تدشين خطّ “السيل التركي” الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا بمعدّل 31,5 مليار متر مكعب سنوياً، والذي حرص الرئيس الروسي على المشاركة شخصياً في تدشينه.

وفي قلب هذه الشبكة الخبيثة هناك مصائر مئات الآلاف من السوريين المدنيين، المهجرين والنازحين واللاجئين، الذين لم تعد حتى أشجار الزيتون قادرة على تأمين ملاذ لأطفالهم وشيوخهم ونسائهم، ولكنهم مع ذلك ظلوا موضوعاً لجعجعة “المجتمع الدولي” ومادّة للخطب الطنانة في مجلس الأمن الدولي. العالم بأسره يقف متفرجاً على مأساة مفتوحة تتفاقم يوماً بعد آخر، في بلد بات همّ احتلالاته، الروسية والإيرانية والأمريكية والتركية، بعد الاحتلال الإسرائيلي، أنّ تفك ما بينها من ازدحام التفاهم والاختلاف، والتكامل تارة والتناقض طوراً.

===========================

===========================

أردوغان - بوتين واختبار إدلب الصعب

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 8/2/2020

كانت نتائج المواجهة العسكرية أخيرا بين القوات التركية وقوات النظام السوري كبيرة، وغير مسبوقة، لجهة أعداد القتلى والجرحى من الطرفين. وكان من الواضح أنها رسالة دموية من الروس، ولا يشكّل النظام السوري فيها أكثر من أداة. جاءت الرسالة، بعد أن وصلت قناة الحوار الثنائي إلى طريق شبه مسدود. ومعنى ذلك أن الطرف الروسي بدأ يستنفد أوراق الضغط الدبلوماسية والسياسية على تركيا، ولهذا لجأ إلى القوة العسكرية بالوساطة. والدليل على ذلك أن الروس تبرّعوا لتغطية النظام، وتقديم روايةٍ تحمّل تركيا مسؤولية العدوان من النظام على القوات التركية، ما يعني تجاوز روحية التفاهمات الروسية التركية منذ اعتذار أنقرة في يونيو/ حزيران 2016 عن إسقاط الطائرة الحربية الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، والذي تلاه تخفيفٌ كبيرٌ للتوتر، وتطبيع للعلاقات وتطويرها إلى حد بدت في العام الأخير وكأنها سارت على طريق استراتيجي.

لم تكن العلاقة التي جمعت بين الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، بعد حادث سقوط الطائرة سهلة على الإطلاق، وهي من النوع المعقد جدا الذي يحتاج إلى دراية ورعاية ومتابعة يومية، والعنصر الأساسي الذي يشكل عامل الشد والجذب فيها هو سورية، فالرئيس بوتين يتعامل مع تدخله في سورية على أنه شأن روسي استراتيجي، ولذلك لا يقبل القسمة أو الخسارة والتراجع، بينما تحكم علاقات أردوغان بالشأن السوري جملة معادلات معقدة، منها على الخصوص وجود ما يفوق أربعة ملايين مهجر سوري، نصفهم دخل تركيا هربا من العمليات العسكرية الروسية. وهناك مرشّحون جدد يصلون إلى هذا الرقم في محافظة إدلب. والملف الثاني هو النواحي الأمنية التي يلخصها الوضع الكردي في شرق الفرات. بالإضافة إلى ملف الفصائل السورية المسلحة التي تتلقى الدعم العسكري والسياسي من تركيا.

ومن الثابت، والذي لا يقبل الشك، أن تركيا راعت الروس كثيرا خلال السنوات الأخيرة فيما يتعلق بإدارة الملف السوري، وتعتبر، بحساب الربح والخسارة، الخاسر الوحيد حتى الآن. وإذا أخذنا ملف مناطق خفض التصعيد وحده نجد أن تركيا، بوصفها ضامنا للاتفاق، تعرّضت للخيانة من روسيا التي لم تحترم الاتفاق نهائيا، وأخذت بالقوة، حتى الآن، المناطق الثلاث الأولى، في ريف حمص، وريف دمشق، ودرعا، وهي في الطريق إلى بسط نفوذها على المنطقة الأخيرة في إدلب. ولدى طرح السؤال: ماذا كسبت تركيا مقابل التنازل للروس عن دورها ضامنا؟ لا أحد يستطيع أن يقدّم إجابة شافية، وهنا مربط الفرس. وقد صار هذا السؤال يتردّد بالقوة في الأيام الأخيرة في الأوساط الدولية، حتى أن المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، تحدث عن الأمر صراحة قبل عدة أيام، وقال "لقد أوضحنا لأردوغان عدة مرّات أن جهوده لعقد صفقات مع الروس في شمال شرق سورية وشمال غرب سورية لن تجدي نفعا، وأنا بنفسي قلت له لا يمكنك الوثوق ببوتين... وهو بنفسه يرى نتائج ذلك الآن".

وبالإضافة إلى هذا، بات السوريون الذين اتخذوا من تركيا حليفا أمام وضع حرج جدا، وهم لا يجدون أي تبريرٍ يقدّمونه لآلاف من المهجّرين قسريا من بيوتهم التي يدمرها الروس تحت بصر القوات التركية الموجودة في نقاط المراقبة. وتكمن العقدة هنا في أن عدة ملايين كانت تعوّل على تركيا، وتراهن عليها في وقف عمليات التهجير والتدمير المنهجي للعمران والبنى التحتية، ولكن تركيا تقف اليوم عاجزةً عن ردع روسيا أو مساعدة الفصائل من أجل وقف العدوان الروسي. وفي كل يوم يمر، يزداد هذا الملف سخونةً، ويكبر السؤال، ولا أحد يمتلك الإجابة. بل أكثر من ذلك، هناك قلق فعلي من دخول النظام مدينة إدلب، ومن بعد ذلك مناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون".

===========================

صعود المثقفين

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 8/2/2020

كثيرون من شيعوا المثقفين إلى مثواهم الأخير، بعد ما توهموه من فشل الموجة الأولى من الربيع العربي، وقد أرادوه فشلا للمثقفين أيضا. في عالم عربي تسوسه نظم فاشلة، تعارضها تنظيمات حزبية ضعيفة ومعزولة غالبا عن مجتمعاتها، تقدّمت في العقد الأخير جماهيره عامة، وشبابه خصوصا، لإخراج بلدانه من احتجازاتٍ عميقة وتزداد تجذّرا، يصير دور المثقف عضويا ومفصليا، ويلعب دورا مفصليا في تهديم شرعية الأمر القائم، وتقديم وعيٍ مطابقٍ يحفّز تمرّد المواطنين، وثورتهم بما يمدّهم به من برامج وخطط، ويتولاه غالبا من قيادة لهم.

برز هذا الدور خلال موجة الربيع الأولى، وكان وراءها في بعض الحالات. ثم برز في موجته الثانية التي اجتاحت الجزائر والسودان ولبنان والعراق، وسيبرز حيثما يتمرّد الشعب على أوضاعه، وتعجز الأحزاب عن قيادته. يؤكد هذا ما نعيشه، وهو لا يعني أن كل ما يصدر عن المثقفين، أو يفعلونه صحيح، وأنهم يقومون بالدور المطلوب منهم على خير وجه، بل يعني أنهم طرفٌ يتوقف على مواقفه ووعيه مصير تمرّد المجتمعات العربية الذي لن تحسمه العفوية، وسينتكس إذا غاب عنه عنصر الوعي الثوري، الذي يستطيع المثقفون وحدهم إمداده به، الأمر الذي يتطلب تحلّيهم بروح المسؤولية والالتزام، وبالانخراط في حراك مجتمعاتهم، ومبارحة فردياتهم، ليكونوا جديرين بدورهم في التغيير الذي سيقيم نظما بديلة: حرّة وديمقراطية، ولا يسمحوا بهزيمة حراك شعوبهم، ورهانه على العصف بالواقع القائم، وبلوغ هدفه المباشر: تغيير السلطة القائمة بقوة التفاعل مع مثقفين يمتلكون البدائل المطلوبة، ويعرفون سبل ومراحل الوصول إليها، عبر تحول أفكارهم إلى قوة مادية، يلتزم التمرّد بها، لأنها توحّده وتهبه القدرة على ترجمتها إلى البديل المنشود.

أدركت نظم الاستبداد دوما ما لدور المثقفين من خطر، لذلك لم تتوقف يوما عن ملاحقتهم وعزلهم عن الشعب والواقع، وإفسادهم وإرعابهم وتشويه سمعتهم واحتوائهم، ومنعهم من بلورة وعيهم بدلالة الحرية، فيصاب الشعب بعدواها، ويستعيد حقه في الشأن العام، وتوحّد صفوفه بعد تبعثر وفرقة، وتنظم طاقاته وقدراته.

وزاد من عداء النظم للثقافة والمثقفين اقتناع قادتها بحتمية تهافت شرعيتها، في حال عمّقت الثقافة الهوة بينهم وبين الشعب، وتعاظمت حاجتهم إلى استخدام العنف أداة وحيدة للدفاع عن أوضاعهم، وفي عزله عن مجتمعاتهم، وخروج بلدانهم خروجا متزايدا عن سيطرتهم، ما يدفعهم إلى ممارسة مزيد من العنف، إلى أن ينفجر المجتمع، وينهض للمطالبة بالحرية: هدف أي ثقافة تستحق اسمها، فيجمع النهوض ضد الاستبداد الشعب والمثقفين في حاضنة تمرّد، لطالما حلموا به ودعوا إليه، وحين تلقفه الشعب الذي أشبعه حكامه إذلالا وإفقارا وعنفا، قطع خيوطه معهم، ونزل إلى الشوارع هاتفا لحريته: سلاح انعتاق، ومدخله إلى البديل المنشود.

باحتجاز المجتمع استبداديا، تضفي النظم سماتٍ ثوريةً على دور المثقفين، وتحوّل كثيرين منهم إلى مثقفين عضويين، يرون أنفسهم وثقافتهم بدلالة مجتمعهم، فيقرّرون التفاعل معه، من أجل إنجاز ثورةٍ في وعيه يصنعونها هم، تمهد لثورةٍ في واقعه يصنعها هو، في حاضنة الأفكار والبرامج التي زوّدوه بها، لتطوير تمرّده إلى ثورة وحمايته من أعدائه.

أكّدت ثورات الربيع العربي أهمية المثقفين، وفاعلية الحراك المدني، حين تغيّب النظم الأحزاب، وينتج لقاء الطرفين دورا سياسيا جديدا لمجتمعاتهما التي انخرطت في انتقال تاريخي إلى زمن مختلف، سيكون لأول مرة في تاريخ العرب من صنَعها نخب مثقفة وقواعد مجتمعية عامة، وليس من صنع نخب اندمجت في السلطة، لتُقصي المجتمع والمثقفين عن الشؤون العامة، وتنذر بالزوال تحت وطأة حراكهما السلمي، العصيب وغير القابل للكسر.

===========================

موسكو وأنقرة: تفاهمات السياسة أم تفاهمات الميدان؟

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 8/2/2020

أن تشنّ فصائل المعارضة السورية في منطقة "درع الفرات" هجوما شرق مدينة الباب، هو الأول من نوعه منذ أربع سنوات، فهذا يدعو إلى التوقف، بما يتجاوز ما يقال إنه محاولة للتخفيف عن الفصائل في إدلب. وأن تقصف قوات النظام السوري لأول مرة بشكل مباشر رتلا عسكريا تركيا، فهذا يعني أن ثمّة قرارا روسيا بلجم أية اندفاعة عسكرية تركية لمواجهة قوات النظام. وأن يهدّد الرئيس التركي، أردوغان، بعمليةٍ عسكريةٍ في إدلب، في وقت يدعو فيه روسيا إلى عدم امتحان تركيا، فهذا يعني أن تفاهمات السياسة وتفاهمات الميدان بين الجانبين أصبحت على المحك.

وأن يحدث تكذيب وتكذيب مضاد بين الجانبين، التركي والروسي، بشأن أسباب مقتل الجنود الأتراك، فهذا مؤشر على فقدان الثقة. وأن تشن اتهامات واتهامات مضادّة بشأن مسؤولية التطورات العسكرية، فهذا يعني أن تفاهمات سوتشي قد انهارت. وأن يتأخر التواصل بين الرئيسين، التركي والروسي، كما كان معتادا في السابق مع أي خلافٍ يحدث، فهذا يعني انخفاض مستوى التنسيق والتواصل بين الجانبين.

هل يفهم من هذه التطورات أنها بداية الافتراق الروسي ـ التركي في الساحة السورية؟ العلاقات الروسية ـ التركية في سورية ليست استراتيجية ما فوق تاريخية، بقدر ما هي علاقات مرحلية 

"لا يتحمل الأتراك سقوط مدينة إدلب بيد النظام، لأن ذلك يشكل تهديداً كبيراً"فرضتها ظروفٌ معينة، تزول بزوال هذه الظروف. وأحد أهم أسباب التقارب الروسي التركي هو الوجود العسكري الأميركي في سورية الذي يهدّد الطرفين معا كل لأسبابه. ولمّا كانت روسيا وتركيا غير قادرتيْن على تحصيل تنازلات أميركية في الملف السوري تبعا لمصالحهما، فقد قويت عرى التحالف بينهما، وحصلت تنازلاتٌ سياسيةٌ وعسكريةٌ متبادلة. غير أن الأمر اختلف تماما، بعد انتهاء التوتر التركي ـ الأميركي عقب انسحاب القوات الأميركية من شمالي الرّقة، والسماح لتركيا بشن هجوم عسكري سيطرت بموجبه على المنطقة الواقعة بين مدينتي تل أبيض غربا ورأس العين شرقا.

ماذا يعني ذلك للروس؟ إنه يعني، في المقام الأول، أن تركيا، بحكم موقعها ونفوذها في الصراع السوري، استطاعت الحصول على مكتسباتٍ من الجانبين الروسي والأميركي معا، في وقت كان الروس يأملون أن تبقى أنقرة أسيرة التفاهمات معهم فقط.

بلغة الجيواستراتيجيا، عنى ذلك لموسكو أن تركيا حقّقت فائضا من الحضور الجغرافي العسكري، ولم تعد في موقف المتصارع مع الولايات المتحدة، بل وصلت الأمور إلى حد حصول تفاهماتٍ تركية أميركية بشأن قضايا كثيرة. وهذا أحد السياقات التي بسبّبها شن الروس هجومهم على إدلب. لكنّ ثمّة سياقين آخرين، يجب إبرازهما:

ـ قناعة روسية بأن الأتراك ضعيفون، ولا يستطيعون مواجهة الآلة العسكرية الروسية. وبني هذا التقدير ليس فقط على أساس التفوّق العسكري الروسي فحسب، بل أيضا بسبب التراخي التركي في الرد على الخروق الروسية التي بدأت العام الماضي، وانتهت بالسيطرة على ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي. لم يفعل الأتراك شيئا حيال تجاوز الروس بنود اتفاق سوتشي الذي نص على أن تكون المنطقة الآمنة (15 ـ 20 كلم) مناصفةً بين أراضي الجانبين، ولكن ما حصل أن الروس جعلوا المنطقة الآمنة في أراضي المعارضة.

ـ السياق الثاني، وهو السياق الاستراتيجي: لقد تعب الروس من إطالة مدة النزاع العسكري مع غياب أي استثمار سياسي ـ اقتصادي لهذا النزاع، وقد توصلوا إلى قناعةٍ، منذ أكثر من عام، بأن الصراع الحقيقي ليس في غرب سورية، وإنما في شرقها، فمن يسيطر هناك يفرض أجندته. ولذلك، يعمل الروس على إنهاء المعارك الجانبية، ومنها إدلب، للتفرغ للشرق والمسألة الكردية.

والخلاف الروسي التركي ليس على جنوب إدلب، ولا على الطرق الدولية في محافظة إدلب، فهذا 

"تركيا حقّقت فائضا من الحضور الجغرافي العسكري، ولم تعد في موقف المتصارع مع الولايات المتحدة"متفقٌ عليه ضمن مسار أستانة، وسهولة سيطرة النظام على معرّة النعمان ومحيطها الشرقي، وسرعة الوصول إلى مدينة سراقب، تؤكد أنه لا يوجد قرارٌ تركيٌّ بمواجهة هذا الهجوم. ينحصر الخلاف بين الجانبين في ما بعد سراقب: الأتراك لا يتحمّلون سقوط مدينة إدلب بيد النظام، لأن ذلك يشكل تهديدا كبيرا على تركيا من النواحي الإنسانية الاقتصادية والعسكرية. ويفيد حصر نقاط المراقبة العسكرية التركية الجديدة في الشمال والشمال الشرقي لسراقب بأن هذه المنطقة يجب أن تكون خط النهاية لقوات النظام السوري. ولا يفهم من دخول أرتال عسكرية تركية كبيرة إلى المحافظة أنه محاولة لتغيير قواعد اللعبة والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، كما ذهب بعضهم.. لا تسمح موازين القوى بذلك، لكنها تسمح لأنقرة إذا ما أرادت بجعل المعركة أكثر صعوبة وتكلفة للنظام وروسيا.

لم تتدخل هيئة تحرير الشام في كل معارك إدلب التي بدأت العام الماضي، ولكنها فجأة تشارك، عبر "العصائب الحمراء"، بتنفيذ عملية عسكرية مهمة مع فصائل المعارضة غرب حلب، قبل أن تعود أدراجها.

وفهم الموقف التركي في إدلب على المستوى العسكري مرتبط مباشرة بتحرّكات الهيئة، لا بتحرّكات الفصائل، فالهيئة لا تتدخل إلا بأمرٍ مباشرٍ من أنقرة، وهذه رسالة تركية إلى روسيا، أن المناطق الشمالية من المحافظة خط أحمر. ووفقا لهذه القراءة، ستنتهي العمليات العسكرية، على الأغلب، بعد السيطرة على مدينة سراقب وريفي حلب الجنوبي والغربي، مع إعادة بناء اتفاقٍ جديدٍ على غرار اتفاق سوتشي، استمرارا لمسار أستانة الذي لا ترغب العاصمتان بزواله، لأسباب سياسية لا عسكرية، على أن يبقى مصير شمال المحافظة معلقا إلى مرحلة لاحقة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com