العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-09-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حان الوقت لاستقالة دي ميستورا

وائل السواح

العربي الجديد

الخميس 13/9/2018

التقيت مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، أربع مرّات. كانت الأولى بصفتي مديرا تنفيذيا لمنظمة اليوم التالي، حيث دعانا، الدبلوماسي السابق والأستاذ الجامعي مرهف جويجاتي وأنا، للقائه في جنيف. وصلنا في الموعد، ولكنه وصل متأخرا نحو ربع ساعة، واعتذر بقوله: "كنت أتحدث مع مديري"، في إشارة إلى الأمين العام السابق للأمم المتّحدة، بان كي مون، "لذلك، جئت أستقبلكما في البهو للتعبير عن أسفي"، قبل أن يصحبنا إلى قاعة الاجتماع، حيث كان نائبه المصري، رمزي عزّ الدين رمزي، ونحو عشرة أعضاء آخرين في فريقه.

استمع دي ميستورا إلينا مطوّلا، ونحن نعرض له ولفريقه وجهة نظرنا في الأزمة السورية، ثمّ راح يُمطرنا بأسئلة دقيقة بشأن دور المجتمع المدني في العملية التفاوضية في جنيف، وإمكانية السوريين التعايش مع فكرة بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، وموقفنا من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة. وكان جوابنا واضحا ومحدّدا: نحن مع مشاركة المجتمع المدني مراقبا وضامنا للاتفاق، وضدّ فكرة بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، ومع استئصال التنظيمات الراديكالية الإسلامية، مع ضرورة تمييزها عن محيطها المدني.

التقيت به ثانية في جنيف أيضا مع وفد من ممثلي منظمات المجتمع المدني، ثم حدث أن

"يتّسع يوماً بعد يوم رفض قطاع كبير من السوريين لوساطة دي ميستورا، وقد فقد مصداقيته"  جمعني لقاءان آخران به في مناسبتين، إحداهما العام الماضي في نيويورك. وفي كلّ مرة بدا لي دي ميستورا مثقفا وذكيا وشديد التهذيب. وأسجّل له سعة صدره ورغبته في إشراك المجتمع المدني في العملية التفاوضية، وتأسيسه مجموعة النساء الاستشارية الخاصة في مكتبه. بيد أن ذكاءه وتهذيبه لم يُخفيا، منذ اللقاء الأول، أنه لا يقف في الوسط تماما من أطراف النزاع في سورية.

اليوم وبشكل خاص، يثير دي ميستورا إشكالا سياسيا وأخلاقيا بتصريحاته المثيرة للجدل بشأن إدلب. ففي وقت يتحدث فيه نظام بشار الأسد، ومن ورائه روسيا وإيران، عن اقتحام إدلب، وقد مهّدتا لذلك بالبدء بضربات جوية وصاروخية وببراميل متفجرة، يدلي دي ميستورا بتصريحات غريبة، بدت وكأنها تبرّر تحضيرات الأسد - بوتين بشأن ضرب إدلب.

وقبل أيام، أعادت القوّات الروسية مشاركتها المباشرة بضرب المدينة، مباشرة بعد خروجها من القاعة التي جمعت رئيسها بوتين مع الرئيسين التركي أردوغان والإيراني حسن روحاني في طهران، لمناقشة الوضع في إدلب، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن أربع مقاتلات تابعة لها وجهت ضرباتٍ "عالية الدقة" إلى مواقع لتنظيم جبهة النصرة في محافظة إدلب، مستخدمةً ذخيرة فائقة الدقة.

وتبجّح بشار الجعفري، ممثل بشار الأسد في الأمم المتحدة، بأن دمشق عازمة على "استعادة جميع الأراضي السورية وتحريرها من الإرهاب والاحتلال الأجنبي"، وشدّد على أن أي تحرّك تقوم به حكومته في إدلب "حق سيادي مشروع تكفله مبادئ القانون الدولي وأحكام الميثاق وقرارات مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب وتفاهمات أستانة".

في هذا الوقت بالضبط، اختار دي ميستورا أن يدلي بتصريحاتٍ عن إدلب، ورد فيها إن المدينة تضمّ عددا كبيرا جدّا من مقاتلي جبهة النصرة، نحو عشرة آلاف، مضيفا أن الحق في مقاتلة المتطرفين لا خلاف حوله، قبل أن يستدرك أن ذلك لا يبرّر طبعا استهداف 2.9 مليون سوري هناك. ثمّ سارع إلى عرض خدماته في تأمين خروج آمن للمدنيين في المحافظة، وقال إنه مستعد للسفر شخصيا إلى إدلب للمساعدة في ضمان خروج المدنيين عبر ممر إنساني. بيد أنه لم يقل إلى أين سيَخرُج هؤلاء المدنيون، ولا كيف سيعيشون، وماذا سيحل ببيوتهم وأرزاقهم حين خروجهم. كما أنه لم يقل كيف سيعمل على إخراجهم، وكيف سيقنع جبهة النصرة وأخواتها على ترك المدنيين يخرجون من دون أن يستخدموهم دروعا بشرية، كما فعل جيش الإسلام وفيلق الرحمن في الغوطة الشرقية. كان المهجّرون جميعا يجدون ملاذا في إدلب. ومن القصير والوعر والمعضمية وداريا ودوما، حمل المهجّرون أسمالهم وأطفالهم ورحلوا إلى إدلب، فإلى أي مكانٍ يستطيع دي ميستورا أخذهم الآن؟

لم يكتفِ المبعوث الأممي بذلك، بل ساوى بين نظام الأسد الذي استخدم الأسلحة الكيميائية ضدّ شعبه مرات ومرات وجبهة النصرة، في ترويج الرواية الروسية البائسة عن استعداد الأخيرة للقيام بمسرحية هجوم كيميائي، واتهام النظام بذلك.

معظم السوريين مع القضاء على جبهة النصرة وتنظيم داعش وكل التنظيمات الإرهابية السورية، فأفكار هذه التنظيمات وعقيدتها غريبة عن السوريين، المعروفين باعتدالهم ووسطيتهم في معظم الأمور، بما في ذلك القضايا الدينية. وقد سبّبت جبهة النصرة، ومعها "أحرار الشام" و"جيش الإسلام" وسواها كوارث للمدنيين السوريين ولسورية، ما يجعل السوريين سعيدين بإنهاء هذه الظاهرة الشاذّة. ولكن هذا شيء واستخدام جبهة النصرة ذريعة لاحتلال إدلب،

"يثير دي ميستورا إشكالا سياسيا وأخلاقيا بتصريحاته المثيرة للجدل بشأن إدلب"  والتنكيل بالمدنيين السوريين، وهو ما سيحدث قطعا في حال دخول مليشيا بشار إلى هناك، شيء آخر. ستكون معركة إدلب أسوأ كارثةٍ تتعرّض لها سورية على الإطلاق. ويتوقع أن يشكل انطلاق عملية عسكرية كبرى هناك كابوساً على الصعيد الإنساني، حيث لم تعد هناك مناطق قريبة خاضعة للمعارضة في سورية يمكن إجلاء السكان إليها.

وإذا استمعنا إلى طبيب سوري من إدلب، منذر الخليل، وهو يعمل جرّاح عظم ويترأس مديرية الصحة في المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة في إدلب، فإن المحافظة سوف تشهد "كارثة قد تكون الأكبر". وقال في مقابلة أجرتها معه وكالة "فرانس برس" في جنيف: "أخشى من أن نكون على وشك أن نشهد الأزمة الأكثر كارثية في حربنا".

يتوقّع السوريون من الأمم المتحدة وأمينها العام ومندوبه الخاص أن يلعبوا دور المثبّط للهجوم الوشيك، ولذلك فإن تصريحات صبّ الزيت على النار التي أوردها دي ميستورا كانت صاعقة لهم. اليوم، لم يعد أمام السوريين من أمل سوى انتظار الطائرات والدبابات والبراميل لتنهي أحلامهم ببيت وعائلة وخبز يومي، فلا الأمم المتحدة المشلولة، ولا الولايات المتحدة المبتلاة برئيس تلاحقه الفضائح والمحققون في كلّ مكان، ولا أوروبا العاجزة، ولا المعارضة الفاسدة، قادرة على إنقاذهم من هذا المصير.

يتسع يوما بعد يوم رفض قطاع كبير من السوريين لوساطة دي ميستورا، وقد فقد الرجل بريقه ومصداقيته، بفعل استخفاف الروس به وبدوره. وسبق دي ميستورا رجلان كبيران، هما الأمين العام السابق للأمم المتحدة (الراحل حديثا) كوفي عنان، والدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي، وقد أدركا أن النظام السوري ليس شريكا نزيها في الحوار، فآثر كل منهما استقالة مشرّفة على وساطة ملوّثة. وأحسب أن الأوان قد آن لكي يحذو دي ميستورا حذوهما، ويفكّر، وهو يدخل في عامه الثاني والسبعين، في تقاعدٍ مشرّفٍ له ولنا.

==========================

موقفنا : ثلاث لاءات كبيرة في رؤيتنا لسورية المستقبل

زهير سالم

10 / 9 / 2018

مركز الشرق العربي

هذه لاءات غير ظرفية ، تفرض نفسها على كل مواطن حر يريد الحرية لوطنه وليس لنفسه ، ولمجتمعه وليس لفئته . لاءات ثلاث نتمسك بها شروطامدخلية للتأسيس "لدولة" في سورية ، وإن غابت أو بعضها غاب مفهوم الدولة عن الشكل السلطوي مهما كان ..

وهي ثلاث لاءات نلتزم بها أداء واقتضاء ، هي حق للسوري على السوري، وحق للمواطن على الوطن ، وحق للمواطن والوطن على الدولة ، نطالب بها حقا لأنفسنا ونبذلها في الوقت نفسه حقا لكل سوري ورث حق الانتماء إلى هذه الأرض وإلى هذا المجتمع ..

أولا - لا ....للمجتمع المتجانس !!

فالمجتمع السوري هو المجتمع السوري ، بكل خيط من خيوط عباءته الجميلة . ونسل أي خيط من خيوط العباءة بأي سبب وعلى أي خلفية للنبذ سيخلف خرقا في النسيج المجتمعي مهما كان حجم هذا الخرق وأثره . بل سيشكل سابقة في التاريخ الحضاري للمجتمع السوري منذ كان ..

المجتمعات لا تبنى على سياسات النبذ والاستئثار بأي بعد من هذين البعدين . وهذه السياسات التي ما تزال ديدن المتسلطين على سورية منذ نصف قرن ستنتهي ، ولكن ليس بتبادل الأدوار ، وتغيير هوية الطاحن والمطحون ..وهذه حقيقة يجب أن نعلمها ونلقنها لكل الذين يلوكون كلاما لا يدرون أبعاده ومراميه .

ثانيا - لا ...للمجتمع المتمايز!!

لا للمجتمع الذي يعلو أبناؤه بعضهم فوق بعض ، بأي صيغة ، وعلى أي خلفية لا للتمايز الديني ولا للتمايز المذهبي ولا للتمايز القومي ولا للتمايز الاجتماعي أو الطبقي. ولقد عاب القرآن الكريم على الفرعونية ، جعل الناس شيعا ، ورفع بعضهم فوق بعض . وكان لأمتنا تعبيرها الحضاري التاريخي : الناس سواسية كأسنان المشط. الناس بالتعبير الإنساني الحافي من كل وصف إضافي . نؤكد تمسكنا بمجتمع أسنان المشط الذي يكون فيه كل الناس تحت مظلة القانون وأمامه سواء .

ثالثا ..لا مصادرة على الخيار الديموقراطي وليس لأحد أن يتقدم أو أن يستدرك عليه ..

يقر الديموقراطيون في البلدان الديموقراطية أن الديموقراطية هي أقل خيارات التمثيل المجتمعي سوء .

وإذا كنا قد ارتضينا تبني هذا الخيار ، والاحتكام إليه فليس لأحد أو جهة أو فئة أن تشترط أو أن تستدرك على هذا الخيار ..

وقد تكون نتائج التجارب الديموقراطية الأولى غير مرضية للبعض ، وغير محبذة لآخرين ؛ ولكن التجربة الديموقراطية مهما كانت غير مسعفة كفيلة بأن تؤسس لما هو أقل سوء أو أفضل وأرقى منها مع تراكم التجارب والخبرات ..

نتساءل اليوم : كم شارك الذين سطروا تخوفاتهم من تجارب ديموقراطية سيئة - برأيهم طبعا - في إعادة التأسيس للاستبداد ..

وحين نعلن : لا مصادرة على الخيار الديموقراطي ، فيجب أن نعترف أنه لم يكن من الحكمة في شيء أن يزج السوريون أنفسهم في صراعات موهومة على كليات أو جزئيات في مخرجات الخيار الديموقراطي واحتمالاته ، وتجليات مفهوم الأكثرية بين الديني والمذهبي والسياسي .

ستكون العناوين الكبرى لسورية المستقبل هي ما يتبناه الخيار الشعبي الديموقراطي الحر . في كل دورة من دورات هذا الخيار حتى تستقر الحقائق على قواعدها .وكلنا يجب أن يقبل ابتداء بنتائج هذا الخيار ، وإن لم يكن مرضيا له . وأن نقبل أن التأثير في الرأي العام ، وكسب ثقته ، وإقناعه بما أرى أنا أو ترى أنت أو ترين أنتِ أو يرون هم أو نرى نحن هو الطريق الديموقراطي الوحيد لدعم الرؤية والمشروع ..هذا إذا كنا قد اعتددنا الديموقراطية حقا ولم نعتمدها شعارا مثل شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.

كثير من الكلمات على هوامش هذه القضايا بات من الثرثرة التي تضيع الأوقات وحين نرى أنفسنا نعود إلى المحاضن الأولى للعمل الوطني يجب أن تكون خياراتنا تلك التي تجمع ولا تفرق تجذب ولا تنبذ ....

ـــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

========================

اللعب بالكلام الكيميائي فوق إدلب

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 13/9/2018

لا حدود لوقاحة الضواري حين تتكلم. استأنفت «الدبلوماسية» الروسية ـ فرع الإبادة الشاملة، تشغيل آلة الكذب بشأن السلاح الكيميائي الذي ثبت استخدام نظام بشار له 183 مرة، على الأقل، بعد النزع المزعوم لهذا السلاح من يده بين 2013 ـ 2014. ففي كل مرة يثبت بأدلة قاطعة استخدام النظام لهذا السلاح، يتنطح الروس لإنكار ذلك، وكأن الحقيقة تتغير بمجرد إطلاق لافروف أو مساعديه لتصريحاتهم. ربما معهم حق، لأن القانون السائد في العلاقات بين الدول هو قانون القوة: من يملك القوة يملك الحق في الكلام، وعلى الآخرين أن يصدقوا ما يقول، حتى لو كان كذبه واضحاً. شهادة القوي تجب كل الشهادات المعاكسة!

لقد تفوق الروس على أنفسهم في إطلاق كذبة جديدة حول «سيناريو يتم تصويره، منذ الآن، لاتهام النظام الكيمياوي باستخدام هذا السلاح في ضرب مدينة جسر الشغور!» بل يزيد الروسي من عنصر التشويق، فيقول إن «المسلحين قاموا بنقل برميلين من مشتقات غاز الكلور من خربة الجوز إلى جسر الشغور» لكي يتم أخذ عينات من التربة كدليل (مفبرك طبعاً!) على استخدام النظام لغاز الكلور. وقد بدأ التصوير منذ الآن بمشاركة من «الخوذ البيضاء»!

نعم، كل هذه التفاصيل «التقطها» الروس ببراعة استخباراتهم التي تعرف ما سيحدث قبل أن يحدث، على ما ذهب إعلان ترويجي شهير، قبل سنوات، لوسيلة إعلامية ناطقة بالعربية. وحول الدبلوماسيون الروس اللقطة الاستخبارية إلى خبر تتناقله وسائل الإعلام بكل جدية. ومن وسائل الإعلام ينتقل هذا «الخبر» إلى جمهور واسع، بعض منه يتلقفه لإثبات وجهة نظره الثابتة حول المؤامرة الكونية على النظام الكيمياوي ومحور الممانعة، ويبني عليه تحليلات بارعة تصل أبعادها إلى ما بعد بعد إدلب. وكان الزج بالخوذ البيضاء ضرورياً، في هذه المناسبة، لتأكيد صفتها الإرهابية للمرة الألف، ومهمتها الثابتة المتمثلة بالافتراء على «الحكومة السورية» (لاحظت صحفاً عربية تنقل عن قياديين في الجيش الحر تصريحات يستخدمون فيها، حسبما تنسب إليهم، لغة ديمستورا حول «الحكومة السورية» بعد سنوات من استخدامها تعبير «النظام» مع صفات كالمجرم أو الدموي أو الطائفي! لكن هذا خارج موضوعنا).

من أين يأتي الروس بكل هذه الوقاحة في فبركاتهم عن فبركات مفترضة يتهمون بها خصومهم؟ ليس فقط لأنهم يملكون القوة الفظة التي تخولهم إطلاق ما يشاؤون من أكاذيب مفضوحة. بل كذلك لأن الخصوم لا يقلون عنهم خسة، على الأقل في الحالة التي نتحدث عنها هنا، أي الحديث عن السلاح الكيميائي في إدلب. فطوال أيام وتصريحات الأمريكيين والفرنسيين تتكرر بطريقة الضرب على الرأس: إذا استخدم النظام السلاح الكيميائي في الهجوم على محافظة إدلب، سيكون رد الدول الثلاث، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، قوياً! يبدو أن مسؤولي البلدان الثلاثة يخشون ألا يكون المعنيون فهموا ما بين سطور هذه التصريحات، لذلك فهم يكررونها كل يوم أكثر من مرة.

المضمر في هذه التصريحات، هو أن الهجوم على إدلب من قبل الروس والإيرانيين وتابعهم في دمشق، مسموح. كذلك استخدام كافة أنواع السلاح في هذا الهجوم مباح، باستثناء السلاح الكيميائي.

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جافاه النوم وهو يخشى ألا يكون الروس والأسديون فهموا ما يتوجب عليهم عمله. لذلك فقد غادر سريره وكتب تغريدة بديعة على حسابه على تويتر، قال فيها: «لا يجب على الرئيس بشار الأسد في سوريا مهاجمة محافظة إدلب بتهور. سوف يرتكب الروس والإيرانيون خطأ إنسانياً خطيراً بالمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة. يمكن أن يُقتل مئات الآلاف من الناس. لا تدعوا هذا يحدث!»

ثم عاد إلى سريره مطمئن البال ونام بعمق، بعدما وجه نداءه المؤثر إلى الجنس البشري: «لا تدعوا هذا يحدث!» لكي يمنع بشاراً (الذي ارتقى، في لغة ترامب، من مرتبة الحيوان إلى مرتبة الرئيس!) من التهور في هجومه، فيكتفي بهجوم منضبط وعقلاني.

يشعر المرء أنه يشاهد عرض سيرك متوحش، تقوم وظيفة اللاعبين فيه على تهيئة الجمهور نفسياً لمشاهدة الجحيم. فبدلاً من محاسبة روسيا على عدم وفائها بتعهداتها بشأن التسليم الكامل للسلاح الكيمياوي الذي يملكه الأسد، بموجب تلك الصفقة الشائنة بين أوباما وبوتين والأسد في عام 2013، يقوم لاعبو السيرك الفظيع بالحديث عن هجوم كيماوي مفترض سيحدث في محافظة إدلب، وربما تبث وقائعه على الهواء مباشرةً، ويتهمون بها فاعلين مختلفين لم يفعلوا شيئاً بعد!

يقول العقل لا تفكر بذهنية المؤامرة. لكن هذا السيرك القبيح يدفعك دفعاً لتفكر بتلك الطريقة: كأنه ثمة اتفاقاً، بين الروس من جهة والأمريكيين وحلفائهم من جهة ثانية، على استخدام السلاح الكيميائي في الهجوم على إدلب، بحيث تتهم واشنطن ولندن وباريس نظام بشار الكيمياوي به، ويرد لافروف باتهام الخوذ البيضاء به. وبذلك تنتهي هذه «القصة» بتطبيع استخدام السلاح الكيميائي، بعد عقود على تحريمه دولياً، بفضل عالم «ما بعد الحقيقة». فلم يعد تمييز الحقيقة من الكذب ممكناً، ما دام الكذب محروساً بالقوة العارية لبلطجية هذا العالم.

 

٭ كاتب سوري

==========================

إدلب.. ومستنقع انهيار القيم

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 12/9/2018

جاءت دعوة صحيفة «نيويورك تايمز» للإدارة الأميركية بالتدخل لمنع اجتياح إدلب من قبل مغول وتتار وبرابرة العصر، لتعطي بصيص ضوء أمل بوجود بقايا قيم إنسانية في هذا العالم، لكن السياسيين لا يزالون يصرون على قيادة العالم إلى مستنقع انهيار قيمي وإنساني، ويصرون معه على تسييد القتلة المجرمين للمشهد، وقذف ملايين البشر إلى خارج مستنقعهم، لكن الحل الغروزني الذي لم تخجل روسيا يوماً واحداً في التلويح به وممارسته على مدى 3 سنوات عجاف من عمر الثورة السورية، لا يزال هو السائد لدى ساسة موسكو.

اللافت أن الغرب والشرق الذي سيدفع ثمناً باهظاً للحل الغروزني الروسي، تراه اليوم صامتاً صمت القبور، فقنبلة التشرد التي قد تعصف بأربعة ملايين قاطن بإدلب ستدفعهم إلى تركيا ثم إلى أوروبا، وحينها ستغدو أوروبا مكباً لكل إجرام الاحتلال الروسي ، وعليها حينها أن تتحمل تبعات ذلك، وحتى قنبلة العنف والإرهاب -لا سمح الله- في حال تحوّل الشباب الغاضب الناقم إلى تيارات عنفية وإرهابية، إذ إن الشعب السوري يرى في الغرب مسؤولاً بشكل مباشر عما لحق به، وأن روسيا لم تكن إلّا أداة منفذة.

أثبتت إدلب مجدداً -كما أثبتت سوريا كلها من قبل- أن القيم الإنسانية ليس لها وجود إلا في كتب قديمة، أكل عليها الدهر وشرب، وأن كل ما تفتق عنه العقل الإجرامي تم استخدامه في الشام من قصف لمنشآت حيوية إنسانية صحية وتعليمية وبيوت على رؤوس ساكنيهم، أو من خلال استخدام الطيران الحربي الإجرامي براميله المتفجرة على رؤوس المدنيين، فضلاً عن الصواريخ بعيدة المدى العمياء، وفوق هذا استخدام الكيماوي وسط صمت عالمي، وتواطؤ لم يسبق أن حصل أو حدث من قبل.

الأغرب من ذلك كله أنك لا ترى إدانة وشجباً لكل هذا، وهو تواطؤ إلى حد الخيانة والخذلان، فلن تجد زعيماً عالمياً واحداً ندد بكل هذا الإجرام، ومع هذا ترى الصمود والثبات في إدلب والشمال المحرر من قبل الثوار والأهالي، وهو ما عكسه تناغم الطرفين في جمعة المقاومة خيارنا، وهذا الثبات والصمود ينتظر فقط لحظة نزول القوات البرية على الأرض، فالقصف من الجو صفة الجبناء الأنذال، وحين ينزل الجنود على الأرض سيرون الحال الذي سيغني عن السؤال كما يقول الثوار والأهالي.

إدلب التي أعلنت تركيا حتى الآن وقوفها معها، تشكل نقطة اختبار حقيقي لها اليوم، فكل شركائها وحلفائها ظهر منهم نقض العهود والمواثيق، وبان كفرهم بالاتفاقيات التي وقعوها معها على مناطق خفض التوتر، وبالتالي فإن أي اجتياح لإدلب دون وقوف تركيا معها سيعرضها لأزمة أخلاقية حقيقية، وتخسر بالتالي شعبياً، وحاضنة ليست في الشام فقط، وإنما في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى أن وجود الميليشيات الطائفية سيهدد أمنها واستقرارها بشكل يومي ويعرضها للابتزاز، وعليه فلا مناص لتركيا من خوض معركتها في إدلب استباقاً لنقلها إلى داخل أراضيها، ولعل في دفع تعزيزاتها العسكرية إلى داخل إدلب بداية لهذا التحرك، مع ضرورة الاستدارة نحو الغرب وأميركا، من أجل مواجهة الخطر الحقيقي باجتياح منطقة ستدفع تركيا والغرب كله ثمناً باهظاً إن حصل، فتأمين كانتون سني اليوم في الشمال المحرر أوجب الواجبات، ليس لأمن تركيا والغرب، وإنما لإنقاذ ما تبقى من قيم إنسانية بأعين العرب والمسلمين، وقبلهم بأعين الشمال المحرر.

==========================

من إدلب إلى السويد

سمير عطا الله

الشرق الاوسط

الاربعاء 12/9/2018

واضح أن الأميركيين قد خرجوا من حرب سوريا فريقا أساسيا ودولة كبرى. والاكتفاء بالتحذير من استخدام السلاح الكيماوي، مما يوحي أن كل ما عداه مقبول، بما في ذلك 36 قاذفة روسية و26 بارجة.

والموقف الأوروبي لا يختلف كثيراً عن الموقف الأميركي. ففرنسا هددت بضربة عسكرية إذا استخدمت سوريا الكيماوي، وألمانيا تدرس الوضع في تأنٍ شديد. والمشهد بالتفصيل يعني أن الصراع الباقي في إدلب اليوم، هو بين الثلاثي الداعم للنظام، روسيا وتركيا وإيران. الثلاثة وقفوا في إدلب أمام جدار مسدود بعدما أحالوا إليها نتائج المعارك الأخرى جميعها، ونقلوا إليها المسلحين والعائلات في باصات لماعة ومكيفة.

وفي الفصل الأخير من التصفية، برز المتوقَّع، وليس المفاجئ: العداء بين تركيا والنظام، وتضارب الأولويات بين تركيا وحليفيها الجديدين: روسيا وإيران. وقد لا تكون كلمة «حليف» دقيقة هنا. فقد حضرت موسكو قمة طهران، لكنها تصرفت في اليوم التالي وكأنها لم تُعقد. وليس خافياً ولا مخفياً أن موسكو تعتبر الحرب روسية، والسلام روسياً. لذلك ابتعدت عن إيران في موضوع الجولان، وتبتعد عن تركيا في مسألة إدلب، من دون تردد.

أما قرار مجلس الأمن فقد نظرت إليه كما نظرت إلى غيره من قبل. لقد اتخذ فلاديمير بوتين ساحة لن يتركها لسواه: هو من يدبر اجتماعات «السلام»، وهو من يدير «الحل السياسي» بأسراب السوخوي وأسراب الفيتو. وبعد قمة طهران، وجد الرئيس التركي نفسه أمام مشكلة كبرى على حدوده وداخلها. لا الاقتصاد قادر على تحمل المزيج من أعباء اللاجئين، ولا أصدقاؤه القدامى يساعدونه في دعم الاقتصاد. فالمصالحة مع ألمانيا لم تبدأ ثمارها بعد. والنزاع مع أميركا لا يزال يدك الليرة. فمن يساعده في ذلك، إيران التي تهدها العقوبات أم روسيا التي لم تسلم هي أيضا من عقوبات الصديق الحائر؟ يوماً يبش ويوما يكش.

الجانب الآخر من المأزق أن أحداً لا يريد بقاء، أو إيواء، المتطرفين. والخوف ليس عليهم، بل منهم. لكن ماذا يحدث للمدنيين المحاصرين بين نيران الفريقين؟ ليس لدى أميركا وأوروبا سوى البيانات. والثانية تخشى موجة أخرى من اللاجئين، فيما الأولى أغلقت الأبواب في جهنم، وتكفلت كندا باستقبال 40 ألفاً منهم، وأخطر ما حدث لأوروبا أمس، وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في السويد، أرقى دول العالم.

ألتمس سماحكم وأرجو بكل تواضع أن تعيدوا ما كتب في هذه الزاوية قبل سنوات، تحت عنوان «السعة الألمانية». مجرد قراءة للتاريخ، لا عبقريات ولا تنبؤات.

==========================

إخلاص "الحليف" الروسي

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 12/9/2018

من الانطباعات التي يحرص الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على إعطائها، على صعيد علاقاته الدولية وسياساته الخارجية، أنه، بعكس الولايات المتحدة، شريكٌ موثوقٌ، لا يتخلّى عن حلفائه، ولا يخون أصدقاءه، بل يدافع عنهم بقوة، ويبقى إلى جانبهم حتى النهاية. لكن هذا الانطباع تعتريه هشاشة صادمة، جراء ميولٍ "غريزية" لدى الرئيس فلاديمير بوتين، للاستفادة من أي معطى، مهما كان هامشيًا، لابتزاز هؤلاء الشركاء والحلفاء، والضغط عليهم في ظروف ضعفهم، لتعظيم مكاسبه على حسابهم. وعلى الرغم من أن أمثلة كثيرة تبرز أمامنا للدلالة على ميوله تلك، الا أن شيئًا من ذلك لا يُقارن بقدرته على التلاعب بشريكيه في الشأن السوري، تركيا وإيران، مستغلًا تدهور علاقة كليهما بواشنطن.

في قمة طهران، يوم 7 سبتمبر/ أيلول الجاري، اتضح من الاشتباك الكلامي الروسي - التركي، والذي أراده الإيرانيون علنيًا لإحراج ضيوفهم الأتراك، المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الرئيس بوتين في استثمار حال الضعف التي تعتري موقف "الشريك" التركي، للمضي في تحقيق أغراضه على الساحة السورية. إذ رفض طلباً لوقف إطلاق النار في إدلب، وإعطاء الأتراك مزيداً من الوقت، لاستكمال جهودهم لحل مشكلة التنظيمات المتشدّدة سلمياً، لتجنّب حمام دم حقيقي بين المدنيين، ودفع موجات كبيرة من اللاجئين باتجاه الحدود.

بإدراكه عمق الأزمة في العلاقات التركية – الأميركية، والتي بلغت حد فرض واشنطن عقوبات على مسؤولين أتراك، ووقف تسليم أسلحة لتركيا، وإعلان ما يشبه الحرب على الليرة والاقتصاد التركيين، وغير ذلك من إجراءات، يستغل بوتين عزلة الرئيس أردوغان بين حلفائه الغربيين، وانكشاف ظهره، للضغط عليه، ودفعه الى الاستسلام أمامه. وبدون موقف أميركي قوي، يعرف بوتين أن الأتراك لا يملكون خياراتٍ حقيقيةً لمقاومة استراتيجيته الرامية إلى حسم الصراع السوري عسكرياً، وإضعاف أدوار القوى الإقليمية "الشريكة"، قبل البدء بأي حديثٍ جدّي عن تسوية سياسية. وهذا يفسر أيضاً الاستعجال الروسي في قطف الثمار، تحسّباً لأي تغيير يطرأ على المزاج الأميركي، بخصوص العلاقة مع تركيا، يؤدي إلى تحسين مواقعها.

لكن الإيرانيين الذين سرّهم إظهار عزلة جيرانهم الأتراك، وضعفهم في قمة طهران، لم يكونوا أفضل حالاً في علاقتهم مع الروس في قمة بحر قزوين، ففي الاجتماع الخامس لزعماء دول حوض قزوين التي انعقدت في أكتاو (كازاخستان) في أغسطس/ آب الماضي، بدا الرئيس حسن روحاني في قمة الضعف والانكسار، برضوخه للمقترحات الروسية المتعلقة بإعادة تعريف الوضع القانوني للبحر، تمهيداً لاقتسام ثرواته. وهنا أيضاً استغل الرئيس بوتين الهجمة الأميركية الشديدة على "الحليف" الإيراني، عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، للحصول على تنازلاتٍ غير مسبوقة من إيران، بشأن حصتها في بحر قزوين، إذ وافقت إيران في هذه القمة على تخفيض حصتها من 50% إلى أقل من 13% من حوض البحر. كيف هذا؟

بموجب اتفاقية 1982 بين طهران وموسكو، اقتسم الطرفان بحر قزوين، بالتساوي بوصفه بحراً مشتركاً. وعلى الرغم من أن الوضع تغير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وظهور أربع دول على أنقاضه (روسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان)، ظلت إيران تصرّ على تعريف قزوين بأنه "بحر"، للحفاظ على حصة النصف فيه. بعد ربع قرن من الرفض، تمكّنت روسيا أخيراً ليس فقط بانتزاع موافقة طهران على تغيير الوضع القانوني للبحر، وذلك بإعادة تعريفه حوضاً مائياً لا يحمل صفة البحر أو البحيرة، بل أيضاً موافقتها على الحصّة الأقل بين الدول الخمس المتشاطئة. وإذا أُخذت بالاعتبار تقديرات وكالة الطاقة الأميركية للثروات التي يحتويها بحر قزوين (48 مليار برميل من النفط و292 تريليون قدم مكعبة من الغاز) لفهمنا الدافع وراء الانتقادات الداخلية الشديدة التي تعرّض لها روحاني، بموافقته على المقترحات الروسية. لم تقف حدود الابتزاز الروسي هنا، إذ عرضت روسيا على إيران "إنقاذًا" لها من العقوبات الأميركية أن تشتري كامل إنتاجها من النفط المخصص للتصدير (بسعر مخفّض) لتعيد هي بيعه، وتحصل إيران، في المقابل، على بضائع روسية بقيمة النفط المباع، بدلاً من العملة الصعبة، أو قيمته بالعملات المحلية، لصعوبة استخدام إيران النظام المصرفي العالمي للتحويل بسبب العقوبات الأميركية. حقًا، لا يمكن أن يجد المرء حليفاً أكثر إخلاصاً!

==========================

أحمد حمادة.. يا حرية السوريين

بشير البكر

العربي الجديد

الاربعاء 12/9/2018

كان أحمد حمادة ضيف حلقتي الأسبوع الماضي وسابقه لبرنامج "يا حرية" في تلفزيون سوريا. وعلى الرغم من أنهما لا تختلفان عن بقية حلقات البرنامج من حيث المضمون، وهو رواية السجن السوري والتعذيب الأسدي، فإنهما تحملان قيمةً إضافيةً تعيد المشاهد إلى بدايات الثورة السورية، والحراك الشعبي الذي عمّ مدن ريف دمشق من أجل النزول إلى العاصمة بهدف التظاهر، عشية التحرّكات الأولى داخل دمشق من بعض الناشطين.

اللافت في الشهادة أن مجموعات من شباب ضواحي دمشق كانت تتحرّك، من أجل النسج على منوال الحراك الذي شهدته تونس ومصر وليبيا، من دون تنسيقٍ مع ناشطين مدنيين معروفين، أو قوى سياسية وحزبية معارضة. وهذا يفيد في فهم الحالة التي كانت سائدةً في المجتمع السوري العريض، وكيف كان ينظر إلى النظام. والاستنتاج الأساسي أن الوضع كان أشبه ما يكون بخزّان بارود جاهز للاشتعال، والشارع بانتظار اللحظة التاريخية والخروج إلى الحرية.

يجدر التوقف عند هذا البرنامج الذي يُنتجه ويبثه تلفزيون سوريا الذي لم يمض على انطلاقته أكثر من ستة أشهر، واحتل خلال هذا الزمن القصير مكانا خاصا لدى المشاهدين السوريين الذين كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر، وجاء ليسدّ فراغا إعلاميا وسياسيا كبيرا بالنسبة لجمهور الثورة السورية على نحو خاص، والسوريين بشكل عام، لما يقدّمه من تنوّع في البرامج يستهدف شرائح وفئات مختلفة، بالإضافة إلى المتابعة الخبرية والتغطيات الصحافية المتميزة من داخل سورية.

"يا حرية" من البرامج الصعبة، فهو ذو حمولةٍ عالية. ومهما كانت طاقة المشاهد على احتمال القسوة، فهو لا يمكن أن يتابع حلقة من حلقاته إلا ويتفاعل معها، الأمر الذي يخلف تأثيرا يصل لدى بعضهم إلى حد الإصابة بخدوش نفسية، وهذا يشمل كل الذين يسهرون على هذا البرنامج، وعلى نحو خاص المعدّة سعاد قطاطني، وهي ابنة سجين سياسي وزوجة سجين سياسي، ومع ذلك لم تسلم من الآثار النفسية، وهي تخرج في ختام كل حلقةٍ من معايشة تجربةٍ جديدةٍ لا تقل عن سابقاتها ألما ومرارة، بسبب مأساوية الشهادات التي يقدّمها ضحايا زمن الأسدين.

لن يكون هذا البرنامج فقط وثيقة تاريخية على أهوال الاستبداد السورية، بل سيشكل مادة للدارسين في فترة ما، حين يقرّر علماء الاجتماع تحليل ظاهرة التعذيب في سورية، بعد أن حوله الحكم الأسدي (الأب والابن) إلى مدرسةٍ تديرها مجموعة من المجرمين الضالعين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومن المرضى النفسيين، وسيكون أمام الدارسين تفكيك هذا المرض الذي لم يوفر سلاحا إلا واستخدمه من أجل تحطيم الإنسان السوري، وخصوصا سلاح الاغتصاب الذي مارسه على نطاقٍ واسعٍ ولزمن طويل.

أحمد حمادة شاب في الثلاثين ينحدر من منطقة سقبا في ريف دمشق، ومستواه الدراسي الشهادة الابتدائية. كان يعمل نجّارا، وتقول عناصر البورتريه الخاص به إنه يجب أن يكون بعيدا عن التحريض من أجل الثورة والمشاركة في تفجيرها، ومن بعد ذلك الوقوع في أيدي قوات الأمن. يؤكّد في شهادته أنه قرر أن ينزل إلى دمشق، للتحريض على النظام، لأسباب شخصية، تتعلق بأن حياته لم تكن تسير على ما يرام، وبدأ ذلك منذ حاول معالجة والدته المريضة، ولم يعثر على مشفى حكومي، بل إنه تعرّض للضرب حين احتج على ذلك.

تقف قصة أحمد حمادة عند نقطتين أساسيتين: أن الثورة السورية هي حركة الشارع، وهذا يفسر انخراط الناس العاديين في مسارها وتحملهم دفع الكلفة العالية. وأنه لا قيمة للحديث عن فشل الثورة. وما وصلنا إليه اليوم هو أن النظام كسر الموجة الأولى، وستأتي موجةٌ جديدةٌ في زمن آخر.

==========================

جهاديون من أجل الاحتلال

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 12/9/2018

تشكّلت ظاهرة الجهادية في سبعينيات القرن المنصرم ضد السوفييت في أفغانستان، وتمَّ ذلك عبر تنسيق أميركي مصري سعودي باكستاني؛ وقضي على آلاف الشباب المُتديّن في تلك الحرب، وطرد السوفييت بسببها، وحلَّ الأميركان مكانهم. منذ ذلك الوقت، لفتت الظاهرة هذه أنظار الأنظمة، فراحوا يشكّلون منظماتٍ تابعة لهم ولتوظيفها لغاياتٍ متعدّدةٍ خارجية لتهديد الدول، وداخلية لتبرير القمع والقتل. طبعاً للميل الجهادي أسبابٌ كثيرة، منها ما يعود إلى تراثٍ قديم يخصّ الخوارج كظاهرة متكاملة، ومنها يعود إلى أسبابٍ معاصرة، وهي الأساس، حيث تعدم كل أشكال الحياة السياسية، وتُفَشّلُ كل مشاريع التنمية، وتنتهي إلى تفاوتٍ طبقيٍّ كبير وفساد معمّم، ونهب لقلّة مافياوية ومرتبطة بأنظمة الحكم. ويرافق الفشل، تخليف كل أوجه الحياة، فيتعاظم الطبقي أولاً، وتظهر الخلافات الهوياتية، بمعانيها: الديني والمذهبي والمناطقي والجندري. أسوأ هذه الظاهرات هي الجهادية؛ ترفض أية مشاريع سياسية أخرى، وتحتجب بالله والحاكمية والفرقة الناجية، وبالتالي يَسهُل أن تخترقها الاستخبارات، بل هي من تتدخل في تشكيلها ووضع خططها. يتم هذا الأمر بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. وهنا لا أنطلق من فكرة المؤامرة لتفسير الظواهر، بل من ربط الأحداث ببعضها، ومن تحقيقاتٍ وتسريباتٍ تقول بما ذكرته، وكذلك من مجريات تطور الأحداث؛ تعنينا سورية خصوصاً، وكيف تطوّرت الظاهرة الجهادية والتهمت كل "المناطق المحرّرة" الخارجة عن سلطة النظام بقوة الثورة الشعبية، وفصائل الجيش الحر الحامية لها، وبمختلف أشكال العمل السياسي الثوري.

انطلقت الثورة السورية، ولم تكن الجهادية فيها بأيّة صورةٍ. كان هناك وعي ديني لدى أغلبية

"لم تقرأ المعارضة السورية خطة النظام في تلغيم الثورة فاعترفت بجبهة النصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام" السوريين، وقد تشكل وفقاً لانبعاث الهويات الدينية كسياسة اجتماعية للنظام قبل 2011 وكل الأنظمة العربية المخفقة. وكما مصر وتونس وبقية الدول العربية، لم يكن شكل وعيها هذا شرط الثورة أو سببها، ولا به تمّ وعي الثورة ونظّمت أطرها الأولى، بل ظهر وعيٌ ثوريٌّ "متسرع" ومفاده ودافعه بأن الأنظمة يمكن إسقاطها. كانت سرعة الإسقاط في تونس هي الدافع.. وعدا ذلك، أنقذت سرعة الإسقاط في مصر وتونس البلدين من اللعب الدولي والإقليمي، بل ومن الأنظمة ذاتها. وبالتالي انتصرت فيهما؛ هناك طبيعة أكثر إجراميةً، لكل من أنظمة سورية وليبيا واليمن. وقد ساعد هذا الأمر في تأخير انتصار الثورات فيها، وبالتالي حصل اللعب فيها. كانت الثورة السورية ستنتصر لو سارت بالمسار الشعبي، فقد راحت تتعمّق وتتزايد القطاعات الشعبية المشاركة فيها، وبالتالي لا يمكن مواجهتها إلّا عبر تسليح مجموعات جهادية وسلفية، وعبر الخيار العسكري الأمني. أُتبع هذان العاملان من النظام لتثبيط الثورة، وتخريبها وتدميرها، وجعلها مجزرة، وحصر تمدّدها ومساواتها بالمنظمات الإرهابية أو الجهادية أو السلفية، وبالتالي تصبح كل ثورةٍ مصيرها ذلك، وتقود الشعب نحو الدمار والقتل والتهجير والتغيير الديموغرافي وخسارة كبيرة للشعب بكليته، وليس فقط المعارض!

لم يصدّق النظام أولاً، وبعد بلائه الكارثي في حماة في الثمانينات دماراً خالصاً، أن ثورةً يمكن أن تشتعل ضدّه، لكنها حدثت، وبتوسعها كان لا بد من خيار العسكرة والإرهاب؛ ولم يتوانَ عن توجيه تهمة الإرهاب والأسلمة إلى أغلبية الناشطين في الأشهر الأولى للثورة، ولم تكن قد ظهرت أيّة فصائلٍ سلفيّة أو جهاديّة. إذاً النظام حَضّرَ "التهمة" حالما شعر بقوة الثورة وإمكانيتها على إسقاطه. بعد الركون للخطة، كان لا بد من تصنيع المنظمات الجهادية، وهنا اشتغل على معتقليه الجهاديين والسلفيين في السجون، وكذلك نسّقَ الأمر مع نظامي العراق وإيران، وبالتالي لا بد من إغراق الثورة بالإرهاب؛ الأنظمة المحيطة في سورية وأميركا وروسيا والأوربيين اتفقوا على الأمر ذاته.

مؤمنو العقائد لا يفهمون السياسة الاستخباراتية هذه، ومنهم ضباط أمن لأجهزة متعدّدة بالتأكيد؛ لا يفهمون ذلك، لأنهم لا يعترفون بأي نظام سياسي سوى حاكميتهم على البشر، وهو المطلوب للأنظمة، وهي صفة تجمع الجهاديين وعناصر الاستخبارات! وهذا ما ساعد على إطلاق سراح المعتقلين من السجون في الشهر الخامس من العام 2011، وكذلك بدأت تتدفق المجموعات الجهادية إلى سورية، وبمعرفة كل الدول العظمى والاقليمية؛ لم ينته عام 2011 إلا وظهرت حركة أحرار الشام وجبهة النصرة (ممثلة لداعش ولاحقاً استقلت وتحاربا) وجيش الإسلام وصقور الشام وعشرات المجموعات السلفية؛ لم تخف هذه المنظمات وجهها منذ تشكلها، فقد أعلنت رفضاً لأهداف الثورة، وللديموقراطية، ولعلم الثورة لاحقاً، وشكّلت فصائلها الخاصة ومحاكمها، ولم تنضو في فصائل وطنية وأجهزت عليها؛ وهذا يعني أن لكل هذه المجموعات الجهادية الارهابية مشروعاً مختلفاً.

افتقاد الثورة قيادةً على مستوى سورية، وبرنامجاً وطنياً ديموقراطياً واضحاً ودقيقاً ورافضاً كل مشروع سواه، ويخص مطالب الشعب المفقر والمهمش والمقموع، سمح للمعارضة بتسلّم قيادة الثورة؛ المعارضة المخفقة تاريخياً ضد النظام، والتي لا ترى في مقدورها أو في مقدور الشعب الانتصار. اتجهت نحو الخارج، وأعادت، وبغباءٍ منقطع النظير، طلبات المعارضة العراقية قبل 2003 والمعارضة الليبية 2011، أي العمل دولياً من أجل استجلاب التدخل الخارجي؛ فهو وحده من يَنصر الثورات ويُسقط الأنظمة ويسلمهم الحكم. أقول بغباء، لأنها لم تقرأ تغيرات العالم، ورفض التدخلات كما كان الأمر في زمن جورج بوش.

لم تقرأ هذه المعارضة خطة النظام في تلغيم الثورة وتخريبها، وبالتالي اعترفت بجبهة النصرة

"أصبحت سورية ساحة حرب إقليمية ودولية"  وجيش الإسلام وأحرار الشام وسواها، ودافعت عنها وضمتها في تشكيلاتها. والنظام الذي اعتقد أنه سيتخلص من الثورة سريعاً لم يتحقق الأمر له، فقد أصبحت سورية ساحة حرب إقليمية ودولية. وعدا العامل الخارجي وقبله، فإن موجات الثورة الشعبية القوية والواسعة أفشلت خطته، وبالتالي طالت سنوات التخلص من الثورة عبره أو عبر المنظمات الإرهابية، وهذا أدى إلى تدمير أغلبية جيشه نفسه، وأُردفه بجيوشٍ صغيرة في كل المدن السورية، لمساعدته ضد الثورة، وتمّ استدعاء إيران وحزب الله ومليشيات طائفية شيعية من مختلف الدول. أيضاً لم يتم التخلص من الثورة؛ هنا كان لا بد من إدخال "داعش" إلى سورية، وفي مرحلة لاحقة الروس لمحاربتها. وبدخول "داعش" وبتوسعه إلى مناطق واسعة في سورية، تشكّل التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وكان تدخل تركيا، منذ بداية الثورة وقبلها، وعبر "الإخوان المسلمين"، ودعمت تركيا فصائل سلفية وجهادية متعدّدة وأقامت علاقات استخباراتية كثيفة معها، وكانت الطريق الأساسي للمنظمات الجهادية من أوروبا وروسيا والشرق الأقصى؛ أغرقت الثورة بهذه المنظمات، وقضت عليها، وساعدت على ذلك سياسات المعارضة الفاشلة.

كان النظام سعيداً بكل هذه التطوّرات، لكنها لم تبقه كما هو، وبالتالي أصبح هو ذاته أداة بيدي روسيا وايران. لقد أدت التطوّرات في سورية عملياً إلى تصفية الثورة، أولاً عبر الجهادية والسلفية من ناحية، وعبر النظام وايران، وأخيراً روسيا من ناحية أخرى. وأوصلت هذه التطورات سورية إلى أن تكون أرضاً للتقاسم الدولي، أي للاحتلالات متعدّدة الأشكال، والآن يتم تدوير كل الزوايا، للبحث في كيفية فرض سيطرة مستمرة عليها، وهو ما يجري عبر التوافقات والصراعات بين كل من إيران وتركيا وروسيا وأميركا وفرنسا وبريطانيا وسواها؛ وبالتالي يمكن القول إن الجهادية لعبت دوراً كبيراً في احتلال سورية؛ ينافسها النظام فقط، وهي حالة كل من ليبيا واليمن.

==========================

ننتصر عندما نهزم حافظ الأسد

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 11/9/2018

علينا أن نعترف بأن تأثيرات حافظ الأسد لا تزال فاعلة ومؤثرة وصانعة لأفكارنا وموجهة لسلوكنا، ولم تستطع الثورة في سورية تشكيل قطوع ذات شأن مع ذلك البناء الفكري والسلوكي الذي صنعه، وبدا الأمر وكأنه اعتراضٌ على ضآلة حصصنا في توزيع الموارد والمناصب، وتضاربها مع توقعاتنا وتقديراتنا، من دون أن يعني ذلك رفضنا نمط الإدارة والحكم التي أوجدها حافظ الأسد.

لم يعد سرّاً أن السوريين أداروا الثورة، عسكريا وسياسيا وإعلامياً، من وحي تكتيكات حافظ الأسد وأساليبه، وهذا ما يفسّر وصول الأوضاع في سورية إلى طريق مسدود، بعد أقل من عامين على انطلاق الثورة، لتشابه التكتيكات والأساليب والأدوات، ذلك أن غالبية من تولوا إدارة فعاليات الثورة كانوا قد خدموا في مؤسسات الأسد وإداراته، سواء كانوا ضباطا في جيشه أو إعلاميين في منابره أو سياسين في الأحزاب التي سمح بوجودها، ولم ينج من هذه اللوثة حتى السجناء الذين قضوا سنواتٍ في مؤسسته العقابية.

لكن ما سر هذا التعلق والانشداد لفكر حافظ الأسد وأساليبه في إدارة السياسة؟ هل لأنه إستمر في الحكم سنوات طويلة، وبالتالي، فإن تأثيرات تلك السياسات طوت تحت جناحها أجيالا عديدة، دجّنتهم وسلبت منهم إمكانية التفكير المستقل والقدرة على صناعة أنماط فكرية وإدارية مختلفة؟ أم أن حافظ الأسد يعتبر صانع السياسة الحديثة في سورية، بغض النظر عن طبيعة هذه السياسة ومخرجاتها، باعتبار أن من سبقوه لم يتسنّ لهم الوقت، ولم تسمح لهم الظروف،

"الانتماء المناطقي للسوري يكشف بوضوح عن طائفته. وعلى هذا الأساس يتم التعاطي مع الشخص في دوائر السلطة" لتنظيم المجال السياسي، ليأتي حافظ الأسد، ويشكّل هذا المجال على هواه ومقاسات مصالحه، وبذلك يكون قد أوجد أطراً وأقفاصا سياسية لم يستطع العقل السياسي السوري تجاوزها حتى اللحظة؟

وحتى لا يبدو أنه يتم هنا أخذ الأمور باتجاه اتهاميّ استباقي، في وقت نبحث فيه عن تفسير لظاهرة استمرار تأثيرات حافظ الأسد السياسية ودوامها، وبالتالي نحرم أنفسنا من إمكانية الوصول إلى إجابة منطقية، وتفسير حقيقي، لهذه الظاهرة، فلا بد من تسليط الضوء على كامل المشهد، عبر طرح الأسئلة: هل ناسبت سياسات حافظ الأسد السوريين، وجاءت متوافقة مع طبيعة تفكيرهم وسلوكهم وإستجاباتهم؟ هل أحبّ السوريون هذا النمط من السياسات، بحيث لا يجدون ضرورة لمغادرة شيء أحبّوه؟ هل حافظ الأسد هو الذي تأثر بالسوريين، وعبقريته أنه صنع المجال السياسي السوري بما يتطابق مع المواصفات والشروط التي يحبّذها السوريون أنفسهم؟

ارتكز حافظ الأسد على جملة من العناصر، شكلت البنية الأساسية لهياكل سلوكه في سياساته الداخلية:

المناطقية والطائفية: حيث يتم تعريف السوري بمنطقته، وهذه تتضمّن انتماءه الطائفي، فلا حاجة لإعلان السوري عن طائفته أو مذهبه، لأن انتماءه المناطقي يكشف بوضوح عن طائفته. وعلى هذا الأساس يتم التعاطي مع الشخص في دوائر السلطة، ويجري تفضيل ابن المنطقة عن سواه في مختلف التعاملات.

الفساد: أصبح الفساد في سورية حلاً سهلاَ، ليس فقط في مواجهة البيروقراطية، وإنما لتجاوز القانون، وبالتالي حظي الفساد بتواطؤ الجميع ورضاهم، الفاسد والمفسد.

الارتزاق: وفي ترجمتها السورية تحويل المواقف إلى سلع لها ثمن مقابل، ولا يوجد شيء مجاني.

الاستزلام: لكل مواطن سوري "زلمة" واصل في السلطة، أو يتبع "زلمة"، وكلما كان هذا الـ"زلمة" صاحب منصب كبير، فإن تابعه/ توابعه، يكونون ذوي شأن وأهمية، وقد يكون هذا الـ "زلمة" فرّاشا في مكتب أحد المسؤولين، أو يكون برتبة مساعد في مخفر شرطة، وربما يكون عضو مجلس شعب، أو ضابط مخابرات، أو حتى وزيرا، ومن ليس له "زلمة" فهو مكشوف للمخاطر. ووصل الأمر إلى حد أن وجود "الزلمة" ضروري لبرستيج الشخص، وجزءٌ من الثروة أو الرأسمال الرمزي.

لكن هذا السلوك السياسي الذي اتّبعه حافظ الأسد كانت له نتائج خطيرة على السوريين، أسهمت بدرجة كبيرة في حالة التخلف والانحطاط التي وصل إليها السوريون، ومن نتائجها طمس الشخصية السورية، وحرمانها من الإبداع والتميّز، شأن كل المجتمعات التي تعيش في ظل سلطات ديكتاتورية. ولذلك كانت سورية أقل دول المنطقة إنتاجاً للمبدعين والمثقفين المتميّزين، ما عدا استثناءات بسيطة لأشخاصٍ عاشوا وتعلموا في الخارج.

من يتابع سلوك المعارضة السورية اليوم لن يصعب عليه اكتشاف مدى تجذّر قيم حافظ الأسد في سلوكها. ولعل الصراعات الناشبة بين شرائح هذه المعارضة وفئاتها، وأسلوب الشللية والارتزاق والمناطقية، خير دليل على هذه الحقيقة، وكذلك ظاهرة الاستزلام، حيث يستطيع المرء معرفة إلى أي "زلمة" يتبع هذا المثقف أو ذاك، خصوصا بعد أن تحوّل جزء من مثقفي

"على الرغم من مآسي السوريين، يجد مثقفو المعارضة الوقت وهناءة البال ليتصارعوا على قضايا تافهة" المعارضة وسياسييها إلى أزلام، صنعتهم أطرافٌ خارجية، وبات هناك حاجة لوجود مستزلمين.

غير أن أخطر صفة استنسخها المعارضون السوريون من الحكم الأسدي العطالة وقلة الفاعلية. وعلى الرغم من حصول قيادات المعارضة على أموال طائلة من دول الخليج، إلا أنهم لم يستطيعوا تأسيس إطار سياسي حقيقي يستثمر طاقة السوريين. هل يستطيع أحد تفسير عدم استثمار ملايين السوريين في تركيا وأوروبا لإيجاد لوبيات سورية تؤثر على صناع القرار في هذه الدول؟ ولماذا عجز السوريون عن إنتاج إعلام مؤثر وقادر على الوصول إلى الرأي العام العالمي، على الرغم من أن الدعم المالي الذي حصل عليه السوريون في هذا المجال كان كبيراً؟ وهل يستطيع أحدٌ تفسير سبب استسهال روسيا تشويه صورة السوريين إلى حدّ وصفهم بالبرابرة والهمج، من دون الخوف حتى من مجرد الرد إعلامياً على ذلك؟

على الرغم من كل المآسي التي تحيط بالسوريين، يجد مثقفو المعارضة الوقت وهناءة البال ليتصارعوا على قضايا تافهة. وقبلهم كانت فصائل المعارضة تتقاتل فيما بينها على الأرض، وطائرات روسيا تقصفها من السماء. وليس لهذا سوى معنى واحد، أن حافظ الأسد مقيمٌ داخل كل فردٍ منا، أو كما قال رئيس مجلس الشعب السابق في تأبينه حافظ الأسد: لقد صنعت لنا منهجاً وسنبقى ملتزمين به.. ألم يقل أحد المؤبنين: فقدناك شعباً فقدناك وطنأً فقدناك أمة؟ فنم قرير العين يا حافظ، على دربك سائرون.

==========================

الدم السوري بين استراتيجيتين روسية وأميركيّة

غازي دحمان

الحياة

الثلاثاء 11/9/2018

مرّت ثلاث سنوات على التدخل الروسي في سورية ولم تغرق موسكو في الوحول السورية، كما توقّع لها الرئيس السابق باراك أوباما، واليوم تضع عينها على إدلب، آخر معاقل الثورة، فيما الأميركيون لا يملكون سوى تحذيرها من التداعيات الإنسانية التي قد تنتج من استهداف ثلاثة ملايين من البشر، في منطقة محصورة، بذريعة قتل عشرة آلاف إرهابي.

لم تغرق روسيا في الوحل، لأسباب كثيرة، لعل أهمها أنه لم يكن هناك طرف دولي يدير الحرب ضدها في سورية، وفي الأصل دخلت روسيا المعترك السوري بناء على هذا المعطى، وعبر ضوء أخضر يسمح لها بإنتاج تسويات للوضع السوري، من دون أن تشترط عليها أميركا، أو غيرها، طريقة الوصول الى تلك التسويات وأساليب إنتاجها، بما يعني ضمناً، أن السماح لها بالوصول إلى النتيجة المبتغاة، صناعة وإنجاز تسوية نهائية للحرب السورية، ينطوي ضمناً على الاعتراف بحق روسيا باستخدام كل الطرق العسكرية، بما فيها «الأرض المحروقة» و»السجادة المطوية»، وليس للآخرين سوى السؤال عن المحصول، وهو هنا إنهاء الحرب في سورية وإنتاج توافق سياسي ما.

لم يغير دونالد ترامب أي حرف من استراتيجية إغراق روسيا، التي تبناها سلفه أوباما، بذريعة أن الوقت تجاوز أي إمكانية للتغيير، وأن الوقائع الميدانية باتت صلبة ومن العبث مناطحتها، وأن أفضل ما يمكن فعله هو تجاهل التطورات في سورية، بل وفي بعض الأحيان إعطاء مساحات أمان لروسيا كي تتورط أكثر، كما حصل في جنوب سورية، عندما تراجعت واشنطن عن التزاماتها تجاه فصائل المعارضة، وهو ما سهّل على روسيا تحقيق أهدافها بأقل قدر من الخسائر، ومن دون تكاليف عسكرية كبيرة تقرب روسيا من تحقيق نبوءة الاستراتيجيين الأميركيين حول غرقها المقبل في سورية.

لكن، كيف استطاع العقل الأميركي تمرير مصطلح إغراق روسيا في الوحل السوري هكذا من دون أدنى حساسية تجاه هذا الأمر، ذلك أن روسيا حتى تصل الى تلك المرحلة لا بد أنها ستكون أنجزت تدمير سورية وقتل الملايين من شعبها، وهذا وضع طبيعي، ذلك أن السوريين العزل حتى يستطيعوا إغراق روسيا سيدفعون لحمهم ولحم أبنائهم ثمن ذلك، طالما وجوههم للحائط ولا يوجد طرف دولي يزودهم بتقنيات تستطيع مواجهة أسلحة روسيا

اليوم، وعلى مشارف معركة إدلب، يبدو الصراخ الأميركي كأنه صوت خارج مجال الحدث السوري، وهو مجرد صوت على «تويتر» أو في الملخصات اليومية للناطقة باسم وزارة الخارجية، في حين تدرك أميركا أن ردع بوتين والأسد يستلزم إسماعهما صوت محركات البوارج وهدير الطائرات، وإلا فإن الأمر لن يتعدى تسجيل المواقف والمزايدة على الدم السوري، في الوقت الذي تجاوزت روسيا التحضيرات اللوجستية لإنجاز عملها، وراحت تهيئ المجتمع الدولي عبر سلسلة مزاعم لم تبذل موسكو جهداً كبيراً في صناعتها، دلالة ومؤشر إلى استسهالها الحدث، ما يعني أيضاً أن خصمها محلي بامتياز، وتحاول روسيا إظهاره على أنه خصم ذو مواصفات أنتربولوجية محدّدة، من تلك التي تسمع عنها المجتمعات الغربية حول آكلي لحوم البشر أو القبائل الهمجية ما قبل الدولة والحداثة.

في المقابل، يتبنى بوتين، منذ لحظة تدخله في سورية، استراتيجية دع الوقائع الميدانية تحكم، وهذه الاستراتيجية لا تعطي أهمية للأكلاف البشرية التي تترتب عليها، ولا للدمار الناتج منها، بخاصة أن صاحبها، بوتين، يعتقد أن العالم يضعه تحت المجهر، لا لمراقبة سلوكه وأفعاله في سورية، بل لرؤية كيف سينجح في هذه المهمة المعقدة، في شرق أوسط لم يسبق لأي قوّة دولية أن حقّقت فيه نتائج مهمة من دون أن تثخنها الجراح وتخرج خاسرة بكل المقاييس.

دعونا نكمل ما بدأناه في سورية، لا تستكثروا علينا سحق إدلب، لا تشوشوا علينا وعلى إبداعاتنا، نحن نحارب الإرهاب، وأكثر أنواعه تشدداً، الإرهاب الذي ضربكم في دياركم» القاعدة»، ولنكن واقعيين، لا يمكن تصفية الإرهابيين ما داموا ينخرطون وسط السكان المحليين، كما لم يعد ممكناً الانتظار، صبرنا نفد، وأي تعليق أو اعتراض من جانبكم سيكون هدفه تشتيتنا ذهنياً والتأثير على خيالاتنا في المعركة، هذا هو فحوى رسالة روسيا للدول الغربية.

من السهل لمتابع التصريحات الغربية، أن يضعها في سياق استراتيجية الإغراق الواهمة، فالغرب لا يطلب من روسيا تغيير مقاربتها السورية، بل تعديل التكتيكات، كأن لا يكون هناك استخدام للكيماوي، لأن ذلك يقلل من احتمالية غرق روسيا ويدفع خصومهم المحليين الى الانهيار سريعاً، أو عدم اتباع هجمات كاسحة تمنع حصول مقاومة ضد روسيا تستخدم دول الغرب معطياتها لتأكيد نظرية الغرق، في حين أن اتباع سياسات القضم واستهداف كل منطقة على حدة، تكتيكات غير معترض عليها ومقبولة من أميركا وحلفائها.

ليس خافياً أن أهم عناصر الاستراتيجية، أي استراتيجية، قدرتها على تعديل تكتيكاتها لمجاراة المتغيرات، وبات واضحاً أن ما بين روسيا والغرب حواراً وقنوات تواصل، تسمح لهما بالحد الأدنى من إجراء تفاهمات معينة، وتقديم تنازلات محدودة، بما يسمح لكل طرف الاستمرار بسياساته، لكن على حساب الدم السوري دائماً.

* كاتب سوري

==========================

لم يعرّج الجبير على أنقرة

سمير صالحة

العربي الجديد

الاثنين 10/9/2018

لو كانت العلاقات التركية السعودية في سابق عهدها، وعلى ما كانت عليه قبل عامين مثلا، لكان العنوان المفترض لهذا المقال "الجبير يعرّج على أنقرة"، قادما من موسكو لبحث الملف السوري والعلاقات الثنائية. من شبه المستحيل أن يحضر وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إلى موسكو لبحث آخر تطورات الملف السوري، وسيناريوهات معركة إدلب المحتملة، وأن لا يقصد أنقرة، الشريك الأهم للرياض في الملف السوري، منذ اندلاع الثورة السورية قبل سبع سنوات وحتى أمس القريب.

كانت تركيا قبل أعوام تحذّر إيران، بسبب طريقة تعاملها مع الملفات الخليجية، وكانت تقول إنها لن تقف إلى جانبها على حساب علاقاتها مع السعودية ودول الخليج، لكن تركيا اليوم باتت تقول إنها لن تغامر وتضحّي بعلاقاتها مع الجار الإيراني، وتقف إلى جانب الرياض في مواجهتها مع طهران، على حساب مصالحها وعلاقاتها التجارية والسياسية والأمنية مع إيران. بين أسباب عدم توجه الوزير الجبير إلى العاصمة التركية التقارب التركي الإيراني، وأن أنقرة لا تأخذ بما تقوله السعودية في خطورة السياسات الإيرانية على المنطقة.

الجبير في موسكو لمناقشة موضوع مواصلة النظام السوري استعداداته، بدعم روسي وإيراني، لشن هجوم على إدلب. وفي الوقت نفسه، يصل وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلى أنقرة في زيارة خاطفة، لبحث الملف نفسه، حيث استقبله الرئيس رجب طيب أردوغان، وهي لن تكون مصادفة.

كانت تركيا تقول، قبل أشهر، إن أردوغان قطع جولته الأفريقية للمشاركة في مراسم تشييع الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وأن الرهان التركي هو على قيادة سعودية جديدة بأداء وطرح واساليب مختلفة في التعامل مع الملفات والقضايا والأزمات، لكن الجبير يقول إن المحادثات مع القيادة الروسية كانت بنّاءةً، وحققت نتائج جيدة، وأن العلاقات السعودية الروسية تشهد نقلة نوعية في مجالات الاستثمار والتجارة والدفاع والتنسيق السياسي. قد يكون هذا أيضا كافيا ليس للحديث عن أهمية التقارب السعودي الروسي، بل لإبراز حجم التباعد التركي السعودي في نقاشات الملفات الإقليمية.

"تقول المؤشرات إن الرغبة السائدة في البلدين استمرار التباعد، والتمسّك ببناء تحالفات واصطفافات جديدة"

تشكّل الرياض تكتلا إقليميا ودوليا في وجه السياسات الإيرانية في المنطقة بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، وهي مع ذلك لا تريد أن تفرّط بعلاقاتها مع موسكو. ليست أنقرة جزءا من هذا الاصطفاف والحراك السعودي الأميركي، إذا لم نشأ القول إن تركيا باتت في الطرف المقابل. ولا تريد موسكو، من ناحيتها، أن تخسر الثقل السعودي الإقليمي، فتفتح أبوابها على وسعها. وبدورها تذهب أنقرة إلى طهران، لتعزيز التقارب الثلاثي مع إيران وروسيا في الملفات الإقليمية. قد يكون الثمن باهظا على العلاقات التركية الغربية، وتركيا تعرف ذلك، لكنها لا تتراجع. هي تفعل ذلك من دون أن تتوقف أيضا عند ارتدادات التقارب التركي الإيراني على مسار العلاقات التركية العربية، والخليجية تحديدا. يتم الحوار التركي السعودي حول سورية في الآونة الآخيرة عبر موسكو، أو إحدى العواصم الغربية أو العربية، أو لاعبين محليين، باتت مصالحهم مهدّدة، بسبب مأزق الانحياز والخيار الصعب بين أنقرة والرياض.

كان بعض منا يمنّي النفس بزيارة من هذا النوع للجبير إلى العاصمة التركية تخفف التوتر، وتكون مقدمة لإعادة العلاقات التركية السعودية إلى سابق عهدها، لكن المؤشرات كلها تقول إن الرغبة السائدة في البلدين استمرار التباعد، والتمسّك ببناء تحالفات واصطفافات جديدة، حتى لو كان الثمن تعارض المصالح والحسابات. ونظرة خاطفة على جديد ما كتب في الإعلام السعودي، من قبيل إن "تركيا تمثل أحد أعمدة ثالوث الشر" يوضح حجم الاستنفار حتى في اوساط المعتدلين في الجانبين، ولماذا تصاعد الخلاف، وصار يظهر علنا، وسط حالة التيقظ الكامل للانقضاض عند أول فرصة سانحة.

لا أحد في أنقرة والرياض يريد العودة إلى الارشيف مثلا لمعرفة تاريخ آخر لقاء قمة أو اجتماع دبلوماسي رفيع عقد بين القيادات في الجانبين، لبحث قضايا ثنائية وإقليمية ساخنة، ويبقى الخيار البديل هو الحديث عن التفاهمات على الحد الأدنى المشترك. والمؤسف أكثر أن مقياس تقدّم العلاقات التركية السعودية وتراجعها بات تحت تأثير الشد والجذب في علاقات أنقرة والرياض مع طهران، لا بل إن العلاقات في هبوط دائم، وتكاد تصل إلى درجة من التراجع تترك أنقرة وطهران على مسافة واحدة بالنسبة للرياض. محاولات التجاهل أو جهود منظمات وهيئات اجتماعية، أو اقتصادية، غير كافية أمام القرار السياسي غير المعلن بنقل العلاقات إلى الثلاجة منذ أشهر طويلة.

هنأ العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده محمد بن سلمان، الرئيس التركي أردوغان، بالذكرى الـ 96 لعيد النصر، في 30 أغسطس/ آب. وعبرا في برقيتيهما عن اصدق التهاني وأطيب التمنيات بالصحة والسعادة للرئيس ولحكومة جمهورية تركيا وشعبها الشقيق. ولكن هناك حقيقة أخرى، أن موقف أنقرة حيال الأزمة الخليجية والموقف السعودي من السياسة التركية حيال الثورة في مصر وسياسات تركيا في الخليج وأفريقيا والملف الفلسطيني وغزة ودخول المساعدات السعودية المالية إلى شرق سورية وأجواء التوتر الإقليمي والدولي، كلها مسائل ما زالت تحرّك سياسات التباعد، وتتحكّم بتوجيه دفّة القيادة نحو اتجاهات مضادة متنافرة.

الجبير الذي اقترب كثيرا من الأجواء التركية في أثناء وجوده في موسكو لم يعرّج على العاصمة التركية، فالذي يرصده الإعلام السعودي هو الانفتاح التركي الإيراني أكثر من غيره. أما الإعلام التركي فينقل يوميا مضمون مقالات في الصحافة السعودية، أو التي يكتبها مقرّبون من الرياض، عن الكارثة التي تحلّ بالليرة والاقتصاد التركيين، هذا وفي البال أنه، قبل عامين، كان الرئيس أردوغان يردّد أن بلاده ستدعم المملكة العربية السعودية ضد قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" (جاستا)، والذي يسمح لعائلات ضحايا الهجمات الإرهابية بمقاضاة دول أجنبية، وكان يشيد بمسار العلاقات خلال تقليد الأمير محمد وسام الجمهورية التركية، ويدعو إلى رفع مستوى العلاقات بين البلدين. أما اليوم فتردّد نخب سعودية إن أردوغان وصل إلى "جنون العظمة" بحديثه عن انهيار الشرق الأوسط في حال انهيار تركيا. ويرى الرئيس التركي، في المقابل، أنه لا يوجد شيء اسمه "إسلام معتدل" أو "إسلام غير معتدل"، بل "إسلام واحد".

"العلاقات التركية السعودية أول ما يدفع ثمن التحوّل الجذري في السياسات والأساليب في البلدين"

التحولات المتسارعة في الملفات الإقليمية التي تعني أنقرة والرياض دفعتهما إلى التخلي عن أساليب كلاسيكية معتمدة في سياستهما الخارجية، وألزمتهما باتخاذ قراراتٍ استراتيجية شبه حاسمة، قلبت حساباتهما هناك رأسا على عقب، والعلاقات التركية السعودية أول ما يدفع ثمن التحوّل الجذري في السياسات والأساليب في البلدين. وستتعقد الأزمة القائمة وتتشعب وتستمر، إلا إذا حدثت مفاجآت عكسية في الأيام القليلة المقبلة، كأن يحصل لقاء تركي - سعودي رفيع، لمناقشة تفاصيل العلاقات ومستقبلها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فهل تقع المفاجأة؟

عندما تغضب من أحدهم ابدأ العد قبل أن ترد، عد للعشرة إذا ما كان أصغر منك، وللثلاثين إذا ما كنتما في العمر نفسه، وللخمسين إذا ما كان أكبر منك. أما إذا ما كانت زوجتك فاستمر في العد ولا تتوقف أبدا. طالما أن التصعيد هو سيد الموقف في العلاقات التركية المصرية، فمن الصعب جدا أن نشهد التحول الإيجابي في مسار العلاقات التركية السعودية.. عودة العلاقات التركية السعودية إلى سابق عهدها ليست مشروع الغد.

==========================

إدلب.. هانوي الثورة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 9/9/2018

كل المؤشرات المحلية والإقليمية والدولية تشير إلى أن الحشد على إدلب ليس كغيره من الحشود السابقة التي تعرضت لها المدن والبلدات السورية، فعلى الصعيد المحلي الثوري جمعت إدلب كل الرافضين والناقمين على حكم آل الأسد، مما جعل من المحافظة معقلاً رئيسياً للثورة والناقمين على الحكم الطائفي وسدنته المحتلين، لا سيما وأن تراكمات تاريخية تغذي ذلك كله، حيث عُرفت إدلب تاريخياً بالمحافظة المتمردة، ففي الخمسينيات كانت مع الناصرية ضد البعثية، وخلال السبعينيات والثمانينيات وما بعدهما كانت مع الإخوان ضد الحكم الطائفي، أما على الصعيد الإقليمي فالواضح أن الحسابات الإيرانية غدت مختلفة عن السابق بعد العقوبات الأميركية التي تنتظرها في نوفمبر، مما جعلها بحاجة أكثر إلى تركيا، من أجل مساعدتها مالياً في فك حصارها المالي والاقتصادي، ولعل هذا ما دفع الإيرانيين للقول إن مسألة إدلب معقدة، ونفس الأمر ينطبق على الأوربيين والأميركيين الذين يخشون من كارثة إنسانية حقيقية تُحرجهم بشكل فاقع أمام العالم كله، وتدفع بمئات الآلاف -إن لم نقل الملايين- إلى داخل حدود دول «الناتو» وهي تركيا، وبالتالي تنداح قنبلة التشرد في داخل أوروبا نفسها، وقد تنداح معها قنبلة العنف والتطرف الذي تخشاه أوروبا.

على الساحة الإدلبية السورية، من الواضح أن ثمة تطورات غير مسبوقة تتمثل في نضج الثوار وفصائلهم في التعاطي مع بعضهم، وهو ما ظهر واضحاً من خلال تشكيل 3 غرف عمليات مشتركة، الأولى هجومية والثانية دفاعية والثالثة لبحث مسألة الهجمات الصاروخية على معاقل الطائفيين، في مسعى لردع أي هجوم على المحافظة وما حولها، ينضاف إليه حجم الأنفاق العسكرية التي تم تشييدها خلال الفترة الماضية، ويأتي تحرك بعض الفصائل بضرب الحاضنة العلوية بالصواريخ كرد بالمثل على ضرب الحواضن السنية بالصواريخ والطيران، ليُضعف أي تحرك هجومي للعصابة الطائفية وسدنتها المحتلين، وهو ما تنبهت له روسيا مباشرة حين طالبت تركيا أخيراً بالضغط على الثوار من أجل وقف هجماتهم الصاروخية على مناطق العصابة الطائفية وهو ما لم يحصل، وإنما تواصل بشراسة وكان آخره استهداف القرداحة نفسها بعدة صواريخ جراد.

الظاهر أن تركيا بدأت تشعر بالخذلان من روسيا، فبعد القناعة التركية أن روسيا لن تشارك بهجوم إدلب، ظهر من خلال القصف الجوي الروسي، ومن خلال المجزرة التي ارتكبها الطيران الروسي في جسر الشغور، أن موسكو لم تكن صادقة بالتعهد لتركيا، ولذلك اتجهت الأخيرة نحو واشنطن، وبدا من البيانات المشتركة بين البلدين رفضهما الهجوم على إدلب، كل هذا دفع وزير خارجية العصابة الطائفية في دمشق وليد المعلم إلى تليين مواقفه على ما يبدو مع تركيا، واعتبر أن لها دوراً في سوريا.

من الصعب جداً أن يتم تسليم إدلب بالطريقة التي حصلت مع مدن معارضة أخرى، في ظل ضربة وقائية واستباقية لكل الضفادع والذين قد يظن بهم العمالة مع العصابة الطائفية، وهو ما أغضب الروس والعصابة فشنوا هجماتهم الصاروخية والجوية عليها، رداً على ضرب عملائهم في الشمال المحرر، والأمر الأخير فإن المقيمين على أرض إدلب يدركون تماماً أن خروجهم منها يعني خروجهم من سوريا كلها، وتحولهم إلى موريسكيين جدد، ولذا فإن التمسك بالأرض هو الخيار الوحيد بالنسبة لهم، خصوصاً بعدما شاهدوا وعاينوا بشكل يومي تصرفات العصابة مع من استسلم لها في درعا وحمص والغوطة.;

==========================

إدلب اختبار كيميائي جديد

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 9/9/2018

يقول المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، إن لديه ما يفيد بوجود تحضيرات لهجوم كيميائي وشيك في سورية. جال التصريح على ألسنة مسؤولين كثيرين في أميركا وأوروبا الغربية خلال الأسبوعين الأخيرين، عندما ظهرت بوادر استعدادات الهجوم على إدلب، أما روسيا فبقيت على موقفها، وقد تكون حازت الأسبقية بذكرها مؤامرةً كيميائيةً يتم الإعداد لها..

يبدو الهجوم الكيميائي في هذا السجال أساسيا، تحذّر منه أميركا وحلفاؤها، وتتهم روسيا بدورها منظمات معارضة بمحاولة تمثيله، والحديث الكيميائي هنا يجري عن آخر مناطق المعارضة التي تسيطر على معظم مساحة محافظة إدلب، وجزء من ريف حماة الشمالي وريف حلب الشرقي، مع حدود طويلة مع تركيا، وهو منفذٌ مهم يمكن أن يؤمّن حياة للمنطقة، وحدودٍ أخرى مع مدن الساحل السوري التي تعتبر منطقة النظام الأساسية، وبيئته الداعمة، وخزّانه البشري والعسكري والأيديولوجي أيضاً. ومن هنا، يظهر تصميم الأسد على استرجاعها، ومن خلفه داعموه في موسكو وطهران، فيما تبذل تركيا جهوداً ملحوظةً في داخل إدلب بالاتصال بالجماعات المسلحة والفصائل المختلفة. من بين كل تلك الجهود، تعلو الأصوات المنادية بالهمّ الإنساني الكبير الذي قد ينجم عن عمليةٍ كهذه، وفي مقدمة تلك الهموم نتائج استخدام السلاح الكيميائي.

حذّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشدّة، لكن تحذيره كان محصوراً بالعدد الكبير من اللاجئين الذي قد ينتج من هذه الحرب. أما باقي القوى الغربية، فتحاول تقديم استعراض أخلاقي كبير، بالتركيز على الكيمياء والإنسانية، متناسين أن هذا الصراع الذي تجاوز سبع سنوات قد نتجت منه أعمق مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تم أيضاً استخدام الأسلحة المحرّمة فيه بكثافة، ومن دون مراعاة لشعور الأمم التي تضع الأخلاق في مقدّمة اهتماماتها الدستورية. وكانت هذه الدول تنكفئ عن سبق الإصرار عند كل استحقاق سياسي. ومن جهةٍ أخرى، تبدي تعاطفأ كثيرا في إعلامها، تاركة الدول التي تصفها بالمارقة والديكتاتورية تتحكّم في مصير الشعب السوري.

استخدم النظام السلاح الكيميائي في مناسبات كثيرة، وكانت التبريرات مختلفة، وهو مدركٌ جيداً ما يمكن أن ينجم عن هذا الاستخدام، لكنه كان ينجو من تبعاته، بفضل الدعم الروسي له في مجلس الأمن، وفي اجتماعات الدول العظمى الخاصة، وفي الغرف السريّة.

ضمن حالةٍ ذات طبيعة إجرامية بحتة، ومن دون أن يكون للسلاح الكيميائي جدوى عسكرية أو سياسية كبيرة، استخدم الكيميائي في الغوطة، وكانت نتائجُه مروّعة، شكلت لطخةً أخلاقيةً في صفحة روسيا والنظام، كان هذا الاستخدام الأوسع نظراً لعدد الضحايا الكبير، ولكنه لم يكن الوحيد، فقد جعل النظام من السلاح الكيميائي تكتيكاً ثابتاً وأساسياً في حربه، فسجل استخداماً مبكّراً له في ريف دمشق في منطقة برزة، واستخداماً آخر في خان شيخون عند الحملة على حلب، واستخداماتٍ محدودةً في أماكن متفرقة في الجنوب السوري (درعا والقنيطرة)، وأماكن أخرى على امتداد الجغرافيا السورية، فالنظام جعل من هذا السلاح المحرّم علامة فارقة في كل حربه، خاسراً كان أم رابحاً.

يمكن اعتبار الملاحظة المجرّدة والإحصائية شاهداً قوياً ومبرَراً للمخاوف من استخدام الكيميائي في المعركة المقبلة، فلطالما وضعه النظام ضمن تكتيكاته الحربية، وتحقيق تقدّم مؤقت، وإمعاناً في قمع المعارض والترهيب، من خلال إيقاع أكبر عدد من الضحايا البشرية، واستخدمه حتى بشكل تجريبي، لمعرفة مدى جدوى هذا السلاح في حصد الأرواح، وتحقيق النصر المعنوي لمؤيديه. وليست هذه الحملة المزمعة على إدلب استثناءً، بل قد تكون مناسبةً جيدةً للنظام لمزيد من التجريب والتدريب، وفي إدلب بالذات، حيث تعتبر المجمع الكبير لمن بقي من "إرهابيين" في سورية الهدف الآخر من التجربة، قد يكون معرفة رد فعل ترامب الذي بدا شديد الحماس في تغريدته التي حذّر فيها من كارثةٍ إنسانيةٍ، وتوعَّد برد حاسم شديد، وغضب أميركي ماحق فيما لو تم استخدام هذا السلاح مجدّداً.

==========================

قيام الساعة.. من إدلب أم من دابق؟

وائل مرزا

المدينة

الاحد 9/9/2018

من الواضح أن عنوان المقال (استفزازي) ويأتي في إطار استجلاب انتباه القارئ الكريم للموضوع.. لكنه في نفس الوقت يهدف للتذكير بمسألةٍ استراتيجية تغيب عن الحسابات لدى الغالبية من صُنّاع القرار السياسي. أما في ثقافتنا الراهنة، فإنها لا تُوخذ بعين الاعتبار، ولا تخطر في البال لدى شرائح واسعة من أفراد الثقافة تلك.

أستميح القارئ عذراً في طرح تلك المسألة باللغة الإنجليزية بدايةً، لأنها تدخل في صلب التفكير الاستراتيجي السياسي والحضاري خارج إطار الثقافة العربية/ الإسلامية، مقابل الفقر المدقع في استصحابها داخل الثقافة المذكورة: Everything is connected in this world. بترجمةٍ غير حرفية: «كل مسائل الحياة البشرية/ الاجتماعية متداخلة، وتؤثر في بعضها بشكلٍ مُتبادَل وجذري»، وإن لم يظهر هذا التأثير خارجياً إلا لقلةٍ من الناس.

بنظرةٍ إلى مستوى التفكير الذي يتجاوز التفاصيل اليومية، ويحاول فهم أحداث العالم بدرجةٍ شمولية، لا يوجد ثمة فصلٌ حقيقي بين ظواهر الحياة الإنسانية، ومكونات الواقع البشري على هذه الأرض. ثمة أمثلةٌ شائعة تقول مثلاً: «إذا أصيب الصينيون بمرض الرشح فستعمُّ الإنفلونزا هذا العالم». المثال مجازيٌ بطبيعة الحال، لكنه يساعد على شرح الكلام النظري المجرد إلى واقعة يفهمها عموم الناس. هذا، لكيلا نعيد الحديث فيما هو معروفٌ من ترابط الاقتصادات العالمية بشكلٍ معقد، وشيوع الثقافات وأنماط الحياة المختلفة، وربما الأمريكية والغربية منها، وتغلغلها في ثقافات أخرى. دون إغفال حقيقة تأثير تلك الثقافات نفسِها في ثقافة أمريكا وأوروبا بالمقابل.

لماذا يفتقد الكثيرونُ القدرةَ على رؤية التداخل الجذري في الظواهر العالمية ومجريات الأحداث على هذه الأرض. الأسباب كثيرة، لكن أهمهما، أولاً، لأنها مُعقّدَة. ثانياً: لأنها تحتاج لأدوات ذهنية وفكرية وعلمية لا يمتلكها معظم الناس، وتحديداً في ثقافتنا العربية/ الإسلامية. ثالثًا: لأن العقل البشري يحاول، بشكلٍ فطري، الفصلَ بين تلك الظواهر بغرض فهم كلٍ منها، ليسهل عليه التعاملُ معها عملياً بعد ذلك.

وإذا كان هذا طبيعياً بالنسبة لغالبيةٍ طاغيةٍ من الناس، إلا أن النُّخب التي تصنع الواقع البشري، وهي أقليةٌ صغيرة، تُدرك التداخل المذكور بقوة، وتستخدمه بمهارة، بما يساعدها على تحقيق أهدافها. لهذا يَصنعُ هؤلاء حاضر العالم ومستقبله، بعيداً عن رأي ٩٩٪ من الناس..

نعم، هذا العالم يُصبح قريةً صغيرة بكل معنى الكلمة.. مهما بدا الكلام للبعض يدخل في إطار الحديث النمطي (الكليشيه). وإذا كانت هذه السيرورة الثقافية الاجتماعية تسري في مجالات الثقافة والاقتصاد والفن وغيرها، فسيفاجأ كثيرون بدرجة سريانها في عالم السياسة العالمية، وأكثرَ بكثير.

ما علاقة هذا بإدلب وقيام الساعة إذاً؟!

ماذا يعني مثلاً أن يشهد العالم، والقوى الرئيسة فيه تحديداً، استنفاراً سياسياً وأمنياً على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية من اجتماعات القمة إلى جلسةٍ لمجلس الأمن، مروراً باجتماعات ثنائية، واتصالات هاتفية مكثفة بين كبار قادة العالم ووزراء خارجيتها، وتصريحات كثيرة فيها رسائل لا نهاية لها، كلُّها حول إدلب؟ لسنا، والقارئ الكريم، من السذاجة بمكان بحيث نصدق ببراءة أن كل هذا الاهتمام يدخل في باب شعورٍ طارئ بالرحمة الإنسانية تجاه أهل تلك البلدة المُلقاة في شمال غرب سوريا. كمثالٍ فقط يصعبُ التفصيل فيه هنا: أحصينا أكثر من خمسين خبراً مختلفاً يتعلق بالموضوع المذكور خلال الأسابيع الثلاثة الفائتة. وهذا يكاد يكون رقماً قياسياً حين يتعلق الأمر بأي قضيةٍ في العالم، على الأقل، منذ أحداث ١١ سبتمبر في أمريكا قبل سبعة وعشرين عاماً! مرةً أخرى، لا نتحدث عن جمهوريات الموز، وإنما عن كل أعضاء مجلس الأمن الدولي، ومعهم كل من تبقى من مجموعة العشرين الكبرى في هذا العالم، وفوقهم عشرون دولةً أخرى من الدول ذات الوزن الاقتصادي والسياسي الأكبر على هذه الأرض..

خلاصة الموضوع بالنسبة لثلاثة أطراف.

يشعر النظام الدولي بأن ما سيجري في إدلب يمكن أن يمثل نهاية مرحلة An end of an era ، تبدأ في الإقليم، لكن تأثيراً كارثياً لها سيمتد، تدريجياً، وبقوة قوانين الاجتماع البشري، إلى مناطق أخرى في العالم. من هنا يأتي مجازُ عبارة (قيام الساعة) في عنوان المقال، ومعه الإشارةُ إلى (دابق) لورودها في حديثٍ معروف بهذا الشأن، بغض النظر عن ملابساته.

يجد السوريون أنفسهم أمام استحقاق هو الأكبر والأخطر والأشد حساسيةً في تاريخ ثورتهم. استحقاقٌ يُشكلُّ مفرق طريق في مسيرتهم التي خرج عشرات الآلاف الجمعة الفائت في مظاهرات سلمية يصفونها بشعار (مقاومتنا مستمرة). لكن قياداتهم تبدو حائرةً، في أحسن الأحوال، في التعامل مع ذلك الاستحقاق، وبشكلٍ مُعيب.

أخيراً، تبدو ثمة حاجةٌ ملحّة، لدى العرب أجمعين، باتجاه إعادة النظر في التحولات الأخيرة لسياسات بعضهم تجاه الشأن السوري. وإذ جاء بعضُها (مفهوماً) في إطار ملابسات وحسابات مستجدة وطارئة في الفترة الماضية، إلا أن رؤيةً استراتيجية جديدة، من خارج الصندوق، قد تبدو ملحةً في هذه المرحلة. وهذا ليس لمصلحة السوريين فقط بكل تأكيد..

هذا رسالةٌ تندرج في التحفيز للتفكير على مستوى (الماكرو).. مستوىً يُدرك أهمية فهم التفاصيل، لكنه لا يغرقُ فيها، وإنما يجمع شُتاتها، العشوائي في نظر كثيرين، ويضعه في سياقٍ أكثر شمولاً، هو وحدَهُ الذي يساعد على ولادة واستمرار الفكر الاستراتيجي. بكلمةٍ أخرى، إنه يعني امتلاك القدرة على رؤية (الغابة بأسرها)، دون الوقوع في التركيز على (الأشجار) التي تتشكلُ منها.

==========================

مراسلات الأسد ـ نتنياهو: ما نفع ساعي البريد؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 7/9/2018

في شباط (فبراير) 2013، حين تولى جون كيري وزارة الخارجية الأمريكية، استعدتُ شخصياً صورة فوتوغرافية تجمعه وزوجته تيريزا هاينز، إلى طاولة عشاء في أحد المطاعم الدمشقية، ضيفاً على بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس؛ والصورة تعود إلى عام 2009، حين كان كيري يترأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي. وكان غرض الاستعادة هو تأكيد قناعتي أنّ إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وسائر الإدارات الأمريكية في الواقع، تجمعها مع أنظمة الاستبداد العربية أنساق متعددة من الـ«بزنس»؛ ولن تنحاز، حكماً ومنطقاً، إلى أية انتفاضة شعبية عربية، خاصة إذا كانت ديمقراطية وسلمية، يمكن أن تنتهي إلى إسقاط تلك الأنظمة، وأقصد الإسقاط الفعلي وليس الاستبدال الكاذب والمخادع. وخلال الأسابيع التي أعقبت تسلمه وزارة الخارجية، قال كيري في شتم الأسد أكثر بكثير مما قال مالك في الخمر، ابتداءً من «السفّاح» و«القاتل»، وليس انتهاءً بـ«الوحش» وشتى المقارنات الهتلرية ؛قبل أن يبتلع لسانه، إلا حين يتصل الأمر بتوبيخ المعارضة السورية الاسطنبولية، أو التحذلق حول سياسات أوباما بصدد هذا أو ذاك من شؤون سوريا.

وأمّا اليوم، في مناسبة صدور كتابه «كلّ الأيام إضافية»، فإنّ كيري يكشف النقاب عن فصل من ثمار تلك العلاقة مع الأسد، يفيد أنه حمل رسالة من الأخير إلى أوباما حول استعداد النظام السوري لاستئناف المفاوضات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ وأنّ الرسالة وصلت، أيضاً، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. الأخير أبدى دهشته وسعادته، وسيد البيت الأبيض أعطى التوجيهات لاختبار نوايا الأسد، والسياقات الإقليمية (سنة العسل مع السعودية في عهد الملك عبد الله، الوساطة التركية بين النظام وتل أبيب، ارتباك تكتيكات «حزب الله بعد «غزوة بيروت» والفشل في تأمين أغلبية برلمانية بعد انتخابات 2009 والعجز عن الثأر لمقتل عماد مغنية…) كانت تشجع على استبشار معقول. لكنّ المرء يعثر، في فقرات من كتاب كيري الجديد، على توصيفات لرأس النظام السوري تكاد توحي بأنّ كيري وعقيلته تناولا العشاء، في ذلك المطعم الدمشقي الحميم، مع مضيف آخر غير بشار الأسد! «الرجل الذي يكذب في وجهك وعلى مبعدة أربعة أقدام، يمكن بسهولة أن يكذب على العالم بعد أن خنق شعبه حتى الموت بأسلحة الغاز»، يكتب كيري اليوم في وصف شخص الأسد!

ولكن… هل كان الأسد بحاجة، حقاً، إلى ساعي بريد مع نتنياهو؛ لا يتمثل في شخص كوندوليزا رايس أو هيلاري كلنتون، لكي يبعث بالرسالة عن طريق كيري؟ سؤال يحمل بعض الوجاهة من واقع أنّ تعاطي النظام السوري مع الإدارة الأمريكية، بوش الابن ثمّ أوباما، لم يكن راكداً وشبه جامد ومعلّق، فحسب؛ بل كانت تحركات الأسد الإقليمية، وخاصة في المناورة بين الرياض وطهران، لا توحي بأيّ هامش عدائي يستحق عناء المبادرة؛ وكان العكس هو الصحيح، في الواقع. الخيارات الأمريكية ظلت تنطلق من قاعدة مركزية أشارت على الدوام إلى «فوائد» نظام آل الأسد، إبقاء الجولان هضبة آمنة هادئة مسالمة لا تُطلق في أرجائها بندقية صيد؛ أو في ضبط لبنان، ومنظمة التحرير، وإدارة حروب المخيمات وتل الزعتر وطرابلس، والانخراط في «عاصفة الصحراء»؛ أو في الإمساك بالعصا من المنتصف، بين حلفاء أمريكا في المنطقة وخصومها…

بوصلة اولى في ضبط هذه المعادلة بدت عابرة حتى للخلافات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، كما في زيارة ربيع 2007 «التاريخية» إلى دمشق، والتي قامت بها نانسي بيلوسي، وكانت رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي آنذاك؛ فأعطت، من جهة أولى، إشارة اختلاف الحزب الديمقراطي مع مقاربة بوش الابن، في «الضغط» على النظام؛ كما شددت، من جهة ثانية، على المطالب ذاتها التي يشترطها البيت الأبيض لتحسين العلاقة مع النظام السوري. وحين حرصت بيلوسي على الاجتماع مع رايس قبيل أن تقلع طائرتها إلى دمشق، كانت في حقيقة الامر تتسلم لائحة الرسائل الشفهية التي سوف تبلّغها إلى الأسد؛ تماماً كما فعل وزير الخارجية الأسبق كولن باول ومساعده ريشارد أرميتاج غداة اجتياح العراق.

كذلك فإنّ الأمر الرئاسي رقم 13338، الذي وقّعه بوش الابن في أيار (مايو) 2004 وقضى بوضع «قانون محاسبة سورية» قيد التنفيذ، كان أعلى تجسيد لما اعتُبر سياسة «الضغط» على النظام: «حصار» شكلاني شمل حظر تصدير الذخائر والموادّ ذات الاستخدام المزدوج، ومنع الطيران السوري من حركة الهبوط أو الإقلاع في المطارات الأمريكية، وإنهاء التعاملات بين وزارة الخزانة الأمريكية والمصرف المركزي السوري. وأمّا الجانب السياسي فقد تكفّل بتفريغه من مضمونه عدد من كبار النوّاب الأمريكيين (جمهوريين وديمقراطيين على حدّ سواء)، كلّما اقتضت المصلحة العامّة (للولايات المتحدة، ثمّ إسرائيل)، أو المصلحة الشخصية لهذا النائب أو ذاك (السناتور الديمقراطي بيل نلسون، مثل السناتور الجمهوري أرلن سبكتر، دون أن نغفل الإشارة إلى كيري نفسه بالطبع).

يُضاف إلى هذا أنّ رسائل النظام السوري كانت تذهب علانية إلى دولة الاحتلال، دون حاجة إلى ساعي بريد أو وسيط؛ كما في ذلك الاقتسام الفاضح والسقيم الذي طرحه وزير خارجية النظام، وليد المعلّم، في حوار مع غابرييلا رفكند من صحيفة الـ»غارديان» البريطانية في ربيع 2010: «يمكن للانسحاب من الجولان أن يتمّ على مراحل، تنطوي توقيتاتها على شكل من التطبيع. نصف الجولان يمكن أن يفضي إلى إنهاء العداء. ثلاثة أرباع الجولان، تفتح ممثلية لرعاية المصالح الإسرائيلية في السفارة الأمريكية. الانسحاب الكامل سوف يسمح بسفارة سورية في إسرائيل». وتسأله رفكند عن العلاقة مع إيران و«حزب الله»، فلا يقول إنها «خطّ أحمر»، على جري العادة في الرطانة الإعلامية الرسمية، بل يجيب بوضوح: هذه مسألة نتولى أمرها بعد الانسحاب!

أم أنّ الرسالة يمكن أن يحملها مبعوث لا يشبه أياً من سعاة البريد، مثل المخرج الأمريكي الشهير فرنسيس فورد كوبولا؟ في تلك الحقبة ذاتها، أواخر العام 2009، مُنعت طائرة كوبولا الخاصة من الهبوط في مطار بيروت لأن بعض قطع غيارها صُنعت في إسرائيل. أحد الأذكياء نصح صاحب «العرّاب» بإجراء اتصال من الجوّ مع الأسد، الذي أمر بأن تهبط الطائرة في دمشق، ثمّ انتقل كوبولا بعدها إلى بيروت في طائرة أخرى، بعد وليمة رئاسية دافئة. مكسب الأسد، في المقابل، كان خبراً في العلاقات العامة تناقلته بعض وسائل الإعلام الأمريكية، وتصريحاً منافقاً من كوبولا يشير إلى حرص الأسد على السلام، وأنّ «الطعام بديع»، والأسد و«عقيلته وأسرته، اتصفوا بالوضوح والأنس والقدرة على الحديث في مستويات عديدة. وبهذه الطريقة أقنعني أنّ الرؤيا التي يحملها عن البلد إيجابية».

أخيراً، خلال تلك الحقبة ذاتها دائماً، لم يكترث النظام بإخفاء أو نفي استئناف المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية برعاية تركية، وكان الغرض استثمار هذه الوقائع في إلهاء الشارع الشعبي عن مصاعب العيش اليومية، وكوابيس قسائم المازوت، ومطحنة شائعات رفع الدعم؛ وكذلك ترحيل خلافات أهل السلطة الداخلية، العائلية والأمنية والاستثمارية، إلى ملفّ استئناف التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي بوصفه منطقة محايدة إذا جاز التعبير؛ ليس دون توجيه رسالة جديدة إلى الحليف الإيراني، ومن خلفه «حزب الله» تحديداً، حول استعداد النظام لقلب المعطف…

فما نفع ساعي بريد مثل كيري، في نهاية المطاف!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==========================

إدلب معركة أم وليمة دولية؟

سميرة المسالمة

الحياة

الجمعة 7/9/2018

تحاصر إدلب محاصريها من دول تمركزت قواتهم على حدودها، أو تغلغلت داخلها تحت مسمى حمايتها، أو الوصاية عليها، وحتى تلك الدول التي اعتمدت مبدأ القتال «بالتغريد» والتصريح والتهديد، فهذه المعركة لم يعد فيها النصر للأقوى فحسب، ولم يعد فيها النصر يعني التموضع في المكان، مقابل انزياح المهزوم وتآكله، هي معركة، المنتصر فيها مهزوم إنسانياً، والمهزوم فيها هو الإنسان، مقتول وقاتل، وغنائمها لحم محروق من بشر، كحال خسائرها، يتقاسمها كل المتحلقين حول مائدتها، فلا أحد يخرج منها غير مدان بأكل لحم أخيه «إدلبياً» ومهجراً.

فكل ما ستؤول إليه تلك المعركة خسارة للسوريين على طرفي الصراع، وهي وليمة ناضجة من لحومهم الحية، ينتهشها كل المتدخلين، مع، أو ضد، أو حتى على الحياد، فهذه الوليمة من أجساد الأطفال والنساء والرجال، كبيرهم وصغيرهم، ليس فيها من لا شأن له، بعيداً كان، أو قريباً، بعضه يتسمم بلحومها، وبعضه الآخر يتلذذ بها، وبعض من بعض يعلن انتصاره الوحشي على قيمة الحياة، وحقوق الإنسان، فالأطراف المنخرطة في طبخة الحرب من إيران وروسيا تحت غطاء استعادة الهيمنة على إدلب للنظام، وتركيا والولايات المتحدة الأميركية ومعها تحالف من دول أوروبية تحت عناوين «أصدقاء سورية»، جميعهم سيجلسون إلى مائدة واحدة، يتناولون حصتهم من حفلة شواء «إدلبية» على نار القرارات الدولية، وبرقابة أممية.

هكذا قيض لإدلب أن تكون آخر معارك الوهم السوري المسلح على كلا الطرفين، فلا وهم المعارضة نفعهم، بإقامة نفوذ لهم على تلك البقعة الخضراء، ينطلقون منها إلى ما تبقى من سورية، عبر التفاوض والمساومة، ولا وهم النظام بأن استعادة نفوذه على كامل سورية سهل وميسور، على رغم دخول إيران وقتالها معه جنباً إلى جنب في كل معاركه، وسيطرة روسيا حليفته على كامل سمائه، ومعظم قراره، فلا المعارضة كسبت أرضاً تعيد من خلالها سيرتها الأولى في الثورة، ببناء نموذج حكم محلي عادل، تمحي من خلاله ما تحمله ذاكرة السوريين من ألم ذكريات حكم الأمن التعسفي، حيث لم تمكنها أي «للمعارضة» الفصائل المسلحة المؤدلجة، والمتطرف بعضها، من أن تكون هذه المناطق مستقراً لها، تقود حراكها الديبلوماسي والسياسي انطلاقاً من داخل سورية ولأجلها.

لم يكن «السيناريو» المتكرر لترحيل المقاتلين الرافضين للتسوية، والأهالي من مختلف مناطق سورية إلى إدلب، يخفي ما ستؤول إليه الأحداث لاحقاً، «إنها الحرب الكبرى» فقد كانت عملية تجميع مدروسة، ومتفق عليها، ومسكوت عنها دولياً، وتتم تحت رعاية أممية في بعض الأحيان، وبالاستناد إلى شعارات إنسانية، لا تختلف عن تلك التي يطلقها في هذه الأوقات، المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا حول «ذهابه إلى إدلب وتأمين ممر إنساني لخروج المدنيين من المحرقة المقبلة»، تصريحاته ذاتها قبيل معركة حلب، على رغم أنه هذه المرة لا يطالب بإخراج الناس المتعاطف معهم، من تحت قصف النظام إلى إدلب، كما جرت العادة، وإنما من إدلب إلى مناطق حكم النظام، ليلاقوا القصاص الذي نجو منه مرة، ويعودوا إليه اليوم طائعين.

أي أن مضمون ما يريده المبعوث الدولي لا يختلف عن دعوات العودة إلى مناطق النظام، وربما تتطور لاحقاً للدعوة إلى إعادة إعمارها، تحت عنوان تمكين العائدين من أسباب العيش، بمعنى أنها جزء من حملة روسيا التي تعيد فيها انتشار السكان وفق خريطتها المدروسة، في الوقت الذي تعد لمجزرة كبرى وتصورها روسيا على أنها عملية تدمير و «تطهير» لـ «بؤرة الإرهابيين»، متناسين أن هذه البؤرة المصطنعة هم من قاموا بتجميع محتوياتها، وتلفيقها، وإلزام المواطنين المدنيين بالتعايش معها، وفقاً لمصالحاتهم، وتسوياتهم مع الإرهابيين في النصرة، سواء داخل سورية، حمص ومخيم اليرموك وريف دمشق، وحلب، أم خارجها (في لبنان)، حيث نقل إلى إدلب مئات من مقاتلي جبهة النصرة بباصات مكيفة ومحمية من طيرانهم في السماء، ومن حلفائهم في الأرض (حزب الله وإيران).

وفي المحصلة فإن وجود جبهة تحرير الشام «النصرة سابقاً» ليس بقرار ذاتي فحسب، وإنما بإرادة دولية، تعاملت مع وجودها كأداة مساومة قيمة، تستخدمها كفزاعة عند الحاجة، سواء بالهجوم، أو الدفاع، أو بتمرير صفقات التسويات، حيث لم تتواجد في مكان، إلا واستطاع النظام وحلفاؤه من استعادته، تحت حجج محاربة الإرهاب، على رغم عمليات إعادة نشرهم في مناطق أخرى، التي تتم تحت مسمى «الترحيل»، ما يعني أن الأدوار الوظيفية لقادة جبهة النصرة التي تلخصت في حربهم على فصائل الجيش الحر، وإنهاء دوره منذ عام 2013، باحتلال كل مناطق نفوذه، ومن ثم تهيئة الظروف المناسبة لتمكين الفصائل الأيديولوجية الدينية ذات التبعيات الخارجية لتحل مكانه، نتيجة خلو الساحة لهم، ما ساعد النظام على تحويل المعركة إعلامياً، من سياسية سورية بينية، إلى صراع بينه كدولة ونظام «علماني»، مع فصائل متطرفة وأيديولوجية إسلامية، تتقدمها النصرة أو جبهة تحرير الشام، إلا أنها تتضمن فعلياً الحرب على كل من رفع شعاراً، أو سلاحاً بوجه حكم النظام الاستبدادي.

في النتيجة ليس هناك الكثير من الاحتمالات، فقد هيأت جبهة تحرير الشام المناخات المناسبة لتجعل أصوات طبول المعركة في إدلب عالية، وهذا لا يعني الحرب بالضرورة، بقدر ما يعني أنها حرب معركة المساومات النهائية، التي تجعل من الولايات المتحدة الأميركية قلقة لوجود الإرهابيين في إدلب (تصريح بومبيو وزير الخارجية الأميركي الأربعاء 5 أيلول- سبتمبر)، ومن ثم إعطاء الموافقة العلنية للنظام وحلفائه من قبل المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، عبر تغريدة لها على خوض معركة استرداد إدلب شرط عدم استخدام السلاح الكيماوي، متجاوزة بذلك أن النظام من المفروض أنه سلم لهم سلاحه الكيماوي، فهل كان ذلك تصريحاً خفياً بقبول الإدارة الأميركية حقيقة امتلاك النظام للكيماوي، خلافاً لصفقة أوباما (الرئيس السابق للولايات المتحدة) معه؟

ومع كل ذلك فإذا كانت طاولة المساومات الثنائية والثلاثية التي تعقد في إيران لن تتجاهل ما يحفظ ماء وجه تركيا، على حساب إعادة تأهيل الطرق الأساسية بين إدلب والعاصمة مروراً بالساحل وحلب، والمقايضة على المناطق، وبما يقضي دخول الجهات التنفيذية دون الأمنية والعسكرية للنظام إلى إدلب، تحت الحراسة الروسية- التركية المشتركة، ويبقي على النقاط التركية بالشراكة أيضاً، فإن ذلك من شأنه أن يجعل المعركة في إدلب «صورية»، وموجهة ضد المنشقين عن النصرة في الطاعة لتركيا.

وبالتالي فهذه معركة يمكن تحديد موقعها، وزمانها، وحتى خسائرها، التي تبدو تركيا تسجل فيها أعلى معدل من الخسائر، بفعل الموقف الأميركي الذي في مضمونه موجهاً ضدها، وليس بهدف الحرب على الإرهاب، وحيث طبول الحرب ورائحة جرائم القصف الروسي، وما يمكن عقده من تسويات، تعيد ترتيب حصص المقايضات الدولية، فإنها في الوقت ذاته تعيد من جديد الحل في سورية إلى طاولة جنيف، بعيداً من مساري آستانة وسوتشي، ليكون اعتماداً على نتائج اجتماع باريس «اللاورقة 24/1/2018» الأميركية الغربية العربية (باريس، لندن، الولايات المتحدة الأميركية، السعودية، الأردن) التي تضمنت بنوداً عن: إصلاح الدستور، والفيديرالية، وتقليص صلاحيات الرئيس، والنظام البرلماني، وهو ما كان محور آستانة سوتشي ومن معهم من معارضات قد رفضها، ومهد لما نحن فيه من مناطق خفض التصعيد إلى مناطق المجازر الجماعية.

* كاتبة سورية

==========================

مشكلتنا مع روسيا

برهان غليون

العربي الجديد

الجمعة 7/9/2018

اعتدتُ أن أقول لمحاوري الدوليين، منذ تأسيس المجلس الوطني السوري في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، إن القضية ليست مشاركة المعارضة في الحكم، مع الأسد أو من دونه، وإنما الرد على تطلعات الشعب، والانتقال به نحو حياةٍ ديمقراطيةٍ حرّة وعادلة. وإذا أمكن هذا الانتقال من دون مشاركة المعارضة، فالمعارضة في غنىً عنها. المهم أن تتغيّر قواعد الحكم الاستبدادي المدمّر السائد التي صمّمت لوضع الدولة والمجتمع معا ومواردهما في خدمة سلطة الحزب الواحد، ثم سلطة أسرة الأسد، والقائمة، بكل بساطةٍ، رسمياً وقانونياً، على الإقصاء العلني الكامل للشعب، والتعقيم السياسي الكلي للمجتمع والفرد، وحكم الإرهاب والإهانة والإذلال المتعمد لتحقير الفرد في نظر نفسه، وانتزاع روح السيادة منه، وتدجينه وتطويعه لقبول العبوديّة والتسليم للقوة الغاشمة. دور المعارضة التي لا تريد شيئاً لنفسها، ولا ينبغي أن تفعل، لا بوجود الأسد ولا بغيابه، هو اليوم أن تضمن للشعب توفير شروط ممارسته حقّه في تقرير مصيره بنفسه. وهذا يعني مساعدته على الوصول إلى وضعٍ يسمح له، من خلال انتخاباتٍ حرّة ونزيهة، باختيار ممثليه الحقيقيين، وإرساء قاعدة قوية للحكم التمثيلي والديمقراطي في البلاد.

(1)

هذا يعني أن المعارضة ليست الموضوع، وليست الطرف المهم في المباحثات والمفاوضات القائمة، التي قبلت المعارضة الدخول فيها، منذ تأييدها مبادرة جامعة الدول العربية وبيان جنيف 1 في يونيو/ حزيران 2012، وبعثة كوفي عنان العربية الدولية. الموضوع والطرف هو الشعب السوري، وتطلعاته وحقوقه ومكانته، ودوره في النظام السياسي المطلوب إنشاؤه على أنقاض حكم الديكتاتورية الدموية. ومسؤولية المعارضة أن تواكب ثورة شعبها، وتثمّر تضحياته الغزيرة، والتي لم تتوقف منذ سبع سنوات، من أجل الخلاص والتحرّر من نيْر سلطةٍ تحولت إلى نظام احتلال داخلي، وواجبُها أن تسعى إلى تأمين الدعم العربي والدولي في سبيل تسريع عملية الانتقال، والتحول نحو نظام جديد يضع حدّاً للحرب وسفك الدماء، ويردّ على تطلعات السوريين نحو الحرية، ويليق بتضحياتهم وكفاحهم.

ولذلك، لم يكن هدف المفاوضات مع النظام، واليوم بالأحرى مع أسياده الروس، المساومة على حق الشعب السوري في الانتقال إلى نظام ديمقراطيٍّ يساوي بين جميع أبنائه، ويعترف 

"المعارضة ليست الموضوع، وليست الطرف المهم في المباحثات والمفاوضات القائمة" بالمواطنة وحقوقها الواحدة للجميع، وإنما التفاهم على آليات وصيغ مرحلة الانتقال التي تنتهي مع تنظيم أول انتخابات تشريعية. وعندئذ، يكون الشعب حرّاً في تقرير مصيره، وانتخاب من يمثّله، ومن خلالهم، تحديد مضمون النظام الجديد النهائي، والتعديلات الدستورية، والتسويات السياسية، والتفاهمات الاجتماعية المطلوبة بالتأكيد لمعالجة آثار الحرب، وتطمين الأطراف والجماعات، أقليات قومية ومذهبية ونوعية ومهنية وغيرها، على مصيرها وضمان حقوقها وأمنها.

ولكن هدف الروس كان ولا يزال أن يضحّوا بقضية الشعب في الخروج من حكم الطغيان، لصالح فكرة حكومة وحدةٍ وطنيةٍ تحافظ على النظام مع بعض الإصلاحات الدستورية الشكلية، في الوقت الذي لا يعني الدستور شيئاً في مثل هذا النظام القائم على الهوى والعصبية والعلاقات الشخصية والسلطة الفردية المطلقة والمقدّسة. ولذلك لا يوجد هناك أي إمكانية للتسوية، أو للحل الوسط، بين المنطقَين، منطق الحفاظ على النظام بمشاركة المعارضة أو بشراء بعضها أو بخيانة آخرين، لا فرق، ومنطق تلبية مطالب الشعب وتطلعاتّه نحو السيادة والحرية.

منذ أول لقاء مطوّل، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، برز الخلاف العميق في التحليل والخيارات. وبدل أن يحاول أن يتقرّب من موقفنا أو أن يحاول تفهّمه، جاء ردّه تهكّماً بالثورة نفسها التي قال إنه هو الأكثر خبرةً بما تعنيه. وعلى الأغلب، كان صادقاً في مشاعره ورؤيته السلبية لأي حركة احتجاجية، وبالأحرى ثورية شعبية تهدف إلى التغيير الجذري لنظامٍ قائمٍ على العنف والإكراه والقهر. لم يفهم الروس معنى تطلعات الشعب وحقوقه، أو لم يريدوا أن يفهموا، وأرادوا إقناعنا بأن الغرب هو المسؤول عن كل شرور العالم. وربما اعتقدوا بالفعل أن ما يحصل في سورية يشبه ما حصل في عراق 2003، أو في أحسن الأحوال في ليبيا 2011، وراهنوا على أن تدخلاً قوياً منهم في مجلس الأمن والأمم المتحدة سوف يردع القوى الغربية الراغبة في التدخل في سورية، على حساب النفوذ الروسي.

وفي خطوةٍ لاحقة، اعتقدت الدبلوماسية الروسية أن بإمكانها، من خلال الرهان على التدخل العسكري الإيراني من جهة، ومغازلة المعارضة، أو بعض أطرافها، لتقريبها من موسكو من جهة ثانية، التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ سريعةٍ للأزمة السورية، وتذليل تعنّت الأسد الذي أصبح مديناً لها في الدفاع عن وجوده. وهكذا اعتقدت موسكو أنها تستطيع أن تحقّق النجاح الدبلوماسي الذي تحتاجه لتعيد تأهيل نفسها، وتسترجع صدقيتها ومكانتها الدولية، وهذا ما كانت بأمسّ الحاجة إليه لمواجهة الضغوط الأوروبية والأميركية المستمرّة عليها، سواء ما تعلق منها بالعقوبات الاقتصادية القاسية، أو بالضغوط العسكرية والاستراتيجية، في مجال نفوذها. وعندما شعرت بداية عام 2015 أن النظام يكاد ينهار، تدخلت هي ذاتها، وحاولت أن تضع كل ثقلها العسكري لحسم الصراع بأي ثمن، وبأسرع وقتٍ ممكن. وأتذكّر أنه بعد أيام من دخول القوات الروسية إلى سورية، التقيت الممثل الشخصي للرئيس بوتين ونائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف، بدعوةٍ منه، في مقر سفارة روسيا الاتحادية في باريس، لينقل إلي رسالةً مفادها بأن روسيا لا تريد التدخل العسكري في سورية، لكنها دخلت فقط للقضاء على الإرهابيين الروس المشاركين في الحرب مع المتطرفين، والذين قدر عددهم بألفي شخص، ولن تقبل عودتهم أحياء إلى بلادهم، ولن تزيد فترة تدخلها عن شهرين. ضحكت طبعاً من فترة الشهرين، لكن بوغدانوف لم يتردّد في التأكيد عليهما، بينما كانت الصحافة الرسمية تتحدث عن ثلاثة أشهر. وها هم الروس يخطّطون للبقاء في سورية نصف قرن بعد انقضاء سنتين على تدخلهم القاتل في الحرب الدولية على السوريين.

(2)

أخطأ الروس أخطاء كبيرة، ولا يزالون يخطئون، بحق السوريين أولاً، لكن تجاه مصالح روسيا أيضاً والعلاقات الروسية السورية في المستقبل، ولأسباب عديدة. أول هذه الأسباب إنكارهم، مثل الأسد وطهران، حقيقة ما يجري في سورية منذ ثماني سنوات، وعمق تجذّر مطالب 

"هدف الروس أن يضحّوا بقضية الشعب في الخروج من حكم الطغيان، لصالح فكرة حكومة وحدةٍ وطنيةٍ تحافظ على النظام" التحرّر من قبضة الحكم البدائي البهيم في وسط قطاعاتٍ واسعةٍ من الشعب السوري، وهذا خطأ جوهري نابع من رفضهم فكرة الثورة والاحتجاج الشعبي والتغيير نفسها، وامتناع منهج تفكيرهم على استيعاب هذا الأمر، حتى على مستوى الاحتمال. وهكذا تصرّفوا بالفعل على أساس أنهم يواجهون تدخلاً غربياً واسعاً ضدهم في سورية، لا حركة شعبية عميقة الجذور.

وأخطأوا ثانياً عندما عطّلوا، بشلّهم مجلس الأمن، أي تسويةٍ سياسيةٍ سوريةٍ، وغطّوا على تدخل المليشيات الإيرانية الطائفية، وهم يتحمّلون اليوم مسؤولية أخلاقية وسياسية وقانونية أساسية في المجازر وعمليات التهجير القسري والتجويع واستهداف المدنيين والإبادة الجماعية التي نجمت عن هذا التدخل، والتي ستنجم في المستقبل تحت حمايتهم وبرعايتهم وبمشاركتهم الكاملة، العسكرية والسياسية والدبلوماسية. وقد حرمهم غضّهم النظر عن هذه الأعمال الإجرامية التي دانتها تقارير المنظمات الدولية جميعاً من أي أملٍ في كسب ثقة الشعب السوري، أو بعض قطاعاته، حتى القريبة منهم، والتي راهنت، في فترةٍ ما، على روسيا لتحجيم التدخل الإيراني وعقلنة سياسة الأسد الانتحارية.

وأخطأ الروس ثالثاً عندما احتقروا المعارضة واستضعفوها واستهزأوا بها، واعتقدوا أن في وسعهم تدجينها والالتفاف عليها واستغباءها، لتحقيق مخطّطاتٍ مكشوفة الغاية الواضحة، منها تصفية مطالب الشعب السوري، وإخفاء وجه نضالاته ومعالم ثورته العظيمة، حتى تتحقق أطروحتهم الأولية المطابقة أطروحة الأسد، أي إنكار أي حركة شعبية داخلية ذات مطالب شرعية، والتمسّك بأطروحة المؤامرة الخارجية.

وأخطأ الروس رابعاً عندما كذبوا على السوريين، وربما على أنفسهم، وأعلنوا أن هدفهم المشاركة في القضاء على المنظمات الإرهابية، والإرهابيين الروس خاصة، ولم يلبثوا حتى نصبوا أنفسهم سلطة انتداب الأمر الواقع على سورية وشعبها، يستفردون بقرارها، ويهزأون من رجالاتها ومعارضاتها، يجمعونهم ويفرّقونهم منصّاتٍ ومجالس، حسب الطلب والحاجة، ما جعلهم يتماهون في سياساتهم مع سياسات الأسد، ويصادقون على تكتيكاته الإجرامية في الإبادة الجماعية والتجويع والترويع والتهجير القسري لتعديل البنية الديمغرافية، ويغطّون على خروقاته ونكثه عهوده بعد التوقيع على اتفاقات خفض التصعيد والمصالحات الزائفة الأخرى. وهذا ما حوّلهم، في نظر السوريين، بسرعة، من قوةٍ يمكن المراهنة عليها وسيطاً دولياً للمساعدة على ضبط المليشيات الإيرانية وعقلنة السياسة الأسدية والوصول إلى تسوية، حتى جزئية، إلى قوة احتلال بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وما تنطوي عليه سياسات الاحتلال الروسي، كما عرفته بعض شعوب القوقاز من عنفٍ ودمارٍ لا يُجارى.

وأخطأ الروس خامساً، عندما ورّطوا أنفسهم في تبني قضية الأسد شخصياً والمبالغة في الدفاع عن بقائه في الحكم، وحقه في الترشح لأي انتخاباتٍ رئاسيةٍ قادمة، وتبرئته من التهم التي كبّلته بها المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية، ولجان التحقيق الأممية، بما في ذلك استخدام السلاح الكيميائي، متحدّين بذلك مشاعر ملايين السوريين الذين فقدوا أبناءهم، وقضى الأسد على مستقبلهم، وخرّب وطنهم.

وسيخطئ الروس سادساً وأخيراً إذا اعتقدوا أن الأمر قد استتبّ لهم في سورية، وأن شعبها فقد نوابض المقاومة والقوة، أو أن العالم سحب يده منها، وسلّم بسيطرة روسيا وإيران عليها، أو قبل بتقاسمها بين القوى الإقليمية. ولعل بوادر الحرب المعلنة على الوجود الإيراني المليشياتي في سورية، منذ أسابيع فقط، تظهر هشاشة التموضع الروسي في الشرق الأوسط أيضاً، في غياب قوة برية مستقلة، على الرغم من المواقع الجديدة التي نجحت روسيا في كسبها.

ولا يوجد شكٌّ في أن خشية موسكو من تقويض الغرب الموقع الاستثنائي الذي احتلته في هذه المنطقة هو الذي يدفعها إلى الاستعجال في فرض تسويةٍ سياسيةٍ بأسرع وقت، تضمن بقاءها في المستقبل. كان هذا هو الدافع للاستعجال في الدعوة إلى مؤتمر الشعوب، ثم الشعب السوري، الذي أعلن عنه أولاً في حميميم، ثم نُقل باسم الحوار الوطني السوري إلى سوتشي في 30 يناير/ كانون الثاني 2018، وسبّب ولادته ميّتاً أيضاً، بعد رفض أطراف المعارضة الرئيسية حضوره والمشاركة فيه. وهذا هو السبب، أخيراً، في استعجال الروس حسم مسألة إدلب التي تلخص اليوم التراجيديا السورية بكل أبعادها، ولا تريد أن ترى مشكلة فيها، ولا مصير أربع ملايين إنسان، نصفهم من المهجّرين والمنكوبين بسببها، إلا من زاوية الحرب على الإرهاب، في الوقت الذي لم تبذل روسيا فيه أي جهدٍ حقيقيٍّ لمحاربة المنظمات المتطرّفة، ووجهت كل قوتها العسكرية ومناورتها السياسية للقضاء على فصائل المقاومة المعتدلة السورية.

وستفشل المبادرات الروسية القادمة جميعاً أيضاً، إذا استمر الروس في حصر تفكيرهم في القضية السورية في هذه الزاوية، وعلى هذا المنوال. فلم يقدّم الشعب السوري مليون ضحية 

"لم يفهم الروس معنى تطلعات الشعب وحقوقه، وأرادوا إقناعنا بأن الغرب هو المسؤول عن كل شرور العالم" وملايين المشرّدين واللاجئين وعشرات بل مئات المدن المدمّرة والمسوّاة بالأرض، من أجل أن "يزيّن" بعض المعارضين، كما يتوّهم القادة الروس، مهما كانت مواهب هؤلاء ومقدّراتهم وتاريخهم، حكومةً جديدةً للأسد، لن تكون سوى حكومة إدارة الكراهية والحقد والانتقام من الشعب السوري الذي انتفض على نظامٍ لم يتوقّف عن تدمير شروط حياته، واستعباده، وتحول في الحرب إلى عصابةٍ تعمل لحساب من يموّلها. لقد قدّم السوريون شهداءهم من أجل أن يسترجع كل سوري، صغيراً أو كبيراً، مسلماً أو غير مسلم، عربياً أو كردياً أو غيرهما، فقيراً أو غنياً، حاكماً أو محكوماً، كرامته، أي أن يكون سيداً، حرّاً، ولياً على أمره، حياً بضميره، ومشاركاً في تقرير مصير وطنه. أي أيضاً من أجل أن يكون للسوريين وطن، ولا تكون سورية مزرعة لأحد، لا للأسد وجلاوزته ومخابراته، ولا للروس، ولا لغيرهم مهما كانوا. وجوهر الكرامة وقوامها هو الاعتراف المتبادل والاحترام المتساوي، للذات والآخر.

بسياستها التصفوية الراهنة، لا تجرّد الدبلوماسية الروسية المعارضة من احترامها نفسها واحترام شعبها لها فحسب، وإنما تهين جميع السوريين الذين تتعامل معهم، كما لو أنهم لا يزالون في المزرعة العبودية ذاتها التي يحاول الأسد، بحرب الإبادة والدمار الشامل، منذ سبع سنوات، إعادتهم المستحيلة إليها.

لهذه الأسباب، فشلت روسيا في سورية، ولا يمكن لها إلا أن تفشل. بدل أن تكون صانعة سلام، كما أرادت، وتستعيد صدقيّتها على ساحة السياسة الدولية، ها هي تغرق أكثر في مستنقع الدم والبؤس والدمار الذي صنعته بيديها، ولا تزال ترفض أن تخرج منه. ولن يفيد فشلها للأسف أحداً، ولكنه، بمقدار ما يقود سورية إلى الاستيطان في النزاع والحرب، سوف يزيد من عذابات شعبها وآلامه، ويفرض عليه الاستعداد لحرب جديدة ومعقدة ثانية، من أجل حقوقٍ أساسيةٍ، تحصل عليها الشعوب اليوم من دون نقاش. تلك هي مشكلتنا مع روسيا وخياراتها.

==========================

موقفنا : أيها المستمتعون بالخدر اللذيذ ادعموا الموقف التركي في إدلب برفضه والاعتراض عليه

زهير سالم

١٥/٩/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

حين أفكر في تشخيص حال قياداتنا السورية المعارضة الباسلة المظفرة ، مثل كل القيادات العربية ، لا أعرف لماذا تُلِّح علي كثيرا التعبيرات الفرويدية بما فيها من دلالة عميقة مرتبطة بالعالم المؤسس لكينونة الإنسان . وكثيرا ما أستطيع أن أكبت هذه التعابير والصور ، مع معرفتي بكل ما يسببه الكبت ، من مخاطر ، وما يتركه من آثار . وأحيانا تفرض بعض التعابير نفسها علي فلا أملك إلا البوح بها لأنها تشكل في مقامها البيان الأوضح عما آلِ إليه حال الناس اليوم وحال من استنعموا سدة القرار فناموا عليها خدرين .

في مجتمعنا القديم كان الجد يصر على ان يعقد أو يزوج حفيده ابن السابعة لحفيدته ابنة الخامسة ثم يجمعون الحفيدين ابني العم في خلوة واحدة وفِي فراش واحد ويتركون لخيالك أن ينتظر من أمر القيادات المعارضة ماذا يكون ...

وأعود إلى الحديث عن خبر الوثيقة الصادرة عن المجموعة الدولية المصغرة بشأن المستقبل السوري وبشأن إدلب لأقول : لقد بذلت الدبلوماسية التركية جهدها أولا لتزج قوة جديدة في المشهد السوري تحد من تفرد وطغيان الدور الروسي ، فكانت هذه المجموعة الدولية المصغرة التي غاب عنها للأسف العديد من الدول التي تزعم أنها داعمة لحقوق الشعب السوري وأنها متمسكة بالدفاع عن حقوقه . تشكيل هذه المجموعة ، الذي كان غاية الجهد، بحد ذاته إنجاز ، ولقاء هذه المجموعة في هذا الظرف الصعب إنجاز آخر ، وفِي الوثيقة الواهنة المترنحة التي صدرت عنها محاولة لإنجاز لم تكتمل ولم توّف بالغرض ، ومن يقرأ سياسيا تصريحات السياسيين الأتراك يعلم أنهم غير راضين عنها ، ولكنها القليل الذي قدروا عليه في ظرف يجعل الحاجة إلى مثلها ضرورة .

إن استكمال دور الفريق يقتضي من حارس المرمى النائم على قائمة العارضة و الذي تمثله قيادات المعارضة السورية ، أن تشكر الدور التركي في السر وأن ترفع الصوت في الاعتراض على الوثيقة ورفضها والتنديد بها . هذا يسمونه في علم السياسة عمل الفريق.

بالامس بعد أن كتبت أسطرا قليلة في رفض الوثيقة والاعتراض عليها أرسل إلي بعضهم عن أي وثيقة تتحدث

ورحم الله معروف الرصافي :

ناموا ولا تستيقظوا ... ما فاز إلا النوم

ـــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

النتائج المتوقعة من القمة الثلاثية في طهران

أكرم البني

الشرق الاوسط

الجمعة 7/9/2018

لا يصعب استنتاج أن قمة طهران التي ستجمع قادة روسيا وإيران وتركيا إنما تنعقد تحت وطأة إصرار موسكو على تسريع خطوات تفردها في تقرير المصير السوري، والذي يصطدم مع مرامي حكومتي أنقرة وطهران ومصالحهما؛ خاصة أنها باتت تدرك أن الغرق لأمد طويل في الوضع السوري الراهن، ربطاً بتعقيداته وتعدد الأطراف المؤثرة فيه، يجعلها عالقة في مستنقع استنزاف، تغدو معه الثمار التي كانت تتوخى قطفها من تدخلها العسكري، مرة ومريرة.

ومثلما تتطلع قيادة الكرملين لتوظيف القمة كفرصة جديدة لاختبار قدرتها على تنفيذ المهمة الملقاة على عاتقها، بتحجيم نفوذ إيران في سوريا، بعد أن نجحت في إبعادها عسكرياً عن خط الحدود مع إسرائيل، تتطلع أيضاً لانتزاع قرار يطلق رصاصة الرحمة على خطة خفض التصعيد التي أقرتها الدول الثلاث في آستانة، إنْ لجهة التسليم بالحروب التي شنت على مناطق شملتها الخطة: أرياف حمص، والغوطة الشرقية، ودرعا والقنيطرة، وفرضت تباعاً مصالحات نقل بموجبها الكم الأكبر من الجماعات المسلحة إلى شمال البلاد، وإنْ لجهة منح الضوء الأخضر لقوات النظام والميليشيات الموالية لاجتياح مدينة إدلب، بصفتها آخر تلك المناطق، مستقوية بموقف دولي بغيض، علا صراخه محذراً من كارثة إنسانية؛ لكنه اكتفى بتحريم السلاح الكيماوي، ليبيح ضمناً استخدام كل وسائل الفتك والتدمير الأخرى.

وتأمل موسكو في أن يشكل الرسم الجديد لطابع نفوذ القوى الإقليمية وتوازناتها في سوريا، وتالياً إظهار نفسها كلاعب مقرر وحاسم، حافزاً يقنع الأميركيين بالدخول في مساومة واسعة تشمل مختلف بؤر التوتر في العالم، وتالياً تخفيف تحفظات الأوروبيين ومخاوفهم، وتشجيعهم على القبول بالوضع السياسي القائم، والمساهمة في إعادة الإعمار لحض اللاجئين على العودة.

في المقابل تقف حكومة أنقرة مربكة وعاجزة، فاعتراضها غير مجدٍ على العملية العسكرية التي يحضّر لها في إدلب، ما دامت تتوافق مع حاجات روسيا وإيران، وتتم في مواجهة قوى التطرف الجهادي، وما دامت قد فشلت في إقناع «جبهة تحرير الشام» (النصرة) بحل نفسها والاندماج مع الفصائل الإسلامية التي توصف بالمعتدلة، فكيف الحال مع احتمال أن يفضي طول أمد المعركة وشدة القصف والتدمير إلى نزوح جديد وواسع إلى أراضيها، سيعمق المشكلات التي يعانيها اقتصادها جراء العقوبات الأميركية، والتدهور المتسارع لسعر صرف الليرة التركية.

ولعل سقف طموحات أنقرة أن تنجح في إقناع المجتمعين في طهران بتأجيل خيار الحسم العسكري، ومنحها مزيداً من الوقت للتعاطي مع مكونات المعارضة المسلحة في إدلب وأريافها، بما يمكنها من حشد طيف واسع من الجماعات المعتدلة ضد القوى الجهادية، ليبدو التوقيت التركي بإدراج «جبهة النصرة» في قائمة الإرهاب أشبه برسالة موجهة إلى روسيا، تؤكد فيها أنقرة صدقيتها وجديتها في مواجهة التطرف الإسلاموي، وتالياً حرصها، الذي يوازي حرص موسكو، على استمرار التحالف والتنسيق بينهما، والذي قد يتعرض للتفكك في حال الإصرار على اجتياح إدلب، ولا يضعف هذه الحقيقة تعزيز وجودها العسكري عند بعض خطوط التماس، وإذا كان ثمة تنازل قد تكره عليه القيادة التركية، فهو القبول بعمليات عسكرية محدودة لقوات النظام في ريف إدلب، تساعدها على الفرز وتغذية الانشقاقات التي بدأت تظهر في صفوف «النصرة» والضغط على قيادتها كي تعيد النظر في مواقفها، يحدوها تمتين التواطؤ مع القيادة الروسية، لتأجيل إخضاع عفرين للسلطة السورية، حتى يتم استكمال حملة ما يسمى تعريب المدينة وتطهيرها من الوجود الكردي، وتطوير التعاون معها لتحجيم «قوات سوريا الديمقراطية» التي تدعمها واشنطن، ومحاصرة تمددها في شمال وشرق البلاد.

أما النظام الإيراني، ورغم عنجهية تصريحاته، فإنه يبدو أكثر استعداداً اليوم للاستجابة لإملاءات موسكو، خاصة بعد إعلان الأخيرة عجزها عن تأدية التزاماتها بإقناعه بسحب قواته العسكرية والميليشيا الموالية له من سوريا، ما فتح الباب على مزيد من التصعيد الأميركي والإسرائيلي، اقتصادياً وعسكرياً، ضده، وأحد وجوهه الغارات التي شنت منذ أيام على مطار المزة العسكري، ومجمع البحوث العلمية في جمرايا، ثم مراكز وجود الحرس الثوري في طرطوس ومصياف، محفوفة بصمت موسكو وقواعد الدفاع الجوي التي تديرها. وإذا كان ثمة ما يمكن أن تناور عليه حكومة طهران فهو تمرير الحاجة لاستمرار قواتها وميليشياتها في البلاد، تحت عنوان الحرب على التطرف، الذي تمثله «جبهة النصرة» في إدلب، ربطاً بتسخير ماكينتها المالية لتعزيز تغلغلها المدني والاقتصادي في المجتمع السوري، والأهم توظيف اتفاق إعادة تأهيل الجيش الذي عقدته مؤخراً مع سلطة دمشق، لتمويه وشرعنة استمرار حضورها العسكري.

والحال، ورغم التباينات في المصالح والحسابات بين أطراف قمة طهران الثلاثة، ثمة دوافع مشتركة للحفاظ على تحالفهم ولإظهار تكاتفهم؛ أولها، العداء لواشنطن، إنْ في مواجهة ما يشاع عن بقاء القوات الأميركية في سوريا لمواصلة الحرب على تنظيم «داعش» ولمراقبة الوجود الإيراني والتمدد التركي، وإنْ في مواجهة تداعيات العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية، التي تتصاعد، وإنْ بدرجات متفاوتة، ضد الدول الثلاث، وبدأت تخلف مشكلات وأزمات بعضها صار مستعصياً على الحل، وقد يفضي في حالتي إيران وتركيا إلى ردود فعل داخلية لا تحمد، وثانيها، تسويغ وحماية نهجهم المشترك في ضمان السيطرة عبر أساليب القوة والقهر والإكراه، وعبر تهربهم من مسؤوليتهم عن الأزمات التي تعانيها مجتمعاتهم، والاستهتار بوسائل معالجتها الداخلية، والالتفاف عليها بافتعال صراعات خارجية لتحسين النفوذ الإقليمي، دون الأخذ في الاعتبار أن الحروب الخارجية وشهية التوسع والاستئثار لن تجديا نفعاً على المدى البعيد، وخاصة إنْ صارتا نهجاً، وغالباً ما تفضيان إلى عكس الأهداف المتوخاة، وتدفعان الأمور إلى درك مدمر، والدرس ما حل بالاتحاد السوفياتي بعد أن راهن على التفوق العسكري في تحصيل نفوذه العالمي، ثم بالولايات المتحدة بعد حربيها في أفغانستان والعراق، لتؤكد الوقائع الدامغة والمؤلمة، أنه ليس بالقدرة العسكرية وحدها تبنى المجتمعات القوية؛ بل بمحصلة مختلف الوجوه التنموية، وتالياً بحكومات راشدة وزعامات مؤهلة لاحترام حريات الناس وضمان حقوقهم، ولمعالجة أزمات مجتمعاتها من الجذور والنهوض بها، سياسياً واقتصادياً وعلمياً وثقافياً.

==========================

نهاية "أستانة"

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 8/9/2018

حسب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سيشهد عامنا الحالي نهاية الجانب العسكري من الصراع في سورية، وانتفاء الحاجة إلى ما اختلقته الدبلوماسية الروسية بموافقة (أو تغاضي) واشنطن من مسارات بديلة لمسار جنيف، مثل أستانة وسوتشي، وتركيز المجتمع الدولي على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، باعتباره مرجعية لحل سياسي، يتم بمشاركة واشنطن.

وبما أن نص اتفاقيات خفض التصعيد اعتبرها جزءا من هذا الحل الدولي، وقرّر إبقاء مناطقه خارج سيطرة الأسدية إلى أن تبدأ مفاوضات السلام، فإن بقاء منطقة الخفض في الشمال السوري تحت إشراف إدارة حرّة منتخبة من سكانها، وفتح الطرق الدولية الموجودة بإشراف روسي/ تركي، انطلاقا من مواقع محدّدة كمدينة جسر الشغور، يعني موافقة روسيا على عدم عودة مليشيا النظام إلى كل شبر من الأرض السورية، وانتفاء حقها في مهاجمة المناطق المشمولة بالاتفاقيات، لإرضاء الأسد ووليد المعلم الذي أعلن، من موسكو، وصول نظامه إلى المرحلة الأخيرة من تحرير الأرض السورية. وللعلم، لا يقصد المعلم أرض هضبة الجولان السورية المحتلة التي سلمها االأسد الأب لاسرائيل قبل واحد وخمسين عاما، ولم تطلق رصاصة واحدة منها ضد إسرائيل منذ عام 1947، كما قال نتنياهو، في معرض ترحيبه بعودة مليشيا الأسد إلى حدوده، كما لا يقصد ما تحتله روسيا وإيران أو واشنطن من أرض سورية، وإنما تحرير الشمال من فصائل دافع معظمها عن السوريين ضد الإجرام الأسدي.

وكانت روسيا قد مرّرت مسار أستانة بالشراكة مع إيران وتركيا وموافقة ضمنية أميركية، على أن يهتم بالقضايا العسكرية وحدها، وحين تحدّث أحد مسؤوليها عن تحويله إلى مسار سياسي، قاطعته واشنطن، وكرّرت مواقفها من ضرورة احترام مناطق خفض التصعيد خارج النظام، والسماح لها بالاحتفاظ بقدراتها العسكرية وإدارة نفسها بنفسها، حسب نص الاتفاقيات. لكن روسيا التي تعهدت بالمحافظة علي المناطق، ما لبثت أن انقضّت عليها في الغوطة وريف حمص الشمالي ودمشق الجنوبي وسلمتها للأسد، في مخالفةٍ صريحةٍ لتعهدها، ثم تفاهمت مع إسرائيل على دخول مليشيا الأسد إلى حوران، وسط تحذيرات أميركية، سرعان ما تخلت واشنطن عنها بطلبٍ من تل أبيب، ومقابل تعهد روسي بإبعاد إيران مسافة تقارب المائة كيلومتر عن حدود فلسطين، وفتح بازار الوجود العسكري الإيراني في سورية، وموافقة موسكو غير المشروطة على فتح إسرائيل النار عليه، لتقويض ما هو موجود منه فيها.

باختتام الجزء الرئيس من الصراع العسكري، يفترض أنه لن يبقى لمداولات أستانة ما تبحثه، وإن تواصلت اللقاءات الروسية التركية الإيرانية بعض الوقت، بطلب من روسيا التي ربما كان في خططها الاستقواء بالدولتين خلال فترة صراعات الحل المقبلة وتجاذباتها، وخصوصا إذا ما تمسّك البيت الأبيض بما حدّده وزير دفاعه الجنرال ماتيس من أهداف تتصل بتطبيق القرار 2254، أهمها إقامة وضع انتقالي محايد لا يقوده الأسد، سيكون تحقيقه نقيض الحل الذي يكرّس سيطرة موسكو على سورية، من خلال الإبقاء على نظامها الحالي الذي غزا جيشها سورية قبل ثلاثة أعوام لإنقاذه، بينما أعلن بشار الأسد، في المقابل، قبوله استمرار الاحتلال البوتيني الأراضي السورية إلى فترة غير محدّدة!

بتطبيق القرار 2254، لن يبقى هناك من مبرّر لالتفاف روسيا على القرارات الدولية عوض تطبيقها، وسترى موسكو أن حلّها العسكري سيضعها أمام تعقيداتٍ لن يكون في وسعها تخطّيها بمفردها، كإعادة إعمار ما دمرته، وعودة من هجرتهم إلى ديارهم، والتمسّك بالأسدية، وفرض نفسها قوة احتلال يرفضها السوريون. عندئذ، ستدرك موسكو مرغمةً أن ما حققته بالحرب كان الجزء السهل من "مهمتها" السورية، وأن تحدّيات السلام هي العقبة الحقيقية التي ستحول بينها وبين جني ثمار عدوانها الأحمق على سورية وشعبها!

==========================

لماذا كرر الثوار العرب الخطيئة الأفغانية؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 8/9/2018

بعد أيام على انطلاق الربيع العربي في عدد من الدول العربية قبل أكثر من سبع سنوات، كتبت مقالاً حذرت فيه من تكرار المثال الأفغاني والصومالي، ووضعت أمام المنتفضين الخطايا التي وقع فيها الأفغان والصوماليون في انتفاضاتهم على الطغاة. وسأعيد الآن نشر المقال حرفياً ليس لأنني توقعت النتيجة الحاصلة في الكثير من بلاد الثورات الآن، بل لنتساءل: لماذا لا يتعلم العرب من التاريخ؟ لماذا يكررون الأخطاء نفسها مع أنها مازالت حية في الذاكرة؟ إلى نص المقال:

«لا شك أن التخلص من الطواغيت العرب وأنظمتهم العفنة والحقيرة هدف عظيم للغاية. ولتعش الأيادي التي ساهمت وتساهم في دق المسمار الأخير في نعوشهم. لكن هناك هدفا آخر لا يقل أهمية وخطورة عن الهدف الأول، ألا وهو قيادة المرحلة التالية بعد سقوط الطغاة. فقد قدم لنا التاريخ أمثلة مرعبة يجب على الثوار العرب أجمعين التعلم منها وتجنبها وهم في بداية النتفاضاتهم بكل ما أوتوا من قوة وعقل كي لا يتحول الانتصار على الطغيان وبالاً على الشعوب.

لقد نجح المجاهدون الأفغان في يوم من الأيام في التخلص من نظام نجيب الله المرتزق الذي كان مجرد ألعوبة في أيدي السوفيات الأوغاد. لا بل تمكن المجاهدون أيضاً من كنس الاحتلال السوفياتي الغاشم نفسه إلى جهنم وبئس المصير. لكن الانتصار الأفغاني على السوفيات وأزلامهم لم يأت لأفغانستان بالمن والسلوى ولا بالتحرير الحقيقي. فما إن انتهى المجاهدون الأفغان من مهمة تنظيف البلاد من الاحتلال الداخلي والخارجي حتى راحوا يتقاتلون فيما بينهم على الغنائم.

لا شك أن الكثير منا يتذكر ما حل بأفغانستان بعد انتصار المجاهدين، فقد تحولت البلاد إلى ساحة حرب من أقصاها إلى أقصاها بين المجاهدين أنفسهم، مما أدى إلى الإمعان في تمزيق البلاد وزعزعة استقرارها وإفقارها وتحويل شعبها إلى لاجئين وجائعين.

فبدلاً من التكاتف للملمة جراح أفغانستان الغائرة وتوحيد الصفوف راح المجاهدون يذبحون بعضهم البعض من أجل الاستيلاء على السلطة، وكأنهم جاهدوا ليس لتحرير الوطن من ربقة المحتلين وأزلامهم، بل من أجل أن يحلوا محلهم في الجثم على صدور البلاد والعباد.

ومن كثرة ما عانى الأفغان من اقتتال المجاهدين فيما بينهم لم يكن لديهم أي مانع بعد طول عناء من القبول بديكتاتورية جديدة أشد وأنكى من ديكتاتورية الشيوعيين وأزلامهم، ألا وهي ديكتاتورية طالبان التي تمكنت من الانتصار على المجاهدين والفوز بحكم البلاد.

قد يجادل البعض بأن حركة طالبان كانت في وقتها أفضل حل لبلد أنهكته الحرب الأهلية. وربما يكونون على حق. لكن الشعب الأفغاني لم يقدم كل تلك التضحيات وقتها كي ينتقل من حضن الديكتاتورية الشيوعية إلى حضن ديكتاتورية دينية خانقة. ولو لم يتقاتل المجاهدون فيما بينهم لما أوصلوا السلطة إلى أيدي طالبان، ولما جعلوا أفغانستان مرتعاً للقاصي والداني كي يتدخل في شؤونها ويستغل معاناة أهلها. لا شك أننا نتذكر كيف أصبحت أفغانستان لاحقاً ساحة للاستخبارات الإقليمية والدولية والقوى المتصارعة على ذلك الجزء الحيوي جداً من العالم.

ولا ننسى الدرس الصومالي البشع، صحيح أن الشعب الصومالي استطاع التخلص من الطاغية سيئ الصيت محمد سياد بري، لكنه فشل بسبب احترابه الداخلي ونزاعه الدموي على السلطة فيما بعد في بناء صومال جديد أفضل من ذلك الذي كان يرزح تحت ربقة الطاغوت سياد بري.

ولو قارنا وضع الصومال في عهد الطاغية القديم بوضع البلاد بعده لرأينا حجم الدمار والانهيار اللذين حلا بالبلاد على مدى السنين الماضية. فقد أصبح الصومال مضرباً للأمثال في التشرذم والفشل والتفكك.

فبدل أن يبني الصوماليون دولة ديموقراطية حديثة بعد التخلص من بري أنتجوا دولة فاشلة بامتياز، لتصبح البلاد مرتعاً ليس فقط للعصابات المحلية المتقاتلة بل أيضاً للطامعين والعابثين بأمن واستقرار البلاد من خارج الحدود. ولا ننسى أن الفراغ السياسي يغري الخارج بالتدخل دائماً، لا سيما وأن الطبيعة نفسها لا تسمح بالفراغ.

ومما يجعل الكثير من بلادنا العربية الثائرة عرضة للأفغنة والصوملة أن حكامها «الأشاوس» لم يبنوا على مدى عقود دولاً حقيقية متماسكة، بل حولوها إلى مجرد تجمعات مفككة للملل والنحل والطوائف والأفخاذ والقبائل والعشائر التي لا تأمن جانب بعضها البعض. لقد حاول الطواغيت العرب ضرب مكونات البلاد ببعضها البعض على المبدأ الاستعماري الحقير: «فرّق تسد». فتلك هي الوسيلة الأفضل للطغاة العرب للسيطرة على الشعوب والتحكم برقابها.

بعبارة أخرى، ليس لدينا دول وطنية حقيقية في البلدان الثائرة بسبب غياب مبدأ المواطنة. وبالتالي، فإن بلداننا مرشحة للسقوط بسهولة في المستنقع الصومالي والأفغاني واليوغسلافي إذا ما سار الثوار العرب على النهج الأفغاني بعد سقوط الأنظمة الحالية.

وتلك ستكون أكبر هدية يقدمها الثوار للمستبدين الساقطين الذين سيكونون في غاية السعادة لتشرذم البلاد والعباد بعد سقوطهم. ولا ننسى أن الطواغيت العرب لا مانع لديهم أبداً، عندما يجدون أنفسهم محصورين في الزاوية، في تحويل بلدانهم إلى دويلات متناحرة، أو حتى الانفصال عن البلد الأم وتشكيل كيانات قبلية أو طائفية هزيلة.

لقد علمنا التاريخ أن الطغاة ربما يستطيعون بناء دول بالحديد والنار لفترة ما، كما فعل الرئيس اليوغسلافي السابق جوزيف بروس تيتو، لكن ما إن يرحل الديكتاتور أو يسقط حتى تعود البلاد إلى مكوناتها الأساسية.

وقد شاهدنا كيف تشرذم الاتحاد السوفياتي رغم قوته الجبارة، وكيف تفككت يوغسلافيا بعد تيتو إلى كيانات ودويلات متناحرة. ورأينا أيضاً كم كان سهلاً تفتيت العراق بعد رحيل الديكتاتورية. وما حل بالعراق وبيوغسلافيا ممكن أن يحل ببعض البلدان العربية ذات التنوع العرقي والطائفي والديني. لهذا على الثوار العرب أن يعملوا جاهدين على رص الصفوف بعد سقوط الطواغيت للحفاظ على النسيج الوطني وحماية الوحدات الوطنية المنهكة. بعبارة أخرى، عليهم أن يعوا الدرس الأفغاني واليوغسلافي والصومالي والسوفياتي والعراقي جيداً كي لا يقعوا في الحفرة نفسها.

ويجب على الثوار العرب أن لا ينسوا أيضاً أن هناك الكثير من القوى الإقليمية الطامعة بالمواقع الإستراتيجية للبلدان الثائرة، وهي مستعدة في أسرع وقت لمناصرة جماعة ضد أخرى لتتحول بلداننا إلى ساحات صراع كبرى تكون فيها الشعوب أكبر الخاسرين. فلا ننسى التنافس التركي والإيراني والإسرائيلي والأمريكي بطبيعة الحال على المنطقة.

وبالتالي، فإن منع التناحر بين الجماعات والمعارضات الثائرة والحيلولة دون الصراع على السلطة بعد نفوق الأنظمة الحالية أمر في غاية الأهمية كي لا نقول إننا استبدلنا قواداً بديُّوث».

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

رسالة سوري إلى العيد!

بقلم : يحيى حاج يحيى

كل عام وأنت بخير ، ونرجو أن تعذرنا لأ ننا لا نجد بين أنقاض بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا ومستشفياتنا مكاناً نستقبلك فيه !؟

عزيزنا العيد :

إذا كنت تحمل لنا لحم الأضاحي ، فإننا نقدم كل يوم ضحايا ، فاعذرنا عن قبولها ؛ فإ ننا لا نجد لها مساغاً في حلوقنا ! وربنا عز وجل جعل الأضاحي فداء لإسماعيل ( وفديناه بذبح عظيم )

أما نحن في الشام المبارك كأن ربنا جل جلاله جعل ضحايانا فداء لأمة ، ودفاعاً عن دين !

وإذا كنت أحضرت ثياب الفرح لأطفالنا ، فإنهم لم يعودوا يذكرون شيئا معروفاً بهذا الاسم !؟ فإن جراحاتهم تحتاج إلى لفائف قطن ، وقماش طبي !؟

وإذا كنت ستُذكرنا بصلة الرحم ، والتواصل مع الأهل والأقارب ، فسنعطيك أسماءهم ، ونكون شاكرين إن استطعت أن تعرف عناوينهم ، وكان بمقدورك أن تجمع أقل عدد منهم !؟

وإذا كنت تحمل طاقات الريحان لنا ، لنضعها على قبور أحبابنا ، فسنضعها في كل شارع وسوق ومدرسة وتقاطع طرق ، ونرجو ألّا تسألنا عن أسماء مٓن نضع ريحانك على قبورهم فكلهم أهلنا وأحبابنا ، فمامن قرية ولا بلدة ولا شارع ولا مزرعة إلا ثوى فيها شهيد !

عزيزنا العيد :

لا تتعجل بالمجيء إلينا فهناك عند كل منعطف ، وفي مدخل كل حي وقرية ومدينة حواجز تستوقفك !؟ حتى لو كنت من أهل القرية والحارة !؟

نرجو المعذرة إن كنت لم تجد لدينا مظاهر الفرح والزينة والبهجة ، فقد اكتفينا بالتكبير والتهليل ؛ لأ ننا نجد في ذلك سلوى لجراحنا ، وترويحا عن أحزاننا ،وانشراحاً في صدورنا ! وحسبنا الله ونعم الوكيل !

ولنا رجاء أن تحمل إلى العرب والمسلمين بطاقات تهنئة ، كتبتها أنامل أراملنا بدماء أطفالنا :

{ إذا كان موتنا سيكون حياة لكم ، فمرحباً بالموت على أن نظل واقفين - ونحن كذلك - وكأن الشاعر العربي كان يقصدنا حين قال :

فإن أكلوا لحمي وفرْتُ لحومٓهم - وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجداً !

والمجد  لشامنا الجريح المصابر المجاهد ، والعار لمن يخذل أخاه وهو قادر على نصره !؟

===========================

لماذا يعترض السوريون على دي ميستورا؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 8/9/2018

كان من اللافت للنظر في مظاهرات الشمال السوري الأخيرة، التي نظمت في مواجهة احتمال الحرب على إدلب، أن خص المتظاهرون المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا ببعض هتافاتهم، كما خصوه ببعض اللافتات، التي رفعوها، وفي الحالتين اعترضوا على سياساته، كما انتقدوا تصريحاته، لا سيما تصريحه بإمكانية حضوره إلى إدلب لتأمين ما سماه «الممر الإنساني» لإخراج سكان إدلب البالغ عددهم قرابة أربعة ملايين نسمة إلى «منطقة آمنة» قبل اندلاع الحرب التي ينوي نظام الأسد بدعم روسي - إيراني شنها، متجاهلاً ما يقوم به النظام من إرهاب في تعامله مع سكان المناطق الخارجة عن سيطرته من قتل واعتقال، واعتبر بعض المشاركين في مظاهرات إدلب، أن تصريح دي ميستورا، مشاركة غير معلنة في الحرب المحتملة على إدلب، والعمل على إفراغ المنطقة من سكانها، وتشجيع النظام وحلفائه على المضي في حربهم هناك.

وللحق فإن موقف المتظاهرين من المبعوث الدولي في إدلب، لا يمثل سابقة في موقف السوريين منه، إنما هو موقف تكرر كثيراً في السنوات الأربع الماضية، التي أمضاها دي ميستورا حتى الآن في موقعه مبعوثاً للأمم المتحدة في سوريا، بل إن فعاليات سورية سياسية ومدنية وكتاباً سوريين، طالبوا مرات بإقالته، وتعيين بديل له بسبب ما يعتبرونه «خروجاً» عن مهمته كوسيط دولي، وانحيازه إلى جانب نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين في الصراع السوري.

وبطبيعة الحال، فإن عمومية موقف السوريين من دي ميستورا، تستند إلى تفاصيل في مسار الرجل وتعامله مع القضية السورية، لا سيما في الملفات الرئيسية فيها. وإذا كانت العملية السياسية، هي الأهم في الملفات، فإن دي ميستورا، لم يحقق أي تقدم فيها منذ توليه مهمته في يوليو (تموز) 2014، بل ساهم في تراجع الإجماع الدولي على مسار جنيف وأساسه بيان جنيف لعام 2012 وما لحقه من قرارات دولية. وتجاوز ما سبق إلى طرح مبادرات غير ذات جدوى، كما في مبادرته حول الهدنة في حلب عام 2014، التي أدت إلى ارتباكات في صفوف المعارضة، وزاد عليها لاحقاً تحوله إلى مسايرة النظام ومحاباة الموقف الروسي بعد تدخل موسكو العسكري في سوريا أواخر عام 2015، ودعمه سياسة روسيا، سواء في مسار آستانة أو في مؤتمر سوتشي اللذين يعكسان مساراً مختلفاً عن مسار جنيف، وقد تبنى في واحدة من خطواته المطلب الروسي في موضوع دستور سوري جديد، مما يقزم القضية السورية بعد ثماني سنوات من حرب كلفت السوريين مليون قتيل وملايين الجرحى والمصابين، وأكثر من ستة ملايين لاجئ موزعين في العالم.

ويأخذ السوريون على دي ميستورا وفريقه إهماله لقضية المعتقلين والمختفين قسراً في سجون النظام، وقد قتل منهم أكثر من عشرين ألفاً تحت التعذيب، وامتناعه عن إدانة استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي ضد المدنيين لأكثر من مائتي مرة، حسب ما أوردته تقارير سورية، وأثبتت كثيراً منها تقارير دولية موثقة، وكله يضاف إلى مشاركة فريق دي ميستورا بمفاوضات تحت القوة والحصار، أدت إلى ترحيل قسري لمدنيين سوريين من أماكن سكناهم، كما حدث في مفاوضات تبادل سكان الزبداني وكفريا والفوعة عام 2015 بما تعنيه من تغيير ديموغرافي، يصفه القانون الدولي بـ«الجريمة».

وثمة نقطة أخرى تتعلق بموقف دي ميستورا من المعارضة السورية، وهي الطرف الموازي للنظام في المفاوضات حول الحل السوري، وتركز جهد المبعوث الدولي في هذه النقطة على إضعاف دور المعارضة، ليس فقط عبر إضعاف دور كيانها الرئيسي ممثلاً بالائتلاف السوري الحائز اعترافاً دولياً واسعاً، بل في السعي إلى خلق أطر أخرى من قوى مصطنعة، كما حال منصة موسكو، التي صنعتها روسيا، وأخرى موالية لنظام الأسد، وقد تجاوز الأمر ذلك للسعي نحو توليد كيانات تمثل المجتمع المدني لإشراكها في مفاوضات مع النظام، كان من الواضح أنها لن تُعقَد، الأمر الذي كان يعني تشتيت المعارضة واستنزافها في موضوعات غير ذات جدوى ولا فائدة منها.

ويتبادل السوريون معلومات حول فريق دي ميستورا المعاون من العرب والأجانب وثيقي الصلة والارتباط المباشر وغير المباشر بنظام الأسد وحلفائه الروس، ويقارنون بين سياسة الرجل، التي يصفونها بأنها «إدارة للأزمة»، وسياسة سابقيه من مبعوثي الأمم المتحدة إلى سوريا كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي على التوالي، وكان همهما معالجة القضية السورية، وعندما عجزا، بادرا إلى إنهاء مهمتهما، فيما يصر دي ميستورا على الاستمرار في مهمته، رغم مطالبات سورية له بالاستقالة، وللأمين العام بإقالته، وهذا ما تضمنه بيان أصدرته مجموعة من منظمات المجتمع المدني في سوريا، وطالب به الكثير من الكتاب والسياسيين السوريين، بعد تصريحات دي ميستورا الأخيرة حول الحرب المحتملة على إدلب.

ويستعيد السوريون في هذه الأيام، تصريح الأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كي مون عشية تعيين ستيفان دي ميستورا لمهمة المبعوث الخاص وقوله إن «المبعوث الخاص سيوظف نواياه الحسنة من أجل وضع نهاية للعنف وانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا والدفع باتجاه التوصل إلى حل سلمي للأزمة السورية»، ويؤكدون أن مسيرة الرجل في سنواته الأربع السابقة، لم تتطابق مع ما كلف لإنجازه.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com