العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-12-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

التطبيع مع الأسد.. مقدمة للتطويع

نزار السهلي

سوريا تي في

الخميس 12/12/2019

التطبيع مصطلح ومفهوم سياسي، يعني جعل العلاقة طبيعية بين بلدين بعد توتر وقطيعة عبر خطوات تدريجية أو دفعة واحدة، أخذ عمقه في العالم العربي كمفهوم في أعقاب النكبة الفلسطينية عام 1948، ويمكن تعريف التطبيع المتداول عربياً، بأنه غطاء النكبة والجرائم ليصبح الأمر مألوفا ومبررا، والتطبيع السياسي والاقتصادي هو الثوب الواسع الذي يُلبس للجرائم، ثم يأتي دور التطبيع الثقافي لعملية تطويع العقل، للقبول بحق المحتل والطاغية والمستبد بارتكاب الجرائم تحت ذرائع مختلفة وأساطير منها دينية، أو شعاراتية وأيديولوجية.م

هناك أمثلة كثيرة في التاريخ العربي والفلسطيني لتجسيد التطبيع تناولها الباحثون وأصحاب الرأي، لكن خلال العقود الماضية من الصراع مع الاحتلال، تم إضعاف جبهة مقاومة التطبيع بعد كامب ديفيد 1978، بشكل رسمي عبر معاهدات سرية وعلنية مع الاحتلال خصوصاً بعد اتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية 1993، واتفاق وادي عربة مع الأردن 1995 إلى اليوم الذي نشهد فيه هرولة غير مسبوقة لدعم عدو الشعب الفلسطيني والإشادة بجرائمه على الأرض والبشر.

حتى حركة المقاطعة الدولية "بي دي إس" التي أسست في العام 2005، لسحب استثمارات الاحتلال وممارسة الضغط الاقتصادي عليه، والدعوة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، تأثرت بضعف المقاطعة العربية، خصوصا في العقد الأخير، وأثناء اندلاع الثورات العربية، تحول الاهتمام لشؤون أخرى لا تقل أهمية عن جوهر المقاطعة وأسبابها.

مقدمة التطويع الأسد نموذجاً

خلال السنوات التسعة الماضية، جرت كوارث لا تقل عن تلك التي حدثت قبل سبعة عقود، لا من حيث الجرائم وآثارها فقط  والتي ينشط تيار دعوة إعادة التطبيع مع أنظمة مارست مذابح ونكبات للتغطية عليها، بل أصبح مألوفاً أن يرتكب سفاح مثل الأسد جرائم متعاظمة حولت ملايين السوريين لضحايا، وأن تتوالى مقدمات التطبيع مع نظامه بشكل متوازٍ مع تلك التي يجتهد المهرولون نحو العدو  لتحقيقها، يظن هؤلاء من المنتمين إلى وعي آخر وزمن آخر، وإلى لغة أخرى، أن السوري والفلسطيني والإنسان العربي، سيكتفي بحصته من القهر والدمار والظلم والقتل، وأنه سيعود لتلك الجدران التي حاصرت وعيه دون أن يطور حده الأدنى من الرد على الحد الأقصى من فاجعته.

أمام أكداس من التفاصيل، وربطها مع بعضها بعضاً، يثار العقل حول انهيار مقاومة التطبيع رسمياً، ولا معنى للربط إن لم يقترن مع الزحف المتزايد نحو "قصر الأسد" لمدحه ومكافأته على جرائمه، وبين الرسائل والاتفاقات السرية والعلنية

ما حدث للسوريين، وما يحدث من غمز ولمز وزيارات للأسد ودعوات للتطبيع معه، هو محصلة انعطاف الأخلاق والضمائر، لا السفارات ولا التسهيلات المالية والعسكرية

مع الاحتلال، يحصل الطاغية والمحتل على صك البراءة والثناء على فعلته كي يرتبط الجميع بعربة واحدة، تجر خلفها المقطورين لتهنئة الأسد بعصاباته والمحتل بما أنجز، لا اختلاف بين سكة التطبيع نحو قصر الأسد أو تل أبيب، وقد باتا عنوانين لنكبة العصر ولم تعد هنالك حاجة للبرهنة عليهما.

ما حدث للسوريين، وما يحدث من غمز ولمز وزيارات للأسد ودعوات للتطبيع معه، هو محصلة انعطاف الأخلاق والضمائر، لا السفارات ولا التسهيلات المالية والعسكرية ولا كل الكلام والشعارات  باستطاعتها  نزع ما ثبت في العقل والقلب، فإذا تجاوزنا مظاهر البكاء والتعاطف التقليدي مع ضحايا الطاغية والمحتل، واستحضر السوريون الذكريات الحقيرة التي أقامها الأسد في وطنهم، أدركنا معنى أن يبتهل "رجل دين" من أرضه المحتلة ليبارك جرائم الأسد وإنجازاته، وأن يتقاطر نقابيون وسياسيون عرب، ونخب مختلفة،  بنداءات تطالب حكوماتها بدعم الأسد لتوطيد سيطرته وتقديم الدعم والإسناد له.

التطبيع مع الأسد، عربياً وغربياً، وإلباسه ثوب "النصر والسيطرة"، هو تزيين مزيف لن يطوع عقول السوريين ولن ينقذ الأسد، صحيح أن الواقع الرسمي العربي لم يزل يقدم تعابير بائسة في حالة تضامنه القمعي والتطبيع الأمني، ورواية الرد على الشوارع العربية الثائرة، لكن تبقى إغراءات التطبيع مع الأسد الحجة الأقوى لتمرير تطبيع موازٍ مع المحتل، وحجة أقوى لجهة فرض القمع الاضطهاد على مجتمعات أخرى.

أخيراً، التطبيع مع الأسد له ملمس خاص، غير منفصل عن الحبور والسعادة التي يبديها المحتل مع كل إنجازات الأسد، خصوصاً تلك التي لم يكن بمقدوره إحداثها في مجتمع السوريين، لكن من قال "إن الكبار سيموتون والصغار سينسون" يدرك أي فشل أصيب به رهانه ومن يعتقد أن عقل السوري أقل وعياً من حفظ تفاصيل نكبته وتوريثها لأجيال قادمة سيفشل أيضا في رهانه لأسباب ستبقى محفوظة عند ملايين المقهورين.

===========================

موقفنا : في الجريمة والمجرم والهوية ..!!!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

15/ 12/ 2019

من أبشع صور التمييز العنصري التي ما تزال سائدة في مجتمع الحداثة المعاصر وعلى كل مربعات الإيديولوجيا والجغرافيا .. التعامل مع الجريمة حسب هوية المجرم أو هوية الضحية . فجناية قوم ولو شرذمة منهم تعقد له المؤتمرات ، والاعتداء على قوم أو على الآحاد منهم تحرك له البوارج والأساطيل ...

الجريمة التي يرتكبها "مسلم" ولو بالانتماء هي عند قوم "الإرهاب" الذي يجب أن يحارب ويواجه وتجفف منابعه وتقطع أطرافه ..

والجريمة التي يرتكبها " يهودي " عند آخرين هي الجريمة لا جريمة فوقها ولا تحتها ، وهي الجريمة التي يمكن أن تُغفر جميع جرائم أهل الأرض مهما عظمت للتصدي لها ومواجهتها ..

في ميزان الحق والعدل الذي ورثنا لا تقاس الجريمة لا بهوية مجرم ولا بهوية ضحية . وكل ما يميل هنا أو هناك هو من العنصرية البغيضة التي هدرها الإسلام ، وجعل الرسول الكريم مآثرها تحت قدميه يوم حجة الوداع .

يذكرنا الرسول الكريم بالموقف العنصري المختل من جريمة " الشريف " وجريمة " الضعيف " على المستوى الفردي في واقعة المخزومية التي سرقت . ففي حديث عائشة رضي الله عنها يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوم أهم الناس أمر المخزومية التي سرقت ": إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها "

ميزان العدل المطلق يقيمه نبي العدل الخاتم وما بعد كلام رسول الله كلام. بل ما بعده إلا زخرف من القول وغرور .

ومن آفاق هذا الحديث أنه يخبرنا أن هذه الصورة القاتمة من التمييز العنصري البغيض كانت سائدة في الأمم والملل وعند أبناء الحضارات قبلنا .. ويبدو مع الأسف أنها ما تزال سائدة عند أتباع الملل والنحل بمن فيهم الأتباع إلى جحر الضب الذي علمنا . وعلى الرغم من التحذير والتمثيل النبوي الشريف : "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها" فما تزال الدعوى فيمن يدعي !!

في الفقه الذي قرره الإسلام ، وعلمنا إياه محمد رسول الله ، حين توضع الجريمة في ميزان العدل والجزاء يجب أن تتوارى الهوية ، وتتوارى الأسماء والمسميات والكنى والألقاب . فلا يكنى علي بن أبي طالب "بأبي الحسن " ولكن يواجه في ساحة القضاء شامير ، أو مناحيم أو شارون أو بنيامين ..!!

توزن الجرائم في الإسلام بميزان ذري وبغض النظر عن مرتكبيها : ( وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) و" من " هاهنا غارقة في التنكير والتعميم . ولا تغفر للمجرم جريمته أنه ابن حارتنا أو قريتنا أو عشيرتنا أو ملتنا ..وهذا هو الحق والعدل وما عداه الجريمة والظلم .

ويزيدنا القرآن الكريم في هذا الباب توكيدا وتعليما وتحذيرا بقوله تعالى " إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا "

نهي مباشر موجه لشخص الرسول الكريم أن ينصب نفسه مدافعا عمن خان وظلم وإن كان هذا الظالم في ظاهره مسلما وإن كان المظلوم غيره ... أي غير المسلم مهما تعدد الدين واختلفت النحلة .

وقصة بني أبيرق مشهورة في كتب التفسير ، أفاض فيها المفسرون عن سبق موقف من الرسول الكريم لاتهام يهودي في الدفاع عمن ظاهره الإسلام وهو سارق وخائن .

يقول العلماء : ويؤخذ من هذه الآية حرمة قبول وكالة الظنين الظالم والدفاع عنه . والخصيم في قوله ( خَصِيمًا ) هو من نسميه في هذا العصر " المحامي " يعلم ظلم موكله وجنايته وخيانته ثم يجادل عنه أي يترافع أمام المحاكم عنه .. أو أمام ضمائر العوام الغفل الذين تدب إليهم الحمية ، وينقادون للعصبية .

في الجرائم الجماعية يبقى الإثم والجريرة أعظم . في الطاغية يقع في الملايين من الناس تقتيلا وتعذيبا لا يعف عن امرأة ولا يرحم طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ، ثم تجد من يخاصم عنه لأنه ابن الحي -زعموا- أو ابن العشيرة أو ابن الملة المنحولة المدعاة ..

وإنما يوزن المجرمون – في ميزان الإسلام - بجرائمهم لا بمللهم ونحلهم وأقوامهم ومنابتهم . والذين يجادلون عن مجرمي العرب اليوم ، تحت أي راية وشعار هم شركاؤهم ، بل هم منهم وبعض وأدواتهم ..

حقائق تعلمناها وعلمناها وما كُذبنا ولا كَذبنا ..ونقول لكل المجادلين عن الجريمة والمجرمين ...

إن الله ليقتص من الشاة القرناء للشاة الجماء . أفتراه – سبحانه – تهون عليه دماء ملايين السوريين ، وعذاباتهم وتضحياتهم فيهدرها كما تهدورنها ، ويستهين بها كما تستهينون بها ..

ونقول للمجادلين عن الطغاة العرب وللمجادلين عن المجادلين عنهم

(هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا)

كان ذلك بالأمس جدال البعض عن بني أبيرق ، وهو اليوم جدال عمن نرى ونسمع ممن نرى ونسمع . من قوم زعموا أن لهم في الإسلام أربعين جدا ..

بل خابوا وخسروا وضلوا وما عرفوا ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

السيطرة على مستقبل سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 12/12/2019

لا يحتاج إنسان إلى جهد كثير للتأكد من تدهور وصل إلى الكارثة في واقع السوريين، شعباً وكياناً، بعد تسع سنوات من حرب مدمرة، قتل فيها وجرح واعتقل وهجر في داخل البلاد وإلى خارجها ملايين، أدت إلى تبدلات وتغييرات عميقة في الخريطة السكانية بكل محتوياتها، وصاحب التغيير المتصل بالسكان تغيير أصاب الكيان، فبدّل الكثير من وقائعه ومواصفاته. إذ تم تدمير بناه التحتية، وتلوثت بيئته، واستُنزفت موارده، وتم التفريط في قدراته لصالح قوى أجنبية ثمناً لموقفها في دعم النظام، كما تم التفريط في استقلاله ووحدته، فصار خاضعاً لاحتلالات قوى بينها روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا وغيرها ووجود ميليشيات وعصابات مسلحة ترتبط بتلك الدول مباشرة أو غير مباشرة، بينها «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية وغيرها، فيما يتنازع النظام وتشكيلات مسلحة قسماً من الأرض السورية بين الأخيرة ميليشيات إسلامية النزعة منها «النصرة»، وأخرى تنتمي إلى تجربة «الجيش الحر».

ورغم خطورة ما سبق من مجريات على مستقبل سوريا، فإن مجريات أخرى تتواصل بقدر أقل من الضجيج ومن تسليط الأضواء عليها، والأهم في هذه المجريات ثلاثة؛ أولها التغييرات الديموغرافية، وثانيها التعبئة الآيديولوجية والسياسية، والثالث فيها تجنيد الأطفال، وثلاثتها تشكّل خطراً يتجاوز أخطار القتل والتهجير ونهب الموارد والاحتلالات الأجنبية، حيث كلها قابلة للتوقف والانتهاء، أما الثلاثة الأخيرة فإنها تمثل بداية، سيكون من الصعب توقع نهاياتها إذا ترسخت وأصبحت جزءاً من الواقع.

إن عمليات التغيير الديموغرافي كانت في صلب اهتمامات نظام الأسد مع انطلاق الثورة عام 2011، كما حدث في حمص ومنها بابا عمرو والقصير، وفي ريف دمشق وفيه يبرود والنبك، قبل أن تمتد الممارسات إلى الأبعد، فتشمل مناطق ريف دمشق الغربي في الزبداني ومحيطها، وتوافق الحدث الأخير مع انخراط تشكيلات مسلحة خارج مناطق سيطرة النظام في جريمة التغيير الديموغرافي، حيث هجّر سكان قرى من الشيعة والدروز في ريفي حلب وإدلب ومنها كفريا والفوعة وقلب لوزة، وبعدها أصبحت جرائم التغيير الديموغرافي سلوكاً عاماً لكل من يحمل السلاح في سوريا من الجماعات الإسلامية إلى قوات سوريا الديمقراطية، التي هجّرت عرباً من قراهم في الجزيرة، وقد أدت العمليات العسكرية التركية الثلاث في الشمال السوري في واحدة من نتائجها إلى تغيير ديموغرافي، ودفعت أكراداً خارج مناطقهم، وبخاصة في عمليتي «غصن الزيتون» في عفرين و«نبع السلام» في شرق الفرات.

وتتضمن عمليات التعبئة الآيديولوجية والسياسية إجراء تغييرات عميقة في أفكار السكان ومعتقداتهم ومواقفهم السياسية، وإذا كان التغيير الديموغرافي يتم عبر القوة عادةً، فإن التعبئة الآيديولوجية والسياسية مرتبطة بسياسة الترغيب والترهيب، حيث يقدم أصحابها من الروس والإيرانيين وميليشياتهم إغراءات للسوريين في مناطق سيطرتهم للاستجابة لعمليات التعبئة، التي وإنْ غلب عليها الطابع العقائدي عند الإيرانيين، فالغالب جانبها السياسي عند الروس.

إن سياسة الإيرانيين وميليشياتهم في موضوع التعبئة الآيديولوجية والسياسية، تبدأ من توفير الحماية لمن يعرفون أنهم لا ينتمون إلى المعارضة، ويضيفون إلى الحماية الشخصية تقديم مساعدات عينية ومالية لمن ينخرط في نشاطات دعوية وتعليمية تقوده إلى التشيع، ومَن ينضمّ إلى الميليشيات التابعة للشيعة الإيرانية، وبطبيعة الحال فإن الترحيل نصيب المحايدين من سكان مناطق سيطرة إيران وميليشياتها، وغالباً فإن السجن وصولاً إلى القتل نصيب معارضيهم، وكانت من نتيجة هذه السياسة فرض التشيع في مناطق متعددة من سوريا بينها قريتا حطلة ومراط في دير الزور والقصير في ريف حمص الغربي والسيدة زينب ومحيطها جنوب دمشق وداريا في جنوب غربي دمشق إضافةً إلى أحياء ضمن دمشق.

ويركز المسار الروسي في هذا السياق على تقارب موقف السوريين من سياسة موسكو، وهذا يوفر حماية للمقربين وبخاصة في مناطق المصالحات التي تسعى الأجهزة الأمنية وميليشيات النظام لإعادة ضبطها وفق رؤيتها، فيما يوفر الروس هامشاً أوسع في المواقف وفي حركة الأشخاص المقربين منهم.

لقد كرّست سنوات الحرب ظاهرة تجنيد الأطفال، وهي ظاهرة معقّدة وفيها كثير من الاختلاطات، لكنها في كل الأحوال ظاهرة مرفوضة من حيث انتهاكها لحقوق الطفل من جهة ومخالفتها للقانون الذي يجعلها جريمة يعاقب عليها القانون، وقد فتحت ميليشيات النظام عند تأسيسها الباب نحو تجنيد الأطفال لتغطية احتياجاتها من العناصر البشرية من جهة، وأفسحت المجال لحواضنها من أجل التكسب ولو على حساب الأطفال وحياتهم من جهة ثانية، وشجّع هذا السلوك على انتقال الظاهرة إلى التشكيلات المسلحة خارج مناطق سيطرة النظام، فانخرط أغلبها في تجنيد الأطفال، وكان نشاط «داعش» مثالاً مميزاً في الرهان على جيل جديد من مقاتلين تتم تربيتهم على ثقافة التطرف والإرهاب، ويجري تدريبهم على أكثر أشكال العنف والقتال دموية، ودفعهم للقتال على الجبهات.

وسط هذا السياق من تجنيد الأطفال، ينفرد المثلث المؤلف من روسيا وإيران و«حزب الله» في عمليات تجنيد الأطفال وفق برنامج خاص. فقد اختار الروس مجموعة من الأطفال، ودفعوا بهم إلى مدارس النخبة العسكرية الروسية لإعدادهم ليكونوا ضباطاً قياديين في الجيش السوري في وقت لاحق، فيما خصص «حزب الله» اللبناني معسكراً لتدريب الأطفال في مدينة القصير من أجل حصولهم على تدريب يماثل تدريب الكادرات القيادية في الحزب.

لقد سجلت إيران دخولاً على خط تجنيد الأطفال عبر ما تقوم به ميليشياتها خصوصاً في معسكراتها في السيدة زينب جنوب دمشق، إلا أن تطوراً ملموساً حدث في الفترة الأخيرة في منطقة شمال شرقي سوريا، حيث تعمل إيران على تقوية وجودها في دير الزور وتأمينها مع محيطها حيث مكامن الغاز والنفط، ونقطة الربط الحدودي بين العراق وسوريا، وبداية الطريق السريع الذي ينطلق منها نحو الغرب وصولاً إلى دمشق والساحل السوري، وفي هذه المنطقة من سوريا تذهب إيران إلى عمق أعماق سياستها السورية، فتعمل هناك على تغيير ديموغرافي وتتابع التعبئة الآيديولوجية والسياسية، وتضيف إليهما عملية تجنيد الأطفال في آن معاً، وقد افتتحت في دير الزور معسكراً لتجنيد الأطفال لأعمار تمتد ما بين عامي 8 و12 عاماً برعاية اللجنة الشعبية للصداقة السورية – الإيرانية، حيث يقوم ضباط من «الحرس الثوري» بالتدريب على استعمال السلاح والأعمال القتالية لفترة تصل إلى عامين، يصبح الأطفال بعدها قادرين على خوض أعنف المعارك.

إن مسار السياسات والإجراءات التي تتوالى في سوريا من القوى الإقليمية والدولية وبخاصة من جانب حلفاء النظام، تؤشر (رغم اختلاف المصالح) إلى مساعٍ مشتركة للسيطرة على مستقبل سوريا، شعباً وكياناً، بعيداً عن أي دور للسوريين بعد أن تخلى النظام عن مسؤولياته وفتح أبواب البلاد أمام من هبّ ودبّ، وأعطى امتيازات لا حدود لها لحلفائه من روس وإيرانيين، وأغرق بالتعاون مع حلفائه الشعب السوري في مشكلات لا حلول لها، إن لم يحدث تحول جوهري في واقع القضية السورية وآفاق حلها.

===========================

===========================

العملية السياسية في سوريا والبحث عن السراب

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 11/12/2019

اختصر السيد ألكسندر لافرنتيف مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، ما يُراد من العملية السياسية في سوريا كلها، حين علّق على محرقة إدلب المتواصلة منذ سنوات قصفاً وإبادة وتهجيراً: «المهم ألّا يؤثر ما يجري في إدلب على عمل ونشاطات اللجنة الدستورية في جنيف»، إذن العملية السياسية ينبغي أن تتواصل، حتى ولو تم تجريد المعارضة السورية من آخر معاقلها، كما فعلوا في القصير وحمص وريف دمشق ودرعا، وحينها لا يكون للثورة والمعارضة جغرافيا ولا أرض كي تفاوض عليها.

العملية السياسية والمفاوضات غدت تفاوضاً من أجل التفاوض ومباحثات من أجل المباحثات، وهو ما أشار إليه متأخراً رئيس لجنة المفاوضات العليا الدكتور نصر الحريري، بعد أن سحبت اللجنة الدستورية البساط من تحت أقدامها، أو هكذا أُريد لها إقليمياً ودولياً، فقال: «إن عدم المضي بعملية مفاوضات أفضل من السير في مفاوضات وهمية»، فإن كان هذا رأي أكبر رأس للتفاوض الثوري بعد سنوات من المفاوضات الفارغة التي كانت بحق طبخة حصى، إذاً فهو تضييع للوقت، وإقناع المواطن السوري كذباً وزوراً بجدواها، بينما حقيقة جدواها هي للخصم وليس للثورة والثوار، ما دامت توفر الغطاء للعصابة الحاكمة في دمشق والمحتلين من خلفها، وبالتوازي تقدم إعفاء من المسؤولية الدولية لكل الدول التي تتفرج على تواصل مشاهدتها لسفك الدم السوري، وعلى مدى عقد كامل تقريباً، في حين أن وقف هذه العملية الكاذبة الوهمية سيضع العالم كله أمام استحقاقات جدية وخطيرة وواقعية، في البحث عن مخرج واقعي لما يجري، كونه سينعكس على الجميع عاجلاً أم آجلاً.

لقد تبين تماماً لكل السوريين والمراقبين للشأن السوري، أن العملية السياسية منذ سنوات ما هي إلا غطاء لقضم مزيد من الأرض، وتجريد الثورة من أوراقها الداخلية والخارجية، فداخلياً تم تجريدها من بعض الجغرافيا، بل وبدأ الحديث عن إرهابية الفصائل الثورية، حتى بما فيها الجيش الوطني، كما أشار إلى ذلك بعض من كانوا يُسمّون بأصدقاء الشعب السوري، نتيجة اتهامات ظالمة له بعملية نبع السلام، وخارجياً تم تقليص عدد المتضامنين مع الثورة والثوار، ولم يعُد الأمر كما كان عليه قبل سنوات، نتيجة الذهاب إلى عملية سياسية سرابية وهمية لا سقف زمني ولا مرجعية ولا ضامن لها، وبالتالي ألقت بالثورة والثوار في فم الدبّ الروسي وفم العصابة الطائفية المجرمة.

ليس أمام الثورة والمفاوض الثوري اليوم سوى وقف هذه المهزلة، سبق أن دخلها وولجها من قبل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، فوجدها كمن يبحث عن سراب، وهم يبحثون عمن يوقّع لهم على وفاة الشعب السوري وثورته، وبالتأكيد سيُعدمون هذا الشخص، والحل بأن تتواصل عملية طبخ الحصى بالنسبة لأعداء الثورة، ويتواصل معها نزع كل أشكال الدسم الثوري من الثورة وأصحابها، ليتم التخلي عنهم في الوقت المناسب كما حصل مع عرفات، فهل يتدارك بعض الصادقين ممن أعمتهم المؤتمرات والفنادق واللقاءات الفارغة، فيوقفوا المهزلة ويعودوا إلى ثورتهم وأهدافها الحقيقية؟ فهي ثورة لم تخرج من أجل دستور ولجنة دستورية، وكما علّق أحدهم: «نقبل بدستور بشار الأسد، شريطة أن يتخلى الأخير عن السلطة».

 

===========================

===========================

عن حاجة السوريين إلى معارضة جديدة

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 11/12/2019

إذا كان ضياع القرار الوطني المستقل من أهم تعبيرات الأزمة السورية، فسوف يكون استرداد ما يمكن استرداده منه، ضمن المعايير الدولية الراهنة، واحداً من أهم الطرق المؤدية إلى الخروج من عنق الزجاجة الحالي. ولعل العمل على تخليص السوريين من إسار الداعمين الإقليميين، خصوصاً، مرتكز لأي استراتيجية جديدة.

وإن كان عجز قوى الثورة والمعارضة كليهما عن إقناع الشعب والعالم بقدرتهما على أن يؤسسا لبديل للنظام الاستبدادي، فسوف تكون إعادة تأسيس هذه القوى وتوحيدها، هدفاً لم يعد يحتمل التأجيل، وبالطبع مع «تحديثها» بحيث تتجاوز كل أشكالها القديمة وتُطور شغلها على الاختصاص في بنيتها وبرامجها وعملها، قبل الحديث عن الانتهاء من البنى الراهنة، التي لا تخفى عيوبها الخانقة، مثل هذه المحاولات ضرورية قبل نفض اليد نهائياً من تلك القوى.

وقد انهزم العقل الذي تقدم بالأيديولوجيات المختلفة، من إسلامية وقومية ومذهبية لتكون العصبية الجديدة المنشودة، بديلاً عن الانتماء لسوريا القائمة بحدودها المعترف بها دولياً. وبدا من جديد أنه لا مفرّ من تكريس الوطنية، بتعيينها السوري انتماءً وعصبية جامعة تحمي البلد وتؤمن وحدته، كشرطٍ لازم للعمل السياسي اللاحق.

يتحمل الديمقراطيون المسؤولية الكاملة عن عجزهم عن البقاء في المقدمة، حقاً وفعلاً، منذ العام الأول للثورة، ومن ثم تخليهم عملياً عن برنامج التغيير الديمقراطي، الذي حملته الثورة أساساً، وتركهم الباب مشرعاً أمام الرياح المتأسلمة بكل أشكالها، بما حملت من عصبيات شمولية متنوعة، والمسؤولية الأكبر تقع على عاتقهم.

قد يكون مناسباً أيضاً أن يحيل الكثير من هؤلاء أنفسهم إلى التقاعد بعد ما حدث، بدلاً من استمرارهم بمحاولات البحث عن فرص جديدة لتصدر الميدان. في الوقت نفسه، لا بد من تطوير نخب جديدة ودعمها حتى تتقدم وتقدم رؤيتها وتستعرض كفاءاتها الكامنة، التي توقفت جزئياً – على الأقل- عن الفعل وتراجعت بعد العام الأول للثورة.

وعلى المنوال نفسه؛ بعد عقود من الحكم الشمولي الذي لا يرى في الدولة إلا شخص القائد، ولا يرى شيئاً في المجتمع خارج هذه الدولة؛ استطاع الطغيان إفراغ البلد من أي شكل حقيقي للممارسة السياسية، حتى جاءت الثورة وساد نمط غريب من المعارضين والثوار يعزل نفسه بنفسه طوعاً عن السياسة. وكان هذا خطأ مميتاً في العامين الثوريين 2011-2012، أفسح المجال للفاسدين والمتسلقين وأمراء الحرب والسياسيين الطارئين لتصدر السياسة السورية. هذه الظاهرة شملت الطرفين – الثوري الجديد والمعارض القديم، مع بعض التحامل – في واقع الحال.. وبعد كل ما جرى، لابد من اجتراح وسائل جديدة ومبدعة لإعادة السوريين للسياسة وممارستها، ومن دون ذلك لا يمكن اجتياز الحاجز بتاتاً.

 

عجز قوى الثورة والمعارضة عن إقناع الشعب والعالم بقدرتهما على تأسيس بديل للنظام الاستبدادي وإعادة توحيد هذه القوى هدف لا يحتمل التأجيل

 

لذلك، ينبغي إعطاء وقت أكبر لتشجيع هذه الممارسة لدى الشباب خصوصاً، وفي كل المناطق داخل البلاد وخارجها، بدلاً من إصرار الشيوخ على التصدّر والقيادة.

في الدائرة الأولى للتحالفات المحتملة، وبعدما تسبب به الإسلام السياسي، الذي تصدر عسكرياً وميدانياً وسياسياً، من هزيمة، لا بأس ربما في أن يتخلى المعارضون والثوريون من الديمقراطيين العلمانيين عن تحفظهم، ويتقدموا إلى أمام في عملهم التنظيمي والفكري – السياسي والسياسي المباشر، والتحالفي أيضاً.

إن التركيب السوري في التجمعات المدينية، وفي الفسيفساء المعروفة وفي الانفتاح الثقافي الموروث، يجعل لهؤلاء مركزاً مهماً بين القوى الفاعلة، التي يمكنها أن تحشد حولها شرائح كبيرة من الشعب السوري. يمكن أن تضم الدائرة الثانية إلى جانب العلمانيين طيفاً واسعاً من الوطنيين الديمقراطيين، الذين تجمعهم مفاهيم هي الأكثر قبولاً بين الناس، مثل الديمقراطية والوطنية والمواطنة المتساوية. هذا الوعاء من التحالف هو الذي يعيد لشعارات الثورة وهجها وتأثيرها، ويجمع الشعب ثانية بعد تشظيه إلى أحياء ومناطق وإثنيات ومذاهب وعشائر، من دون أن يطلب من أحد التخلي عن انتمائه الأولى، بل إن الحفاظ على هذه الانتماءات كلها لا يتأمن في مجتمع حديث إلا من خلال الديمقراطية والمواطنة المتساوية، وتأمين كل ما ينهي هواجس الأطراف المختلفة ويرتفع من ثم بدرجة انتمائها إلى سوريا. ولعل ذلك لا يمنع، وينبغي له أن لا يمنع لاحقاً وعلى المدى الأبعد – في دائرة ثالثة- من التوجه إلى الحوار مع الجميع. الأهم لعلنا، نحن المعنيين بكل ما سبق، قد تأخرنا كثيراً في تعديل توجهاتنا بشكل ثوري حقاً.

أول الأمر هو العودة إلى الأرض، وإلى التفاعل مع الشعب السوري في كل مناطق تواجده، بما فيها مناطق النظام خصوصاً، بعد أن حفر النظام خندقاً يجب وقف تعميقه بل والشغل على ردمه. هدفنا هو الشعب كله، مع تشوهات العمل المعارض والمسلح والتدخلات الخارجية. التناقض الحقيقي هو تناقض هذا الشعب- كله- مع النظام، وحركة الثائر أو المعارض الحقيقي انعكاس لهذا الشعب وليس لشريحة منه، مهما كانت المظالم التي وقعت عليها من نتائج تاريخ الاستبداد ونتائج الصراع، المسلح منه خصوصاً.

وثاني ذلك، العودة إلى التفاعل مع المدن، والمدن الكبرى خصوصاً، تلك التي استثمر النظام مدنيتها المترددة أمام العنف، وافتقاد الأمن، ليحاول وضعها في مواجهة مهام الثورة وأهدافها.. في حين أن من المفترض أنها الأكثر تفهماً لمتطلبات الحداثة ومعرفة بها، وبما تعنيه من حرية وحكم للقانون وتمكين للمجتمع المدني وسيادة للشعب.

وثالثه، وربما بالاشتقاق من النقطة السابقة، أن يُبحث في سبب ابتعاد رجال الأعمال- وليس أولئك الشبيحة ولصوص النظام منهم- عن المساهمة المباشرة في فعل التغيير والانتقال السياسي. ورغم إمكانية تفهم حذر هؤلاء من تهمة العلاقة بالإرهاب، بعد أن تمادى بعض العمل المسلح في أسلمته إلى حدود التطرف والغلوّ، وتأثيرات ذلك مالياً ودولياً على أعمالهم؛ إلا أن الطبيعي ألا يشكل ذلك عائقاً دون الإسهام بالواجب المنوط بهم، مدنياً وسياسياً بشكل خاص.

ورابعه تشجيع كل ما يمكن أن يعيد دمج المجتمع السوري وتلاحمه العضوي، ومن ذلك تأمين وتشجيع عودة النازحين إلى منازلهم ومناطقهم، بالشروط المعقولة التي تتأسس على الأمن والأمان، المستحيل بوجود النظام الحالي، باتجاه العودة إلى التفاعل والفعل في عملية إعادة البناء الثقافية والاجتماعية والسياسية، بالتداخل مع إعادة البناء المادية في المستقبل. ثم إن هنالك عقدتين لا بد من مواجهتهما مباشرة بإيجابية، تتفرعان من مشكلة الأكثرية والأقليات. أولاهما العقدة السنية- العلوية بما هو قديم منها أو ما هو جديد ناشئ مع العنف، الذي اتصفت به السنوات السابقة، والذي يتطلب تأمين العدالة الانتقالية، وربما لجاناً للمصالحة والحقيقة. وثانيتهما العقدة العربية – الكردية أيضاً بما هو قديم منها، وما نتج عن تعقيدات جديدة في مرحلة الثورة، والدور المتغير مع تدخلات القوى الإقليمية والدولية. وفي المسألتين، ليس من بديل عن الحوار واحترام الهواجس وتأمين الضمانات الضرورية.

يحتاج الأمر إلى شجاعة كبيرة، لنفي الذات، وقيام معارضة سورية جديدة ومختلفة، وربما ثورة ثانية أيضاً، ليس لها حتى الآن أي ملامح، أو احتمال. مع التأكيد على أن أي بداية، لا بد لها من الانطلاق من رفض الارتهان الخارجي والعسكرة والأسلمة، وفيما انتهت هذه الظواهر الثلاث إليه على الأقل. وفي الحقيقة، لا يتعلق الأمر بمعارضة بأي معنى أو مضمون، بل بإعادة الانطلاق من الاجتماع السوري الذي افتقد السياسة المنظمة المعاصرة حتى الآن، وينبغي للنخب – الشابة خصوصاً، أن تؤسسها من جديد، للشعب كله وفي كل مكان. الوقائع الحالية في المنطقة تقدم أمثلة تبعث على التأمل والحراك الصحيح التكوين، كانت تبدو في السابق مستحيلة.

كاتب سوري

===========================


ذكِّر؛ فإن الذكرى....

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 9/12/2019

لنذكِّر، علَّ الذكرى تنفع السوريين. منذ لحظتها الأولى، كانت انتفاضة السوريين سلمية. وما كانوا بالوحشية أو الرخص أو الجهل الذي وصمهم به نظام الاستبداد. ظنوا أن مَن خرجوا عليه يعادي محتل الأرض إسرائيل؛ لأنه على الدوام حفّزهم في خطابه "المقاوم" وحرّضهم على العدو مغتصب الأرض، إسرائيل. وسرعان ما اكتشفوا ان الصهاينة حريصون على بقائه. وهو الذي ذكّرهم موسمياً بلواء اسكندرون؛ وفي الوقت ذاته هو الذي تنازل عنه لديميريل. وهو الذي اعتبر ذاته رائد القومية العربية والوطنية، والمنادي بوحدة سوريا أرضاً وشعباً وسيادة؛ وثبت لهم بالدليل القاطع أنه عدوٌ للقومية والوطنية ووحدة شعب سوريا. وهو الذي وضع شعار "الحرية" في ثالوثه المقدس: / وحدة حرية اشتراكية/؛ وتيقنوا أن "الحرية" عدوّه الأول. ومؤسس دولته "الحديثة" هو مَن أطلق شعار "الإنسان غاية الحياة ومنطلقها". وها هم السوريون يتيقنون أيضاً بالدليل القاطع أن لا قيمة للإنسان السوري في منظومة الاستبداد؛ يقتلهم بكل صنوف الأسلحة، يغتصبهم، يدمر بيوتهم ومشافيهم ومدارسهم؛ يستأجر الميليشيات لقتلهم؛ يجلب الاحتلال ليحمي كرسيّه. وتبقى كبيرة الكبائر أن ما من دولة تتحدث في "السيادة" مثله؛ ولكن مَن يتحكم بسيادة سوريا ليس إلا المحتل الايراني والروسي.

 إضافة إلى شريان حياته القائم على القتل والتدمير المستمرين لتسعة أعوام، وإضافة إلى الفلتان الأمني من خطف واغتيال وتفجيرات في مناطقه، وجد لنفسه مؤخراً مهنة المتاجرة بالدولار؛ وكأن مليارات النفط السوري لعقود من الزمن لم تشبعه. الأغرب في هذه القصة أن يقول رئيسه إن الدولار شحّ مع السيطرة على بعض مناطق الشمال السوري؛ "فالإرهابيون لم يعودوا يضخوا دولارات في الشمال، فارتفع سعره". لقد نسي القناة اللبنانية التي كانت تذهب فيها دولارات سوريا؛ ونسي القناة الإماراتية والبيلاروسية واللندنية. نسي مطالبة بوتين بثمن قتله للسوريين بأكثر من مئتي صنف من الأسلحة التي استعرضها في سوريا. لا شك أن منظومة الاستبداد تعرف بأن الناتج السوري المحليGDP يكاد لا يذكر؛ وأن المركزي قد جُفِّفَت خزائنه؛ وأن حرب كرسي الدم قد أكلت كل شيء؛ وأن موارد البلاد الاستراتيجية من نفط وفوسفات وصناعة وزراعة وسياحة قد ماتت، وموانئ البلاد قد تم بيعها للمحتل حامي كرسي الدم.؛ تعرف تلك المنظومة كل ذلك وتستمر بمكابرتها وسحقها للجميع.

في ظل هذا الواقع السوري البائس المفكك؛ إلى أين؟ وما العمل؟ إلى أين، وما العمل؛ والسوري يرزح تحت أطنان من المواجع؟ احتلالات تنتظر حصصها من الذبيحة السورية؛ شعب تبعثر في أصقاع الأرض وفي الداخل السوري ذاته؛ مَن مع النظام ومَن ضده في هذا الداخل يعيش ألف غصة وغصة يومياً؛ ومن خارج الوطن لا تقل معاناته عمن هم في مرجل الداخل. معارضة تتعرض إلى وابل من النقد والتجريح والإهانة أكثر من ذاك الذي يطال نظام الاستبداد الذي تسبب بكل هذه المآسي. أمم متحدة مشلولة يكبلها صراع ذوي القوة الغاشمة. دول تتسلى على المأساة السورية، ومسلكها أحياناً رفع العتب. الفاعلون في القضية السورية يتراقصون بين الفضيحة والجشع وتسجيل النقاط وأحدهم على الآخر، والقرارات الدولية تحتاج قوةً، والقوة غير متوفرة.

 أهم ما أمامنا الآن هو ملفات الإجرام التي تراكمت على منظومة الاستبداد وداعميها؛ والتي تحتاج إلى مؤسسات لا بد من خلقها أو تعزيز القائم منها. ما قام به المجلس السوري الأمريكي، الذي يبذل أقصى جهده في جعل قانون "سيزر" حقيقة تخنق منظومة الاستبداد، أمر غاية في الأهمية. على السوريين من جانب آخر التركيز على الأمور الإنسانية والاجتماعية والثقافية. لا بد من التركيز أيضاً على الاحتلال الإجرامي الروسي والغزو الأيديولوجي الإيراني. يجب ألا يشعر الروسي أو الإيراني بأمان في بلدنا. لتكن ثورة شعبية جديدة وخلايا مقاومة صغيرة تقتلع جذور الاحتلال والاستبداد. لا بد من تواصل مع الدول العربية بأن دورها حتماً آتٍ؛ ولا بد من مخاطبة شعوب تلك الدول.

لنتخلَّ قليلاً عن الأنا المتضخمة المريضة في داخلنا؛ لنتواصل ونستجمع ونسترجع قوانا، لنشكّل خلايا تتشابك لتكون الجسد والجسر لعودة بلدنا إلى الحياة

والحال هكذا، فإن مفتاح العمل هو ذاك الإنسان السوري أينما كان، وكيفما كان حاله. نحن بداية 23 مليون إنسان. والمستفيدون من الحال القائم على الضفتين بالآلاف فقط. لينطلق كل من نفسه مصرّاً على سوريته، مؤمناً بأن سوريا لا بد باقية وعائدة إلى الحياة.

عدونا فقط مَن على يديه دم سوري، مَن مدّ يده لعدو أو احتلال، من أهان كرامة سوري، مَن لا يريد أن يوقف القتل والتدمير، من يبيع الوطن كي يبقى، من لا يكترث لوجعنا وأنيننا. لنتخلَّ قليلاً عن الأنا المتضخمة المريضة في داخلنا؛ لنتواصل ونستجمع ونسترجع قوانا، لنشكّل خلايا تتشابك لتكون الجسد والجسر لعودة بلدنا إلى الحياة، لنجعل تفكيكنا أفراداً أو جماعات عصياً على كل عابث بمصيرنا؛ لننشط حيثما كنا وأينما كنا، لنميّز الصادق من الطامع المغرض، لنصمد كيفما كانت الأنواء. ليتوقف من هدفهم واحد عن طعن بعضهم البعض كيفما كان الحال، ونشير إلى الخلل بغية الإصلاح والبناء. لنضع سوريا وعودتها إلى الحياة فوق كل اعتبار.

===========================


سورية.. لجنة دستورية من غير دستور

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 7/12/2019

شكلت الجولة الأولى من أعمال اللجنة الدستورية السورية بداية الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) مفاجأة لم تكن متوقعة، فقد اتفقت اللجنة على مدونة سلوك بين وفدي النظام والمعارضة، وعلى تشكيل اللجنة المصغرة التي تضم 45 عضوا من أجل صياغة مسودة الدستور، غير أن سردية الجولة الثانية أعادت الأمور إلى نصابها الطبيعي المتوقع: وفد النظام يعطّل عمل اللجنة، ويطالب بمواضيع سياسية لا علاقة لها بصوغ الدستور، ويتهم وفد المعارضة بأنه يمثل المصالح التركية.

وفي محاولة معتادة لاستغباء الشعب الذي يرزح تحت وطأة معاناة اقتصادية وسياسية، طالب رئيس وفد النظام وفد المعارضة بالإعلان عن رفض العدوان التركي، والتمسّك بوحدة الأراضي السورية والسيادة ورفض المشاريع الانفصالية، كونها الركائز التي تهم الشعب السوري. وقد أصاب الرجل، من دون أن يدري، فالقاعدة الشعبية بالنسبة للنظام ليست سوى قاعدة مؤلفة من الدهماء والرعاع، تساق كما تساق الإبل إلى نحرها، فلا يهمّها العدالة الاجتماعية، ولا الحريات المدنية والسياسية، ولا نظام ديمقراطي يتداول السلطة بشكل سلمي، ولا حتى تحسين أوضاعها الاقتصادية، وقد بدا ذلك واضحا من خلال ردود الفعل الشعبية التي شملها استطلاع وسائل إعلام النظام، حين شكروا "سيادة الرئيس" على هذا العطاء العظيم.

يمكن تفسير التباين بين الجولتين بأحد أمرين: أن وفد النظام الذي سُمي "وفدا مدعوما من 

"أعمال اللجنة أول اختبار جدي لقدرات موسكو في ممارسة الضغوط المطلوبة على النظام"الحكومة" اعتقد حقيقة أنه كذلك، أي أنه وفد لا يمثل النظام السوري رسميا، وبالتالي لديه هامش من الحركة، فخرج عن المسار المرسوم من دمشق، عبر تقديم تسهيلات لإطلاق عمل اللجنة. وما أن عاد الوفد إلى العاصمة السورية، حتى تلقى التوبيخ، لاعتقاده أنه يملك هامشا من التحرك.

الأمر الثاني أن التسهيلات التي قام بها الوفد في الجولة الأولى كانت مدروسة بعناية، ومخططة مسبقا لإظهار أن النظام جاد في إنجاح أعمال اللجنة الدستورية، وما جرى في الجولة الثانية مجرد خلاف حول بعض القضايا. ويمكن حصر أهداف النظام من التعطيل في اثنين:

الأول، دفع الوفد المعارض إلى اليأس، من أجل إجباره لاحقا على القبول بتعديلاتٍ بسيطةٍ، لا ترقى إلى المستوى المطلوب في إحداث تحول ديمقراطي ـ ليبرالي ـ قانوني في بنية الدستور، من شأنه إعادة إنتاج النظام عبر ديكور جديد، وعندها لن يكون للمعارضة سوى دور شكلي، كما هو حال "الجبهة الوطنية التقدمية" طوال العقود السابقة. ويصعب التكهن بمصير هذا السيناريو، ولا يمكن بناء تصور مستقبلي عنه بأثر رجعي كما فعل بعضهم، فانصياع المعارضة للضغط الخارجي للقبول بالبدء بسلة الدستور، ومن ثم القبول بوثيقة دي ميستورا (المبعوث الأممي السابق إلى سورية)، أمر مختلف إلى حد كبير عن المرحلة المقبلة، لأن المجتمع الدولي ضغط سابقا على المعارضة، للانتقال بموقفها من اليمين إلى الوسط، ولم يطالبها بالانتقال إلى الضفة الأخرى المقابلة والاستسلام.

الثاني، نقل المفاوضات الجدية حيال الدستور إلى سوتشي أو أستانة، وقد عبر عن ذلك أخيرا نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، حين أعرب عن أمله في أن تشهد الجولة 

"رغبة روسية في استثمار نجاحاتها العسكرية على المستوى السياسي"المقبلة من محادثات أستانة مشاركة وفدي النظام والمعارضة في اللجنة الدستورية. وقد تناول وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، هذه المسألة مع نظيره التركي، مولود جاووش أوغلو، في جنيف، ولا يبدو أن أنقرة بصدد معارضة هذه الخطوة، لأنها تبقي على مسار أستانة، ولأن تركيا بحاجة إلى روسيا في ملفي إدلب وشرق الفرات.

ومع أن النظام لا يحبذ مسار جنيف، فإنه في المقابل لا يحبذ مسار سوتشي أو أستانة، وإن أظهر غير ذلك، فهو يخشى من مسار فرعي للجنة الدستورية تحت العباءة الروسية، لأن موسكو بدت جادّة في ضرورة تقديم النظام تنازلاتٍ حيال الدستور، إنها رغبة روسية دائمة في استثمار نجاحاتها العسكرية على المستوى السياسي، والتأكيد أنها وحدها القادرة على ممارسة ضغوط فعلية على دمشق، غير أن لدى الأخيرة حسابات أخرى، فهي ليست في وارد تقديم تنازلاتٍ جدّيةٍ تؤثر مستقبلا في البنية الدستورية، وبالتالي السياسية، في منظومة الحكم، فالمطلوب لجنة دستورية من غير دستور حقيقي يشكل قاعدة قانونية للانتقال السياسي. وتنطلق هذه الحسابات من قراءة سياسية مفادها أن من شأن تمرير الوقت سنوات أن يفرض وقائع على الأرض، ويدفع المجتمع الدولي إلى القبول بالنظام أمرا واقعا، شرط القيام بتنازلات سياسية إقليمية وتنازلات ليبرالية داخلية. وفي مقابلاته الأخيرة واللافتة للانتباه في توقيتها، بدا كلام الأسد يعكس حالة الافتراق بينه وبين صناع القرار في موسكو حيال الحل الدستوري، وهو ما دفع الروس إلى توجيه رسائل غاضبة ولاذعة، عبر كتّاب مرتبطين مباشرة بالخارجية الروسية. ذلك أن أعمال اللجنة الدستورية أول اختبار جدي وحقيقي لقدرات موسكو في ممارسة الضغوط المطلوبة على النظام السوري، وستكشف المرحلة المقبلة ما إذا كانت موسكو فعلا تتحكّم بالقرار السياسي في دمشق كما يعتبر بعضهم، أو أن لتدخلها حدودا لا تستطيع تجاوزه كما يرى آخرون.

===========================

موقفنا : ختامي بيان أستانا 14 .. عشر نقاط ليس للعدل والحرية وحقوق الإنسان فيها نصيب ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 12/ 2019

انعقد في 10-11 الجاري لقاء أستانا الذي ورث رعاته دور جنيف الأممي في تقديم حل سياسي للواقع السوري ، واختزل السوريون المشاركون فيه من الطرف الثوري دماء مليون شهيد ، وعذابات أكثر من عشرة ملايين معتقل ومنتهك ومهجر ومضطهد ..وستكتب شهادتهم ويسألون ..

وقد دأب المعبرون الروس يعبرون عن حضور المؤتمر هكذا " المؤتمر الذي ترعاه روسية وإيران وتركية ، ويشارك فيه ممثلون عن الحكومة السورية وبعض فصائل المعارضة .."

الأكثر من أهل الصدق من السوريين ظل ينظر إلى أستانا منذ الرقم واحد برفض ، أو بحذر وريبة وإشفاق . أربع عشرة دركة على طريق الهاوية ، لم تقنع المشاركين في المؤتمر من السوريين أن أحسنهم طريقة هو الذي يقال في مثله : يريد أن يعربه فيعجمه ...وربما من حق أن يرفعوا شعارهم : إذا أنت لم تنفع فضرّ ، ولما عجزوا للنفع صاروا لجلب الضرر أول نصير .

وحتى لا يكون كلامنا هنا في فراغ . سنكتفي فقط بتأشير عملي على النقاط الثلاث عشرة الواردة في البيان الختامي في مآلاتها السياسية والواقعية . ونكتفي بإيجاز وأقصر تعليق .

النقاط الثلاث الأخيرة من البيان هي نقاط برتوكولية بحتة :

شكر للدول المشاركة كمراقب – شكر للدولة المضيفة – تحديد موعد اللقاء القادم في آذار 2020 . ويبقى لدينا من البيان عشر نقاط ..

الأولى : لبشار الأسد ..

التأكيد على السيادة السورية "المتمثلة واقعيا فيه" . وعلى وحدة الأرض السورية ، الواقعة عمليا تحت سيطرته وسلطته .

النقطة الثانية : للداعم التركي ..

رفض خلق واقع جديد على الأرض من قسد ومفرداتها ومفرزاتها وتوابعها .

النقطة الثالثة : للمحتل الإيراني ..

إدانة الهجمات الإسرائيلية المستمرة ..

النقطة الرابعة : للمحتل الروسي بالدرجة الأساسية ..

التأشير الاستنكاري على الدور الأمريكي شمال شرق سورية وعلى سيطرة الأمريكي على النفط السوري .

النقطة الخامسة : لمصلحة كل القتلة من روس وإيرانيين وأسديين ضد الشعب السوري والثورة السورية ..

تغبير وليس "تعبير" ، تغبير على الرغبة في استمرار قتل السوريين في مناطق خفض التصعيد في الشمال السوري تحت عناوين الحرب على الإرهاب وداعش والقاعدة والنصرة وغيرها ..

وحيثما قرأت وغيرها - أيها السوري الحر - يجب أن تتوقف عند قولهم " وغيرها " ولاسيما إذا قالوا من أفراد وتجمعات وجماعات ، واعلم بأنك المقصود . يجب أن تتذكر قول بشار الأسد وشركاه " كل معارض هو إرهابي " وقول بشار نفسه في خطابه الأول منذ 2011 " من ليس معنا فهو ضدنا " وعليه يتم التفسير ..

النقطة السادسة : للشركاء الثلاثة الروس والإيرانيين والأسديين .." لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري في سورية " !!

بمعنى أن هذا الذي يجري على الأرض منذ 2015 ، هو حل سياسي ليس حلا عسكريا ...!!

النقطة السابعة : للمشروع الروسي ..

تؤكد على أهمية المنصات الروسية الثلاث . وتعزل الممثل الأممي بيدرسن عن دور حقيقي وتصفه بالميسر فقط . أي أنه يأذن لمن يرفع أصبعه بالكلام ..

النقطة الثامنة : لمصلحة مشروع الاستبداد والفساد ..

 الراية التي ارتكبت تحت نصاعتها كل الموبقات . وحضر أهل العي والحصر كل اللقاءات بذريعتها، ملف المعتقلين والمعتقلات ..

وأسقيك بالوعد يا كمون . ويا أبو بكري لسه بكير ..!!

النقطة التاسعة : المساعدات الإنسانية لحاضنة بشار الأسد والمقاتلين معه والمدافعين عن نظامه ..

بالنص على أن يتم الاتفاق في جميع أنحاء البلاد ولكل السوريين . وليست بالطبع للذين هدم الطيران منازلهم ، وشردتهم البراميل ..

والنقطة العاشرة والأخيرة : حول عودة اللاجئين ..

وكلنا نعلم ماذا تعني عودة أو إعادة اللاجئين .

ملاحظة شديدة الأهمية ذكرنا لما ورد في النقاط العشر في سياق الاعتراض لا يعني رفضنا لمضامينها بالمطلق حتى لا يتقول علينا متقول ، وإنما نحن نعترض على سياقات خطاب سياسي ، وعلى طرائق توظيفه . فالأمور بمقاصدها مراميها وليست بألفاظها ومعانيها . وإن قلتم قلنا : هذا كلام له خبيء معناه ليست لنا عقول ...

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

أكاذيب كشفتها الثورة السورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 7/12/2019

بعد قرابة تسعة أعوام من الثورة في سورية، هناك ظاهرة تتصل بأكاذيب أبقتها الأسدية قرابة أربعة عقود حاضرة في الحياة العامة ووعي معظم السوريين، ربما كان أكثر أهمية أن النظام قوي والمجتمع ضعيف، وأن حكام سورية متفوّقون على محكوميها، على الأصعدة الفكرية والأخلاقية بصورة خاصة. ولكن الثورة أكدت عكس ما ادّعاه النظام، وأظهرت أن المجتمع الأعزل، والبعيد عن السياسة والتنظيم، والذي شنّت الأسدية الحرب عليه ليس ضعيفا، بل هو جد قوي. والدليل أنه صمد قرابة عقد أمام جيشٍ مسلح حتى الأنياب، منظم وقابض على أعنّة البلاد والعباد، بل ونجح في تحرير قرابة سبعين بالمائة من وطنه، وكاد يُسقط الأسدية مرة عام 2013، وأخرى عام 2015، عندما تدخلت عسكريا ضده قوة عظمى إقليمية، وأخرى دولية، إلا أنهما فشلتا إلى اليوم في حسم الصراع لصالحهما. لذلك يقر العالم، وتقرّان كلاهما باستحالة الحل العسكري الذي كان خيارهما، بسبب قوة المجتمع السوري وتمسّكه بحريته، وبإخراج الأسد من وطنه.

لم يُبد المجتمع السوري قوة خارقة وحسب، وإنما أظهر كذلك تفوقا أخلاقيا على العصابة الأسدية، تجلى في ما أبداه من تمسّكٍ بمطالبه النبيلة، على الرغم مما كابده من الألم وقتل مجاني الموت، وما أظهره من كبرياء في مواجهة محاولات تجويعه وإذلاله، لثنيه، من دون جدوى، عن ثورته، بينما كان فساد أهل السلطة وانحطاطهم يبلغان دركاً كان من الصعب تصوّر وجوده، قبلهم. أليس من السمو الأخلاقي أن يرفع شعبٌ ثائرٌ رايةً كتب عليها "الشعب السوري واحد"، ومطلبه الحرية التي سينالها كل فرد منه، من دون تمييز أو استبعاد، بينما رفعت الأسدية راية "نحن أو هم"، ولا تلبية لمطالبهم، ولا بد أن نجد الأعذار والتهم الضرورية لقتلهم، بكل وسيلةٍ وأداة، ومن دون رحمة.

إذا كان للثورة من فضل، فهو أنها كشفت حجم الهوة بين شعبٍ يطلب الحرية، حتى لمن يحاربونه، وبين الأسديين كقتلة ومجرمين ولصوص، وعدوا الشعب بالحرية نيفا ونصف قرن. وحين ذكّرهم بوعدهم، شرعوا يبيدونه عقابا له على تذكّرها، ورغبته في نيلها. يقال بحق إن الثورات تكشف حقيقة الحاكمين. ومع أن حقيقة الأسديين كانت معروفة للسوريين، فإن أحدا منهم لم يصدّق أنهم مجرّد قتلة بالمعنى الجنائي للكلمة، إلى أن انفجر الغضب، وبان أهل السلطة عراةً من ورقة التوت. ومع ذلك، لم يصدّق السوريون أن ما يفعلونه يمكن أن يصدر عن بشر. يكفي أنهم ارتكبوا، في بيانات الأمم المتحدة، قرابة أربعمئة مجزرة ومذبحة ضد آمنين وعزّل، واستخدموا من الأسلحة ضد الأبرياء ما قد يتردّد الصهاينة في استعماله ضد الفلسطينيين. وقد فعلوا ذلك في وقتٍ قطعوا خلاله أي علاقةٍ كانت لهم مع شعبهم، غير علاقة القتل والتجويع التهجير، فلا عجب أن صاروا سبّة العصر والإنسانية بأسرها، وصار يكفي أن تقول أنا سوري، حتى يبادرك محاورك إلى السؤال: كم أنا آسف لما أنتم فيه، من أين جاء هذا الوحش الذي يقتلكم؟

تبنّت ثورة السوريين مطالب نبيلة، لو نفّذ ربعها، لكان شعبنا في طريقه إلى العدالة والإخاء، ولما سفكت دماؤهم، ولحققوا حريتهم، ونالوا حقوقهم مدنيا وسلميا، لصالح كل فردٍ من مجتمعهم، ولاتجهوا نحو نظام مواطنةٍ يحكمه القانون، لكن المجرم أبى إلا أن يتمسّك بحكم الغابة، ودولته العميقة التي قمعت السوريين ونهبتهم نيفا ونصف قرن، لكنهم طالبوا بالحرية حتى لمن ينتسبون إليها، باعتبارهم ضحايا للطغيان، كغيرهم من مواطنيهم.

سيسجل التاريخ أن الشعب السوري ارتقى بثورته إلى صعيدٍ مفعمٍ بالقيم والأخلاق، بينما انحطّت الأسدية سياسيا وأخلاقيا إلى دركٍ لا قاع له، دفاعا عن نظامٍ يعيش على سفك الدم.. القوة التي لن يوقف سيرها نحو حريتها أحد.

===========================


الثورة السورية.. بناء في وجه الدمار

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 7/12/2019

قدرة الشمال السوري المحرر السريعة والناجحة في التعامل مع الأزمات التي يواجهها السكان في مناطقه، تلخص سوريا الحاضر والمستقبل التي أرادها الثوار، وهتفت لها ملايين الحناجر إبان الثورة السلمية، ولا تزال تهفو إليها أفئدة الأحرار السوريين، بينما تعكس معاناة السكان في المناطق المحتلة من قبل العصابة الأسدية وسدنتها المحتلين، مشفوعة بالدمار والقتل والقصف المتواصل تعكس حال سوريا التي أرادوها لنا أن نعيشها تحت حكمهم وجبروتهم، مستندين في ذلك على احتلالات أجنبية متعددة وفصائل طائفية عابرة للجنسيات والحدود.

الافتقار إلى جرة الغاز في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وإن وجدت فبأسعار خيالية وكذلك الوقود، بالإضافة إلى ارتفاع في أسعار المواد الأخرى، وفي موازاته انهيار كامل لليرة السورية، بعد أن باع النظام كل أرصدة وأصول الدولة السورية للاحتلال المزدوج، فرحاً مسروراً وهو ينتظر مبعوث الكرملين ليستقبله كل شهرين أو ثلاثة، بينما يقضي الساعات وربما الأيام متجمداً أمام هاتفه يستجدي اتصالاً يمنّ عليه به أحد، لكن ربما في الأيام الأخيرة حظي بمدح يذكّرنا تماماً بهتافات البعثيين الخشبية في الستينيات والسبعينيات، حين هتف له أحد (السفراء) في دمشق خلال حفل استقلال بلده، فوصفه بالقائد الحكيم، في الوقت الذي كانت طائراته وطائرات سيده الروسي تفتك بالأجساد الغضة لأطفال معرة النعمان وسراقب، وهي تصرخ شوفو شو صار بأبي الذي كان قد ودع الحياة تاركاً خلفه أيتاماً يشهدون على حقد النظام الطائفي وسدنته، وحقد العالم الصامت على هذه الجريمة الناطقة لعقد، وهي تبث على الهواء مباشرة بلا انقطاع وقودها الدم.

النظام الذي خال أن عودة درعا وريف دمشق وحمص وغيرها إليه سيعيد له بعضاً من الاعتراف الدولي بقوته وسيادته، لكن فاته أن الثورات لا يمكن أن تقتلها احتلالات أو رصاصات، فها هي حوران تعيدها جذعة، والأغرب من هذا هو عودة المظاهرات المطالبة برحيل الأسد والمتضامنة مع إدلب والمناطق المحررة في كناكر بريف دمشق ذاته، تضاف إليه حملة الاعتقالات في دوما والغوطة، وعودة العمليات المسلحة على امتداد المناطق التي أخضعها الاحتلال بالخدع التفاوضية أو بالخدع العسكرية، وهو ما ينذر بموجة ثورية جديدة قد تكون أعتى من الأولى وأقوى منها، لا سيما وأن ثورات وانتفاضات لبنان والعراق وإيران قد شكلت حافزاً قوياً للسوريين، لا سيما مع انعكاسها على الثورة السورية بتجفيف الدعم للعصابة، انعكس بانهيار الليرة السورية، توازى ذلك مع توزيع إيران لأول مرة رواتب الميليشيات الطائفية التي تقاتل وإياها في سوريا بالليرة السورية، وليس بالدولار الأميركي.

لا يمكن أن تعود سوريا إلى وضعها الطبيعي دون أن يسبق ذلك كله الحرية، والتحرر من عصابة حاكمة وسدنتها المحتلين، ودون أن يكتب السوريون تاريخهم ومجدهم وحاضرهم ومستقبلهم بأيديهم، فلديهم من الحبر ما يوازي دم مليون شهيد كافٍ لكتابة دساتير العالم كله، وبنظرة منصف إلى المناطق الخاضعة للنظام والمناطق الخاضعة للثوار، يظهر مدى التباين الشاسع، إن كان على مستوى الحرية التي يتمتع بها سكان المنطقتين، أو على مستوى النزاهة والشفافية في مسالك الحياة كلها من التعليم والقضاء وغيرهما، أو من حيث الجرائم التي تهدد مناطق النظام، بينما نرى الأمن والاستقرار في مناطق الشمال المحرر، باستثناء الغارات الجوية، وإن كان هذا كله طارئا، أما بناء الإنسان السوري الحر الذي يقول ما يفكر فيه بلا خوف ولا وجل، فهو أكثر ما يميز الشمال المحرر اليوم، وفوق هذا الثقة بالنفس التي يتمتع بها ساكن الشمال المحرر، وهو ما يفتقر إليه ساكن المناطق المحتلة، فأولى خطوات التعليم الصحيح وبناء الأجيال تبدأ من زراعة الثقة بالنفس والاعتماد عليها دون خوف أو خشية أحد، ولعل بالثقة بالنفس وبالحرية التي يزرعها الشمال تورق شجرة الحرية لتستظل بظلها سوريا المستقبل جميعها.

 

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com