العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-08-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الإعلام السوري: وفرة الوسائل… وعجز الإقناع

رياض معسعس

القدس العربي

الخميس 12/8/2021

حرم السوريون من حرية الرأي والتعبير منذ بداية تسلط حزب البعث على السلطة في العام 1963، حيث تم تجميد العمل بقانون المطبوعات الصادر في 1949 والذي كان يضمن حرية الصحافة، وإصدار الصحافة الخاصة.

وازداد الأمر سوءا بعد انقلاب تشرين الأول – أكتوبر 1970 الذي قاده حافظ الأسد للاستئثار بالسلطة، وجمع كل الصلاحيات بيده اليمنى.

وباتت وسائل الإعلام كلمة مرادفة لأجهزة المراقبة والمخابرات، وهي بطبيعة الحال وسائل رسمية تسبح بحمد النظام القائم كصحيفتي “البعث”، و”تشرين”.

ولم يكن مسموحا قطعيا ترخيص أي وسيلة إعلامية خاصة.

 

فقدان الثقة

لقد فقد المواطن السوري ثقته بالخطاب الإعلامي الرسمي المنافي للواقع المعيش، خاصة وأن وسائل إعلام خارجية عربية ودولية كانت تدرج أخبار الداخل السوري بما يعكس صورة مختلفة تماما عما تقدمه وسائل الإعلام الرسمية التي توزع نسخها بالاشتراك الإجباري لشركات ومؤسسات يهمها إرضاء النظام الذي لم يكن يهتم كثيرا لإثبات مصداقيته في صحفه الثماني التي تصدر يوميا في دمشق (تشرين، البعث، سيريا تايمز) والمدن الكبرى (الفداء في حلب، والعروبة في حمص، الجماهير في حماة، الفرات في دير الزور)، مجموعة كبيرة من المجلات، والمنشورات كانت تصد عن الوزارات المختلفة، والنقابات والأحزاب، والجيش. لكنها جميعا دون استثناء كانت أيضا موالية للنظام وتحت المراقبة المشددة أيضا.

هذا بالنسبة للصحافة المكتوبة، أما بالنسبة للمسموعة فاحتكار السلطة لها منذ نشأتها في العام 1939 جعل منها مؤسسات حكومية دورها ينحصر في الترفيه، و”البروباغندا” لترويج ما يقوله النظام لكل من يقرأ، وبالأخص من لا يقرأ ( وللأسف لا يوجد قراء إما لنسبة الأمية التي تقارب 40 في المئة، أو للعزوف عن القراءة).

أما الصحافة المرئية التي بدأت في العام 1960 فكانت بالطبع حكرا على النظام ويحرص حرصا شديدا على حمايتها، فالانقلابات العسكرية في سوريا كانت تبدأ ببلاغ رقم 1 من الإذاعة بعد اقتحامها والسيطرة عليها، وقد تم إنشاء إذاعة صوت الشعب لتكون بوق النظام في العام 1978. ثم بالطبع السيطرة على التلفزيون الذي بدوره شهد بروز قناتين جديدتين: القناة الثانية في العام 1986، والفضائية السورية في العام 1996 وكلتاهما رسميتان مسخرتان لبث ونشر خطاب النظام. إلا أن الإقبال على كل هذه الوسائل كان ضعيفا جدا بعد بداية بروز القنوات الفضائية الكبرى كقناة الجزيرة، والأم بي سي، وقناة أبو ظبي.

 

بداية الصحافة الخاصة

مع توريث بشار الأسد الحكم في سوريا صدر قرار قانون المطبوعات الجديد ( قانون رقم 50) في العام 2001.

قانون المطبوعات الجديد كان ظاهره الانفتاح، وباطنه التضييق.

وخلال العشرية قبل الثورة صدر حوالي 232 مطبوعة، منها حوالي 60 مطبوعة رسمية، والباقي خاصة. كما صدر قانون القنوات الإذاعية الخاصة في العام 2002. تعمل على موجة إف إم، لكن محظورا عليها أن تقدم أي برامج سياسية، في الصحافة المرئية لم يسمح إلا لرامي مخلوف (ابن خال بشارالأسد) بإنشاء قناة دنيا، ( تغير اسمها لاحقا لتصبح قناة سما) وهي بمثابة قناة رديفة للقنوات الرسمية.

وبالمختصر فإن كل هذه الوسائل “الخاصة” كانت تخضع لمراقبة المراكز الأمنية، ونشأت لتكون بوقا موازيا لأبواق السلطة.

 

صحافة المعارضة

لم يصدر أي وسيلة إعلامية معارضة خلال نصف قرن في الداخل السوري. لكن في الخارج كان هناك محاولات لإصدار وسائل إعلامية معارضة، ففي العام 1980 قام رئيس الوزراء السابق صلاح الدين البيطار بإصدار صحيفة “الإحياء العربي” لكن سرعان ما توقفت بعد أن قام نظام حافظ الأسد باغتياله في صيف عام 1980 في مكتبه في باريس.

محاولات أخرى قامت بها مجموعات معارضة في باريس منها مجلة “الاختيار الوطني الديمقراطي” التي كانت تصدر عن لجنة دعم العمل الديمقراطي في سوريا والتي كان يرأسها الراحل فاروق سبع الليل، وتضم مجموعة كبيرة من شباب سوريا المثقفين، والفنانين، ثم تم إصدار مجلة المنتدى الصادرة عن المنتدى السوري في باريس والذي ترأسه الراحل المخرج عمر أميرالاي، ثم الاقتصادي فايز ملص، والدكتور إميل كساب.

وكانت هناك محاولة من رفعت الأسد “عم بشار الأسد” الذي كان يعارض حكم أخيه حافظ فأصدر مجلة الفرسان، وصحيفة الشام من باريس، وقناة “أي إن إن ” من لندن، لكن الصحيفتين سرعان ما توقفتا. لكن المعارضة كانت تتكئ على الصحافة العراقية في لندن وباريس ( أو اللبنانية المدعومة من العراق ) لتنشر فيها مقالات تهاجم فيها نظام الأسد كالوطن العربي، والحوادث التي أودت معارضة صاحبها سليم اللوزي إلى القتل وكذلك أخيه مصطفى. ووجهت أصابع الاتهام إلى المخابرات السورية التي كانت تسيطر على لبنان في تلك الفترة (1980).

 

بعد الثورة

ما أن انطقت الثورة السورية في بداية العام 1911 حتى بدأت موجة كبيرة من الإصدارات الصحافية في المناطق المحررة، وفي الخارج وخاصة تركيا كصدى الشام مثلا لعبسي سميسم، وعنب بلدي لجواد الشربجي، وكذلك الإذاعية فانطلقت حوالي خمسين إذاعة (منها على الانترنيت) كإذاعة آرتا، وسمارت، والآن، مثلا، وروزانا من باريس، وإذاعة الكل التابعة للمجلس الوطني المعارض من تركيا، وهناك إذاعة أورينت التي يمتلكها رجل الأعمال السوري غسان عبود وتبث من الإمارات. وأيضا قناة تلفزيونية بنفس الإسم. وقد ثم أيضا انطلاقة كبيرة لمواقع سورية معارضة على الإنترنيت، كموقع كلنا شركاء، على سبيل المثال لا الحصر، وزمان الوصل، وسوريا نت، والسوري اليوم. لكن إصدارات كثيرة توقفت، وكذلك الإذاعات التي كانت تعتمد جميعها على الدعم المالي من منظمات دولية كانت تعتقد في البداية أن نظام بشار الأسد سيسقط كما سقطت الأنظمة الأخرى، ثم اختلف المشهد السياسي اختلافا جذريا مع التدخل الإيراني والروسي والأمريكي والتركي، فأحجمت الكثير من المنظمات حتى يتبين من تطورات المشهد السياسي إلى أين تتجه سوريا، وكيف يمكن التعامل معها، ومع المعارضة التي بات قسم كبير منها يعمل تحت مظلة تركية، وعليه فإن المشهد الإعلامي السوري يزداد قتامة لأنه لم يصل إلى إقناع السوري بخطابه أكان من طرف النظام، أم من المعارضة، فالعبرة ليست بالوفرة.

=========================

وجهة نظر : أساس الشراكة الوطنية .. " إعلان تضامن مع فضيلة الشيخ الجليل أسامة الرفاعي"

زهير سالم

مركز الشرق العربي

15/ 8/ 2021

وأساس الشراكة الوطنية، التي يكثرون الحديث عنها، القبولُ النفسي، وليس فقط اللفظي، بها. وكم من داع إلى أمر عند الصباح ، يعمل على نقضه عند المساء..

فليس من معاني الشراكة الوطنية المزعومة، أن يتخلى فريق من مكوناتها عن سهمه فيها، وأن يندمج أو يتماهى، فكأنه حامل أسهم الآخرين أو مدافع عنها. وليس من مقتضى الشراكة الوطنية أن يعتبر لفيف فيها نفسه قيّما أو وصيا عليها. ونحن بوصفنا مواطنين سوريين، متحدون في إطار هذه الشراكة على " أمر أو أمور " مختلفون في حقيقة الأمر ، وفي واقعه على أمور ربما تكون أكثر وأكثر ..وهذا فيما نؤكد لا يضيرها، ولا ينقض غزلها أنكاثا.

وتفسير الشراكة الوطنية - كما يقدمها البعض" بمعنى الخضوع، والمتابعة والاستلحاق هو التفسير نفسه الذي ثرنا عليه، والذي يتبناه بشار الأسد، وعلى طريقته نفسها .

وشعار " كل من يحب الوطن فليصطف خلفي" قد سئمناه ومللناه. والشراكة الوطنية وإن قامت على قاعدة المواطنة وأسس العدل والمساواة عند الأداء والاقتضاء، فإنها لا تنفك تكون "شراكة" فلا تطمس في فضائها أسهم الشركاء !! " ونعض على هذه الحقيقة بالنواجذ"

إن ادعاء الوصاية أو الأستذة على الناس، على عقولهم، وأفكارهم ومناهجهم من واقع أن من يمارسها، مدعوم من وزير أو سفير ، هو الأمر نفسه الذي ثار عليه جمهور السوريين ..وقد ثبت بالدليل أن القوى التي تدعم بشار الأسد هي أقوى وأكثر من تلك التي تدعم جميع أصحاب الحوانيت ..

إن " عمى الألوان " مرض جد خطير ، وحين لا يميز بعض المتكئين على الأرائك والحشايا على أي "خطاب" يطلقون؟؟ أو أي شخصية مكرمة محببة يستهدفون ..!!!! فهم في وادي تهلك يهيمون.

وبعضهم يلحن بالقول فيقول " ليس وقته " فهل توقفت دكاكينهم وحوانيتهم عن ترويج الشعار المعسول، والسمن المغشوش، والقمح مع الزيوان، والتمر مع الحشف ؟!!

وهل من مقتضيات الشراكة الوطنية أنه يحدد لك ما تقول، ومتى تقول، وكيف تقول ؟؟!! ويفعل ذلك مع مرجعية إسلامية وطنية هي ملء سمع وبصر جماهير الأحرار من السوريين والسوريات أيضا، وأضع سبعة خطوط فوق كلمة السوريات. للعلم في كتب تراثنا كانوا يضعون الخط فوق الكلمة المهمة وليس تحتها ..

وأي حديث عن مظالم النساء في سورية اليوم لغو وباطل غير الحديث عن واقع المعتقلات في سجون الطاغية، الحديث الذي يسكت عنه كل المدكنين والمدكنات والديمستوريون والديمستوريات، ومشغليهم، ويثورون على كل سوري يفضح " تدكينهم "

لقد ساءتنا والله الحملة الظالمة القاطعة التي أطلقها البعض حول بعض خطاب الشيخ الجليل أسامة الرفاعي حفظه الله ..

وأقول للذين حاولوا ، وهموا بما لم ينالوا ، ولن ينالوا بإذن الله ؛ على نفسها تجني براقش ..

ونعلن تضامننا مع الشيخ أسامة حفظه الله تعالى، فيما يقول ويختار، فهو المرجع الثبت الثقة، وهو مع من حوله من إخوانه العلماء في المجلس الإسلامي، وغيره من علماء سورية الثقات، يشكلون المرجع الحي المعتمد لعقول وقلوب ملايين السوريين الأحرار ..

وحري أن ننشد فيما يقول الشيخ أسامة قول الأول :

إن قال قال بما يهوى جميعهم .. وإن تكلم يوما زانه الكلم

نعم ومن حق ومن واقع ننشد لنقطع الطريق على كل لاغية ..فنعلن تضامننا المفتوح مع الشيخ الجليل عن وعي ورؤية وتصميم. ونقول لكل المجتزئين والمجترئين والمتطاولين هذا مركب وعرٌ ومن مصلحتكم أن تجتنبوه ..

وننكر إن شئنا على الناس قولهم ..ولا ينكرون القول حين نقول

متضامنون مع الشيخ أسامة الرفاعي ضد كل الذين ( َهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ) ومع كل علماء الشام الذين ثاروا لدينهم ولحقوق أهليهم ، فانحازوا إلى الجماهير التي انحازت إليهم. لا يضرهم إن شاء الله من تخاذل وخذل، ولا من تطاول فاجترأ ..

وإننا ليمر بنا القول أو المقال، يحمل الطامات العقلية والفكرية والواقعية، من رؤوس قوم كانوا للجهل والسفه عنوانا، فنمسك عنهم، ليس توقيرا لهم، بل احتراما لركاب الحافلة ذات الخمسة والخمسين مقعدا التي يقودون ...

وكل التحية والتجلة والحب والإكبار للشيخ أسامة الرفاعي ولصحبه من علماء سورية الأبرار الأحرار ...

( لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى )

( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ )

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

ماذا بقي من سمات الدولة في سورية؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 11/8/2021

فيما يستمر النظام السوري في استخدام الأسلوب الوحيد الذي يُتقنه في حل أزماته، ومحاولة إخضاع المجتمعات المحلية المتمرّدة على إرادته، كما يفعل الآن في درعا، باستخدام العنف الذي يلجأ إلى المزيد منه عندما لا ينفع قليلُه، يتداعى سؤالٌ مهم عن معنى أن يطرح النظام ما يسعى إلى تحقيقه في إطار "استعادة سلطة الدولة وسيادتها"، في وقتٍ لم يتبقَّ من مظاهر الدولة نفسها ما يسمح لها بالاحتفاظ بصفتها هذه، فالدولة، أي دولة، تقوم على أركانٍ أربعة رئيسة، لا تكتسب صفاتها إلا بها: الشعب، فلا دولة بدون شعب تجمع بين أفراده روابط معينة، والإقليم، أو الأرض المحدّدة بحدود واضحة، والسلطة، أو الحكومة التي تمثل الشعب وتعبر عن إرادته أو عن مصالحه، والسيادة التي تحوز الدولة من خلالها السيطرة الكاملة غير المنقوصة على أراضيها ومياهها وأجوائها، وهناك من يضيف إلى ذلك "الاعتراف الدولي" باعتبار أن الدولة المعاصرة لا يمكن أن تقع خارج إطار التنظيم الدولي أو، بحسب بعضهم، "المجتمع الدولي" الذي تحكمه أنظمة وقوانين وأعراف وقيم متفق عليها تنظم العلاقة بين أعضائه.

إذا أخذنا كل ركن من أركان الدولة التي يدّعي النظام السوري سعيه إلى استعادة سيادتها وناقشنا ما صار إليه، نجد التالي: أولًا، الشعب. لم تعد الدولة السورية تضم مجموعة منتميةً ومترابطةً من الناس، تجمعهم هموم ومصالح مشتركة، إذ تشظّت الهوية الوطنية، وصار الشعب، نتيجة الأزمة العنيفة الطويلة، شعوبا (طوائف، وعشائر، وقوميات ...إلخ) تستمد دعمها وتمحض ولاءاتها لمرجعياتٍ تقبع خارج حدود الدولة. هذا عن الانتماء، والقدرة على العيش المشترك، أما إذا أخذنا الإقامة معيارا، فنجد أن نصف الشعب السوري مشرّد، يعيش خارج وطنه أو بعيدا عنه. النصف الآخر الذي بقي في مكان إقامته يجد صعوبةً في تأمين قوت يومه، دع جانبا توفير بقية الخدمات كالماء والكهرباء والوقود وغيرها، وما الوطن إذا افتقد المواطن فيه أمنه وقوت يومه، وما الدولة إذا عجزت سلطاتُها عن تأمين مقومات البقاء لمواطنيها.

أما الإقليم، وهو الركن الثاني من أركان الدولة، فقد بات هو الآخر مقسّمًا، إذ يبسط النظام، المدعوم إيرانيا وروسيا، سيطرته على نحو 60% من الجغرافيا السورية، وتسيطر قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، المدعومة أميركيًا، على نحو 30%، وتقتسم فصائل المعارضة الـ 10% المتبقية، في إدلب حيث هيئة تحرير الشام، وفي مناطق أخرى في الشمال تسيطر فصائل أخرى مدعومة تركيًا. أما قضية السلطة أو الحكم فهي أعقد قليلا من ذلك، صحيح أنه يمكن في العموم القول بوجود أربع سلطات تقتسم السيطرة على الأرض والناس والموارد في سورية هي: النظام والإدارة الذاتية، والحكومة المؤقتة التي تتبع المعارضة، وحكومة الإنقاذ التي تتبع هيئة تحرير الشام في إدلب، لكن الواقع يشير إلى وجود عشرات التنظيمات والمليشيات المحلية والأجنبية التي تمارس وظائف الدولة، ابتداء من الأمن وإدارة الشؤون البلدية والمحلية، وصولاً إلى جباية الضرائب وفرض الإتاوات ورسوم العبور.

أما السيادة، وهي الركن الرابع من أركان أي دولة، فهي منتهكة كليا في سورية، نتيجة تدخل، أو وجود، خمسة جيوش أجنبية على الأرض السورية: روسيا، الولايات المتحدة، وتركيا وإيران، وإسرائيل، فضلا عن وجود آلاف المقاتلين الأجانب المنتظمين في صفوف مليشيات تقاتل إلى جانب النظام، والأكراد، وتنظيم الدولة الإسلامية، وغيره من الفصائل والجماعات. ورغم أن النظام مازال يتمتع بالاعتراف القانوني الدولي باعتباره ممثلا للدولة السورية، وهذا أمر يعطيه ميزة على بقية السلطات التي تقيم معه على الأرض، إلا أنه معزول، محاصر، ومنبوذ من مجتمع الدول، نتيجة خروجه على كل القوانين والأعراف والقيم المتفق عليها في نادي الدول.

يطمح السوريون جميعا، بالتأكيد، إلى استعادة دولتهم المستقلة التي تمارس فيها السلطة المنبثقة عن إرادتهم الحرّة سيادتها غير المنقوصة على أراضيها، وتحتكر استخدام العنف في إطار القانون بما يحقق النظام العام ويحفظ أرواح مواطنيها، لكن هذا لن يتحقق من خلال العنف الأعمى، أو الروح الانتقامية، حيث تغدو الدولة عدوا لمواطنيها، بل من خلال عقد اجتماعي رضائي تستعيد الدولة فيه شرعيتها مدخلا لا بديل عنه نحو استعادة سيادتها واستقلالها ووظائفها التي تمحضها صفة الدولة.

=========================

درعا البلد... لا حرب ولا سلم

أمين العاصي

العربي الجديد

الاربعاء 11/8/2021

لا يزال الجمود سيّد الموقف في جنوبي سورية، حيث لم يطرأ أي جديد على سير المشاورات التي يجريها الجانب الروسي لنزع فتيل صدام بين قوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية من جهة، ومن ناحية ثانية مقاتلين محليين يدافعون عن أحياء درعا البلد، شرقي مدينة درعا، والتي باتت على حافة كارثة إنسانية بسبب الحصار المفروض على آلاف المدنيين منذ نحو 50 يوماً. وقال الناشط الإعلامي أحمد المسالمة، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الهدوء يسود أحياء درعا البلد نهاراً، بينما تصعّد مليشيات النظام ليلاً من خلال استهداف الأحياء بالقصف بالمضادات الأرضية والأسلحة الرشّاشة ومحاولات التسلل. وأكد المسالمة سقوط قتلى وجرحى من قوات النظام، ليل الإثنين – الثلاثاء، خلال تصدي المقاتلين المحليين لمحاولة تقدم لمجموعات من هذه القوات على محور حيّ المنشية. وعلى صعيد التفاوض بين اللجنة المركزية التي تمثل الأهالي والنظام، أوضح المسالمة أنه "لا يوجد أي جولات مفاوضات معلن عنها حالياً"، مشيراً إلى أن آخر جولة من التفاوض حصلت يوم الجمعة الماضي. ورأى أن التأجيل "يأتي لزيادة الضغط النفسي على الأهالي وكسر إرادتهم في الحصار وكسب الوقت لاستقدام التعزيزات العسكرية".

تحذيرات من تبعات الحصار المفروض منذ نحو 50 يوماً على أحياء درعا البلد

إلى ذلك، صدرت تحذيرات من تبعات الحصار المفروض منذ نحو 50 يوماً على أحياء درعا البلد، وعلى آلاف المدنيين الذين تقطعت بهم السبل، ولم يستطيعوا الخروج من هذه الأحياء. وتؤكد مصادر محلية أن الوضع الإنساني يكاد يكون كارثياً، حيث تسجل الندرة في الطحين والأدوية وحليب الأطفال في ظل انعدام الأمل بانفراج قريب. وذكر "تجمع أحرار حوران"، أمس الثلاثاء، أن مادة الطحين نفدت في أحياء درعا البلد، ما أدى إلى توقف الأفران، مشيراً إلى انقطاع المياه والكهرباء عن معظم الأحياء. وأطلق نشطاء سوريون حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت هاشتاغ #درعا_تحت_الحصار، تحذّر من كارثة إنسانية في درعا، داعين إلى إضراب عام اليوم الأربعاء، وغداً الخميس.

ويشي الجمود في ملف المفاوضات بأن النظام لا يزال يصرّ على شروطه لإنهاء الحصار، من قبيل تسليم الأسلحة ودخول قواته، وخصوصاً "الفرقة الرابعة" التابعة لإيران، إلى أحياء درعا البلد، وتهجير كل من لا يوافق على الاتفاق إلى الشمال السوري.

من جهته، أوضح عضو هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية، إبراهيم جباوي (وهو من أبناء محافظة درعا)، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "جرى مساء الإثنين (أول من أمس) اجتماع إلكتروني بين المعنيين الثوريين في درعا مع المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسون"، موضحاً أن الأخير "وعد بالسعي لفكّ الحصار وإدخال المساعدات إلى سكان أحياء درعا البلد". وتساءل جباوي: "هل يجد (بيدرسون) من يسمعه من الدول الفاعلة؟". وحذّر عضو هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية من أنه "إذا اقتحمت الفرقة الرابعة وحزب الله والفصائل الإيرانية الطائفية أحياء درعا البلد، فإن ذلك يعني حدوث كارثة إنسانية تتمثل بالقتل والتنكيل والتشريد". وبيّن أن اقتحام هذه الأحياء من قبل الميلشيات الإيرانية "يعني احتلال كامل الحدود مع الأردن، ما يحقق المخطط الإيراني بقرب الوصول إلى حدود بلاد الحرمين الشريفين (في إشارة إلى السعودية)، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية"، على حدّ قوله. ورأى أنه "ينبغي على الأشقاء العرب التحرك بسرعة لدرء هذا الخطر الذي بات محدقاً، والذي سيؤدي الى احتلال عواصم عربية أخرى من قبل الإيرانيين، وتكريس المخطط الايراني في المنطقة".

في موازاة ذلك، تحاول مجموعات مقاتلة معارضة للنظام في محافظة درعا، التخفيف من ضغط النظام على أحياء درعا البلد، من خلال استهداف قواته وحواجزه المنتشرة في المحافظة، حيث استهدفت مجموعة أمس، بالرصاص، أحد الحواجز الأمنية المتمركزة في مدينة الشيخ مسكين، وفق ناشطين أكدوا أن قوات النظام انتشرت بعد ذلك في المدينة في ظلّ أنباء عن وجود إصابات في صفوفها.

زاد النظام من تصعيده على الشمال الغربي من سورية

على صعيد آخر، زاد النظام السوري من وتيرة التصعيد على الشمال الغربي من سورية. وقالت مصادر محلية لـ"العربي الجديد" إن قوات النظام كثفت من قصفها المدفعي والصاروخي أمس، على منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، ما أدّى إلى مقتل مدني وإصابة آخرين في قرية معرزاف. وجاء ذلك تزامناً مع تصعيد القصف على ريف حلب الغربي، ما أسفر كذلك عن مقتل طفلة وإصابة آخرين، بينهم طفلة، في قرية تديل.

من جهتها، قالت صحيفة "الوطن" التابعة للنظام، إن الطائرات الروسية وجهت أول من أمس "رسائل من نار" في محافظة إدلب ومحيطها "في دلالة على حنق روسيا من النظام التركي الذي يماطل في وضع جدول زمني لتطبيق اتفاق موسكو المبرم عام 2020"، وفق الصحيفة. وقالت "الوطن" إن الضربات الجوية الروسية "ستتوالى خلال الفترة المقبلة بفواصل زمنية أقل من سابقاتها"، مشيرة إلى أن الجانب الروسي يصر "على وضع جدول زمني لتنفيذه على الأرض، لا أن يترك إلى أجل غير مسمى".

ويسعى الجانب الروسي في سورية إلى فتح الطريق الدولي "أم 4" الذي يربط الساحل السوري ومدينة حلب في شمال البلاد ويقطع محافظة إدلب، واستعادة الحركة التجارية عليه، لكن تعقيدات على الأرض تحول دون ذلك، مع وجود رفض شعبي لأي وجود روسي في الشمال الغربي من سورية. وأبرم الجانبان التركي والروسي اتفاقات عدة حول الشمال الغربي من سورية، إلا أنها لم تنفذ، ما خلا وقفاً هشّاً لإطلاق للنار، اذ لطالما خرقه النظام والروس ما يؤدي بشكل دائم إلى مقتل وتهجير مدنيين. ونشر الجيش التركي في الربع الأول من العام الماضي آلاف الجنود الأتراك في شمال غربي سورية، وأنشأ قواعد عسكرية كبيرة فيها، إضافة إلى عشرات نقاط المراقبة والارتكاز. وعلى الرغم من عدم تنفيذ اتفاق موسكو (الموقع بين تركيا وروسيا في مارس/ آذار 2020)، إلا أن الجانبين التركي والروسي لم يعلنا انهياره خشية الانزلاق إلى صدام ربما تصعب السيطرة عليه، في ظلّ وجود نحو أربعة ملايين مدني في محافظة إدلب ومحيطها. من جهته، رأى "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" أن "النظام وروسيا يسعيان لتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض في خرق لاتفاق خفض التصعيد، بهدف الاستيلاء على الأرض وتهجير السكاّن، حيث تقدر أعداد المهجرين من أبناء المناطق خلال الشهرين الماضيين بالآلاف"، وفق بيان لـ"الائتلاف" صدر عنه أول من أمس.

=========================

الملف السوري مازال ساخناً ولن يُغلق بقرار

بهية مارديني

سوريا تي في

الثلاثاء 10/8/2021

ينظر أغلب السوريين بعين الإعجاب للديمقراطيات في الدول الغربية، ويحملون الكثير من التقدير لكيفية معالجة هذه الدول للملفات الدولية والإقليمية والداخلية، ورغم أن بعض الدول لا تبذل جهدا لإقناعهم بمواقفها، وبأنها على حق في كل قضية، لكن انبهار بعضهم يتخطى الحدود.. إلى أن جاءت الثورة السورية وحملت مع الدم.. الوعي.. ورغم ذلك بقي أغلب المعارضين يتعاملون بمثل هذا الانبهار مع مواقف الدول الكبرى وملف بلدهم.. ولأسباب كثيرة تحولوا إلى مستمع دون نقاش وإلى متلقٍ دون جدل وإلى منفذ دون اعتراض ولم تكن هناك شراكة حقيقية في العمل لمصلحة هذه الثورة ومستقبل السوريين.

ورغم اعتياد بعض الدول تغليف قراراتها بقليل من السكر ولكنها اليوم، ربما ترى أن الشعب السوري في أضعف حالاته ما يمكنها من إصدار عدة قرارات بشأن سوريا دون تبرير أو إيضاح أو تجميل ولولا المواقف الدولية والأميركية الأخيرة المنددة لحرب النظام السوري على درعا (ولو أنها جاءت بمعظمها على تويتر) لأصابني المزيد من خيبات الأمل والعظيم من الإحباط..

ضد الجريمة

في البداية علي أن أوضح، رغم بداهة الأمر، أنني ضد الجريمة بالمطلق ومع مبدأ المحاسبة لأي شخص أو عسكري أو فصيل من أي طرف كان، طالما تلوثت يداه بدماء السوريين وعلي أن أوضح أنني لن أكذب وأقول إنني لست من ضمن المعجبين بالدول الكبرى بالعكس أنا قابلت مسؤوليها والتقيت دبلوماسييها وتدربت ودربت في صفوف منظماتها، وأسهمت هذه التدريبات في بناء شخصيتي وحريتي على قاعدة قانونية ضمن أرضية الولاء لقضيتي دائما وبمفهوم الشراكة لا التبعية..

ومن هذا المنطلق ومن منطق التفكير الحر أرغب في توجيه تساؤلات حول ماهية وضع فصيل "أحرار الشرقية" على قائمة العقوبات الأميركية لفهم ما يجري علما أنني كحال أغلب من أنهكته المتابعة، ولا يعرف هذا الفصيل من ذاك ولكن الحدث كان لافتا خاصة أن الإدارة الأميركية تدرس توسيع لائحة العقوبات وقد اختارت هذا الفصيل ليكون البداية..

تساؤلات

تساؤلاتي البسيطة أولا كيف يلتقي المسؤولون الأميركيون بهذه الفصائل بينما يعدون العدة لوضعها على لائحة العقوبات وكيف يشجعون معارضين على لقاء قادتها في الداخل وتحت اسمها خط أحمر وما الرسالة التي أرادت أميركا إيصالها من كل هذا؟ هل تعني أن تقول إنها تدعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فقط أو أنها تدعم بعض فصائل الجيش الوطني دون البقية ولماذا لم يخرج إلينا مسؤول ليوضح جوهر هذه العقوبات وماهيتها وأبعادها وتأثيراتها؟

وما هي حقيقة أن هذه العقوبات هي مقدمة لإعدام الملف السوري وإغلاق مكاتب المعارضة بالكامل خاصة مع الحديث عن إيقاف دعمها.. ولكن السؤال المهم من هو المسؤول عن أكثر من عشر سنوات استشهد فيها سوريون ممن آمنوا بالحرية والكرامة وصدقوا خطاب مسؤول أميركي تحدث عن الأيام الأخيرة لبشار الأسد؟..

الفكرة هنا وحتى لا أكثر من الاسئلة أن فصيل "أحرار الشرقية "صنف وفقًا لـلمرسوم الأميركي الرئاسي رقم 13894 لتورطه في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في سوريا وأحد هذه الانتهاكات “القتل غير القانوني لهفرين خلف، السياسة الكردية والأمين العام للحزب السياسي سوريا المستقبل، وقتل حراسها الشخصيين، في أكتوبر 2019” وهي جريمة اعتبرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة من أجل حقوق الإنسان جريمة حرب محتملة. ولكن لماذا انتظرت واشنطن عامين لتعاقب من تعتقد أنهم المسؤولون عن هذه الجرائم؟ وأيضا من ضمن الانتهاكات التي أوردتها واشنطن "القيام بمئات عمليات الإعدام خارج سياق القانون في سجن تابع للفصيل في محافظة حلب منذ عام 2018". وهنا انتظرت واشنطن ثلاث سنوات لتعلن عقوبتها.

قوائم أولية

تتردد رغبة الحكومة الأميركية في إصدار قوائم عقوبات تحوي على الأقل ثلاثة كيانات كان منها فصيل أحرار الشرقية بالإضافة إلى فصائل "فرقة الحمزات" و"السلطان سليمان شاه" و"السلطان مراد" وأكثر من عشرين من قياداتهم بالإضافة إلى مدنيين ومقربين من هذه الفصائل من الجنسيات السورية والتركية ممن تعتبرهم واشنطن يعملون على تجنيد السوريين للقتال في الخارج. وهذا يشير إلى أن العقوبات الحالية قد تكون عقوبات أولية فقط وقد يصدر غيرها في حال استمرار الوضع على ما هو عليه. فالمرسوم التشريعي 13894 يترك الباب مفتوحاً للتأويل أمام وزيري الخارجية والخزانة لمعاقبة الكيانات والأفراد التي تعتبرها الولايات المتحدة تسهم في تدهور أوضاع السلم والاستقرار في الشمال السوري. فكما ينطبق ذلك على النظام السوري وحلفائه، فإن ذلك قد ينطبق أيضاً على بعض مسؤولي المعارضة الذين دعوا في السابق إلى القيام بعمليات عسكرية في عدة مناطق في الشمال.

إجراءات

لذلك تبدو أهمية جملة من الإجراءات يتوجب أخذها على المديين القصير والبعيد لحماية مؤسسات المعارضة الفاعلة من تبعات ما يجري وربما يفيد إصدار تقرير مدروس وشامل عن الخطوات القانونية التي تمت لمعالجة كل ما أورده قرار العقوبات من الانتهاكات السابقة وإنشاء لجنة حقيقية من كفاءات قانونية مميزة لعلاج كل الانتهاكات واستقبال أي شكاوى وإغلاق كل المسائل العالقة..

مرة أخرى أنا مع القانون ولكن أيضا مع التذكير بخطابات المسؤولين المتعلقة بالنظام ولقاءاتهم مع المعارضة وتصريحاتهم وبياناتهم ومواقفهم ومع ضرورة النظر إلى سوريا من كل الزوايا والنظر للسوريين بوصفهم أصحاب رأي، ومن هنا أقول إن الملف السوري لن ينتهي بقرار أو بإيقاف الدعم.. الملف السوري يغلق بحل عادل يرضي السوريين جميعا وأنا أرى أن المعارضة مازالت قادرة على العمل إن نسيت خلافاتها الشخصية ومصالحها الضيقة ووضعت سوريا أولا، كما أن الدول الكبرى مازالت قادرة جدا على الحل، رغم قتامة هذه المرحلة، بالاستناد إلى القرارات الدولية ذات الصلة إن توفرت لديها الإرادة السياسية..

=========================

عن ملحقات قانون قيصر الأميركي

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الاثنين 9/8/2021

لا علاقة تُذكر بين المعاناة التي يقع في فخّها الشعب السوري في مناطق سيطرة النظام من ارتفاع جنوني في الأسعار وغياب التيار الكهربائي عن معظم أحياء المدن والبلدات لما يزيد عن 18 ساعة يومياً والتقنين في المواد الأساس للعيش، وبين عقوبات قانون قيصر واستتباعاته، والمستثنى منها الدواء والغذاء لمنع تأثيرها على الحياة المعيشية للأفراد، العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على النظام السوري حصراً والميليشيات والدول المساندة له في حربه الجائرة ضد المدنيين والتي آخر صورها تتجلى اليوم في حصار 50 ألف مدني في درعا ومحاولة اقتحام أحيائهم بقوة السلاح الثقيل.

المسؤول المباشر عن معاناة السوريين الحياتية والاقتصادية والإنسانية منذ نصف قرن من الزمن هو الفساد المستشري في البنية التحتية للنظام الذي نسج خيوط عنكبوته الأسد الأب بدهاء منقطع النظير، وجاء الأسد الابن ليكمل – بغباء – نسج تلك الخيوط التي عششت عليها سموم القهر والقمع الجماعي لملايين من السوريين الذين لا حول لهم ولا قوة، حتى قرروا في مارس من ربيع العام 2011 ذاك الخروج الكبير على منظومة فاسدة نكّلت بالأبرياء واعتقلت أصحاب الرأي الحر وصادرت الحريات وهدرت الكرامات على امتداد عقود خلت.

في هذا السياق تتابع واشنطن عن قرب تحركات النظام الميدانية وترصد محاولاته المتّصلة لكبح تطلعات السوريين ممن قرروا البقاء على الأرض والسعي من الداخل لمقاومة شرور نظام أمني أرعن، منخور بفساد العائلة التي تديره، وآيل للسقوط في أية لحظة يتخلى عنه حلفاؤه في موسكو وطهران وبكين أيضاً.

وفي سياق قانون قيصر المسلّط على رقبة النظام وأعوانه وكل من انتهك حقوقاً للإنسان السوري، قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC) منذ بضعة أيام بفرض المزيد من العقوبات على أفراد ومنشآت حكومية يتم تحت سقفها التنكيل بالمدنيين العزل بأبشع الصور التي شهدها التاريخ البشري المعاصر والتي تفوقت في وحشيتها على معتقلات النازيين في أحلك صورها.

العقوبات أتت هذه المرة على شكل حزمة توجهت إلى المجموعات الجهادية المتطرفة في الشمال السوري إلى جانب تلك الموجهة إلى مفاصل النظام الأمنية فصدرت عقوبات على ثمانية سجون سورية تديرها أجهزة المخابرات التابعة لنظام الأسد، والتي شهدت ولا تزال انتهاكات لحقوق الإنسان ضدّ السجناء السياسيين وغيرهم من المعتقلين. كما قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بتصنيف خمسة من كبار المسؤولين الأمنيين في مؤسّسات النظام التي تدير مرافق الاحتجاز تلك.

وجاء في البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية في هذه المناسبة أن “نظام الأسد شنّ نظام حرب ضروس على الشعب السوري، حيث سجن مئات الآلاف من المطالبين بالإصلاح والتغيير تعرّض منهم ما لا يقل عن 14 ألف معتقل للتعذيب حتى الموت، بينما تذكر التقارير أن ما يزيد عن 130 ألف معتقل هم في عداد المفقودين أو المعتقلين بشكل تعسّفي حتى يومنا هذا، ويُعتقد أن الغالبية العظمى منهم إما أن يكونوا قد قضوا نحبهم أو أنهم محتجزون دون أي اتصال بالعائلة أو بممثليهم القانونيين”.

إلى ذلك، وفي متابعة حثيثة للجماعات المتطرفة التي تدّعي انتماءها للثورة والدفاع عنها، والثورة السورية، بشقّيها المدني والعسكري براء منها، قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في واشنطن بفرض عقوبات على جماعة أحرار الشرقية المسلحة التي تنشط في شمال سوريا بسبب ارتكابها انتهاكات ضد المدنيين، وفرض عقوبات موازية على اثنين من قادتها لضلوعهم في ارتكاب جرائم ضدّ السكان العزل والاستيلاء على ممتلكاتهم الخاصة. وقد ثبت في التقارير أن الجماعة شيّدت مجمع سجون كبير خارج حلب تم إعدام المئات فيه منذ العام 2018 تحت إدارتها، كما استخدمت الجماعة هذا السجن لتنفيذ عمليات خطف واسعة النطاق مقابل فدية استهدفت شخصيات تجارية ومعارضة بارزة من محافظتي إدلب وحلب. وقامت أحرار الشرقية أيضا بدمج عناصر داعش السابقين في صفوفها، كما أثبتت المتابعات لأعضائها انضواءهم في تنظيم داعش قبل التحاقهم بأحرار الشرقية.

المسؤول المباشر عن معاناة السوريين الحياتية والاقتصادية والإنسانية منذ نصف قرن من الزمن هو الفساد المستشري في البنية التحتية للنظام الذي نسج خيوط عنكبوته الأسد الأب بدهاء منقطع النظير

مديرة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أندريا جاكي، وفي تصريح لها إثر الإعلان عن حزمة العقوبات الجديدة أفادت أن “هذه العقوبات تعزّز عملية المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة ضدّ الشعب السوري وتمنع عن الجهات المارقة الوصول إلى النظام المالي الدولي”.

وحين يتقوّل المتشككون عن القيمة الفعلية لمعاقبة منشأة عسكرية كسجن أو مركز مخابرات، فإن الواقع يقول إن هذه المنشآت التي مورست فيها أبشع الجرائم ضد المدنيين من معتقلي الرأي ستحتاج في متابعة عملياتها إلى الدعم اللوجستي والمالي من الجهات الحكومية في دمشق، وبالتالي فإن إدراجها ضمن لائحة العقوبات الأميركية ليس أمراً مجازياً على الإطلاق، بل هو لمنع إمدادها بالموارد اللازمة لها لاستمرار خططها الفاشية ضد السوريين العالقين في فخّ معتقلات الأسد.

كما يشير هذا الإجراء إلى التزام الولايات المتحدة باستهداف كل من ينتهك حقوق الإنسان في سوريا، بغض النظر عن الجهة التي تمارس تلك الانتهاكات، ويعزّز هذا الإجراء أهداف قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، والذي يسعى لجعل نظام الأسد يتحمّل مسؤوليته عن الفظائع التي ارتكبها.

معتقلات أحرار الشرقية وانتهاكاتها للإنسان السوري لا تختلف عن سجن صيدنايا وأفرع  مخابرات النظام الموغلة في دماء الأبرياء والتي طالتها العقوبات الأميركية، ولن تُرفع حتى يرفع نظام الأسد يده عن احتكار الدولة ويخضع لإرادة المجتمع الدولي بالانخراط الجدّي في عملية انتقال سياسي كاملة رسم خارطة طريقها مجلس الأمن في إجماعه على القرار 2254 الذي يضمن الحل العادل للمعضلة السورية.

=========================

الحق السوري البائن وغياب الإرادة الشائن

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 9/8/2021

يعتمد أي صراع كالصراع السوري على ميزان قوى معيّن. وأي خلل فيه، إما أن يحسمه لصالح مالك القوة، أو يطيل أمده، ويفاقمه. في الصراع السوري، قوة الحق مصحوبة بحياء وتردد وغياب إرادة من "داعمي" حق الشعب السوري في الحرية والديمقراطية والأمان والحكم الرشيد جعلت هذا الصراع يمتد إلى حد التعفن.

لا بد أن الخلل بميزان القوى في الصراع السوري قد أسهم بتمدد المأساة السورية؛ وخاصة عندما تمَّ الإقرار بأن "الحل السياسي أو الدبلوماسي" هو المخرج الوحيد. وفي هذا الصدد، كانت هناك جملة من القرارات الأممية التي توصل إلى هكذا حل؛ إلا أن منظومة الأسد وحُماتها لم تؤمن لحظة بالحل السياسي، فتلظوا به ظاهرياً، وتابعوا نهج القوة العسكرية ضامنين تفوّق القوة النارية على القوة القانونية والأخلاقية الضعيفة من جانب أصحاب القضية السوريين، والقوى المترددة فاقدة الإرادة "الداعمة" لقضيتهم العادلة.

رفعت تلك القوى، التي سمّت نفسها "أصدقاء الشعب السوري"، المسؤولية عن ذاتها باللجوء إلى الأمم المتحدة؛ وكانت تدرك تماماً أن هذه الهيئة الدولية وتحديداً القرار الأممي في مجلس الأمن مشلول بفعل الفيتو الروسي والصيني

تلك القوى فاقدة الإرادة "عمداً ربما" تجاه إنقاذ سوريا من براثن الإجرام الأسدي وأعوانه لم تكن تفتقد الإرادة والتجييش على ما سمّته الإرهاب متمثلاً بداعش؛ وهي تدرك تماماً أنه إذا كان مِن إرهاب في سوريا، فهو إرهاب المنظومة الأسدية وداعميها المرتبطين بداعش والمستخدمين لها.

رفعت تلك القوى، التي سمّت نفسها "أصدقاء الشعب السوري"، المسؤولية عن ذاتها باللجوء إلى الأمم المتحدة؛ وكانت تدرك تماماً أن هذه الهيئة الدولية وتحديداً القرار الأممي في مجلس الأمن مشلول بفعل الفيتو الروسي والصيني. وقد يكون راقها ربما الاكتفاء بتسجيل النقاط السوداء على روسيا لحمايتها للإجرام؛ فهي من جانب تراكم ملفات وأوراق إدانة سياسية لروسيا، التي ربما لا تعير ذلك اهتماماً، ولا تقيمه من أرضه؛ ومن جانب آخر تزيح عن كاهلها مسؤولية عالمية تجاه بلاء وابتلاء ملايين السوريين بهذا الوباء، وتجاه حقوق الإنسان وحمايته الحقيقية، التي طالما تغنَّت بها.

يتذكّر السوريون خط أوباما الأحمر، وعندما وضع يده على آلة الجريمة، لا على الفاعل. يتذكّرون كيف استمر النظام باستخدام آلة الجريمة ذاتها "السلاح الكيماوي"، /وهذا موثَّق/، وكيف جرّب الروس مختلف صنوف الأسلحة؛ يتذكّرون تغوّل ميليشيات إيران وحرسها الثوري بالدم والحقوق السورية، وكيف وضعت كلتاهما يدهما على مقدّرات سوريا. أما ما يتذكرونه من "أصدقاء الشعب السوري" فهو الإنشاء والفلسفة و"المساعدات الإنسانية". وحتى اللحظة لا يلحظون من عهد بايدن إلا النهج ذاته.

لم تحجب تلك القوى الدعم الكفيل بحسم الأمور في سوريا لصالح الشعب وقضيته في الحرية والحكم الرشيد مستنداً إلى القرارات التي أصدرها مجلس الأمن؛ بل خنقت تركيا، الجهة الوحيدة المضطرّة لمساندة الشعب السوري- ووضعتها في ممر إجباري لتلجأ إلى روسيا. كان بإمكان الاتحاد الأوروبي مثلاً استصدار قرار(ات) على شاكلة قانون قيصر يستهدف روسيا وإيران اللتين لا تقلان إجراماً عن منظومة الاستبداد بدمويتهما؛ وخاصة أن لديهم توثيقات عن تلك الجرائم لا تقل عمّا لدى أميركا.

ومن جانب آخر كبّلت بلاد عربية كان بإمكانها أن تحدث الفارق في خيار القوة. وها هو بعضها لا يجد أمامه من خيارات إلا إعادة التواصل مع المنظومة الاستبدادية. ويبدو أن كل ذلك لم يتم عبثاً، أو بسبب فقدان الإرادة بوضع حل للأزمة، وإنما لأغراض تكشفّت مراميها الآن تماما؛ وتحديداً قوة الفيتو الحقيقي الذي تمارسه إسرائيل على الجميع.

والآن يتجدد الحديث عن الاتفاق النووي الإيراني - الغربي، والذي ذهبت القضية السورية فيه "فرق عملة" عندما كان أوباما رئيساً للحلف الغربي وعلى رأس حلف "أصدقاء سوريا"، والسيد بايدن نائباً له. وفي عهد الأخير، الذي حدّد نهج حملته بوقف التصعيد والتوتر العالمي، لا تزال إيران أكثر تغولاً واستشراساً تغرس مخالبها في جسد محيطها وخاصة على الساحة السورية. وما ينطبق على إيران، ينطبق تماماً على روسيا؛ فالفصل بينهما إما وهمٌ وضحالة تفكير، أو جزء من استخدامهما المقصود في دمار المنطقة واستعبادها ليسهل الانقضاض النهائي عليها.

من جانبه، وبعد الحرب التي شنّها النظام وأعوانه على كل مَن يعارضه، ها هو يشن حرب إفقار وإذلال ضمن حاضنته التي تعاني اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً أكثر مما يعانيه مَن هم خارج سيطرته. يخطىء عمداً أو غفلة أولئك الذين يقولون إن الحرب انتهت في سوريا، لأن منظومة الاستبداد تعيش عليها، أكان عبر استمرار الهجمات والقصف على الجنوب والشمال كما يجري الآن، أو جعل الحياة - حيث يوجد الروس والإيرانيون- لا تطاق بالنسبة للإنسان السوري؛ الذي أقصى طموحه الآن ترك هذا الوطن بأي شكل.

إذا كانت تلك القوى الغربية صادقة وحريصة على حقوق الإنسان كما تعلن وراغبة بجعل العالم أقل توتراً، فالطريق واضحة. عليها أن تعلم أن بوتين ليس جزءاً من الحل بل الجزء الأكبر من المشكلة السورية. والجرائم التي ارتكبتها روسيا بحق السوريين وبلدهم لا تقل عن جرائم النظام؛ فإن تعذَّر سوق النظام إلى محكمة "لاهاي"، بسبب فيتو روسيا، لا بد من العمل خارج مجلس الأمن، وإطلاق محكمة خاصة بجرائم الحرب في سوريا. فهل صعب مثلاً ممارسة “الولاية القضائية العالمية للمحاكم الجنائية” في سائر الدول المعنية بحقوق الإنسان والتي تعبر عن وقوفها إلى جانب السوريين.

كما استجلب نظام الاستبداد آلة حرب الغزاة الروس والإيرانيين ليستمر بالقمع وأخذ سوريا رهينة؛ مبرر لطلاب الحرية الحصول على الدعم لإسكات آلة الحرب بالقوة وتحرير سوريا

يدرك مَن يتحدث بدعم قضية السوريين كم هو متجذر مفهوم القوة لدى منظومة الاستبداد وداعميها، وأن الروس ما خرجوا من أفغانستان إلا بالقوة، وأن الأمر ذاته ينطبق على إيران ومنظومة الاستبداد التي اختارت الحديد والنار لقمع السوريين، وأن هؤلاء السوريين الذين أرادوا استعادة بلدهم جاهزون عند توفر ما يلزم لتحرير بلدهم من الطغاة. وهذا أمر مبرر وأخلاقي؛ فكما استجلب نظام الاستبداد آلة حرب الغزاة الروس والإيرانيين ليستمر بالقمع وأخذ سوريا رهينة؛ مبرر لطلاب الحرية الحصول على الدعم لإسكات آلة الحرب بالقوة وتحرير سوريا.

أخيرا، يبدو أن تلك القوى الغربية لم تتعلّم من دروس التاريخ. ليتها ترجع قليلاً لعام 1938عندما التقى رئيسا وزراء بريطانيا وفرنسا مع هتلر، وعقدا معه معاهدة ميونخ في محاولة لاحتواء دكتاتورية ألمانيا النازية، وتجنب اندلاع حرب عالمية أخرى؛ ولكنهما أخطأا تفسير عقلية الدكتاتور التي لا تسأل "لماذا؟"، بل "لم لا؟!.” يبدو أن التاريخ يكرر نفسه مع البوتينية والخامينائية والأسدية. وإن لم يحصل هذا الفهم والاستدراك، فنار دكتاتورية الغزاة ستصل إلى كل مَن تقاعس أو خادع أو توانى في نصرة هذا الحق البائن.

=========================

عن التغطية الإعلامية للمقتلة السورية

سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 8/8/2021

تواصلت معي، قبل أيام، محطة إذاعية فرنسية واسعة الانتشار في العالم الفرنكفوني لإجراء مقابلةٍ عن حصار القوات الإيرانية والسورية درعا. وقد استغربت هذا الاهتمام، على الرغم من أهمية الحدث، لأن الإعلام الفرنسي قد أظهر منذ فترة لا بأس بها "تعباً" من متابعة الحدث السوري، وصارت أخباره التي تغطي المقتلة السورية نقلا حرفيا لبرقيات وكالات الأنباء، من دون الاستفاضة أو من دون الرجوع إلى تحليل الملف وإبراز عناصره، وتوضيح العوامل المؤثرة في مساراته المتفجرة منذ اندلاع الثورة السورية سنة 2011. وقد ازداد استغرابي عندما تبين لي أن الوقت المخصص للمقابلة يزيد عن سبع دقائق، وهذا في العرف الإذاعي الفرنسي طويل نسبياً. حينها، سمحتُ لنفسي المتطفلة أن تسأل الصحافي عن سر الاهتمام المفاجئ، أو العودة إلى الاهتمام بقضيةٍ تناستها وسائل الإعلام طويلاً، أو أنها تعاملت معها في الحد الأدنى للضرورات المهنية. وقد أيقظت إجابته ألماً مؤجلاً مرتبطا بهذه الظاهرة التي تبدو ظالمة بحق قضية عادلة مستمرة، في ظل صمت دولي واستقالة أخلاقية ندر نظيرهما في البقع الجغرافية الأخرى.

قال لي الصحافي إن الاهتمام هو على قدر وضوح الصورة، وإن التشابكات التي نجحت السلطة السورية في نسجها، إضافة إلى الفشل الذريع للصوت المقابل في طرح قضيته بكلمات واضحة ومباشرة بعيدة عن اللغة الخشبية والمناشدات الإنسانية البحتة، تلعب دوراً برأيه. ويمكن أن يشكل هذا الموقف نقطة بدايةٍ لمحاولة فهم ظاهرةٍ أوسع من حدود البرنامج الإذاعي المعني، وهي تتمثل في ابتعاد الاهتمام الإعلامي عن القضية السورية.

تعاملت الفصائل المسلحة، راديكالية التوجه، مع الصحافيين على أنهم سلع للمقايضة، ولم تلتفت البتة إلى دورهم في تعريف متابعيهم على حقيقة المأساة السورية، بل وهزئت به

المشهد السوري عموماً، ومنذ عقود قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية، مغلق تماماً على الصحافة الأجنبية، إلا عبر التنسيق الإعلامي/ الأمني مع الجهات الإعلامية/ الأمنية المختصة، وهذا يتبع منطقيا انغلاق المشهد الإعلامي المحلي. وكذلك، العقلية الحذرة، والمشككة، والكارهة للحقيقة التي سادت أروقة القائمين على حيوات العباد، لفظت أي اعترافٍ بالدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في تطوير مدارك الناس المحليين ومعارفهم ومنطقهم، كما الخارجيين. ونادراً ما استطاع صحافيون غربيون الهروب من الرقابة اللصيقة التي تفرضها الأجهزة عليهم منذ وصولهم إلى أرض البلاد وحتى مغادرتها. وبالتوازي، استطاعت دمشق أن تشتري بعض الأقلام عبر وساطة لبنانية احترافية إعلامياً وتسويقياً أو عبر نشر اعتقاد أيديولوجي يُسكر عقول بعض الصحافيين البافلوفيين الذين أعمتهم كراهيةٌ موجّهةٌ ليقبلوا ببؤر استبدادية ويروّجوها، كالراحل روبرت فيسك.

مع اندلاع الاحتجاجات، صارت الرقابة أشدّ التصاقاً بأي صحافي غربي تطأ قدمه أرض الشام، ووجهت تهديدات صريحة إلى من حاولوا منهم الإفلات من هذا التأطير على الطريقة الكورية الشمالية. وساهمت راهبة مستأجرة في التسويق الإعلامي في الأوساط الفرنسية، وعاقبت بشدة من لم يتجاوب مع تعليماتها بالحد من حرية الانتقال على أرض الحدث، ما أودى بحياة عدد منهم. مقابل هذا الوضع، وبعد استنفاد الفرص الشرعية، تسلّل بعض الإعلاميين، عبر خطوط المواجهة، محاولين التعرّف عن قربٍ على الحدث، ونقل الخبر بموضوعية، من دون إغفال تعاطفهم الإنساني الطبيعي مع ضحايا التعذيب وبراميل المتفجّرات والاغتصاب المنهجي.

توقفت إدارات وسائل الإعلام الغربية عن قبول أي سفر للعاملين فيها إلى الأرض السورية

مع اشتداد العنف، وتشتت العمل المسلح وفوضى السيطرة الميدانية، توسّعت رقعة الخوف، لتمتد إلى مناطق لا يسيطر عليها جيش دمشق، وصار من الصعب على الصحافيين الغربيين الولوج إليها، ولو حتى عبر مرافقين محليين، لأن كثيرين منهم سلّمهم إلى بعض العناصر الإرهابية، كجبهة النصرة، مقابل مبلغ من المال. وفي العموم، تعاملت الفصائل المسلحة، راديكالية التوجه، مع الصحافيين على أنهم سلع للمقايضة، ولم تلتفت البتة إلى دورهم في تعريف متابعيهم على حقيقة المأساة السورية، بل وهزئت به. وهذا دليل إضافي على انعدام اهتمام هذه الفصائل بمآلات الحراك الشعبي، ومساهمتها الفاعلة في سرقة (وتدمير) طموحات من خرج ذوداً عن حريته وعن كرامته، وسعياً إلى عدالة اجتماعية فُقدت منذ عقود. إثر ذلك، توقفت إدارات وسائل الإعلام عن قبول أي سفر للعاملين فيها إلى الأرض السورية. وتم بذلك حرمان السوريين من تغطية أخبارهم بشكل فعّال. واكتفى الإعلام الغربي ببرقيات وكالات الأنباء، أو اعتمدوا، بشكل شديد الحذر، على صحافيين مواطنين، لطالما بالغوا، عن حسن نية، في نقل الخبر وتضخيم عدد الضحايا، ظناً منهم أن هذا الأسلوب ربما يستحثّ الآخر على رفع درجة الاهتمام. وبموازاة هذا القحط الإعلامي، طوّر النظام سياسة جلب الإعلاميين الغربيين المنتفعين أو الباحثين عن السبق وجذبهم، فرحّب بهم برقابةٍ أخفّ، وتركهم يتجوّلون في مناطق سيطرته لوصوله الى درجة عالية من الثقة بالخوف الذي ترسّخ في نفوس الناس التي لن تحيد عن الصراط المستقيم قيد أنملة.

اقتصر اهتمام الإعلام الغربي إذاً على مناسباتٍ نادرة، تتعلق إما بالذكرى السنوية لاندلاع الاحتجاجات، أو بمحاكمة تعقد في الغرب لمجرم حرب سوري. كما ساهمت وسائل الإعلام الغربية الناطقة باللغة العربية في تشويه صورة الحراك السوري، لارتباط القائمين عليها من العرب إما بأنظمة ديكتاتورية أو بعقائد متخشبة مؤمنة بالمؤامرات التي تحيط بالعرب.

=========================

وجهة نظر : مع استئناف الثورة وليس استمرارها

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 8/ 2021

أكثر من عشرة أعوام تفصلنا عن انطلاقة الثورة السورية. وانطلقت الثورة السورية يوم انطلقت تلقائية عفوية عاطفية بحيث نقول إنها كانت أشبه بردة الفعل على توحش "الزمرة" المتسلطة، وعنجهيتها، وتجاوزها كل القيم والمعايير.

ومع كل ما في التلقائية والعفوية من نصوع وخلوص وجمال، إلا أنها تبقى غير قادرة على الوفاء بحق موقف وقرار أصبح مع مرور الوقت أكثر تداخلا وتعقيدا..

ولقد اكتشف السوريون الأحرار خلال عشرة أعوام مرت من المعطيات والمستجدات والمعلومات ما يتطلب منهم، بل ويحتم عليهم، مع تمسكهم بأهداف ثورتهم الأعلى : عدل ومساواة وحرية وكرامة إنسانية ووطنية؛أن يعيدوا النظر في كثير من الوسائل والأساليب وكذا في كثير من مفاصل الخطاب الذي تبناه البعض، حتى اضطرب على الناس موردهم الذي يردون..

إن تأكيدنا على استمرار الثورة بمعنى التمسك بالأهداف الوطنية الجمعية السامية، التي قضى عليها الشهداء، وضحى من أجلها المضحون لهو أمر جميل وحسن ومطلوب ..على ألا تعني الاستمرارية معنى الاسترسال بكل مدخلات العفوية والتلقائية والعاطفية والسير في المنعرجات التي أثبتت لنا التجربة خطلها وخللها ..

وأخطر ما كان في عاطفية بعض الناس أنهم ظنوا أن السير في طريق الثورة هو " ركوب موجة " وأمر أشبه " بقرط الخيار " الثورة على مثل الزمرة الخائنة العميلة، ليست قرطة خيار. وليس "سيبانة" على لغة أهل حلب، ولا هي " سيران " كما يقول أهلنا في دمشق. ومن أراد أن يتقدم فليتقدم على بصيرة. ومن أراد أن يحمل لواء الثورة فليحمله بحقه..

إن على حامل اللواء حقا ...أن يخضب الصعدة أو تندقا

وعلى أن لا تعني الاستمرارية التتايع على الثقة بمن أثبتت لنا التجربة أنه ليس محلا للثقة، من قريب وبعيد. وعلى أن لا تعني الاستمرارية تسليم قرار ثورتنا كما فعلوا منذ كان المجلس الوطني لمن ظنوه الصديق والمناصر ..

ومنذ مؤتمر " أصدقاء الشعب السوري " الأول والذي انعقد في تونس، أسفر الصبح لذي عينين كما تقول العرب، ولكن ظل الذين ما زالوا يغمضون أعينهم لا يرون ..

المطلوب اليوم، ولكي لا نقع في اللبس، أن نعلن المطالبة الصريحة باستئناف الثورة. والاستئناف في لغة العرب، يعني البداية من جديد ..

وأول ما يعنيه الاستئناف أن نتخلى عن التلقائية والعفوية والعاطفية ..

وأن يكون هناك فريق وطني حقيقي قائد، يقدم نفسه قائدا مسؤولا، مسئول من قبل ومن بعد.

أقرأ اليوم مقالات وكتابات لمن قاد أولا وثانيا وثالثا وعلى هذا الشعب البطل الذي أعطاهم أكثر مما يستحقون ، يستأتذون ويتعالمون ويتثاقفون ..

وقيادة الثورة ليس تشكيل شلل على طريقة تبويس شوارب، ولا تلبيس طواقي ، بل فريق وطني يقود ولا يقاد، يعلم ويوجه ويقرر ويتحمل مسئولية القرار ..

استئناف الثورة تعني أن نسمو فوق التلقائية والعفوية والعاطفية وردود الفعل إلى حالة الفعل المخطط المدروس..

واستئناف الثورة يعني أن نعيدها ثورة لكل السوريين، وعلى كل الأرض السورية، ومن أجل دولة السواء الوطني في العدل والحرية والكرامة الإنسانية

استئناف الثورة يعني أن نرفض منطق بشار الأسد في تقسيم السوريين إلى متجانسين وغير متجانسين. وأن نرفض تقسيم السوريين إلى معارضة وموالاة، وإذا كان بشار الأسد يرفض حتى الآن الاعتراف بمعارضة وطنية، فيجب علينا أن نكون أكثر وعيا فلا نجود عليه بحسبان كل السوريين الواقعين تحت سيطرته له أو عليه ..

بشار الأسد وزمرته يقولون ليس هناك معارضة وطنية في سورية، ونحن يوم نستأنف الثورة يجب أن ننفي أن يكون لبشار الأسد موالاة أو حاضنة في سورية ، كل من هناك مواطنات ومواطنون خاضعون للسيطرة، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ..

على بصيرة ندعو إلى استئناف الثورة، وعلى بصيرة يجب أن يحدد كل مواطن سوري حظه منها، ودوره فيها ،ومسؤوليته عن قرارها ..

وتبقى الثورة .. لكل سورية ولكل سوري ولكل الأرض السورية ...

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

حوران و»الدكتور»: أحقاد لم تخمد وأخرى تتجدد

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 8/8/2021

للنظام السوري مع منطقة حوران عموماً، ومدينة درعا بصفة خاصة، ثارات عديدة تراكمت سنة بعد أخرى، لا تقتصر على أنّ الحوارنة كانوا سباقين إلى التظاهرات الأبكر، أو أنّ تلاميذها خطّوا على الجدران تلك العبارة الفريدة: «أجاك الدور يا دكتور» في إشارة إلى أوان رحيل بشار الأسد، أو أنّ أبناءها بذلوا أوّل الدم وأوائل الشهداء. وحين اندلعت انتفاضات العرب، وتفاخر الأسد بأنّ نظامه «ممانع» و»محصّن»، توجّه مع ذلك إلى المخابرات الروسية يستفتيها حول المناطق السورية الأكثر عرضة للانتفاض تأثراً بموجة البوعزيزي في تونس؛ فكان الجواب قاطعاً: الأخطر ريف دمشق، والأكثر ولاءً (وبالتالي تأخراً في الالتحاق بالاحتجاجات) ريف حوران ومدينة درعا.

خيبة الأسد الشخصية، إزاء انتفاض المنطقة على نقيض نبوءات المخابرات الروسية، ترجمها على الأرض العميد عاطف نجيب رئيس شعبة الأمن السياسي وابن خالة الأسد، الذي أكمل موبقات المحافظ وليد عثمان والد زوجة صيرفي النظام رامي مخلوف؛ وثمة، في سجلات انتفاضة حوران، ما تشيب له الولدان حقاً من أفانين التوحش والحقد والتنكيل والإذلال، الجماعي دائماً، بحقّ أبناء المنطقة، ولم تكن مأساة الطفل حمزة الخطيب سوى واحدة منها منكشفة ومفتضَحة. وأمّا أحدث خيبات «الدكتور»، الذي لم يطل الوقت حتى استحق ألقاب «الكيماوي» و»مجرم الحرب» و»البراميلي»، فقد كانت عزوف المنطقة الصريح والجسور والبطولي عن المشاركة في مساخر «انتخاب» الأسد.

عير أنّ للمنطقة امتيازاتها الجيو – سياسية التي حتمت أن تتجاوز معادلاتها أحقاد النظام، وثارات الأسد وخيباته الشخصية، بدليل أنّ وضعها تحت تصنيف مناطق «خفض التصعيد»، بموجب اتفاق 2018، لم يشارك في صياغته النظام وروسيا وإيران/ «حزب الله» فقط، بل حضرت أيضاً الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي والأردن؛ فتوافق الجميع على ترقية نظام قاتل الأطفال وراجم البراميل والأسلحة الكيميائية وراهن سوريا إلى خمس احتلالات في آن معاً، إلى مصافّ وكيل محلّي يخدم رعاة الاتفاق كافة، في حوران وتخومها. ولهذا يصعب على الحوارنة أن يتخيلوا، فما بالك أن يهضموا، أيّ مساع روسية للتوسط أو ردع ميليشيات إيران و»حزب الله» وذئاب الفرقة الرابعة؛ أو، في المقابل، أن يقبضوا جعجعة معتادة بلا طحن، تصدر عن البيت الأبيض أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة.

إلى هذا سجّلت حوران سابقة من طراز آخر، ليس أقلّ اتصافاً بالجوهريّ الفارق، هو محاسن ومساوئ صفقات «مصالحة» مع النظام يمكن أن يبرمها عسكر «الجيش الحرّ» برعاية فريق ثالث؛ وليس، للإيضاح المفيد، على غرار تسويات الغوطة أو القلمون أو حلب أو دير الزور. ذلك لأنّ حصيلة صفقة حوران، للعام 2018، فشلت حتى في اكتساب جدل الربح والخسارة أو موازين الأخذ والعطاء والتفاوض، وليس الدليل الأوضح سوى الحال الراهنة التي يعيشها اللواء الثامن وقائده أحمد عودة، الذي لا حول له ولا طول غير الاقتداء بالوسيط الروسي، والقيام أحياناً بما يشبه وظائف هلال أحمر حوراني يشرف على تبادل الأسرى والجثث!

غير أنّ التفصيل الذي لا يصحّ أن يكون عابراً في المشهد الحوراني الراهن هو وضع الفرقة الرابعة، ليس عسكرياً فقط بل سياسياً أيضاً؛ لأنّ كتائبها، الأفضل تسليحاً والأعلى امتيازات و»الأنقى» من حيث التركيب الطائفي/ العشائري، سجلت هزائم جلية أمام ما تبقى من فصائل مسلحة معارضة، كما كشفت مقدار الانشطارات التي بلغها جيش النظام بين موالاة قطيعية، وأخرى مرتبطة بـ»الحرس الثوري» الإيراني، وثالثة تتعامل مع الضباط الروس، ورابعة توالي النظام عبر مؤسسة أمنية مثل المخابرات العامة وليس وزارة الدفاع أو رئاسة الأركان.

ورغم ما يعانيه أهلها من عذابات الحصار والتهجير والتجويع والدمار، فإنّ حوران تواصل الأمثولة؛ وإذْ لم تخمد أحقاد «الدكتور» بل تتجدد، فعلى منوالها تتعاقب شرارات آذار (مارس) 2011، التي منها اندلع اللهيب.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com