العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-07-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

درعا من الثورة إلى الاحتلال

عمار ديوب

العربي الجديد

الخميس 12/7/2018

تعقّدت أزمات سورية، مع سياسة اللبرلة التي اعتمدها النظام، ولا سيما عام 2000، وذلك للتخلص من سياسات القطاع العام القديمة، وليحتكر كبار رجال السلطة، وقد اغتنوا من قبل، نتائج اللبرلة هذه. أي أنّه، وبعد إكمال نهب القطاع العام، كان لا بد من قوانين جديدة، تُسهٍل لأبناء سلطة السبعينيات السيطرة الكاملة على السوق، بعد التسعينيات، وهذا يوازي السيطرة على النظام والسلطة بكل مستوياتها.

السياسة الاقتصادية هذه، وهي سياسة عالمية بدأت منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ومن نتائجها رفع أسعار كل المواد في السوق، بعد أن تخلت الدولة السورية عن دعم المواد الأساسية، ولا سيما أسعار المازوت والأعلاف بصفة خاصة؛ وكذلك حينما انفتحت على تركيا، بعد خسارتها لبنان 2005. هذان العاملان بالتحديد أدّيا إلى انهيار الصناعات الأولية والزراعة، فارتفعت أعداد العاطلين من العمل بشكل كبير، وانخفض مستوى دخول الناس، وازدادت طبقة المفقرين، وانخفضت كذلك قيمة العملة؛ هذه من نتائج اللّبرلة، وهي سياساتٌ

"انتهت الثورة في مدينة درعا، لكن أسبابها لم تنتهِ، وأضيفت إليها أسباب جديدة" تماثل ما تمّ في كل العالم العربي قبل 2011، وتسببت بثوراتٍ شعبية عارمة. يختلف الأمر في سورية، بسبب طبيعة النظام الأمني والعسكري؛ حيث لا يقارَن نظاما تونس ومصر به، قمع ومنع كل شكل للعمل السياسي والنقابي والفلاحي والشبابي، بينما الأمر في ذلكما البلدين لم يكن بهذه الصورة أبداً. إذاً لم تأت الثورات من عدم، وإنما هناك أسبابٌ عديدة أدّت إليها.

 

مشكلات درعا

درعا التي تُحسب تاريخياً على النظام، ومنها قيادات كبرى في الدولة، ولم تتحرّك في أزمة الثمانينيات ضد النظام. درعا هذه تخلو من أية مصانع، تستوعب العاطلين من العمل، وهي مدينة زراعية بامتياز كذلك، والأهم أن فيها نسبة عالية من المهاجرين إلى دول الخليج ومنذ الثمانينيات بشكل أساسي، وهو ما ساهم بنهضةٍ زراعية فيها. الهجرة هذه دلالة أكيدة على غياب التنمية في سورية، وكذلك وجود ملايين السوريين من بقية المدن السورية في كل من لبنان والخليج. على كل حال، هذه أسباب أولية، يضاف إليها العامل العربي 2011؛ فالثورات العربية تُطيح الأنظمة، وبالتالي تشكلت عوامل داخلية وخارجية للبدء بالثورة.

دخلت درعا الثورة كما كل المدن السورية، وهي تكابد أزمات الإفقار والقمع السياسي وافتقاد السوريين أية حقوق وحريات؛ وهناك عامل آخر، حيث مَنعت الدولة حفر الآبار في بعض مناطق درعا، لأنها مناطق حدودية، وهذا جعل وضع الفلاحين كارثياً، حيث يُجبرون على دفع الملايين بين الرشاوى وكُلف الحفر. وقد أدار النظام الأمني الأزمة الثورية 2011، كما كان يفعل طوال مراحل سيطرته على سورية، أي منذ السبعينيات خصوصا، وبشكل متشدّد بعد أزمة الثمانينيات.

وللثورة أسباب عديدة، وقد أشير إليها أعلاه، وبالتالي كانت ستحدث لا محالة. أما شرارتها فقد بدأت في درعا، بعد حكاية الأطفال الذين أرادوا محاكاة ما يحدث في الدول العربية، فكتبوا "خربشاتٍ" على جدران مدرستهم، وفيها تنديد بالنظام الذي مرّر سردية إعلامية سمجة: إن سورية ليست كمصر وتونس. لم ينتبه إلى خطورة الوضع الثوري في سورية، وكان لإجابة أجهزة الأمن بأن ينسوا أطفالهم في المعتقلات، وأن ينجبوا أولاداً غيرهم، أو أن يأتيهم أهل درعا بنسائهم "فيحبّلوهن هم" مفعول السحر! هذا الرد، وعلى خلفية التأزم الشديد، فجّرَ المدينة، ولحقت بها بالتدريج كل بلدات درعا، وكلما كان يزداد القتل والقمع والاعتقال كانت الثورة تشتعل، وتنضم بلدات جديدة، وألوف جدد وعائلات وعشائر بأكملها، ومدن سورية

"دخلت درعا الثورة كما كل المدن السورية، وهي تكابد أزمات الإفقار والقمع السياسي وافتقاد السوريين أية حقوق وحريات" أخرى. التآزر المحلي ومظاهرات بقية مدن سورية، سيما في المناطق الأكثر تهميشاً، والمدن المهمّشة، دفعت بالثورة لتنتقل من المطالبة بالإصلاح، (العرائض إلى رئيس الجمهورية وزيارته من وفود من أغلبية المدن السورية)، والمطالبة بإعفاء المحافظين وكبار رجال الأمن، إلى المطالبة بإسقاط النظام بكل رموزه، ولاحقاً من السلمية إلى العسكرة.

وعمّت المظاهرات السلمية كل بلدات درعا ومدينتها، وتفاوتت من منطقة إلى أخرى، وهذا حال كل بلدات سورية ومدنها. وكانت هناك رغبة في أن لا تتحول هذه السلمية، في الأشهر الأولى، إلى التسليح؛ لكن النظام، وبعد فشله أمنياً في التعامل معها، كان لا بد له من الانتقال إلى استخدام الجيش، ما أدى به إلى تسهيل تمرير السلاح للمتظاهرين. وعلى الرغم من رفض السلاح، في بادئ الأمر، فإن خيار العسكرة كان طبيعياً في سياق القتل اليومي في الشوارع أو المعتقلات. النظام إذاً أراد ذلك، وكذلك الميل الإسلامي الصاعد حينها أيضاً؛ فهما كانا يرغبان بتحويل الصراع إلى مُسلحٍ، وهو ما حصل لاحقاً، وأدى ذلك للقضاء على الثورة السلمية كلية.

تطوّر الثورة متلازمٌ مع شدّة القمع، وهذا أدّى إلى ظهور مجموعاتٍ صغيرةٍ مسلحة، وقد تكونت من عناصر منشقة عن الجيش، أو مدنيين ممن كان يتظاهر. ساد حينها شعورٌ بأن النظام لن يسقط من دون الصراع المسلح. حدث الأمر عينُه في أغلبية مدن سورية وبلداتها. هو سياقٌ طبيعيٌّ إذاً لتطور الأحداث، حيث رفض النظام التصالح مع الشعب، وتلبية حاجاته، والاعتراف بحقوقه وحرياته، وتشدّد في قمعه وقتله.

سمحت الحماية الخفيفة للمظاهرات بتوسعها وبقائها سلمية ووطنية، وترفض كل ميل طائفي. لم يكن هذا الأمر سارّاً، لا للإسلامين ولا للنظام. هنا أفرج النظام عن نحو ألفٍ من الجهاديين من سجونه في الشهر السادس من 2011، وكذلك فُتحت الحدود لدخول أمراء من "القاعدة" من الأردن وتركيا والعراق. ودفعت شدّة القمع الناس إلى أن يتقبلوا الوافدين الجدد للدفاع عنهم، ولم يكن الأمر تعبيراً عن رغبة في أسلمة الثورة، أو تبني مشروعٍ جهادي بأي حال.

 

التنظيمات الجهادية .. وتطورات نوعية

بدأت جبهة النصرة، مع العام 2012، تشكل خلاياها، وكذا أحرار الشام، وأخيراً منظمات متشددة وجهادية أكثر فأكثر، وقد انضوت ضمن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لاحقاً. وكانت فُتحت لجبهة النصرة والتشكيلات المماثلة الحدود والسجون والسلاح والمال. وقبالة ذلك كان الاعتقال والقتل يلاحق شباب التنسيقيات ومجموعات الجيش الحر. وهنا يمكن ملاحظة كيفية تصفية النظام وإيران وروسيا كل فصائل الجيش الحر أو الفصائل الإسلامية، وأخيراً يتم الانتهاء من التنظيمات الجهادية، مثل داعش وجبهة النصرة. فلنلاحظ في درعا أنه لم يتم الاقتراب من جيش خالد بن الوليد (تشكل في 2016، من لواء شهداء اليرموك، وجيش الجهاد، وحركة المثنى الإسلامية) حتى بعد توقيع الاتفاق الأولي لتسليم المدينة في 7-7-2018. وما زالت جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) تتحكم بمدينة إدلب.

وتشكلت في العام 2014 الجبهة الجنوبية، وهي تضم عدداً كبيراً من الفصائل (54-58)، ودُعمت من غرفة الموك التي تشكلت عام 2014 في الأردن، وهي غرفة تمويل وتسليح وتدريب للجبهة، وكذلك غرفة للاستخبارات العالمية، وتشرف عليها بشكل أساسي أميركا والأردن، وهناك ممثلون لدول كثيرة فيها. هي غرفة محسوبة أساسا لصالح الأميركان، وطبعاً هناك تنسيق إسرائيلي أميركي يتعلق بكيفية السيطرة على تلك الفصائل؛ فهي استطاعت السيطرة على الحدود، مع كل من حدود دولة الاحتلال الإسرائيلي والأردن. ولهذا كان لا بد من معرفة كل ما يخص هذه الفصائل وضبط عملياتها وإخضاعها باستمرار، وقد أصبحت في 2015 تتلقى الأوامر من "الموك"، ومن يرفض منها تمنع عنه المساعدات. وكذلك أصبحت "الموك" تتدخل في السماح بشن المعارك أو إيقافها أو تغيير اتجاهها، وهكذا. ما رفضت "الموك" تسليمه، كما حال كل دول "الدعم" للفصائل، هي الصواريخ التي في مقدورها إسقاط الطائرات، وهذا ما سهّل انتقال النظام إلى استخدام الطيران لقصف المدن وتدميرها، وكذلك فعلت روسيا، حيث تدخلت عام 2015 جويا، وحققت الانتصارات بسبب غياب الصواريخ تحديدا.

 

مشكلات في الفصائل

تكمن مشكلة الفصائل المسلحة في سورية في افتقادها قيادة سياسية تعبر عنها، وتوجهها وتحدّد لها استراتيجيتها؛ فلم يستطع المجلس الوطني السوري، ولا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ولا سواهما، أن يكون قيادتها، كما لم يستطع ذلك في مرحلة الثورة السلمية. وهناك غياب مرجعية قانونية ضابطة لكل ممارسات تلك الفصائل (ما سمح للجهاديين بتشكيل محاكمهم الشرعية)، وقد تشكلت على أساس الولاءات العائلية، والدينية من ناحية. ومن ناحية أخرى، على الدعمين، الإقليمي والدولي؛ أي أنها لم تتشكل وفق رؤية وطنية، تضبط علاقتها مع العالم ولخدمة الثورة، فكانت تلك العلاقات لصالح قيادة الفصائل، أو قيادات المعارضة. وهذه سمة عامة للفصائل المعارضة للنظام. وعلى الرغم من محاصرة النظام بلدة داريا سنوات، ولاحقاً الريف الغربي لدمشق، ومن ثم الغوطة الشرقية، فإن فصائل حوران لم تتخذ قراراً بخوض معركة مشتركة معها. وقد عانت من هذه المشكلة كل المدن الثائرة، وكانت نتيجة ذلك إخضاع النظام والروس والإيرانيين لها بالتدريج. طبعاً كانت كل عملية توحيد للفصائل تساهم في خسارة المعارك من النظام والإيرانيين، سيما معركة إخراج النظام من إدلب 2015، ومن درعا ومن أغلب مدن سورية، لكن ذلك تغيّر كليا مع دخول الروس، ولاحقاً مع إنهاء الخلافات بين روسيا وتركيا وتحوّلهما شريكين، وإنشاء مسار أستانة ومناطق التصعيد. وأدت هذه التغيرات والسياسات إلى سقوط حلب، وبعدها سقطت بقية المناطق، وحُوصرت إدلب والغوطة ودرعا بشكل كامل. وبالتالي، إن غياب رؤية وطنية للعمل العسكري، وتنسيق على مستوى سورية، والتدخل الدولي لصالح النظام في حالتي روسيا وأميركا ضد "داعش"، ساعد بشكلٍ حثيث على إسقاط المدن "المتحرّرة" بالتدريج كما ذكر أعلاه.

"تكمن مشكلة الفصائل المسلحة في سورية في افتقادها قيادة سياسية تعبر عنها، وتوجهها وتحدّد لها استراتيجيتها"

 

أكذوبة المصالحات ومناطق خفض التصعيد

استخدمت فكرة المصالحات، ومن ثم فكرة مناطق خفض التصعيد (انظر "خفض التصعيد.. استراتيجية روسيا في حسم الصراع السوري عسكريًّا"، تقدير موقف للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، "العربي الجديد"، 4-7-2018)، لإيهام الفصائل بأن هناك تدخلاً إقليمياً ودولياً وسيكون الضامن لانتقال سياسي مقبل، سيما أن كل الأوراق السورية أصبحت بيد الخارج. وقد استخدمت روسيا بالتحديد، وبالشراكة مع إيران وتركيا، ويبدو مع كل داعمي غرفة الموك في الأردن، استخدموا كلهم سياسة الخفض تلك، وتقييد الفصائل بها، بغرضٍ وحيد، هو تقييد العمل المسلح المعارض في كل سورية، ومن ثم إنهاؤه، وهو ما تمّ في الغوطة وريف حمص الشمالي وحماة ودرعا، وسهّل ذلك الشعور بالهزيمة التي منيت بها الفصائل بعد خسارة حلب، وسيطرة مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) على مناطق واسعة من شرق سورية وشمالها، وكذلك تقدّم النظام في أرياف حماة وحلب وإدلب، وكذلك ما حققته روسيا وحلفهم من هزائم لـ "داعش" في أغلبية مناطق وجوده.

وقد تشكلت منطقة خفض التصعيد في درعا عام 2017، إثر لقاء جمع الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، في فيتنام، وحُيّدت بموجبه المدينة عن مؤازرة هجوم روسيا والنظام على بقية مناطق سورية، وأخيراً على الغوطة، حيث ضمنت "المنطقة"، أكذوبة الحماية من خطط النظام. وحقيقة الاتفاقيات التي تمت عبر أستانة ولقاء الرئيسين أنها تمّت لغاية واحدة، وهي إخضاع قادة الفصائل للسياسة الروسية، وفصلها بعضها عن بعض، ودحرها لاحقاً، والتخلي عن مناطق خفض التصعيد لاحقاً، وهو ما تحقق بالسيطرة أخيرا على درعا، والبدء بالتحضير لإنهاء إدلب، وإيجاد تسوية كاملة لها بالشراكة مع تركيا، أو تحت السيطرة التركية، وبعد إدلب سيتقرّر مصير الشمال السوري.

وتبيّن أن التخلي الأميركي عن اتفاق خفض التصعيد ترافق مع اتفاق إسرائيلي روسي، يسمح بعودة النظام إلى الحدود، وتصفية الفصائل المعارضة، وإبعاد إيران عن حدود دولة الاحتلال الإسرائيلي. وقد خيضت معركة درعا أخيرا بكثافة نيرانية من الطيران الروسي، وكادت أن تدمر درعا وبلداتها، وبالتالي فضَّلت الفصائل فيها الموافقة على تسويةٍ لا تُهجرها، وتعيد أهلها المهجّرين إليها. إذاً هنا عوامل عديدة، ساهمت بإنهاء فصائل حوران والقنيطرة، وقد وصل النظام فعلاً إلى الحدود الأردنية، وسيصل إلى حدود دولة الاحتلال الإسرائيلي، وسيعاود حمايتها كما كان قبل 2011، ووفق اتفاقية إيقاف الاشتباك لعام 1974.

 

خاتمة

انتهت الثورة في مدينة درعا، لكن أسبابها لم تنتهِ، وأضيفت إليها أسباب جديدة. وأيضاً لم يعد لدى الناس أية ثقة بالعمل العسكري في درعا وفي كل سورية. وبالتالي، هناك ضرورة للعودة إلى العمل السلمي مجدّداً؛ فقد مارست فصائلها تحكّماً وقهراً بالناس وأذلتهم، كما النظام تماماً، ولم تستطع أن تكون بديلاً للنظام وللدولة، وهذا ما دفع بأقسام منها للانحياز لأية تسوية تخرج الفصائل، وتنهي المآسي.

ولكن هل يمكن القول إن الدولة السورية ستستوعب المدن المهزومة وتنهض بها؟ هنا علينا التدقيق؛ فسورية أصبحت دولة محتلة، و"تحرير" واحتلال مدنها تمّ بالطيران الروسي وبالمليشيات الإيرانية وببقايا جيش النظام. وبالتالي أصبحت درعا وسورية أمام جدلية التحرّر والحرية، وهما تختصران آلاف الأزمات التي تكدّست على الأرض السورية.

==========================

تحليلات الوهن السياسي(2): كل تحليل يسلم باستراتيجية الصراع: الصفوي– الأمريكي– الصهيوني– حديث خرافة .. زهير سالم

12 / 7 / 2018

مركز الشرق العربي

منذ حين ولا يزال رجال من أبناء الأمة ، طيبي القلوب أو فارغي الجيوب ، يتحدثون عن وحدة ( إسلامية جامعة ) تضم كما يزعمون جناحي الأمة ( سنة وشيعة ) ( عن أي أمة وأي جناحين يتحدثون ؟!! ) ويحذرون من مؤامرة ( صهيونية - صليبية ) خبيثة لزرع الشقاق بين أبناء الأمة الواحدة ، وضرب بعضهم ببعض ، وما يفتأ هؤلاء يرددون عن دور مزعوم للعدو الصهيوني ، العدو الأول أو العدو الأوحد ، حسب وصفهم، في إذكاء نار هذا الصراع ..

إن أول الخلل في رؤية هؤلاء على صعيد التصور العقلي المجرد هو التعبير المختل بالتصوير ( بالجناحين) مع ما فيه من جنف وقسمة ضيزى بالموازاة بين سواد الأمة الذي يشكل 90% من سواد المسلمين العام وبين هامش ضيق عدديا لا يتجاوز 10 % من مجموع المنتمين إلى الإسلام ، ولن ننسى أن نضيف إلى حقيقة الانحسار الكمي الصارخ الانحسار العقلي والفكري والسلوكي في جمهور اللطم والرواديد والأضرحة وعبادة الكهنة تحت عنوان المراجع ثم الإخلاد إلى عقيدة الترقب لظهور من تأخر فرجه ، وعسر مخرجه ..حقائق مضحكة على مستوى العقيدة وإن كنا في عصر احترام عقائد الآخرين ..

ومن مضحكات ما تجود علينا به عقول مفكري الوهن وصانعيه والمستثمرين فيه أو المنطلي عليهم ؛ أن يزعم بعضهم أن الكيان الصهيوني قد جيش جيوشا من الذباب الالكتروني لبث العداوة والبغضاء بين (المسلمين) ... ، وهل كان الكيان الصهيوني حقيقة بحاجة إلى جنود أكثر إخلاصا له ، وزعا للشقاق بين من يسميهم أصحاب ( المنطق الأعوج ) مسلمين من علي خمنئي وقاسم سليماني وحسن نصر الله بما فعلوه وما زالوا يفعلونه حتى الساعة بجسد الأمة الحي من مسلمي العراق والشام ولبنان واليمن وبما يتهددون به الآخرين ..؟!!

ولو مكث عباقرة الشر الصهيوني عقودا يمكرون يخططون ويدبرون لما وصلوا إلى عشر معشار ما تفتقت عنه عبقرية الشر الصفوية بما تحمل على كواهلها من عداوة وبغضاء وحقد موروث دفين ..

ومع ما يثار اليوم من غبار صراع ، مفتعل مزعوم ، بين المشروعين المتعانقين المتعاونين المجتمعين على هدف استراتيجي واحد يلتقي على تدمير أمة الإسلام وتشتيتها وتشويهها وتقتيل أبنائها وتشريد أحرارها ، واستعباد المستضعفين من رجالها ونسائها وأطفالها ؛ وجب أن يكون للمدافعين عن هذه الأمة ، الممسكين بالتمكين لوعي أبنائها ، موقفهم الساطع الصريح الواضح الذي لا يتردد ولا يتلعثم ولا يتأتأ و لا يفأفئ باعتبار المشروعين الصهيوني والصفوي مشروعا واحدا يتبنى الهيمنة والنفوذ على حطام أمة يشتركان في تحطيمها ...

إن مما يجب أن يظل من ديدن كل كاتب حر بصير من أبناء هذه الأمة أن يؤكد عليه في تحليل وتفسير وقراءة كل حدث هو التأكيد على أن القائمين على المشروع الصفوي وحملته كانوا الأداة القذرة في يد أصحاب مشروع الاستكبار العالمي والمشروع الصهيوني ، بشكل خاص، لتنفيذ المهام الأكثر قذارة التي أراده أولئك الأشرار ..

وأنه بالتالي لا يجوز أن تنطلي على أحد من أبناء الأمة ، أي مزاعم لصراع وجودي أو استراتيجي ، بين أطراف المشروع الواحد ، مهما بدا بينهم من نزاعات أو منافرات أو مشاكسات أو مغالبات !!

وعلى أساس هذه الرؤية المكينة الثابتة المستقرة الذاهبة في التاريخ بعيدا ماضيا وحاضرا ومستقبلا يمكن قراءة كل عناوين الصراع المحدود أو المزعوم التي تطفو على السطح ، دون أن ندري حقيقة تحت سطح الماء ماذا يدور ..

 في مشاكسات هذه الأيام ، وبعد أن قام الصفوي بدوره القذر في تقتيل المسلمين في العراق وفي سورية معا ، واطمئن نتنياهو أنه كان حتى الآن المنتصر الوحيد يبدو فيها التابع الصفوي حريصا ذليلا متملقا ، فيطير علي أكبر ولايتي ليجثو في حضرة بوتين ونتنياهو على السواء ، بينما يبدو نتنياهو المنتصر المنفوش مزهوا آمرا يوزع الأدوار من جديد ، ويحدد المفاصل والمسافات والمساحات ، يقبل ويرفض ، يدني ويقصي ، وجزرته عند بشار وعصاه يلوح بها لقوم آخرين.

 إن كل سياسي أو قارئ للسياسة يقرأ الأحداث والوقائع اليوم على صدى نداء ( الموت لأمريكا ..الموت لإسرائيل ) ، أو على برق المقاومة والممانعة الخلب لهو إنسان مدخول عليه في عقله أو في نفسه أو في جيبه . " وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ "

إن شاهدنا على ما نقول حقائق صارخة ينطق بها أئمتهم ومراجعهم مسطورة في كتبهم ، ظلت تتضخم وتتراكم مع امتداد الزمان والأيام حتى كان للقوم دين وعقيدة وولاء وبراء ، من بعض ما يؤكدون عليه الإصرار على اتباع غير سبيل المؤمنين ولو في يوم صوم أو يوم عيد !!

ثم ينضم إلى ذلك سجل سياسي حافل بالخيانة والغدر يستغرق التاريخ ببعديه الماضي والحاضر وسيمتد ذلك إلى أن يشاء الله في قابل الأيام .فهل نحتاج إلى الكثير لنتذكر تصريحات هاشمي رفسنجاني التي هي نوع من الإقرار :

لولا إيران لما نجحت الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان ..ولولا إيران لما نجحت الولايات المحدة في احتلال العراق ..

هل نحتاج الكثير لنتذكر أن حزب الله ونما وترعرع تحت العين الأمريكية ، وتم تأهيله في حرب 2006 ليلعب الدور الأمريكي نفسه ، لإقالة منظمات المقاومة الفلسطينية من دورها ، وحصارها في مخيماتها ، واستلام مهمة حرس حدود لبناني على طريقة حافظ وبشار الأسد على الأرض السورية ؟!

 هل نحتاج إلى الكثير لنتعرف أن إيران بملاليها وآيات الله فيها كان لها الدور المباشر والدور الأكبر في صناعة المنظمات المتطرفة ، في العراق وفي سورية وفي اليمن ، ومن ثم المتاجرة بحربها أو المتاجرة بها ؟! ،

من سلّم الموصل للبغدادي وعصابته أجيبونا بعلم أيها المتحذلقون ؟ من سلّح ؟ من موّل ؟

من أخرج قادة التطرف من سجون بشار ومن سجون المالكي وزج بهم في الساحة السورية ؟!

من سلّح ومن موّل ومن ظل على مدى سنوات يشتري النفط السوري منهم ، ليجعلهم لعنة تحيق بالسوريين وثورتهم وتطلعاتهم إلى الغد الأفضل ؟!

خمس سنوات كنا نسمع من أوباما ومن بعده ترامب أن أولويتهم في سورية هو الفزاعة المسماة داعش والتي دقوا خشبها هم والروس والصهاينة والصفويون معا ..

واليوم يقول هؤلاء إن أوليتهم في سورية هي إيران ..

الأحرار الذين لم يصدقوا الكذبة الأولى لا ينبغي أن تنطلي عليهم في أي لحظة من اللحظات الكذبة الثانية .

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ "

نعم إن كنتم تعقلون ..

ــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

عن سحق الثورة

سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 12/7/2018

ليكن واضحا أن الثورة السورية قد سحقت تحت أقدام الدب الروسي، الدب الروسي بالأساس، بعد أن فشل مرتزقة إيران الذين باتوا "القوة الأرضية" للطيران الروسي والصواريخ الروسية التي تسحق كل ما هو قائم، قبل أن تتقدّم تلك القوات، لكن الروس نجحوا في ذلك، لأن الدول الكبرى كلها، والدول الإقليمية، والعربية، عملت على تقييد أرجل المقاتلين، وحرفهم عن الوجهة التي توصل إلى نصرٍ باسم الأسلمة، أو تلقي الدعم، أو قبول الولاء لطرفٍ ضد آخر، بالتالي استمرار تفكك الكتائب المسلحة.

ليست هذه الثورة هي الأولى التي تُسحق عبر التاريخ، ثورات سنة 1848 سحقت كلها بوحشية، والثورة الإسبانية سحقت وتشرّد الثوار. في هذه الثورات، تكالبت الدول الرأسمالية، وحتى الرجعية، على الثورة. وكانت روسيا حصن الرجعية في أوروبا ضد ثورات، ووقف العالم الرأسمالي موحداً ضد الثورة الأسبانية. وها هو الأمر يتكرّر في سورية التي كان يجب فيها وقف امتداد الثورات في البلاد العربية. وقد أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، "كسر الثورات" في البلاد العربية، فالرأسمالية تخاف الثورات في بنيتها، ومواقع سيطرتها، وتخاف على ذاتها، بعد أن باتت في وضع أزموي. ولهذا كان يجب أن تلعب دوراً يقود الى مجزرةٍ بشعة ضد الشعوب. لنجد أن عالماً جديداً يتشكّل على جثة الشعب السوري، وأن الإمبرياليات تتقاسم العالم، بعد أن سحقت الثورة. وبات واضحاً توافقها على هذا السحق، وتكريس بقاء النظام ذاته، من روسيا إلى أميركا إلى الدولة الصهيونية التي أعلنت موافقتها على بقائه، وكذلك تفعل أميركا، ويتّضح أنها كانت من الأساس مع بقائه.

لكن هذه ليست النهاية، إنها نهاية مرحلة. لقد سحقت الثورة ولم ينته الصراع، وليس من أملٍ بأن ينتهي ما دام الشعب يريد إسقاط النظام، ليس نتيجة حقد غريزي، ولا نتيجة سبب ديني أو طائفي، بل لأن الشعب لم يعد قادراً على أن يستمر في العيش، نتيجة وجود النظام الذي ينحكم لطبقة مافياوية نهبته، وهو مقيّد اليدين بفعل الطابع الاستبدادي الشمولي للنظام. والآن، مع وجود ملايين المهجّرين، وملايين الذين فقدوا بيوتهم وأملاكهم، لن يكون ممكناً أن يُعلن النصر الذي يريده الروس، ولا أن يستقرّ وضع النظام، مهما كانت قوة الروس.

شهدت الثورة السورية بطولاتٍ كبيرة، وجرأةً لا توصف، وظهر تصميم الشعب على إسقاط النظام الذي كان بحاجة إلى كل هذه القوى العالمية، لكي يبقى حذاءً محمولاً على رؤوس كل هذه القوى، ومطيةً لتنفيذ ما يريد الروس وحدهم. ولا شك في أن الثورة أوجدت خبراتٍ هائلة، وصنعت رجالاً حقيقيين، وقدّمت دروساً غايةً في الأهمية، بما يؤسس لوجود "خميرةٍ" قادرة على النصر. لكن قبل ذلك لا بدّ من البدء بنقد قاسٍ لكل القوى المعارضة والنخب التي كانت من التفاهة والانحطاط ما جعلها من القوى التي أسهمت في سحق الثورة، فهي لا تفهم بالسياسة، ومتضخّمة بنرجسيتها، وشرهة لمصالحها، وكثير منها قابل للبيع. هذا شأنٌ يستحق عمل جردة حساب قاسية، ولكن الآن لا بدّ من التأكيد، وتركيز التأكيد، على أن سورية باتت دولةً تحت الاحتلال، وهذا أمر يقتضي أن يعمّم، وأن يجري العمل على طرح المسألة دولياً، بغض النظر عن النتائج. وكما بات يتحقق شيءٌ من محاكمة مجرمي الحرب، يمكن أن يجري السعي في الأمم المتحدة لإقرار أن سورية دولة تحت الاحتلال، ولم تعد دولةً مستقلة. والأهم أن يمارس على الأرض ما يعطي هذه المسألة حقها. ومقاومة الاحتلال هو أبسط ما يمكن أن يجري العمل به. لا بد من ضرب الوجود العسكري الروسي، وتكبيدها ما يوازي جرائمها.

الثورات تُسحق، لكنها لا تموت. ستنهض الثورة من جديد، لا شك في ذلك، كما الثورات في البلاد العربية، في عالم عاصفٍ ومحمّلٍ بمخاض كبير.

==========================

صراع الحدود يحجب صراع الوجود

غازي دحمان

الحياة

الخميس 12/7/2018

أصبحت حدود سورية، من البوكمال على حدود العراق، إلى نصيب على حدود الأردن، مركز الحدث السوري ومستقطب فعالياته، وفي المرحلة المقبلة سيأخذ النقاش حول حدود الجولان الجزء الأكبر من القضية السورية، سواء عبر المفاوضات الماراتونية التي تخوضها روسيا مع إسرائيل، أو حتى من خلال فعاليات المنابر الدولية، على اعتبار أن الأمم المتحدة موجودة في هذه المنطقة.

وإذا أضفنا إلى هذه الإشكاليات الحدودية، الإشكاليات الأخرى حول معبر التنف والقاعدة الأميركية على حدود العراق، ومعبر باب الهوى على الحدود التركية، فيمكن الجزم بأن القضية السورية من هنا إلى سنوات مقبلة ستكون قضية حدود بامتياز، فمن غير المتوقع أن يتم حل إشكاليات هذه الحدود والمعابر في فترة زمنية قصيرة، حتى لو وجدت إرادة سياسية من الأطراف، على رغم صعوبة توافرها في ظل حالة عدم الثقة بين الأطراف الإقليمية والدولية.

ويشكّل التركيز على صراع الحدود فرصة لنظام الأسد، ومن خلفه روسيا، باعتباره يظهر القضية السورية بمظهر قضية دولة تسعى الى الحفاظ على سيادتها والسيطرة على حدودها في وجه تنظيمات متمردة وخارجة عن القانون، خصوصاً أن الخبرة الدولية عن التمرد تتركز دائماً في حصول مثل هذه المظاهر في الغالب عند حدود الدولة المستهدفة، حيث تكون قبضة السلطة المركزية ضعيفة، لبعد الأقاليم الحدودية من المركز، وكذلك لوجود مصالح وتداخلات إقليمية وتصفية حسابات بين الأنظمة الحاكمة في الإقليم، حيث تصبح المناطق الحدودية مسارحها الطبيعية.

ومنذ بداية الثورة السورية، سعى نظام الأسد إلى تصويرها على أنها شكل من أشكال التمرد تقوم به جهات وأطراف خارجة عن القوانين، شيء أقرب إلى المافيات، وتتلقى الدعم والمساندة من دول الجوار الإقليمي التي بدورها لها غايات ومصالح في السيطرة على الحدود والمناطق القريبة منها، ولم يستثنِ نظام الأسد من هذا التوصيف حتى لبنان، الدولة التي يقبض أصدقاؤه فيها على ناصية الأمن، وقد ذهب نظام الأسد إلى اتهام مكونات اجتماعية وأحزاب سياسية بالتواطؤ على أمنه واستثمار الحدود لهذه الغاية، على رغم أنه لم يسبق لتلك الأحزاب أن كانت لها خبرة في مجال العسكرة والعمل المسلح، على الأقل في العشرين سنة الماضية، ولا تملك البنى اللازمة لإنتاج ذلك.

على ذلك، فإن صراع الحدود يمكن توظيفه على شكل انتصار ناجز على أعداء خارجيين استخدموا أدوات محلية كواجهة لهم، كما يحاولون إثارة قضايا غير حقيقية في سياق حربهم ومؤامراتهم، ولا شك أن نظام الأسد، ومنظومته الإقليمية، من الذين يدعون أنهم يواجهون حرباً كونية تخوضها ضدهم أكثر من مئة دولة، سيسعدهم تحويل القضية السورية إلى قضية حدود وصراعات خارجية، فذلك يظهرهم بمظهر المنتصر على الإقليم بدوله وأنظمته ومقدراته، كما أنه يخفي كل عيوب وأعطاب السيادة التي يرزح تحتها نظام الأسد نتيجة تسليمه قراره لأطراف خارجية عديدة، تبدأ من روسيا وإيران، ولا تنتهي عند ميليشيات من نمط حزب الله وشركات المرتزقة الروس.

يطمح نظام الأسد إلى تحويل قضية الحدود إلى مخرج لتبرير جرائمه، أو بالأحرى نسيانها، وإعادة تأهيله مجدداً في المجتمع الدولي، ليس فقط تلك التي ارتكبها على مدار السنوات السابقة، إنما تلك التي لا تزال في طور الإعداد والتخطيط، فما ارتكب قد ارتكب، وجرى تصدير رواية، يعتقدها الأسد وأعوانه، مناسبة لما جرى، بخاصة الحرب على الإرهاب والجماعات السلفية المتشددة، التي اشتغلت في الغالب، بقصد أو من دونه، بما يناسب رواية الأسد عن الحدث.

اليوم، يرغب نظام الأسد في إعادة هندسة سورية، اجتماعياً وسياسياً، بعد أن انتهت الحرب لمصلحته، وهذه عملية معقدّة لاشتمالها على مستويات متعددة، اقتصادية وسياسية واجتماعية، تشمل إنتاج طبقات اجتماعية من العدم، وترسيخ انفراط التركيبة السابقة، بحيث يتيح له ذلك إيجاد مساحة لموضعة أنصاره ومواليه ضمن التراتبية الاجتماعية الجديدة، عبر الاستيلاء على أمكنة خصومه، أولئك الذين ناصروا الثورة ضده، فلا يكتفي الأسد بحال الإفقار التي وصل إليها المجتمع السوري وشرائحه، والتي باتت تصل إلى أكثر من سبعين في المئة من المجتمع السوري، كما لا يكتفي بما حصلته بطانته وأزلامه من اقتصاد الحرب، بل يرغب في إنتاج عملية مستدامة تعمل آلياً في تصعيد الفئات الاجتماعية وتهميشها، وفق معايير الولاء والخصومة.

على الصعيد السياسي، يطمح الأسد الى صناعة سورية غير قابلة للثورة، والمطالبة بالتغيير لعقود طويلة مقبلة، سورية تعتبره باعثاً لحياتها من موت مؤكد، ومنقذها من خراب حاصل، بحيث ينطبع في ذهن أجيالها لعقود وعقود، وهذا يستدعي ممارسة السلطوية الفردية إلى أبعد حدودها، واجتثاث كل فكر ينادي بأقل من ذلك أو يخالفه، ولا شك أن هذه رغبات إيران وروسيا، ليس لأن لهما مصالح طويلة الأمد في سورية، بل لأن أي مطالب تغييرية ستشكل تهديداً لمصالحهما في سورية، وبالتالي فهما معنيتان وملزمتان بالتورط مع نظام الأسد في خططه لهندسة المجتمع السوري.

لا شك أن هذه صفات حرب الوجود، المادي والمعنوي، التي سيتابع الأسد خوضها، لكن في المرحلة المقبلة لن يتسنى لأحد تسليط الضوء عليها وستجري في العتمة، كما أن أدواتها لن تكون البراميل المتفجرة ولا طلقات المدفعية، بل القوانين والدستور والسجون، غير أن عبور هذه المرحلة يستلزم إطالة حروب الحدود وتكبير حجرها حتى ينسى، كل صاحب ذاكرة، حرب الوجود الفظيعة التي يديرها الأسد ضد السوريين.

* كاتب فلسطيني

==========================

الثورة السورية انتصرت.. ولكن

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 11/7/2018

نجحت الثورة السورية عام 2013 في إسقاط النظام السوري لولا تدخل الأطراف الأخرى ولجوئها إلى تشكيل ميليشيات طائفية، واستقدام هذه القوات من الخارج لإنقاذ نظام بشار الأسد، وترافق هذا مع وثيقة سربتها «ويكيليس» عن اقتراب انتصار الثورة السورية عام 2013، وكانت معنويات الثوار في الذروة، والثقة الثورية في أعلاها من القدرة على اقتحام دمشق وتحريرها.

دخول الميليشيات الطائفية نقل الثورة إلى مرحلة جديدة كان على الجار الإقليمي وأصدقاء ما يعرفون بالثورة السورية التدخل لمواجهة المرحلة الجديدة، ولكن هذا لم يحصل، وتُرك الثوار في الداخل، ومعهم الشعب السوري، يواجهون مصيرهم وحدهم، في ظل الخلاف والكيد بين أصدقاء الثورة السورية ضد بعضهم بعضاً، ولكن الثورة السورية نجحت عام 2015 بشكل أذهل الجميع ولذلك كان التدخل الروسي فكانت مرحلة جديدة تواجهها الثورة السورية، وتحدث لاحقاً وزير خارجية روسيا لافروف عن أنهم هم من أنقذوا حكم بشار الأسد من السقوط يوم تدخلوا عام 2015، واستمرت الغارة الإقليمية والدولية على الشعب السوري وثورته حتى كان عام 2017 حيث أوشك الروس على استنفاد كل قدراته لهزيمة الثورة، فظهرت المرحلة الجديدة التي تمثلت بخفض التوتر، وبتخلي الداعم الغربي والإقليمي عن الثورة السورية لتواجه مصيرها وحدها أمام ذئاب محلية وإقليمية ودولية، بل ولجأ الداعم الغربي، وعلى رأسهم أميركا، إلى تغطية التدخل الروسي إن كان في مجلس الأمن، أو بتخليها عن دعم وتمويل الجيش الحر، والضغط على الحلفاء الإقليميين لتقليص حجم الدعم للثورة السورية.

المرحلة الجديدة التي تعيشها الثورة السورية من تسليم المجتمع الدولي كله لسوريا إلى روسيا، لن يغير من معادلة الثورة السورية شيئاً، كل ما في الأمر كشف وسيكشف حجم « الضفادع»، وهو مصطلح ثوري يعبر عن الخونة الذين يستسلمون للاحتلال الروسي، في إشارة إلى قائدهم بسام ضفدع الذي رعى هذه الظاهرة في غوطة دمشق. كل ما حصل حتى اليوم هو حالة التمحيص والفرز بين الثوار الحقيقيين والمزيفين، وبالتالي تم الكشف عن حجم الاختراقات في الثورة، وعرّت معها الخونة العاملين للدول الإقليمية، وتحديداً ما تكشف عن حجم الدور الإماراتي الخطير في رعاية اتفاقيات الذل والعار في حوران.

الثورة حالة ذهنية ومزاجية لن توقفها اتفاقيات، والعصابة الحاكمة في دمشق تدرك تماماً أنه لم يعد لديها القدرة على الصمود أمام الثوار، فأقل التقديرات تتحدث عن مقتل أكثر من 170 ألف جندي علوي في هذه المعركة، وثلاثة أضعافهم من الجرحى والمعاقين، وبالتالي من المستحيل على طائفة «أقلية» أن تتحكم بالشام بعد اليوم، ولذا جاء التدخل الإقليمي والدولي ليعوّض ذلك كله، الشعب السوري خرج من قمقمه، ولن يعود إليه مجدداً، وعمليات حرب العصابات التي بدأت ستتفاقم وتتصاعد، والثوار الصادقون المخلصون سيجمعهم الهدف الواحد، بعد أن تعرّى الخونة والعملاء، وما على الشعب السوري وثواره، إلا أن يثقوا بثورتهم وبأهدافهم، فإن كانوا قد حشدوا وعبأوا ضدنا كل خيلهم ورجلهم فإننا خبأنا لهم التفاؤل والثقة بنصر الله وانتصار ثورتنا.;

==========================

مسيحيو الشرق بين الحماية واستعادة الدور

سعد كيوان

العربي الجديد

الاربعاء 11/7/2018

كلام كثير يقال ويكتب هذه الأيام عن دور المسيحيين في الشرق وموقفهم مما حصل ويحصل، من ثورات وانتفاضات وحروب، حولت الشرق الأوسط إلى ملعبٍ للكبار، أدواتها حكام وقوى نافذة على حساب شعوب ومجموعات عانت الأمرّين من الاستبداد أكثر من نصف قرن. ويبدو لافتا، في هذا السياق، موقف الفاتيكان الذي بدأ يعبّر علنا عن امتعاضه من مواقف بعض رؤساء الكنائس الشرقية الذين لم يجدوا حرجا في التنظير لسلوك المستبد، بحجة الدفاع عن وجود المسيحيين، وحمايتهم من الإرهاب، وضمان عدم تهجيرهم من بلدان المشرق العربي. ما طرح أسئلةً كثيرة عما إذا كان المسيحيون أهل ذمة، أو ليسوا في عداد شعوب المنطقة وجماعاتها الأصليين!

لطالما كتب وردد المؤرخون والباحثون أن المسيحيين هم في أساس قيام هذا الشرق، في أساس حضارته، وتنوعه وتعدّده الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي، وفي أساس التعايش بين مكوناته من أديان سماوية ثلاثة، المسيحية والإسلام واليهودية، وإلى قومياتٍ حاول العروبيون الشوفينيون تذويبها، وإلى إثنيات وحضارات. وهم أيضا روّاد نهضته في خلال القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، والأعلام كثيرون، من دون الدخول في تعداد الإنجازات والأسماء. كما أنهم كانوا أصحاب مبادرة، وسباقين في حمل أفكار تقدمية وحداثوية، وفي نشر الوعي السياسي، والدفع نحو العمل الحزبي المنظم. ربما يصح القول إنهم كانوا يختصرون معناه!

"بدأ الفاتيكان يعبّر علنا عن امتعاضه من مواقف رؤساء كنائس شرقية لم يجدوا حرجا في التنظير لسلوك المستبد"

وفي المقابل، عرف هذا الشرق أزماتٍ وحروبا وفتوحاتٍ واستعمارا واحتلالات، عاش خلالها المسيحيون معاناة وغزوا واضطهادا، لكنهم عرفوا كيف يصمدون في أرضهم، ويتحصنون في جبالهم ووديانهم... ومنها خرجوا من بوتقة الجماعة إلى بناء الكيانات ورحاب الدول. وأول فكرةٍ كان لبنان الذي أريد له أن يكون نموذجا حضاريا للتعايش والتفاعل بين مكونات هذا الشرق بالذات، كيانا يضم مجموعاتٍ وأفرادا من البشر، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية. نموذجا قال عنه لاحقا، وبعد نحو ستين سنة، البابا الراحل يوحنا بولس الثاني: "لبنان هو أكثر من بلد، إنه رسالة حرية، ومثال تعدّدية للشرق، كما الغرب". وهذه سورية قبل أن تصبح عاصمة الأمويين كانت سورية بولس الرسول، وأرض كل الطوائف والمذاهب المسيحية ومرجعياتها الكنسية.

ولكن النموذج اللبناني لم ينجح ويتبلور كما كان مأمولا له. ثلاثون سنة فقط كانت كافيةً لانفجاره في أكثر من اتجاه، فالمسيحيون أولاً ليسوا بطبيعة الحال من صنف الملائكة، ولم يكن بإمكانهم أن يهضموا جيدا ما قاله ميشال شيحا قبل نحو خمس وسبعين سنة: "لا ننسى أننا من هذا الشرق الذي لا تزال الاختبارات ديدنه الثابت، ولا يزال الفهم والتأويل مرضه، وإننا فيه أرض موعودة للأقليات القلقة، وموضعٌ رفيع تصعد منه بحريةٍ جميع الصلوات. فكان أن صرنا فسيفساء دينية، لا مثيل لها على الأرض، وصرنا لا نحسن أن نسمّي أنفسنا في نطاق الأمة، وفي نطاق المدينة إلا باسم معتقدنا أو باسم طقسنا" (...)، والحال أننا ضرورة إذ علينا أن نتذكّر أن موقعنا الجغرافي يجعل منا، في عين الغير، مرحلةً ومعقلا لهما أهمية كبرى على طريقٍ تترسخ لها صفة العالمية...". ويوم تقدّم الجنوح بالسلطة، والرغبة في الاستفراد الناتجة من الشعور الأقلوي على إرادة التعايش والمشاركة والمساواة، ويوم تفوق الانتماء الطائفي والحزبي على الانتماء الوطني والمدني، ويوم أصبح السبيل إلى "تحقيق الذات"، يتم عبر اللجوء إلى العنف والسلاح والاقتتال... فقد المسيحيون دورهم وموقعهم الريادي في لبنان والمنطقة، وكانت حروب لبنان الخمس عشرة سنة صراعا على النفوذ والهيمنة، واقتتالا دمويا بين مكونات الوطن الواحد، تحرّكه مصالح ومخططات قوى إقليمية أقلوية، وصاحبة مشاريع تفرقة وهيمنة وتسلط، فخاضوا معارك في كل الاتجاهات، مع الخارج والداخل وبين بعضهم بعضا، فـ"قَتلوا وقُتلوا وتقاتلوا في ما بينهم"، على ما يقول المجمع البطريركي الماروني الذي انعقد عام 2003 في وثيقته الصادرة عام 2006.

خرج لبنان من الحرب يرزح تحت نير وصاية نظام سوري أقلوي مستبد. وصاية تحولت إلى احتلال عسكري وهيمنة على القرار السياسي، وشل لمؤسسات الدولة، واستزلام طبقة سياسية مرتهنة، عابرة لكل الطوائف. وصاية دامت أيضا خمس عشرة سنة، ولم تنهر إلا مع اغتيال رفيق الحريري الذي كان يسعى، مع جزء من المسيحيين، إلى التحرّر من الهيمنة واستعادة السيادة وحرية القرار. أي عبر التواصل والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين اللبنانيين، ومن خلال استعادة دور المسيحيين الريادي، والجامع لكل اللبنانيين الأحرار من كل الطوائف والمذاهب والميول السياسية.

هذا الدور هو الغائب اليوم، لأن قسما من المسيحيين، في السلطة وفي مواقع سياسية وروحية مؤثرة، يعتقد أن المسيحيين في الشرق اليوم في خطر، وأنهم يهاجرون بسبب الاضطهاد، وأعدادهم تتناقص. ولذلك، يحتاجون إلى حماية، كونهم أصبحوا أقلية (وربما أيضا أهل ذمة!)، وحمايتهم هي بين أيدي أقليات أخرى مثلهم، لكنها موجودة في مواقع السلطة. ومن هنا، تدعو

"يقف معظم رؤساء الكنائس إلى جانب النظام السوري علنا أو سرا، فيما تقف الكنيسة المارونية حائرة" بعض القوى، وتعمل على تحالف الأقليات في الشرق، أي الاحتماء بالقوي والمغتصب للسلطة، كما الحال في دول محيطة بلبنان، مثل سورية والعراق... ويقف معظم رؤساء الكنائس إلى جانب النظام السوري علنا أو سرا، فيما تقف الكنيسة المارونية حائرة، وهي التي كانت دائما السباقة والساهرة على التصدّي للظلم، وعلى الحفاظ على الدور الريادي، الكياني والجامع للمسيحيين. أو تحاول أحيانا أن تقف "رجلا في الفلاحة ورجلا في البور"!

ووسط عواصف الصراعات والبحث عن دور، ووسط حيرة "الهويات القاتلة" والقلق، دعا البابا فرنسيس إلى عقد لقاءٍ لرؤساء الكنائس الشرقية، في مدينة باري في جنوب إيطاليا، لبحث وضع المسيحيين ودورهم في الشرق. وعشية انعقاد اللقاء، أطلق سكرتير دولة الفاتيكان (أي رئيس الحكومة)، بياترو بارولين، كلاما واضحا ومعبّرا، قال فيه: "إن مسيحيي الشرق ليسوا أقلية، وليسوا بحاجة إلى حماية، وإنما هم مواطنون متساوون في الحقوق، كباقي الجماعات والطوائف، وأصحاب دور ريادي حضاري وإنساني". وفي كلمة الافتتاح، أكد سكرتير بطريركية اللاتين في القدس أن على "الكنائس الشرقية أن تغادر أي تحالف مع السلطات السياسية، وأن لا تثق في ما يحاك من استراتيجياتٍ أمام النزف الهائل الذي أدّى إلى هجرة نصف المسيحيين". وكان لافتا غياب رؤساء كنائس لا يشاطرون بابا روما نهجه ومواقفه بالنسبة إلى الشرق الأوسط تفاديا للإحراج. ولكن رأس الكنيسة الكاثوليكية كان حاسما وجازما عندما خاطب الحضور، معلنا أول مرة موقفا لا لبس فيه رفض خلاله منطق ما أسماه "اللجوء إلى حماية الأقوياء" الذين يستقوون بالسلاح وبالسيف، وأن لا بديل من الحوار. وأكد أن الحضور المسيحي في الشرق "يبقى رساليا وعامل سلام، بقدر ما يبتعد من منطق السلطة". ثم رفع صوته عاليا، مطالبا بـ"الكفّ عن استعمال الشرق الأوسط لغايات ومصالح خارجة عنه، وعن شعوبه".

فهل من يسمع صوت هذا الراعي، وسط غابة من الظلم والاستبداد والقهر والعنف والإرهاب والقتل والتلاعب بمصير الشعوب.

==========================

سورية.. الحدود والطرق القاتلة

غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 11/7/2018

من البوكمال في أقصى الشرق إلى درعا جنوبا، يتموضع هلال مدن عربية مدمّرة، تفوح منها رائحة الخراب، ويصارع ما تبقى من سكانها بالتمسك بأهداب متقطعة لحياة غير مضمون غدها، وليس ثمة أمل بأفق أفضل، غير الحروب المتناسلة وسيطرة قوى الشر.

في قلب هذه الحياة المنطفئة، تزدهر المشاريع الجيوسياسية للقوى الكبرى والإقليمية، وباتت تتجمع في سورية القوى الخمس الكبرى، بالإضافة إلى القوى الإقليمية، حيث تتزاحم هذه القوى على ما يظهر أنه هوامش جغرافية لم يسبق أن وطأتها الحداثة، ولم تدخل يوماً في قائمة المواقع الاستراتيجية النافعة.

عقودا عدة، احتلت هضبة الجولان المرتبة الأولى في تصنيف الأمكنة ذات الأهمية الاستراتيجية الأولى في سورية، بل يمكن القول إنه تم اعتبارها المنطقة الوحيدة التي تستحق لقب الاستراتيجية، لإشرافها على سورية والأردن ولبنان وفلسطين، عبر جبل الشيخ المطل عليها. في ذلك الوقت، كان الشرق الأوسط لا يعني سوى إسرائيل والنفط، في ذهنية صناع الاستراتيجيات العالمية.

المنطقة الأخرى، والأخيرة، كانت قصر الرئاسة في دمشق، نظرا لأدوار لعبها الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، إذ شكّل أحد الروافد المهمّة في تنفيذ السياسة الأميركية في المنطقة، سواء في ضبط التفاعلات على الساحة اللبنانية، ودعم مشروع إدامة الحرب العراقية - الإيرانية، أو بإخراج سورية باعتبارها ساحة مقاومة لإسرائيل، وتحويلها إلى ساحة تفاوضية، تسند سلطته العائلية.

"لتثبيت السيطرة على الحدود والطرق في سورية، تجري محاولات حثيثة لتغييرٍ ديمغرافي"

غير أن الجسد السوري سيتفتق، بعد الثورة، عن عشرات المواقع الاستراتيجية، البوكمال، التنف، منبج، إدلب، القصير، ودرعا والقنيطرة، وسواها، وتحتاج كل منطقة إلى حربٍ أو حروب لتوضيح صورة السيطرة عليها، وإعادة تقييمها استراتيجياً في ضوء المتغيرات الجديدة. وبذلك، تعيد سورية التخطيط الاستراتيجي العسكري إلى مراحله الأولى، حينما كان يتم اختصاره بعمليات السيطرة على أوراسيا، وشكلت مناطق القوقاز "حوافّ أوروبا وآسيا" قلبه الحيوي. وفي ذلك الحين، ظهرت نظرية الهارتلاند، قلب العالم، التي تدّعي أن من يسيطر على تلك المنطقة يسيطر على العالم، وبما أن تلك المناطق كانت معزولةً عن البحار والمحيطات، فإن القوى البرية، كروسيا وألمانيا، كانت الأكثر كفاءة في العمل فيها.

وبعد تقاعد طويل، وبسبب سيادة القوى البحرية، فرنسا وبريطانيا ثم أميركا، تعود أهمية البر وحوافه إلى واجهة الجيوبولتيك الدولي. وعلى الرغم من أن هذا السياق لم يكن مكتشفا، أو ربما لأن الأمور كانت تجري، بشكل انسيابي، وعبر ترتيبات إقليمية عادية، فإن تفجّر الثورة السورية والصراعات التي تناسلت عن هذا الحدث فتحت العيون على واقع جديد.

ظل سؤال لماذا الصراع على سورية، يشغل بال كثيرين، ذلك أن التقييم الاستراتيجي من الصعب أن يعطي أهميةً لبلد لا يملك ثرواتٍ كثيرة مصنفة استراتيجيا، النفط والغاز، وليس لديه ممرّات مائية، ولا حتى إطلالات بحرية حاكمة، فأين إذاً السر والأهمية؟

ليس سرا أن لسورية حدودا وبوابات ذات أهمية استراتيجية عالية، فهي تحد حلف الأطلسي وأوروبا من جهة الشمال عبر تركيا، وتحد دولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة الجنوب، والخليج العربي عبر البوابة الأردنية، ومن الشرق والغرب تحيط بها المصالح الإيرانية في العراق ولبنان.

وغير الحدود، تملك الطرق البرية السورية، على الرغم من عدم حداثتها، أهمية خاصة، لما تملكه من تأثير، سواء على صعيد التواصل والاتصال الجغرافي وبالتبعية التفاعل الاقتصادي في المنطقة، أو لجهة إمكانية التأثير في المعادلات العسكرية في المنطقة، وخصوصا في ما يتعلق بإيران وإسرائيل.

ولعل ما جعل الصراع يأخذ طابعاً صفرياً في سورية حقيقة انعدام البدائل الاستراتيجية، أو ارتفاع تكلفتها بدرجة باهظة، نزولا عند حقيقة حاكمية الجغرافية السورية، وموقعها الحاسم في التواصل الجغرافي الإقليمي، فهي الممر البري الوحيد للعالم العربي، وخصوصا المشرق والخليج ومصر، إلى أوروبا. وهي بوابة لبنان العربية، وبوابة العرب البرية إلى لبنان. وبوابة تركيا إلى العالم العربي والعكس. وهي طريق إيران إلى البحر المتوسط ولبنان. وفي الحسابات الإسرائيلية المستقبلية، طريق إسرائيل البري إلى تركيا وأوروبا.

وقد انعكست هذه المعطيات على استراتيجيات الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع، ورأت روسيا أنها أمام فرصة للسيطرة على المعادلات وتوظيفها لحسابها من باب

"لعل ما جعل الصراع يأخذ طابعاً صفرياً في سورية حقيقة انعدام البدائل الاستراتيجية" التحكم بالبوابات والطرق. لذا تصر على تغيير الوقائع في القصير ودرعا لمصلحتها، أما أميركا فرأت مصلحتها في إغلاق الطرق البرية بين العراق وسورية، والحصول على تأثير مهم في الجنوب.

وتحاول تركيا الإمساك بناصية الشمال والشرق ما أمكن، سواء بدعمها قوى المعارضة أو عبر انخراط قواتها مباشرةً في إدارة مناطق الحدود، وتستقتل إيران في السيطرة على حدود سورية مع العراق ولبنان، وتأمين الطرق الواصلة بينهما.

ولتثبيت السيطرة على الحدود والطرق في سورية، تجري محاولات حثيثة لتغييرٍ ديمغرافي، بغرض تكريس الوقائع، فالمعلومات الواردة من الشرق تفيد بأن إيران تحاول شراء البوكمال عقاريا، مثلما تحاول تركيا إفراغ عفرين من سكانها الأصليين. غير أن الخبرة التاريخية، ومعطيات الواقع الديمغرافي في سورية، توضح أن تحقيق هذا التغيير قد يحتاج حوالي عقدين، حتى يصبح واقعاً، فإننا أمام حرب مديدة، المتوقع أن تنهك جميع أطرافها من دون الوصول إلى أهدافها، فالمتغيرات جاريةٌ ومواقع الأطراف سريعة التبدّل، كما أن الأطراف مستنزفةٌ بدرجة كبيرة.

==========================

ما وراء فكرة انتصار النظام السوري

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 11/7/2018

يحلو لنظام الأسد وحلفائه ومؤيديه، القول إن نظام الأسد انتصر على السوريين، وإن جيشه في طريق استعادة السيطرة على الأراضي السورية، التي خرجت عن سلطته في السنوات الماضية، بعد أن أعلن السوريون ثورتهم على نظام الاستبداد والقتل، وسعياً من أجل الحرية والعدالة والمساواة.

وإذا كان النظام أول أطراف مروجي فكرة «الانتصار»، فلا بد من استعادة شعاره الأول الذي أطلقه عند بدء حركة الاحتجاج الشعبي في مارس (آذار) 2011، والقائل: «الأسد أو نحرق البلد»، كاشفاً عن طبيعته التي تربط بقاء سوريا والشعب السوري ببقاء شخص على رأس نظام، أثبت عدم قدرته على إدارة البلد، وخلق فيها شروطاً وظروفاً وضعتها في مصاف الدول الفاشلة، ودفعت السوريين للخروج في مواجهة القتل والاعتقال والتهجير، الذي تكفلت به أدوات النظام الأمنية والعسكرية وشبيحته، وقد أطلق النظام - بعد أن أعطاهم سلطة خارج القانون - أيديهم في كل ما يصلون إليه، فيقتلون ويعتقلون ويهجرون، دون أي ضابط قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي، ودون أي محاسبة في أي مستوى كان. كما أطلق العنان لأطماعهم في أعراض السوريين، ليتم انتهاكها بصورة واسعة، بالتوازي مع أطماعهم في ممتلكات غيرهم، عبر الاستيلاء والمصادرة والسرقة والتدمير، وفتح النظام الباب أمامهم للتلاعب بما تبقى من «المجتمع والدولة» عبر الفساد المالي والإداري والرِّشى وتجارة المخدرات والدعارة، فحولهم إلى طبقة من أصحاب السلطة والمال الذين لا قدرات لهم سوى تمجيد النظام، وارتكاب ما أمكن من جرائم تصب في هدف بقائه.

ويشكل الروس والإيرانيون وميليشياتهم الطرف الثاني في قائمة مروجي فكرة «انتصار الأسد». وطوال سنوات، كانوا قوة دعمه ومساندته في المستويين الخارجي والداخلي، وأعلنوا مرات كثيرة، أن تدخلهم إلى جانب نظام الأسد، شكل قوة حمايته من السقوط في وجه السوريين، ولعب الروس دوراً بارزاً في حماية النظام في مجلس الأمن الدولي، بإعلان «الفيتو» ضد أي قرارات كانت تستهدف سياسات النظام وجرائمه، مما شل الإرادة الدولية عن اتخاذ قرارات حاسمة، ثم جاء تدخلهم العسكري أواخر عام 2015، فشكل انقلاباً في موازين القوى العسكرية والسياسية في الصراع السوري، ووضع النظام (مع عوامل أخرى) على قاعدة استعادة مناطق كانت خارج سيطرته. فيما قامت إيران وميليشياتها بدور الداعم بالقوات، فعززت قوة النظام الميدانية، إضافة إلى أشكال واسعة المجالات من الدعم السياسي والاقتصادي لنظام فقد معظم قدراته.

وبطبيعة الحال، فإن الروس والإيرانيين، لم يقدموا دعمهم الهائل، وسعيهم لـ«انتصار الأسد» خارج حدود مصالحهم، ولم يصبحوا بفعل ذلك أصحاب القرار السوري فقط؛ بل حصلوا على مكاسب مباشرة، بينها قواعد عسكرية، وتأسيس أدوات وبنى اجتماعية حليفة، والحصول على امتيازات اقتصادية وعقود استثمارية. بل الميليشيات التابعة لهم شاركت في عمليات نهب الموارد السورية الفردية والجماعية، عبر إطلاق يدها في الواقع السوري، وجميعه مرهون باستمرار النظام ورئيسه في السلطة. والقول بـ«انتصاره» يعني الحفاظ على ما تحقق لهم من مكاسب، وإمكانية تطويرها في المستقبل، وخاصة في مرحلة إعادة الإعمار المقبلة.

غير أن القول بـ«انتصار الأسد» أو التبشير به، لا يقتصر على أطراف التحالف معه. فثمة مجموعتان تسيران على الخط ذاته: أولهما أنظمة ودول، يوفر لها بقاء النظام مصالحها، كما في المثال الإسرائيلي الذي اختبر على مدار العقود الماضية مصداقية النظام في الحفاظ على أمن إسرائيل، عبر التزامه باتفاقية فصل القوات على الجولان 1974، وجدد النظام أسس تلك العلاقة في عدم رده على هجمات على أهداف سورية وأهداف حليفة من جانب إسرائيل، وانصياعه لشروطها في ذهابه إلى معركة استعادة جنوب سوريا من يد المعارضة المسلحة.

والمجموعة الثانية من السائرين على درب القول بـ«انتصار الأسد»، تنظيمات وجماعات سياسية وشخصيات عربية وأجنبية، ما زالت أسيرة رؤاها الآيديولوجية والسياسية من مختلف الاتجاهات، منعها العمى الآيديولوجي والسياسي المتأصل من رؤية حقائق الصراع السوري وجرائم النظام وحلفائه، والمواقف الإقليمية والدولية العاجزة والمتساهلة، وما زالت ترى النظام تقدمياً ممانعاً وضد إسرائيل والإمبريالية، وغيرها من المعزوفات التي انكشفت أكاذيبها بصورة فاضحة.

ولعله من المفيد الختام بما نص عليه الدستور السوري، الذي عدله نظام الأسد في عام 2012، لرؤية التناقض بين محتواه وما صارت إليه الوقائع السورية الراهنة التي تكذب كل واحدة من فقراته، حيث يقول إن سوريا «دولة ديمقراطية ذات سيادة تامة، غير قابلة للتجزئة، ولا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها»، والنظام «في الدولة نظام جمهوري. السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها، وتقوم على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب»، وأن النظام السياسي، يقوم «على مبدأ التعددية السياسية»، و«تتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع»، وأن «الحرية حق مقدس، وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية، وتحافظ على كرامتهم وأمنهم»... وصولاً إلى: «للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً، والإضراب عن العمل، في إطار مبادئ الدستور»!

==========================

أسئلة الجنوب السوري

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 10/7/2018

يشكل اتفاق الجنوب السوري تطورا مهما لجهة وعي قادة فصائل المعارضة بموازين القوة العسكرية على الأرض، من جهة، وباتجاه رياح الموقف الأميركي من الحل في سورية، من جهة ثانية.

كان واضحا منذ البداية أن الروس يرغبون بإنهاء ملف الجنوب عبر المفاوضات، مع استخدام الآلة العسكرية ورقة ضغط. وكان واضحا أيضا أن لدى فصائل المعارضة الرغبة نفسها، وهذا ما جعل المفاوضات تنطلق مبكرا، على خلاف ما جرى في الغوطة الشرقية، لما بدأت المفاوضات بين الروس والفصائل الثلاث الرئيسية (حيش الإسلام، فيلق الرحمن، أحرار الشام) بعدما نجح النظام في تحقيق إنجازات عسكرية كبيرة، وفي تقطيع جغرافيا الغوطة إلى كانتونات منعزلة. أما في الجنوب، فالمفاوضات بدأت مبكرة، وقبل انطلاق المعارك الكبرى، أي قبل وصول المعارك إلى معبر نصيب ومدينة درعا وجنوبها، في مؤشرٍ على رغبة روسية في إنهاء مسألة الجنوب عبر التفاوض، لاعتبارات إقليمية ودولية.

ويبدو أن الولايات المتحدة ضغطت في هذا الاتجاه، وإذا كانت الرسالة الأميركية أخيرا إلى فصائل الجنوب التي تحثهم على عدم اتخاذهم قرارات، بناء على توقع تدخل أميركي، تشير إلى انسحاب أميركي من المشهد، إلا أنها تشير في المقابل إلى رغبة أميركية بقبول الفصائل التفاوض مع الروس. وعند هذه النقطة، يمكن لواشنطن ممارسة ضغوط على موسكو.

ولعب العامل الإسرائيلي دورا مهما، حيث مارست إسرائيل ضغوطا خفية على موسكو، لإنجاز صفقة الجنوب، خوفا من ارتفاع معدل هروب النازحين إلى الجولان المحتل، خصوصا إلى المنطقة منزوعة السلاح التي تقع بين خطي ألفا وبرافو، وقد هدّد الجيش الإسرائيلي بإمكانية التدخل عسكريا في حال المساس بالمدنيين الموجودين قرب الحدود.

"يشكل انتقال الجنوب إلى النظام تحولا مهما في الصراع، ويعكس الرؤية الأميركية للحل التي تقوم على مبدأ إضعاف المعارضة"

فهمت فصائل المعارضة التفاهمات الدولية، وقبلت بالتفاوض، ورفعت من سقف مطالبها أسوة بالروس، ضمن لعبة المفاوضات المتعارف عليها. والحقيقة أنها نجحت إلى حد معقول في انتزاع موافقة روسية على نقاط مهمة: السماح لمن لا يرغب في البقاء في الجنوب التوجه إلى الشمال الغربي من البلاد. تسليم السلاح الثقيل والمتوسط على مراحل. الحصول على ضمانة روسية بعدم ملاحقة قادة الفصائل وعناصرها. انسحاب قوات النظام من أربع بلدات كانت قد سيطرت عليها بعد انطلاق معركة الجنوب، وهذه سابقة لم تحدث قبل الآن.

يشكل اتفاق الجنوب أفضل ما يمكن التوصل إليه، لتفادي سقوط مئات وربما آلاف القتلى، وعدم تكرار تجربة الغوطة الشرقية، في ظل تراخ أو تواطؤ دولي حيال الجنوب السوري. وكان لتماسك الفصائل في وفد تفاوضي موحد دور مهم في منع انفراد موسكو بكل فصيل على حدة، كما حدث في الغوطة الشرقية، حينما فاوضت كل فصيل على حدة.

في كل الأحوال، كشفت أحداث الجنوب أنها جاءت تتويجا لتفاهم أميركي ـ روسي متفق عليه منذ اجتماع الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين، والأميركي دونالد ترامب، في يوليو / تموز من العام الماضي، وهذا ما لمّح إليه الروس الشهر الماضي، ما يعني أن مناطق خفض التوتر كانت لمرحلة مؤقتة، هدفها وقف القتال بين النظام والمعارضة، من أجل التفرغ للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، وكان لها هدف آخر مضمر، ترويض فصائل المعارضة للتسويات.

لا يتعلق ما جرى في الجنوب السوري بالوجود الإيراني، فقد أثبتت التطورات أخيرا أن هذا الأمر مجرد تفصيل صغير، وكل ما يقال عن انسحابات إيرانية من الجنوب، تمهيدا لإعادة ترتيب وجودها في سورية، ليس سوى بروباغندا إعلامية.

وحتى لو انسحبت إيران والقوى التابعة لها من الجنوب، فليس هو السبب وراء اتفاق الجنوب، أي ليس الانسحاب الإيراني مقابلا لتسليم الجنوب للروس، فإيران أضعف من أن تشكل تهديدا لإسرائيل، وأقوى من أن يستطيع أحد إخراجها من سورية، بما فيها روسيا والولايات المتحدة.

ويشكل انتقال الجنوب إلى النظام السوري تحولا مهما في الصراع، ويعكس ماهية الرؤية الأميركية للحل التي تقوم على مبدأ إضعاف المعارضة، وحصرها في بقعة جغرافية موحدة، من أجل فرض التسوية عليها. وفي ضوء ذلك، يتوقع أن يتجه النظام إلى استكمال معارك الحدود، إما عبر المعارك كما هو متوقع في حلب وإدلب، أو عبر التسويات، كما هو متوقع في التنف ومحافظة الرقة.

السؤال الأبرز: هل ما يجري يأتي ضمن الاستراتيجية الأميركية القائمة منذ سنوات على ضرورة الفصل بين المستويين، العسكري والسياسي؟ أم أن ما يجري مقدمة لانسحاب أميركي من المشهد السوري، وترك روسيا تحدد طبيعة التسوية السياسية؟

==========================

بين المصالحات والسلام في سوريا

حسام ميرو

الخليج

الاثنين 9/7/2018

منذ أن سيطر البعد العسكري على مجريات الحدث السوري، في عام 2012، تراجعت مكانة الفعل السياسي إلى حدودها الدنيا، وعلى الرغم من الزخم الذي أعطي، إقليمياً، ودولياً، على مستوى العلاقات الديبلوماسية، بعد بيان جنيف1، في 30 يوليو/‏تموز 2012، إلا أن كل ذلك الزخم فعلياً لم ينجم عنه مسار حقيقي للتسوية السياسية؛ بل على العكس من ذلك، تمّ استخدام مجلس الأمن، مرات عدة؛ لتعطيل أي قرار ضاغط على النظام السوري.

في المقابل، تبنّت المعارضة السياسية مقولة «الانتقال السياسي»، ولاحقاً تحولت تلك المقولة إلى ما يشبه حجر الأساس في خطاب المعارضة، حتى إنها ذهبت بها نحو فكرة «هيئة الحكم الانتقالي»، والتي تعني، ضمن ما تعنيه، استبعاد الفئة الفاعلة في السلطة السياسية، وهو أمر، من الناحية السياسية، يحتاج إلى توافقات دولية، لم تكن موجودة في أي وقت من أوقات الحدث السوري، بشكل يسمح فعلياً بإيجاد آليات؛ لتشكيل هيئة حكم انتقالية.

وفي ظل غياب الحل السياسي، وهو الشعار الأكثر استهلاكاً في الخطاب الدولي، بقي التوجه الروسي هو الأكثر حضوراً وفاعلية على الميدان السوري، والذي انطلق من أرضية تعطيل الحل السياسي، لمصلحة ما يُسمى «مناطق خفض التصعيد»، وقيام هدن ومصالحات مع الفصائل المسلحة، كانت تنتهي على الدوام بنقضها، كما حدث قبل أشهر في الغوطة الشرقية، والتي كانت ضمن «مناطق خفض التصعيد»، ومع ذلك فقد حسم الروس آنذاك خيارهم، بتدخل جوي كثيف، ما أرغم الفصائل المسلحة على قبول الطرح الروسي، والمغادرة إلى إدلب، والتي تحوّلت إلى منطقة لتجميع الكتائب والفصائل المسلحة، وبعضها إرهابية.

منطق المصالحات والهدن، ومن ثم الانقضاض عليها، بالاستناد إلى مواقف دولية هشّة تجاه الكارثة السورية، يجعل التوجه الروسي يأخذ مساره حتى النهاية، وهو توجه يقزّم الصراع الوطني في سوريا، ويجعل منه مجرد صراع على السلطة بين النظام وفصائل معارضة ذات توجه إسلامي، وهو التوجه الذي أسهمت في إيجاده ودعمه قوى إقليمية وغربية، ويغفل هذا التوجه الروسي مسائل كثيرة، وفي مقدمتها أن النظام السوري، بعد كل ممارساته السلبية تجاه الحراك الشعبي، لم يعد مؤهلاً بتركيبته الراهنة لأن يقود البلاد إلى حالة الاستقرار، بما في ذلك الاستقرار الأمني، فما الحال إذن مع تأمين غطاء الشرعية الوطنية.

إن منطق السلام في دول هشّة مثل سوريا، لا يمكن أن يبنى على منطق الإخضاع، فهذا المنطق هو الذي فجّر الحراك السوري، فقد مارس النظام حالة إخضاع مستمرة للمجتمع السوري، وقواه الحية، لعقود؛ لكن ذلك لم يمنع المجتمع من الانفجار، كما أن مستوى العنف الممارس في الإخضاع يطرح في المقابل مستوى ردود الأفعال، فلو أن المجتمع السوري امتلك وسائل تعبير حقيقية، من أحزاب ونقابات واتحادات ومجتمع مدني، لما شاهدنا هذا الكم الهائل من العنف، الذي مارسته الأجهزة التنفيذية للسلطة السياسية، ولا ردود أفعال من ذات الطبيعة، دفعت عشرات الآلاف من السوريين لحمل السلاح.

من الواضح أنه ما من ممانعة إقليمية ودولية للتوجه الروسي، في حسم المعارك على طريقته، وإنشاء مصالحات شكلية، وهو ما يدفع بعض المناطق في سوريا إلى حالة من الاستقرار المؤقت، وهو ما يحتاج إليه الروس لإعلان انتصارهم؛ لكن هذا الاستقرار المؤقت لن يكون قابلاً للصمود، فالاحتياجات التي يطرحها الاستقرار ستكون كبيرة، وستشكل تحديات هائلة للوجود الروسي نفسه، ولن يكون ممكناً بأي شكل من الأشكال إيجاد عقد اجتماعي جديد بين السوريين، أو خلق مناخ من الثقة فيما بينهم، كما أن مستوى الانقسام الاجتماعي سيكون مرشّحاً للازدياد، ناهيك عن الصراعات التي ستنشأ بين قوى الأمر الواقع التي تشكلت خلال السنوات السابقة، والتي ستسعى إلى حماية مكتسباتها بأي ثمن.

==========================

اعترافاً بالهزيمة في سورية .. وانكسار النظام

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 9/7/2018

هذه المرة، لا أكتب مقال رأي سياسي، بل أبوح بحجم الهزيمة المرّة التي تعتصر صدورنا، ونحن نكشف الغطاء عن آخر مراحل الخيانة لثورة حرية وكرامة، شعارها الأول: "سلمية، سلمية". ثورة تنازع على طعنها الأصدقاء والأعداء، ووفّر لهم ذلك من ادّعوا حمايتها، من دول، وأدوات هذه الدول من قادة فصائل مسلحة مشبوهة، نبتت على دم الناس، واقتاتت من أجسادهم، ومن نخبة معارضين سياسيين أخذوا الثورة على محمل الانتقام من النظام، لاستلام السلطة منه، بكل ما فيها وعليها، ليكونوا بديلا مشوها عنه، كما حدث في مناطق نفوذهم، وقدّموا سورية كلها قرباناً لهذا الانتقام، وليس التغيير الذي تقوم من أجله الثورات، عندما يتحول النظام الحاكم إلى ذهنيةٍ عاجزةٍ عن أداء دورها المفترض في الإصلاح، فأبعدوا النضال السياسي، ليتقدم الصراع المسلح، ودافعوا عنه، بل وتبنوا كل انحرافاته المتطرّفة، من الفصائل المؤدلجة إلى جبهة النصرة وحتى "داعش"، (راجعوا تصريحات مسؤولين تولوا مناصب في المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والهيئة العليا للمفاوضات السورية) المشكوك بها بدايةً، وها هي النهاية تؤكد ضلوعهم الكامل بجريمة خطف الثورة، بل نحرها على أبواب دول التمويل لقتل الثورة في مهدها، وفداء لفكرة الانتقام من النظام.

"الثورة التي تحدت النظام في عقر داره، وبين أجهزته الأمنية، لا تزال ترعب النظام، كما ترعب المعارضة المأجورة"

لا تنفع البكائيات اليوم، على الرغم من دموعي التي تحجب عني رؤية شاشة "اللابتوب". هزمتنا الخيانات. والهزيمة هنا ليست عودة المدن والمناطق إلى حكم نظام الأسد، فالثورة لم تبدأ في مساحاتٍ محرّرة من حكمه، بل انطلقت في أكثر مناطق نفوذه، واستقراره، ووجوده العسكري والأمني، وحيث أكثر بنيته التنظيمية من مسؤولين هم من أبناء محافظة درعا، لعلي كنت واحدة منهم، رئيسة تحرير لإحدى صحيفتين فقط تملكهما الدولة، أي بنسبة خمسين بالمئة من إعلام النظام المكتوب، تقوده امرأة قيد نفوسها درعا، على الرغم من قناعاتي بأن سورية، بكل تفاصيلها ومدنها وقراها، هي مرجعيتي، وأقف على المسافة نفسها منها عند أداء واجبي، وأن العمل الإعلامي لم يكن يوما يحدّه منصب، أو ينتزعه منك قرارٌ أمني كما حدث معي، مرتين أولهما إثر تحميلي عبر لقاء مع قناة الجزيرة قوات الأمن مسؤولية قتل المتظاهرين في درعا (8 أبريل/ نيسان 2011)، وثانيهما عندما حاول "الائتلاف" انتزاع حقي بالتعبير عن رأيي في أدائه السيئ، طالباً محاكمتي على طريقة الأجهزة الأمنية السورية. نعم، فالهزيمة الفعلية التي منينا بها اليوم أننا، نحن المدنيين، بين حدّي منشار، يتنازع تمثيلنا نظام مستبد ظالم من جهة، ومقابله تاجر أو متسلق مرتهن لدولةٍ ما من جهة ثانية، وكلاهما لا يحمل الهدف النبيل لمفهوم الثورة والتغيير.

"هل انهزمت الثورة؟" ربما يكون هذا عنوان سؤال عريض لبسطاء كثيرين اكتووا بنارها، مؤيدين لها كانوا أو معارضين، لكن في الحقيقة يجب أن يكون السؤال: هل كان أمام الثورة طريق للانتصار، واختارت هي الذهاب في طريق الهزيمة؟ أو هل الثورة المهزومة تلك هي الثورة نفسها التي انطلقت من درعا تهلل للحرية، وآمنا بها انتصاراً للحق؟

هذه أسئلة مؤلمة، لكنها جوهر البحث الذي نستخلص منه لماذا نحن هنا، على أبواب درعا نقفل ملف الفصائل المسلحة؟ ونفتح من جديد أبواب مؤسساتنا للنظام العائد إليها، وهو أكثر انكساراً منَا (نحن مجتمع الثورة السلمية). ولا أتحدث عن قادة وتنظيمات وكيانات وروابط (من رابطة)، وما هو مصير شعاراتنا في الحرية والكرامة وحقوق الإنسان؟

نعم، كان أمام الثورة فرصة لاختيار طريق آخر غير طريق الارتهان الذي مارسته الكيانات المحسوبة عليها، من مجلس وطني إلى فصائل مسلحة إلى ائتلاف إلى هيئات تفاوض، وما تفرّع "عنهم" من منظماتٍ تحت مسمى حكومة مؤقتة أو مجالس محلية، أو رابطات، فهذه جميعاً حتى اليوم لم تملك مشروعا وطنياً تدور في فلكه وتدافع عنه، حيث كل كيان أو فصيل أو منظمة تدافع عن مصالح مموليها، أو خلافتها أو دولتها، تحت مسمّى العمل الوطني، وتعطل على بعضها بعضاً فرصة الولوج إلى أي حلٍّ سياسي، ما لم يفصّل على مقاس الدولة التي ترعاها، وهذا ما حدث تباعاً في التشكيلات السياسية والعسكرية، وحتى المجتمعية. سيقول المدافعون: ما كنا نستطيع غير ذلك، ليبرّروا ارتهانهم، وأجندتهم الخارجية التي لا يمكن أن تخدم أجندة وطنية. وهذا ما ينطبق على ما قاله أحمد طعمة، عندما برّر قبوله رئاسة وفد "أستانة"، وهو غير العسكري، والذي "طرد" من هذه الفصائل من على معابرها في سورية، ومنع من دخولها، حين كان يرأس حكومة الائتلاف المؤقتة، في إعلانٍ من هذه الفصائل علناً انقلابها المسلح على أي كيان سياسي، وبرّر قبوله "إذا لم يقبل بالمنصب الجديد فسيكون مصيره الإهمال والجلوس في بيته". ما يعني أننا أمام حالة بيع قضيةٍ مقابل منصب، وهذا ما ينطبق على المعطلين لاتفاق الجنوب، على الرغم مما يشوبه، أنهم لم يجدوا في إتمامه "غنيمتهم المنشودة"، فقرّروا أن يموت المدنيون تحت القصف، حتى يستدرك الروسي المحتل خطأه، ويعيد توزيع الغنائم.

بصراحة، نعم انهزمت ثورة القادة المسلحين المأجورين والأتباع، وانكشفت ارتهانات الكيانات، وضحالتهم الوطنية، لكن تلك الثورة التي تحدت النظام في عقر داره، وبين أجهزته الأمنية، لا تزال ترعب النظام، كما ترعب المعارضة المأجورة، ولا تزال شراراتها قابلةً للاشتعال، فحيث يستطيع مدنيٌّ أن يرفع صوته بوجه الاحتلال الروسي، ويطلب منه ما عجزت بنادق الفصائل وأسلحته عن طلبه، يكمن انتصار ثورة الحرية التي تمضي قدماً، ويظن (وبعض الظن إثم)

"كان أمام الثورة فرصة لاختيار طريق آخر غير طريق الارتهان الذي مارسته الكيانات المحسوبة عليها" النظام والمعارضة أنهما أخمداها، بفعل الحرب والقتل والتدمير والتشريد، بينما هي تتمدّد أكثر واكثر، وتطبع سورية الجديدة بملامحها، رغماً عنهم جميعاً، فهذه الثورة التي بدأت سلميةً لا تنتهي بالخيانات العسكرية، بل تستكمل طريقها عبر الصراع السياسي الذي يمكن أن نستعيده حراً مع لحظة إنهاء الصراع المسلح الذي لم تسع إليه الثورة بدايةً، ولا يمكنه أن يكتب بتخاذله النهاية، وانتصار سلاح روسيا لا يمكنه أن يمحي هزيمتها الأخلاقية والسياسية عبر الأجيال القادمة التي لم تلتفت الكيانات المعارضة إلى أهميتها، كحاضنة للثورة، ولم تستشعر أي مسؤولية تجاهها، لتكتب لها وثيقةً تعترف فيها بما صنعته لهزيمة وتعطيل الحريات في كل مناطق نفوذها (حتى في دوائرها السياسية وهيئاتها التفاوضية) في مقابل السلطة والمال.

سيعود النظام ليس فقط إلى درعا، لكنه سيعود حاملاً انكساره أكثر مما تحمله المعارضة من هزيمة، حيث يعود متخلياً عن سيادته الوطنية لروسيا، وحامياً حدود دولةٍ تحتل أرضه، وتتبجح بحمايته، ما يجعل هذا أكثر أنواع السقوط إيلاماً في نظر حاضنته الشعبية الوطنية التي رفضت تصريحات رامي مخلوف بداية الثورة، واستهجنتها، "أن أمن إسرائيل من أمن النظام". وقبل أن يكون سقوطه مدوياً في نفوسنا، نحن الذين ما زلنا نؤمن بقضيتنا فلسطين العربية، وبالجولان أرضاً سوريةً لا تنازل ولا تفريط فيها وبأهلها، شاء النظام أم أبى، هو ومن يتوافق معه.

==========================

تحليلات الوهن السياسي (1): وكان سيدنا رسول الله سيد الذاكرين وعقد في عشر سنين مائة لواء لغزوة وسرية .. زهير سالم

11 / 7 / 2018

مركز الشرق العربي

مهمة التحليل السياسي الأساسية ، تفسير الظاهرة السياسة ، أو الحدث السياسي  الكلي أو الجزئي ، ووضعه في سياقه ، والإشارة المباشرة إلى العوامل الإيجابية أو السلبية التي صنعته أو أدت إليه ، ليعلم الناس أين هم ، وكيف يعززون ما هم عليه من صواب ، وكيف يتقون ما يحيط بهم،  أو ما تصنعه أيديهم أحيانا في عالم الوهن والخراب .

وفي زمن المحن الفردية والجماعية ، كالمحنة التي يعيشها الشعب السوري هذه الأيام ، يتكاثر المتطببون والمنجمون وضرابو المندل وفتاحو الفال الذين يصرون ، بعضهم بغفلة وحسن طوية ، وآخرون  بوعي وسوء نية ، على دفع الناس بعيدا عن البحث الحقيقي عن أسباب محنتهم وبلواهم ، ليعلموا من أين أوتوا ، وكيف يكون المخرج ..

ومن هذه التحليلات الواهمة ، التي تبعث الوهن في القلوب ، والخلل في العقول ، والرواغ أمام الأبصار ..هذا الطوفان الاتهامي الذي يكاد يغمرنا بأننا في ثورتنا وفي معركتنا لم نكن مسلمين حقيقيين ... وأن الذي لازمنا وحاصرنا قلة الإيمان وضعفه وكثرة الذنوب والمذنبين والخطايا والخطائين ، وأن الذي نقصنا أو ينقصنا أو تجديد إيمان وحسن إسلام وتوبة وإنابة وذكر واستغفار  وسجود وتضرع في جوف الليل ويزيد بعضهم والعودة إلى محاضن التربية الحقيقية ، والخلوات التهذيبية وإننا لو فعلنا كل ذلك فسينزل الله علينا ملائكة من السماء تقاتل عنا وتنصرنا وكأن القرآن لم يتنزل على هذه الأمة (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ )) . كُتب عليكم القتال ، وليس على ملائكة تقاتل عنكم  ..

وعندما يجد الناس أنفسهم يختنقون بالعبرة ، وتتمزق صدورهم بالزفرة يكثر الصخابون من أصحاب الورع البارد من التقريع واللوم والتشكيك ويظلون يقدمون وصفاتهم ملفوفة بسلوفان الوعظ التي يصعب على عاقل أن يحللها ، فيقيد مطلقها ، ويخصص عامها ، ويعيد توظيف كل وصفة في مقامها الذي هو أولى بها .

لن أترك لمتربص فرصة ليقول إنني في هذا المقال أقلل من أهمية وقيمة ( ذكر الله ) وربنا جل علاه يقول (( إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )).  لن أترك فرصة لمتربص ليقول إنني في هذا المقال أهون من أثر التوبة والأوبة والدمعة بين يدي الله والتوكل عليه ، والاستنصار به ، واستمداد العون منه .. فكل هذا من أساسيات الإيمان والإسلام  التي لا يجوز لمسلم أن يفتر عنها في حال من الأحوال فالمؤمنون المسلمون هم الذين وصفهم مولاهم ((يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ))

ولكن هل صحيح - وفي إطار التحليل السياسي أكتب - ن المعتقلين في سجون الطاغية الذين يصب عليهم العذاب صبا ، لم يجدوا لحظة صفاء يدعون فيها القريب المجيب فيستجيب لهم ؟!

هل صحيح أن ملايين الأمهات الفاقدات الثكالى لم يجدن في لوعتهن الإخلاص المشروط ، الذي يلوذ بترداد الحديث عنه المشككون الصخابون المثبطون ،  لاستجابة الكريم للمستضعف المظلوم المكلوم الذي اجتمع عليه كل طغاة الأرض وجباريها ..؟!

هبوا أنه كان في طبقتنا السياسية بعض من يريد علوا في الأرض أو فسادا ، هبوا أنه كان في تلافيف بعض الفصائل وقياداتها بعض من يريد الحياة الدنيا وزينتها ؛ ولكن أين يقع أولئك وهؤلاء في هذا الفيض الطيب من الذين خرجوا يهتفون وتصدق دماؤهم هتافهم : هي لله ..هي لله .. وما لنا غيرك يا الله ؟!

أليس من فقه شريعتنا الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، أليس من واقع ثورتنا أنها كانت مثل البحر تذيب طهوريته كل ما يلقى فيه ؟!

إن الذي يريد أن ينصب نفسه ناصحا ومعلما للناس عليه أن يتقي الله في نفسه أولا ، وفي علمه ثانيا ، وفيما يوصي به ويصفه ثالثا ..

وحين يقول القائل بأن هذه الثورة لم تنتصر لأن أهلها لم يكونوا مسلمين في مستوى استحقاق النصر ..فهو يصدق من وجه ، ويخطئ ويتردى من وجوه ..

يصدق من وجه أول وفي كل حال وحين ، لأن حالة الكمال الإيماني لا يدعيها مؤمن عالم بحقائق الإيمان ، ولا يدعيها مسلم عاقل يعلم أن 

(( اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ )) غاية منصوبة لطلاب الفضل وعشاق الكمال ، تهيبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحطت عنهم تكليفا وظلت مرفوعة أمام أبصارهم تشريفا أنهم لن ..وعليهم أن (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))

ويخطئ هؤلاء المدعون ، ومع كل ما بأيديهم من الشواهد والأمثلة الفردية والجزئية ، التي يضربونها تشنيعا على الثورة وثوارها ، متناسين أن الله سبحانه وتعالى قال في أصحاب نبيه عليه الصلاة والسلام في ساعة امتحان (( مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ..))

ويصدق صاحب هذا التحليل أو التوصيف ، حين يقرر : لم ننتصر لأننا لم نكن في مستوى من الإيمان يؤهلنا للانتصار ..

ولكنه يخطئ ويضل ويضلل حين يوحي أو يصرح أن الانتصار كان ليتحقق بالمعجزة الخارقة تستجلبها بعض ما يصف من وصفات هي إلى الختل والمكر والخداع أقرب !!

اوكما أن من حقائق هذا الدين أن الإيمان والتوكل والتوبة من شروط نصر المؤمنين ومقدماته فإن من حقائق هذا الدين أيضا أن النصر لا يتحقق بالمعجزة المطلقة ، بأن يقعد المؤمنون للتسبيح والذكر والاستغفار فتقاتل عنهم ملائكة السماء .  نصر الله يتحقق بجهد البشر ، وبإحكامهم أمورهم  ، وبجميل توكلهم وحسن تدبيرهم . وهذا الذي نقص السوريين في المشهد الذي ما زلنا نعاينه ونعانيه ..

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الذاكرين ، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ، وعندما أخل بعض جنده باستراتيجية حرب كان قد أحكمها ، مسه ومسهم القرح ، فكسرت رباعيته ، وجرحت وجنته ، وأصابته المصيبة التي أصابتهم ولم يمنعه من ذلك أنه رسول الله ، ولم يمنعهم من ذلك أن فيهم رسول الله ..!! فأي درس لنا في ذلك ؟! وأي عبرة ؟!

إن استصحاب ذكر الله ، والخوف منه والوقوف عند حدوده ، والتوبة من الذنوب  ينبغي أن يظل حال المسلمين ومقامهم   ..فإذا نزلت يهم المصيبة ، ومسهم القرح عليهم أن يتلمسوا أسبابها وسط هذا الحال وهذا المقام  ..

ولا والله ما شهد التاريخ الحديث نساء ولا رجالا أكمل إيمانا ولا أحسن إسلاما ولا أجرأ على تضحية في سبيل الله مما شهده في أبناء الإسلام في الشام المبارك ، حتى لتظن أن البركة ؛ ما منحت لأهل الشام إلا لأجل أبناء هذا الجيل المؤمن المضحي المبارك الأمين ..وكل الشهداء في حروب المسلمين مع أعدائهم شهداء ، وشهداء أهل الشام فيما قدموه وأقدموا عليه كانوا سادة الشهداء يحفون بسيدهم حمزة بن عبد المطلب ، ذلك لأنهم الرجال قاموا إلى الطاغية الفاسد المستبد الظالم فأمروه ونهوه فقتلهم . اللهم تقبل شهداءنا في عليين ، واقطع عنا وعنهم ألسنة المشككين.

ومع ذلك يبقى لقول القائل لم نكن على مستوى من الإيمان والإسلام ما يستوجب النصر – ولا يحابي ربنا أحدا ولا يظلم ربنا أحدا -  – ذلك أننا مع  حسن إسلام وجميل توكل  أغفلنا أمورا  وأمورا منها هي أيضا من مقومات الإيمان وأساسيات الإسلام منها: سلامة التقدير – وحسن التدبير – وإحكام التخطيط – وتوسيد الأمور إلى أهلها – والاجتماع على مثل طالوت ، وإن لم يؤت سعة من المال – وترك النزاع ونسينا جميعا - فلا تنازعوا فتفشلوا ..

أيها الثوار السوريون الأحرار ...

لقد كنتم في ثورتكم الأقرب إلى ربكم ، والأجمل التزاما بأمر دينكم ، فاستزيدوا من ذكر الله ، واستغفروه إنه كان غفارا ، وأنيبوا إليه ، وأحسنوا التوكل عليه ..واعلموا أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ولا نصرا وإنما من تمام إيمانكم وجميل توكلكم أن تُعملوا وتَعملوا بما سن ربكم من سنن ، وبما وضع من نواميس ، وهذا الذي غاب عن ثورتكم فما أحكمتموه ، وهذا الذي غفلتم عنه ونسيتموه ، , وإن من ذكر الله أن توقنوا بأنه مسبب الأسباب ، وصاحب السنن ، وأنه يرمي بأيديكم فشدوا الوتر وسددوا الرمية ..

وما يزال في القوس منزع ، وما تزال الحرب سجال ..وإن نسيتم أشياء وأشياء وأشياء فلا تنسوا من أمر دينكم (( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ )) ..

وفي أكثر من سياق أمركم ربكم بالتقوى مقرونا بها سديد القول والعمل أمركم بقوله : " اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم " وأمركم بقوله (( فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ )) ....

_______________

* مدير مركز الشرق العربي

==========================

اجتماع هيلسنكي يضع الثوار السوريين على مفترق طرق

إيفا كولوريوتي

القدس العربي

الاثنين 9/7/2018

تترقب مدينة هيلسنكي اللقاء الثاني للرئيس الأمريكي ترامب مع نظيره الروسي بوتين من بعد لقائهما الأول على هامش قمة العشرين صيف العام 2017، الاجتماع السابق الذي وصف بالإيجابي من قبل الطرفين وجرى فيه نقاش أزمات مختلفة وعلى رأسها سوريا وأوكرانيا بالإضافة لقواعد الدفاع المتبادل بين الناتو وروسيا بالأخص ما بعد التوتر الكبير الذي زاد بين الطرفين في العام الأخير لولاية باراك أوباما.

لقاء هامبورغ

اجتماع هامبورغ نتج عنه وعود حول سوريا بالأخص ومن دون توافق حول الأزمة الأوكرانية، إلا أن الأمور على الأرض لم تتغير بشكل كبير فاتفاق خط نهر الفرات في سوريا بقي حبرا على الورق وكلا الطرفين تهربا من تنفيذه، روسيا حاولت عبور النهر في العديد من المرات عبر قوات الأسد والميليشيات الداعمة له من جهة وعبر مرتزقة واغنر الروسية من جهة أخرى، لكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل، كما أن الجانب الأمريكي الذي وعد بالانسحاب من قاعدة التنف على الحدود السورية الأردنية زاد من تواجده العسكري هناك بألفي جندي ومئات المدرعات، بالتالي لم يكن للاجتماع السابق أي تأثير يذكر.

حسب التسريبات الدبلوماسية فإن الاجتماع المقبل سينقسم لجزأين الأول سياسي وعسكري بما يخص مستقبل الأزمات السورية والأوكرانية وإيران، فيما سيكون الجزء الثاني اقتصادياً، سأحلل في هذا المقال التأثيرات والخطط المجهزة لهذا الاجتماع وتأثيرها على مستقبل الأزمة السورية بشكل خاص.

إن التراجع الأمريكي عن تحذيراته لأي عمل عسكري في الجنوب السوري وتخليه عن عناصر المعارضة السورية المسلحة في محافظتي درعا والقنيطرة لم يأت وليد اللحظة وإنما هو مرتبط بشكل مؤكد بزيارة بولتون لموسكو ولقائه مع بوتين خلال الشهر الماضي، فالجانب الأمريكي توجه لهذه الخطوة كعربون نحو المصالحة الكاملة مع موسكو في سوريا، وتبقى نقطة الخلاف الأهم بين الطرفين هي على قسمين الأول الوجود الأمريكي في الشرق السوري حيث النفط والغاز، وبرأيي الشخصي فإن كمية النفط والغاز في هذه المنطقة ليست بالضخمة والتي تستدعي أن تبقي واشنطن قواتها مع ارتفاع تكاليف هذا الوجود المادي والجيو سياسي.

أما الشق الثاني فهو مرتبط بحماية الأمن القومي الإسرائيلي من أي خطر سواء ناتج عن إيران أو أذرعها الميليشياوية، وبالتالي فإن حل هاتين النقطتين مرتبط ببعضهما البعض، فواشنطن قد تطرح فكرة انسحابها الكلي من الشرق السوري مقابل أن تعطي موسكو وعودا كافية بانسحاب إيران وذراعها اللبنانية « حزب الله « من سوريا بشكل كامل حتى لو كان تدريجياً، وعلى هذا يكون الطرفان قد وصلا لمبتغاهما، ومما قد يساهم في هذا الحل هو ما تم خلال الأسابيع الماضية من لقاءات سرية وحراك دبلوماسي للاعبين اقليميين في منطقة الشرق الأوسط، فالمصادر الغربية الدبلوماسية تؤكد التواصل بين إسرائيل والأسد عبر موسكو، أكد فيها عن عدم نيته الابقاء على الوجود الميليشياوي في الجنوب السوري وأنه يضمن هدوء حدود إسرائيل الشمالية بشكل كامل، وسبق هذا التوافق لقاءات مكثفة بين مسؤولين إسرائيليين وعرب تمت في الأردن، وضحت تل ابيب خلالها أن الخروج الإيراني من سوريا هو مطلب مشترك وأن بقاء الأسد هو لمصلحة الجميع، وبالتالي هذا الرضى الإسرائيلي ترجم على الأرض الواقع في معارك درعا وسيترجم في اجتماع هيلسنكي بشكل مؤكد.

الموقف التركي

قد يتساءل البعض عن الموقف التركي من ما سيجري في الشرق السوري، فروسيا مستعدة أن تعطي أكراد سوريا فيدرالية خاصة بهم في هذه المنطقة، مقابل أن يستلم الأسد الحدود السورية التركية، وبهذا تكون تركيا المتخوفة من تهديد أذرع حزب العمال الكردستاني في شرق سوريا مضطرة للقبول بالأسد والتعاون معه نحو تحجيم وانهاء هذه الميليشيات كخطوة مستقبلية.

هنا يجدر الإشارة لارتباط ما سيتم الاتفاق عليه في هيلسنكي مع صفقة القرن بما يخص إسرائيل، فتل ابيب تعمل على إنهاء وضع الجولان القانوني على أنها جزء من دولة إسرائيل عبر صفقة مع ديكتاتور حي المهاجرين، ومن المؤكد الأسد الابن لن يكون بأكثر وطنية من والده.

فيما يبقى السؤال الأكثر طرحاً حالياً في الأروقة الدبلوماسية الغربية وهو عن قدرة روسيا دفع إيران خارج سوريا ؟

بالرغم من العلاقة الوطيدة بين نظام الأسد وطهران ما قبل الثورة السورية إلا أن وجودها العلني هناك لم يتجاوز الدبلوماسي، أما السري فكان مقتصراً على أعداد محدودة من المستشارين العسكريين في قاعدتين سريتين، ومع انطلاق الثورة السورية ارتبط الوجود الإيراني هناك بإبقاء الأسد في السلطة أكثر من كونها تريد أن توسع وجودها العسكري في منطقة محسوبة بشكل حصري على إسرائيل، وبالتالي أي مخطط يبقي على عميلهم في قصر المهاجرين يكفي طهران لسحب قواتها هناك بشكل مبدئي ما لم تتطور الحرب الاقتصادية عليها من قبل واشنطن والتي قد تدفعها للهروب نحو الأمام وخلط أوراق المنطقة.

و مع هذا المخطط يصبح المشهد السوري القاتم حالياً على مفترق طرق مرتبطا باختيارات من تبقى من رافعي لواء الثورة الأوائل، ما بين السير مع المخطط الدولي والإذعان للداعمين شمالاً وجنوباً والتي ستؤدي بشكل حتمي لعودتهم تحت سقف الزنزانة أو ما يسمى كذباً سقف الوطن، أو أن يعودوا لدرب الحرية من جديد ويتحرروا من لغة الدبلوماسية والواقعية السياسية.

الاختيار بأيديكم وليس في هيلسنكي أو عمان أو أنقرة.

محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط

==========================

«لخبطة» الوضع السوري في لجنة سوتشي

عادل يازجي

الحياة

الاثنين 9/7/2018

معظم القراءات السياسية للتغيُّرات الميدانية لايمكن الركون إليها، فقد تكون ظواهرها مُخادِعة لتعدد الاحتمالات فيها، وما يرشح عن مُختبر ترامب في مساوماته البراغماتية، والخط الساخن بين البيت الأبيض والكرملين لا تُقرأ فيه نتائج ملموسة واضحة، في زحمة مساومات دولية مُريبة حول التصعيد الميداني في الجنوب الملتهب، والشمال المتأهب للالتهاب.

لجنة سوتشي الدستورية جاهزة وتنتظر، النظام يرفضها عندما يتقدم ميدانياً، ويجامل الراغبين فيها عندما يشتدّ الضغط عليه، والمجتمع الدولي أساساً لم يكن مقتنعاً بها، ثُمّ اقتنع، وعراقيل إعلانها مسألة لوجستية، لا ترقى إلى مستوى الخط الساخن، الذي فعّله تصعيدُ النظام وروسيا في الجبهة الجنوبية وتصاعد ضغط واشنطن ليس لإيقاف تصعيد النظام كما كان مُتوقعاً، بل لإبعاد إيران من الجنوب عاجلاً، ومن سورية كلها لاحقاً، وهذا لا تكفيه مساومات الخط الساخن، إذ لا بُدّ من ضبط شطحات ولايَتَيْ الفقيه الإيرانية والتركية داخل الحرم السوري. واشنطن يرهقها ردع الفقيه التركي حليفِها المتمرّدِ عليها وعلى حليفها الكردستاني في الشمال، وموسكو يرهقها أكثر ردع الفقيه الإيراني الحليف المتمرد عليها فوق كامل التراب السوري. وكلاهما لا يبوح بما يكابده مع حليفه، وربما تسربت أبعادُه السياسية، وليس اللوجستية، عبر الخط الساخن الذي أسفر عن سكوت واشنطن تجاه التصعيد في الجنوب، بينما «جبهة النصرة» تقوم بترتيب بيتها الداخلي في إدلب، لإقلاق راحة موسكو عندما تعود أنقرة إلى حضن الناتو، وحالياً تجدد نفسها على الطريقة الأردوغانية الإخونجية، بدعم تركي قطري تأهُباً لمعركتها مع النظام وموسكو التي لم تبدأ بعد، ويصعب التكهُّن بعدم حدوثها لأنّها ستفتح آفاقاً جديدة أمام الاستثمارات السياسية الإقليمية والدولية؟

تأخّر كشف النقاب عن اللجنة الدستورية احتراماً لازدحام المساومات الميدانية والسياسية من الشمال إلى الجنوب، المساومات في الشمال أميركية تركية فرنسية إيطالية، وفي الجنوب أميركية روسية إسرائيلية إيرانية أردنية، والنظام يرصد ويستعدّ للحظةٍ سياسية يمكن استغلالها ميدانياً لإعادة إمارة إدلب إلى بيت الطاعة، والمهمّ ليس تشكيل اللجنة بل عملها، إذا عُقدت، وبلا أدنى شكّ ستكون مسالك عملها وعرةً مليئةً بالمطبات، وقد يحتاج تذليلها إلى مساعدة ميدانية من «داعش» أو «النصرة»، أو كليهما معاً!

المجتمع الدولي لم يطرح تغيير النظام إلاّ للمناورة حول المسائل الخلافية في خريطة المصالح السياسية وتوابعها، والنظام مطمئن إلى بقائه، ويناور للإمساك بزمام توجهات اللجنة الدستورية، بمساعدة موسكو الحريصة على عدم إفساح المجال لأيّ تمرد على رغبته، سواء في تشكيل اللجنة أو في صياغة بنود دستورها، والنظام لا تنقصه الخبرة في خلق الثغرات أو سدّها، والخروج منها منتشياً، فالدستور، جديداً كان أم معدّلاً، سيعتمد إمّا فلسفة الرتوش التي يطرحها النظام بصيغة الوحدة الوطنية، أو فلسفة الرتوش الديموقراطية الروسية لسد الذرائع الأممية، وفي أيٍّ من الصيغتين لم تحسم الخلافات حول سيطرة «الدولة» على ما ليس تحت إمرة النظام وتحديداً في الشمال والشرق، إذا حُسم نهائياً وضع الجنوب على الحدود مع الأردن.

إعلام النظام مُمَثَّلٌ في اللجنة الدستورية، والإعلام المعارض في الخارج يشكك في اللجنة من أساسها، والإعلاميون الذين طردوا أنفسهم من إعلام النظام، ومن إعلام معارضيه، هؤلاء يشكّون بوجود أيّ متنفس لحرّية الكلمة في قرارات هذه اللجنة باعتبارها سياسية أكثر منها قانونية، فالجميع من الجانبين متأهّبون لتفاوض عقيم في نقطة سياسية محددة، لا يستطيع التكنوقراط القانوني حسم الخلاف حولها، وصيغتها النهائية ستقرر كمية الرتوش الديموقراطية الممكنة.

حرية الكلمة في بلادنا العربية لا تُمنح بل تُؤخذ، إمّا عنوة، أو بالتسلل بين بنود القوانين، وهي غير مؤهلة للاصطدام بالعقل الرقابي المغلق المُسوّر بلا أيِّ مساحة اجتهادية يمكن استثمارها في نقاش سياسي مفتوح.

من المؤكد أن الحرية وشقيقتها الديموقراطية غير مرغوب فيهما لدى البراغماتية السياسية العربية منذ أقدم العصور الى يومنا هذا، ومصطلح الحرية مالم يتسلل تحت مظلّةٍ ما، فلن يكون له أيّ حضور مُعلن، أو مُضمر في لجنة مؤدلجة يسعى كل جانب فيها الى شد اللحاف نحو الطرف الذي يمثّله، فتخرج الشمولية من الباب، لتدخل من النافذة! والعهدة على قوة تأثير المجتمع الدولي فيها من خلال موسكو، وما عدا ذلك غير مقدور عليه، ولن يمرّ عبر الخط الساخن بين البيت الأبيض والكرملين.

قبل 2011 اقتصرت طروحات المعارضات السياسية العربية على مسألة الديموقراطية، وهذه الطروحات لم تكن تشغل بال السلطات الحاكمة، وعندما هجمت عواصف الربيع عليهم، استنفروا في وجهها كل طاقاتهم، وفي توجُّهٍ دفاعي مرتبك قرّر بعضهم الإمساك بطرف خيط ديموقراطي للتلويح به امام معارضيهم، هذا مافعله النظام السوري الذي سارع الى إعادة النظر فوراً في مسائل ثلاثٍ: الدستور، وحرية الإعلام، والتعدد الحزبي بديلاً من سيطرة الحزب الواحد؟ قبل الانشقاقات العسكرية، وقبل ظهور التنظيمات الإرهابية، وأراد منها ان تشكّل استباقاً سلطوياً لانفتاح يسد به ذرائع التظاهرات المطالبة بالحرية. إيحاءاته، كانت تعلن استعداده لقيادةِ تغييرِ ذاتِهِ، لكن ارتباك الوسط الموالي والمُعارض والحراك الجماهيري المتصاعد، تجاهل وربما لم يلحظ إيحاءات النظام، ولم يناقش معه صدقيتها، ففشل هذ التوجّه في تنفيس الاحتقان، فاتّجه النظام الى السلاح وكان ماكان.

الخط الساخن حرّك عواصف سياسية لن تهمد حتى بلقاء الرئيسين بوتين وترامب، وربما تحولت الى أعاصير سوبر سياسية، طالما رُفع من التداول أميركياً وأممياً تغييرُ النظام، وبالتالي لن يكون باستطاعة اللجنة الدستورية أن تفتح النوافذ للشمس.

* كاتب سوري

==========================

الصمت العالمي في حوران.. عارٌ لن يُمحى

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 8/7/2018

بينما كانت جلسات مجلس الأمن الدولي المعروفة النتائج بالنسبة للسوريين على مدار ثماني سنوات تجري، كان تنفيذ تهديد ووعيد الاحتلال الروسي للثوار الذين رفضوا الاستسلام لمفاوضات القوي على الضعيف قد بدأ.. أربعون طائرة روسية بالكمال والتمام، كما وعد الجنرالات الروس، تتحرك من قاعدة حميميم المحتلة بالساحل السوري باتجاه حوران، لتصب حممها ونارها على أجساد أطفال صيدا قرب درعا وغيرها، حيث لم يدع المحتل الروسي سلاحاً محرماً وإلا واستخدمه ليتباهى لاحقاً بأنه يستخدم الشام أرض اختبار لأسلحته المدمرة.

المثير للاستفزاز هو إعلان الأمم المتحدة، التي غدت أشبه ما تكون بمؤسسة لإحصاء أعداد المنكوبين، وإن كان حتى هذا قد تخلّت عنه منذ بداية الثورة بإحصاء عدد شهداء الثورة السورية، ما دام العدد سيحرجها لتصاعده المخيف، المثير للقرف إعلانها أن عدد النازحين بلغ 325 ألف نسمة، بينما الفيتو الروسي على طاولة مجلس الأمن الدولي يتكرر منذ ثماني سنوات، ولا رادع له، بل تواطؤ دولي يصل إلى حد الاشتراك في جريمة إبادة الشام وأهلها.

عارٌ سيلحق البشرية كلها لن يُمحى، وهي تراقب إبادة شعب وطرده من أرضه، ولا نصير له إلا الله، وحتى جامعة الدول العربية قيّدت التصعيد الخطير في درعا ضد مجهول، لم تشأ أن تسمي الاحتلال الذي يسعى إلى كسر إرادة الثورة السورية، ومعه سيتم كسر إرادة العرب والمسلمين، فلن تكون الشام إلا السد الأخير بوجه الجبروت الروسي، ونحن نرى كيف يتم ابتلاع الخطوط الحمراء الإسرائيلية، كما تم من قبل على يد أوباما بصمتهم على دخول الميليشيات الطائفية درعا والقنيطرة لمقاتلة الثوار، بينما كانت تل أبيب تهدد وتتوعد في حال تم تجاوز هذه الميليشيات خط الستين كيلو متراً عن حدودها المصطنعة، لكن لا بأس ما دامت تل أبيب أعلنت أن الأسد شريك استراتيجي لها، وما دام الهدف إبادة السنة، وطرد كتل سنية حرجة مقلقة لدولة بني صهيون على المدى البعيد، فصفقة القرن الحقيقية تتم في الشام وليس في غيرها.

أما الصمت العربي والإسلامي، وصمت الحركات الإسلامية، فليس أقل دناءة ولا خسة من صمت الدول الكبرى، ويحدثك البعض ماذا سينفع لو تحدثنا؟ إنه الخذلان، وإنكار الباطل ليس في اليد فقط، ومن يراهن بصمته على عودة لحضن الأسد، أو لحضن أسياده، نبشره أن ما قبل الثورة ليس كما بعدها، والأسد لن يسمح له أن يعود بشروط الماضي ولا بنصفها ولا بعشرها، في ظل ارتهانه الكامل لبني صهيون وموسكو وغيرهما.

الانتصار هو انتصار المبادئ والأفكار، وليس انتصاراً مادياً، وإلا فأين انتصار ثورات عز الدين القسام ومن قبله ومن بعده؟ وأين انتصار السلطان عبد الحميد يوم فقد عرشه من أجل فلسطين؟ وأين انتصار الغلام الذي قتل من أجل انتصار فكرته؟ وأمثلة التاريخ أكثر من أن تُحصى.. فالانتصار انتصار المبادئ والأفكار.. ذاك هو الانتصار، وما دونه هزيمة فكرية وردّة مبادئ لن يسعفها انتصار تكتيكي خُلبي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً

==========================

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

رضوان زيادة

العربي الجديد

الاحد 8/7/2018

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب السوري، بناء على افتراضات وتصريحات أميركية. ولكن ما الذي تغير ودفع النظام السوري، بالتعاون مع طيران الجو الروسي، إلى التوجه جنوباً، والضرب عرض الحائط بكل هذه الاتفاقات والتفاهمات؟ هناك عدة أسباب لذلك:

أولا: تغير الموقف الأميركي، وهو العامل الحاسم. على الرغم من أن الولايات المتحدة أعلنت، على لسان رئيسها، دونالد ترامب، ووزير الدفاع، جيمس ماتيس، أنها لن تسحب قواتها من سورية، قبل ضمان الاستقرار هناك وتحقيق الانتقال السياسي، إلا أن الأمور يبدو أنها تتجه نحو انسحاب أميركي تدريجي كامل، وتسليم الأرض السورية كاملة للقوات الروسية، فتغير الموقف الأميركي في عفرين، ثم منبج، ثم الجنوب السوري، يظهر أن الولايات المتحدة لا تكترث عملياً لتوازنات القوى الدولية والإقليمية على الأرض السورية، فضلاً عن أنها لا تعباً بالمعاناة السورية، وهذه لا تشكل هاجساً للإدارة الأميركية تحت قيادة ترامب الذي اشتهر بتقلبه وتغيير آرائه في المواقف عموماً.

"لا تكترث الولايات المتحدة عملياً لتوازنات القوى الدولية والإقليمية على الأرض السورية، ولا تعباً بالمعاناة السورية"

ثانياً: يعكس تغير موقف الولايات المتحدة أيضاً عدم اكتراثها بالاتفاقات التي تم التوصل إليها، وأن ترامب لا يريد محاسبة روسيا على إخلالها بالاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقا، وعدم احترامها، وهو الذي كان ينتقد إدارة أوباما باستمرار، قائلاً إنها لا تعرف التعامل مع روسيا، ومحملاً إياه المسؤولية عن الحرب الأهلية في أوكرانيا، وسيطرة روسيا على القرم في أوكرانيا، وضمها لها من طرف واحد. وهو ما يؤشر، بشكل ما، إلى أن ترامب فشل في حماية الاتفاقات التي توصل إليها، وغيرت الخارجية الأميركية موقفها بسرعة في الجنوب السوري، قائلة للمعارضة السورية إنها لن تتدخل لحسابها، من أجل حماية اتفاق خفض التصعيد، وإن عليها أن تجد طرقا للدفاع عن نفسها.

ثالثاً: يظهر هجوم القوات الروسية والسورية كذبة ما تسمى مناطق خفض التصعيد التي تم التوصل إليها في أستانة، وأن روسيا الراعي الأول لهذه الاتفاقات تخترقها بكامل قواتها وعديدها، وهو ما يظهر أن مسار أستانة الذي استحدث ليكون بديلاً لمسار مفاوضات الحل السياسي في جنيف لا يعدو سوى كونه سيركاً لا تملك الأطراف المشاركة فيه قوة التفاوض، أو القدرة على الوقوف في وجه روسيا وطموحاتها في سورية. ولذلك ربما تعد معركة الجنوب السوري نهاية مسار أستانة الذي أظهر أن الأطراف المشاركة فيه غير قادرة على حماية التزاماتها.

لذلك، يمكن القول إن روسيا اليوم ترغب أن تكرّر في درعا السيناريو نفسه في حلب عام 2016، والغوطة الشرقية في 2017، وهو قصف جوي مكثف، لا يميز بين المدنيين والعسكريين، بهدف إجبار السكان على النزوح بشكل كامل. ولذلك تظهر تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أكثر من 200 ألف لاجئ نزحوا نحو الحدود السورية – الأردنية، حيث أغلقت الأردن حدودها بشكل دائم، ومنعت دخول أي لاجئ إليها، بحجة أنها لا تستطيع استقبال مزيد من اللاجئين السوريين إليها.

ثم تكثف القصف الجوي وكانت أهدافه المستشفيات والمراكز الصحية التي تعمل بحدها الأدنى، ما أخرج خمسة مراكز صحية تعمل في مناطق مختلفة في درعا من الخدمة، وأرسل رسالة واضحة إلى المدنيين في تلك المناطق أنها مناطق غير قابلة للسكن أو الإيواء، وأن سيناريو حلب الشرقية والغوطة الشرقية يتكرر في درعا، ما دفع مدنيين كثيرين إلى النزوح ومغادرة بيوتهم، وأماكن عملهم، بهدف البحث عن مأوى آمن للجوء، والهروب من مناطق القصف الجوي التي ستكون عشوائية بالكامل، بغرض جعل كل مناطق الجنوب السوري مفتوحةً بالكامل للنزوح، وتكون مؤهلة لسيطرة النظام السوري بالكامل.

بعد ذلك، تأتي الخطوة الأخرى في استخدام كل الأسلحة، حتى المحرّمة منها، بما فيها غاز الكلور أو الأسلحة الكيماوية، كما شهدنا استخدام ذلك بشكل مكثف في حلب والغوطة الشرقية، ما يدفع المقاتلين من المعارضة إلى الاستسلام، لحماية من تبقوا من المدنيين، أو ضمان سلامتهم أمام قوة عسكرية لا تحترم قوانين الحرب، وأمام خذلان الأطراف الداعمة لهم التي تراجعت، مع أول هجمة روسية على المنطقة. ولذلك لا نحتاج إلى حنكةٍ كثيرة للقول إن سيناريو حلب والغوطة سيبدو أنه سيتكرّر مجدداً في درعا، وإن اللقاء المرتقب بين الرئيسين الروسي والأميركي في هلسنكي حتى لو ناقش الوضع السوري يبدو أنه سيقدم تنازلا أميركياً جديداً لروسيا في سورية، عبر التخلي تماماً عن الجنوب السوري، والسماح للقوات الروسية بالسيطرة على تلك المناطق، بما يخالف اتفاق فيتنام الموقع عام 2017.

وتعني خسارة المعارضة السورية مواقعها في الجنوب السوري أن تركيزها سينحصر في الشمال، وحصرا في إدلب ومحيطها، قبل أن يتحضر النظام مجدداً، برعاية حليفه الروسي، لمعركته الفاصلة في الشمال، وعندها سيتكرر سيناريو غروزني في سورية، ولكن مع تكلفة

"استسلمت الإدارة الأميركية تماماً أمام الشره الروسي في العنف الأعمى، لتحقيق أهداف سياسية" أكبر، ودمار أكبر، ونهاية مأساوية للخدعة الروسية المستمرة في ما يسمى "الحل السياسي"، أو مسار أستانة، ولن يكون بالطبع أي معنى للحديث عن مسار جنيف بعدها، أو حتى تشكيل لجنة دستورية، فالأسد يبدو أن سينتصر، بفضل تصميم بوتين على تكرار سيناريو الشيشان في روسيا، وسيكون سعيداً أنه هزم ثورة شعبية في سورية، وأنه سحق "مؤامرة غربية" بعد نجاح هذه المؤامرات في طرده من جورجيا وأوكرانيا.

من يتحمّل المسؤولية حقا هي الإدارة الأميركية التي استسلمت تماماً أمام الشره الروسي في العنف الأعمى، لتحقيق أهداف سياسية، وبدت غير راغبة في الدفاع عن مصالح الأردن والمعارضة السورية المسلحة في الجنوب السوري. ولذلك يبدو أن الأسد ربح جولةً أخرى، باعتماده على بوتين، وخسرت المعارضة جولة أخرى، بسبب اعتمادها المتكرّر على ترامب الذي لا يبدو أنه سيحقق نصراً، أو يقطف ثمار نصره على "داعش" في سورية، وترك الشعب السوري لمصيره المؤلم أمام قوى دولية، كروسيا وقوى إقليمية كإيران، وقوة احتلال داخلي كالنظام السوري، لترسم مصير سورية وشعبها، لا بالقانون أو السياسة، إنما بالعنف الكامل والقتل والتشريد، وهو حتى وإن نجح مؤقتاً فإنه لن يكون دائماً، وتاريخ سورية الطويل في صد الغزاة والمحتلين أكبر دليل على هذا القول.

==========================

درعا: مَنْ يستسلم سوى العسكر؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 8/7/2018

حتى دولة الاحتلال الإسرائيلي انحنت، مؤقتاً بالطبع، أمام تخطيط الكرملين لحسم معركة درعا، فوافقت على مشاركة ميليشيات «أبو الفضل العباس» الشيعية العراقية/ الإيرانية، وأنفار من مقاتلي «حزب الله» اللبناني؛ وذلك بعد أن كان رئيس أركان جيشها غادي آيزنكوت قد أرغى وأزبد حول ضرورة انسحاب أنصار طهران من أرض المعركة، وتفويض جيش النظام السوري وحده بالدخول إلى مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة.

تلك إشارة أولى، ضمن أخرى عديدة، على مفارقة اتفاق قوّتَين كونيتَين (أمريكا وروسيا)، واثنتين إقليميتين (إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي)، وخامسة جارة (الأردن)، على ترقية زمرة من مجرمي الحرب وقتلة الأطفال (نظام بشار الأسد) إلى مصافّ الوكيل المحلي الذي يخدم مصالح هذه الأطراف الخمسة؛ رغم كلّ ما يفرّقها من اختلاف في مصالح أخرى جوهرية، أو بالأحرى لأنّ ذلك الاختلاف لا يفسد الودّ حول ضرورات حسم هذه المعركة.

وكانت المافيات، بما في ذلك الروسية أغلب الظنّ، سوف تتحرّج من الانقلاب السريع على اتفاق توصل إليه البيت الأبيض والكرملين (بتوافق تامّ مع رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، للتذكير الضروري)، حول «خفض التصعيد» في محافظة درعا وبعض أطراف محافظة القنيطرة. أو كانت تلك المافيات ستراوغ قليلاً حول التزاماتها تجاه المدنيين، على أقلّ تقدير، ليس احتراماً للنفس البشرية، بل لحفظ ماء الوجه وصيانة السمعة. تلك مراوغة لم يكترث بها دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، رغم أنّ الاتفاق ذاك كان ثمرة أوّل لقاء «تاريخي» بينهما، خلال قمة العشرين في مثل هذه الأيام من السنة الماضية.

لكنّ القوى الإقليمية والدولية ليست الوحيدة المسؤولة عن المأساة الإنسانية، ثمّ السياسية بالطبع، التي تشهدها محافظة درعا وسائر الجنوب الغربي من سوريا. حقوق البشر من أبناء المحافظة، خاصة أسر الشهداء والجرحى والمفقودين والمهجرين والنازحين، تقتضي إدانة فصائل المعارضة المسلحة، دون تردد أو مراعاة أو تبرير. لقد استسهلت وأد روحية الانتفاض الشعبي السلمي في مهده السوري الأبكر والأنبل، واستطابت الانزلاق إلى الخيار العسكري المغامر منذ العام 2012، واندفعت إلى أحضان رعاة السلاح الإقليميين والدوليين، وصار معظمها أدوات لدى غًرف التنسيق العسكري الأمريكية والبريطانية، ثمّ ما لبثت أن انخرطت في صراعات المكاسب والمواقع والامتيازات البائسة الضيقة…

هذه العسكرة هي التي تستسلم اليوم، أو هي التي تنهزم من حيث لم تنتصر البتة في واقع الأمر؛ وليس تلك الروحية التي أطلقت شرارة أولى التظاهرات السلمية، وذكّر أطفالها الدكتاتور «الدكتور» بأنّ دوره قد جاء، وقدّمت العشرات من أمثال الشهيد الطفل حمزة الخطيب. ولكنه استسلام لا يُبطل أياً من التضحيات التي قدّمها الحورانيون على كلّ الأصعدة، بما في ذلك أولئك الذين انخرطوا في الخيار العسكري عن إيمان نقيّ وليس عن مصلحة ومنفعة، وأولئك الذين انشقوا عن جيش النظام واضطروا إلى القتال دفاعاً عن الأرض والعرض والكرامة الإنسانية.

وإذا صحت التقارير الصحفية عن تفاصيل الاتفاق الذي توصل إليه المفاوضون الروس مع فصائل المعارضة المسلحة، فإنّ الحصيلة لا تؤكد على خلاصة أخرى أكثر من تأكيدها على استسلام أهل السلاح، بسهولة فاضحة هي نقيض التنافخ السابق حول منعة «الجبهة الجنوبية»، من جانب أوّل؛ وأنّ جولات التفاوض السابقة لم تفلح في تحسين بنود الاتفاق، بقدر ما حسّنت فتات ما سينتهي إليه هذا الفصيل أو ذاك، من جانب ثانٍ. أبرز الأدلة على هذا أنّ الاتفاق يتفادى الخوض في مصائر النازحين وأسر الشهداء والمطلوبين، ولا يفصّل القول في طبيعة انتشار قوات النظام وأجهزته وضمانات المستقبل.

وفي انتظار أن تُترجم على أرض حوران، وبعدها القنيطرة، التوافقات التي توصل إليها آيزنكوت مع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة جوزيف دانفورد؛ ثمة سادة كبار يديرون ألعاب التقاسم الوظيفي هنا وهناك في سوريا، وثمة وكلاء صغار يُعهد إليهم تنفيذ المهامّ القذرة، التي يحدث أن تعفّ عنها الكواسر آكلة الجيف!

==========================

«سزكين» والعلوم العربية

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 8/7/2018

توفي «فؤاد سزكين» باسطنبول عن أربعة وتسعين عاماً، قضى ستين منها في ألمانيا، وكتب معظم كتبه بالألمانية. وما كانت بداياته الدراسية بتركيا، تشير إلى أنه سيفرّغ نفسه لتاريخ العلوم العربية. فقد كتب أُطروحته للدكتوراه عن صحيح البخاري، وخلال عمله ذاك حقّق مجاز القرآن لأبي عُبيدة معمر بن المثنى (-207هـ) عن مخطوطة نادرة باسطنبول. فمنذ أكثر من مائة عام يتعرض الحديث النبوي وكتبه لحملات من جانب المستشرقين، بدأت بغولدزيهر وبلغت ذروتها بشاخت وتلامذته. لذلك أراد «سزكين» خوض هذا التحدي، والذي كان أصحابه يرون أنّ «علم الحديث» مزوَّر كله من حيث الأسانيد والمتون ومصطلحات التلقي والسماع والحفظ والتدوين. وكان مستند المنكرين لصحة الحديث أنّ كتبه وأجزاءه إنما ظهرت في القرن الثالث الهجري وما بعد. أما سزكين فوجد مخطوطات فيها أسانيد، باسطنبول ودمشق وغيرهما، تعود لمطلع القرن الثاني الهجري. كما تتبع طرائق تلقّي الحديث، فوجد أنّ الحفظ الذي استصعبه المستشرقون، كان مقروناً بالتدوين، وأنّ مصطلحات مثل السماع والإجازة والوجادة والثقة والمعلوم.. إلخ، كانت لها مضامين دقيقة للغاية.

وفيما بين اسطنبول وفرانكفورت حيث كان يدرّس أُستاذه «هلموت ريتّر»، أقنع ريتر تلميذه النشِط بإعادة النظر في كتاب بروكلمان الشهير «تاريخ الآداب العربية». وهو فهرس للتأليف والمؤلفين في الحضارة العربية الإسلامية يقع في ثلاثة آلاف صفحة، عمل عليه بروكلمان أكثر من عشرين عاماً. لكنّ بروكلمان مات عام 1956 وكان يُعدُّ لطبعةٍ جديدة من الكتاب. أما سزكين وريتر، المتبحران في مخطوطات اسطنبول وبرلين، فيعرفان أنّ بروكلمان نسي عشرات الألوف من المخطوطات، كما أخطأ كثيراً في الأسامي والنِسَب وأسماء المؤلفات والمؤلفين. وهكذا بدأ سزكين كتابه الضخم: «تاريخ الكتابة العربية» منذ 1962 وحتى 1990، وأصدر منه 12 مجلداً، كل مجلد يقع في ألف صفحة.. وهذا يشمل الثاقفة المدونة حتى العام 432هـ فقط!

وخصص سزكين 5 مجلدات لتاريخ العلوم العربية، أي الكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات والطب والنبات والجغرافيا. وكما أقنع الألمان بنشر كتابه الهائل عن التأليف بالعربية، فقد دأب خلال رحلاته للتعرف على المخطوطات في البلدان العربية، على الإلحاح على المسؤولين العرب المعنيين بالثقافة، أن يساعدوه في إنشاء معهد لتاريخ العلوم العربية والإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت. فتبرعت للمشروع كلٌ من السعودية والكويت وليبيا، وافتُتح المعهد عام 1977. قام المعهد بعشرات المهام ذات الطابع البحثي والكشفي في تاريخ العلوم: أنشأ مجلة أكاديمية لتاريخ العلوم، لكنها لسوء الحظ ما صدرت بانتظام. واستقبل عشرات الشبان الباحثين في تاريخ العلوم بمنَح للدراسة والكتابة، ونشر بطريقة الفوتوكوبي مئات المخطوطات النادرة للعلماء العرب القدامى، كما نشر مخطوطات نادرةً في علوم القرآن والحديث واللغة والجغرافيا والفلاحة. وأعاد تركيب أسطرلايات ودوائر هندسية ومختبرات لإيضاح التطور المتصل بين الإغريق والمسلمين والأوروبيين في شتى العلوم.

لقد عمل سزكين، وفي كل مشروعاته الكبرى، منفرداً، لكنْ كأنه فريقٌ لشدة دأَبه. وقد غيَّر بالفعل الباراديغم في دراسات الحديث النبوي، وفي دراسات تاريخ العلوم. وما كان متكبراً، لكنه كان يشعر بالإهانة الشديدة إذا أُنكر عليه إنجازه، أو انتحل أحدٌ من آثاره شيئاً. لذلك فقد تعددت دعاواه أمام المحاكم بشأن النقل عنه دونما ذكر، أو بشأن إنجاز هذه المعادلة أو تلك من إنجازاته. وقد سيطر عليه في العقدين الأخرين الإحساس بأنّ عامة المسلمين يجهدون لاعتبار الإسلام ديناً، دونما اهتمام بكون الإسلام حضارةً كبرى أيضاً. قال لي: عند العرب، وفي تركيا وإندونيسيا، الهم الأول تطبيق الشريعة، والفحص عن مدى اتّباع الإسلام هو مشغلة كل أحد. وأنا لا أُنكر أنّ هناك أناساً مهتمين بالبحوث الحضارية، لكنهم قليلون جداً. هم يريدون استئناف مسيرة الدين وهي لم تتوقف، وأنا أريدهم أن يستأنفوا مسيرة هذه الحضارة العظيمة!

حصل فؤاد سزكين على جائزة الملك فيصل في الدراسات الإسلامية عام 1979، وألقى بعدة بلدانٍ عربية محاضرات في تاريخ العلوم وحول فكرة الانحطاط التي تشبث بها المستشرقون وكثير من العرب. قال في إحدى محاضراته: لقد تعمدت إعادة اكتشاف وعرض المنجزات العلمية في القرون المتأخرة، لإثبات أنه لم يحصل انحطاطٌ في الحضارة، والذين قالوا ذلك كانوا متحزبين للغرب أو كانوا جهلة تلقوا شائعاتٍ فصدّقوها وما فحصوها، والإنسان عدو ما جهل!

==========================

رهانات التسوية حول سوريا في قمة ترامب - بوتين

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 7/7/2018

تتسارع التطورات على الساحة السورية ضمن مسلسل التدمير المنهجي والتغيير الديموغرافي الذي يضرب البلاد منذ سبع سنوات. بعد حسم المعركة في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي لصالح المنظومة الحاكمة ومحورها الداعم، والسباق مع الوقت قبل قمة الرئيسين الأميركي والروسي في هلسنكي يوم 16 يوليو، لتحقيق نجاح عسكري إضافي في الجنوب الغربي ووأد الحراك الثوري السوري في مهد انطلاقته في درعا، تواصل موسكو العمل على تأهيل المنظومة الحاكمة والذهاب نحو جني الثمار في إعادة الإعمار قبل نهاية هذا العام، وتراهن القيادة الروسية على بلورة تسوية مع الرئيس دونالد ترامب تكرس إنجازاتها، لكن المساومة المنتظرة حيال الدور الإيراني في سوريا تنطوي على عناصر غامضة مرتبطة باللعبة الكبرى في مجمل الإقليم، وتجعل من الصعب الجزم حول مآلات “الحروب السورية”.

يسود الإرباك في مقاربة أحد أبرز محاور قمة هلسنكي أي هدف إدارة دونالد ترامب المتمثل باحتواء إيران انطلاقا من ضرب النفوذ الإيراني وتحجيمه في سوريا. واللافت تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون موفد ترامب إلى موسكو تمهيدا للقمة، عن عدم اعتبار الرئيس بشار الأسد مشكلة إستراتيجية، وما يكشفه عن مسعى لخلاصة دبلوماسية أولية للكارثة السورية من خلال بلورة الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل اتفاقا يضمن للرئيس السوري بشار الأسد الاحتفاظ بالسلطة، مقابل تقديم روسيا تعهدات بخصوص إخراج قوات إيران ومحورها ليس فقط من الجنوب إنما من سوريا عموما.

لكن إزاء ما يُحكى في واشنطن عن استعداد الرئيس ترامب لإقرار سياسة تضفي شرعية على الأسد، مقابل التوصل إلى بدء مسار فك الارتباط الإستراتيجي بين موسكو وطهران، تخشى بعض الأوساط الروسية من مساومات وحلول وسط تغطي تصرف الأميركيين من موقف اللاعب القوي، كي يتمكنوا من فرض تنازلات على الروس، والمرتبة الأولى في قائمة هذه التنازلات هي التسوية في سوريا حسب السيناريو الأميركي.

ولذا لاحظنا أنـه بالـرغم من تهليل البعض المسبق بالصفقة المنتظرة والدور الإسرائيلي في بلورتها، أتى تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن “أهمية الوجود الإيراني في سوريا” وذلك بعد طمأنة نائبه ميخائيل بوغدانوف لإسرائيل بأن “الوجود الإيراني في سوريا هو لضرب الإرهاب وليس ضدها” (أي إسرائيل)، ليتبين أن الموضوع الإشكالي لا يزال محل أخذ ورد أو قيد التفاوض، وهذا ما يفسر أيضاً برمجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة عاجلة إلى موسكو في العاشر من يوليو لاستطلاع موقف الرئيس فلاديمير بوتين والتأثير عليه قبل القمة المنشودة.

هكذا بعد مفاجأة الرئيس دونالد ترامب العالم في الاحتفاء بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ- أون في قمة سنغافورة، وازدراء نظرائه الأوروبيين والكنديين في قمة مجموعة السبع، اندفع نحو ترتيب قمة هلسنكي مع الرئيس فلاديمير بوتين متجاوزا الجفاء والتصريحات العالية اللهجة وأشكالا متعددة من المواجهة وبالطبع التدخل الروسي المفترض في الانتخابات الأميركية، والجدير بالذكر أن القمتين السابقتين على هامش اجتماعين دوليين لم تسفرا عن أي تفاهم ملموس، باستثناء رعاية اتفاق خفض التصعيد في الجنوب السوري (إلى جانب الأردن).

ومع استمرار الغموض بخصوص أجندة القمة وبرنامج عملها واستغراب عدم انعقاد اجتماع تحضيري بين لافروف ونظيره مايك بومبيو، يسود الاعتقاد أنه كانت هناك مصلحة مشتركة للرئيسين في التعجيل بانعقادها، إذ أن الرئيس بوتين المختال باختراقاته من سوريا إلى شبه جزيرة القرم يواجه وضعا اقتصاديا صعبا ويريد فتح الأبواب لإعادة الوصل مع واشنطن بأي ثمن ولا يريد خسارة رهانه على وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

يبدو أن المفاوضات المكثفة الدائرة خلف الكواليس بين واشنطن وموسكو تهدف إلى ضمان التوصل إلى اتفاق واحد هام على الأقل في قمة هلسنكي بخصوص الدور الإيراني في سوريا، يتيح لترامب إظهاره كدليل على نجاح القمة

أما ترامب المزهو بإنجازه الكوري والمنخرط في اختبار قوة مع أوروبا بخصوص الملف النووي الإيراني وفي حرب تجـارية متعددة الجوانب، لا ينفـكّ يراهن على شراكة مع روسيا حتى لا تذهب بعيدا مع الصين، وقبـل أي تطبيع وتعـزيز لصـلاتها مع الاتحاد الأوروبي وكل ذلك قبل موعد انتخابات نصف الولاية التي ستلعب دورا تقريريا في اتجاهات تتمة ولايته الرئاسية.

وسط حالة التخبط الإستراتيجي في النظام الدولي، سيناقش الرئيسان ترامب وبوتين في هلسنكي عددا من القضايا الشائكة أبرزها الصلات الثنائية وسباق التسلح وقضايا أوكرانيا وإيران، مع بحث الملف السوري بصورة شاملة.

ويصل التفاؤل بمصدر أميركي للتأكيد على أن “القيادة الروسية وافقت مبدئيا على مطالب الولايات المتحدة وإسرائيل، الداعية إلى انسحاب القوات المدعومة من إيران من مناطق جنوب سوريا على الحدود الإسرائيلية، واستبدالها بقوات موالية للحكومة السورية وفق اتفاقية فك الاشتباك (أو الارتباط) القائمة بين إسرائيل وسوريا منذ عام 1974 إثر وساطة هنري كيسنجر بعد حرب 1973”.

ويبدو أن المفاوضات المكثفة الدائرة خلف الكواليس بين واشنطن وموسكو تهدف إلى ضمان التوصل إلى اتفاق واحد هام على الأقل في قمة هلسنكي بخصوص الدور الإيراني في سوريا، يتيح لترامب إظهاره كدليل على نجاح القمة، وكمبرر لاتخاذ الولايات المتحدة خطوات إضافية لتحسين العلاقات مع روسيا، لكن من المستبعد أن يمنح بوتين ترامب ذلك من دون ثمن لا يقتصر فقط على بقاء بشار الأسد على الأقل حتى نهاية ولايته الرئاسية في 2021، بل كذلك على مشاركة واشنطن وأوروبا في إعادة إعمار سوريا الخاضعة للنفوذ الروسي.

يستند كل هذا السيناريو على تسليم طهران بهذه الخلاصة، والأمر مستبعد بنسبة كبيرة خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار عمق العلاقة والحلف بين منظومة الأسد وإيران، ومنسوب التغلغل الإيراني في مفاصل الحكم والقوات المسلحة والرديفة وكذلك على الصعيد الاقتصادي.

وفي هذا السياق يمكن لطهران أن تناور بالقبول بالانكفاء والحفاظ على قدراتها لمفاجأة الآخرين لاحقـا، ومع استحواذها على الغنيمة السورية لن تقبل بأن يتفاوض الجانب الروسي بالنيابة عنها أو على حسابها، وهي ربما تكون مستعدة لضمان اتفاقية فك الارتباط مع إسرائيل مقابل تخفيف الضغط عليها في ملفات أخرى.

ومن اللافت في نفس هذا السياق أن الكثير من اللاعبين الدوليين والإقليميين يستخدمون الورقة السورية لتعزيز مكانتهم، ولم تتمكن الأطراف والقوى السورية، بما فيها الأكراد، من تقديم أطروحات متماسكة عن التموضع الإقليمي ولم تستوعب حجم التخلي الدولي ولم تحاول الابتعاد عن الأيديولوجيا والشعارات وتغليب مصلحة إنقاذ البلاد والعباد.

يبشر البعض ببدء مرحلة نهاية المحنة وتصفية تركة الحروب المتعددة، ويراهن على أن تسفر قمة هلسنكي عن تأكيد ترامب على “انتصار بوتين الكبير في سوريا”، لكن الوقائع والتجارب لا تشجع على التسليم بالخلاصة والتبسيط في مسائل معقدة.

بالرغم من عدم التقليل من نجاح موسكو في لعبة تقاطعاتها منذ 2015، لا يمكن الركون لنتائج حاسمة من دون اتضاح الصورة حول قبول إيران بتقليص دورها والموقف الإسرائيلي. ومع كسوف تنظيم داعش ستكون لشمال شرق سوريا الغني بالثروة النفطية ولمستقبل الدور الكردي الحصة القادمة من الاهتمام إلى جانب معضلة إدلب. وتبقى سوريا ساحة أكبر نزاع دولي وإقليمي متعدد القطب في القرن الحادي والعشرين حتى إشعار آخر.

==========================

صفقة درعا

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 7/7/2018

من حوران جاء النداء الأول، حين كان السوريون يعيشون على حافّة الخوف داخل مملكة الصمت الأسدية. وفي ذلك اليوم من مارس/ آذار 2011، خرجت جمهرة من الأطفال من جوف الوحش الطائفي، وصارت درعا الصوت والصدى لكل سورية، وأول طريق الربيع السوري الدامي. لها مكانة خاصة لدى السوريين الذين راهنوا على إسقاط النظام، وبقيت جبهة الجنوب، طوال الفترة الماضية، تحتفظ بثقل عسكري كبير، لكنه بات مقيدا منذ عام 2015 بعد التدخل الروسي المباشر، حتى باتت شبه محيّدة عن بقية الجبهات الأخرى في عموم سورية.

ساد الاعتقاد، خلال فترة الهدوء، أن درعا سوف تحظى بمعاملة خاصة، بسبب حساسية موقعها والثقل العسكري فيها. ومنذ حوالي عام، سرى اتفاق التهدئة الروسي الأميركي الأردني من دون خروق، حتى تراجعت عنه روسيا أخيرا.

يضغط الروس والإيرانيون منذ أسبوعين، بالوسائل العسكرية والسياسية، من أجل تغيير المعادلة، وإسقاط درعا مهد الثورة. وكالعادة، أعطى الطيران الحربي الإشارة للهجوم الشامل على كل حوران. ومثلما حصل في حلب والغوطة، يتصدر الروس المشهد، يقتلون ويفاوضون باسم النظام وإيران، وهم يلعبون هذه المرة بكامل الحرية، بعد أن حصلوا على تفويضٍ من الولايات المتحدة، وبالاتفاق مع إسرائيل والسعودية والأردن، وفي ظل عدم وجود أي تغطية دولية أو إقليمية لدرعا، بما في ذلك الشأن الإنساني.

تقف درعا وحدها في الساحة أمام قوة نارية هائلة، سبق أن استخدمها الروس في حلب والغوطة. وعلى الرغم مما تواجهه، منذ حوالي أسبوعين، تؤكد كل التقديرات أن هزيمة القوة الروسية الإيرانية غير ممكنة. وإذا قسنا على مقاس حلب والغوطة، فإن نتائج المواجهة غير المتكافئة ليست لصالح المقاتلين الذين يواجهون روسيا وإيران معا.

وفي وقتٍ تتولى فيه روسيا التفاوض مع الجيش الحر من أجل الاستسلام، تخوض قاعدة حميميم حربا نفسية ضد أهل درعا، وتختلق كل يوم روايةً للتغطية على جرائم الحرب بحق المدنيين، وتخفي خسائر قوات النظام الكبيرة. ومن الروايات الرابحة التي لعبها الروس، منذ تدخلهم المباشر لنجدة الأسد، تلك التي تتحدث عن خطر جبهة النصرة. وهذا التنظيم يمكن القول إنه موجود في كل مكان في سورية غير درعا، حيث تم طرده من حوران منذ زمن طويل، وغالبية مساحة الجبهة الجنوبية تحت سيطرة الجيش الحر.

الأفق واضح منذ بداية المعركة، والمطروح على حوران هو الاستسلام، لكن القادة الميدانيين قرّروا خوض المعركة، وهناك من يؤكد أن الحواضر المدنية في درعا ضغطت على الجيش الحر من أجل القتال، ورفض أي تسويةٍ تصب في صالح النظام وإيران.

تؤكد معركة درعا أن منطقة خفض التصعيد في حوران لم تكن من أجل أمن أهل المنطقة، وإنما من أجل أمن إسرائيل، وكل المفاوضات التي جرت بشأن الجنوب كانت حسب مقاسات إسرائيل، وكل الترتيبات التي تتم هي بالتفاهم مع إسرائيل عن طريق روسيا، وهذا ما يعكسه التفاهم الثلاثي الأميركي الأردني الروسي قبل المعركة التي تؤكد أيضا الكذبة الروسية بشأن منطقة خفض التصعيد، حيث تبين أن العملية برمتها بمثابة هدنات وتجزئة للحرب في سورية، من خلال تقسيم الجبهات وفصلها عن بعضها بعضا، كي يسهل قضمها واحدة تلو أخرى.

إذا نجح المخطط الروسي في السيطرة على درعا، تكون قد سقطت كل مناطق خفض التصعيد، والدور القادم على إدلب. والمؤكد هنا أن ما يجري ضد درعا غير مفصول عن صفقة القرن، وهذا ما ذكرته صحيفة هآرتس خلال زيارة مستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، أخيرا، والتصريحات الإسرائيلية عن إعادة تعويم بشار الأسد في مقابل موافقة إيران على الصفقة.

==========================

الإرهابان.. الصغير والكبير

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 7/7/2018

على الرغم من أن كلاما كهذا لم يعد يقال، أشعر بأن الإرهاب الذي يحاربه العالم هو الإرهاب الصغير، إرهاب الفقراء والمأزومين وناقصي العقل والدين واليائسين، الذين يفجرون أنفسهم ضد عالم قذف بهم إلى حالٍ من العدم والخواء، لم تترك لحياتهم معنى، ولهم حاضر يستحق أن يعاش، ومستقبل يرجون أن يتحقق.

والغريب أن من يقتلهم كإرهابيين ليس خيرا منهم، بل هو أشد سوءا بكثير، بما يمتلكه من قوة وثروات، وتقدم تقني وخبرات سياسية، وما له من انتشار في البر والبحر والفضاء، ومن حضور ونفوذ في مؤسسات دولية، تضفي شرعية قانونية على إرهابه، أو تسكت عنه، مثلما تغطي منذ سبعة أعوام ونيف إرهاب روسيا وإيران والأسد في سورية، وتسكت عنه، وتعطي غزاة موسكو حق تعطيل النظام الدولي الذي يستمتع بإرهابها، ويغطي جرائمها بكل امتنان.

قتل الأسد وملالي طهران ومافيات الكرملين خمسمائة ضعف من قتلهما "داعش" و"القاعدة" من السوريين. واستخدموا، قبل ظهور هذيْن بأعوام، جميع أساليب القتل والإبادة والتعذيب وقطع الرؤوس وحرق الأحياء ودفنهم، وهي أساليب أعتقد جازما أن "داعش" و"القاعدة" اقتبساها منهم. كما فاق إرهاب الدولة الأسدي/ الإيراني/ الروسي الفائق التنظيم أي إرهاب آخر عرفه التاريخ القدية والحديث، بما في ذلك إرهاب المغول والتتار والنازية، واستخدم أساليب الكشف والدمار التي لا تبقي حياة فوق الأرض أو تحتها، ما لم يكن يخطر ببال أحد من إرهابيي العصور، وأقدم على ارتكاب جرائم لم تطوّر البشرية بعد لغة قادرة على وصفها، ربما لأن خيالها لم يتصور، خلال عشرات آلاف السنين من وجودها الأرضي، أنها قابلة للحدوث، أو أن منتميا إلى الجنس البشري يمكن أن يقدم على ارتكابها ضد أبرياء لا يعرفهم ولا يعرفونه، لا يكنون العداء له، ولا يقاتلونه. ومع ذلك، فعل بهم الأفاعيل ثم أبادهم، لمجرد أنه قوي وهم ضعفاء، وهو روسي وإيراني وأسدي وهم ليسوا كذلك، وأنه يريد أن يردع غيرهم، ويظهر لهم كم يستطيع الفتك بهم، وكيف عليهم الاستسلام له، متى قرّر إخضاعهم.

عندما ينظر سوري إلى ما يجري من نقض دولي لالتزامات واتفاقيات، ويعلم أنه تم في نيف ونصف عام، أعقب اتفاقيات خفض التوتر تهجير عدد من السوريين يفوق أعداد من رحلهم الإرهاب الكبير في أي عام آخر من أعوام الحرب، فإنه لا يبقى له غير التحسر على الإرهاب الصغير الداعشي/ القاعدي الذي تناسبت جرائمه مع إمكاناته المحدودة، بينما تعبر جرائم الدولة الأسدية/ الإيرانية/ الروسية عن قدرة غير محدودة على الإرهاب، في ظل قوةٍ لا حدود لها، يمتلكها قتلة محترفون، يمسكون بالحكم في دمشق وطهران وموسكو.

ليس هناك ما هو أخطر من الإرهاب الصغير غير استخدامه لتغطية إرهاب أكبر وأشد فتكا منه بكثير، يسمى سياسة، تحظى بغطاء قانوني وشرعي، وتطلق الأناشيد في الثناء عليه، وتمتدح خدماته للبشرية وتضحياته من أجل أمن العالم وسلامه، ودوره في ردع الإرهاب وقمعه، والقضاء عليه.

تنتظر عالمنا حقبة شديدة السواد، إن واصل انتقاله من الإرهاب الصغير إلى الكبير، كما تمارسه الأسدية وطهران وموسكو ضد شعب سوري اتهموه بالإرهاب، ليس لأنه قام بأعمال إرهابية، بل لأنه ثار من أجل حريته، التي لو سمح لها بالانتصار، لاجتثت الإرهاب الصغير، ولما كان هناك إرهاب دول كبير في سورية، تُرتكب جرائمه باسم الحرب ضد الإرهاب.

==========================

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 7/7/2018

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط على طهران، لتحدّ من تدخلاتها في دول الجوار العربية، قال الرئيس الإيراني، حسن روحاني، مستغلا زيارته جنيف، ولقاءه الاثنين الماضي رئيس الاتحاد السويسري، آلان برسيه، إن "افتراض أن إيران ستصبح المنتج الوحيد غير القادر على تصدير نفطه خاطئ، ومحض خيال وجائر. الولايات المتحدة لن تستطيع قطع إيرادات إيران من النفط". واعتبر أن "سيناريو من هذا النوع يعني أن تفرض الولايات المتحدة سياسة إمبريالية، في انتهاكٍ فاضحٍ للقوانين والأعراف الدولية. العقوبات غير العادلة المفروضة على أمّةٍ عظيمة، هي أضخم انتهاك لحقوق الإنسان يمكن تصوّره". ولمزيد من التفصيل بشأن الرد الذي يمكن لطهران أن توجهه لواشنطن وحلفائها، أضاف في هذه الحالة قول وزير داخليته، عبد الرضا رحماني فضلي، محذرا الأوروبيين: "إذا أغمضنا عيوننا 24 ساعة سيذهب مليون لاجئ إلى أوروبا عبر حدودنا الغربية" من خلال تركيا، بالإضافة إلى إمكان تهريب نحو خمسة آلاف طنّ من المخدرات إلى الغرب. وهذا تهديدٌ مباشر لأوروبا التي تمسّكت بالاتفاق النووي، ودافعت عنه في وجه واشنطن.

ما أثار انتباهي ليس تهديد وزير الداخلية، وإنما أن الرئيس روحاني لا يجهل مفاهيم الامبريالية ومعنى القوانين والأعراف الدولية، بل إنه يحسّ بأن هناك شيئا اسمه حقوق إنسان. لكنه لا يرى انطباق أي من هذه المفاهيم والمعاني والحقوق على ما تقوم به الدولة التي هو رئيسها من انتهاكٍ صارخ لها في بلدان الجوار، والتي تكاد تنطبق حرفيا على ما يتهم به الولايات المتحدة. فكما هو واضح، يشكل تحجيم دور إيران الإقليمي، واحتواء عدوانيتها الطافحة، وإجبارها على إعادة مليشياتها الطائفية إلى داخل حدودها، على الأقل كما تصرح به حكومة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وما تخشى منه علنا طهران، يشكل الهدف الرئيسي لسياسات فرض

"على الرغم من جنون عظمة قادتها الحاليين، أخفقت إيران في بناء عظمتها القومية" العقوبات الدولية على إيران، ومنها قطع شريان المال المستخدم في تمويل الأعمال التخريبية للمليشيات الإيرانية في بعض الدول، من خلال تقليص صادراتها النفطية. بمعنى آخر، ما تطمح إليه عقوبات الرئيس الأميركي يتمثل بالضبط في احتواء ما ينبغي تسميته، اقتداءً بروحاني نفسه، سياسة طهران الإمبريالية، وخرقها القوانين والأعراف الدولية التي تنص على احترام سيادة الدول واستقلالها وحقوق شعوبها في تقرير مصيرها، وانتهاكاتها غير المسبوقة لحقوق الإنسان واعتدائها الظالم والمدمر على شعوبٍ ودولٍ لا تقل أحقية في السلام والأمن والبقاء من الأمة الإيرانية "العظيمة". وهذا يعني باختصار إجبارها علي وقف سياساتها التخريبية، وتقويضها أسس الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في محيطها المشرقي المباشر، من أجل تحقيق مصالح لا يمكن وصفها، ولا يصفها الإيرانيون أنفسهم إلا بالسعي إلى الهيمنة، بل والاحتلال وتوسيع دائرة النفوذ في المنطقة، أي بمصالح إمبريالية. لماذا يحق في هذه الحالة لإيران أن تحمي سياساتها الإمبريالية في الشرق، وتفتخر بسيطرتها على أربع عواصم لدول أخرى مستقلة، وإرسالها المليشيات والأسلحة والأموال والخبراء والمستشارين العسكريين وغير العسكريين إلى خارج حدودها، من أجل تمكين نظام استبدادي دموي، فاسد وفاقد أي مقومات للحكم السياسي، من ذبح شعبه وإخراجه من وطنه، ولا يحقّ لترامب الذي يرأس بلدا هو مركز الإمبريالية، وموطنها الأكبر، وقاعدتها الرئيسية، الضغط عليها للحد من أطماعها التوسعية، ووضع حد لسعيها إلى انتزاع السيطرة على الشرق الأوسط منه، ومن شركائه، والحكم بالإعدام السياسي على شعوب المنطقة وتحويل دولها، كما حصل في لبنان وسورية، إلى أدواتٍ وبيادق تستخدمها إيران لفرض إرادتها على محيطها والمجتمع الدولي؟

لا يبرر ما تقوم به إيران الخامنئية سياسات الولايات المتحدة الأميركية، ولا يعفيها من أي مسؤولية. وهي بالتأكيد المسؤولة الرئيسية عن الخراب الذي يعم منطقة الشرق الأوسط اليوم، بما في ذلك في إيران، سواء بسبب سياساتها التدخلية، وفي مقدمتها تدخلها الكارثي في العراق، في حربين متتاليتين دمرتا أسس التوازنات الإقليمية عامي 1991 و2003، أو بسبب تشجيعها إيران التي كانت المستفيدة الرئيسية من انهيار العراق، على مد نفوذها إلى سورية، وتغذية الوهم بإمكانية ابتلاعها لها، وضمها إلى ما أطلقت عليه اسم الهلال الشيعي، والذي فتح الباب أمام حربٍ مذهبيةٍ دينيةٍ عصفت بالمنطقة، وسوف تدمر آخر ما تبقى من مكتسباتها المدنية والعمرانية والسياسية الحديثة.

مشكلة طهران هي بالضبط أنها تريد أن تكون ندّا للولايات المتحدة الإمبريالية، وتعمل مثلها، وهي تطلب من الجميع، بمن فيهم ضحاياها، أن يعترفوا لها ويسلموا بهذا الحق. وإن لم يقبلوا ذلك، فسيكون الرد تماما كما ذكّر به وزير الداخلية الإيراني، تصدير اللاجئين وأطنان المخدرات إلى الغرب، وتمويل المليشيات المذهبية والحشود الطائفية المدرّبة على القتل في دول الشرق. واضحٌ أن خيارات بلدان المنطقة لا يمكن أن تكون في نظر طهران سوى القبول بإحدى الإمبرياليتين، الإيرانية أو الأميركية. ولأن إيران بنت المنطقة، ومن صلبها فهي صاحبة الشرعية الوحيدة في التحكّم بمصير شعوبها، وتجاوز الأعراف والتقاليد والقوانين الدولية وانتهاك حقوق الإنسان فيها.

هذا هو أيضا مضمون السياسة التي يسير عليها بشار الأسد الذي عمل، في السنوات الماضية، عميلا علينا لإيران، والذي لا يكفّ، في موضوع أزمة بلده، والحرب التي تطحنها بسببه منذ سبع سنوات، عن الحديث عن الحل السياسي. وعندما تأتي فرصة الحل وتعلن الفصائل والمعارضة استعدادها لكل الخيارات، يأبى أن يعترف بالمعارضة إلا كإرهابيين، ولا يجد ما يعرضه على ملايين السوريين من المدنيين، وليس المقاتلين المسلحين فحسب، سوى الاختيار بين الموت بكرامة تحت قنابل البراميل المتفجرة والغازات السامة أو الموت مجانا بسلاح الانتقام والإعدام أو جوعا وعطشا ومرضا في معسكرات الاعتقال التي أصبحت تسمّى مخيمات.

في النهاية، لم تنتصر إيران، ولن تربح شيئا، لأنها على الرغم من جنون عظمة قادتها 

"لا يبرر ما تقوم به إيران الخامنئية سياسات الولايات المتحدة الأميركية، ولا يعفيها من أي مسؤولية" الحاليين، أخفقت بالضبط في بناء عظمتها القومية، أي في تنمية إيران، والعناية بشروط حياة شعبها، وتحولت إلى دولةٍ لا هم لها سوى خدمة مليشيات محلية وخارجية، اسمها الحرس الثوري وأزلامه ومريدوه من الطبقة الفاسدة الدينية وغير الدينية، وترك الشعب الذي يصرخ، ويطالب حكومته، أكثر مما يفعل السوريون أنفسهم، بخروج هذه المليشيات من سورية، والكفّ عن استخدامها ذريعةً لتبرير استمرار حكم القتل والإبادة الجماعية واللصوصية والفساد. وطالما بقيت طهران على هذه الحال، ستخسر إيران، مهما أرسلت إلى أوروبا من لاجئين، وصدرت للغرب من مخدرات ومهربين وقتلة وإرهابيين. وسوف تنقل الأزمة إلى داخلها، وتشتعل فيها النيران، كما أشعلتها هي نفسها بمساعدة أتباعها في سورية ولبنان والعراق واليمن، وغيرها من البلدان.

وإذا كان الأسد، كما تبين بوضوح اليوم، قد عمل معولا لتدمير سورية، وفرط عقد شعبها، وتشتيته، وإرساله، بمساعدة طهران، ملايين النازحين واللاجئين إلى أوروبا والعالم، فقد كانت طهران، وحكومتها الحريصة على حقوق الإنسان من الانتهاكات الأميركية الخطيرة لها، هي من دون شك اليد البديل التي استخدمتها تل أبيب، للقيام بالمهمة عوضا عنها. واستغلت من أجل ذلك العزف على عظمة الأمة الإيرانية الغالية على قلب روحاني ومليشياته، وشجعتهم بنأيها عن النفس، وتركها الحبل ممدودا لهم، كما كانت واشنطن قد شجّعت صدام حسين في 1991 على غزو الكويت، على أساس أنها لا تتدخل في النزاعات العربية. في النهاية، ليس أمام طهران اليوم لإنقاذ مشروعها الامبريالي الرثّ إلا التفاهم مع تل أبيب، والتعاون والتنسيق معها، وهو ما يلوح في الأفق، ولو عن طريق الوسيط الروسي، أو الاستمرار في لعب ورقة الخراب الشامل، كما عرّفنا عليها وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فضلي، ناسيا عمدا التهديد بسيف الإرهاب الذي كانت إيران أول من عمم استخدامه في العلاقات الدولية، بالإضافة إلى ملايين اللاجئين وأطنان المخدرات.

ألم يعد يوجد في هذا البلد العريق رجل حكيم أو رشيد؟

===============================

موقف الإخوان من وفاة الأسد وثورة الشعب - الحلقة (4) .. الثورة السورية ومتغيرات داخلية وخارجية .. إرهاصات قيام الثورة (15 آذار/مارس 2011) وادعاء المؤامرة .. محمد فاروق الإمام

سوريا قبل حكم أسرة الأسد كانت القوى الإقليمية ممثلة فى مصر جنوباً والعراق شرقاً وتركيا غرباً، فلم تعط الفرصة لها بأن يمتد تأثيرها أو نفوذها خارج حدودها. غير أن السياق الذى جاءت فيه أسرة الأسد، بالاتفاق مع حلفائها الغربيين وإيران، جاء ليفرض معادلة ظلت راسخة عشرات السنين. بأن تتبوأ سورية مكانتها الإقليمية والاقتصادية مقابل قبولها لأن تصبح طابوراً خامساً لصالح الغرب.

وبالفعل أعطيت سورية آل الأسد المكانة الاقليمية التي حلمت بها، بتدبير غربي وتنسيق إيراني متكامل. لكن الغريب في المسألة أنها سوقت نفسها للعالم العربي كجبهة مقاومة ضد إسرائيل، وعلى هذا سارت الأمور كالتالي: عداء ظاهر بين الغرب وسورية، وتنسيق تحتي كامل يخدم الطرفين. وحتى تنطلي اللعبة على الشعوب العربية، تم تضخيم سورية المقاومة والممانعة بصورة غير مسبوقة. في مقابل تقريب الغرب للأطراف التي قبلت السلام مع إسرائيل لحرق وتشويه صورتها بين العرب. ولما كان هذا السياق يخدم جميع الأطراف التي رتبت لصناعته، جرى السير فيه حتى بداية 2011. حيث ظلت تلك المعادلة هي التي تحكم علاقات سورية الإقليمية والدولية على كل الأصعدة.

من المؤكد أن التغييرات التي جرت في العالم العربي في مستهل عام 2011، قد فرضت نفسها على الأوضاع في سورية.

رغم هذا، فإن تماسك الثوار السوريين وتقاربهم وإعلان تحديهم، واستمرارهم في ثورتهم، رغم التضحيات الهائلة التي قدموها، وأنهم على استعداد لتقديم المزيد حتى يرحل النظام الأسدي برمته، ستجبر الروس والغرب جميعاً على تغيير موقفهم. ولعل المقابلات الرسمية والعلنية التي جرت بين الساسة الروس وبعض أعضاء المعارضة السورية بمختلف تنوعاتها تقول بأن العامل الداخلي هو الملهم والمحرك لكل التحركات الخارجية، الإقليمية منها والدولية على كل الصُّعُد.

 

المواقف الخارجية

من المؤكد أن التغييرات التي جرت في العالم العربي في مستهل عام 2011 قد فرضت نفسها على الأوضاع في سورية، فكان قيام الثورة السورية منذ منتصف مارس/آذار 2011 هو العامل الحاسم في تغيير المعادلة التي فرضتها أسرة الأسد من قبل، ومن المؤكد أن رواية النظام السوري عن نفسه بأن الثورة تعد خيانة لجبهة المقاومة قد فتح الطريق أمام رواية أحادية الجانب سوقها نظام الأسد بأن العامل الخارجي هو العامل الفصل في قيام هذه الثورة، ولعل المؤشرات التي يسوقها النظام السوري عن تأثير الخارج في إشعال وتأجيج تلك الثورة تؤكد بأنه هو المصدر الوحيد وراء شائعة وجود أيدٍ خارجية تقف خلف الثورة السورية.

ويبدو أن النظام السوري استسهل عملية الارتكان للتسويق بالدور الخارجي، أملاً في سد الأبواب التي يمكن أن تفتح للثوار في الخارج من ناحية، ولينفرد بهم من ناحية ثانية، بل إن بشار الأسد وأعوانه منذ أن انطلقت الثورة السورية وهم يتوعدون بإحداث القلاقل في كل مكان، في السعودية والكويت وقطر وغيرها من الدول التي توجد بها أقلية شيعية، ضاغطاً على تلك الدول لحل أزمته الداخلية، ومساعدته في الاحتفاظ بحكمه إلى أقصى مدة ممكنة.

 

الموقف العربي

أمام تعنت الأسد واتباعه أسلوب القمع في القضاء على الثورة راحت الدول العربية تعمل قدر الإمكان على إنقاذ الشعب السوري من بطش هذا الطاغية السفاح، فتغاضوا عن تصريحاته العنترية، وأرسلوا الوفود، وقدموا مبادرة لإنهاء الأزمة، غير أن النظام السوري تمادى في تعنته وتماديه في جر البلاد إلى نوع من الحرب الطائفية وتخويف الأقليات إن هو سقط، وراح يركز على مناطق السنة في سورية، ويقتل المدنيين العزل ويشردهم، وبدا واضحاً كأنه يحضر لتقسيم سورية من خلال تفريغ مدن وبلدات وقرى كاملة من سكانها بهدف إقامة كيان ذي طبيعة طائفية من لون واحد يمكن أن يتعايش معه ويرتضيه حاكمً له مدى الحياة عندما يشعر أن الخناق ضاق عليه وأفلتت الأمور من يده ولم يعد أمامه إلا الاحتماء بحصنه الأخير الذي يستطيع الدفاع عنه بدعم من حلفائه في طهران والضاحية الجنوبية وموسكو والصين وبما يحتفظ به من أسلحة متطورة وحديثة جمعها ويجمعها في حصنه الأخير.

ظل الأسد ورجاله يتعاملون بتكبر وصفاقة مع الثورة ومع الأنظمة العربية التي روعها الحال التي وصلت إليها سورية وإلى حجم الدماء التي سفكت والأرواح التي أزهقت.

مرت شهور عديدة ولم يغير النظام السادي طريقة تعامله مع الداخل والخارج السوري، مرت شهور عديدة والداخل السوري هو الذي يضغط، وهو الذي يفرض نفسه وكلمته على كل الأجندات المحلية والإقليمية والدولية، مرت شهور عديدة لتصبح كلمة الداخل هي القول الفصل في كل الأحاديث وكل المنتديات، بل إن ما ارتكبه النظام السوري من حماقات ضد الشعب خلال تلك الشهور الطويلة جعلته يسير في نفق مظلم لا قاع له.

من هنا، فإن قرار الجامعة العربية في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 بتعليق عضوية سورية، قد جاء استجابة لضغوط الشارع السوري في الأساس، وتنفيذاً لإرادته وليس العكس، ومع أنه كان قراراً حكيماً في فهمه وتعبيره عن مطالب الجماهير، إلا أن مجيئه مفاجئاً لنظام كان يدعي دائماً أنه ممسك بزمام الأمور ومسيطر عليها، ومفاجئاً للقوى الخارجية التي تقف خلفه، مرسخاً فكرة أن الثورة السورية يحركها الخارج الإقليمي في إطار مؤامرة كونية يتعرض النظام المقاوم لها.

وبتحليل قرار الجامعة العربية بتعليق عضوية سورية يتضح أن القرار جاء بعدما استنزف أعضاؤها كل الجهود الممكنة وغير الممكنة لحل الأزمة، ولعل المبادرة التي قدمتها الجامعة العربية للنظام السوري تعد تلخيصاً لتلك الجهود التي بذلتها منذ قيام الثورة حتى قرار التعليق، ولعل قبول الأسد لتلك المبادرة لفظياً، ومحاربته إياها على أرض الواقع، يعد استمراراً للعبته بين الداخل والخارج. ومن ثم فإن قرار الجامعة جاء ملخصاً للفهم العربي لتلك الألاعيب التي يمارسها النظام السادي الغبي، وتأكيداً على عدم قبولها للرواية التي يصدرها لهم، فقد جاء القرار متضمناً موافقة الغالبية العظمى 19 دولة، ورفض اثنتين، اليمن ولبنان، وامتناع دولة واحدة عن التصويت هي العراق، بما يعنى فضيحة لأنظمة هذه الدول، وأنهم فقط هم الذين يقفون خلف نظام الأسد. حيث جاء القرار ليعلن أن هناك ثلاث دول فقط هي التي تشذ عن المنظومة العربية. وليؤكد بأن تحجيم الأنظمة الموالية لإيران في العالم العربي قد بدأ تنفيذه على أرض الواقع. وليقول للحالمين برسم الهلال الشيعي الممتد من طهران حتى الضاحية الجنوبية مروراً ببغداد ودمشق بأن هذا هو حجمكم الطبيعي، وهذا هو وزنكم الحقيقي.

بل إن دلالة القرار في غاية الأهمية، ليس فقط في ترسيخ أن الموالين للخط الإيراني أقلية، ولا أهمية لهم في أعين العرب، بل ليقدم رسالة قوية للغرب المتواطئ معهم ويلعب اللعبة لصالحهم، بأن أعوانه لا قيمة لهم ولا مكانة لهم بين العرب.

وهذا هو الأمر الذي جعل النظام السوري يترنح ويطلق التصريحات الصاعقة في كل مكان، ويهاجم العرب وبالأخص السعودية وقطر وتركيا، على اعتبار أن تلك الأقطار هي التي تمثل العامل الخارجي في اشتعال الثورة السورية. بل إن تركيا نالت النصيب الأعظم من الهجوم بحجة أنها تؤوي المعارضة السورية وقيادات الجيش الحر، وتمثل ملاذاً اَمناً للفارين من نظام الأسد. وحين شعر بأزمته الداخلية والخارجية راح يطلب اجتماعاً عاجلاً للجامعة العربية مرة أخرى لمناقشة الأزمة، ويحاول استجداء النظم التي كان يلعنها ويسبها ليل نهار.

من ناحية أخرى فإن قرار تعليق العضوية أحرج الطائفة التي ينتمي إليها الأسد، مما دفع بعضهم إلى التمرد عليه والانشقاق عنه والانحياز إلى مسيرة الثورة، وكذلك كان الحال مع بقية الطوائف والأقليات الأخرى، التي ظن الأسد أنه قد انطلى عليها تخويفه لها من المصير المأساوي الذي يمكن ان تتعرض له في حالة سقوطه، كالدروز والإسماعيليين والمسيحيين، فانضم بعض هؤلاء إلى الثورة.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل المعادلة التي تغيرت في سورية تمت بأيدٍ خارجية أم بأيدٍ داخلية؟ الإجابة تبدو محسومة بأن العامل الخارجي كان في الماضي في صالح الأسد على طول الخط. الجديد الذي حدث هو أن الشعب هو الذي خرج على الأسد هذه المرة. فتقريبا75% من الشعب يقفون ضد الأسد. وكان من الطبيعي على القوى الإقليمية ألا تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى نظاماً يقتل ويشرد ويسفك الدماء ليل نهار، فكان ما كان من قبل الجامعة العربية.

 

الموقف الغربي

أما القوى الغربية التي تؤيد نظام الأسد من تحت الطاولة، فقد وجدت نفسها أمام حرج شديد: شعب يخرج برمته على رجلهم الذي صنعوه كما صنعوا أباه من قبل، على أعينهم في جانب، ووجدوا صنيعتهم أحمق يرتكب من الأخطاء ما يكشف ترتيباتهم ويفضحها بصورة تؤثر على مستقبلهم في المنطقة في جانب آخر، ويبدو أن الغرب وجد حل هذه المعضلة في وضع روسيا والصين كعقبة ضد أي حلول تفرض من الأمم المتحدة ومجلس الأمن لرعاية المدنيين، وبالطبع فإن هذا الترتيب كشف اللعبة التي تجري في الخفاء بين رجالات الغرب وروسيا، وهذا هو الوجه القبيح الذي أظهروه للثورة والثوار السوريين.

يتبع

==========================

هل يحتاج الاستسلام إلى تفاوض؟

سميرة المسالمة

الحياة

السبت 7/7/2018

هل يستحق ما يتم التفاوض عليه بين النظام السوري والفصائل المسلحة سبع سنوات من الحرب الدامية، وأكثر من مليون شهيد وضحية ومثلهم جرحى ونحو نصف الشـــعب السوري مشردين ولاجئين ونازحين؟

ما الذي يمكن تقديمه من مبررات للمشردين على الشريط الحدودي اليوم، من نساء وأطفال يفترشون شوك الأرض، ويلتحفون انتقام السماء تحت الشمس، وبين الوديان، يفترسهم الخوف المجهول المصدر، حيث تعدَّدَ الأعداء وتلونت راياتهم، برغم أن مشهد الموت و «شبه الحياة» في ظلهم وظلمهم واحد؟

هل يمكن اعتبار الأطراف المسلحة هي المقابل الموضوعي للنظام، أي أنها الطرف الممثل لثورة شعب نادى بالخلاص من هيمنة العسكر فوجد نفسه رهينة المحبسين بين عسكر النظام وعسكر «الدول الداعمة» مع النظام أو ضده؟

ثمة حقيقة لم يدركها من حمل السلاح بعيداً من المشروع الوطني لثورة تدافع عن كرامة الناس وحضارتهم ومستقبلهم، أن هذه الثورات لا تتساوق في مفهومها مع مفهوم أجندات الجهاد والارتهان واستلاب القرار، وعليه فإن أخذها إلى هذا الطريق كان مشروع اغتيال تتوضح اليوم معالمه والضالعون فيه والمستفيدون منه، وفي مقدمهم النظام.

ربما ليس من غريب القول الاعتراف: بأن العملية السياسية لحل الصراع السوري فقدت أساسياتها القائمة على وجود طرفين، أحدهما ند للآخر، بحسب القوة القانونية للقرارات الدولية التي أقرت بالتفاوض على هذا الأساس، للوصول إلى حل بالتراضي بينهما، وفقاً لما أقره بيان جنيف1، والقرارات الأممية اللاحقة، وصولاً إلى القرارين 2254 و 2401، أي أن المفاوضات تعني وجود طرفين متقابلين، على طاولة لحل النزاع، بغرض الوصول إلى حلول تحقق أهدافاً تتقاطع فيها الرغبات الوطنية، وصولاً إلى تسوية لا غالب فيها ولا مغلوب من أي من الأطراف المتنازعة، وتحقق ما تمكن تسميته فضاء قابلاً لعيش الجميع، أفراداً وجماعات، وبالتساوي، وتحت مظلة الانتقال الديموقراطي الذي اتخذته الثورة شعاراً التفت حولها بناء عليه شرائح المجتمع السوري بمختلف انتماءاتها الدينية والقومية والفكرية، وهو الذي أقرت به القرارات الدولية التي زاد عددها عن 17 قراراً أممياً.

وإذا كان علينا أن نعترف بأن النظام الذي جر الثورة في بداياتها إلى حمل السلاح تحت ضغط العنف الممارس على الثائرين وعلى ذويهم، هو ذاته النظام الذي سهل الطريق للحركات الجهادية لتنظيم نفسها، عبر فتح أبواب معتقلاته لقادتها، وتحرير مساحة حركتهم وحراكهم داخل سورية وخارجها، والدخول ضمن منظومة الفوضى السورية العارمة، بينما هيأ هو نفسه لأخذ دور المدافع عن بلاده ضد الإرهاب الذي تمثله هذه الحركات الجهادية، في فرصة وفرتها هي له، وعملت على تصاعد وتيرتها حتى جاء موعد المصالحة، التي يغطيها بعضهم تحت مسمى «مصالحة وطنية» وهي في حقيقة الأمر «مصالحة شخصانية» عقدت على مرحلتين:

- بالنسبة إلى الفصائل المؤدلجة، تم عقد الصفقة قبل إطلاق سراح مؤسسي هذه الجماعات، بهدف الوصول بالثورة إلى حافة الانتحار على يد قادتها المرتبطين أساساً بالفروع الأمنية للنظام، وهذا بدا بشكل واضح في حلب والغوطة والريف القلموني، حيث تم كشف الغطاء عن عملاء للنظام من جهة، وتراخي قادة آخرين بخروجهم ضمن عملية الاستسلام بما يحملون من ثروات، تاركين الشباب المقاتلين دفاعاً عن ثورتهم المؤمنين بها، لمصير القتل أو السَّوق إلى الخدمة الإلزامية، لاستخدامهم دروعاً بشرية في حرب النظام ضد معارضيه، كما هو حاصل اليوم في درعا.

- أما الفصائل المرتهنة لهذه الدولة أو تلك، فقد استولت هذه الدولة على قراراتها لاحقاً بفعل ارتهان قادتها، حيث اعتمد النظام على خطة «قطع السبب»، أي أن الدول المتصارعة على سورية حصلت على صفقات مباشرة مع النظام تنهي سبب تبنيها هذه الفصائل التي يمكن تعميم صفة «المأجور» على قادتها وليس عوامها، حيث تم الفصل أفقياً وعمودياً داخل الفصائل بين القادة والمقاتلين ميدانياً، للتعتيم على حقيقة الأجندات التي يعمل بموجبها القادة «المعينون»، وعلى حقيقة الموارد المالية التي جعلت من أكثرهم أثرياء في زمن الحرب، ينافس بعضهم رموز الفساد في النظام قبل الثورة وخلالها.

وعلى ذلك، فإن قرارات المصالحات أو التسويات التي تتم اليوم «زوراً» تحت مسمى مفاوضات، لا تمت إلى العملية السياسية أو الحل السياسي المنصوص عليه في القرارات الدولية بأي صلة، بل هي تقوض -إن لم تكن تنهي- هذه المرجعيات الدولية، وتُسقط الثورة في خانة الاعتراف بالذنب الذي يرقى إلى ما تتمخض عنه بنود التسويات، وهو مطلب «محاكمة الثورة» كفعل تخريبي، ما يعني هدر تضحيات السوريين التي ألزمت العالم على الاستدارة إلى مطالبهم والإقرار بحق تقرير مصيرهم عبر عملية انتقال سياسي، من دولة استبداد إلى دولة ديموقراطية تعددية. والمؤلم اليوم أن هذه النهاية الدراماتيكية لمآل المفاوضات تكتبها الجهة غير المخولة بها من فصائل مسلحة محسوبة على المعارضة.

مرت سنوات الحرب ولم يكن للمدنيين فيها غير مكان الضحايا، فحيث تجاهل النظام مفاعيل الحرب عليهم كانت الفصائل الوجه الآخر للاستبداد، سواء تحت شعارات دينية أو تلك «الثورجية»، ما جعل من المدنيين كتلة حيادية غير قادرة على التمييز بين قادة نظام وقادة مصالح، وبينما تأخذ التسويات طريقها عبر التفاهمات الدولية، يدفع من جديد المدنيون بموتهم وتشردهم وخراب ديارهم أثمانها الباهظة، فهم وقودها حرباً وسلماً، ودماؤهم مدادها حين يحين الشوق لكتابة رسائل لبلدان الجوار وما خلف البحار.

وفي الوقت الذي يغازل النظام مشاعر الحكومات المتطرفة في الغرب الرافضة وجود اللاجئين، عبر نداء يوجهه إلى المواطنين السوريين في بلاد اللجوء والنزوح، للعودة إلى وطنهم «الآمن» سوريا، يمنع على السوريين المشردين (زاد عددهم على 300 ألف) من مدن حوران وقراها دخول مناطق نفوذه، تحت شعار ترهيب الجوار والغرب من موجة لاجئين جدد، في رسالة تؤكد سابقاتها في قدرته على إغراق العالم بالفوضى.

وختام القول أن ما يطلبه النظام هو الاستسلام، ومن يرغب به لا يحتاج إلى تفاوض، حيث لا درجات تقلل ألمه أو تزيده، وحيث غاب حق المدنيين في الحرب فهو لن ولم يكن سبباً في استسلام أحد، وإنما هو قرار إما أن تبقي التفاوض لأهله فيحافظون به على مطالب الثورة في مشروعها الانتقالي نحو الديموقراطية، أو تستسلم، وهذه الأخيرة لا حقوق فيها غير حق القوة التي يمارسها النظام منذ عقود ضد شعبه.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com