العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-03-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

جديد سوريا: حول الحوار بين السلطة والموالاة!

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 12/3/2020

دعا المعارض الشيوعي السوري السابق فاتح جاموس، وفقاً لموقع «روسيا اليوم»، ما أسماه «قوى المعارضة الوطنية الداخلية الجادة» للمشاركة في انتخابات مجلس الشعب. جاء ذلك في بيان نشره جاموس باسم تياره المسمى «طريق التغيير السلمي» ودعا فيه إلى بلورة «المعارضة» المذكورة لنفسها «في صف واحد، ببرنامج واحد، ومسمى واحد هو المعارضة الوطنية الداخلية» مقترحاً إجراء «حوار ديمقراطي تشاركي» على تحديد البرنامج وصياغته. وحدد أولويات التيار البرنامجية في نقاط ثلاث: إطلاق مقاومة شعبية ضد الاحتلالات الخارجية الأمريكي والتركي والصهيوني، وتشكيل جبهة واسعة من أجل ذلك داعمة للجيش العربي السوري، وتحافظ على الوطن السوري والدولة السورية.

مقاومة الأصولية الفاشية وحلفائها ومتابعة هزيمتها.

التغيير الديمقراطي الجذري والشامل بعملية سلمية تدريجية آمنة، وحوار وطني بين أطراف الانقسام الوطني الداخلي سلطة وموالاة.

جاموس المتحدر من حزب معارض (حزب العمل الشيوعي) تعرض لحملات اعتقال متلاحقة في سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته شملت آلاف النشطاء، وصولاً إلى تفكيك جسمه التنظيمي في مطلع التسعينيات، واعتقل هو نفسه وحكمت عليه محكمة أمن الدولة سيئة الصيت بالسجن لثمانية عشر عاماً أمضى قسماً منها في سجن تدمر، وعاد إلى النشاط التنظيمي في مطلع الألفية الجديدة، بعد انتقال السلطة من حافظ إلى ابنه بشار، داعياً إلى إعادة إحياء منظمة الحزب في الشروط الجديدة لسوريا ما بعد حافظ الأسد، انشق، بعد بداية الثورة، عن الحزب الذي أعاد إحياءه واتخذ موقفاً أقرب ما يكون إلى موقف النظام من الثورة، متبنياً رواية النظام عنها بكونها مؤامرة خارجية وتمرداً إسلامياً سنياً. وفي حين انضم الحزب الجديد إلى «هيئة التنسيق» المعارضة المعتدلة أو الداخلية حسبما تصف نفسها، ابتعد فاتح جاموس، أو أبعد، واتجه إلى التحالف مع مجموعة الوزير السابق قدري جميل ليشكلوا معاً «الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير».

لا يهتم هذا المقال كثيراً بنقد بيان تيار طريق التغيير السلمي بشأن المشاركة في انتخابات «مجلس الشعب»، أو بالمآلات المؤسفة لمعارض سابق اكتوى شخصياً بنار النظام الأسدي، بقدر ما يحاول التعليق على لغة البيان ومفرداته ومصطلحاته من حيث كشفها لمعنى المعارضة في نظام صمم على الخلو منها، وللصورة التي يمكن أن تكون عليها بقايا بلد اسمه سوريا في حال انتهى الصراع واستتب الأمر للنظام الكيماوي بإرادة «المجتمع الدولي».

لا نعرف ما إذا كان تعبير «الحوار بين السلطة والموالاة» زلة لسان أم قناعة راسخة لدى جاموس وتياره. حتى لو كان الأمر يتعلق بزلة لسان غير مقصودة، فهو كاشف شفاف عن سمة جوهرية لنظام الأسد هي أنه نظام حرب دائمة، سواء كانت هناك معارضة أم لا. هذا من طبائع الأمور في هذا النظام، ولا شيء مفاجئ في وصفه، لكن المفاجئ إنما هو أن يتمثل تيار سياسي من خارجه هذا الوضع، مع أنه يصف نفسه بالمعارضة الوطنية الداخلية الجادة. فهذا يعني تبني المفهوم الأكثر فاشية للحكم في سوريا ذلك الذي يعمل على إقامة «مجتمع متجانس» وفقاً لتعبير بشار الأسد، حيث الجميع موالون ولا محل للمعارضة أو الاختلاف أو التنوع الاجتماعي أو السياسي.

لن يكون الوضع بعد نهاية أثر هذا الفيروس كالوضع قبل انتشاره. فبقدر ما يشكل فيروس كورونا حدثا مرضيا يجب التصدي له، إلا أنه بنفس الوقت حدث سياسي وجغرافي سياسي سيترك مع مرور الوقت مزيد من التأثيرات التي يصعب التنبؤ بكل أبعادها

مما يشجع على هذه القراءة أيضاً كلام البيان عن وجوب بلورة المعارضة (الوطنية، الداخلية… إلخ) لنفسها «في صف واحد، ببرنامج واحد، ومسمى واحد»! لا محل للاختلاف وتنوع البرامج والأفكار والأسماء. كتلة واحدة صماء وموالية تسعى إلى المشاركة في السلطة من خلال مجلس الشعب، مع أن فاتح جاموس يعرف، ككل سوري، أن هذا المجلس ليس بالسلطة، يتلقى التعليمات من مكان آخر خارجه ليس بالتأكيد إرادة الناخبين، ويعمل بالتوجيهات تشريعاً ورقابة ومواقف سياسية. أضف إلى ذلك أنه يعرف أيضاً كيف يصبح المرشح نائباً في المجلس، وكيف تدار «الانتخابات» ذات المشاركة المتدنية جداً والمزورة، حيث تتحدد أسماء أعضاء المجلس الجدد، قبل إجراء الانتخابات، سواء كانوا على قوائم «الجبهة الوطنية التقدمية» أو «مستقلين». ما لا يعرفه – ربما – هو هل يمكن أن يسمح النظام بدخول شخصيات من «المعارضة الوطنية الداخلية الجادة» إلى المجلس أم لا. لكن هذا قليل الأهمية لدى فاتح وتياره، على ما يمكن الاستنتاج من أول بندين من الأولويات البرنامجية المذكورة (مقاومة الاحتلالات الأمريكية والتركية والصهيونية؛ ومقاومة الفاشية الأصولية) أما حشر «التغيير الديمقراطي الجذري الشامل» في البند الثالث، فلا يمكن أن يكون جاداً حتى لو وصف بـ«السلمية والتدريجية والآمنة». فمن المستبعد أن يراهن التيار على تغيير للنظام الأسدي من خلال مجلس الشعب، أو من خلال الحوار بين السلطة والموالاة. فقد سبق لبشار الكيماوي أن وصف تململ الموالاة بسبب ارتفاع الأسعار وضمور المداخيل وفقدان المواد والخدمات الأساسية ونقد الفساد بأنها بمثابة الخيانة الوطنية. فلا حوار بين السلطة والموالاة، بل هناك سلطة هي الدولة والمجتمع وكل شيء، وهناك عبيد عليهم أن يرضخوا ويلزموا الصمت. لن أعلق أيضاً على تخصيص الاحتلالات الأجنبية بثلاثة فقط، مع تجاهل الاحتلالين الأخطر الروسي والإيراني اللذين باتا يملكان مستقبل سوريا (إن كان لها مستقبل) إضافة إلى حاضرها، من خلال شراء مرافق حيوية وأراض وعقارات في المدن. لكن الجبهة «الواسعة» المقترحة في البيان لمقاومة تلك الاحتلالات هي لزوم ما لا يلزم، فمنظمات الشبيحة موجودة وداعمة للجيش الذي لن يحتاج إلى بضع عجائز من المعارضة الوطنية الداخلية لا لمقاومة الاحتلالات الثلاث ولا لمقاومة الفاشية الأصولية. والحال أن مقاومة الاحتلالات المذكورة غير موجودة أصلاً، بما في ذلك القوات التركية التي ما كان النظام قتل من جنودها، في محافظة إدلب، 34 جندياً لولا أوامر موسكو، في حين أن قواته وقوات حلفائه من الميليشيات الشيعية تعرضت لخسائر كبيرة في الرد التركي، وانتقل بشار من وصف الهجوم التركي بـ«الفقاعة» إلى الحديث الودود عن عدم وجود أي سبب للعداء بين السوريين والأتراك. وما من داع للحديث عن الاحتلالين «الصهيوني والأمريكي» اللذين يتعايش النظام معهما بتفهم. ربما لا يسعى فاتح وتياره حتى إلى عضوية مجلس الشعب، بل فقط لتلميع صورة النظام وانتخاباته ليقال إن هناك «معارضة» وتشارك في الانتخابات بكل ديمقراطية!

===========================

موقفنا : كورونا .. والبشر المنسيون !! هل تجمع عداوة كورونا الناس على هدف واحد

زهير سالم

مركز الشرق العربي

13/ 3/ 2020

يعيش البشر في العالم أجمع في هذه الأيام ، حالة ذعر شديد من الفيروس العدواني المنتشر بين ظهرانيهم حسب متوالية عددية هندسية مفتوحة الأساس . بحيث يمكن أن نعد واحد .. اثنان .. أربعة .. ثمانية ..ستة عشر ..!!

وتنتشر حالة الذعر هذه بين الخاصة قبل العامة حتى تكاد تحسب أن الكثير من أصحاب المسئوليات قد تخلوا عن مسئولياتهم خوفا وذعرا . وتجد حكومات غير قليلة فعلت ذلك ، وإن لم تعلن عنه ؛ بعضها لفقدان القدرة ، وبعضها لقلة الاهتمام . فأصبح الإنسان الفرد بالتالي مسئولا عن أن يتحمل مسئولية نفسه وسط هذا الزحام ، وهذه الضغوطات . وحتى أصبحنا في صباح اليوم الجمعة الموافق للثامن عشر من رجب 1441 وحال الناس ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) تصلك التعليمات هنا في لندن عاصمة بريطانيا العظمى : إذا شعرت بالإصابة فالزم بيتك ، وأحكم إغلاق الباب .

ومع كل ما تقدم يجب أن يكون للعقلاء دائما دور في المبادرة ومحاولة لإمساك بالزمام وإشاعة المعرفة بين قابي قوس التحذير والتطمين .

لقد جاء اعتراف رئيس مركز مكافحة الأمراض الفيدرالي الأمريكي الذي قال فيه : "علينا أن نعترف بفشل نظام الفحص الصحي لدينا . وهو غير مهيأ لاحتياجاتنا ". صادما للجميع ، مزعزعا للثقة بإمكانات أكبر دولة في العالم .

ثم كان اعتراف السيدة ميركل للألمان أن الفيروس سيصيب 70% بالمائة من الشعب الألماني !! وألمانيا هي ألمانيا في القدرة على التنظيم والضبط والربط والإمكانات ، مكملا في إشاعة الخوف للتصريح الأول . وردف ذلك تصريح رئيس إحدى الولايات الأمريكية يقول فيه إن عدد المصابين في ولايته يبلغ مائة ألف ، أي يوازي عدد المصابين في العالم أجمع حتى أيام قريبة ..!!

الأرقام المعلنة ، وسرعة الانتشار ، وامتداد الرقعة ، التي دفعت منظمة الصحة العالمية إلى إعلان الفيروس وباء عالميا ..كل ذلك يدفعنا إلى القول إن كل ما أعلن عنه حتى اليوم هو أقل من الجزء الظاهر من السفينة . وإن الأرقام الحقيقية التي لم يتم كشفها أولا ، والتي تم التستر عليها ثانيا ، هي التي يجب أن تثير القلق الحقيقي للدول والحكومات والنخب والشعوب ..

والذي يثير الاستغراب أن بعض الدول حاولت أن تجعل من قضية الفيروس الذي يجب أن يكون موحدا جامعا على مواجهته مادة مفضلة للتراشق والاتهام .. ويبقى سؤالنا إزاء كل ما سبق : هل يوحد فيروس كورونا العالم في التفرغ لمقاومته وإعطاء الأولوية لمواجهته . هل يتوجه القادر في العالم إلى مساعدة الضعيف ؟! هل هناك نية لدى الخبير العالم أن يمد الأقل حظا بالخبرة والعلم ؟! هل يخطر ببال الغني أن يسند الفقير الذي يظل تفكيره بميزانية الخبز أولا ..؟!

هل تعلق الإنسانية العاقلة أو الراشدة ، أو المستشعرة للمسئولية ، ولخطورة التحدي كل صراعاتها ، في سبيل التصدي للفيروس الذي ينال من الغفير والوزير والغني والفقير ..؟!!

هل ينحي الرأسماليون مصالحهم الاقتصادية جانبا ، ويقدموا المصلحة العليا للإنسانية أجمع ، بوضع استراتيجية دولية للإحاطة بالوباء ، وتقليل عدد الضحايا ، وتقليص رقعة الآلام ..؟؟

ثم من حقنا وفي سياق كل ما سبق ، وأمام نازلة الوباء وجائحته وفاشيته أن نتساءل عن مصائر مئات الألوف من البشر المكدسين في أعماق الزنازين ، أو ملايين البشر من اللاجئين ونزلاء الخيام والمشردين ؛ ليس في سورية وحدها بل في كل جنبات الأرض ..!!

وإذا كنا ننادي بمجتمع إنساني موحد ، وبمفهوم للعولمة إنساني وحضاري واقتصادي ؛ فهل ننادي باستراتيجية معولمة في مواجهة الفيروس القاتل الخطير ؟!

وإذا كان نتحدث بهذه اللغة المستشرفة في فضاء إنساني مفتوح ، أليس من باب أولى أن نطالب بمجتمعات محلية ، على كل خطوط الطول والعرض ، تبادر لوضع استراتيجياتها لمواجهة التحدي الأعمى الخطير ..

بكل الجدية والمسئولية والالتزام سنظل نذكر بمصائر ملايين البشر المنسيين يقضون أيامهم الصعبة بين فرث ودم ....

ودائما يجب أن نكون كبشر عقلاء قادرين على التمييز بين المبادرات والصفقات !! وعلى التمييز بين سياق المبادرة والصفقة .

وحين نقلق ونحن متكئون على أرائكنا ، قد اتخذنا كل احتياطاتنا للوقاية من المستهدف الخطير ، لا يمكن أن ننسى إنسانا في زنزانة ، أو إنسان ما زال يتوضأ بالتراب !!

الإنسانية جمعاء ، والمجتمع الدولي بكل مؤسساته ؛ مسئول عن مصير ملايين البشر المنسيين من معتقلين ومشردين ولاجئين تحت الخيام ..

وفي السجون والمعتقلات وتحت الخيام نساء كريمات

و رجال كرام ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سلبية الدور الأميركي في إدلب

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 11/3/2020

رفضت الولايات المتحدة منذ البداية ما يسمى "مناطق خفض التصعيد" التي أقرت في محادثات أستانا في مايو 2017، فقد اعتبرت الولايات المتحدة أن هذه المحادثات تعد بديلا لمفاوضات جنيف كما أنها رفضت اعتبار إيران كـ"ضامن". فقد أشار بيان وزارة الخارجية الأمريكية: "إلى أن الأنشطة الإيرانية في سوريا لم تساهم إلا في العنف، ولا توقفه، ودعم إيران الثابت لنظام الأسد قد أدى إلى استمرار البؤس في سوريا".

لكن بنفس الوقت لم تقدم الولايات المتحدة على أية استراتيجية بديلة في سوريا يمكن لها أن تشكل بديلا لمفاوضات أستانا، بالعكس من ذلك إذ تكشف معركة إدلب الحالية مدى سلبية إدارة ترامب في التعامل مع الكارثة الإنسانية في إدلب، فالرئيس ترامب يشعر أن الاستثمار في سورية قضية خاسرة بكل الأحوال، ولذلك وعلى الرغم من بدء الحملة العسكرية قبل أسابيع إلا أنه لم يبد أي اهتمام بالقيام بأية إجراءات لوقف العملية العسكرية الروسية في الشمال السوري، فقد صرح أحد كبار مسؤوليه أن الولايات المتحدة ليست شرطي العالم، في نموذج نادر في انعدام القيادة الأمريكية في وقت الأزمة حيث مصير الملايين من السوريين في الشمال على المحك، فقد انسحبت الولايات المتحدة من الملف السوري نهائيا لتصبح مجرد مراقب يبدي ملاحظاته التي لا يستمع لها أحد في الكثير من الأحيان.

ورغم محاولة تركيا استجرار الدعم الأمريكي عبر إرسال الوفود وتكرار المكالمات الهاتفية بين الرئيسيين التركي أردوغان والأمريكي ترامب، لكن وكما هو واضح من السلبية الأمريكية أن الولايات المتحدة لا تشعر أنها مضطرة للقيادة أو التدخل في النزاع السوري رغم الضغوط الإنسانية الكبيرة، وهو ما وضع تركيا في موقف صعب للغاية حيث أيا من الولايات المتحدة أو روسيا بنى الثقة الضرورية معها لاحترام الحد الأدنى من مصالحها في سورية، وهو ما يبشر أن العلاقات التركية - الروسية أو التركية – الأمريكية مرشحة أكثر للتباعد والتصعيد وهو ما يعني أن تصاعد ملفات اعتقدنا أنها في طريقها للحل من مثل قضية اللاجئين السورية في تركيا وأوربا التي ربما تشهد تصعيدا كبيرا مع محاولة الآلاف من النازحين السوريين العبور من الآراضي التركية إلى أوروبا مجدداً.

يجب أن تفكر الإدارة الأمريكية في الملف السوري من منظور أبعد من تحمل التكاليف الهائلة للكارثة الإنسانية في سورية وتنظر إلى الحل النهائي للمسألة السورية من باب استعادة التوازن الاستراتيجي الإقليمي الذي سيزداد سعيره ما دامت إيران قادرة على ضم محور كامل لها يبدأ من العراق وسورية ولبنان وغير قادرة على إعادة التوازن عبر حل سياسي يضمن الانتقال الكامل للسلطة في سورية إلى مؤسسات ديمقراطية منتخبة، وهو ما يتقاطع مع ما أشار له وزير الخارجية بومبيو في تغريدته على التويتر أن النظام السوري لن ينتصر في النهاية دون ذكر لأية إجراءات يمكنها أن تقنع تركيا أن صراعها اليوم مع النظام السوري سيحظى بدعم الولايات المتحدة.

هل ستدعم الولايات المتحدة تركيا في معركتها ضد روسيا داخل الأراضي السورية؟

السؤال اليوم هل ستدعم الولايات المتحدة تركيا في معركتها ضد روسيا داخل الأراضي السورية، وماذا سيكون موقف الناتو بعد أن طلبت تركيا مراراً منه تفعيل المادة الخامسة لكن دون جدوى وبقيت الولايات المتحدة في موقف الإدانة دون الانتقال إلى موقف الدعم العسكري، ليس هناك أية مؤشرات أن إدارة ترامب ستقوم بتوتير علاقتها مع روسيا لصالح تركيا فترامب لم يظهر أي تعاطف مع الطرف التركي على حساب الطرف الروسي، ولذلك على تركيا أن لا تتوقع الكثير من إدارة ترامب.

وعلى الرغم من رمزية الإشارة في زيارة كل من السفير جيفري مبعوث الولايات المتحدة للمعارضة السورية والسفيرة كرافت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، بالرغم من رمزية زيارتهما المشتركة إلى داخل الأراضي السورية وزيارة مخيمات المهجرين هناك، إلا أن هذه الزيارة بالتأكيد لن تعدو المفعول الرمزي إلى الضغط العسكري الضروري الآن من أجل وقف العملية العسكرية للنظام وروسيا على إدلب، لكنه بكل تأكيد ربما يحمل مؤشرات تصعيد أمريكي في الملف السوري إذا استطاعت تركيا إقناع الإدارة الأمريكية أن القوة العسكرية وحدها كانت القادرة على إقناع الأسد ومن خلفه روسيا بإعادة تغيير حساباتهما وأن تركيا جادة في استخدام القوة العسكرية الكاملة لجيشها في ضمان المنطقة الآمنة، لكن عليها أن تحظى بدعم أمريكي وأوروبي.

الرئيس ترامب الآن مشغول بالانتخابات الرئاسية القادمة بشكل كلي وكما أثبتت الأحداث فإنه لا يملك رؤية للسياسة الخارجية أو تصور للقيام أو الإمساك بأي ملف وإكماله من الملف الكوري إلى الملف النووي الإيراني إلى الملف السوري فعلينا دوما تخفيض التوقعات من إدارة ترامب وربما ننتظر الانتخابات القادمة علها تفرز تغييرا في البيت ألأبيض.

===========================

كورونا الصين ونظام الأسد

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 11/3/2020

يندر أن تخلو نشرة أخبار أو صحيفة يومية من أخبار وتقارير وتحليلات، تتصل بهجمة فيروس كورونا، والأمر في هذا مرشح للتصاعد وسط أمل تعزيز قدرة العالم بدوله ومنظماته على محاصرة الفيروس قبل أن يتحول إلى وباء يفتك بالعالم، ويغير إذا وصل إلى مستوى معين كثيراً من معطيات العالم الواقعية، ويبدل احتمالات يتوافق قسم كبير من العالم على إمكانية تحققها، خاصة أن الفيروس قد أكد حضوره في أكثر من ستين بلداً عبر العالم، والعدد مرشح للزيادة.

خطر كورونا الذي يستنفر العالم ضده قائم على وقائع. بين أبرز الوقائع إصابته عشرات آلاف من الناس، وقتله آلافاً من بشر أبرياء، وتهديده ملايين آخرين، وفي الوقائع أيضا أنه سبب تقطيع أوصال بعض البلدان التي حل فيها، كما قطع التواصل بين بلدان عبر إغلاق المعابر ووقف رحلات الطيران من وإلى، وإغلاق الحدود البرية مما يعني وقف تدفق الأشخاص والبضائع، وأوقع كثيراً من الخسائر في دول العالم؛ نتيجة تعطل عمليات إنتاجية وخدمية، وكلها تضاف إلى ما تم دفعه لمواجهته من أموال طائلة.

وإذا كانت أخطار كورونا في وقائعه الحالية بالقسوة المشار إليها، فإن أخطاره المحتملة، تبدو أكثر بكثير، وستكلف العالم ودوله ولا سيما الفقيرة منها كثيراً من الضحايا والخسائر، وسيكون من نتائجه إذا استفحل أن يطيح بدول، ويدمر اقتصادات، وأن يحول العالم إلى معازل، بل ربما تصير المعازل واقعاً في داخل بعض الدول.

وسط الوقائع والاحتمالات، يبدو خطر كورونا جدياً، لكن ثمة معطيات تخفف من احتمالات الخطر. أول المعطيات يتمثل في الهبّة العالمية لمكافحة الفيروس، والسعي للتغلب عليه، ليس في مواجهة تسلله إلى أماكن وأشخاص جدد فقط، بل من خلال معالجة المصابين والمرضى، والأهم من ذلك في تسريع الجهود والأبحاث للوصول إلى أدوية وإجراءات جدية، تسبقه عبر الوصول إلى لقاح يمنع الإصابة به، أو تخفيف أثرها على الأقل، مما يعكس أملاً عالمياً في الوصول إلى نتائج إيجابية للجهد المتعدد في التغلب على الفيروس، وهزيمته.

وحدة العالم وجهده في مواجهة كورونا، تبدو قوية، وتتجه للتصاعد مقابل ضعف اهتمام عالمي، وتدهور في الجهود الدولية والإقليمية لمواجهة نظام الأسد وسياساته، التي فاقت كل الجائحات، التي هددت العالم في السنوات العشر الأخيرة من خلال ما سببه من نتائج مدمرة، تجاوزت حدود سوريا وشعبها إلى المحيط الإقليمي، ووصلت إلى أنحاء مختلفة من العالم، إضافة إلى احتمالاته الكارثية، التي تفوق هي الأخرى احتمالات أخطار كورونا، والأهم من الاثنتين السابقتين، هو أن نظام الأسد مع تطاول زمن بقائه، إنما يصبح أكثر استعصاءً، بخلاف ما هو عليه كورونا الذي يقدم مرورُ الزمن فرصاً أفضل للقضاء عليه.

قتل نظام الأسد في السنوات التسع الماضية أكثر من مليون شخص، وجرح أكثر من ضعفهم، واعتقل وأخفى مئات آلاف الأشخاص، وقتل منهم تحت التعذيب عشرات الآلاف، وهجّر نحو عشرة ملايين من السكان إلى دول الجوار ومختلف دول العالم الأخرى، ودمر القدرات المادية لأغلب السوريين، وأدخلهم نفق الفقر والجوع والمرض، شاملاً بذلك «المحايدين في الصراع» وصولاً إلى قطاع كبير من مؤيديه، وتسبب في تفاقم أوضاع بلدان مجاورة، أُجبرت على استقبال ملايين اللاجئين، وخلق مشاكل إقليمية ودولية حول غوث اللاجئين، جعلت الدول تعجز عن تقديم ما يكفي من مال ومساعدات عينية لأكبر موجة لجوء عرفها العالم، وتسببت سياسة النظام في ولادة وتمدد جماعات التطرف والإرهاب، وزيادة مخاوف العالم منها.

إن تكثيف تلك السياسة ونتائجها، يمكن رؤيته في خلاصات ما حدث في الشهرين الماضيين في منطقة إدلب وجوارها، حيث اندفع تحالف الأسد مع روسيا وإيران والميليشيات لحشد قواتهم والهجوم على إدلب ومحيطها بالتركيز على استخدام مشترك للقوة الجوية الروسية مع طيران الأسد لإحراق المنطقة، وقتل ما استطاعوا من سكانها، حيث تم تدمير الكثير من قرى ومدن المنطقة مع مرافقها الخدمية والصحية، وتهجير نحو مليون من سكانها باتجاه الحدود المغلقة مع تركيا، ليسكنوا في العراء وتحت الأشجار وسط ظروف الشتاء وما يلازمه من البرد الشديد، ووقف خط المساعدات الدولية بسبب الحرب، بدل أن تتم مضاعفة المساعدات لمواجهة ظروف الحرب والتخفيف من نتائجها، وخاصة على الفئات الضعيفة من النساء والأطفال.

ولأن تعامل العالم بإهمال وعدم مبالاة مع مجريات ونتائج حرب النظام وحلفائه الجارية في إدلب ومحيطه وتأثيراتها على السوريين، فإن لم يستطع إغلاق عيونه عما سببته الحرب من نزاع بين طرفي آستانة روسيا وتركيا، والذي يضع المنطقة والعالم أمام احتمالات حرب يمكن أن تصبح حرباً عالمية مدمرة، وهو احتمال كان العالم قد واجهه في العام 2015 في أعقاب قيام تركيا بإسقاط مقاتلة روسية في الأراضي السورية.

إن العالم وهو ينهض في وجه كورونا، ويحاول مواجهته وهزيمته بدواعي خطره على العالم، يُفترض أن ينتبه إلى ما هو أخطر منه، ممثلاً بنظام الأسد، بما يعنيه من خطر ممتد ومتصاعد من مارس (آذار) 2011، وقد تم تجاهله لأسباب تتعلق بمصالح ضيقة لهذه الدولة أو تلك، وبسبب تخلي بعض الدول الكبرى عن مسؤولياتها السياسية والأخلاقية، ونتيجة عدم رغبة بعضها تحمل أي تكلفة سياسية أو مادية تترتب على إسقاط نظام الأسد.

لقد بات على العالم وهو ينهض مجتمعاً في مواجهة كورونا، أن يوحد جهوده وينهض في مواجهة نظام الأسد وحلفائه الذين يستمرون في عمليات القتل والتهجير للسوريين، ويواصلون استنزاف طاقة وقدرات العالم، ويجددون فرص الحرب الأوسع والمتعددة الأطراف، التي تضع العالم أمام حرب عالمية، يمكن أن تندلع بسبب ما أو نتيجة خطأ يقع هنا أو هناك.

===========================

روسيا وتركيا وبينهما سوريا

حازم صاغية

الشرق الاوسط

الاربعاء 11/3/2020

من سوء حظّ سوريا والسوريين أنَّهم جارٌ جغرافيٌّ لتركيَّا، فيما نظامهم تابعٌ سياسيٌّ لروسيا. هكذا يتلقَّى البلد وشعبه، فوق كلّ مآسيهم، تبعات العلاقة بين الجار والوصيّ. وهم يتلقَّونها في حدّها الأقصى، والأعلى كلفة، حين تكون سوريَّا هي نفسها أهمّ ما في تلك العلاقة الثنائيّة. والحال اليوم هي هكذا تحديداً، حيث يمارس الطرفان البيع والشراء بالسوريّين.

شيءٌ من هذا القبيل حصل، ولو على نحو مختلف، في النصف الثاني من الخمسينات: حشدت تركيا الأطلسيّة قوّاتها على حدودها الجنوبية مع سوريا التي كسرت احتكار السلاح الغربي، وراحت تقترب من موسكو. سوريا، بقيادة العسكر يومذاك، ردَّت على التحدّي الشمالي بأن أذابت نفسها في مصر الناصريّة التي شابهتها في السَفْيَتَة المستجدَّة. لثلاث سنوات لم يعد هناك سوريّا.

ذاك أنَّ العلاقة بين روسيا وتركيا مسكونة بسمّ طارد، وللتاريخ أمثلته الكثيرة: فمنذ قيام السلطنة العثمانيّة، نشب بين الاثنتين أكثر من عشر حروب، أربع منها في القرن الثامن عشر، وأربع أخرى في القرن التاسع عشر، وواحدة في القرن العشرين كانت جزءاً أساسيّاً من الحرب العالميّة الأولى.

والبلدان، فوق هذا، مأزومان في هويّتيهما: تركيا آسيوية وأوروبية، ومتوسّطيّة وشرق أوسطيّة، ومع رجب طيّب إردوغان ازداد الضياع، ما بين إسلامية وعلمانية، وديمقراطية واستبدادية. وروسيا، كذلك، وجدت في «الأوراسيّة» حلّها اللفظي لصراع فعلي شقّ تاريخها كلّه، ما بين الأوروبية والسلافية. وهي، مثل تركيا، نصف ديمقراطية ونصف استبدادية، نصف علمانية ونصف دينية، رئيسها فلاديمير بوتين لا يقلّ عُتُوّاً عن الرئيس التركي إردوغان.

والبلدان هذان، المتفرّعان عن إمبراطوريّتين منهارتين، ناهدان إلى مجد لا يملكان أدواته. والويل لمن يقع بين طرفين مأزومين في هويّتيهما، ومأزومين في توفيق الحاضر مع الماضي، وبالتالي في توفيق السياسة مع الحاضر.

وويل سوريّا، في ظلّ بشّار الأسد، ويلان، لأنَّ الموقع التفاوضي حيال أي منهما بات معدوماً بالكامل. لقد أحال الأسد أرضه أرضاً محروقة، ما سهّل على جبّارَي الشمال التعامل معها بالصفة هذه توسيعاً لحريقها وتهجيراً لسكّانها.

لكنّ المفارقة هنا أنّ أبرز مصادر الطموح الراهن لروسيا وتركيا ضآلة الحضور الأميركي في الساحة. لكنّ هذا العنصر هو نفسه أهمّ المعوقات التي تحول دون استكمال أي من البرنامجين الروسي والتركي. فتركيا أضعف كثيراً من أن تطرد روسيا، وتحتكر المنطقة كدائرة نفوذ حصري لها، فيما لا تستطيع روسيّا أن تنكر على تركيّا كلّ دور وكلّ حضور. وهذا ما يخلق قاسماً مشتركاً بين موسكو وأنقرة، هو الشعور بضرورة استحضار أميركا وأوروبا، وإن كانت كلّ من العاصمتين تنوي استحضارهما بما يلائمها وحدها دون أن يلائم العاصمة الأخرى.

وهذا تحديداً هو ما لم يُعلَن عن قمّة موسكو الأخيرة بين بوتين وإردوغان. فما توصّلا إليه هو، في آخر المطاف، وقف إطلاق نار هشّ، وفقاً لما قاله معظم المراقبين. أمّا الممرّ الآمن والدوريّات المشتركة، وسوى ذلك، فتفاصيل لاستهلاك الوقت الضائع. إنّه، إذن، وقف إطلاق نار بين طرفين أجّلا إطلاق النار في انتظار واشنطن.

مع هذا، وبسبب توازن القوى بينهما، فإنّ الاستراتيجيّة التي تتّبعها موسكو لاستحضار الولايات المتّحدة أشدّ تجانساً بلا قياس من استراتيجيّة تركيّا. فالأخيرة، وإلى حدّ بعيد، تخبط خبط عشواء: تستقبل صواريخ «إس إس 400» من روسيّا، على الضدّ من رغبة أميركا، ثمّ تعلن رغبتها في الحصول على صواريخ «باتريوت» الأميركيّة المضادّة للطائرات. تهدّد الأكراد وتتوعّدهم وتستغرب شعور الأميركيّين بالاستفزاز. تبالغ في تعقّبها فتح الله غولن الذي يقيم في أميركا ويحميه الأميركيّون. تحاول إقناع أوروبا بفكرة المنطقة الآمنة وتبتزّها بإطلاق العنان للجوء المليوني إليها.

وأزمة أنقرة، التي تعاونَ على صنعها وعي إردوغان التعيس وموقع تركيّا وتاريخها، هي جمع النقائض داخل استراتيجيّة واحدة. وقد سبق للأتراك أن ماطلوا في الحرب العالميّة الثانية، فقالوا إنّهم محايدون، وأوحوا أنّهم سينضمّون إلى المحور. وفي «مؤتمر القاهرة»، أواخر 1943، حاول ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت إغراء الرئيس التركي عصمت إينونو بالانضمام إلى الحلفاء، لكنّ الانضمام لم يحصل إلاّ بعد انتهاء الحرب. وفي عضويّتها اللاحقة في «الناتو»، تسبّبت بإضعاف «الناتو» تبعاً لنزاعها مع الشريك اليونانيّ، ما تفاقم بعد الأزمة القبرصيّة في 1974. وهي، مع إردوغان خصوصاً، أطلسيّة ولا أطلسيّة، وأوروبيّة ولا أوروبيّة، في وقت واحد.

وعلى العموم، تدفع سوريّا اليوم كلفة الغباء المأزوم لتركيّا، والذكاء المأزوم لروسيّا، وكلفة اجتماعهما فوق ترابها الذي يحترق، وأهلها الذين يهيمون على وجوههم في أرض بخيلة وقاسية.

===========================

هل تصبح سورية ضمن مصالح "الناتو"؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 10/3/2020

ثمّة مؤشرات عديدة عن تحولات في الموقف الدولي تجاه الأحداث الجارية في المنطقة، وخصوصا الحدث السوري، والفاعل المقصود بهذه التحوّلات هو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي بدأت تصدر عنه إشارات، وإنْ غير متماسكة وخجولة، إلا أن تواترها يشي بإرهاصاتٍ قادمة، قد تشكّل متغيراً مهماً في المشهد الإقليمي، والسوري تحديدا.

يأتي هذا التحوّل على خلفية فشل الفاعلين الأساسيين، روسيا وتركيا وإيران، في إدارة الصراع السوري، وتأمين مخارج له تحفظ السلم والأمن الدوليين. وقد أعادت أزمة هجوم روسيا وإيران، وتابعهما نظام الأسد، على إدلب، ربط الحدث السوري بالأمن الأوروبي الذي تشكّل دوله الكتلة الأساسية في حلف الناتو، وذلك بسبب الخوف من تداعيات الهجوم على قضية اللجوء، وما يترتب عنها من احتمالية هز الاستقرار الأوروبي الهشّ، والذي بالكاد استطاع التعافي من أزمة تدفق اللاجئين سنة 2015.

شكّلت اعتراضات مندوبي دول "الناتو"، في مجلس الأمن، على السياسات الروسية في سورية، ما يشبه مقدّمة لهذا التحوّل، أو انقلاباً على ما قيل إنه تفويض غربي (أميركي – أوروبي) لروسيا من أجل تفكيك عقد الأزمة السورية، والوصول إلى حل سياسي مقبول. ومن منطلق هذا التفويض، قبلت الدول الغربية، وإنْ على مضض، خطط روسيا في صناعة السلام

"اعتراضات مندوبي "الناتو" في مجلس الأمن تشبه انقلاباً على "تفويض غربي لروسيا من أجل تفكيك عقد الأزمة السورية"" السوري المنشود، وخصوصا ما تعلق منها بالأطر الموكل لها إنتاج هذا السلام، من أستانة إلى سوتشي وقرار مجلس الأمن 2254.

وينطوي نعي سفراء دول "الناتو" في مجلس الأمن مسارات التسوية التي صنعتها روسيا على رغبة هذه الدول في العودة إلى الانخراط في قضايا الحل السوري، لما لهذا الأمر من مساسٍ بالمصالح المباشرة للأمن القومي لهذه الدول، بعد أن تركت المجال لروسيا تصمّمه على هواها، واكتشاف أطراف "الناتو" أن روسيا تستثمر الأزمة السورية إلى حد بعيد، في تقوية وجودها في مسرح السياسة الدولية، والذي غالباً ما يتحقّق عبر إضعاف أوزان القوى الغربية في المنطقة والعالم.

ولكن الدول الغربية تدرك أنه، وبعد سنوات الغياب عن المسرح السوري، وبعد أن رسّخت روسيا وجودها، بشكل بات مستحيلا تغيير المعادلة الحالية عبر التهديد، ولا حتى عبر المساومات السياسية، فإن عليها البحث عن صيغةٍ ما تستطيع عبرها فرض تأثيرها ووجودها على روسيا، وذلك لن يتأتّى إلا من خلال دمج مناطق شمال سورية في إطار منظومة أمن حلف الناتو ومصالحه الإستراتيجية، بالنظر إلى تأثير هذه المنطقة على أمن تركيا، العضو، ذي الأهمية الاستراتيجية البارزة في الحلف.

مقدّمات التحوّل المشار إليه برزت من خلال رفض دول "الناتو" الانسحاب من العراق، على 

"رفض الناتو الانسحاب من العراق يأتي ضمن خطة أوسع لمواجهة روسيا، بعد أن ظهرت توجهات عن إمكانية حلولها محله في العراق"الرغم من طلب البرلماني العراقي هذا الأمر بشكل واضح، وليس خافياً أن هذا الرفض يأتي ضمن خطة أوسع لمواجهة روسيا، بعد أن ظهرت توجهات عن إمكانية حلول روسيا محل "الناتو" في العراق، وما يعنيه ذلك من متغيرات بنيوية خطيرة على مستوى أمن المنطقة وموقع الغرب التأثيري على المستوى العالمي.

والواقع، بات حلف الناتو بحاجةٍ إلى تغيير مقارباته الأمنية، في ضوء المتغيرات الهائلة التي حصلت، في السنوات الأخيرة، نتيجة صعود روسيا لاعباً في المسرح الدولي واستهدافها الحلف الذي تعرض بالفعل لصدوعٍ في بنيته نتيجة الإختراق الروسي له في تركيا، بعد تقاعس الحلف عن مساعدتها في وجه روسيا بعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية سنة 2016، وتشكّل التطورات المستجدة في سورية فرصة لتجاوز هذا الاختراق.

لم يصدر عمليا من "الناتو" ما يؤكد اندفاعه في مسار جديد في مواجهة روسيا في سورية، بل أكد أمينه العام، ينس ستولتنبرغ، عدم نيّة التحالف الدخول على خط الصراع التركي الروسي في سورية، كما أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ذهب إلى تأكيد هذا الأمر عبر قوله إن تركيا لم تسمع رداً واضحاً من "الناتو" بخصوص طلبها نشر بطاريات صواريخ باتريوت على حدودها الجنوبية. وفي المقابل، توجد مؤشرات أخرى على أن الأمر يتم طبخه على نار

"الناتو يمتلك بنية تحتية جاهزة في تركيا، والقضية سياسية بالدرجة الأولى، وليست تقنية" هادئة ضمن دوائر الحلف، حيث تشهد بروكسل لقاءات ومشاورات عديدة بهذا الخصوص، كما توجد تهيئة للرأي العام الغربي بشأن هذا الأمر، ولعل الفيديو الذي نشره الحلف على "تويتر"، بعنوان "تركيا هي الناتو"، واحتوى على تمجيد بطولات الجيش التركي، ينطوي على دلالات بالخصوص.

ويتطلب هذا التحوّل تفاصيل تتعلق باللوجستيات التي يستلزمها تحويله إلى أمر واقع، وهذه ليست مشكلة، على اعتبار أن "الناتو" يملك بنية تحتية جاهزة في تركيا، وأن القضية سياسية بالدرجة الأولى، وليست تقنية، إذ ليس من الصعب تكييف المادة رقم 5 من ميثاق "الناتو"، مع الأوضاع التركية الحالية التي تنصّ على مساعدة الحلف لدوله الأعضاء في حال الاعتداء عليها، ذلك أنه مع التداعيات التي ستسببها أزمة اللجوء إلى دول أوروبا، فإن أمن "الناتو" يصبح في قلب الخطر.

الأرجح أن "الناتو" ينتظر خطوة تركية مهمة، قد نرى تباشيرها قريباً في إدلب، تتمثل بإعداد المسرح وتنظيمه، عبر حل وإخراج تنظيمات متشدّدة كانت تركيا قد هدّدت، عبر أعلى المستويات، بالقضاء عليها، عندها تزال أهم العقبات من وجه "الناتو"، وثمّة مؤشراتٌ تؤكد السير بهذا الاتجاه، منها تصريحات قائد جبهة النصرة أبو محمد الجولاني بأن جبهته قد تقدم في الأيام المقبلة على تغييرات تثبت وضعها حركة وطنية سورية.

===========================

هدوء إدلب النسبي وانتظار مجهول غير مطمئن

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 10/3/2020

يبدو أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الجانبين، التركي والروسي، وهو أقرب إلى التفاهم، بشأن الأوضاع في منطقة إدلب في شمال سورية، كان أفضل الممكن بالنسبة إلى الرئيس التركي أردوغان. وهو اتفاق كان متوقعاً إلى حدٍ كبير، استناداً إلى المتغيرات العسكرية الميدانية، وتفاقم الكارثة الإنسانية نتيجة نزوح أكثر من مليون إنسان، معظمهم من النساء والأطفال عن منازلهم، بحثاً عن ملاذٍ آمن في الفضاء المفتوح الذي ظل هدفاً لهجمات طيران الروس والنظام على المدنيين الهاربين من جحيم المعارك، بقصد قتل مزيد منهم، وترويع الغالبية، ورسم حدود مناطق النفوذ، وربما التقسيم مستقبلاً، بالحديد والنار، فالمواقف الدولية، خصوصا الأميركية والأوروبية، كانت تدفع باتجاه الوصول إلى اتفاقٍ ما، حول منطقة آمنة، تضمن الأمن للمدنيين، وإتاحة المجال أمام المنظمات الإغاثية لتقديم العون والمساعدة للناس على الأرض السورية، وذلك بهدف قطع الطريق أمام توجههم نحو أوروبا، وغيرها من المهاجر. هذا في حين أن الروس لم يتمكّنوا من ناحيتهم، بموجب هذا الاتفاق، من الوصول إلى هدفهم الدائم المعلن، وهو ضرورة سيطرة نظام بشار على كامل التراب السوري.

وعلى الرغم من الحشود الكبيرة التي دخلت إلى منطقة إدلب والساحل السوري، سواء من الجانب التركي أو الروسي؛ فضلاً عن الاستعدادات الميدانية المستمرّة، لم تحصل المواجهة 

"المواقف الدولية، خصوصا الأميركية والأوروبية، كانت تدفع باتجاه الوصول إلى اتفاقٍ ما، حول منطقة آمنة للمدنيين"الفعلية بين الجانبين اللذين كان واضحا أنهما يتحاشيان أمراً من هذا القبيل؛ بل كانا يصرّان على تسويق الرسائل عبر نسب الأفعال الميدانية الحساسة، خصوصا المجزرة التي تعرّض لها جنود أتراك، أو إسقاط طائرات النظام، إلى جيش النظام وفصائل المعارضة السورية؛ مع تيقّن الجميع بأن تلك الأفعال لم تكن لتتم لولا دعم ومساندة القوات الروسية، بل وفعلها، خصوصا الجوية منها؛ هذا إلى بالإضافة إلى تدخل الجيش التركي المباشر في المعارك أخيرا بعد المجزرة التي تعرّض لها الجنود الأتراك، ويشار هنا بصورة خاصة إلى التأثير الفاعل للمسيرات التركية.

ولكن واضح أن الجيش المذكور يشدّد على ضرورة حصر المواجهة بينه وبين قوات النظام، ويدعو الروس إلى الابتعاد عن الميدان؛ هذا في حين أن التعتيم على الدور الإيراني والمليشيات المرتبطة به كان لافتاً، الأمر الذي استنتج منه بعضهم وجود إمكانية إخراج بشار من معادلة التسوية المستقبلية، إذا ما تمت. وما يدعم هذا التوجه أن الاتفاق الذي تم كان بين الروس وتركيا فقط، وبعيداً عن مسار أستانة - سوتشي الثلاثي؛ كما أن النظام لم يكن له أي وجود ملحوظ، ولا ذكر، في سياق المباحثات المطوّلة التي كانت بين الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، أولاً، ومن ثم بين الوفدين الروسي والتركي رفيعي المستوى.

لقد أرضى هذا الاتفاق الأولي الذي سيتبين لاحقاً مدى صموده ودرجة الالتزام به من الأطراف المعنية، بصورة نسبية، مختلف الأطراف الدولية المعنية بالملف السوري، وتطورات الأوضاع في المنطقة، والنتائج الآنية والمسقبلية المترتبة عليه، فأميركياً كان من الواضح من تلك التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية، بومبيو، ودبلوماسيون عديدون مسؤولون عن الملف السوري، سيما جيمس جيفري، وجود رغبة معلنة على الأقل، في الاستعداد الأميركي لمساعدة 

"النظام لم يكن له أي وجود، في سياق المباحثات المطوّلة التي كانت بين الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين"تركيا التي قالوا عنها أنها حليفتهم في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي التصريحات التي تم دعمها بالزيارة اللافتة التي قام بها جيمس جيفري، وكيلي كرافت، ودافيد ساترفيلد، إلى منطقة باب الهوى، واللقاءات التي أجروها مع أعضاء من منظمة الخوذ البيضاء، والناس في المنطقة؛ وهي إشارة معبرة تؤكد الدعم الأميركي للموقف التركي بهذه الدرجة أو تلك، فأميركا منذ البداية، لم تكن تريد تسليم ملف محافظة إدلب بالكامل للروس، بل كانت حريصة على تقديم الدعم، حتى وإن لم يكن حاسماً، لتركيا في إشارةٍ واضحةٍ منها إلى أن التحالف الاستراتيجي مع تركيا يبقى من الأسس التي تعتمدها الإدارة الأميركية في سياساتها الشرق أوسطية، خصوصا في ظروف المواجهة مع إيران؛ هذا إلى جانب السعي من أجل تحجيم الدور الروسي بما يتلاءم مع التصورات الأميركية لمستقبل المعادلات التوازنية في المنطقة.

من جهة أخرى، يلبي الاتفاق، موضوع الحديث هنا، إلى حد ما، المطالب الأوروبية التي تمحورت حول ضرورة إنشاء منطقة آمنة، أو مناطق آمنة في الشمال السوري، وذلك بهدف تحاشي مخاطر موجاتٍ جديدةٍ من اللاجئين السوريين المتوجهين نحو أوروبا التي تعاني أصلاً من جملة مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وفي مقدمتها تصاعد النزعات الشعبوية واليمينية المتطرّفة المعادية لسياسة فتح البلدان الأوروبية أمام مزيد من اللاجئين، فبموجب الاتفاق الذي تم، ستتوقف المعارك، وسيُسمح للمواطنين السوريين النازحين بالعودة؛ وهو الأمر الذي تدور حوله تساؤلات كثيرة، فأولئك الذين نزحوا من المناطق التي سيطر عليها النظام بدعم روسي وإيراني، لن يعودوا على الأغلب، وهذا معناه استمرارية المشكلة، إلا في حالة بذل جهودٍ دوليةٍ لتأمين منطقة آمنة لهم في المناطق التي تسيطر عليها تركيا، شرط ضمان عدم تعرّضهم لقصف جوي أو صاروخي ومدفعي من جانب حلف الروس والنظام والقوات الإيرانية

"الذين نزحوا من المناطق التي سيطر عليها النظام لن يعودوا على الأغلب، وهذا معناه استمرارية المشكلة" والمليشيات التابعة لها.

ولكن بصورة عامة، يبقى الاتفاق هشّا، تتوقف احتمالية استمراريته على مدى التزام مختلف الأطراف به، خصوصا أن الروس قد منحوا أنفسهم، كعادتهم في جميع الاتفاقيات التي كانت من هذا القبيل، حرية الحركة تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وهي سياسة مستمرّة، اعتمدوها لقضم مزيد من المناطق. كما أن تركيا قد احتفظت لنفسها بحق الرد على أي عمل عسكري من النظام، وهذا الأمر هو الآخر يؤكد أن ما تم التوصل إليه لا يمثل حلاً، بقدر ما يعتبر هدنةً اضطراريةً، فرضتها الظروف على الطرفين، كل لاعتباراته الخاصة.

كيف سيتم التعامل مع وجود هيئة تحرير الشام؟ وما هو مصير طريق إدلب دمشق؟ وما مصير نقاط المراقبة التركية؟ ماذا عن سيطرة النظام على المدن المفصلية في محافظة إدلب؟ وما هو موقع الاتفاق برمته من خريطة التسويات التي تمت؟ ما هي آليات التطبيق وحل الخلافات؟ كل هذه الأسئلة، وغيرها، تبقى معلقة في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة. وفي جميع الأحوال، يبقى موضوع وقف المعارك بين القوى المتصارعة في الشمال السوري، وسورية بصورة عامة، لصالح السوريين المدنيين، خصوصا في ظل واقع خروج زمام المبادرة من أيدي السوريين معارضة وموالاة، وذلك انتظاراً لحل سياسي شامل، نأمل أن يمكّن السوريين من استعادة بلادهم، وثقتهم بمستقبل أفضل، يمكّنهم من التعايش المشترك، على الرغم من كل ما حصل.

وحل كهذا لا يمكن أن يستقيم أبدا بوجود النظام الذي يعتبر المسؤول الأول المباشر عن الكارثة السورية. وهذا معناه أن الإصرار على تسويقه من هذه الجهة الدولية أو تلك، مؤدّاه الإصرار على تقسيم البلد والشعب، على الرغم من كل التصريحات التخديرية التي نسمعها هنا وهناك، وهي تصريحاتٌ تؤكد، في جانبها الإعلامي الدعائي، أهمية الحفاظ على وحدة سورية أرضاً وشعباً.

يعاني المجتمع الدولي في مواجهة القيامة السورية من حالة إرباك وتعارض في التوجهات والمصالح. ويبدو أن مستقبل الحل في سورية قد ارتبط، إلى حد كبير، بالوضعين، اللبناني والعراقي، وهذا يعد مجرّد تحصيل حاصل، إذا ما استوعبنا جيداً الدور المفتاحي الذي تتمتع به سورية على مستوى المنطقة؛ ومدى التأثير والتأثر المتبادلين بين الأوضاع السورية والإقليمية.

وبناء على ما تقدم، تأتي أهمية الموقف الأميركي القادر على الحسم، إذا ما توفرت الإرادة لدى الإدراة المشغولة هذه الأيام بحساباتها الانتخابية الداخلية، وهي حساباتٌ عادة ما تكون لها الأولوية في عام الانتخابات، وهو العام الذي تتحوّل فيه الإدارة إلى بطّة عرجاء؛ ولعل الموقف الأميركي الذي طالب مجلس الأمن بالتريث في إعلان دعمه الاتفاق المعني، يؤكد الأمرين معاً: القدرة على الحسم والرغبة في الإرجاء.

===========================

إدلب: مباحثات سياسية تسابق التحشيد العسكري

أمين العاصي

العربي الجديد

الثلاثاء 10/3/2020

في ظل مسعى جديد لردم هوّة الخلاف حول مصير شمال غربي سورية بين الروس والأتراك عبر مفاوضات جديدة تشهدها أنقرة اليوم، الثلاثاء، يتواصل التحشيد العسكري في محافظة إدلب، ما يشي بأن الطرفين يتحسبان للأسوأ على الرغم من أن الاتفاق الذي توصل إليه الرئيسان، التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، يوم الخميس الماضي، في موسكو لوقف إطلاق النار في إدلب، لا يزال صامداً مع تسجيل بعض الخروقات من قِبل النظام السوري ومليشيات موالية له. وأعلنت وزارة الدفاع التركية، أمس، استضافة أنقرة، اليوم الثلاثاء، اجتماعات بين وفدين عسكريين من تركيا وروسيا، لبحث خطوات تطبيق اتفاق موسكو الأخير بين رئيسي البلدين بشأن الشمال السوري. وأوضحت الوزارة عبر حسابها الرسمي على "تويتر"، أن وفداً عسكرياً روسياً يبدأ، الثلاثاء، اجتماعاً مع نظيره التركي، تطبيقاً لاتفاق موسكو المعروف بملحق اتفاق سوتشي، والموقّع بين تركيا وروسيا، الخميس الماضي. ولم تحدد الوزارة مدة زمنية للاجتماعات، ومن المنتظر أن تتواصل ليومين على التوالي كما جرت في الاجتماعات المماثلة، إذ إن هناك عدة بنود على أجندة الاجتماع وفق اتفاق موسكو الأخير.

وأسفرت قمة أردوغان وبوتين، الخميس الماضي، إلى اتفاق جديد، تضمّن وقفاً لإطلاق النار في إدلب عند حدود التماس التي فرضها احتلال النظام وحلفائه عشرات البلدات والقرى، مع إنشاء ممر عازل على طول طريق "ام 4" (حلب ـ اللاذقية)، بعرض 6 كيلومترات من الجانبين، اعتباراً من نقطتي ترمبة، غرب سراقب، إلى عين الحور، غرب مدينة جسر الشغور.

وبقي الهدوء الحذر مسيطراً، أمس، على خطوط التماس في "منطقة خفض التصعيد" (إدلب وما حولها)، في اليوم الرابع لسريان اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين روسيا وتركيا، مع غياب كامل لسلاح الجو عن الأجواء في الشمال الغربي، سواء التابع للنظام أو روسيا أو الطيران المسيّر للجيش التركي.

ولكن على الرغم من اتفاق موسكو، الخميس، والذي يُعد ملحقاً باتفاق سوتشي المبرم في سبتمبر/ أيلول 2018، إلا أنه بدا أن الطرفين الروسي والتركي يتحسبان للأسوأ في الأيام المقبلة، إذ لم تنتهِ التحضيرات لجولة قتال جديدة، تؤكدها معطيات ميدانية، مع مواصلة الجيش التركي تعزيز نقاطه في محافظة إدلب، في وقت تحشد فيه قوات النظام في ريف إدلب الجنوبي، والمليشيات الإيرانية في ريف إدلب الشرقي.

وواصل الجيش التركي استقدام تعزيزات إضافية إلى نقاطه المنتشرة في "منطقة خفض التصعيد"، منذ اليوم الأول لسريان الهدنة، بما يدل على أن أنقرة متيقنة من أن الاتفاق قابل للانهيار في ظل سعي روسي لإخضاع الشمال الغربي من سورية كله للنظام. وشهد مساء الأحد دخول رتل عسكري كبير إلى الأراضي السورية، من نقطة كفرلوسين العسكرية، ضم حوالي 300 آلية عسكرية، من بينها دبابات وناقلات جند وعربات مصفحة. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن عدد الآليات التركية التي دخلت الأراضي السورية منذ بدء وقف إطلاق النار الجديد، بلغ 600 آلية، بالإضافة إلى مئات الجنود، وبذلك يرتفع عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت إلى "منطقة خفض التصعيد" خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر فبراير/ شباط الماضي وحتى الآن، إلى أكثر من 4 آلاف شاحنة وآلية عسكرية تركية دخلت الأراضي السورية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، فيما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة أكثر 9100 جندي تركي، وفق المرصد.

في السياق، ذكرت مصادر محلية أن الجيش التركي أنشأ، يوم الأحد، قاعدة عسكرية جديدة في منطقة تل صندل الواقعة بين بلدة زردنا في ريف إدلب الشمالي وبلدة إبين في ريف حلب الغربي، تضم مدرعات هجومية وقتالية ومدافع ودبابات. وكان الجيش التركي قد أنشأ أكثر من 20 نقطة مراقبة في ريفي إدلب وحلب خلال الحملة العسكرية الأخيرة لقوات النظام، إضافة إلى 12 نقطة مراقبة رئيسية أقامها وفق تفاهمات أستانة، بعضها محاصر من قوات النظام في أرياف إدلب وحلب وحماة.

في المقابل، عززت قوات النظام ومليشيات تساندها، وجودها في جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، بحسب مصادر في فصائل المعارضة السورية، أشارت لـ"العربي الجديد"، إلى أن النظام استقدم تعزيزات من قواته في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي إلى محيط مدينة كفرنبل، التي تُعدّ نقاط تماس بين قوات النظام والمليشيات التي تساندها من جهة، وقوات المعارضة المدعومة من الجيش التركي، من جهة أخرى.

وعلمت "العربي الجديد" كذلك أن تعزيزات جديدة للمليشيات المدعومة من إيران وصلت إلى مدينة سراقب في الريف الأوسط من إدلب، إلى الشرق من مركز مدينة إدلب، حيث انتشر حوالي 300 عنصر من مليشيا تُدعى بـ"الرضوان" في قريتي الطلحية وكراتين، شمالي المدينة، مع دبابات وعتاد من السلاح المتوسط والثقيل.

وكان أردوغان قد أكد، الأحد، أن أنقرة تحتفظ بحقها في تطهير محيط منطقة عملية "درع الربيع" التركية في إدلب السورية، بطريقتها الخاصة، في حال عدم الالتزام بالوعود المقدمة لها، معتبراً توجيه النظام قواته نحو إدلب في وقت يخضع ثلث أراضيه لـ"الاحتلال" من قبل المليشيات الكردية، أمر له "غايات ومآرب أخرى". أما بثينة شعبان، مستشارة رئيس النظام السوري بشار الأسد، فقالت في تصريحات، الأحد، لصحيفة "الوطن" الموالية للنظام، حول الاتفاق الروسي - التركي في إدلب، إن "اتفاق وقف إطلاق النار الذي جاء برعاية من الحليف الروسي، تم على خطوط التماس التي وصل إليها الجيش السوري، ما يعني أن المناطق والمساحات الكبيرة التي تحررت بقيت بيد الجيش، وهذا لمصلحة سورية طبعاً، لأن رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان كان يريد إعادة الجيش إلى منطقة معرة النعمان".

ويبدو ان اتفاق الخميس بين أنقرة وموسكو لم يحدد آليات تطبيق واضحة في بقعة جغرافية ضيقة ومعقّدة باتت غابة من الأسلحة والمقاتلين من كل اتجاه، يمكن أن تتحوّل مرة أخرى إلى ميدان صراع مفتوح على كل الاحتمالات في حال انهيار الاتفاق الروسي التركي الذي سبقته عدة اتفاقات، سواء في سوتشي أو في أستانة، تجاوزها الجانب الروسي في جنوب سورية وفي ريف دمشق وفي ريف حمص الشمالي وفي إدلب ومحيطها. ولا شك أن الجانب الروسي سيصر على تثبيت خريطة السيطرة الجديدة بعيداً عن حدود اتفاق سوتشي، أي بقاء مدينتي معرة النعمان وسراقب وأغلب ريفهما بيد قوات النظام والمليشيات، إضافة إلى جزء من ريف حماة الشمالي الغربي، والسيطرة الكاملة على الطريق الدولي "ام 5" الذي يربط بين مدينة حلب، كبرى مدن الشمال السوري، ومدينة حماة، ومنها إلى حمص فالعاصمة دمشق وجنوب سورية. بينما يدفع الجانب التركي باتجاه خروج قوات النظام من المدينتين ومن قرى وبلدات أخرى في ريف إدلب الجنوبي لإرجاع أكثر من مليون مدني إلى بيوتهم كي لا يتحوّل هؤلاء النازحون إلى قنبلة بشرية جاهزة للانفجار على مقربة من الحدود الجنوبية التركية.

ويبدو أن الجانب التركي يخشى من موجات لجوء إلى تركيا في حال وجد النازحون أن عودتهم إلى منازلهم غير ممكنة أو غير آمنة، إذ يرفض معظم النازحين العودة إلى مناطق تحت سيطرة النظام وقواته وأجهزته الأمنية حيث تنتظرهم عمليات انتقام واسعة ربما تفوق ما جرى في المناطق التي سيطر عليها النظام في جنوب سورية وفي وسطها. ويريد الروس سيطرة مشتركة على الطريق الدولي "ام 4"، ما يعني إنهاء الوجود المسلح لـ"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)، وفصائل المعارضة السورية في الممر الآمن المتفق عليه. وكان الخبراء الروس والأتراك قد فشلوا خلال جولات تفاوض عقدت الشهر الماضي في موسكو وأنقرة، في الاتفاق على التفاصيل المتعلقة بالشمال الغربي من سورية.

===========================

حصيلة قمة موسكو: إدلب التركية تقلّصت

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 9/3/2020

كان واضحاً من الصورة التي التقطت لحظة خروج بوتين وأردوغان، برفقة الوفدين المشاركين، من مكان الاجتماع الماراتوني الذي استمر خمس ساعات وأربعين دقيقة، أن الرئيس التركي لم يحصل على ما يريد، بل ظهر العبوس جلياً على وجهه. ولا تقتصر الشكليات الكاشفة لمجرى المباحثات الصعبة على هذه الصورة، بل كان لافتاً أيضاً أن وزير الخارجية مولود شاويش أوغلو قال، في بيانه عن الاتفاق الجديد، "الجمهورية العربية السورية" بدلاً من الصيغة التي اعتاد الساسة الأتراك استخدامها، أي "النظام السوري" أو "نظام الأسد".

ويمكن الاستدلال على مساوئ الاتفاق، من وجهة النظر التركية، أيضاً من خلال تعبير بشار الكيماوي عن "رضاه" عن نتائج اجتماع موسكو في المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الروسي معه في أعقاب توصله إلى الاتفاق الجديد بشأن وضع "منطقة خفض التصعيد" في إدلب وجوارها. فهذا الرضا لا يعكس فقط ما أملاه عليه سيده الروسي، بل كذلك بسبب نص الاتفاق الذي شرعن سيطرته على المناطق التي قضمتها ميليشياته بدعم من الطيران الروسي في الشهرين الأخيرين، وفتح الطريق أمام ابتلاع المزيد منها في الفترة القادمة.

ننتقل إذن من الشكليات إلى مضمون الاتفاق الملحق باتفاق سوتشي 2018 بين روسيا وتركيا. وقبل كل شيء، لم ترد في نص الاتفاق عبارة "وقف إطلاق النار" التي طالبت بها تركيا عشية سفر أردوغان إلى موسكو، بل "وقف العمليات العسكرية" التي لا تشمل – طبعاً – الحرب على المنظمات الإرهابية التي نفهم من نص الاتفاق أنها مستمرة. هذا يعني أن المقصود بوقف العمليات العسكرية هو تركيا وقواتها والفصائل المسلحة السورية المؤتمرة بأمرها. في حين يتعهد "الطرفان" بمواصلة الحرب على "جميع المنظمات الإرهابية وتلك المصنفة إرهابية من قبل الأمم المتحدة"! واضح ان الإضافة الأخيرة جاءت بطلب من تركيا التي تشكو من اعتبار روسيا جميع الفصائل التي تقاتل النظام الكيماوي إرهابية، في حين أن لوائح الأمم المتحدة المعنية تخص هيئة تحرير الشام وفصائل أصغر منها تابعة لمنظمة القاعدة. وما كان لتركيا أن تعترض على القسم الأول الذي فرضته روسيا (جميع المنظمات الإرهابية) لأنها حريصة على تبرير حملاتها العسكرية على مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية سابقاً، فهي تعتبر تلك القوات، وبالأخص وحدات حماية الشعب الكردية، منظمات إرهابية، مع أنها غير مصنفة كذلك لا على لوائح الأمم المتحدة ولا على لوائح أي دولة أخرى غير تركيا.

بدلاً من تحقيق مطلب تركيا بتراجع قوات النظام إلى حدودها السابقة وفقاً لاتفاق سوتشي 2018، سيحتفظ الأخير بما ابتلعه من أراض جديدة

لم تقتصر خسارات تركيا في موسكو على الجانب العملياتي (وقف العمليات العسكرية ضد ميليشيات النظام) بل إن الاتفاق دفع بمواقع تواجد القوات التركية المسموحة شمالاً إلى ما فوق خط طريق حلب اللاذقية الذي من المفترض أن يتم تأمينها خلال أسبوع واحد بعمق ستة كيلومترات من الجانبين، وتسيير دوريات مشتركة روسية – تركية. أما طريق حلب – دمشق، وضمناً عقدة التقاطع في سراقب، فقد بات كلياً تحت سيطرة النظام الكيماوي. وهكذا، بدلاً من تحقيق مطلب تركيا بتراجع قوات النظام إلى حدودها السابقة وفقاً لاتفاق سوتشي 2018، سيحتفظ الأخير بما ابتلعه من أراض جديدة في الحملة الأخيرة التي أدت إلى نزوح مليون مدني باتجاه الحدود التركية المغلقة بجدار عازل.

لا يتضمن نص الاتفاق أي إشارة إلى مصير نقاط المراقبة التركية التي باتت تسعة منها مطوقة من ميليشيات الأسد جنوب طريق حلب اللاذقية وشرقي طريق حلب دمشق. لا نعرف ما إذا كان ثمة بنود غير معلنة تشمل مصير النقاط المذكورة، ولكن بالنظر إلى خريطة النفوذ العسكري الجديدة يمكن أن نتوقع سحب تلك النقاط من الجنوب والإبقاء على النقاط الواقعة في "إدلب المقلصة" شمال الطريق المذكور.

ولا يقتصر تقليص منطقة النفوذ التركية في إدلب، على فرض أنها كانت كذلك قبل المعارك الأخيرة، على المساحة الجغرافية، بل يشمل أيضاً المدى الزمني، وإن كان هذا غائباً عن نص الاتفاق. فما دامت حرب بوتين على الإرهاب مستمرة، فالهدف الروسي هو بسط سيطرة تابعه الأسدي على كامل منطقة خفض التصعيد. وهو هدف معلن على أي حال يكرره الناطقون الروس كل حين وحين. ربما تكسب تركيا زمناً إضافياً، لا نعرف مداه، قبل أن يطالبه الروسي بسحب قواته من المنطقة. وعلى أي حال لم تكن لدى القيادة التركية أوهام بشأن بقاء قواتها في هذه المنطقة إلى ما لا نهاية. لكنها استماتت في محاولة قطع الطريق على تقدم ميليشيات النظام لكي لا تضطر، بعد حين، إلى القتال دفاعاً عن بقائها في مناطق عفرين و"درع الفرات" و"نبع السلام". كان قتالها في إدلب نوعاً من دفع الجبهة إلى الأمام لكي لا تضطر إلى القتال في الخطوط الخلفية.

هناك خسارة أكبر لتركيا لا تظهر في نص الاتفاق، بل في مجمل المعركة بجانبيها الميداني والدبلوماسي، ألا وهي أن مراهنتها على دعم واشنطن وحلفائها الأطلسيين في مواجهة روسيا سقطت بما آلت إليه الأمور. تكشفت تلك المعركة عن مدى اعتماد تركيا على روسيا مقابل هشاشة تحالفها الأطلسي. وقد تكون لنتائج المعركة الميدانية – الدبلوماسية، بما في ذلك فتح الحدود الغربية أمام اللاجئين وما أدى إليه من مآس إنسانية من جهة اللاجئين، وردود فعل أوروبية غاضبة من جهة ثانية، نتائج بعيدة المدى على موقع تركيا بين روسيا وحلف الأطلسي.

كل هذا ولم نتحدث عن انعكاسات معركة إدلب على المجتمع التركي، من ارتفاع وتيرة ملاحقة الصحافيين ومنع التظاهرات المناهضة للحرب في إسطنبول، وارتفاع وتيرة الكراهية الموجهة ضد اللاجئين السوريين، وغيرها من المنعكسات السلبية. 

===========================

لم يأتِ بجديد ولكن.. هل تلتزم روسيا وتركيا بـ«اتفاق موسكو»؟

ساسة بوست

الاثنين 9/3/2020

توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في صبيحة يوم الخميس الماضي إلى موسكو للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وبرفقته وفد رفيع المستوى يضم وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، ووزير الدفاع خلوصي أكار، ووزير المالية براءت ألبيرق، وأيضًا رئيس الاستخبارات هاكان فيدان، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألطون، والناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، والمتحدث باسم «حزب العدالة والتنمية» عمر جليك، ونائب رئيس الحزب ماهر أونال، وذلك للتباحث من أجل الوصول إلى حل لما يحدث في إدلب السورية.

هذا الوفد الرفيع والكبير الذي رافق أردوغان لموسكو شبهه مراقبون بأنه كان متوجهًا إلى ساحة معركة، وليس إلى طاولة مفاوضات، وكانت العديد من التحليلات تقول إن المفاوضات ستكون حامية الوطيس، وأن الحاضرين ستكون معهم أوراقهم، وأسلحتهم ليشهروها في وجوه بعضهم البعض.

هذه «المعركة التفاوضية» استمرت بين الطرفين قرابة ست ساعات متواصلة، وانتهت باتفاق مثير للجدل سنتحدث في هذا التقرير عنه، وعن إمكانية تنفيذه على أرض الواقع.

بنود اتفاق موسكو لم تأتِ بجديد

خرج الرئيسان التركي والروسي بعد طول انتظار وجميع وزراء الدولتين المعنيين في مؤتمر صحافي سريع لم يتجاوز ربع ساعة، وتلوا فيه البيان الذي كان بثلاث لغات فقط (الروسية، والتركية، والإنجليزية) دون نسخة عربية منه، وتضمن الاتفاق ثلاث نقاط فقط، هي: وقف إطلاق النار في مناطق التماس بإدلب، على أن يدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من منتصف ليلة الخميس الماضي، وإنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولي «إم 4» عرضه ستة كيلومترات شمالًا وستة كيلومترات أخرى جنوبًا خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام يتم فيها تنسيق المعايير الدقيقة لهذا الممر، وانطلاق دوريات عسكرية مشتركة على الطريق ذاته اعتبارًا من 15 مارس (آذار) الحالي، تبدأ من بلدة «ترنبة» الواقعة غرب مدينة سراقب إلى بلدة عين الحور أقصى ريف إدلب الغربي.

 كما أكد الاتفاق على حماية المدنيين وعودتهم إلى مدنهم وقراهم، ومواصلة محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية المدرجة على قوائم الأمم المتحدة، وشدد البيان على حق تركيا بالرد على أي استهداف لجنودها ونقاط مراقبتها من قبل النظام السوري، وأيضًا اتفقوا على وحدة الأراضي السورية، وأن الحل للأزمة السورية سياسيًا بإشراف الأمم المتحدة، وليس عسكريًا.

وجاء بيان الاتفاق مختصرًا للغاية، وبدون أي تفاصيل، ولكن المثير للاهتمام أن البنود الثلاثة التي جاءت بها «اتفاقية موسكو» هي ذاتها (علاوة على تعديل بسيط) الموجودة في «اتفاقية سوتشي 2018»، إذ لم تأت بجديد، وسط تجاهل تام لكل ما كانت تطالب تركيا بتطبيقه.

اتفاق غير واضح المعالم

بنى الكثير من المعارضين لنظام الأسد آمالهم أن تكون مخرجات المفاوضات في صالحهم، وأن يتمكن أردوغان من الحصول على تنازلات من الروس، خاصة بعد التهديدات التركية المرتفعة جدًا والضربات الجوية والصاروخية العنيفة التي خلفت عشرات القتلى في صفوف النظام السوري، لكن الاتفاق كان مخيبًا للأمال بشكل كبير، ولم يكن يتوقع أكثر المتشائمين أن يخرج بهذا الشكل، وفي الوقت نفسه غير واضح وتجاهل العديد من النقاط. كما أن البنود الثلاثة تحتاج إلى تفسير أوسع، وهو الأمر الذي خلق تجاذبات وتفسيرات وتحليلات كثيرة بين أطراف الصراع.

وقد تجاهل الإتفاق انسحاب قوات النظام السوري إلى ما وراء منطقة اتفاق سوتشي ونقاط المراقبة التركية، كما كانت تطالب تركيا. كذلك نص البيان على جانب غامض حين أشار إلى وقف الأنشطة العسكرية على طول خط التماس فقط؛ ما يعني أنه ربما تكون هناك عمليات عسكرية في مناطق لا تعد نقاط تماس.

تجاهل الاتفاق أيضًا ذكر مصير الطريق الدولي «إم 5»، والذي تمكنت قوات الأسد من السيطرة عليه بشكل كامل خلال الحملة التي بدأت بداية العام الحالي، بينما أشار إلى مصير الطريق الدولي «إم 4» الخاضع لسيطرة المعارضة وذلك عبر تسيير دوريات عسكرية مشتركة عليه وإنشاء منطقة آمنة حوله، ما أظهر أن الروس كسبوا كل شي.

ولم يشر أو يشرح البيان ما هو مصير المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة الواقعة جنوب الطريق الدولي «إم 4» وهي منطقة جبل الزاوية، والتي تحتوي على عشرات البلدات والقرى ومئات الآلاف من المدنيين، وكيف سيتم التعامل معها في ظل وجود منطقة آمنة تمتد حوالي ستة كيلومترات جنوب الطريق، في الوقت الذي زعمت مواقع روسية أن المعارضة المسلحة ستنسحب من هذه المنطقة حسب الاتفاق.

وأيضًا لم يشرح كيفية عودة النازحين إلى منازلهم التي أصبحت واقعة ضمن مناطق سيطرة النظام، ومن المعلوم أنه عند عودتهم سيقوم الأسد باعتقالهم على الفور. كما أشار البيان إلى محاربة التنظيمات الإرهابية ولم يشر إلى كيفية تحقيق ذلك، وهل ستقوم بهذه المهمة تركيا أم النظام وروسيا، وهل هذا يعني إعطاء الحق للأخير بشن هجمات عسكرية بحجة محاربة الإرهاب.

ردود الفعل الدولية على الاتفاق متباينة

كان الرفض الأوروبي والأمريكي للاتفاقية الروسية التركية بخصوص إدلب واضحًا، وكان أكثر وضوحًا في مجلس الأمن الدولي عندما عرقلت الولايات المتحدة مسودة بيان لمجلس الأمن الدولي يدعم الاتفاق، وأكد مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أن معظم أعضاء مجلس الأمن دعموا بدرجات مختلفة الاتفاقية.

بينما انتقدت الرئاسة الفرنسية الاتفاقية، معتبرة أنها هشة، خاصة بند وقف إطلاق النار، الذي اعتبرته لم يترسخ بعد، ورأت أن الاتفاقية تتضمن نقاطًا غامضة، من بينها الانسحاب من الطريقين الدوليين «إم 4 وإم 5»، والحديث عن دعم سياسي وإنساني ترتيباته غير واضحة. واعتبرت أيضًا أن سياسة روسيا واضحة، وتتمثل في سيطرة النظام السوري على كامل أراضي البلاد، وأوضحت أنه على تركيا الاختيار ما بين الشراكة مع روسيا، أو طلب الدعم من أوروبا، وأضاف البيان الفرنسي أنه بالرغم مما يملكه الروس والأتراك والإيرانيون من نقاط قوة على الأرض السورية، إلا أنه لن يكون بإمكانهم تحقيق الاستقرار في البلاد.

ومن ناحية أخرى رحبت العديد من الدول بوقف إطلاق النار، إذ قالت الخارجية الأمريكية أنها تأمل أن تساهم الاتفاقات في تخفيف حدة الوضع، وتخفيف الأزمة الإنسانية الرهيبة، وأظهر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، سروره بالاتفاقية، أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش فرحب بها ودعا للعودة إلى العمليّة السياسيّة لإنهاء الحرب في سوريا، بينما طالب وزير الخارجية الهولندي ستيف بلوك بإضافة منطقة حظر طيران إلى الاتفاقية، وكذلك رحب كل من الصين وايران – وحتى النظام السوري نفسه – بالاتفاقية.

هل يصمد «اتفاق موسكو»؟

في تقرير سابق نشر على موقعنا «ساسة بوست» تحدثنا فيه عن أساليب الخداع الروسية للسيطرة على إدلب، والتي من بينها «الهدن». إذ استخدمت روسيا هذه الخدعة في كل حروبها حتى تلك التي في الشيشان وأفغانستان. وفي الحقيقة نجحت في سوريا وانطلت على المعارضة مرارًا وتكرارًا، فقد سمحت لها بالتمدد في جميع مناطق سوريا، فعند اشتداد المعارك، وحشد المعارضة، وتنظيم صفوفها بشكل أفضل، تعلن روسيا على الفور عن هدنة، لتفتر قوة المعارضة، ويركنوا إلى الراحة، ومن ثم تعاود قوات النظام وروسيا الهجوم مرة أخرى، وهكذا، حتى تتساقط المناطق بالتوالي، فهل تكون هذه الهدنة مثل مثيلاتها أم تختلف عنها؟

كُتبت العشرات من التحليلات والفرضيات خلال اليومين الماضيين عن هذا الاتفاق الذي وصفه الكثير بالغامض وغير الواضح، ويحتاج لشرح مفصل من قبل الدولتين المعنيتين، وسط تساؤلات مثيرة للاهتمام عن مصير النقاط التركية وهيئة تحرير الشام وتواجد النظام، وأيضًا كيفية عودة النازحين وتسيير الدوريات المشتركة، والأهم من ذلك في حال تم خرق الاتفاق من أي طرف ماذا سيحدث؟

يرى الصحافي التركي حمزة تكين، في مقال خاص بشبكة «آرام» أن «الاتفاق هش ولن يصمد، وهو بالحقيقة ليس اتفاقًا بقدر ما هو حماية للمصالح المشتركة التركية الروسية، كي لا تتأثر سلبًا بما سيحصل في إدلب»، وأضاف «أن هناك نقاطًا خلافية كثيرة بين الطرفين، ولكن تجمعهما نقطة مشتركة قوية أنهما لا يريدان الصدام، وأن ست ساعات من المباحثات ليست لأجل وقف إطلاق النار أو تسيير دوريات مشتركة، بل من أجل أن يحفظ الجانبان مصالحهما المشتركة العديدة والكثيرة، من أي ضرر بسبب ما يحصل وما سيحصل في إدلب» ويعتقد تكين أن «الرئيسين أردوغان وبوتين قد نجحا في تحييد بلديهما عما يحصل في إدلب من توتر، ولن يضر بعلاقات موسكو وأنقرة».

كذلك اعتبر الخبير في الشؤون الروسية، بسام البني، في منشور على صفحته الشخصية على «فيسبوك»، أن «المعركة انتهت، ولكن الحرب لم تنته، كما أن الاتفاقية لم تنسف تفاهمات أستنا وسوتشي كما كانت ترغب أمريكا»، واعتبر أن «تركيا اعترفت بخسارة الطريق الدولي «إم 5» لصالح النظام، وأن النظام لن يتراجع، ولا خطوة للوراء، بالإضافة أن تركيا احتفظت بحق الرد».

وأشار البني «أن هناك عدة أمور لم يتم التوافق عليها؛ مما يعني أن مذكرة التفاهم هذه لم ترض الطرفين، وبالتالي قد يكون هناك تصعيد قادم، وما تم الاتفاق عليه هو مجرد تأجيل للمواجهة إذا لم يجد الأطراف معجزة سياسية تؤدي إلى إنهاء كل المشاكل المعلقة»، ونوه البني إلى أن الشيء المؤكد من نتيجة القمة بين بوتين وأردوغان أنها «أظهرت أن مواصلة العمل المشترك أكثر أهمية من القتال، على الأقل في الوقت الحالي».

تحدثنا في «ساسة بوست» إلى ثلاثة من النشطاء السوريين – اشترطوا عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب أمنية – عن رؤيتهم للاتفاقية ومدى إمكانية تطبيقها على أرض الواقع، إذ أكدوا أن «التواجد العسكري التركي الكثيف والواسع في إدلب سيضمن تطبيق الاتفاقية، وذلك من خلال إجبار فصائل المعارضة المسلحة على الانصياع وعدم خرقها، كما أن هناك حرصًا تركيًا على تطبيقها، أما الروس فلا يمكن الوثوق بهم لأنهم لا يملكون قوات رادعة على الأرض، إذ إن أغلبها ميلشيات تابعة لإيران، التي ربما لا تكون راضية عن الاتفاق وتخطط لخرقه، ما سيؤدي في النهاية إلى عودة المعارك مرة أخرى».

ما الذي يخفيه الاتفاق؟

أشار النشطاء إلى أن «صياغة الاتفاق تخفي وراءها تفاصيل كثيرة تعمدت الدولتان عدم إظهارها، بدليل أن الاجتماع الذي استمر ست ساعات كان من الممكن على أقل تقدير أن يُفصل البنود الثلاثة بشكل أفضل، إلا أنهم فضلوا وضع نقاط غامضة وغير مفهومة»، وأشار الناشطون «أن هناك اتفاقًا آخر، وربما اتفاقات أخرى تمت في الاجتماع؛ لأن ما خرج به كان من الممكن أن يتم التوافق عليه بدون ذهاب كامل الحكومة التركية إلى موسكو، وكان من الممكن أن يتم التوافق عليه من خلال الاجتماعات الأمنية بين الروس والأتراك فقط».

وأشار النشطاء أن «موسكو كانت السبب الرئيس في توقف عملية «نبع السلام» التركية شرقي سوريا، والتي استهدفت قوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد)، والتي كانت تهدف للسيطرة على كامل الحدود السورية التركية، إلا أن موسكو أوقفتها بعد أن سمحت «قسد» لهم بالدخول إلى مناطقها».

وذكروا أن «أردوغان سافر في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إلى مدينة سوتشي للقاء بوتين واتفقا على انسحاب القوات الكردية إلى عمق 30 كيلومترًا عن الحدود السورية مع تركيا»، وبحسب النشطاء الذين تحدثنا إليهم فهم يعتقدون أن «أردوغان فتح موضوع شرق الفرات في الاجتماعات، وتم الاتفاق عبر مقايضة من نوع ما، ربما ستتضح في الأيام القادمة، وربما نسمع عن إعادة تفعيل العملية مرة أخرى، إذ رصد نشطاء محليون تحركات عسكرية لـ«قسد» في المنطقة».

وقال النشطاء لـ«ساسة بوست»: إن «أردوغان ما كان ليقبل بمثل هذا الاتفاق، لولا أن وراء الأكمة ما وراءها»، وأشاروا إلى أنه قد ضمن أربع فوائد من هذه الاتفاقية، أولًا تبعية ما تبقى من مناطق تحت سيطرة المعارضة للنفوذ التركي بسبب التواجد الكثيف العسكري فيها، وثانيًا ستكون المناطق المتبقية محمية من أية محاولة تقدم مستقبلية لقوات النظام، وثالثًا منع عملية نزوح هائلة إلى تركيا، ورابعًا والأهم تفادي صراع روسي تركي مدمر في المنطقة، وضمان مصالحهم المشتركة.

لكن وحسب رأي النشطاء فإن «الفوائد الأربع هذه التي خرج بها أردوغان ليست كافية، وبالضرورة هناك فائدة خامسة وربما أكثر خرج بها أردوغان من الاجتماع، ربما تكون هي شرقي الفرات أو حتى ليبيا، خاصة بعد تصريح أردوغان بعد الاجتماع أنه يعتقد أن بوتين سيقدم على خطوات إيجابية بخصوص مرتزقة «فاجنر» الروس في ليبيا».

وفي النهاية فإن أردوغان يبدو أنه بلغ مبتغاه من اتفاقه مع الروس، إذ ما تزال الأرتال التركية تدخل إلى إدلب حتى اللحظة، وتوسع تواجدها بشكل متواصل، كما أن الهدنة ما تزال صامدة لغاية الساعة، مع بعض الخروقات من قبل النظام السوري، والتي لم تسفر عن سقوط أية إصابات بين المدنيين، كما أن فصائل المعارضة التزمت بالهدنة بشكل تام، ولكن يبقى الاختبار الصعب أمام تركيا وهي الدوريات المشتركة على الطريق الدولي «إم 4»، وعندما يتم تنفيذ هذا البند ربما سنرى تطبيق البنود المخفية الأخرى لاحقًا.

===========================

إدلب .. محابر من دم

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 9/3/2020

أقرّ الاتفاق في موسكو بين الرئيسين، الروسي بوتين والتركي أردوغان، الخميس الماضي (5 مارس/ آذار الحالي)، ما سبق وأنجزته المعارك أخيراً في الشمال السوري من تغييرات مطلوبة لحدود التماسّ بين الجيوش المتصارعة داخل سورية، والتي سبق أن اتفقوا عليها بين السطور في اتفاقات أستانة، وهو الأمر الذي سهّل للنظام السوري، تحت حماية الطيران الروسي، استرجاع أكثر من 170 قرية وبلدة ومدينة، من بين أيدي المعارضة التي تحتمي بتركيا في شقها السياسي وبجيشها ميدانياً، ما يعني أن الخسائر "البشرية" التي منيت بها الأطراف المتصارعة كانت مجرّد محابر دموية لخط خريطة كانت مرسومة المعالم، ومتفقاً عليها مسبقاً بنصوص اتفاقيات أستانة وسوتشي، وهو ما جعل الرئيس الروسي، في كل تصريحاته، يؤكد استمرار فاعلية الاتفاقات المسبقة، والتي تتضمّن شرعنة هجوم روسيا والنظام على كل المناطق الخارجة عن سيطرتهما، سواء تحت حجة مكافحة الإرهاب، أو تحت بند "السيادة السورية ووحدة أراضيها" المقرّة في كل وثائق الاتفاقات الثنائية والثلاثية والرباعية، وحتى في وثائق وقرارات جنيف.

وهذه المعارك، على الرغم من أنها لم تستطع أن تحقق للرئيس التركي، أردوغان، أياً من وعوده العسكرية، وهي لم تكن، بطبيعة الحال، معركة لأهداف سورية خالصة، كما يحاول بعض المتفائلين بالدور التركي أن يزيّنها، ولكنها أدّت دوراً وظيفياً في الداخل التركي، ولو لبعض الوقت، فقد استطاع أردوغان، خلال العملية العسكرية، أن يؤجل حالة الجدل التي تثيرها معارضته بشأن سياساته المتخبّطة في الملف السوري من جهة، ومن جهة ثانية محاولاته إنهاء الصوت المعارض له بعد الانقلاب الفاشل عام 2016، ومآلاتها السلبية على الواقع المعيشي 

"استطاع أردوغان أن يؤجل حالة الجدل التي أثارتها المعارضة بشأن سياساته المتخبطة في الملف السوري"التركي، وضمنه الاقتصاد الذي شهد تذبذباً غير مسبوق خلال العقود الثلاثة الأخيرة لحكم حزب العدالة والتنمية، وتمكّن أردوغان من الانفراد في السلطة رئيساً في نظام غيّر وجهه من برلماني إلى رئاسي بنسبة 51.41%، وهي الأقل في تاريخ لجوء أردوغان إلى الشعب التركي كحكم على سياساته. أي أن دخول الجيش التركي مرحلة الاستعداد لحرب "متوقعة" أثمرت ما يمكن تسميته تجييش الشعب، وجعله صفاً واحداً خلف إرادة جيشه، وانتزاع، ولو إلى حين، ما كان يتم تداوله بشأن انقسامات داخلية سياسية، كانت قد تؤدي إلى خسارة كبيرة لأردوغان وحزبه مستقبلاً، وهذا ما يجعل أردوغان، إلى حد ما، مقتنعاً بأنه لم يخسر على كل الجبهات، كما هو "الواقع الحاصل"، على الرغم من إخفاقه في تليين موقف بوتين لجهة القبول باجتماع رباعي مع فرنسا وألمانيا، وما كان يمكن أن يحقّقه أردوغان في فتح الحوار من جديد مع أوروبا حول مطالبه، أو حتى في إقناعه بالعودة إلى اجتماعاتهم الثلاثية مع إيران، واكتفى بما أعلن عن وقفٍ "هش" لإطلاق النار، يمكن أن ينظر إليه السوريون بإيجابية لجهةٍ إنسانية فقط، وهي تقليل عدد الضحايا الحاليين من السوريين العزّل، الذين تحوّلوا إلى مجرد أعداد يفاوض عليها أحياء وأمواتاً، ويعاد تدوير مأساتهم مع كل اتفاق، وفي كل خلاف.

تابعت المعارك في الشمال السوري، وإدلب تحديداً، ما أسست له معارك سابقة، في حمص 

"دخول الجيش التركي مرحلة الاستعداد لحرب "متوقعة" أثمرت ما يمكن تسميته تجييش الشعب"والغوطة وريف دمشق والجنوب، من عمليات التغيير الديمغرافي في سورية، وهي إن هجّرت ما يقرب من مليون، وغيّرت وجه المدن والقرى التي هجروها، وحوّلتها إلى أثر بعد عين، كما حال معالم كل مناطق سورية التي نادت بالحرية والكرامة، وسط صمت دولي مريب، لا تغير أثره بضع تصريحات تنوح على واقع السوريين، ما يجعل ما تفعله اليوم اليونان على حدودها مجرّد تفصيل صغير في حقيقة الموقف الدولي من المذبحة السورية التي يشهدها العالم بالصوت والصورة، ولا تزال حفلة البث المباشر مستمرة، على الرغم من الاتفاق المهلهل لثنائي أستانة، الذي سرعان ما سيتم الانقضاض عليه، وتوسيع رقعة الأراضي المقضومة لمصلحة روسيا، وتسجيل أسماء جديدة على قائمة الضحايا، وبين أعداد المهجرين مستقبلاً.

في ظل ذلك كله، وضعت حكومات أوروبا مواثيق حقوق الإنسان في أدراج حرس حدودها، متحدّية تاريخها الإنساني، وادعاءاتها المتعاطفة مع أزمات الشعوب، وبرّرت ذلك بنقض تركيا التزاماتها في اتفاقية الحد من الهجرة غير الشرعية، وهو السرّ وراء القرار الجديد بمنع الإبحار للمهاجرين عبر بحر إيجة، بعد أن أطلقت العنان لهم، وفتحت أمامهم بعض الأمل في أن يتجاوزوا واقع معاناتهم، سواء في إدلب أو بعض مناطقها التي كانت تحت قصف النظام، أو 

"اكتفى أردوغان بما أعلن عن وقفٍ "هش" لإطلاق النار يمكن أن ينظر إليه السوريون بإيجابية لجهةٍ إنسانية فقط"قبلها تحت حكم جبهة النصرة وأمثالها، ولاحقاً في تركيا تحت وطأة العوز والحاجة، ما يجعل السؤال مشروعاً، على الرغم من أن المهاجرين استخدموا أدوات في معرض المفاوضات وتحسين شروطها، سواء من تركيا أو من روسيا المستفيدة الكبرى في عملية التهجير الأخيرة.

لماذا اختار السوريون أن يعيشوا مأساة طرق التهجير، بحراً وبرّاً، على التوجه إلى مناطق النظام، أو حتى الاستقرار في تركيا؟ أي أن الخيارات المتاحة لهم كانت بين الموت تحت التعذيب والفقر عند النظام السوري، أو الموت بحثاً عن إقامة تركية ولقمة عيش، وتقديم أوراق اعتمادهم "كبشر" عند بعض الأتراك الرافضين وجودهم، انطلاقاً من قناعات أيديولوجية أو من تجاذبات سياسية، أو حتى رغبة في منعهم من مزاحمتهم في بلدهم على لقمة عيش في ظروف اقتصادية خانقة.

التحدّي الأوروبي المعلن اليوم في وجه تركيا، في ما يتعلق بورقة الضغط التركية الخاصة باللاجئين، أسقطتها ورقة التهديد الأوروبية باعتبار أردوغان ميسراً للهجرة غير الشرعية، في حال استمرّ بالتهديد بفتح حدوده أمام الراغبين في الهجرة، ما يعني أن الحدود الآن ستغلق بإرادة الطرفين، وأن البنادق الأوروبية التي تسدّد نيرانها باتجاه صدور اللاجئين لن تكون فقط يونانية، أي أننا قد نكون أمام إنتاج حالة جديدة بين حدود البلدين، تعيدنا إلى فيلم "الحدود"، أبطالها من دم ولحم غرّر بهم، وقادهم حلمهم وحسن ظنهم كي يعبروا النهر والبحر، ليكون مصيرهم العيش بين تركستان ويونستان، من دون أن يتعاطف معهم جندر ما من هنا أو بوليس من هناك.

===========================

موقفنا : لماذا الأطفال القصًر فقط ؟! السؤال الذي لم يطرح !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

١٠/٣/٢٠٢٠

قرار الاتحاد الأوربي استقبال ١٥٠٠ قاصر سوري تحت عنوان اللجوء ، لم يستثر أي خلية دماغية في رأس أحد ؟؟؟؟

لماذا الأطفال القصّر فقط ؟!!وكيف يفصل الطفل عن أسرته ومحضنه ؟ !!

وما هو المخطط المستقبلي المعد لهؤلاء الأطفال ؟

وهل هان علينا أطفالنا لهذه الدرجة حتى نوافق على بيعهم بهذه الطريقة ؟ ! ونتخلى عنهم مقابل إقامة وإيواء ظاهرا وسلخ من أمور كثيرة باطنا ؟ !!

يقولون لك يمكن أن تلحق بهم أسرهم عن طريق لم الشمل ؟

هل هذا صحيح مضمون ؟

هل هذا سريع بما يكفي ؟

ما وراء الأكمة ؟ !

لو كان ولدك أيها المتصدر السوري في كل موقع قرار ، هل كنت ستسلمه لمثل هذه الرحلة إلى المجهول ؟ !

هل كنت ستلقي به في بحر الظلمات ؟ !

طفل في السابعة أو العاشرة يجد نفسه بأيد غريبة ، وسط بيئة غريبة وقوم غرباء ..!!!

تسأل ماذا يأكل ؟ ماذا يلبس ؟ أو ماذا يلقن ؟ وأي فيلم تلفزيوني يشاهد ؟

ما الفرق بين الذين يقبلون بهذا مهما تكن ظروفهم وبين الذين يبيعون أطفالهم طمعا لهم بحياة أفضل ، أو بين الذين يبيعون أعضاءهم ؛ كلية بألف دولار !! ومزعة من كبد بإقامة ووجبة طعام !!

ألبس نحن من قال شاعرنا :

وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض

حتى عن الاحتجاج على مثل هذا عجز المتصدرون أو أنهم يحتاجون إلى إذن المانحين ؟!!

أين العلماء ؟! أين الدعاة ؟! أين الناصحون ؟! أين السوريون السوريون ؟

إن أول سؤال سأله أبونا إبراهيم بعد أن بشره ربه بالإمامة : قال ومن ذريتي !!!

أيها السوريون تمسكوا بذراريكم .. لا تغامروا بأطفالكم ، فهم الأمانة في أعناقكم فاحذروا ثم احذروا ثم احذروا !!!

احذروا أن تبيعوا أبناءكم بكل مغريات الدنيا وما فيها .

احذروا أن تفارقوهم وهم أحوج ما يكونون إليكم ..

ومن استرعى الذئب فقد ظلم .

ثم أي حضارة ، أي مدنية ، أي حقوق إنسان هذا الذي يفصل الأب عن بنيه ، ويُذهل الأم عن طفلها ، ويحرم الطفل من أسرته ومحضنه ؟؟؟؟؟

اللهم إن الألى قد بغوا علينا

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

أردوغان ــ بوتين والبحث عن حليف

رضوان زيادة

العربي الجديد

الاحد 8/3/2020

يمكن القول إن لقاء الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، في موسكو الأسبوع الماضي، كان أقرب إلى الفشل، وإنْ رافقه الإعلان عن وقف إطلاق للنار في إدلب، فالنظام السوري خرقه بعد أقل من ساعة، كما فشل الجانب التركي في وضع إجراءات للمتابعة تمنع النظام من تكرار خروقاته. وربما كان اللقاء الذي استمر ست ساعات أقرب إلى رغبة الطرفين بتجنب الفشل، لأنهما يبحثان عن حلفاء قلوا إلى درجة أن لا بوتين ولا أردوغان يستطيعان الاعتماد على الولايات المتحدة أو أوروبا. لقد تمكّنت تركيا من النجاح في فرض ذاتها ومنطقها على الأرض، بفضل عملية درع الربيع، كما أطلقت عليها، والتي هدفت إلى إرجاع قوات النظام السوري إلى خلف قوات المراقبة التركية، وفق الخطط المتفق عليها في مناطق خفض التصعيد في تفاهمات أستانة.

يرغب النظام السوري بالسيطرة على مناطق المعارضة في الشمال، فهو لا يأخذ بالاعتبار حقيقة أن أكثر من ثلاثة ملايين سوري في تلك المناطق لا يرغبون بالعودة إلى حكمه، أو وفق وصف المبعوث الأممي، بيدرسون، في إحاطته لمجلس وزراء جامعة الدول العربية "إدلب هي ملاذ لثلاثة ملايين مدني، بمن فيهم الذين يخشون العيش تحت حكم الحكومة السورية"، فالنظام يتحجج دوما بمفهوم السيادة لإجبار ملايين السوريين على العودة إلى المناطق التي يسيطر عليها. ولا يكترث بمصير هؤلاء أو بتطبيق قرارات مجلس الأمن، خصوصا القرار 2254، والذي نص تفصيليا على إجراء انتخابات حرّة، وتشكيل هيئة حكم انتقالي، وكتابة دستور جديد للبلاد يضمن الحريات العامة واحترام الحقوق الأساسية للمواطن السوري.

وللأسف، تتقاطع وجهة النظر الروسية بشكل مطلق مع وجهة نظر النظام، ما يجعل من المستحيل

"لا يأخذ النظام بالاعتبار حقيقة أن أكثر من ثلاثة ملايين سوري في الشمال لا يرغبون بالعودة إلى حكمه" على تركيا التأثير سياسياً على روسيا لتقريب وجهة نظرها، ولذلك دخل البلدان في حرب إعلامية وحرب من البيانات السياسية والاتهامات، ولكن دون مستوى الصدام العسكري الذي يعرفان أنه لن يكون في مصلحتيهما.

وعلى المستوى العسكري، مني النظام السوري، مع المليشيات المقاتلة معه، بهزيمة عسكرية ساحقة، فقد كشفت وزارة الدفاع التركية، وفقا لوكالة الأناضول التركية، عن حصيلة عملية درع الربيع ضد قوات نظام الأسد، في محافظة إدلب شمال غربي سورية، وذكرت وزارة الدفاع التركية أن قواتها قامت بتحييد ثلاثة آلاف و138 عنصراً للنظام السوري، منذ بدء العملية، وأعلنت إسقاط ثلاث مقاتلات وثماني مروحيات وثلاث طائرات بدون طيار، وتدمير 151 دبابة و52 راجمة صواريخ و47 مدفعية وثماني منصات دفاع جوي للنظام السوري منذ بدء عملية درع الربيع، في مقابل مقتل جنديين تركيين، وإصابة ستة، خلال 24 ساعة، نتيجة استهدافهم من قبل قوات النظام، وهو ما أدركه بشار الأسد الذي أجرى مقابلة أخيراً مع قناة روسيا اليوم تحمل استعطافا للجانب التركي بعد العداء، وتطلب تدخلا روسيا في إنهاء عملية درع الربيع عسكريا.

ولا يصرح النظام أبدا بخسائره العسكرية منذ بدء الحرب في سورية عام 2012، لكن الفيديوهات المسرّبة تظهر سقوط الطائرات المقاتلة بشكل يومي تقريبا، كما تظهر حجم الخسائر الكبيرة للنظام والمليشيات المقاتلة معه، مثل حزب الله ومليشيا فاطميون وزينبيون اللتين تدرّبهما إيران للقتال إلى جانب النظام السوري في إدلب. ويدرك النظام حجم خسائره العسكرية الكبيرة، وبالتالي يحاول إيجاد مخرج سياسي يمكّنه من التغطية على حجم الخسائر التي مُني بها.

خطورة الوضع هنا أن الحلول المجتزأة التي أتقنتها روسيا على مدى السنوات الماضية، القائمة على إضعاف المعارضة العسكرية، وتجميعها مع بيئتها الحاضنة من المدنيين في الشمال السوري، تجنباً لقتل مئات الألوف منهم، لم تعد تفلح، فالنتيجة التي أفضت إليها هذه السياسة هي تجميع كل أولئك في الشمال السوري، على أمل أن تصمد اتفاقيات خفض التصعيد بالحد الأدنى، ويصبح الشمال، عمليا وشرعيا، خارج سيطرة حكومة نظام الأسد، ولكن يبدو أن الأسد يشعر بانتقاص شرعيته المستمرة في عدم قدرته على السيطرة على معاقل المعارضة في الشمال، بما يتيح إبقاءها جيوبا قد تتوسع باستمرار مع انخفاض الدعم، الروسي والإيراني، للنظام مع مرور الأيام.

قامت استراتيجية النظام في معركته العسكرية أخيرا على السيطرة على الطرقات الرئيسية مثل M5، والذي يربط حلب مع مدينة دمشق، فهو عمليا يربط الشمال مع الجنوب في ظل غياب 

"يستهدف سلاح الجو الروسي والسوري المدارس أو روضات الأطفال، كما جرى في سراقب، بهدف إشاعة الرعب الأقصى بين المدنيي"طرق أخرى للمواصلات مثل القطار أو حركة ملاحة جوية نشطة، ولذلك يبقى هذا الطريق بمثابة صلة الوصل الرئيسية بين شمال سورية وجنوبها، وقد تمكن النظام من السيطرة عليه وانطلق بعدها في السيطرة على مدن وقرى في ريف حلب وإدلب كان أهمها معرّة النعمان وكفرنبل وسراقب قبل أن تتمكن المعارضة من إعادة السيطرة عليها بمساعدة من الجيش التركي.

لقد تمكّن النظام السوري، وخلال فترة قصيرة نسبيا، منذ بدء المعركة العسكرية على ريف حلب وإدلب، من السيطرة على أكثر من مائة مدينة وقرية كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة، فقد كشف هذا التقدم السريع عن حجم القوة النارّية التي تستخدمها روسيا في قصفها الجوي على هذه المناطق المأهولة بالسكان، من دون أي اعتبار أو رادع، أو حتى التزام بالقانون الإنساني الدولي في تجنب قصف المدنيين، فقد استعادت روسيا مع نظام الأسد الاستراتيجية نفسها التي اعتُمدت سابقا لدى السيطرة على حلب في عام 2016، أو الغوطة الشرقية في عام 2017، حيث يتم البدء باستهداف المشافي، وقد كشف تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز كيف استهدفت روسيا عمدا أربعة مشاف، على الرغم من علمها التام بمواقع هذه المشافي، وكونها تستخدم لأهداف إنسانية بحتة.

بعد ذلك، يستهدف سلاح الجو الروسي والسوري المدارس أو روضات الأطفال، كما جرى في سراقب، بهدف إشاعة الرعب الأقصى بين المدنيين، وإفهامهم بأنهم هدف محقق لسلاح الجو، بما يدفعهم إلى الخروج والنزوح عن المدينة بأي شكل، وهو ما يضعف معنويات المعارضة المسلحة التي لا ترى فائدةً في الدفاع عن حُطامٍ لا قيمة له.

يمكن القول إن هذه الاستراتيجية العسكرية نجحت، لأنه لم يكن هناك أية عواقب على مستوى القانون الدولي، وبسبب حضور الفيتو الدائم من روسيا في مجلس الأمن الذي يبدو مستعدا دائما لعرقلة أي مشروع قانون يدين روسيا أو النظام على أفعالهما خلال معركتهما للسيطرة على إدلب.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com