العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-01-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بوتين يخطط لـ"سايكس بيكو" بديلة .. سعد كيوان

العربي الجديد

الخميس 12/1/2017

رحل عام 2016 طاوياً معه قرناً على ولادة اتفاقية "سايكس-بيكو" (1916) الشهيرة التي حدّدت معالم المنطقة العربية، وقسّمت الشرق الأوسط بشكل رئيسي إلى مناطق نفوذ بين فرنسا وبريطانيا. ووضعت المنطقة على سكّة جديدة بعد انهيار السلطنة العثمانية، وأعطت للمنتصرين في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى أكثر من "جائزة ترضية" على شواطئ المتوسّط. حصل ذلك، قبل أن يستلم الأميركيون المنطقة من حلفائهم التقليديين بعد الحرب العالمية الثانية، ويزداد نفوذهم فيها بعد نهاية الحرب الباردة. وها هو فلاديمير بوتين يبدو مستعجلاً للانتقام لروسيا القيصرية ودفن هذه المعاهدة.

بدأت المفاوضات حول الاتفاقية في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية في بداية ربيع عام 1916 قبل أن يتم التوقيع عليها في مايو/ أيار السنة نفسها. لكنّ انسحاب روسيا من الحرب العالمية الأولى سنة 1917 سمح لباريس ولندن بتعديل الاتفاقية لصالحهما، بعد أن كان نص الاتفاق الأساسي يعطي القسطنطينية ومضيقي البوسفور والدردنيل لموسكو.

بعد مائة سنة على الاتفاق، لا تبدو روسيا في وارد تكرار الخطأ القديم، وإبعاد نفسها عن المنطقة. بل على العكس، تلعب، هذه المرّة، الدور الأساسي في الحسم العسكري، وتقود المفاوضات السياسية تمهيداً لرسم حدود النفوذ الجديدة لصالحها. يعتبر الضابط السابق في "كي. جي. بي"، بوتين، أنّ سقوط الاتحاد السوفياتي كان بمثابة الكارثة الكبرى على روسيا وعلى العالم. وكان ينظر بشيء من سوء الظن إلى سلفه بوريس يلتسن، وكذلك الأمر إلى الزعيم السوفياتي السابق، ميخائيل غورباتشيف، اللذين سمحا برأيه للولايات المتحدة بالتفرّد بحكم العالم.

وفي وقتٍ يتفرّج فيه أوباما على ما يجري في الشرق الأوسط، من دون أن يملك رؤية واضحة حتى للمصالح الأميركية، تاركاً الساحة لخلفه دونالد ترامب، صديق بوتين والمنشغل بـ"تغريداته" على "تويتر"، يكاد بوتين "يغرّد" وحيداً على مسرح الشرق الأوسط، لكنه يقود سرباً من الدول الإقليمية التي تحابي القوة الروسية، من أجل أن تحظى ببعض دوائر نفوذ لها على الخريطة المقبلة.

كانت تركيا أوّل من استشعر أن موازين القوى تتغيّر في المنطقة، فسارعت إلى إعادة ترتيب 

"يعتبر بوتين سقوط الاتحاد السوفياتي بمثابة الكارثة الكبرى على روسيا وعلى العالم" علاقتها مع روسيا، لكي تعيد تعديل حدودها، وفي بالها هاجس واحد: التخلّص من إمكانية قيام دولة كردية على حدودها. وتستعين أنقرة بالتاريخ أيضاً لكي ترسم أهدافها المستقبلية. استطاع كمال أتاتورك فرض شروطه على اللاعبين الكبيرين بعد الحرب العالمية الأولى، فاستردّ من فرنسا منطقة كيليكيا، بعد أن تخلى البريطانيون عنها. كذلك، تمكّن أتاتورك من استرداد جنوب غرب الأناضول الذي كانت اتفاقية ملحقة ب"سايكس-بيكو" قد أعطته للإيطاليين.

تداول نشطاء أتراك، في سبتمبر/ أيلول الماضي، على مواقع التواصل الاجتماعي، خريطة جديدة لتركيا تضمّ مناطق في شمال سورية والعراق (محافظة حلب وإقليم كردستان). وكتب "المغرّدون" أنّ هذا هو الحل الأنسب لتركيا. وقد تكون هذه التغريدات معبّرةً عن وجهة نظر لدى فئاتٍ محدودة داخل المجتمع التركي. لكن، لا يُستبعد أيضاً أن تكون محاولة "جس نبض" رماها حزب العدالة والتنمية، ليلتقط إشارات مختلفة حول القبول المحلي والخارجي لهذا الموضوع.

يؤكد ما يحدث حالياً في منطقة الباب السورية فرضية أن تركيا مصمّمة على وضع قوانين أمنية خاصة بها، وصولاً إلى تغيير حدودي محتمل. فأنقرة اتهمت، أخيراً، التحالف الدولي بدعم جماعات إرهابية في سورية، من بينها تنظيم داعش. وكان أردوغان قد طلب من الولايات المتحدة أن تقوم بإسناده عبر الغارات الجوية، بعد تعثّر عملية استعادتها من خلال عملية "درع الفرات". وتحدّث أردوغان عن "أدلّة" و"وثائق" تملكها تركيا عن الدعم المزعوم، فيما وصفت واشنطن هذه الاتهامات بأنها "مثيرة للسخرية". وتظهر جليةً الاستماتة التركية في تكريس نفوذها ضمن الشمال السوري، أكان عبر إعلان إصرارها على رحيل الأسد أو محاربة "داعش" أو حزب العمال الكردستاني، فجميعها عناوين متعددة لمضمون واحد، يتجلّى في سعي تركيا إلى توسيع حدودها الجنوبية.

من جهة أخرى، تبرز إيران لاعباً إقليمياً يبحث عن الاستثمار في المعارك المتنقلة التي تقودها

"تبرز إيران لاعباً إقليمياً يبحث عن الاستثمار في المعارك المتنقلة التي تقودها في الشرق الأوسط، من أجل استكمال بناء "الهلال الشيعي" في الشرق الأوسط، من أجل استكمال بناء "الهلال الشيعي". وما حديث وزير الاستخبارات الإيراني السابق، حيدر مصلحي، أنّ طهران تسيطر على أربع عواصم عربية، إضافة إلى مسؤولين آخرين كرّروا أحدايث مشابهة، إلّا واحداً من جوانب مدّ إيران نفوذها، وصولاً إلى شاطئ المتوسّط. فبعد سقوط نظام صدّام حسين في العراق، استطاعت إيران أن تمسك بسياسة العراق وحكوماته، عبر مجموعة من الوكلاء السياسيين والأمنيين. كما استطاعت بسط سيطرتها العسكرية على البلاد، بفضل المليشيات الشيعية التي تدعمها بالعقيدة والمال والسلاح. وتضاعف حجم النفوذ الإيراني في البلاد مع محاربة "داعش" التي يقود معاركها البرية على الأرض مقاتلون شيعة من "الحشد الشعبي" الذي تمّت قوننته أخيراً.

كذلك الأمر، قادت إيران العمليات العسكرية البرية في سورية للحفاظ على نظام الرئيس السوري الذي ترى فيه امتداداً لمشروعها، وصلة وصلٍ بين طهران وشاطئ المتوسط، ليكتمل ذلك المشروع. وتحدّث ناشطون، أخيراً، عن شراء المليشيات الإيرانية عدداً من الأراضي في دمشق أو خارجها، في خطةٍ واضحةٍ لتغيير الديموغرافيا السورية.

اجتمعت هذه القوى الثلاث في موسكو في 20 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وأصدرت "إعلان موسكو"، رأى فيه وزراء خارجيتها بداية طريق لحل الأزمة السورية. وشدّد هؤلاء على تسهيل المفاوضات بين المعارضة والنظام والعمل على وقف لإطلاق النار وإيجاد حل سياسي ينهي النزاع في سورية. كذلك أكد المجتمعون "احترام سيادة سورية واستقلالها ووحدة أراضيها"، واستئناف مباحثات السلام انطلاقاً من القرار 2254 الذي يلحظ مرحلة انتقالية بدون بشار الأسد. واتفقوا على إجراء مفاوضات في أستانة عاصمة كازاخستان، في النصف الثاني من يناير/ كانون الثاني الحالي.

وعلى الرغم من الاتصالات الجارية لتوسيع المشاركة الدولية في المؤتمر، إلّا أنّ أساس المبادرة يبقى ثلاثي الأضلاع، موسكو - طهران – أنقرة، لكنّ هذه الأضلاع غير متساويةٍ بطبيعة الحال. فموسكو هي من جمعت العاصمتين الأخريين إلى طاولة التفاوض، وربّما الاتفاق لاحقاً، إنما تحت مظلّتها وأفكارها وحتى نفوذها. في الملف السوري، تمكّن بوتين من جمع طرفي نقيض تحت سقفٍ واحدٍ، لتكريس نفوذٍ جديد في المنطقة، أو على الأقل تدمير النفوذ السابق الذي نتج عن اتفاقية "سايكس-بيكو"، والذي استفادت منه الدول الغربية عموماً. اتفاقية تعلّم منها بوتين معاني التاريخ، ليحدّد بها نفوذه في الجغرافيا. فهل إنه يما يفعله يدفع المنطقة إلى تقسيم جديد؟

========================

موقفنا : في الأستانة ...الاستسلام لحساب الآخرين !! .. دعوة للبحث عن خيار أقل سوءً .. زهير سالم

13 / 1 / 2017

مركز الشرق العربي

لا أحد ينكر حجم الانعكاسات السلبية الخطيرة  للتحولات في المواقف الإقليمية من روسية ، ومن إيران ، وبالتبعية من الشعب السوري ، وثورته ، وقضاياه ومصيره .

وللتلخيص والتمييز :

الموقف السياسي لا يحسب بحساب العواطف والمشاعر والنوايا . وينماز الموقف السياسي عن الموقف الإنساني وما قد يتلبس به من شفقة وإحسان .  يتمثل الموقف السياسي ، في مفهومه العام ، في ملموسات رقمية يمكن رصدها وحسابها وقياسها اتجاها وأبعادا وثقلا في ساحات الصراع ، بأبعادها العملياتية دعما وإمدادا بالسلاح بالرأي والمشورة  والمعلومات والدعم في المحافل . ولاسيما حين نتحدث عن ثورة شعبية عفوية ينقصها الكثير من التجربة والخبرات ، كمثل ثورتنا السورية .

 وفي حساب الموقف السياسي  ينفصل السياسي بكل أبعاده عن الإنساني بكل أبعاده . وإن إصرار بعض الناس على خلط السياسي بالإنساني فيه جهالة أو تضليل لا يليق بالعقلاء . و فصلنا السياسي عن الإنساني ، لا يعني أننا لا نشكر كل من أعان السوريين ولو بشق تمرة . فكيف لمن فتح بلده وسن لحسن الضيافة قوانين وشرّع تشريعات ..؟!

نحن ، ولم يعد أحد ينكر ذلك ، أمام تحول خطير في المواقف السياسية لدول الإقليمية . يبلغ خطره حدا أن الكثيرين منا لا يجرؤون على الإشارة إليه بله مناقشته ، كما يفعل العامة مع الأمراض الخبيثة خوفا وهلعا .

وإن التقديرات السلبية الصامتة لعواقب التحول المشار إليه ، الناتجة عن حالة من الهلع النفسي ، هي أسوأ أنواع التقدير . العقلاء إذا حزبهم أمر استوعبوا صدمته ، ثم عقلنوه ودرسوا تبعاته بحكمة وروية . إن الانهيار الذي نتابعه على الساحة السورية على مستوى الفصائل ، ومستوى القوى السياسية هو ناتج صدمة نفسية عنيفة آن للسوريين أن يستفيقوا منها ..

نعم آن للسوريين جميعا أن يستوعبوا صدمتهم وأن يستفيقوا من غفلتهم . وآن للقوى السياسية – أولا - أن تتقدم لتتحمل مسئوليتها التاريخية فالصمت والانكفاء لا يعفيها من المسئولية لا أمام الله ولا من أمام الناس .

وآن – ثانيا - لقادة الفصائل المندفعين بدوافع متعددة منها الثقة الزائدة بالذات ، أو بالآخرين ، أو الشعور بانغلاق الأفق ، او التنافسية البينية ( الفصائلي – الفصائلي ) أو ( الفصائلي – السياسي ) أن يدركوا أين هم ؟ وأن يعلموا أين يذهبون ..

آن للجميع أن يعودوا إلى رشدهم وإلى صوابهم ، وأن يتعرفوا على ما في أيديهم من أوراق قوتهم ، ومن مستجدات ظروف معركتهم ، وأن يعيدوا فرز القوى من حولهم على أساس المستجدات الواقعية ، بعيدا عن الأماني والترديدات الفارغة لا طائل من ورائها .

آن للسوريين جميعا أن يعيدوا تحديد موقفهم من ثورتهم ، بعيدا عن التعلق بحبال الوهم ، وسياسات الكذب على الذات ، وهم أمام خيارين لا ثالث لهما: ثورة ومضاء ووفاء ولهذا الخيار تشكلاته وأساليبه على ضوء المستجدات . أو استسلام عار كالح أجرد أجرب ؛ وكل بلاغة أهل الأرض لن تجمل هذا القبيح ، ولن تستر هذه السوأة ، ولن تعفي أصحاب هذا الخيار من الأوصاف التاريخية التي يستحقون ...

حقيقة أساسية :ما كان للروس أن يكونوا مرجعا ولا وسطاء ولا شفعاء:

لا نظن أن أحدا ممن يزينون للشعب السوري اللجوء إلى فيء بوتين ورحمته وعطائه وجوده وكرمه ورحمته وحبه للسلام  ؛ كانوا سيقبلون به مرجعا ووسيطا لو أنه استخدم ضد شعبهم  ستة قرارات فيتو إصرارا منه على تقتيل السوريين وحرمانهم من حقوقهم و تكريس استعبادهم بقهرهم وكسر إرادتهم ..!!

ما نظن أحدا من هؤلاء كان سيقبل ببوتين مرجعا ووسيطا لو أنه أمطر بعض مدنهم بأربعين ألف غارة جوية خلال خمسة عشر شهرا ، فلم يبق ولم يذر حتى استخدم السلاح المحرم  دوليا،.وجعل من أجساد الأحياء من السوريين حقلا لتجارب تقنياته الإجرامية ..!!

ولا نظن أن أحدا من هؤلاء الذين يزينون للشعب السوري الذهاب إلى الأستانة كان سيقبل الذهاب إليها لو أن الروسي والإيراني الممسكين بقيادها قتلوا من ( بني قومه ) مئات الآلاف من البشر وعشرات الألوف من الأطفال ، والنساء ودمروا المنازل والأوابد والمساجد والمدارس والمستشفيات ..!!

نكتب كل ذلك ، ونحن نتفهم ، أن المنكسرين في الحروب يوقعون دائما على صكوك الاستسلام ..

نتذكر كيف وقع امبراطور اليابان على استسلام بلاده بعد القنبلتين النوويتين في هيروشيما وناغازاكي . ونقدر أن ما نزل بالسوريين من خذلان وما نزل على أرضهم من أدوات الدمار لا يقل من وقع القنبلتين معا ؛ ولكننا نقدر أيضا أن السوريين لا يزالون يملكون خيارات أقل سوء من الاستسلام ومن الذهاب إلى الأستانة الذي لا يعني شيئا غير هذا الاستسلام..

نتذكر كيف وقع القادة الألمان صك استسلام برلين ، كما وقع الذين أسلموا حلب ، صك استسلامها ؛ ولكننا نعتقد مع إدراكنا لحجم المتغيرات الكارثية التي أصبحت تحيط بالثورة السورية  ؛ أن السوريين ما زالوا يمتلكون خيارات أقل سوء من خيار الاستسلام ، المعروض في الاستانة ، خيار الاستسلام المقيت الذي يجمجم عن توصيفه الكثيرون ، والذي يراد لحساب الآخرين ولمصالحهم ...

أيها السوريون ...

هذه ثورة تاريخ ينتظر لها أن تغير وجه العالم فيقال ما قبل ثورة السوريين وما بعد ثورة السوريين ..

وهذه ثورة كلفت أهلها دماء مليون شهيد ، وعذابات عشرة ملايين معتقل وشريد ..

أيها السوريون ..

من تعب ، فليتقاعد ، أو ليقعد ، أو لينسحب من الساحة ، فإن لهذا الشعب ربا يحميه ، وإن لهذه الثورة سواعد تدافع عنها ، في كل مرحلة بالأسلوب الذي يجدي ويليق ..

أيها السوريون ..

من كان عنده فضل قوة فليعط هذه الثورة وهذا الشعب من قوته ، ومن آل أمره إلى يأس وضعف وجبن وخور فليكف شرّه وهذا خير ما يفعل . ولينج بنفسه . وليعد حساباته الشخصية ، ولا يقل متذرعا : فمن لهؤلاء المستضعفين ؟! هؤلاء المستضعفون بحاجة إلى قوي ينصرهم ، وليس إلى سمسار يتاجر بضعفهم ، ويتباكى على مأساتهم  ...

أيها السوريون ..

التخلي ، وإدارة الظهر ، والتسلل لواذا ، والصمت المريب ، والتماهي مع الفاجعة التي يحضر لها في الأستانة كل أولئك هي أسوأ خياراتكم . وما جعلكم الله في دار ضياع ...

اللهم انصر من نصر . واخذل من خذل . اللهم أيد من أعان على حق ، أو أمر به ، أو حض عليه ، أو ذكر به ؛ اللهم ومن غيّر وبدّل ومكّر واستهتر فاكفناه بما شئت وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

المعارضة السورية بعد سقوط حلب .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 12/1/2017

في أحد الاعتصامات اليومية التي كانت تنظم في مدينة غازي عنتاب، جنوب تركيا، تعبيراً عن التضامن مع مأساة حلب إبان حصارها القاسي، حدث توتر بين السوريين المجتمعين وصل حد التدافع بالأيدي، على مرأى من الشرطة التركية التي كانت تراقب الوضع. فقد حاول بعض ممثلي أحزاب سياسية إلقاء بيان سياسي، فارتفعت أصوات رافضة ومستنكرة، لينتهي الأمر بمنعهم من تلاوة البيان.

كان هذا مشهداً معبراً جداً عن حال العلاقة بين التشكيلات السياسية وعموم الجمهور، وخاصة جمهور الشباب، جاءت مأساة حلب ومشاعر الغضب والإحباط المواكبة لفصولها كعود كبريت أشعل فتيلها. وتنسحب حال انعدام الثقة نفسها على الإطار الأهم للمعارضة السياسية، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وربما بدرجة أقل الهيئة العليا للمفاوضات التي جمعت إلى ممثلي الائتلاف ممثلي مجموعات معارضة أقل شأناً كهيئة التنسيق وغيرها.

لا فائدة من تكرار المآخذ الكثيرة والكبيرة التي سبق، لي ولغيري، التعبير عنها مرات، في إطار نقد الحريص من الموقع المعارض نفسه، لا في إطار النقد العدائي من مواقع النظام أو "المعارضات" المحسوبة على النظام. سيركز النقد هنا على ظواهر جديدة ترافق ظهورها مع حصار حلب وسقوطها، أي في لحظة مفصلية تتطلب مراجعة مسار الثورة والمعارضة السياسية التي تنطحت لتمثيلها.

كل المعارضين اليوم يتحدثون عن ضرورة المراجعة وإعادة النظر ومحاولة رسم استراتيجيات جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا، قبل أن تسقط في أحد الاحتمالين الكارثيين: سيطرة النظام التامة على كل سوريا، أو تفكك الكيان السوري. وإذا كان الاحتمال الأول أقرب إلى الاستحالة، فالثاني متحقق عملياً وإن لم يتكرس بعد بصورة رسمية. كما أن استحالة سيطرة النظام على سوريا لا تعني استحالة تعويض ذلك بقوى الاحتلال وبالتغيير الديموغرافي اللذين يتقدمان على الأرض باطراد. فمنذ الآن لدينا ربع سكان سوريا أصبحوا في المنافي، ويتم تجريف السكان في مناطق عدة، من المحتمل أن يحل محلهم فيها أجانب من جنسيات مختلفة هم قوام الميليشيات الشيعية التي تقاتل دفاعاً عن النظام.

كانت الثورة السورية، في جانب منها، ثورة تحرر واستقلال وطني، منذ البداية، وذلك بسبب بنية النظام القائم على قهر استعماري لـ"السكان المحليين" كما على تراتبية طائفية – طبقية أقرب إلى نظام التمييز العنصري. فكان على المعارضة أن تفكر وترسم سياساتها انطلاقاً من هذا الواقع، أي أن تشكل قيادة تحرر وطني جامعة، لا تمثيلاً لأحزاب سياسية من طبيعتها أن تكون مختلفة ومتنافسة وربما متناحرة. بكلمات أخرى: كان من شأن إقامة إطار صغير نسبياً من شخصيات وطنية تحظى بقدر معقول من الإجماع الوطني، بصرف النظر عن انتمائها إلى أحزاب من عدمه، تضع برنامجاً سياسياً وخطة عمل قابلين للتنفيذ ويتمتعان بالمرونة الكافية، بحيث يكون أعضاء هذا الإطار على قلب رجل واحد، يتمتعون بوعي لدورهم الوطني والتاريخي، ويكون ولاؤهم وطنياً، وليس حزبياً أو شخصياً أو لدول أخرى.. كان من شأن ذلك أن يصنع فارقاً، على رغم كل الشروط الموضوعية غير المؤاتية.

كان واقع حال المعارضة وأطرها الرسمية بخلاف ذلك على طول الخط، إلى حد قد يسمح باعتبار الوصف الافتراضي أعلاه لما كان يجب أن يكون، طوباوياً. ولكن بما أن الزمن هو زمن المراجعة، وباتت المهمة مهمة تحرير وطني، بأكثر مما كانت في السابق، فلا بأس بالتوكيد على وجوب مطابقة الأداة للمهمة، أي تشكيل قيادة حركة تحرر وطني، بهذا الاسم والمضمون. وذلك بصرف النظر عما إذا كان للأطر القائمة نفسها أن تتحول بهذا الاتجاه، إذا كان هذا ممكناً، أو إنشاء إطار جديد وحل القديم. ولا يعني الإبقاء على الأطر القائمة ضرورة بقاء الأشخاص أنفسهم في عضويتها، بل المرجح أن يتطلب الأمر استبدالهم كلياً أو جزئياً.

في هذا الإطار يمكن التعليق على مبادرة قدمها، مؤخراً، عدد من المعارضين بعنوان "نداء من أجل سوريا". فالمأخذ الأول الذي واجههم به جمهور المتابعين لشؤون المعارضة هو أن القائمين عليها هم أنفسهم الذين قادوا المرحلة السابقة في إطار "الائتلاف"، وينصب عليهم غضب جمهور الثورة باعتبارهم مسؤولين، شخصياً أو بالتضامن، عما وصلت إليه الأوضاع. ولم يقدم "النداء" نقداً ذاتياً أو اعتذاراً يحقان عليه، بقدر ما حاول إلقاء المسؤولية على الآخرين. وعلى رغم صحة كثير من الملاحظات النقدية التي تضمنها، كرر "النداء" تقديم تصورات إيديولوجية لا سند لها في الواقع عن تصوره لسوريا المستقبل. أي أن المفهوم النظري الذي يقوم عليه "برنامج النداء" لم يتجاوز سقف التصورات التقليدية للمعارضة السورية التقليدية منذ ثمانينات القرن الماضي في أقرب تقدير. وهي تصورات منقطعة الصلة بالواقع وبتطوراته قبل الثورة وأثناءها. وإذا أردنا الإيجاز في عرض تلك التصورات لقلنا: (هناك شعب سوري واحد، له تطلعات مشتركة في الانتقال من النظام الأسدي إلى نظام جمهوري ديمقراطي، يتكون من مواطنين أفراد متساوين أمام القانون، يؤمنون بعلمانية الدولة وحيادها تجاه الأديان والمعتقدات.) والحال أن الأمر يتطلب، لكي تشكل هذه التطلعات برنامجاً للعمل، وجود شعب يتكون من المواطنين الأفراد الموصوفين أعلاه، بصورة مسبقة! وإلا تحول "النداء"، وكل برنامج سياسي مشابه، إلى برنامج انقلابي لنخبة صغيرة منفصلة عن الناس العيانيين، يتم فرضه بالقوة. بحيث لا يختلف برنامج من هذا النوع عن برنامج السلفية الجهادية مثلاً: كلا الفريقين يؤمن بصحة النموذج النظري الذي يدعو إلى تطبيقه، إيماناً يبلغ بأصحابه إلى فرضه بالقوة إذا تطلب الأمر.

مثال على ذلك هو تقديم تصور يعتبره أصحابه "متوازناً" عن حل المسألة الكردية في سوريا، فقط لأنه يبدو لهم كذلك، بدلاً من استشارة الشريك الكردي نفسه عن الموضوع، للوصول إلى قواسم مشتركة يتم التوافق بشأنها. وينطبق الأمر نفسه على مسائل خاصة بالمكونات السورية الأخرى، ليس فقط الاثنية أو الدينية ـ الطائفية، بل كذلك ما يتعلق بالأطر الأهلية والجهوية. ويبرز موضوع البيئات الموالية بوصفه الأشد صعوبة في البحث عن معالجات وطنية لها. لكنه، في الوقت نفسه، الموضوع الحارق الأشد إلحاحاً.

لا يتسع المكان هنا لتناول المعارضة المسلحة، وهي تحتاج نقداً جذرياً بقدر حاجة المعارضة السياسية نفسها إن لم يكن أكثر.

٭ كاتب سوري

========================

عن سوريا والتعقيدات التي تكتنفها .. د. بشير موسى نافع

القدس العربي

الخميس 12/1/2017

كما في كل الأزمات المديدة وبالغة التعقيد، لا يبدو أن ثمة نهاية للسرديات التي ولدتها وتولدها الثورة السورية. وكان لهذه السرديات من البداية وجهان رئيسيان: واحد يتعلق بالإطار الدعائي، عملية تسويغ المواقف والمقاربات، وتطهير الضمير لمن كان لم يزل لديهم بقية من ضمير؛ وآخر يتصل بقراءة الموقف، وتحديد طبيعة القوى وأوزانها وتموقعها. واليوم، وبعد ما يقارب السنوات الست على انطلاقة الثورة السورية، لم يعد ثمة ما يقال حول الوجه الأول للملحمة السورية الذين أعلنوا أنهم يدافعون عن نظام الأسد وعن الشيء المسمى بمحور المقاومة، حتى لو كان ذلك بسفك دماء مئات الآلاف من السوريين، وتدمير مدن سورية وبلداتها، لن يغيروا موقفهم. والمؤكد أن الشباب والشابات، من قضى منهم ومن لم يزل حياً، الذين خرجوا في تلك الأيام من آذار/مارس 2011، ليعلوا من كلمة شعبهم ويطلبوا حقوقه، ليس بينهم اليوم من هو نادم على خطوات مواجهة الطغيان، التي فتحت الطريق لثورة الشعب. المشكلة ليست هنا، بل في الوجه الآخر للسردية السورية، في قراءة المنعطف الذي تمر به سوريا الآن، وتلمس الخطوات التالية للثورة وقواها المختلفة.

ما نشهده في الأسابيع القليلة الماضية، سيما بعد سيطرة قوات النظام والميليشيات المتحالفة معه على شرق حلب، كان تقارباً متزايداً بين القراءتين: قراءة أنصار النظام وقراءة معارضيه. في تجليها الجديد، تقول السردية السورية شيئاً مثل: 1- أن هناك توافقاً روسياً ـ تركياً على وضع نهاية للأزمة السورية، حتى لو كان ذلك باستبعاد الأمم المتحدة والأمريكيين. 2- أن النظام وحلفاءه من الميليشيات الطائفية والقوات الإيرانية حقق انتصاراً كبيراً، وأن استعادة النظام السيطرة على سوريا هي مجرد وقت. 3- أن الأزمة السورية تسير، بالتالي، نحو فرض تسوية سياسية على قوى الثورة والمعارضة، ستعبر في جوهرها عن مصالح النظام وحلفائه. 4- أن الثورة السورية، كما العديد من الثورات الشعبية الأخرى منذ منتصف القرن التاسع عشر، قد هزمت، وأن المطلوب اليوم انقاذ ما يمكن انقاذه، والمراهنة على حقبة تاريخية أخرى، وربما جيل آخر، للمحاولة من جديد.

ليس ثمة شك أن وضع قوى الثورة والمعارضة السورية ليس جيداً، وأن الأمور لا تسير لمصلحة هؤلاء منذ الدخول الروسي العسكري المباشر في الصراع على سوريا في نهاية أيلول/سبتمبر 2015. ولكن، وسواء كانت سوريا تمضي نحو تسوية سياسية أو جولة أخرى من الصراع، فإن من الضروي بناء قراءة صحيحة ومطابقة للموقف. والواضح، أن القراءة التي أخذت في الشيوع مؤخراً ليست صحيحة تماماً، ولا مطابقة كلية للواقع.

الافتراض، مثلاً، بأن هناك اتفاقاً تركيا ـ روسياً ناجزاً، وأن عجلة التسوية السياسية تدور، منذ صفقة حلب، على أساس من هذا الاتفاق، هو افتراض مبالغ فيه. المعروف أن العلاقات الروسية ـ التركية وصلت حد الصدام بعد إسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015. ولكن الطرفين، وكل لأسبابه، لم يرغبا في استمرار القطيعة؛ وسارعا إلى عقد مصالحة في يونيو/ حزيران 2016، فتحت باب العلاقات بين البلدين لبداية جديدة. في لقاء الرئيسين، التركي والروسي، في آب/أغسطس الماضي، دشنت المرحلة الجديدة في العلاقات بموافقة روسية على عملية تركية عسكرية في الجانب السوري من الحدود التركية ـ السورية، أو ما يعرف الآن بعملية جرابلس ـ الباب. أرادت تركيا من العملية حماية أمنها القومي المباشر من توسع الاتحاد الكردستاني، الفرع السوري لحزب العمال، ومن تمركز داعش بالقرب من الحدود. الروس، من جانبهم، وصلوا إلى قناعة بأن أكراد الاتحاد الديمقراطي، وتجلياته المختلفة، باتوا أداة أمريكية، وأن التضحية بهم تعتبر ثمناً بسيطاً لإعادة بناء الثقة الروسية ـ التركية.

ولكن، ومنذ بدء العملية التركية في نهاية آب/أغسطس، بدا واضحاً أن ليس ثمة اتفاق ناجز بين أنقرة وموسكو، وأن كل تقدم في العملية التركية يتطلب اتصالات جديدة وعلى أعلى المستويات بين مسؤولي البلدين. وحتى في اتفاق حلب، وبعد ذلك في اتفاق أنقرة حول وقف إطلاق النار، الذي فاوض فيه الروس ممثلين عن تنظيمات المعارضة المسلحة، لم تكن هناك مسودات جاهزة، وكان على الاطراف المختلفة أن تراجع مواقفها ساعة بساعة، قبل التوصل إلى اتفاق.

في أنقرة، على وجه الخصوص، أظهر الجانب الروسي قدراً ملموساً من المرونة في المباحثات مع ممثلي المعارضة المسلحة، بما في ذلك التخلي عن ما يعرف بمعارضة موسكو والقاهرة، كما عن الاتحاد الديمقراطي الكردستاني؛ وعن مطلبهم الأولي في إطلاق مباحثات الأستانة في 14 كانون الثاني/يناير، أي قبل تولي ترامب مقاليد البيت الأبيض. ليس هذا وحسب، ولكن الشواهد على تباينات في الموقف بين روسيا، من جهة، وإيران ونظام الأسد، باتت أكثر مما يمكن تجاهله. ويكفي أن الروس فاوضوا الفصائل على وقف إطلاق النار بدون تواجد إيراني، وأن الإيرانيين هم من يحاول الآن تقويض الاتفاق، وبالتالي تهديد المساعي الروسية لعقد لقاء الأستانة وتقديمه باعتباره رمزاً لجهودهم السلمية.

من جهة أخرى، ليس ثمة شك في أن النظام حقق انتصاراً في حلب؛ ولكن هذا الانتصار أشر إلى ضعف النظام أكثر منه إلى قوته. أنجزت معركة حلب بدعم ميليشياوي طائفي، على الأرض، وروسي هائل، في الجو، ووفرت دليلاً قاطعاً على أن آلة النظام العسكرية لم تعد ذات وزن ملموس في الحرب. وحتى بعد حلب، وإن أخذ في الاعتبار حجم الجغرافية السورية الموزعة بين قوى المعارضة، التنظيمات الكردية، داعش، والجيش الحر المدعوم من تركيا، فإن منطقة سيطرة النظام لا تزيد عن ثلث مساحة الجمهورية السورية. هناك، بالطبع، خلل كبير في علاقات تنظيمات المعارضة المسلحة، في عددها، في سلوكها السياسي، في تعاملها مع عموم السوريين، وفي أدائها العسكري؛ ولعبت جوانب الخلل المتداخلة هذه دوراً مباشراً في تأزم الموقف العسكري خلال الشهور القليلة الماضية. ولكن هذا التأزم لا صلة له بحيوية متجددة في جسم النظام، الحيوية التي لا يوجد عليها من دليل.

المؤكد، على أية حال، أن تعقيدات الأزمة السورية تبدو أكبر بكثير من إرادة ورغبات أي من أطرافها المختلفة. الانعطافة الحالية في سوريا هي صنيعة التقارب الروسي ـ التركي وليس شيئاً آخر؛ ولكن حسابات أنقرة وموسكو تحيطها الشكوك وتواجهها التحديات من كل جانب. يدرك الروس أن ليس هناك من حسم عسكري ممكن في سوريا في المدى القريب، ويحاولون إعادة بناء صورتهم كقوة حريصة على السلم والاستقرار، وقوة قادرة على حل أزمة بحجم سوريا. ويحاول الأتراك إظهار حسن نواياهم، بعد أن وفرت موسكو فرصة لعملية جرابلس ـ الباب. ولكن، وبالرغم من الدور الكبير الذي لعبه الروس في حماية ما تبقى من قوات النظام، وقوات إيران والميليشيات المرتبطة بها، ودعمها، فإن الإيرانيين ليسوا أداة طيعة في يد الروس. كما أن قوى المعارضة، وبالرغم من دعم تركيا وتأييدها، لا تأتمر بأوامر أنقرة. وإن كان ممكناً الآن، ولأسباب تتعلق بكل من أنقرة وموسكو، على السواء، استبعاد الأمريكيين (والأوروبيين)، فإن أحداً لا يعرف كيف سيكون عليه موقف إدارة ترامب، ومقاربتها للشأن السوري.

المسألة، باختصار، أن لقاء الأستانة قد يعقد وقد لا يعقد، وأن هذا اللقاء قد يفضي، بالفعل، إلى جنيف، وقد يخفق كلية في إطلاق المسار السياسي. كما أن جولة أخرى من مفاوضات جنيف، بعد ذلك، قد تؤدي، في النهاية، إلى تسوية سياسية وقد تنتهي إلى مثل ما انتهت إليه سابقاتها. هل ثمة انعطافة ما في سياق الأزمة السورية؟ نعم، بالتأكيد. ولكن تعقيدات الأزمة لم تزل على ما هي عليها.

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

========================

الحل السياسي في سورية وهم أم حقيقة؟ .. لؤي صافي

الحياة

الخميس 12/1/2017

الحل السياسي للصراع العسكري في سورية حاجة ضرورية لمنع الانهيار الكامل للمجتمع السوري، وزعزعة استقرار دول الجوار. وهو ضروري قبل ذلك لوقف حمام الدم المستمر منذ خمس سنوات. نظرياً تدعم جميع الأطراف المتصارعة، باستثناء "داعش" و "فتح الشام"، مشروع الحل السياسي منذ سنوات. القوتان العالميتان الأكثر تأثيراً في الحالة السورية، روسيا والولايات المتحدة، تدعمان أيضاً الوصول إلى حل سياسي ووضعتا في جنيف عام 2013 ثم في فيينا عام 2015 خريطة طريق للوصول إليه.

كذلك دعمت المعارضة السورية ورقتي جنيف وفيينا وشاركت في مفاوضات جنيف عام 2014، التي أفشلها النظام برفضه قبول تشكيل هيئة الحكم الانتقالية التي نص عليها بيان جنيف وجميع القرارات الأممية التالية له. روسيا لم تمارس أي ضغوط على نظام الأسد للالتزام بوثيقة جنيف، بل عملت على حمايته من أي إدانة أممية في مجلس الأمن، ثم وضعت ثقلها العسكري خلفه خلال السنة الماضية. اليوم تدفع روسيا باتجاه الحل السياسي وتدعو المعارضة المسلحة في الشمال، ومعارضين سوريين تنتقيهم من دون تشاور مع قوى المعارضة الرئيسية، للمشاركة في مؤتمر آستانة.

أعتقد شخصياً بأهمية الحل السياسي للصراع العسكري في سورية وبضرورة التفاوض للوصول إليه، وكنت في مقدم الداعين للمشاركة في مؤتمر جنيف، وشاركت في الوفد الأول الذي مثل الثورة السورية. ولكني أجد نفسي اليوم في المعسكر الرافض للتحرك الروسي تحت غطاء الحل السياسي، وأرى أهمية التعامل بحذر شديد مع مؤتمر آستانة والتصور الروسي لتفاصيل هذا الحل، لأني أعتقد أن روسيا تسعى إلى تفريغ وثيقة جنيف والقرارات الدولية المرتبطة بها من بنودها التي تمنح السوريين الفرصة الحقيقية للدخول في عملية انتقال سياسي لا يمكن لسورية أن تستعيد عافيتها ما لم تقم بها. وفي ما يلي جملة الحيثيات التي تدفعني إلى التشكيك في المسار الروسي الذي يمر عبر مؤتمر آستانة.

أولاً: ألزمت القيادة الروسية، بالتفاهم مع تركيا، الفصائل المقاتلة في الشمال بالمشاركة في مؤتمر آستانة بعد موافقتها على وقف شامل لإطلاق النار وقبولها التمييز بين معارضة متشددة لا تخضع لشرط وقف إطلاق النار، ومعارضة معتدلة تعترف روسيا بها.

ثانياً: تمت المفاوضات التي أنتجت مشروع آستانة بين روسيا وتركيا في شكل أساسي، وبالتالي فإن الأتراك هم المفاوض الحقيقي. ويصب سعي الأتراك إلى وقف شامل للقتال في مصلحة الثورة التي استطاع النظام بحنكة ودهاء عسكرتها. وهذا سيتحقق من دون الحاجة الى مشاركة المعارضة السياسية في مؤتمر آستانة، لأن التعويل هنا هو على التفاهمات مع المقاتلين وعلى المصالحات المحلية. المعارضة السياسية تستطيع المساهمة من خلال دعم مواقف المجالس المحلية في المناطق المحررة، والتنسيق بينها.

ثالثاً: تتحكم روسيا بدعوة السياسيين، وهي ستختار الخلطة المناسبة لتوليد المعارضة التي تحقق لها أهدافها. وانسحاب أفراد دعوا بأسمائهم لن يؤثر في المسار العام للمشروع الروسي، ولكنه سيضعف المعارضة أكثر مما ساهمت الدول خلال السنوات الماضية في إضعافها.

رابعاً: عدم مشاركة قوى المعارضة السياسية الرئيسية سيحول بين الروس وخرق الإجماع الحالي حول جنيف، وسيفرض بيان جنيف مرة أخرى كما حدث بعد مؤتمري موسكو وآستانة السابقين.

خامساً: خرقت روسيا وقف إطلاق النار في وادي بردى، وتسعى إلى الحسم العسكري ووضع سكان هذه المنطقة تحت خيارين: إما الاستسلام الكامل للنظام أو تحويل الوادي إلى قطعة من الجحيم، بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع مدن وقرى الشمال السوري.

تدل حيثيات التحركات الروسية، بما فيها التحركات العسكرية على جبهات الصراع داخل البلاد، على أن موسكو تسعى إلى تحويل مؤتمر آستانة إلى منصة لاستسلام المعارضة وقبولها العمل تحت القيادة الراهنة للنظام الذي أدى الى الكارثة السورية، مع تغييرات طفيفة لا تولد تغييراً مهماً في بنيته. هذا يعني أن المعارضة في حال قبولها المشروع الروسي ستصبح شريكة للنظام في كل المآسي المستقبلية التي ستنجم عن استمراره في الحكم. فالنظام سيمنع، كما فعل عبر تاريخه الطويل، قيام أي تغيير حقيقي. وطبيعة النظام واعتماده المتزايد على قوى طائفية محلية واقليمية للاحتفاظ بالسلطة، سيؤديان إلى تدهور كبير في الواقع الاجتماعي والسياسي بدلاً من تحقيق التطور الإيجابي الذي يطلبه ويستحقه السوريون الأحرار.

إن المعارضة السياسية التي تمثل روح الثورة الراغبة في إنهاء الواقع السوري المرير تتحمل مسؤولية وطنية وأخلاقية وتاريخية تحتم عليها الابتعاد عن أي حل سياسي يكرس سلطة نظام الأسد، ويكرس بالتالي واقع الاستبداد والفساد. كما أن احتفاظ القيادات السياسية للمعارضة بموقفها الأخلاقي في رفض الاستبداد والفساد سيبقي على الشعلة التي حملتها ثورة الحرية والكرامة، والأهداف التي قامت من أجلها حية وقّادة يحملها الشباب الواعي من أبناء سورية الأبية ويسعون لتحقيقها عندما يحين الوقت وتتضافر عوامل نجاح التغيير الضروري والقادم بحول الله. المؤرخون يسمون الثورة التي قامت عام 1936 ضد المستعمر الفرنسي بالثورة السورية الكبرى. وهي ثورة انتهت بعد ثلاث سنوات من اندلاعها من دون تحقيق أهدافها ولكنها كانت الخطوة الضرورية التي أدت إلى حصول سورية على الاستقلال عام 1946.

طبعاً هذه ليست دعوة إلى السكينة السياسية ضمن ظروف تتحكم فيها إرادات دولية ودول اقليمية، وتخضع فيها الفصائل الثورية المسلحة لتأثير تلك الدول. بل هي دعوة إلى التحرك بحذر وإدراك حدود القدرة الذاتية وعدم الانجرار خلف تحركات دولية لا يمتلك فيها السوريون فرصاً كثيرة لتحقيق الأهداف التي انتفضوا دفاعاً عنها.

أعلم أن المعارضة منهكة ولكن النظام منهك أيضاً. والقبول بمواقف تلغي السنوات الخمس ونتائجها السياسية على النظام خطأ استراتيجي قاتل. أسوأ ما يمكن أن يقوم به السياسيون اليوم هو التخلي عن ورقة جنيف والقرارات الدولية الداعمة لها تحت ضغط الظرف الراهن. أعلم أن السياق ضاغط والوضع سيئ، ولكني لا أرى أي مخرج للسوريين وعودة للاستقرار خارج إطار عملية انتقالية حقيقية.

========================

حلب وآستانة: ما بينهما وما بعدهما .. عبد الباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 11/1/2017

تتكاثر الإشاعات هذه الأيام حول المستقبل الذي ينتظر سورية والسوريين، وحول طبيعة النظام السياسي الذي من المفروض أن يلملم أشلاء سورية أرضاً وشعباً. كما تتناول هذه الإشاعات أسماء الأشخاص الذين سيناط بهم إنجاز مهام المرحلة الانتقالية، أو أولئك الذين سيشاركون في مؤتمر آستانة الخ...

والإشاعات، بموجب معطيات علم النفس التطبيقي، تنتشر في ظل توافر عاملين أساسيين هما: الأهمية والغموض. فكلما ارتفعت درجة هذين العاملين تزايدت الإشاعات، وارتفعت وتيرة انتشارها، لا سيما إذا أخذنا في اعتبارنا واقع تقدّم وسائط التواصل الاجتماعي غير الخاضعة لأية ضوابط تمكّن المتعامل معها من التحقق من مصداقية الأخبار وأشباهها.

فالوضع السوري يمثّل أهمية قصوى بالنسبة إلى المواطن السوري الذي بات يتعلّق بقشة، كما يقال، للخروج من النفق المظلم. كما أن الوضع المعني يمتلك حيوية كبرى على المستويين الإقليمي والدولي لاعتبارات مختلفة تتمحور حول المصالح والهواجس والحسابات المستقبلية.

أما الغموض فباعثه الأساسي إبعاد السوريين، معارضة وموالاة، عن الاطلاع على بواطن الملف السوري وأسراره، وعـلى اتـخاذ القرارات المؤثرة في شأنه.

فالمعارضة بكل هيئاتها ووظائفها السياسية والميدانية مجرد موضوع منفعل، ماهيته ردود الأفعال تجاه الجهود الإقليمية والدولية. هذا في حين أن النظام سلّم أموره منذ زمن بعيد إلى الراعي الإيراني وأذرعه، ومن ثم إلى الحليف الروسي الذي يبدو أنه يتطلع إلى حصيلة مغايرة لتلك التي يرمي إليها النظام الإيراني ويعتمد سياسة لا تطمئن ولي الفقيه على طول الخط.

وقد بدأ الغموض يلف موضوع الحل السياسي في سورية مع بدايات الغزل الروسي - الأميركي، الذي تحوّل لاحقاً إلى عتب المحبين - المتخاصمين.

ومع ظهور نتائج الانتخابات الأميركية بمفاجأتها الكبرى، انتقلت إدارة أوباما إلى سياسة التصعيد المحدود المدى مع الروس، وذلك انتظاراً لمجيء الإدارة الجديدة بقيادة ترامب الذي يحيّر الجميع ويربكهم بغموض توجهاته، وسرعة انعطافاته، الأمر الذي يسمح بإطلاق العنان لمخيلات نسج الإشاعات وترويجها. هذا علماً أن إدارة أوباما بوعودها التبشيرية ونتائجها الواقعية الصفرية تظل المسؤولة الأولى عن انهيارات منطقتنا.

وفي أجواء ترقّب المقبل المجهول من جانب ترامب، قام الروس بتنسيق غير مسبوق مع الجانب التركي وسط مناخ يوحي بوجود توجه جدي روسي غير عادي في التعامل مع الملف السوري، وذلك عبر استثمار حصيلة ما بعد حلب، وتجاوزها في الوقت ذاته.

فقد حقّق الروس بإسقاط حلب جملة أهداف من الواضح أنها ستكون ركائز خطتهم الجديدة الخاصة بسورية تحديداً، وبعلاقاتهم الإقليمية والدولية في صورة عامة.

فقد أثبتوا مقدرتهم الميدانية بقوة نيرانهم الاستراتيجية في مواجهة مدينة محطمة، ومدنيين محاصرين، ومقاتلين تقرّر حرمانهم، بفرمان سياسي دولي، كل وسيلة للدفاع عن النفس في مواجهة الطيران.

كما تمكّنوا من انتزاع دور في الملف السوري معترف به، ولو على مضض إقليمياً ودولياً. واستطاعوا في الوقت ذاته إفهام الحليف المنافس، أي النظام الإيراني، أنه لن يكون الآمر الناهي في سورية مستقبلاً، سورية التي تحتل في لعبة التوازنات الدولية موقعاً أهم من أن يترك لقمة سائغة للمشروع الإيراني القائم على أساس التطويع السكاني والتغيير المذهبي، وفرض نهج ديني أوتوقراطي لا تستسيغه غالبية الطائفة العلوية نفسها، ناهيك عن المذاهب والأديان الأخرى، لا سيما السنّة، أي الغالبية الغالبة في بلاد لا يناسبها سوى الاعتدال والتعايش بين الجميع ومن أجل الجميع.

من ناحية أخرى، عزّز الروس وجودهم الدائم في المياه الدافئة، وهذا ما سيمنحهم فرصة أداء دور مستمر لعقود مقبلة في عملية ترتيب أو إعادة صياغة معادلات التوازنات الإقليمية.

ولإدراك الروس حساسية الملف السوري عربياً وإسلامياً، استغلوا اللحظة الحرجة مع استكمال السيطرة على حلب، وعملوا على إعطاء أنفسهم صورة مثالية عن أخلاقية المنتصر. فأجروا سلسلة اتصالات ومفاوضات مع القوى الميدانية، ومن بينها بعض تلك التي كانت روسيا تعتبرها إرهابية، وتقصفها إلى جانب المخابز والمشافي والمدارس.

ونجحوا عبر التنسيق والتفاهم مع تركيا، التي تنطلق هي الأخرى من ظروفها المتداخلة، وأولوياتها المستجدة، من الإعلان عن وقف لإطلاق النار، ومتابعة الاتصالات والمشاورات لتحديد هوية ووظيفة الذين سيشاركون في اجتماعات آستانة، التي يريد الروس لها أن تكون حاسمة قدر الإمكان، مع تيقّنهم من أن المآلات لن تكون وردية لمصلحتهم كما يرغبون، وإنما هناك قوى أخرى مهمة لها دورها المؤثر، وهي لم تقل كلمتها بعد. ويشار هنا عربياً إلى السعودية، ودولياً إلى الولايات المتحدة الأميركية ومعها حلفاؤها الأوروبيون.

النظام الإيراني قلق إلى أبعد الحدود مما يجري. فهو لا يمتلك أدوات الضغط الكافية لعرقلة التوجه الروسي، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن استمرار الأمور هكذا ربما كان مقدمة لبلورة ملامح التفاهم الروسي – الأميركي على أرض الواقع، وهو تفاهم من شأنه أن يحدّ من النفوذ الإيراني في سورية. وهذا النفوذ الذي يتمثّل في صيغة من تغلغل لافت في مفاصل الدولة والمجتمع، يثير عواطف السوريين جميعاً وهواجسهم، وفي اتجاهات مختلفة. فهو يثير امتعاض، أو ارتياح، مجموعة لا يستهان بها من الضباط السوريين الموالين للنظام ممن يرتبطون مع الروس بصلات عدة منها القرابة عبر الزواج، أو القدرة على التفاهم بفعل مشاركتهم في دورات تدريب روسية، أو عبر التقاء المصالح التي عادة يكون التوافق في شأنها مع قوة عظمى أسهل وأقل كلفة، وذلك قياساً بالتفاهم مع قوة أخرى توجهها عقلية تتدخل في تفاصيل التفاصيل.

روسيا تعد العدة لمؤتمر آستانة، وستشاركها تركيا وإيران أيضاً. وليس سراً أن حاجات حيوية قد جمعت بين هذه الدول في الوقت الحالي. لكن الأولويات والمنطلقات والمصالح متغايرة. كما أنه ليس سراً أن الجميع في انتظار الرئيس الأميركي المقبل. ولعل هذا ما يفسر الحرص الروسي على نيل مباركة مجلس الأمن، مقابل التأكيد بأن ما جرى وسيجري لن يكون بعيداً من الجهود الدولية لمعالجة الوضع السوري. ولهذا كانت الإشارة المقتضبة إلى بيان جنيف والقرارات الدولية، والزعم بأنها ستكون في الخلفية ففي صيغة ما. هذا مع أن ما يستشف من التسريبات والترتيبات يؤكد وجود نزعة تستهدف تغيير قواعد اللعبة عبر آستانة.

وتبقى المعارضة السورية بكل مسمياتها ووظائفها المعنية أكثر من غيرها بكل يُعمل عليه، لأن المصير في نهاية المطاف هو مصير سورية وشعبها. فهذه المعارضة مطالبة بالعمل الجدي من أجل توحيد الرؤية والموقف، وتحقيق التشابك الفاعل بين الجهود السياسية والعسكرية والإعلامية والديبلوماسية، حتى تتمكّن من امتلاك الحد الأدنى من مقوّمات الاستعداد لتحديات المرحلة الصعبة المقبلة.

========================

هل انتهت الثورة السورية؟ .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 10/1/2017

ما من شك في أن سقوط حلب، وما أعقبه من تراجع في إمكانية تحقيق إنجازات عسكرية استراتيجية للفصائل المقاتلة، قد نشر جواً من التخبط والتشاؤم في صفوف القوى الاجتماعية العديدة التي وقفت مع الثورة في مراحلها المختلفة، وقدّمت تضحيات هائلة من أجل نجاحها. ولأن العديد منها لم يعد واثقاً من ثمار هذه التضحيات، يسود إحباط كبير بين صفوف جمهورها والشعب الذي افتداها بكل ما يملك.

ويساعد هذا المناخ الغامض والمشكك الكثير من الأفراد والمجموعات التي تفتقر لوعي وطني أو التزام اجتماعي على أن تتقدم الصفوف، لتطبق أجنداتها الخاصة، وتجيّر الثورة لأهداف مختلفة عن أهدافها الأصلية.

أما تلك القوى التي لم يكن لها منذ البداية أمل كبير بالثورة، أو التي لم تؤمن بها، ولا تتعاطف مع شعاراتها ومشروعها، فهي تشعر اليوم بالفرح، إن لم نقل بالنصر أمام ما تشهده القوى الاجتماعية التي وقفت وراء الثورة من تقلب الأحوال والشك والانتظار. وأكثر فأكثر تبرز، من وراء الخطاب المحبط، الأطروحات التي تدعو إلى وقف الثورة أو الاعتراف بالهزيمة.

 

الثورة بين خياري الحرب والمواجهة

جرّت الثورة السورية وراءها، بعد أن عجز نظام الأسد عن كبح جماحها، تحالفاً واسعاً من الطبقات وقطاعات الرأي، ذات التطلعات والمطالب المتباينة، وأحياناً المتناقضة أيضاً التي جمع بينها شعار واحد، هو إسقاط النظام. وفِي ما وراء هذا الهدف الذي يمثل مطلباً عاماً ومشتركاً لم يحدّد التحالف الثوري المضمون الفكري والاجتماعي للنظام القادم، ولكنه أكّد على مبدأ الاحتكام للشعب، مؤكّداً مع ذلك، كما تظهر أسماء جمع التظاهر، على الطابع المدني والتعدّدي للدولة القادمة، واحترام مصالح جميع الأطياف القومية والطوائف على مستوى واحد. وهذا هو جوهر العهد غير المكتوب الذي اجتمعت من حوله قوى الثورة السورية في مظاهراتها السلمية، وهو أيضاً العنصر الأول في بناء النظم الديمقراطية، والأصل في ولادة الشعب بالمعنى السياسي، باعتباره مصدراً للسلطة. والواقع أنه، من دون فتح هذا الأفق الديمقراطي، كانت الثورة ستظل في أفق الهدم والسلبية، ولا ضمان تماسك التحالف الاجتماعي القائم من ورائها، ولا تقديم آلية سياسية للخروج بنظام جديد. الديمقراطية كاحتكام للشعب في كل القرارات المتعلقة بالحياة العامة هي التي تعيد تركيب النظام العام على أسسٍ جديدة، تضمن العدالة التي ثارت قوى متعدّدة ومتباينة المصالح من أجلها، وتساوي بين جميع أفرادها، بما في ذلك الذين لم يشاركوا في الثورة أو كانوا ضدها.

لكن هذا الأفق الديمقراطي الذي سيطر على جمهور الثورة في سنتها الأولى لم يحظ بالوقت، ولا التقى الشروط الكافية التي تسمح له بالرسوخ والتحول إلى خيار ثابت. وما لبث أن تراجع تدريجياً لصالح توجه إسلاموي سيطر على موقع القيادة والتوجيه، في صفوف الفصائل المقاتلة أولاً، ثم على فكر أكثرية المناصرين للثورة في ما بعد.

لم يكن إضعاف الخيار الديمقراطي لصالح الخيار الإسلامي في الثورة السورية مصادفة، ولا لأسبابٍ دينيةٍ أو مذهبيةٍ أو أيديولوجية، وإنما كان هدفاً استراتيجياً اشتغل عليه النظام بالوسائل العسكرية والدعائية معاً منذ اللحظات الأولى. وهذا ما كان مستهدفاً من إنكار حقيقة الثورة وربطها بالإرهاب والرد عليها بإطلاق حرب حياةٍ أو موت، والقضاء بأبشع الوسائل على جيل النشطاء الأول، بالقتل أو الاعتقال أو النفي، وإطلاق سراح زعماء السلفية الجهادية من سجونهم، والاشتغال المنهجي لأجهزة النظام وإعلام حلفائه أيضاً على تأجيج مشاعر الانقسام الطائفي والقومي، ونشر صور المعاملة المهينة والحاطّة بكرامة الإنسان التي تقوم بها قواته

"لم يكن إضعاف الخيار الديمقراطي لصالح الخيار الإسلامي في الثورة السورية مصادفة، ولا لأسبابٍ دينيةٍ أو مذهبيةٍ أو أيديولوجية، وإنما كان هدفاً استراتيجياً اشتغل عليه النظام" على أوسع نطاق، لإثارة رد فعل مماثل، ثم تحالفه مع قوى الحرب الطائفية في طهران، وتبني توجهاتها الجيوستراتيجية. وساهم في الدفع نحو هذا المنزلق أزمة هوية مستدامة في المنطقة وانتشار الأفكار السلفية واستيطان المنظمات المتطرفة (كالقاعدة) التي نشأت في سياق حروب النزاعات الدولية، والتي كانت تربطه علاقات قوية معها في العراق، وكثرة الجمعيات الإسلامية، بل السلفية، التي تتغذى من فوائض اقتصاد الريع النفطي. وأخيراً، الشرخ الذي نجح النظام، وأوساط سياسية يسارية، في شقه داخل جمهور الثورة بين إسلاميين وعلمانيين منذ الأشهر الأولى، متهما الإسلاميين بالسيطرة على الأطر السياسية للمعارضة.

فضّل النظام تفجير الحرب الإقليمية والمذهبية على الاعتراف بشرعية الاحتجاج والقبول بتعديل قواعد عمله وسلوكه. وكما اختار نقل المواجهة إلى المستوى الإقليمي، اختار عن قصد، وكجزء من استراتيجية الحسم العسكري، وتوسيع قاعدة التحالف الإقليمي والدولي لصالحه، خيار الحرب الطائفية والقتل على الهوية لجعل الحرب حرب وجود بين أقليات وأكثرية، ومسلمين وغير مسلمين. ووضع ثقله وثقل حلفائه جميعاً في الميزان في سبيل تحويل الثورة السياسية إلى حربٍ أهليةٍ والقضاء على الخيار الديمقراطي الذي يشكل المشروع السياسي الوحيد الجامع لقوى الثورة، أو القادر على جمعها، ومن ورائها تشكيل البديل المقبول من الشعب لنظام الأسد. وكما قادت هذه الاستراتيجية إلى احتلال المليشيات الطائفية، وزعيمها الولي الفقيه في طهران، مقدمة المسرح في صف الثورة المضادة، أدت أيضا إلى هيمنة الفصائل الإسلامية على معظم قوى الثورة وقياداتها، ودفعت إسلاميين كثيرين في العالم إلى التعاطف معها، والضغط لمذهبتها، وحكمت بالتراجع المتزايد لحلفائها الأوائل عنها.

 

إسقاط الخيار الديمقراطي

كما كان ينتظر النظام، ما كان للعسكرة إلا أن تقود إلى تغيير القاعدة الاجتماعية الأساسية للثورة، وإعادة صياغة توجهاتها وبرنامجها السياسيين، على حساب القيادة التي نظمت التظاهرات، والطبقات التي كانت وراءها، قبل أن تقضي، في وقتٍ لاحق، على تظاهرات الاحتجاج السلمي نفسها. ولم يكن من غير المتوقع أن يقود صعود الطبقات الشعبية إلى واجهة الصراع، في ظرف افتقار البلاد إلى أي حياةٍ سياسيةٍ خلال نصف قرن الماضي، وانعدام الخبرة التنظيمية ومفهوم الحوار الوطني نفسه، إلى بروز دور الوجاهات الدينية والعائلية على حساب رجال السياسة والثقافة. هكذا، أدت المواجهة الدموية التي فرضها النظام على الثورة إلى حرمان التحالف الشعبي الذي التأم وراءها من فرصة التبلور والتجذّر والاستمرار، وأظهرت هشاشة أسسه الفكرية والسياسية، وأجهضته قبل أن ينضج، فخبت دعوة الديمقراطية ومشروعها تدريجياً لصالح المنظور الإسلامي السلفي. وظهرت أول مرة محاولة ربط الثورة بمظلومية السنة، وتعريف من كانوا يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة أنفسهم كطائفة، حتى بدا وكأن الدولة الإسلامية، شعاراً ورؤية سياسية، أصبحت مشروعاً سياسياً خاصاً بهم، ولإنصافهم مقابل الدولة العلمانية التي ربط النظام وحلفاؤه بينها والأقليات المذهبية والدينية.

"أدت المواجهة الدموية التي فرضها النظام على الثورة إلى حرمان التحالف الشعبي الذي التأم وراءها من فرصة التبلور والتجذّر والاستمرار"

ما ساعد النظام وحلفاءه على تحقيق هذه الأهداف أيضاً عاملان. الأول ضعف مقاومة التيارات الإسلامية الإصلاحية لصعود السلفية وتشوشها بأفكارها، وذلك بسبب حداثة عهدها بالفكرة الديمقراطية وتبنيها السطحي لها، قبل أن تشعر، منذ عام 2016، بخطرها عليها. والثاني ضيق الأفق الذي طبع دائماً تيارات العلمانية العربية، والسورية خصوصاً، والذي حوّل العلمانية إلى عقيدةٍ خاصة إقصائية، وشجع أنصار العلمانية وجمهورها على الدخول في معركةٍ مع الإسلامية الإصلاحية في ذروة الصراع ضد وحشي الطغيان والسلفية الجهادية، بدل السعي إلى جذبها إلى صف الخيار الديمقراطي وقطع الطريق على استسلامها للسلفية.

وعلى مستوى آخر، لم يكن للخيار الديمقراطي، أو أفضل الشعبي، في الثورة السورية أي "حليفٍ" قوي حقيقي، لا داخل سورية، في صفوف النخب الحاكمة والسائدة، ولا في المحيطين، الإقليمي والدولي، ولم تكن أكثر القوى والدول، بما فيها التي أظهرت التأييد لمطالب الشعب، في عداء مع الأسد، ولا كانت لديها أي رغبة فعلية في تغيير النظام الاستبدادي. كانت مصالحها تقتضي امتصاص النقمة الشعبية والقيام بتنازلات جزئية، أي بإصلاحات من داخل النظام نفسه، في اتجاه تخفيف جرعة العنف الدموي التي يفرض على الشعب تجرعها، من أجل الحفاظ على الاستقرار والعلاقات القوية مع سورية. فالواقع أن النظام السوري لم يكن نظاماً سياسياً محلياً أو سورياً، يقوم بوظيفة الحكم، بصرف النظر عن نمط حكمه، داخل سورية وتجاه الشعب السوري فحسب، وإنما كان جزءاً من منظومة إقليمية، وله وظيفةٌ في حفظ التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجية المشرقية والشرق أوسطية أيضاً، وربما كانت هذه الوظيفة الثانية الأهم والأصل في بقائه، وفي غض النظر عن أسلوب حكمه وتحكّمه الدمويين. بل إن هذا التحكم ذا الطابع الهمجي الذي لا يعير أهمية لمبدأ، ولا قاعدة ولا عرف، كان نقطة الضعف الرئيسية فيه، وكان بإمكانه لو توفرت له قيادة تثق قليلاً بنفسها ومستقبلها، وتتصرف باحترام أكبر ليس للقانون الوطني والدولي، وإنما لمظاهرهما السطحية على الأقل، أن يكون أكثر قبولاً وتأييداً خارجياً، من دون أن يتعرّض لأي تهديد، بالعكس كان ذلك سيبرّر للغرب والخليج أن يقدما له المزيد من الدعم والمساعدات المجانية.

وليس خافياً أن جميع الدول التي وجدت نفسها مسوقةً لدعم المعارضة كانت من أقرب الحلفاء لنظام الأسد، وأكثرها دعما له، من دول الخليج إلى تركيا إلى أوروبا الغربية. كانت بالأحرى تخاف عليه من الثورة الشعبية بمقدار ما تخاف من الثورة ذاتها على استقرارها و"استقرار" المنطقة، كما ظهر ذلك واضحاً أيضاً في تونس ومصر ودول الربيع العربي الأخرى. وكانت سياستها تقتضي لملمة الوضع، وإيجاد حل سريع يجمع بين النظام والمعارضة، أو ينزع فتيل ثورة عارمةٍ، ويفتح الطريق أمام تسويةٍ سياسيةٍ تؤمن بعض تطلعات الشعب الأساسية، وهي الكرامة المرتبطة بالتسليم بحد أدنى من الحرية الشخصية، أي الحدّ من استباحة النظام وأجهزته الأمنية لحرمة الإنسان وحقوقه الأساسية في الأمان على نفسه وأهله وملكه. وهذا كان مضمون المبادرة العربية التي ستتحول إلى مبادرة دولية، بلورها كوفي أنان في ست نقاط، وعرفت في ما بعد باتفاق جنيف 1. ولم تتحول إلى ثورة مسلحة داخلية، ومن ثم إلى حرب إقليمية تتواجه فيها الدول المؤيدة للأسد والمعادية لبقائه، إلا لأن النظام قرّر قطع الطريق على أي إصلاح، وقضى على أي تعبير عن رغبةٍ في الحوار في صفوفه نفسه، كما تشير إلى ذلك تصفية رجال خلية الأزمة، وفتح الأبواب واسعة أمام التدخل الإيراني المباشر.

 

من الحرب إلى السياسة

هل يعني هذا أن الثورة السورية قد انتهت، أو أن التحالف الشعبي الواسع الذي وقف وراءها، وضحّى من أجل انتصارها، ما لم يضح به شعب من قبل، قد تفكّك، وأن الخيار الديمقراطي لم يعد له أي أمل في استعادة المبادرة، ولم يبق غير الاستسلام والقبول بالأمر الواقع وإعادة تأهيل النظام؟

"لن يوقف الثورة، بمعنى الخروج على نظام الأسد والسعي إلى إسقاطه، وربما اليوم أكثر الانتقام منه، شيء بعد الآن سوى سقوط الأسد بالفعل، ومعه طغمته"

ينبغي القول، أولاً، إن الذي انتهى بالفعل هو النظام الذي تحول إلى أنقاض بمقدار ما حول الدولة والبلاد إلى أكوام من الركام والخراب. وأنقاض نظامه السياسي والإداري والفكري لا تختلف أبداً في حقيقة وجودها ومضمونه عن الأنقاض المادية التي نشهدها في المدن والبلدات والأحياء والقرى السورية العديدة المدمرة. وهذا يعني أنه فقد أي مقدرة على التماسك الذاتي وتنظيم نفسه وصياغة أجندة سياسية خاصة به، ولا يستمر في الوجود، على مختلف مستوياته العسكرية أو السياسية أو الفكرية، إلا بفضل ما تبثه فيه الدول الأجنبية المنتدبة باسمه، إيران وروسيا، من النظام والوحدة والاتساق. وقد سلم أمره طواعية، بما في ذلك على الصعيد العسكري، لهاتين الدولتين، وصار رهينة في يديهما. وليس لهذه الدول مصلحة في أن تعيد بناء النظام وتوازنات المصالح بما يساعد على إحيائه بعد موته، ولن تستطيع إحياءه حتى لو سعت إلى ذلك. إنما ستعيد بناء نظام يتفق مع المصالح التي اكتسبتها وتلك التي تراهن على اكتسابها.

وبصرف النظر عما يُشاع ويتداول في الصحافة اليومية، لن تقوم للنظام قائمة بعد الآن، كما لن يأتي أي حل من الأستانة. وليس ما يدور الصراع من حوله الآن بين الدول والقوى الداخلية والخارجية إعادة تأهيل نظامٍ لم يعد له وجود، وإنما هي تحتفظ به غلالة تخفي من ورائها صراعها على تقرير شكل النظام البديل الذي تطمح كل منها أن تجعله أقرب لأطماعها ومصالحها وأحلامها، وعرضياً على إيجاد الطريقة التي تمكن الأسد وبعض أزلامه من الخروج من دون حساب وعقاب، جائزة ترضية على مهمته وتسليمه لها بالقرار.

ثم إن نظام الأسد انتهى، لأنه لم يكن في أي فترة سابقة في وضع أسوأ مما هو عليه اليوم، للرد على مطالب الطبقات والشرائح والفئات الاجتماعية التي قاتلت ست سنوات متواصلة لإسقاطه. وإذا كان قد أفلس في إقناع الشعب به، والرد على حاجاته وهو في أحسن أوضاعه، الداخلية والخارجية، قبل الثورة، فكيف بإمكانه اليوم، بعد كل هذا الخراب والدمار، في الداخل والخارج، أن يعيد ترميم نفسه، ويرد على تطلعات الشعب الذي أدماه.

لن يوقف الثورة، بمعنى الخروج على نظام الأسد والسعي إلى إسقاطه، وربما اليوم أكثر الانتقام منه، شيء بعد الآن سوى سقوط الأسد بالفعل، ومعه طغمته وطرائق الحكم التي أوصلته إلى السلطة وقواعد ممارسته لها ومبادئه وتوجهاته. وهذا يعني أن الثورة سوف تستمر، والخروج على القانون يتحوّل قانوناً ما دامت الدولة أصبحت هي نفسها من دون شرعة ولا قانون. وإذا لم ينجح التحالف الشعبي الواسع في إسقاط الأسد بالضربة القاضية، نظراً لقوة الدعم الخارجي له، فقد قتله في حرب الاستنزاف الطويلة. وهذا ما حصل بالضبط. وما نراه اليوم هو جثته التي يحافظ عليها ورثته بماء العين لإخفاء الوجه القبيح للاحتلال الأجنبي.

لكن سقوط الأسد ونظامه لن يحل وحده المشكلة، ولن يجلب الأمن والاستقرار والازدهار،

"انتهت مرحلة أولى من الثورة السورية، وبدأت مرحلة ثانية يسيطر عليها العمل السياسي، من دون أن يعني ذلك التخلي عن المقاومة المسلحة" فبديله لن يكون سوى حكم الاحتلال والانتداب الأجنبي معاً، وبالتالي الاستمرار في الفوضى والنزاع. لن يحقق الاستقرار والأمن والعودة إلى الحالة الطبيعية وحكم القانون، وعودة الأعمال إلى ما كانت عليه، سوى النجاح في إقامة النظام الذي يمثل الشعب، ويستجيب لتطلعاته ويلبي حاجاته، وفي مقدمها الحاجة إلى الكرامة والحرية، أي إلى الاعتراف بسيادة الشعب وحقه في تقرير مصيره، وقبل ذلك بوجوده كياناً وهويةً وأصلاً، وإخضاع النخب الحاكمة له ولخدمته، لا العكس. وهذا هو المخرج الديمقراطي للثورة السورية، وهو المخرج الوحيد الذي يسمح بإعادة تشكيل التحالف الشعبي الذي ثار ضد الأسد، وتعزيز أركانه الفكرية والسياسية والاجتماعية، بما يساعد على تحويله إلى قطب رئيسي قوي، تدور من حوله الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية السورية، وقاعدة قوية لنظام سياسي اجتماعي متين وراسخ، يصمد لإغراءت الانقلابات على الدستور، عسكريةً كانت أم مدنية.

انتهت مرحلة أولى من الثورة السورية، وبدأت مرحلة ثانية يسيطر عليها العمل السياسي، من دون أن يعني ذلك التخلي عن المقاومة المسلحة، أو الاستهانة بدورها. وجوهر مهام هذه المرحلة إعادة تجميع وتوحيد القوى الشعبية التي شتتها القتال الوحشي والدامي، وترميم التحالف الديمقراطي الذي زعزع أركانه التدخل الأجنبي، وحل تناقضات المصالح بين جماعاته وطبقاته وتياراته، والذي يستطيع وحده إعادة وضع السياسة السورية على قدميها، والسماح للمجتمع السوري أن يدخل، أخيراً، في السياسة، بعد نصف قرن من الحرب، الباردة والدموية معاً، وما خلفته من جراحات وندوب وانقسامات مذهبية وقومية وضياع لا يمكن لأي سلاح قاتل أن ينجح في علاجه. وفي هذا الانتقال المنتظر من الحرب إلى السياسة، ليس هناك رهان سوى على جيل الشباب الجديد الذي عركته معارك الكفاح، من أجل التحرّر من العبودية، ولم تعد له علاقة بثقافة الماضي، ولا بأوهامه ومخاوفه. هو وحده المؤهل لاستعادة المبادرة.

فسورية القادمة إما أن تكون ديمقراطية أو لن تكون.

========================

وادي بردى مصالحات الماء .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 10/1/2017

وادي بردى محاط بغوطة شديدة الخضرة تلامس ظهر دمشق، وتؤمن المجرى المائي الذي يروي أهالي العاصمة، تتوزّع قراه الثلاث عشرة على طول النهر، وتدنو بيوتها إلى أقرب نقطة من حوافِ الوادي وضفاف النهر. يمتلك الوادي كل المياه التي تحتاج لها دمشق، والتي يتم حصادها خلال موسم الشتاء من على المنحدرات الجبلية التي تحفّ بالوادي، وتنحدر خلال فصلي الربيع والصيف على طول المجرى، ولمسافة خمسة وثمانين كيلومترا. شكَّل وادي بردى رئة دمشقيةً وخزاناً مائياً عذباً، وصنِّفت مياهه بأنها من أعذب مياه الدنيا.

خرجت منطقة الوادي عن سلطة النظام في وقت مبكر من عمر الثورة وما زالت. لكن، لم يشكل امتلاك ماء الشام والقدرة على التحكم بمجراها طوق نجاة للسكان، فصبّ النظام حممه على الوادي، وحاصره وقتل عديداً من أبنائه.

بعد سيطرة الأهالي على قراهم، وخروج أجهزة النظام من وسط البلدات وتشكيل الجيش الحر، ضرب النظام حول القرى الحصار. ومع بداية عام 2012، هدّدت كتائب الجيش الحر بقطع مياه النبع عن دمشق، بعد الحصار الخانق على سكان المنطقة من النظام، فلمحوا إلى إمكانية إيقاف ضخ المياه من نبع الفيجة. أذعن النظام عندها، وخفّف من ضغطه على قرى الوادي، وجرى تسليم النبع وملحقاته الميكانيكية والفنية إلى جهةٍ تقنيةٍ متخصّصةٍ قامت بإدارته. جرت الحادثة الثانية في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2014، فقطعت تنظيمات إسلامية ناشئة المياه فعلياً عن مدينة دمشق، وذلك بعد أن قصف النظام قرى الوادي، وبدأ سكان دمشق بالشكوى من شحّ المياه التي سرعان ما عادت، بعد أن أُجبر النظام على وقف القصف.

يرغب النظام المنتشي بعمليات التهجير التي يسميها مصالحة بتوسع استراتيجي حول دمشق، وتكبير نصف قطر أمانه الذي يحيط بالعاصمة. وقد بدأ، مع أواخر العام الماضي، بالتغلغل إلى الريف الغربي، فاسترجع داريا بعد حصار السنوات الخمس ثم المعضمية، ولا تزال قرى وادي بردى تشكل للنظام فضاءً متصلاً مع الريف الغربي، وتحقق له تواصلاً مع الحدود اللبنانية السورية، وتقفل القوس المفتوحة في الزبداني في أقصى الشمال المحاذي للحدود، هذا القطاع هو المكان الذي يتحرّك حوله حزب الله بحيوية، ولديه رغبة واضحة بالاستيلاء عليه، وربما محاولة الحزب منع الوفد الروسي الذي دخل إلى المنطقة، لعقد اتفاق إدخال ورشات الصيانة، هدفها تصعيد الضغط على الأهالي، من دون اعتبار لتعطيش سكان دمشق، الأمر الذي لا تلقي له مليشيا حزب الله بالاً، لكنها حاولت اتهام الطرف الآخر بهذا التعطيل من باب رفع العتب، فبالرجوع وراءً نجد أن المبادر في تحريك هذه الجبهات عسكرياً، وتعريض النبع للخطر، هو الجانب الذي يُحاصِر، والذي يمتلك الأسلحة الثقيلة القادرة على تدمير منشآت النبع المدنية والميكانيكية. وبعد أن تخسر فصائل المنطقة امكانية التحكم بالماء، سيصبح من السهل على النظام خنق الوادي، وفرض "المصالحة" التي يرغب بها.

الأخبار الآن متضاربة حول التوصل إلى اتفاق، واختراقات محدودة تتم بين ساعة وأخرى، ولكن الحقيقة أن دمشق بلا ماء منذ أكثر من أسبوعين، ولو حصل توافقٌ فسيكون نسخةً عما سبقه، وسيتضمن عمليات تهجير وإذلال وإحلال سكاني.

دمشق التي لطالما اعتمدت في حياتها على مياه النبع في خطرٍ حقيقي، وكتلة سكانية كبيرة تحت تأثير العطش، في ظل عدم توفر بديل عاجل، وهذه حجة سيضعها النظام في رصيده، عندما يتهم "الجماعات الإرهابية". وحتى بعد عمليات الإصلاح التي يفضل النظام أن يجريها حين يدخل بقوة السلاح إلى منطقة النبع، لن تكون دمشق في منأىً عن التهديد، حين يملأ جنود حزب الله الوادي من الزبداني وحتى الهامة. وعندها، سينضم نهر بردى ذاته إلى نبع الفيجة، في تقاسم خطر الاحتلال، وكل سكان دمشق سيصبحون رهائن ماءٍ في يد حسن نصر الله

========================

في ضرورة مؤتمر وطني سوري .. صلاح بدر الدين

العربي الجديد

الثلاثاء 10/1/2017

قبل كل شيء، ومن دون تعقيدات وألغاز، علينا طرح التساؤلات: لماذا هذا المؤتمر؟ ولماذا ازدياد الدعوة إليه الآن؟ ولماذا انضمام بعضهم إليها من مسؤولي كيانات المعارضة السورية، وخصوصا المجلس الوطني و"الائتلاف" متأخرين خمس سنوات؟ وهل المؤتمر المنشود من أجل تصحيح مسار وأداء من فشل وأخفق وأضرّ بالثورة والقضية، وإعادة إنتاج الشخوص نفسها المسؤولة عن الهزيمة تحت عنوان "المؤتمر الوطني" من دون قيامهم (وهو أضعف الإيمان) بمراجعةٍ في العمق، وتشخيص مكامن الخطيئة والانحراف، ومن ثم الاعتذار للسوريين؟ ثم هل ستكون وظيفة المؤتمر العتيد بمثابة إعادة الاعتبار للفاشلين أم منصة لمساءلتهم، وترميماً لما هدموه؟ وتاليا هل سيكون على غرار الاجتماعات والمؤتمرات السابقة مدفوعة الثمن السياسي المسبق من إحدى الجهات الداعمة، ومقرّرة سلفا من سيقود، ومن سينتخب، ومن سيعيّن؟ وهل سيرسم لهذ المؤتمر القفز فوق العملية التقييمية النقدية الشاملة للعامل الذاتي الضعيف الهش، على صعيد من تصدّروا الثورة والمعارضة من مدنيين وعسكريين ومقاتلين، وادّعوا "التمثيل الشرعي والوحيد" أو تفادي الوقوف العلمي الواقعي على تعقيدات العامل الموضوعي، بما يحمل ذلك من تأنيب لضمائر "أصدقاء الشعب السوري" وعتاب للنظام العربي الرسمي، وتحميلهم جميعا جزءاً من مسؤولية الأزمة الراهنة؟ وغير ذلك من تساؤلات عديدة.

سيبقى أي عمل بخصوص المؤتمرات واللقاءات الوطنية السورية قاصراً، وقد يكون مضرّاً كما أرى، إذا لم ينطلق من مفهوم المراجعة العميقة النقدية الشاملة للانتكاسة التي يجب الاعتراف بحصولها للثورة، وإخفاق المعارضة التي تتحمل المسؤولية الرئيسية، والإيمان بوجوب إعادة بناء الثورة وهيكلة جسمها وعمودها الفقري المتقطع، وأقصد ما تبقى من الجيش الحر والحراك الثوري العام، وصولاً إلى صياغة البرنامج السياسي الجديد المناسب المتوافق عليه، وانتهاء باختيار مجلس سياسي – عسكري مجرّب وذي كفاءة.

سيبقى أي عملٍ في هذا الاتجاه ناقصاً، بل مبتوراً، إذا لم يستند إلى حقائق تاريخية، رافقت الأيام الأولى لاندلاع الانتفاضة الثورية السلمية السورية، وأولها أن المجلس الوطني السوري لم ينشأ بطريقة ديمقرطية سليمة، وخضع للآيديولوجيا الحزبية، وألبسوه طربوشاً إسلامياً، ليكون عنواناً زائفاً للمجتمع السوري متعدّد الأقوام والأديان، ما أثار الريبة والخوف وحرمان

"أي عمل صوب تحقيق المؤتمر الوطني السوري يجب حتى يكون ناجحاً أن لا يتصدّره المسؤولون في المجلس الوطني السوري والائتلاف والمجلس الوطني الكردي وسائر تشكيلات المعارضة الوطنية" المعارضة من قطاعاتٍ واسعة من مختلف الأقوام والأديان والمذاهب، كما قدّم ذلك هديةً على طبقٍ من ذهب لنظام الاستبداد الذي استغل ذلك، ونجح في الإساءة للثورة، وتشويه صورتها أمام المجتمع الدولي.

سيبقى أي عمل قادم بخصوص المؤتمر الوطني دون المستوى إن تجاهل أمرا آخر، وهو أن سبب الهزيمة أن "المجلس" و"الائتلاف" والمعارضات كلها والثوار، اتفقوا على إسقاط النظام واختلفوا على النظام البديل، كما يروج ذلك بعضهم، والحقيقة أن المعارضات بدون استثناء لم تكن مع إسقاط النظام كمؤسسات أمنية وعسكرية وإدارية وحزبية ذات قاعدة اقتصادية واجتماعية وخطاب، فقد رضيت علناً ومواربةً بالتحاور مع النظام والعمل معه، ووقعت على اتفاقيات وبيانات جنيف وفيينا وغيرها التي نصت على الحفاظ على مؤسسات النظام، وقد أخفت المعارضة (الائتلاف والهيئة العليا) خطيئتها بالتركيز على رحيل الأسد، وكأن رحيله سيزيل كل مؤسسات النظام التي تتأسس وتترسخ منذ عقود.

أما بشأن البديل عن الاستبداد، فلم يكن هناك سبب للاختلاف، حتى بداية 2012، وكنا، نحن الوطنيين، نرى أن الأولوية لإسقاط النظام، من دون طرح ما نؤمن به من نظامٍ قادمٍ وتفاصيله وأسسه، وذلك درءاً لأي خلاف بين صفوف الثوار والمعارضين، ولكن جماعات الإسلام السياسي هي من بدأت بتعميم الشعارات وبثها، ومنها استفزازية، لحوالي نصف المجتمع السوري، كما رفعت الرايات السود، وتردّد، من مطلعين عديدين، أن جماعة الإخوان المسلمين السورية كانت ترسل عاملين فنيين مع آلات التصوير، مكلفين بترديد شعاراتها مع تصوير نشاطات المحتجين ومقاومة الثوار في الميدان، وذلك كعمل دعائي حزبي صرف.

أي عمل صوب تحقيق المؤتمر الوطني السوري يجب حتى يكون ناجحاً أن لا يتصدّره المسؤولون في المجلس الوطني السوري والائتلاف والمجلس الوطني الكردي وسائر تشكيلات المعارضة الوطنية، لأنهم فشلوا وأضرّوا، ويتحملون المسؤولية التاريخية، وعليهم الاعتراف بذلك أمام الشعب. وبإمكانهم دعم المشروع عن بعد إن أرادوا، والدور الأساسي يجب أن يكون للمستقلين، وتنسيقيات الشباب وحراكهم ومنظمات المجتمع المدني، مضافاً إليهم الثوار الديمقراطيون، وخصوصا ما تبقى من تشكيلات الجيش الحر وأفراده.

هناك وطنيون مستقلون كثيرون، وكنت من بينهم، بدأنا بطرح فكرة المؤتمرالوطني السوري الجامع منذ بدايات 2013، من أجل إعادة بناء صفوف الثورة وتعزيزها، والحفاظ على وجهها الوطني ومضمونها الديمقراطي وأهدافها النبيلة، وصيانة قدرات الجيش الحر وتعزيز وجوده وقدراته عموداً فقرياً، لتحقيق المشروع الوطني في تحقيق الحرية والكرامة والتغيير، وصولاً إلى سورية الجديدة التعدّدية التشاركية، ولكننا جوبهنا من كيانات المعارضة بشتى أنواع الضغط السياسي والتشهير والتشكيك. والآن، لن نبادلهم الأمر بالمثل، بل نقول لهم بهدوء: ارفعوا أيديكم ووصايتكم عن مشروع المؤتمر الوطني السوري الجامع.

نجاح المؤتمر المنشود متوقف على جدية اختيار اللجنة التحضيرية التي من المفيد أن تعبّر عملياً عن مختلف المكونات والتيارات السياسية المؤمنة بالثورة، وأن يغلب عليها العنصر الشبابي من النساء والرجال، ومطعمة بمناضلين وطنيين نزيهين، خبرتهم سنوات في مواجهة نظام الاستبداد.

========================

دمشق أو حافظ بشار الأسد .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 10/1/2017

أثبتت أحداث السنوات الماضية في سورية أن كل خسارة للثوار في دمشق ومحيطها تقرّب الثورة أكثر إلى شكلٍ من أشكال التمرّد، في حين أن أي ربح تحققه الثورة في بقية أنحاء سورية لا يعتد به، وليس له قيمة إستراتيجية مهمة في عملية إسقاط النظام.

لم تغير سيطرة المعارضة على مدن وأرياف واسعة في سورية من معادلة الحرب، بقدر ما تحوّلت تلك المساحات إلى أمكنة لإستنزاف الثورة والثوار، سواء على صعيد رصيدها من المقاتلين، أو من رصيدها لدى البيئات الحاضنة لها، والتي ذاقت الأمرين، ذلك أن أي منطقة سيطر عليها الثوار حوّلها النظام إلى جحيم أرضي، وشرّع بحقها كل أشكال العنف، من دون رحمة.

وفي ظل سيطرة سلاح الطيران على المعركة، وسهولة استهدافه أي منطقة، لم يكن من الممكن الاستفادة من الأراضي المحرّرة لبناء سلطةٍ بديلةٍ عن سلطة النظام ومؤسسات خدمية ومدنية، وهي من المفترض أن تكون جوهر عملية تحرير المناطق. وبالتالي، حوّل انتزاع هذه المهمّة عملية تحرير المناطق إلى استثمار مكلف ومحكوم عليه بالفشل المحتم.

في فترة سابقة، لم يبق تحت سلطة النظام أكثر من 16 بالمئة من مساحة سورية، بل وصل به الأمر إبداءه الاستعداد للتراجع عن مناطق في هذه المساحة في مقابل احتفاظه بالعاصمة دمشق وسيطرته عليها، فقد اختزل نظام الأسد سورية بها، ووضع فيها أكثر من نصف قوّته، ونخبة جيشه، إدراكاً منه أن الثورات تنجح عندما تسقط العواصم، وطالما بقيت بعيدةً عن العاصمة، فإنها تتآكل وتنتهي إلى صراعاتٍ بين أطرافها مع الزمن، فالثورات في الأقاليم هي تمرّدات، حتى وإن دامت عقوداً، كما أن نهايتها تكون على شكل مطالب خدمية للأقاليم، لا علاقة لها بالنظام السياسي وطبيعة الحكم وآلياته.

تلك كانت من أخطاء عديدة للثورة السورية، ولعلّ الخطأ الأكبر عدم اعتماد الإستراتيجيا بمعناها الحرفي، بعد أن تحوّلت الثورة إلى السلاح. والإستراتيجيا بهذا المعنى تعني رسم خطّة للوصول إلى الأهداف بأقصر مدى زمني، وبأقل قدر من التكاليف، فضلاً عن تنسيق العمل والتكامل بين عشرات، إن لم يكن مئات الفصائل، المقاتلة التي استمرت كل واحدة بالقتال

"إذا قضى الأسد على الثورة في محيط العاصمة، فعلى السوريين التجهز لحكم نجله حافظ بعد زمن. وإذا قضى على الثورة هناك، فستنتهي كل المناطق إلى نهاية حلب وحمص" وكأنها هي الثورة كلّها، فما هي الفائدة الإضافية التي جنتها جبهة اللاذقية من نظيرتها الحلبية، بل ما المكاسب التي حققتها جبهات غوطة دمشق الغربية من الجبهة الجنوبية الملاصقة لها؟ الواقع أن الثورة السورية لم تكن سوى مجموعة ثورات، كل واحدة تعمل لأهداف منفصلة، من دون أن يكون هناك تبادلية في المنافع، ولا تنسيق في الأدوار.

شكّلت العاصمة الاستثمار السياسي الأبرز لنظام الأسد وحليفتيه، روسيا وإيران، فمن خلال ضمان السيطرة عليها، ضمن نظام الأسد استمرار عمل مؤسساته التي جعلته الطرف الأكثر واقعيةً في الحكم وقدرة على إدارة شؤون سورية، وكان من غير الواقعي في نظر أميركا وأطراف دولية كثيرة إزاحة نظام يدير مؤسسات الدولة وإستبداله بأطرافٍ لم يسبق لها إدارة مثل هذه المؤسسات، ولم تثبت أنها قادرة على صناعة بدائل مناسبة.

واليوم، يبدو أن دمشق تفلت شيئاً فشيئاً من يد الثوار، خصوصاً في ظل الحديث عن هدنة بين الأطراف المتصارعة، ما يعني أن نظام الأسد وحلفاءه سيتفرغون لإحداث تغييرات في دمشق وغلافها، استكمالاً للإجراءات السابقة التي قاموا بها، وكان لها أثر كبير في تفكيك المخاطر المحيطة بالنظام.

كيف لم ينتبه ثوار سورية إلى أن الجهود والموارد التي ضيّعوها في الأطراف كانت كافيةً لطرد نظام الأسد من العاصمة، وإن لم يكن إسقاطه فتحويله مع حلفائه إلى طرفٍ مثل "داعش" وجبهة النصرة في أحسن الأحوال، وسيطرة الثوار على العاصمة، بعدما انهار جيش النظام، كانت كفيلةً بضمان إنهيار قواته على الجبهات كافة، كما أنها ستضعه أمام خيارات وبدائل سيكون أفضلها التقهقر إلى جبهة الساحل، وحتى المليشيات الحليفة، القادمة من العراق ولبنان، ستضطر إلى تقليص أهدافها بالدفاع عن بيئة الأسد في مناطقها، وحتى روسيا نفسها لن تخوض حينها معركة على هذا الاتساع، في ظل تقلّص مساحات انتشار قوات الأسد.

ولكن، على الرغم من ذلك، هناك فرصة لتحقيق شيء من هذه الإستراتيجية، فعلى الرغم من كل ما حقّقه النظام من تقدم في محيط العاصمة، لا يزال هناك عديد قوات ثورية في الغوطة الشرقية، يقدّره بعضهم بخمسين ألف مقاتل، بالإضافة إلى مقاتلي الجبهة الجنوبية (35 ألف مقاتل)، وآلاف من مقاتلي القلمون، ويمكن تغذية جبهة العاصمة بآلاف من مقاتلي الجبهات الأخرى، كما أن الفصائل ما زالت تسيطر على مساحات من العاصمة نفسها (جوبر، القابون، مخيم اليرموك)، يمكن أن تشكل كل منها مداخل لتفعيل العمل ضد نظام الأسد، وتستطيع القوات في هذه المناطق تحقيق التحامات سريعة من شأنها تعطيل فعالية القوّة الروسية، على اعتبار أن مساحة دمشق ورقعة انتشار السكن فيها أصغر بكثير من المساحة في حلب التي تساوي أضعاف مساحة دمشق.

إذا استطاع الأسد أن يقضي على الثورة في محيط العاصمة، فعلى السوريين التجهز لحكم نجله حافظ بعد زمن. وإذا قضى على الثورة هناك، فستنتهي كل المناطق إلى نهاية حلب وحمص، إن لم يكن في هذا العام فبعد عامين أو ثلاثة. في حال استطاع تحطيم قوى الثورة وإفراغ محيط دمشق من الثوار، سيعمل نظام الأسد على تغيير هويتها إلى الأبد، عبر تغيير تركيبتها السكانية، وستنتهي أي إمكانية للثورة في دمشق.

========================

ادلب والأستانة -السيناريوهات الخمس .. د. مأمون سيد عيسى

كلنا شركاء

الثلاثاء 10/1/2017

عام جديد، محافظة ادلب ,أجواء ملبدة بالقلق والإحباط والخوف من المجهول .أوضاع  ميدانية صعبة, انتكاسات , مصالحات في مناطق عدة. ضاعت الغوطة الغربية وحلب ثاني المدن في سوريا بذل الثوار في تحريرها انهارا من دم

محافظة ادلب، خزان الثورة الكبير. المحافظة التي تحررت بكاملها من نيران الأسد. المحافظة ذات الرايات السوداء حيث الطفل الرضيع فيها إرهابي وفق ما ينظر الغرب والروس اليها . تأتي الأسئلة تباعا ماذا يُخبئ لهذ المحافظة؟ وماهي السيناريوهات المرسومة لها؟

مع تحديد موعد لمفاوضات الأستانة تتوارد الأسئلة. هل سيتوقف قرع طبول الحرب وهل ستتمكن المفاوضات القادمة من تحقيق اختراق في المسار السياسي للقضية السورية ,القضية الأصعب في هذا القرن ؟ وكيف سيكون موقف هذا المحافظة من تلك المبادرات وهل ستحلق ادلب خارج السرب؟

محافظة ادلب والحل السياسي

هنالك أسباب عامة توحي بفشل واضح للحلول السياسية التي يخطط لها في الكواليس؟ وهنالك عوامل فشل لتلك الحلول تختص بها محافظة ادلب وهذه الأخيرة تتمحور حول عوامل أيديولوجية وجغرافية وميدانية تخص بها تلك المحافظة سيتم التوسع بها لاحقا.

اما الأسباب العامة فإن النظام وايران استمرا في  التصعيد رغم الهدنة ولاتزال قوات الأسد والميليشيات الشيعية تقوم بالتصعيد ومحاولة اقتحام قرى وبلدات وادي بردى والغوطة الشرقية في ريف العاصمة دمشق في تجاهل واستهزاء باتفاق أنقرة إضافة وتستمر بالقصف على ارياف ادلب وحماة وحلب تنفيذا للمشروع الإيراني والنظام في استرداد الأراضي التي سيطرت عليها المعارضة ومن الواضح ان هذا يتم بمباركة روسية فهي تبدي عدم رضاها عن خرق الهدنة بينما النظام والميليشيات الشيعية تضرب وتقتحم ومن ثم يدخل الضباط الروس كمفاوضين لتكريس الشروط الإيرانية من استسلام وتهجير لسكان وادي بردى باتجاه ادلب.

-ان الطرفين تركيا وروسيا لم ينفذا بنود تثبيت وقف إطلاق النار التي وضعوها من نشر لمراقبين روس وأتراك ونقاط تفتيش قرب مناطق الاشتباك تسجلُ إضافة الى إعلان خروقات اتفاق وقف العمليات القتالية و نسأل؟؟ اين هو نظام المعاقبة الذي أقره الطرفان في الاتفاق لمن يقوم بخرقه , إن هذا سوف يوحي بشك في إمكانية قدرة هذين الطرفين على فرض اتفاق سياسي في الاستانة اذا لم يستطيعا تنفيذ مجرد وقف اطلاق نار مؤقت

ان استبعاد الطرف الأمريكي وتنحيته رغم انه ممسك بكثير من الخيوط المهمة في القضية السورية هو عامل فشل في أي مشروع قادم فالطرف الأمريكي قادر على ان يقلب الطاولة في كل لحظة

الأسباب الخاصة بمحافظة ادلب

أ-هنالك صعوبة في قبول حاضنة الثورة للحل السياسي المطروح وخاصة في محافظة ادلب المحررة بالكامل فرغم انها تعبت من استمرار الحرب لخمس سنوات مضت فهي تملك نوع من الاستقلالية في القرار عن الأماكن الأخرى في سوريا كونها محررة بالكامل ولن ترضى حاضنتها المثخنة بالجراح بحل حكم انتقالي يحافظ على وجود الأسد في المرحلة الانتقالية وكذلك لن تقبل حاضنتها ان يتم المحافظة على مؤسستي الجيش والأمن  المتوغلتين في القتل والإجرام بعد خضوعهما لعملية إعادة هيكلة و تجميل  ولن تقبل  تللك الحاضنة بحل يعمل على استراتيجية “عفا الله عن ما مضى” أو سياسة “تبويس الشوارب” في التعامل مع اكبر جرائم العصر ففي هذا ضياع لدم مئات الالاف من الشهداء.

ب-المشكلة الأساسية ستكون في تغيير نظرة المجتمع الدولي الى محافظة ادلب كبؤرة للإرهاب يجب استئصاله وبالتالي لا نجد من المجتمع الدولي أي بوادر لفتح باب للتلاقي او تقريب وجهات النظر مع الفصائل الإسلامية المتواجدة فيها وخاصة جبهة فتح الشام التي تم بناء صورة نمطية عنها غير قابلة للتبدل أي ” “un changeable وبالتالي لا يتم التعامل بإيجابية مع أي مبادرة لتلك الفصائل في تحسين صورتها او رغبتها بالانفتاح على العالم

فقد وضع مجلس الأمن تنظيم فتح الشام على قائمة الإرهاب بالتالي اعطى الشرعية الدولية لاستهدافه وما حوله من بشر وحجر وحتى الاتفاق الثلاثي والهدنة بنسختها المرفوعة للأمم المتحدة لم تجعل فتح الشام خارج مشروع الاستهداف

رغم ان التنظيم قدم تطمينات قوية للمجتمع الدولي بدئت بإعلان انفكاكه عن تنظيم القاعدة و تعمقت في تصريحات للمتحدث باسم التنظيم للجزيرة نت منذ ايام بأنها تقبل بحل سياسي ضمن محددات وانها لا تتبع لأي جهة خارجية، وان جهادها وعملها منصب على إسقاط النظام كاملا بكافة رموزه ومؤسساته، فلم تلق أي ردود إيجابية حول تلك الخطوات

المشكلة ان الغرب لا يطلب من هذا التنظيم طلبات محددة فد ينفذها إذا اقتنع انها لمصلحة القضية السورية وموافقة للشرع لكن هذا للأسف لا يحدث.

اما بالنسبة لمحافظة ادلب فالمؤشرات التي اوضحناها تجعل محافظة ادلب بحكم التواجد القوي لفصيل فتح الشام هدفا للاستهداف والقصف من قبل قوات التحالف وهدفا للاقتحام والحصار من الروس والنظام وميليشيات ايران وحتى من قوات التحالف حيث لاحظنا منذ أيام بدء استهداف مقار لها في شمال محافظة ادلب.

لذلك تأتي هذه الدراسة في استشراف القادم بما يتعلق بمصير هذه المحافظة في اسقاطات على أقاليم عدة, إضافة للسيناريو الأول الذي نعتبره مقدمة للسناريوهات الباقية

السيناريو الأول: ادلب –ساحة حرب

لماذا نضع خيار الحرب في محافظة ادلب ببنما يتحدث الكثيرون عن سلام قادم بعد الأستانة

أ- هنالك كابوس لدى الروس والإيرانيين والنظام اسمه محافظة ادلب إنهم يتمنون ان يلقوا عليها احدى قنابلهم النووية وينتهوا من امرها لكن وفق رؤيتنا  لن يكون باستطاعتهم تحقيق رغبتهم  باسترجاع سوريا كلها ولا حتى محافظة ادلب بسبب عوامل منها الامتداد الواسع لهذه المحافظة حيث تعادل مساحتها ستون بالمائة من مساحة لبنان وكونها تضم عشرات الالاف من الثوار خلفهم حاصنة قوية مرتبطة بهم يمكنها في حال هوجمت في أرضها ان تقدم ابناءها لمعركة المصير فيرتفع عدد المقاتلين المدافعين ربما الى مائة ألف مقاتل

ب- لا يزال  خيار الحرب هو الخيار الاستراتيجي للنظام وايران و ميليشياتها فالهجوم على وادي بردى والزبداني وقصف حي الوعر ودرعا و ارياف حلب وحماة و ادلب لم يتوقف وكل حديث عن حلول لدى النظام وحلفاءه هو نوع من التقية السياسية وهذا ما كان واضحا في تطبيق اتفاق الهدنة  التي سبقتها هدن عديدة في السنوات الماضية لم ينفذها فاذا كان وقفا مؤقتا لأطلاق النار لم يستطع النظام و حليفه الإيراني احتماله ,فكيف سيقدم التنازلات التي ستدمر أساس بناءه وتجعله على شفا الانهيار وقد شهدنا مؤتمرات جنيف وغيرها كان يزوغ منها كما يزوغ الثعلب .

ب-ان التباين في توقعات مختلف الأطراف حول طبيعة الحل السياسي وكيفية تطبيقه يهيئ لحدوث جولات جديدة من المعارك خاصة اذا كانت نتائج المفاوضات تودي لحل سياسي لا يحقق الحد الأدنى من متطلبات الشعب السوري حرب وخاصة اذا استطاعت قوات الثوار توحيد صفوفها واستعادة زمام المبادرة وشن هجمات تؤدي الى اختراقات في الجبهات و هذا ما سيقوي موقفهم التفاوض في أي مباحثات سلام

لذلك من المتوقع قيام النظام وحليفه الإيراني وميليشياته وبدعم جوي روسي بعمليات جراحية عسكرية تعمل على إعادة تموضع الفصائل العسكرية وتضييق منطقة سيطرة الثوار في محافظة ادلب الى اقصى مدى وحصر المعارضة في بقعة محدودة حتى تستطيع ان تجبرها على عقد استسلام شبيه بما حدث في حلب أو لتحقيق مكاسب على الأرض تجري ترجمتها على طاولة المفاوضات لصالح النظام وحلفاءه

السيناريو الثاني – ادلب المحافظة السوداء-قندهار

على مدى العامين الماضيين، استخدم الأسد سياسة الحصار، والهدنة لإجبار المعارضة على الاستسلام، وقد تم ترحيل آلاف الثوار وأهليهم وحاضنتهم إلى إدلب -المنفى القسري-مما يعتبره الكثيرون محاولة مدروسة لجمع المقاتلين في مكان واحد بحيث يسهل استهدافهم وربما القضاء عليهم بين ظهراني المكان وهذا ما قد يجعل منها وفق هذا الخيار مسرحاً لحفل الدم القادم بعد حلب.

يتم الشحن الإعلامي ضد محافظة ادلب وشيطنتها ويتم الإيحاء بهتانا بانها ذات لون اسود وان النواة الصلبة لقيادة تنظيم "القاعدة" تتمركز بها في مقاربة مع إقليم قندهار في أفغانستان و الذي كان قاعدة لحكومة طالبان بين أعوام 1996- 2001ورغم ان جبهة فتح الشام المصنفة من قبل محلس الامن ضمن التنظيمات الإرهابية لا تتجاوز نسبتها  الخمس بالمائة من قوات الثوار الموجودين بمحافظة ادلب خاصة مع وصول كتائب الجيش الحر من بلدات ريف دمشق ورغم تواجد قوي لكيانات مدنية بها حيث تضم  مائة وثلاثون مجلسا محليا و هيئات سياسية ومئات المنظمات الإنسانية الأجنبية والعربية فان ما يتم تسويقه لهذه المحافظة انها المحافظة سوداء.

كما وجدنا لدى احتلال حلب فإن سياسة بوتين تعتمد على فرض الرؤية الروسية وفق مفهوم القوى الوحشية حيث تكلمنا عن خطة لحصر الثوار في منطقة يتم قصفها بوحشية حتى استسلام جبهة فتح الشام ومعها الكتائب الإسلامية المختلفة

سيفسح الروس للمتمردين “الخضر” مجالا لمغادرة المنطقة خلافا لـ(المجاهدين) “السود الذين سيضربون حتى الاستسلام او الموت في استنساخ لتجربة ضرب تنظيم القاعدة في أفغانستان.

لكننا نتساءل هل سيكون لدى تركيا ممانعة لهذه الخيار، فهي رغم توقيعها الاتفاق الثلاثي والذي ورد في المادة 8 منه التزام الأطراف بحرب مشتركة لمكافحة التنظيمين وفصلهما عن باقي التنظيمات فمن المحتمل أن تمانع تركيا هذا الخيار لأسبب أهمها: حجم الضحايا من المدنيين من المتوقع ان يكون كبيرا في ظل  الكثافة السكانية الكبيرة بها بما يقدر بمليوني نسمة وكذلك ووجود أكبر مخيم للاجئين في العالم بها وبالتالي ستدفق أمواج جديدة من النازحين الى حدودها إضافة لما قد يسبب هذا الخيار من خلق أعداء جدد لتركيا من الفصائل التي سيتم استهدافها

السيناريو الثالث –ادلب –غزة

سيكون خيار غزة هو الخيار العسكري الأقل عنفا في التعامل مع محافظة ادلب قياسا للخيارات العسكرية الأخرى وهذا الخيار يمكن هضمه أكثر من قبل العالم الحر-كما يدعى-خاصة بعد الضجة والتظاهرات والادانات العالمية للقصف والمجازر التي رافقت استرجاع حلب. ويمكن ان تكون قوات التحالف  شريكا في هذا السيناريو.

يمكن أن يأتي هذا الخيار وفق رؤيتنا بعد خيار العملية الجراحية العسكرية التي تحدثنا عنها بحيث يتم ما يلي :

-حشر الفصائل العسكرية الموجودة في ادلب في بقعة جغرافية ضيقة (إعادة سيناريو اسرائيل في غزة عندما حصرت حماس والجهاد الإسلامي)

 استهداف الفصائل الإسلامية التي تصنف بانها متشددة واستنزافها ومن يؤيدها كي تقدم استسلامها وتطالب بحل ما مع روسيا وقوى التحالف

 القيام بعمليات كتلك التي تقوم بها إسرائيل في غزة من اصطياد للقيادات والناشطين الإسلاميين وقد بدء هذه السيناريو بالتصاعد في استهداف طيران التحالف لمقار لفتح الشام في سرمدا منذ ايام

-استخدام سلاح الحصار والتجويع ضد القوى الإسلامية وحاضنتها.

-يمكن لروسيا ومن بتحالف معها في حصار قطاع ادلب-غزة ان تسمح للفصائل المختلفة من الخروج من المنطقة وترك فتح الشام وبقايا جند الأقصى ومن يؤيدها في هذه المنطقة الضيقة

-في النهاية من الممكن القبول بخروج هذه القوى ربما الى مناطق تنظيم الدولة العراق اسوة بما حدث في ريف دمشق عندما فتح الطريق النظام لها لتصل حتى الرقة

سيكون معبر باب الهوى هو معبر رفح الذي تصل منه المعونات الى القطاع بحيث تمنع أهلها من الموت جوعا ومرضا

بهكذا خيار تبقى محافظة ادلب منطقة لتصفية الحسابات الدولية فيها مع ما يعتبروه فصائل تتبنى الإسلام المتشدد حيث تكون هذه السيناريوهات هي المرحلة الأخيرة من قصة الغرب وروسيا مع المتشددين حيث سمحوا لهم خلال السنوات السابقة بدخول سورية كي يكون مقتلهم بها

وهنالك خيار ضمن هذا السيناريو هو ان يتم تطويع القوى السلامية في كيان غزة ادلب بما يشبه حال غزة وربما تعاد “تجربة حماس في مقاومة الاحتلال من خلال مشروع إسلامي ووطني في هذه البقعة يجمع بين الجهاد والسياسة

السيناريو الرابع – حرب السنة -بنغازي

يثير الاقتتال الداخلي الذي وقع العام المنصرم بين فصائل عديدة في مختلف المناطق المحررة في نفوس حاضنة الثورة قلقا حول المستقبل وينازعها القلق والخوف من اندلاع الحرب بالوكالة كحال بنغازي بين أخوة الثورة والتراب عندما يتم تنفيذ لتعاليم الدول الداعمة ولية الأمر وصاحبة القرار.

من الواضح عبر قراءة سير المعارك والاحداث في المرحلة السابقة وجود نوع من الارتباط بين اغلب فصائل الثوار بنوعيها الإسلامية والجيش الحر بدول داعمة وفق اتفاقيات عير معلنة ساهمت في فتح معارك وإيقاف معارك في العديد من مناطق سورية أيضا تجلى الامر في معارك بين العديد من الفصائل التي جرت مؤخرا في ريف ادلب وحماة وغوطة دمشق تمت بناء على أوامر خارجية

في خيار بنغازي وهو الأكثر ايلاما للقلب تقوم فصائل الثوار بتوجيه بنادقها نحو حليف الامس ويتم تشجيع الاقتتال بين الفصائل السنية خاصة ممن يتم تصنيفها بالتشدد مع والفصائل المعتدلة من الجيش الحر وحتى اقتتال الفصائل الإسلامية فيما بينها

سيكون القادة جاهزون لشحن عناصرهم والشرعيين جاهزين لإصدار الفتاوى المطلوبة لبدء القتال بين الأخوة وبذلك نكفي النظام والروس وقوات التحالف مؤونة القتل والقتال ونوفر دمائهم والأرواح وسوف يتيح هذا السيناريو لمجرمي الأسد وحلفائهم غسل جرائمهم بل مجازرهم التي اقترفوها فالكثير من الثوار سوف يوجه سلاحه الى من قد يكون اخوه او جاره او ابن عمه والحجة جاهزة انهم غلاة ارهابيون من العصر الحجري

سيشكل ذلك تماهيا مع رواية النظام حول حربه للثورة السورية بأنها حرب مع الإرهاب وليس حرب الباحثين عن الحرية المفقودة.

سيكون هذا الخيار مدمرا وحارقا ليس للثورة فقط وإنما للجارة تركيا التي سيقف على حدودها مئات الالاف من الهاربين من الموت ووقد يقوموا باجتياح تلك الحدود مهما كان الثمن 

في ذلك السياق نرى في المناطق المحرر إرهاصات لهذا السيناريو ويتجلى بتفلت أمني في محافظة ادلب أدى لمقتل العشرات من الثوار، وسجلت كافة الاعتداءات وحتى الاعتقالات ومداهمة الحواجز والمقرات وتصفية قادة ضد مجهول

اما الاشتباكات وحالات الاقتتال الداخلي التي ظهرت بها بيانات وفتاوي فلا تعد ولا تحصى بدة من اشتباكات الغوطة وحتى المعارك في ريفي ادلب وحماة

السيناريو الخامس –ادلب -كوتا

ستكون محافظة ادلب مع مناطق من الحدود الشمالية وفق هذا السيناريو ضمن (الكوتا التركية) أي منطقة الحصة التركية في مناطق النفوذ وهذا كما نتوقع كان أحد التفاهمات الغير معلنة للاتفاق الثلاثي والتي ستبقى طي الكتمان حتى تترجم تلك المناطق حدودا وكيانات على الأرض. وهذا ما أكدته وكالة رويترز في أن الاتفاق الثلاثي قسم سوريا الى مناطق نفوذ غير رسمية للقوى الموقعة

هنالك مؤشرات على ذلك الخيار منها معلومات عن نية الحكومة التركية انشاء مدن بكاملها في مناطق النفوذ عندما تفرغ قواتها من مهماتها العسكرية حيث تدور مباحثات مع شركة“TOKI لإنشاء مدارس وشقق ومنشآت اجتماعية في تلك المناطق. وقيام منظمة ihh التركية بإنشاء سلسلة من المنشآت الصحية فيها

ايضا قيام تركيا حاليا بإيصال الكهرباء من داخل الأراضي التركية إلى محافظة ادلب في هذا شهر كانون 2 تتبعها المياه كما تناهى لنا وتم في الفترة القريبة توسيع تغطية الهواتف الخلوية التركية داخل سورية

أيضا من المؤشرات اطلاق والي كلس مشروعا غير مفهوم يهدف الى توثيق أملاك السوريين في وطنهم لدى مؤسسة حكومية تركية.

ستحتفظ منطقة النفوذ هذه بادلب الزاوية الغربية من خاصرة تركيا الجنوبية ليس طمعا بأرض بل حاجة لأمن وبنفس الوقت تكون المنطقة مجالا لإيواء النازحين السوريين بعد جلبهم من المخيمات التركية وعازلا بين تركيا وسوريا المفيدة  وهذا أيضا ما يتوافق مع رغبة ترامب إقامة “مناطق آمنة” لمساعدة المدنيين المحاصرين في الصراع الدموي السوري.

في حال وجود تفاهمات دولية على تغيير خارطة سايكس بيكو يمكن ضم هذه المنطقة الى تركيا ونتوقع ان يلاقي هذا ترحيبا من سكان المحافظة خاصة إذا خير بين تركيا وسوريا المفيدة بانتداب روسي وحكم يعاد انتاج نظام الأسد بها

كما ان السوري الذي ذاق كاس الفقر والفاقة والفوضى في المناطق المحررة يحتاج الى دولة قوية تؤمن له الأمان والنظام والحرية والكرامة وكذلك مزايا التامين الصحي والاجتماعي وفرص العمل وللأبناء فرص التعليم.

هنالك مؤشرات أيضا على مشروع العثمانية الجديدة منها منح الجنسيات للمستثمرين والفئات ذات الثقافة العالية وحذف مناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا من المدارس السورية في تركيا.

وماذا بعد

هل ننتظر السيناريوهات التي ذكرت والتي ان اختلفت لكن أغلبها يتشابه في المصير انه القتل والدمار وقوافل النزوح وسنوات أخرى من التغريبة السورية

اننا نرى أنه لابد من ان يأخذ الثوار المبادرة بتوحدهم وتجاوز نكسة حلب وان يتم استثمار الهدنة ولو طبقت بشكل جزئي في تمتين الجبهات السياسية والعسكرية والأمنية استعداداً لأخذ زمام المبادرة وخير لقوى المعارضة أن تدخل أي مفاوضات وهي متماسكة قوية بدل ان تدخلها في حالة التشرذم والضعف.

========================

الطريق الصعب إلى آستانة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 10/1/2017

لا تبعد آستانة كثيرًا عن دمشق وإسطنبول وموسكو، أكبر مسافة لا يستغرق قطعها بالطائرة أكثر من خمس ساعات، وبهذا المعنى لا يحتاج الذاهبون إلى آستانة أكثر من ذلك للوصول، وعقد اجتماع بين ممثلين عن نظام الأسد والمعارضة السورية للبحث في القضية السورية، وآفاق حلها حلاً سلميًا بحضور كل من روسيا وتركيا اللتين أخذتا على عاتقهما رعاية مؤتمر آستانة، في إطار مساعي روسيا وإيران وتركيا وفق إعلان موسكو للوصول إلى حل سياسي في سوريا.

ورغم أن الوصول إلى آستانة لا يحتاج أكثر من ساعات، فإن الموعد المقدر أطول من ذلك بكثير، وقد يطول أكثر من كل التوقعات، والسبب أنه لا تتوفر أساسيات مهمة في عقده، تتجاوز ما تم الإعلان عنه من أنه اجتماع يجمع بين ممثلين للنظام والمعارضة، وأنه سيبحث في الحل السياسي تحت رعاية روسية - تركية، وهذه النقاط غير كافية لنجاح آستانة، ولا تكفي ليحقق من خلالها أي تقدم على طريق حل للقضية. ولأن الأمر على هذه الصورة، التي يعرفها الروس والأتراك وكل المتابعين للقضية وتطوراتها، فإن الراعيين سيعقدان اجتماعًا في آستانة للبحث فيما ينبغي القيام به من خطوات، يساعدهما في الوصول إلى الغاية المرجوة.

ورغم الأجواء الإيجابية، التي قوبل بها التوافق الروسي - التركي، والإعلان عن آستانة، فقد ظهرت هنا وهناك ملاحظات، لا شك أن القسم الأكبر فيها جوهري وحساس، مثال الرابط الذي سيحكم آستانة بما سبقه من جهود ومساعي الحل السياسي في سوريا، وخصوصًا الجهود التي بذلت في جنيف عبر الأعوام الثلاثة الماضية، وكذلك ثمة سؤال عن دور الدول الأخرى، ومنها دول إقليمية فاعلة ومؤثرة بالموضوع السوري، مثل المملكة العربية السعودية، ومثله سؤال عن دور الدول الأوروبية، ومنها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إضافة إلى الغموض المحيط بالدور الأميركي فيما يتصل بآستانة.

ومما لا شك فيه أن دور إيران ومن خلفها الميليشيات التابعة لها في سوريا، ينبغي أن يوضع في الحسبان، ولا يكفي في هذا المجال، القول إن إيران إلى جانب روسيا وتركيا، قد شكلت توافقًا ثلاثيًا حول سوريا من خلال إعلان موسكو، أو من خلال موافقتها الملتبسة على وقف إطلاق النار في سوريا، التي من الواضح أنها موافقة مشكوك فيها، ليس بسبب خروقات نظام الأسد والميليشيات الشيعية المرتبطة أساسًا بمواقف وقرار طهران، وإنما أيضًا بسبب التصريحات الإيرانية الرسمية، التي أكدت أن إيران لن تلتزم بوقف العمليات العسكرية في سوريا، طالما تطلب الأمر ذلك.

والآن بدا أن المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، وافقت في غالبيتها على وقف إطلاق النار، وأيدت على نحو عام فكرة الذهاب إلى آستانة، غير ذلك كله يمكن أن يكون في مهب الريح، إذا استمرت العمليات العسكرية لقوات النظام والميليشيات الشيعية في الهجوم على المناطق المحاصرة، ولا سيما في ريف دمشق الشرقي والغربي أملاً في سيطرة النظام عليها قبل عقد آستانة في إطار تحسين الموقف التفاوضي للنظام وحلفائه هناك، ويقابل وفد المعارضة الذي لم يتحدد بعد من سيمثله طبقًا لرؤية روسيا وتركيا، ولكلتيهما موقف مختلف، حتى إن توافقتا على دعوة ممثلين عن تشكيلات المعارضة المسلحة، التي فاوضها الروس في أنقرة، وقد باتت أكثريتها تعتقد في ضوء التجربة أن تمثيلها للمعارضة في مفاوضات آستانة، لن يأتي بالنتائج الأفضل، مما يجعلها أقرب إلى مشاركة الهيئة العليا للمفاوضات في آستانة ممثلاً للمعارضة، لكن ثمة معارضة وتحفظات روسية حيال ذلك، وقد يدفع الروس إلى طرح أطراف أخرى يحسبونها على المعارضة مثل قوات سوريا الديمقراطية، التي تضع أطراف المعارضة السورية وتركيا في آن معًا اعتراضًا جديًا على مشاركتها في أي مرحلة من مراحل التفاوض.

وإذا تجاوزنا فكرة المشاركة والحضور في آستانة، فإن ثمة مشكلة أكبر، ما زالت تجعل من آستانة أبعد مما يعتقد البعض، والأهم في هذا موضوع المؤتمر ومخرجاته المحتملة. فإذا كان المؤتمر للبحث في الحل السياسي، فأي مصداقية يمكن توقعها من جانب نظام الأسد وحلفائه الذين ما زالوا متمسكين بالحل العسكري، ولا يرون غيره إلا في إطار حملات الدعاية وتضليل الرأي العام، حيث النظام والميليشيات الشيعية، ما زالا يتابعان عملياتهما، ولم تبرد بعد محركات الطائرات الروسية، التي كانت تقصف حلب، وما زالت قوات روسيا الجوية والبرية والبحرية في وضع الاستنفار لاستئناف العمليات العسكرية الواسعة في سوريا.

إن الروس وفي ضوء السياسة العملية، التي طبقوها في سوريا، لا يتجاوزون في مخيلتهم عن الحل السوري إلا قليلاً، نهجهم في الهدن والمصالحات، التي تمت مع التشكيلات العسكرية في المناطق المحاصرة، وعليه فإن من الممكن بالنسبة لهم جعل آستانة مثالاً أفضل بقليل من حالات الهدن والمصالحات، التي تمت في الداخل، وربما هذا هو الأفق الذي جعل الإيرانيين، يرون في نتائج آستانة، أنها ستكون محادثات تلقي فيها المعارضة المسلحة سلاحها، وتعترف بالنظام، وهذا لا يمكن أن يتم، ولو تم فإنه لن يضع القضية السورية أمام حل لا عسكري أو سياسي.

إن طريق آستانة ما زال وهمًا بالنسبة لحل القضية السورية، ومن أجل أن يصبح طريقًا واقعيًا وممكنًا، لا بد من تعبيده بتوافقات واضحة الأهداف، وتوفير آليات الوصول عبره إلى هدف، يكون ممكنًا وواقعيًا، وأن تتوفر له بيئة حاضنة في المستويات الثلاثة؛ المحلية والإقليمية والدولية، فلا يكفي أن يقول طرف أو طرفان أو ثلاثة وأكثر، إنهم اختاروا طريقًا ما، لتأكيد أن الطريق يوصل إلى الهدف، وخصوصًا إذا كان الهدف حلاً سوريًا عبر آستانة.

=====================
رسائل حزب الله إلى السوريين .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين 9/1/2017

سواء كان حزب الله بلا دبابات أم صار بدبابات، وسواء كان بصواريخ أم ببنادق صيد، هذا لا يغير شيئاً من حقيقة أنه جهة معتدية، تشن حرباً ضد شعب لم يعتد على لبنانية أو لبناني، ولم يهدد أمن وسلامة شعب لبنان، بل كان طيلة التاريخ المعاصر منافحاً عن حريته، مدافعاً عن حقه في الاستقلال والسيادة، رافضاً ما تعرض له على يد نظام الأسد من احتلال إجرامي قتل الآلاف من بناته وأبنائه.

ومن انتهاك لكرامة مئات الآلاف من مواطناته ومواطنيه، ومقدماً تضحيات غالية من أجل عتقه من العبودية الأسدية، التي أثارت لدى معظم السوريين الشعور بالتضامن والإخاء مع لبنان وشعبه المظلوم، لولاه لما وجد كل لبناني قصد سوريا هارباً أو لاجئاً الترحاب والقبول، ولما أشعرته قطاعات واسعة في مختلف أنحاء سوريا بأنه في وطنه، وأن اللبنانيين شركاء للسوريين في مصير أخوي، فوق سياسي، يمليه الإخاء والعيش المشترك.

بدبابات أو بلا دبابات، لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للسوريين، فالحزب الذي ينسبونه اليوم إلى الشيطان، بعد أن كانوا مستعدين لافتدائه بأرواحهم ومهجهم، يحتل منذ أعوام أجزاء غالية من وطنهم دون أي مسوغ، ويقتل أطفالهم ونساءهم وشيوخهم، ويطرد مواطناتهم ومواطنيهم من بيوتهم وأراضيهم ويسرق ممتلكاتهم، ويبدل الطابع السكاني لمناطقهم، امتثالا لخطة إيرانية تستهدف المشرق العربي اليوم، وتشن الحرب عليهم بذرائع مضحكة، وقتل الشعب السوري دون تمييز بحجة انه تكفيري.

لن تغير دبابات الحزب شيئاً من موقف السوريات والسوريين تجاهه، ولن تخيفهم وتدفعهم إلى إلقاء سلاحهم وامتناعهم عن مقاومته. ولو كانت الدبابات تخيفهم، لما قاتلوا جيش النظام بدباباته التي تربو على الأربعة آلاف، وطائراته التي تبلغ نيفا وستمائة طائرة. ولما واجهوا ترسانتي إيران وروسيا بما تمتلكانه من أسلحة قتل جماعي وإبادة شاملة وطلقات لا تخيب.

إذا كان حزب الله يبعث بهذه الرسالة إلى السوريين، فقد أخطأ العنوان. وإذا كان يوجهها إلى إسرائيل، فقد أخطأ التفكير. وإذا كانت موجهة إلى اللبنانيين، كما يرجح كثيرون، وإلى الرئيس ميشيل عون بالتحديد، كي يلوي ذراعه "من أولها"، ويردعه عن التمرد عليه والتعامل معه من موقعه الجديد كرئيس جمهورية تختلف حساباته عن الحسابات التي أملت عليه تحالفه معه قبل أعوام، فقد ضل السبيل، اقله لأنه يؤكد مجدداً للبنانيين انه لن يغير أسلوبه في التعامل معهم.

إذا كان السوريون هم المقصودون، فليخيط حسن نصر الله بغير هذه المسلة: لن يوقف الشعب السوري مقاومة مرتزقته وملاحقتهم قبل أن يسلم هو نفسه للسلطة السورية القادمة ويحاكم في دمشق. وإذا كان يقصد إسرائيل فهذا أمر لا يعنينا، فإن كان يريد تخويف اللبنانيين.

فإن محاولته لن تكون أول تحد واجهوه خلال القرنين الماضيين، ولو ألقى نظرة على تاريخ لبنان، ورآه بأعين غير إيرانية، لرأى كيف اختفت دويلات وغابت زعامات وانهزمت عصابات وسقط الذين استغفلوا التاريخ بأسرع مما صعدوا، ولتاب عما هو فيه.

في جميع الأحوال، لن ينتصر مرتزقة الاحتلال الإيراني للبنان وسوريا، ولو كانت لديهم افضل دبابات الدنيا، وسواء أتوا من الضاحية الجنوبية أم من قم، وسيستمر شعب سوريا في مقاومتهم، وسيقهر دباباتهم ولو بأظافره، وسيريهم أن ما نشأ على باطل يبقى باطلا.

ومن يبني حساباته على قهر الأحرار سيكتشف انه عبد لا يصلح لأي تسيد، وأن خزينه من الدجل لن يضمن بقاء مناصريه ومحازبيه مغمضي الأعين، وانهم سيفتحون قريباً أعينهم على حقيقته وسيدركون حجم الورطات التي جرهم إليها في سوريا والعراق واليمن والبحرين والكويت.

وكي لا يرى ورطاته من يرسل أولادهم إلى الموت في كل مكان من سوريا، فإنه يبادر إلى إيهامهم انه لم يضعف، وانهم غير مهددين بحماقاته وجرائمه ضد اخوتهم العرب والمسلمين، وأن دباباته ستبقيهم خارج المخاطر، علماً بأنها اعظم خطر يتهددهم، وانهم ليسوا بحاجة إليها، بل بحاجة شديدة إلى إصلاح ذات البين مع من يقتلهم الحزب من اخوتهم وبني قومهم.

يرتكب الحزب جرائم يومية ضد عموم السوريين، هي في الوقت نفسه جرائم ضد شيعة لبنان، الذين لم يسبق لهم أن اعتدوا على من لم يعتد عليهم، أو أساؤوا لمن قام بواجبهم حيالهم، بكل ما تمليه الأخوة عليه من كرم أخوي يستحقونه، حين أجبرهم العدوان الإسرائيلي على مغادرة بيوتهم وقصدوا سوريا، فكان جزاء شعبها عند الحزب ما يرتكبه منذ أعوام من جرائم ضده!.

========================

حلب تحاصر إيران .. راشد صالح العريمي

الحياة

الاثنين 9/1/2017

يبدو جلياً أن إيران لا تنظر بارتياح إلى التطورات الأخيرة في سورية، وأن وقف إطلاق النار قبل عشرة أيام لم يرق لملالي إيران وقادة الحرس الثوري الذين يشعرون بأن نفوذهم في سورية يتضاءل لمصلحة تحالف بين روسيا وتركيا، وتقاربٍ في وجهات النظر الروسية - التركية حول المسارات المستقبلية للأزمة السورية بعد أن غيرت تركيا سلوكها، وهو ما يتعارض مع ما خطط له الإيرانيون منذ تدخلهم العسكري المبكر في الصراع، وهو تحويل سورية إلى منطقة نفوذ إيراني صرف على النحو الذي طُبِّق في العراق، وإعطاء الصراع السوري بعداً طائفياً خالصاً على رغم أنه لم يكن كذلك في بداياته، وكان تدخل "حزب الله" اللبناني عسكرياً جزءاً من هذا المخطط.

وعبّرت إيران عن غضبها من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2328 الذي قدمته روسيا، الذي ضمن حماية للمدنيين من العنف، إدراكاً من طهران لحقيقة أن الأمور تسير لغير مصلحتها. ويعد وصف علي شمخاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، القرار بأنه يمهّد لمزيد من التوتر في سورية و"يُنقذ الإرهابيين"، أول إخراج للخلافات الروسية- الإيرانية إلى العلن، بعد أن تمت تنحيتها جانباً لفترة طويلة. وتوالت مواقف روسية بعد انتهاء معركة حلب، لتؤكد أن المدينة لن تُترك للنظام السوري أو لميليشيات إيران و "حزب الله" اللبناني لتفعل بها ما تشاء، فيما كانت طهران تأمل أن يُلقى من حلب خطاب دعائي لـ "النصر الإلهي" يؤكد هيمنة إيران على مستقبل سورية، وينسب الانتصار الذي تحقق في حلب إلى الميليشيات الإيرانية حصراً. وبدلاً من أن تحاصر إيران حلب، كما كان الوضع من قبل، أصبحت حلب الآن هي من يحاصر إيران ويدفعها إلى الزاوية.

إيران ترى مصلحتها في استمرار التصعيد العسكري ومواصلة المعارك إلى حين إتمام خطة تغيير التركيبة الديموغرافية، عبر مواصلة إبرام الاتفاقات حول خروج المسلحين وعائلاتهم من مدن ومناطق معينة، بفعل الضغط العسكري والحصار الخانق، إلى إدلب أو غيرها ليحل محلهم سكان من الشيعة، وصولاً إلى تفريغ المنطقة الواقعة بين دمشق والحدود اللبنانية من السنة على نحو تام.

من أجل ذلك، فإن اختلاق الأسباب والذرائع من أجل مواصلة العمليات العسكرية هدف لإيران و "حزب الله" اللبناني، وكذلك للنظام السوري الذي يشعر بضعف موقفه أيضاً، وهذا ما يفسر محاولات إشعال الموقف وخرق اتفاق وقف إطلاق النار. وبدا التقارب الروسي - التركي على حساب إيران في تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي طالب إيران بالضغط على "الميليشيات الشيعية والنظام السوري" لوقف إطلاق النار، موضحاً أن جهوداً تجرى لعقوبات روسية- تركية ستُفرض على منتهكي الاتفاق. وكما هو مُتوقع، جاء الرد على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عصبياً ومتشنِّجاً وكاشفاً عن الغضب المكبوت، ولم يزد عن اتهام الأتراك بـ "تعقيد الظروف وزيادة المشكلات في طريق الحل السياسي للأزمة".

على رغم أن إيران وروسيا كانتا تخوضان الحرب في سورية في خندق واحد، فإن اختلاف الأهداف كان يجعل لحظة افتراق المصالح حتمية، وحانت هذه اللحظة الآن. وما يُدركه الإيرانيون تماماً، أن روسيا هي صاحبة الدور الأهم في تغيير موازين القوة لمصلحة النظام، إذ حشدت جهودها العسكرية والسياسية والديبلوماسية خلال العامين الأخيرين من أجل تحويل مسار الحرب التي شهدتها سورية، ونجحت في ذلك. ولم تُنقذ روسيا النظام السوري فحسب، بل إنها أنقذت إيران وذراعها "حزب الله" وجنبتهما هزيمة كانت تبدو وشيكة، إذ كانت المعارضة السورية قريبة جداً من إسقاط النظام لولا أن جاء التدخل الروسي القوي ليغير المعادلة تغييراً كلياً.

تسعى روسيا من تدخلها في سورية إلى تعظيم نفوذها واستعادة جزء من صورة القوة العظمى القادرة على فرض مصالحها بالقوة، وبناء أسس لنفوذها في المنطقة بعد أن كادت تغادرها تماماً. واقتربت روسيا من تحقيق هذه الأهداف، فهي ذات كلمة مسموعة لدى النظام السوري، ويمكنها التفاهم مع تركيا صاحبة النفوذ على قطاعات مهمة من الميليشيات التي تقاتل النظام، كما أن كثيراً من فصائل المعارضة السورية ليس لديها مانع من التعامل مع روسيا وإبرام الاتفاقات معها، فيما ترفض تماماً أي تعامل مع إيران. ولذا فإن روسيا ستُنجز مهمة وترحل، بعد أن تحصل على ما تشاء من قواعد وتسهيلات عسكرية واتفاقات تضمن لها النفوذ الذي تسعى إليه.

وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى إيران التي لم تدخل سورية لتخرج منها، بل دخلت لتبقى. ومشروع إيران في سورية هو إقامة نظام طائفي تابع لطهران يتلقى منها الأوامر ويعمل لمصلحة تحقيق أهدافها الإقليمية والدولية. وسورية في التصور الإيراني جزء من الهلال الشيعي الذي يضمن لها أن تكمل اختراقها للدول العربية وتمد سطوتها ونفوذها بشكل متصل ليبلغ البحر الأبيض المتوسط. ومساحة السيطرة الممتدة جغرافياً واستراتيجياً ستتيح تحقيق اختراقات أسرع في دول ومناطق عربية أخرى، وتدعم محاولات طهران من أجل زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى في دول الخليج العربي، وتشكيل طوق حول دول الخليج العربية من خلال تكثيف الدعم للميليشيات الحوثية في اليمن، وتشجيعها على مواصلة اعتداءاتها على الشرعية ومد أمد الحرب ما أمكن.

تختلف أهداف روسيا وإيران كذلك في ما يخص طبيعة العلاقات مع دول الخليج العربي والعالم العربي بشكل عام. وتتطلع روسيا إلى علاقات سياسية واقتصادية جيدة مع دول الخليج العربي، أما إيران فهي تغذي حال العداء مع محيطها العربي بمزيد من التدخلات والتحرشات والإساءات، وتفتعل المشكلات التي تقف بالمنطقة دائماً على حافة التوتر والمواجهة. ومن المعروف أن جزءاً من أوراق حل الأزمة السورية تمتلكه دول خليجية، ودور هذه الدول ضروري للوصول إلى تفاهمات واتفاقات بين النظام وفصائل كبرى ومؤثرة في المعارضة السورية، وتستطيع روسيا أن تكون وسيطاً يحظى بدرجة من القبول، في حين أن وجود إيران يمكن أن يعقد أي جهود على هذا الطريق.

من جهة ثانية، فإن ترتيب الساحة لمقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يتحدث كثيرون عن علاقة جيدة تربطه بالروس، يقتضي تحجيم الدور الإيراني في سورية، فالرئيس الأميركي الجديد ينوي وقف سياسة سلفه باراك أوباما التي سمحت لإيران بالتمدُّد وتحقيق أهدافها من دون أن تجني الولايات المتحدة الأميركية شيئاً، وسيتبع سياسة أكثر تشدداً تجاه إيران على مستويات عدة. ولن يكون من السهل ضمان تعاون الولايات المتحدة الأميركية في الوصول إلى حلول للأزمة السورية إذا كان لإيران حضور مؤثر فيها، على العكس من تركيا التي يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في هذا الشأن.

الدور الإيراني في سورية، وهو دور تراه طهران محورياً، يوشك أن يدخل مرحلة أفول، على رغم العدد الهائل للقتلى من الحرس الثوري و "حزب الله" والميليشيات التي اجتلبتها إيران من مناطق عدة. والمخطط الإيراني للهيمنة على سورية على وشك التهاوي، وزمن التغاضي الأميركي عن التمدد الإيراني أو تأييده ضمنياً انتهى مع رحيل أوباما، وكل ذلك سيعود بإيران إلى موقع المحاصر. ومثل هذا الموقع سيضعف إيران، لكنه في الوقت نفسه سيجعلها أكثر تخبطاً وشراسة وإقداماً على خطوات متشنجة وعنيفة، وهذا ما يجب أن نكون مستعدين له في دول الخليج العربي.

========================

زيارة نيابية فرنسية إلى الأسد .. رندة تقي الدين

الحياة

الاثنين 9/1/2017

التقى أمس النائب الفرنسي اليميني تييري مارياني بشار الأسد في دمشق بعد أن زار حلب الشرقية. السيد مارياني الذي قام بهذه الزيارة بحجة انه نائب يبحث عن الحقيقة، هكذا برر إلى إذاعة RTL زيارته، لم يدخل سورية من دون تأشيرة وإذن من النظام السوري. فذهب باحثاً عن حقيقة مزورة من نظام قصف وقتل وهجر وأفرغ المدينة على يد حلفائه الروس والإيرانيين. وها هو النائب الفرنسي الطامح إلى منصب وزاري أو دور إذا فاز فرنسوا فيون في انتخابات الرئاسة يعود إلى مرشحه للرئاسة برواية النظام السوري.

لكن السؤال المطروح على مارياني وربما على فيون إذا كان مصراً على ما قال خلال حملته للانتخابات التمهيدية لحزب الجمهوريين: ألا يتذكّر حقيقة وعود الأسد للرئيس ساركوزي عندما دعاه مرتين إلى فرنسا في زيارة رسمية؟ آنذاك كانت فلسفة ساركوزي، وفيون كان رئيس حكومته، (وكان مرياني نائباً مقرباً من ساركوزي من دون الحصول منه على اي منصب) أن دعوة الأسد إلى باريس ستجعله يقتنع بأن من الأفضل أن يترك لبنان مستقلاً في أمن وسلامة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكل شهداء لبنان الذين ساهموا في ثورة الأرز. فكانت نتيجة التقارب الفرنسية السورية، مثلما حدث مع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، أن الأسد عمل عبر "حزب الله" على قلب حكومة سعد الحريري في حينه ومنعه من عودته الى المنصب. حتى في آخر اتصال بين الأسد وساركوزي في عهد رئاسته، علّق الأخير قائلاً للأسد الذي أكد لساركوزي أن سعد الحريري لن يترأس حكومة لبنان مجدداً "اعتقدتُ بأن لبنان بلد مستقل". ثم انقطعت العلاقة بين فرنسا وسورية بعد شن الأسد حرباً على شعبه.

وينبغي تذكير مارياني وفيون اللذين قد يظنان أنهما أذكى من الرؤساء السابقين فرنسوا ميتران وجاك شيراك وساركوزي بأن الثلاثة حاولوا إقناع النظام السوري مع الأب والابن بتغيير نهجه وفشلوا. وعلى سبيل تذكير السيد مارياني أن في عهد ميتران والأسد الأب قام الرئيس الفرنسي الراحل بزيارة إلى حافظ الأسد ما أدى إلى استقالة وزير الخارجية الفرنسي آنذاك كلود شيسون الذي أقر بأن النظام السوري قتل السفير الفرنسي السابق في لبنان لوي دولامار. وزيارة ميتران إلى دمشق باءت بالفشل والذل للجانب الفرنسي.

وشيراك حاول الكثير مع الأسد الابن واستقبله بإيعاز من صديقه الشهيد رفيق الحريري معتقداً بأن ذلك قد ينفع لبنان. النتيجة كانت اغتيال الحريري ثم شهداء لبنان الذين ساهموا في ثورة الأزر قبل مرحلة انتقال الأسد إلى الحرب على شعبه التي دمّرت سورية وأدخلت القوات الروسية والإيرانية الباقية فوق سورية المدمرة.

ألم يعرف مارياني الباحث عن حقيقة الأسد ونظامه أن القيادات العربية كلها في بداية الحرب وأثناء تظاهرات درعا نصحت الأسد بالتجاوب مع متطلبات شعبه. وأمير قطر الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني زار بشار الأسد وأوصاه بالقيام بإصلاحات وتم الاتفاق عليها لتفادي تظاهرات شعبه. وغداة نصيحة الأمير ألقى الأسد خطاباً تقليدياً ليس فيه أي إشارة إلى إصلاحات أو تجاوب مع متطلبات شعبه للحرية. وفي السياق نفسه كان الملك عبدالله بن عبد العزيز أوصاه بالتجاوب المسالم مع متطلبات شعبه، فجاء الرد عبر مقتل الولد حمزة الخطيب (عمره ١٣ سنة) في أيار (مايو) ٢٠١١ على قوى النظام السوري لأن خطيئة الولد أنه كان بين المتظاهرين.

هذه الأحداث نوردها لتذكير النواب الفرنسيين ورئيس الحكومة السابق فرانسوا فيون أن حماية مسيحيي الشرق وأمنهم وسلامتهم لن تمر عبر بلد مدمّر ومنقسم ومهجّر في أنحاء العالم في سبيل بقاء الأسد على رأس بلده. إن التحاور والتفاوض معه عقيم لأنه في حال من النكران الدائم، فهو يعتقد بأنه انتصر، في حين أن بلده محتل من روسيا وإيران الدولتين اللتين لن تعيدا إعمار بلد خرّبتاه.

========================

خط الغاز والثورة السورية... سيناريو "المؤامرة" .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاثنين 9/1/2017

جرى، منذ بدء الثورة السورية، استخدام خطابٍ "مقنع" لتفسير ما يجري، فقد كان مطلوباً رفض أنها ثورة، والتأكيد على أنها مؤامرة. قام هذا الخطاب على فكرة "خط الغاز"، وجرى تأليف رواية تقول إن قطر طلبت مدّ خط أنابيب غاز إلى البحر المتوسط، وأن بشار الأسد رفض ذلك، نتيجة علاقته الجيدة مع روسيا، لأنه يُعتبر منافساً للخط الروسي الذي يغذّي أوروبا.

ولا شك في أن مسألة خطوط النفط والغاز كانت قد أخذت حيزاً من النقاش، وخضعت للمناورات بين الدول، نتيجة مصالح كل منها، فقد كان من أسباب احتلال أفغانستان مدّ خط نفط من بحر قزوين إلى المحيط الهندي عبر أفغانستان وباكستان. كما أنه جرت نقاشات وخلافات حول مدّ خط النفط من آسيا الوسطى إلى أوروبا، حيث كان الصراع يجري بين روسيا وتركيا حول أين يمكن أن يصبّ، بعد أن طرحت تركيا ميناء جيهان، وكانت روسيا تريد أن يمرّ بأراضيها.

لا ترغب روسيا في مدّ خط غاز، خصوصاً من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، فذلك يشكّل تنافساً معها على السوق الأوروبي الذي هو أساسي بالنسبة لها. ولهذا، كانت تتخوّف من كل محاولات مدّ خطوط النفط والغاز إلى البحر المتوسط، حيث يكون سهلاً وصولها إلى أوروبا. لكن، لم يجرِ نقاش كبير حول الأمر حينها، ربما ظل "تحت الرماد"، فالأمر يشكّل حساسيةً عالية لروسيا التي يعتمد ثلثا دخلها على النفط والغاز.

ما يمكن توضيحه هنا أن النظام السوري لم يكن معنياً بالحساسية الروسية، ولم يفكّر بها أصلاً، لأن العلاقة مع روسيا لم تكن لا متطوّرة ولا حتى عادية، بل كانت باردة جداً. فقد زار بشار الأسد موسكو سنة 2008، وتكلم عن النفط والغاز والبحار الأربعة، لكنه وثّق علاقاته مع كل من قطر وتركيا، مع استمرار علاقته التقليدية مع إيران. وحين فرض الحصار الأميركي عليه توقيع اتفاق استراتيجي مع إيران، وقّع في المقابل اتفاقاً استراتيجياً مع تركيا. وقد ظهر المحور التركي السوري القطري تحالفاً موحداً، ومن خلاله قدّم بشار الأسد كل التنازلات الاقتصادية لهما. هذا هو محور الممانعة الذي يتغنى اليسار الممانع به إلى الآن.

"روسيا من الدول التي كانت لا ترغب أن تصبح سورية مركزاً للطاقة، وهذا أحد الأسباب الجوهرية التي فرضت التدخل العسكري في سورية"

ضمن هذه العلاقة الثلاثية المتطورة، طُرحت فكرة مدّ خط غاز إلى ميناء طرطوس. وكان البحث يجري بين كل من قطر وإيران من طرف كمصدّر للغاز، والنظام السوري بلد تصدير إلى أوروبا، مروراً بالعراق. وكان المطروح هو التصدير من حقل الغاز القطري الإيراني المشترك في الخليج. وقد جرى التوقيع على هذا الخط، على الرغم من الاعتراض الأميركي الشديد، لأن أميركا كانت تفرض الحصار على إيران، ولا تريد لها أن تصدّر الغاز، كونه يكسر الحصار. وحينها، جرى ضغط على قطر، لكي تمتنع عن المشاركة في الخط.

يوضح هذا الأمر أن النظام السوري لم يكن يرفض "خط الغاز"، بل وقّع عليه، ومن ضغط لمنعه هو أميركا. توقيع إيران والنظام مثبت، وهو ما أقرّه بشار الأسد أخيراً، حين قال "كان هناك خطان سيعبران سورية، أحدهما من الشمال إلى الجنوب يتعلق بقطر، والثاني من الشرق إلى الغرب إلى البحر المتوسط يعبر العراق من إيران، كنا نعتزم مد ذلك الخط من الشرق إلى الغرب".

جرى إخفاء هذه الوقائع بعد الثورة، بالضبط من أجل اختراع سبب يبرّر التآمر على النظام. ولا شك في أن مقابلة بشار الأسد مع صحيفة إيل جورنالي (30/ 12/ 2016، والنص منقول عن وكالة الأنباء السورية "سانا") توضّح هذه الفبركة. فمن الواضح أنه ارتبك حين سؤال الجريدة له حول "خط الغاز القطري". لهذا أجاب بطريقة مضحكة. قال "أعتقد أن هناك دولاً كانت تعارض سياسة سورية، لم ترغب بأن تصبح سورية مركزاً للطاقة، سواء كانت كهربائية أو نفطية، أو حتى أن تصبح نقطة تقاطع للسكك الحديدية، وما إلى ذلك، هذا أحد العوامل، لكن الخط المتجه من الشمال إلى الجنوب، وعلاقته بقطر لم يطرح علينا بشكل مباشر". على الرغم من أنه يقول "كان أحد العوامل المهمة، لكنه لم يعرض علينا بشكل علني، لكني أعتقد أنه كان مخططاً له". هو يعتقد أنه "كان مخططاً له"، وأنه قال "لا" لما كان يعتقد أنه كان مخططاً له. تحاول هذه الإجابة التوفيق بين الرواية المخترعة والواقع، حيث إن ما يؤكده هو أنه لم يُطرح مشروع مدّ خط أنابيب من "الشمال إلى الجنوب" (وليس من الجنوب إلى الشمال). وبالتالي، لم يقل "لا" على ما لم يُطرح عليه. ما طُرح هو خط أنابيب من الخليج عبر العراق إلى طرطوس، وبتشارك إيراني قطري، ولقد قال "نعم"، ووقع الاتفاق.

وفي جوّ الود الكبير الذي كان قائماً مع قطر، كان من الطبيعي أن يقول النظام "نعم"، فقد قدّم لقطر مشاريع اقتصادية عديدة، وسمح للاقتصاد التركي أن يسهم في تدمير قطاعاتٍ اقتصادية في سورية. كلام بشار الأسد واضح في موافقته، وتأكيده عدم معرفته بخط "شمال/ جنوب" (أو أن قطر لم تطرحه)، ويبدو من ذلك أنه حاول التأكيد على أن خط الغاز كان سبب "المؤامرة" التي يفرح باعتبارها كذلك، لكنه نفى أصلاً وجود مشروع خط أنابيب مطروح عليه. لهذا، تبدو الـ "لا" التي يقولها في المقابلة هي ضمن السيناريو المكتوب كخطاب يبرّر "المؤامرة" بعد نشوب الثورة، وليس لأنه قالها في الواقع، فقد أكد أن الأمر لم يطرح عليه "بشكل مباشر"، وهو يعتقد "أنه كان مخططاً له". لتبدو المسألة هنا مسألة "اعتقاد". والفرق كبير بين أنه كان هناك مشروع لمدّ خط أنابيب من الشمال إلى الجنوب، وطُرح عليه فرفضه، وبين أن المسألة لم تخرج عن مسألة الاعتقاد. هذا هو التخريج بين حقيقةٍ تتمثل في أنه لم يُطرح مشروع خط شمال/ جنوب، وبين السيناريو الذي بني على أن المشروع كان حقيقة، وكان سبب "المؤامرة. وكان السيناريو يحتاج إلى سبب، لكي يقول إن ما يجري ليس ثورة، بل مؤامرة نتيجة رفض مدّ خط أنابيب الغاز من قطر إلى تركيا مروراً بسورية. لكن تصريح "الرئيس" يقول إن المشروع لم يُطرح "بشكل مباشر"، وبالتالي، لم يكن بحاجة لقول "لا" مع حلفاء "حقيقيين"، و"أصدقاء كبار". وربما يمكن سرد كثيرٍ من كلمات التبجيل والتعظيم التي كانت ترد في التصريحات وفي الخطاب الإعلامي، وتُترجم بمشاريع اقتصادية فعلية.

ولا شك في أن الطرف الذي كان يرفض هو أميركا، بالضبط لأنه خط مشترك قطري إيراني، وهذا ما أقرّ بشار الأسد أنه وافق عليه. وكذلك روسيا التي كانت تتخوّف من نجاح المشروع، لأنها لا تريد منافساً لها في السوق الأوروبية التي تتعامل معها بوصفها احتكاراً خاصاً. وإذا كانت روسيا ترفض خط شمال/ جنوب، لأنه يمدّ الغاز إلى أوروبا، فأجدى أن ترفض كذلك خط شرق/ غرب، لأنه ينافس الخط الروسي. ولو كان الأسد رفض الخط الأول، نتيجة مراعاة "الرفاق الروس"، فأجدى أن يرفض الخط الثاني للسبب نفسه. ما أقصده أن النظام لم يكن حينها يأخذ في الحسبان الموقف الروسي، لأن علاقته بها كانت "في أدنى مستوياتها"، ولم يزرها سوى مرة، بينما زار أوروبا مرات عديدة (وهذا ما قاله بوتين في أحد تصريحاته، ليشير إلى أن العلاقة مع النظام لم تكن جيدة قبل الثورة). وقد كان حلف النظام هو تركيا/ قطر وإيران، وكانت العلاقة مع أميركا قد عادت إلى مجاريها "وأفضل"، كما قال السفير السوري في واشنطن سنة 2010.

"ألّف أيديولوجيو النظام "قصة خط أنابيب الغاز" من أجل القول إن ما جرى في سورية مؤامرة "قطرية"، بسبب رفض النظام مدّ خط أنابيب الغاز "من الشمال إلى الجنوب"، كما قال بشار الأسد قالباً الأمر"

لهذا، حين يشير بشار الأسد، في مقابلته مع الصحيفة الإيطالية، إلى أنه يعتقد "أن هناك العديد من الدول التي كانت تعارض سياسة سورية لم ترغب بأن تصبح سورية مركزاً للطاقة، سواء كانت كهربائية أو نفطية، أو حتى أن تصبح نقطة تقاطع للسكك الحديدية، وما إلى ذلك"، فلا شك أن من بين هؤلاء روسيا بالتحديد (وليس قطر الصديقة حينها)، لأنها تريد احتكار تزويد أوروبا بالنفط والغاز، ولا تريد منافسةً من أطراف أخرى. وكل المشاريع التي طُرحت لتصدير نفط وغاز آسيا الوسطى، والخليج، كانت تصطدم بالموقف الروسي. فاعتماد روسيا على النفط والغاز جعلها تحاول احتكار الأسواق، لكي تضمن تسويقه من دون منافسين. وعلى الرغم من أنها بحثت عن أسواقٍ عديدة مثل الصين، إلا أن اعتمادها الأساس حينها كان على السوق الأوروبي، وقد ظهر ذلك، حين أوقف خط الأنابيب المارّ من أوكرانيا، بعد العقوبات عليها، وباتت هي تبحث عن منفذ تركي.

واضحٌ، إذن، أن روسيا من الدول التي كانت لا ترغب أن تصبح سورية مركزاً للطاقة، وهذا  أحد الأسباب الجوهرية التي فرضت التدخل العسكري في سورية، وتوقيع اتفاق مع النظام هو اتفاق احتلال روسي طويل الأمد، فهي تريد التحكّم في خطوط النفط والغاز، وهذا ينطبق على إيران كما على قطر. وبالتالي، لن يُنفّذ المشروع الذي وقع عليه الأسد لخط الأنابيب من الشرق إلى الغرب، لهذا السبب بالذات، بعد أن باتت روسيا المتحكّم بالنفط والغاز السوري، وكذلك بطرق المواصلات إلى البحر المتوسط. هل نعتبر أن ما جرى في سورية "مؤامرة روسية"؟ بالتأكيد لا، لكن روسيا استغلت الوضع، لكي تتدخل وتفرض حضورها، وتتحكّم بالقرار السياسي في دمشق. ومن ضمن أهدافها منع نشوء خط الغاز.

إذا كان النظام وأنصاره قد كتبوا سيناريو "الحرب على الغاز"، فقد وضعوا أحد الأسس التي يمكن على ضوئها فهم التدخل العسكري الروسي، والوحشية التي تمارسها ضد الشعب السوري، ومن ثم الاتفاق حول احتلالٍ طويل الأمد. فروسيا تستشرس من أجل منع كل محاولات مدّ خطوط نفطٍ إلى أوروبا، وهم داخلون في صراع عنيف من أجل التحكّم بسوق النفط والغاز. على الرغم من أن التطورات لم تكن في صالحهم نتيجة انهيار أسعار النفط. لكن، لا شك في أن التدخل في سورية كان يحمل الميل إلى منع "خط الغاز"، ليس القطري فقط بل الإيراني كذلك.

ألّف أيديولوجيو النظام "قصة خط أنابيب الغاز" من أجل القول إن ما جرى في سورية مؤامرة "قطرية"، بسبب رفض النظام مدّ خط أنابيب الغاز "من الشمال إلى الجنوب"، كما قال بشار الأسد قالباً الأمر، وهو القلب الذي يوضّح جوهر الأمر، أي أن هذا الأمر لم يُطرح، وأنه وافق على خط من الشرق إلى الغرب، من دون حساب لمصالح روسيا، بالضبط لأنها كانت خارج الحساب بالنسبة له، حيث كانت حساباته تتمحور حول كل من تركيا وقطر وإيران. وبالتالي، ينكشف أن هذا "التأليف" كان هزيلاً، ربما أقنع "مؤيدين"، لكنه لا يقنع غيرهم، وأنه كان يفرض تفسير الماضي باللاحق، أي تفسير الموقف من قطر وتركيا، بما كان يجب أن يقال عنهم بعد الثورة، وليس كما كان حقيقةً قبلها. بالضبط لربط الثورة بهما، ومن خلفهما أميركا. لكن، يشير كل سياق الواقع إلى غير ذلك، إلا لمن يمتلك "عقل سمكة" فينسى ما كان قبل يوم أو أسبوع، ليتمسّك بالرواية الرائجة اليوم، وبما تخدم من مصالح. ولا شك في أن ارتباكات تصريح بشار الأسد تشي بذلك كله، وتكشف ما حاول "التأليف" إخفاءه، وهو أنه لم يكن هناك خط غاز قطري، بل إن الخط المطلوب كانت قد جرت الموافقة عليه، وقطر جزء منه.

الذي يتدخل وفي رؤيته التحكّم بخطوط النفط والغاز هو روسيا، روسيا الإمبريالية التي تريد احتكار النفط والغاز، وهذا ما يجعلها حريصةً على السيطرة على "الشرق الأوسط".

========================

لن تستطيع روسيا تحقيق السلام في سورية .. رضوان زيادة

العربي الجديد

 الاحد 8/1/2017

أعطى اتفاق الهدنة الروسي- التركي القاضي بإخراج المدنيين من مدينة حلب "أملا" لبعض السوريين الذين تقطعت بهم السبل، وفقدوا معنى الأمل كلياً، بأن روسيا، وخصوصاً مع إجبارها لتنفيذ الاتفاق ضد رغبة مليشيا حزب الله والمليشيات الإيرانية المتحالفة معها ومع نظام الأسد (زينبيون وفاطميون وحركة النجباء العراقية)، أعطى ذلك كله وهماً بأنه ربما تسعى روسيا لفرض أجندتها في "الحل السياسي"، ولو ضد رغبات إيران والنظام السوري الذي تدّعي دعمه.

منبع الأمل كان انعدام الأمل بتدخل "غربي"، يوازي التدخل الروسي، وبالتالي، لم يعد لدى السوريين إلا الوهم القائل بضرورة "التفاوض مع القاتل حتى يقتلنا برأفة"، وهو ما حصل فعلاً، فقد دخلت الفصائل العسكرية الكبرى، المنضوية اسماً تحت مسمى الجيش الحر، في مفاوضاتٍ مع ممثلي روسيا العسكريين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع الروسي بذاته الذي أشرف على الاتفاق، وأعلنه من موسكو، حجة الفصائل العسكرية كانت أن تركيا "التي نثق بها" هي الضامن الرئيسي للاتفاق، وبالتالي لن تخذل تركيا السوريين في مفاوضاتهم مع روسيا.

وكان هذا التفاؤل السريع أيضا قد ظهر مع بداية التدخل العسكري في روسيا في سبتمبر/ أيلول 2014، ما دفع سوريين إلى القول إن روسيا الآن أصبحت الأواني الصينية، وكما يقول المثل “If you break it you owned” ، بمعنى أنك إذا كسرت الإناء، فإن ملكيته أصبحت لك، وعليك التدخل لإصلاحه، وبالتالي، مع التدخل الروسي في سورية، فروسيا لم تعد داعماً لنظام الأسد أو راعيا له، وإنما أصبحت، في الحقيقة، مالكة له. وبالتالي، عليها "إنقاذ سورية" من أجل الخروج بشرفٍ وكرامةٍ من تدخلها العسكري. لكن الأمور تطورت على غير هذا المبدأ كلياً، إذ تدخلت روسيا في كل الأماكن، مع تركيز عسكري وقوة نارية هائلة ضد المعارضة السورية المسلحة، بما دعم نظام الأسد، ثم تحوّل تدخّلها العسكري، أخيراً، في حلب إلى قدرة تدميرية هائلة خارج إطار القانون الدولي، ومكّنها موقعها الدائم في مجلس الأمن وامتلاك حق النقض (الفيتو) من حمايتها من أي مساءلة عن جرائم الحرب التي ارتكبتها في حلب، عبر استهداف المشافي والمناطق المدنية المأهولة بالسكان. أخيراً، في ما يسمى "اتفاق خروج المسلحين" من حلب، والذي يعني عملياً اتفاق تهجير للمدنيين القاطنين في مدينة حلب إلى خارج مدينتهم.

إنه اتفاق تهجير قسري ضد القانون الإنساني الدولي، وليس اتفاقاً لحماية المدنيين. وهكذا تجدّد 

"لن يستطيع أي سوري أن يتصوّر أن روسيا ربما تريد حلاً أو خيراً في سورية" الوهم من خلال فرض روسيا الاتفاق ضد رغبة المليشيات الطائفية في سورية، سوريةً كانت أم لبنانية أم عراقية أم إيرانية، وبالتالي، استشعر بعض السوريين في المعارضة أنه يمكن التحالف مع أخفّ الضررين، وهي روسيا، ضد إيران.

من أعقد الأمور الآن التي يمكن تحليلها اليوم معرفة النيات الروسية الحقيقية في سورية، وهذا ليس بسبب ازدواجية الخطاب الروسي، حيث تقول شيئاً وتفعل عكسه على الأرض، وإنما لأن النظام السياسي الروسي اليوم شبيه تماماً بالنظام السوري، فيما يتعلق بآليات السيطرة والتحكّم داخل المجتمع الروسي، فكل الإعلام الروسي تحول إلى بروباغاندا دعائية للكرملين في حربه في سورية ضد "الإرهاب"، وفقدان كامل لما يسمى “Checks and balances” داخل المؤسسات الروسية، فسلطة الكرملين اخترقت المؤسستين، التشريعية والقضائية. صحيح أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي في السابق، فيما يتعلق بالتعدّدية والتنوع داخل المجتمع الروسي. لكن، في الوقت نفسه، ليس لسنوات التغيير والديمقراطية القصيرة التي عاشتها روسيا خلال عهد يلتسين أي حضور أو تأثير. هناك موقف موحد بأن ما يفعله بوتين في سورية هو الصحيح، وأن الغرب لا يريد لروسيا النجاح في سورية، وكل سوري يعارض الموقف الروسي يصبح ببساطة "إرهابياً"، كما أن الحرب في سورية فتحت الفرصة لتجريب السلاح الروسي، بكل أنواعه وتقنياته، هذه هي الحجج التي ساقها ويسوقها الكرملين، كل يوم تقريباً، في دفاعه عن تدخله العسكري في روسيا.

غابت كليا الحجج المنطقية التي أرى أنها يجب أن تكون الأساس الأول لكل قائدٍ يقرّر تدخلاً عسكرياً مكلفا خارج بلاده، وهو ما فائدة أو علاقة هذه الحرب بالأمن الوطني الروسي؟ هل هناك حاجة لروسيا لكي تصرف كل هذه الموارد المالية والعسكرية والسياسية أو تستنفدها في الدفاع عن نظامٍ من المستحيل عليه الاستمرار بطريقةٍ سياسيةٍ أو قانونية، فاستمراره يعني استمرار الحرب السورية إلى ما لا نهاية، ولن يشعر اللاجئون السوريون الذين بلغ عددهم اليوم أكثر من 7 ملايين لاجئ بالأمان، من أجل العودة إلى سورية، طالما طريقة حكم الأسد في القتل والتعذيب والبراميل المتفجرة مستمرة في حكم ما تبقى من سورية.

وطالما أن روسيا اليوم لا تسأل نفسها هذا السؤال، سيبقى غياب العقلانية السياسية مبدأ رئيسيا 

"سيبقى غياب العقلانية السياسية مبدأ رئيسيا في حكم روسيا" في حكمها، وأعتقد أن الفشل سينتظرها، ليس في المستقبل البعيد، وإنما في الأيام القريبة المقبلة، فصحيح أنه ليس لروسيا تاريخ استعماري في الشرق الأوسط، أو العالم العربي، كما يحاجج مستشرقوها دوماً، لكنها ارتكبت في سورية اليوم جرائم وانتهاكات بحق السوريين، ووقفت ضد حقهم في اختيار نظامهم السياسي كما يشاؤون ويرغبون وبشكل سلمي. وطبقت عليهم قواعد غروزني في التدمير والتهجير وحكم "ما تبقى" مهما كان الثمن. وبالتالي، لن يستطيع أي سوري أن يتصوّر أن روسيا ربما تريد حلاً أو خيراً في سورية. كانت رغبتها في استعراض القوة العسكرية تحدياً لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. والآن، مع الانسحاب الكلي للإدارة الأميركية تحت إدارة الرئيس باراك أوباما، لم يعد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين شيء ليستعرضه، سوى استنزاف الموارد الروسية المالية والعسكرية، وتهالك رصيدها السياسي والقانوني إلى أدنى مستوياته الدولية.

========================

رفيق السبيعي والمؤتمر الوطني السوري .. خطيب بدلة

العربي الجديد

 الاحد 8/1/2017

وَضَعَتْني وفاةُ الفنان السوري رفيق السبيعي، مرة أخرى، أمام فكرة عقد مؤتمر وطني سوري، جامع، مانع. وقلت لنفسي: ولاك خطيب، كل الناس تكلمت عن ضرورة عقد مؤتمر وطني، إلا أنت، وهأنذا أراك راكباً رأسَك، ممسكاً بحرف (الميم)، بدليل أن كل مَنْ يقول لك مؤتمر وطني ترد عليه بقولك: ما يصير، ما يجوز، ما هو ممكن، مستحيل... إلخ.

قلتُ، محاوراً نفسي على طريقة المؤرخ خير الدين الأسدي: إن وضعك نفسَك في مقابل كل الناس فيه محاولة مكشوفة للادعاء بأنك الذكي الوحيد بين الناس. وهذا، بحد ذاته، تصرّف غبي. والأفضل لك أن تمشي، في مناقشة القضايا الخطيرة، على مبدأ "خطوة خطوة" الكيسنجري، فتسأل الداعين إلى عقد مؤتمر وطني سوري جامع مانع، مثلاً: هل تسمحون لي أن أترحم على روح الفنان رفيق السبيعي الذي كان مؤيداً لنظام المجرم ابن حافظ الأسد؟ وإذا غامرتُ وترحمتُ عليه، من دون أن أستأذنكم، هل ستُعفون والدتي وشقيقاتي من المسبّات التي تختص بما تحت الزنار، أم ستتعاملون معي على المبدأ الأسدي "لا يوجد كبير سوى البعير"، فلا تتركون علي وعـليهنَّ ستـراً مغطى؟

كان معنا، في إحدى المؤسسات المعارضة الثورية، رجلٌ غريب الأطوار، مولعٌ بفكرة عقد مؤتمر وطني سوري، إذ إنه لم يسبق له أن قدّم مداخلةً في أي شأن سوري، من دون أن يدعو الموجودين إلى عقد مؤتمر وطني، وأذكر أننا، مرة، كنا نناقش قضية الحصار اللاإنساني الفظيع الذي كان نظامُ ابن حافظ الأسد ومقاتلو حزب الله يفرضونه على بلدة مضايا، وحينما استلم صاحبنا الحديث سرعان ما لَفَّ ودار، حتى سنحت له الفرصة، فدعا إلى عقد مؤتمر وطني سوري، من دون أن يحدّد لنا: كيف ومتى وأين ولماذا سيعقد ذلك المؤتمر.

أعتقد أن طول أمد الثورة، وإقامتنا الطويلة، نحن الذين أجبرنا ابنُ حافظ الأسد على مغادرة أوطاننا، تملؤنا بهاجس إيجاد حل لقضيتنا، وهذا الهاجس لا بد له أن يأخذنا باتجاه عقد المؤتمر الوطني السوري، حتى إن أحد الأصدقاء الذين حاورتهم في هذا الموضوع قال لي: أنا كتبت خمسين مرة عن هذا الموضوع.

وجاءت اللحظة الحاسمة، حينما قدمت إحدى المنظمات السياسية مبادرةً تتلخص في دعوة جميع الأطراف السورية إلى عقد مؤتمر وطني. أنا لا أشك، ولا أعتقد أن أحداً يشك في صدق نيات الجهة التي أطلقت المبادرة. ولكن، ثمّة أسئلة يمكن أن تطرح على نحو تلقائي وبديهي، أولها أن مكان طرح المبادرة هو مدينة إسطنبول التركية، حيث يوجد السوريون المعارضون والثوريون، وهذا، تحصيلاً لحاصل، يعني غياب السوريين الآخرين، سواء المؤيدون لإجرام ابن حافظ الأسد، المرحبون بالاحتلالين الروسي والإيراني ووجود المليشيات الإرهابية الشيعية على الأرض السورية، وغياب الشريحة الأكثر اتساعاً من السوريين، أعني الذين لا يؤيدون الإجرام، ولا يشاركون في الثورة.

لم تقتصر المداخلات التي ألقيت في الندوة التي أقيمت من أجل إطلاق المبادرة، في الحقيقة، على هجاء جماعة النظام، والرماديين من جماعة (الله يطفيها بنوره)، بل تعدّتها إلى مستوى العمل على إلغاء مفهوم المعارضة من قاموسنا اليومي، فهو، كما أوضح أحدهم، يناسب الدول المستقرة، كبريطانيا وأميركا، وأما نظام البراميل والقتل في المعتقلات تحت التعذيب، فأنّى له المعارضة؟ نحن، باختصار، في ثورةٍ، ثورة وبس، لا بل إن أحد الحاضرين تحدّث عن ضرورة إلغاء كل أنواع المبادرات السياسية، وحل المؤسسات السياسية، والتفرّغ للدعاء إلى الله تعالى بتثبيت أقدام المجاهدين ضد العدو الأسدي وحلفائه.

أخيراً، أنفي عن نفسي أي تعاطفٍ أو ميل للتصالح مع نظام الأسد الإجرامي، ولكنني، أيضاً، أدعو إخوتنا إلى الكف عن الحديث عن عقد مؤتمر وطني سوري، في الوقت الحاضر على الأقل.

========================

لقاء وطني سوري تمهيدي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

 الاحد 8/1/2017

صار من الضروري العمل لعقد لقاء وطني سوري تحضيري، بعد فشل المؤسسات التمثيلية القائمة في الارتقاء إلى مستوى التحديات، وفي وقف تدهور الأوضاع العامة للثورة، ناهيك عن قيادة العمل الوطني، وتحقيق انتصارات سياسية وعسكرية تفضي إلى ما يصبو السوريون إليه من حرية وكرامة، وخلاص من نظام الأسد.

لا يهدف اللقاء إلى إزاحة هذا الطرف أو ذاك من أطراف المعارضة الوطنية عن موقعه من الحياة الوطنية، بل تكمن مهمته في إزالة ما وقع من أخطاء، والتصق بالعمل الوطني من نواقص وعيوب خلال سنوات الثورة، وفي وضع برامج استباقية، وخطط تنفيذية تصحّح مسار العمل السياسي والعسكري، وتحدّد شروط (ومستلزمات) تناميه المتدرج، المتواصل والحثيث الذي يوحّد نضال السوريات والسوريين داخل الوطن وخارجه، وإلى أية منظمة وطنية انتموا، ويقرّ توجهات تستنهض الحاضنة الاجتماعية: حاملة الحراك بالأمس القريب التي قوّضها ثم كتم أنفاسها جهد متكامل بذله النظام والإرهاب المتأسلم، ولا انتصار أو ثورة بعد حلب من دون دحره، واستعادة الحراك المجتمعي الثوري من جديد وتنظيمه، وتمكين ممثليه من احتلال موقعهم وممارسة دورهم الحاسم الأهمية في الثورة، كقادة للصراع الدائر في بلادنا في ظرفه الراهن شديد الصعوبة الذي ترتب على العدوان الروسي والغزو الإيراني، وعلى استيلاء تنظيمات السلفية الجهادية على مفاصل رئيسة في بلادنا، كما على تداخل ثورتي الحرية والتحرّر الوطني، وما أفضى إليه من تحدّياتٍ لم تتم مواجهتها.

بعد كارثة حلب، تمس حاجتنا إلى لقاءٍ وطنيٍّ، يعالج ما أنزله العدوان والغزو الاستعماري بنا من هزائم علينا مواجهتها بصدق وواقعية، وسبّبته فوضى التأسلم المتعسكر والإرهابي من كوارث، بعد أن اخترقت تنظيماته الثورة وجوّفتها من الداخل، وأزاحت مشروع الحرية والعدالة والمساواة السلمي والمجتمعي الذي تبنته عام الثورة الأول قطاعاتٌ مجتمعيةٌ واسعةٌ من السوريات والسوريين. هذا اللقاء الذي سيكون عليه تلمس كل ما هو ضروري من أعمال منظمة من أجل إنقاذ الثورة واستئناف مشروعها الأصلي، ليمنع سقوط المشروع الجهادي/ الإرهابي في حلب من أن يتحول إلى إسقاط للثورة، ويخرجه منها عبر صب جهود السوريين على استئناف مشروعهم الأصلي بقوى حواضنهم الشعبية التي جعلت منه ثورةً بأفضل معاني الكلمة.

والآن، وقد حدّدت مهام اللقاء، لا مفرّ من التطرّق إلى جوانبه الإجرائيه/ العملية التي يجب أن تبدأ بتشكيل لجنةٍ تحضيريةٍ تضم أشخاصاً ذوي خبرة وموثوقين، ليقوموا بجرد شامل لواقع 

"ثمة حاجة إلى عمل إنقاذي، لم يعد مقبولاً على الإطلاق التساهل في إنجازه، فهل نفعل؟" سورية الراهن من مختلف جوانبه، ويرسموا خريطة تفصيلية لأوضاعه وقواه، تتصف بالموضوعية والنزاهة، وتغطي قطاعاته السياسية والعسكرية والمدنية وأوضاع النظام والروس والإيرانيين وملحقاتهم، وتحدّد نقاط قوة وضعف مختلف الأطراف بالطريقتين الوصفية والتحليلية، لتقدّم، في النهاية، توصيات عملية تطاول دور الأول (الصديق) وتأثير الثاني (العدو)، وتحدّد من سيدعون إلى اللقاء، وجدول أعماله الذي سيدور حول نقطة جوهرية: خطط استئناف ثورة الحرية وآلياته، بتخليصها من العوالق المتأسلمة والإرهابية والطفيلية التي حرفتها عن هدفها وقوّضت حاملها المجتمعي، وطمست برنامجها الداعي إلى الحرية والمتمسّك بوحدة الشعب السوري، وأوصلتها إلى حافة الانهيار قبل حلب، وخلال معركتها الأخيرة، وتهدّد أنشطتها بالقضاء النهائي والناجز على مجتمع سورية وثورتها. سيوزع هذا الموضوع على نقاطٍ جزئيةٍ تغطي جميع مفرداته، وتقدّم صورة مطابقة قدر الإمكان للواقع السياسي/ العسكري الذي آلت الأوضاع العامة إليه، وترتب على نواقص جوهرية في الحراكين، النظري والعملي، حالت دون تحول التمرد المجتمعي الهائل إلى ثورةٍ بالمعنى الصحيح للكلمة، وكيف يكون ثورة إن كان يفتقر إلى قيادة موحدة وفاعلة، ولا يخضع العسكري فيه للسياسي، ولا يتعايش معه، ولا ينضبط بأسس ومصالح عملهما المشتركة، ويعجز، أخيراً، عن جسر الهوّة التي ما فتئت تتعاظم بين التنظيمات السياسية والواقع، وحالت دون قيام أي منها بما هو ضروري لحماية المجتمع من التمزيق والتهجير والإبادة، بيد الغزاة والمعتدين، وبالأخطاء الفادحة التي ارتكبتها المعارضة وصحّحها الشعب بدماء ضحاياه الذين كان عددهم سيتقلص كثيراً، لو توفرت قيادة وطنية ثورية تلتزم الفصائل العسكرية بقراراتها، أو كانت الفصائل نفسها منظمةً بطرقٍ مختلفة، تجعل منها مقاومةً شعبيةً ومنظمةً، لها برامج عمل يقيس تطبيقها نجاح عملها من فشله.

سيستدرك اللقاء هذه النواقص، وسيصحّح هذه العيوب، وسيرسم خريطة دقيقة، نظرية وعملية، لكيفية إعادة الثورة إلى مسارها الأول الذي يضعها من جديد على عتبات تحولها إلى ثورةٍ لها حامل وطني، ترشده خطط وبرامج معلنة تحظى بتأييده ومساندته. لن تعالج الحلول العملية النقص والخلل على الجانب السياسي وحده، ولا بد أن تتناول الجانب العسكري، وتبلور تصوراتٍ عمليةً حول إعادة بنائه بطرقٍ تتجاوز الفصائلية وتنظيماتها الراهنة، وتستبدلها بمنظومة دفاع متراتبة تبدأ من قاع المجتمع، من مشاركة المواطن العادي في الدفاع عن نفسه وموطنه، من أصغر قرية إلى أكبر مدينة، على أن تكتمل قوات الدفاع الوضعي الثابتة بقوات متحرّكة على صعيد مناطقها، وجيش محترف على الصعيد الوطني، وتشكل من هذه المكوّنات الثلاثة قوة عسكرية موحدة تشن هجمات استراتيجية سنوية ومنسّقة تغطي كامل الأرض السورية، بهدف طرد النظام وحلفائه من مناطق تقيم فيها سلطات دولة بديلة، يضمن دستورها وعمل مؤسساتها الحرية والعدالة والمساواة لجميع مواطناتها ومواطنيها بلا تمييز أو إقصاء، ويجرّم الطائفية والعدوان على الشعب، ويعاقب ممارسيهما أو الداعين إليهما.

بعد انعقاد اللقاء التحضيري، وإقرار ما يقدم إليه من خطط، ويتخذ فيه من قرارات، من 

"سيكون على المؤتمر تلمس كل ما هو ضروري من أعمال منظمة من أجل إنقاذ الثورة واستئناف مشروعها الأصلي" الضروري عقد مؤتمر وطني خلال شهر إلى ثلاثة أشهر، يناقش أعضاؤه المنتخبون، أو المنتدبون ديمقراطياً، ما أنجزه اللقاء من وثائق ورسمه من استراتيجيات ويقرّونه، وينتخبون مرجعية وطنية/ ثوريةً، تتولى ترجمتها إلى عمل ميداني مترابط، كثيف ومتصاعد، تطبقه مؤسسات السلطة البديلة في الواقع الوطني، بمعونة هيئات (ومؤسسات) الحكم المحلي التي تدير شؤون السوريات والسوريين بطرقٍ تجسّد قيم الثورة ونرعتها الإنسانية.

لا بد من انتقال شامل يأخذنا من حالنا الراهنة إلى وضع بديل، يوقف تدهورنا الذي بلغ درجة الانهيار في حلب، ويستأنف ثورة الحرية من حيث أوقفها تكامل الجهد الأسدي/ الإرهابي المعادي لها، ليعيدنا إلى معادلتها الأصلية التي جعلت الحرية والديمقراطية بديل نظام الأسد الاستبدادي، لكن الأصولية الجهادية المسلحة أزاحتها، لتجعل إرهابها بديل إرهاب الأسدية، وتقنع العالم أن سفاح سورية الذي يقتل شعبه أفضل لها من سفاحي الإرهاب الذين سيقتلون شعوبها، وأن عليهم دعمه، خصوصاً بعد أن شرعت الثورة تتلاشى في كل مكان، وسط هزائم عسكرية تنزل بها، وهدن متتابعة تأكل حاضنتاها المجتمعية.

ثمة حاجة إلى عمل إنقاذي، لم يعد مقبولاً على الإطلاق التساهل في إنجازه، فهل نفعل ذلك، ونكون في مستوى التحدّي، قبل فوات الأوان؟

========================

هدنة ما قبل الأستانة: الحاضر يُعلم الغائب! .. صبحي حديدي

القدس العربي

 الاحد 8/1/2017

المبدأ الذرائعي في السياسة، والذي لا يُغفله إلا السذّج وطيّبو النوايا، يفرض على المرء أن يرى عاملَين اثنين، على الأقلّ، خلف التفاهمات الروسية ـ التركية التي انتهت إلى فرض الهدنة بين النظام السوري وبعض فصائل المعارضة.

ولعلّ العامل الأول، الروسي، يتمثل في حاجة موسكو إلى طراز، متقدّم كما تأمل، من الاستثمار السياسي لما بعد "انتصار حلب"؛ لا يتيح إجبار الطرف "المنهزم"، افتراضياً، على الذهاب إلى طاولة المفاوضات في الأستانة، فحسب؛ بل، كذلك، يُلزم النظام السوري، "المنتصر" افتراضياً أيضاً، على ملاقاة الاجتماع في العاصمة الكازاخستانية. وهذه ليست حاجة معنوية، وليست تظهيراً إعلامياً لذلك "الانتصار" في حلب؛ بل هي، أغلب الظن، عتبة أولى من ستراتيجية روسية تستهدف تقليص تورط الكرملين العسكري في سوريا، ما أمكن ذلك؛ دون التفريط في التوظيف السياسي لما أنجزه ذلك التورط حتى الساعة، بل العكس: الذهاب في استثماره خطوات أبعد.

الأرجح، على الجانب التركي، أنّ أنقرة بحاجة إلى استثمار هذه الستراتيجية الروسية، لجهة تطوير عمليات "درع الفرات"، ميدانياً على الأرض، وإتمام مساحة التوغل داخل الأراضي السورية على نحو يكفل إحكام الطوق أمام أي مسعى كردي نحو تطوير "الفدرالية"، أو الوصل بين مناطق سيطرة "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي، المتقطعة، على امتداد الحدود التركية ـ السورية، في الشمال. وما دامت موسكو قادرة على إحضار قوى كردية إلى مطار حميميم، تحت علم النظام، بل دفعها إلى إعادة تجزئة مفهوم "روج آفا" ذاته؛ فإنّ موسكو يتوجب أن تكون قادرة، أيضاً، ضمن ستراتيجية الاستثمار إياها، على استبعاد الكرد من المعادلة، وإنْ مؤقتاً، لصالح منح أنقرة الترخيص الضروري للوصول إلى بلدة الباب.

ثمة، إذا صحّ توصيف الحال هكذا، غائبان عن المشهد: واشنطن، وطهران. وغياب العاصمة الأولى ليس مردّه أنها منشغلة بمراسم تسلّم الرئيس المنتخب دونالد ترامب، بل أساساً لانّ السياسة الأمريكية في سوريا ما تزال تتخبط ضمن المعادلات المتضاربة، ذاتها، التي فرضتها "عقيدة" الرئيس الأمريكي باراك أوباما. ولقد سبق لبعض تلك المعادلات أن توصلت ـ ضمن تفاهمات مع موسكو، كذلك ـ إلى وقف لإطلاق النار في سوريا تمّ إسباغ الشرعية عليه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، أواخر 2015؛ لكنه انتهى إلى فشل ذريع، وبقي حبراً على ورق. وهكذا فإنّ أقصى ما تستطيع واشنطن التدخّل فيه، بصدد الهدنة التي رعتها موسكو وأنقرة، هو بعض التشويش، عن طريق الحلفاء الكرد؛ وذاك، في كلّ حال، لن يرقى إلى مستوى التعطيل أو حتى العرقلة.

الغائب الثاني، طهران، لا يغيب إلا لأنه غير معنيّ بأية "هدنة" فعلية على الأرض، بل هو يواصل القتال حيثما تواجدت وحداته، من "الحرس الثوري"، إلى "حزب الله"، فالميليشيات ذات الهوية المذهبية الشيعية على اختلاف جنسياتها. وليس ما يتردد عن "خلاف" روسي ـ إيراني حول الوضع الراهن في سوريا ـ أو بالأحرى حول مشاريع موسكو في الاستثمار السياسي لما بعد "انتصار" حلب، تحديداً ـ سوى مآل طبيعي لتقاطع المصالح والغايات بين موسكو وطهران، وكذلك طبائع التوظيف البعيد أو القريب. وفي الحصيلة، إذا صحّ أن إيران هي عرّاب النظام الأول، مالياً وعقائدياً ولوجستياً؛ فإنّ موسكو هي عرّاب النظام العسكري، الذي بات أقرب إلى "متعهد" وصاية وضبط وحماية في آن، مفوّض من قوّة إقليمية كبرى هي… إسرائيل!

وكما تمخضت جنيف ـ 2 عن مسرح عبث لم يجدِ فتيلاً، ما خلا إراقة المزيد من دماء السوريين، وإطلاق يد النظام نحو حدود أكثر همجية في تدمير البلد؛ فإنّ الهدنة الراهنة، وتباشير الأستانة المقترنة بها، لا تتجاوز الطموح إلى الانطلاق من الصفر؛ بافتراض أنها بلغت ذلك الصفر، أولاً!

========================

الهدنة الروسية ـ التركية والطريق الوعر نحو الأستانة .. بكر صدقي

القدس العربي

 الاحد 8/1/2017

بضمانها لوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 30/12/2016 بالشراكة مع تركيا، ودعوتها لمفاوضات الأستانة بين النظام والمعارضة، تكون روسيا قد وضعت كل مكاسبها الاستراتيجية في سوريا على محك الاختبار. أي مكانتها الدولية كقطب ند للولايات المتحدة، في القوة العسكرية وقدرتها على تسوية الصراعات الإقليمية على السواء.

لم تظهر، إلى الآن، اعتراضات ذات شأن من الولايات المتحدة للاتفاق الروسي ـ التركي، وإن كانت الدول الغربية ربطت موافقتها على منح هذا الاتفاق الغطاء السياسي الضروري في قرار مجلس الأمن 2336، بالتوكيد على مرجعية القرارات الدولية السابقة، جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2254. وهو ما من شأنه تقييد إمكانيات المناورة أمام الروس، وإرغامهم على مسار محدد للتفاهم الروسي ـ التركي يعيد الأمور إلى نصابها، ويقوي الشريك التركي في مواجهة محور طهران ـ دمشق.

وإذا كانت الحاجة الروسية إلى مجلس الأمن، وضمناً وأساساً خصومها الغربيين، لتسويق حل سياسي تقبل به إيران وتابعهما السوري، تقيد يدي روسيا في الحل السوري، فإيران الحليفة قادرة، من جهتها، على تعطيل مسار الحل قبل نصب طاولة المفاوضات في الأستانة، من خلال إفشال وقف إطلاق النار نفسه، وهو ما يقوم به طيران النظام وميليشيا حزب الله الإرهابي في وادي بردى ومناطق أخرى متفرقة.

يمكن القول، إذن، أن "النصر" الذي حققه الروس والإيرانيون على حلب وأهاليها، تحول إلى قنبلة مسحوبة مسمار الأمان بين أيدي المنتصرين أنفسهم. فلا الروسي قادرا على المضي قدماً في حربه لخدمة النظام وإيران إلى ما لا نهاية، ولا الإيرانيون يرغبون في تسليم نصرهم العسكري لتركيا ليحوله أردوغان إلى نصر سياسي بالشراكة مع الروس. ومن حيث المبدأ ألقى بوتين القنبلة إلى حضن إيران حين اتفق مع تركيا والفصائل المسلحة للمعارضة المعتدلة على وقف النار وإطلاق مفاوضات سياسية، في غياب إيران وتابعه السوري. لكن الإيراني يعمل كل ما في وسعه لتحدي روسيا من خلال الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار. ولعل إرغام أحد حواجز حزب الله أربعة ضباط روس على العودة على أعقابهم ومنعهم من الوصول إلى وادي بردى بناء على دعوة من وجهاء المنطقة، لمرتين متتاليتين، لعله يشكل أكبر تحد للإرادة الروسية منذ بداية تدخلها العسكري قبل 15 شهراً.

هل إيران مرتاحة إلى هذا الحد لتغامر بالاصطدام مع موسكو، أم أنها تملك من الضمانات ما يجعلها واثقة من أن بوتين سيبتلع إهاناتها بصمت؟

الواقع أن رياح التغيير القادمة من واشنطن لا تبشر الإيرانيين بخير، وهم يدركون جيداً أن الاصطدام اليوم مع موسكو أقل كلفة من الاصطدام المتوقع مع واشنطن بعد حين ليس بالطويل. فإدارة ترامب لا تخفي نواياها في احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، وقد يكون هذا مما شجع الرئيس الروسي على الابتعاد مبكراً عن إيران في سوريا، مقابل الاقتراب من تركيا العضو في حلف الأطلسي على رغم كل الخلافات الأمريكية ـ التركية، والانتقال من دور الداعم المطلق لنظام الأسد الكيميائي في مواجهة الشعب السوري، إلى دور الوسيط والحكم بين طرفين. هذا الخيار الذي انخرطت فيه روسيا بجدية منذ شهرين من خلال المفاوضات الطويلة مع ممثلي أبرز الفصائل في المعارضة المسلحة في العاصمة التركية أنقرة قبل إخلاء حلب وأثناءه وبعده.

من المحتمل أن إيران التي وافقت مرغمة على التوقيع على "إعلان موسكو" بالشراكة مع روسيا وتركيا، تدرك أن المشاغبة على وقف إطلاق النار، وبعض الاحتكاكات الموضعية المباشرة مع الروس لن يغيرا في هذا المسار الروسي المستجد، لكنها تحاول جهدها أن تحسّن من شروط خسارتها وخسارة تابعها في دمشق على طاولة المفاوضات في الأستانة. من ذلك مثلاً تصريحات ولايتي بصدد رفض خروج ميليشيات حسن نصر الله الشيعية من سوريا، على ما في هذا التصريح من إحراج تابعه اللبناني الذي طالما تنمر على اللبنانيين بوصفه "سيداً" بالمعنيين السياسي والديني. فها هو يتكشف عن مجرد عبد مأمور لولاة نعمته الإيرانيين.

على أن تصريح ولايتي ينطوي على ما هو أهم من مجرد كشف المعروف: وهو أن مصير وجود ميليشيات الحزب في سوريا بات مطروحاً على طاولة البحث للمرة الأولى منذ إعلان انخراطه في الصراع ضد الشعب السوري. لا نعرف، إلى الآن، هل تقرر إخراجه من سوريا، ومعه سائر ميليشيات المرتزقة من الشيعة العراقيين والأفغان والباكستانيين، أم أن الأمر ما زال في طور الضغوط لإتمام ذلك. ولكن يمكن توقع أن الأمر لا يتعلق بمجرد مطالبة تركية بهذا الخصوص، بل بمطالبة روسية أيضاً، غير معلنة إلى الآن، إذا أخذنا بنظر الاعتبار التنسيق المستمر عالي المستوى بين روسيا وإسرائيل بشأن الصراع في سوريا وعليها. ومن شأن مطالبة حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى بالخروج من سوريا أن تحظى بدعم الدول الغربية أيضاً، وهي التي تصنفه منظمةً إرهابية. هذا ما يفسر استعجال الروس لتشكيل قوة برية كبيرة تأتمر بإمرتهم تحت مسمى "الفيلق الخامس" تتشكل من سوريين موالين للنظام، وتشكل بديلاً من جيش النظام المنهار وميليشيات "الدفاع الوطني" الفالتة خارج سيطرته وتعيث فساداً وانتهاكات حيثما حلت واحتلت. ذلك أن إخراج الميليشيات الشيعية من سوريا بدون بديل يقوم مقامها من شأنه إضعاف الحرب التي لا مفر منها على تنظيم "الدولة" وجبهة النصرة وربما مجموعات أخرى إذا رفضت الانخراط في التسوية الروسية.

ماذا بشأن القوات الكردية؟

تجاهلت الاتفاقات الموقعة بشأن وقف إطلاق النار وضع القوات الكردية وما يسمى بـ"قوات سوريا الديمقراطية" تماماً، وكأنها غير معنية بكل ذلك. وإذا كانت الرعاية التركية لتلك الاتفاقات تشكل سبباً كافياً لاستبعادها منها وربما من مفاوضات الأستانة، لكن الأمر يتعدى ذلك إلى نوع من انفصال شبه كامل بين ملف الشمال السوري وملفات سائر الأراضي السورية، حيث تتداخل عوامل متنافرة، بعضها غير موجود في مناطق أخرى، في تشكيل لوحة الصراعات في شمال سوريا وشمالها الشرقي. وقبل كل شيء هناك منطقة عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة" الذي تقوده الولايات المتحدة، وقد خفت بريق عملياتها مؤخراً بمناسبة الانتخابات الأمريكية والمرحلة الانتقالية التي تلتها، بصورة متزامنة مع التدخل العسكري التركي المباشر في الجيب الحدودي الممتد من جرابلس إلى إعزاز وصولاً في العمق إلى تخوم بلدة الباب المحتلة من قبل تنظيم "الدولة".

ويتقاسم تنظيم "الدولة" والقوات الكردية مناطق واسعة من محافظة الحسكة، مع جيوب قليلة للنظام. في حين يتقاسم النظام وتنظيم "الدولة" السيطرة على مدينة دير الزور، وتتجه قوات سوريا الديمقراطية قدماً نحو الرقة عاصمة تنظيم "الدولة" في سوريا، فيما انكفأت عن التقدم نحو بلدة الباب تاركةً الميدان للقوات التركية والفصائل المسلحة المتحالفة معها، لتعزز تمسكها بمدينة منبج التي تعلن تركيا رغبتها في السيطرة عليها. هذه المناطق هي إذن مناطق "الحرب على داعش" سواء كانت بقوات كردية أو بقوات عربية مدعومة من تركيا، مع تنافس الفريقين على احتلال ما يمكن تحريره من احتلال تنظيم "الدولة" وتحول هذا التنافس إلى صراع مسلح كلما تضاربت خطوط الجبهات.

من المحتمل أن تركيا تجد الآن يديها طليقتين أكثر من السابق في حملتها على بلدة الباب المتنازع عليها، وذلك بعد وصول تفاهماتها مع موسكو إلى مستويات عالية من خلال رعايتهما المشتركة لاتفاق وقف إطلاق النار، في حلب أولاً، ثم في كل سوريا، مع استبعاد إيران وتابعه السوري. كذلك أفاد الأتراك من الفراغ المؤقت للدور الأمريكي في الشمال إلى حين اتضاح السياسة السورية لفريق ترامب. وهكذا وجدت القوات الكردية نفسها بلا سند أمريكي في مواجهة التدخل التركي، فانكفأت مؤقتاً عن حملتها باتجاه الباب، وعقدت مؤتمراً في الرميلان تخلت فيه عن اسم "روج آفا" لإقليمها الفيدرالي.

بالتوازي مع التطورات الميدانية المذكورة، عملت روسيا على إنشاء خط تفاوض منفصل في قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية بين النظام والكرد، بما يخدم التصورات الروسية للحل السياسي: فمن جهة ترضي بذلك شريكها الجديد تركيا بعدم مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي في مفاوضات الأستانة، ومن جهة ثانية قد يشكل أي اتفاق بين النظام والكرد في مـفــاوضات حميميم قوة ضغط على مفــاوضات الأستانة لمصلحة النظام وروسيا، من شأنه أن يضعف موقف وفد المعارضة الذي من المفترض أن يشارك في اجتماع الأستانة.

تتحدث آخر الأخبار القادمة من حميميم عن فشل الجولة الأولى من المباحثات بين النظام والوفد الكردي بسبب محاولة الأول إملاء "خطوطه الحمراء" على الثاني. ورفض المجلس الوطني الكردي عقد أي اتفاق مع النظام بمعزل عن المعارضة السورية.

الخلاصة أن الطريق إلى الأستانة يبدو أطول بكثير وأشد تعقيداً من الفترة القصيرة التي تفصلنا عن الموعد الذي حدده الروس لبدء المفاوضات في الثالث والعشرين من الشهر الجاري. هذا التوقيت المتسرع الذي يكشف عن استعجال الروسي لجني ثمرة "انتصاراته" على سوريا، قبل قدوم الرئيس الموصوف بـ"الغموض" دونالد ترامب.

========================

سوريا والمشروع الإيراني .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت  7/1/2017

أعلنا في الهيئة العليا للمفاوضات أننا ملتزمون بمفاوضات تحت مظلة الأمم المتحدة، مبنية على بيان جنيف وعلى القرارات الأممية التي رسمت طريق الحل السياسي وحددت أهدافه، ولكن روسيا سارعت للدعوة إلى مفاوضات في أستانة، ويبدو أنها تريد أن تأتي بمعارضة مصنعة تكتفي بتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الأسد يشارك فيها بعض المعارضين الموالين للنظام، ومن الواضح أن تركيا أقنعت الروس بالتراجع عن اعتبار مفاوضات أستانة بديلة عن مفاوضات تشرف عليها الأمم المتحدة، وقد أعلن "ديمستورا" عن موعد جديد في الثامن من فبراير القادم لاستئناف المفاوضات في جنيف، كل ذلك واتفاق وقف إطلاق النار بدأ حبراً على الورق ولم يلتزم النظام والإيرانيون به، فقد ازدادت الهجمة على "وادي بردى" بهدف تهجير قسري لسكانه، وكانت الذريعة أن فيه مجموعة من الإرهابيين، وهذه الذريعة يمكن استخدامها في أي موقع يريد النظام وإيران هجوماً عليه، وهكذا أصبح وقف إطلاق النار معرضاً للفشل رغم حرص السوريين جميعاً على نجاحه ورغم الالتزام الفصائل به، وهذا ما تناقشته تركيا مع روسيا الآن بوصفهما الضامنين.

السوريون يدركون فوارق مهمة بين الموقف الروسي والموقف الإيراني، فإيران لديها مشروع توسعي، وهي تريد ضم سوريا إليها كما ضمت لبنان والعراق عبر النفوذ العسكري والسياسي المباشر، وتعمل في سوريا بجدية لإحداث تغيير سكاني في بعض المناطق التي تريد جعلها موالية لها وبخاصة في ريف دمشق لتحقق حزاماً أمنياً يتصل بجنوب لبنان. وإيران لديها عقيدة دينية مذهبية تريد نشرها، وهي تسارع لإقامة طقوسها الدينية في المساجد السُنية الكبرى في سوريا مشجعة على التشيع، وهذا ما يجعل الصراع السياسي يأخذ منحى طائفياً، وهو سر ظهور التطرف المضاد.

وإيران تريد إشاعة الفوضى في سوريا وإنهاء مؤسسات الدولة وتفتيت الجيش السوري كما حدث للجيش العراقي، لأن الفوضى والانهيار يتيحان لها أن تطفو على السيادة الوطنية كما فعلت في لبنان عبر "حزب الله" الطائفي، وقد بدأت بتشكيل ميليشيات في سورية بدل الجيش النظامي.

وإيران تريد تقسيم سوريا وهي صاحبة فكرة "سوريا المفيدة"، لجعل سوريا غير المفيدة منطقة الصراع مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، حيث تقوم بحشد أهل السُنة في منطقة مستهدفة بوصفها تضم إرهابيين، وهذا ما يحدث في إدلب الآن حيث يقتلع أهل السُنة من بيوتهم وأراضيهم في حلب وريف دمشق ويتم تجميعهم في مخيمات في إدلب، ولا أحد يستبعد أن يتعرض كثير من هؤلاء لهولوكست قادم بذريعة مكافحة (فتح الشام). وإيران والنظام لا يخشيان من نفوذ "داعش" فالدلائل تشير إلى تنسيق وتفاهم منذ أن تم تسليم الرقة ثم الموصل ثم تدمر لتنظيم "داعش" دون عناء منه.

وإيران والنظام مرتاحان لما حققا عبر السنوات الفائتة من تهجير أكثر من عشرة ملايين من أهل السُنة، وبخاصة لمن اختاروا هجرة بعيدة، وقد عبر النظام عن هذا الارتياح حين تحدث عما حدث من توازن سكاني (وهو يعني انخفاضاً ضخماً لحضور الأغلبية السكانية في سوريا على أمل أن تصبح أقلية)، ويدرك النظام أن احتمالات عودة المهاجرين تصبح أقل بعد مرور خمس سنوات على الهجرة، ولن يكون مهماً بقاء ملايين من المهجرين في الخيام في الأردن ولبنان وجنوب تركيا، فقد بقي الفلسطينيون في الخيام عقوداً طويلة.

روسيا كما يبدو لي غير معنية بتقسيم سوريا، وهي تقول إنها تريد الحفاظ على الدولة وعلى المؤسسات والجيش، وليس لديها مشروع عقائدي أو مذهبي تريد نشره، وليس لديها مشروع توسعي بضم أراضٍ أو مستوطنات لها في سوريا كما تفعل إيران، وإنما هي تريد مواقع نفوذ وقواعد عسكرية ومصالح اقتصادية، وهذا كله يعني أنه من الممكن أن نتفاهم مع روسيا مستقبلاً، لكن التفاهم مع إيران محال ما دامت مصرة على العدوان.

========================

منزلقات ومخاطر .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت  7/1/2017

باتفاق وقف إطلاق النار، تدخل القضية السورية في طورٍ مختلف، تتداخل ملامحه الواضحة ومنطوياته الخفية بطرقٍ تنقلها بصور مفاجئة من حالٍ إلى نقيضها: من وقف إطلاق النار إلى معارك تشن في جميع الاتجاهات، ومن اعتبار الطرف الآخر جيشاً حرّاً إلى شن حرب شعواء عليه، بحجة وجود عنصر داعشي أو نصراوي بين صفوفه... إلخ. يسمح هذا الوضع بخرق وقف إطلاق النار في أي وقت، والدلالة هجمات النظام على المدنيين والجيش الحر منذ لحظة إعلان وقف إطلاق النار، وتبنيها أسدياً من دون اعتراض أو احتجاج ضامني الاتفاق، الروسي والتركي، اللذين يتصرفان وكأنهما يعرفان أن ضمانتهما أولى منزلقات الاتفاق، لأن ايران لن تقبل اتفاقاً يخرجها من المأتم السوري بحصةٍ تقل عمّا تملكه اليوم في الأسدية، وليس لها مصلحة في ضمانة تقنعها أو تلزمها بوقف إطلاق نار يحمل خسارةً مؤكّدة لها. لذلك، أعلنت رفضه عبر رفضها أن تكون سورية مكاناً تتقاسم فيه "نفوذها" مع أطراف أخرى، بما في ذلك روسيا: ضامنة وقف إطلاق نار يقوّض أوضاعاً منحتها سورية في مقابل ثمن فادح، كلفها عدداً كبيرا من خيرة عسكرها. والآن: هل تغني هواتف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى نظيره الإيراني، محمد جواد ظريف، بإقناع الملالي أن ما سيقدمه لقاء الأستانة هو البديل الوحيد لتقليص وجودهم ونفوذهم، وربما الخروج صفر اليدين، من سورية، وإن عليهم قبول تفكيك وضعهم الراهن فيها؟

لإفشال سعي إيران إلى تخريب الحل في سورية، بإعلانها تصميمها على الاستمرار في احتلال سورية من خلال إبقاء حزب الله فيها، من الضروي نزع ورقة الحرب ضد الإرهاب من يدها، وتولي روسيا وتركيا شنها بالتعاون مع واشنطن، كي لا يتلاعب بها الملالي، ويستخدموها لتفجير بلدان المنطقة العربية وتدميرها. من المحتم أيضا فك علاقات الارتباط الإرهابي بين نظامي طهران ودمشق التي يتم تنسيقها على أعلى مستويات قيادتيهما السياسية والعسكرية، ولعبت دوراً مباشراً في إنتاج الوضع الكارثي العربي/ الإقليمي الراهن، واستخدمت جيشيهما ومرتزقة متعدّدي الجنسيات، يقتلون شعوب المشرق بدوافع مذهبية/ طائفية، ويهجرون أعداداً عائلات من بناتها وأبنائها ليستوطن إيرانيون قراهم ومدنهم، ويسكنوا في بيوتهم. بهذا الارتباط الذي يتخطّى السياسة إلى المجال العقدي، يصير من المحال نجاح أي جهدٍ يستهدف إخراج إيران من سورية، أو إيقاف حربهما ضد سورية، وانضمامهما إلى حلٍّ سياسيٍّ يلبي مطالب السوريين، وينشر التهدئة في ربوع المنطقة، ويوقف مجازرهما المنظمة فيها التي دمرت شعبي العراق وسورية، بتخطيط (وقيادة) الملالي: الذين جنّدوا القتلة وسلحوهم وموّلوهم.

هل سيكون باستطاعة روسيا إنجاز هذا الانفكاك عبر الأستانة، إذا كانت عاجزة عن إجبار طهران ودمشق على الالتزام بوقف إطلاق النار؟ إذا كانت تعتقد أن ذلك في استطاعتها، فهي لا شك واهمة، والدليل: إعلان طهران، بلسان كبار قادتها ومسؤوليها، رفضها قبول أي نفوذٍ أو موطئ قدم روسي أو تركي في مستعمرتهم السورية!. في المقابل، هل يعني تطنيش موسكو وأنقرة عن استمرار إطلاق النار ضد المدنيين والجيش الحر أنها عاجزة عن مواجهة هذا الوضع، وهل يكون ردّها عليه توجيه ضغطها إلى المعارضة، لأن الضغط عليها أجدى وأسهل، لأسباب بينها البلبلة التي أحدثها اتفاق وقف لإطلاق النار في صفوفها، وانقلاب الأدوار لصالح العسكر وضد الساسة فيها، وما أحدثه من ثغرةٍ يمكن النفاذ عبرها لإضعاف مواقفها عامة، والتفاوضي منها خصوصاً. وأخيراً انقساماتها التي تفاقمت بعد هزيمتها المأساوية في حلب؟.

والحال، في مقابل تماسك العلاقات الإجرامية بين إيران/ والأسد وتعزيزها، والتسعير المنسق بينهما ضد الشعب السوري، يبدو الصف المعارض هشّاً ومرشحاً لتطوراتٍ مباغتةٍ تطاول، بصورة أساسية وخطيرة، أدوار طرفيه، السياسي والعسكري، قد تغيّر بجدية علاقاتهما، وتمهد للتخلي عن حقوقٍ لطالما أقرتها وثيقة جنيف والقرارات المكملة والمفسرة لها. هذا المنزلق المحتمل الذي تواجهه القضية السورية بعد حلب، والمنزلقات الملازمة لعلاقات إيران والنظام، ولمواقف روسيا وتركيا من تعنتهما وإصرارهما على استمرار الحرب ضد الثورة، ومنع الحل السياسي، يمكن أن يفضي إلى نتائج تطيح كل ما تم إنجازه بدماء الناس، وإن تحول المأتم السوري إلى كارثةٍ لن يبقى شيء بعدها كما كان عليه قبلها، إما أن يتم تداركها، أو أن تضيع عسكرة المفاوضات والحل القليل جدا الذي لم تضيعه بعد عسكرة الثورة.

========================

دور لروسيا القيصرية في إجهاض الثورات .. سلامة كيلة

العربي الجديد

السبت  7/1/2017

حينما تدخلت في سورية، برّرته روسيا بمواجهة الإرهاب وسحق الإرهابيين "الشيشان" قبل أن يعودوا إلى روسيا، وهي الصيغة التي برَّر بها الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، غزو أفغانستان ثم العراق. ثم أوضحت أكثر أنها تدخلت لمنع سقوط النظام في لحظةٍ كان عاجزاً عن الاستمرار، وكان يجب أن يجري إبعاد المتحكّمين فيه في سياق حلّ سياسي، لتحقيق تغيير يؤسّس لوضع جديد. وربما جرى ترداد تبريراتٍ أخرى، منها أن "النظام الشرعي" هو الذي طلب التدخل الروسي.

لكن، ربما أوضح تصريح وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو، الأمر من زاويةٍ أخرى، تنفي كل ما قيل قبلاً عن مبرّرات التدخل. قال، وهو يشير إلى "الضربات الجوية" التي أسفرت عن قتل 35 ألفاً "من الإرهابيين" أن روسيا "نجحت في وقف سلسلة الثورات في الشرق الأوسط"، وجزم أن "سلسلة الثورات التي انتشرت في أنحاء الشرق الوسط وأفريقيا انكسرت" (رويترز 22/12/ 2016). هو هنا يعلن "الهدف الأسمى" للتدخل في سورية، على الرغم من أن مصالح روسيا الاقتصادية والجيوإستراتيجية كانت في جوهر الأسباب التي دفعتها إلى التدخل وإقامة قواعد عسكرية، جوية وبحرية وبرية، لأجلٍ "غير محدَّد". ويوضح شويغو بالتأكيد شعور روسيا الإمبريالية بخطر الثورات وخطورتها عالمياً، وعلى روسيا خصوصاً. بالضبط، لأن الوضع الاقتصادي الروسي ليس في وضعٍ مريح، والشعب الروسي يعاني من الفقر والبطالة كذلك.

وإذا كان هذا التقدير ليس في مكانه، بالضبط لأن أساس نشوب الثورات لا زال قائماً، فإن هذا الإعلان الواضح بأن تدخّل روسيا ووحشيتها قد أدتا إلى "إخماد ثورات الشرق الأوسط" يعني أن روسيا كانت، أولاً، ضد كل الثورات العربية، وهو ما وَضُح في موقفها من ثورات تونس

"روسيا هي ممثلة الإمبرياليات في سحق الثورات، وهي أداتها لهذا السحق" ومصر، ومن ثم اليمن وليبيا، حيث دافعت عن زين العابدين بن علي وحسني مبارك، وغضّت النظر عن سحق مظاهرات البحرين، وقبلت الدور السعودي الذي كان يناور لإجهاض ثورة اليمن، ولم تكن مع الثورة في ليبيا بل ظلت تدافع عن معمر القذافي، على الرغم من أنها تقول إن "الغرب" قد خدعها، حين وافقت على قرار مجلس الأمن الذي يسمح بالتدخل العسكري "المحدود". لا يتعلق الأمر هنا، إذن، بالثورة السورية فقط، بل يصيب كل الثورات العربية، وكل الثورات الممكنة في العالم. ومن المنظار نفسه، كانت ضد ثورة أوكرانيا، وتدخلت عسكرياً لضم القرم، والسيطرة على شرقها. بمعنى أن روسيا الإمبريالية ضد كل الثورات، وهذا "طبيعي" لإمبرياليةٍ تريد السيطرة والاحتلال.

وثانياً تدخلت وهي مصممة على ممارسة كل الوحشية التي مارستها، من أجل إجهاض الثورة و"كسر" سلسلة الثورات التي بدأت من تونس. بالتالي، عملت على إكمال سياسات النظام، وإيران (وأدواتها) المتعلقة بالتدمير والقتل والترحيل، بكل الأسلحة المتطورة التي تمتلكها، من أجل تحويل الثورة إلى مجزرة. يوضح هذا التصريح أن السياسة التي وضعتها روسيا لتدخلها العسكري انطلقت من تدمير الثورة، بغض النظر عن الكلفة، ومن ثم كانت تعرف أن عليها، بالضبط، لأنها تواجه ثورة شعب، وليس إرهاب مجموعاتٍ صغيرة متحكَّم بها، أن تمارس كل الوحشية التي تجهض الثورة، بغض النظر عن عدد القتلى أو مستوى التدمير. ولا شك في أن إشارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حين لقائه كلاً من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في برلين، موحية هنا، حيث أشار إلى أنه سيمارس في حلب كما فعل في غروزني، أي ممارسة عملية التدمير الشامل بكل الأسلحة (البراميل المتفجرة من اختراع بوتين، ومورست للمرة الأولى في غروزني).

تعتبر روسيا هنا أنها، من أجل كسر سلسلة الثورات، كان لا بد لها من أن تمارس كل الوحشية التي توقفها، ليس في سورية فقط بل في "الشرق الأوسط". وهذا ربما يوضّح الأرقام التي أتى بها شويغو في التصريح نفسه عن قتل "35 ألف مسلح" أو "إرهابي"، بعد أن نفذ الطيران الحربي الروسي (فائق التطور) 18800 طلعة منذ سبتمبر/ أيلول من سنة 2015. وربما توضّح أسماء القتلى طبيعتهم التي يقول إنهم من الإرهابيين، ولقد نشرت الأرقام وصفات هؤلاء (وأكثر منهم) وأعمارهم في تقارير لمنظمات وهيئات سورية ودولية مستقلة، فهم في معظمهم من الشعب الذي يعتبره شويغو إرهابياً ما دام قام بالثورة (وشويغو يعترف بأنها ثورة). وجرى قتلهم عن عمدٍ، لأنهم قاموا بالثورة التي يعلن أنه كسرها، ليس في سورية فقط بل في "الشرق الأوسط وأفريقيا"... هو الرعب من الثورة إذن، من إمبرياليةٍ تريد النهب والسيطرة. وهو رعب الإمبرياليات الأخرى.

وثالثاً، أنها بهذا التدخل نفذت ما أرادت الإمبرياليات الأخرى، وكانت الأداة التي جرى

"تقول هذه الإمبرياليات إن الموت البطيء أفضل من الموت الوحشي، على الرغم من أنه في الحالين موت" استخدامها، ليس من أجل إجهاض الثورات فقط، بل وتحويلها، في سورية، إلى مجزرة تخيف شعوب العالم. وهذا يفسّر الموقف الإمبريالي الأميركي الذي كان يغضّ النظر عمّا فعل النظام من وحشيةٍ في القتل والتدمير واستخدام الأسلحة المحرّمة، وما فعلته روسيا بتدخلها. لقد أخافت سلسلة الثورات التي ظهرت كانفجار سريع وكبير يهدّد الرأسمالية كل الدول الإمبريالية، في لحظة أزمتها المستعصية على الحل، والتي فرضت سياسة التقشف التي تعني انهيار الوضع المعيشي للشعوب في البلدان الرأسمالية ذاتها، وتسريع نهب الأطراف وتدمير مقومات وجود شعوبها. لهذا، كان لا بد من مجزرة كبيرة تدمّر بلداً له تاريخ حضاري كبير (بعد أن دمرت الإمبريالية الأميركية العراق)، وموقع مميز، من أجل أن تعي شعوب العالم التي باتت تنهب بشراسة أن عليها قبول الموت الذي تعيشه، أو تنتظره من دون مقاومةٍ أو تمرّد أو ثورة، لأنها حينها ستدمر بكل العنف والوحشية. بالتالي، تقول هذه الإمبرياليات إن الموت البطيء أفضل من الموت الوحشي، على الرغم من أنه في الحالين موت، وأن الإحساس بالموت جوعاً هو الأساس الذي يفرض الثورات، مهما كانت النتائج، لأنه "رد الفعل الطبيعي" على الشعور بالموت هو الحركة، التمرّد، أي الثورة.

إذن، روسيا الإمبريالية هي ممثلة الإمبرياليات في السعي إلى سحق الثورات، وهي أداة هذه الإمبرياليات لهذا السحق. ولسخرية التاريخ أن يعاد كمهزلة، بعد أن كان تراجيديا حينما لعبت روسيا القيصرية دور "حصن الرجعية" (كما سماها ماركس) من أجل سحق ثورات سنة 1848 في أوروبا. إذن، يعود حصن الرجعية، لكنه هذه المرة مستفيداً من كل التطور التكنولوجي العسكري الذي أنجزته الاشتراكية مع الأسف، وليكون هو قوة الصدام المعلنة ضد ثورات الشعوب. وأن يسلّح بجيش "عرمرم" من "اليسار الممانع" في العالم كله، يقدّم له المبرّر الأيديولوجي لما يفعل، من خلال تشويه الثورات، و"القتال المستميت" للتأكيد على أنها "مؤامرة إمبريالية"، أو أنها ليست ثوراتٍ، لأنها بلا قيادة "ماركسية لينينية"، أو لأنها أتت بـ "الإرهابيين". هذا اليسار الذي فقد كل فهم، وكل معرفة، وكل إنسانية، وبات أداةً بيد "حصن الرجعية" في ضخّ الترهات حول الثورات، وقام بالتمهيد "النظري" لسحقها.

إذا كان سيرغي شويغو هو وزير حرب الإمبرياليات، فيمكن القول إن قدري جميل وكثيرين من "شيوعيي" العالم هم هيئة الأركان الأيديولوجية في الحرب التي تخوضها الإمبرياليات ضد الثورة. وليبدو أن الاتحاد السوفييتي لم يُنتج سوى هاتين "القوتين": حصن الرجعية العسكري وحصن الرجعية الأيديولوجي.

========================

أستانة... وهم ولادة لحمل كاذب .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت  7/1/2017

يشغل خبر مؤتمر أستانة المقترح الحيّز الأكبر من مداولات مختلف أطراف الصراع السوري، وبينما تنفي المعارضة علمها بأية تفاصيل حوله، وتطرح الشكوك بشأن النوايا الروسية، وتؤكد أنها لم تتلق دعوة بخصوصه، تتوالى من هنا وهناك معلوماتٌ عن جدول أعماله، وأسماء المزمع مشاركتهم به، بل النتائج التي ستترتّب على انعقاده، في ظل تحضيراتٍ أمميةٍ لعقد جلسة تفاوضية جديدة في جنيف، نهاية الأسبوع الأول من فبراير/ شباط 2016.

لعل ذلك يؤكد من جديد اللا قرار الدولي، أو انعدام الحسم الدولي، بخصوص حل القضية السورية، حيث تسدّ فرص الحل السياسي، ليحل مكانها مجرّد تفاهمات جزئية هنا وهناك، وحيث يتلو الجميع ترانيم اللا حل بوسائل السلاح، بفعل التدخل العسكري الروسي والإيراني في حلب وريف دمشق، وتتابع عمليات التهجير القسري، ومعها تفاصيل "خريطة الطريق" الروسية التي أنتجت، حتى اليوم، مئات نقاط الهدن المحلية على امتداد الأرض السورية.

ما المطلوب من مؤتمر أستانة؟ وما الغاية التي تدعو موسكو إلى إشراك كل من تركيا، الدولة الصديقة للمعارضة السورية، وإيران التي ترى كل من يقف في مواجهة الأسد إرهابياً وعدواً لها؟ ومن هم الشركاء المحتملون الذين تود روسيا تسميتهم "معارضةً" من هذه الأطراف؟

ترى "معارضة موسكو"، بقيادة قدري جميل، أن الفرصة مواتية لها الآن لتتصدّر المشهد، لكن السؤال الملح هنا: إذا كانت روسيا ترى أنها هي المعارضة المناسبة للتفاوض مع النظام، وهي تحت جناحها أصلاً، فلماذا تدعو إلى مؤتمر في أستانة إذن؟ ومن جهتها، فإن "معارضة حميميم" التي تتنفس من خلال النظام، وتتحرّك بموافقةٍ منه، وتمارس نشاطها داخل نطاق سيطرته الأمنية، ومسار حركتها دمشق موسكو دمشق، ما حاجتها إلى مؤتمر أستانة، لتطرح تصوّرها حول سورية وحول النظام؟

فإذا كانت تلك الأطراف ليست الهدف من الجلسات الحوارية "التفاوضية"، المزمع عقدها في 

"كانت روسيا وراء "مؤتمر فيينا"، ليحل مرجعية للقضية السورية بدل جنيف 1" أستانة، فلا شك أن جمعها مع أطرافٍ من المعارضة المسلحة التي كانت هي أصلا تجرّمها وتضعها في خانة الإرهاب، هي الغاية التي تريد روسيا منها شرعنة من تسميهم "معارضة الداخل" أو تدجين من كانت تسميهم إرهابيين حتى لحظة انعقاد الاجتماع الثلاثي في موسكو، والذي خرج عنه ما تعتقده تلك الأطراف "المرجعية الجديدة للتفاوض".

لا شك أن معركة حلب، والمقتلة الكبرى التي حدثت خلالها، غيّرت موازين القوى على الأرض، فهي، وإن اعتبرناها بمثابة هزيمة للمعارضة المسلحة، إلا أنها، في الآن نفسه، ليست انتصارا للنظام، بل هزيمة له بالتساوي، كونها أخرجته هو أيضاً من معادلة الحل السوري، لتحلّ مكانها معادلة روسيا، وبالشروط التي تتأقلم مع مصالحها دولياً وإقليمياً، وحتى سورياً. هذه المصالح التي تتقاطع، في بعض محاورها، مع مصلحة تركيا، حيث الملف الكردي الضاغط عليها، والعلاقة المتأرجحة مع الإدارة الأميركية، وموجبات تحالفها مع روسيا.

أمام هذه المعطيات، يبدو أن مؤتمر أستانة مجرّد تلويح بالعصا للمعارضة السورية المتمثلة بـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" و"الهيئة العليا للتفاوض"، ومحاولة لتلزيم تركيا بفرض مشاركة فصائل المعارضة المسلحة العاملة على الأرض من خلال نافذتها، أو الحليفة لها، من جهة. ومن جهة ثانيةٍ تختبر روسيا حقيقة دور إيران بالنسبة لإمكانية اندماجها في "سياسي" يوقف أحلام حليفها الأسد بشأن حسم المعركة عسكرياً. وتالياً، تطويع كامل الأراضي السورية لسيطرته من جديد، الأمر الذي تراه طهران بات قاب قوسين أو أدنى. وثمّة أيضا الموقف الجديد للإدارة الأميركية، برئاسة دونالد ترامب (بعد أسابيع)، الضاغط على إيران، الذي يرى ضرورة إعادة النظر في الاتفاق النووي الذي فتح الأفق أمامها لاستعادة موقعها دوليا.

لا شك أن روسيا ضاقت ذرعا بمرجعية جنيف 2012 التي جعلت من "الائتلاف" ممثلاً عن المعارضة بداية، وبعده "الهيئة العليا للتفاوض"، وكلاهما في مركبٍ لا يصل إلى ما تريده،

"تعتقد روسيا أن المرجعية الجديدة تتطلب كياناً موازياً، ربما يلغي بوجوده "الهيئة العليا للتفاوض" ولا يعمل وفق منظور الحل المقترح منها. كما أن روسيا كانت وراء "مؤتمر فيينا"، أصلا، ليحل مرجعية للقضية السورية بدل مرجعية جنيف 1. وهي أيضا تجد الآن أن من شأن ما نتج عن التفاهمات الروسية ـ الإيرانية ـ التركية أن يكون قاعدة انطلاق إلى ذلك الهدف، في ظل الصمت الأميركي المعبّر، في الظاهر، عن لا مبالاة الإدارة الأميركية كلياً في الملف السوري.

وفقا لذلك، قد تعتقد روسيا أن المرجعية الجديدة تتطلب كياناً موازياً، أيضاً، ربما يلغي بوجوده "الهيئة العليا للتفاوض"، من خلال دعوة شخصياتٍ من مكونات الهيئة، تتماهى مع المتطلبات الروسية للحل المنشود في سورية، وتقبل مرجعية موسكو، وبقرار مجلس الأمن 2254 حسب التفسير الروسي له، أي إلغاء وحدانية الطرف المفاوض للمعارضة، وقبول أطراف عديدة، بينها معارضات موسكو وحميميم وقوات سورية الديمقراطية، إضافة إلى منصة القاهرة والمنتج الجديد لمعارضة الداخل "الجبهة التقدمية".

تأسيساً على ما تقدم، يصبح مؤتمر أستانة المزمع انعقاده بعيداً عن الأطراف الفاعلة في المعارضة السورية مجرّد حجر لتحريك بركة راكدة، قد لا ينتج منه سوى رؤية أوساخها.

في المعارك ربح وخسارة، ونصر وهزيمة، وكذلك في جولات التفاوض. لكن، في الثورات التي تنطلق من لحظة الأزمة التاريخية للشعوب، هناك معبر واحد لا يمكن الرهان على فقدانه، وهو المضي نحو الهدف المنشود، أي إقامة نظام ديمقراطي يضمن حقوق كل المواطنين، ونفض كل ما علق به من أسلمة الثورة وتطييفها، ومن عسكرةٍ تحمل مشاريع الممولين بعيداً عن الهدف الوطني، وهو حماية الشعب السوري من تغوّل أجهزة القمع على مفردات حياته اليومية والمعاشية، وصولاً إلى نبذ كل مدّعٍ بأنه يمثل من لا يمثلهم حقاً.

مؤتمر أستانة المزمع عقده بمرجعية "بيان موسكو" ليس انقلاباً على شرعية المعارضة التي يسميها بعضهم "الخارجية"، وإنما هو، في شكله المعلن حتى الآن، وقبل أن يتلقى أي طرف معارض حقيقي دعوتها، ليس أكثر من توهّمات ألم ولادة بحمل كاذب. وعلى أية حال، ثمّة شكوكٌ مازالت تطرح، بل تتزايد، حول انعقاد هذا المؤتمر، وحول الأطراف المشاركة فيه، وحول جدواه... وعلى الأقل، لم تحسم المعارضة السورية حتى الآن أمرها في هذا الخصوص، بل إن انحسار الزخم الذي رافق بيان موسكو، وبعده إعلان أنقرة، يؤكد أن ما يحصل مجرّد حمل كاذب، أو طبخة بحص.

========================

"عقيدة" أوباما و"المعارضة" السورية: المدفن أم مزبلة التاريخ؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت  7/1/2017

بعد أشهر أولى قليلة، أعقبت انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، كانت مؤسسات "المعارضة" السورية الخارجية، خاصة تلك التي استقرت في اسطنبول، قد تمأسست، في صيغة مؤتمرات، ومجلس وطني لاحقاً؛ ثمّ استُقطبت، واستَقطبت ذاتها أيضاً، فتشرذمت إلى ولاءات عربية وإقليمية ودولية، وصارت تابعيات صريحة تارة أو مبطنة طوراً ـ "المعارضة" الأخرى، الداخلية، عقدت مؤتمرها الشهير في فندق سميراميس، الذي سوف تتشرذم مكوّناته بدورها إلى ولاءات وتابعيات مماثلة، أو منضوية "تحت سقف الوطن"، أو مكتفية بصيغة "هيئة التنسيق" التي لن يطول بها الزمن حتى تتشرذم أكثر، من داخل حال التشرذم إياها.

لافت، إلى هذا، أنّ المعارضتَين (دون استبعاد مجموعات أخرى مستقلة عن الطرفين، فضلاً عن معارضين أفراد هنا وهناك)، تقاسمتا سلسلة من التشوهات التي أصابت السياسة والتفكير والتنظير، ولم تغب كذلك عن السلوك والممارسة، وشملت موضوعات حساسة ذات بُعد ستراتيجي، وأخرى أقلّ أهمية وأقرب إلى تغذية التكتيكات الصغيرة. وتلك حال أسفرت، تلقائياً، عن ملفات سجال كثيرة، لعلّ أبرزها دار حول مسائل تسليح المعارضة (وليس "الجيش السوري الحرّ" وحده)، وعسكرة الشارع الشعبي؛ واستدراج المال السياسي ("حتى من الشيطان الرجيم"، كما قد يقول قائل)؛ وتجميل التدخل العسكري الخارجي (كيفما أتى، وأياً كانت الجهة أو الجهات التي تتولى قيادته)؛ والتطبيع مع الخطاب الطائفي البغيض الذي يدين طوائف بأكملها (ولا يستثني، أيضاً، المعارضين للنظام من أبنائها، المنضوين مباشرة في مختلف أنماط الحراك الشعبي)

غير أنّ السجال حول "صدقية" و"مصداقية" الموقف الأمريكي من الانتفاضة، سواء ذاك الذي كانت تعلنه الإدارة، أو يعتنقه ساسة أفراد ليسوا في السلطة، أو يعبّر عنه معلّق سياسي هنا، أو باحث مختصّ هناك؛ كان واحداً من الملفات الساخنة، أو الأسخن في الواقع. في ذلك الطور فات المعارضتَين ـ أولئك الذين في الخارج، ممّن أدمنوا اللقاءات بنساء ورجالات البيت الأبيض والخارجية الأمريكية والكونغرس ومراكز البحث والاستخبار المختلفة؛ وأولئك الذين في الداخل، واعتادوا لقاء السفير الأمريكي في دمشق، روبرت فورد، أو ممثلي الإدارة في هذه العاصمة أو تلك ـ أنّ جوهر الموقف الرسمي الأمريكي لم يقطع الرأي، البتة، في طيّ صفحة "الحركة التصحيحية"، ولم يستقرّ على سياسة ـ ملموسة وعملية وفاعلة، واضحة ـ تنتهي إلى إسقاط النظام.

كانت سلطة آل الأسد نظام استبداد وفساد في يقين هذه الإدارة الأمريكية، وربما جميع الإدارات منذ انقلاب الأسد الأب سنة 1970؛ وكانت جزءاً من كتلة أنظمة شرق ـ أوسطية بغيضة، في ناظر سادة البيت الأبيض، لكنها ظلّت خادمة وفية للمصالح الأمريكية، وضامنة موثوقة لأمن إسرائيل: بالحديد والنار والمجازر في الداخل، وبالمدافع الساكتة على جبهات القتال. كانت مسألة أخرى مختلفة تماماً، في المقابل، أن تتبنى واشنطن شعار "إسقاط" النظام، لأنّ هذا الخيار سوف يُلزمها بالمشاركة في سلسلة العمليات، السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، الكفيلة بالتوصل إلى هدف الإسقاط هذا.

كذلك توجّب ألا تغيب عن لوجستيات ذلك الخيار عمليات محفوفة بمخاطر شتى، مثل إقامة المناطق الآمنة، والممرّات الإنسانية، وتأمين خطوط الإمداد في حال إقرار مشاريع تدخل عسكرية، وزرع الوحدات المكلفة بالعمليات الخاصة الحساسة، والارتباط مع الوحدات العسكرية أو المدنية الحليفة المحلية، في طول البلاد وعرضها وليس على خطوط جبهات منتقاة… وهذا كله، وسواه، كان يتناقض مع ما سُمّي بـ"عقيدة أوباما"؛ خاصة بعد أن تبلورت خلال رئاسته الثانية، وأعلنها مفصلة في خطبة عصماء، خلال حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط "وست بوينت"، الكلية العسكرية الأمريكية الأشهر، ربيع 2014. إنها، كما نظّر لها بنفسه، لا تدعو إلى انعزال أمريكا عن كلّ نزاع لا يمسّ مصالحها، أو أمنها، أو ازدهارها الاقتصادي؛ ولكنها لا تنحاز، كذلك، إلى الرأي بأنّ إهمال تلك النزاعات سوف يشكل خطراً على أمريكا، في نهاية المطاف؛ بل هي في موقع ثالث وسيط، بين الاثنين.

قال أوباما: "لا أعتقد أن أياً من الرأيين يتجاوب تماماً مع مطالب هذه البرهة. من الصحيح تماماً أن نزعة الانعزال الأمريكية ليست خياراً في القرن الحادي والعشرين. ولا نملك خيار تجاهل ما يجري خارج حدودنا. وإذا لم تكن الموادّ النووية مؤمّنة، فإن هذا مصدر خطر على المدن الأمريكية. وإذْ تتوسع الحرب الأهلية السورية عبر الحدود، فإن الجماعات المتطرفة، المدرّبة على القتال، سوف تتزايد قدرتها على الوصول إلينا. وأي عدوان إقليمي يتواصل دون رادع، سواء في جنوب أوكرانيا، أو بحر الصين الجنوبي، أو في أي مكان آخر في العالم، سوف يؤثر في نهاية المطاف على حلفائنا، ويمكن أن يستجرّ جيشنا. لا يمكننا أن نتجاهل ما يحدث خارج حدودنا".

ومن جانب آخر، يتجاوز "هذه الاعتبارات الضيقة"، تابع أوباما: "أؤمن أننا أمام واجب، ومصلحة ذاتية الإلزام، في التأكد من أن أبناءنا وأحفادنا سوف يكبرون في عالم لا تُختطف فيه طالبات المدارس ولا يُذبح فيه الأفراد بسبب قبيلة أو عقيدة أو يقين سياسي. وأؤمن أن عالماً أكثر حرية وتسامحاً ليس واجباً أخلاقياً فقط، بل سوف يساعد في إبقائنا آمنين". حسناً، قد يبدو الكلام جميلاً، بل مبهجاً، يسير على نقيض تعطش أسلاف أوباما إلى حروب الغزو والاجتياح والتدخل؛ ولكن (وثمة "لكن" كبيرة هنا!)… كيف تُرجمت هذه الأقوال ذاتها، على الأرض، أوّلاً؟ وكيف، ثانياً، يودّع أوباما رئاستَيه هذه الأيام، حين يبدو التدخل الأمريكي في سوريا أشبه بأحجية تناقضات، بين ما تخطط له وزارة الدفاع، وما تحيكه المخابرات المركزية؟ بين "معتدلي" الجيش السوري الحرّ، وصقور الكرد؟ وبين تركيا على مشارف بلدة الباب، والقاعدة الأمريكية في الرميلان…؟

وهكذا، في إجمال الإجمال، ظلّ الموقف الأمريكي متصفاً بالتخبط، لكي لا يتخيل المرء حال جمود مفضّلة عن سابق قصد وتصميم، تواصل انتهاج قاعدة الابتداء ذاتها: أي "الهبوط السلس"، التي تفترض أنّ النظام السوري ساقط لا محالة، طال الزمان أم قصر، ولا حاجة لأمريكا بتورّط جديد بعد أفغانستان والعراق. ولا بأس، بين حين وآخر، من تلاوة صلاة تعاطف لراحة الشعب السوري الذي يُقتل بالمئات كلّ يوم، ولراحة سوريا التي يدمّرها نظام يرفع الشعار الفاشي الوحشي والبربري: "الأسد، أو نحرق البلد". وبهذا المعنى فإنّ أوباما لم يتهرّب من مسؤوليات القوّة الكونية الأعظم، أي تلك التي يتفاخر بها هو نفسه، وأسلافه من رؤساء أمريكا، فقط؛ بل سفّه "العقيدة" ذاتها، التي بشّر بها، أيضاً، وألقي بمصداقيتها السياسية والأخلاقية إلى حضيض بائس.

ولا يُلام الرجل، بعد هذا، حين يفضّل مصالح بلاده كما شخصها، على المصالح ذاتها كما فسّرها (وبئس التفسير والمفسّر!) فرسان المعارضتَين، الداخلية والخارجية، وكما خُدعوا بها، وبها خَدعوا شعبهم. وإذا جاز أن تذهب تلك "العقيدة" إلى مدفنها، يوم 20 كانون الثاني (يناير) حين يجري تنصيب الرئيس المنتخب دونالد ترامب؛ أو جاز إرسالها إلى مزبلة التاريخ، على وتيرة سابقاتها من عقائد هذا الرئيس أو ذاك؛ أو حتى جاز احتمال وسيط، كأن يتمّ تدويرها بعد إعادة إنتاجها لتصبح "عقيدة ترامب" المحسّنة مثلاً… فإنّ هذا كله لا يمسح أيّ مقدار من الخزي الذي حاق بفرسان "المجلس الوطني" و"الائتلاف" و"هيئة التنسيق" و"هيئة التفاوض"، رجالاً ونساء، شيباً ومراهقين، ممّن آمنوا بـ"ماما أمريكا"؛ ولعلهم، أو سوادهم الأغلب، على الحال ذاتها… صامدون!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com