العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14-06-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حوار كردي ـ كردي يتعثر ويواجه بالرفض

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 11/6/2020

يتم تداول بيان يحمل توقيعات أكثر من 700 شخص يرفضون فيه ما يعتقدون أنه تفرد طرف بتقرير مصير سوريا، بالإشارة إلى ما تداولته بعض وسائل الإعلام عن «حوار كردي ـ كردي» بإشراف وتشجيع أمريكي وفرنسي موضوعه مستقبل منطقة الجزيرة السورية الواقعة تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». والطرفان الكرديان المقصودان هما حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، وأولهما ينتمي إلى المنظومة الإقليمية لحزب العمال الكردستاني (في تركيا) وله جناح عسكري هو «وحدات حماية الشعب» المنضوية، مع مجموعات مسلحة أخرى غير كردية أقل وزناً، تحت مظلة «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها مظلوم عبدي، أما الثاني فهو تجمع يضم عدداً من الأحزاب الكردية السورية المقربة من قيادة إقليم كردستان.

جدير بالذكر أن طرفي الحوار هذين يتقاسمان النفوذ الشعبي بين كرد سوريا، وسبق لهما الانخراط في جولات حوار كان الهدف منها توحيد المرجعية الكردية في سوريا، لكنها فشلت، في كل مرة، بسبب اختلال توازن القوى بينهما لمصلحة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي كان لديه، منذ البداية، جناح مسلح قوي ضم، إضافة إلى أعضاء من الحزب، شباناً تم تجنيدهم قسراً من قبل سلطة الأمر الواقع، ليشكلوا ما يشبه جيشاً نظامياً صغيراً كان كافياً للسيطرة على الأرض وخوض معارك كبيرة ضد تنظيم الدولة (داعش) بدعم من القوات والمستشارين الأمريكيين. يمكن القول إن رغبة «الاتحاد الديمقراطي» في التفرد بالسلطة حيثما بسطت قواته المسلحة سيطرتها الميدانية، هي سبب إفشال جولات الحوار السابقة التي كانت برعاية مسعود بارزاني الرئيس السابق لإقليم كردستان. فكان «الاتحاديون» يوافقون، في كل مرة، على بنود توافقية مع المجلس الوطني، ثم يعودون إلى مألوف تفردهم بالسلطة، وصولاً إلى اعتقال بعض قادة أحزاب كردية، من المفترض أنها متوافقة، أو نفيها إلى إقليم كردستان، وإغلاق مقراتها ومنع توزيع صحفها وبياناتها.

الجديد المختلف في الجولة الحالية من المفاوضات هي أنها برعاية أمريكية وفرنسية، وهذا مما يمنحها فرصاً أكبر في التزام طرفي الحوار بما يمكن أن يتوافقا عليه. ليس فقط لأنهما قوتان عظميان في التوازنات الدولية، ولهما وزن لا يمكن تجاهله إذا أريد البحث في مصير سوريا، وهذان اعتباران كافيان بذاتهما، ولكن أيضاً لأنهما محايدان بين الطرفين المتحاورين، وإن كانت الولايات المتحدة أقرب، عملياً، للاتحاد الديمقراطي من منظور الحرب على داعش. وهذا ما قد يمنح الحوار نقاطاً إضافية من الأمل في الوصول إلى نتائج إيجابية، لأنه إذا كان الراعي حليفاً للطرف الأقوى القادر على إفشال أي توافق، فهو قادر على الضغط على حليفه الصغير الذي يعتمد عليه بقوة في التسليح والمساعدات المالية والحماية من الأخطار المحتملة.

الهجوم على الحوار الكردي ـ الكردي بصورة مسبقة دون انتظار نتائجه، ليس من الحصافة في شيء، على الأقل بالنظر إلى حال سوريا المفككة أرضاً وبشراً

الحوار يجري على جولات، بدأت منذ شهر نيسان الفائت، وما زال مستمراً بفواصل زمنية وفي قواعد عسكرية أمريكية وأخرى للتحالف الدولي، وبإشراف دبلوماسيين من الدرجة الثانية من الولايات المتحدة وفرنسا، بعيداً عن وسائل الإعلام. لكن هذه السرية لم تمنع بعض تسريبات قد تكون مقصودة لتهيئة الرأي العام أو مراقبة ردود الفعل المختلفة، مما يمنح الرعاة والمتحاورين فرصة لإجراء تعديلات على تصوراتهما تأخذ بعين الاعتبار تلك الأصداء.

تحدث أحد تلك التسريبات عن أن الطرفين المتحاورين اتفقا على أن «سوريا دولة ذات سيادة يكون نظام حكمها اتحاديا فيدراليا يضمن حقوق جميع المكونات» واعتبار الكرد «قومية ذات وحدة جغرافية سياسية متكاملة في حل قضيتهم القومية» ويطالب الطرفان بـ»الإقرار الدستوري بالحقوق القومية المشروعة (للكرد) وفق العهود والمواثيق الدولية» و«تشكيل مرجعية كردية تمثل جميع الأحزاب والتيارات السياسية وممثلي المجتمع الكردي بسوريا».

أما الخلافات بين الطرفين المتحاورين فهي، وفقاً للتسريب نفسه، رفض «المجلس الوطني الكردي» لتبعية حزب لاتحاد الديمقراطي لحزب العمال الكردستاني، مقابل رفض الاتحاد الديمقراطي لتبعية أحزاب المجلس لتركيا من خلال عضويتها في الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة الذي يتخذ من إسطنبول مقراً دائماً له، ويوافق على السياسات التركية بخصوص سوريا بلا أي هامش استقلالي. الادعاءان صحيحان، لكن المطالبة المتبادلة بشأنهما هي من نوع الحق الذي يراد به باطل. فالمجلس يعرف أن حزب الاتحاد لا يمكن أن يفك أواصر علاقته بالعمال الكردستاني بهذه البساطة، وحزب الاتحاد يعرف بدوره أن أحزاب المجلس الوطني لا تستطيع فك ارتباطها بتركيا بلا كلفة باهظة. فإذا سلمت نوايا الطرفين في الوصول إلى توافقات، سيكون بإمكانهما التغاضي عن هذين المطلبين. لكن الخلاف الأكثر جدية إنما هو في تصور الطرفين لمستقبل «الإدارة الذاتية» في المنطقة. فحزب الاتحاد يتمسك بتلك الإدارة التي يهيمن عليها كما هي بلا أي تعديل، في حين يطالب «المجلس» بإعادة هيكلة تلك الإدارة بما يتيح لها تمثيلاً أكثر ديمقراطية لجميع التيارات السياسية والمكونات المجتمعية المحلية. كذلك هناك خلاف حول السيطرة الميدانية التي يحتكرها «الاتحاديون» وحلفاؤهم من خلال «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل وحدات حماية الشعب الوزن الراجح فيها، في حين يطالب «المجلسيون» بإدخال قوات «بيشمركة روجافا» المقربة من أحزابهم والموجودة في إقليم كردستان تحت رعاية سلطة الإقليم.

لا أحد يعرف الآن ما هي نوايا الأمريكيين والفرنسيين من وراء التشجيع على هذا الحوار الكردي ـ الكردي، هل هي اقتطاع ذلك الجزء من سوريا من سائر أراضيها وإنشاء كيان مستقل أو شبه مستقل يمنع فرض أي حل سياسي تتفرد روسيا بفرضه بدون موافقة الأمريكيين والفرنسيين، أم أن هدفهما هو إقامة كيان كردي شبه مستقل على غرار إقليم كردستان الفيدرالي شمال العراق وفرضه على السلطة المركزية بصرف النظر عمن يشغلها، أم فرض وفد كردي موحد على مفاوضات سورية ـ سورية في إطار مسار جنيف مستعاد بعد فشل مسار آستانة الروسي؟ أم أن الأمر يتوقف على مجريات الحوار الكردي – الكردي ونتائجه المحتملة، بدون أي أهداف مسبقة جاهزة؟

على أي حال، يبقى أن الهجوم على الحوار المذكور بصورة مسبقة دون انتظار نتائجه، ليس من الحصافة في شيء، على الأقل بالنظر إلى حال سوريا المفككة أرضاً وبشراً بين احتلالات عسكرية صريحة وتدخلات دول عديدة وولاءات مختلفة لدى الجماعات. أضف إلى ذلك غياب أي أفق لحل سياسي قريب. فلا بأس من أن يحاول بعض الأطراف السياسة، لعلها تغير شيئاً ما في هذا الخراب.

===========================

موقفنا : في المشهد السوري ... نوع من الترسل .. متضامنون مع عموم السوريين ضد الفقر والجوع والمرض

زهير سالم

مركز الشرق العربي

14/ 6/ 2020

80% من السوريين اليوم تحت خط الفقر . " تقارير دولية " ، والأمم المتحدة تحذر من مجاعة في سورية . وسورية ولبنان اليوم  على خطا " البوم الواحد " يردد الناس فيهما : اتبع البوم يدلك على الخراب . وفي أعماق الذاكرة ما يسمى "مصرف سورية ولبنان " الليرة متبادلة وغرام الذهب بحدود ثلاث ليرات . واشتريته يوم تزوجت 1973 بسبع ، وكان الناس يحملون حافظ الأسد المسئولية.

والأمم المتحدة تحذر من جائحة مجاعة في سورية ، سورية التي كانت سلة غذاء امبراطورية لم تعد تطعم إنسانها !!

واستعاذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفر والفقر ، وعطف أحدهما على الآخر ، فهل العلاقة وثيقة بينهما إلى هذا الحد ؟!  . كما استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالله من الجوع فقال : وأعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع . وبؤسى لجوع الكبار ، أما جوع الأطفال فمما لا يطيق الحديث عنه ذو قلب .

قال أحد الخاصة من سلفنا الأول : عجبت لمن جاع ولم يشهر سيفه !! والذين يعيبون ثورة الجياع هم المخطئون ، فهي ثورة على حافة الهاوية كما يقولون . أو ثورة من لم يبق عنده شيء يخسره غير حياته ، والمغامرة بها خير من فقدها . والعامة عندنا يصفون الجوع بأنه كافر . ولذا يصفهم حسن نصر الله بأنهم تكفيريون ويؤيده على قتالهم بوتين وترامب وكثير آخرون

منظمة الصحة العالمية تشكك بإحصاءات كورونا القادمة من سورية ، المرض يفتك بالناس بصمت . ولم يكن من عادة المقابر يوما أن ترد الأموات !!

والإعلام الموالي بكل أساتذة الجامعات الذين كانوا يهتفون للموت وأن يكون التابوت " صباط بشار " وعذرا ، الأمانة السياسية تقتضي ...

الإعلام الموالي   يعلق مشجب ما يعيشه السوريون من فقر وضنك وجوع ومرض في عنق قانون قيصر الأمريكي الذي لم يصل بعد ..

 ثم في عنق المعزول البائس والبئيس عماد خميس . ويقول المتابعون : إنه سمع نبأ إعفائه أو عزله من الإعلام . ويزيد بعضهم أنه قد تم  الاستعجال بالذبح لإشغال الناس بالسلخ . وأن حديث بشار  الذي بشرت به رويترز قادم في مجلس الشعب للتبشير بالعرنوس الجديد .

الملك عرنوس أحد أبطال سيرة الملك الظاهر بيبرس . شخصية طريفة ظريفة تصلح فيلما لهوليود . تابع إذا كنت معنيا ، فهي شخصية نامية يمكن أن تُحمل فتحمل الكثير .

 " الكسندر يفيموف " رئيس الرئيس السوري الروسي ، وهذا لف ونشر غير مرتب، يقول للسوريين ، نحن معكم  ولن نتخلى أبدا  عنكم !! نحن وأنتم في الجانب الصحيح من التاريخ .

الجانب الصحيح من التاريخ  يعني  أن تموتوا وأن تهجروا  وأن تفقدوا أحبابكم وأن تجوعوا وأن تمنحونا كل خيرات بلادكم وثرواتها ، ثم لا نشبعكم الرغيف!!

 يتندر السوريون اليوم أن راتب الموظف من الدرجة الثالثة لا يسد حاجته الشهرية  من الخبز الحافي . أي بلاغة عند المجتمع السوري الذي اخترع مصطلح " الخبز الحافي " فكأن الخبز هو الأصل ، والإدام هما النعلان .

التحالف الدولي المساند لميليشيات جبال قنديل الدخيلة والمستوردة والمعفاة من تطبيقات قانون "المقاتلون الأجانب " الأممي رقم 2178 - 19/ 1 / 2014 ،  يقوم بإنزال جوي في شمال شرق سورية ، لعله يوزع الخبز " النان " أو أمورا أخرى  ويصر على التمسك بالليرة المنهارة كوحدة للعملة ، ودعم  الميليشيات المستوردة لقضم سورية وتهديد تركية على السواء . هل تعلمون أن الخبز النان أو خبز الرغيف المرقد أو الكماج أحد عطاءات هذه المنطقة من العالم . قضية حضارية تحتاج إلى بحث وتمحيص .

في المشهد السوري " المبكي - المبكي " مع الاعتذار للصحفي المبدع  حبيب كحالة ، صاحب السبق إلى عنوان " المضحك - المبكي " المجلة الرائدة التي أسست 1929 وأجهز عليها الطائفيون الشباطيون 1966 ، أي بعد وفاة مؤسسها بعام . كمعلومة حكم البعثيون سورية من 1963 حتى شباط 1965 . حيث نزا على الحكم الطائفيون شراكة بين الثلاثي : جديد - عمران - أسد . واستمر هذا حتى 1970 . يعلمون المشهد السوري في عصر حبيب كحالة أنه لا يضيق برأي الناقد إلا مأفون .

 وأعود في المشهد السوري " في المبكي - المبكي " يتحدثون عن انتخابات لرئيس "هيئة التفاوض " ، لا أحب الإساءة لأحد ، أوردته كخبر لاعتقادي أن بعض الناس يبالون . قال زهير بن أبي سلمى  :

لقد باليت مظعن أم أوفى ..ولكن أم أوفى لا تبالي

هل تعلمون أنها طلقته وفارقته . ويحدثونك عن المرأة العربية . وقال الحجاج وكان قد تزوج كريمة من كرائم قريش ، فلم تنجب له ، فقال لها : أنت بغلة لا تلدين . فردت عليه : يأبى كرمي أن يخالط لؤمك . وبلغت الكلمة عبد الملك فأمره بطلاقها وتسييرها إليه فتزوجها الخليفة .

ويبقى لنا ، ونحن نتابع أخبار استئناف الثورة في عدد من المدن السورية ، أن بساط هذه الثورة يجب أن يبقى دائما هو الأجمع ، وأننا يجب أن نكون أشد حرصا على جمع الناس على ما ينفع أو يدفع . نحن معا ضد الظلم ، وضد الاستبداد ، وضد الفساد ، وضد الطائفية ، وضد الفقر . وضد المرض ، وضد الجوع .. وسلة جميع هذه العملات ثورية ...

ولو كان عندنا إئتلاف حي على ضوء ما تقدم ، لأعاد تقويم المشهد ، وتقدير الموقف ، واقترح استراتيجية جديدة تجمعنا وتمنعنا وترتقي بنا إلى النصر القريب بإذن الله ..الله الذي يقول " إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله "

" من شرب من كف غيره لم يرو قط " علم ورثناه ، وحفظناه ، وأكدت لنا السنوات العشر التي  خلت مصداقيته ..فماذا ينتظرون ؟ ومَن ينتظرون ؟

ما حك جلدك مثلُ ظفرك ..فتول أنت جميعَ أمرك ..

ثم نراهم في ريبهم يترددون ويحسبون أنهم ثوار ومعارضون  ..!!

وبعد فيجب أن نقول :

متضامنون مع كل السوريين ضد الفقر والجوع والمرض ..ونعلم أن مايعيشه شعبنا من فقر وجوع ومسغبة سبب أكثره مقدمات الفساد والإفقار ، ومدخلات الحرب والتدمير ، وسبب بعضه محاولة بكائية كربلائية لتحميل أسباب البلاء للسياسة الأمريكية  ،التي تتحمل السبب الأول في التأسيس لنظام الوراثة الجمهوري ، وليشكر بشار الأسد " مادلين أولبرايت " التي زارته يوم مات والده ، وكرسته أو كرزته رئيسا ، على اختلاف في التعابير الكنسية .  وليتذكر بشار الأسد أوباما الذي فرضه شريكا مبدئيا في أي حل سياسي يسعى إليه السوريون ..ثم فسرت الشراكة بالذي تتابعون .

ترامب كان بالأمس يقول لجنوده : إن أمريكا لا تعنيها الحروب التي لا تنتهي في بلاد الآخرين !!

أٍسأله : العزيز ترامب فماذا يعني احتلالكم لأرضنا . وتحالفكم مع أوشاب الناس الذين استدرجتموهم إلى بلادنا  ..؟!

سيد ترامب تزعمون أنكم تريدون إخراج الإيرانيين من ديارنا ..!!

فهل تقاطروا إليها تحت عنوان الثأر للحسين من أفغانستان والباكستان وإيران والعراق ولبنان بغير إرادتكم ، أو رغم أنوفكم ..وكذا من جاءنا من عصابات الفاغنر وميليشيات جبال قنديل ؟!!!

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سوريا.. الهزيمة والنصر

بشير البكر

سوريا تي في

الاربعاء 10/6/2020

ورغم أن حظوظ المعارضة السياسية في التسوية المقبلة أفضل من حظوظ النظام نسبياً، فإن المعارضة العسكرية باتت في وضع مُزرٍ جداً

توشك الحرب في سوريا أن تنتهي، رغم أنها لم تكتمل لجهة انتصار طرف وهزيمة الطرف الآخر، كما هو متعارف عليه في الحروب. والملاحظة الأساسية هي أن أي طرف من الأطراف لم يحقق الهدف الذي قاتل من أجله. النظام لم يدمر المعارضة المسلحة كلياً، ولم يبسط سيطرته إلا على مساحة محدودة، في حين كان يخطط لاستعادة ما أطلق عليه "سوريا النافعة". وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعارضة المسلحة التي تقهقرت كثيراً بعد التدخل العسكري الروسي في سبتمبر/أيلول 2015، إلا أنها ما تزال تقف على رقعة جغرافية واسعة، وتحظى بدعم تركي مباشر. وعلى المقلب الآخر فإن المشروع الكردي من أجل بناء كيان مستقل لم ينجح، ولن يُكتب له الحظ، رغم أن القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا تسيطر على نحو ثلث الجغرافيا السورية.ورغم هذه المعادلة فإن الهزيمة التي لم تقع عسكرياً حصلت سياسياً. النظام يسير نحو الهاوية بخطوات متسارعة. ومن يوم لآخر تتغير الحسابات الخاصة حول وضعه. وإذا تأملنا ما حصل في الشهر الأخير يمكن الحكم، من دون تردد، على أن مسألة تعويم النظام باتت غير ممكنة ومكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ولذا صار هَمُّ روسيا اليوم هو إبقاء النظام واقفاً على قدميه ريثما ترتب الوضع البديل. وتعمل موسكو على الحيلولة دون انهيار النظام اليوم، وهي تريد من وراء ذلك حفظ مصالحها، وهذا ما يفسر الخطوات التي اتخذتها مؤخراً، بما فيها الاتفاقات الخاصة بالقواعد والمرافئ.

وإذا كان هذا هو وضع النظام عسكرياً فإن المعارضة، بشقَّيها العسكري والسياسي، لا تختلف عنه كثيراً، فهي ليس لديها رؤية عسكرية أو سياسية للمرحلة المقبلة، ورغم أن حظوظ المعارضة السياسية في التسوية المقبلة أفضل من حظوظ النظام نسبياً، فإن المعارضة العسكرية باتت في وضع مُزرٍ جداً، وهي في كل يوم تبتعد عن الثورة والأهداف التي ثار السوريون من أجلها.

وتتجلى سقطات المعارضة العسكرية في التجاوزات التي لا تتوقف على المدنيين والسكان الآمنين في محافظة إدلب ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام. ولا يبتعد المشروع الكردي عن ذلك، وكشفت الممارسات الأخيرة للإدارة الذاتية أن همَّها هو استغلال منطقة الجزيرة من دون تقديم أبسط الخدمات التي تهم الناس، وتشكل محاولات مصادرة محصول القمح من المزارعين مثالاً صارخاً على تسلط الإدارة الذاتية الكردية وفسادها، فالجزيرة التي تشكل خزان القمح الأساسي في سوريا لا تكاد تشبع الخبز اليوم، وبات العديد من الأفران في محافظة الحسكة يشكو عدمَ توفر مادة الطحين.

واللافت أن الكُرد بجميع فصائلهم يتعاملون مع الجزيرة السورية وكأنها منطقة كردية، وهذا أمر يخالف الحاضر والماضي

وهناك نقطة مهمة تستحق التوقف عندها مطوّلاً، وهي تتعلق بالحوارات الكردية الكردية التي جرت مؤخراً. واللافت أن الكُرد بجميع فصائلهم يتعاملون مع الجزيرة السورية وكأنها منطقة كردية، وهذا أمر يخالف الحاضر والماضي. وتؤكد تصرفات الأطراف الكردية أنهم لا يأخذون في الحساب أن الوضع الحالي مؤقت، ويمكن أن يتغير في أي لحظة بتغير موازين القوى التي هي متحركة، وصارت تعتمد على تفاهمات دولية أولاً، كما حصل بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن منطقة نبع السلام. وهذا التفاهم يمكن أن يتكرر في مناطق أخرى مثل الرقة. وتقفز الإدارة الذاتية وبقية الأحزاب الكردية فوق حقيقة أن المكون العربي يشكل الأغلبية المطلقة بين بقية المكونات في الجزيرة، وهو اليوم مستبعد من إدارة المنطقة وتقرير مصير أهلها ووارداتها. أما الذين شاركوا في الإدارة الذاتية من العرب في السنوات الأخيرة فهم مهمَّشون ولا تأثير لهم، عَدا أنهم لا يمثلون سوى أنفسهم.

وفي نهاية المطاف لا يمتلك أي من الأطراف السورية الموجودة على الأرض قراره. فالنظام رهينة لدى الروس يقررون بشأنه ما يريدون، وبما يخدم مصالحهم. والمعارضة مرتبطة بتركيا ولا تستطيع اتخاذ أي قرار سياسي أو عسكري من دون موافقة ودعم أنقرة، وإلا فلن تكون قادرة على ترجمته. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطرف الكردي الذي يعتمد على الولايات المتحدة في التغطية السياسية والعسكرية لكل أفعاله.

===========================

الثورة السورية وإحياء الهوية (2-2)

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 10/6/2020

أحيت الثورة السورية بلا شك، كما أحيا الربيع العربي بشكل عام هوية الشعوب، فربطتها بالأيديولوجيا والتاريخ والثقافة والهمّ المشترك، وهو اليوم همّ الحرية بعيداً عن العبودية، بالمقابل كشفت الثورة مدى التلاعب بالهوية، الذي فعله ولا يزال يفعله الاستبداد ومؤدلجوه ومثقفوه، فلا يمكن فهم ما يجري في سوريا اليوم، إن لم نرجع إلى الوراء يوم تشكلت نواة الجيش السوري من ميليشيات «شبيحة» تماماً بمصطلح اليوم وهو جيش المشرق الذي تكون من خمسة آلاف مقاتل، وقفوا مع الاحتلال الفرنسي لقتال ثوار الغوطة وإبراهيم هنانو وغيرهم حينها، لوأد حلم السوريين المبكر بالتحرّر والاستقلال، فكوفئ هذا الجيش المكون من أقليات بأن يكون هو جيش سوريا المستقبل، ولعل هذا هو أحد أسرار ابتعاد الأغلبية السنّية عنه، وهو ما دفع الرئيس السوري الراحل شكري القوتلي في لحظة ما لحلّه، حين أدرك مبكراً أنه من المتعذر تعديل كفته.

اختصرت العصابة الطائفية تشكيل هوية السوريين بمنظمة الطلائع والشبيبة، ثم بعضوية حزب البعث، فحوّلت المجتمع السوري إلى صندوق مغلق، وثقب أسود، فجعلت مصادر المعرفة محدودة محصورة بما تلقنه للأجيال، ويضمن لها تشكيل آراء الأجيال وصوغها بما يخدم هويتها الطائفية الاستبدادية، ولذا أتت الثورة الحالية لتكسر كل تلك القيود، وتفتح أعين الشعب السوري على معارف وتلقينات جديدة لم يألفها من قبل.

اليوم وعلى الرغم من اقتراب السنة العاشرة للثورة السورية، لا نجد تخلي ضابط من الأقلية العلوية عن النظام، وهو ما أثبت أن هذا الجيش لم يكن إلّا امتداداً لجيش المشرق الذي شكّلته فرنسا، وكما كانت مفاوضات السياسيين السوريين مع الفرنسيين الممتدة لعشر سنوات من عام 1936-1946م على نقطة واحدة، وهي عدم التعرّض لمؤسسة جيش المشرق، نرى اليوم حرص الغرب والشرق على إبقاء هذه المؤسسة كما هي، وكأنها هوية الاحتلال في الشام الكفيلة بإخضاع الشعب المتمرد على القيود الداخلية والخارجية، إن فكّر بالتمرّد ثانية، ولكن حرب السنوات العشر كفيلة بتمزيق الجيش وداعميه، ونسف مصداقيته أمام الشعب كله.

النظام السوري الذي تقلّب من الشرق إلى الغرب وما بينهما حتى وقع، فيوماً تراه مع موسكو، وقد أجّر لها قواعد في طرطوس واللاذقية من أيام حافظ الأسد، ويوماً تراه يقف مع إيران في حربها ضد العراق، وهو الذي كان يصفها بالأمس في أدبياته بالفرس، وساعة يتغير فيقف مع الإمبريالية والرجعية في حفر الباطن ضد العراق البعثي، ولحظة أخرى يدعم ويسهّل حركات الجهاديين إلى العراق وغيرها، ورابعة مع المقاومة في فلسطين ومع حزب الله، فهوية النظام هي هوية العصابة الطائفية المستمسكة بالسلطة، ولذا فكلمة رامي مخلوف بداية الثورة «أمن إسرائيل من أمن النظام السوري»، اختصرت كل شيء بهوية سوريا الأسدية التي سعى إلى تسويقها منذ تسليمه القنيطرة وبيعه للجولان، والتدخل بلبنان ومجازره في مخيمات الفلسطينيين من الكرنتينا والبداوي وتل الزعتر وبرج البراجنة وصبرا وشاتيلا، وقتله أكثر من 25 ألف سجين في تدمر لوحدها، كما كشفت وثائق النظام أخيراً، فضلاً عن تسريب 55 ألف صورة للمصور العسكري قيصر.

إن تحديد هوية الشام اليوم وترسيخها أمر في غاية الأهمية، ليُعلم من مع هذه الهوية ممن ينقلب عليها فيُنبذ ويطرد، وكما قيل «كثير حول الوطنية الدعيّة، قليل حول الوطن»، كل ما سبق يفسر صمت عصابة طائفية على تدنيس ميليشياتها قبر رمز من رموز الأمة والشام، وسعيها إلى كسر شواهد قبور ونبشها لمقابر الثوار بخان السبل والأتارب وغيرهما، فهذه الرموز تمثل هوية غيرها وليس هويتها، وإمعاناً لنسف هوية الشام قامت أخيراً ببيع معالم دمشق كمحطة الحجاز العثمانية وهدمها لبناء مجمع فنادق محلها، وكذلك تأجير مطارات الشام وعقاراتها وغاباتها وكأنها مزرعة، ولو كان هناك تحديد للهوية لما بقي من يستمع وينصت لهؤلاء الأغراب!

===========================

إدلب .. ولا عزاء للضحايا

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 10/6/2020

لم يكن الاتفاق الروسي التركي، الموقع في الخامس من شهر مارس/ آذار الماضي، ملحقا لمذكرة سوتشي التي قضت بوقف إطلاق النار في محافظة إدلب، يحظى بموافقة النظام السوري وداعمه الإيراني، مع تباينٍ في الأسباب والحسابات، فالنظام الذي يواجه تحدّيات كبيرة وكثيرة، بدءا بملف توفير احتياجات مناطق سيطرته من المواد الغذائية الأساسية والنفط والغاز للاستخدامات المنزلية والصناعية وتوليد الكهرباء، والتصدّي لوباء كورونا الذي تسرّب إلى الأراضي السورية عن طريق المليشيات العراقية والإيرانية التي تتحرّك عبر الحدود بقرارها الذاتي، من دون اعتبار للنظام وقراراته، والاستعداد لمواجهة مفاعيل قانون قيصر الذي سيدخل حيز التنفيذ في النصف الثاني من شهر يونيو/ حزيران الحالي، رأت قراءات محللين لفحواه أنه سيكون ثقيل الوطأة على النظام وخياراته السياسية والاقتصادية، ما سيؤثر على حياة السوريين وظروف معيشتهم سلبا وبقوة، مرورا بملف تدنّي سعر صرف العملة السورية، والارتفاع الجنوني لأسعار المواد الاستهلاكية، ودخول نسبة كبيرة من المواطنين في حالة عجزٍ عن توفير احتياجات أسرهم، وتداعيات الصراع داخل النواة الصلبة للنظام (بشار الأسد – رامي مخلوف) على الإمساك بالقرار الاقتصادي والسياسي. يريد النظام استئناف العملية العسكرية لأنها تمنحه فرصة تجاهل مطالب المواطنين المعيشية والخدمية، خصوصا موالاته، عملا بالشعار الأثير على قلب الأنظمة العربية: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، من جهة. وتفرض، من جهة ثانية، على الدول الداعمة تقديم الدعم المطلوب للعملية، وتأجيل أية مطالب سياسية أو مالية مستحقة. في حين رفض النظام الإيراني الاتفاق، ورأى فيه استبعادا له من تفاهمات أستانة الثلاثية، وتجاهلا لمصالحه في الشمال السوري، وانعكاس ذلك على مشروعه الرئيس: إقامة ممرٍّ برّي يصل إيران بالبحر الأبيض المتوسط، ويحدّ (الاتفاق) من قدرته على تنفيذ خططه للعمل ضد الوجود الأميركي شرق الفرات، على أمل دفع القوات الأميركية للانسحاب من المنطقة، ما يفسح المجال لتدشين الممر بشكل رسمي وعلني. وهذا دفعهما إلى حشد القوات والأسلحة على خطوط التماس، وخرق وقف إطلاق النار من آن إلى آخر، في سعي واضح وصريح إلى نسف الاتفاق والعودة إلى العملية العسكرية.

عارضت روسيا؛ الحريصة، لاعتباراتٍ خاصة، على تنفيذ الاتفاق واستمرار التفاهم والتنسيق 

"إدلب وجوارها على موعد مع القتل والدمار والنزوح ليبقى بوتين جالسا على عرش القياصرة"السياسي والميداني مع الجانب التركي، هذا التوجه، وضغطت من أجل احترام بنود الاتفاق وتعزيز الهدوء على خطوط التماس، ما أعاق خطط النظام وإيران لتفجير الموقف واستئناف العملية العسكرية، في ضوء إدراكهما أن خوض أية معركة من دون غطاء جوي روسي سيتحول إلى كارثة وهزيمة نكراء؛ لأنهما لن يواجها فصائل المعارضة فقط، بل والقوات التركية التي زادت من حشدها، 10400 جندي، انتشروا في محافظة إدلب، وأقاموا 60 نقطة مراقبة، وتسليحها، 7170 شاحنة وآلية عسكرية تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة ورادارات عسكرية ومنظومات دفاع جوي أميركية متوسطة المدى من طراز "هوك إم آي إم -23" وتركية قصيرة المدى من طراز "حصار آي"، وقد ذاقا مرارة المواجهة معها في المعركة الأخيرة. وهذا حوّل خروقهما لوقف إطلاق النار إلى عمليات تسلل ومناوشات محدودة وغير مؤثرة على الاتفاق وبنوده.

غير أن التطورات السياسية والميدانية في الساحة الليبية التي لم تكتف بتغيير الدعم التركي لحكومة الوفاق الليبية، الحكومة المعترف بها دوليا، اتجاهات الصراع وتحويل نجاحات قوات اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، الذي يتلقى دعما روسيا، أسلحة وقوات روسية خاصة تعمل تحت اسم مجموعة فاغنر، خلال عام على مهاجمة العاصمة الليبية طرابلس، إلى هزائم، لم تكتف بذلك، بل وكشفت أيضا فشل نظام صواريخ بانتسير الروسي في مواجهة المسيّرات التركية من طراز بيرقدار التي دمرت ثماني منصات في قاعدة الوطية، ودفعت القوات الروسية الخاصة التي تعمل تحت اسم مجموعة فاغنر إلى الانسحاب من جنوب العاصمة الليبية.

جاءت هزيمة السلاح والمرتزقة الروس في لحظة دقيقة ومفصلية في حياة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، السياسية، في ضوء تحضيراته لإجراء استفتاء شعبي على التعديلات الدستورية التي أقرّها مجلس الدوما، وتقضي بتصفير فترة رئاسته، بحيث يصبح في وسعه الترشح لفترتين رئاسيتين جديدتين عامي 2024 و2030، ما جعله بحاجة إلى إنجازاتٍ خارجيةٍ لتعديل المزاج الشعبي الروسي الذي تراجع تأييده له على خلفية فشله في التعاطي مع تفشي وباء كورونا، 450 ألف إصابة و5500 وفاة، وآثاره الاقتصادية الخطيرة، خصوصا أنه جاء مع تراجع أسعار النفط، ما حدّ من قدرة الحكومة على تعويض العاطلين من العمل، والشركات التي تعرّضت لخسائر كبيرة، فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز "ليفادا"، نُشرت نتائجه في وقت سابق من مايو/ أيار الفائت، أن 59% فقط من المستطلعة آراؤهم عبّروا عن استحسانهم أداء بوتين، في أدنى نسبة استحسان منذ توليه زمام السلطة في العام 2000، ما دفع الرئيس الروسي إلى الرد

"جاءت هزيمة السلاح والمرتزقة الروس في لحظة دقيقة ومفصلية في حياة الرئيس الروسي" على التمدّد التركي في ليبيا بإرسال طائرات روسية ميغ 29 المحدثة، طائرة اعتراضية مزودة بصواريخ جو- جو من طراز "آر – 37"، إلى ليبيا، 14 طائرة، وسلّم النظام السوري عددا منها، ما دفع معلقين إلى ربط تسليمها بالتحضير للمعركة في إدلب، كي تكون رأس حربة النظام في التصدّي للمسيرات التركية من طراز بيرقدار، لرد الصفعة التركية في ليبيا، ما يعني أن المعركة باتت قريبة، والطائرات أُرسلت لتأمين الجو من خلال الحد من التفوق الجوي التركي، فعمليةٌ عسكريةٌ ليست مضمونة النتائج ستشكل إحراجا كبيرا لروسيا، وفشلا إضافيا لرئيسها، تلاه إطلاقٌ بتحرّك تصعيدي في إدلب، بعودة نشاط الطائرات الروسية فوق منطقة خفض التصعيد الرابعة، وفق اتفاق سوتشي الأصلي، وإغارتها يومي 3 و7 شهر يونيو/ حزيران الجاري على مواقع لفصائل معارضة في محيط قرية تل أعور قرب مدينة جسر الشغور في ريف إدلب، وعلى أراضٍ خالية في محيط قرى وبلدات (الزيارة والسرمانية وزيزون) في سهل الغاب في ريف حماة الغربي، وعودتها إلى أسطوانة الفصائل المتشددة ومحاربة الإرهاب، فـ"مدينة إدلب السورية ليست الملجأ الأخير للمعارضة المعتدلة، كما يطلق عليها بعضهم، إنها معقل للإرهابيين الذين لا يجوز السماح بوجودهم فيها إلى الأبد"، وفق السفير الروسي في دمشق والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سورية، ألكسندر يفيموف، في مقابلة أجرتها معه صحيفة الوطن السورية شبه الرسمية يوم 21/5/2020، والذي أضاف أن "اتفاقات وقف إطلاق النار في إدلب لا تلغي ضرورة الاستمرار في محاربة الإرهاب، وإعادة الأراضي إلى سيادة السلطات السورية الشرعية في أسرع وقت".

لم يكتف الرئيس الروسي، المتمسّك بكرسي الرئاسة، بذلك، خوفا من عدم تحقيق حلمه بالفوز بفترة رئاسية جديدة بأصوات عالية، فعززها بإجراءين إضافيين: توسيع الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، ووقع يوم 29 الشهر الماضي (مايو/ أيار) مرسوما يفوض وزارتي الدفاع والخارجية العمل مع الحكومة السورية لتوقيع بروتوكول إضافي، يحمل اسم "البروتوكول رقم واحد"، ليكون ملحقاً بالاتفاقية الموقّعة مع النظام السوري في 26 أغسطس/ آب 2015، والتي سمحت بوجود عسكري روسي دائم على الأراضي السورية. البروتوكول أقرّ في الحكومة الروسية، وعلى النظام السوري توقيعه من دون تفاوض على مضمونه، ومرسوما آخر يوم 2 يونيو/ حزيران الجاري تحت عنوان "أسس سياسة الدولة في مجال الردع النووي"، يحدّد سياسة روسيا النووية والحالات التي تستدعي ردا نوويا.

إدلب وجوارها على موعد مع القتل والدمار والنزوح؛ وضحايا، ليبقى بوتين جالسا على عرش القياصرة، متمتعا بالسلطة والثروة والجاه، فحياة المدنيين السوريين وأملاكهم ومصالحهم ليست ذات شأن أو قيمة أمام استمراره في الرئاسة.

===========================

كيف ستستفيد تركيا اقتصاديا من "قانون قيصر" الأمريكي؟

فراس السقال

الجزيرة نت

الاربعاء 10/6/2020

إنّ قانون العقوبات الأمريكيّة، أو ما يُعرف بقانون قيصر، لم يقتصر في فرض العقوبات الاقتصادية على نظام الأسد فحسب، ولكنّه تجاوزه ليصل إلى كلّ حليف داعم له، سواء كان دولة أو مؤسسة أو شخصيّة مدّتْ يد العون لسفاح الشام الذي ارتكب جرائم ومجازر بشعة بحقّ الإنسانيّة، وقانون العقوبات الأمريكيّة (قيصر) كما أنّه سيؤثر على نظام بشار وأعوانه، أيضاً سيكون له آثار على تركيا، ولكنها مختلفة تماماً عن تلك الآثار، فآثاره ستكون إيجابيّة على تركيا أكثر منها سلبية ومن جوانب شتى.

تلعب تركيا اليوم دوراً فعّالاً في المنطقة، فهي بالإضافة إلى أنّها الداعم الرئيس (بعد الله تعالى) للشعب السوري، فهي أيضاً خصم لدود لنظام الأسد، وتجلّى ذلك في المواجهات والمعارك بينهما في إدلب وما حولها، وانسحبت خصومتها لحلفائه أيضاً، على الرغم من أنّها تُظهر غير ذلك، تماشياً مع متطلبات هذه المرحلة من الحكمة، فالخوض في متاهات السياسة ودهاليزها المظلمة يحتاج نفساً طويلاً وعميقاً، فضرب اقتصاد النظام السوري (الخصم التركي) سيُضعف كيان الأسد اقتصادياً، وقد لاحت معالمه في بداية حزيران الجاري، حيث تجاوز الدولار الواحد اليوم عتبة 2700 ليرة السوريّة، وهذا ممّا يرهق دمشق ويدفعها للتخبط والتنازل والبحث عن مخارج جديدة، منها البحث عن عملة أخرى تتداولها غير الليرة السوريّة والدولار، وهذا سيجعل الليرة تتردى أكثر فأكثر.

هذه العقوبات ستشلّ المحركات الداعمة لنظام الأسد (الروسيّة والإيرانيّة والإماراتيّة) وغيرها، سواء كانت دولاً أو كيانات أو أفراداً، ممّا سيجعلهم يتخلّون عن هذا النظام حفاظاً على بقائهم ومصالحهم، فنار تلك العقوبات لا تقتصر العاملين داخل سوريّة، بل ستتعدى الحدود وتلاحقهم في الخارج أيضاً. وضعف تلك الدول يعني ضعف الخصوم التركيّة، التي يُظهر بعضها التآلف مع أنقرة كـ (موسكو وطهران)، والبعض الآخر يظهر لها العداوة جهاراً كـ (أبو ظبي)، وقد أضحتْ هذه الخصومات واضحة في الصراع الدائر على الساحة الليبية، والذي يبدو أنّ قانون قيصر سيفتح أسواقاً جديدة لليرة التركية في الشمال السوري.

وأظنّ أنّ مشروع تبديل العملة السوريّة بالتركيّة يشغل كثيراً من المختصين الاقتصاديين والسياسيين السوريين والأتراك حالياً، وخاصّة بعد تدهور عملة النظام السوري فور تفعيل قانون قيصر، بل بدأت بعض المناطق السورية تنفيذ تعويم العملة التركيّة تدريجياً، فقد قررتْ أفران المؤسسة العامّة للحبوب التابعة للحكومة السورية المؤقتة في الشمال بيع الخبز بالليرة التركيّة، وهذا ما سيزيد الطلب عليها، بالتالي سيؤدي إلى ارتفاع قيمة الليرة التركيّة، ولتسهيل ضخّ هذه العملة وسهولة التعامل بها، يحتاج إلى فتح البنوك التركيّة فروعاً في الأراضي السورية، ممّا يؤدي إلى نمو في الاقتصاد التركي.

ومن آثار هذا القانون أنّه سيؤدي إلى زيادة الطلب على المنتجات التركيّة، وارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا والحكومة السورية المؤقتة في الشمال السوري، وهناك مؤشرات إلى أنّ كثيراً من التجار السوريين يفكرون في استثمار أموالهم في الأسواق التركية فهي البديل الأمثل في هذا الوقت  من حيث النمو والأمان والراحة، والذي سيزيد في تدهور اقتصاد النظام، ونمو اقتصاد الشمال السوري المحرر والاقتصاد التركي أيضاً، هو تحرك الحكومة السوريّة المؤقتة متمثلة بجيشها الوطني ودعم من تركيا بتجفيف منابع الخيانة والغدر في شمال سورية وشرقها، وذلك بشلّ حركة المعابر التي تُهرّب منها البضائع من مناطق النظام إلى الشمال السوري وبالعكس، عبر بعض الكيانات والهيئات السوريّة، التي تفتح معابرها التجاريّة مع الأسد، فتدعمه بالقمح والنفط وغيرهما، محاولة بطريقة أو أخرى إنعاش نظامه وإنقاذه، فسدُّ هذه المعابر وضرب تلك الأيدي العابثة بمصير الشعب السوري، من أولى الأولويات في هذه المرحلة، حيث ستجعل قانون قيصر يُحكم الخناق الاقتصادي على نظام الأسد مما يعجّل في نفوقه.

===========================

درعا والخيار بين التنكيل والمقاومة

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 9/6/2020

يصرّ نظام بشار الأسد على تسريع عجلة التوتر في درعا، ودفع الأمور فيها إلى حافة الهاوية، مراهناً على اختلال ميزان القوّة لصالحه، وإمكانية تحسين وضعه الإقليمي، عبر تشكيل ضغط على إسرائيل والأردن، لذا يعمل حثيثاً على إعادة إخضاع درعا لسلطته المطلقة، مدفوعاً بدعمٍ من إيران التي تسعى إلى تقوية أوراقها التفاوضية في جنوب سورية.

وليست مفهومةً الأسباب التي دفعت روسيا، الضامن لاتفاق المصالحة في درعا، إلى النكوص عن تعهداتها، وترك الفصائل تحت ضغط النظام وحزب الله، وفرْض اتفاق جديد ينص على نشر قوات الفرقة الرابعة، بقيادة ماهر الأسد، على كامل المنطقة الغربية من درعا، والتي تتجاور فيها المناطق السكنية والعمرانية بين سورية والأردن، ولا يفصلهما عن بعضهما في تل شهاب سوى أمتار، وفي حوض اليرموك كيلومتر واحد، وكذا الأمر بالنسبة للجولان المحتل. وكانت روسيا قد تعهدت للأردن وإسرائيل بإبعاد المليشيات الإيرانية مسافة 80 كيلومترا عن حدودهما!

لم يكن أمام اللجان المركزية الممثلة عن القوى المحلية، وفصائل المعارضة الموقعة على اتفاق التسوية في درعا، سوى قبول هذا الاتفاق، تحت ضغط حشود النظام والمليشيات الإيرانية المتواصلة منذ أكثر من شهر، فقد زج نظام الأسد جزءا كبيرا من ماكينته الحربية، وأعدادا كبيرة من عناصره، بل عناصر النخبة العسكرية لديه، بالإضافة إلى فرقة الرضوان (نخبة

"كانت روسيا قد تعهدت للأردن وإسرائيل بإبعاد المليشيات الإيرانية مسافة 80 كيلومترا عن حدودهما!" حزب الله)، ومليشيات إيرانية متنكرة بالزي العسكري لجيش النظام.

وكان من نتيجة اتفاق التسوية الذي رعته روسيا في يونيو/ حزيران 2018 أن الفصائل المقاتلة في حوران سلمت أسلحتها الثقيلة واحتفظت بالأسلحة الخفيفة، على أن تمنع روسيا دخول قوات النظام إلى أجزاء كبيرة من ريف درعا الغربي، وأن يكون الريف الشرقي تحت سيطرة الفيلق الخامس، وتحديداً القوات التي يقودها أحمد العودة، وكانت هذه أهم أسس التسوية التي لولاها لواجه النظام صعوبة بالغة في السيطرة على أجزاء كبيرة من درعا، وخصوصا الجزء الغربي الذي يتصف بتضاريس وعرة. وكانت القوى المدنية والعسكرية في درعا تريد من هذا الاتفاق تحقيق قدر من المشاركة في إدارة الشؤون المدنية، بعيداً عن تسلط الأجهزة التي تسببت أصلاً في حدوث الثورة، وبالتالي لم يكن من السهل، بالنسبة لأهل درعا وشبابها، نسيان الأحداث الأليمة التي جرت لمنطقتهم، وتنكيل النظام بهم سنوات طويلة. وقد عاشت درعا سنوات طويلة بعيداً عن حكم الأجهزة، ما يجعل عودة قبضة نظام الأسد الخانقة أمراً غير مستساغ، خصوصا بعد أن فقد النظام هياكله الأمنية ودعائمه الاجتماعية في المنطقة، وأصبحت العلاقة بينه وبين السكان المحليين متوترة، ويسودها عدم الثقة والشك، كما أن المليشيات الإيرانية الرديفة لقوات الأسد لا تخفي وجودها ضمن هيكلية القوات التي ستسيطر على المنطقة، وهو أمرٌ لن يكون مقبولاً من هذه المجتمعات.

مؤكّدٌ أنه لا الفصائل المعارضة، ولا أفراد المجتمع الأهلي في درعا، يرغبون بعودة الحرب 

"عاشت درعا سنوات طويلة بعيداً عن حكم الأجهزة، ما يجعل عودة قبضة نظام الأسد الخانقة أمراً غير مستساغ"مع النظام، فالمنطقة استنزفت، ودُمِرت البنى التحتية فيها بشكل كبير، وتوقفت عجلة الاقتصاد، ولا تتوفر فيها الخدمات الضرورية، وكثيرون من أبنائها إما لاجئون أو معتقلون، حتى إن بعض قرى حوض اليرموك تكاد تكون خالية من الشباب، بعد أن قتلت الحرب أعدادا كبيرة منهم، ولجأ من نجا من الموت إلى الأردن، أو شق طريقه باتجاه تركيا وأوروبا.

ما يرغب به المجتمع الأهلي في درعا وضع يشبه الموجود في السويداء المجاورة، أي قوى محلية للحماية الذاتية، ومنع أخذ أبنائهم للقتال في جبهات النظام في إدلب وغيرها، وإبعاد إيران عن المجتمع المحلي خارج السويداء، إذ من غير المعقول بعد كل هذه التضحيات العودة إلى منطق ما قبل الثورة، ثم طالما أن نظام الأسد تعايش مع هذا الواقع في السويداء، فلماذا لا يقبله في درعا، أليس في ذلك مصلحة للطرفين؟

ولكن من الصعب قبول نظام الأسد هذه المعادلة في درعا، بالنظر للاختلافات بين درعا والسويداء، دع عنك أن السويداء تقع في صلب أكاذيبه عن حماية الأقليات، بل لأن جغرافية درعا أكثر أهميةً لتلاصقها مع الأردن و"إسرائيل"، ووجود عامل إيراني ودفع من حزب الله لاستعادة السيطرة على هذه المناطق التي تشكل جبهةً واسعةً تمتد من القنيطرة إلى حوض اليرموك قبالة الجولان، وترتبط، من جهة القنيطرة، بالبقاع الغربي عبر طرقٍ وممرّاتٍ كثيرة، وترغب إيران بتقوية وجودها في هذه المنطقة لتشكل ورقة ضغط على إسرائيل وأميركا، من 

"بعض قرى حوض اليرموك تكاد تكون خالية من الشباب، بعد أن قتلت الحرب أعدادا كبيرة منهم"خلال تشكيل مليشيات تابعة لها من بعض شباب المنطقة، عبر إغرائهم بالمال، وضمان أن لا يعتقلهم نظام الأسد.

والأرجح أن الهدف من تخلي روسيا عن تعهداتها في درعا، وفسح المجال لقوات الأسد وحلفائه الإيرانيين للتمدد في المنطقة، استنزاف القوات الإيرانية عبر القصف الإسرائيلي الذي وصل إلى قرى حوض اليرموك بداية يونيو/ حزيران الجاري، نتيجة وصول قوات من حزب الله إلى معسكرات النظام في هذه المنطقة، ما يعني أن المنطقة ستعيش تحت القصف الإسرائيلي من الجو، وتنكيل المليشيات الإيرانية وأجهزة الأسد على الأرض بالسكان المحليين.

ولكن في درعا، وتحديداً في جزئها الغربي، ينتشر السلاح بكثافة، وهناك عناصر كثيرة مدرّبة وخاضت معارك عديدة، وقد لا تحصل حرب كلاسيكية ومواجهات مباشرة بين الطرفين، نظراً إلى اختلال ميزان القوى. ولكن في المقابل، يوجد في هذه المناطق مطلوبون كثر لأجهزة النظام، ويعرفون أن مصيرهم الموت إذا سلموا أنفسهم، لذا سيجدون أنفسهم أمام خيار وحيد، تشكيل خلايا مقاومة لضرب النظام وإضعافه للدفاع عن وجودهم.

===========================

الثورة السورية وإحياء الهوية (1-2)

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاثنين 8/6/2020

لا تزال الدول الوطنية تدفع ثمن المبضع الاستعماري الذي مزّقها فمزّق تاريخها وجغرافيتها، فكانت حدودها حدود الدم، واستلب بذلك حافزها الأيديولوجي الذي هو العمود الفقري لأي هوية، وسوريا جزء من هذه الظاهرة التي استهدفت الأمة العربية تحديداً، فكان التمزيق لاثنتين وعشرين دولة، ومما أمعن في استلاب هوية سوريا قفز الانقلابيين الطائفيين على عرش، كان بالأمس يتربع عليه خلفاء ملأت الآفاق سمعتهم ومآثرهم، فسعوا إلى خلق هوية طائفية غريبة كل الغرابة عن أيديولوجية البلد وتاريخها وجغرافيتها، بمعاونة مفكرين أدرك بعضهم متأخراً بعد خراب البصرة توظيفه من قبل العصابة، وتمكن هؤلاء الانقلابيون الطائفيون من تقزيم سوريا، التي كانت بالأمس حاكمة لخمسة عشر مليون كيلو متر مربع، أي ثلاثة أضعاف الإمبراطورية الرومانية، فجعلوا من تاريخها وجغرافيتها وأسماء معالمها وشوارعها حكراً على عصابة طائفية، بنت من السجون والمعتقلات بقدر ما هدمته من المساجد، التي تجاوز عددها حتى الآن خمسة آلاف مسجد، فضلاً عن تدميرها لبنى تعليمية وصحية وبيوت، وقتلت المليون وجرحت واعتقلت ما يوازيه، وشردت 12 مليون شخص.

وبمصطلح الجرجاني في تعريفاته، فإن الهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق، فهل ثمة نواة أعظم من الحافز الأيديولوجي، ولذلك رأينا كل الإمبراطوريات على مدى التاريخ والأمم في العصر الحديث، مدفوعة بحافز أيديولوجي قوي إن كانت أميركا وكنيستها، أو بريطانيا وترؤس الملكة للكنيسة، أو روسيا وإحياء دور الكنيسة الأرثوذكسية في عهد بوتن، أو دور البوذية في اليابان، ومعه دور المذهب لدى إيران، ودور الدين في قيام دولة بني صهيون، ولا ننسى دور الهندوسية في الهند، وإطلاق تسمية ابتسم بوذا على قنبلتهم النووية.

فلا هوية بلا ثقافة، ولا ثقافة وهوية بلا حافز أيديولوجي قوي يدفع الأمة والشعب بمغناطيس جذب قوي يجمعها، ومن أهم مكونات الحافز الأيديولوجي رموزه وشخصياته الكبرى على مدى التاريخ، فإن كانت الهوية عبارة عن طبقات من التراكمات المعرفية والثقافية، فإن بني أمية نسخ حياة الشام، ومن بعدهم طبقات بني العباس والسلاجقة والزنكيين وبني عثمان، ومن هنا أتى الحديث عن الهوية بمناسبة تدنيس ضريح الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، على أيدي طائفيين في ريف إدلب الشرقي، وهو ما اعتبره نائب وزير الخارجية التركي تدميراً لتراث سنّي وعثماني.

فالهوية السورية امتداد لهوية إمبراطوريتها التي حكمت العالم لعقود، ولذا ينبغي التذكير دائماً بتلك الأيام المضيئة التي تشد إليها سكان المنطقة، وما دام المفكر المغربي محمد عابد الجابري يرى أن الهوية عبارة عن سيرورة، فهوية الأمة ليست سرمدية برأيه، ولذا فإن ثورة الشام الحالية لحظة تاريخية لا بد أن تلعب دوراً أصيلاً في الهوية، وإن كان البعض قد اعتبر عام 1831م يوم دخول إبراهيم باشا للشام لحظة تاريخية، فإن لحظة الثورة الحالية لا تقارن بتضحياتها ولا بامتدادها الجغرافي والزماني بتلك اللحظة، وعليه فإن من المحتوم أن تطور الشام هويتها المقبلة وفقاً للفسطاط الذي وقف فيه أهلها، إن كان فسطاط الثورة أو فسطاط قتلتها وأعدائها.

إن وضع مرتكزات وأسس لهذه الهوية مهم اليوم، في ظل جريمة تدنيس ضريح رمز من رموز الشام والأمة، وذلك كي لا نُخدع ثانية، يوم استطاع الطاغية المؤسس ونجله تمييع هوية بلد، فتجرأ على استدعاء كل احتلالات الأرض وميليشياته وشبيحته لقتل السوريين دون أي رادع، بينما يتشدق بشعارات مقاومة لا تزال تنطلي على البعض، كل هذا وقع في ظل غياب واستلاب هوية وضياع بوصلة، وحتى لو سلمنا بما يعلنه الطاغية من أن الهوية هي الوطن المحدد بجغرافيا راهنة يدين أهله بالولاء والمحبة والعطاء والدفاع عنه كما يراه، فكيف يصنّف نفسه اليوم من خان وطنه ودمّره ورقص على جراحه، وماذا يقول وهو يبيع أرضه وسماءه وبحره، لقد كانت عاقبة النازيين الذين فعلوا بعدوهم وليس بأنفسهم وشعبهم ما نراه اليوم، فكيف ستكون عاقبة من فعل بسوريا كل هذا على مدى عقود.

===========================

مبعوث بوتين وتفكّك عائلات النظام في سورية

عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 8/6/2020

المفوض الساميّ. غازي كنعان روسيا في دمشق. مبعوث بوتين والاستخبارات ورجال أعمال الكرملين. صفات متعدّدة أُطلقت على المفوض الذي كان سفيراً. هو تأويل صائب للتحوّل، وإلّا لظلَّ السفير سفيراً! يحاجج بعضهم بأن ذلك أضغاث أحلام؛ فروسيا لن تتخلى عن بشار الأسد، وكفاكم مغالاةً في الأوهام. هذا التفكير هو الخيالي بامتياز، حيث يقلّل من شأن تغيير الصفة، وكذلك من عدم ملاحظة التغيّرات في الواقع، وأيضاً لا يقرأ السياسة إلا من أفواه جناحٍ يكذب، طوال الوقت، وأن روسيا لن تغيّر النظام، بينما الحقيقة أن روسيا لم تعد تعتبره نظاماً؛ فهو بالنسبة لها أداة بيدها، وإلّا فكيف أسقطت عنه المساواة معها، أي بين النظامين، السوري والروسي، وهذا منذ أكثر من عامين. الجديد هذا علينا قراءته بدقة، وحتى التسمية الروسية له تشي بذلك، فهو "لتطوير العلاقات مع سورية". إذا هناك علاقات مربكة، ومتأزمة، ووصلت إلى حدٍ تتطلب فيه التغيير. نضيف هنا أن روسيا اختطت للنظام بدائل عن بيان جنيف في العام 2012، وحتى قرار مجلس الأمن 2254 حاولت تجنبه، وكانت بدائلها تفاهمات أستانة وسوتشي واللجنة الدستورية، مكملة للحرب منذ العام 2015، ولكن ذلك كله لم يدفع النظام إلى تغيير سياسته، ولم يبد أي إصلاحٍ، ولم يوقف آليات الفساد، ولم يتقدم بمشروعٍ ما، يسعف الروس.

يقاتل الروس معه، وعلى الجبهات كافة؛ دبلوماسيّاً، عسكريّاً، اقتصاديّاً، وحتى سياسيّاً. فعلوا ذلك كله، وهم يأملون تغيير المشهد السياسي السوري، والمشهد الدولي المتعلق بسورية؛ وعكس ذلك يتمّ، فدولياً ضَبَطت أميركا المشهد العالمي، فلا يُسمح بتعويم النظام السوري قبل إحداث تغييرٍ فيه وقبوله بحلٍّ سياسيٍّ يستوعب المعارضة، وطرد إيران. وإقليمياً، لم تطرد 

"يقول بعضهم إن روسيا لن تغيّر النظام، بينما الحقيقة أن روسيا لم تعد تعتبره نظاماً"روسيا ومعها النظام إيران، ولم يستطيعا تهميش تركيا، بل أصبحت موجودة عسكرياً في أكثر من منطقة في سورية. أكثر من ذلك، تجاوز وجودها هذا دعمها فصائل مسلحة سوريّة، تآمرت هي مع روسيا عليها وأخرجتها من كل سورية باسم خفض مناطق التصعيد، والآن تشرف على إرسال بعضها إلى ليبيا، وتفعل روسيا هذا مع بعضها الآخر! المقصد هنا أن روسيا غيّرت الواقع الميداني لصالح النظام، ولكن ذلك لم يدفعه إلى تغييرٍ ما، ولهذا وجدناه يرفض أفكار اللجنة الدستورية المشكلة روسيّا، وشن أعوانه أخيرا (خالد العبود وبهجت سليمان وسواهما) حملات "تافهة" ضد روسيا، بل وهدّدوا الرئيس بوتين!

روسيا المحكومة بنظامٍ مافياوي استخباراتي تقرأ ملامح المشهد السوري كلها، وتذلّ النظام بأكثر من شكلٍ وطريقة، وتتعامل معه، في أحيان كثيرة، وكأنّه جهة مساوية لفصيل مسلح هامشي، كما يجري في درعا، حيث تجبر أجهزة أمنه على الجلوس مع ممثلين عن فصائل عسكرية. روسيا التي رفضت الدول الكبرى على خططها لشرعنة النظام السوري، وأعطت لتركيا مناطق واسعة، وتراقب تفكك عائلات السلطة، وشراسة بعضها وشراهتها لحيازة ثروات سورية، وتتهرّب هذه من دفع الديون لها، روسيا هذه، بخطوتها الأخيرة، تعلن سياسة جديدة. سياسة تنطلق من أنها أصبحت المتحكّمة في سورية، وبدء مرحلة التفاوض على مستقبل الحكم 

"دولياً، ضَبَطت أميركا المشهد العالمي، فلا يُسمح بتعويم النظام السوري قبل إحداث تغييرٍ فيه وقبوله بحلٍّ سياسيٍّ يستوعب المعارضة، وطرد إيران"هناك.

لن تكتفي روسيا من "تخليص" إيران بعض المشاريع الاقتصادية، وستواصل تهميش دور هذا البلد في سورية، وهذا باتفاقٍ مع إسرائيل وأميركا وربما تركيا. وفيما يتعلق بأميركا، ليس أمام الروس إلّا التفاوض على شرق سورية، حيث النفط والثروات. وبما يخص النظام، ستعمل موسكو على التدقيق أكثر فأكثر في كل سياساته الاقتصادية والعسكرية والأمنية. المبعوث الآن ليس سفيراً، وتسميته الجديدة لا تشبه تسمية دولة أخرى لسفراء فوق العادة أو مبعوثين، حيث تجب قراءة ذلك وفقاً للمشهد أعلاه، ولحجم التدخل الروسي الذي أصبح احتلالاً، ولم يعد تدخلاً أو تحالفاً وسوى ذلك. روسيا بذلك ستتجه نحو سياسة جديدة، لا نعرف خطوطها الدقيقة، ولكنها بالتأكيد، تجاوزت مرحلة تهميش النظام، والبحث في مرحلة التفاوض على مستقبله.

عدا ما حاججت به؛ هناك ما يشبه الإجماع في التحليل للوضع السوري أنه لم يعد قابلاً للاستدامة؛ فاقتصادياً تدهور الوضع بشكلٍ مهول في الأشهر الأخيرة، وسياسياً، تتفكك عائلات السلطة التي بدونها لن تصمد طويلاً، وخزينة الدولة مفلسة بالكامل، والنظام ليس في مرحلة محاربة الفساد، فهو قائم على الفساد، وأيديولوجياً، لم تعد تفيده سوالفه عن حماية الأقليات، والإرهاب السني، وعدم وجود بديل عنه، والسيادة الوطنية، والمقاومة والممانعة. أيضاً، اجتماعياً، هناك تفكّك في حاضنته الاجتماعية، وهذا بتأثير الغلاء الشديد، والتفكّك في عائلات السلطة، والذي أصبح معلناً، وصار الحديث يتناول "نحن نموت جوعاً، وأنتم تختلفون على مليارات الدولارات". وهناك قضايا دولية تتعلق بأكثر من ملف "جرائم حرب، المسؤولية عن استخدام الأسلحة الكيميائية"، وكلّها، تغلق نوافذ تعويم النظام.

روسيا أمام مشهد معقد للغاية، ولا يشبه الموقف في أبخازيا أو حتى أوكرانيا، وهناك العقوبات التي تحاصرها، وجائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط والوضع الاقتصادي والاجتماعي 

"روسيا العنيدة لم يعد لها أية مصلحة في بقاء النظام الحالي، والأخير لا يعي ضرورة أن يبدأ الإصلاح كما نوّهت"المتدهور بداخلها؛ روسيا العنيدة هذه لم يعد لها أية مصلحة في بقاء النظام الحالي، والأخير لا يعي ضرورة أن يبدأ الإصلاح كما نوّهت، وبالتالي هي أمام مأزق حقيقيٍّ، فإمّا الاستمرار في سياساتها القديمة، وعدم التفاوض على النظام، وسيفضي ذلك إلى إخفاقها، حيث انتهت الحرب، والآن تتسلم تركيا وأميركا مناطق واسعة، وحربها الفعلية تتمّ مع إيران! وإمّا تتجه، وبذاكرتها تجربة إخفاقها في أفغانستان وأميركا في العراق، وتتفاوض مع الدول المحتلة والمتدخلة في سورية.

إذاً، كثيرة هي الأسباب التي تدفع إلى تحميل مبعوث روسيا مهماتٍ جديدة، سيما أن روسيا لم تعد قادرةً على تسنيد أرجل النظام الذي شاخ طويلاً. حالة المعارضة السوريّة والثورة والفصائل المسلحة تشبه أوضاع النظام في تفككها، وضعفها، وتبعيتها، وارتزاقها. هذا أسوأ مما يحدث لسورية؛ فلا النظام يبدي أيّ حسٍ وطنيٍّ لما أصبح عليه هو والبلاد، ولا المعارضة أيضاً. ولهذا، ليس من تغييرٍ سوريٍّ سوريٍّ كما يشتهي بعضهم، ونتمنى معه في الوقت الراهن خارج التوافقات الإقليمية والدولية، فهل تعي روسيا اللحظة الراهنة للوضع السوري؟

أغلب الظن، سنرى سياسة روسية جديدة بما يخص سورية.

===========================

حرائق سورية وثقافة التجويع والتركيع

ميسون شقير

العربي الجديد

الاحد 7/6/2020

يقول ابن خلدون في مقدمته "الظلم مؤذنٌ بخراب العمران". ويقول عبد الرحمن الكوكبي في "طبائع الاستبداد ..": "الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مطيع". لذا ليس غريبا أن تراهن الأنظمة المستبدة على استمرار الظلم والاستبداد واعتبارهما دعامتين أساسيتين لحماية بقائها الذي سيزول مهما طال، ولإعادة إنتاج ثقافة الخوف والخنوع التي كانت ثورات الربيع العربي قد كسرتها وكسرت كل دعائمها في غفلة عن هذه الأنظمة.

ولأجل أن تعيد هذه الأنظمة الشمولية المتوحشة ثقافة التركيع فهي مستعدة لأن تعتمد كل الأساليب التي بين أيديها، مهما كانت هذه الأساليب بعيدة عن الإنسانية وعن أبسط القوانين الدولية والحضارية، الأمر الذي جعلها تستخدم أسلوب القمع المفرط للثورات والقتل المباشر والاعتقالات، وخروج مئات الشهداء تحت التعذيب، بالإضافة إلى الاختفاءات القسرية، وقصف المدن فوق رؤوس سكانها، وصناعة ثورة مضادة شيطانية، مهمتها تخريب وجه الثورة الحقيقي، بالاعتماد على فزاعة الإرهاب الجاهز دائما لكل المقاسات.

لم يتوان النظام السوري، وشركاؤه الداعمون له، عن استخدام أجهزتهم الأمنية التي تجيد اللعب بكل الأوراق المتاحة بين أيديها، وتبرع في توظيف التناقضات المجتمعية واللعب من خلالها، حيث اختلقت هذه الأجهزة الأزمات بين الجماعات الإثنية والطوائف والمذاهب والأعراق المختلفة في المجتمع السوري الغني بهذا الموزاييك المتعدّد والمتعايش منذ مئات السنين. عملت هذه الأجهزة دائما على تفتيت هذه الوحدة السورية المتعددة، وراحت دائما تدفع الأحداث بالاتجاهات التي تريدها، لإيجاد حالة من الفوضى، ومن الحروب الهامشية التي تشتت الوعي الجمعي لمن في البلاد، وتشتت حالة الثورة نفسها وتستنزفها.

وهذا تحديدا ما حاولت الأجهزة الأمنية تفعيله بشدة بين أبناء المحافظتين الجنوبيتين الجارتين، 

"يحرق رئيس البلاد وداعموه قوتها المزروع، لكي يبقى هذا الرئيس الدمية على كرسيه المكسور"السويداء ودرعا، في السنوات التسع للثورة، والذي اتضح أخيرا في مجزرة بلدة القريا المحاذية لبلدة بصرى الشام في شهر إبريل/ نيسان الماضي، وراح ضحيتها خمسة عشر شابا من أهل السويداء خلال ساعة، في افتعال تافه فقط لإثارة النعرات الطائفية بين الجارتين، وبغرض معاقبة السويداء التي لم تقبل إرسال أبنائها إلى الخدمة في جيش الأسد، مثلما عاقبتها الأجهزة نفسها، حين أعطت الأوامر لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالدخول إلى محافظة السويداء صيف 2018، وقتل ما يزيد عن ثلاثمائة مدني في ساعات قليلة وهم نيام.

واستمرارا في سياسة التجويع والتركيع والمعاقبة، تنتهج هذه الأجهزة الأمنية حاليا، بغرض إذلال المواطن السوري في كل المحافظات، وفي السويداء تحديدا، حرق محاصيل المحافظة وأشجارها وبساتينها، في الموسم الوحيد الذي ينتظره سكان المحافظة لأجل سد رمق أسرهم بعدما هوى سعر الليرة السورية، وأصبح المواطن عاجزا حتى عن شراء الخبز لأطفاله. ويأخذ النظام بالسياسة هذه نفسها في محافظات الجزيرة السورية التي كان قمحها يصدّر إلى كل دول الجوار، والتي كانت تطعم الداخل السوري عشر سنوات مقبلة، وقد أصبحت آلاف الهكتارات أرضا من رماد.

سورية البلد الأول في العالم الذي زرع القمح، وحصده، وجمعه، والذي اكتشف إمكانية تحويله إلى طحين، واكتشف أول مطحنة في العالم، ثم اكتشف كيف يعجن القمح ويخبزه.. سورية بلد الحضارة الأولى التي علمت العالم كيف يحصل على غذائه الأول، تجوع الآن، لأن النظام وحلفاؤه يحرقون آلاف الهكتارات من الأراضي التي كانت مزروعة بأجود أنواع القمح، يحرقونها وقت حصادها، ويحرقون قلوب فلاحيها وناسها.

مئات الدونمات تحترق، والنار تحيط المدن والناس، وطائرات النظام وطائرات روسيا تقصف المدنيين في إدلب، فيما إطفاء الحرائق لا علاقة لها به، وربما لم تتعلمه يوما، فهي تعرف فقط كيفية إشعالها. امتدت الحرائق ووصلت إلى كروم العنب وأشجار التفاح والفستق الحلبي التي ربما أصابها كل شبر بألف نذر، وإلى الأحراش التي كانت الرئة الوحيدة التي تتنفس منها المدن السورية.

يحرق رئيس البلاد وداعموه قوتها المزروع، لكي يبقى هذا الرئيس الدمية على كرسيه المكسور، وكي يعقد صفقات شراء قمح من روسيا التي صارت الآمرة الناهية في سورية. وقد جاء العيد أخيرا إلى السوريين محروقا متفحما، بلا كعك، بلا ملابس، بلا فرح أو حب، بلا خبز خاص بالعيد، فقط طعم النار والرماد والخوف من الموت جوعا.

ولا عيد مع أنظمة تنتهج ثقافة الأرض المحروقة مع شعبها، ثقافة الخوف والرعب والحرق والتجويع والتركيع. لا يأتي العيد حين لا يجد السوريون ما يقدمونه لهذا الضيف الغالي، فالموسم احترق.

===========================

حزب العمل الشيوعي في سورية .. نكسة حزيران وتعقيد الواقع

عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 6/6/2020

نكسة حزيران/ يونيو، "كهزيمة بحجم أمة بحالها"، سبب مركزي لولادة الحلقات الماركسية في سورية. والكاتب السوري الصديق راتب شعبو لا يكتفي ذلك، في كتابه الجديد "قصة حزب العمل الشيوعي السوري .. 19761992 فصل من تاريخ اليسار في سوريا"، (دار المرايا للإنتاج الثقافي، القاهرة، 2019)، بل يرى أيضا أن تلك الحلقات جاءت متزامنة مع بروز يسار عالمي جديد، وانتصارات متعدّدة لليسار في أكثر من بلد. على الرغم من ذلك، يستغرب كيف ليسارٍ جديد أن ينهض، ويخوض الصراع مع نظام بلده، الذي يَدَّعِي بدوره الانتماء لليسار، وهناك حزب شيوعي سوري قديم؛ أي كيف ليسارٍ أن ينهض، وهو محاط بكل هذا الفشل المحلي "السوري اليساري". لا ينتبه راتب إلى أن واقع سورية حينها، وربما الواقع العربي، لا يعطي خياراتٍ تاريخية إلّا ضمن حقل اليسار المقترن بالماركسية، أي أن الطبقة البرجوازية التقليدية لم تعد نموذجاً في حقل النهوض الاقتصادي ولا السياسي ولا الوطني، وبالتأكيد لا مكان لها في الحقل المعرفي. وبالتالي، تصبح الخيارات اليسارية محتومة بالضرورة، للناشطين والفاعلين والمثقفين الأميز. ولهذا، وعلى الرغم من النكسة، تكاثرت هذه الفعاليات اليسارية، في أوائل السبعينات.

الشعب السوري في جعبة السلطة

لم تنتبه تلك الفعاليات، والتي يغلب عليها العنصر المثقف، إلى أن الشعب أو أغلبية الطبقات المفقرة أصبحت في جعبة النظام حينها، وتمَّ ذلك عبر الإصلاح الزراعي والتأميم والتعليم العام والصحة العامة وسواه كثير، وكذلك بأحلام العيش الرغيد، أي عبر الحاجات والقيم التي كانت محرومة منها! وبالتالي قُطِعَ الطريق على إمكانية تشكل حركاتٍ سياسيّة جماهيريّة، وكذلك أمام البرجوازية التقليدية. يضاف إلى ذلك أن الجنرال حافظ الأسد، وقد استلم الحكم بانقلاب عسكري، سمّاه الحركة التصحيحية 1970، اخترع جبهة وطنية تقدّمية، وأدخل فيها أقوى الحركات السياسية اليسارية حينها، أي حاول تدجينها في إطار سلطته وعبر الامتيازات، والتلويح بسيف الأجهزة الأمنية. وبالتالي، أصبح النضال حينها يتطلب رؤية عميقة لقضايا الواقع، وللطبقات، ولطبيعة السلطة، وبالتأكيد للواقع الإقليمي والعالمي، وأيّ فضاءات ممكنة.

الحلقات الماركسية التي كتب عنها راتب شعبو كتاباً ممتازاً، وأرّخَ لها ولتاريخ سورية في تلك 

"غلبة الاستشهادات بالماركسية في منشورات رابطة العمل الشيوعي توضح نصوصيتها وربما أصوليتها"الفترة، يوضح، في كتابه، طبيعتها، وكيفية تشكلها، وانتقالها من حلقات مبعثرة إلى حلقات مترابطة بالتدريج، ووصولاً إلى الاجتماع الثالث الموسع لها، وإطلاق اسم جديد، يجمع بينها وضمن إطار تنظيمي واحد، أي رابطة العمل الشيوعي، وظهرت في عام 1976. جاءت الحلقات هذه من حركات اشتراكية أو قومية أو شيوعية، وكلها مخفقة في معركتها مع إسرائيل ومع النظام السوري. وبالتالي، هي ذاتها لا تملك بديلاً عما كانته. انتقلت، كما يشير راتب، إلى الحقل الماركسي، ولكن الأخير لم يعطها أبعاداً جديدة، أو أفقاً جديداً، ولا سيما أنّها لم تتجاوز عبر القضايا التي طرحتها، وجُمعت لاحقاً بكراسات وطبعت عبر منشورات الرابطة، الدوران في الحقل المعرفي والسياسي للحقل الماركسي واليساري بعامة. المقصد من هذه النقطة أنها لم تحسم بشكل العمل التنظيمي، ولا بأهم القضايا السياسية والفكرية، المتوافقة مع الواقع المعقد، ولم تأت بجديدٍ نوعيٍّ، وبما يحدث تغييراً في الواقع. غلبة الاستشهادات بالماركسية في منشورات الرابطة توضح نصوصيتها وربما أصوليتها، أو سلفيتها، كما يشير الكاتب. هذا ليس مثلبة تُرمَى على الرابطة، بل هو للتوضيح، ويدعم إخفاقها ذاك، أن انشقاقات الحزب الشيوعي حينها، وأيديولوجية السلطة ذاتها، أيضاً لم تقدّم جديداً لا بالحقل القومي ولا اليساري، وبالتأكيد ليس بالحقل الديمقراطي أو المعرفي. وبالتالي، وجدت الرابطة نفسها في وضعٍ تاريخيٍّ معقد، وخاضت نضالاتها من خلاله، ولكنها لم تفهم بعمقٍ شديدٍ الإمكانات المتاحة لها حينها، أي أن الجانب الدعوي والنظري الذي كانت تلحُّ عليه، وأنه صفتها الأساسية إلى مرحلة تشكل الرابطة، ورافقها، حينما تحولت إلى حزب سياسي في 1981، لم يسعفها في تحديد الممكنات، والتموقع حصراً في الجانبين، الدعوي والتنويري.

الفكرة الأخيرة، طرحتها شخصية قيادية في الرابطة، والحلقات من قبل، أحمد جمول، كما يشير راتب. ما طرحه جمول، العمل مجدّداً في إطار الثقافة والتنوير والنقد وتأصيل الماركسية، ربما هو أدق رؤية للواقع وللممارسة فيه، أي في أثناء صعود الأسد الأب. لا ينطلق هذا التفسير من زاوية شمولية النظام حينها، وعدم القدرة على مجابهته، أو بسبب صراعه مع التيارات الإسلامية في الثمانينيات، بل من طبيعة التطور التاريخي حينها، حيث أغلبية الشعب في عباءة النظام كما ذكرت. وبالتالي، ردّ الاعتبار للعرب، والتخلص من آثار نكسة حزيران، لا يكون عبر حركاتٍ سياسيٍّة صلبةٍ وجذرية، وهو ما كانته رابطة العمل الشيوعي، ولاحقاً الحزب، بل يتمّ الأمر عبر عملٍ دعوي وثقافي، وبعيداً عن الارتباط بمؤسسات السلطة الثقافية. لم تستطع الأوساط الثقافية الناقدة حينها، وعلى أهميتها، تغطية هذه الفكرة، فكانت تتحرّك ضمن المتاح السلطوي، ومن دون أيِّ صراعٍ حقيقيٍّ معه. هذه الفرضية لا تقلّل من شأن المصائر المأساوية لأفراد الرابطة والحزب، ولا تقلّل من كفاحيتها العالية، ولا من أهمية (وخطورة) المسؤولية التي وضعتها أمامها، في التصدي للنظام وفضحه، ولكنها تنتقد الرؤية التي سارت عليها القوى الراديكالية تلك.

السخرية من السياسة الإراديّة

في أكثر من موضع في كتابه، ينتقد راتب شعبو ويسخر بمرارةٍ من تعظيم الإرادة في العمل 

"لم تفتح السلطات أيّ نوافذ للحوار أو الحريات، وأيضاً لم تتمترس المعارضة في ضرورة فتح تلك النوافذ"السياسي، أي يشير إلى ضعف تبصر الحلقات والرابطة والحزب للواقع وموضوعيته، وممكناته. هناك شعور كبير بالهزيمة في استنتاجات كهذه، وهي حق للمؤلف، حيث خضع هو وتنظيمه إلى كوارث حقيقيّة "اعتقالاً وسجناً، ولعشرات السنين، وبزهوة الشباب، وتعاساتٍ للأهالي"، ولكن راتب، وبدلاً من أن يولي الواقع "الموضوعي" أهمية في تحليله، يقدم بديلاً سياسيّاً، وأن ما تجاهلته الرابطة، برأيه، كان هو الأقرب إلى الصواب، أي العمل السياسي ضمن الحقل الديمقراطي "ثورة ديمقراطية"، وليس ثورة اشتراكية أو مهمات تتعلق بالماركسية. ويتجاهل راتب الفكرة التي بينتها من قبل، أي غياب برجوازية تقليدية وطنية، تنهض بمشروعٍ تاريخيٍّ، وبالتالي من سينتصر لتلك الديمقراطية المشتهاة لدى صديقنا؟ أيضاَ في ثنايا الكتاب، وحينما يحلّل طبيعة الصراع في الثمانينيات، وأنّه دار بين البرجوازية البيروقراطية (النظام) والبرجوازية التقليدية (الإخوان المسلمين)، أقصد كأحد الممثلين لها، وقسم منها دعم الإخوان، يتجاهل غياب البعد الديمقراطي في برنامج تلك التقليدية؟

إذاً، هناك تعقيد كبير في الواقع السوري حينها، وكرّاسات الرابطة الإحدى عشر "ملامح الصراع الطبقي العالمي، المسألة الأممية والحركة الشيوعية العالمية، مسألة أشكال النضال والانتقال إلى الاشتراكية، الوحدة العربية ومسألة الأقليات، الثورة العربية والحزب الشيوعي العربي، المسألة الفلسطينية، البرجوازية الصغيرة والسلطة السورية، الطبقة العاملة السورية، الحركة الشيوعية المحلية، الجبهة والتحالفات، جدل بناء الحزب الشيوعي في الساحة السورية"، هذه الكراسات لم يطلع عليها معظم السوريين، بسبب عدم توفرها طبعاً، ولكنها لم تقدم جديداً نوعياً يشرح ذلك التعقيد الذي لم يُدرس جيداً، وكذا طبيعة السلطة المستبدة، والمناخ الأيديولوجي لحركات المعارضة، وقد منعت هذه العوامل كلها الوصول إلى رؤية خصائص الواقع المركب وممكناته. وبالتالي، حرقت الصراعات السياسية بين النظام والمعارضة وجود إمكانية مختلفة عمّا حصل! وتكرّر الأمر في الثمانينيات، وما بعد عام 2000، وما بعد 2011 أيضا، أي لم تفتح السلطات أيّ نوافذ للحوار أو الحريات، وأيضاً لم تتمترس المعارضة في ضرورة فتح تلك النوافذ، ومنها من التحق بالخارج، كما فعل النظام ذاته عبر التبعية لإيران أو روسيا؛ أن يقول آخرون قولاً مختلفاً، وينطلق من أن الصراع كان يجب أن يتحدّد سياسياً ووطنياً، وألّا يُسمح بأقلمته أو تدويله، فهذا لم يكن مسموعاً أو عاماً أو مؤثراً، وربما ليس ممكناً.

عدا عن عدم تقييم الواقع الموضوعي جيداً، والذي كانت تشكله السلطة في السبعينيات، فهناك إشكالية الوعي "المتأخر والمتخلف"، وهي قضيةٌ حاولت أقلام سورية التصدّي لها، ولكن لم يتم التوسع بها، ولم تفض المحاولات إلى نظرياتٍ معرفيةٍ جادّة في حقل الفكر والوعي، وكيفية الانتقال به إلى فضاء آخر، أي إلى حقل حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة والعصر الحديث، وحتى العلم بشكليه، الوضعي والإنساني، لم يتحقق في واقعنا. وبالتأكيد لا وجود للنظريات الفلسفية بصيغتها العقلانية الحداثية؛ أقوى القراءات حينها ذهبت إلى التراث، متوهمة أنها تبحث عن أجوبة لأزمات الواقع المعاصر!

المسألة الوطنية لا تنتج أحزاباً ماركسية

يكرّر راتب شعبو أن الحلقات الماركسية كانت نتاج المسألة الوطنية وليس القضية الاجتماعية، وهذا صحيح، فقد كان المجتمع لدى النظام عملياً، للأسباب أعلاه. إذاً، ليس هناك من إمكانية للتوسع الجماهيري، وهي حالة كل القوى السياسية اليسارية حينها، وليس الأمر خاصاً بالرابطة وحزب العمل الشيوعي. والسؤال: ما دامت القضية محصورة بالوطنية، والخوف من التسوية على حساب فلسطين والأراضي المحتلة، فكيف ستستطيع الرابطة أن تكون ممثلة بالفعل للطبقات الكادحة التي كانت تدّعي تمثيلها. طبعاً كانت تحاول استقطاب كوادر في الأحزاب الشيوعية، وتستغل أي مشكلات كبيرة تواجه السلطة لتقوية نفوذها، ولكنها، كما بقية القوى خارج الجبهة، جوبهت بكل أشكال القمع والاعتقال والتضييق. أيضاً رفضتها كل القوى اليسارية حينها، وقد اعترض الأمين العام للجزب الشيوعي السوري، المكتب السياسي، رياض الترك، على أيّ صلاتٍ سياسيّة معها، ورفض مقترحاً لحل الرابطة والدخول في حزبه، وبالتالي لم يكن أمام الرابطة إلّا السير منفردة، وقد اتخذت هذا المسار بعدما فقدت الثقة بإمكانية أن تكون قطباً أو تساهم في تشكيل الحزب الشيوعي الثوري، وتخوض نضالاً جماهيرياً ضد السلطة. ودفعتها هذه الأجواء إلى تشكيل حزب العمل الشيوعي في العام 1981.

ما الصحيح تاريخياً؟ هل هي سياسات السلطة، وقد استدعت الخارج لحمايتها بعد 2011، أم 

"شكل غياب رؤية الواقع في سورية بشكل موضوعي إشكالية كبرى وهي قضية فشلَ النظام ذاته في رؤيتها في 2011"الحزب الشيوعي الرسمي الذي انقسم شيعاً، وكان تأثيره هامشياً وتابعاً للروس، أم من صارع النظام دونكيشوتياً، أم من حيّد نفسه عن الصراع، ولاذ بالثقافة أو الادب أو الصمت؟ غلبتُ أعلاه، خيار العمل عبر الجانب الدعوي الثقافي في السبعينيات، إلى أن تتغيّر الشروط الواقعية، وتبتعد الطبقات المفقرة عن السلطة، فيصبح للناشطين والمثقفين دور تاريخي، ولكن ليس كذلك يسير التاريخ، بل يسير عبر ممكناته الواقعية، والتي تشكلها السلطة الحاكمة بأغلبيتها. وبالتالي لعبت السلطة الشمولية، ولا سيما عبر الجهة الوطنية القديمة وكل مؤسساتها السياسية والأيديولوجية دوراً تقييدياً لحركة المجتمع، وضبطته، ونبذت كل من يخرج عن تقييداتها تلك، وهذا بالضبط ما منع تطوّر أيّ ممكنات سياسية خارج المحدّد مسبقاً، وبالتالي عُزِلت الفئات المُعارضة عن الشعب، وهو ما ساعد في التخلص منها بسهولة عبر الاعتقال والسجون والقتل.

طرح راتب شعبو قضية تتعلق بكيف يمكن لفئاتٍ سياسيّة غير عمالية أو كادحة أن تدّعي الدفاع عن قضايا الطبقات العمالية والفلاحية، وأن ذلك لن يكون حقيقياً، حيث لا بد للأصول الطبقية لتلك الفئات، أي الأصول البرجوازية، من أن تتغلب على رؤيتها المدّعاة، وتقودها إلى تلاقٍ مع موقعها الطبقي. رابطة العمل الشيوعي وبعدها الحزب والحزب الشيوعي بانقساماته، فعلاً تعاني من هذه القضية، فأغلبية أفراد هذه القوى تنتمي إلى الطبقات البرجوازية، وتحديداً الصغيرة، بينما هي تدّعي تمثيل الطبقات المفقرة، وبالتالي ستفشل بالضرورة. الحقيقة أن ذلك الفشل لا يتعلق بالتركيب الطبقي لهذه الأحزاب فقط، بل أيضا بانعدام أيّ شروطٍ موضوعية "سياسية"، وبغياب أيّ شكلٍ للحريات، وهذا يعني أن كل الفئات المعارضة ستفشل بالضرورة، وهو ما كان. القصد أن تلك القوى، وعلى الرغم من فشلها، لم تختبر رؤاها بشكلٍ حقيقيٍّ ... نضيف إلى ذلك كله، هناك الأساس الطبقي للفشل، حيث سيطر النظام، عبر سياساته الاقتصادية والاجتماعية، على أكثرية الطبقات الكادحة، وهذا لعب دوراً ليس في عزل القوى السياسية اليسارية فقط، بل وحتى القوى الإسلامية، حيث وعلى الرغم من قوة الصراع السياسي والعسكري في الثمانينيات، وتوفر دعم خارجي، لم تستطع جذب الأغلبية إليها، وحتى فئاتٍ كثيرة من البرجوازية التقليدية، والتي لا تحوز على أيّ أدوارٍ سياسيّة، لم تلتحق بالإخوان المسلمين، ولا الأخيرين فهموا ما فعلته السلطات الجديدة في مطلع السبعينيات، الانفتاح على البرجوازية التجارية، وما تبقى منها في البلاد، إثر حركة 8 آذار/ مارس 1963.

إذاً، شكل غياب رؤية الواقع في سورية بشكل موضوعي إشكالية كبرى، وهي قضية فشلَ النظام ذاته في رؤيتها في 2011، حيث خرجت أغلبية المجتمع ضدّه، وكان الحلّ باستقدام الدول لمواجهة المجتمع، ورهن البلاد لصالح تلك الدول. على ضفة المعارضة، لم تستطع تشكيل مؤسسات فاعلة ومقتدرة، ففشلت على الرغم من توفر كل الفرص لإسقاط النظام. القصد هنا أن معالجة تاريخ ممكنات أيّ حركة سياسيّة أو دراسة هذه الممكنات يتطلبان دراية دقيقة، وشغلاً نظرياً واسعاً. وبالتالي، التأريخ والدراسة والبحث الفردي، وعلى الرغم من أهميته، لا يقدم معرفة دقيقة وإلماماً جيداً بالمسائل المناقشة، واستخراج قانونيتها أو أسباب سير التاريخ بهذا المنحى، وليس بسواه.

بطريركية العقلية البكداشية

لا يمكن للتحليل أن يتطرّق لمشكلة اليسار في سورية، إلّا بإبداء ملاحظات بشأن وضع القوى 

"الوجود الهش لكل قوى اليسار السوري منعه من أن يشكل أيّ حالةٍ سياسيّةٍ متطورة بين عامي 2000 و2011، وكذلك في إطار الثورة"الشيوعية في سورية. لقد أوضح المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري في 1969 الحالة المأساوية التي كان الحزب عليها، فهو يعاني أزمات مركبة، عصفت فيه لاحقاً انشقاقات متتالية، التحاقاً بالنظام، وحتى تيار المكتب السياسي كان هامشياً، وكذلك بقية التيارات؛ أسوأ ما عانته الحلقات والرابطة وحزب العمل لاحقاً، رفض الاعتراف بها من الوسط الشيوعي ذاك، وهذا ما دفعها، ربما، إلى مواقف راديكالية وصلبة، وكانت نتيجتها، وعلى الرغم من أن ممارساتها كانت سلمية بامتياز، اعتقال الأغلبية الساحقة من كوادرها. الحياة في المعتقل والسجون كارثية بكل المقاييس، وهي حالة المعتقلين السياسيين، ولا سيما الإسلاميين منهم. أما لماذا لم يستطع الحزب الشيوعي السوري تجاوز أزمته في 1969، فالأمر متعلقٌ بطبيعة القيادة البكداشية، الأبوية، البطريركية، والتي كانت ذيليةً وذليلة للسوفييت، وطبعاً موثوقة منهم، ويضاف إلى ذلك التحاقه بالنظام مع الحركة التصحيحية، وهناك الهشاشة النظرية والسياسية التي كان يمتاز بها الأمين العام، وأكثر من ستة عقود، خالد بكداش.

العوامل المانعة لأي حوارات داخل الحزب الشيوعي حتمت الانشقاقات، وانعكس هذا على الحلقات الماركسية التي بدأت تتشكل بعد الهزيمة في 1967 سلباً، وما تطوّرت إليه تنظيمياً، حيث تمَّ تجاهلها بشكل كامل، وكأنّها لم تكن موجودة، ولم يجتثها النظام بشكل كامل.

تميّزت الحلقات وما أفضت إليه برفضٍ حاسم للممارسات البيروقراطية والفردية، ولم تنتخب مطلقاً أميناً عاماً لها، وكانت قيادتها دائماً جماعية، وللأقلية كل حقوق الأغلبية، مع حق الأغلبية برسم السياسات والمواقف العامة والرسمية، وغلب على مراحل هذا التنظيم، الإنتاج النظري وإصدار صحف ومجلات عديدة، ومنها ما هو عام، ومنها ما هو داخلي. أي أنها عاشت أجواءً ديمقراطية فعليّة. وأتاحت ديمقراطيتها هذه لها التغيير المستمر في مواقفها، وفي المسألة التنظيمية، وإنْ شهدت رسوخاً نظرياً متماسكاً.

ودفعت أجواء اليسار هذه كلا منها إلى أن يتخذ اتجاهاً مختلفاً تقريباً. الحزب الشيوعي بكل انشقاقاته ظلَّ يستفيد من مكرمات النظام، ويُستثنى منه الحزب الشيوعي، المكتب السياسي، ومنذ 1976، وقبل ذلك كان ممثلاً في الجبهة والبرلمان! المكتب السياسي انخرط مع قوى "ديمقراطية" وشكلوا تجمعاً سياسيّاً، سموه التجمع الوطني الديمقراطي، 1979، بينما أجبر حزب العمل على التغريد وحيداً، واجتهد لتكون له شعبية من خارج أطر القوى السياسية، وعلى الرغم من نجاحه في الوسطين، الكردي والفلسطيني، بتشكيل لجانٍ شعبيّة، فقد أخفق في الوسط السوري. حتى ذلك الوسط، إضافة إلى "الوسط الاجتماعي" الحزبي، تراجع بسبب الحملات الأمنية المتلاحقة، والتي أَجهزت عليه في 1993، حيث اعتقل كل أفراده.

ملاحظة أخيرة في توضيح حالة اليسار الراهنة: الوجود الهش لكل قوى اليسار السوري منعه من أن يشكل أيّ حالةٍ سياسيّةٍ متطورة بين عامي 2000 و2011، وكذلك في إطار الثورة، وبالتالي كان وجوده هامشياً بامتياز، ومُلحقاً بالقوى السياسيّة الأخرى، وهي حالة النسخ الجديدة من حزب العمل "الجديد" والمكتب السياسي. الأخير أصبح، بعد انشقاق فيه، حزب الشعب الديمقراطي السوري، وهناك مجموعات يسارية صغيرة، وحتى الانشقاقات التي فرضتها الثورة على الأحزاب الشيوعية لم تشكل حالة نوعيّة؛ أقسام الحزب "البكادشة والفياصلة والقدادرة"، ظلّت تدور بفلك السلطة وتنال الامتيازات.

===========================

موقفنا : من خطف المقدم حسين هرموش ؟! لعلهم يرجعون .. من خطف المقدم حسين الهرموش ومن سلمه إلى المخابرات السورية!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

11/ 6/ 2020

ونبدأ الحديث باستمطار الرحمة إلى روح المقدم حسين هرموش ، نترحم عليه حيا أو ميتا ، وندعو الله أن يكتب له أجر سابقته في الانشقاق عن نظام الجريمة والإثم . كما نذكر بالعرفان والشكر والتقدير مواقف جميع الأخوة الضباط وصف الضباط والجنود الذين أبت عليهم مروءتهم ، وأبى عليهم انتماؤهم لأرضهم ولشعبهم أن يكونوا أدوات قتل وتدمير . ولعلها الفرصة السانحة لإبلاغهم ما يكنه لهم عامة الشعب السوري وخاصته من مودة وحب وتقدير .

وأجمل كلمة أنقلها لهؤلاء بجمعهم وآحادهم ، تلك الجملة الجميلة الرزينة المختصرة ، التي صاغتها يوما عبقرية حكيم العرب وسياسيهم ، يخاطب الملك النعمان :

لئن كنتَ قد بلغت عني وشايةً ... لمبلغك الواشي أغشَّ وأكذبُ

وأحاديث الوشاة أيها السوريون السوريون في فضاء هذه الثورة الجميلة لا تكلاد تنتهي.وأجمل وصية نتواصى بها جميعا أن نضع الواشي في مقعد من هو أغش وأكذب ..ثم نعرض عن الجاهلين ما وسعنا الإعراض .

وفي القرآن الكريم يتأكد قول الله تعالى في سياق بعد سياق ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) تعقيبا على أشكال من الذكرى ، والتذكير والعذاب ..

وانكشف بالأمس حسب تقرير إعلامي موثق من هو الخاطف أو المغرر بالمقدم حسين هرموش رحمه الله حيا أو ميتا . أما الحقيقة المضمرة فقد كانت معروفة عند المعنيين بها منذ الأيام الأولى لوقوع الجريمة ، فاعتقل المجرم ، وحوكم وسجن وفر من السجن لأنها جزء من منظومة طائفية تغرس مخالبها عن يمين وشمال . انكشفت الحكاية إعلاميا بتفاصيلها ، وحيثياتها ، ومرتكبها . ومن أحب أن يعلم فليراجع ..

وبقيت لنا منها العبرة ، والعظة ، والدرس لعلنا نرجع ..

ولا أدري ماذا سيقول لأنفسهم اليوم الذين ظلوا على مدى سبع سنين يتدالون ويروجون أن " الإخوان المسلمين " هم الذين اختطفوا المقدم هرموش أو ساعدوا على اختطافه ، ثم يمعنون في صياغة حبكة من الافتراءات الاتهامات ويظلون لها يروجون..!!

نحن لا نشك أن الفرية الأولى صنعت في أقبية بشار ، وأن مروجيها والنافخين في نارها الأوائل هم من طينة المجرم الذي اختطف أو غرر ، وليس لهؤلاء نكتب هذه الكلمات، وإنما نكتبها لرهط من السوريين شاركوا في ترويج هذه التهمة تسرعا وغرورا ولأسباب تخصهم ، دون أن يدركوا أن ما يقولونه شهادة . وأن من أكبر الكبائر قول الزور وشهادة الزور ، وأنهم ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) وكلَّ سوري من هؤلاء نسأل : وكيف يكون الجواب بين يدي الله حين يسألك : من أين قلت ؟ وكيف قلت ؟

إن الموقف الكلي الذي ندافع عنه هنا هو أن نظل كسوريين نثق ببعضنا . ونمنع بشار الأسد وأجهزته الأمنية أن يقطعوا أواصرنا كما فعل وأبوه على مدى خمسة عقود . خمسة عقود هدموا خلالها بُنى مجتمعنا الأهلي ، ولم يسمحوا لنا بناء المجتمع المدني الذي نريد ..هل تذكرون سخرية بشار الأسد منذ 2006 من المجتمع المدني ، واعتباره دخيلا على الثقافة والتراث ؟!

يريدوننا أفرادا ، لا يثق القريب بقريبه ، ولا الجار بجاره ، ولا الصديق بصديقه ، ولا يثق فيه طلاب العدل أو الحرية ببعضهم . ونجاح الثورة رهين بأن يثق العربي بالكردي ، والكردي بالعربي ، والمسلم بالمسيحي والمسيحي بالمسلم نجاح الثورة في نجاحنا بصهر اللحمة المجتمعية ، وهذا الذي يسعى إلى تبديده المشككون ..

منذ أول الثورة ونحن نلاحظ إمعان الذباب الأسدي في تشكيك السوريين في بعضهم ، وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم . والسبق بالاتهام والتشكيك في كل من يكون له يد في صناعة مشروع خلاصهم .

كلامي هذا لا ينفي الخطأ والقصور والتقصير عن أي طرف في المعادلة الوطنية . ولكن الحديث عن الخطأ والقصور والتقصير شيء ، والاندفاع في سياقات تبادل الاتهامات والتقاذف بالأراجيف شيء آخر .

علق بعض السوريين بالأمس على مقال في الرد على دار الفتوى السيسية بوصفي داعية للكراهية ، وأسهل شيء على الإنسان أن يرد ، ولكنني أعلم أن بشار الأسد أكثر من يعجبه أن أرد . ولذلك أقول لهؤلاء وأحب لكم من الخير ما أحب لنفسي .

مرة أخرى أقول إن المعني بهذا الكلام الآحاد الذين تسرعوا فخاضوا ..ومرة أخرى أقول إن المقصود من ذكر الواقعة قياس أخواتها عليها ، لعلنا نرجع ، فلا نردد تهمة ، ولا نشيع فاحشة بين الناس . وأخشى على قوم أن تأخذهم العزة بالإثم فيستمروا في غلوهم وغلوائهم لا يرجعون ..

إن بناء المجتمعات - كما يقول المفكر مالك بن ابني - إنما يتم بشبكة علاقات متينة سليمة . شبكة علاقات قادرة على التوصيل الصحيح للمشاعر والأفكار والحقائق . وعندما قال أحد الصحابة لرسول الله إني أحب فلانا ، سأله : هل أخبرته ؟ قال الرجل لا . قال الرسول صلى الله عليه وسلم : قم فأخبره ..

قم فأخبره ليكون للحب في حياة الناس ثمرة. ومن هنا أقول لكل طلاب العدل والحق والحرية في سورية اجعلوا بيننا وبين الحب نسبا ..

انبذوا الوشاة وأصغوا إلى دعوات الخيرين

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

حزيران أبداً

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 6/6/2020

تأسس "النظام الوطني التقدمي" في سورية يوم التاسع من يونيو/ حزيران 1967، حين أذاع من سيصبح "عظيم الأمة، وبطل التشرينين: تشرين التصحيح وتشرين التحرير"، حافظ الأسد، بيانا أسقط الجولان بإسقاط عاصمته، مدينة القنيطرة، قبل وصول الجيش الإسرائيلي إليها عبر نزهة جبلية قام بها سيرا على الأقدام، استمرت ثلاثة أيام من دون أن يجد ولو رفيقا واحدا من "الجيش العقائدي" في انتظاره، على الرغم مما كان في تحصينات الهضبة من ذخائر وأغذية تكفي لستة أشهر قتال، في حال قرّر جنرالات إسرائيل قتل عشرات آلاف من ضباطهم وجنودهم، وهم يحاولون يائسين احتلال القنيطرة.

لم أقصد نهاريا في فلسطين المحرّرة للسياحة والاصطياف، استجابة لدعوة مفتوحة وجهتها إذاعة دمشق لمواطني سورية، للراحة من وعثاء المعركة الخاطفة، التي سيخوضها "جيشهم العقائدي"، وهو يشق الجليل في يوم الحرب الأول، متقدّما نحو تل أبيب في يومها الثاني، أو الثالث على أبعد تقدير، تصديقا لكلام الذي أذاع بيان إسقاط الجولان، اللواء حافظ الأسد، الذي قال منتصف شهر مايو/ أيار: "إن الحرب ستنتهي بتحرير فلسطين، على أقل تقدير". وهكذا، فضّلت السفر إلى اللاذقية، للقاء أستاذي وصديقي إلياس مرقص، الذي أمسك فجأة يدي، ونحن نسير على الكورنيش، وقال بصوت هامس: "سلمهم مفتاح المشرق الاستراتيجي، ورح يسلموه سورية، عشرط يحكمها كبلد محتل" وهذا ما كان.

وكان قادة "الثورة في دمشق" قد خونوا جمال عبد الناصر، قبل الحرب، لأنه لم يستجب لفوريتها. وبعدها، لأن جيشه لم يحارب، وحرم "الجيش العقائدي" من شرف الانقضاض على العدو وتحرير فلسطين، تحقيقا لما كان قد تعهد به حافظ الأسد في تصريحه، عندما انضم إلى جوقة المحرّرين التي أنشدت أهازيج النصر من شرفات القصر الجمهوري ومكاتب رئاسة الحكومة، وأقبية رئاسة الإكان، وشاشات التلفاز ... إلخ، معلنة تصميمها من دون مواربة على حرق العدو وسحقه، ما أن يرتكب غلطة عمره، ويطلق ولو "فتيشة" بالخطأ، بل إن منشده الأكبر أخذه الحال، وهدّد بجعل الأسطول الأميركي السادس طعاما لأسماك المتوسط، وشاع أن قائده قرّر إقامة "صلاة الغائب" على روحه وأرواح بحارته، بعد إلقاء أركانه نظرةً على حاملات طائرات الجيش العقائدي وبوارجه.

... وتأسست الحرب بعد انفصال سورية عن مصر، واتخاذ قرار بعثي برفض إعادة الوحدة مع مصر، ما دام عبد الناصر رئيسها، ونقل المعركة ضده من المجال الثنائي الضيق إلى المجال القومي المفتوح، وتدمير زعامته فيه. هذه الخطوة التي كان عسكريو "البعث" يعرفون أنها تتحدّى قدراتهم، دفعتهم إلى الاستعانة بطرفٍ يشاركهم العداء لمصر وزعيمها، هو إسرائيل، لشن حرب عليه، بعد أن يجرّوه هم إليها، بإرغامه على تطبيق "معاهدة الدفاع المشترك" التي عقدها معهم عام 1966، بطلب من رئيس وزراء السوفيات، كوسيغين الذي ناشد عبد الناصر أن يكبح "الرؤوس الحامية في دمشق" عبر المعاهدة التي أصبحت أداة في يدها لجرّه إلى الفخ، بما أنها ألزمته بالدفاع عنها، إن تعرّضت لعدوان، سرعان ما عرّضت نفسها له ببدئها القتال في الجولان، وترك الباقي لإسرائيل التي وضعت خطة وافق عليها الرئيس الأميركي جونسون "لاقتناص الديك الرومي"، أي عبد الناصر، الذي ما أن طبق أول بند في المعاهدة، وأرسل جيشه إلى سيناء، حتى أسقط في الفخ، وأخذ يتخبط من دون جدوى كي يفلت منه، فالحرب كانت قرارا باصطياده، مهما أبدى من نوايا سلمية واستغاث.

===========================

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ... ولكن تستمر حياته !!

يحيى حاج يحيى

كثرت التحذيرات ولازالت من ثورة الجياع ، وانتفاضة المظلومين ، وتمرد المحرومين ، و .. و .. و ..

ومع أن الكل يصرخون !؟ يبكون أويتباكون ! فإنّ الأقل هم الذين يغيثون - وهم في الواقع كثيرون ، ولكن المأساة تفوق  قدراتهم وجهودهم - فامسحوا دموع المحرومين ، وأطفئوا لظى وشقاء المشردين ، وسُدّوا جوعة الجائعين ، واضربوا على يد اللصوص سلطويين وأدعياء ثورة ، واتقوا الله في اليتامى والأيامى والضعفاء الذين بهم تُنصرون وتُرزقون إذا كنتم حريصين على إيمانكم من النقص ( ماآمن بي مٓن بات شبعان ، وجاره  جائع إلى جنبه وهو يعلم به ) فهل بقي أحد لم يصله ، أولم ير مايحل بالشعب السوري    فزينة القلوب التقوى والإيمان ، وزينة النفس البذل والعطاء ، وزينة الإنسان أن يٓرحم ! ومٓن لا يٓرحم  لايُرحٓم !؟  { ولو أنّ أهلٓ القرى آمنوا واتّقٓوْا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ، ولكنْ كذّبوا ، فأخذناهم بما كانوا يكسبون }

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com