العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14-04-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ما أنجزته ثورات الربيع العربي 2011

برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 11/4/2019

بمقدار ما تبعث ثورات ليبيا واليمن وسورية، وإلى حد كبير مصر، الإحباط لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، بسبب مآلاتها المأساوية، تعيد ثورات الموجة الثانية، السودانية والجزائرية، الثقة من جديد في مستقبل السياسة والديمقراطية في العالم العربي. والواقع أن ما غير في مآلات الثورات الأخيرة، بالمقارنة مع الأولى، ليس له أي علاقة بطبيعة هذه الثورات، ونوع شعاراتها وجوهر مطالبها وسبل تنظيمها، فهي جميعا ثوراتٌ شعبيةٌ عفويةٌ وسلميةٌ بالضرورة، وذات مطالب واحدة. ما جعل الثانية تختلف حتى الآن في مسارها عن الأولى هو عجز النظم القائمة، لأسبابٍ متعدّدة، في السودان والجزائر، عن استخدام السلاح لسحق الحركة الاحتجاجية واضطرار قادتها، في النهاية، بالضرورة، إلى المناورة السياسية، وفتح باب المفاوضات، بشكل أو آخر، لاحتواء الغضب الشعبي، وتجنب الصدام الدموي ما أمكن، مع المتظاهرين السلميين.

ومن المفيد أن نذكّر أولئك الذين يعتقدون أن سبب فشل ثورات الربيع الأولى في الوصول إلى أهدافها هو استخدامها، بعكس الثورتين الجزائرية والسودانية الراهنتين، السلاح، بأن السوريين استمروا في التظاهرات السلمية ستة أشهر متواصلة، وهم يتعرّضون لرصاص القناصة وشبيحة النظام، مع فقدان عشرات الشهداء في كل يوم، قبل أن يظهر أي سلاح، أما اليمنيون فقد تجاوزوهم في الصبر والثبات على السلمية أكثر من عام ونصف من دون انقطاع. وفي الحالتين، جاء العنف من النظم الاستبدادية الدموية، قبل أن ينتشر السلاح بين الأهالي والنشطاء.

تنبع أهمية تجدّد الانتفاضات الشعبية في الدول العربية من أنها تؤكّد أولا، بمفعول رجعي، على الجوهر السلمي والمدني لهذه الثورات، وتنقض، بشكل قاطع، بذاءة التفسير المؤامراتي الذي سعت إلى إشاعته أبواق النظم الدموية وأنصارها من بعض "القوى التقدّمية" المحنطة التي تجاوزها الزمن، وتعيش في فقاعةٍ من صنعها، وهو التفسير الذي تعيد تدويره اليوم، بسبب ما جرّته حرب النظم على الشعوب من خراب وأهوال ومذابح وحشية، قطاعات أوسع من الرأي العام الدولي والعربي، لإقناع الشعوب بأن طلب الحرية مغامرةٌ وخيمة العواقب، وأن السلام يكمن في الاستسلام للأمر الواقع.

وتبرهن ثانيا أن الديمقراطية ليست اليوم مطلبا حقيقيا في المجتمعات العربية المعاصرة فحسب، 

"تغيير العلاقة والتعامل بين النخبة والشعب المدخل الضروري لبدء حياة سياسية حقيقية" ولكنها ممكنة أيضا، بل إنها البند الأول على جدول أعمال الشعوب العربية التاريخي، والذي من دونه لن تكون هناك أي إمكانيةٍ لتحقيق أي إنجاز وطني، اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي وأخلاقي.

إن ما طبع الحياة السياسية في البلاد العربية لنصف القرن الماضي هو القطيعة بين النخب الاجتماعية، المتولدة من عملية النهضة والتقدم ذاتها، والشعوب، وانفصال هذه النخب عنها واشتراكها، نظما ومعارضاتٍ، في التشكيك بقدرات الناس، وتنمية انعدام الثقة بالإنسان، وإصرارها على وضع شعوبها تحت الوصاية الفكرية والسياسية، وفرض قاعدة التبعية والطاعة عليها.

كسرت الثورة هذه الوصاية المتعدّدة الأطراف، وفتحت ثغرةً في جدار العزل والتهميش والتشكيك بالنفس الذي غذته النخب الاجتماعية لضمان استسلام الشعب للأمر الواقع وانقياده. لكن الديمقراطية لم تصبح ثمرة ناضجة، ولا في متناول اليد. ما أنجزته الثورة أو المعركة الدموية السابقة، مهما بدت نتائجها المباشرة محدودة، في سورية كما هو الحال في بقية بلدان الربيع العربي، هو تغيير قاعدة الاشتباك، ونوعية العلاقة بين الشعب والنخب التي فقدت جميعا ثقة الجمهور بها، كما خسرت وحدتها واستقرارها. فلم يعد هناك منذ الآن من يستطيع أن يمنع الشعب من التدخل في السياسة، والنزول إلى الشارع، والضغط، من خلال مسيراته السلمية في الساحات العامة، لتأكيد وجوده ورأيه ومصالحه، والدفاع عن حقوقه. ولن تستطيع أي نخبة حاكمة بعد اليوم أن تفرض الأمن والاستقرار، وتستمر في الحكم، من دون أن تأخذ رأي الشعب ومصالحه ووجوده في الاعتبار. ولم يعد هناك من يستطيع أن يمنع الشعب من التظاهر والتعبير عن حضوره ومواقفه، على الرغم من الخسائر التي تكبدها في معركة التحرّر من الوصاية والاستعمار الداخلي، بل بسبب هذه الخسائر والتضحيات العظيمة التي قدّمها لانتزاع سيادته وحقه في الوجود والمشاركة في القرار.

هذا ما تثبته مسيرات المدن السودانية وصمودها أمام مناورات عمر البشير وتهديداته، وما تؤكد على مضمونه أيضا انتفاضة الجزائريين ضد العهدة الخامسة لرئيسٍ أرادت الطغمة الحاكمة أن تفرضه حاكما أبديا رغم مرضه، معتمدة على آثار حرب الإجهاض التي خاضتها لحرمانه من ممارسة حقوقه في ما سميت العشرية السوداء، وبالأحرى الدموية، في التسعينيات. هنا أيضا لم ينس الشعب تضحياته، ولا الثمن الذي دفعه من دم أبنائه لانتزاع حقه في المشاركة في القرار، ولم يكن بإمكان النخبة الحاكمة أن تفرض إرادتها بالقوة مرة ثانية، كما لو أن التاريخ لا يعرف التقدم، وليس سوى دوران دائم في الفراغ. ما دفعه الجزائريون في التسعينيات من تضحياتٍ هو الذي مكّنهم من ثني ذراع النخبة الحاكمة، وأجبرها على التراجع، وحرمها من أي أمل في استخدام العنف ذاته لفرض الطاعة من جديد على المتظاهرين.

وهذا ما أكّدته مسيرات درعا في الذكرى الثامنة للثورة السورية، ردا على إعادة نصب تمثال

"كسرت الثورة  الوصاية المتعدّدة الأطراف، وفتحت ثغرةً في جدار العزل والتهميش والتشكيك بالنفس" الطاغية حافظ الأسد في المدينة، في محاولةٍ من بقايا دولة الأسد لإحياء رموز القهر والإذلال التي أراد النظام من جديد فرضها لتفريغ تضحيات الشعب من مضمونها، ومحو ذاكرة الكفاح المرير والطويل لسنوات الثورة الدامية، وإعادة الشعب إلى حظيرة السيطرة والاستسلام.

ومع ذلك، يشكل تغيير طبيعة العلاقة وقاعدة التعامل بين النخبة والشعب المدخل الضروري لبدء حياة سياسية حقيقية، لكنه ليس الخاتمة لهذه الحياة، وليس نهاية المطاف نحو بناء نظم ديمقراطية مستقرّة وناجزة. سيستمر الصراع فترة طويلة بين النخب الحاكمة التي سوف تحاول أن تحتفظ بأقصى هامش لنفسها في اتخاذ القرار، وتهميش الجمهور الشعبي ما أمكن، والشعب الذي لن يتوقف عن التدخل في تظاهراتٍ وانتفاضاتٍ سلمية متواصلة لفرض إرادته، فالمنظومة الديمقراطية ليست جاهزة، أو لا تتشكل بضربة واحدة، فكريا وسياسيا وأخلاقيا وبنيويا، في أي مجتمع سياسي. إنها تنمو وتتبلور وتتحدد معالمها من خلال هذا الصراع الجدلي بين الطرفين، بمقدار ما يشكل الصراع ذاته الطريق الحتمي لتطوير وعي الشعب، وبلورة تصوره لمصالحه وحقوقه وتمثل قيم الحرية والديمقراطية أيضا، والتعمق في فهم متطلبات ممارستها الفكرية والقانونية، من جهة، وتطوير وعي النخب الاجتماعية وتحطيم الجدار الذي حاولت أن تقيمه عازلا بينها وبين الشعب، من جهة ثانية، أي لتطوير علاقة احترام وانسجام وتفاعل بين النخبة والجمهور، بحيث تتحول النخبة إلى معبر بالفعل عن إرادة الشعب المتبلورة، لا عالما ولا مجتمعا مستقلا قائما بذاته يخرج من الشعب، ليفرض سيطرته عليه. في المنظومة الديمقراطية، تصبح النخبة الاجتماعية، الحاكمة والمعارضة معا، نخبة الشعب، لأنها نابعة منه، ولا تستمد شرعية سلطتها وحكمها إلا بمقدار ما تعكس تطلعاته، وتمثل إرادته وتجسّد قواه الحية.

كسر حلقة الوصاية، وهو ما تهدف إليه وتقوم به الثورات والانتفاضات الشعبية، هو الشرط الضروري لفتح باب الجدل والصراع للسير نحو الديمقراطية، بمقدار ما يشكّل شرطا لكسر حلقة الوصاية الخارجية بالنسبة للشعب، لكنه ليس كافيا لإقامة الديمقراطية، فالديمقراطية لا تولد دفعة واحدة، وإنما هي ثمرة تراكم في الوعي والشعور والقيم ومفهوم السلطة والعلاقة بها وبنية الدولة وتوزيع سلطاتها، وإيجاد توازناتٍ جديدةٍ داخل المجتمع نفسه. ولا يتم ذلك كله دفعةً واحدة، وإنما هو ثمرة صراع جدلي، يفضي إلى تغيير سلوك النخبة والشعب معا، وتكوين

"المنظومة الديمقراطية ليست جاهزة، أو لا تتشكل بضربة واحدة، فكريا وسياسيا وأخلاقيا وبنيويا، في أي مجتمع سياسي" المواطنة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنتاج نخبةٍ من نوع مختلف بمقدار وبموازاة تغير طبيعة الشعب وعلاقته بنفسه، وتصوره لدوره، وتعامل افراده في ما بينهم، وتصورهم لوجودهم السياسي المشترك. هذه عملية تنمية متبادلة، مستمرة وطويلة، للنخب والجمهور، أي للشعب، وهي معرّضة للانتكاس والتراجع والتقدم. لكن الثورة فاتحة أساسية، ومن دونها ليس هناك سوى حكم الوصاية والاستعمار، داخليا أو خارجيا، لا فرق.

لذلك، لا ينفصل النجاح في تحقيق رهان الديمقراطية عن إنجاز ثوراتٍ موازية ثقافية وفكرية واجتماعية واقتصادية أيضا، فالثورات تفتح صفحة جديدة في تاريخ الأمم والشعوب، لكنها لا تحسم مصيرها. وبمقدار ما تتعلم الشعوب من تجاربها، وتراكم من الخبرة والمعرفة النظرية، لكن أيضا وأهم منها، العملية، تضمن وصولها إلى الحالة المدنية التي تميّز الشعوب الحرّة والأمم والديمقراطيات الناجزة. لذلك كل ثورة هي مشروع أمة، ودولة حرة، وبالتالي هي مهمة لم تكتمل ولا تكتمل إلا بثوراتٍ متتالية ومستمرة، ولو بوسائل مختلفة في كل حقبة. وهي عملية تغير وتغيير متواصلين، لا تشكّل الانتفاضة الكبرى فيها سوى لحظة القطع مع الماضي الاجتماعي والسياسي، الضرورية لتحويل نظر المجتمعات ومسارها إلى سكّة جديدة، يصبح فيها تحرير الإنسان، أي بناء قدراته للسيطرة على ذاته ومحيطه، غاية الاجتماع، ومحرّك إبداعه في الوقت نفسه. بتكاليف باهظة غالبا، لكن لا محيد عنها في معظم الأحيان.

===========================

موقفنا : حول العدوان الصهيوني على مصياف .. أما لهذا المسلسل من نهاية ..!؟

زهير سالم

13/ 4 / 2019

مركز الشرق العربي

قامت طائرات العدو الصهيوني ليل أمس الجمعة ، بغارات عديدة على ريف حماة ، ومدينة مصياف بشكل خاص . وبنيما كان إعلام لزمرة الأسدية يتحدث عن انفجارات مجهولة المصدر ، كان طيران العدو الصهيوني يحقق أهدافه ، وينسحب إلى قواعده في أمن وسلام ..!!!!!!!

ومهما تكن الذرائع والادعاءات التي يتذرع بها العدوان فقد كنا وما زلنا ننظر إلى الغارات الجوية والأرضية التي ينفذها الكيان الصهيوني على أرضنا وديارنا على أنها عدوان همجي يستهين بالوطن والإنسان ، ويخرق قواعد القانون الدولي ، ويجعل هُزأةً كل أولئك الذين يتحدثون عن المقاومة والممانعة كما عن السلام والتطبيع وكل ما يدخل في هذا الباب من سقيم الكلمات والسياسات .

وإن تمادي العدو الصهيوني في تنفيذ مخططه في حلقات مسلسل طويل وممل وسط أمواج من ادعاءات المقاومة والممانعة والتحرير ليضيف أدلة إضافية على أن أعداء شعوبهم من المستبدين والفاسدين هم أولياء حقيقيون للمحتلين المعتدين الذين لم تصرف في مقاومتهم أو في التصدي لهم والرد على عدوانهم خلال سبعة عقود من عمر الاحتلال أي محاولة حقيقية أو جهد جاد...

إننا  في إطار صياغة موقف وطني قويم لنؤكد :

 على إدانتنا واستنكارنا لكل العدوانات التي ينفذها العدو الصهيوني على أرضنا . وإدانتنا وشجبنا واستنكارنا لكل الاحتلالات التي جلبتها الزمرة المستبدة إلى بلادنا ، بطريقة مباشرة وغير مباشرة .

 نستنكر ونشجب وندين العدوان الصهيوني استنكارا مجدولا مع الشجب والاستنكار والإدانة للصمت المريب والتخاذل الفاضح المشين الذي جعله المستبدون والفاسدون لأنفسهم شرعة ومنهاجا ، والذين ما زالوا يمارسون حرب الإبادة على رجال هذا الوطن ونسائه وأطفاله  متجردين من كل قيم الخلق والحياء.

ومع رفضنا لكل عدوان واحتلال لأرضنا فإننا نؤكد أن العدوانات الصهيونية المستمرة والمتكررة لتشكل معلما بارزا على طريق فضح المتخاذلين والمتآمرين والمنجدلين مع المشروع الصهيوني بأبعاده العسكرية والسياسية على السواء ..في حرب التضاد بين الشركاء المتشاكسين المتزاحمين على عداوة الإنسان والحياة .

وسيبقى وطننا بإنسانه وأحراره الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها إرادة المعتدين من صهاينة وصفويين وأسديين ..وهو ما يعمل على الإحاطة به تحالف المجرمين الأشرار.

لقد فضحت هذه العدوانات ادعاءات الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة ومبادرات السلام المزعوم السقيمة . ويوما بعد يوم تلقي الحقيقة عن نفسها الأسمال التي أخفاها تحتها المبطلون ..لتتحمل هذه الشعوب مسئوليتها في دفع عار الاحتلال وعار العدوان وعار الاستبداد والفساد .

لكم الله أيها السوريون الأحرار

" ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ"

آيات نسوقها لكل الذين ما زالوا يهذون ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

"التعفيش" وصورة "الجيش العربي السوري"

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 10/4/2019

يمتلأ الأنترنت بمقاطع فيديو مذهلة في وضوحها وفي دلالتها على ارتكاب الجريمة كفعل السرقة والنهب لممتلكات الغير تحت اسم ميليشيا الدفاع الوطني، وغيرها من المليشيات الموالية للنظام أو أفراد من قوات النظام، كما قام النظام وبشكل علني بتدمير أبنية ومساحات كبيرة من الأراضي بحجة التنظيم، فقد وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش أنه "اعتباراً من يوليو/تموز 2012 قامت السلطات السورية عن عمد بتهديم الآلاف من البنايات السكنية، وأحياء بكاملها في بعض الحالات، باستخدام المتفجرات والجرافات، في دمشق وحماة، وهما اثنتين من كبريات المدن السورية.

وزعم مسؤولون حكوميون ومنافذ إعلامية موالية للحكومة أن عمليات الهدم أتت كجزء من جهود التخطيط العمراني لإزالة مبان مقامة بالمخالفة للقانون. إلا أن عمليات الهدم كانت تجري تحت إشراف قوات عسكرية وكثيراً ما كانت تتم في أعقاب قتال بين القوات الحكومية والمعارضة في تلك المناطق. وتشير هذه الظروف، علاوة على أقوال شهود وتصريحات أقل مواربة من مسؤولين حكوميين تناقلتها وسائل الإعلام، تشير إلى تعلق عمليات الهدم بالنزاع المسلح، في مخالفة للقانون الإنساني الدولي، أو قوانين الحرب.

وقد تحلى بعض المسؤولين الحكوميين والعسكريين بالصراحة حيال السبب الحقيقي لعمليات الهدم، فقرر حسين مخلوف، محافظ ريف دمشق، صراحة في

استمر نظام الأسد بعمليات الهدم الكامل عبر تسوية أحياء بكاملها بالأرض لأسباب سياسية محضة تقوم على تأييد هذه الأحياء للثورة السورية

مقابلة إعلامية في أكتوبر/تشرين الأول 2012 أن عمليات الهدم ضرورية لطرد مقاتلي المعارضة. بعد تهديم وادي الجوز بمدينة حماة في مايو/أيار 2013، حذر الجيش السكان في أحياء أخرى من تهديم بيوتهم هم أيضاً إذا هاجم مقاتلو المعارضة قوات الحكومة من تلك الأحياء، وهذا بحسب شاهدة من حي مجاور.

طبعاً، استمر نظام الأسد بعمليات الهدم الكامل عبر تسوية أحياء بكاملها بالأرض لأسباب سياسية محضة تقوم على تأييد هذه الأحياء للثورة السورية كما جرى في حمص وداريا وغيرها من المناطق.

كما قام النظام أيضا بعملية مسح كاملة وواسعة النطاق، وتزوير لسجلات الممتلكات في جميع أنحاء البلاد بهدف منع السكان من العودة والمطالبة بأي حقوق. ففي 1 يوليو/ تموز 2013، على سبيل المثال، قصفت قوات النظام السجل العقاري لمدينة حمص المركزية وهو ما أدى إلى حريق هائل دمر العديد من سجلات الممتلكات في المدينة، وهو ما دفع العديد من سكان المدينة للاعتقاد أنه كان متعمدا» لأنه كان الهيكل الوحيد الذي احترق في الجزء الأكثر أمنا من مدينة، وسجلت أيضا حرق سجلات الأراضي في كل من الزبداني وداريا ودرعا والقصير، فحرق السجلات لا يمنع فقط أصحاب الأملاك الخاصة الأصليين من استعادة ممتلكاتهم، ولكنه يسمح أيضا لنقل الملكية للأفراد والجماعات الموالية للنظام.

وفي بعض الحالات، شملت السجلات المدمرة أيضا فواتير الكهرباء والماء التي يمكن استخدامها لإثبات الملكية، كما ترددت الكثير من الروايات عن تزوير السجلات، بما في ذلك استخدام وثائق مزورة لتنفيذ بيع ونقل الملكية إلى الملاك الجدد.

ترافق ذلك مع إصدار قوانين ومراسيم قد تبدو "محاولات" لإصلاح القوانين العقارية وتسريع إعادة الإعمار في

الاستيلاء على كميات كبيرة من الممتلكات يخدم عدة أغراض للنظام. أولاً، يمنحها القدرة على تمويل وتعزيز الجيش النظامي التابع للأسد

ظل الحرب ولكنها لا تأخذ في الحسبان حالة الأشخاص النازحين أو المفقودين، ولذلك أصبح يعتبرها البعض أنها بالعكس وضعت من أجل استهدافهم ومنعم من العودة عبر مصادر ممتلكاتهم وحرمانهم من حق الملكية الخاصة.

إن الاستيلاء على كميات كبيرة من الممتلكات يخدم عدة أغراض للنظام. أولاً، يمنحها القدرة على تمويل وتعزيز الجيش النظامي التابع للأسد والبدء في عملية إعادة الإعمار. ثانياً، إنها تسمح لبشار الأسد بمكافأة القادة العسكريين ورجال الأعمال والسياسيين الذين دعموا نظامه طوال فترة الحرب، إما مالياً، أو بممتلكات أو بعقود لإعادة الإعمار والتنمية. ومن المرجح أن يؤدي اقتناء الممتلكات إلى إثراء الرأسماليين المحسوبين المرتبطين بالنظام وتحفيز الاستثمار الأجنبي الذي سيكون حيوياً إذا أريد تلبية تكاليف إعادة البناء.

وثالثاً، فإن عمليات التشريد والاستيلاء على الممتلكات على نطاق واسع تعطي النظام أيضاً وسيلة للسيطرة على من يعود وأين، الأمر الذي يعني أن الأسد وحلفاءه قادرون على هندسة التركيبة السكانية في سوريا ما بعد الحرب كما يرونها مناسباً.

===========================

تشرذم معسكر الثورات العربية.. محاولة للفهم (1-3)

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 10/4/2019

حين سُئل الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، رضي الله عنه، عن سببية توحّد أهل الكفر، مقابل تشرذم أهل الإيمان، فردّ قائلاً: أما قرأت قول الله تبارك وتعالى: «وأُشربوا في قلوبهم العجل» لقد دخل وتشرّب حب العجل في قلوب الكفرة، ولذلك فهم متمسكون بعجلهم وبكفرهم، اليوم نرى ذلك بوضوح بين معسكر الثورات، وهو معسكر الربيع العربي، مقابل توحّد معسكر الثورات المضادة، نرى التفتت والتشرذم والنحل والملل في صفوف الربيع العربي، بينما نجد على الضفة الأخرى تماسكاً وتنسيقاً وتعاوناً يومياً في صفوف الثورات المضادة، لمَا يجري كل هذا؟! وما هي أسبابه ومسبباته؟ وما هي نتائجه؟ وكيف لأهل الربيع العربي وأصحاب الحرية والمتشوقون إلى الانعتاق من عراقيل الاستبداد والعبودية أن يتخلصوا من هذا كله؟ ويجمعوا أمرهم، ليكونوا كما وصفهم ربهم «والذين آمنوا بعضهم أولياء بعض».

لا بد من العودة إلى الوراء، لنبحث في جذور هذه الأزمة التي عانت ولا تزال تعاني منها الأمة، وهي معاناة قديمة قدم تمزيق صروح الأمة ورموزها، فكان تفكيك صروحها العلمية، من المدرسة النظامية في بغداد، إلى تفكيك مدارس وتكيات المرجعيات السنية في بغداد ودمشق والعراق وأفغانستان وغيرها، فغابت الصروح العلمية التي تقتات على الأوقاف، بعيداً عن السلطة الزمنية الوقتية المرتبطة بمصالح آنية لا مصالح بعيدة، ولا متجذرة بجذور الحرية والعدل والإنصاف، فكانت الحرب الرهيبة على الصروح العلمية إن كان بالأزهر، أو في الزيتونة، أو في المدارس الدينية العديدة المنتشرة في الشام وبغداد وغيرهما، وهنا تم استحداث مدارس وجامعات في غالبها تأتمر بأوامر السلطة الزمنية، فكان أن تم وضع المناهج، ومعها مدرسو هذه المناهج بما يتفق ويتسق مع خدمة الاستبداد والسلطة الزمنية هذه، بعيداً عن مصالح العباد والبلاد، ومصلحة السلطة الروحية التي كانت الضحية الأولى لكل هذا.

كانت الرابطة التي تربط بين الشعوب العربية والإسلامية على مدى قرون رابطة الأخوة، والخلافة، وفجأة تم استحداث رابطة أخرى، هذه الرابطة أرادت أن تحل محل الأولى، وهي قضية في غاية الصعوبة السوسيولوجية فضلاً عن الدينية، فلا يمكن للتغييرات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية أن تُبتسر بهذه الطريقة المتعجلة، ولذا انعكس هذا كله على المرجعيات، فكان أن ظهرت مرجعيات لا علاقة لها بجذور الشعوب وتطلعاتها وطموحاتها، فضلاً عن معاناتها اليومية، وتقدمت رموز جديدة لا أرض لها، ولا علاقة لها بالمجتمع وحاضنته، لكن هذه الأخيرة مع مرور الوقت تخدّرت بشعارات جميلة تدغدغ العواطف، وأكثر ما يخدّر الإنسان الأمل والتفاؤل، فعاشت الشعوب كلها على مدى قرن تقريباً على سراب من الآمال الخداعة، إن كان أمل الوحدة العربية والجامعة العربية بديلاً عن الجامعة الإسلامية، أو أمل تحرير فلسطين، فكان هذا التحرير بدايته تحرير البلاد العربية من الإنسان العربي، وقبل هذا الفلسطيني للأسف، فكان أن قتلت الأنظمة صاحبة الشعار ذاته من الفلسطينيين أكثر مما قتله قادة العدو الصهيوني مشتركين منذ مأساة فلسطين، ولا نزال ننخدع بهم، وحين ظهرت ثورات هنا وانقلابات هناك، وأحزاب تتشدق بفلسطين، وغيرها من القضايا الإسلامية، صحونا بعد لأي من الزمن على كذبهم، وهو الكذب الذي كلفنا للأسف مئات الآلاف من الضحايا، فضلاً عن تدمير أوطان، ولا تزال الأكاذيب والأباطيل والتجارة بالشعارات مستمرة، ولا تزال معها القابلية للانخداع موجودة.

إذن استطاع الاستبداد تقديم رموز جديدة، لكن مع ظهور الربيع العربي انكشف السحر، وأدرك أحفاد سيدنا موسى عليه السلام من جيل الربيع العربي أن حيّات الأنظمة الاستبدادية ما هي إلا حيّات سرابية كاذبة لم تقوَ أمام حية أحفاد سيدنا موسى الحقيقية، وهي حيّة الربيع العربي التي ستلقف كل ما يأفكون ويخططون، وفي الحلقة المقبلة سنتحدث عن أساليب الأنظمة العربية وسدنتها من المحتلين في تعزيز التشتت والتشرذم في صفوف الربيع العربي وثوراته.

===========================

ترامب و"استراتيجية الصبر" الإيرانية

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 10/4/2019

مع تصنيف إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مستوى جديدا من التصعيد. وتهدف واشنطن من خطوتها، على ما يبدو، إلى ضرب الإمبراطورية الاقتصادية التي يملكها الحرس، وتشمل مؤسسات للإنشاءات ولتصنيع المركبات وللمعادن والتنقيب، ومؤسسة مهر المصرفية، وغيرها. وتعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها واشنطن القوات المسلحة لدولة أجنبية، أو أجزاء منها، بتصنيفها منظمة إرهابية، ما يشير الى المدى الذي تستعد واشنطن للذهاب إليه في الضغط على إيران.

يقود السياسة الأميركية ضد إيران ثلاثة من صقور إدارة ترامب، وزيرا الخارجية مايك بومبيو والخزانة ستيفن مينوشين، ومستشار الأمن القومي جون بولتون. وعلى مستوى أدنى، مسؤولا الملفين الإيراني والسوري في وزارة الخارجية، بريان هوك وجيمس جيفري. ويأتي هذا الإجراء ضمن سلسلة من الخطوات، هدفها ممارسة أقصى قدر من الضغوط على إيران في إطار استراتيجية غرضها إسقاط النظام من الداخل، أو دفعه إلى الاستسلام. ويعتقد هذا الفريق أن على عاتقه تقع مسألة طي مشكلة إيران التي بدأت قبل أربعة عقود، ولم تتمكّن خمس إدارات أميركية من حسمها (ريغان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابن، وأوباما). ولذلك يتوقع أن تشتد الضغوط الأميركية أكثر خلال الفترة المقبلة، لأن هذا الفريق يضع في حسابه أنه قد لا يملك وقتا كثيرا للقيام بذلك، إذا لم يتمكن ترامب من الفوز بولاية جديدة.

وستكون الخطوة التالية، على ما يبدو، تصفير صادرات النفط الإيرانية التي انخفضت إثر إعادة فرض العقوبات الأميركية على قطاع النفط الإيراني في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي من حوالي مليونين ونصف مليون برميل يوميا إلى النصف تقريبا. وكانت واشنطن قرّرت منح إعفاءات إلى ثماني دول للاستمرار في استيراد النفط الإيراني، خوفا من أن يؤدي اختفاؤه كليا من الأسواق إلى زيادة كبيرة في الأسعار. لكن الظروف الآن اختلفت، إذ يدخل الصيف في نصف الكرة الشمالي، مع وجود قدرات تصدير إضافية لدى منتجين مستعدين لتعويض حصة إيران. وهناك ثلاث دول من الثماني المعفاة توقفت نهائيا عن استيراد النفط الإيراني، اليونان وايطاليا وتايوان، أما الخمس الأخرى، الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا، فتنتهي إعفاءاتها في مايو/ أيار المقبل، ولا يظهر ما يشير إلى نية إدارة ترامب تجديدها.

فوق هذا، تتجه إدارة ترامب إلى منع إيران من استخدام عائداتها من النفط الذي باعته خلال الفترة الماضية لشراء أي سلع غير غذائية، ما يعني أن إيران قد تغدو أمام صيغةٍ شبيهةٍ ببرنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي فرضته واشنطن على العراق في تسعينات القرن الماضي. سوف يحرم هذا الأمر الاقتصاد الإيراني من استيراد أي مواد أولية لتغذية الصناعة المحلية، وتلبية احتياجات السوق الإيرانية من السلع والبضائع المصنعة. أما الأوروبيون فقد فشلوا حتى الآن في إيجاد آليات بديلة للالتفاف على العقوبات المصرفية الأميركية، وضمان استمرار تعاملهم التجاري مع إيران، عبر [نظام مقايضة] من خارج نظام الدولار. ولكن حتى لو نجحوا في ذلك فلن تتجاوز هذه التعاملات حدود المعاملات الإنسانية (غذاء – دواء).

وقد لوحظ في الفترة الأخيرة حصول اندفاعة سعودية تجاه العراق، هدفها على ما يبدو تقليص اعتماد الأخير على السلع والخدمات التي تأتي من إيران، خصوصا الكهرباء، ومحاولة إغلاق النافذة العراقية التي باتت متنفس طهران الرئيس للحصول على العملة الصعبة.

يحدث هذا فيما تستعد موسكو لاستغلال حالة الضعف الإيرانية المتزايدة للحد من نفوذها في الساحة السورية، وربما إخراجها منها كليا، في إطار صفقةٍ قد تشمل أيضا خروج أميركا من شرق سورية وجنوبها الشرقي. وعليه، يتوقع أن يزداد استعداد موسكو للتغاضي عن استهداف إسرائيل لإيران في الساحة السورية في المرحلة المقبلة. هذا يعني أن إيران قد تكون متجهة إلى خوض أصعب معاركها، وقد لا تفيد معها استراتيجية "الصبر" التي تتبعها على أمل خروج ترامب بولاية يتيمة، لأن الوقت قد يكون تأخر حينها.

===========================

هل ضاعت الجولان؟

د. وحيد عبد المجيد

الاتحاد

الاربعاء 10/4/2019

أضاع الرئيس الراحل حافظ الأسد فرصة تاريخية لاستعادة مرتفعات الجولان عندما رفض عرضاً لانسحاب إسرائيل منها عام 1994. أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين استعداداً لإتمام هذا الانسحاب، مقابل إقامة علاقات سلمية كاملة بين الجانبين، والتفاهم على ترتيبات أمنية، وفق الصيغة التي أتاحت لمصر استعادة سيناء بموجب معاهدة 1979 مع إسرائيل. لم يدرك الأسد الأب أن مثل هذه الفرصة لا تنتظر طويلاً، ولا تتكرر إذا تغيرت الظروف التي عُرضت فيها، إذ كان رابين يتطلع إلى إكمال الاتفاق الذي وقّعه مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 1993، وتوقيع اتفاقيتين لإنهاء الصراع مع الأردن وسوريا.

نجح رابين في مسعاه مع الأردن، ووُقعت اتفاقية وادي عَربة في أكتوبر 1994، فيما حال خلاف على مساحة لا تزيد عن بضع عشرات من الأمتار دون التوصل إلى اتفاق تستعيد سوريا بموجبه مساحة تزيد على 1800 كم2.

بقيت الفرصة متاحة لسنوات قليلة. فقد قبل رابين تقديم تعهد إلى واشنطن يفيد الانسحاب من الجولان إذا قبلت سوريا إقامة علاقات سلمية، وترتيبات أمنية، فيما أُطلق عليه «وديعة رابين». وظلت الفرصة قائمة بعد اغتياله، إذ أقر رئيسا الوزراء اللذان أعقباه (شيمون بيريز وإيهود باراك) هذه الوديعة.

لكن هذه الفرصة انتهت عقب فشل محادثات شيبرد تاون، التي استضاف الرئيس كلينتون فيها وزيري خارجية سوريا وإسرائيل في ديسمبر 1999، ثم إخفاق المحاولة التي بذلها في خريف 2000 عقب تولي بشار الأسد الحكم خلفاً لوالده في يوليو من العام نفسه.

فقد غادر كلينتون البيت الأبيض في 20 يناير 2001، وتولى أريل شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية عقب انتخابات الكنيست في الشهر التالي، وباتت «وديعة رابين» جزءاً من التاريخ. وعادت إسرائيل إلى التمسك بقرار الكنيست في 14 ديسمبر 1981 الذي نص على «فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية في مرتفعات الجولان»، أي فرض السيادة عليها فعلياً.

ويعزز قرار الرئيس ترامب الاعتراف بهذه «السيادة» الموقفَ الإسرائيليَّ، لكنه لا يعني أن مرتفعات الجولان ضاعت بصورة نهائية. فرغم أهمية دور الولايات المتحدة بوصفها أكبر قوة دولية، فهي تبقى واحدة من نحو مائتي دولة في عالمنا. كما أن القرارات التي تتخذها أية إدارة في واشنطن لا تعبِّر إلا عن موقفها. ورغم أن قراراتها تحظى باهتمام دولي أكثر مما يصدر عن أية دولة أخرى، تظل هذه القرارات مُلزمة لها وليس لغيرها، ولا يترتب عليها أثر قانوني يتجاوزها. كما أن تغييرها يظل محتملاً إذا اختلفت سياسة إدارة أو إدارات أميركية تالية.

وينطبق هذا على قرار ترامب بشأن الجولان. فهو قرار يُغير اتجاهاً كان مستمراً في السياسة الأميركية منذ احتلال مرتفعات الجولان في حرب 1967. لكنه لا يُغير معطيات الجغرافيا والتاريخ، أو قواعد القانون الدولي التي تحكم العلاقة بين أية سلطة محتلة وإقليم خاضع للاحتلال.

ولذا، يتعين أن نضع هذا القرار في حجمه الحقيقي، لأن معظم ردود الفعل العربية منذ إصداره تُضخَّمه وتضفي عليه أهمية تفوق قيمته الفعلية. ويتصور من يتأمل بعضها أن القرار صادر عن الأمم المتحدة، أو عن محكمة العدل الدولية. هذا قرار صدر عن واحدة من الدول الأعضاء في المنظمة الدولية. وهذه هي حدوده حتى إذا أيدته بضع دول أخرى. ولا ننسى أن دولاً يقل عددها عن أصابع اليد الواحدة هي التي تجاوبت مع قرار إدارة ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على إصداره، وما يقرب من عام على إعلان الاعتراف بأن المدينة الفلسطينية عاصمة إسرائيل. وعندما أعلنت رئيسة وزراء رومانيا في 23 مارس الماضي، خلال وجودها في واشنطن استعدادها لنقل سفارة بلادها إلى القدس، رد رئيس الجمهورية في بوخارست مؤكداً أن هذا لن يحدث وأنه صاحب القرار في مثل هذه الأمور، وطلب أن تقدم استقالتها.

كما قوبل الموقف الأميركي الجديد تجاه قضية الجولان برفض دولي واسع، وخصه القادة العرب في قمة تونس الأسبوع الماضي بقرار منفصل، وأكدوا التمسك بسيادة الدول العربية على أراضيها كمبدأ أساسي في العمل المشترك.

قرار ترامب، إذن، ليس نهاية المطاف في تقرير مصير الجولان، كما هي الحال في قضية القدس. لكن المهم أن تستعيد سوريا نفسها ووحدتها، وعروبتها، وقرارها المستقل.

===========================

المهجرون السوريون: استعصاء بانتظار الحل

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 10/4/2019

يزيد عدد المهجرين في دول الجوار السوري عن خمسة ملايين نسمة، وفي تركيا وحدها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون، فيما يتقاسم الأردن ولبنان أكثر من مليوني مهجر، وقد شكل المهجرون عوامل ضغط متعددة أمنية واقتصادية واجتماعية على تركيبات كيانية هشة في لبنان والأردن جارتي سوريا في الغرب والجنوب، بحيث صارت قضية عودة المهجرين واحدة من همومهما الرئيسية، كما أن القضية هم قائم لتركيا جارة سوريا في الشمال، لكن لأسباب أخرى، قد يكون الأهم فيها عزم تركيا على استخدامها في التأثير على مسار الحل في سوريا، والسعي لفرض توافقه مع المصالح التركية.

ولا تشكل عودة المهجرين هاجساً ومطلباً لدول الجوار فقط. إنما هي مطلب للمهجرين أنفسهم، وقد تم تهجيرهم، أو دفعوا للفرار من بيوتهم وممتلكاتهم وعلاقاتهم تحت تهديدات القتل من نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين وميليشياتهم، أو الموت تحت التعذيب في معتقلات أجهزة النظام، فأجبروا على الخروج إلى بلدان الجوار، وعاشوا فيها ظروفاً صعبة في السكن والعمل والتعليم والخدمات، وقد زادت عليها الضغوطات الأمنية ومظاهر التمييز على نحو ما يحدث في لبنان.

وكان من الطبيعي، أن يرفض نظام الأسد عودة المهجرين، خصوصاً إلى مناطق ذات حساسية أمنية أو سياسية. ذلك أن عملية تهجير السكان منها، إنما تمت في إطار سياسة تغيير ديموغرافي تبناها بالمشاركة مع حلفائه الإيرانيين و«حزب الله» اللبناني، لا سيما في ريفي دمشق وحمص، التي يهدف فيها التغيير الديموغرافي إلى سيطرة أمنية - عسكرية في ريف دمشق الغربي والقلمون، وريف حمص، المجاورين للأراضي اللبنانية، أولاً، وسيطرة على أماكن ذات بعد طائفي باعتبارها جزءاً من مراقد آل البيت في ريف دمشق الجنوبي والغربي، كما في مدينتي السيدة زينب وداريا على التوالي ثانياً.

إن التطورات الميدانية للصراع في سوريا، واستعادة النظام سيطرته، خصوصاً على مناطق جنوب البلاد ووسطها، وخصوصاً محيط دمشق، بمعاونة الروس والإيرانيين، دفع الروس للاشتغال على إعادة تطبيع علاقات النظام الإقليمية والدولية، وكان من الطبيعي البدء من بلدان الجوار، وأقربها وأسهلها الأردن ولبنان، ففتحت قضية عودة المهجرين السوريين في البلدين بالتوازي مع فتح طريق الأردن في معبر نصيب، التي تسمح بمرور لبناني إلى الأردن ومنه إلى الخليج.

ولأن بدأ الأردن متحفظاً في موضوع عودة المهجرين، نتيجة معرفته بموقف نظام الأسد في رفض عودتهم، وعجز الروس عن تقديم ضمانات بعدم التعرض للعائدين من جانب النظام، وفي ضوء التجارب المرة لحالات العودة التي تعرض فيها العائدون للقتل أو الاعتقال، وكله منع الأردن من إجبار أو تشجيع المهجرين على العودة، بخلاف ما كان عليه الموقف اللبناني الذي مارس في مستويات عدة طرقاً متعددة لدفع المهجرين للعودة إلى سوريا، وبينها امتناع الجهات الرسمية عن تجديد إقامات السوريين، والقيام بالدخول إلى مخيمات المهجرين، لا سيما في مخيمات عرسال، وقيام ميلشيات «حزب الله» وبعض الأحزاب اللبنانية الموالية لنظام الأسد بإجبار سوريين على الانضمام إلى قوائم الراغبين في العودة إلى سوريا.

ورغم ما بدا من موافقة ضمنية للنظام على عمليات العودة التي ينظمها حلفاؤه اللبنانيون، فقد اصطدم ما تم منها بصعوبات كثيرة واجهها العائدون، سواء في تعامل أجهزة الأمن السورية معهم بإخضاعهم لعمليات تحقيق، واعتقال البعض، وسوق الشباب إلى الخدمة العسكرية، والكهول إلى خدمة الاحتياط، أو نتيجة الظروف المعاشية، ومنها منعهم من العودة إلى بيوتهم واستعادة ممتلكاتهم، إضافة إلى الظروف الصعبة، حيث لا عمل ولا خدمات ولا مساعدات إنسانية في أغلب الحالات، هذا إن لم تقم الميليشيات المحلية باستهداف العائدين وابتزازهم، وكلها ظروف تدفع من يستطيع منهم للعودة إلى لبنان رغم مآسي حياة المهجرين السوريين فيه.

لقد أفشلت الوقائع المحيطة بعودة المهجرين من الأردن ولبنان المساعي الروسية مع البلدين، التي كانت موسكو ترى أنها سوف تساعد في المرحلة التالية من خطتها في تطبيع علاقات النظام الإقليمية والدولية عبر عملية إعادة إعمار ما دمرته الحرب، والتي فكر لبنانيون وأردنيون عملياً بدور كبير لهم فيها، قبل أن يقول المجتمع الدولي إنه لا تمويل لإعادة الإعمار دون انخراط النظام في عملية سياسية متوافقة مع القرارات الدولية الخاصة بسوريا، وهو أمر ما زال يرفضه نظام الأسد.

وقضية عودة المهجرين، مثل قضية إعادة الإعمار، بحاجة إلى ربط بمسار سياسي يعالج القضية السورية في جوهرها، قبل أن تكون قضية تتعلق برغبة دول في عودة المهجرين فيها إلى بلدانهم، أو رغبة المهجرين أنفسهم في ذلك.

وما لم يحصل ذلك، فإن عودة المهجرين إلى سوريا لن تتم، ومثلها قضية اللاجئين، التي ترتفع الأصوات في بعض بلدان أوروبا لإعادتهم إلى سوريا، فهي الأخرى لن تتم إلا إذا تم التوصل إلى حل للقضية السورية، يكفل عودة آمنة، وحياة ممكنة، سواء للمهجرين أو اللاجئين.

===========================

سوريا ليست رفات جندي تُنبَش وتُسَلَّم لعدو

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 8/4/2019

لم يُوًفَق نظام الأسد بعبارة توصيفية لِما حَدَث في سوريا بقدر ما وُفِق بعبارة "مؤامرة". صحيح أن عبارة كهذه ليست إلا سلاح كل عاجز أو خبيث عن تفسير حدثٍ جلل أو مصيبة تحل ببلد أو أمة؛ إلا أنها كانت الأدق في توصيفه وسرديته لما يتربص ببلد كان الصراع عليه أبديا. فاته- ولكن ربما عن عمد- أن يرى أنه أداة تلك المؤامرة، التي دمرت سوريا روحاً وبشراً وحجراً لعقود من الزمن لا تقلُ عن مساحة العقود التي خنق خلالها سوريا وأهلها أثناء حكمه.

كان على رأس المتآمرين إسرائيل، التي ما ارتاحت يوماً للإنسان السوري الحقيقي، والذي كلًفت منظومة الأسد بلجم وقمع أي قرار لديه لاسترداد حقه من الصهيونية، التي كانت المسؤول الأول عن بعثرة سوريا الشامية أساساً. كان نظام الأسد يعرف بأنه الخادم الأمين لذلك السرطان الإسرائيلي الذي ما شعر بالأمان يوماً طالما السوري بخير. مِن هنا أتت عبارة "رامي مخلوف" بأن /أمن إسرائيل سيكون في خطر إن تعرضت "سوريا الأسد" للخطر. ومن هنا كان هذا النظام جاهزاً أن يتحوّل، وعلناً، إلى الأداة القاتلة لسوريا الخطرة على الكيان.

لقد قالها كثيرون بأن إسرائيل ما كانت لتسمح لحزب حسن نصر الله أن يتدخل في الشأن السوري- وهي "تناصبه العداء" علناً، لو لم ترَ بأنه سيكون أداة هدم وقمع لذلك الخطر الداهم الذي بدأ عام 2011. على الأقل كانت استغلّت الفرصة واصطادته لحظات تحركه إلى الداخل السوري؛ وهي التي ما عجزت يوماً عن اصطياد، حتى الأفراد.

وعندما لم يقتصر التدخل على ميليشيات حسن نصر الله - التي أثبتت عجزها عن إنقاذ منظومة الاستبداد الأسدية - وعندما تطور الأمر إلى تدخل إيراني مباشر؛ كانت إسرائيل مرحبة بخطوة كهذه تزيد في الدمار دمارا. ذلك كان واضحاً رغم ادعاء إسرائيل وتذمرها من الوجود الإيراني في سوريا، ورغم استهدافه أحياناً؛ ورغم ادعائها أن إيران عدوها المبين. فمن أجل التغول بالتدمير والتخريب، ومن أجل ذر الرماد في العيون؛ كان لا بد يبهجها اقتراب إيران من "مناطق الفصل" التي أسستها عام أربعة وسبعين مع حافظ الأسد "المؤسس".

زاد في الطنبور نغما تدخل بوتين صديق إسرائيل الحميم، والمرتبط ربما روحياً بالمليون يهودي روسي الذين لا شك أنه قد ساهم يوماً بقدومهم من روسيا إلى إسرائيل. تدخل الرجل أيضاً لإنقاذ منظومة الأسد الحامية لحدود الكيان؛ تدخل وجرّب على أرواح السوريين وأرضهم أكثر من ثلاثمئة صنف من السلاح، كما هو ذاته قد صرّح.

المساهمة الكبرى للسيد بوتين تخليصه لمنظومة الاستبداد الأسدية من ترسانة سوريا الكيماوية إثر استخدام هذا السلاح على الشعب السوري ذاته

كانت المساهمة الكبرى للسيد بوتين تخليصه لمنظومة الاستبداد الأسدية من ترسانة سوريا الكيماوية إثر استخدام هذا السلاح على الشعب السوري ذاته. وبالمناسبة، وحسب مآلات الأمور، وتكشُف الحقائق لاحقاً، تبيّن أن تنسيقاً بين إسرائيل وبوتين وأمريكا (عبر سفير إسرائيل فيها) فد أنضجوا ترتيبات تسليم تلك الترسانة ثمناَ لجريمة ارتكبتها المنظومة الأسدية أداة المؤامرة على سوريا.

ليس تسليم رفات الجندي الإسرائيلي مؤخراَ عبر السيد بوتين إلا تفصيلاً واستكمالاً لخدمات بدأت تتكشف حول ارتباط منظومة الاستبداد بمحتل الأرض. اليوم نرقب أبواق تلك المنظومة وغضبها المكشوف على "غدر الروس بنظام الأسد"؛ فهذا هو بهجت سليمات /أحد أهم مفاصل هذا النظام/ يكتب مقرعاً الروس على استباحة سوريا وعلى "قلة أمانتهم" و"إهانتهم لسيادة" سوريا. يأتي ذلك بعد إخراج إعلامي تافه بأن "الإرهابيين" هم مَن نبش الجثة ونقلوها إلى تركيا التي سلمتها بدورها إلى إسرائيل؛ ليخرج بوتين في اليوم التالي ويفضح كل تلك المسخرة. واضح أن ما أزعج منظومة الاستبداد هو فضح بوتين لما جرى، وأن الروس هم مَن قام بالعملية بالتنسيق مع قوات الأسد ليقوم بدوره بتسليمها هدية لصديقه نتنياهو علّها تسهم باستمراره في السلطة في التاسع من هذا الشهر.

نعم إنها المؤامرة يا سادة؛ ولكنها مؤامرة عصابة تكفلت بحراسة أمينة لحدود الكيان المغتصب؛ بداية بتسليمه الجولان السوري عام سبعة وستين؛ ثم بالتوقيع على ما سُمّي بـ“فصل القوات" عام 1974 بحيث تكون حدود الكيان آمنة رسمياً؛ وبعدها في الجنوب اللبناني عبر القرار 1701، والقائم على الأمر شريكه حسن نصر الله عملاَ بحفظ وأمان حدود إسرائيل وبعبارة "بن غوريون" في مذكراته / إن الخطر على إسرائيل يأتي من الشمال/؛ وكان أن أمنت له منظومة الاستبداد ذلك مقابل كرسي السلطة الأبدي.

أي "مؤامرة" تلك التي ما زال نظام الاستبداد يتحدث عنها؛ وهو المؤامرة بعينها، وهو أداتها والمتعيٍّش عليها وعلى مفاعيلها؟!

أي "مؤامرة" إذن تلك التي ما زال نظام الاستبداد يتحدث عنها؛ وهو المؤامرة بعينها، وهو أداتها والمتعيٍّش عليها وعلى مفاعيلها؟! ولكن يبقى السؤال الأهم؛ إلى أين ستوصلنا تلك المؤامرة؟ قال "النظام “منذ البداية: /أحكمها أو أدرها/. ها هو دمّرَها، فهل أضحى شرطه الأول ساقطاً؟ وهل مازال هناك ما يدمّره؟ والجواب: ربما. فلم يستمر هذا النظام كل هذا الوقت إلا تحت يافطة "المؤامرة"، وتحت رعاية إسرائيل حصراً. هناك بلاد شهدت انتفاضات شعبية واهتزازات؛ ولكنها لم تشهد هذا الحجم من الدم والدمار. لقد جرى استبدال منظوماتها الحاكمة عبر التبديل في الأشخاص؛ وبقيت رهينة بصمت مريب للنفوذ الأجنبي. في الحالة السورية يبدو أنه ما كان تبديل الأشخاص ممكناً؛ فلن تجد تلك القوى التي كلّفت منظومة الأسد بحراسة حدود الكيان الأخطر أوفى أو أقدر منها على القيام بهذه المهمة؛ فكان القرار ربما بدعمها حتى تحوّل سوريا إلى حالة كسيحة مبعثرة لا تقوم لها قائمة لسنوات تعادل تلك السنوات الأسدية.

من هنا زادت عذابات السوريين، ومن هنا تشوّه وتبعثر بلدهم. وها هو شعار /أحكمها أو أدمرها/ يأخذ أبعاداَ جديدة. فالقائم عليه لم يبقَ لديه ما يدمر؛ ولا هو يستطيع أن يحكم؛ فالحكم لإيران وروسيا. وبناءً على هذا المعطى، ومع تكَشُّف كل ما يمكن أن يتكشف، تجد أن أهل المؤامرة في حالة فراغ، وتراهم مأزومين؛ فلا سوريا قابلة للزوال؛ ولا أهلها يتبخرون. لقد نبشوا الرفات وهربوها؛ ولكن سوريا غير قابلة للتهريب؛ وما هي برفات لتُنبَش وتُسَلًم لعدو؛ إنها كطائر الفينيق، ستقوم من رمادها، وتتخلص من منظومة كانت حارسة للعدو وحريصة على خنق روحها. ستعود، وتشكِل تلك الحالة التي ما سمحت لقادة الكيان أن يناموا قريري العين يوما.  

===========================

مبادرات السوريين وقلق الهوية الوطنية

نجاتي طيارة

سوريا تي في

الاحد 7/4/2019

تنطلق المبادرات والدعوات المتكررة للحوار حول المشكلة السورية، من بديهية توفر انتماء وهوية وطنية سورية على الرغم من كل الشروخ والقلق الذي اعتراهما عبر سنوات المحنة الماضية!

وفي الواقع، طالما كانت الهوية السورية مثار اعتزاز وفخر للسوريين، خصوصا في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الجديدة. فكانوا يسارعون للتفاخر بانتمائهم إلى دولتهم الوليدة، وبدمشقها كعاصمة عريقة وممتدة في التاريخ، وإلى الاعتزاز برموز الانتماء الوطني من علم وأناشيد وأنهار بردى والعاصي واليرموك. يحملون معهم، أينما رحلوا وحلّوا، ذكرياتهم وحنينهم إلى العادات والتقاليد الكريمة والحميمة للعائلة الشامية، إلى جانب نكهات الأطعمة السورية ووجباتها الشهيرة، فضلا عن القصص النبيلة لرواد الاستقلال وشخصياتهم الحكيمة والطهرانية.

لكن المراحل السياسية اللاحقة عصفت بهذه المشاعر، فتعرّض الانتماء الوطني السوري إلى القلق والتغيّر، وذلك بدءا من عهد الوحدة القصير مع مصر، والذي لا شك أنه استند إلى مكون عروبي عريق في ذلك الانتماء، ثم ما لبث أن ارتد إلى الذات السورية بدءا من مرحلة الانفصال التي شهدت توترا خاصا نتج عن الإحصاء الاستثنائي لمنطقة الحسكة عام 1962 ، ثم لحقه إذلال وطني فاضح بدأ مع سقوط الجولان بيد إسرائيل في حرب حزيران 1967، وتضاعف مع عبثية مفاوضات سلام مقابل الأرض مع إسرائيل، التي لم تتوقف عن انتهاك السيادة السورية، بينما احتفظ النظام بحق الرد دوماً، وفقط عبر المنابر الإعلامية والدولية!

ومن أجل تعويض فقدان شرعيته الدستورية والوطنية، ارتكز إلى عصبية ضيقة، أحدثت شرخا جديدا في الانتماء الوطني السوري. وصارت منافذها العائلية والمناطقية آلية استقطاب وفرز

وهو نظام كان حافظ الأسد قد باشر القيام به بعد انقلابه على رفاقه في الحزب والسلطة عام 1970، تغطية لمسؤوليته المباشرة عن الانسحاب من القنيطرة قبل سقوطها. ومن أجل تعويض فقدان شرعيته الدستورية والوطنية، ارتكز إلى عصبية ضيقة، أحدثت شرخا جديدا في الانتماء الوطني السوري. وصارت منافذها العائلية والمناطقية آلية استقطاب وفرز، لم يكن حزب البعث على الرغم من إيديولوجيته ولاحقته الجبهوية أكثر من وسيلة أخرى لها!

فعبر العديد من الأزمات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها سوريا لاحقا، كأزمة مجزرة مدرسة المدفعية في حلب صيف عام 1979، أو مجزرة حماه شتاء 1982، أو مجزرة ملعب القامشلي 2004، صار من الشائع السخرية من مدن ومناطق سورية معينة، تحت ستار الوصف بالرجعية والمحافظة، بل صار الانتماء إليها محط اتهام وشبهة أمنية بحد ذاتها. وذلك ما حصل طويلا مع أبناء مدينة حماة، وبعض أحياء حلب، على سبيل المثال لا الحصر. نظرا لأن قمع السلطة وردها على الاحتجاجات الحاصلة، كان غير مسبوق، وفاق كل تصور، بلجوئها إلى عنف بربري طاول المجتمع المحلي بأسره في تلك المدينتين، وتجاوز كل معنى للعدالة والمسؤولية الفردية، وصولا إلى العقاب الجماعي للمدن والأحياء وسكانها. الأمر الذي أحدث صدمة عميقة في الوجدان السوري، وأدى إلى انتشار حالة من الرعب والهاجس الأمني، كثيرا ما كانت بديلا محبطا لكل مشاعر الانتماء الوطني!

منذ ذلك التاريخ، تمزّق السوريون بين انتمائهم الوطني الواحد والحامل لقيم الاستقلال الرفيعة، وبين الانتماء إلى ملحقات السلطة. فصار من المعتاد ألا يطمئن السوري إلى السوري الآخر

ذلك أن الانتماء الذي كان جامعاً، ومثار اعتزاز ومحط آمال، كما يفترض بأي انتماء وطني، صار مجال خوف أمني في الحاضر وقلق على المستقبل الشخصي والعائلي!

وقد هجع ذلك التمزق الوطني طويلا تحت ستار القمع، إلى أن انفجر شباب سوريا في ربيع عام 2011، وخرجوا في محافظات سورية عديدة مطالبين باسترداد الحرية والكرامة، مؤكدين هويتهم وانتماءهم إلى شعب سوريا الواحد، ومبرزين في لافتاتهم وفي أغانيهم وشعاراتهم أسماء محافظاتهم ومناطقها وأحيائها المهمشة والمنفية خارج سيطرة السلطة ورموزها.

في هذه المرحلة، عاد الانتماء الوطني السوري قوياً ومشبعاً بالآمال، إذ أعطته مظاهرات الثورة وشعاراتها مضامين جديدة، فبرزت الهوية الوطنيه مستقلة عن صورة السلطة العائلية الفاسدة، وطامحة لصورة عصرية جديدة منفتحة على الحرية والديمقراطية، ومتطلعة إلى المواطنة المتساوية، بكل ألوان أطيافها المتنوعة، في ظل دولة القانون المتعالية على جميع الاختلافات والتمايزات، دولة الكل السوري الواحد، الذي يغتني بكل أجزائه، ولا يختصر بأي منها.

لكن هذه الصورة المشرقة للهوية، والتي تعرف فيها السوريون على المجموع الكلي لسوريا، ما لبثت أن عادت سريعا للتشظي، تحت وقع القمع العنيف لسلطة الأسد الابن، الذي وصل كما هو معروف، إلى حد القصف بالطائرات والكيماوي، وإلى الاستعانة بالتدخلين العسكريين الإيراني والروسي. مع إطلاق خطاب متدن عن سوريا المفيدة للنظام، بما عناه ذلك من استبدال سكاني مجرّم دوليا. بعد أن تم دفع ملايين السوريين إلى محنة اللجوء خارجيا، ودفع ملايين آخرين إلى النزوح داخليا.

لذلك ليس غريبا أن يتردد كثير من اللاجئين السوريين اليوم أمام حلمهم وحقهم بالعودة، فهم يتمزقون بصور ودرجات مختلفة بين انتمائهم السوري الذي كان مثار قلق ورعب لهم، وبين خيارات انتماء جديد إلى مشاعر الأمان والكرامة التي تمنحها إقامتهم في بعض دول اللجوء

وإلى ذلك، فإن سوريي الداخل الذين يعيشون في مناطق سيطرة النظام، ليسوا أحسن حالا. وهو أمر لا يعود فقط إلى مسار الكارثة التي عاشوها، ولا إلى الأحوال المعيشية الشديدة القساوة والشظف، بدلالة الغلاء الفاحش والطوابير الطويلة المشهودة على الخبز والوقود، بل إنه يعود أيضا إلى الحواجز والتفتيش الأمني الذي يقطّع طرقاتهم في كل مكان حولهم، فيدفع بعضهم إلى تجنبها، وقضاء وقت أطول وأكثر مشقة في الدوران حولها، بهدف تجنب عرض بطاقات الهوية عليها، وهي بالمناسبة بطاقة إلكترونية جديدة رصد لها نظام الجريمة في عز أزمته مبلغ 28 مليون يورو، كي تخدم أغراض تحكمه بالمواطنين وتفرزهم من جديد. ولم تعد للمفارقة وسيلة لتأكيد شخصية المواطنين وتسهيل معاملاتهم الرسمية، بل صارت وسيلة لمراقبتهم وضبط تحركاتهم، وكثيرا ما أدّت إلى سوق بعضهم مرغمين إلى الخدمة العسكرية للقتال ضد مواطنيهم، كما عرّضت آخرين إلى إذلال لحق بهويات فرعية، مناطقية أو طائفية، وانتهى أحيانا بالاعتقال التعسفي أو الخطف والاختفاء، إن لم يتداركوا ذلك باللجوء إلى الرشوة والفساد المتضخم، وفي ذلك أهون الشرور على الرغم من كل شيء.

من هنا، فإن الدعوة لأي حل سوري، لا بد لها من أن تنطلق من توفير شروط إحياء مشاعر الانتماء الوطني الجامع، وهو ما يتطلب استعادة هوية الدولة الوطنية المتعالية على كل فئوية وعصبية، سواء كان ذلك مرتبطا بسلطة محلية أم باحتلالات أجنبية.

وحقا، فقد تغيّر معنى الهوية السورية وتعرض للشروخ والقلق، لكن ذلك حدث في التاريخ المعاصر، ولم يكن يوما ما معطى قبليا ولا ثابتا. وبقدر ما يبدو مشكلة اليوم، فلا شك أنه سيكون محط اهتمام جميع الوطنيين السوريين المخلصين، وخصوصا الشباب منهم، والذين سيهتدون بقول الثائرة الراحلة مي سكاف: "إنها سوريا العظيمة وليست سورية الأسد".

===========================

ربيع الشعوب في مواجهة شتاء المستبدين

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 7/4/2019

كشف الحراك في الجزائر، والصمود في ليبيا، والإصرار في سوريا واليمن ومصر عن حقيقة واحدة، هي أن الشعوب العربية لا تزال متمسكة بحقها في مواصلة طريق التحرر والاستقلال مهما كانت التكاليف، ومهما تعاظمت القوى المؤيدة للاستبداد والمستبدين، فما إن تراجعت بورصة ربيع الشعوب العربية حتى انتفض الشعب السوداني، فتزامنت انتفاضته بعد زيارة رئيسه إلى طاغية الشام، فكانت بحق قبلة الموت الحقيقية، وما إن خفت صوت الانتفاضة السودانية، حتى خرج الشعب الجزائري رافضاً العهدة الخامسة، ليقول بملء الفم إنه يستحق رئيساً أفضل من رئيس قعيد طريح الكرسي، ويليق بشعب قدّم مليون شهيد، ويليق معها بمستقبل بلد عظيم كالجزائر، لم يَخف الشعب الجزائري من كل التهديدات الحفترية التي انطلقت من مجرم الحرب الحقيقية خليفة حفتر في ليبيا بنقل المعركة إلى الجزائر، كما لم يخف الشعب الجزائري بتذكيره بالعشرية السوداء، فكانت انتفاضة مباركة، جددت دماء ربيع الشعوب العربية، في مواجهة تصلب شرايين ودورة المستبدين الدموية.

الجزائر جددت العهد، وكما كانت منارة في الستينيات يوم انتصرت ثورتها على الاحتلال الخارجي، فكانت منارة وملهمة للشعوب العربية بحق، تجدد اليوم العهد وتستلم الشعلة بالتبادل بينها وبين شعوب الربيع العربي الحرة في مواجهة الأنظمة العربية المستبدة، وهي استراتيجية إجرامية من قبل الاستبداد العربي لم تشمل فقط الشعوب المنتفضة ضده وداعميه من الاحتلال الخارجي، وإنما تسللت لتشمل كل الدول الشريفة التي دعمت وساندت حق الشعوب في الانتفاضة والثورة على الطغيان والاستبداد، فكانت الحرب السرية والعلنية والمستترة والظاهرة على دول مثل تركيا وقطر، وعلى كل الحركات التحررية في العالم العربي، أملاً في إعادة عفريت الحرية والتشوف للعدالة والديمقراطية إلى قمقه، وأنّى لهم ذلك، فهو بمثابة أمل إبليس في الجنة بإذن الله.

لقد كانت كلفة دول الحصار العربي قطر، وعلى الرغم من صغر مساحتها الجغرافية، إلا أن النفوذ ليس جغرافياً فحسب، وإنما النفوذ هو نفاذه إلى القلوب والعقول، والنفوذ إنما هو النفوذ الأخلاقي الذي غطى ويغطي بقيمه وأخلاقياته كل المناطق المنتفضة والمطالبة بالحرية والانفتاح، ولذلك نرى مع هذا -وبشكل يومي- الحرب المشنونة على تركيا إن كانت حرباً اقتصادية أو حرباً جيوسياسية، فتفضل قوى الاحتلال الأجنبي، كما كانت أدواتها في الاحتلال الداخلي، العمل على حصار تركيا جيوسياسياً، وذلك من سوريا عبر عصابات كردية مجرمة لا مشروع لها في التحرر والمساواة والعدالة، وإنما مشروعها هو مشروع الآخرين كما كانت على الدوام، كل ما في الأمر هو نقلها البندقية من كتف إلى كتف، بالأمس كانت على كتف الطائفيين أيام حكم المقبور حافظ الأسد، ثم على كتف القاصر بشار الأسد، واليوم على كتف غيرهم من القوى الدولية، ولكن تظل البوصلة هي استهداف تركيا، هذا الاستهداف الذي لم يحقق لهم إلا مزيداً من الانتكاسات والهزائم والعمالة على مدى عقود مديدة.

ما جرى في ليبيا، خلال الأيام الماضية، أعطى الأمل من جديد للشعوب العربية وقواها الحية، فمجرم الحرب الليبي خليفة حفتر مني بهزيمة سياسية وعسكرية، بإذن الله، فعلى الصعيد السياسي تم تعريته إن كان داخلياً أكثر مما هو معرّى، أو على الصعيد الدولي، بعد رفضه كل أشكال التفاوض، وضربه بعرض الحائط كل المناشدات الدولية، ليوجه مرتزقته المدعومين من قوى الثورة المضادة في الإمارات والسعودية، أملاً في إطفاء نور الثورات العربية، وهو ما كلفهم الكثير إن كان على صعيد العلاقة مع الشعوب التي فقدوها بشكل كامل، أو على صعيد تبديد ثروات شعوبهم وأموالهم في حروب دنكشوتية لا معنى لها ولا مستقبل لها، أو من حيث المآل في كون هذه التحركات إنما هي انتحار سياسي واجتماعي واقتصادي، فإلى متى تستطيع إسبرطة (الإمارات) دفع ميزانيات دول على حساب شعبها وعلى حساب مكانتها!؟

===========================

نتنياهو مقيم باقٍ… ويتمدد!

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 7/4/2019

قبل ردح من الزمن، لكنه غير ناءٍ في سياقاته ولا متبدّل كثيراً عن الحال الراهنة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، توجّب على بنيامين نتنياهو أن يقارع إيهود باراك زعيم حزب «العمل»، وتسيبي ليفني زعيمة حزب «كاديما»؛ يومذاك. وكان المشهد الإسرائيلي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن الإيديولوجي والديني كذلك، ينتظر حكومة ائتلافية تجمع أحزاب «ليكود» و»شاس» و»إسرائيل بيتنا»؛ مقابل معارضة عجفاء عاجزة، لا تمتلك أدنى براعة، أو حسّ تكتيك ومناورة، في مواجهة خطاب كاسح يهيمن على الشارع الشعبي، ويعتنق «النظرة الإسرائيلية الأصلية».

المعلّق الإسرائيلي جدعون ليفي، أحد أفراد قلّة قليلة من أصحاب الضمير الحيّ، وأحد أشرس ناقدي سياسات دولة الاحتلال، المدافعين عن الحقّ والحقيقة في آن معاً، لم يتكهن بأنّ نتنياهو سوف يكون رئيس الحكومة المقبل، فحسب؛ بل اعتبر نتيجة كهذه علامة مشجعة: انتخابه سوف يحرّر الدولة من «عبء الخديعة، لأنه إذا نجح في تشكيل حكومة يمينية، فإنّ الحجاب سوف يسقط وينكشف وجه الأمّة الحقيقي أمام مواطنيها وسائر العالم، بما في ذلك العالم العربي. ونحن، ومعنا العالم، سوف نرى إلى أيّ اتجاه نسير، ومَن نحن حقاً. وبذلك فإنّ الحفلة التنكرية، التي تجري منذ سنوات عديدة، سوف تبلغ نهايتها».

ما الذي تغيّر اليوم، حقاً، بمعزل عن مزيد من المسامير التي دُقّت في نعش «أكذوبة» المفاوضات وعملية السلام، ومزيد من تشديد البنية العنصرية والاستيطانية والعسكرية لدولة الاحتلال، ومزيد من الإتجار بالمشاريع الجوفاء والصفقات المعلقة في المجهول؟ وأيّ تبدّل طرأ على حال رئيس حكومة غارق في فضائح الفساد وتحقيقات الشرطة، ولكنّ شعبيته راسخة أو آخذة في التصاعد؛ و»الهدايا» تُغدق عليه من كلّ حدب وصوب، فلا يكاد يتنعم بهبة الجولان المحتل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى يعالجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برفات الجندي الإسرائيلي القتيل في لبنان منذ العام 1982. فوق هذا وذاك، يعفّ نتنياهو عن كشف هداياه الخبيئة من هذا النظام العربي أو ذاك، والتي لا يلوح أنّ أثمنها زيارته إلى مسقط واجتماعه مع السلطان قابوس.

مشهد يتوجب أن يوضع على خلفية متعاقبة، بدأها نتنياهو بالاستقالة من حكومة أرييل شارون، صيف 2005، احتجاجاً على الانسحاب من قطاع غزّة، وهي النقلة التي جعلته الزعيم الأوفر حظاً لقيادة «ليكود»، بعد قرار شارون الخروج من الحزب العتيق وتشكيل «كاديما». الحلقة هذه كانت، مع ذلك، ترتد إلى أواخر آذار (مارس) 1993، حين انتُخب نتنياهو زعيماً لحزب «ليكود» وبات مرشحه لانتخابات رئاسة الوزراء؛ هو ذاته الرجل الذي حلّت عليه نقمة الناخب في سنة 1999، ومُني بهزيمة مهينة أمام باراك، أجبرته على الاستقالة الفورية؛ وهو ذاته الذي أعادته صناديق الاقتراع من حيث أجبرته على المغادرة، ثمّ تنوي متابعة تتويجه بعد سنوات عشر في الحكم، رغم فضائحه. وإذا صحّ أنّ هذه الحلقة التعاقبية هي بعض قواعد اللعبة الديمقراطية في تبادل السلطة، فليس أقلّ صحة أنها، من جانب آخر، تعكس الكثير من ذلك المزاج الخاصّ الذي يتحكّم بالناخب الإسرائيلي أمام صندوق الاقتراع تحديداً: الخوف من السلام، الذي يبلغ درجة الرهاب والانكفاء إلى الشرنقة الأمنية، الانعزالية والعنصرية.

وضمن روحية التعاقب هذه، في تشرين الأول (أكتوبر) 1997، وبعد أقلّ من عام على فوز نتنياهو؛ شنّت أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية هجوماً ماحقاً، بل ومقذعاً في الروحية العامة والعديد من المفردات، ضدّ نتنياهو، فاعتبرته «الأخرق على حلقات»، وصاحب «موهبة نتنياهو استثنائية في الخروج بقرارات سيئة التدبير، استفزازية، وفي التوقيت الخاطئ». والافتتاحية ختمت بالقول: «إنّ إسرائيل، إذْ تدخل نصف قرن من عمرها، لا تستحقّ رئيس الوزراء الذي يحكمها الآن. وينبغي عليه أن يرحل».

الأرجح أنّ غالبية كافية من الإسرائيليين ترى في العكس، وأنها تستحقه ويستحقها؛ بالتالي لن يرحل نتنياهو، بل هو باقٍ… ويتمدد!

===========================

العامة إذ تنتفض على الاستبداد

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 6/4/2019

نجح الاستبداد العربي، خلال القرن الماضي، في تثبيت أركانه ونشر جذوره وشروره في بيئة وحاضنة صامتة عليه، وسط شيوع وذيوع أمثال وأقوال تثبت دعائمه وتساعده من حيث يدري قائلها أو لا يدري، فكان المثل الشرقي المعروف «امشي الحيط الحيط وقل يا رب السترة»، والمثل الآخر الذي ووجه به كل من انتفض ضد الأسد المؤسس حافظ (العين لا تقاوم المخرز)، ومثل (للحيطان آذان)، وآلاف من الأمثلة التي أسست وجذّرت للاستبداد، فكانت النتيجة التراكمية ثقافة عبودية واستخذاء وذلة لا مثيل لها، شكّلت منظومة خطيرة عبثت بالحمض النووي لتركيبة الدول العربية الخاضعة للاستبداد، فتحولت بالتالي إلى مزارع وجمهوريات عبيد بكل معنى الكلمة، وحين عجزت الثورة عن تغيير العصابة الحاكمة، لجأت الأخيرة، مدعومة من الاحتلال الأجنبي والميليشيات الطائفية، إلى إبادة الشعوب وتدمير حواضرها.

كان النبي، عليه الصلاة والسلام، الذي يدرك أن المجتمع أكثر من ثلاثة أرباعه من الشباب، قد ولّى على خيرة الصحابة من أمثال أبي بكر وعمر، الشاب أسامة بن زيد، رضي الله عنهم، وكان يصرّ على إنفاذ بعث أسامة وهو في سكرات الموت، وكلما استيقظ من سكرة سأل عن إنفاذ بعث أسامة، ولعل ابن عباس -رضي الله عنهما- فسّر ذلك بقوله: (ما بعث الله نبياً إلّا شاباً، ولا أوتي العلمَ عالمٌ إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية «قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم»)، ولذلك قال الشعبي رضي الله عنه: (نعم الشيء الغوغاء، يسدّون السيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السوء).

لقد نجح الاستبداد العربي طوال القرن الماضي في تثبيت أركانه، مقابل فشل الحركات الإصلاحية والوطنية في زحزحته عن عرشه ومؤسساته الاستبدادية لاعتمادها على النخب، بينما كانت الأغلبية إما صامتة أو متعاونة مع الاستبداد، لكن في حالة الربيع العربي وُوجه الاستبداد بحالة جديدة لم يعهدها من قبل، إذ انتفضت الشعوب العربية، ولم يعد أمام حالة نخبوية وحزبية وفصائلية منعزلة عن المجتمع وهمومه ومصالحه، وبالتالي حرمت الاستبداد العربي من تحميل الخارج مسؤولية دعم هذه النخب والفصائل والأحزاب، كونه من الصعب أن يحمل ملايين الأشخاص مسؤولية العمالة، وإن أصرّ على تحميلها للأغلبية، فلا أحد سيصدقه في ادعاءاته تلك، كما أن حجته ومجادلته ستكون أضعف مما لو كان العدو الذي يواجهه هو النخب.

أما على الصعيد العسكري، فبعد أن كان الاستبداد العربي يواجه حركات وفصائل وأحزاباً نخبوية قوام تعدادها بالمئات، وربما في أحسن حالاتها بالآلاف، يواجه اليوم كما في سوريا، مثلاً، مسلحين ربما بمئات الآلاف، بعد أن حمل السلاح كل من تجوهلت مطالبه بالحرية والتحرر من الاستبداد، وهنا أصبح الاستبداد ضعيفاً عسكرياً، فالسلاح الأقوى الذي كان يمتلكه بل ويحتكره، قد نازعه فيه غيره.

نحن اليوم أمام ثورة حقيقية، وبحسبة بسيطة، نرى أن جغرافية الثورة العربية وديمغرافيتها وعمقها وامتدادها الزمني لا يقارن بأي من الثورات العالمية التي عصفت بالعالم خلال القرنين الماضيين، لقد وُوجه الربيع العربي بموجة ثورة مضادة ليست إقليمية فقط، وإنما ثورة مضادة عالمية، تحرص كل الحرص على إبقاء الواقع المستبد على حاله، كون تفكيكه سيعني تفكيك منظومات إقليمية ودولية، والتي هي أشبه ما تكون بحبات المسبحة، وفرط حبة واحدة سيعقبه فرط المسبحة كلها، إنها لعبة أحجار الدومينو.

===========================

التسابق الأميركي-الروسي في إسرائيل والشرق الأوسط

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 6/4/2019

استقطاب الحماية الأميركية

لم تعد الولايات المتحدة الأميركية لوحدها سيدة الموقف في الشرق الأوسط حيث يحتدم التنافس الدولي وتختلط الأوراق على أكثر من مسرح في منطقة غير مستقرة وملتهبة بالحروب والأزمات. واللافت للنظر ليس فقط إغداق الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في تقديم الهدايا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عشية انتخابات مفصلية لمستقبله السياسي، بل التسابق الدائر بين موسكو وواشنطن، من إسرائيل والمشرق، إلى تركيا والخليج ومصر وليبيا وشمال أفريقيا، والذي يتراوح بين التكامل التنافسي، والسعي الروسي لملء الفراغ بعد التراجع الأميركي في الإقليم منذ عهد الإدارة السابقة، والمزاحمة الاقتصادية التي تشمل أيضا الصين ودولا أوروبية وآسيوية أخرى.

لا تنتج عن ذلك بلورة محاور واضحة حيث لا يمكن اعتبار روسيا بمثابة القوة الدولية المتحالفة مع ما يسمى معسكر الممانعة، ولا اعتبار الولايات المتحدة غطاء للدول العربية المرتبطة معها، ولكن نلاحظ أن إسرائيل تتميز باستقطاب الحماية الأميركية والعلاقة الخاصة مع روسيا-بوتين، والروابط المتشابكة مع أوروبا، والصلات المتينة مع الصين والهند، ما يعزز ثقلها الإستراتيجي ويشي بطموحها للمشاركة في إعادة تركيب الإقليم إن من خلال ما يسمى “صفقة القرن” وفحواها تهميش أو إنهاء المسألة الفلسطينية أو من خلال احتواء ما تسميه “الخطر الإيراني” خاصة في جوارها.

بيد أن رهان إسرائيل على خط التقاطع الأميركي-الروسي لن يمنع بالضرورة أو يحجم التسابق بين هذين الطرفين حيث تبقى الغلبة لمنطق تضارب المصالح من فنزويلا إلى أوكرانيا ومن إيران إلى شرق المتوسط. ولذا يندرج ضمن السيناريوهات لتنفيس الاحتقان وبدء التفاوض احتمال الاشتباك الإسرائيلي-الإيراني مباشرة أو بالوكالة في سوريا ولبنان، ويرتبط ذلك بقدرة موسكو على لجمه واضطلاعها بدور تحجيم الوجود الإيراني في سوريا. وتأمل روسيا في مقايضة ذلك بترتيبات تهدئة مع واشنطن في ملفات ساخنة أخرى.

يستمر مخاض إعادة تركيب الإقليم من السودان إلى الجزائر واستمرار الحروب في ليبيا واليمن وسوريا، بالإضافة إلى الأدوار الهجومية لإيران وإسرائيل وتركيا

يدل تسلسل الأحداث منذ اتخاذ واشنطن قرار تخفيف وجودها في الشرق الأوسط في إطار الاستدارة نحو آسيا والمحيط الهادئ وفق تعديل الأولويات الإستراتيجية، على استفادة روسيا وبدء الاختراق انطلاقا من الساحة السورية خاصة بعد عملية الناتو في ليبيا التي ضربت مصالحها الاقتصادية. ومن الواضح أن إسرائيل القلقة من التراجع الأميركي باركت الانغماس الروسي في الملف السوري. ومن الإشارات الحديثة عن “التنافس التكاملي الأميركي-الروسي” عندما يتعلق الأمر بإسرائيل ردة فعل موسكو الحذرة والمترددة إزاء قرار الرئيس ترامب الاعتراف بضم الجولان إلى إسرائيل (تماماً كما بالنسبة للقرار حول القدس) والأدهى من ذلك أن يقوم بوتين بعد ذلك بتسليم صديقه نتنياهو رفات جندي إسرائيلي سقط في لبنان أثناء معركة السلطان يعقوب عام 1982، وذلك قبل خمسة أيام من الانتخابات الإسرائيلية.

وبغض النظر عن أبعاد وكواليس وأسرار هذه الهدية الروسية والتي ستتضح لاحقا، خاصة بعد تلعثم النظام السوري ونفيه المشاركة في الموضوع، اهتم المراقبون بموقف أعلنته روسيا في موازاة خطوة تسليم الرفات إذ أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا أن “هذا الأمر ليس موضوعا للتفاوض ومسألة رحيل الأسد باب مغلق بل سبق أن طوى الجميع هذه الصفحة”.

ومنذ بدايات الأزمة السورية بدت إسرائيل متحفظة على تغيير النظام وتقاطع موقفها مع روسيا خاصة بعد صفقة السلاح الكيميائي في سبتمبر 2013. ومع تصعيد التدخل الروسي في 2015 اتضحت معادلة قبول موسكو لقيام إسرائيل بغارات ضد الوجود الإيراني وحزب الله، مقابل عدم مس النظام ومحاولة إبعاده عن طهران. وبالرغم من قناعة عالمية بأن الثنائي الإيراني-السوري أشبه بالتوأم السيامي، حسبما أثبتت الزيارة الأخيرة للرئيس السوري إلى طهران وتقديمه الولاء إلى المرشد خامنئي كما تفاخر المصادر الإيرانية الرسمية، تتمسك روسيا بدعم استمرارية الأسد مع التلويح للجنة الدستورية ووهم ما بعد نهاية ولايته في 2021، لكنها في نفس الوقت تعمل لتعزيز انتدابها وإدارتها للعبة في سوريا مستفيدة من علاقتها مع إسرائيل في هذا السياق.

على العكس من ذلك يبرز حيال هذا الموضوع تباين أميركي- إسرائيلي إذ بالرغم من تقلبات مزاج الرئيس ترامب، تبدو المؤسسات الأميركية متمسكة بحل سياسي متكامل وفق القرار الدولي رقم 2254، ولو أنها مع حلفائها تخلت عن أولوية تخلي الأسد عن السلطة في مسعى لعقد ترتيب تتباطأ موسكو في تبنيه بانتظار تفاوض أعمق مع واشنطن يشمل الملف السوري.

يدل تسلسل الأحداث منذ اتخاذ واشنطن قرار تخفيف وجودها في الشرق الأوسط في إطار الاستدارة نحو آسيا والمحيط الهادئ وفق تعديل الأولويات الإستراتيجية، على استفادة روسيا وبدء الاختراق انطلاقا من الساحة السورية خاصة بعد عملية الناتو في ليبيا

يمتد التسابق الأميركي-الروسي، أو الغربي-الروسي إلى المسرح الليبي حيث تختلط الأوراق مع اقتراب قوات المشير خليفة حفتر من طرابلس، وكان لافتا مسارعة الكرملين للتصريح بأن “موسكو ليست لها علاقة بالتطورات في ليبيا”، علما أن حفتر سبق له أن زار موسكو والتقى حينها بالرئيس الروسي

ومع احتفال حلف شمال الأطلسي بذكراه السبعين، برز إلى السطح الاختراق الروسي لأحد أبرز أعضائه غير الغربيين أي تركيا من خلال بيع منظمة صواريخ أس-400 واهتزاز العلاقة بين واشنطن وأنقرة مما يزيد من التحديات الإستراتيجية لواشنطن ويشوش على ما تعتبره الهدف الرئيسي لسياستها شرق الأوسطية المتمثل بتصعيد العقوبات على إيران. ويطل التسابق أيضا من بوابة الدول العربية للخليج وآخر مثال بهذا الخصوص ليس جولة سيرجي لافروف الممهدة لجولة الرئيس بوتين فحسب، بل تلويح المملكة العربية السعودية بعدم حصر تعاملاتها النفطية بالدولار تجنبا لقيام واشنطن برفع دعاوى ضدها بموجب قانون “نوبك” لمحاربة أوبك، والكل يعلم الهاجس التاريخي لواشنطن أيا كانت الإدارة في تحديد سعر النفط والاعتراض على دور أوبك.

يتضح من هذه البانوراما تصاعد مؤشرات التسابق الروسي- الأميركي في الشرق الأوسط وحوله. وبالطبع لم يقل كل طرف كلمته الأخيرة في أكثر من موقع ويحدونا ذلك للاعتقاد بأن مرحلة ما بعد داعش لا تعني أن المنطقة مقبلة على مرحلة التسويات. ويستمر مخاض إعادة تركيب الإقليم من السودان إلى الجزائر واستمرار الحروب في ليبيا واليمن وسوريا، بالإضافة إلى الأدوار الهجومية لإيران وإسرائيل وتركيا. وعلى رقعة الشطرنج الإقليمية تحرك الأطراف الدولية حجارتها، ولكن مصير “القلعة” يبقى مرهونا بمتغيرات تاريخية تخرج عن السيطرة.

===========================

إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي.. القصة الكاملة

 جورج صبرة

العربي الجديد

السبت 6/4/2019

تناول سياسيون ومثقفون وكتاب سوريون في مواضع متفرقة نشوء إعلان دمشق في الداخل السوري عام 2005 كأوسع إطار تحالفي للمعارضة السورية حتى تاريخه. إذ ضم أطرافاً سياسية ومنظمات وشخصيات وطنية من مختلف الأديان والطوائف والمكونات الإثنية والأيديولوجية والسياسية للشعب السوري، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وعلى امتداد الجغرافيا السورية وبنيتها السكانية، غير أن هذا التناول بقي جزئياً، وذا طابع خاص ومحدود، بقدر مساهمتهم في التجربة، واطلاعهم على مجريات الأمور في بنائها والتفاصيل المرافقة، فجاء التناول انتقائياً استنسابياً، لا يعطي الصورة البانورامية للحدث، ولا التفصيلية أيضاً، ولا يغطي الوقائع والمجريات كما هي، من دون مبالغةٍ في دور، أو تظهير لفعل من دون أفعال الآخرين، أو إخراجه من سياقه. وهذا ما استوجب رواية القصة كاملة، من أجل الحقيقة والتاريخ، كوني أحد القلائل الذين واكبوا سيرورة الحدث في جميع مراحله، وشاركوا في صناعته وإطلاقه.

النشاطات والأعمال التمهيدية

نبتت فكرة هذا التحالف العريض، والشعور براهنيته على أرضية "ربيع دمشق"، ونشاطاته وفعالياته التي بدأت عام 2000، إثر وصول بشار الأسد إلى رئاسة الجمهورية بالوراثة. وقد أفرز هذا الحراك المتعدّد الأشكال مناخاً للتواصل الإيجابي بين الأطراف المعارضة، أحزاباً ومنظمات وأفراداً، وأنتج ميادين ومناسباتٍ وفرصاً للعمل المشترك من أجل التغيير الديمقراطي المنشود في حياة البلاد. تبلورت في بيانات المثقفين والاعتصامات والتجمعات الاحتجاجية والتضامنية في الساحات، وبروز ظاهرة المنتديات التي نشط فيها السياسيون وأصحاب الرأي ( من سوريين وعرب داخل البلاد وخارجها) في إثارة الحاجة لانتقال ديمقراطي، يخرج الحياة العامة في سورية من عنق الزجاجة إلى فضاء الحوار والحرية. وهذا ما استدعى تشكيل لجنة مشتركة، لتوحيد الجهود وتنسيق النشاطات الميدانية باسم "لجنة تنسيق النشاطات للقوى السياسية والمدنية"، وكانت النواة الأولى للحراك الديمقراطي المشترك، وأول العوامل التي ساهمت في تنشيط الحوار وبناء الثقة وتحقيق التوافق اللازم، للوصول إلى التحالف الذي برز بولادة الإعلان.

ضمت اللجنة ممثلين عن التجمع الوطني الديمقراطي (جورج صبرة)، ولجان إحياء المجتمع

"نبتت فكرة التحالف، والشعور براهنيته على أرضية "ربيع دمشق"، ونشاطاته وفعالياته"

المدني (معاذ حمور)، والأحزاب الكردية (فيصل يوسف)، إضافة إلى نشطاء آخرين. تولت هذه اللجنة مهمة التنسيق بين الأطراف، وتنظيم اللقاءات والنشاطات، كالاعتصامات أمام قصر العدل، وفي ساحة عرنوس، وأمام مقرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ونظمت زيارات إلى ميسلون وقبر الشهيد يوسف العظمة، وأخرى إلى مواقع الثورة السورية الكبرى (19251927) في الكفر والمزرعة، وزيارة لضريح قائد الثورة سطان باشا الأطرش في القرّيا في جبل العرب. إضافة إلى أعمال التضامن مع المعتقلين والسجناء السياسيين المتعدّدة الأشكال داخل المحاكم وخارجها.

شكلت هذه النشاطات ميداناً للاحتشاد السياسي للمعارضة، ومنبراً لإحياء الوطنية السورية، والاحتفاء بها عبر خطب وبيانات وحوارات غنية. وكان الحوار المنظم والبنّاء الذي انطلق بين الأحزاب العربية والكردية، وبين التجمع الوطني الديمقراطي ولجان إحياء المجتمع المدني، والذي أسس لولادة الإعلان، أهم ثمرات هذه المرحلة.

جاء العامل الثاني من انتفاضة الكرد في القامشلي عام 2004 ، حين قام النظام يوم 12 مارس/ آذار بمجزرة موصوفة، ذهب ضحيتها 39 قتيلاً وأكثر من 200 جريحاً، وترافق ذلك مع حملة اعتقالات واسعة، طالت حوالي ألفين من الشباب الكرد. هزت هذه الانتفاضة والوقائع المرافقة لها في محافظة الحسكة المجتمع السياسي السوري، لبشاعتها، وللمخاطر التي يمكن أن تحملها على الوضع العام للبلاد، في ظل الاحتلال الأميركي للعراق، واحتمال ارتداداته في الداخل السوري. وبمبادرة من التجمع الوطني الديمقراطي، اجتمع وفد كبير من السياسيين والمثقفين السوريين مع رئيس مكتب الأمن االقومي، محمد سعيد بخيتان، للتعبير عن الاحتجاج على ما يجري في محافظة الحسكة، والتحذير من مخاطره وتداعياته على الأمن والاستقرار في البلاد، والدعوة إلى معالجة سياسية حكيمة للأمر، غير أن الوفد عاد، بخيبةٍ مريرة، من أي أمل بالحكمة والتعقل في المعالجة، فبعد أن عبّرنا عن قلقنا ومخاوفنا، دار مع ذلك المسؤول الحوار التالي:

 - لماذا أنتم قلقون بهذا الشكل؟

- عندما يصبح دم السوريين في الشوارع، هل يحق لأحد أن لا يقلق؟

- لا تقلقوا.. غداً نسلِّح العشائر، ونعيد هؤلاء "الكلاب" إلى جحورهم.

خرج المجتمعون من اللقاء بحمولةٍ من المخاوف والقلق أكبر من التي كانت معهم عند الدخول، إذ اكتشفوا، بوضوح لا لبس فيه، أن الحل عند النظام لا يتعدّى العنف العاري، حتى لو تسبب بحرب أهلية. ولذلك قرّروا السفر إلى القامشلي للتضامن مع الإخوة الكرد المستهدفين، وعدم السماح باستفرادهم، وهذا ما حصل. إذ توالت وفود النشطاء، من سياسيين ومثقفين، في التردّد على محافظة الحسكة. وتعززت بفعل ذلك أواصر العلاقة مع الأحزاب الكردية، وأثمرت توافقات واضحةً بشأن القضية الكردية في سورية، والمهام النضالية المرحلية ومستقبل البلاد. وبرزت للجميع الأهمية التاريخية لوجود برنامج مشترك، لعمل المعارضة في إطار تحالف وطني واحد.

وجاء العامل الثالث من المؤتمر السادس لحزب الشعب الديمقراطي السوري، في حمص في 30/4/2005 سراً، وأعلن عن نتائجه في دمشق مكتب المحامي خليل معتوق علناً،

"تم في البدء تشكيل لجنة مشتركة، لتوحيد الجهود وتنسيق النشاطات الميدانية"

وبحضور مثقفين وسياسيين سوريين كثيرين من مختلف الاتجاهات والانتماءات، إلى جانب حضور وسائل الإعلام العربية، المقروءة والمرئية والمسموعة. كان بين وثائق المؤتمر التي وزعت على الحاضرين وثيقة من ثلاث صفحات، سميت "مبادرة من أجل سورية ديمقراطية حديثة وعادلة.. تقطع مع الاستبداد"، وجاء فيها "يتوجه المؤتمر إلى المواطنين السوريين، وإلى جميع القوى السياسية التي ناضلت ضد الاستبداد، ومن أجل الديمقراطية بهذه المبادرة". وفي إطار المضامين والأهداف، تحدثت الوثيقة عن"تفعيل مضمون هذه المبادرة، بإقامة حوار للوصول إلى برنامج مشترك لقوى المعارضة بجميع مكوناتها، يفتح الطريق أمام مؤتمر وطني، يضع الأسس للتغيير الديمقراطي". ولأن الحزب عضو في التجمع الوطني الديمقراطي، كان من الطبيعي أن تكون المبادرة موضع نقاش في التجمع.

تمثل العامل الرابع في تلك الورقة التي حملها ميشيل كيلو وحسين العودات من زيارة إلى المغرب في صيف 2005، وكانت ثمرة لقاء بينهما وبين علي صدر الدين البيانوني وزهير سالم على هامش فعالية ثقافية. تكونت الورقة من صفحة واحدة، خالية من التاريخ والتوقيع، تضم أربع فقرات صغيرة ومكثفة، تتحدث عن الهم الوطني السوري المشترك في تلك المرحلة، وتركز على الأهمية القصوى لاعتماد برنامج موحد لقوى المعارضة من أجل النضال الديمقراطي، وبناء تحالف وطني، يكون أداة مشتركة لهذا النضال من أجل التغيير. وتأتي أهمية هذه الورقة من أنها أعلنت استعداد الإخوان المسلمين للمشاركة في هذا الجهد الوطني والمهمة المطلوبة .

في إطار الحوار المستمر والعلاقة السياسية القائمة بين التجمع الوطني الديمقراطي ولجان إحياء المجتمع المدني، أرسل ميشيل كيلو تلك الورقة المعنونة "إعلان دمشق"، والتي كانت حصيلة لقاء المغرب إلى "التجمع"، فدرستها قيادته، وقرّرت أنها لا تمثل المطلوب، وغير قادرة على جمع أطراف المعارضة، فالمطلوب مشروع وطني شامل، يستقطب الجميع، ليحقق حضورهم، ويستند إلى رؤاهم وأفكارهم. واستخلصت أنه لا بد من الاستمرار بالعمل من أجل مشروعٍ يلبي الحاجة، ويعبر عن هموم الجميع ومصالحهم وطموحاتهم.

بعد ذلك، وفي اجتماع مشترك بين الطرفين (التجمع واللجان)، في منزل حميد مرعي في المزة، سأل ميشيل كيلو عن مصير الورقة، فأفدناه بأنها لا تلبي المطلوب، وليست مؤهلة لتشكيل مشروع وطني جامع، فمن الواضح أنها أعدّت على عجل، لكنها تحتوي على أفكارٍ يمكن أن تساهم في ذلك. فسأل: هل لديكم مشروع بديل وجاهز؟ أجبنا: نعم، ويمكن أن نناقشه معكم في الاجتماع المقبل.

ولادة المشروع

كانت نشاطات ربيع دمشق وفعالياته، وأدبيات الأحزاب السياسية العربية والكردية، وبيانات المثقفين (بيان 99)، ومنظمات المجتمع المدني، الأرضية التي بني عليها المشروع، وأثمرت النص الذي أعلن باسم "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي". ولدت النسخة الأولى منه على طاولة التجمع الوطني الديمقراطي، وهي تلحظ اهتمام جميع الأطراف المعنية، وحرصت على تثبيت القضايا الأساسية المشتركة والمطلوبة للعمل الوطني، وأن تحتوي على المواقف الجوهرية التي تعني هذه الأطراف، وتثير اهتمامها، بحيث يشعر الجميع بحضورهم، وبالتالي بمسؤولياتهم في هذا المشروع. ونتيجة الحوارات بين الأطراف لهذا الغرض، والتعديلات والإضافات المقترحة، ظهرت خمس نسخ معدلة من المشروع، قبل أن يستقر ويثبت في نسخته السادسة والمعتمدة من الجميع. (النسخ الست محفوظة في مكان ما داخل سورية).

وبسبب الأوضاع الأمنية، وحرصاً على وصول المشروع إلى مرحلة الإشهار بشكل سلس، ومن دون مضايقات أو موانع أمنية، تمت طباعة نسخة واحدة فقط من النص النهائي، ووضعت بأمانة اثنين من قيادة "التجمع"، لتجول بين المعنيين بالاطلاع عليها، وإبداء الرأي، والحصول على الموافقة أو الاعتذار. وقد اطلع جميع المعنيين من قيادات الأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية رسميا على تلك الوثيقة التي تشكل "مشروع الإعلان" من سليمان الشمر وجورج صبرة حصراً، بشكل منفرد أو مجتمعين، وكذلك كان اطلاع المعنيين في الخارج من المصدر نفسه.

وافقت لجان إحياء المجتمع المدني على المشروع، بعد أن اطلعت عليه في مكتب المحامي حسن عبد العظيم (الناطق الرسمي باسم التجمع) عبر وفد معتبر من أعضائها، منهم ميشيل كيلو  وحسين العودات وأكرم البني وحازم نهار. وتولى ميشيل كيلو، وبقلمه، إبداء ملاحظات تكميلية وتحسينية وجدت طريقها إلى النص، إذ كان التوافق تاماً على القضايا الجوهرية والأساسية في المشروع.

وفي المكان نفسه، وبالطريقة نفسها، اطلعت الأحزاب الكردية. وكان من الطبيعي أن يتركز النقاش والمقترحات على الفقرة التاسعة من الإعلان التي تعالج القضية الكردية، من أجل أن

"كانت نشاطات ربيع دمشق وفعالياته، وأدبيات الأحزاب السياسية العربية والكردية، وبيانات المثقفين (بيان 99)، ومنظمات المجتمع المدني، الأرضية التي بني عليها المشروع"

تأخذ شكلها النهائي، "إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سورية، بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع بقية المواطنين، من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللغة القومية وبقية الحقوق الدستورية والسياسية والاجتماعية والقانونية، على قاعدة وحدة سورية أرضاً وشعباً، ولا بد من إعادة الجنسية وحقوق المواطنة للذين حرموا منها، وتسوية هذا الملف كلياً"، وتم الاتفاق على أن يكون هذا الموقف من القضية الكردية ثابتاً ونهائياً. وكانت الأحزاب الكردية التي حضرت اللقاء منضوية في تحالفين: التحالف الديمقراطي الكردي في سورية، ويضم أربعة أحزاب، التقدمي الديمقراطي الكردي (عبد الحميد درويش)، والوحدة الديمقراطي الكردي/ يكيتي (إسماعيل عمر)، اليسار الكردي (محمد موسى)، والبارتي (نصر إبراهيم). الجبهة الديمقراطية الكردية في سورية، وتضم أربعة أحزاب: البارتي الديمقراطي الكردي (نذير مصطفى)، والمساواة الكردي (عزيز داود)، والوطني الديمقراطي الكردي (طاهر صفوك)، واليسار الكردي (خير الدين مراد). ووافقت على الإعلان سبعة أحزاب من الثمانية المنضوية في التحالفين، وقد انفرد حزب اليسار الكردي (خير الدين مراد) في رفض المشروع والامتناع عنالمشاركة فيه.

وافقت على الوثيقة تسع شخصيات وطنية، اطلعت عليها بالطريقة نفسها كما الأحزاب، حيث انتقلنا، نحمل النسخة اليتيمة من المشروع إلى أماكن سكناهم من الحسكة وحلب واللاذقية شمالاً إلى السويداء والقنيطرة جنوباً، باستثناء رياض سيف الذي كان رهين السجن، فقد تولى إعلامه بالمشروع، وأخذ موافقته، حسن عبد العظيم الذي كان يتمكن من زيارته باعتباره محاميا. والشخصيات الوطنية التسعة التي وافقت على الانخراط في المشروع: رياض سيف، جودت سعيد، عبد الرزاق عيد، سمير نشار، فداء أكرم الحوراني، كمال زكار، عبد الكريم الضحاك، هيثم المالح، نايف قيسية. وكانت شخصيات وطنية أخرى موضع الاهتمام للمشاركة، وتم إطلاعهم على المشروع، لكنهم رفضوا الموافقة عليه، كل لأسبابه، وهم: عبد المسيح قرياقوس من الحسكة (من قيادات حزب البعث/ القيادة القومية)، مصطفى رستم من السلمية (من قيادات البعث، 23 شباط)، عادل نعيسة من اللاذقية (من قيادات البعث، 23 شباط)، كامل حسين من اللاذقية (من قيادات البعث، 23 شباط).

وخلال الترتيبات والإجراءات والاتصالات في الداخل لدعم المشروع، تم التواصل مع جماعة الإخوان المسلمين في الخارج، ممثلة بشخص المراقب العام للجماعة، علي صدر الدين البيانوني، فاطلعت قيادة الجماعة على المشروع، وكان الرد بالإيجاب، مع بعض الملاحظات والمقترحات. وكان من الطبيعي أن يتركز اهتمام الجماعة على الفقرة الثالثة التي تتحدث عن الإسلام، وحازت على موافقتها "الإسلام الذي هو دين الأكثرية وعقيدتها، بمقاصده السامية وقيمه العليا وشريعته السمحاء، يعتبر المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة والشعب. تشكلت حضارتنا العربية في إطار أفكاره وقيمه وأخلاقه، وبالتفاعل مع الثقافات التاريخية الوطنية الأخرى في مجتمعنا، ومن خلال الاعتدال والتسامح والتفاعل المشترك، بعيداً عن التعصب والعنف والإقصاء. مع الحرص الشديد على احترام عقائد الآخرين، وثقافتهم وخصوصيتهم، أياً كانت انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، والانفتاح على الثقافات الجديدة المعاصرة".

ولأن الإعلان مشروع وطني جامع، ونجح في استقطاب الإسلاميين، جماعات وشخصيات وطنية، كان لا بد من الحديث عن الإسلام مكونا ثقافيا وواحدا من عوامل الوحدة والترابط في المجتمع السوري. وخلافاً لما تحدث به بعضهم أو يعتقده، فإن أحداً من القوى والأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية التي اطلعت على الإعلان لم يعترض على هذه الفقرة، باستثناء رئيس المنظمة الآثورية الديمقراطية، بشير السعدي الذي اقترح إضافة فقرة عن المسيحية، لكن اقتراحه لم يجد القبول اللازم ليجري اعتماده، وتأخرت المنظمة في إعلان التزامها بالمشروع إلى ما بعد صدوره.

أرسل النص شبه النهائي، بالطريقة نفسها ومن المصدر نفسه، إلى برهان غليون وصبحي

"ولدت النسخة الأولى على طاولة التجمع الوطني الديمقراطي، وهي تلحظ اهتمام الأطراف المعنية"

حديدي، من أجل الاستئناس برأيهما، والاستفادة من خبرتهما وملاحظاتهما، باعتبارهما عاملين في الحقل السياسي فكرياً وثقافياً، وهما موضع اعتبار وتقدير من مختلف أطراف المعارضة لجهودهما وانتاجهما. وفي الوقت نفسه، من أبرز المثقفين السوريين المعنيين بالتغيير الديمقراطي في البلاد، وعلى صلة بالداخل، ويشاركونه الهم والمسؤولية. وقد وصلت إلينا انطباعاتهما الإيجابية عن المشروع، مع ملاحظاتٍ نوقشت باحترام وحسب الأصول، غير أن أحداً لم يطلب من أحد في الخارج التوقيع على الإعلان، وبالتالي لم يعتذر أحد عن التوقيع عليه، فقد كان القرار أن يبقى المشروع مشروعاً داخلياً للقوى والشخصيات التي تعمل على أرض الوطن، لأنه بالفعل كذلك من ألفه إلى يائه. وهذا يعطيه قيمة إضافية، ومعنىً مقصودا بذاته، لتثمير ربيع دمشق الذي كانت ساحات المدن السورية، وبيوتاتها الفاضلة، الميدان الأرحب لتفتحه وإزهاره. لذلك لم يرد اسم جماعة الإخوان المسلمين في عداد المنظمات الموقعة على الإعلان عند نشره، على الرغم من موافقتها عليه. وكذلك لم يرد اسم أيٍّ من الشخصيات التي اطلعت عليه وأيدته من الخارج، وهما حصراً برهان غليون وصبحي حديدي.

إطلاق المشروع

بعد مداولات بين الأطراف التي أعلنت موافقتها والتزامها، تم الاتفاق على إطلاق "الإعلان" في دمشق في 16/10/2005 من مكتب التجمع الوطني الديمقراطي، خلف القصر العدلي. حيث تولى ثلاثة من قيادة "التجمع"، حسن عبد العظيم وسليمان الشمر وجورج صبرة، مهمة تقديم "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" للرأي العام عبر وسائل الإعلام، وحضور عدد من السياسيين والمثقفين والشخصيات الوطنية الموقعة عليه (سمير نشار، ميشيل كيلو، أكرم البني، وآخرون). وفي أثناء ذلك، وقبل أن تكتمل المهمة، دخلت قوات الأمن السورية لفض الاجتماع بالقوة، فأخرجت الحضور تحت التهديد، وحملت الذين يقدمون المشروع على التوقف ومغادرة القاعة، بينما كان التواصل مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مستمراً، لنشر نص الإعلان، وتعميم ما يجري من اقتحام للمكان، ومنع الوجود فيه. وبذلك اطلع العالم على الواقعة لحظة بلحظة، وتم نشر "الإعلان" وتوزيعه عبر المحطات التلفزيونية ووكالات الأنباء، بناء على ترتيب مسبق.

وفي مساء ذلك اليوم، ظهر على الشاشات كل من برهان غليون وزهير سالم، يؤكدان أهمية المشروع، ويعلنان تأييدهما ودعمهما له، ويقدمانه بالشكل المناسب للسوريين والجمهور العربي. وكان ذلك جهداً مميزاً وخطوة ثمينة باتجاه تعميم الإعلان ونشره، وتوضيح مراميه الوطنية والسياسية.

بصدوره ونجاحه في إيصال مشروع التغيير للسوريين، أنعش "الإعلان" الحياة السياسية للمعارضة من جديد، واستنهض الروح الوطنية الجامعة لمختلف مكونات الشعب السوري، إذ كان أوسع تحالف وطني شهدته البلاد في تاريخها، بينما كانت تمرّ، في تلك الأيام، بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة، فيما يتعلق بأوضاعها وأوضاع المنطقة.

تحدثت وثيقة التأسيس، في مقدمتها، عن الأخطار التي "لم تشهدها سورية من قبل نتيجة

"دخلت قوات الأمن السورية لفض الاجتماع بالقوة، فأخرجت الحضور تحت التهديد، وحملت الذين يقدمون المشروع على التوقف ومغادرة القاعة"

السياسات التي سلكها النظام"، والتي أوصلت البلاد إلى وضعٍ يدعو للقلق على "سلامتها الوطنية ومصير شعبها". وحمَّلت المسؤولية لاحتكار السلطة الذي "أسس نظاماً تسلطياً شمولياً فئوياً"، أورث البلاد "هذا الحجم من الدمار المتمثل بتهتك النسيج الاجتماعي الوطني للشعب السوري، والانهيار الاقتصادي.. والأزمات المتفاقمة من كل نوع". كما تحدثت عن "مهمة تغيير إنقاذية، تخرج البلاد من صيغة الدولة الأمنية إلى صيغة الدولة السياسية". وأن التحولات المطلوبة "تطال مختلف جوانب الحياة، وتشمل الدولة والسلطة والمجتمع". وطالبت أن يكون "التغيير على يد الشعب السوري ووفق إرادته ومصالحه"، معلنة اجتماع إرادة الموقعين بالتوافق على هذا المشروع السياسي.

وقد تألف المشروع المعلن في الوثيقة من 17 فقرة، تشكل الأسس المعتمدة للتغيير الديمقراطي المنشود، إضافة إلى سبعة بنود إجرائية، كمحددات لهذا التغيير. وأنهى رسالته بأن هذا المشروع "يبقى مفتوحاً لمشاركة الجميع.. وتقبل التزاماتهم وإسهاماتهم، ويظل عرضة لإعادة النظر".

في تلك الفترة، كانت ظلال الاحتلال الأميركي للعراق ومؤثراتها الجيوسياسية على سورية تقلق النظام. ومن جهة أخرى، صارت تطارده العقابيل السلبية والتهديدات المضمرة بعد اغتيال رفيق الحريري في بيروت، في 14 فبراير/ شباط 2005، واضطراره للرحيل بقواته سريعاً عن لبنان، بعد أن تحرك اللبنانيون ميدانياً في مواجهته، فيما عرف بثورة الأرز. ونتيجة لأوضاعه الصعبة، كانت مواجهة النظام صدور "الإعلان" مزيجاً من المرونة والحزم، بغرض وضع حد لتأثير إنجاز توحيد المعارضة وتداعياته، من دون الاضطرار لسلوك نهجه المعروف باستخدام العنف العاري الذي أتقنه واعتاد عليه. لذلك اكتفى باستدعاء فاعلين بالمشروع، بغية التنبيه والتحذير من خطورة ما حصل في ظل الظروف الإقليمية، وللحيلولة دون ارتسام تحرّكات على الأرض، تزيد من متاعبه وأوضاعه القلقة، فاستدعى الفرع الداخلي لأمن الدولة، وبشكل منفرد، حسن عبد العظيم، فداء الحوراني، سليمان الشمر، جورج صبرة. قابلهم رئيس الفرع، اللواء فؤاد ناصيف، لينقل إليهم رسالتين: ضرورة قطع العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، فالأوضاع في البلد لا تتحمل استمرارها، خصوصا وأن القانون 49 لعام 1980، والذي ينص على إعدام كل من ينتمي لهذا التنظيم ما زال قائماً. وضرورة تخفيض مستوى العلاقات مع الأكراد ووتيرة وإيقاعه، لأنهم يريدون تقسيم سورية. وأحداث القامشلي في العام الماضي لا زالت في الذاكرة. كما أرسل الفرع نفسه، وجهات أمنية أخرى، ضباطاً إلى بيوت آخرين من أعضاء "الإعلان"، تنقل لهم روح الرسالتين.

ولمتابعة العمل، ريثما ينتخب "الإعلان" قيادة له، ويدخل مرحلة العمل التنظيمي، ويوزّع المهام بين المؤسسات والهيئات في خطة عمله، تم تشكيل "اللجنة المؤقتة" لإدارة شؤون "الإعلان"، تألفت من حسن عبد العظيم وفداء الحوراني وشيخ أمين عبدي وسليمان الشمر وجورج صبرة، وتولت إصدار المواقف والبيانات وترتيب اللقاءات مع ممثلي المحافظات، وإجراء الحوارات اللازمة مع القوى والشخصيات التي انتسبت إلى "الإعلان" بعد إطلاقه، فقد أكدت المنظمة الآثورية الديمقراطية وجودها في صفوف "الإعلان" والتزامها به. كما تقدم حزب العمل الشيوعي بطلب انضمام، وتحقق ذلك، إضافة إلى انضمام شخصيات وطنية عديدة من جميع المحافظات.

وشكل خروج رياض سيف من السجن في 18/1/ 2006 حدثاً مفصلياً في نشاط

"تألف المشروع المعلن في الوثيقة من 17 فقرة، تشكل الأسس المعتمدة للتغيير الديمقراطي المنشود"

"الإعلان"، إذ تحول بيته في مشروع قدسيا إلى ما يشبه المقر المفتوح للعمل. يقصده الأعضاء والأصدقاء والنشطاء للاجتماعات واللقاءات، كما يقصده الشباب للتعرّف إلى هذا التحالف من مختلف أنحاء البلاد. وكان، في الوقت نفسه، مقصداً للسفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والمعنيين بقضايا الحرية وحقوق الإنسان، للتعرف على أوضاع المعارضة واستكشاف آفاقها. وتوطدت، في هذه الفترة، العلاقة بين الأطراف المتحالفة، وكانت فرصة غير مسبوقة للتعارف والحوار والعمل معاً بين السياسيين والمثقفين السوريين من مختلف الاتجاهات والانتماءات، أغنت حياة المعارضة، وبعثت حيوية جديدة، في وقتٍ بدأت تشعر فيه بفعاليتها في المشاركة بتقرير شؤون بلدها ومصير شعبها بروح بناءة، حتى لو كانت هذه البداية من داخل الغرف المغلقة.

وجاء انعقاد "المجلس الوطني لإعلان دمشق" يوم الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2007، ليتوج نشاطات تلك المرحلة، ويدفع "الإعلان" والمكونات العاملة في فضائه نحو العمل الجماعي التنظيمي عبر الهيئات والمؤسسات. ضم المجلس مندوبين لجميع مكونات الإعلان، وممثلين للجان من جميع المحافظات، وانتخب هيئاته القيادية المتمثلة في "الأمانة العامة لإعلان دمشق" برئاسة رياض سيف، و"المجلس الوطني لإعلان دمشق" برئاسة فداء الحوراني.

ذعر النظام من نجاح المعارضة على تنظيم اجتماع سري، يحضره 170 عضواً في المجلس الوطني، قدموا من مختلف المحافظات إلى قلب العاصمة دمشق، في غفلةٍ عن أعين الأجهزة الأمنية المتعدّدة، وأنهوا مهامهم المجدولة، واختتموا اجتماعهم بسلاسة ويسر، من دون أن يتمكّن من الاختراق أو استراق السمع. وعندما علم بالاجتماع وحيثياته وأهدافه، سارع إلى تنفيذ حملة اعتقالاتٍ، طالت 14 عضوا من أعضاء المجلس الوطني المنعقد، بينهم رئيس الأمانة العامة ورئيسة المجلس الوطني. تعرض المعتقلون للمحاكمة، وأمضوا عامين ونصف العام في السجن. وبعد خروجه من السجن، تقدم رياض سيف باستقالته من رئاسة الأمانة العامة، وتم انتخاب سمير نشار بديلاً له في رئاسة الأمانة العامة لإعلان دمشق.

أسس "الإعلان" لجاناً في جميع المحافظات السورية، بما فيها الجولان المحتل، ولجاناً أخرى في دول عديدة. وعقد المؤتمر الأول لمنظمات المهجر في بروكسل في 67 نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، الذي انتخب أنس العبدة رئيساً للأمانة العامة في المهجر، وعبد الرزاق عيد رئيساً للمجلس الوطني. وفي 7/1/2014، عقدت منظمات المهجر لإعلان دمشق مؤتمرها الثاني في اسطنبول، الذي انتخب صخر عشاوي رئيساً للأمانة العامة، ومحمود الحمزة رئيساً للمجلس الوطني. .. ومع اندلاع الثورة السورية عند منتصف مارس/ آذار 2011، دخل إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي مرحلة جديدة، لها شؤونها وشجونها، وتستحق بحثاً آخر.

===========================

موقفنا: أيهما أخطر عليهم .. تصنيف محيطهم أو تصنيف الولايات المتحدة

زهير سالم

9 / 4 / 2019

مركز الشرق العربي

أيهما أخطر على ميليشيات الولي الفقيه ومن وراءها ، في عمق التاريخ المستقبلي القريب والبعيد ، تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية أو شهادة المحيط الحاضن على رضا أو على كره ؟!

ونشهد أنهم إرهابيون ..

تبدو الهيئة الدبلوماسية الإيرانية بكل طاقمها مهتمة بتصنيف الولايات المتحدة ، متخوفة منه ، تحاول دفعه من جهة والاستثمار فيه من أخرى ؛ بينما ما تزال تلجّ في غيها في الحرب على ثقافة المنطقة وحضارتها وإنسانها . ما تزال تلج في غي لاكتساب المزيد من العداوة والرفض والإدانة .. يدفعها إلى ذلك عاملان : غرور بحبال الآخرين ، ويأس من أن ما كسره هؤلاء الحمقى في عقدين من الزمان فيه موضع للإصلاح .

نحاول أن نتمثل ردة الفعل العربية والإسلامية لو أن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت على الناس في 2006 تصنف حزب الله منظمة إرهابية ، ثم لنتساءل : لماذا لا يتمثلون كما نتمثل ..أم على قلوب أقفالها وعلى الأبصار غشاوة فهم لا يبصرون ؟!

أليس من حق أن يتساءل هؤلاء الأشرار وماذا وبعد أن ينتهي عصر التفويض الأمريكي بقتل شعوب هذه الأمة ، واستباحة حرماتها ، كما حصل ويحصل في العراق وسورية واليمن ؟!

عندما خاف الخميني يوما في طهران وجد في العراق العربي ركنا وملجأ ، وعندما خاف الشيعي يوما في لبنان وجد في السوريين كل السوريين وليا ونصيرا ..وماذا لو تغيرت المعادلة الدولية والإقليمية اليوم أو في قابل الأيام ؟! يبدو أن الذين اتخذوا القرارات في خوض حربهم الطائفية القذرة ضد محيطهم التاريخي لم يفكروا في هذا ولم يقدروه ..

ستظل تصنيفات الولايات المتحدة تصنيفات رسمية ورقية ، ما أسرع ما تطويها الأدراج ؛ أما تصنيفات الشعوب فستظل تثمر النظر الشذر ، والموقف القلق ، والرغبات الغرائزية الدفينة ، لتي ليس من السهل التنبؤ بصيرورتها في عقول وقلوب من قتلت ميليشيات الولي الفقيه أباه أو أخاه ...

موقف " اللامبالاة " من الحال الذي صار إليه وضع هؤلاء الناس في عقول وقلوب محيطهم الديموغرافي يؤكد أن كل تصنيفات الولايات المتحدة التي يطلقون التنديدات بها هي تصنيفات فارغة جوفاء . تصنيفات متفق عليها في إطار اللعبة الكبرى التي عايشناها على مدار عقود في هذا الزمان . ومنذ أن حمل الخميني على الطائرة الفرنسية من باريس إلى طهران حتى اليوم .

ومن ناحية أخرى لا جديد بالنسبة إلينا في أمر أولئك القوالين الذين ما زالوا يهيمون في وديان التصنيفات الأمريكية ويحسبونها انتصارات . فهم كما عهدناهم " وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ "..

ويؤكد المشهد بكل ما فيه أن الولايات المتحدة وحلفاءها ما يزالون قادرين على تدلية أصحاب مشروع الثأر الحسيني بغرور ، كما فعل إبليس يوما بأبوينا " فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ "

نشهد أن المدعي كذاب ونشهد أنهم إرهابيون وأن الأيام دُولة بين الناس .

______________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

انتصار المهزوم

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 6/4/2019

يدّعي الأسد أنه انتصر بعد ثمانية أعوام من صمود أسطوري أبداه شعب سوري كان أعزلَ حين نزل إلى الشوارع، مطالبا بحريته وحقوقه، وبعد مليون شهيد أو يزيد من أطفال ونساء وشيوخ وشبان غطت جثامينهم أرض وطنهم من أقصاه إلى أدناه، وبعد فشل الأسدية في استعادة قرابة نصف مساحة سورية، على الرغم من حرب ضروس شنتها على السوريين دولة عظمى، وأخرى إقليمية كبرى، جلبت إلى سورية اثني عشر تنظيما إرهابيا من العراق وحده، ولعب خلالها جيش الأسدية دور كومبارس فاشل هزم مرتين: واحدة حين أمر المرشد الإيراني خامنئي عام 2013 الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، بإنقاذ أسد يهوذا، وأخرى عام 2015، عندما أمر بوتين جنرالاته بغزو سورية لإنقاذه، قبل أسابيع من سقوطه، كما قال الوزير الروسي لافروف.

لن أضيع وقتي في السؤال: متى، وأين، وعلى من انتصر؟ لاعتقادي أنه لم ينتصر، لأن النظام الذي شن الحرب دفاعا عن بقائه صار في خبر كان، بعد أن نشر منقذوه الروس، قبل عامين، مسودة دستورٍ، هي أول وثيقة رسمية تعترف بأن النظام الأسدي غير قابل للإنقاذ، لذلك رسمت هيكلية نظامٍ لا يشبه الأسدية في بنوده الرئيسة، ولأن من لا يمكن إنقاذه فهم ذلك، وبدأ يمارس لعبةً صبيانية قاتلة، أوقعته وعصابته في معضلةٍ لا حل لديه لها، ستجيب أجله إيرانيا إن انحاز إلى روسيا، وروسيا إن انحاز إلى إيران، بينما التوفيق بينهما ضربٌ من الاستحالة، بسبب تناقض رهانيهما في سورية، واستحالة التوفيق بينهما، فلا يبقى أمام روسيا وإيران غير العمل لإخراج غريمه اليوم عدوه غدا من سورية، أو إضعافه إلى درجةٍ ينصاع فيها لإرادة الآخر ومصالحه، ويبقى بشروطه. وليس سرا أن بوتين ولافروف قالا مراتٍ عديدة بضرورة خروج جميع القوات الأجنبية من سورية، بينما يقول الأميركيون إنهم لن يوافقوا على بقاء أي قوات أجنبية في سورية غير الروسية، بذريعة وجود علاقاتٍ تاريخية بينها وبين جيش سورية، ودورها المأمول في إخراج مليشيات إيران والأسدية من سورية خلال مرحلة الانتقال إلى نظام جديد، أسوة بما يقال إنها تفعله في أيامنا لإخراج مليشيا حزب الله وإيران من الجنوب السوري، "استجابة لرفضها" من السكان.

لم ينتصر الأسد، أو إيران، أو روسيا، أو تركيا، أو مرتزقة العالم السفلي الذين جلبوا من كل حدب وصوب. وإذا كانت الثورة لم تنتصر، فهذا لا يعني أن مطالبها لا تحمل طابعا مستقبليا سيجسده النظام السوري البديل، أو أن أحدا في وسعه إعادة الشعب السوري إلى ما قبل منتصف مارس/ آذار 2011، ليس فقط لأن ذلك سيعني رده إلى ظروفٍ أجبرته على الثورة بالأمس، وستجبره على تجديدها غدا، وإنما أيضا لأن ذلك ليس في مقدور أي طرفٍ بمفرده: من روسيا إلى إيران مرورا بتركيا وإسرائيل، وصولا إلى حثالات من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان.. كما أن هذا ليس في مقدور واشنطن أيضا، على الرغم من أنها تمسك من خيوط الصراع أكثر مما في أيدي روسيا وإيران منها.

هل انتصر من سلم وطنا يرفضه إلى مستعمرين وغزاة أجانب لينقذوا رأسه؟ وهل من الانتصار أن يضع أسد يهوذا مصيره تحت أحذية حماته، ويريد إيهامنا بأنه انتصر، بعد أن أوهم نفسه بأنه لم يهزم، على الرغم من أنه لا يجرؤ على تحريك قدمه إلى خارج ربع المتر من الأرض، الذي يأمره عسكري روسي بالوقوف فيه؟

أُعلن، أول من أمس الخميس، أن دمشق ليست على علم بجثة الجندي الإسرائيلي التي وجدها الروس في سورية وسلموها إلى إسرائيل. إذا كان النظام لا يعرف أمرا كهذا، ولم يبلغه أحد به، أما آن الأوان لأن يخجل من الحديث عن انتصار، بينما يمارس الروس والإيرانيون سيادة دولوية في مناطقه، من دون أن يدري.

===========================

سؤال للمثقفين والإعلاميين الكبار الذين يؤيدون الجنرالات السفاحين

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 6/4/2019

أعرف مجموعة لا بأس بها من الكتاب والصحافيين والإعلاميين والمثقفين العرب المخضرمين البارزين. وهم بصراحة على قدر عال جداً من الخبرة والاطلاع والتاريخ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتهمهم بقصر النظر أو قلة المعرفة، بل على العكس من ذلك يعرفون البئر وغطاءه جيداً ولهم مئات الدراسات والكتب والمؤلفات والمقالات في شتى أنواع المعرفة والسياسة. والأغرب من ذلك أن بعضهم بلغ من العمر عتياً، وقد تجاوز السبعين من العمر أو اقترب منها. بعبارة أخرى، لم يعد بحاجة إلى المال بعد هذا العمر الطويل في الكد والعمل. لا شك أنهم جمعوا ما يكفيهم لبقية العمر وربما أكثر بكثير مما يستطيعون تركه لورثتهم وأولادهم من بعدهم.

ولو كان هؤلاء المؤيدون لبشار الأسد وأمثاله في بداية مشوارهم الإعلامي ويريدون أن يكسبوا بعض المال أو يتقربوا من الأنظمة العسكرية الفاشية كي تدعمهم لتحقيق بعص طموحاتهم في الحياة، لربما سامحناهم وقلنا: الحياة صعبة ومن حق هؤلاء المبتدئين في الكتابة والصحافة والإعلام والثقافة أن يستظلوا بظل أي جهة تساعدهم للانطلاق، لكن الغريب العجيب أن كل الذين يوالون الأسد من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين ويدافعون عنه في مواقعهم الالكترونية وعلى الشاشات وغيرها، كما أسلفت، صاروا أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، وغزا الشيب أو الصلع رؤوسهم منذ سنوات. مع ذلك ما زالوا يشتغلون بعقلية المرتزقة، مع العلم أن الحقائق أمامهم تفقأ العيون في سوريا وغيرها من الديكتاتوريات العسكرية القذرة.

سؤال لذلك القومجي العربي الذي كان يطالب الشارع العربي منذ عقود بالانتفاضة على الطواغيت، لماذا عندما انتفض الشارع وقفت أنت وأمثالك مع الطواغيت ضد الشارع؟ لا شك أنك ستقول إن الثورات العربية كانت بترتيب أمريكي إسرائيلي عربي، وهي لتدمير البلاد العربية. لنفترض جدلاً أن الثورات كانت عبارة عن مؤامرة على بلادنا كم تدعون، هل يسمح لك ذلك أن تقف مع بشار الأسد الذي شرد خمسة عشر مليون سوري مسلم خارج سوريا وداخلها، وقتل أكثر من مليون سوري ودمر نصف سوريا أو أكثر بطائراته وصواريخم ودباباته؟ لو اكتفى هؤلاء القومجيون في فضح ما يسمونه بالمؤامرة الكبرى على تدمير سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، لربما غفرنا لهم، وقلنا: هذا رأي قابل للأخذ والرد، لكن المشكلة أنهم وقفوا مع الجهة الغلط، وقفوا مع المجرمين ضد الضحايا.

كيف لهؤلاء القومجيين العرب أن يدافعوا الآن عن المشروع الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ ألم يسمعوا كبار المسؤولين الإيرانيين وهم يتفاخرون باحتلال أربع عواصم عربية؟

دائماً تراهم يدافعون عن إيران والأسد وروسيا وبقية الديكتاتوريات الاستبدادية بحجة التصدي للغرب، وقلما تسمع منهم كلمة واحدة لصالح ملايين السوريين والمصريين والجزائريين والسودانيين فوق الأرض أو تحتها الذين سحقتهم آلة الحرب السورية والإيرانية والروسية وأمثالها. ليتكم اكتفيتم بهجاء ما تسمونه مؤامرة على سوريا، ولم تنحازوا إلى النظام القاتل، لربما غفر لكم الشارع العربي الذي خسرتموه، لكنكم رحتم ترددون نفس اسطوانة الأسد وشركاه وكأنكم أبواق مدفوعة الثمن. ليتني أعرف ماذا ستفعلون بالأموال التي تتقاضونها من إيران كي تجملوا صورتها وصورة عملائها في سوريا واليمن ولبنان. هل يعقل أنكم تعتبرون نصف الشعب السوري المشرد والمذبوح ثلة من العملاء والخونة؟ كيف يختلف خطابكم الدنيء عن خطاب النظام الذي يعتبر الملايين التي خرجت ضده مجرد جراثيم يجب تنظيف سوريا من رجسها.

سأتفق معكم أيها القومجيون بأن الجماعات الإرهابية التي أرسلها الغرب والعرب دمرت الكثير في سوريا وساهمت في تشريد ملايين السوريين، لكن هل يسمح لكم هذا أن تقفوا مع النظام السوري وحلفائه؟

أتساءل أحياناً: كيف لهذا الذي يدعي أنه قومي عربي وكان يساند صدام حسين ليل نهار في حربه ضد الفرس، كيف له أن ينتقل للعمل مع الذين أعدموا صدام حسين في عيد الأضحى المبارك على أساس طائفي مفضوح؟ كيف يستطيع هؤلاء أن ينقلوا البندقية بهذا الشكل القذر من الكتف القومي العربي إلى الكتف الإيراني الذي قتل صدام حسين وشارك الأمريكان في احتلال العراق بسبب توجهات نظام صدام القومية والعروبية. لقد فعلت إيران الأفاعيل لتدمير العراق ونظامه الذي كان يرفع شعارات عروبية.

فكيف إذاً لهؤلاء القومجيين العرب أن يدافعوا الآن عن المشروع الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ ألم يسمعوا كبار المسؤولين الإيرانيين وهم يتفاخرون باحتلال أربع عواصم عربية؟ ما هو موقفهم من هذه التصريحات؟ أم إن الطومان الإيراني جعلهم يغمضون أعينهم عن المشروع الإيراني الإحلالي في لبنان والعراق وسوريا واليمن والحبل على الجرار؟ سؤال آخر لهؤلاء القومجيين العجائز: أيهما أخطر على العرب والعروبة، إسرائيل التي تحتل عاصمة عربية واحدة أم إيران التي تعترف بعظمة لسانها أنها تحتل أربع عواصم عربية؟ لسنا هنا في مجال المفاضلة بين الصهاينة والصفاينة، فكلهم مستعمرون وغزاة بغض النظر عن حجم الأرض التي يحتلونها ويسيطرون عليها في بلادنا. لكن عجباً كيف تعتبرون هذا غاصباً وذاك محرراً مع أنه يتفاخر باحتلال بلداننا على لسان كبار مسؤوليه؟

لا نريديكم أيها «المثقفون» الكبار، ونحن نعرف أنكم تعرفون الكثير، أن تقفوا مع الذين تعتبرونهم متآمرين على سوريا والعراق وليبيا واليمن والجزائر والسودان ومصر، بل على الأقل لا تقفوا مع الجنرالات الأوغاد والقتلة والمجرمين. كونوا على الأقل على الحياد، فالتاريخ لا يرحم، هذا إذا كنتم تعيرون التاريخ أي اهتمام، ولم يكن هدفكم فقط ملء جيوبكم من أموال الجنرالات وحلفائهم الصفاينة المجبولة بدماء ملايين الضحايا العرب.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com