العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14-03-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عشر سنوات على اندلاع الثورة السورية

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 11/3/2021

بعد أيام قليلة تحل الذكرى السنوية العاشرة لاندلاع ثورة السوريين التراجيدية التي طلبت المستحيل، ولم تحقق أياً من رهاناتها الرئيسية. بل أكثر من ذلك: سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس مستمر يبدو، إلى اليوم، بلا مخرج قريب. وفي ظل انعدام الأفق هذا يتراشق سوريو الثورة فيما بينهم باتهامات، ويخوضون صراعات عبثية لكنها أكثر حدة من صراعهم الأصلي ضد النظام، حتى لو كان بأدوات لغوية ـ فكرية لا بالسلاح. هذا مفهوم بالنظر إلى الهزيمة التي يراوغ كثيرون في الاعتراف بها، ولا يقدم من يعترفون بها شيئاً ذا قيمة بشأن الدروس الواجب استخلاصها من الهزيمة، أو بشأن البحث عن آفاق جديدة تعيد ثقتهم بأنفسهم وبصواب خيار الثورة التي شاركوا فيها أو انحازوا إليها.

حدث أمران في فترتين متقاربتين قبيل ذكرى الثورة، طغيا على ما عداهما من سجالات، الأول هو الحكم الصادر عن إحدى المحاكم الألمانية بحق الجندي المنشق إياد الغريب بالسجن أربع سنوات ونصف، والثاني رفع بعض سوريي الثورة شعار «تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة» الذي كانت الناشطة وعد الخطيب قد نقشته، العام الماضي، على ثوبها بمناسبة ترشيح فيلمها «من أجل سما» إلى جائزة الأوسكار للأفلام التسجيلية الطويلة.

انقسم مجتمع الثورة السورية، بشأن الحكم على إياد غريب، بين من اعتبره فاتحةً لمحاكمة نظام بشار، ومن اعتبره ظلماً بحق منشق انحاز للثورة منذ الأشهر الأولى، فضلاً عن كون الحكم نذير شؤم قد يؤدي إلى محاكمة كل من انشق عن النظام وشارك في الثورة، في الوقت الذي لا تسمح فيه الظروف بمحاكمة مجرمي النظام الملطخة أيديهم بدماء السوريين، بحث تتحول محاكمة إياد إلى سابقة يمكن تأويلها على أنها إدانة لفعل الانشقاق بحد ذاته.

كذلك انقسموا حول العبارة التي اعتمدها البعض شعاراً بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة، وهاجمه آخرون بسبب شقه الثاني، غالباً، بدعوى أن مآلات الثورة لم تثمر كرامة بل ذلاً، سواء لسوريي الداخل أو سوريي الشتات، سواء في المخيمات أو في الملاجئ القريبة والبعيدة.

تجرأ السوريون، قبل عشر سنوات، على الحلم، وتذوقوا طعم الحرية والكرامة في مواجهة إجرام النظام ووضاعته. تكالبت كل الظروف ضد حلمهم، عزاؤهم الوحيد اليوم هو أن النظام جثة تسير على قدمين

الواقع أن السوريين منقسمون، قبل ذلك، لأسباب أكثر خطورة من الخلاف حول محاكمة أو حول شعار، بين سوريي الثورة وسوريي النظام، وبين أنصار تركيا والكرد، وبين الإسلاميين والعلمانيين، وبين من يعيشون تحت خط الفقر وفوقه، وبين مؤيدي العقوبات على نظام الأسد ومعارضيها…إلخ، إضافة إلى خضوعهم إلى سلطات أمر واقع متعددة في مناطقهم وسلطات الدول المستقبلة لنازحيهم ولاجئيهم. وتدور صراعات فكرية حادة فيما بينهم، في كل فرصة ومناسبة، وعلى كل صغيرة وكبيرة، مقابل تراجع حدة الصراعات المسلحة في الداخل، وهي تدور بين قوى أمر واقع متفاوتة القوة، ولا تعني سائر السوريين كثيراً إلا من حيث الخسائر البشرية والمادية الناجمة عنها.

أما النظام الغارق في أزمته الاقتصادية – الاجتماعية الخانقة، بفعل عوامل كثيرة أضيفت إليها العقوبات الأمريكية المعروفة باسم «قيصر» وآثار جائحة كورونا، ليتعزز هذا الغرق بابتعاد الحل السياسي الذي يريده عودةً مستحيلة إلى ما قبل آذار 2011، ابتعاد السراب. بدلاً من مواجهة هذا الواقع القاتم، بدأت استعداداته مبكراً لتجديد البيعة لبشار الأسد لولاية جديدة من سبع سنوات وكأن كل شيء بخير، في وقت تنتظر فيه القوى المنخرطة في سوريا، روسيا وإيران وتركيا، ما الذي قد تأتي به الإدارة الأمريكية الجديدة من مقاربات بشأن سوريا، ليعيدوا حساباتهم بناءً على ذلك.

في هذا الوقت حدث أمر مفاجئ أثار مخيلات بعض المحللين على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن مصير النظام ورأسه. فقد نشرت وكالة أنباء النظام (سانا) خبراً حول إصابة بشار وزوجته بفايروس كورونا، مضيفة أن «وضعهما الصحي مستقر» ويحتاجان إلى أسبوعين أو ثلاثة لتجاوز الإصابة. المفاجئ في الخبر هو مصدره، أي وكالة سانا، فالتقليد المتبع في وسائل إعلام النظام هو التستر على أخبار من هذا النوع، لا نشرها. فإذا حدث وتسرب شيء ما عن صحة «الرئيس» إلى وسائل إعلام عالمية، كان يتم التكذيب أو التجاهل إلى حين عودته إلى نشاطه المعتاد، فتنشر وسائل إعلامه خبراً عن «وعكة صحية خفيفة» تم تجاوزها، بصرف النظر عن حقيقة ما حدث.

ربطت بعض التحليلات بين خبر الإصابة بالفايروس وبين الاستعدادات الجارية للبيعة، في حين علق آخرون عليها آمالاً، بربطه بمجموعة عوامل أخرى تدعم، برأيهم، نظريتهم المتفائلة حول قرب نهاية النظام. الواقع أنه بمجرد صدور الخبر من وسائل إعلام النظام تفقد تلك التحليلات المتفائلة كل أساس. فمن الواضح أن النظام أراد أن يعتقد الآخرون أنه مصاب بالفايروس، بصرف النظر عن حقيقة الأمر. ترى هل أراد النظام من هذا الخبر أن يزيل الآثار السلبية التي نتجت عن صفقة اللقاحات الروسية بتمويل إسرائيلي؟ وذلك من خلال الإيحاء بأن «الرئيس الممانع» رفض تلقي اللقاح فأصيب بالفايروس؟ إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن تتحدث عنه وسائل إعلام النظام في الأيام القادمة.

تجرأ السوريون، قبل عشر سنوات، على الحلم، وتذوقوا طعم الحرية والكرامة في مواجهة إجرام النظام ووضاعته. تكالبت كل الظروف ضد حلمهم، عزاؤهم الوحيد اليوم هو أن النظام جثة تسير على قدمين. ولا بد للجثة أن تدفن أو تحرق في لحظة ما لا يمكننا اليوم التكهن بشأنها.

=========================

وجهة نظر : وإلى الدكتور رياض حجاب التحية .. تحية تقدير وليس تحية ضرار

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 3/ 2021

وقد كان السيد رياض حجاب، وشخصيا أحب أن أعرفه بالمواطن الحر الشريف، وليس برئيس الوزراء السوري الأسبق ، في مقابلته بالأمس / 11/ 3/ 2021 مع قناة الجزيرة مفكرا ودبلوماسيا ، يلامس الحقائق ، ويؤشر على مواضع الوجع، بدون مجاملة تفضي إلى مداهنة، وبدون مواربة أو تدليس أو تضييع ...

ولم نجد في الحديث الذي تجاوز الأربعين دقيقة، من حديث السيد رياض الحجاب كلمة قالها، تقول ليته ما قال، مع اعترافنا بأن ضيق الوقت لا يمكّن القائل من كل ما يريد أن يقول ..وفي كل ما قال الرجل : وضع الهناءة موضع الجرب، كما تقول العرب. فوضح ونصح وأجاد وأفاد

في رد التحية هذا الذي أعلق به على ما تفضل به السيد رياض حجاب بالأمس سأقف فقط عند ثلاث محطات ...

أولا - حديث السيد حجاب عن الخلل في تشكيل المعارضة، وعن القصور في أدائها، وعن الحاجة الملحة للمراجعة على مستوى التشكيل، وعلى مستوى الأداء ...

ونقدر أن هذا المحور بأبعادها الثلاثة يشكل واجب الوقت، أو الأولوية الأولى على أجندة كل السوريين الجادين في البحث الخلاص لثورتهم وشعبهم ووطنهم ، ولاسيما الممسكين بالقرار منهم.

إعادة تشكيل لممثلي الثورة والمعارضة على غير الأسس العصبوية الضيقة بكل الانتماءات التي قامت عليها. وعلى قاعدة اختيار الرجل للمهمة، وليس اختيار المهمة للرجل. وفي مواجهة حقيقة أن كراسي المسئولية هي كراسي للكدح ، وليس كراسي للمنظرة ولصمدة العروس.

إعادة تشكيل، وإعادة توزيع الأعباء والأدوار، ومع أمر عمل يومي لكل عامل ومن يليه .. وفي خلايا النحل تنفي العاملات دائما كل العاطلين من الذكور ...

ثم بين إعادة تشكيل ما يمكن أن يسمى الفريق الجديد بمهامه المحددة، ومسئولياته المقننة، هناك المطالبة الجادة بالمراجعة العملية ، للمرحلة بكل معطياتها الأولية والمتغيرة لنصير إلى منهج وموقف وطريق .. ( عَلَى بَصِيرَةٍ ) كل ما نقول وكل ما نفعل ...

المحور الثاني

والمحور الثاني الذي أكد عليه السيد رياض حجاب في أكثر من محطة من حديثه، والذي شكل ثغرة حقيقية في تشكيل وفي أداء ما يسمى بُنى المعارضة السورية ، هو انعكاس حالة الاستقطاب الدولي والإقليمي على تشكيل المعارضة، وعلى صناعة مواقفها ، وعلى أدائها ...هي حقيقة جوهرية صادمة ما تزال تأخذ بتلابيب كل العاملين السوريين .. حتى الذين يوزعون سلال الخبز على الجائعين..

ما يزال مطلوبا من كل السوريين أن يتعاونوا على تجاوز هذا التحدي الخطير، فلكي يسد عليك أي محاور أفق الحوار، يلقيها إليك بكل برود : تلك رغبة معالي الوزير .. أو سعادة السفير .. أو ذلك قرار المانح .. أو المستضيف ..

معضلة حقيقية خانقة ، الإشارة إليها ، والتشكي منها لا يعني، أننا قادرون بكل بساطة على تجاوزها . في حكاية سيدنا سليمان والطفل والأم الحقيقية والأخرى المدعية، كان للطفل أم مدعية واحدة ..كيف سيقضي سليمان الحكيم عليه السلام ، حين يكون للطفل خمس أمات مدعيات متشاكسات؟؟؟

لا يمكن للمرء أن يمتطي جوادا خطامه في يد غيره. والعامة تقول ومن يشرب من كف غيره لا يروى، وأخطر شيء عايشناه في فضاء هذه الثورة ، يوم رأينا المانحين يقفزون إلى الصفوف الخلفية ، فيجندون من فيها، ويتجاوزون أصحاب القرار الوطني الذين يناط بهم التقدير والتدبير.

ونعود فنقول ونؤكد إن طرح المشكلة لا يعني حلها ، وإنما هو محاولة جادة وصريحة لمواجهتها ، ويبقى السؤال المطروح علينا جميعا : كيف ؟؟؟

والأخطر الذي كان في واقع الاستقطاب الإقليمي وانعكاساته السلبية على الثورة السورية، أن بعض دول الإقليم ، وبدون تسمية، لم يكن قرارها من رأسها. وكل دول الإقليم عندما ذهبت إلى مؤتمر أصدقاء الشعب السوري الأول الذي انعقد في تونس في مطلع 2012 ، كانت تسعى إلى إيجاد مظلة دولية لمقاربة الوضع السوري، بعيدا عن الفيتو الروسي في مجلس الأمن، وكلنا عشنا لحظة مجيء السيدة هيلاري كلينتون التي أفسدت كل شيء، وحولت البيان الختامي إلى موضوع إنشاء، وكل المتابعين رأوا كيف خرج السيد سعود الفيصل رحمه الله تعالى من المؤتمر غاضبا أو مغاضبا.

تجاوز حالة الاستقطاب الإقليمي في ملفات المنطقة عامة ليس بالأمر السهل، وربما تتم مقاربته، بتشكيل غرفة عمليات إقليمية سياسية وعملية ، تدير ملفات المنطقة الأكثر حساسية ، ولاسيما منها ما يتعلق بمواجهة التهديد الإيراني الذي يشكل تهديدا للعراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين كما للعربية السعودية وأخواتها كما لكل دول الإقليم وإن كان بعضها تتحاشى أن يذكر اسمه في المهددين .

مرة أخرى صراحة وجرأة مقدرة من السيد رياض حجاب أن يذكر على قناة الجزيرة أن " الهوشة على الصيدة أضرت كثيرا بثورة السوريين .

وأخيرا فإن الكلمة الأبقى التي يجب أن يتمسك بها كل السوريين السوريين هي حاجة كل السوريين إلى بعضهم وكما صاغها السيد رياض حجاب بما يشمل كل العناوين ..

يسأل القاضي الشاهد : أنت أين تسكن ؟؟ يجيبه الشاهد البسيط : عند أخي سيدي!! يسأله القاضي وأخوك أين يسكن ؟ يقول له السوري الفطري: عندي سيدي!! يصرخ القاضي: ولك أنتم وين بتسكنو ؟ يقول الشاهد بسليقته الفطرية : عند بعضنا سيدي !!!

أخي السوري السوري أنا أسكن عندك ، وأنت تسكن عندي، ونحن نسكن عند بعضنا.

ولو يعيد كل سوري حكايتها لنفسه سبع مرات ...وسورية لينا - جميعا - وما هي لبيت الأسد !!

وشكرا للدكتور رياض حجاب ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

عشر سنوات من عقاب السوريين!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 10/3/2021

ينقسم السوريون اليوم إلى مجالين جغرافيين؛ أحدهما خارج سوريا، والثاني داخلها. وإذا كان المجال الأول رحباً واسعاً منوعاً ومتعدداً، حاضراً في عشرات الدول المختلفة والمتباينة في كل شيء بما فيه عدد السوريين ومكانتهم فيها، فإن المجال الثاني على ضيقه ومحدوديته، فيه من التنوع والاختلاف، كثير مما يتركه على واقع السوريين في حياتهم وفي مستقبلهم أيضاً.

المجال الجغرافي الأول الذي يعني سوريي الشتات، حسم مستقبل السوريين فيه إلى واحد من احتمالين؛ أولهما لاجئون في مسار يصبحون من خلاله مواطنين بعد وقت يطول أو يقصر، والثاني باعتبارهم «لاجئين» أو «مقيمين» أو «ضيوفاً» إلى آخر ما جادت به لغات المستضيفين من تعابير، حيث إقامتهم هناك مؤقتة، بانتظار عودتهم أو أكثرهم إلى بلدهم في إطار حل مقبل للقضية السورية.

أما المجال الثاني الذي يشمل السوريين الباقين في بلدهم، فما زال مستقبلهم فيه مفتوحاً على كل الاحتمالات، كما كانت عليه الحال في السنوات العشر الماضية. فقد يصيرون ضحايا لموجات العنف المتواصلة، التي تتابع فصولها سلطات الأمر الواقع في المناطق السورية الثلاث والداعمين الإقليميين والدوليين لها كل ضد سكان المناطق الأخرى أو ضد بعض سكانها، فتقتل وتسجن وتشرد سوريين هنا وهناك، وهي إلى ما سبق، تطبق سياسات وممارسات، لا ترتبط بعموم السوريين بمقدار ارتباطها بهموم القوة المسيطرة ومصالحها الفئوية وسط مراعاة محدودة للبيئة الحاضنة ولو شكلياً، فيما تنفذ سياسات سيطرة واستغلال ونهب ضد ما تبقى من سكان، تحرمهم من أي حقوق سياسية أو اجتماعية، وهي في كل الأحوال، لا تعدم تقديم مبررات لسياستها، ولعل أسهلها الحرص على تحصين مناطقها في مواجهة الآخرين.

ورغم أهمية ما تقدم في سياسات سلطات الأمر الواقع في المناطق السورية الثلاث، المحكومة بسياسات إقليمية ودولية نافذة على تلك السلطات، فإن السياسات التي تتابعها تتسم بالسوء والتردي المتقارب، لدرجة يكاد يعتقد المتابع لهذه السياسات كأن هناك توافقاً أو تواطؤاً بين الثلاثة على اتباع السياسة ذاتها ولو بفارق بسيط. ففيها جميعاً غياب لأي صوت سياسي مختلف، لا يعزف على أوتار القوى القابضة على السلطة، والأمر في ذلك ينطبق على منع العمل المدني والإعلام المستقل، ويتعداها إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي الذي تغيب فيه خطط وبرامج تنمية معلنة، ويجري تعطيل القدرات المحلية في تحسين الأوضاع القائمة، بل إن الأمور تسير بالعكس في تكريس العطالة والاعتماد على المساعدات وعلى الجباية، حيث على السكان أن يدفعوا من أجل كل شيء، وتعزيز شبكات النهب وتكريس فساد في النخبة القابضة ومحيطها القريب، وتردي التعليم والقضاء وفساد ما هو موجود منهما.

لعل أهم جوانب التشابه بين قوى سيطرة الأمر الواقع، هو استنادها جميعاً إلى منظومات آيديولوجية سياسية، وإن كانت مختلفة في خلفياتها، فإنها موحدة في وظيفتها في ادعاء حقها في الوجود والسيطرة. فمن القومية والوطنية البعثية - الأسدية، وشعارات عودة سيطرة الدولة وجيشها إلى آخر أطروحات التضليل، التي يتم استخدامها من أجل إخضاع سكان مناطق سيطرتها، وتكريس نظام الأسد بكل جرائمه وتاريخه مجدداً، وصولاً إلى منطق السلفية الجهادية في إدلب وأخواتها من الجماعات المسلحة، التي تتشارك جميعها السعي لإقامة «نظام إسلامي»، يتراوح بين إمارة، تنتمي إلى «القاعدة» حسبما تتبنى «هيئة تحرير الشام»، أو دولة تقوم على «الشريعة الإسلامية» وسط أفق لا يفتح إلا باتجاه ما يتبناه «القاعدة» و«داعش» على هامش اختلافاتهم الطفيفة، الأمر الذي يرسم الحدود الاجتماعية والثقافية للسياسات المطبقة هناك، والتي تتناقض بصورة كلية مع شعارات ومطالب، أعلنها السوريون، وعملوا عليها طوال سنوات، وقدموا تضحيات هائلة من أجلها، وهو أمر لا يختلف كثيراً عما عليه الحال في مناطق شرق الفرات، التي تستند فيها سلطة الأمر الواقع إلى خليط آيديولوجي بين الأممية الستالينية والنزعة القومية، يجري دعمها بسياسات تخلط بين البراغماتية - النفعية والمظلومية الكردية، لتصب جميعها في مشروع الإدارة الذاتية في سوريا الديمقراطية، ووسط هذا الخليط المتناقض، تطلق سياسات قوة بطش عنصرية، لا توجه نحو سكان المنطقة من العرب والسريان فقط، بل تشمل الأكراد، لا سيما أحزاب المجلس الوطني الكردي وحواضنه الاجتماعية، التي عانت كثيراً من سياسات الإدارة الذاتية وحزبها القابض حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا.

وسط هذه الوقائع، يودع السوريون العام العاشر على ثورة عام 2011. سوريو الشتات مقسمون بين لاجئين على أبواب مواطنة في دول اللجوء، وآخرون ثمة التباس في تسميتهم ومصائرهم، لكن أغلبهم ينتظرون عودة كريمة وآمنة إلى بلدهم، أما سوريو الداخل ففي قلب المقتلة والمعاناة والفقر والجوع، وقد يغادر أكثرهم بلدهم إذا وجدوا مخرجاً لبلد يقبل وجودهم ولو بأي صفة كانت.

واقع حال السوريين، كأنهم في حالة عقاب للسنة العاشرة على حلم بالتغيير سعوا إليه بالتظاهر السلمي، وقدموا من أجله أعظم التضحيات، وتحملوا بسببه كل المصائب والمعاناة والجرائم، التي ارتكبها ضدهم نظام الأسد وحلفاؤه الإيرانيون والروس وأدواتهم المسلحة، وآخرون حسبوا أنفسهم في صف أصدقاء الشعب السوري وثورته، إضافة إلى ما قامت به جماعات التطرف والإرهاب وعصابات الجريمة من أعمال.

لقد آن الأوان لإنهاء معاقبة السوريين على سعيهم من أجل مستقبل أفضل لهم ولبلدهم وللعالم، وآن الأوان لمعاقبة المجرمين الحقيقيين، فهل سيكون ذلك مسار السنوات المقبلة؟!

=========================

هل انتهت حقاً حقبة العرب؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 10/3/2021

تعجّ وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية هذه الأيام بمقالاتٍ ودراساتٍ تناقش ما اتفق أصحابها على تسميتها نهاية "الحقبة العربية" في منطقة الشرق الأوسط، في مقابل صعود أدوار القوى غير العربية (إيران، تركيا، إسرائيل). ويذهب بعض هؤلاء، كما الأميركي من أصل إيراني، والي نصر، في مجلة فورين بولسي، إلى القول إن الصراع الرئيس في المنطقة لم يعد كما كان سابقًا بين مشروعين، عربي وإسرائيلي (غربي)، بل غدا بين ثلاثة مشاريع: تركي وإيراني وإسرائيلي، تتنافس السيادة على المنطقة الممتدّة من وسط آسيا إلى قلب أفريقيا العربية. أما العالم العربي فقد أصبح، في غياب مشروع خاص به ودولة مركزية تقوده، ضعيفا، ومنقسما في تفضيلاته وتحالفاته بين هذه القوى، وملحقا بها حتى. لا جديد في هذا الكلام، ولا يثير أي اهتمام لولا ترديده ونشره، بطريقةٍ احتفاليةٍ، وكأنه إضافة فكرية عظيمة، من باحثين عرب يشك المرء في أنهم باتوا هم أنفسهم ملحقين بهذه المشاريع.

لا بد من التذكير أنه قبل عقود فقط، لم يكن ممكنا تخيّل منطقة الشرق الأوسط أو الحديث عنها بدون إعطاء العرب الذين احتلوا مكانة القلب فيها، ما يستحقون من اهتمام، فيما كانت القوى الأخرى (إيران وتركيا وإسرائيل) ملحقة بالمشاريع الغربية، وتلعب أدوارًا هامشية في الإقليم. وحدهم العرب تصدّوا للسياسات الغربية في المنطقة، خلال فترة الحرب الباردة، ووقع على عاتقهم مواجهتها، بوزنهم الديموغرافي الكبير ورقعتهم الجغرافية الممتدة، وموقعهم المركزي في منظومة العالم الثالث، وامتلاكهم مصادر الطاقة بالغة الأهمية للاقتصاد العالمي. لا بل تمكّن العرب حتى، في منعطفين تاريخيين، من فرض إرادتهم على الغرب (عامي 1956 و1973)، وكانت لذلك تأثيرات بالغة الأهمية على مستوى العالم. ولم يقلّ دور مصر وأهميتها في الخمسينات والستينات عن دور الصين وأهمية الهند، وكانت بالتأكيد أعظم أثرا من أي قوة متوسطة الحجم في العالم. ظل الرئيس الأميركي، دوايت أيزنهاور، يخطب ود الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والقوميين العرب، حتى آخر يوم من ولايته. وظل وزير خارجيته، جون فوستر دالاس، يردّد أنه لا يمكن هزيمة الاتحاد السوفييتي بدون مساندة العرب الذين يحملون الإسلام باعتباره نقيض الشيوعية (Anti - thesis) ويملكون النفط. وبالفعل هزم الاتحاد السوفييتي بالإسلام في أفغانستان، وبالنفط الذي دفعت السعودية أسعاره إلى الانهيار في منتصف الثمانينات.

صارت تلك الأيام من الماضي، اذ لا يفتقد العرب اليوم إلى مشروعهم الخاص فحسب، بل صارت حواضرهم ساحة صراعٍ لمشاريع الآخرين، بسبب بؤس نظم الحكم العربية وضيق أفقها، وسوء تقديرها وفشلها في إدارة دولها ومجتمعاتها، فانتهت أدوار الحواضر العربية الكبرى، من بغداد إلى دمشق والقاهرة، وبينهما بيروت بألقها الفكري والثقافي. ليست منطقة الخليج العربية أفضل حالا، فاللحظة الخليجية التي احتفى بعض المثقفين الخليجيين ببلوغها، مع انتقال مركز الثقل في السياسة العربية إلى منطقة الخليج، بعد سقوط العراق وسورية وانكفاء مصر، جاءت أقصر كثيرا مما تخيّل أصحابها، فالخليج، كما تدل التطورات الجارية على ساحته اليوم، عاجز عن التصدّي بمفرده للتحدّيات التي تواجهه، وهو يدفع فاتورة غياب دول المشرق العربي عن موازين القوى الإقليمية، واستفراد إيران به. وتُمعن دول الخليج العربية في الخطأ، إذ تحاول تعويض غياب السند العربي بالتحاقها بمشاريع غير عربية، لأن هذا سيحوّلها هي نفسها إلى ساحة صراع، وهو ما بدأت بوادره تظهر.

عدم تقدير نخب الحكم العربية أهمية التضامن العربي، وغياب إرادة الفعل لديها خارج إطار الحفاظ على كرسي الحكم، وعدم إدراكها أهمية الاستقواء بشعوبها، وبالطاقات التي تملكها، هي العوامل الرئيسة في تهميش أدوارها، فالعرب لا يفتقرون إلى مقومات قوة حقيقية، بل إلى الايمان بها وبأنفسهم، فاقتصادات دول الخليج وحدها مثلا تبلغ نحو 1,65 تريليون دولار، أي أنها أكبر من اقتصادات تركيا (761 مليار دولار) وإيران (445 مليارا) وإسرائيل (394 مليارا) مجتمعة. وتنفق على التسلح ضعفي ما تنفقه الدول الثلاث، وهي قادرةٌ، إذا اختارت مصر الاضطلاع بدورها التاريخي في المشرق العربي، على إعادة بناء النظام الإقليمي العربي، ومساعدة سورية والعراق على النهوض من جديد. إذا حصل هذا تصبح أطروحة "نهاية العرب" مثل أطروحة "نهاية التاريخ"، بائسةً، مصيرها سلة المهملات.

=========================

ربيع سوريا الدائم

نزار السهلي

سوريا تي في

الثلاثاء 9/3/2021

منذ تبلور ثورة السوريين في آذار 2011، تبلورت معها خطط التآمر بأشكال مختلفة، أفضت إلى شن حرب الإبادة الجماعية على الشعب السوري، مارس فيها نظام الأسد وحلفاؤه معظم الأشكال والوسائل الجرمية، وتسلح بعصابات محلية ومستوردة من خارج الحدود، استند فيهما إلى نفاق دولي وعربي فاضح، كان التحدي الأبرز للسوريين في مواجهة النظام وحلفائه وقاعدته الدولية المبنية على قوى الاحتلال المختلفة على الأرض السورية، من أبرز التحديات التي واجهها السوريون منذ استقلال سوريا العام 1946.

ربما لا نبالغ إذا قلنا إن معظم المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بالحرية والكرامة والمواطنة، قد تطورت لحدود نسفها من ذهنية الإنسان العربي التي كانت محصورة في أدبيات وشعارات النظام السوري والنظام العربي الذي وجد "رعب" الانتقال من دائرة الشعار للتمرد عليه وممارسته، خطراً يزعزع أنظمة قريبة وبعيدة عن جغرافية السوريين.

على الرغم من إخفاق السوريين في إسقاط الأسد، ووقف همجيته المستمرة منذ عشرة أعوام، فإن تضحياتهم ستتبلور عاجلاً أم آجلاً، هذا منطق التاريخ والأشياء، خواتيمها حطمت الأبدية وصورة "القائد الآلهة"، وما امتزاج الشعور بالخيبة والإذلال، ومرارة التهجير والتشريد والقمع التي رافقت الثورة السورية، إلا دليل على حتمية تجددها والنهوض من كبوتها، ولتعاظم الأسباب وتراكمها عما كانت عليه قبل العام 2011، مع سقوط طغيان الشعار السياسي المنحدر على ترهيب المجتمع والعمل الكلي لتغييب ما هو متعلق بالكرامة والمواطنة والحرية، أصبحت عوامل النهوض أكبر بكثير مما يتوهم البعض، المتلمس خجل وإرباك قوى ونخب قطعت الربط بين ما كان عليه السوريون وما باتوا إليه وما نتج بالأصل من سلوك الطاغية من أثر على الجغرافيا والديمغرافيا والاقتصاد والسياسة والسيادة المتعلقة بسوريا، آثار تدل على تعاظم الحاجة الماسة للسوريين للتحرر من نظام العصابة وفكرها وسلوكها الإجرامي

في سوريا تفاصيل كثيرة، غني عن شرح كل منها، لكن، اليوم هناك محفزُ أعلى بملايين المرات لاندلاع ثورة شعبية عارمة مقارنة مع ما كان عليه الوضع  قبل 2011، ولعل التجربة السورية في دروسها الضخمة الأثمان، تطرح في أكثر من تجربة، وعلى أكثر من صعيد بعد أعوام من النضال والتضحيات، فمن غادر الربط بين دروس ما قبل اندلاع الثورة وبعدها، سيفشل حتما في قراءة النتائج، وسيفشل في تكريس مفاهيم أنانية بالمعنى الوطني أو الحيز الجغرافي لأنها انتهت بطبيعة الحال لعقد صفقات تنحصر بوجود ووظيفة النظام القائم، هنا مكمن الخطر الداهم لنظام ذي أدوات تنفيذية متقدمة في خدمة قوى الاحتلال الروسي والإسرائيلي والإيراني، وصل لدرجة من العشوائية الوقحة بالتعبير عن ذاته، وهنا مكمن التفاؤل التاريخي الذي يلازم ويحتضن مسيرة الثورة السورية في ذكراها العاشرة.

نظام الأسد بسيطرته المدمرة على الجغرافية السورية، أصبح في بداية التقهقر والتراجع ، في حين أن الثورة السوريين خطت لها حيز تحقيق الانتصار

في الذكرى العاشرة للثورة السورية، يمكننا أن نجزم، وإن كان التحليل التاريخي لا يسمح بالجزم القاطع، أن نظام الأسد بسيطرته المدمرة على الجغرافية السورية، أصبح في بداية التقهقر والتراجع ، في حين أن الثورة السوريين خطت لها حيز تحقيق الانتصار، هذا لا يعني أن النظام وقوى الاحتلال الداعمة لبطشه لم تحقق بدورها بعض "الإنجازات" التي تبطئ وتعرقل سرعة التقهقر، وهذا لا يعني أن الثورة السورية ستكون بمنأى عن الانتكاسات المرحلية والطارئة، لكن ما تم حتى الآن هو أن التآكل الفكري والفلسفي والاقتصادي والسياسي والعسكري، بدأ ينهش جوهر النظام، بينما نضوج فكرة الحرية والمواطنة والكرامة آخذة بالتكامل، وهما ما يميزان صورة الشعب السوري وثورته.

أخيرا، يمكن التأكيد، أن الشعب السوري، صار من حيث مصيره، بمنأى عن خطر عودته لقمقم الرعب والخوف، في حين دخل نظام الأسد طور التشكيك بشرعيته، وهو الطور الذي تتم تغطيته آنياً بتلميع روسي وإيراني وإسرائيلي ودعوات عربية لعودته لحظيرة جامعة عربية فاقدة لأهليتها، دعوات من شأنها تكثيف الغشاوة على بصيرة من يدعي حرصه على الشعب السوري وسيادته، لكن كل ما سبق لن يمنع ربيع سوريا من إنتاج زهور حرية بذرها الشعب السوري في عمق أرضه وتاريخه المعاصر.

=========================

نحو تجريم التجنيد الإجباري في سوريا

عدنان علي

سوريا تي في

الثلاثاء 9/3/2021

لعل من أكثر القضايا التي تشكل عدوانا كبيرا على حقوق الأفراد، وانتهاكا لحرياتهم واستباحة لدمائهم، هي قضية التجنيد الإجباري في سوريا، سواء لدى النظام السوري، أم ميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي تقوم بالتجنيد أيضا، والذي يعتبر في كل الحالات أحد أبرز روافد تغذية عجلة الحرب في البلاد.

وإذا كانت الجرائم والانتهاكات التي يقوم بها النظام والميليشيات من عمليات قصف وقتل واعتقال وتهجير، مصنفة وفق الشرائع الدولية كجرائم حرب، وبالتالي فهي مدانة قانونيا، فإن عمليات التجنيد تبدو ملتبسة بعض الشيء بالرغم من عواقبها الوخيمة على الأفراد والمجتمعات، وعلى مستقبل البلاد برمته.

القانون الدولي لا يلزم النظام بوقف عمليات التجنيد بوصفها عملا من أعمال سيادة الدولة. لكن هذا الحكم لا ينطبق على ما تقوم به "قسد"

ووفق القانون الدولي، فإن التجنيد الإلزامي ما يزال من الصلاحيات المعترف بها للنظام ما دام هو من يمثل سوريا في الأمم المتحدة، حيث أهملت العقوبات الدولية الكثيرة المفروضة على النظام هذا الجانب، وتركت له ورقة الشرعية التي يتمكن بمقتضاها من فرض التجنيد، مثلما يمسك بأشياء أخرى مثل إصدار جوازات السفر ومختلف الأحوال المدنية، بالرغم من أن النظام مدان بتقارير دولية بارتكاب جرائم حرب، واستخدام السلاح الكيماوي، وتحول خلال السنوات الماضية إلى مجرد طرف منخرط في حرب "أهلية" داخلية وفق التوصيف القانوني السياسي، وهو ما يفترض أن يجرده من شرعيته الدولية.

وعلى هذا الأساس، فإن القانون الدولي لا يلزم النظام بوقف عمليات التجنيد بوصفها عملا من أعمال سيادة الدولة. لكن هذا الحكم لا ينطبق على ما تقوم به "قسد" التي لا يمكنها ممارسة هذا الحق، حيث تعتبر عمليات التجنيد التي تقوم بها مكافئة لعمليات الاسترقاق والخطف، لأن هذه الميليشيات لا تملك المزايا التي تتمتع بها الدول ذات السيادة، فضلا عن أن بعض الأحزاب الضالعة مع "قسد"، مصنفة دوليا كأحزاب إرهابية.

إن الجهد السياسي والحقوقي يجب أن يتوجه إلى تجريم عمليات التجنيد الإلزامي للشبان بهدف سوقهم للمشاركة في أعمال عسكرية ترتكب خلالها مختلف أشكال الانتهاكات لحقوق الإنسان، سواء لدى النظام أم "قسد" فيما يظل الانخراط في الميليشيات العسكرية الأخرى، "طوعيا" من الناحية النظرية، حيث تستغل الميليشيات الموالية للنظام ظروف الشبان الذين هم في سن التجنيد في ضوء تفشي البطالة، وحاجة الكثير منهم لحماية ما من بطش أجهزة النظام الأمنية، عبر تزويدهم ببطاقات أمنية تسهل حركتهم وتنقلهم، إضافة إلى تملصهم من الخدمة العسكرية في صفوف قوات النظام، وهي خدمة محفوفة بالمخاطر وقد تمتد لسنوات بأجر زهيد لا يسد الرمق.

أما التطوع في الفصائل المقاتلة التي في صف المعارضة، فهو يقوم غالبا على عقيدة قتالية من منطلق مناهضة النظام، دون إغفال أن البعض يتطوع تحت ضغط الحاجة المادية بشكل رئيسي.

وهذا الجهد ينبغي أن يسعى إلى توفير الحماية القانونية للشبان الملاحقين بالتجنيد الإلزامي في قوات متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وتجريم هذا التجنيد من الناحيتين القانونية والأخلاقية. 

وفي هذا السياق، ينبغي الضغط السياسي والحقوقي على الولايات المتحدة التي تمد "قسد" بالمال والسلاح، لربط هذه المساعدات بالكف عن سياسة التجنيد الإلزامي، المخالفة للقوانين الدولية، وهي قضية لم يتم العمل عليها بجدية حتى الآن، لا من جانب المعارضة السورية، ولا المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، بسبب تغليب الحسابات السياسية، على الاعتبارات القانونية والأخلاقية.

وشهدت مناطق سيطرة "قسد" منذ مطلع العام الجاري احتجاجات ضد هذه الممارسات، خاصة بعد تكثيف "قسد" حملات الدهم والاعتقال بحثا عن الشبان المطلوبين للخدمة الإلزامية في صفوف ما يسمى بـ "قوات الحماية الذاتية"، في مناطق سيطرتها. وتتسبب هذه السياسات، فضلا عن الصدامات المستمرة مع المجتمع المحلي، في تهجير نسبة كبيرة من الشبان إلى خارج البلاد هربا من التجنيد الإلزامي سواء في صفوف "قسد" أم قوات النظام، في حين قد يضطر كثير من المتبقين إلى ترك أعمالهم والاعتكاف في منازلهم لتجنب اعتقالهم من جانب دوريات النظام و"قسد"، وهو ما يفاقم من أوضاعهم المعيشية المتدهورة أصلا بسبب ضعف الحركة في السوق على خلفية وباء كورونا، وتردي الوضع الاقتصادي.

وهذا التهجير لعشرات وربما مئات ألوف الشباب، وإفراغ بعض المناطق جزئيا من سكانها، يعتبر هجرة صامتة متممة لعمليات التهجير التي جرت خلال ذروة الحرب في السنوات الماضية.

يستخدم النظام السوري و"قسد" كلاهما، سياسة الخدمة الإلزامية كأسلوب نهب وابتزاز لناحية ضغط النفقات لأن راتب المجند إلزاميا لا يساوي ربع راتب المتطوع

ومن خلال تمسكها بهذه السياسة، فإن "قسد" ربما تحاول أيضا التأكيد على فكرة أنها إدارة متكاملة مدنية وعسكرية، وأنها تعمل على تشكيل "نواة دولة" أو حكم ذاتي، ما يلزم تطبيع الناس على هذه الفكرة، لتكون مستقبلا بديلا عن النظام السوري في تعاملها مع المدنيين على صعيدي الحقوق والواجبات، فضلا عن المنافع الاقتصادية التي تجنيها "قسد" نتيجة هذه السياسة تدر عليها ملايين الدولارات كمساعدات من التحالف الدولي، كلما زاد تعداد قواتها. أما النظام فهو يسعى إلى تعويض خسائره البشرية في سنوات الحرب الماضية التي أنهكت حاضنته الطائفية، وهو يسعى إلى زج أبناء المحافظات التي ثارت عليه في ماكينة الحرب للتخفيف عنها، وربما للتخلص أيضا ممن يعتبرهم أعداء مضمرين. كما يستخدم النظام السوري و"قسد" كلاهما، سياسة الخدمة الإلزامية كأسلوب نهب وابتزاز لناحية ضغط النفقات لأن راتب المجند إلزاميا لا يساوي ربع راتب المتطوع، فضلا عن الحصول على بدل نقدي كبير لمن لا يرغب في تأدية الخدمة العسكرية.

=========================

تأملات غير مكتملة في عشرية الثورة السورية

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 9/3/2021

قبل نحو عشرة أعوام، كنت في زيارة إلى أبوظبي، للمشاركة في حلقة من برنامج "حوار العرب" الذي كانت تبثه قناة العربية، خصصت وقتها لمناقشة مقدّمات استقلال جنوب السودان ونتائجه. وكانت آراء المشاركين بصورة عامة تركز على ضرورة التعامل بعقلية استيعابية مع القضايا المشابهة، والاستعداد للتعامل مع مطالب التغيير بصورة إيجابية لتجنّب الصدامات العنيفة. وبعد انتهاء تسجيل البرنامج، كان اللقاء مع إخوة وأخوات من الكرد السوريين المقيمين في الإمارات لتداول أبرز المستجدات، ومناقشة أهم التوقعات، وكانت الثورة التونسية قد بدأت، والأوضاع في مصر في طريقها نحو الانفجار، والجميع كان موزعاً بين التمنيات والهواجس.

وفي أثناء المناقشات، تدخل مدير الجلسة، ليعلن نبأ مغادرة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بلاده؛ فكانت فرحة عارمة، وتمنى الجميع أن نشهد في سورية وضعاً شبيهاً بذلك. ولكن الخوف على البلد وأهله كان هو الآخر مشروعاً في ذلك الحين، لمعرفتنا بالطبيعة المتوحشة للنظام، واستعداده لفعل أي شيء من أجل البقاء. ومع انطلاقة الثورة المصرية التي أرغمت الرئيس حسني مبارك على التنحّي، تصاعد مستوى التمنيات بانتقال عدوى الثورة، إذا صحّ التعبير، إلى سورية، وكان من الواضح، في ذلك الحين، أن الموضوع قد بات موضوع وقت ليس إلا.

ودائماً كنا نتحسّب لوحشية السلطة في سورية، وهي التي أعلنت قبل الثورة بسنوات موقفها من أي اعتراض على حكمها المستبد الفاسد، وكان الشعار التعبوي الذي جسّد موقفها هذا هو "الأسد أو نحرق البلد"، وكان يتفاخر به أتباعها وجوقة المنافقين من المستفيدين منها. ففي تونس، اتخذ الجيش موقفاً محايداً بعض الشيء من موضوع التغيير، وربما طالب بن علي بالخروج. ولم يكن الوضع في مصر بعيداً هو الآخر عن هذا المنحى. أما في سورية، فقد كان الجيش أداة قمعية متماهية مع الزمرة الحاكمة نفسها، وكذلك الأجهزة المخابراتية، بأسمائها المختلفة ووظائفها المتداخلة.

بدأت الثورة في سورية لأسبابها الخاصة التي تمثلت في تراكمات عقودٍ من الاستبداد والفساد والإفساد، كما تمثلت في انسداد الآفاق أمام الجيل الشاب

كانت الحالة السورية أقرب إلى الحالة الليبية؛ إلا أن الذي حصل في ليبيا أن تدخل المجتمع الدولي أنقذ الموقف، ومنع تفرّد نظام معمر القذافي بالليبيين، وارتكاب المجازر بحقهم. على الرغم من أن ذلك التدخل اكتفى بإسقاط النظام، ولكنه لم يقدّم المطلوب لمساعدة الليبيين للنهوض بمجتمعهم. ولم يكن ذلك المطلوب، في ذلك الحين، باهظ التكاليف بكل المقاييس، ولكن يبدو أن حسابات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية قد حالت دون ذلك.

وبدأت الثورة في سورية لأسبابها الخاصة التي تمثلت في تراكمات عقودٍ من الاستبداد والفساد والإفساد، كما تمثلت في انسداد الآفاق أمام الجيل الشاب. وقد اتخذت الثورة، في بداية الأمر، شكل مظاهرات واعتصامات مدنية سلمية، شارك فيها الشباب بالدرجة الأولى، وكانت الفعاليات الاحتجاجية أشبه بمهرجانات احتفالية. وكان واضحا، منذ البداية أيضاً، أن النظام يدفع الأمور نحو فرض العسكرة على الثورة. مع أن المطالبات كانت في المراحل الأولى إصلاحية، تطالب بالتغيير ومعالجة الأمور بالإصلاحات، وهي مطالباتٌ دعت إليها وجوه من النظام نفسه، وأبدت استعدادها لمناقشتها، وحتى تلبيتها، شرط عدم الإخلال بموقع النظام نفسه.

ولعل ما حصل من مناقشات، وما كان من مطالباتٍ في اللقاء التشاوري في دمشق، في 10 يوليو/ تموز 2011، وأداره فاروق الشرع، يلقي ضوءاً في هذا الاتجاه. كما أن حزمة "الإصلاحات الهستيرية" التي أعلنت عنها بثينة شعبان، في بداية الثورة، كانت محاولة للالتفاف على المطالبات السلمية التي نادى بها الشباب السوري في جميع أنحاء سورية. وفي لقاء موسع مفتوح بين المثقفين السوريين والأتراك، نظمه منبر إسطنبول للحوار السياسي في أواخر شهر إبريل/ نيسان 2011، وذلك بعد مرور نحو شهر على انطلاقة الثورة، تقدّمتُ باقتراح علني، فحواه تشكيل مجلس مؤقت، مهمته قيادة عملية التغيير والإصلاح في سورية، إلى حين إجراء انتخابات حرّة نزيهة تسفر عن انتخاب برلمان (مجلس شعب) يعبر بالفعل عن إرادة السوريين الأحرار، وتشكيل حكومة، مهمتها تطبيق برنامج الإصلاح. واقترحت، في ذلك الحين، أن يكون بشار الأسد نفسه من يقود هذا المجلس، شرط أن يبدي الإرادة والقدرة على أداء هذه المهمة. ورغبة في طمأنة السوريين جميعاً، وتحاشياً لأي نزاع داخلي أهلي، اقترحت اسم الأستاذ الجامعي، عارف دليلة، من يقود المجلس المقترح، في حال عدم موافقة بشار.

كانت السلطة، أو بكلام أدق، الزمرة اللامرئية المتحكمة بمفاصل القرار في الدولة السورية، قد خططت لتصفية الحساب مع السوريين الثائرين في مواجهة استبدادها وفساده

وفي الداخل الوطني، أبدي السوريون باستمرار في لقاءاتهم مع المسؤولين، في بداية الثورة، رغبتهم في إصلاحات. ويشار هنا، على وجه التخصيص، إلى لقاء مواطنين من درعا مع بشار الأسد نفسه، بعد اعتقال أبنائهم وتعذيبهم. ولكن كان من الواضح أن السلطة، أو بكلام أدق، الزمرة اللامرئية المتحكمة بمفاصل القرار في الدولة السورية، كانت قد خططت لتصفية الحساب مع السوريين الثائرين في مواجهة استبدادها وفسادها. ولم يكن قرار هذه الزمرة بعيداً عن توجيهات (ومطالبات) النظام الإيراني الذي كان يخطط، منذ عقود، لتكون سورية نقطة ارتكاز في مشروعه الإقليمي. وإذا عدنا إلى الوراء بعض الشيء، نستطيع الربط بين جملة من الأحداث التي تلقي مزيدا من الأضواء على أهمية تحكّم النظام المذكور بالساحة السورية في سياق مشروعه التوسعي، فتفجير النزاع المذهبي المقيت في العراق كان بجهود مشتركة بين النظامين، الإيراني والسوري، وبحجّة مقاومة الاحتلال الأميركي. في حين أن ما جرى كان، في واقع الحال، حرباً مفتوحة على المدنيين العراقيين، لتأجيج المشاعر المذهبية، وفصل العرى الوطنية بين العراقيين، وفرض حالة استقطابٍ على السنة والشيعة منهم. وقد شكل النظام الإيراني الفصائل المذهبية الشيعية الخاصة به ودعمها، فيما جيّش النظام البعثي "العلماني" العرب السنة تحت مختلف الشعارات، وأشركهم في عملية الفوضى العارمة التي لم تترك للعراقيين الوطنيين الحريصين على مستقبل شعبهم وبلدهم أي فرصةٍ لالتقاط الأنفاس. ثم جاء اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، ليفسح المجال أمام الهيمنة المطلقة لحزب الله. ومع بروز ظهور بوادر إمكانية إصلاح نظام بشار من الداخل، عبر البحث عن بديل لبشار، تم اغتيال غازي كنعان الذي كان يعتبر خزّان الأسرار وتفاصيل الوضع اللبناني الدقيقة، وكان عارفاً بكل الجهود الإيرانية الخاصة بالتوسع والانتشار، سواء في سورية أم في لبنان، وحتى في العراق.

هذه المعطيات وكثير غيرها تُبين أن قرار الزمرة المعنية كان المواجهة المفتوحة مع الشعب السوري، فقد كانت تدرك أن أي تنازل، مهما كان ضئيلاً، سيكون بالنسبة لها مقدّمة للتهميش وفتح الحسابات معها. ويبدو أن قراءة تلك الزمرة، في قرارها الذي استند، بطبيعة الحال، إلى الخبرة والرعاية الإيرانية والروسية، أوصلتها إلى قناعةٍ بأن المجتمع الدولي لن يكون جادّاً في مواجهتها، خصوصا بعد التشاور مع الروس والإيرانيين. وإلا لم يكن في مقدورها ارتكاب كل الجرائم الكبيرة التي تصنّف جرائم حرب وضد الإنسانية، أمام مرأى العالم ومسمعه، ومن دون أن تحسِب أي حسابٍ لردود الأفعال الدولية.

ومنذ بدايات تشكيل المجلس الوطني السوري، كنا ندرك أن النظام قد اعتمد استراتيجية إبعاد جميع المكونات السورية، ما عدا المكون العربي السني، عن الثورة، ليبقى الأخير وحيداً في المواجهة، وتُنسب إليه تهمة الإرهاب، حتى تصبح عملية المواجهة العسكرية معه مغطّاة أمام الرأي العام السوري والدولي. وقد ارتكبت قيادة المجلس أخطاء في ذلك، ليست هذه السطور بصدد التفصيل فيها، وإنما يُكتفى بمجرد الإشارة إليها، إذ لم تتمكّن تلك القيادة، خصوصا في الأشهر الأولى من تأسيس المجلس في خضم الثورة، من طمأنة المكونات السورية المجتمعية جميعها. لم يتواصل معها كم ينبغي، وإنما كانت تراهن على قراءة متسرّعة خاطئة للأحداث، خلاصتها أن التغيير قادم، وأن المسألة مسألة وقت ليس إلا.

أسهم النظام نفسه في ظهور بعض الفصائل المسلحة الإسلاموية، بإطلاقه سراح عديدين من السجون، أصبحوا لاحقاً على رأس قيادتها

وعلى الرغم من محاولات المجلس العديدة توحيد صفوف الجيش الحر، إلا أنها لم تكن منظمة جديا كما ينبغي، ولذلك لم تكن مثمرة. وكان واضحا مع بروز الفصائل المسلحة الإسلاموية، مع اختلاف جرعة التشدد، أن خطة النظام قد نجحت، بل لقد أسهم النظام نفسه في ظهور بعض تلك الفصائل، بإطلاقه سراح عديدين من السجون، أصبحوا لاحقاً على رأس قيادتها، بل تمكّن النظام من زرع كثير من عناصره بين صفوفها، مستغلاً حالة الفوضى، وانعدام المعلومات المطلوبة لدى قيادة المجلس الوطني التي لم تكن تتابع بدقة ما كان يجري على الأرض، فقد كانت هناك حالة انفصال شبه كلية بين العمل السياسي والعسكري. كانت لدى قيادة المجلس علاقة معقولة مع الجيش الحر، ومن ثم المجالس العسكرية في البداية. ومع الوقت، تمكّنت الفصائل الإسلاموية من تجاوز الجميع، وفرضت نفسها. ولم تكن في حاجةٍ إلى المجلس أصلا، لأنها كانت تحصل على السلاح من غرفتي موم وموك. وعلى المال من الجهات الممولة غير السورية. وأصبحت، في واقع الحال، حالة منفصلة، لا سلطة للمجلس، ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، عليها، بل أصبحت أداة للضغط وفرض المواقف، خصوصا في مرحلة "الائتلاف". ثم جاء مسار أستانا، لتتبين مدة هشاشة الفصائل، وخضوعها شبه التام لأوامر الممولين والداعمين وتعليماتهم، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه.

عوامل كثيرة أدّت إلى الانتكاسات التي تعرّضت لها ثورة السوريين، إقليمية ودولية، وداخلية أيضا في مقدمتها الفوضى العارمة في العمل العسكري، وعدم خضوع القرار العسكري للقرار السياسي، وهذا مردّه إلى عدم وجود أحزاب وطنية سورية قوية، كان من شأنها أن تقود العمل السياسي، والعسكري إذا ما لزم الأمر، بما يخدم مصلحة السوريين، لا بما يتناسب مع مصالح الدولة التي اتخذت، وما زالت تتخذ، من الواقع السوري أداة لإدارة خلافاتها، وتسجيل مزيد من النقاط، استعداداً لتفاهمات وتوافقات لن تأخذ تطلعات السوريين وتضحياتهم بعين الاعتبار، ما لم يأخذ السوريون العبرة مما كان، ويعيدون ترتيب صفوفهم عبر التركيز على المشتركات التي تجمع بينهم، وهي أكثر بكثير من النقاط الخلافية، وهو ما لن يكون من دون طمأنة جميع السوريين.

ما يحتاج إليه السوريون قيادة وطنية متماسكة، حريصة عليهم جميعهم، تبحث عن بدائل واقعية ممكنة تعطيهم الأمل بأن الخروج من النفق المظلم ممكن، طالما أن المستقبل الزاهر للأجيال السورية المقبلة هو الهدف.

=========================

ذكرى البعث في مملكة الخوف

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 8/3/2021

مثل اليوم، قبل ثمان وخمسين سنة؛ كانت "ثورة آذار البعثية". بعض أوائل مَن فكّروا وحددوا أهدافها ربما كانوا صادقين، فاختاروا للبعث شعارات تدغدغ طموح جماهير خرجت لتوها من نير احتلال عثماني مديد وفرنسي قصير. اعتبر الأوائل (الوحدة) و(الحرية) و(الاشتراكية) ثالوثاً مقدساً؛ صدّقته وآمنت به نسبة لا بأس بها من الجماهير؛ ولكن تناوب على البعث مَن كرّه جماهير الحزب والجماهير الأوسع بذلك "المقدس" ونفّرهم منه؛ فكانت الارتدادات والنكسات بكل الاتجاهات؛ وكان الدمار والخيبة والتخلف والظلم والاستبداد؛ وربما كان ذلك هو المطلوب منه.

أن يكفر إنسان بمبدأ سامٍ كالحرية ليس منجزاً قليلاً في استهداف إنسانية الإنسان. وإن كانت الوحدة هي الدواء الأنجع والأنجح ليكون لأمة وجود بين الأمم؛ فإن نسفها بمختلف السبل والوسائل هو أيضاً نهاية لحلم نهضوي يرفع مقامها. أما الاشتراكية فقد تم تدمير جوهرها في العدالة، لتتحول إلى عدالة في الاستبداد والاضطهاد والابتزاز، ومن تكافؤ فرص ونمو وازدهار وديموقراطية إلى جشع وفساد وتخلف وفقر.

في هذا الفضاء السوري العربي- الكردي- السرياني- الآشوري- الأمازيغي- الكلداني- الشيعي- الدرزي- الأرثوذكسي- الكاثوليكي- الماروني-العلوي- الأرمني- السني، عشنا نحلم بالوحدة، حتى ولو كانت "وحدة غانيات". ورغم أن "البعث" جعل "الوحدة" أول أهدافه، إلا أنه حوّلها إلى فرقة وصِدام حتى ضمن الحزب الواحد في بلدين عربيين متجاورين؛ لتصل الأمور بسلطةٍ سوريةٍ أن تكتب على جواز سفر مواطنها {كل بلدان العالم إلا العراق} ولو استطاعت تلك السلطة أن تنسف وحدة البيت أو الأسرة السورية الواحدة، لما توانت عن ذلك؛ وللأسف أفلحت بفعلتها هذه أحياناً.

أقنعنا حافظ الأسد بالاكتفاء مؤقتاً بـ"التضامن العربي" نظراً للظروف؛ وسعى بكل ما يستطيع أن يكون هذا التضامن حالة من المؤامراتية بين بلد عربي وآخر

سكنت /الوحدة العربية/ القذافي، فجعلَنا نتقيأ عند سماع عبارة "وحدة"؛ وأخيراً أقنعنا حافظ الأسد بالاكتفاء مؤقتاً بـ"التضامن العربي" نظراً للظروف؛ وسعى بكل ما يستطيع أن يكون هذا التضامن حالة من المؤامراتية بين بلد عربي وآخر؛ ليصبح العربي آمنا جانب الأجنبي أكثر من جانب أخيه. عبر تضامنه العربي، هتك الأسد كرامة لبنان بدايةً فاتحاً الطريق أمام المسؤول "البعثي" الآخر صدام حسين ليفتك بالكويت. تآمر "القومي العربي الأول" مع إيران الفارسية، ليستنزف الأمة ويفتح أبوابها خراباً لكل المستبيحين. وكان أول مسيرته التدميرية لهذه الأمة قد ساهم عبر "لجنته العسكرية" بإعدام وحدة مصر وسوريا، وابتدع بعثه الخاص به عبر خلق سلطة عميقه تحوّل من خلالها إلى شبه إله مهمته إعدام الوحدة والحرية والإنسانية في سوريا ومحيطها العربي تحديداً.

باسم الوحدة تبعثر ما كان يُسمى "الوطن العربي"، وتم مسخه سياسياً إلى "جامعة عربية" بلا حول أو قوة أو إرادة. باسم الحرية والتحرير، فلسطين لا تزال مغتصبة، والجولان يقايض بها رب البعث الجديد "الأسد" ليبقى في السلطة أبديا. وباسم الحرية، تم إعدام الحياة السورية لا الحرية السورية فقط. وباسم الاشتراكية، أصبح خط الفقر الطبيعي أمنية.

في سنوات الثورة السورية على الوريث ومنظومته الاستبدادية؛ وعندما كان يُلقى القبض على هاتف أو منادٍ بـ "الحرية" في مظاهرة سلمية: شاع ذلك السؤال التهكمي الاستغرابي الاحتقاري التجريمي: / بدكن حرية؟! /؛ وينهال عليه السائل بوابل من الوحشية، التي ما رأتها البشرية من قبل. أما الشعار الذي كان الأكثر استفزازاً لعصابات الأسد الإجرامية فكان: (الشعب السوري واحد).

لم يكن للبعث قيمة تُذكر في الدولة الأسدية إلا بما يكرّس سلطة الأسد المطلقة؛ فكان المطية الأساس في تنفيذ الاستبداد والإجرام. نصّب الأسد البعث قائداً للدولة والمجتمع في دستوره، ليكون بشخصه الحاكم المطلق "دستورياً" والمتحكم بالحياة السورية اجتماعياً وثقافياً وتعليمياً وتربوياً ونفسياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً؛ ولتصبح حياة سوريا وأرواح أهلها ومصيرهم بيده حصرياً؛ والكل منفذ مطيع؛ وإذا فكّر أو اجتهد أحد، فمصيره الموت. فهو الصانع الأول والمقرر النهائي لكل منحى من مناحي الحياة السورية.

مهرت قيادة البعث بحافرها دخول الأسد الأب إلى لبنان ليجهز على المقاومة اللبنانية-الفلسطينية

باسم البعث أنهى حياة كل من هو بعثي حقيقي، وأتى على أهدافه تشويهاً وتدميراً. باسم البعث وأهدافه يجعل أحد رعاياه عالماً أو عميلاً أو ملاكاً أو فقيراً أو قاتلاً أو مفتياً أو وزيراً أو أميراً (حتى داعشياً) أو شبيحاً أو شهيداً أو مثقفاً أو سفيراً أو عميلاً أو خائناً أو ممثلاً أو نقيباً للفنانين أو المعلمين أو العمال أو الفلاحين أو أبناء وبنات الهوى.

باسم البعث، قتل جيش "حماة الديار" العقائدي شعب سوريا. وكما مهرت قيادة البعث بحافرها دخول الأسد الأب إلى لبنان ليجهز على المقاومة اللبنانية-الفلسطينية؛ وكما باسم البعث وأهدافه حمى "حدود" الكيان الصهيوني الشمالية في لبنان والجولان، كي يمنحه الصهاينة وأعوانهم سلطةً أبدية وراثية محصنة في سوريا، باسمه أيضاً سيكون ترشيحه لولاية جديدة للتحكم بالبشر والحجر في سوريا.

أخيراً بمناسبة "ثورة البعث”، أقول لهذا الحزب الغائب-الحاضر؛ لقد تم تحويله إلى أداة قمع وإذلال لسوريا وأهلها: أين كنت عندما أُعلن النفير، وبدأ ذبح سوريا؟! لقد كنت الرافعة، التي أعلت الأخفض إلى السلطة، والأقل أمانة إلى سدة المسؤولية؛ وكنت الشمّاعة التي عُلّقت عليها كل أسمال الفساد والإفساد والعبث بمصير العباد والبلاد؛ وكنت شاهد الزور على أول رصاصةٍ أطلقها سوري على سوري. إن كنت ميتاً، فأنت لم تعلنها، والأصح أن القائمين على قيادتك دفنوك، دون أن يعلنوا موتك. إن كنت ميتاً، وفي قبرٍ، فلن تجيب؛ ولكنني أعرف أنك ما زلت خارج القبر؛ "فالدفّان" لا يعرف إنك متّ أم لم تمت؛ فهو لا يعرفك أصلاً؛ "وكان قد سطا عليك دون أن يعرفك. هكذا كان قضاؤك وقدرك.

 لقد كنت شبحاً في مملكة الخوف؛ 

والى زوال، أنت وهذه الطغمة.

=========================

هل يريد بايدن حقا إسقاط الأسد؟

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 7/3/2021

قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس "لدينا مصالح مشتركة مع الشركاء الأتراك بشأن سوريا وسنواصل العمل البناء في المستقبل مع تركيا لتحقيق هذه المصالح". وكشف الإعلامي الأميركي المعروف جاك بوسوبيك النقاب مؤخرا عن وجود خطة للإدارة الأميركية الجديدة بهدف الإطاحة بنظام بشار الأسد. وقال بوسوبيك الذي توقع الضربة الأميركية الأخيرة ضد حلفاء النظام في سوريا قبل يومين من حدوثها إن هدف بايدن في سوريا هو استكمال الخطط التي بدأها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بتمويل وتسليح المعارضين. إنهم يريدون رحيل الأسد بأي وسيلة ضرورية ولا يهتمون بالعواقب. " الرئيس يستعد لإطلاق عمل عسكري ضد نظام الأسد وعزله".

في مكان آخر حاول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جويل ريبورن وهو يستعد لمغادرة منصبه  أن يرفع من معنويات الشعب السوري بحديثه عن وجود استراتيجية أميركية جديدة في سوريا تقوم على: دفع النظام السوري وحلفائه بعيدا عن فرض حل عسكري للأزمة وإجبارهم على وقف الحرب. ودعم قوى الثورة السورية في المطالبة بالعدالة وتحقيق طموحاتها بالعيش داخل دولة عصرية مدنية ديمقراطية. ومواصلة العقوبات ضد النظام لتضييق الخناق عليه وتقليص قدراته على المناورة ومواصلة الحرب. ريبورن يواصل تفاؤله "يجب أن لا نتفاجأ إذا ما بدأ النظام في الانهيار بسرعة".

يبدو أن بايدن لا يعرف حجم التنسيق التركي الروسي المشترك في أكثر من مكان داخل سوريا ويبدو أنه يتجاهل التنسيق الإسرائيلي الروسي والإيراني الروسي هناك أيضا

هل قرر الرئيس الأميركي جو بايدن مواصلة سياسة أوباما السورية في دعم الثورة وقوى المعارضة لتفعل ذلك أم أنه سيدخل مباشرة على الخط للقيام بالمهمة؟ من سيدعمه في ذلك واللاعبون الإقليميون المؤثرون في الملف يتحركون باتجاه آخر يقول شيئا مختلفا مغايرا؟

البرلمان المصري مثلا يقود حملة إعادة الشرعية إلى بشار الأسد والقاهرة هي التي تشرف على عملية عودته إلى "الحضن العربي". يبدو أن بايدن لا يعرف حجم التنسيق التركي الروسي المشترك في أكثر من مكان داخل سوريا ويبدو أنه يتجاهل التنسيق الإسرائيلي الروسي والإيراني الروسي هناك أيضا.

هل تملك واشنطن القدرة بعد الآن لدفع الملف السوري بالاتجاه الذي تريده؟ هل يستطيع بايدن أن يفعل ذلك ولماذا سيفعله؟ هل تسمح التوازنات الإقليمية في سوريا له بالإقدام على خطوة من هذا النوع؟ مع من سينسق من أجل هذه الخطوة وما الذي سيأتي بعدها؟ هل ستتكرر الحالة العراقية 2003 في سوريا؟

تتحدث تقارير استخباراتية تركية عن رصد تحرك واسع للميليشيات الإيرانية أو المحسوبة عليها في لبنان والعراق واجتماعات تنسيق عسكري أمني موسع تجري في طهران استعدادا لمعركة سنجار. المفاجأة هي ليست مشاركة كوادر حزب العمال في هذه الاجتماعات بل وجود ممثلين لمجموعات مسد السورية التي تساهم في إعداد الخطط ونقل السلاح عبر الخط الحدودي السوري العراقي. القيادات الأميركية كما يبدو لا علم لها بالكثير من التحولات والمعطيات الجديدة.

ربط الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، عودة النظام السوري إلى مقعده في الجامعة بقربه من العالم العربي وابتعاده عن إيران. "عندما نتأكد كعرب بأن المقعد السوري في الجامعة العربية لا تشغله إيران، نطمئن حينها أن مداولاتننا ومفاهيمنا عربية خالصة". إيران تؤثر في القرار العراقي والسوري واللبناني واليمني فلماذا تكون شروط عودة النظام السوري إلى الحضن العربي مرهونة بابتعاده عن طهران؟ ما الذي تغير بين فترة تجميد عضوية النظام السوري تحت سقف الجامعة في تشرين الثاني 2011، لمجرد أنه "قمع المتظاهرين خلال الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالعدالة والحرية " في المدن السورية وبين أواخر العام 2020 كي تعيد البحرين والإمارات فتح سفاراتها وتذكر مصر أنها هي من يقود حملة عودة النظام السوري إلى كنف الجامعة؟ لا شيء "سوى" سقوط مئات آلاف من القتلى والجرحى من السوريين بسلاح الميليشيات الإيرانية. إما أن بعض العواصم العربية ستتحدى بايدن في سوريا وتتمسك ببشار الأسد وإما أن بايدن وفريق عمله يحاولان خداعنا والملف السوري لن يكون بين أولوياتهم في القريب العاجل.

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري وهو يغادر منصبه إن واشنطن لن تغير موقفها من العقوبات على نظام بشار الأسد والوجود الإيراني في سوريا. وأعلن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، أن إدارة الرئيس بايدن بحاجة للتعاون مع تركيا وروسيا لحل المشكلة السورية. وأشار إلى أن استراتيجية الرئيس السابق دونالد ترامب حيال سوريا، باءت بالفشل، وعلى واشنطن أن تعترف بعدم قدرتها على إنشاء دويلة جديدة داخل الأراضي السورية. " تقّبل إدارة بايدن لمصالح تركيا وروسيا في سوريا، سيسفر عن نتائج أكثر إيجابية". المشكلة بعد الآن ليست مرتبطة فقط بقرار واشنطن مواصلة معاداة النظام في سوريا، بل في معرفة ما الذي تنوي فعله هناك. هل يكفي أن يعين بايدن في فريق عمله 4 شخصيات بمواقف مناهضة لبشار الأسد وحكمه؟ وهل هو مؤشر حقيقي على تحول مرتقب في السياسة الأميركية السورية؟ هل تريد إدارة بايدن تسجيل اختراق حقيقي في الملف السوري أم هي وراء صفقة إقليمية أكبر تشمل ملفات لبنان وسوريا والعراق؟

لن تسمح موسكو للإدارة الأميركية الجديدة أن تتحرك كما تشاء في سوريا بعد سنوات طويلة من الجهد والتخطيط والتوغل والتمركز سياسيا واقتصاديا وعسكريا هناك. وأنقرة لن تثق ببايدن وفريق عمله ليعطيها ما تريده في سوريا وتتخلى بمثل هذه البساطة عن كل العلاقات والتوازنات التي بنتها مع روسيا وإيران في سوريا. بشكل آخر تعرف إدارة بايدن تماما أن استعادة الدور الأميركي في سوريا لا يمكن أن يتم بعد الآن سوى عبر البوابتين التركية والروسية والجلوس أمام طاولة ثلاثية مشتركة من هذا النوع. إذا ما اختارت واشنطن لعب الورقة الإيرانية في سوريا فهذا يعني الذهاب وراء استغلال الملف السوري إقليميا وأن الأمور ستتعقد أكثر فأكثر وهذا هو الترجيح الإسرائيلي المدعوم من قبل بعض العواصم العربية.

بايدن يريد حصته في كل شيء ومن كل شيء لكنه ينسى أن التوازنات التي شيدتها روسيا وتركيا وإيران في سوريا لن يكون سهلا عليه اختراقها ونسفها

كثر هم من يتابعون عن قرب المواقف والتحركات الأميركية في سوريا لاستشفاف معالم سياسة الإدارة الجديدة في بقعة جغرافية تحولت إلى “عش دبابير” إقليمي تعقدت فيه المسائل وتشابكت الحسابات. بايدن يريد الكثير في سوريا لكنه لا يريد أن يدفع أي مقابل. هدفه هو التلويح فقط بما سيفعله تاركا الأطراف المحلية والإقليمية تلقي الرسائل وترجمتها على الأرض. بايدن يريد حصته في كل شيء ومن كل شيء لكنه ينسى أن التوازنات التي شيدتها روسيا وتركيا وإيران في سوريا لن يكون سهلا عليه اختراقها ونسفها خصوصا إذا ما راهن على حليف محلي معزول ومهمش سياسيا وشعبيا واقتنع بما تقوله بعض العواصم العربية وتل أبيب التي تحاول النفخ في أذنه لقلب الطاولة السورية على رأس الجميع هناك. معظم التقارير الإعلامية والسياسية لا تتوقع أن تبدل واشنطن من أسلوبها وطريقة تحركها في الملف السوري. الذي قد يتغير هو شكل المناورة الأميركية في التعامل مع الملف باتجاه تموضع إقليمي جديد.

=========================

أفكار حول محاكمة مرتكبين سوريين

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 6/3/2021

لم تهدأ وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من تداول الحكم الذي أصدرته محكمة كوبلنز الألمانية بحق صف ضابط سوري عمل لسنوات في أحد أسوأ الفروع الأمنية وتهمته المساعدة في اعتقال العشرات، ما يمهد لإصدار حكم بحق ضابط التحقيق في الفرع نفسه، يمثل أمام المحكمة ذاتها، ومتهم باعتقال آلاف المدنيين وقتل العشرات منهم تحت التعذيب.

وإذ حظي الحكم بالترحيب والتشجيع وبدا كأنه اختراق لحالة الإحباط واليأس التي يعيشها السوريون بعد عشر سنوات عجاف من إعلان ثورتهم، لكن المشهد لم يخلُ من انتقادات واعتراضات، بعضها ممن حكمت مواقفهم مزايداتٌ وآثروا النظر إلى الأمر من زاوية ضيقة، وبعضها ممن غابت عنهم بعضُ التفاصيل والمعطيات، وربما لم يبذلوا جهداً كافياً للتدقيق في الحيثيات والوقائع.

أولاً، ما كان لهذه المحكمة أن تنعقد لولا التوظيف العالمي المغرض لمبادئ حقوق الإنسان، وتعطيل بعض الأطراف الأممية، ولأسباب سياسية، دور المحكمة الجنائية الدولية في متابعة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا، يحدوها تواطؤ وصمت البعض الآخر على فظاعة ما تعرض له المدنيون السوريون من انتهاكات، ما فتح الباب لتفعيل واستثمار مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي اعتمدته بعض الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا عام 2002 وتبيح ملاحقة المشتبه باقترافهم جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، كجرائم التعذيب والإبادة، أياً تكن جنسياتهم وأيا يكن موقع الجريمة، ومقاضاتهم على ما ارتكبوه.

ثانياً، تعرض هذا الخيار للكثير من التشكيك والاستهانة وأحياناً السخرية، وبخاصة من معارضين سوريين، بعضهم لم يجد قيمة أو جدوى فيما يقوم به الحقوقيون من جمع الأدلة وعرض القرائن وتقديم شهادات الناجين، وبعضهم اعتبر ما يجري مجرد لهو وعبث غايتهما حرف الصراع السوري عن مجراه السياسي الحقيقي، وصل الأمر، بعد أن أثمرت الجهود أول حكم يصدر بحق أحد المرتكبين، إلى توجيه اتهامات بأن محاكمة سوريين يعيشون في أوروبا هو محاولة لتقديم أكباش فداء تمهيداً لتبرئة النظام السوري والرؤوس الأكثر إجراماً فيه، كذا!

الغريب، ألا يدرك هؤلاء المعارضون أنهم بموقفهم هذا، إنما يستهينون بضحايا الاعتقال والتعذيب، ويستهزئون ممن تجرأوا وقدموا شهادات حية عما عانوه، بل ويسمحون لأنفسهم بمصادرة حق هؤلاء الضحايا في مقاضاة جلاديهم، خاصةً أن بعضهم يغامر بمصيره ومصير أقاربه في سوريا، حين يتمسك بتقديم شهادته ويتجاهل ما يصله من تهديد ووعيد! والأشد غرابة أن تستمر تلك الاتهامات بعد أن أفضى الدفاع عن المرتكبيْن، بأنهما ينفذان أوامر الجهات الأعلى، إلى وضع النظام السوري بمختلف أركانه وشخصياته في قفص الاتهام، فكيف الحال وقد تضمنت حيثيات قرار الحكم وقرائن ملف الاتهام ومطالبة النيابة العامة عبارات صريحة وأمثلة تاريخية، كأحداث حماة 1980 تؤكد حصول جرائم منظمة وممنهجة في سوريا على يد سلطة حكمت البلاد بالحديد والنار والإرهاب! وهل هو لهو وعبث عندما تسمح المحكمة للشهود بتوثيق ما قامت به الآلة السلطوية الجهنمية من اعتقال المدنيين وإخفائهم قسراً وقتلهم تحت التعذيب وطمر جثامينهم بطريقة يندى لها الجبين، كالشهادة المرعبة لأحد المأمورين بحفر قبور جماعية لعشرات آلاف الهياكل البشرية الممهورة برقم الفرع الأمني الذي اعتقلها؟!

ثالثاً، إن انشقاق أي مسؤول في النظام السوري ووقوفه على الحياد أو انضمامه للمعارضة لا يلغي مسؤوليته القانونية والأخلاقية عما ارتكبه قبل انشقاقه ما دامت أفعاله تندرج ضمن نطاق الجرائم ضد الإنسانية، كما لا يلغي الحق البديهي للضحايا الذين نصبوا أنفسهم كمدعين شخصيين بمحاكمة جلاديهم، لكن ربما ما يثير بعض التسامح ويمنح المرتكب أسباباً تخفيفية هو مسارعته للاعتراف بجرائمه أمام المحكمة والاعتذار لضحاياه، وكشف ما يمتلكه من معلومات وأدلة، تفضح التسلسل الهرمي المسؤول عن إصدار الأوامر، كي توثق الأسماء والجرائم وتضاف إلى لائحة الاتهام، ما يفسر الحكم المخفف، لمدة أربع سنوات ونصف، على المتهم الأول الذي بادر بنفسه لتقديم اعترافات، تحولت لشهادة ضد أركان السلطة وضد المتهم الآخر الذي أنكر ما ارتكبه، ولا يزال ينكر، كالنظام السوري، وجود تعذيب وقتل في المعتقلات السورية!

رابعاً، إن هذا المسار من العدالة عابر للأديان والقوميات وجوهره محاسبة كل مرتكب تبعاً لملفه الإجرامي من دون النظر إلى منبته وأصله، ومثلما هناك دعاوى ضد مرتكبين من مختلف الطوائف والإثنيات، فإن القصاص لا يقتصر على جلادي النظام وشبيحته، أصحاب السجل الأوسع والأفظع من الانتهاكات، بل يمتد ليطاول الجرائم الخطيرة التي ارتكبها قادة وأفراد في مناطق المعارضة، وفي مناطق الفصائل الكردية، بمن فيهم قادة الميليشيات الموالية لإيران وأمراء التنظيمات الإسلاموية الذين عاثوا إجراماً وفساداً حيثما حلوا.

خامساً، صحيح أن ثمة ما يشبه الإجماع بأن ما حصل خطوة تاريخية وغير مسبوقة في طريق النضال من أجل تحقيق العدالة، وأنها تبعث ببعض الأمل والتفاؤل في نفوس ملايين السوريين الحالمين بمحاكمة كل من انتهك إنسانيتهم، وصحيح أن لهذا العمل الحقوقي وجهاً سياسياً بتجريم النظام وعرقلة محاولات تعويمه ومنحه شرعية دولية، لكنه ليس سوى حلقة من سلسلة حلقات تتمفصل وتتكامل، كملف صور قيصر، ومحاكمات مماثلة تجري في غير دولة أوروبية، ودعوة قضائية رفعت في ألمانيا من قبل ثلاث منظمات حقوقية «مبادرة عدالة المجتمع المفتوح» و«الأرشيف السوري» و«المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» حول استخدام السلاح الكيماوي عامي 2013 و2017 وأخيراً ما أثير عن وجود أكثر من 900 ألف وثيقة حكومية جمعت خلال سنوات الحرب وتم تهريبها لتشكل أدلة قوية على تورط النظام السوري، بمختلف رموزه، بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لم تتسع الفرحة صدر إحدى الفتيات فسارعت للاتصال بأمها كي تكون أول من ينقل إليها قرار الحكم وأول من يؤكد لها أن دماء أبيها وأخويها المغيبين منذ سنوات في أحد أقبية المخابرات السورية لن تذهب هدراً، بدت مزهوة، وكأن حملاً ثقيلاً رفع عن كاهلها، وهي تتقدم نحو ركن صغير أمام مبنى المحكمة يكتظ بصور العشرات من المعتقلين والمختفين قسرياً، افترشت الأرض بجانب صورة لشاب يفتر ثغره عن ابتسامة ساحرة تفيض بالحياة، وأجهشت بالبكاء.

=========================

جدل العدالة الانتقالية في سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

السبت 6/3/2021

جدل كبير بين الباحثين حول تاريخ مفهوم العدالة الانتقالية، بيد أن الربط بين ضمان تحقيق إجراءات تتعلق بالعدالة خلال فترات الانتقال السياسي يعد الأصل التاريخي الذي يعود له المفهوم في تطبيقاته التاريخية المختلفة. لقد جرت صياغة هذا المصطلح في وقت مبكر من تسعينيات القرن الماضي عندما أصبح علماء السياسة وحقوق الإنسان والعدالة يهتمون بشكل متزايد في كيفية انتقال دول الموجة الثالثة للديمقراطية في تصالح مع ماضيها السلطوي.

حدوث التحول السياسي بعد فترة من العنف أو الحرب الأهلية التي يمر بها مجتمع من المجتمعات. تجد الحكومة الانتقالية والمجتمع المدني والمحلي أنه أمام تركة صعبة من انتهاكات حقوق الإنسان، ولذلك تسعى الدولة إلى التعامل مع جرائم الماضي رغبة منها في تعزيز العدالة والسلام والمصالحة، ويفكر المسؤولون الحكوميون وناشطو المنظمات غير الحكومية في انتهاج مختلف السبل القضائية وغير القضائية للتصدي لجرائم حقوق الإنسان الواسعة الانتشار.

بعدئذ يتشكل المفهوم من خلال عدد من المصطلحات التي تدخل ضمنه من مثل إعادة البناء الاجتماعي، والمصالحة الوطنية، وتأسيس لجان الحقيقة، والتعويض للضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة العامة التي غالبًا ما ترتبط بها الشبهات أثناء النزاعات الأهلية الداخلية المسلحة مثل الشرطة وقوى الأمن والجيش.

روتي تيتيل أول من اشتق المفهوم وبدأ بالكتابة عنه، وبالنسبة لها مر مفهوم العدالة الانتقالية بثلاث مراحل، المرحلة الأولى تركز بشكل كبير على العقاب الجنائي أو القصاص. حيث تستند العدالة على القناعة القائمة على أنه يجب على مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان أن يعاقبوا في المحاكم أو على الأقل الاعتراف علنا بجرائمهم ومن ثم طلب الصفح أو السماح، أما المرحلة الثانية فقد ترافقت مع الموجة الثالثة للديمقراطية حيث تم التخلي عن العدالة الجزائية إلى حد كبير لصالح العدالة التصالحية. فبدلا من التركيز على معاقبة المجرم أصبح التشديد يقوم على المصالحة واستعادة العلاقات بين الضحايا والجناة.

المرحلة الثالثة فبدأت في منتصف التسعينات وتميزت من خلال "توسيع تطبيق العدالة الانتقالية" خاصة مع التحولات التي شهدها العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي حيث بدأ التفكير كيف يمكن التعامل مع إرث الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والإبادة الجماعية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتميزت المرحلة الثالثة ببعدها الدولي حيث أسست المحاكم الدولية والهجينة والأجنبية.

إن تطبيق ثقافة المساءلة مكان ثقافة الإفلات من العقاب التي سمحت بارتكاب الانتهاكات، يعطي إحساساً بالأمان للضحايا ويوجه تحذيراً لمن يفكرون في ارتكاب انتهاكات في المستقبل

مرت كثير من المجتمعات بما مرت به سوريا من قبل في فترة الثمانينات وما تمر به اليوم، لاسيما في أفريقيا وأميركا اللاتينية، لكنها استطاعت فيما بعد أن تخرج من تلك الفترة السوداء في تاريخها عبر فتح صفحة جديدة قائمة على الحقيقة والمحاسبة والعدالة ومن ثم المصالحة، وهو ما يطلق عليه "العدالة الانتقالية". فالعدالة الانتقالية تشير إلى حقلٍ من النشاط أو التحقيق يركز على المجتمعات التي تمتلك إرثاً كبيراً من انتهاكات حقوق الإنسان والإبادة الجماعية أو أشكال أخرى من الانتهاكات تشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أو الحرب الأهلية، وذلك من أجل بناء مجتمع أكثر ديمقراطية لمستقبل آمن.

إن تطبيق ثقافة المساءلة مكان ثقافة الإفلات من العقاب التي سمحت بارتكاب الانتهاكات، يعطي إحساساً بالأمان للضحايا ويوجه تحذيراً لمن يفكرون في ارتكاب انتهاكات في المستقبل. كما أنه يعطي قدراً من الإنصاف لمعاناة الضحايا، ويساعد على كبح الميل إلى ممارسة العدالة الأهلية أو القصاص (أي أن يقتص الناس لأنفسهم بأنفسهم)، كما أنه يتيح فرصة مهمة لتوطيد مصداقية النظام القضائي الذي أصابه الفساد والدمار، أو الذي لم يكن يعمل على نحو سليم فيما مضى.

إن إطلاق عملية العدالة الانتقالية في سوريا من أصعب وأعقد الأمور التي ستواجه المجتمع السوري بعد انتهاء الحرب، إذ لا يمكن لأحد أن يتحدث باسم الضحايا أو ينطق باسمهم، وقضية تحقيق العدالة بالنسبة لكثير من أسر الضحايا لا تسامح معها ولا التفاف أو تهاون فيها، وإذا أُخذ بعين الاعتبار الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة السورية كمؤسسات ذات مصداقية لدى العديد من المواطنين السوريين يتضح حجم الأذى الفادح الذي لحق على سبيل المثال بجهاز كالجهاز القضائي وبدوره في الحياة العامة في سوريا، وعليه فلن يكون النظام القضائي معداً أو مهيأً أو حتى قادراً على إطلاق عملية المحاسبة الضرورية التي ينشدها أهالي الضحايا.

=========================

رسالة إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 6/3/2021

جميل جداً يا سيادة الرئيس أن تبدأ عهدك الميمون في البيت الأبيض برفع شعار «الدفاع عن حقوق الإنسان» في العالم. وهل هناك أسمى من هذا الشعار؟

لا شك أنه عمل جليل أن تبدأ رئاستك بفرض عقوبات على قتلة الصحافي السعودي الشهير جمال خاشقجي، وتوجيه سهامك إلى علية القوم في السعودية وتحميلهم وزر عملية الاغتيال الشنيعة. ولا يمكن أن ننسى فضلك في فرض عقوبات على ديكتاتور الكرملين وعصابته لاعتقالهم المعارض الروسي الشهير أليكس نافلني. لكن ملايين المنكوبين والمسحوقين في العالم العربي وخاصة في سوريا والعراق واليمن وليبيا ينتظرون منك لفتة إلى وضعهم الكارثي بما أنك تحمل مشعل الدفاع عن حقوق الإنسان.

عجيب أمركم يا سيادة الرئيس: أيهما أهم قضية اغتيال صحافي، أم قضية اغتيال شعب كامل كالشعب السوري؟ لا شك أن مستشاريك أطلعوك على ما ورد في برنامج «ستون دقيقة» الأمريكي الذي كشف النقاب عن وجود أكثر من تسعمائة ألف وثيقة تدين الرئيس السوري بشار البهرزي بجرائم ليس ضد صحافي فرد بل ضد الإنسانية. وهذه الوثائق موجودة الآن في صناديق بأمريكا، وبإمكانك أن تطلع عليها. لا بل إن المحقق الدولي الشهير ستيفن راب قال بالحرف الواحد إن «الأدلة المتوفرة على جرائم بشار البهرزي بحق الشعب السوري لم تتوفر ضد النازيين». يعني يا سيادة الرئيس لديك هتلر جديد يتحداك ويتحدى شعاراتك الحقوقية. ولعمري هذا تصريح غير مسبوق من محقق دولي مخضرم كالسيد راب لأنه بذلك يضع المحرقة النازية والمحرقة السورية في تصنيف واحد. وبالمناسبة هذا المدعي العام السابق كان سفيراً للولايات المتحدة في قضايا جرائم الحروب في العالم.

وإذا نسيت يا سيادة الرئيس فإن سلفك الرئيس ترامب أصدر قبل أشهر قانوناً باسم «قانون قيصر» لمعاقبة النظام السوري على قتل وتعذيب أكثر من خمسين ألف معتقل في السجون السورية، وصورهم كلهم موجودة بكل تفاصيلها البشعة، وقد عُرضت قبل مدة في الكونغرس الأمريكي الذي لا يبعد عن بيتك البيضاوي سوى ضربة حجر. أيهما أهم بربك يا سيادة الرئيس جريمة قتل صحافي أم ملايين الجرائم السورية التي وصفها المدعي العام الدولي راب حرفياً بأنها «أفظع جرائم بحق الإنسانية في القرن الحادي والعشرين». وكما كانت جرائم النازية عنواناً للوحشية في القرن العشرين، فإن الجرائم الأسدية ستكون عنوان الوحشية والبربرية في القرن الحادي والعشرين.

النظام السوري الذي قتل وشرد وعذب ملايين السوريين وحرق عشرات المدن والقرى السورية بالسلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة، هو نفسه من اغتال الصحافية الأمريكية الشهيرة ميري كولفن التي قتلتها قوات بشار

هل سمعت بخمسة عشر مليون سوري تهجروا من بيوتهم داخل البلاد أو ركبوا القوارب في عرض البحار للهروب من جحيم النظام المغولي في دمشق؟ للعلم يا سيادة الرئيس أن أكثر من ثلثي الشعب السوري صار بين نازح ولاجئ بسبب القصف الأسدي والروسي للمدن السورية وتسويتها بالأرض وحرقها بالأسلحة المحرمة دولياً. ولا شك أنك تعلم بهذه الجرائم جيداً، خاصة وأنك كنت نائب الرئيس أوباما وقتها، وهو الذي أعطى الضوء الأخضر للدب الروسي وكلبه السوري كي يمارسا سياسة الأرض المحروقة في سوريا دون حساب أو عقاب.

لم نسمع منك حتى هذه اللحظة كلمة واحدة وأنت رئيس العالم كي تواسي بها ملايين السوريين المكلومين. لم تنبس حتى الآن ببنت شفة حول المأساة السورية غير المسبوقة في التاريخ القديم والحديث. لم يصدق ملايين السوريين عقولهم وهم يرونك تتصدى لجريمة اغتيال صحافي فرد وتعاقب مقترفيها، بينما تدير ظهرك لملايين الجرائم بحق ملايين البشر في سوريا واليمن والعراق. وللعلم يا سيادة الرئيس، فإن النظام السوري الذي قتل وشرد وعذب ملايين السوريين وحرق عشرات المدن والقرى السورية بالسلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة، هو نفسه من اغتال الصحافية الأمريكية الشهيرة ميري كولفن التي قتلتها قوات بشار البهرزي في حمص عام ألفين واثني عشر. والعجيب الغريب أن لا البيت الأبيض ولا الإعلام الأمريكي أثار قضية هذه الصحافية الأمريكي الكبيرة. هل يعقل أن يكون دم جمال خاشقجي السعودي أغلى على قلوبكم من دم ابنة بلدكم ميري كولفن؟ لماذا لا تأتي على ذكرها وأنت تذرف الدموع على اغتيال جمال خاشقجي السعودي وليس الأمريكي بما أنك تهتم كثيراً بمصير الصحافيين؟ هل دم الصحافية الأمريكية رخيص إلى هذا الحد؟ لقد مر اغتيالها على أيدي عصابات الأسد مرور الكرام ولم نر حملة للقصاص من قاتليها ولو بنسبة واحد بالمائة من الحملة الإعلامية والسياسية الأمريكية للقصاص مع قاتلي جمال خاشقجي.

ومما يثير الضحك لدى المتابع البسيط: كيف للرئيس الأمريكي أن يعاقب حليفه السعودي على اغتيال صحافي، بينما يغض الطرف عن عدوه المزعوم بشار الأسد الذي يمطر أمريكا ليل نهار بالشتائم واللعنات؟ لا نريد منك أن تعاقبه على قتل وتهجير ثلاثة أرباع الشعب السوري، بل نريدك فقط أن تعاقبه وتشيطنه على اغتيال صحافية أمريكية كما تعاقبون وتشيطنون قتلة جمال خاشقجي.

واضح تماماً يا سيادة الرئيس أنك تطبق بيت الشعر الشهير أفضل تطبيق بسياستك المصابة بأبشع أنواع الحوّل السياسي. ويقول الشاعر أديب اسحق في أجمل بيت يلخص السياسة الأمريكية في عهدكم:

« قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر

وقتل شعب آمن مسـألة فيها نظر».

=========================

مليون وثيقة إدانة.. مليون جريمة

غازي دحمان

عربي 21

السبت 6/3/2021

نحو مليون وثيقة تدين بشار الأسد وعصابته جمعتها لجنة العدل والمساءلة الدولية، وأغلب هذه الوثائق صادرة عن الأسد شخصياً للقيادات الأدنى، وتنطوي على أوامر بارتكاب جرائم تتراوح طبيعتها بين إطلاق النار على المظاهرات واعتقال وتصفية النشطاء، واغتصاب النساء والذكور، وتهجير قسري لسكان المناطق الثائرة.

ورغم أن جزءا من هذه الوثائق هي عبارة عن وثائق صادرة من القيادات السفلى للجهات الأعلى، وتتضمن شكاوى من تكدس الجثث في السجون والمعتقلات، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن جميع هذه الوثائق، الواردة والصادرة، التي تم الإعلان عن الوصول لها، لا تشكّل سوى جزء بسيط من كم كبير من الوثائق الصادرة عن عصابة الأسد، ذلك أن هذه الوثائق جمعتها جهة واحدة فقط، كما أن هذه الوثائق، في الغالب، تغطي مرحلة زمنية من عمر المقتلة السورية، وهي السنوات الأولى من 2011 إلى 2014 كأقصى حد.

تشكّل سوى جزء بسيط من كم كبير من الوثائق الصادرة عن عصابة الأسد، ذلك أن هذه الوثائق جمعتها جهة واحدة فقط، كما أن هذه الوثائق، في الغالب، تغطي مرحلة زمنية من عمر المقتلة السورية

السؤال الذي يطرح نفسه: ترى كم جريمة أنتجت هذه الوثائق؟ فالبديهي أن كل وثيقة انطوت على أوامر تعميمية، وغالبا لا تتعامل مع حالات فردية بل هي أوامر تتعلق بمصائر بشر كثيرين، وهي في مجموعها تشكّل آلية إدارة الأزمة التي واجهها النظام. وفي هذه المرحلة، وحتى اللحظة، أسقط النظام القوانين التي تحمي المواطنين، على هشاشتها وضعفها، ومنح صلاحيات واسعة، ليس لقيادات القطاعات في المدن والقرى فحسب، بل لكل عناصر أجهزته الأمنية وجيشه وشبيحته ومليشياته، لينفذوا أحكام القتل والإعدام والاغتصاب، حسب تقديراتهم هم ودون الرجوع لأي جهة أو مرجعية.

هذا الكم الهائل من الوثائق، الذي فاق الأدلة التي جمعها الحلفاء ضد النازيين الذين اشتهروا بتوثيق جرائمهم، حسب الدبلوماسي الأمريكي السابق والمتخصص في شؤون العدالة الاجتماعي "ستيفن راب" لبرنامج "60 دقيقة" على قناة "سي بي أس" الأمريكية، يكشف عن نشاط كثيف في القتل والتخريب؛ عن مذبحة، بل ماكينة ذبح طحنت السوريين وقتلت واغتصبت أبناءهم وبناتهم، وأنتجت في وقت قصير ملايين المهجرين، ومئات آلاف القتلى، وعشرات آلاف المغتصبين والمغتصبات، و300 ألف مفقود، وعشرات آلاف القتلى في السجون.

ولكي تنتج تلك الماكينة الرهيبة هذا الكم من الدماء والخراب، كان لا بد من صناعة سياق يظهر مخرجاتها كنتاج طبيعي لتفاعلات غير طبيعية، فكان اختراع الفوضى وتعميمها الوصفة البديعة التي لجأت لها عصابة الأسد لخلط الأوراق في المشهد السوري. وبدأت الحكاية عبر إخراج مئات المتطرفين الإسلاميين من السجون، ثم ملاحقتهم وتهديدهم وسوقهم عنوة إلى تشكيل خلايا وجماعات، وفي هذه الأثناء، استخدام العنف إلى أقصى حدوده على المجتمعات المحلية لدفعها للجوء إلى السلاح والتطرف.

لكي تنتج تلك الماكينة الرهيبة هذا الكم من الدماء والخراب، كان لا بد من صناعة سياق يظهر مخرجاتها كنتاج طبيعي لتفاعلات غير طبيعية، فكان اختراع الفوضى وتعميمها الوصفة البديعة التي لجأت لها عصابة الأسد لخلط الأوراق في المشهد السوري

سيتم إطلاق اسم الثورة المضادة على هذا النمط من الاستراتيجيات المواجهة لحراكات الشارع، والهدف منها كسر ظهر الثورة التي قامت ضد النظام، عبر اجتثاث حواملها من خلال تكتيكات تقوم على الإبادة الشنيعة واستخدام كل الأسلحة التي تخزّنها العصابة في مستودعاتها، من الرصاصة إلى الطائرة، وكل الخبرات التي اكتسبتها أجهزتها الأمنية، والذريعة مواجهة المؤامرة الكونية. فالآخر المعارض والحاضن له هو خائن ومشترك في مؤامرة كبرى، لا تستوي مواجهته إلا بانتزاع صفة الآدمية عنه وسحقه بوحشية.

هل يمكن بعد ذلك أن نسأل عن حجم الألم الذي تسببت به هذه المذبحة الرهيبة للسوريين؟ تؤكد الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية أن الشعب سيبقى يعاني لعقود طويلة من مفرزات هذه المذبحة، وأن أكثر من ثلثي السوريين بحاجة لعيادة نفسية، وأن جيلاً كاملاً دهسته ماكينة قتل العصابة الأسدية، التي هي ماكينة إيرانية متعطشة للثأر، وأخرى روسية تريد الانتقام من تفكّك الاتحاد السوفييتي من دم السوريين.

والمفارقة، أن مدير هذه المذبحة، بشار الأسد، يرشح نفسه لانتخابات رئاسية جديدة، ويرغب بحكم الشعب السوري سنوات إضافية أخرى، وتدعمه في ذلك إيران وروسيا، اللتان تدعيان أنهما تمثلان أمل الشعوب المستضعفة في مواجهة نظام دولي متوحش!

=========================

وجهة نظر : في الذكرى العاشرة للثورة السورية : تواري الدور العربي ولقاء الدوحة الثلاثي... " قيس ابن عمي عندنا ... يا مرحبا .. يا مرحبا "

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 3/ 2021

ونستطيع أن نؤرخ لتواري الدور العربي على الساحة السورية منذ 30/ 9/ 2015 . أي منذ الاحتلال الروسي لسورية. وتأكد هذا التواري بعد ذلك بسقوط حلب نهاية 2016 ، ثم بما كان في الأستانات المتتالية، وما سمي مناطق خفض التصعيد.

لقد شعرت دول الإقليم العربي على اختلاف توجهاتها، أن مواجهة الاحتلال الروسي لسورية، أمر لا قِبَل لها به، ولاسيما في ظل حكم ترامب المتقلب الرعيب فآثرت ، بشكل أو بآخر ، الانكفاء ، أو الابتعاد .

ولقد كان الشعب السوري الطرف الذي دفع الثمن الأبهظ ، لما سمي بالأزمة الخليجية، بغض النظر عن كل تفصيل آخر فيها.

وقد أدركت الحكومة التركية دورها كدولة إقليمية كبرى، فقررت أن تدير الصراع على طريقتها، في ظل التغيرات الدولية الكبرى ، ولاسيما فيما يخصها من اكتشاف المؤامرة الأمريكية على أمنها القومي، برعاية الانقلاب العسكري، ثم بالتحالف بين الأمريكيين وبين بعض الإرهابيين من حزب البي كة كة بهوياته الثلاث التركية والعراقية والسورية، والذين انصبوا من الأقطار الثلاثة على الأرض السورية ليكونوا أداة أمريكية، تحرك بها أمريكا الصراع ، تهدد مخالفيها ، وتحمي مصالحها. ثم من خلال انقلاب حلف الناتو على الدولة التركية ، الانقلاب الذي اتضحت أبعاده من موقف الناتو بعد تورط الجيش التركي بإسقاط طائرة روسية.

التفت الحكومة التركية على نفسها، وبلع رئيسها ريقه، وتم تغيير رئيس الحكومة أحمد داود أوغلو ، وبالتالي تم اقتراح أرضية جديدة، للتعامل مع الروس، قامت الحكومة التركية من خلالها بإدارة الصراع على الساحة السورية، ولاسيما في المنطقة الشمالية منها، على قاعدة أن السياسة فن الممكن ..

خلال السنوات الخمس الأخيرة من عمر الثورة ، ومن خلال جملة من المتغيرات وأهمها فتح إيران معركة ضد العربية السعودية على أرض اليمن، ومنها الانشغال بالأزمة الخليجية، التي شتت محور الجهد العربي، وكذا من خلال فتح معارك غير مقنعة على الساحة الإقليمية، بعيدا عن محوري الصراع الأساسين المحور الإيراني الصفوي بأبعاده الطائفية والسياسية ، والمحور الصهيوني الكارثي؛ وكلاهما مهددان للأمن القومي العربي، في حاضر الأمة ومستقبل أجيالها . ومن هذه المعارك التي لا معنى ولا حقيقة لها كان المعركة التي فتحت على بعض القوى والشخصيات الإسلامية المجتمعية ، التي كان المطلوب أن تكون نقطة الارتكاز الأساسية في معارك الأمة الحقيقية. ويبدو أن المستشارين الذين أشاروا بافتعال هذه المعارك كانوا يريدون الشر بمن يشيرون عليه، وأقله أن يزجوا به في الحروب التي يدعمونها عن بعد، بغير سلاح ..

لا يقبل من سياسي حقيقي أن لا يستشرف مبكرا أن الحوثي في اليمن ذراع أمريكي - إيراني - صهيوني ، ولا يقبل منه أن يتجاهل حقيقة القطران التي تقمع هذه العلة فترديها. وقديما قال العربي

أخاك أخاك إن من لا أخا له ..كساع إلى الهيجا بغير سلاح

ومرة أخرى يدفع الشعب السوري الثمن الأبهظ لتواري الدور العربي عن الساحة، وانشغاله، أو تشاغله ..!!

ما نكتبه هنا ليس تشكيكا في الدور التركي، وليس تقليلا من كفاءته، وليس انتقاصا لما قدم أو يحاول أن يقدم ..

ولكننا سنكون أكثر اطمئنانا وثقة عندما يجلس لافروف في مواجهة وزير خارجية تركية ووزير خارجية قطر معا، كما جلس في الدوحة بالأمس .. ولن يكون ذلك كما حين يجلس الوزير التركي الصديق في مواجهة الوزير الروسي والوزير الإيراني العدوين .. هي مسألة من أبسط المسائل في علم الحساب. أن يحاصر التركي والعربي لافروف، ولا يعطونه الفرصة ليحاصرهم !!

ومن هنا فإننا كسوريين ما زلنا نتمسك بانتمائنا إلى أمتنا في أفقيها العربي والإسلامي نتطلع ونأمل في دور عربي أكثر حضورا وفاعلية، دور عربي حقيقي واضح البوصلة، يدرك حقيقة المأساة السورية ، وعمقها ، وأبعادها ..

نطمح إلى دور عربي فاعل ومؤثر ينطلق من حقائق : أن الدم ما بيصير مي، وأن الظفر لا يخرج من اللحم ، وأنه لا خير في أمة إذا فسد شامها، بشهادة سيد المرسلين ..!!

نطمح إلى قيادة وإدارة تدير مشروع الأمة الأعز تتحد فيه الرؤية والموقف التركي - العربي ، وإذا تفحصنا خلفيات أي صراع يفتعله البعض أو الأبعاض على محور مفتعل للتناقض العربي - التركي أو العربي - التركي - الكردي فلن نقبض غير الريح، ولن نحصد غير الهشيم .

سورية اليوم هي جبهة من جبهات الأمة الساخنة المفتوحة كما هي في العراق وفي لبنان وفي فلسطين وفي اليمن . ولا يخدع غير أنفسهم المراوغون ..

نطمح إلى جبهة عريضة تركية - عربية تصد عن المنطقة وعن الشام خاصة غزوات المغول ومكر الفرنجة أجمعين ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

من منجزات الثورة السورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 6/3/2021

لا بد من التأكيد، من دون مبالغة، على أن السوريين أنجزوا إحدى أعظم الثورات في ماضي البشرية وحاضرها، وأن ثورتهم انطلقت على الرغم مما كان قائما في سورية من موازين قوى بين الأسدية وبينهم، ومرّت بأطوار إعجازية، أبدى المواطن السوري فيها من البطولة ما ينتمي إلى عالم الأساطير، فلا عجب أن بلغت مآلاتٍ سيكون مستحيلا بعدها استعادة الوضع السابق لها، بالنسبة لطرفيها كليهما، فلا الأسدية ستتمكّن من ردّ المواطن إلى الزمن السابق لعام 2011، ولا المواطن سيقبل، تحت أي ظرف، الرجوع إلى الذل الذي ثار عليه، واستشهد بالملايين ليتخلص منه، ويعيش بكرامة وحرية وعدالة ومساواة، في ظل نظام لا يستعبده بعد نظام الأسدية الذي خال أن رضوخ السوريين له صار أبديا، وأن ما اصطنعه من استبداد منظّم يحول بينه وبين أن يكون إنسانا جديرا بالحياة، أو مؤهلا لها.

إذا تذكرنا موازين القوى التي كانت قائمة بين تماسك جيش وأجهزة الأسدية وتنظيمهما، وتأملنا ما أعداه ليوم كرسا له طاقاتهما، هو يوم المعركة ضد الشعب، والتي ترجمت إلى انقضاض وحشي عليه في كل مكان، واستخدمت ما راكمته من قوة وسلاح ضده، وحملته من حقدٍ عليه، وقارنا وضعها هذا بوضع مجتمعنا الذي استهدفته، منذ اليوم الأول لاستيلائها على السلطة، وعملت لتقويض لحمته الجامعة، وشحنته بتناقضاتٍ أوكلت إليها تمزيق صفوفه وتوتير علاقاته وإبعادها عن العيش المشترك، وإخضاعها لقدرٍ لا يني يتزايد من العداء، بينما سلطت عليه عالما سفليا منظّما ومزودا بكل ما يلزم لسحق المواطنين، جسّدته أجهزة رأت في حريتهم خطرا يهدّد وجودها. ومع ذلك، تخطى الشعب، بعفويته وشجاعته، فارق القوة بين السلطة وبينه، منذ بدأ حراكه السلمي والمدني. ولم تبدّل هذا الواقع تنظيمات إرهابية مذهبية، قاسمت الأسدية عداءها للحرية ولوحدة السوريين شعبا تجمعهم سوريته، ونجح المجتمع السوري الذي خالت الأسدية أنها حطّمته بما عرّضته له من ظلم واضطهاد، فأخبرها أن ظلمها واضطهادها هما ما دفعاه إلى الثورة، وإلى تمسّكه باستمرارها، مهما كان الثمن الذي تتطلبه، ما دام ثمن كرامته وحريته أغلى وأعلى قيم تجعل الحياة جديرة بالبشر والبشر جديرين بقيمتهم الإنسانية التي لا تعادلها قيمة.

الإنجاز الآخر للثورة إنه كسر نظاما همجيا ووحشيا بتلقائية الإنسان التي تحتضنها الحرية المتأصلة فيه، ومكّنته من أن يواجه بما حبته الطبيعة به من صلابة قوة وظلم وكذب استبداد بني على الغدر والخديعة، مارسه من بدا قويا طوال عقود على من خاله ضعيفا، وانتهي بنزال قوته ما كان كامنا في أرواح السوريين من طاقة، لم يحسب الاستبداد حسابا لها، وهو يزهو بجيشه وأجهزته السرية، ويضحك، في سرّه، وهو يتأمل الخراف التي أعدها للذبح، واكتشف، خلال ثورتهم، أن حرّيتهم جعلتهم نسورا غرست مخالبها في لحمه، وألقت به إلى مهاوي هزيمةٍ لن يخرج منها، أو يتجاوز نتائجها، بعد أن أنزل شعبه به قدرا من الدمار لن يستعيد بعده وضعه قبل النزال العظيم، أي قبل الثورة التي أبلى أبناؤها، إناثا وذكورا، من البطولات ما لم يكن يخطر ببال أحد!

بهذا الانقلاب الثوري، صارت الأسدية وراءنا، مهما فعلت، واستنجدت بالمحتلين والغزاة. ولن تكون سورية القادمة لها، بل ستكون بالأحرى لنا، بما أننا سنواصل ثورتنا التي باغتنا أنفسنا وأعداءنا والعالم بها، وسنعزّز حريتنا التي طردت الأسدية من نفوسنا، قبل أن تقوّضها في واقعنا، وستستكمل القضاء عليها، وعلى أي مظهرٍ من مظاهر الاستبداد، مهما طال الزمن، أو كان التيار والمذهب الذي ينتمي إليه، فالحرية ثورة ومعركة، والسوريون أثبتوا عشرة أعوام أنهم رجالها.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com