العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-12-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سوريا بين احتلالين

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الخميس 10/12/2020

تكاد الظروف المرافقة لمآلات الملف السوري على المستويين الدولي والإقليمي أن تقترب من حيثيات ما كان عليه الوضع في سوريا إثر الاعتداء الأعظم الذي شنّه نظام الأسد على أهل غوطة دمشق من المدنيين العزل، مستخدما السلاح الكيميائي المحرّم دوليا في ليلة 21 أغسطس من العام 2013.

في ذلك التاريخ كان المجتمع الدولي في حال من الجاهزية والاستنفار القصويين، لإيقاع العقوبة الأشد على أجهزة النظام ومفاصله الأمنية، التي ساهمت في التخطيط والتنفيذ لتلك المجزرة الأعنف في التاريخ الإنساني المعاصر، وقد خطفت قلوب العالم لوعة وغضبا.

يومها لم تكن موسكو محسوبة على الدول الداعمة عسكريا ولوجيستيا بصورة مباشرة للنظام السوري في حربه ضد شعبه، وكانت دولة الولي الفقيه وحدها من تتحكّم من طهران بخيوط اللعبة الدموية على مجمل الأراضي السورية، إلى جانب قوات الأسد.

تمكّن الأسد الأب من الإفلات من الاستحقاقات الملزِمة بالمناورة على المواثيق الدولية، ليحكم البلاد منفردا تحت شعار “اللاحرب واللاسلم”

إلا أن الطرفين، الأميركي والروسي، سارعا في اجتماعهما الذي انعقد في 14 سبتمبر 2013 في مدينة جنيف إلى إبرام اتفاق نصَّ في أحد بنوده الأساس على أن “الولايات المتحدة وروسيا تطلبان من منظمة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية، الموافقة على إجراءات غير عادية خلال أيام معدودة لتدمير برنامج الأسلحة الكيميائية السوري على وجه السرعة، والتحقق بطريقة صارمة من تنفيذ المهمة”. وشارك المبعوث الأممي إلى سوريا في حينها الأخضر الإبراهيمي، في جانب من المفاوضات.

الاتفاق بين موسكو وواشنطن أسفر عن رفع حبل المشنقة الدولية عن رقبة النظام، مقابل كشفه وتسليمه كافة الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها؛ سيناريو يقارب ما حدث في ليبيا حين شرعنت الولايات المتحدة استمرار الزعيم الليبي معمّر القذافي على رأس السلطة في بلاده، مقابل التخلّص من مخزونه لأسلحة الدمار الشامل وإتلافه في عرض البحر على متن سفن متخصّصة، وذلك قبيل دخول الجيش الأميركي العراق في العام 2003.

الحدث الليبي وقع في عهد الرئيس جورج دابليو بوش، فهل تمكّن خلفه، باراك أوباما، إثر تجريد النظام من أسلحته المحرّمة من إنقاذ سوريا والسوريين من تراجيديا مُحققة، مازالت رحى فصولها تطحن مصائر السوريين حتى تاريخ كتابة هذه السطور، أم أن أوباما، بالاتفاق مع نظيره الروسي بوتين، أفرغ المسدس من طلقة واحدة، تاركا بيد القاتل العشرات من الطلقات ذخيرة له في حربه على أهل الشام؟

الأجوبة الصعبة حملتها أحداث مرعبة تلت نجاة النظام السوري من القصاص، بعد أن استجمع قواه وعاد أكثر عنفا وتصميما على الاستمرار في حرب براميله المتفجرة، بل وأشرع الطريق أمام التدخل الروسي بطلب رسمي من بشار الأسد، بحجة حماية سوريا من التنظيمات الإرهابية، ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان في طريقه للتشكّل.

نفّذ سلاح الجو الروسي في 30 سبتمبر من العام 2015 أولى هجماته التي استهدفت مواقع المعارضة، بالطبع، ولم تستهدف يوما بؤر الإرهاب، الذي هو أصلا صنيعة الأسد المخابراتية بامتياز لتيسير التدخل الروسي، وقد أمسى ذكرى سوداء في دفتر أحزان السوريين.

إثر سيطرة القوات الجوية الروسية على الأجواء السورية، مدعومة بقوات مقاتلة لميليشيات الولي الفقيه الإيرانية وقوات الأسد على الأرض، اتّسعت رقعة استهداف المناطق التي حررتها المعارضة، وكانت مساحتها في ذلك الوقت قد بلغت ما يعادل ثلثي مساحة سوريا.

بدأت المدن والقرى تسقط الواحدة تلو الأخرى بيد النظام وحلفائه، دافعا من نجا من أهلها إلى النزوح نحو الشمال، في أكبر عملية تهجير وتغيير ديموغرافي قسري شهدها التاريخ المعاصر، بينما تعاظم عدد المغادرين للأراضي السورية هربا من دوامة العنف، حتى بلغ ما يقارب السبعة ملايين لاجئة ولاجئ، انتشروا في الأرض، ومنهم من لم ينج من غدر البحار وقضى غرقا قبل أن يبلغ اليابسة على الضفة الأخرى من العالم “المتمدّن” الذي كان شاهدا سلبيا على مأساة إنسانية مرعبة!

يذكر التاريخ السوري المعاصر أنه في نوفمبر من العام 1991، انطلقت في جنيف مفاوضات سلام بين حافظ الأسد وإسحاق رابين. وفي الشهر نفسه من العام 2020 اختتمت في جنيف أيضا جولة جديدة من المفاوضات بين وريث النظام السوري بشار الأسد وقوى المعارضة السورية.

المفاوضات الراهنة استندت إلى القرار الأممي رقم 2254، وتديرها اللجنة الدستورية المختارة من أطراف المعارضة والمجتمع المدني والنظام، ويفترض أن تخلص إلى كتابة دستور سوري جديد وإطلاقه للاستفتاء الشعبي العام.

القاسم المشترك بين الحدثين هو تلك “التقيّة السياسية” التي انتهجها الأب والابن، على تناقض الطرف المقابل لهما في المفاوضات، بين عدو محتل في الحالة الأولى، وابن البلد وصاحب الحق في الثانية، وبهدف وحيد للرجلين هو الاستمرار في القبض على عنق السلطة مهما غلا الثمن، الذي يتم تسديد فواتيره من خزينة الدم السوري المسفوح.. ولا حسيب.

يكاد الأسد الأب لا يختلف في إدارته لمفاوضات السلام عام 1991، عن سياسة ابنه في مناوراته الهزلية خلال المفاوضات الجارية بهدف إحباط الزخم الأممي لإنهاء معاناة الملايين من السوريين والتعاطي بجدّية ومسؤولية مع الاستحقاقات السياسية السورية للعام 2021.

لم تكن موسكو محسوبة على الدول الداعمة عسكريا ولوجيستيا بصورة مباشرة للنظام السوري في حربه ضد شعبه، وكانت دولة الولي الفقيه وحدها من تتحكّم من طهران بخيوط اللعبة الدموية

ففي الحالة الأولى، تمكّن الأسد الأب من الإفلات من الاستحقاقات الملزِمة بالمناورة على المواثيق الدولية، ليحكم البلاد منفردا تحت شعار “اللاحرب واللاسلم”؛ شعار فضفاض اتخذ منه دريئة يحتمي خلفها ويبرّر استمراره في طغيانه، في ظل قانون طوارئ منحه سلطات مطلقة استخدم خلالها ألوان العنف كافّة للقضاء على معارضيه. أما ابنه، وريث عهده وتقيّته، فبالعقيدة عينها كرّر محاولات الهروب إلى الأمام، منذ إطلاق بيان جنيف 1، مرورا بالجولات التفاوضية الثماني التي ترتّبت عليه، وصولا إلى الجولة الدستورية الراهنة.

قد لا يختلف الاحتلال الخارجي لأراضٍ سورية من طرف عدو غريب عن احتلال داخلي قوامه نظام موغل في العنف والإنكار والتعسّف، ودوائر دولة ينخرها الفساد والارتهان والتغوّل، وأجهزة أمنية هي أقرب إلى المسالخ البشرية منها إلى مؤسسات قانونية لحفظ أمن المواطن، لا الاعتداء عليه والتنكيل به.

وتبقى الضحية العالقة بين فكّي الاحتلالين هي جوهر الوجع السوري الذي لا ينتهي.. ولا من مغيث.

=========================

موقفنا : غبار يثار ...حول خطاب بشار الأسد في حضرة موظفي الأوقاف !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

13/ 12 / 2020

تابعت منذ نحو أسبوع خطاب بشار الأسد في حضرة موظفي الأوقاف التابعين عبر وزيرهم ، لما يسمى الحكومة الأسدية..

قرأت ما فيه ، ولفتتني فيه أفكار وعبارات تستحق الالتفات ، ولكن لعلمي بالقائل أسقطت القول ، وأدرت ظهري له ، وتجاهلت ما قيل ، وقلت لا يحسن أن نضيع وقتنا في حديث يرويه مسيلمة عن سجاح ..

ولكنني فوجئت أن ذاك السحاب الخلّب ، أصبح مادة لمطر أسود ، يمطرنا به بعض البعض من البعض ، المعادين لسورية المجتمع والحضارة والثقافة والتاريخ ، المتمسكين بعصبوية تاريخية زميتة ضيقة ، لم يبق منها إلا ما يدلل على جمال الحضارة الأم التي منها يتهربون ، ولو على غير ضفاف هذا النهر عاشوا لعدت عليهم العوادي منذ قرون  .. وقديما قالت العرب : " من كانت له شعرة في جمل أناخه " . فأي إنصاف لدى قوم هذه ثقافتهم ..

من متابعة عابرة لصفحات الموالين ، وجدت بشار الأسد قد تعرض لحملة غير هينة من أنصاره ومواليه،  لحديث الدهان ، الذي ألقاه في حضرة شريحة هو حريص على مواصلتها والصلاة ، ولو بدون وضوء ، خلفها . مع علم الجميع أنه ينام حقيقة في مخادع المحتجين على كلامه ، من كان منهم في الداخل أو الخارج على السواء.

ثم تتابعت ردود الفعل على الطرف الأخر ممن يسمون أنفسهم معارضين ، واتخذت من حديث بشار الأسد ، جسرا للنكران والجحود والادعاء والافتراء وللغمز واللمز من هوية سورية المتمثلة في إسلامها " دينا وقيما وحضارة " وفي عروبتها " " انتماء وثقافة " ..

ولم يبق حسب تعبير الكتاب المقدس " قائد عشرة " ولا " قائد مائة " إلا وأصدر بيانا يحتج ويرتج ، ويندد ويسخر ، ليس من بشار الأسد ، فلسنا في وارد الدفاع عنه ولا عن قول قاله في شيء ، ولكن من الحقائق التاريخية والكونية  ، التي طالما استهلكها بشار الأسد وهو يتخفى خلفها ، ويتستر بها..

بشار الأسد الذي مازال العالم يعترف به، ويتعامل معه، ويمكنه ويحميه لأنه " حامي الأقليات" أي حامي ما مجموعه " 20% " في المائة من السوريين ، ومدمر 80% منهم  . بشار الأسد الذي لم نسمع من مرجعية دينية ولا مذهبية ولا عرقية البراءة منه ، ولا الثورة عليه ، بل ما زالت المرجعيات المعتمدة ، منها تنافح عنه وتعيد تسويقه ،  ومن ثار عليه منها  ثار لمصلحة أجندة فئوية تستهدف وحدة سورية أرضها وإنسانها ..

إن لعبة توزع الأدوار " قرص في كل عرس " سياسة معروفة وممجوجة ، لا تخفى على الذين ، يراقبونها ولو صمتوا . حتى الأسر الكبيرة في أحيائنا الشعبية ، كانت تجيد أن يكون من أبنائها رجال في كل حزب وتجمع سياسي أو شعبي ، ثم يلتقي الجميع ليلا في الديوان  وتحت إمرة كبير الأسرة أو المختار ..

ولا نستطيع أن نغفل - في هذا السياق - أن كل ما بتنا نسمعه اليوم من تراتيل وهمهمات ما يسمى " معارضة أو مطاولة " يأتينا برموز ملحونة ليس للثورة ولا للثوار ، ولا لسورية الهوية المستهدفة المقتولة المعتقلة المهجرة المضطهدة فيها شروى نقير .

ولن نختم المقال قبل هذه المقاربة الرياضية البينة الواضحة ..

ووصل الفاتحون المسلمون العرب إلى بلاد الشام ، في القرن السابع للميلاد وسكانها أخلاط من عرب / غساسنة في الجنوب ومناذرة في الشمال الشرقي/ وآراميون - سريان- ، وآشور وكلدان وبقايا رومان لم يغادروا مع المغادرين ، وذاب كثير من هؤلاء في بوتقة الدين الرحمة، والثقافة السائدة،  الثقافة القابلة، الثقافة المتطورة ، الثقافة المتعالية ، وبقي بفعل الحرية التي كان يتمتع بها الجميع هوامش أصغر من كل هذه الفئات ، على ما ورثوه ..وما زال بقاؤهم على ما يحبون حقا لهم محترما ومشروعا ، ولا منّة لأحد عليهم فيه .

وسؤالنا المشهر والمفتوح هل الأرامي - السرياني - الآشوري - الكلداني -  الذي أسلم ، فقد حقه في التعبير عن هويته الأصلية ، وأن التعبير عن هذه الهوية هو حكر فقط على من أبى ..؟؟!!

مسلمون ونعتبر إسلامنا امتدادا لقيم جاء بها إبراهيم وموسى وعيسى وبشر بها من الأنبياء يونس وصالح وداود وسليمان وزكريا ويحيى..

عرب ونعتبر عروبتنا البوتقة الثقافية الحضارية المتعالية التي اندمجت في بوتقتها الأعراق ، وامتزجت في إطارها الثقافات ..

الفخر بالمكون الحضاري التاريخي بكل تجلياته في بلاد الشام  حق لكل سوري ، وليس حكرا على فئات محدودة تريد أن تحتكر وراثة قوم أو ثقافة أو حضارة  . فنحن المسلمين العرب السوريين ، الحاملون الحقيقيون لإرث الفينيقيين والكنعانيين والعموريين والآشور والكلدان وكذا مكونات ما بعد الفتح الإسلامي إرث السلاجقة والكرد والشركس من فرسان الإسلام ، حمولة يشاركنا فيها من رغب عن حب ، ولكن لا ينازعنا فيها  أبدا أحد ..

لستُ عربيا أكثر منكَِ ، ولا أنتَِ سرياني أو آرامي أو فينيقي أو كلداني أو سلجوقي أو كردي   أكثر مني . وهذه لجاجة يجب أن تخصم ...

وأعود إلى خطاب بشار الأسد لأذكّر بقول العرب " وقد يصدق الكذوب " وفي قول بشار الأسد إن الدين هو جوهر الفكر في المنطقة والشرق لأنه يدخل في كل جوانب الحياة . حقيقة تستحق التأمل ..وهي تنطبق على الذين يوافقون وعلى الذين يخالفون، على السواء..

حتى الذين ينازعون في هذا ، إنما يفعلون ذلك بخلفيات دينية مدغمة ، مموهة بكلام ليس له إتاء .

وقديما قالت العرب :

وبعض القول ليس له عناج ...كمخض الماء ليس له إتاء

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

الحل السوري ومأسسة الاستبداد والنهب

حيّان جابر

العربي الجديد

الخميس 10/12/2020

هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية؛ اللجنة الدستورية؛ وفد المعارضة؛ وفد الحكومة السورية؛ الوفد الوطني؛ أستانا؛ سوتشي؛ جنيف، وأسماء وتسميات عديدة تمخضت عنها الجهود الأممية والدولية الساعية إلى حل القضية السورية، على مدار السنوات الماضية، قرابة التسع سنوات، من دون أن يبصر الشارع السوري سبيل الحل، أو يلمس بعض منجزاته الأولية، الأمر الذي دفع عديداً من فئات المجتمع السوري وطبقاته وشرائحه إلى تجاهل هذه اللقاءات كلياً، وتحاشي متابعة أخبارها ومداولاتها، وهي حالةٌ طبيعية لفقدان ثقة الشارع السوري بهذه اللقاءات، وبرُعاتها الأمميين أو الدوليين، كمنظمة الأمم المتحدة وروسيا وتركيا وإيران، وأميركا طبعاً، من دون أن نغفل اهتمام جزء كبير من النخب السورية بهذه الاجتماعات، وكأنها سبيل الخلاص السوري الوحيد، وربما الأوحد، في اعتقادهم.

اعتقد أن الاجتماعات الجارية تحت عنوان حل القضية السورية، منذ بداياتها الأولى في نهاية عام 2011، التي تواصلت وتكثفت في السنوات اللاحقة، لن تفضي إلى تغير نسبي أو جذري يلامس طموحات الشارع السوري الوطني، لكنها ستفضي، لا محالة، إلى تغيّر ما، لكنه تغيرٌ يناقض تطلعات السوريين وأهداف ثورتهم التي تفجّرت في بدايات الـ 2011. لذا، هي لقاءات عبثية من زاوية المصلحة الوطنية السورية، وغير عبثية في ما يخص مصالح القوى الدولية الفاعلة في الشأن السوري، لذا تجد نفسك تتفق مع غالبية آراء الشارع السوري التي تتجاهل متابعة حيثياتها وأخبارها، خصوصاً من يعبّر منهم عن رفضها ومقاطعتها وضرورة تجاوزها.

من الصعب على قوى الاحتلال الخارجية الفاعلة في سورية، روسية وتركية وإيرانية، التسليم بإخلاص نظام الأسد الشمولي الفردي لهم، مهما بلغ اليوم من ضعفٍ وترهل

لا تعمل هذه اللقاءات على رسم طريق الانتقال الديمقراطي السوري، بل على العكس، تعمل على رسم طريق مأسسة نظام الاستبداد والنهب القائم في سورية، فهي تهدف إلى تحويل النظام من بنيته الحالية المتمحورة حول الفرد إلى بنيةٍ أكثر ثباتاً وتماسكاً وقدرة على الصمود والبقاء، قائمة على مأسسة النظام الحالي، والحفاظ على جوهرة الاستبدادي النهبي. طبعاً مع ملاحظة دور الاجتماعات أيضاً في ضبط الصراع الدولي على سورية، ومحاولة حسمه بأثمانٍ منخفضة عبر تجنب الصدامات المباشرة طويلة الأمد. حيث يبدو أن استمرار نظام الاستبداد والنهب الحالي المستند إلى أفراد يتناقض مع تطلعات القوى الدولية ومصالحها، قريبة وبعيدة المدى، تماماً كما يتناقض النظام الديمقراطي معها، فالنظام الذي يتوافق مع مصالحها وتطلعاتها يتجسّد في المحافظة على جوهر النظام الاستبدادي والنهبي، مع تحويله إلى عمل مؤسساتي منضبط وغير خاضع لسيطرة ونفوذ وهيمنة شخصياتٍ بعينها، وفي مقدمتها رموز النظام الحاليين كالأسد، كي تتحرّر قوى الاحتلال من مركزية الفرد وتقلباته المضرة بمصالحها، فقد أسهمت مركزية الفرد وسلطته سابقاً في تقويض مصالح بعض القوى الدولية، وفي مقدمتهم الروس والأتراك والفرنسيون، وبدرجة أقل الإيرانيون. وقد طوى الأسد الأب صفحة النفوذ والمصالح الروسية في سورية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، معتبراً أنها فرصة سانحة للتقرّب من المجتمع الدولي والإدارة الأميركية في حينه. وهو ما تكرّر لاحقاً مع الحليف الإيراني في نهايات حقبة الأسد الأب وبدايات حقبة الأسد الابن، عبر القفز من المركب الإيراني إلى المركب التركي في حينه، ليفتح الأسد البلد تماماً أمام الطموحات والمطامع والاستثمارات التركية، من دون أي قيود، بل تماهى الأسد مع السياسة والتوجهات التركية بصورة مطلقة، وصلت إلى درجة استنساخ بعض القوانين التركية كما هي، منها قانون حظر التدخين في الأماكن المغلقة. ومن ثم عاد الأسد الابن عن هذا التحالف، بعد تجاهله النصائح التركية في ما يخص التعامل مع الثورة السورية، ليعود إلى حلفه القديم مع إيران وروسيا، وينقلب على تركيا هذه المرة.

وعليه، التقط نظام الأسد المبنيّ على إمساك الأسد وعصابته الضيقة بجميع مفاصل الحياة السورية، أمنية واقتصادية وسياسية وإعلامية وعسكرية، زمام الأوضاع في سورية، ما مكّنه من قلب الطاولة على حلفائه في اللحظة السانحة دولياً، كانهيار الاتحاد السوفييتي، وتصاعد الخلافات الأميركية الإيرانية، ومن ثم الأميركية التركية، من خلال تحكّم الأسد المطلق والمباشر بجميع ركائز النظام الشمولي، وهو ما منح الأسد مرونةً نادرةً لم تحظَ بها سائر أنظمة المنطقة الاستبدادية المؤسساتية، كالنظام السعودي مثلاً. لذلك، بات من الصعب على قوى الاحتلال الخارجية الفاعلة في سورية، روسية وتركية وإيرانية، التسليم بإخلاص نظام الأسد الشمولي الفردي لهم، مهما بلغ النظام اليوم من ضعفٍ وترهل وربما تفكك.

تعادي الدول أي نظام ديمقراطي سوري حر ومستقل، نظراً إلى تهديده مصالحهم المباشرة على المدى القريب

بالتالي، تتفق الدول التي تحتل الأرض السورية على قاعدتين رئيسيتين: معاداتهم الفجة لأي نظام ديمقراطي سوري حر ومستقل، نظراً إلى تهديده مصالحهم المباشرة على المدى القريب. والانتقال من نظام النهب الاستبدادي فردي الطابع إلى نظام قائم على توازنات معقدة بين مجموعاتٍ متعدّدة من مراكز القوى المتنافسة فيما بينها، على الصعيدين، العام والخاص. يحصل ذلك على مستوى الصراع بين القوى المهيمنة سياسياً، ونظيرتها المهيمنة اقتصادياً، وكذلك بما يخصّ الصراع داخل كل إطار على حدة، كالصراع على السيطرة السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، بل قد نشهد كذلك نوعاً من الصراع الجغرافي على الجهة أو الأطراف المهيمنة على المناطق، كصراع السيطرة على دمشق؛ حلب؛ اللاذقية؛ وغيرها من المدن والبلدات ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، فبهذه الصورة، يتحول النظام الحاكم في سورية إلى أداةٍ طيعةٍ في يد قوى الاحتلال عموماً، والقوة المهيمنة منهم خصوصاً، ما يفقد الأسد وعصابته المسيطرة على سورية، أو ربما التي كانت مسيطرة عليها، قدرتهم على المناورة مستقبلاً، مهما تبدلت الأوضاع والأحوال الدولية. 

في النهاية، يبدو من التأجيل المتواصل لحل القضية السورية، حجم الصعوبات التي تعترض طريق المخططات الدولية سابقة الذكر من ناحية، ومدى التنافس الدولي الذي يغذّي مطامح جميع الأطراف في زيادة حصتها من ناحية ثانية، وهو ما يمنحنا مزيداً من الوقت، لإفشال هذه المخطّطات، أو على الأقل عرقلتها عبر استنهاض قوى الشارع السوري، وفق رؤية وطنية وثورية وتحرّرية، تعبّر عن غالبية السوريين المسحوقين والمظلومين والمهمّشين اليوم، لكونها سبيل التحرّر من الهيمنة والسيطرة الدولية، ومسار الانتقال الديمقراطي، وطريق بناء دولة العدالة والحرية والمساواة الوحيد.

=========================

عن العشريات السورية في موسمها

موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 9/12/2020

تحضر إلى الذاكرة مؤخراً، من دون مناسبة، نظرية كارل ماركس حول الأزمة الرأسمالية، حين يتناوب الازدهار والجمود على اقتصادها، والتضخّم والركود، كلّ عشر سنوات تقريباً.. ومع إهمال ذلك التنبّؤ المحدود الذي يخص ذلك المجال لموجة تحوّلات مسار الرأسمالية، لم يكن في العقود الأخيرة ألّا يجري استحضار منهج ماركس في تحليل الاقتصاد، حتّى لدى عتاة الرأسمالية.

وحضور تلك المقولة لا يعني بالضرورة تجسّدها في أحوالنا أبداً، لكنها مجرّد خاطرة في زمان الرماد، يمكن رميها جانباً على الفور، مع الإشارة إلى أن ما مرّ بنا في سوريا، يكاد ينقسم أيضاً إلى عشريات على الطريقة ذاتها، من دون اقتصاد رأسمالي حقيقي، ولا أزمات تشابه تلك الأزمات المشار إليها.

في البدء تأسست سوريا الحديثة في عام 1920، من دون بنية متكاملة، ثم تمّ وضع مشروع دستور جمهوري في 1928، لم يُعتمد من قبل القوة المنتدبة – إلا بعد إضافة مادة في نهايته – عام 1930، في التاريخ الذي كان البعض يرى فيه بداية «الجمهورية الأولى». وفي عام 1941 اعتُمد مبدأ استقلال سوريا للمرة الأولى، والسير باتّجاه أوّل انتخابات ديمقراطية، فازت فيها الكتلة الوطنية فوزاِ كاسحاً في عام 1943. ورغم انقلابات 1949 العسكرية، لم يغب نفوذ الديمقراطية على الإطلاق، وتمّ وضع أوّل دستور حديث وديمقراطي عام 1950، كان من الناحية النظرية تأسيساً لانقلاب 1954 الديمقراطي تماماً. وانطلقت الحريّات إلى مداها بعد ذلك، ليكون الاستقلال ضحيّتها لمصلحة الوحدة مع مصر، التّي طالبت بها الملايين في الشوارع. وفي عام 1960 وصل المشروع إلى مداه في الفشل، وتهيأ السوريون للانفصال عن الوحدة كما حدثت فعلياً، من دون تراجع عن الإيمان بها. وذلك كان تحضيراً مثالياً لانقلاب الضباط البعثيين في مارس 1963.. حتى استقرّ الأمر على انقلاب حافظ الأسد – الحركة التصحيحية – في عام 1970، الذي وقعت السلطة في يديه آنذاك ثمرة ناضجة لا يصارعه أحدٌ عليها.

واجتمع لحافظ الأسد آنذاك جيش قوي وحديث، بناه السوفييت لإزالة آثار عدوان إسرائيل 1967، وأراد له الأسد وظيفة أخرى. كما كان قد ابتدأ ببناء منظومة أمنية مركّبة ممسوكة بشكلٍ مركزي حازم.. كما استفاد من انعزالية رفاقه، الذين انقلب عليهم، وطهرانيتهم ليجمع حوله الطبقات والطوائف والقوميات، ومعظم القوى السياسية الموجودة آنذاك، ووقفت الجماهير معه، بشكلٍ يذكّر نسبياً بالجماهير الغفيرة التي أسست الوحدة مع عبد الناصر. وبعد ذلك انهمرت المكافآت عليه من الخليج، واستطاع غزو لبنان برضا العرب وإسرائيل وكثير من اللبنانيين أنفسهم.. فابتدأ حظه بالتغيّر رويداً رويداً. حتى جاء وقت العشرية التالية.

انتفضت النقابات المهنية وما بقي من القوى الديمقراطية في عام 1980، وبدا وكأن الأسد يفقد قوته أمام الإضرابات، واجتماع الناس ضد سياساته الاستبدادية والطائفية.. عندئذٍ ظهرت الخطة «ب» القائمة أساساً ولم يدر بها أحد تقريباً.. وتقضي تلك الخطة بالانقضاض من دون أية رحمة، أو تحفّظ على من يقف في وجه النظام، ومن لا يقف أيضاً. فاستغلّ هجمات الإسلاميين الجهاديين المتطرفة، ونفّذ بالسجناء العزّل في سجن تدمر مجزرة هائلة في يونيو 1980؛ ثمّ دفع بهم إلي الزاوية في حماة، وانقضّ عليهم وعلى المدينة بكامل ثقله، في مجزرة كانت ضحاياها عشرات الآلاف، لم يفق منها السوريون إلّا بعد ثلاثين عاماً تقريباً.

 

بانتهاء العشرية الأخيرة، ومرور سنوات عشر على الثورة بعد أشهر قليلة، يتساءل المرء عن إمكانية العودة والنهوض

 

في العشرية التالية، سنحت للأسد فرصة جديدة نادرة للخروج من مأزقه، حين اجتاح صدام حسين الكويت، واجتمع العالم لتحريرها بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وانضم إليهم الديكتاتور السوري باستعراض شكلي كبير. وكان قد ابتدأ التفكير بخلافته، ويريد اقتناص أية سانحة لتحضير خليفته الذي كان آنذاك ابنه باسل. فقام ببعض الانفتاح، والإفراج عن جزء من السجناء السياسيين، وحاول قوننة الفساد عن طريق نسيبه الجبار محمد مخلوف.. وأصبح ضباط الأمن أكثر لطفاً من السابق، خصوصاً بعد موت ابنه باسل، وظهور طموحه لتولية ابنه بشار بعده، ذلك الولد الضعيف عديم الكفاءة، الذي يحتاج إلى أكثر مما كان أخوه يحتاج من العوامل المساعدة، ومنها ضمان الورقة اللبنانية في يديه، واسترضاء قطاعات أكبر من الناس.

مات الأسد الكبير، وجاء بعده الصغير بلعبة فاجرة مكشوفة.. وقام هذا بتقديم وعود ومواثيق للناس في خطابه المباشر، بعد انتخابه ووقت تنصيبه، في ما عُرف لاحقاً باسم «خطاب القسم». وفيه، لم يتحدّث عن التطوير والتحديث في الحقل الاقتصادي وحده، بل أيضاً عن الرأي الآخر، وضرورة احترامه وتقديره، وكانت مثل تلك المفاهيم سابقاً كفراً بالاستبداد وشرعيته.. فأقدم الناس، تقودهم نخبهم المثقفة والسياسية، على «ربيع دمشق» وعاشوا الحلم لعام أو يزيد. فظهرت البيانات التاريخية مثل بيان 99، ثم بيان الألف، وتأسست المنتديات الديمقراطية، ولجان إحياء المجتمع المدني، حتى انقضاض الأسد الصغير على ذلك الربيع في سبتمبر 2001، وازدياد شوقه لأبيه. في منتصف تلك العشرية اغتال النظام وحزب الله ـ أيهما؟ لا يهم ـ رفيق الحريري، وتأسس أوسع ائتلاف معارض في تاريخ سوريا في «إعلان دمشق» ضدّ النظام، ومن أجل التغيير الديمقراطي. وفي نهايتها، وبعد أن كاد الظلام يخيّم وينتصر، ابتدأ الربيع العربي من تونس مع نهايات عام 2010 ثم في مصر في ثورة 25 يناير.. وليبيا واليمن. فكانت الثورة السورية، الخيال البعيد المنال، وكان الحراك الأعظم في تاريخ سوريا الحديث ابتداءً من 15 ـ 18 مارس 2011.

ليس من السهل على غير السوريين أن يتخيّلوا ما حدث لهم في ذلك العام، حين انطلقوا إلى الشوارع وامتلكوها بسرعة وتدرّج، وحشدوا في ما بعد مئات الألوف من المتظاهرين المسالمين، ابتداءً من حماة ذاتها، المكلومة الجريحة التي كان النظام يأمل بأن تعود إليه بالسلاح، تطلب الانتقام والثأر لضحاياها.. وعاش الناس عاماً ـ وربّما عامين – من الفرحة الكبرى، التي لا تطفئها حتى جراحها، وهي تموت أمام نيران الديكتاتور وجيشه وأجهزة أمنه العملاقة. عجزت المعارضة التقليدية عن تأمين قيادة سياسية متماسكة للانتفاضة، وعجزت طلائع شباب الثورة عن التطوّر وتأسيس مثل تلك القيادة أيضاً. فتأرجح الدعم الخارجي بين الغلوّ في الدعم والتأييد من جهة، والتمسّك بالأسد بين اليدين، من دون المغامرة بتغيير لا يوجد بديل مقنع له.. ذلك ما كان، وليس ما ينبغي أن يكون. فكان من الطبيعي أن يستولد القمع وسفك دماء السوريين المسالمين مقاومة مسلحة في البداية، ثمّ يستدعي أشباح أولئك «المجاهدين» من مكامنهم في الداخل والخارج، وتنشأ حالة قتال أقرب إلى الحرب الأهلية منها إلى الثورة، وحالتين «جهاديتين» عادت إحداهما – نظرياً- من أفغانستان طلبا للثأر و»إعلاء كلمة الله» وجاءت الأخرى من إيران، لتثأر لزينب التي لم يسبها السوريون.

أصبحت سوريا ثلاثة أقسام من حيث المبدأ، وأكثر من ذلك عملياً وعلى الأرض، وغادر نصف أهلها منازلهم إلى غير أرض وغير بلاد، بعد أن راح منهم مليون شهيد، ومثلهم من ضحايا الحرب. وتناهشت الأطراف المحيطة والخارجية ما بقي من أجسام المعارضة.. وغطّت شظايا سوريا وجه الأرض بعد انفجارها، بفعل سلطة الاستبداد وسيدها أولاً، واتّضاح خطتها الدائمة باستهداف الشعب من دون أي رادع، ولتذهب البلاد إلى الجحيم..

وبانتهاء العشرية الأخيرة، ومرور سنوات عشر على الثورة بعد أشهر قليلة، يتساءل المرء عن إمكانية العودة والنهوض، في زمن ترامب وطغيان الشعبوية، وهروب العديد من العرب من إيران إلى الإسرائيليين.. ولا يجد إجابات إلّا في محاولات متكررة جوفاء هنا وهناك، تقرع أواني الطبخ، ولا تشبع إلّا خيالات أصحابها.. رغم ذلك، واحتفاظاً بأيام خالدة.. لن نحتفل بقدرتنا على الأمل كما اعتدنا، ولكننا سنترك الباب مفتوحاً، رغم البرد القارس!

كاتب سوري

=========================

يوميات مرتزق روسي في سوريا

بسام مقداد

المدن

الثلاثاء 8/12/2020

خرج الموقع الإعلامي الناطق بالروسية "Meduza" المسجل في لاتفيا ــــ البلطيق ،  الثلاثاء المنصرم في الأول من الشهر الجاري ، بعنوان يتباهى فيه بفوزه ب"أول مقابلة في التاريخ" مع مقاتل روسي مأجور يتحدث "بإسمه الحقيقي" عن المقاتلين من الشركة العسكرية الخاصة "فاغنر" لصاحبها المفترض يفغيني بريغوجين "طباخ بوتين" . ونقل مقتطفات من المقابلة معظم المواقع الإعلامية الروسية المعارضة ، وتجاهلتها كلياً مواقع الكرملين الرسمية ، أو التي تدور في فلكه ، بما فيها وكالة الأنباء الفدرالية "FAN" التابعة ل"الطباخ" عينه.

  قدم الموقع للمقابلة بالقول ، بأن الشركة العسكرية الخاصة "فاغنر" إنخرطت العام 2015 في الحرب السورية ، واشتركت منذ ذلك الحين بعشرات الصراعات المحلية في الخارج ، وبقيت طيلة هذه الفترة تشكيلاً مقفلاً شديد السرية ، على الرغم من صلاته مع الكرملين ، ومئات القتلى من المقاتلين المأجورين ، والصدام المباشر مع الجيش الأميركي . ويقول بأن الموقع تمكن من العثور على الشخص ، الذي تحدث لأول مرة عن كل ذلك بإسمه الحقيقي مارات غابيدولين ، الذي تدرج في الشركة من "فاغنيري عادي" إلى قائد سرية إستطلاع . وخلال أربع سنوات من الخدمة نال غابيدولين جائزة رسمية ، وأصيب بجروح بالغة ، وكتب مذكرات موثقة كلياً ، على قوله ، لم تُستبدل فيها سوى ألقاب الأشخاص ، الذين لا يزالون في الخدمة . وأفصح غابيدولين للمراسل الخاص للموقع عما تستند إليه مذكراته ، وكيف قرر نشرها بإسمه الشخصي في كتاب بعنوان "مرّتان في نهر واحد"، يأمل في أن يؤدي نشره إلى أن  "يعيد إلى التعقل" يفغيني بريغوجين المالك المفترض لشركة "فاغنر" العسكرية الخاصة. 

ويقول غابيدولين ، أنه بعد خدمته العسكرية خمس سنوات في القوات المظلية ، سُجن لارتكابه جريمة قتل "هيبة محلية" ، ووصل إلــــى شركة "فاغنر" عبر صديق سيبيري ، ووقع عقد الإنتساب إليها، ليس معها ، بـــــــل مــــع " Euro Policy" . ويشير إلى أنه أُعجب على الفور بصراحتهم وعدم تسترهم على العواقب المحتملة ، إذ خاطبوهم مباشرة بالقول :"شباب، أنتم مُعدون للحرب حيث تستدعي مصالح دولتنا . كونوا على استعداد لأن تنتهي بكم الأمور على نحو مأساوي ، أن تنتهي بالموت".  

وعن الدافع لكتابة مذكراته ، يقول غابيدولين أنه ، بعد إصابته في معركة تدمر العام 2016 ، أراد أن يسجل كل شيئ كي لا ينسى تفصيلاً ، وأدرك أن شطراً مهماً من حياته مر هباءاً ، بلا أي معنى . لكن مع تطور الحرب ، موضوع السرد ، برزت لديه حاجة أخرى تمثلت في رغبته إطلاع الناس على أن "فاغنر" هي خداع مطلق من جانب العسكريين والسياسيين ، حيث العالم كله يعرف ، و"أنتم تخفون الحقيقة عن شعبكم . فهل هذا طبيعي؟" . ويشير إلى ، أنه بنتيجة إصابته ، تم إستئصال كليته والطحال وقسمٍ من الأمعاء ، وبقيت ثلاث شظايا بين فلقتي الدماغ استعصى إستئصالها في العلاج ، الذي لم يرد ذكره فـــــي العقد مـــــــــع " Euro Policy" ، بل جرى في مستشفى عسكري بضواحي موسكو، ثم في مؤسسة خاصة.ويؤكد غابيدولين ، أن صاحب شركة "فاغنر" يفغيني بريغوجين على علمٍ بمذكراته ، بل إطلع على مسودة قسم منها ، حين كان الكاتب يعمل مساعداً له في العام 2017 ، ثم عاد وطلب منه مسودة الكتاب كله . وفي تبرئة ل"طباخ بوتين" مما كان يجري في سوريا ، يقول الكاتب ، بأنه أراد إطلاعه على ما كان يجري ، "لأنه لا يعلم بأشياء عديدة تجري في الحقيقة بسوريا" ، حيث التصق كثيرون من الناس بشركة "فاغنر" يسرقون أمواله ، ويرفض هو الإعتراف بذلك . ولم يكن الأمر يقتصر على الأبعدين ، بل كان يخادعه مساعدوه الأقربون أيضاً ، حيث كانوا ، مثلاً ، يشترون بدل آليات الإستطلاع المصفحة الجديدة ، آليات يعود إنتاجها للستينات ، يجرون عليها بعض الإصلاحات الشكلية ، ويضعون عليها أجهزة المراقبة والأسلحة ، وتبقى الآلية ، بالنتيجة، دون أية فائدة. 

وفي ما إذا كان بريغوجين حاول التدخل في نص الكتاب أو تعديله ، يقول الكاتب ، بأنه طلب منه الأخير إضافة فصل كامل في المقدمة يتحدث عن تاريخ نشوء حركة المرتزقة الروس منذ القوزاق ، الذين كانوا يعملون مرة لصالح البولونيين وأخرى لصالح الأتراك ، إلى الماريشال ووزير الدفاع السوفياتي مالينوفسكي ، الذي يقول ، بأنه كان مقاتلاً في الفيلق الأجنبي الفرنسي ، ثم مقاتلاً متطوعاً في يوغسلافيا . ويستنتج بأن الفصل ، الذي طلب إضافته بريغوجين ، يفضي إلى القول ، بأن المرتزقة "ليسوا شباناً على هذا القدر من السوء" . ويؤكد أن بريغوجين نقل إلى دفتره الخاص تعابير الكتاب ، التي بدت له موفقة جداً ، وأخذ يناقش أمر إلزام مقاتلي "فاغنر" بالإطلاع عليها ، ليحدثوا الآخرين أكثر عن أنفسهم. 

وبشأن رأي بريغوجين بنشر مذكرات على هذا القدر من الصراحة حول عمله كمقاتل مأجور ، يقول الكاتب ، بأن بريغوجين نفسه  طبع في العام 2017 نسختين أو ثلاث من الكتاب ، وابتكر شخصياً عنواناً له "فاغنر . مقدمة لفاوست"(Wagner. Overture to Faust) . وكان عازماً على تقديم واحدة من النسخ إلى الناطق الرسمي بإسم الكرملين ديمتري بيسكوف ، وطار الكاتب إلى سوريا خصيصاً ، من أجل أن يجمع للنسخة تلك ، تواقيع جميع الشخصيات المذكورة في الكتاب ، أو من تيسر له منهم ، على قوله. 

أما بشأن الطبعة العادية للكتاب ، يقول صاحب المذكرات ، أن بريغوجين وعده بأنها سترى النور لاحقاً "ما أن يحين الوقت لذلك " ، من دون أن يحدد متى سيكون ذلك الوقت . ويخشى الكاتب نفسه ، ما إن كان الوقت سيحل حين لا يعود أحد مهتماً بذلك ، "حين تقلبون كل الأمور رأساً على عقب ، ويصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والبهتان" . ويعتبر أن بريغوجين يرتكب خطأً فادحاً بتأجيل نشر الكتاب ، الذي جل ما يريد منه ، على قوله ، أن يدفع بريغوجين للتعقل وإعادة هيكلة "فاغنر" ، لأنه لا يجوز الإنجراف بالسرية إلى هذا الحد ، "فلماذا جلد النفس ، والعالم كله يعرف" حقيقة الوضع  . ويتذكر الكاتب الجريمة الشنعاء ، التي ارتكبها العام  2017 أربعة من زملائه مرتزقة "فاغنر" بحق سوري فار من الجندية ، ولم يفتضح أمرها سوى العام 2019 ، حين نشر المجرمون أنفسهم شريط فيديو مصور للجريمة ، وقف العالم مذهولاً أمام هول وحشيتها (نشرت "المدن" حينها مقالة عن الجريمة "سفاحو سوريا الروس" 27/11/2019). 

يقول الكاتب عن تلك الجريمة ، أنه بسبب أربعة من البلداء ، الذين قرروا سحق أطراف الضحية السوري بالمطرقة وقطع رأسه ، يعتقد الجميع الآن ، أن كل الباقين في "فاغنر" هم أيضاً غيلان متعطشة للدماء على شاكلة هؤلاء . ويكشف كلام الكاتب الآن أحد أهم أسرار تلك الجريمة  ، حيث يقول ، بأن من أصدر الأمر بارتكاب تلك الفعلة الشنيعة ، هو قائد "فاغنر" ديمتري أوتكين نفسه ، بهدف إخافة الفارين الآخرين المحتملين من الجيش السوري . وعلى بريغوجين أن يعرف ، برأيه ، أن قائده المفضل هذا ، هو من دعا إلى "إرتكاب كل هذا" ، ويقول بأنهم هم أنفسهم ، الذين صنعوا بأيديهم الوضع الراهن ، ويدعو إلى محاكمة "هؤلاء الساديين الأربعة" . ويتوجه إلى بريغوجين متسائلاً كيف سيحاكمهم  ، وهو نفسه يقول ، بأنه ليس من مرتزقة لشركة "فاغنر" في سوريا .

=========================

المشروع الإسرائيلي الأخطر في المنطقة

 محمد عايش

القدس العربي

الثلاثاء 8/12/2020

خطوتان قامت بهما اسرائيل مؤخراً، تصبان في صالح مشروعها الأخطر على الإطلاق الذي يهدد منطقتنا العربية، وهو المشروع الذي يرمي إلى ضمان التفوق الإسرائيلي في كافة المجالات، بما يجعل من تل أبيب مركز المنطقة ومحورها، ويجعل مزيداً من الدول العربية تحبو من أجل طلب الود والرضا الإسرائيلي.

المشروع الإسرائيلي الأخطر يعود إلى عشرات السنين الماضية، ويهدف إلى ضمان التفوق على الدول كافة في المنطقة، وعلى كل المستويات، وليس فقط على المستوى العسكري، بل العلمي والاقتصادي والتكنولوجي أيضاً، وهذا هو التهديد الأكبر للأمن القومي العربي، الذي يتوجب على العرب أن يتنبهوا له ويستفيقوا، قبل أن يتحولوا إلى عبيد بالمعنى الحرفي عند دولة الاحتلال.. هذا إن لم يكن بعضُ العرب قد تحولوا بالفعل إلى عبيد عند الإسرائيليين.

الخطوة الأولى التي قامت بها إسرائيل في هذا السياق، هي التطبيع مع دولة الإمارات التي تشكل مركزا تجارياً مهماً على المستوى العربي، وعلى مستوى المنطقة، فضلا عن أن أسواق الخليج هي الأكبر والأهم والأغنى في منطقتنا، بما يعني أن أخطر ما في تطبيع الاحتلال مع إسرائيل هو أنه فتح أسواقا مهمة أشبه بمناجم الذهب أمام الإسرائيليين، وهو ما سيؤدي إلى خلاصهم من الأزمة الاقتصادية التي تسبب بها فيروس كورونا، ومن ثم يؤدي إلى ضمان أسواق لصناعاتهم على المدى الطويل، بما يضمن في نهاية المطاف تفوقهم الصناعي والاقتصادي.

وبطبيعة الحال فإن الوجود الإسرائيلي في الإمارات سوف يفتح أسواق الخليج كافة، وذلك بفضل اتفاقات مجلس التعاون الخليجي، ما يعني أن المنتج الإسرائيلي قد يتسلل أيضا إلى أسواق الدول، التي لا تزال لم تعترف بإسرائيل، ولا تقيم أي علاقات معها، إلا أنها تبقي على العلاقات التجارية، من دون أي قيود مع كل من الإمارات والبحرين، ما يعني في نهاية المطاف أن الإسرائيليين حققوا مرادهم بالوصول إلى أسواق الخليج كافة، واستفادوا من القوة الشرائية لكل مواطنيه.

اغتالت إسرائيل عدداً كبيراً من العلماء والأكاديميين، من دون اكتراث بجنسيتهم ولا بانتمائهم، لضمان تفوقها العلمي

أما الخطوة الثانية التي حققها الإسرائيليون مؤخراً في الطريق نحو التفوق، وفي سبيل مشروعهم الأخطر على العرب، فهي اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، وهذا الاغتيال لا علاقة له بالتطورات الأخيرة في المنطقة، ولا باللقاءات التطبيعية، ولا بقرب رحيل ترامب عن البيت الأبيض، وإنما هو حلقة من مشروع خطير يعود إلى عشرات السنين الماضية، ويرمي إلى تصفية العلماء والنخب المميزة من بلادنا العربية والإسلامية. اغتيال زاده ليس سوى حلقة في قائمة طويلة من الاغتيالات الإسرائيلية، التي استهدفت العلماء العرب والمسلمين، سواء من كان منهم في إيران أو العراق أو سوريا أو باكستان، أو بطبيعة الحال العلماء الذين عملوا مع المقاومة الفلسطينية مثل المهندس التونسي محمد الزواري، الذي اغتيل في 2016 والأكاديمي الفلسطيني فادي البطش الذي اغتيل في 2018.

نتذكر جميعاً الغارة الجوية الاسرائيلية التي استهدفت المفاعل النووي العراقي في تموز/ يوليو 1981، وقبلها بعام واحد فقط اغتيال العالم النووي المصري الدكتور يحيى المشد، الذي كان يعمل في المفاعل العراقي ذاته، وصولاً إلى تدمير العراق بأكمله، عبر احتلاله من قبل الولايات المتحدة في عام 2003، وبين هذا وذاك اغتالت اسرائيل عدداً كبيراً من العلماء والأكاديميين، من دون أي اكتراث بجنسيتهم ولا بانتمائهم ونفذت عدداً كبيراً من جرائم الاغتيال.

والخلاصة هو أنه ثمة مشروع إسرائيلي بالغ الخطورة يهدف إلى ضمان التفوق المطلق والكامل في المنطقة، بما يجعل دول الشرق الاوسط، منفردة أو مجتمعة، لا تقوى على مواجهة اسرائيل في أي مجال من المجالات، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو العلمية أو التكنولوجية، وصولاً إلى تحويل هذه الدول إلى مجرد كيانات تطلب الرضا الإسرائيلي، وتخشى فقط من أي مواجهة، ولا تقوى على الصمود أمام دولة الاحتلال ولو حتى في مسابقة تلفزيونية تافهة.

=========================

أكراد سوريا..والقرار المصيري

العقيد عبد الجبار العكيدي

المدن

الاثنين 7/12/2020

خلال مدة متقاربة، كرر قادة في سلطة الأمر الواقع شمال شرقي سوريا دعوات الحوار مع الخصوم، تركيا والائتلاف السوري المُعارض، آخرها لفتاً للانتباه صدرت عن قائد قسد مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية لمسد إلهام أحمد، وهما مظهراً لا جوهراً، يمثلان أعلى سلطتين، عسكرية وسياسية، في المناطق التي تحكمها ما يُعرف بالإدارة الذاتية، فما هي دلالات هذه الدعوات؟ ومن أي زاوية يمكن النظر إليها في سياق المتغيرات الحاصلة؟ وأي رسائل يُراد منها وإلى من؟

لا بد من نقطة انطلاق مركزية، للإحاطة بالأسئلة السابقة، وهذه النقطة هي "شكلية" المسميات والأطر العسكرية والسياسية شمال شرقي سوريا، بمعنى أن لا قائد قوات قسد يمثل أعلى سلطة عسكرية، ولا الرئاسة المشتركة لمسد تمثل أعلى سلطة سياسية.

من يحكم شمال شرقي سوريا؟

شمال شرق سورية سياسياً وخدمياً وعسكرياً وأمنياً، يحكمًه أربع أشخاص من أكراد سوريا، هم مجرد واجهة لأربعة من خلفهم، هم أعضاء في اللجنة التنفيذية في منظومة المجتمع الكردستاني، والتي يقودها عمليا جمال باييك، وريث عبدالله أوجلان، أو بشكل أدق المنافس الذي يلبس ثوب الوريث والتابع. هذه المنظومة تقود أربعة أحزاب كردية، وهي العمال الكردستاني في تركيا، والحياة الحرة في إيران، والحل الديمقراطي في العراق، والاتحاد الديمقراطي في سوريا.

ما تجدرالاشارة إليه أن هذه المنظومة كان يجدر بها أن تعتمد في إدارة سوريا على ذراعها السوري حزب الاتحاد الديمقراطي المولود عام 2003 لهذا الغرض، لكن تحييده وإدارة شمال شرقي سوريا مباشرة من جانب أعضاء المكتب التنفيذي لمنظومة المجتمع الديمقراطي، وقادة الصف الأول في جبال قنديل، يعكس أهمية سوريا بالنسبة لها، وهي أهمية تفوق تركيا والعراق وإيران. تخوض تلك المنظومة في سوريا معركة وجود.

وهنا نشير إلى قيادة فعلية للمنظومة وليس مجرد دور توجيهي أو استشاري. القيادات الأربعة موجودون على الدوام في سوريا، كصلة وصل بين القيادة في جبال قنديل، وبقية الواجهات السياسية والعسكرية والخدمية والأمنية شمال شرقي سوريا، والتدخل يكون في أبسط القرارات، حتى أن تلك المنظومة انتدبت قياديا مهمته فًقط التدقيق في الحسابات والأموال، وفي هذه الجزئية دلالة بالغة الأهمية.

الرسالة الأولى

الاستطراد والتفنيد السابق يفيد بداية في طرح السؤال التالي: هل دعوة مظلوم عبدي، وإلهام أحمد، تركيا والائتلاف السوري إلى الحوار، هو موقف أصيل منهما؟ وهل أطلقا هذه الدعوات بمعرفة ورضى بل وتوجيه المرجعية السياسية والعسكرية المُنتدبة من جبال قنديل؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التنويه إلى أن كلاً من مظلوم عبدي وإلهام أحمد لهما مكانتهما في الأوساط الكردية، لكنهما في حسابات منظومة المجتمع الديمقراطي هم مجرد قادة في الصف الثالث، وككل الأحزاب أو المنظومات الشمولية، هذه التراتبية وأساسها سنوات الخدمة ومكانها وليست المكانة أو الإنجازات أو المصلحة.

الإضاءة السابقة مبررها يأتي في سياق ما تردد في الآونة الأخيرة بشأن إزاحة واستبدال مظلوم عبدي من قيادة قوات سورية الديمقراطية، بالقيادي محمود برخودان، المعروف ميدانيا ب"الرش".

هذا الاسم هو ما جعلني أتوقف عند تصريحات مظلوم عبدي، لأنني أعرف "الرش" شخصياً حين دخلت مع رجالي إلى عين العرب (كوباني) لمساندة أخوتنا الأكراد في صد هجوم داعش خريف 2014.

عرفت الرجل عن قرب، وأعترف أنه قائد عسكري جيد، لكنه شديد الولاء لجميل باييك، ولاء مطلق جعله إلى حد بعيد رجل راديكالي، ولم أجد له عذراً لموقفه المتطرف من العرب إلا حين لمست منه ذات التطرف اتجاه الكرد القادمين من العراق من قوات البشمركة للمؤازرة. أدركت حينها أن ولاء الرجل لمنظومة المجتمع الكردستاني تكاد تصل إلى درجة القداسة.

يمكن القول والحال هذه أن التغيير المشار إليه أعلاه إذا ما حصل فهو يدخل في إطار استبدال من صار ولاؤه مشكوكاً فيه برجل ولاؤه نقياً للمنظومة القابعة في جبال قنديل، وهذا مدخل أول للقول إن دعوة مظلوم عبدي وإلهام احمد للحوار، هي رسالة إلى الداخل الكردي وتحديداً إلى جمال باييك، في جبال قنديل.

بعبارة أدق، ربما يمكن القول إن معركة خفية تجري في كواليس القيادة الكردية في شمال شرقي سوريا، يقودها من جهة مظلوم عبدي، ومعه قادة من الكرد السوريين الأوجلانيين الوازنين، وفي الطرف الآخر جمال باييك وأزلامه في سوريا وتركيا.

مردّ ذلك أمران، الأول، الأفق المسدود الذي قادت منظمة المجتمع الديمقراطي أكراد سوريا إليه، فعلى الرغم من الدعم الأميركي والأوروبي الكبير، وامتلاك خزان سوريا المائي والنفطي والغذائي، إلا أن تلك السياسات حجمّت وأبعدت أكراد سوريا عن ملعب التسوية السياسية، بل وضعتهم في مهب الرياح بعد اعتماد سياسات من التذاكي عفا عنها الزمن مثل التحالف مع الجميع، وهي سياسة أدت الى خسارة الجميع، وترك أكراد سوريا لاحقاً لقمة سائغة لانتقام نظام الأسد.

الأمر الثاني، تحريض أميركي مباشر وغير مباشر في إبعاد منظومة المجتمع الديمقراطي، وهيمنة أوجلان بصوره وإفرازاته عن المشهد، بما يضمن إعادة التعاون التركي الأميركي إلى سكته، وهو المتوقع مع الإدارة الأميركية الجديدة.

الرسالة الثانية

محاولة انتزاع أكراد سوريا قرارهم من جبال قنديل وقادته الذين حولوا سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات مع تركيا، وردّ الجميل إلى نظام الأسد، تهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المكتسبات، وحماية ما يجب حمايته. ذلك لأن خسارة عفرين ولاحقا المناطق الممتدة بين رأس العين وتل أبيض، واستحالة عودتهما إلا في إطار تسويات إقليمية ودولية، أضعف موقف القيادة الكردية أمام حاضنتها، وجعلها هي لا القادة الفعليين في مرمى سهام الاتهامات الشعبية الكردية.

وعليه، فإن التقارب مع أنقرة لعله إما يقرّب أكراد سوريا من تسوية تعيدهم إلى إدارة المناطق التي خسروها أو تجنبهم على الأقل خسارة جديدة وخصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن عملية عسكرية تركية جديدة تنطلق من الدرباسية.

صراع مظلوم عبدي الداخلي، إن صح التعبير، رهن بالموقف الأميركي، إن تخلت عنه واشنطن عاد كل شيء إلى نقطة الصفر، وجعلت أكراد سوريا خارج ملعب التسوية السياسية حتى على مستوى مقعد في اللجنة الدستورية، وجعلت التفاهم الأميركي-التركي شبه مستحيل، وسهّلت لاحقاً على نظام الأسد عودته الى هناك بالقوة، أو استعادته على الأقل رئة يحتاجها في ظل العقوبات المفروضة بفعل قانون قيصر، من خلال نفط وماء ومحطات وقمح وقطن شمال شرقي سوريا.

لكن إن صدقت واشنطن وعدها، فإن المهمة التالية بعد دعم موقف مظلوم عبدي وما يمثله يكون بإقناع أنقرة بتسوية تُبعد فيها خصمها العتيق عن حدودها الجنوبية وتعيده مرة أخرى إلى جبال قنديل، إضافة إلى إعطائها الضوء الأخضر للائتلاف السوري  للجلوس إلى طاولة المفاوضات، هذا أيضاً سيدفع المجلس الوطني الكردي إلى دفع عجلة قيام مصالحة أو اتفاق كردي-كردي، ليكونا كياناً كردياً واحداً  في إطار التسوية السورية الشاملة، وهذه المرحلة إن بدأت ستفرض تنازلات كبرى من جميع الأطراف، وعلى الصعيد الكردي، سبكون قطع العلاقات مع جبال قنديل، وإخراج المقاتلين الأجانب في مقدمة التنازلات المطلوبة.

الرسالة الثالثة

إن المتتبع عن كثب لسلوك القيادة الكردية، منذ عام 2012، لا يجد عناءً في إثبات العلاقة بين قادة "وحدات حماية الشعب" وبين دمشق. ولم يعد سراً وجود مكتب تمثيل في دمشق لهم، وآخر افتُتح قبل أعوام في حميميم في اللاذقية.

لكن هذه العلاقة ليس يسيراً تفسيرها، وخصوصاً من خلال منطق العمالة الدارج، إذ أن التعاون الكامل بينهما لم يخلو من بؤر التنافس، أو الصدام المؤجل، فكلاهما أي نظام الإدارة الذاتية ونظام الأسد استفادا من بعضهما من أجل تركيز المواجهة بالكامل ضد المعارضة المسلحة، وحواضن الثورة في عموم سوريا، لكن ماذا لو فرغ النظام من احتواء الثورة والمعارضة؟

تعددت في الآونة الأخيرة توجيه نظام الأسد تهديدات مبطنة الى القيادات الكردية، وهذه عقيدة نظام الأسد، هو لا يفهم منطق الحلفاء أو منطق تقاسم النفوذ، بمعنى أن وجهة قوات النظام في وقت قريب ستكون إلى القامشلي لرد الاعتبار أولاً، وثانياً لاستعادة مناطق تضم جلً ثروات سوريا، وهذا ما يعرفه قادة أكراد سوريا.

ومن هنا فإن إعلان الاستعداد للجلوس إلى طاولة مفاوضات مباشرة مع تركيا، تُسقط من يد موسكو إحدى أهم أوراقها التي جعلت آلياتها تسير في مناطق لم تكن لتحلم فيها، من المالكية إلى عين العرب، وهي رسالة تعيد خلط أوراق القوة والتوازنات، في إطار الانضمام إلى تسوية شاملة إن وجدت دعما دولياً، يعرف مظلوم عبدي وسواه، أن الخاسر الأكبر فيها سيكون بشار الأسد، ومن ورائه روسيا.

فهل يفعلها مظلوم عبدي وأمثاله من أكراد سوريا، أم أنه ينتحر على مذبح خدعة كبرى، تجعل أكراد سوريا أسرى نظام استبداد سيتجاوزه الزمن، يمتد من دمشق إلى جبال قنديل؟

=========================

في رثاء منصور الأتاسي وفاضل السباعي ونحن

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 7/12/2020

يوثّق السوريون يومياتهم على صفحات التواصل الاجتماعي التي تحوّلت، في معظمها، إلى "دواوين" عزاء، مصنفة، هي الأخرى، سياسياً بين موالاة ومعارضة، فبينما يمارس الجميع إغداق الصفات على الفقيد، تبعاً لموقفه السياسي من الثورة السورية، نجد بعض الأسماء التي تخترق حدود التصنيف، بتاريخها تارة، وإنسانيتها أخرى، أو أدبها وفنها ثالثة، فتحضر بين جمهور كبير لم تستطع السياسة خطفه من إنسانيته وتشويه ذاكرته، لتؤكد أن حالة الفصل السياسي ليست معيارا حادّاً في وجدان السوريين المنتمين إلى حقيقتهم الإنسانية، بعيدا عن الاصطفاف الذي يصل إلى حد "التشبيح" والشماتة، أو تصفية حساباتٍ رخيصة، كما هو الحال لدى بعض قصار "القيمة الأخلاقية" الذين وجدوا في صفحات التعزية الإنسانية ملاذاً لسكب كراهيتهم.

حرمت التغريبة السورية كثيرين منا من أحبتهم وأهلهم وأصدقائهم، حتى في لحظات الفراق الأخير، واستعضنا عن ذلك بإلقاء كلمات الوداع على وسائل التواصل، في محاولةٍ للتمسّك بآخر خيوط التقارب الاجتماعي التي أزهقتها أيضاً جائحة كورونا، فأصبحنا كرهين المحبسين، ولكنهما غربتنا ومخاوفنا. ويزيد الموت في تحدّي قدرتنا على الصبر مع فقداننا أمثال السياسي منصور الأتاسي والكاتب فاضل السباعي. حيث يموت الأتاسي في غربته في إسطنبول مدافعاً عن حريتنا، وكرامة السوريين. ويموت السباعي في دمشق، متمسّكاً بحلم إبداعه الذي يشع حرية، وباحثاً عن دولةٍ لا يحكمها رقيب على الكلمة، ولا حسيبٌ على الرأي.

يرحل الأصدقاء، ونبقى نحن نبحث عن كلمات عزاء، لا تسعف قلوبنا المكلومة، وبانتظار أن يبقى لنا وطنٌ اسمه سورية، نحنّ إلى العودة إليه، كما رسمه لنا سياسي وطني أو أديب إنساني، ينتظر عموم السوريين ما تنتجه المفاوضات القائمة بين النظام والمعارضة، في جنيف وأستانة وسوتشي، والاتفاقات التي تجري فوق الطاولة، وتلك التي تعلن عن نفسها بعد وقت أنها كانت تدور تحت الطاولة، وعلى وطنٍ لا يشبه صورته التي دافع عنها سياسي، أو تحمل وزر رسمها في سجون النظام أديبٌ أو فنانٌ أو متظاهر.

هذه المعارضة التي تريد أن تخرج نصف الشعب السوري من مواطنيته، لتضعه تحت مسمّى الهيئة الوطنية للمهجّرين، فيصبح السوريون إما تحت ظل النظام أو ظل "ظله" في المعارضة، كي نصبح أعدادا يساومون علينا، وقد يطبعوننا كبطاقاتٍ ذكيةٍ، يدفعون بها ثمناً لمناصبهم من حساب أعدادنا، تماما كما يفعل النظام اليوم الذي حوّل السوريين إلى بطاقاتٍ ذكيةٍ "تكامل" وعدّ من خلالها عليهم أنفاسهم، وحول عملية الحصول على قوت يومهم إلى مسيرة كفاحٍ تبدأ ولا تنتهي، تارة تحت قيد التجريب، وتارة تحت بند الإجبار.

يرحل الأصدقاء، ونبقى نحن نبحث عن كلمات عزاء، لا تسعف قلوبنا المكلومة، وبانتظار أن يبقى لنا وطنٌ اسمه سورية، نحنّ إلى العودة إليه

الوطن الذي ترسمه الورقة المقدّمة من وفد هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، بصفحاتها الأربع، إلى اجتماع الجولة الرابعة للجنة الدستورية المشتركة، والتي أنهت أعمالها يوم الجمعة الماضي (4/12/2020)، هي الوطن ذاته، بكامل صفاته الموجود في دستور 2012 للنظام السوري الحالي، مع فروق قليلة عن سابقه، أهمها إلغاء المادة الثامنة التي تقرّ "أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنيةً تقدّميةً تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب، ووضعها في خدمة الأمة العربية"، أي أننا أمام لوحةٍ لرسامٍ واحد مع مسميين مختلفين، نظاما ومعارضة، ما يسمح بطرح تساؤلاتٍ عن حقيقة الخلافات داخل قاعة التفاوض، ومنها: إذا كانت الورقة المقدّمة هي أعلى سقف للمعارضة التي تتفاوض، وهي في كامل أساسياتها متضمنة في الدستور السوري، ويمكن لأي صحافي مبتدئ في أي وسيلة إعلامية سورية تبنّيها، بل، وهو واقع قائم قبل الثورة وخلالها، بمعنى أنه لا يمكن للعبارات المتداولة أن تثير أي حساسيةٍ لدى أي طرفٍ داخل النظام، حيث تجنّبت الحديث عن مسبّبات الثورة، وهي القوى الأمنية والجيش الذي وجه سلاحه إلى الشعب، فما هو وجه الخلاف بين الطرفين؟

غابت عن الوثيقة أي بنودٍ عن العدالة الانتقالية، ما يعني أننا أمام حالة تسامحٍ، أو بالأحرى "تنازل" تقدّمه المعارضة المتمثلة بهيئة التفاوض للنظام السوري، على أمل أن يصفح النظام عن المهجّرين واللاجئين، ويسمح بعودتهم إلى منازلهم، ما يعني أن على القتيل أن يقدّم اعتذاره للقاتل، لأنه قتل أو هرب خوفاً، أو أصبح شريداً مهجّراً تحت خيمة أو ركب البحر مستسلماً لغرقه. ويدرك من كتب الوثيقة، وحتى ما بعد أن أصبح من قدّمها سياسياً، أن الدولة السورية منذ تأسيسها "الحديث" عملت على تنمية معاني الهوية الوطنية ومشاعرها، حتى أنها زجّت سوريين كثيرين في معتقلاتها تحت جريمة "إضعاف الشعور الوطني"، ما يستدعي هنا السؤال عن حيثية (وطبيعة) الإجراءات الضرورية لدى السلطات الثلاث في الدولة السورية التي تنشدها المعارضة للقيام بهذه المهمة، وربما عقوباتها، بعد أن اختصّت بها جهة واحدة، وهي الجهة الأمنية بفروعها الكثيرة؟

تريد المعارضة  أن تخرج نصف الشعب السوري من مواطنيته، لتضعه تحت مسمّى الهيئة الوطنية للمهجّرين

تعبر الوثيقة بشكل جدّي عن قدرة المعارضة السورية على ضبط النفس، والتحلي بالصبر، والذهاب مع النظام إلى "باب الدار"، حسب المثل الشائع، وهي (الوثيقة) قد تبدو مقالاً جيداً في صحيفة سورية (أي صحيفة). ولو أتعب كاتبها نفسَه لوجد عشرات المقالات "بالجرأة" نفسها، وأكثر بكثير موجودة قبل اندلاع الثورة عام 2011 وخلال ذلك العام، وهي تفيد عن نفاد صبر المعارضة من مسلسل الاجتماعات في جنيف وأستانة وسوتشي وغيرها، وتقدّم بهذا الاختراق، ومن دون تشويق، الحلقة الأخيرة للنظام السوري، بأن ما هو مطلوبٌ منه هو فقط الإقرار بما هو موجود في دستور 2012، على أنه إنجاز لجولات التفاوض، ولعل أهم ما يمكن استشرافه من هذه الوثيقة هو ثقة المعارضة بنفسها أنها جاهزةٌ للاحتكام إلى صناديق الاقتراع، من دون أي ارتكاز على أي قرارٍ دولي، وربما تعوّل على وجودها في قائمة الجبهة الوطنية في الانتخابات القادمة.

غابت عن الوثيقة التي قدمتها المعارضة في اجتماعات اللجنة الدستورية أي بنودٍ عن العدالة الانتقالية، ما يعني أننا أمام حالة تسامحٍ مع النظام السوري

عذراً للاسمين العزيزين، منصور الأتاسي في ذكرى عام على رحيله، وفاضل السباعي في ألم فراقه، أردت أن أرثيهما، فحضر رثاء الوطن معهما. عذراً من رجالاتٍ غادرونا، على أمل وطنٍ تشرّب ترابه من تضحيات السوريين، كل السوريين، على أمل أن يعيدوا بناءه وطنا يتقاسمه كل السوريين، مواطنين أحرارا تحت مظلة العدالة والمواطنة، وليس على طاولة اقتسام المناصب والمذلة.

=========================

اللجنة الدستورية: ثرثرة سورية في جنيف

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 6/12/2020

يلتقي سوريون في جنيف من النظام والمعارضة وما بينهما منذ أكثر من عام، تحت خيمة ما يسمى بـ "اللجنة الدستورية" التي انبثقت عن مؤتمر سوتشي في مطلع العام 2018.

وفي ذلك المؤتمر سربت روسيا مسودة دستور مكتوب للسوريين، ولكنها تراجعت عنه بسبب ردود الفعل والاحتجاجات التي أجمعت على أن الدستور قضية سيادية. وصارت المهمة من اختصاص اللجنة الدستورية ذات الصلة بالأمم المتحدة، ومر كل هذا الوقت على اجتماعات جنيف ولم تصل الاجتماعات إلى نتيجة حتى يومنا.

وفي كل جلسة يدخل الحوار في نفق لا يخرج منه، وتنفض الجولة، ويؤجلون الأمر حتى الجولة المقبلة التي لا يتم تحديد موعدها ولا جدول أعمالها. وهذا يتطلب من مندوب الأمم المتحدة غير بيدرسون زيارات للأطراف المعنية والداعمة لها من أجل أمرين، عقد جلسة جديدة، والاتفاق على جدول الأعمال. وفي كل مرة هناك مساومات سياسية ومناورات ومعارك عسكرية وتسويات من فوق وتحت الطاولة، وتعطيل وتأجيل وحضور من باب الابتزاز السياسي وكسب الوقت.

الاتفاق على جدول الأعمال لا يعني التزام النظام الذي كان في بداية كل جلسة ينسف الجدول المقرر والمتفق عليه

انعقدت حتى الآن أربع جولات، وكانت الأخيرة التي بدأت في الثلاثين من الشهر الماضي وانتهت في الرابع من الشهر الحالي، والتي خرج منها المتحاورون ومندوب الأمم المتحدة وهم في غاية السعادة بسبب التوصل إلى اتفاق على جدول أعمال الجولة المقبلة (الخامسة) ليس أكثر، والتي حددوا موعدها في الخامس والعشرين من كانون الثاني من العام المقبل. وهناك ملاحظة تفرض نفسها هنا وهي أن الاتفاق على جدول الأعمال لا يعني التزام النظام الذي كان في بداية كل جلسة ينسف الجدول المقرر والمتفق عليه، ويأخذ النقاش نحو الوجهة التي تناسب أجندته وخططه، وصار واضحا منذ عام أن منهج النظام يقوم على التعطيل من أجل كسب الوقت، حتى لا يتم إنجاز دستور جديد أو تعديل الدستور الحالي، على الأقل، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان/أبريل المقبل، والتي يعمل النظام على إجرائها وفق الدستور الحالي الذي وضعه عام 2012. وبذلك يكسب بشار الأسد ولاية رئاسية جديدة لا يشملها الدستور الجديد الذي لم يصبح حبرا على ورق حتى الآن.

ومن دون مبالغة، يحول وفد النظام كل جولة إلى ما يشبه العرض المسرحي الذي يتلاعب فيه بأعصاب وفد المعارضة والأمم المتحدة والجمهور الذي يراقب، وتقوم المسرحية على مبدأ الحلقة المفرغة، التي يعتمد النقاش فيها على السفسطة والثرثرة. وحيال كل مسرحية يتوجب على المعارضة والأمم المتحدة التصرف بحكمة وبرودة أعصاب كي لا يحرد وفد النظام، وتبطل التمثيلية. وإذا كان عام مر على هذا المنوال بلا نتائج، لماذا الإصرار على الاجتماعات التي تكلف غاليا، وتستهلك وقت الناس وأعصابهم في زمن الكورونا.. ما الذي يخشاه وفد المعارضة لو انسحب من اللجنة الدستورية ككل؟

المطمطة والسفسطة ليست من بنات أفكار الوفد الذي يذهب إلى جنيف، بل من مخرجات مطبخ النظام الذي يديره طباخون روس وإيرانيون

لابد من الإشارة إلى أن المطمطة والسفسطة ليست من بنات أفكار الوفد الذي يذهب إلى جنيف، بل من مخرجات مطبخ النظام الذي يديره طباخون روس وإيرانيون، يوزعون الأدوار والصفات وتدريب أعضاء الوفد كما يحصل في السيرك. الوفد الرسمي يحمل اسم "الوفد الوطني"، بينما الوفد الآخر يحمل تسمية تخوينية "وفد المعارضة التركية"، ومن أجل بناء الثقة في الجولة الأخيرة صار اسمه "وفد المعارضات". ولا يستطيع النظام أن يتصرف حيال شأن مهم من دون توجيهات روسية إيرانية، ومع ذلك جرى أكثر من مرة ترويج بدعة مفادها أن بيدرسون يزور موسكو وطهران من أجل ضمان الضغط على وفد النظام كي يحضر إلى جنيف، وحين يذهب الوفد الرسمي فإن ذلك من باب فض العتب لا أكثر، وللقيام بعدة وصلات من السفسطة.

لا شك في أن روسيا وإيران هما من يتحكم باللجنة الدستورية وسط رمزية دور الأمم المتحدة التي تلعب دور المساعد أو الميسر، وانسحاب الأطراف الإقليمية والدولية المعنية من ممارسة دورها. ولهذا تبقى العملية تسير وفق الرياح الإيرانية الروسية، ولن يختلف الأمر سواء جرى تحديد جدول أعمال الجولة القادمة أم لم يتم.

=========================

عندان مدينة سورية هجر النظام سكانها بالكامل بعد تدمير أبنيتها

حسام محمد

القدس العربي

الاحد 6/12/2020

القانون الدولي يصنف أي منطقة جغرافية بأنها منكوبة في حال تعرضها للكوارث، سواء الطبيعية منها كالزلازل أو الحرائق، أو الكوارث التي يتسبب بها السلوك البشري كالحروب. وفي حال أسقطنا هذه المعايير على الجغرافية السورية، يصعب على الباحث إحصاء المناطق المنكوبة فيها، سواء الكوارث الناتجة عن الحرب التي بدأها النظام السوري ضد الرافضين لنظام حكمه، أو تلك العائدة للنوائب التي أحدثها الإرهاب الذي ضربها، علاوة عن النكبات التي أفرزتها الاحتلالات المتعددة، والتي تهدد البلاد بالتقسيم وتمزيق جغرافيتها.

الكوارث التي أصابت سوريا اليوم، لا تعد ولا تحصى، ابتداء من تلك التي أدت إلى مقتل مئات آلاف السوريين، والإخفاء القسري لمئات الآلاف أيضا، وتهجير الملايين، وتدمير سوريا بحاضرها وتاريخها، فيما تحمل غالبية القرارات الدولية والحقوقية، النظام، النسبة الكبرى لما انتهت إليه البلاد.

من المحال، إحصاء البلايا التي ألمت بسورية في ملف واحد، لذلك توجهنا هنا للحديث عن عينة واحدة فقط من الواقع السوري، حيث فتحنا أبواب مدينة عندان بريف حلب الشمالي، شمال سوريا، التي لم يمض على سيطرة النظام عليها سوى تسعة أشهر، عقب عملية عسكرية واسعة في شهر شباط/فبراير من العام الحالي.

لماذا سميت عندان؟

تقول بعض المصادر المطلعة على تاريخ مدينة عندان لـ “القدس العربي” إن المدينة سّميت بهذا الاسم الحديث إلى حد ما، نسبة إلى عين ماء كانت تشتهر به من جانبها الشرقي، حيث كان يطلق عليه اسم “عين دان” ثم تطور الاسم مع المراحل التاريخية حتى أصبح اسم المدينة عندان.

ومن أبرز الشخصيات التي تنتمي لعندان الشيخ أحمد الإمام، الذي نال ثقة الأمير فيصل، وكان قياديًّا في كتائب الفدائيين ضد الفرنسيين، ومناضلاً في الكتلة الوطنية. كما انتسب لجيش الإنقاذ الذي شارك في معارك تحرير فلسطين عام 1948.

من الفرنسيين حتى العثمانيين

اشتهرت المدينة في السابق بالمياه العذبة الآتية من البئر التي حفرت إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا، كما أن عندان تحتوي على العديد من الآثار القديمة، والمنازل التي يعود عمر بعضها إلى 200 سنة. لعل أبرزها الجامع الكبير الذي بني على طراز الجامع الأموي في حلب، ولا يعرَف تاريخ بنائه إلا أنه يعود على الأرجح إلى أواخر العهد العثماني. وقد رمّم ووُسّع في الخمسينيات من القرن الماضي، فيما انهارت معظم أجزاء الجامع التاريخي في المدينة في عام 2017 إثر قصف الطيران الحربي الروسي بالقنابل الفراغية. وفق ما قالته مصادر بحثية لـ “القدس العربي”.

كما يتواجد في مدينة عندان السرايا أو مبنى الناحية، الذي بني في زمن الاحتلال الفرنسي، إلا أنه أصبح أنقاضًا نتيجة الإهمال الطويل والقصف الأخير.

العصور الرومانية حتى الإسلامية

تتموضع المدينة على هضبة جميلة تحيط بها السهول، وعلى بعد 2 كيلومترات تبدأ سلسلة جبلية تمتد حتى لواء اسكندرون في تركيا، وهذه الجبال تحوي عدة مواقع أثرية يعود معظمها للعصور الرومانية والبيزنطية، وأشهرها ما يعرف بدير القديسة شمس وقلعة جبل سمعان ودير سمعان، وحمل الدير هذا الاسم نسبة للقديس والناسك السوري سمعان العامودي الذي ولد عام 389 م، ولجأ إلى الدير الذي كان يعرف تاريخيا بدير ثلانيسوس، حيث كان الناسك سمعان يصوم أياماً بدون طعام أو شراب ويبقى أياما واقفا مسبحا الله ومتعبدا.

في حين تشير بعض المراجع التاريخية إلى وجود منطقة أثرية في جبل سمعان، تضم دير سمعان وكنيسة سمعان التي بنيت عام 490 م التي تعد من أروع الكنائس المسيحية وكانت في إحدى الفترات قلعة حصينة أيام صلاح الدين، وما يزال دير سمعان بمنشآته ومبانيه قائما.

وكان عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين قد عين أميراً على إمارة دير سمعان وظل واليًا عليها حتى سنة 86 هـ. وتوفي الوالي في دير سمعان ودفن فيها.

لمحة جغرافية

مدينة عندان تتبع لمحافظة حلب- العاصمة الاقتصادية لسوريا، وتبعد عنها مسافة 12 كيلو مترا، تقع على الطريق الدولي الرابط حلب- غازي عنتاب التركية، في منطقة جبل سمعان، التابع لمنطقة سمعان، التي يعود تاريخها إلى العهدين الروماني والبيزنطي.

يبلغ عدد سكان المدينة 25 ألف نسمة ونيف، وتشتهر عندان بكافة أنواع الزراعة، من الحبوب والبقوليات إلى الأشجار المثمرة كالزيتون، وتتربع وفق عدة مصادر، على هضبة يحيط بها السهل من كل جانب وتتميز بطبيعتها الجميلة، وعلى بعد 2كم باتجاه الغرب تبدأ سلسلة جبلية تنتهي إلى لواء اسكندرون.

بعض المباني الحالية في المدينة الصغيرة، يعود بنائها إلى ما قبل 200 عام، وفيها حوالي ثلاثة عشر مسجدا وعدة مدارس ابتدائية واعدادية وثانوية للبنين والبنات.

لعندان أهميّة استراتيجية من حيث موقعها الجغرافي ومن حيث دورها في الثورة السورية، وفي هذا الصدد يقول الباحث السوري عرابي عبد الحي عرابي لـ “القدس العربي”: “الموقع الجغرافي للمدينة، جعلها عقدة طرق واصلة بين الريف الغربي والريف الشمالي لمحافظة حلب، وبمجرد السيطرة عليها سقطت أجزاء واسعة من الريف الغربي وصولا لقبتان الجبل.

كما أن موقعها شمال غربي مدينة حلب، جعل المناطق الغربية من المدينة تحت تهديد اقتحامها بشكل مستمر خاصة شارع النبل وجمعية الزهراء، إضافة لكونها المنفذ الأهم للسيطرة على فرع المخابرات الجوية، حيث إن أغلب الهجمات ضده كانت تنطلق منها”.

حاضرة الثورة

مدينة عندان، شاركت في الثورة السورية منذ أيامها الأولى، ولم تتراجع عن الخروج إلى الشارع بعد ذلك، انتقالا إلى تحول الأوضاع في البلاد إلى حالة الحرب المسلحة، التي بدأها النظام، رغم السلمية التي شهدتها الاحتجاجات الشعبية.

رئيس المكتب التنفيذي لاتحاد إعلاميي حلب وريفها اسماعيل الرج، أشار خلال حديثه لـ “القدس العربي” إلى أن مدينة عندان شاركت في المظاهرات منذ الجمعة الأولى للثورة، مما أدى إلى تعرضها لحملات اعتقال وحصار مستمرة من قبل مخابرات النظام وجيشه.

ولكن المدينة نجحت بعد ذلك في الدفاع عن نفسها، بعد تشكيل فصائل من الجيش السوري الحر، الذي استمر في حكم المدينة مع بقية المناطق بريف حلب الشمالي حتى عام 2020 حيث سقطت عندان بيد النظام والقوات الموالية له بتاريخ 17- 2- 2020 بعد خروج آخر مجموعة من أبنائها إلى ريف حلب الغربي.

نكبة عندان

شهدت المدينة قوع 11 مجزرة أقل عدد ضحاياها كان 15 شخصا، وتركزت هذه المجازر من خلال القصف الممنهج على المدارس والأفران والأسواق بالطائرات والبراميل والصواريخ.

وقال رئيس المكتب التنفيذي لاتحاد إعلاميي حلب وريفها اسماعيل الرج: بلغ عدد المهجرين في المدينة قرابة 23 ألفا من أصل 25 ألفا من سكانها، من ضمنهم 10 آلاف طفل، فيهم ما نسبته 50 في المئة لا يتوجهون إلى المدارس في أماكن نزوحهم.

تركّز نزوح أهالي عندان في مخيمات ريف حلب الغربي، وبعض مخيمات إدلب، ومخيم معرين في إعزاز بريف حلب، إضافة إلى انتشار كثير من أهلها في مدن مثل سرمدا والدانا في إدلب والأتارب وكفر كرمين في ريف حلب الغربي.

فيما شهدت المدينة مقتل 1975 من أبنائها، أما عدد المعتقلين لدى قوات النظام فهو 53 معتقلا، بينهم سيدة واحدة.

ويقول الرج: نسبة دمار الأبنية في مدينة عندان بشكل كلّي20 في المئة ونسبة دمار الأبنية بشكل جزئي 50 في المئة، فيما يقطن الآن المدينة 150 نسمة كانوا نازحين إلى مناطق النظام طوال مرحلة الثورة.

المدينة تعرضت لهجمات متزامنة في عام 2014 من قبل ميليشيات نبل والزهراء الطائفية، وتنظيم “الدولة الإسلامية” كما تعرضت لعمليات نهب وحرق من قبل ميليشيات النظام وميليشيات نبل والزهراء المجاورة لها.

الحرب مع الأسد الأب

لم يكن النظام السوري بقيادة بشار الأسد، هو أول من اقتحم المدينة، وارتكب انتهاكات كبرى فيها، حيث سبقه إلى ذلك والده حافظ الأسد، الذي حاصرها واقتحمها في عام 1981 خلال أحداث سوريا آنذاك.

مصادر مطلعة، أشارت لـ “القدس العربي” أن النظام السوري بقيادة الأسد الأب، اقتحم المدينة في عام 1981 بسبب تواجد المسؤول عن تذخير “الطليعة المقاتلة” في حلب آنذاك، وعقب اقتحام النظام للمدينة، اعتقل فيها طيارا عسكريا، يدعى طاهر خير الله، الذي انشق في تلك المرحلة عن الأسد واختبئ فيها، حيث لا يزال معتقلا حتى يومنا هذا في سجون النظام.

الباحث عرابي عرابي، قال لـ “القدس العربي”: “النظام السوري في عام 1981 أقدم على تنفيذ عمليات إعدام في المدينة بحق عدد من الشباب الذين تم اعتقالهم، ثم أجبرهم الجيش السوري على حفر قبورهم بأيديهم ثم قاموا بتصفيتهم ميدانيا، ودفنهم في تلك القبور”.

في حين أن بعض المصادر، أشارت إلى أن قائد الحملة في حقبة الثمانينيات ضد المدينة، شفيق فياض، وهو ضابط عسكري سوري. كان أحد الضباط الذين تم اتهامهم بالقيام بمجزرة حماة 1982. حيث كان قائدا للفرقة المدرعة الثالثة، ورقي إلى رتبة عماد في أواخر التسعينيات. وعين نائبا لوزير الدفاع السوري مصطفى طلاس، حتى عام 2003.

خصومات محلية

من ناحية أخرى فالمدينة متاخمة لمنطقة نبل والزهراء “ذات الغالبية الشيعية” وقد كانت هناك خصومة مباشرة بين المنطقتين وفق الباحث عرابي عرابي، فقد شاركت نبل في اعتقال أبناء عندان على الحواجز في فترة المظاهرات السلمية.

كما اختطفوا عددًا من أبنائها عام 2012 الأمر الذي دفع بعض أهالي عندان لاختطاف بعض أهالي نبل لمبادلتهم بأبنائهم، وتلا ذلك الحملات العسكرية التي شنّت على نبل والزهراء وحالة المواجهة المستمرة بين الطرفين منذ عام 2012- إلى ساعة سقوطها عام 2020.

وبذلك استطاع النظام تأمين خاصرة حلب الشمالية الغربية وتأمين محيط الطرق الدولية الرابطة بينها وبين العاصمة.

ومن ناحية أخرى فقد كانت المدينة ثوريّة وتشكلت فيها كتائب عديدة وفصائل عسكرية ذات ثقل عسكري في شمال سوريا مثل لواء التوحيد ولواء أحرار سوريا والجبهة الشامية لاحقًا وانضم بعض أبنائها للنصرة التي تحولت فيما بعد لهيئة تحرير الشام، ولذا فقد كان سقوطها وابتعاد أبنائها عنها مكسبًا معنويًا كبيرًا للنظام.

نبش القبور

للجيش الروسي، بصمة أيضا في المدينة، ففي شهر أيار/مايو من العام الحالي، أقدمت الشرطة العسكرية الروسية وقوات النظام السوري على نبش قبور أجانب، يحملون الجنسية الروسية، قتلوا في وقت سابق، ودفنوا في مقبرة “الشهداء” بمدينة عندان بريف حلب الشمالي.

وذكر موقع تلفزيون سوريا في تقرير له، أن “الشرطة العسكرية الروسية نبشت 14 قبرًا لمقاتلين أجانب، وأخذت بقايا رفاة وعظام جثامين المقاتلين إلى جهة مجهولة، حيث ساعد عدد من أهالي مدينة عندان الذين ينتسبون لقوات الأسد الشرطة العسكرية الروسية في العثور على القبور”.

وتقع مقبرة “الشهداء” في مدينة عندان، دفن فيها أكثر من 2000 جثة، بينهما 100 تعود لأشخاص مجهولي الهوية، والقسم الأكبر من المدفونين، من أبناء المنطقة ممن قتلوا خلال المعارك مع النظام وروسيا وإيران في مختلف المحافظات السورية.

=========================

الغائب المطلوب سورياً

عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 6/12/2020

القاسم المشترك بين الأنظمة الجمهورية التي ظهرت على الساحة العربية منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي تحت شعارات قومية اشتراكية مناهضة للاستعمار والامبريالية والصهيوينة، هو أنها اعتمدت على سطوة الجيش والأجهزة المخابراتية في الإمساك بالدولة والمجتمع؛ وذلك بعد أن خلخلت بنية المجتمع الأهلي، ولم تساهم – بل منعت- تشكّل مجتمع مدني فاعل، كان من شأنه الإسهام في عملية الدمقرطة التي ربما لو حدثت، لحالت دون انزياح المجتمعات التي تحكمت فيها الأنظمة المعنية نحو حالة الحطام التي نعيشها راهناً.

فهذه الأنظمة قطعت الطريق على التطورات المجتمعية في مرحلة ما بعد الاستعمار؛ وهي تطورات كانت تعكس عملياً واقع تبلور وتنامي الشرائح المجتمعية الطموحة التي تمركزت بصورة أساسية في المدن. وكان هناك نوعاً من التفاعل بين تلك الشرائح والريف عبر صيغ متنوعة من التكامل الاقتصادي؛ ومن خلال التواصل مع المؤسسات العلمية والثقافية الوليدة فيها، خاصة الجامعات، والصحف والمجلات، والمراكز الثقافية، وحتى الجمعيات الدينية التنويرية القريبة من مجتمع تجار المدن.

فالأنظمة المعنية هنا تدخلت بصورة مباشرة في العملية الاقتصادية، وأعاقتها، باتخاذها قرارات التأميم العشوائية والإصلاح الزراعي غير المدروس، وترويجها لشعارات عامة تضليلية مثل اشتراكية الدولة، والطريق اللارأسمالي، وثورة العمال والفلاحين؛ مما أدى إلى هيمنة الجيش تحت عباءة التنظيم “القومي الثوري”، الذي بات بفرمانات عسكرية قائداً للدولة والمجتمع على إثر الانقلابات العسكرية التي يدور حولها الكثير من الجدل، وذلك من جهة القوى التي كانت تقف وراءها، والوظائف التي انيطت بها.

أما النتيجة التي ترتبت على هذه الوضعية بعد عقود من القمع والتسلط، فقد تمثلت في جملة من المظاهر السلبية التي قد تفسر واقع انسداد الآفاق التي تعيشها حالياً هذه المجتمعات.

وفي مقدمة تلك المظاهر تراجع دور المؤسسات التعليمية والجهود البحثية، بل وتحولها إلى أدوات لتكريس إيديولوجية الحزب التي كانت في واقع الحال تعمل على تثبيت سلطة الزعيم الدكتاتور، المتحكّم بكل المفاصل عن طريق الأجهزة المخابراتية الاخطبوطية. وهذا ما وضع حداً للمناقشات والحوارات الفكرية، والجهود البحثية، والتفكير الحر بصورة عامة. وأدى إلى إغلاق الباب أمام حرية التعبير، وأسهم في ضمور الملكة النقدية. ومن ملامح هذه الوضعية هيمنة الصحافة الرسمية واختفاء الصحافة الحرة؛ وتحوّل الأحزاب المعارضة إلى مجرد جوقة تزينية، مهمتها اعطاء انطباع زائف بوجود نشاط سياسي خارج دائرة المسموح به من قبل النظام.

من جهة أخرى، أدى التركيز على الجيش، وزيادة عدد المتطوعين فيه فضلاً إلى ظاهرة ترييف المدن إذا صح التعبير، لأن هؤلاء بحكم عملهم انتقلوا للسكن في العاصمة بصورة أساسية والمدن الكبرى الأخرى، ولم يقتصر هذا الأمر عليهم وحدهم، بل شمل أسرهم وأقربائهم أيضاً الذين استفادوا من التسهيلات والامتيازات الممنوحة للعسكريين وأقربائهم. هذا في حين أن المطلوب كان تمدين الريف، وتحديثه. وقد كانت هناك بوادر واعدة في هذا المجال بعد مرحلة الاستقلال مباشرة، ولكنها سرعان ما اجهضت. وما نجم عن ذلك، خاصة في مناخات هيمنة الإيديولوجية القوموية الشعاراتية التي التزمتها الأنظمة الحاكمة في الجمهوريات العربية هو تراجع الفكر الحداثوي/ النقدي بمختلف تياراته، وسيطرة التوجهات القوموية الفاشية المنحى، إلى جانب نزعات يسارية دكتاتورية غالباً ما كانت تستلهم النموذج الستاليني ليكون مثالها المفضل.

إلى جانب ما تقدم، استحوذ الجيش على الجزء الأكبر من الميزانية، ممّا بدّد امكانية تحقيق تنمية متوازنة لمختلف القطاعات الاقتصادية، فتراجعت الزراعة والصناعة، وأصبحت التجارة مرتعاً لرجال أعمال السلطة وشركائهم. بل تغلغل الجيش ضمن مختلف القطاعات، وبدأ يمارس نشاطات لا تخص مهامه الوطنية المعلنة. وكل ذلك كان يتم تسويغه بذريعة حماية القطاع العام والتوجهات الاشتراكية، هذا في حين أنه في واقع الحال كان يقوّي سلطة الزمرة المهيمنة على الجيش والدولة، وهي الزمرة المتفاهمة، بل المتشاركة، مع “الزعيم الملهم المعجزة، القائد الأبدي”.

هذه الحالة، التي سادت مختلف الأنظمة الجمهورية العسكرية العربية، عشناها في سوريا بأكثر مظاهرها فجاجة وقسوة وفسادا. فقد كانت لدينا مؤسسة الإسكان العسكري، والإنشاءات العسكرية، ومعامل الدفاع، والمراكز العسكرية التي تبيع المواد التموينة والسلع المنزلية للمستهلكين؛ هذا إلى جانب المداجن والمزارع الخاصة بالضباط، ومختلف المزايا التي كانت تُمنح لرجال المخابرات والعسكريين والحزبيين المشاركين في الدورات العسكرية. ومن تلك المزايا الدرجات الإضافية التي كانت تؤهل صاحب الامتياز  للدخول إلى الكليات التي يريدها في الجامعة.

وحينما نتحدث عن دور الجيش، لا نتحدث عن مؤسسة وطنية تخص جميع السوريين، كما كان يحلو للإعلام الرسمي تصويره والدعاية له؛ أو كما كان ينطلي على البسطاء من السوريين؛ أو كما كان يتردد على ألسنة بعض المثقفين والمعارضين من باب المزاودة والتقية والمراهنة على امكانية تغيير الواقع وفق الأمنيات والعبارات المجاملاتية.

فالجيش، خاصة في مرحلة سيطرة حافظ الأسد على مقاليد الأمور في خريف عام 1970 أصبح أداة بيد زمرة السلطة التي استخدمت النزعات الطائفية والقومية والاشتراكية، وسوقت الشعارات المضللة لفرض سلطتها، ويُشار في هذا السياق بصورة خاصة إلى التغني بخرافة التوازن الاستراتيجي، والإشادة بالاستقرار السياسي الذي كان في واقع الحال يجسد سيطرة الأجهزة المخابراتية على الدولة والمجتمع ومصائر الأفراد.

فالأحزاب قد دُجنت. والقوى الأهلية قد فُتت وأُفسدت. والاقتصاد بقطاعاته: العام والمشترك والخاص قد بات مجرد امتداد عضوي للنظام الفاسد. والفلاحون قد تحولوا إلى مجرد جسم عديم الروح تتحكم فيه الجمعيات الفلاحية التابع بصورة مباشرة للحزب المسيطر عليه أمنياً.

أما الكّتاب والمثقفون والأكاديميون فلم يبق أمامهم سوى الاندماج مع أجهزة السلطة أو الصمت أو الرحيل.

واستمر الوضع هكذا على مدى عقود؛ بل تراكمت السلبيات، وتفاقمت المضاعفات في عهد وريث الجمهورية، بشار الأسد الذي لم يتمتع بحنكة والده، ولم يتمكن من الحفاظ على التوازن بين المعالادت الإقليمية؛ بل فتح البلاد أمام التغلغل الإيراني؛ وأفسد العلاقة مع العمق العربي. ولم يكن صادقاً في وعود الإصلاح التي أغدق بها على السوريين لخداعهم، ويتمكن من تثبيت نفسه.

ونتيجة انسداد الآفاق من جميع النواحي، لم يكن أمام الشعب السوري بكل مكوناته، خاصة الشباب، سوى رفع الصوت عالياً، والمطالبة بالإصلاح أولاً؛ ومن ثم بإسقاط النظام، وذلك بعد التيقن من استحالة الإصلاح. ولعل ما يفسر جانباً من جوانب الصعوبات التي واجهتها الثورة السورية، يتشخص في معرفة النظام المسبقة، بناء على خبرته السلطوية، بعدم وجود تيار وطني مدني منظم، قادر على قيادة الثورة، وتوجيهها. لذلك ركّز على استراتيجية دفع الثورة نحو العسكرة؛ لمعرفته بأنها ستصبح إسلاموية الطابع. الأمر الذي سيبعد عنها غالبية السوريين، وسيمكنه من وضع العالم أمام بديلين سيئين فاسدين هما: إما الاستبداد وإما الإرهاب. هذا إذا أخذنا جدلاً بوجود حسن النية لدى المجتمع الدولي.

والأمر اللافت هنا هو تمكّن النظام من تدجين الإسلام المديني، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، مما أدى إلى إطلاق العنان للتوجهات الإسلاموية الريفية العنيفة، التي تكاملت بهذه الصيغة أو تلك مع الاستراتيجية التي اعتمدها النظام. فبرز التطرف والتكفير والإرهاب، وكانت المبالغة في فرض التشدد على الناس. هذا إلى جانب مظاهر الفساد بسائر أشكالها. وكل ذلك أسهم في إبعاد الشباب السوري من مختلف المكونات السورية الذين أشعلوا الثورة أصلاّ، وعولوا على قدرتها في إحداث تحولات نوعية تضمن لهم ولشعبهم المستقبل الحر الكريم.

الأصعب بالنسبة إلى الوضع السوري الراهن، لا يتمثل في السلطة البائسة المستبدة الفاسدة التي لا يمكنها الاحتفاط بحكم البلد لساعات، وليس لأشهر، من دون القوات الروسية والإيرانية، والميليشيات التابعة لها، كما لا يتمثل الأصعب في الفصائل المسلحة السورية المحسوبة على المعارضة، وهي التي تحولت في معظمها إلى أدوات في مشاريع الآخرين الإقليمية التي لا تعتبر المصالح السورية من أولوياتها، وإنما يتثمل في عدم وجود تيار وطني عام يستطيع أن يجمع بين السوريين، ويطمئنهم جميعاً، ويمكّنهم من تركيز طاقاتهم في سبيل ضمان مستقبل أفضل لهم ولأجيالهم المقبلة.

أما الدعوات التي نراها في المشهد، وهي تطالب مرة بالعلمانية، وأخرى بالديمقراطية والليبرالية، أو الإسلاموية، أو القومية بأسمائها المختلفة، فإنها تؤدي إلى المزيد من التشتت والتفتت، وتبديد الطاقات. وكل ذلك لن يستفيد منه سوى النظام الذي هو في واقع الأمر بمثابة حكومة تصريف أعمال في دولة فاشلة، تتحكم فيها القوى الإقليمية والدولية التي وزعت البلاد في ما بينها. هذه القوى التي هي الآن بصدد تشكيل وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية بما يناسبها من حسابات ومقاييس؛ لتكون في المستقبل استمرارية للوضعية التي ثار عليها السوريون.

*كاتب وأكاديمي سوري

=========================

الملف الإيراني وقرارات ترامب الأخيرة

 صادق الطائي

القدس العربي

الاحد 6/12/2020

مثل الملف الإيراني عقدة محورية في الكثير من سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب الخارجية، إذ اعتبر هذا الملف الكفة الأولى التي تقابلها كفة الأمن القومي الإسرائيلي، وعبر توازنات هاتين الكفتين رسمت سياسة ترامب كل الخطوات والقرارات التي أتخذها طوال السنوات الأربع التي قضاها في البيت الأبيض.

وفي البدء مثل الملف الإيراني أحد المحاور الأساسية في حملة دونالد ترامب الانتخابية عام 2016 فقد أطلق حينذاك مجموعة تعهدات في مقدمتها الخروج من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع مجموعة دول “5الاحد 6/12/20201” الذي نزع فتيل أزمة التوتر النووي في الشرق الأوسط. وقد أدان دونالد ترامب سلوك إدارة الرئيس أوباما واتهمها بتقديم تنازلات كبيرة وغير ضرورية لإيران، الأمر الذي مكن إيران من  تملك القوة والنفوذ للتوسع في منطقة الشرق الأوسط وفرضها توازنا قلقا يهدد بالانفجار في عدة محاور أهمها بلدان الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة في الخليج وإسرائيل.

بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في آيار/مايو 2018 ابتدأ ترامب بإطلاق حزم العقوبات الاقتصادية على إيران، والغاية تنفيذ سياسة تصفير تصدير البترول مما يعني موتا محققا للنظام الحاكم في إيران، إذ يشكل البترول العصب الرئيسي في الاقتصاد الإيراني. ومع صمود وتحمل الخسارات الكبيرة التي مني بها الإيرانيون من دون ان ينهار النظام ويجلس لطاولة المفاوضات مع إدارة ترامب، تصاعد التوتر بين الطرفين ليصل إلى حافة الحرب الشاملة، عندما أسقط الإيرانيون طائرة أمريكية مسيرة في حزيران/يونيو 2019 وقد توقع العالم ردا عسكريا من إدارة ترامب عبر توجيه ضربة عسكرية لمواقع إيرانية، لكن هذه الضربة أوقفت بأمر من ترامب شخصيا في اللحظات الأخيرة.

حزم العقوبات

التوترات أخذت بالتصاعد من مطلع العام الجاري، إذ اغتالت القوات الأمريكية الجنرال قاسم سليماني ونائب هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس مطلع شهر كانون الثاني/يناير بضربة بطائرة مسيرة قرب مطار بغداد، مما أدى إلى توتر الصراع وتصاعده والنتيجة كانت توجيه ضربة صاروخية إيرانية للقواعد الأمريكية في العراق في محافظتي الأنبار وأربيل، كما اتهمت إيران بالوقوف وراء مهاجمة حركة الحوثيين اليمنية للمنشآت النفطية في السعودية وناقلات البترول في الخليج، مما أدى إلى تصاعد التوترات عدة مرات والتهديد بتوجيه ضربات صاروخية لإيران، إلا إنها توقف في اللحظة الأخيرة.

تصاعد التوتر بشكل كبير بين الولايات المتحدة وإيران مع فرض حزم العقوبات، وقد بدا إن غاية إدارة ترامب وضع أكبر قدر من العراقيل في وجه الإدارة المقبلة في حال عدم فوز ترامب بولاية ثانية، وهذا ما حصل فعلا، فمنذ إعلان نتائج الانتخابات واتضاح تقدم وفوز جو بايدن، ابتدأت إدارة ترامب تسرع في اتخاذ خطوات غايتها رفع مستوى التوتر مع إيران إلى الحد الذي طلب فيه الرئيس من مستشاريه النصح في امكانية توجيه ضربة عسكرية لموقع نطنز النووي الذي تقوم فيه إيران بتخصيب اليورانيوم الذي تجاوز الحدود المسموحة بها بحسب تقارير مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن وحسب تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية الذي ذكرت فيه أن رد مستشاري ترامب كان رفض فكرة الرئيس، وأنهم حاولوا اقناعه بعدم المضي قدما في تنفيذ ضربة على منشآت إيران النووية بسبب المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى إثارة نزاع أقليمي موسع في الأسابيع الأخيرة من رئاسته.

كما ذكر موقع “أكسيوس” الأمريكي أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعد خطة لفرض سيل من العقوبات الإضافية على إيران، قبل مغادرة ترامب للبيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير المقبل، ونقل الموقع عن مصدرين إسرائيليين أن إدارة ترامب تنسق في هذا الشأن مع حكومات في المنطقة الخليجية، ومع إسرائيل.

العودة للاتفاق النووي

من جانبه أعلن الرئيس المنتخب جو بايدن بوضوح في مقال له في أيلول/سبتمبر الماضي “إذا عادت إيران إلى الامتثال الصارم للاتفاق النووي، فإن الولايات المتحدة ستعاود الانضمام إلى الاتفاق باعتبار ذلك نقطة انطلاق لمتابعة المفاوضات” وستُرفع العقوبات التي فرضها ترامب على إيران.

ويشير توماس فريدمان في مقال له في صحيفة “نيويورك تايمز” بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس المنتخب بايدن، إلى أنه من الواضح أن الإيرانيين يأملون في عودة إدارة بايدن إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران. إذ قال وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في 17 تشرين الثاني/نوفمبر تعليقا على هذا الأمر؛ إن “عودة الولايات المتحدة وإيران إلى الامتثال الكامل للاتفاق يمكن أن يحدث تلقائيًّا، ودون حاجة إلى مفاوضات جديدة”.

مسألة عودة الرئيس بايدن للاتفاق النووي مثلت ازعاجا حقيقيا للرئيس ترامب وحلفائه في الخليج وإسرائيل، ويظهر أن كل الحلفاء قد لعبوا أدوارا في دفع الأزمة إلى مديات متقدمة لتكريس العقبات في طريق عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي. فكانت الضربة الأخطر في سيناريو التصعيد والمتمثلة باغتيال كبير علماء الطاقة الذرية الإيرانية محسن فخري زاده، في عملية متقدمة جدا من حيث جمع المعلومات وطريقة التنفيذ، والتي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تنفيذها حتى الآن، إلا ان الجهات الرسمية الإيرانية اتهمت الموساد الإسرائيلي وبالتعاون مع الأمريكان بالوقوف وراء التخطيط للعملية وتنفيذها.

في مقال لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية سلط الضوء الأسبوع الماضي على التصعيد ضد إيران، إذ بعث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو برسالة واضحة إلى الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن مفادها؛ “سنعارض الجهود الأمريكية للانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 المعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني”. وقال نتنياهو في التأبين السنوي لذكرى وفاة أول رئيس وزراء لإسرائيل، دافيد بن غوريون؛ “لا تعودوا إلى الاتفاق النووي الإيراني السابق، يجب أن نلتزم بسياسة لا هوادة فيها لضمان عدم تطوير إيران أسلحة نووية”. ولفتت الصحيفة إلى؛ أن “بايدن وإيران تلقيا رسالة قوية يوم الجمعة 27 تشرين الثاني/نوفمبر، إذ استُهدف محسن فخري زاده، كبير علماء إيران النوويين، باغتيالٍ مُحكم بالقرب من طهران”.

والهدف الواضح من هذا التصعيد هو محاولة جر إيران للرد على هذه الضربة العنيفة، وبالتالي ايصال التوتر إلى حدود الانفجار دون إعلان الحرب من الطرف الأمريكي أو الإسرائيلي بشكل رسمي، وبذلك سيكون من الصعب على إدارة بايدن الرجوع بسلاسة إلى الاتفاق النووي.

لكن الرد الإيراني بحسب المراقبين لن يكون شاملا أو ضمن حرب إقليمية، إذ يتوقع الخبراء العسكريون تنفيذ جهات محسوبة على طهران ضربات في المحيط الإقليمي لإيذاء حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل في الخليج أو اليمن أو العراق أو سوريا، لكن هذه الردود المحدودة بالتأكيد ولن يكون لها صدى الضربة التي أصابت المشروع النووي الإيراني إصابة بالغة باغتيال الرجل الذي يعرف بأنه “ابو القنبلة الذرية الإيرانية”.

وقد أطلق الإيرانيون تهديدات سابقة موجهة لدولة الإمارات في حال الكشف عن تورطها في نشاطات عدائية إسرائيلية ضد إيران، لكن إدارة ترامب تحسبت للتوتر بإرسال قطع بحرية إلى الخليج، إذ كشف مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية عن تحريك حاملة الطائرات “يو إس إس نيميتز” إلى منطقة الخليج العربي، مع سفن حربية أخرى. وتم الأمر في نفس يوم اغتيال محسن فخري زاده، وحسب شبكة “سي إن إن” فإن “تحريك حاملة الطائرات سيوفر دعما قتاليا مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان” وإن “تحريك حاملة الطائرات إلى الخليج، كان مقررا قبل ورود خبر اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده” إلا إن ذلك لا يعني، أو لا يخفي احتمال التنسيق بين الأطراف الثلاثة أي الإسرائيليين والأمريكيين والخليجيين.

وتناولت بعض التسريبات الصحافية اللقاء الذي ضم محمد بن سلمان ومايك بومبيو وبنيامين نتنياهو في مدينة نيوم السعودية، إذ اعتبر هذا اللقاء نقطة تحوّلٍ تاريخيةٍ في العلاقات الإسرائيلية-السعودية. وقد تحدّثت تقارير عن أنّ الأطراف ناقشت الملف الإيراني بوصفه ملفاً رئيسياً على طاولة الاجتماع، ففي الوقت الذي أكدّ نتنياهو بأنّ موقفه من إيران لن يتغيّر بتغيّر الحكومة الأمريكية، جاء الردّ السعودي بأن السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام إيران، وجاءت عملية اغتيال فخري زاده ضمن هذا السياق بعد أيام، مما أثار شكوكاً حول توقيته وأهدافه.

إسرائيل تتوقع ردا إيرانيا محدودا قد يتمثل بتوجيه ضربات لبعثاتها الدبلوماسية، أو مصالحها المنتشرة في دول العالم، لذلك أصدرت خارجيتها تعليمات مشددة لبعثاتها بتوخي الحذر الشديد، لكن من جانب آخر يرى بعض المراقبين أنّ الموقف الإيراني سيتجه إلى مفهوم “الصّبر الاستراتيجي” الذي يُطلق عليه الإيرانيون “صبر راهبردي” والذي سيصل بالفعل إلى نتيجةٍ إيجابيةٍ بوصول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض. وعندها سيكون الانفراج في الوضع الإيراني ردا مناسبا يوجه لإسرائيل ومن طبع معها من دول الخليج.

=========================

تهجير السوريين وسعي لعودتهم!

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 5/12/2020

عندما اندلعت ثورة السوريين ربيع العام 2011، ردّ نظام الأسد على الثورة بالاستخدام الواسع للقوة. وشملت الردود، إضافة إلى الملاحقة والاعتقال، إطلاق الرصاص على المتظاهرين من جانب عناصر المخابرات والجيش، ولم يقتصر السلاح على الأسلحة الفردية الخفيفة، بل شمل الآليات والمدرعات، ثم الطيران والمدفعية، ما أدى إلى قتل وجرح واعتقال السوريين وتشريدهم، ودفع أعداد متزايدة للتوجه إلى بلدان الجوار فراراً من استخدام القوة المفرطة، التي مارسها النظام.

ولم يكن استخدام القوة الشكل الوحيد الذي هدف النظام من خلاله إلى تهجير السوريين، بل أضاف إليه خلق بيئة طاردة وصعوبات حياتية، من شأنها دفع السوريين للهرب والبحث عن أماكن أفضل للعيش، وفي هذا النسق من إجراءات النظام، تمت عمليات حصار مدن وقرى وأحياء، منع الدخول إليها والخروج منها، وجرى تعطيل شبكات الخدمات العامة من مواصلات ونقل ومياه وكهرباء، ومنع التنقل الحر للأشخاص والسلع، ما دفع السكان للبحث عن بدائل، وفي أول الثورة، كان الانتقال إلى مناطق أخرى، أسهل وسيلة لمواجهة التطورات الأمنية، وهكذا ذهب السوريون من المناطق المستهدفة إلى مناطق سورية أخرى، أو نحو بلدان الجوار، التي أخذ يتزايد عدد الذاهبين إليها مع مرور الوقت، وأضاف النظام إلى إجراءاته في دفع السوريين نحو المغادرة، أمرين؛ أولهما انسحاب عناصره من غالبية المعابر الحدودية، وتسهيل سيطرة الجماعات المسلحة عليها، وشمل ذلك مواقع بعيدة، وأخرى قريبة مثل درعا وريف دمشق الغربي، والثاني، تشجيع ودفع المعارضين والناشطين في الثورة إلى مغادرة البلاد، بل الضغط عليهم، وأحياناً من بوابات النصح للمعتقلين، وبفعل هذا النهج وحده غادر البلاد نحو 100 ألف من المعارضين والناشطين إلى بلدان الجوار والأبعد منها في العام الأول من الثورة.

كانت محصلة ما تم من سياسات النظام وتطبيقاتها، تشريد وتهجير نحو مليون نسمة من السوريين في العام الأول، ثم أخذ يتضاعف العدد في السنوات التالية، وخاصة في بلدان الجوار الثلاثة؛ تركيا والأردن ولبنان، وأخذت أعداد المقيمين واللاجئين تتزايد في أغلب بلدان العالم، لتصل حالياً إلى نحو نصف سكان سوريا، يتمركز منهم في تركيا نحو 4 ملايين نسمة، فيما يقترب عددهم في البلدان العربية من نحو 4 ملايين، نصفهم تقريباً في لبنان والأردن، يضاف إلى ما تقدم نحو مليون ونصف مليون مقيم ولاجئ سوري في بلدان أوروبا.

وزاد نظام الأسد إلى سياسته في تهجير السوريين، إعلانات كرست تقسيم السوريين والتمييز ضد اللاجئين، بينها الفصل بين من بقي من السوريين تحت سلطة النظام ومن هو خارجها، بمن فيهم اللاجئون في الشتات، كان بينها إعلان رئيس النظام الخاص بـ«المجتمع المتجانس» الذي تم تحقيقه في مناطق سيطرته، بعد أن قتل من قتل، وشرد وهجر الملايين، ثم أضاف إعلاناً تالياً بالقول، إن الصفة السورية لا ترتبط بمن يحمل الجنسية، بل بمن يدافع عن سوريا التي تعني بداهة «سوريا الأسد»، سوريا الخاضعة لسلطته، ولا شيء غيرها، ما يعني إعلاناً غير مباشر بنزع الجنسية عن نحو نصف سكان سوريا، الذين صاروا مقيمين خارجها، وأغلبهم من اللاجئين.

إن التدقيق في مواقف وتصريحات أركان نظام الأسد حول الموقف من اللاجئين، يكشف سجلاً من الحقد والكراهية والتنمر حيال اللاجئين الذين جرى إعلانهم بمثابة عدو، بوصفهم «إرهابيين»، أو «أهالي الإرهابيين»، وجرى تحذيرهم من العودة إلى سوريا على نحو ما كرر مراراً الجزار الميت العميد عصام زهر الدين، وقد تجاوز الأمر حدود التصريحات إلى سلوكيات وممارسات اضطهادية وكيدية ضد اللاجئين في بلدان لجوئهم من جانب السفارات والقنصليات السورية لدى مراجعتهم لها، ولو من أجل إتمام معاملات شخصية أو عائلية مثل جوازات السفر، وتسجيل المواليد والوكالات القانونية، وقد تحول إتمام هذه المعاملات إلى مناسبات لسرقة وإذلال اللاجئين من قِبل موظفي النظام وسماسرته، ويكفي القول إن النظام يفرض دفع 80 ضعفاً لجواز سفر يعطى لأحد اللاجئين مقابل سعره في سوريا.

وسط تلك البيئة في تهجير السوريين وتخوينهم وإذلالهم ونهبهم، اضطر نظام الأسد للاستجابة إلى المساعي الروسية في توظيف موضوع اللاجئين لخدمة استراتيجية موسكو في القضية السورية، وخاصة لجهة إعادة إعمار سوريا، بما يعنيه من موارد تحقق منافع لحلف النظام مع الروس والإيرانيين، سواء لاستعادة بعض أموال، صرفوها لصالح النظام في سوريا، أو للحصول على عقود مميزة في إعادة البناء المرتقبة.

ولا يحتاج إلى تأكيد، أن موضوع عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم وتنظيم المؤتمر الدولي بهذا الخصوص في دمشق، ينحصر في المصالح المباشرة لنظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، ولا يتصل أبداً باللاجئين السوريين في دول اللجوء، وخاصة في لبنان والأردن وتركيا، التي يعيش في ثلاثتها نحو 5 ملايين سوري، يعاني أغلبهم من ظروف صعبة وغير إنسانية.

إن دلالات عدم اهتمام النظام وحلفائه بعودة اللاجئين، تبدو واضحة في عدم القيام بأي خطوات سياسية أو أمنية أو إجرائية، من شأنها تأكيد أن العودة ممكنة. فمن الناحية السياسية ما زال النظام وحلفاؤه، يعيقون البدء في حل سياسي للصراع السوري، والأمر في هذا لا يتصل بمسار الحل وفق المنطوق الأممي، على أساس بيان جنيف 2012 والقرارات الدولية ذات الصلة، التي تمت على أساسها لقاءات جنيف، بل يشمل عدم جدية الروس في السير نحو حل سياسي وفق تصوراتهم، التي رسموها في مسار آستانة، وتحولهم نحو مسار تضييع الوقت في جولات غير مجدية من اجتماعات اللجنة الدستورية، والأمر في كل الأحوال عدم وجود سند سياسي أو أي التزام من جانب النظام وحلفائه في موضوع عودة اللاجئين، كما أنه لم يتم أي تغيير في السياسة الأمنية للنظام نحو كل السوريين واللاجئين بشكل خاص؛ حيث تتطلب عودة كل واحد منهم إلى موافقات أمنية مسبقة، وأن يلتزم بالمكان الذي يحددونه، لا أن يعود إلى المنطقة التي كان يعيش فيها، وأن يستعيد ممتلكاته، بل إن النظام ما زال يضع أسماء نحو مليون ونصف المليون على قوائم المطلوبين، وأغلب هؤلاء من اللاجئين أو مقيمين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

إن النظام بمؤسساته المختلفة من بلديات ومؤسسات الخدمات العامة، لم يقم بأي خطوة من شأنها أن تؤشر إلى عودة اللاجئين الذين لا شك أنهم يحتاجون إلى سكن وغذاء وعمل ومدارس ومياه شرب وكهرباء وغيرها، مما ينوء النظام بتوفيره للمقيمين حالياً في مناطق سيطرته، ولا سيما العاصمة دمشق، بعد أن أوقعهم بتداعيات أزمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية غير مسبوقة في التاريخ السوري.

خلاصة الأمر، أن نظام الأسد وحلفاءه الذين هجّروا السوريين أو تسببوا في هجرتهم، إنما يطرحون موضوع عودة اللاجئين لأهداف لا تتعلق بالموضوع نفسه، بل باعتباره وسيلة لفتح أبواب مشروع إعادة الإعمار الذي قالت فيه دول العالم، إنه لا يمكن أن يبدأ قبل أن يبدأ سير النظام في طريق الحل السياسي، وعليه فإن كل ما يقال أو يتم القيام من خطوات في موضوع عودة اللاجئين لا معنى له، بما في ذلك الحملة الديماغوجية التي قام بها وفد النظام في اجتماعات اللجنة الدستورية حول عودة اللاجئين.

=========================

"تجحيش" المعارضة السورية

عمر قدور

المدن

السبت 5/12/2020

لا علاقة لهذا العنوان بالهجاء، على الأقل ذلك الهجاء الذي يستخدم الحيوانات شتيمةً للحط من قيمة الأشخاص. كلمة "التجحيش" تُستخدم في سوريا على نطاق واسع لوصف ما يُسمى أيضاً "زواج التحليل"، أي الزواج المتوجب على المرأة من رجل آخر قبل أن تجوز لها شرعاً العودة إلى زوجها السابق الذي طلقها ثلاث مرات. وكما هو معلوم من الدارج أن تتم هذه العملية احتيالاً على الشرع الإسلامي، فيكون هناك اتفاق مسبق بين الزوج القديم والزوج المؤقت "يُسمى بالعامية نفسها المُجحِّش"، ليقوم الأخير بدوره الصوري لمدة قصيرة جداً وقد يكون مُستأجراً لهذا الغرض، أو محل ثقة لأنه أدى هذا الدور سابقاً بأمانة. وإذا كنا لا نعلم سبب شيوع هذه التسمية فمن المؤكد أنها ليست على منوال استخدام المجاز نفسه دلالة على الغباء، فالمجحِّش "المحلِّل" في حالتنا شخص يقوم بدوره عن دراية بصرف النظر عن دوافعه.

غاية تلك العملية كما هو واضح إضفاء الشرعية على ما أصبح باطلاً، والشرعية هنا تتطلب حكماً وجود ذلك الطرف الثالث، وهو وجود ضروري بقدر ما هو صوري. في حالتنا، لدينا طرف فقد الشرعية "سلطة الأسد"، وأطراف راغبة في إعادة تأهيله "أو حتى إعادة تدويره" هي جهات دولية وإقليمية، إلا أن العملية تتطلب مشاركة المعارضة السورية لتكتسب الشرعية، والشرعية هنا هي حفظ ماء وجه تلك الجهات التي يريد بعضها على الأقل استعادة الوضع السابق باعتبار جرائم الأسد قد طُويت باتفاق أهل البيت "من معارضة ونظام".

الوصول إلى تلك الخاتمة لن يكون في المدى القريب، ودور المعارضة "في عملية التجحيش" قد بدأ منذ سنوات، وهو مستمر في سياق متدرج من إضفاء الشرعية على التنازل تلو التنازل. اليوم مثلاً تعلم المعارضة الممثلة في اللجنة الدستورية أن وفد الأسد يماطل في المفاوضات لتقطيع الوقت حتى إجراء الانتخابات الرئاسية، وهكذا سيحظى بشار الأسد بسبع سنوات جديدة سيصرّ هو وداعموه على أنها خارج التفاوض. لقد أسرّت قيادات دولية من قبل لبعض المعارضين بأن التغيير لن يحدث قبل أن ينهي بشار ولايته الحالية، وبدا ذلك مستهجناً قبل حوالى سبع سنوات، إلا أنه الآن يعبر بقدر أقل من الاستهجان، وهناك في وفد المعارضة من يعلن فهم اللعبة إنما على أرضية التسليم بها وعدم وجود بديل عنها طالما أنها تتم تحت أبصار المجتمع الدولي. 

كان قرار مجلس الأمن2254، الصادر قبل خمس سنوات، قد دعا في بنده الثاني إلى الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية الانتقال السياسي. وفي بنده الرابع حدد الستة أشهر كفترة مستهدفة لإنجاز المفاوضات، وبدء الحكم الانتقالي الذي يضع جدولاً زمنياً لصياغة دستور جديد، تُجرى على أساسه انتخابات حرة ونزيهة خلال سنة ونصف. ترتيب الأولويات الزمنية كان واضحاً في قرار مجلس الأمن، إلا أن المعارضة "ضمن دورها الآنف الذكر" منحت الشرعية للانقضاض على قرار مجلس الأمن، أولاً من خلال اختراع ما يُسمى مفاوضات السلال الأربع المتزامنة، ثم بتوقف المسارات الأربعة واستئناف المسار الدستوري الذي كان يُفترض الشروع به بعد العبور إلى الحكم الانتقالي. بموافقة المعارضة، اختُزل قرار مجلس الأمن إلى مسار اللجنة الدستورية المتعثر، وضمن سقف زمني مفتوح. أو بعبارة أدق، تم الانقضاض على صُلب القرار ذاته لا لأن الأسد فحسب يرفض تنفيذه، وإنما لأن المعارضة أيضاً قبلت التنصل من مندرجاته وترتيبها. أيّ حديث اليوم عن الاستناد إلى القرار المذكور محض لغو، تستخدمه المعارضة إعلامياً لتستر سلسلة تنازلاتها. 

صار في وسع وفد الأسد إلى اجتماعات اللجنة الدستورية المجيء، بعد تمنع ودلال، فقط ليستعرض قدرته على إضاعة الوقت في مناقشة كل ما ليس له صلة بالدستور. في الاجتماعات الأخيرة للجنة أهدر الوفد الوقت بالحديث عن عودة اللاجئين، وهذه ليست مهارة تُحسب لوفد الشبيحة بقدر ما هو استغلال للمتاح بيسر، فنحن إزاء مبعوث دولي يتصرف كموظف يهمه القول أنه يفعل شيئاً ما، أي شيء، وإزاء عدم اكتراث أممي بموضوع اللجنة برمته إلا على شاكلة موظفها نفسه. المُحرج فيما سبق كله أن وفد الأسد يتعمد إبداء المزيد من الابتذال، أو يظهر على سجيته بلا تصنّع، ما يُفرغ التمثيلية من أدنى درجات الإقناع، لذا بات همّ الممثل الدولي ومَن خلفه بقاء التنكيل الذي يمارسه ذلك الوفد بعيداً عن الإعلام، ربما أيضاً رأفةً بوفد المعارضة وإعفاءً له من مواصلة المقارنة بين جديته وعدم جدية الوفد المقابل.  

لكن ذريعة "إحراج النظام أمام المجتمع الدولي"، وشقيقتها التي تنص على حسن نوايا المعارضة وامتثالها للتوجهات الدولية، لن تخرجا من التداول ما بقيت المعارضة وفية لنهجها. ذريعة "إحراج النظام" أضحت كبديهية من بديهيات عمل المعارضة، ولا نعلم أي ذكاء "أو تذاكٍ على السوريين" يعتقد أصحابه حقاً أن من أباد قرابة مليون سوري وهجّر ثلث السوريين واستخدم أسلحة الإبادة الجماعية سيشعر بالإحراج أمام المجتمع الدولي الذي رأى كل جرائمه السابقة وأبقى عليه، بل ها هو يحابيه وهو في أدنى درجات الابتذال السياسي. 

ثمة ذريعة أخرى، تُطرح علناً أو ضمناً، لتبرير أداء المعارضة يمكن اختصارها بالسؤال: ما الذي تقدر عليه هذه المعارضة، أو أية معارضة قد تحل مكانها، أمام إرادات قوى دولية وإقليمية كبرى تتحكم بالقضية السورية؟ لا يندر أن يُبنى السؤال على واقع خروج القضية السورية من أيدي السوريين جميعاً، ليكون من الحصافة تواجد المعارضة على أي نحو بدل تغيبها. 

من نافل القول أن العلاقة بالخارج سمة السياسة المعاصرة بالمفهوم الديموقراطي، وهناك في بعض التجارب معارضات لديها "حكومة ظل" بما فيها وزارة الخارجية. لعل هذا يعفي المعارضة السورية من اتهامها بعلاقتها بالخارج، من دون نسيان جانب جوهري يتعلق بوجودها كمطلب خارجي في المقام الأول، وعدم امتلاكها شرعية تمثيلية يمكن قياسها، وعدم امتلاكها شرعية ثورية لابتعادها عن أهداف الثورة. قوة المعارضة تكمن تحديداً في أنها مطلب خارجي، وتحديداً من أجل القيام بدور "التجحيش-التحليل"، وقد كانت قادرة في العديد من المحطات على الانسحاب من العملية كلها أو التهديد بالانسحاب من دون أن تخسر ما خسرته وهي تثبت حسن سلوكها. حتى إذا افتقرت المعارضة إلى الخبرة السياسية، ثمة في إرث "التجحيش" الكثير من الروايات عن ذلك "المحلل" الذي خرج عن الدور المرسوم له محققاً مكاسب إضافية باستغلال حاجة بقية الأطراف إليه.    

=========================

القصة الكاملة لإفلاس بشار البهرزي الأسد سابقاً

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5/12/2020

تصفر الرياح، اليوم، في أربع جهات البنك المركزي بسوريا، وتكاد تخلو ردهاته من أي دولار واحد، وتبدو الخزينة السورية مقفرة، خاوية على عروشها، بعدما كنستها عصابة خانقين «الكردية» الكاكائية المعروفة، تمويهاً وتزويراً، باسم (آل الأسد) وذلك على مدى خمسة عقود متتالية من حكم هذه العصابة والمافيا الموتورة الحاقدة ومن عمليات النهب المنظم والمدروس إذ تهريب الأموال بالتريليونات للخارج عن طريق عائلة آل مخلوف الواجهة المالية لعصابة خانقين، واستقرت بدبي وبنما وسويسرا، حيث تم تجميده والاستيلاء والحجز والسطو عليه بموجب العقوبات الدولية التي طالت مجرمي الحرب الكيماويين قتلة الشعب السوري الطيب الأعزل البريء الذي يئن تحت غوائل الفاقة والجوع والفقر والبؤس والحرمان والظلم والجور والقهر.

ويتندر سوريون، اليوم، همساً ولمزاً، بأن زعيم عصابة خانقين، بشار البهرزي (وهو الاسم الحقيقي للعصابة الكاكائية ومؤسسها قبل أن تستلحف برداءات العروبة وعباءات العلوية وتصبح بقدرة قادرة من عشيرة وقبيلة بني كليب العرب «الكلبية» حسب زعمهم للتغطية على أصولهم الوضيعة مجهولة الحسب والنسب وسنفرد لهذا تغطية خاصة في قادمات الليالي) بات لا يملك ثمن عشاء، لولا المخصصات الرسمية للقصر الجمهوري التي تحول بينه وبين المجاعة، حيث كان قد أكد في خطبته الشهيرة أمام مجلس الطنطات والإمعات، مؤخراً، بأنه يعاني من انخفاض بالضغط لأنه لم يتناول الطعام منذ يوم أمس، حسب زعمه، وكانت تلك رسالة استجداء وتسول مبطنة وواضحة لابن خالته اللص الشهير رامي الحرامي قبل أن ينفجر الخلاف بينهما إثر مطالباته العبثية المتكررة للشيخ الجليل العابد الزاهد رامي لتأمين «دولارات» لزوم مصاريف عصابة خانقين، الذي كان قد تغذى ببشار قبل أن يتعشى هذا الأخير به، وأعطاه «صواب ماكن» فهربها وعين بشار غافلة عنه ووقتما كان قلب «ابن البهرزي» يلهو ويعبث مع عشيقاته اللواتي تعج بهن ردهات القصر الجمهوري، وأودعها في دبي وروسيا وأوكرانيا وصارت بتصرف أبناء رامي وأشقائه الذين ورثوا أيضاً تريليونات المقبور محمد مخلوف التي كان قد راكمها، بدوره، بعد خمسة عقود من استباحة مطلقة للاقتصاد السوري.

ولا يوجد اليوم دولة بالعالم تثق بهذا النظام المجرم ورئيسه المراوغ الكذاب، ولن يدخل دولار واحد لسوريا بوجوده، وليس بقدرة روسيا أو إيران المفلستين أن تقدما له سوى زيارات رضائي وقاني وبيسكون وفوشكوف وتقديم عبارات المجاملة الطنانة الإنشائية الفارغة عن الدعم والخندق الواحد التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأما إعادة الإعمار فمؤجلة وغير واردة وبإجماع دولي ما لم تواكبها عملية سياسية جدية تنزع أنياب هذا الفك الذي يفترس السوريين، دون رحمة ولا رأفة كما تفترس الضواري ضحاياها بالبراري، هو والعصابات والسلالات الكردية والتركمانية وسواها. فتـّشوا عن أثرى وأغنى العائلات وعن أية سلالة متنفذة ومتمكنة داخل النظام فستكون أصولها، بالقطع، إما كردية أو تركمانية وإيرانية، ولا علاقة لها لا بالعرب ولا بالمسلمين أو بالعلويين، ولقد كان الفشل الذريع والمريع لمؤتمر إعادة اللاجئين صفعة حقيقة ومهينة لبشار ومعلمه بوتين من المجتمع الدولة ورسالة لا تخطئ عن موقف واحد موحد من هذا النظام المارق الفاجر المجرم الكيماوي القاتل الدموي الفاشي.

ولقد فهم المعتوه والأبله بشار هذه الرسالة وبات يتصرف على أساسها وأنه لم يعد لديه مورد رزق وباباً للتكسب والجباية والارتزاق سوى لقمة عيش وجيوب فقراء السوريين الذين يرزحون تحت نير احتلال عصابة خانقين الكاكائية. فبالرغم من أن سوريا شعباً ووطناً تعيش أسوأ لحظاتها، إلا أن الهم الأول والأخير للعصابة الحاكمة في دمشق بات ابتزاز وتشليح السوريين أرزاقهم وقوت يومهم وما تبقى لديهم من ليرات في ثنايا جيوبهم المثقوبة التي لم تترك فيها العصابة «يرن». وجاءت اعترافات رأس النظام المجرم قبل أيام بأن أكثر من أربعين مليار دولار للنظام تبخرت في البنوك اللبنانية لتؤكد حدة وفداحة الأزمة المالية التي تعصف بالعصابة الحاكمة. واعتبر الأسد أن الحال المزري الذي تمر به سوريا والسوريون الآن يعود بشكل جزئي إلى اختفاء تلك المليارات. وهذه المبالغ على ما يبدو أموال حكومية سورية، لأن ما يملكه آل الأسد في البنوك الأجنبية يقارب الترليون دولار.

الفلاح السوري أيام الإقطاع والبورجوازية كان يأخذ ربع المحصول ولذلك سمي بالمرابع أما في عهد البعث صاحب شعار «الأرض لمن يعمل بها ولكل حسب مجهوده» لم يترك الأغوات البعثيون الجدد أي شيء للفلاح

وأي سوري بسيط بإمكانه أن يتأكد من هذا الرقم من خلال حسبة بسيطة لأموال النفط وغيره من الثروات السورية المسروقة التي لا تدخل الخزينة السورية منذ الحركة التخريبية التدميرية التي قام بها مؤسس عصابة خانقين الكاكائية حافظ (البهرزي) الأسد في العام 1970م. ومنذ ذلك التاريخ وآل البهرزي (الأسد) ينهبون الثروات الخرافية الطائلة بلا حساب ويضعون خراجها في حساباتهم الخاصة والتي جاوزت الترليون دولار بأبسط التوقعات.

وبعد سرقاتهم التاريخية لم يعد هناك، حقيقة، من مصدر دخل لتمويل جيوب الحكومة السورية ومافياتها إلا من خلال الجباية. وكما يقول ابن خلدون إن كثرة «الجباية تعني اقتراب النهاية». أي أن الشعب صار مصدر الدخل الوحيد لهذا النظام البائس الذي لم يكتف بتدمير سوريا وتهجير السواد الأعظم من شعبها، بل يريد أيضاً التنكيل بمن بقوا داخل سوريا ومعظمهم من مؤيديه. بعبارة أخرى، فإن لا شيء يهم الأسد في سوريا غير قتل شعبها عسكرياً ومادياً.

ومن المعلوم مثلاً أن جيش الأسد خسر السواد الأعظم من جنوده على مدى السنوات الماضية بعد أن خاض أكبر وأطول حرب في تاريخه ضد الشعب السوري حصراً، ناهيك عن أن مئات الألوف من الشباب السوريين تخلفوا عن الالتحاق بالجيش كي لا يشاركوا في ذبح أهلهم. وهذا يعني أن الجيش بحاجة لمئات الألوف من الجنود كي يرمم نفسه، لكن على العكس من ذلك أطلق بشار الأسد قبل أيام مرسوماً جمهورياً يسمح للشباب السوريين داخل سوريا بدفع بدل نقدي مقابل عدم الخدمة في الجيش. وهذا يعني أن آخر ما يهم العصابة الأسدية حماية سوريا، وكل ما يهم بشار تجميع آخر ما تبقى في أيدي السوريين من ليرات. والغريب العجيب أنه أصدر أوامر بتعديل أسعار صرف الدولار للسوريين الذين سيدفعون البدل النقدي، فبعد أن كان سعر الدولار حسب البنك المركزي 1250 ليرة رفعه النظام قبل أيام ليصبح 2250 ليرة للدولار، وهذا يعني أن أي سوري يريد أن يدفع البدل النقدي عليه تصريف الدولار من المركزي ب2250 ليرة. بعبارة أخرى، بدل أن يدفع ما قيمته عشرة ملايين ليرة سورية، صار عليه أن يدفع الآن عشرين مليون ليرة سوريا للنظام. واضح انها لعبة تشليح ونهب وسلب في وطن مدمر وعلى شعب على حافة الجوع والموت.

وللعلم فإن لعبة الدولار في سوريا لا تعتمد على أي معايير اقتصادية ومالية، بل هي لعبة بيد العصابة يرفعون الدولار وينزلونه حسب مصالحهم بهدف النهب والتشليح حصراً. وكل الارتفاعات التي حصلت للدولار في السنوات الماضية لم تكن وراءها أسباب اقتصادية لأن الاقتصاد السوري خارج العجلة الاقتصادية لارتفاعات الدولية ولا يتأثر بها، بل إن التلاعب بالليرة والدولار مؤامرة نظامية هدفها سرقة الشعب والوطن تحديداً.

ويقول الخبير المالي السوري أندرو شاهينك في هذا السياق: «لا يخفى على أحد ما يقوم به البنك المركزي السوري وبشكل مستمر من رفع لأسعار صرف الدولار عند اقتراب الانتهاء من جني المحاصيل الزراعية في سوريا، وذلك لاستلامها من المزارعين المساكين بأبخس الأثمان ومعاودة تصديرها بأضعاف ما استلمها منهم، ومن ثم يعيد سعر الصرف إلى الهبوط من جديد وبذلك يكون قد سلب من المزارعين السوريين ما يقارب 60في المئةمن قيمة محصولهم الحقيقية».

لاحظوا كيف أن الدول التي تحترم نفسها تضع سياسات دعم هائل لمزارعيها وتشتري منهم المحصول أحياناً بأكثر من ثمنه بكثير لتشجيع الفلاحين، بينما يعمل نظام الأسد بشكل مفضوح لسرقة المزارعين والفلاحين. ومن المعلوم أن الفلاح السوري أيام الإقطاع والبورجوازية كان يأخذ ربع المحصول ولذلك سمي بالمرابع أما في عهد البعث صاحب شعار «الأرض لمن يعمل بها ولكل حسب مجهوده» لم يترك الأغوات البعثيون الجدد أي شيء للفلاح، وتحول المزارع السوري من مرابع إلى مصافر».آفي مشكلي والخلود لرسالتكين».

شكر خاص للضباط العلويين الذين ساهموا في مادة هذا المقال.

=========================

موقفنا : ثورة ضد الاستبداد والظلم والفساد .. وليست ثورة ضد الهوية .. بلاغ إلى أعداء الهوية

زهير سالم

مركز الشرق العربي

8 / 12 / 2020

ثار السوريون على الاستبداد والظلم والفساد في بنية " زمرة الأسد " . ولم يثوروا على أنفسهم ولا على هويتهم . بأنهم مسلمون وعرب ..

نعتقد أن كل الوثائق والأوراق التي تصدر عما يسمى " مؤسسات المعارضة" إنما يأتي في سياق الدعاية الانتخابية - غير المباشرة - لبشار الأسد ، دعاية تأتي في سياقها السلبي . ولم يبق بيننا وبين انتخابات 2021 إلا القليل . ونحن واثقون أن كثيرا من السوريين عندما سيخيرون بين سورية منزوعة الدسم بلا لون ولا طعم ولا رائحة وبين سورية بنكهاتها الأصلية ، وإن كانت ، نكهات اصطناعية ، فإنهم لن يترددوا كثيرا في حسم مثل هذا الاختيار ، وبمثله يتحقق المقصود . إ

ن الورقة التي صدرت منذ يومين عن لجنة التفاوض لا تختلف في شيء عن أختها التي يوزعها على السوريين منذ فترة " مجلس الكنائس العالمي " بل نستطيع أن نقول للناس جميعا ، والوثائق شاهدة ، إن ورقة لجنة التفاوض العتيدة منتزعة من ورقة مجلس الكنائس العالمي حذو القذة بالقذة .. إلا إن يكن في ورقة مجلس الكنائس بعض رشد حذفه ونحاه هؤلاء ..!!

المعادلة في الدعاية لبشار الأسد تعرض على السوريين هكذا : إما أن تقبلوا بالجمهورية العربية السورية ببقية ما كان فيها من عناوين الهوية والدولة وإن على حيف أو ضيم ، وإما أن تذهبوا إلى من يعرف لكم سورية بأنها قطعة من الجغرافيا . ويعرف وهويتها بهوية الأقوام المنسيين الذين طبخوا على الأرض السورية طعاما منسيا ، وعبدوا آلهة منسية قبل أن يعرفوا عشتار وعشتروت وسومر وبعل الكبير ..

 وحين نرجع إلى كل التأتأة والفأفأة التي نسمعها من فرق وهيئات ولجان حسبت نفسها على المعارضة ندرك حقيقةً معنى سرقة دماء الشهداء ، وعذابات المعذبين . وندرك حقيقة أن بعض الوصوليين ، على طريقة الزمرة الأسدية نفسها ، قد جيروا الثورة السورية لمصالح فئوية ضيقة ومحدودة ، وأن فريقا من " الطامحين أو الطامعين " على طريقة العفن الذي يعتاش على الرغيف الطري ، يعينونهم على ذلك ، كما فعل الذين حاموا حول الزمرة الأسدية منذ نصف قرن .

في المؤدى العام الذي نبصره في آخر نفق المجسمات الثلاثة أو الأربعة ؛ ندرك أن ما يسعى إليه هؤلاء المؤتلفون والمفاوضون والمقاولون هو "جغرافية " في فراغ بلا اسم ولا رسم ولا روح ولا جسد . يسمونها سورية جديدة تنفي عن سورية ما كان قد تغافل عنه فيها : الظالم المستبد ، حبيب الفناء ، عدو الحياة .

كل ما نخشاه أن يتأخر بعض المخلصين ولو قليلا في عملية الإدراك ، إدراك اللعبة وتفاصيلها ، ومدخلاتها ومخرجاتها .. أو أن يتأخر الذين يدركون قليلا في تحديد الموقف والتعبير عنه والاجتماع عليه ..

الثورة ليست أنثى الثور ..

والثوار ليسوا مطايا يركب ظهورهم أصحاب المطامح والمطامع والأهواء ..وقدم السوريون مليون شهيد ، وبضعة عشر مليون مهجر طلبا للزيادة ، وليس سعيا بأنفسهم نحو النقصان ..

ودائما نعلن : أننا لن نحاصر بين الخيارين الأسوأ والأشد سوء . والاعتصام بالرفض ، باللا الكبيرة نرفض فيها هؤلاء وهؤلاء سوف يكون مظلة يأوي إليها كل من كان في قلبه بقية من دين أو من خلق .. ونحن في موطن سوق الموت فيه رائجة ، ونحب أن نلقى الله بالإعلان ...

اللهم إنا نبرأ إليك مما فعل بسورية وشعبها بشار الأسد وفئته من قتل وتدمير إلى أبد الآبدين ، ونبرأ إليك من فعل كل النخاسين والمتاجرين والمتآمرين الذين تنكروا دماء الشهداء واستخفوا بعذابات المعذبين.

___________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

دعوة إلى السلم المدني

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 5/12/2020

لم تطرح العقول السياسية السائدة في الساحة السورية مسألة السلم الأهلي في برامجها وخططها، لاعتقادها أن المجتمع السوري "صبّة" واحدة، متآلفة وموحدة، ولو طرحته في زمن ما قبل الثورة، وأرسته على أسسٍ جامعةٍ تنظم حياة السوريين المشتركة، وعلاقات المساواة والعدالة بينهم، لما دامت مأساتهم نيفا ونصف قرن، ولما نجحت الأسدية في تحويل ما بينهم من فروق إلى تناقضاتٍ استغلتها أجهزتها ضدهم، ولربما كان العالم سيقتنع بدعم حريتهم، بما يراه من توافقٍ بينهم، يطبع سياساتهم ومواقفهم بطابع عقلاني مؤهل لكبح الإرهاب والاستبداد. ولو طرحته في زمن ما بعد الثورة، لكان التوافق حوله كفيلا بزعزعة الأسدية، بما كان سيواجهها من وحدة وطنية عصية على الاختراق سياسيا وعسكريا، ولما ضنّ العالم على السوريين بنظام بديل. ولكن شيئا من هذا لم يحدث، قبل الثورة وبعدها، والسبب: ضمور الوعي بأهمية السلم المدني لدى أطياف العمل المعارض، واتصاف علاقاتها بقدر خطير من التوجّس والعداء، وبناها بالفئوية والعصبوية من جهة، وتعرّضها، من جهة أخرى، لقمع دائم، وتصفياتٍ منهجية، واختراقات أفقية وعمودية، شحنتها بالتوتر وانعدام التضامن الذي حوّلها إلى تنظيماتٍ متناثرةٍ وعاجزةٍ عن إنجاز أفعال مؤثرة تتخطّى بواسطتها ضعفها الذي أسهم في دورانها ضمن دوائر أسدية مغلقة، استهدفت فصلها عن الشعب، وتهميشها سياسيا ومجتمعيا، وقصر وجودها وأنشطتها على العدد القليل من منتسبيها، السرّيين الذين واجهوا السلطة ودولتها العميقة المنظّمة التي شكلت مجتمعا قائما بذاته، ناخ بكامل ثقله وعنفه على مجتمع عمل بدأبٍ على كتم أنفاسه وتشتيته، فلا عجب أن بدت ثورته كشهقة حياة أطلقها تمرّد استشهادي مفعم بالإصرار على الحرية، على الرغم من جرائم الأسدية التي أوصلته إلى حافّة الهلاك.

لا عجب أن انتشرت، في هذا الوضع، أفكار نخبوية نفت وجود مجتمع سوري، وساقت دليلا على زعمها، هو افتقار فترة ما بعد الثورة إلى سلم مدني وأهلي، وصمت قطاعاتهم الواسعة على تقويض ثورة الحرية لصالح ثورة مضادّة لها، تخلقت مذهبيا وإرهابيا بجهود عملاء للأسدية ولدول أجنبية، غزوا سورية بحجة "تطبيق شرع الله"، إلا أنهم احتلوا المناطق التي حرّرها الجيش السوري الحر، واستهدفوا هذا الجيش بالقتل والتفكيك، فلم تخدم أفعالهم أحدا غير أجهزة الأسد، والعاملين لإنقاذها.

لو كان في سورية مجتمع موحد، يواصل النقاد النخبويون كلامهم، لما قبل أن يمثله من تجاهلوا الارتداد عن ثورة الحرية، بل وارتدّ معظمهم عنها، ولما وقف هؤلاء مكتوفي اليدين حيال استهداف ما كان من لحمةٍ بين الجماعات الوطنية السورية، لطالما عبّرت عنها، من خلال حراكها المدني والسلمي، ولما استمرّ موقفها، أخيرا، بعد أن أقام الإرهابيون نظاما مكملا للنظام الأسدي في "المناطق التي "حرّروها" من الثورة وشعبها. 

ما مضى مضى. دعونا نبادر، منذ اليوم، إلى لم شمل شعبنا السوري على أسس مدنية تشاركية، تكبح ما يفرّقه من تناقضاتٍ وتبايناتٍ أجّجها ويؤجّجها ويراهن عليها أعداؤه وغزاته المحليون والغرباء، ولا بد أن نقاومها، ونعين أهلنا على بناء مجال عام موحد، ينتمي إلى ما يسمونه السلم المدني، كمجسد لوحدة شعبنا ولما يعزّزها من أسس ومبادئ ومصالح وسياسات نترجمها إلى مواقف وخيارات عملية هي ما نسميها الثورة: سبيلنا إلى توحيد صفوفنا واستئناف ما كنا نعيشه من اندماج وطني وإنساني، قبل نكبتنا بالعسكر وطائفيتهم، علنا ننجح في إفشال خطط أعدائنا الذين يراهنون على تفاقم تمزق (وانهيار) مجتمعنا، المهدّد بالقول والفعل في وجوده، لأن في هلاكه نجاة أعدائه، وبقاء السوريين غارقين في بؤسهم، ومستبعدين من المشاركة في تقرير مصيرهم، ونيل ما ضحّى الملايين من بناتهم وأبنائهم لبلوغه، وأكّدوا باصرارهم عليه أنه أغلى ما يطلبونه: حريتهم.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com