العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-11-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الرقة على صفيح ساخن .. علي العبدالله

المدن

الخميس  10/11/2016

عكس إعلان الناطقة باسم “قوات سوريا الديمقراطية”، تحالف يهيمن عليه حزب الاتحاد  الديمقراطي(الكردي) وجناحه العسكري “وحدات حماية الشعب”، المفاجئ بدء معركة تحرير الرقة (كان وزيرا الدفاع الأميركي آشتون كارتر والبريطاني مايكل فالون قد حددا “أسابيع قليلة مقبلة” لانطلاق العملية) وتركيزها على استبعاد تركيا عن المشاركة في العملية أجواء “نصر” سياسي على خلفية رسو اختيار التحالف الدولي لهم للقيام بهذه المهمة وما يمكن أن ينطوي عليه من قبول بخيارات القوات السياسية، عزز إحساسهم ب “النصر” وصول مستشارين عسكريين أميركيين وفرنسيين وألمان للمشاركة في إدارة المعركة، وقد كان لافتا التباين الصادم بين أعداد المقاتلين الذين ظهروا في أرض المعركة، بحدود 1500 مقاتلا، وحديث إعلاميي “القوات” بحشدها 30000 مقاتل للعملية، ما يعكس قلقها من توجهات لاستدعاء أطراف أخرى غير مرغوب فيها للمشاركة فيها.

اختلفت تقديرات المحللين حول مبرّرات تكليف “قوات سوريا الديمقراطية” بهذه المهمة الحسّاسة، بين القول إن واشنطن اختارت هذه “القوات”؛ لاستعداداتها وقدراتها، وبين القول إنها اختارتها مضطرة، بعد أن رفضت فصائل المعارضة العربية المسلّحة قبول التعاون مع واشنطن وفق خطة “داعش” أولا، أو “داعش” فقط، ومطالبتها (الفصائل) بخطة لقتال “داعش” والنظام في آن. وقد دفعها موقفها الرافض لرعاية قتال ضد النظام؛ كي لا تنزلق إلى إدارة حرب بالوكالة، أو تنخرط في الصراع؛ فتصطدم بإيران وروسيا، علاوة على رغبتها في تحقيق انتصارٍ سريعٍ على “الإرهاب”، قبل نهاية ولاية الرئيس أوباما، إلى هذا الاختيار، مع ما ينطوي عليه من تداعيات سياسية وعسكرية، محلية وإقليمية.

انطوى اختيار التحالف الدولي ل “قوات سوريا الديمقراطية”، على فرص ومخاطر في آن؛ فقد أثبتت هذه “القوات” جدارتها في مواجهة “داعش” في أكثر من موقع ومعركة، ليست معركة تحرير عين العرب/كوباني إلا صورتها الأوضح والأبرز، ومعارك رأس العين، وتل حميس، وجنوب الردّ، والهول، واليعربية، والحسكة، وتل أبيض، والشدّادي، وسدّ تشرين، شواهد بارزة على استعداداتها للتضحية وقدراتها القتالية.

غير أن استعداداتها وقدراتها الكبيرة، لا يمكن أن تبرر، وحدها، اختيارها للمهمة، خاصة أنها تسعى إلى فرض مشروعٍ سياسيٍ لا يحظى بإجماع وطني، وأن سجلها الحقوقي يشي بممارسات عنيفة، وغير قانونية، ضد المواطنين العرب والتركمان في المناطق التي حررتها من “داعش”، والرقة منطقة معظم سكانها من العرب؛ ما يثير هواجس ومخاوف من تكرار هذه الممارسات، وهذا يطرح علامات استفهام حول منطقية الاختيار الأميركي وبراءته، علاوة على أن تمكينها من “تحرير” الرقة؛ سيحولها إلى قوة مهيمنة على الكرد ومصيرهم في سورية، والسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي، وهذا ما يعزز تمسكها بمشروعها السياسي ورفض اعادة النظر فيه لملاقاة التوجهات الوطنية الأخرى والذهاب الى حل متفق عليه، من جهة، ويخلق، من جهة ثانية، بيئة عدائية، قد تقود الى اقتتال داخلي كردي كردي، وعربي- كردي، ناهيك عن رفع نسبة احتمال تدخل عسكري تركي في المنطقة، حيث ظهرت بالتزامن مع الاعلان عن بدء المرحلة الأولى، مرحلة عزل الرقة، تحفظات عربية وتركية على اختيار هذه “القوات” للعملية في ضوء تقديرها ان مشاركة “قوات سوريا الديمقراطية”، ومن خلفها “وحدات حماية الشعب” تهدف الى تحصين “الكيان” الذي أقامته شمالي سوريا، وفرض نفسها لاعبا أساسيا في أي تسويات مقبلة، من خلال المقايضة على الجغرافيا، مقابل تعزيز مكاسبهم في جغرافيا أخرى، بدأت برفض “لواء ثوار الرقة”، الفصيل العربي الوحيد ضمن هذه “القوات”، المشاركة في المعركة على خلفية ممارسات هذه “القوات” العرقية في المناطق التي سبق وحررتها من “داعش”، وصدور بيان سياسي موقع من ستة تجمعات سياسية ومدنية رقاوية في مدينة أورفا التركية، حيث التجمع الأكبر لأبناء الرقة خارج سوريا، منها “مجلس محافظة الرقة” و”نقابة معلمي الرقة”، أعلنت فيه رفضها لإعلان بدء “معركة عزل وتحرير الرقة” لأنه “يؤدي إلى نزاع قومي بين العرب والكرد قد يمتد لعشرات السنين”.

تركيا، التي أستفزها اعلان قيادي في “قوات سوريا الديمقراطية” انهم اتفقوا بشكل نهائي مع التحالف الدولي على عدم وجود أي دور لتركيا أو للفصائل المسلحة المتعاونة معها في عملية تحرير الرقة، عبرت بطرق عدة عن عدم موافقتها على هذا الاختيار بدءا باعلانها ان هدفها الأول هو اخراج “قوات سوريا الديمقراطية” من مدينة منبج، في تلميح الى عرقلة عملية عزل الرقة عبر مهاجمة “قوات سوريا الديمقراطية” في منبج، ناهيك عنما رشح من أنباء عن بدء استعدادات لدخول أكثر من 500 مقاتل من أبناء الرقة كانوا قد تدربوا في معسكرات يديرها الجيش التركي إلى الأراضي السورية، في عملية، ان صح النبأ، خلط أوراق وفرض خيارات بديلة، وتأكيدها عبر تصريح نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش، “إن استخدام عناصر غير عربية لطرد مقاتلي “داعش” من معقلهم في مدينة الرقة السورية لن يساهم في إحلال السلام في المنطقة، وإن كل خطوة تخطوها عناصر غير عربية في عملية الرقة ستكون ضد مصالح الولايات المتحدة… هذا طريق مسدود. هذا هو المسار الخطأ”، وتحذيرها من المس بالتركيبة السكانية لمدينة الرقة، ومطالبتها ببقاء تركيبة المدينة كما كانت قبل احتلال “داعش” لها.

النظام بدوره تحفظ على اختيار “قوات سورية الديموقراطية”، فقد ربطت صحيفة “الوطن” السورية القريبة منه بين اطلاق العملية والانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وشككت بقدرة هذه “القوات” على انجاز المهمة موردة قول مصدر ديبلوماسي غربي في باريس، دون تسميته، “انه لا قدرة لدى “قوات سورية الديموقراطية” على مقاتلة التنظيم الإرهابي ولو ساندتها واشنطن وباريس بكل ما لديهما من قوة”.

حاولت واشنطن امتصاص رد الفعل العربي والتركي عبر اطلاق التصريحات المطمئنة مثل اعلان المبعوث الخاص لقوات التحالف الدولي بريت ماكغورك “إن واشنطن على اتصال “وثيق جدا” مع تركيا بشأن معركة الرقة”، وارسال رئيس أركان الجيش الأمريكي جوزيف دانفورد إلى أنقرة، وعقده اجتماعا، الأحد، مطولا مع نظيره التركي خلوصي أكار وقيادات سياسية وعسكرية تركية امدت قرابة 4أربع ساعات ونصف ساعة، وصفته وسائل الإعلام التركية بالمهم جداً، واعلانها عن العمل مع تركيا لاعداء خطة لتحرير المدينة، في تلميح الى ان دور “قوات سوريا الديمقراطية” يتوقف عند عزل المدينة.  

لكن هل ستنجح الولايات المتحدة في تهدئة الرفض العربي والتركي؟.

يستدعي الموقف خطوات عملية وملموسة تحسم قضية بقاء الرقة لأهلها، شكلا ومضمونا، وتأكيد رفض ما كان اعلنه ممثل “حزب الاتحاد الديمقراطي” في كردستان العراق، غريب حسّو، في تصريحٍ له نقلته وكالة “نوفوستي” الروسية، “ضمّ الرقة بعد تحريرها إلى الفدرالية”، التي كان “تجمع سوريا الديمقراطية” قد أعلن عن تبنيها في مؤتمر رميلان يوم 17 آذار 2016، وأن التحرير لن يتم على أنقاض مصالح أهل الرقة وحقوقهم، كما يستدعي إقناع الدول الداعمة للمعارضة بأن عملية التحرير لن تكون على حساب مصالحها، ومصالح حلفائها من فصائل المعارضة المسلحة، بدءا من العمل على وقف هجمات “قوات سوريا الديمقراطية” عليها، مرورا برفع الحظر عن دعمها بالسلاح النوعي والذخائر، من أجل تمكينها من الدفاع عن مناطق سيطرتها ضد “داعش” والنظام في آن، وصولا إلى إشراكها في معركة عزل الرقة، وتشتيت قوات “داعش”، ودعمها وإسنادها، خلال المواجهة، بالأسلحة والذخائر والمعلومات الاستخبارية والقصف بالطائرات، كما هو حاصل مع “قوات سوريا الديمقراطية”.

========================

حلب اليوم هي العنوان والمفصل .. عبد الباسط سيدا

الحياة

الخميس  10/11/2016

منذ أكثر من عام والأطراف الراعية والداعمة للنظام السوري تعتبر معركة حلب معركتها الحاسمة. هذا ما أكدّه الروس والإيرانيون وأتباعهم بأقوالهم وأفعالهم التي ترجمت واقعاً على الأرض عبر قصف المستشفيات والمدارس والأحياء السكنية. وهدف هؤلاء من معركة حلب فرض الاستسلام على المدافعين عن المدينة، وعلى السوريين جميعاً.

ومع أن الحجة الروسية في هذا المجال تقوم على زعم مفاده صعوبة التمييز بين الإرهابيين والمعتدلين من المقاتلين، تؤكد الوقائع والقرائن أن تلامذة حلب ومرضاها وأطفالها ونساءها كلهم ارهابيون في المنظور الروسي، طالما أنهم يعارضون حكم بشار الأسد. فالهدف هو ارغام السوريين على القبول بالحل الروسي الذي ينص صراحة على إبقاء نظام بشار، وتحميل الشعب السوري مسؤولية كل القتل والتدمير الذي ساد في سورية على مدى نحو ستة أعوام.

ولعله من نافل القول أن نذكر هنا أن ما تتعرض له حلب من تدمير لعمرانها، وقتل وتهجير لناسها، ما كان له أن يكون لولا الموقف الأميركي الانسحابي السلبي، الذي اكتفى بالهرولة وراء سراب الحل السياسي مع الروس، الذين كانوا قد حزموا أمرهم إلى جانب النظام مع اللحظة الأولى لانطلاقة الثورة، بل حتى في المرحلة التي سبقتها.

فقد أثّر الموقف الأميركي هذا في الموقف التركي، حتى وجد صنّاعه أنفسهم من دون أي دعم أو سند من جانب حلفائهم الأطلسيين في مواجهة الروس الذين وجدوا طرق المنطقة سالكة أمامهم، فاستغلّوا الفرصة لعرض قدراتهم العسكرية، وذلك بهدف اثبات الوجود كقوة دولية عظمى، والدخول مع دول المنطقة في صفقات تجارية تعقدها معهم هذه الأخيرة من باب دفع الشر، والاستعداد للتحدّيات الجديدة.

والأمر الذي يستوقف أكثر من غيره في الموضوع السوري هو التوافق الأميركي - الروسي على أمور ثلاثة محورية هي:

أولاً - غض النظر عن الوجود الإيراني والميليشيات المسلحة المرتبطة به في سورية.

ثانياً- اعتبار محاربة الإرهاب أولوية من دون البحث عن المقدمات التي مهّدت لهذا الإرهاب، وسوّقته، وبنت عليه.

ثالثاً- اعتماد الموقف الضبابي من موضوع مستقبل بشار الأسد السياسي.

هذا على رغم صدور جملة تصريحات أميركية تحاول إظهار التمايز عن الموقف الروسي، ولكنها هي الأخرى عائمة، هلامية، لا تشكّل أرضية لموقف صلب واضح المعالم، يمكن أن يؤخذ في الحسبان.

ومع الإعلان عن التوافق الروسي - الأميركي بعد اللقاء الماراتوني بين كيري ولافروف في 9 أيلول (سبتمبر) المنصرم بخصوص إعلان الهدنة في حلب، وإدخال المساعدات الإنسانية، كان من الواضح وجود نَفَس ارتيابي لدى العسكريين والأمنيين الأميركيين في شأن حدود صدقية الروس، وإمكانية التعاون الاستخباراتي والعسكري معهم. وقد ثبتت مشروعية تلك الهواجس بعد إقدام الروس على قصف المستشفيات وقوافل المساعدات والأحياء السكنية بعنف وحقد لافتين.

حلب ليست مدينة عادية تدخل دائرة النسيان بعد تدميرها وتجاوزها. فقد امتلكت عبر مختلف العصور التاريخية القديمة منها والوسيطة والحديثة دوراً محورياً في التحالفات والحروب والانتصارات. كما كانت مدينة التجارة والصناعة. وهي العاصمة الاقتصادية لسورية كلها، والعاصمة الفعلية للشمال السوري.

ويخطئ كثيراً كل من يتجاهل دور حلب في تاريخ المشرق، ورمزيتها الاستثنائية لدى شعوب المنطقة بعامة، والشعب السوري على وجه التخصيص. وأي تغيير فعلي لوضعية المدينة وهويتها عبر السيطرة العسكرية عليها، يُفهم منه وجود إرادة دولية - إقليمية بإحداث تغييرات كبرى في المنطقة.

النظام الإيراني يريد حسم الأمور سريعاً، لأنه يعتبر أن لحظته التاريخية قد حلت، وعليه استغلالها قبل فوات الأوان. ولكن يبدو أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الروس. فهم، على رغم اندفاعهم الصلف، يدركون أن إسقاط حلب بقوة القصف الإستراتيجي سيضعهم أمام مأزق كبير يتمثّل في الخيارين الصعبين:

هل سيتولون بأنفسهم إدارة المدينة؟ وهذا ما سيكلّفهم الكثير، ويستنزف طاقاتهم بمستويات لا يتحملونها.

أم سيسلّمون المدينة إلى الإيرانيين تحت يافطة النظام السوري المعترف به دولياً؟ وحيئذٍ يكونون قد أسسوا لشرخ إقليمي غير مسبوق في تاريخ المنطقة الحديث، شرخ ستكون له تداعيات كبرى على المستويين الإقليمي والدولي.

فتركيا لا يمكن لها في ظل أي ظرف، وتحت وطأة أي ضغط أن تقبل بحزام إيراني قد يمتد من الموصل إلى حلب، ويكون حاجزاً بينها وبين العالم العربي، وباعثاً على زعزعة استقرارها الداخلي عبر استغلال الورقة المذهبية التي أثبتت قوتها في العديد من دول المنطقة.

والسعودية، ومعها الدول الخليجية والأردن، ستجد نفسها قد طُوقت بحزام إيراني من كل الجهات، الأمر الذي ستكون له انعكاسات مهدّدة على دواخلها. كما أن الولايات المتحدة ستكون في موقع المجرَّد من كل أوراقه الإقليمية، إذ سيصبح مفتاح المنطقة الأساس بيد النظام الإيراني، صاحب المشروع الإمبراطوري الحالم.

أما أوروبا، فسيكون عليها الاستعداد لسيل جديد من اللاجئين، وربما عمليات إرهابية جديدة. هذا إلى جانب مواجهة مقبلة لمآلات تعاظم الدور الروسي، وقدرته على فرض المشاريع التوسعية، سواء بالقوة المباشرة أو عبر التهديد باستخدامها.

أما على الصعيد السوري، فلن تكون معركة حلب الكبرى، بصرف النظر عن نتائجها، المعركة الأخيرة. وإنما ستكون مدخلاً لصراع طويل بين أصحاب الأرض والحق من جهة، وروّاد مشاريع بعث العظمة المندثرة من جهة ثانية. ونظراً إلى تعارض توجهات وأهداف هذه المشاريع، وتباين خلفياتها، فإن المنطقة مقبلة على مرحلة عصيبة من الصراعات الداخلية والإقليمية التي ستكلّف شعوب المنطقة المزيد من الضحايا والموارد.

المستقبل سوداوي، ولا توجد في الأفق بوادر مشجعة توحي بإمكانية الوصول إلى نهاية النفق المظلم. وما يضفي المزيد من القتامة على المشهد بأسره، غياب الموقف الأميركي الحازم الذي يظل هو المقرر في نهاية المطاف. والخشية من استمرارية هذا الموقف في عهد الإدراة المقبلة خشية واقعية، الأمر الذي سيكون في مصلحة الاندفاع الروسي، مقابل تجميد الموقف الأوروبي الذي من الواضح أنه ليس في مقدوره بلوغ مرحلة الفعل المؤثر بمعزل عن قيادة أميركية.

ونعود إلى حلب مرة أخرى، لنؤكد الأهمية البالغة لمعركتها المقبلة. هذا مع إقرارنا بأهمية معركة الموصل أيضاً. لكن معركة حلب تظل الأهم من جهة رسم معالم الإستراتيجيات، وربما الحدود.

========================

المأساة السوريّة.. جرح مفتوح وتجاهل مريب .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 9/11/2016

كان السوريون على دراية تامة منذ اليوم الأول للثورة، بصعوبة مهمتهم. وكانوا على يقين بأن النظام محمي عبر شبكة من العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية، وله موقعه المهم في خارطة التوازنات والحسابات الإقليمية والدولية. لذلك كان الشعار المعبّر: «يا الله مالنا غيرك يا الله». فقد جسّد هذا الشعار معاناتهم وعذاباتهم على مدى عقود مظلمة من حكم استبدادي فاسد، سطّح العقول والضمائر، وعفّن الدواخل، وقطع الطريق أمام كل الطموحات والآمال. حتى غدت بلاد الأبجدية والجمال والحرفة والتجارة والقيم والسمو الروحي والانفتاح الإنساني خربة خالية من أية مؤشرات واعدة تعطي الأمل بإمكان تلافي الانهيار الشامل الوشيك، وذلك بفعل الجهود الشريرة لزمرة من المتحكمين بمفاصل الدولة والمجتمع ومصائر الأفراد. زمرة استمدت نسغها من الأسد الأب، وتوافقت على توريث الحكم للأسد الابن، لتستمر المأساة السورية على مختلف المستويات.

ومع انطلاقة الربيع العربي، تحرّك السوريون، الشباب منهم على وجه التخصيص، باحثين عن مستقبل أفضل ينقذهم من مآلات انسداد الآفاق، ويفتح الطرق والأبواب أمامهم، ليثبتوا للقريب والبعيد أنهم ليسوا أقل قدرة على العطاء والإبداع من الآخرين.

تحرّك الشباب، وكان القلق على مصيرهم في ذروته، لمعرفتنا العميقة بطبيعة النظام، واطلاعنا على تداخل المعادلات الإقليمية والدولية وتفاعلها لمصلحته. لكننا لم نلتزم الحياد، بل كنّا إلى جانب شبابنا ومن دون أي تردد على رغم كل الأخطار والتهديدات.

وشقت الثورة السورية السلمية طريقها بتفاؤل وثبات، واحتضنت الغالبية الغالبة من أبناء سورية ومن جميع المكونات المجتمعية من دون أي استثناء. لكن النظام وحلفاءه فرضوا العسكرة اعتقاداً منهم أنها ستلزم الناس بالعودة إلى بيت الطاعة. وما أن أخفقوا في ذلك، حتى فتحوا الأبواب أمام الإرهابيين ليعيثوا في الأرض فساداً، ويصبحوا في الوقت ذاته فزّاعتهم التي يواجهون بها العالم، ولسان حالهم يقول: إما نحن أو الخراب وتهديد المصالح.

وتلكأ العالم وتلعثم، لأن الزعيم الأميركي لا يريد التدخل في أي شكل من الأشكال. ومع استمرارية القتل والتدمير في سورية، اضطر الزعيم إلى إطلاق تصريحات خجولة تخديرية تطالب بضرورة رحيل بشار. لكنه سرعان ما كان يصادر تلك التصريحات عبر تصريحات مضادة، أو ممارسات تؤكد للنظام وحلفائه عدم وجود إرادة بالتدخل من أجل التغيير.

واستمرّ السوريون في ثورتهم، واستمر النظام وحلفاؤه في قتلهم، واستمر العالم في صمته المثير للجدل.

الأمم المتحدة أصبحت مؤسسة مشلولة لا حول لها ولا قوة أمام الفيتو الروسي المتكرر، ولم يصدر عنها سوى القلق والقرارات الرمادية التي تحمل بذور تعطيلها في ذاتها.

والولايات المتحدة بزعامة أوباما أصبحت حملاً وديعاً في مواجهة الاندفاع الروسي، وبات كل همها محاربة الإرهاب «السني» المنفلت. ولم تشعر بأي حرج إزاء تنسيقها المعلن وغيرالمعلن مع الإرهاب «الشيعي» المنظم، طالما أن مصالحها ومواطنيها في منأى عن أي خطر.

وفي أجواء غياب القيادات التاريخية التي كانت تلتزم المبادئ الثابتة في تحوّلات سياساتها، قيادات كانت تتحمّل المسؤولية، ولا تعيش هاجس الحسابات الانتخابية، وتتخذ المواقف الجريئة وقت اللزوم، في غياب تلك القيادات ظلت أوروبا حائرة عاجزة عن اتخاذ أي موقف حاسم في معزل عن القرار الأميركي.

والأمر اللافت أكثر من غيره، أن المجتمع المدني الأوروبي لم يتجاوز هو الآخر الموقف الرسمي كثيراً، فلم تكن هناك حملات تضامن قوية مع الشعب السوري، ولم تكن هناك جهود كبيرة في ميدان التنديد بجرائم النظام وحلفائه. بل كنا في أكثر من مناسبة أمام حالات تعاطف مع النظام، وتشكيك في هوية المعارضة، وذلك بعد أن تمكّن النظام بدعم من حلفائه من تمرير خديعة محاربة الإرهاب، ومزاعم حماية الأقليات، والأخطار الوهمية التي تهدّد النظام «العلماني» التابع لنظام ولي الفقيه.

ولا بد من الاعتراف بإخفاق المعارضة السورية في مخاطبة الرأي العام الغربي، وتقصيرها الكبير في هذا المجال. فغيابها شبه التام عن فاعليات المجتمع المدني الغربية عموماً، قد أفسح المجال للقوى المتعاطفة مع النظام لترويج أضاليله وفبركاته. ولعل هذا ما يقدّم قسطاً من التفسير لواقع عدم خروج التظاهرات الكبرى، وعدم تنظيم الحملات الشعبية المؤثرة في مختلف أنحاء أوروبا، تنديداً بما يتعرض له الشعب السوري من قتل وتدمير. أما الحملة الاستثنائية تضامناً مع اللاجئين السوريين بعد حادثة الطفل آلان كردي، فقد كانت عاطفية آنية، سرعان ما تلاشت نتيجة غياب الجهود التي كان من شأنها البناء عليها، وتطويرها.

ولم تقتصر السلبية الشعبية – إذا صح التعبير – على أوروبا وحدها، بل شملت غالبية الدول العربية والإسلامية، إذ لم تتحوّل مواقف التعاطف الفردية إلى حالة عامة منظّمة، كان من شأنها أن تشكّل أرقاً للأنظمة التي التزمت الصمت، أو ظلّت على تعاونها غير المعلن مع النظام السوري عبر الأجهزة الأمنية والمنافع المتبادلة.

وذلك كله دفع بالسوريين نحو الإحباط، والشعور بأنهم قد تُركوا لوحدهم. هذا مع إدراكهم أن بلادهم قد باتت ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، وأن الحرب الطاحنة التي فرضت عليهم لم تكن العوامل السورية وحدها كافية لتفجيرها لولا التدخلات الخارجية، لا سيما من الجانب الإيراني الذي كان من الواضح أنه يريد نقل معاركه إلى أراضي الآخرين، واستنزاف السعودية تحديداً ومعها الدول الخليجية، باعتبارها المجموعة العربية الوحيدة التي ما زالت محتفظة بتوازنها وصلابتها.

محنة السوريين كبيرة. والتحديات المستقبلية التي تنتظرهم تفوق كل وصف، منها: تحديات بناء الإنسان والمجتمع والوطن. تحديات مواجهة مشكلات جيل من الأميين والمعاقين نفسياً وجسدياً. تحديات حملات التجييش المذهبية والقومية. تحديات توفير فرص التعليم والعمل للشباب واسترجاع الطاقات الشاردة.

ويبقى السؤال عن ماهية سورية المنتظرة. هل ستكون تلك التي تحمّل السوريون من أجلها آلاماً تتجاوز طاقة التخيّل؟ أم ستكون سورية أو «سوريات» تنسجم مع حسابات الآخرين ومصالحهم؟

========================

ديموقراطيون أو جمهوريون... نحن الخائبون .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 9/11/2016

مَنْ يجهل اليوم أن المحافظين الجدد من بين الجمهوريين في الولايات المتحدة دمّروا العراق بعد غزوه، ودمّروا كل إمكانات حماية وحدته حين حلّوا جيشه؟ مَنْ من العرب لا يزال يجهل أن الديموقراطيين في أميركا مسؤولون عن إبادة ثلاثمئة ألف سوري، كما الروس شركاء في الإبادة، وفي حماية نظام البراميل المتفجّرة والغازات السامّة؟

مَنْ يشك في دور للولايات المتحدة، وراء «خريطة الطريق» التي رسمتها الأمم المتحدة لإنهاء الحرب في اليمن، وتفخيخ الطريق أمام الشرعية اليمنية في قتالها الحوثيين وجماعة علي صالح؟

وإذا كان الجمهوريون «أسخياء» مع إسرائيل، فإدارة الرئيس باراك أوباما «الديموقراطية» وقّعت أضخم صفقات مع حكومة بنيامين نتانياهو، ليغادر البيت الأبيض مطمئن البال إلى ضمان أمن إسرائيل لخمسين سنة مقبلة.

الجمهوريون المحافظون تفرّدوا خارج الشرعية الدولية، بقرار غزو العراق واحتلاله، فيما الروس يتفرّجون. انقلبت الأدوار، بات الروس ومعهم الإيرانيون قوة احتلال وتدمير لسورية، بينما الأميركي يتفرّج، ويشارك من بعيد في إحصاء الضحايا.

أيّهما الأفضل للعرب، الديموقراطية هيلاري كلينتون التي سلّفها أوباما قرار تدشين معركتي الموصل والرقة لاستعادتهما من «داعش»، أم مرشح الجمهوريين الشعبوي المشاكس دونالد ترامب الذي توعّد المسلمين بحظر على دخولهم الولايات المتحدة، ووعد إسرائيل بالاعتراف بالقدس عاصمة لها، إذا فاز بالبيت الأبيض؟

أيهما أفضل، هيلاري التي لن تعاقب إسرائيل على ابتلاع أراضٍ من الضفة الغربية بالاستيطان، أم ترامب الذي يعتبر أن الرئيس بشار الأسد استعاد قوته، ويكرر إشادته بقيصر الكرملين الرئيس فلاديمير بوتين؟

ولا تكتمل مشاهد «لعبة الأمم» إلا باللعبة الإيرانية المملّة: أميركا باتت بلا أخلاق(!) بدليل حفلات الشتائم والبذاءة التي طبعت حملة الانتخابات الرئاسية... الشرسة. وأما المعايير الأخلاقية والإنسانية فآخر ما تجتهد طهران لتبريره، في تجييش الميليشيات التي تشارك في قتل سوريين وعراقيين ويمنيين.

صحيح أن الإندونيسي أو الفيليبيني بعد الأوروبي والكوري الشمالي لا يمكنه إلا الاهتمام بما يهزّ أميركا، وباحتمالات الليلة الأخيرة في الانتخابات، ولكن يرجّح اطمئنان العرب إلى أن ترامب لو فاز، لن يضغط على الزر النووي في فورة غضب... وهو على رأس السلطة لن يكون ترامب المرشّح الذي تعهّد أولوية لتجفيف منابع «الفساد» في هذه السلطة و «النظام المزوّر».

سيعني الكثير فوز ترامب المتمرّد على كل أصول اللياقات الديبلوماسية والإنسانية، في التعامل مع قضايا الداخل والخارج، لكن الكارثة تكمن ربما في حال كرّس حلفاً مع القيصر المعجب به، لتُمعن روسيا في خريطة أحلامها وأطماعها في قلب أوروبا والعالم العربي. وإن تكن هيلاري كلينتون الأقل سوءاً، حتى بالنسبة إلى العرب، فلا شيء في حملاتها الانتخابية أوحى باستعدادها لسياسة نشطة في المنطقة توقف حروبها واضطراباتها، وتلجم شهية الروس، وتعطّل براكين الدم.

للأميركي أن يحلم بأميركا أفضل، أن يختار، بعدما أهملت السلطة هموم الفقراء والأقليات، وخضعت لكوابيس الأمن وهواجسه. بهذا المعنى، يصح القول أن شعار الشعبوي ترامب «أميركا أولاً»، هو حرفياً النهج الذي طبّقته إدارة أوباما، منسحبة من مناطق النزاعات في العالم، مستسلمة أمام خطف الروس مجلسَ الأمن.

شيء من التعقُّل يرجَّح أن تنحاز إليه غالبية الأميركيين، مفضلةً هيلاري، من دون إسقاط احتمالات المفاجأة. والكارثة أن يطعن ترامب في نتائج الاقتراع، مدّعياً التزوير إذا هُزِم، فذاك كفيل بهزّ ما بقي من صمام أمان لتداول السلطة، إلا إذا تكاتف مع الديموقراطيين جمهوريو «النظام الفاسد» لردع طيش البليونير.

مع الديموقراطيين في أميركا، لا ضمان بوقف مجازر مئات من الأطفال في سورية والعراق قريباً. مع شعبوية ترامب، إذا تحالفت مع «محور التمرُّد» في العالم، لا شيء سيحول دون توسيع حزام الحروب، بالأصالة والوكالة.

وبين جنون ولا مبالاة، يراهن العرب على الآتي، ويخيّبهم.

========================

النكبة من فلسطين إلى سوريا .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 8/11/2016

كان المشروع الفلسطيني يوماً ما، هو المشروع الأم الذي حصل في حينه على إجماع شبه كلي من الدول العربية، وينص على أن إسرائيل جسم غريب على الوطن العربي تاريخياً وسياسياً.. إلخ. ولكن الحربين العالميتين أسهمتا -مع تفكك العالم العربي استراتيجياً، وأرضاً وشعباً- في بلبلة الحالة التاريخية المتوارثة، إضافة إلى الأخرى المعيشة بفعل المشروع الاستعماري الغربي وامتداداته ورسوخ أعبائه في العالم العربي نفسه، مع إضافة أن المشروع الاستعماري إياه كان في عنفوانه الذي تمثل في محاولات تفكيك الخريطة العربية اقتصادياً وديموغرافياً وسياسياً وثقافياً.

وكان ما كان، حين اقتطعت فلسطين من أرضها وشعبها، وتحت مأساة عملية تهجير الشعب الفلسطيني من بلاده إلى جهات العالم الأربع. فتمّت بذلك المأساة العربية الأولى الحديثة في شقها الأول ضمن هيجان التدفق الاستعماري. وكان ذلك في النكبة عام 1948، فكان هذا ما حذر منه في بُعده الاستراتيجي المفكر العربي النهضوي نجيب عازوري في كتابه المؤسس «يقظة الأمة العربية»، حين وضع الأطروحة التالية: «إن ظاهرتين مهمتين، متشابهتي الطبيعة، بيد أنهما متعارضتان، أعني يقظة الأمة العربية، وجهود اليهود -الصهاينة- الآتين لإعادة تكوين مملكة إسرائيل اليهودية الصافية! ومصير هاتين الحركتين أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى».

وإذا كان كلام عازوري ذاك ما زال محتفظاً بمصداقيته، إلا أن عوامل أخرى نشأت بعده لتصادق عليه، وخصوصاً مع نشأة «الدولة التسلطية» في بعض جمهوريات العالم العربي، ومن خصوصيات هذه «الدولة» أنها ذات طابع شمولي في البلد الذي يعيشها، وكان من خصوصيتها أنها تسعى لإفساد منْ لمْ يُفسد بعد، بحيث يصبح الجميع ملوثين ومدانين تحت الطلب. وتحت تأثير المال والفساد الأخلاقي والسياسي وغيره، مع الإشارة إلى أن عملية الإفساد هذه تشارك فيها إسرائيل وآخرون كُثر.

والآن ضمن الأوضاع العربية الراهنة المتسمة بالفقر المدقع وبغياب الآمال والأحلام المجدية، وتفكك الطبقات الوسطى الاجتماعية وغياب الحرية والديمقراطية، وغيره كثير جداً، وفي مقدمته تعاظم الاستبداد الأسود، مع الإفساد والاستئثار بكل مظاهر المجتمع من إعلام خاص وعمومي، وهبوط لبعض العملات العربية ودمار اقتصاد معظم الدول العربية، نقول: ضمن هذه الحاضنة الهائلة في تصدعها، جاءت حركة «الربيع العربي»، لتواجه بأكثر الأسلحة الحديثة قدرة على التدمير وإحداث خراب مفتوح بأطراف وكوارث إنسانية مع صمت لافت من قبل المنظمات العالمية. ها هنا يتصنّع الشبه الهائل واللافت بين سوريا وفلسطين، لقد هُجِّر شعبا فلسطين وسوريا من بلديهما، وبدأ الباحثون والمؤرخون يضعون أصابعهم على نقاط التوافق بين البلدين للارجعة لشعبيهما إلى وطنيهما، مع ملاحظة أن إسرائيل استطاعت أن تخترق الساحة السورية على أيدي مجموعات من الداخل والخارج. وهذا راح يؤكد عليه من موقع أنه لا يجوز لبلد عربي أن ينجح في مشروع السيادة والاستقلال والبناء الداخلي الديموقراطي. لأن من شأن هذا، إنْ نجح، أن يشكل خطراً عليها راهناً ومستقبلاً.

وفي ذلك كله، برز نمط من التفكيك العربي يُخشى أن يؤدي إلى إسقاط المشروع العربي كله، في العراق وسوريا وليبيا واليمن، ذلك هو إحداث ما أثبت فاعليته في أوقات تاريخية سابقة، الصراع الطائفي، وكان ما كان، حيث راحت تظهر مجموعات كثيرة متكاثرة من الحركات الطائفية، التي إنْ عمّت، عمّ البلاء في العالم العربي. وأتى ما يصنع من الشعوب شعوباً قادرة على الفعل التاريخي، فتأسيساً على ظهور خطر «داعش» وغيره من التسميات الطائفية وكذلك الإثنية والعرقية والمذهبية والشعبوية والمناطقية، وغيرها كثير جداً من مثل ميليشيات «الحشد الشعبي»، و«عصائب أهل الحق»، و«الحوثيين»، و«الحسينية»، و«فتيان الحسين».. إلخ، إضافة إلى الشيعية والسنّية و«حزب الله».

لنتصور هذا الخِضم الهائل من المذاهب والطوائف، الذي أصبح الآن سيد الموقف في العالم العربي، الذي اختُرق من طرف إيران، واحتُلَّ قسم منه هو سوريا، وأصبح شذاذ الآفاق من تابعي الطوائف هنا وهناك، لنتصور هذه الحالة الكاسحة للشعوب العربية، لنتبين أننا الآن أمام عصر طوائف يعرّض العالم العربي للتهشيم والتقسيم والتفكيك والإذلال إلى حد القتل، ونعرّج على ما تصنعه إسرائيل الصهيونية بسكان فلسطين العربية، ونتابع بعد ذلك الانقضاض العالمي على سوريا والعالم العربي عموماً!

فثمة حالتان اثنتان نموذجيتان تمثلان ما أصبح العرب عليه من عار وشنار وتعرُّض للقتل بكل وسائله، إضافة إلى ترحيل سكان العالم العربي عن موطنهم من طرف، ومن طرف ثان ما حدث في إسرائيل حين أقرت منظمة اليونيسكو بأن «البلدة القديمة بمدينة القدس وأسوارها إنما هي إسلامية الانتماء!». لقد قامت قيامة إسرائيل، وطردت ممثل اليونيسكو، عندها وبالتوافق مع إيران معلنةً حربها ضد أنصار هذا الرأي. والشيء بالشيء يذكر، فروسيا الاتحادية برئيسها بوتين، تعلن موقفها من سكان حلب: إما يخرج الحلبيون من مدينتهم، وإما يقصفون! أما «الحشد الشعبي» العراقي الطائفي الملالي، فيعلن بوضوح وباللغة الشيعية الطائفية: نحن قادمون يا رقّة (السورية)! هكذا هو الموقف إذن.. فما العمل؟!

========================

فلننتخب إذاً الرئيس الأميركي! .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 8/11/2016

قبل 12 عاماً، وبالتزامن مع الانتخابات الأميركية أواخر 2004، كتبت مقالة قصيرة تقترح أن نشارك، نحن «الشرق  أوسطيين» في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بالنظر إلى أننا نتأثر كل التأثر بنتائجها، وتقتضي «أخلاقيات المسؤولية» التي تقوم عليها الديموقراطية أن يكون لنا قول في شأنها. أُجريت الانتخابات الأميركية في أواخر 2004 بعد أزيد بقليل من عام ونصف العام من احتلال العراق، وقت كان «المحافظون الجدد» في ذروة نفوذهم في أروقة الإدارة الأميركية، وكانت عقائد «تغيير الأنظمة» و«إعادة رسم الخرائط» و«الشرق الأوسط الجديد» و«الفوضى الخلاقة» في عزّ انتشارها. فاز بالانتخابات وقتها جورج دبليو بوش، الرجل الذي كان تحقق له فوز مجادَل فيه بولاية أولى في أواخر العام 2000، وتجدّد فوزه عام 2004 بفضل مسلسل وقائع 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ثم غزو أفغانستان فالعراق، ونشر الخوف والكراهية في المجتمع الأميركي عبر خطاب «الحرب ضد الإرهاب».

كان تأثرنا في العراق وسورية وفلسطين ولبنان، والإقليم ككل، بالسياسات الأميركية كبيراً جداً على الدوام، لكنه بلغ وقتها مستوى غير مسبوق، اقترن في العراق بجرائم كبيرة (أبو غريب، الفلوجة وغيرهما، وواقعة الاحتلال ذاتها)، سهل من أمرها أن القوة الغازية لم تكن موضع مساءلة من طرف الواقعين تحت الاحتلال، ولا تقدم أمامهم كشف حساب من أي نوع. فهل لا نزال نتأثر بالسياسات الأميركية على نحو يسوغ استعادة الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات الأميركية اليوم، بعد ثماني سنوات من إدارة الرئيس أوباما الذي قامت سياسته الشرق أوسطية، عكس سياسة بوش في ولايته الأولى، على تجنّب التدخل المباشر، واستهلّها بسحب ما كان بقي من القوات الأميركية في العراق؟

لا ريب في اختلاف نهج الرئيس الذي توشك ولايته على الانقضاء عن نهج سابقه: أشد براغماتية أقل أيديولوجية، وأقل عدوانية، فهل يعني ذلك أن تأثيره في مصائرنا كان أقل من سلفه؟ من بين الجميع، يصعب على السوري أن يقرّ بذلك. الإدارة الأميركية كانت متدخلة في صور مختلفة في صراعنا طوال ما يقترب من 6 سنوات، على نحو توافق مع إطالة الصراع وبقاء بشار الأسد حاكماً. من الوقائع التي لا جدال في صحتها، أن إدارة أوباما ضغطت على دول إقليمية متنوعة كي لا تسلّح المعارضين السوريين تسليحاً يسهّل حسم الصراع، وهو أمر مستمر إلى اليوم، وبفضل إدارة أوباما لم تصل أي مضادات للطيران الأسدي، دع عنك الروسي، الذي دمّر أحياء وبلدات بأكملها في سورية، وكان المتسبّب الرئيس في سقوط الضحايا، ومنها الصفقة الكيماوية المشينة عام 2013، ومنها ترتيب تصوّر الصراع السوري على نحو يلحق ثورة السوريين بحرب الأميركيين ضد الإرهاب، ويجعل من بشار الأسد «الخطر الأصغر»، مقابل «الخطر الأكبر»، «داعش». والمشكلة لا تقتصر على أن هذا الترتيب لا يعكس حجم التدمير والقتل الفعليين، بل تتعداه إلى ما يضمره ترتيب الأعداء هذا من أن حياة السوريين وحقوقهم في بلدهم ليس لها شأن في تحديد العدو الأجدر بالمواجهة، وأن تاريخ السوريين وصراع جيلين منهم مع الدولة الأسدية ليسا شأناً يُعتد به في التخطيط السياسي والعسكري الأميركي والعالمي.

هذه وقائع تكفي وحدها لدحض الخرافة القائلة بعدم التدخل الأميركي في سورية، وهي خرافة استطاعت الاستمرار حتى اليوم، حتى بعد أن تدخلت أميركا عسكرياً في سورية (والعراق) ضد... «الخطر الأكبر» منذ عامين ونيف، وقبل عام كامل من التدخل الروسي ضد الخطر نفسه طبعاً.

على أن أمر دحض الخرافة لا ينتظر إثبات تدخلات أميركية مباشرة أكيدة، فهو أوثق ارتباطاً بداخلية أميركية مستبطنة في هياكل سياسية واقتصادية وأمنية، وعلاقات قوة مرسخة مستدخلة في «الشرق الأوسط»، تولدت عن حروب وتدخلات سابقة بالغة العنف، منها حرب كبيرة واحدة على الأقل كل عقد من السنين منذ 1967، ومنها ضمناً كفالة الرجحان الإسرائيلي المطلق في المنطقة ككل، وليس في فلسطين وحدها، ومنها الهيمنة على السلسلة البترولية، من التنقيب والاستخراج إلى النقل والتسويق، إلى رعاية البنى الأمنية والسياسية الحارسة لتلك السلسلة. وهي، في مجموعها، إن لم تكن تغني عن التدخل المباشر في كل حين، فإنها لا توجب شكلاً عسكرياً احتلالياً له دوماً. القصد أنه لا غياب معطيات التدخل المباشر، كالمشار إليها أعلاه، ينفي الأشكال الأكثر بنيوية ورسوخاً وطول أمد من التأثير الأميركي المحقق، ولا حضور التدخلات المباشرة هو وحده ما يؤكد داخلية القوة الأميركية وتأثيرها الكبير.

لا ينبغي أن يجادل في هذا السياق المخصوص، المتصل بالانتخابات الأميركية الوشيكة، في شأن مسؤولية هياكلنا السياسية والاجتماعية عن الداخلية الأميركية. لكن ليس لذلك أن يضفي النسبية على دور السيطرة الأميركية المديدة، المشفوعة بتدخلات وحروب و«إدارة أزمات»، ربما تكون قتلت ما يزيد عن مليون ونصف مليون إنسان طوال نحو خمسين عاماً. ومهما جادل المرء في ذلك، فلا يكاد يكون هناك شك في أن المصالح السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والأمنية الأميركية توافقت من دون انقطاع يذكر مع إضعاف فرض الديموقراطية في الإقليم ومع تعزّز التسلّطية والطغيان.

وإنما بفعل فرض الاستسلام على الدول، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية في هذا الشأن، وقد جرى منذ السبعينات على نحو مذلّ، لا يترك هوامش استقلالية واعتراض، صارت المقاومات تأتي من خارج الدول وضدها. ما كان 11 أيلول 2001 ممكناً لو كنا في وضع يتيح لدولنا أن تكون أقل تسليماً بالسيطرة الأميركية وأقل تبعية. لقد «انتصر» أسامة بن لادن لأن جمال عبد الناصر اندحر.

والصفة البنيوية للوجود الأميركي في منطقتنا تحكم على الكلام المتكرر عن أننا، العرب، نلوم الأميركيين إن تدخلوا ونلومهم إن لم يتدخلوا، بأن يكون مساجلة أيديولوجية لا تقول شيئاً مفيداً عن موضوعها المفترض: العرب وأحوالهم. فالسؤال الذي يستحق أن يفكر فيه ويناقش جدياً في إطار نظام شرق أوسطي يستدخل درجة عالية من السيطرة الأميركية هو: هل نتطلع إلى أن لا يتدخل الأميركيون نهائياً في شؤون بلداننا، أم نتطلع بالأحرى إلى التأثير في أشكال التدخل على نحو يستجيب لمصالح حيوية للسكان في منطقتنا؟ يمكن أن ينحاز الواحد منا إلى إجابة وطنية استقلالية، ترفض كل تدخل وتعمل على تقويض مرتكزاته البنيوية الداخلية، السياسية والاقتصادية والأمنية، أو إلى إجابة ديموقراطية توجب أن يخضع لمساءلتنا من تمسّ قراراتهم بحياتنا. فإذا كنا في أزمة انفجارية عميقة في «الشرق الأوسط»، وليس «الخطر الأكبر»، الداعشي، غير مظهر لها، فالجذر الأقوى لذلك في تقديري هو التحطيم المستمر لفرص أي من السياستين. بالعكس، كل شيء يوحي باستمرار سياسيين أقوياء بلا أفق تاريخي ولا حس إنساني في تغذية شروط الأزمة الانفجارية.

أوباما ليس أرعن مثل بوش، لكن ترتيب الأخطار، وهندسة الدمار السوري، وفرض «الحرب ضد الإرهاب» كوجهة عالمية وحيدة، والالتزام الأعمى بإسرائيل والإبادة السياسية للفلسطينيين، تلغي الفرق بينهما شرق أوسطياً. وقد لا تكون هيلاري كلينتون بحماقة دونالد ترامب وفظاظته، لكن أعقل الرؤساء الأميركيين خلال خمسين عاماً كان متطرفاً هنا وغير عقلاني. كان الإخوان في واشنطن قوة غير عادلة وغير ديموقراطية وغير إنسانية على الدوام في الشرق الأوسط التعيس.

هناك اليوم أزمة في الحوكمة العالمية بسبب التعارض بين وقائع التداخل العالمي، وربما في منطقتنا أكثر من غيرها، وبين مفهوم الدولة السيدة الذي يجنح في كل مكان إلى حجب وقائع فقدان السيادة، ليس أمام مركز عالمي مسيطر فقط، وإنما أمام شبكات اقتصادية ومالية وإجرامية متعددة. ومن شأن أخذ هذه الوقائع بعين الجد أن يخرج السؤال الخاص بانتخاب الرئيس الأميركي من جانب غير أميركيين من أمثالنا من أن يكون محض سؤال خطابي، لا غرض له غير كشف الصفة اللاديموقراطية للهيمنة الأميركية في «الشرق الأوسط»، إلى أن يكون سؤالاً كاشفاً عن بنى السيطرة والتحكم السياسية والاقتصادية والأمنية الجديدة. يمكن السؤال أن يكون منطلقاً لتفكير سياسي متجدد، يعترض في آن على شكل للسيطرة الإمبريالية لا نفاذ لنا إلى التأثير فيه، على رغم تأثيره البالغ فينا، وفي الوقت نفسه ينطلق من تطلّع إلى تشابك وتداخل أوسع.

ما لا يستقيم هو الشكل الحالي: يتحكم الأميركيون في حياتنا، على نحو يستطيع أي واحد منا تقريباً تلمّسه في حياته الشخصية (كاتب هذه السطور يتلمّسه في أكثر من وجه من حياته)، من دون أن تكون لنا كلمة في هذا الشأن.

ليست المشكلة في الشرق الأوسط أولوية المصلحة الأميركية في صوغ سياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة في بلداننا وإقليمنا، فهذا مفهوم، وهو الالتزام الأول للرؤساء الأميركيين. ما ليس مفهوماً، وما لا يجب أن يكون مفهوماً، هو تصور المصلحة الأميركية على نحو لا يقيم وزناً على الإطلاق لمصالح عموم السكان في المنطقة، ويستغني بانتخاب الإدارات الأميركية حكامنا عن انتخابنا نحن لهم. لا ديموقراطية في بلداننا من دون قطع مع هذه البنية، ولا ديموقراطية في أميركا من دون ذلك أيضاً.

========================

خلصوا السوريين من الأسد .. محمود علوش

ترك برس

الاثنين 7/11/2016

الإفراط في التعويل على الاجتماعات الدولية الخاصّة بسوريا يزيد من معدل الإحباط، ليس لأنّ ممثلي الدول المعنية لا يمتلكون من الكفاءة ما يُمكّنهم من فك رموز هذه الكارثة، فجل وزراء خارجية تلك الدول يملكون سيرة دبلوماسية حافلة في التعاطي مع صراعات من هذا النوع.

فسيرغي لافروف على سبيل المثال له باع دبلوماسي طويل، وهو يتولى وزارة الخارجية الروسية منذ عام 2004، وقد مرّت عليه تجارب شرق أوسطية مليئة بالتعقيدات. كذا الحال مع جون كيري على الرغم من أن خبرته الدبلوماسية قليلة نوعاً ما مقارنة ب لافروف، إذ يرأس الخارجية الأمريكية منذ ثلاث سنوات فقط، لكنّه قاد مفاوضات الملف النووي الإيراني المعقّد بنجاح. لن أذكر كفاءة باقي الوزراء العرب والغربيين لأن الروس والأمريكيين باتوا يحتكرون كل تفاصيل الملف السوري سياسياً وعسكرياً.

هناك ثلاث مبادرات دولية أطلقت منذ بداية الحرب، وكان بالإمكان التعويل عليها لو توفّرت النوايا الصادقة. الأولى المبادرة العربية التي أقرّتها الجامعة في كانون الثاني 2012، ونصّت على نقل سلطات الأسد إلى نائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية. لكنّ النظام رفضها، ولو قبل بها لما وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن. المبادرة الثانية التي أطلقتها مجموعة الدعم الدولية في حزيران / يونيو من العام نفسه. وهي تُعد الأهم كونها حظيت بتأييد الجميع بمن فيهم الروس، لكنّها فشلت لأنّها تركت مصير الأسد غامضاً. أمّا المبادرة الثالثة، فتمثّلت بخارطة طريق توصّل إليها اجتماع فيينا في 14 تشرين الثاني / نوفمبر عام 2014، وتضمّنت تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات. وقد تبنّاها مجلس الأمن لكنّ فشلها كان محتوماً لأنّها تجاهلت النقطة المحورية في الصراع، وهي الأسد.

المبادرات الثلاث بنّاءة، وكان من الممكن أن تنهي الحرب، بيد أن النوايا الصادقة غير متوفّرة. فالمبادرة العربية كانت جريئة وعقيمة في الوقت نفسه، إذ افتقرت إلى دعم دولي فعّال. أمّا مؤتمر جنيف الأول، فالتفّت عليه روسيا بحديثها عن ترك مصير الأسد للسوريين، مع أن بيان المؤتمر الذي وافقت عليه أشار صراحة إلى هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة. وبالنسبة إلى مبادرة اجتماع فيينا فكان فشلها متوقع سلفاً، إذ إنّها لم تأخذ العبر من أسباب فشل جنيف واحد، ناهيك عن أن موسكو ساهمت بعرقلة خطّة فيينا التي كانت بمثابة نصر دبلوماسي لها، بتدخّلها العسكري وتسعير الحرب عبر تقديم شتّى أنواع الدعم العسكري والسياسي لصالح الأسد.

اليوم، تغيّرت المعطيات كثيراً عماّ كانت عليه قبل التدخّل الروسي. موسكو أصبحت القوة العسكرية الفاعلة على الأرض، وهي من تُحدد مسار الحرب. وفي خضمّ الجهود الحالية التي تتركزّ على حلب، ضاع الحديث عن جوهر المشكلة. وقد أتقن النظام مع روسيا وإيران لعبة تمييع القضية وفرض إرهاب تنظيم داعش على أجندة الاهتمامات الدولية. لكنّ استثمار ورقة داعش قارب على الإفلاس مع قرب أفوله. وكان متوقعاً أن يلجأ هذا المحور إلى إبراز مشكلة أخرى هي جبهة النصرة. مشكلة بوتين والأسد وخامنئي ليست مع الجماعات الإرهابية بقدر الثورة. وحتّى لو نجحوا في القضاء على الجبهة، فإن الحديث عن الإرهاب لن ينتهي.

وفي الحقيقة، فإن إطالة أمد الصراع لا يعود فقط إلى سوء نوايا الروس والإيرانيين. فغموض استراتيجية الرئيس الأمريكي ساهمت في إيصال الأمور إلى هذه النقطة الكارثية، وبسببها بات الروس يسرحون في الملعب السوري من دون أيّ رادع أخلاقي، والميليشيات التي جلبتها إيران إلى سوريا، والتي لا تجد بياناً أمريكياً واحداً يتحدّث عنها، تسرح هي الأخرى من دون حسيب أو رقيب. وتبدو واشنطن في وضع حرج، وها هي فضّلت العودة إلى المحادثات مع موسكو. لماذا يسلك الأمريكيون مجدداً هذا الخيار العقيم؟ وهم يدركون أن بوتين لن يتنازل ولا تعنيه سمعة بلاده أصلاً إذا كان كيري يفكّر في تعريته.

ما الحلّ إذاً؟ وكيف يمكن وقف المجزرة المتواصلة؟ وما هي الوسائل التي يمكنها تليين موقف الروسي والإيراني؟ في واشنطن، يكثر الحديث عن خيارات عسكرية أو على وجه أدق خيارات غير دبلوماسية، لكنّ وزير الخارجية البريطاني يبدو أكثر صراحة من نظرائه، فهو دعا مؤخراً إلى عدم إثارة آمال زائفة بشأن فكرة منطقة لحظر الطيران. ولا تخفي تصريحات المسؤولين الأوروبيين انتقاداً مبطّناً لواشنطن التي همّشت الدور الأوروبي في هذا الملف.

دون التركيز على جوهر المشكلة، فإن الحلول الترقيعية لن تجدي نفعاً. وإذا كانت روسيا تعرقل فعلاً إنهاء الحرب، وهذا صحيح، فلماذا لا يتم البحث عن خيارات أخرى لإجبارها على الخضوع لإرادة العالم. الخيارات الدبلوماسية عادة ما تكون نبيلة وتمثّل الحل الأفضل لإنهاء أي صراع، لكنّ الإفراط في تبنّيها دون سواها له يعطي نتائج سلبية للغاية. فكيف إذا كان من تحاوره هو الدبّ الروسي. ركّزوا على الأسد وخلّصوا السوريين منه.

========================

الحرب السورية بين كلينتون وترامب .. رندة تقي الدين

الحياة

الاثنين 7/11/2016

كيف سيكون تعاطي الرئيس الأميركي الجديد مع الحرب السورية وما هو مصير العلاقة الأميركية - الروسية إذا فازت هيلاري كلينتون أو إذا فاز دونالد ترامب؟

كان الرئيس باراك أوباما ضعيفاً مع روسيا وممتنعاً عن التدخل والضغط بقوة من أجل رحيل الرئيس السوري بشار الأسد. كما أنه أعطى روسيا الفرصة للتدخل العسكري في سورية لأنه اعتقد أن الصفقة مع روسيا لتدمير السلاح الكيماوي السوري كانت إنجازاً عظيماً وكافياً للسياسة الأميركية. واغتنم فلاديمير بوتين فرصة تراجع أوباما عن أي تدخل عسكري، أو على الأقل فرض حظر للطيران فوق سورية، للقيام بعملية عسكرية ضخمة لحماية نظام الأسد والحصول على قاعدة بحرية في المتوسط قرب أوروبا لنشر صواريخه للتصدي لأي عملية عسكرية لحلف شمال الأطلسي وللأوروبيين دفاعاً عن أوكرانيا. فهل نشهد السياسة نفسها إذا وصلت كلينتون إلى الرئاسة؟

هذا مستبعد. فمساعدو كلينتون من ميشيل فلورنوا (وزيرة دفاع محتملة) ووليام بيرنز (وزير خارجية محتمل) وجيك سوليفان (مستشار أمن قومي محتمل)، كلهم بحسب معلومات المسؤولين الفرنسيين كانوا يتمنون سياسة أكثر حزماً ومبادرة لإدارة أوباما في سورية. صحيح أن من المستبعد تدخل كلينتون عسكرياً في سورية، لكنها كررت مرات عدة أنها تؤيد إقامة مناطق حظر للطيران لإدخال المساعدات الإنسانية. وهي تؤيد، ومساعدوها الذين عملوا في إدارة أوباما، مزيداً من الضغط العسكري على بشار الأسد، وفي الوقت نفسه محاربة «داعش» كما يفعل أوباما. وليام بيرنز يعرف جيداً النظام السوري، فكثيراً ما كان يتفاوض معه في شأن لبنان. وهو ديبلوماسي محنك كان لاعباً أساسياً في التفاوض مع إيران على الملف النووي. وهناك أيضاً ديبلوماسيون محنكون سيلعبون أدواراً معه مثل السفير جيفري فيلتمان الذي يعمل الآن في الأمم المتحدة، والديبلوماسي الأميركي المسؤول عن تركيا الآن جوناثان كوهين، وهو من الجيل الصاعد في وزارة الخارجية.

كل هؤلاء لهم خبرة في المنطقة، وقد يكونون إلى جانب كلينتون في رسم سياستها في سورية ومواجهة روسيا. كما أن كلينتون أيدت من موقعها في وزارة الخارجية في العام 2012 الدعم الأميركي للثوار ضد الأسد. وأيدت موقفاً واضحاً من روسيا للقول إن الإدارة الأميركية تريد إقامة مناطق حظر طيران لتأمين المساعدات. ونقل عنها انتقاد لسياسة أوباما في سورية باعتبار أن «أحداً لم يقف بوجه الأسد للضغط عليه ودفعه إلى الرحيل، والنتيجة أن الكارثة الآن أكبر بكثير في سورية مما نشهده الآن في ليبيا».

في المقابل إذا فاز ترامب فستكون أولويته هي التخلص من «داعش». وهو قال إن «أول ما ينبغي أن نقوم به هو التخلص من داعش قبل الحديث عن سورية»، معتبراً أن مصير الأسد «ثانوي». كما أنه معروف بقربه من بوتين والأثرياء الروس المحيطين به. ومما لا شك فيه أن احتمال وصول ترامب إلى الرئاسة أمر يخيف كثيرين من مسؤولي العالم وشعوبه. فهذا الرجل الشعبوي الذي يشبه كثيراً زعيم «الجبهة الوطنية» الفرنسي السابق جان ماري لوبن مرعب في حدة مواقفه وجهله. واحتمال وصوله إلى سدة الرئاسة الأميركية سيكون بمثابة صدمة كبرى للعالم وكارثة للديبلوماسية الأميركية.

المرجو أن تقود نتيجة امتحان الديموقراطية الأميركية إلى تفاوض حقيقي لإنهاء مأساة سورية الكارثية المستمرة. والمطلوب إيقاف التنازل الأميركي الذي شهده عهد أوباما، وأن يُعيّن وزير جديد للخارجية أكثر حزماً وذكاء من جون كيري في مواجهة الثعلب الروسي سيرغي لافروف الذي تفوق بسهولة في التفاوض مع نظيره الأميركي.

========================

لماذا تستميت واشنطن وغيرها لحرمان السوريين من المناطق الآمنة؟! .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 7/11/2016

لماذا تستميت واشنطن وغيرها لحرمان السوريين من المناطق الآمنة؟!لماذا تستميت واشنطن وغيرها لحرمان السوريين من المناطق الآمنة؟!

ظل الثابت الوحيد في السياسة الأميركية ومن وراءها على مدى خمس سنوات من المذبحة الشامية المستمرة هو حرمان السوريين من ملاذات ومناطق آمنة يستظلون بها من كافة أشكال القصف الإجرامي الكوني، روسياً كان أو أميركيا أو إيرانيا، أو حثالات طائفية محمية بقرارات دولية، وما كان لهذه الحثالات أن تتجرأ بأن تدخل بهذا الشكل الرهيب إلى الشام لولا هذا الغطاء الدولي الموفر لها.

لقد طالب الشعب السوري، وهو الذي يعرف أي عصابة تحكمه، منذ عقود بالحظر الجوي منذ اليوم الأول للثورة، وطالب معها بمناطق آمنة، وسعت تركيا وغيرها من الدول الصديقة إلى إقناع العالم كله بفرض هذه المناطق الآمنة، لكن ما سمي زورا وبهتانا بالعالم كان أصم أبكم عن كل هذه المناشدات التي دعته إلى فرض مناطق آمنة لحماية أرواح السوريين التي تزهق على مدى أربع وعشرين ساعة لسبعة أيام أسبوعيا وثلاثين يوما شهريا وعلى مدار السنة كاملة، دون أن يرف لما سمي بالعالم جفنا وهو يرى ويشاهد الأجساد الغضة للأطفال السوريين تشوى تحت لهيب القذائف الروسية والإيرانية وغيرهما.

لا شك أن ثمة أسبابا رئيسة تدفع أميركا إلى هذه الحرمان، ولعل على رأس تلك الأسباب الاستراتيجية الأميركية والمتوافقة مع الروسية والإيرانية والتي كشف عنها أبرز المستشرقين الإسرائيليين والمعروف إيال زيسر عن اتفاق ثلاثي لهؤلاء من أجل التغيير الديمغرافي المستهدف للسنة في الهلال الخصيب، الذي يقوم به عصابات المالكي والعبادي في العراق وعصابات الأسد ومعه عصابات الطائفيين مدعومين بغطاء دولي عسكري وسياسي روسي وأميركي في الشام.

أما السبب الثاني فعنوانه الإصرار الأميركي المستمر منذ سنوات الذي يدعو المعارضة السورية إلى التفاوض والدبلوماسية مع العصابة الطائفية، ومشددة بالوقت نفسه على أن لا حل عسكريا للوضع في سوريا، وهو يستبطن قضية خطيرة أن السلام والأمن والاستقرار هو في مناطق العصابة الطائفية فقط، أما مناطق ما سواها فمحرمة عليها، وبالتالي توفير هذا الأمن والاستقرار وحالة اللاقصف والحرب في مناطق الثوار غير مقبولة وغير مرحب بها من قبل واشنطن كون ذلك سيمنح المعارضة ثقة بنفسها وقوة بشعبها وثوارها، وسيبدأ بعدها تشكيل جهاز إداري وبيروقراطي ينافس جهاز العصابة في المناطق المحتلة، مما يرتب على العالم ودول الجوار أن تعترف به، ويوفر ندية واضحة بين قوى الثورة وقوى العصابة الطائفية، وبالتالي يحرم ذلك كله أميركا وروسيا وإيران من الخطة الاستراتيجية البعيدة المدى القاضية والرامية إلى تهجير واقتلاع أهل السنة.

السبب الثالث فهو أن العصابة الطائفية دائما ما تظهر نفسها أمام وسائل الإعلام الغربية وزوارها التشبيحيين الدوليين الذين يزورونها على أن مناطقها آمنة مستقرة، مما يرسم صورة سلام واستقرار في العالم الغربي للعصابة الطائفية وسدنتها بينما تقدم وتسوق المعارضة ومناطقها على أنها فوضى وقتل ودمار وخراب، دون أن يتطرق أحد إلى المسؤول عن ذلك والمتسبب به، ومثل هذا الاستقرار الوهمي في مناطق العصابة الطائفية يوفر لها مردودا ماليا كبيرا من المغتربين السوريين الذين يقومون بتحويل أموالهم إليها، أو يقومون بزيارتها بشكل دوري، ليعودوا ويرسموا صورة سلمية لها فينقلونها لمن وراءهم، فيحصل الطائفيون بذلك على الدعاية المجانية.

بيد أنه وعلى الرغم من كل هذه الجرائم الدولية الموثقة التي سيأتي اليوم الذي ينال كل ذي حقه حقه، إلا أن الشعب السوري ماض في مسيرته بمقارعة الطائفيين والمحتلين من ورائهم، ومصر معه أيضا على العيش بكرامة إذ لا تزال وفود اللاجئين والمهاجرين تتدفق عائدة من تركيا والأردن إلى سوريا وهي تصر على بناء سوريا الغد، وتصر معها على العيش بكرامة ولو كان تحت قصف الصواريخ.

لا بد للمعارضة السورية أن تضع على رأس أولوياتها إن أرادت كسب موطئ قدم لها في الشام فرض المناطق الآمنة، وأن تصر بأسنانها وأظافرها وبكل ما تملك على هذه المناطق الآمنة فهي أكبر ورقة ليس بوجه الطائفيين فحسب، وإنما بوجه من وراءهم أيضا.

========================

كلينتون أو ترامب: ما الفرق؟ .. حسام كنفاني

العربي الجديد

الاثنين 7/11/2016

يحبس العالم أنفاسه بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في الولايات المتحدة، وما إذا كان المرشح الجمهوري دونالد ترامب سيصل إلى البيت الأبيض، مخالفاً كل التوقعات، أو أن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ستحسم السباق كما ترجح استطلاعات الرأي. تصطف الدول العربية بين حابسي الأنفاس، محاولة وضع نفسها في مصاف الدول المتأثرة بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولا سيما أن ساحاتها تشهد العديد من الأحداث المؤثرة في العالم، ما يعني بالضرورة أن أي خيارات يمكن أن تلجأ إليها الإدارة الأميركية الجديدة ستنعكس مباشرة على الأوضاع العربية، سلباً وإيجاباً.

ومن ضمن هذا السياق، تكثر التحليلات والتحذيرات حول ما يمكن أن يحصل في حال وصل هذا المرشح أو ذاك إلى سدّة الرئاسة الأميركية. وتصب التحليلات تحديداً حول ماذا يمكن أن يحدث في حال تمكّن دونالد ترامب من تحقيق المفاجأة، على اعتبار أن كلينتون لن تكون إلا امتداداً لولايتي الرئيس الأميركي باراك أوباما، وأن أي تغييرات في التعاطي السياسي الأميركي مع دول المنطقة خصوصاً، وفي السياسة الخارجية عموماً، لن يكون إلا تغييراً شكلياً. أما مع ترامب فالأمور لا بد ستكون مختلفة، أو على الأقل هذا ما تذهب إليه التحليلات، ولا سيما أن الرجل لا يتورع عن إطلاق التصريحات العنصرية، كما أن قلة خبرته في السياسة، وخصوصاً الخارجية، تعجل من المجازفة في التنبؤ بما يمكن أن يقوم به، وهو الذي سبق أن هدد بحروب ومواجهات وسياسات لا تستقيم مع السياسة الأميركية بشكل عام.

غير أن الأمور بالتأكيد لا تسير على هذا المنوال، فبغض النظر عن هوية قاطن البيت الأبيض، فإن السياسة الأميركية لا يمكن أن تتغير وفق أهواء هذا الشخص أو ذاك. التغير لا يتم إلا وفق استراتيجية مرسومة منذ أمد بعيد، وتطبيقها يكون على عاتق مؤسسة الرئاسة، التي قد تقوم بتعديلات طفيفة عليها إلا أنها لن تكون قادرة على نسفها. هل يمكن تخيل أن دونالد ترامب، في حال دخل البيت الأبيض، سيكون قادراً على تطبيق كل الشعارات الانتخابية التي أطلقها خلال حملته، سواء في ما يتعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية؟ بالتأكيد الأمور أعقد من ذلك، حتى وإن كان للرئيس الأميركي صلاحية مطلقة في النظام الرئاسي المعمول به في الولايات المتحدة، ولا سيما أنها مرتبطة بمكانة الولايات المتحدة كدولة عظمى ومؤثرة على الساحة العالمية. مكانة تكون من مهام الرئيس الحفاظ عليها، وربما تعديل توجهاتها لكن من دون المساس بجوهرها القائم على تحالفات واستراتيجيات تسير عليها معظم الإدارات الأميركية.

الأمر لا يعني في الوقت نفسه أن وصول ترامب أو كلينتون إلى البيت الأبيض سيّان. فمن المؤكد أن جنون المرشح الجمهوري سينعكس على الأداء الرئاسي الأميركي، بشكل خاص على الصعيد الداخلي، الاقتصادي تحديداً، وهو المرشح الآتي من خلفية رجال الأعمال التي ترى السياسة من زاوية المصالح المالية. هذا الأمر سيشكّل محور التغييرات التي قد يلجأ إليها، وخصوصاً في ما يخص السياسة النفطية والرعاية الاجتماعية وغيرها من الأمور التي قد تؤثر على العلاقة الاقتصادية مع الحلفاء، من دون تؤثر على التحالفات نفسها. الأمر نفسه بالنسبة إلى كلينتون التي ستتبع نهج أوباما في هذه السياسات.

أما بالنسبة للدول العربية، وتحديداً الدول المشتعلة، كالعراق أو سورية أو اليمن، فلا أحد يتوقع تبدلاً جوهرياً في السياسة الأميركية، سواء في عهد ترامب أو كلينتون. فليس الرئيس هو من يحدد صيغة التوجهات في المنطقة، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل في مواجهة مع روسيا أو إيران في هذه المرحلة. مثل هذه القرارات تتخذ خلف الكواليس وفي مراكز صناعة القرار التي ترسم السياسات الأميركية. مراكز إلى الآن لم تُظهر أي نية للتبديل، وعلى هذا الأساس، وبالنسبة لقضايانا على الأقل، فلا فرق كبيراً سيكون بين ترامب وكلينتون.

========================

سقوط حقوق الإنسان في الاختبار السوري .. سمير الزبن

العربي الجديد

الاثنين 7/11/2016

منذ كتابة وثيقة حقوق الإنسان، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والدول الغربية تتغنى بحقوق الإنسان وبدفاعها عنها، بوصفها حقوقاً طبيعية للبشر، يجب الحصول عليها في كل مكان. لكن عند كل اختبار حقيقي لهذه السردية الغربية الكبرى، وادعاءاتها في حماية حقوق الإنسان على مستوى العالم غير الغربي، نصطدم بحقيقة جزئية هذه السردية، وانطباقها على بشر أكثر من بشر، ما جعل التجارب الكثيرة التي مر بها العالم منذ الحرب العالمية الثانية تضع هذه القضية في دائرة الشك في عموميتها على مستوى العالم، ما يجعل حقوق الإنسان مسألةً فيها نظر، بعد كل الحبر الذي سال، والخطابات التي دبجت للدفاع عن هذه القضية.

تشكل سورية اليوم اختباراً جديداً لأخلاقيات هذا العالم، ولسردية حقوق الإنسان تحديداً، التي سقطت في الاختبار السوري حتى اليوم. وكان هذا السقوط على مستويين، ما زالا يفقآن عين المجتمع الدولي، والدول الغربية ومقولاتها الكبرى عن حقوق الإنسان. الأول، الحماية المباشرة وغير المباشرة للنظام الذي ارتكب جرائم حربٍ معلنة ضد شعبه، ما زالت مستمرة في عامها السادس. الثاني، العلاج الأوروبي لتدفق اللاجئين على الدول الأوروبية، والتي كان ذروتها في العام 2015 كأثر ارتدادي للوحشية التي تعيشها سورية منذ سنوات.

في المستوى الأول: المذبحة السورية مستمرة، على الرغم من كل الإدانات التي تعرّض لها سلوك النظام، إلا أنه عملياً لم يتعرّض لأية مساءلة، يشعر بها بأي تهديد جدّي من المجتمع الدولي، بشأن عقابه على جرائم الحرب التي يرتكبها بحق شعبه. فعدا كلام الإدانة، كل شيء يسير بالنسبة للنظام السوري، كأن شيئاً لم يكن، ماضٍ في تدمير المدن السورية، وماضٍ في قتل السوريين في السجون خارج القانون، وماضٍ في اقتلاعهم من بلداتهم، بشكل كامل على النموذج الذي كرّسه في داريا في الغوطة الشرقية، والتي لم يبقِ أي شخص من سكانها، لا رجل ولا امرأة ولا طفل. ليس صحيحاً أن العالم لا يستطيع إيجاد حل للصراع الدموي في سورية، بل لا أحد يرغب في إيجاد مثل هذا الحل.

على العكس، من الواضح أن جزءاً من العالم المتحضر الذي يدّعي حقوق الإنسان يتلاعب

"تتراجع مسألة حقوق الإنسان أمام المصالح، وأمام الرغبات بعدم دفع أي ثمن" بالصراع الدموي في سورية، لأسبابٍ تتعلق بمصالحه في المنطقة. وبالتالي، يبدو الصراع الدموي في سورية أنه سيستمر طويلاً، والسبب أن لا أحد من الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لها مصلحة في حل هذا الصراع، وبالتالي، تتراجع مسألة حقوق الإنسان أمام المصالح من جهة، وأمام الرغبات بعدم دفع أي ثمنٍ مهما كان، لوضع حد لهذا الصراع من جهة أخرى. وبذلك، تتم استعادة كل مفاهيم المركزية الأوروبية، والتي تتضمن معايير عنصرية، تحاول أن تتخفى في كلام حداثي، للدفاع عن سياسات العار التي تديرها هذه الدول، للحفاظ على مصالحها. ففي ظل انخراط روسيا مباشرةً في المجزرة الدموية في سورية، زاد الشلل الغربي تجاه النظام السوري خصوصاً، وتجاه الصراع عموماً، وبقيت المحرقة السورية تحصد السوريين، والعالم يتفرّج، وهو يحمل على أكتافه ترسانة حقوق الإنسان الكاذبة، والتي هي سرديةٌ خاصةٌ في نطاق جغرافي معين، وليست شاملةً كل العالم.

المستوى الثاني، كان الهجرة الكثيفة التي توجهت إلى أوروبا، في النصف الثاني من عام 2015، بعد سياسة الباب المفتوح التي أطلقتها المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل. اُعتبر ذلك نوعاً من التعويض عن تقصير الدول الأوروبية في سياستها تجاه المذبحة السورية. لكن الأعداد التي وصلت، اعتبرتها هذه الدول بمثابة طوفانٍ بشريٍّ يهدّد رفاهية هذه البلدان وأمنها. سرعان ما اعتمدت سياساتٍ عنصرية، من أجل كسر هذا الطوفان، ولوقف هذه الموجة من اللاجئين، و"العنصرية" أقل ما يقال في سياسات الدول الأوروبية تجاه الهجرة، فلم تتورّع هذه الدول من توقيع اتفاق العار مع تركيا، وأن تكون واحدةً من أكثر تعبيراته عنصريةً، هي إعادة كل لاجئ يحاول الفرار من المذبحة السورية، ويفكر في الوصول إلى أوروبا إلى المكان الذي جاء منه، أي إعادته من اليونان، المعبر الرئيسي لحركة اللجوء، من حيث أتى، إلى تركيا، مقابل مساعدات مالية كبيرة وتسهيلاتٍ لدخول الأتراك إلى دول الاتحاد الأوروبي.

ولم تكتفِ هذه الدول بهذا الاتفاق، بل صمتت عن جدار الصد العنصري الذي بنته دول شرق أوروبا ووسطها في وجه اللاجئين (في السابق، اعتبرت هذه الدول جدار برلين أيام الحرب البادرة مخالفاً لحقوق الإنسان، ودعت إلى إزالته، اليوم الجدار العنصري وسط أوروبا، ليس كذلك من وجهة نظر المصالح الأوروبية). بعد هذه الإجراءات، بات الوصول إلى الدول الأوروبية المستهدفة باللجوء شبه مستحيل، حيث تراجعت أعداد اللاجئين الواصلين إلى أوروبا، بحيث أن أعداد الواصلين هذا العام، لم تتجاوز العشرة بالمئة من الأعداد التي وصلت في

"في ظل انخراط روسيا مباشرةً في المجزرة الدموية في سورية، زاد الشلل الغربي تجاه النظام السوري خصوصاً" 2015. من الواضح أن الدول التي طالما تسامحت في موضوع الهجرة غير الشرعية، لأنها تجدّد شباب هذه المجتمعات التي تعاني شيخوخة، أظهرت الوجه الآخر، عندما اعتبرت أن هذه الهجرة تشكّل تهديداً أمنياً وتهديداً لنوعية الحياة في هذه البلدان، ولأنها غير قادرة على دمج هذه الأعداد الكبيرة بالسرعة المطلوبة، فكان أن عملت هذه الحكومات، وبسرعة على وقف تعاظم هذه الموجة، مهما كان الثمن، فكانت أن عملت هذه الدول برقابةٍ شديدةٍ على حدودها، ولم يكن غريباً أن تكون أقسى هذه الإجراءات الرقابية، هي التي فرضتها السويد، الأكثر حساسية لحقوق الإنسان، على الداخلين إلى أراضيها. وفي هذه المسألة، كانت حقوق الإنسان منطلقةً من اعتبارات المركزية الأوروبية وحاجاتها. عندما كان هؤلاء اللاجئون الفارون من الحروب مصلحةً أوروبية، كان مرحباً بحمايتهم، وعندما باتوا تهديداً، لم تعد مسألة حمايتهم تعني الدول الأوروبية، حتى لو كانوا قادمين من الحروب، يجب صدّهم. إنها حقوق الإنسان المجبولة بالمصالح، وليس بالمبادئ.

بالتأكيد، ليست سورية دولة مركزية في هذا العالم، لكن هذه الدولة التي تعيش على هامش العالم تختبر سقوط السرديات الكبرى، والأكثر مركزيةً، في أوروبا والعالم، حقوق الإنسان، والتي فشلت في حماية هذا الشعب من المذبحة العلنية التي يتعرّض لها. وفشلت حتى في معالجة الآثار الارتدادية لهذه المدبحة، بتكريس سياسات عنصريةٍ معلنةٍ في مواجهة أي موجة لجوءٍ كثيفةٍ جديدة.

========================

روسيا راعية الإنسان تغلق مقر العفو الدولية وتعلن هدنة في حلب .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 7/11/2016

روسيا راعية الإنسان والإنسانية ونبراس حقوق الإنسان وملجأ الخائفين و المظلومين المستضعفين في الأرض : من الشيشان إلى أوكرانيا مروراً بدمشق والقرم.

لم تزل صفحات التاريخ القريب تذكرنا بإنسانيتها والتزاماتها بالقانون الإنساني الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، مستمرة بتسطير اثمها في ذاكرة الأجيال جيلاً بعد جيل بمداد القلب وماء العيون، ومازال القلم يقطر دماً في التاريخ لإنسانيتها في غروزني، وحلب.

ولم تزل ذاكرتنا حاضرة متقدة وهي توثق مواقف روسيا العلمانية المتسامحة المنفتحة على كل الأيديولوجيات الثقافية والدينية، و لم ينس العالم بعد صورة البطريرك الروسي وهو يبارك أول فوج من القوات الروسية المتوجهة إلى سوريا ليعلن للعالم أنها حرب روسية صليبية بامتياز، طبعاً هذا يندرج ضمن سياق الدفاع عن علمانية سوريا.

روسيا تلك الدولة المارقة المنفلتة من عقال القيم والأخلاق، بإسم الإنسانية تعلن هدنة في حلب، لكن ليس من أجل الإنسان بل من أجل الاستسلام المذل، وتغلق مقر منظمة العفو الدولية بسبب عدم دفع الإيجار.!

روسيا راعية القانون الدولي الملتزمة دائماً أبداً بمحاربة المنظمات الإرهابية المصنفة حسب مصالحها العدوانية، مستمرة في كفاحها الطويل من أجل تعزيز مبدأ حقوق الإنسان، والتزامها الواضح الذي لا تشوبه شائبة في ملاحقة الإرهابيين والقضاء عليهم من أجل لذلك ولأجل ذلك استدعت غواصاتها النووية ومضاداتها الجوية وحاملة طائراتها البحرية لمحاربة الأرهاب وتعزيز حق الشعوب في تقرير مصيرها من افغانستان إلى أوكرانيا.

و تستعد روسيا للحرب بإعلان هدنة جدية في حلب بعد أن أعلنت وفاة الهدنة السابقة التي اعلنتها من طرف واحد ثم أعلنت وفاتها وإعادة انبعاثها من رقودها، واليوم تعلن هدنة جديدة «عشر ساعات».

في الأثناء تستغل روسيا الوقت من أجل تقوية ذراعها العسكرية في سوريا بوصول أساطيلها البحرية إلى السواحل السورية، التي بات من حق روسيا أن تعربد في رمالها وتنشر قواتها فيها بعد أن وقع فلاديمير بوتين، القانون الخاص بالمصادقة على اتفاقية نشر قوات جوية حربية روسية في الأراضي السورية بشكل دائم إلى الأمد الذي تريد.

في السياق ذاته أشارت تقارير دولية عن قرب وصول حاملة الطائرات الروسية «الأميرال كوزنيتسوف» إلى السواحل السورية، ترافقها ثلاث غواصات، بعد أن وصلت الفرقاطة «الاميرال غريغوروفيتش»، المحملة بصواريخ «كاليبر» المجنحة، الى سواحل سوريا، فيما أفادت المعلومات الى تعزيز الروس ذراعهم الجوي في سوريا بطائرات «سوخوي 25» المتخصصة بمهمات الدعم الجوي القريب، بالإضافة الى ال«ميغ 35»، المتعددة المهام، كطائرة مقاتلة جوا وداعمة للعمليات الأرضية، ما يشير الى انخراط روسي اكبر في ساحات المواجهة السورية المستعرة، إضافة إلى منظومة «أس  300» و«أس  400» للدفاع الجوي.

وهنا نتساءل ويتساءل معنا الجميع. من هو المغفل الذي سيقتنع أن كل هذه الترسانة العسكرية من أجل محاربة حفنة من الإرهابيين أكبر سلاح لديهم صاروخ «تو» المضاد للدروع. وهل محاربة الإرهاب تقتضي استدعاء غواصات وطرادات بحرية تعمل بالطاقة النووية؟

برغم أنه سبق لموسكو وأعلنت هدنات « 48 ساعة، 72ساعة» كللت جميعها بالفشل بما فيها الهدنة التي تم اعتمادها بالتعاون مع الشريك الأمريكي رأس الحربة في محاربة الإرهاب بالتعاون مع منظمة الحشد الشعبي أحد أذرع إيران صاحبة شعار الموت لأمريكا والشيطان الأكبر، ومنظمة سوريا الديمقراطية الإرهابية، في أيلول/سبتمبر التي لم تصمد أكثر من أسبوع كان نتيجتها أن تبادل الطرفان الأمريكي والروسي الاتهامات في أفشال الهدنة المزعومة، فكانت الحجة الامريكية أن الروس لم يلتزموا بالسماح لقوافل الاغاثة الانسانية الدخول إلى أحياء حلب المحاصرة، فيما اعتبرت موسكو أن الأمريكيين لم يفوا بوعودهم التي قطعوها للروس، وهي تحديد مواقع الجهاديين في حلب وفصلها عن فصائل المعارضة المعتدلة. إذ استثنيت من الاتفاق الروسي الأمريكي، جبهة فتح الشام وتنظيم الدولة الإسلامية.

هدنة الساعات العشرالجديدة التي اعلنت عنها موسكو من طرف واحد، لا يراهن أحد على جديتها وإنما هي مناورة جديدة، تقدم عليها موسكو في سبيل استكمال حشودها العسكري قبالة سواحل سوريا وتمتص حدة الإنتقادات اللاذعة التي تشنها منظمات حقوقية دولية والمجتمع الدولي على خلفية اتهام موسكو بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي في سوريا، من ضمنها استهداف قوافل المساعدات الإنسانية الأممية شمال حلب.

وتكمن المناورة الروسية في رمي الكرة في ملعب المجتمع الدولي وإغراق وسائل الإعلام في نقاش الهدنة والرغبة الروسية في تجنيب المدنيين السوريين مخاطر التواجد في مناطق المنظمات التي تعتبرها موسكو منظمات إرهابية، والعبث الروسي يكمن في دعوة المدنيين والمعارضين لترك أحيائهم ومدنهم ورفع الرايات البيضاء وتسليم تلك المناطق لنظام دمشق بعد كل ما قدموه من دماء للخلاص من نظام دمشق الذي تخوض موسكو حرباً بالوكالة عن نظام الأسد وبالأصالة عن نفسها دفاعاً عن مصالحها وطموحاتها الامبراطورية.

تحاول روسيا من خلال هذه المناورة الخادعة الكاذبة «هدنة حلب» أن تظهر بمظهر المحترم للقانون الإنساني من خلال فتح ممرات إنسانية لإنسحاب المقاتلين والمدنيين من مناطق الصراع وتظهر أنها تحترم القانون الدولي وهي طالما رددت على لسان وزير خارجيتها أنها القوة الوحيدة العاملة في سوريا بشكل قانوني وبدعوة من الحكومة الشرعية في دمشق.

وأن موسكو استجابت لطلبات واشنطن والمنظمات الإنسانية بإعلان هدن مدتها 48 إلى 72 ساعة، ولكن والمشكلة كلها تكمن في «لكن» أن الهدن كانت تؤدي دوماً إلى إعادة تموضع المسلحين وحصولهم على تعزيزات إضافية تعزز سيطرتهم.

ويخرج علينا بين الفينة والأخرى وزير خارجية روسيا لافروف أكثر المدافعين عن نظام الهمجية الأسدية في مزاد يقول فيه نحن التزمنا بتعهداتنا، وننتظر أن تلتزم أمريكا وحلفاؤها بإلتزاماتهم، بفصل قوات المعارضة السورية المعتدلة عن تلك المصنفة إرهابية وتحديد مناطق تواجدها.

ولتأكيد على ما ذهبنا إليه، يقول تشوركين: «عليهم إقناعنا بأن لديهم رغبة صريحة في فصل المعارضين المتعاونين مع التحالف الأمريكي عن جبهة النصرة، ثم القضاء على النصرة وجعل المعارضين جزءا من العملية السياسية»، لافتاً إلى أن تنظيم «جبهة النصرة» مستمر في الحصول على الأسلحة من الغرب، والولايات المتحدة تتجاهل هذه الحقيقة.

وأوضح أنه إذا لم يحدث ذلك فسيثير الأمر شبهات لدى موسكو بأن كل هذه التحركات هي من أجل إنقاذ «جبهة النصرة» من الضربة، موضحاً أن تطبيق الاتفاق الروسي الأمريكي يفتح طريقا للحل السياسي في سوريا، وأن لهذا الاتفاق أعداء كثيرين كانوا يسعون لتقويضه منذ البداية، «وهناك انطباع أن موقفهم غير البناء هو الذي تغلّب».

الهدنة التي استولدتها موسكو قيصرياً ولدت ميتة مشوهة، ذلك بأن تركت روسيا عقدة حل النكاح بيدها حيث أن الهدنة المزعومة تستثني المنظمات الإرهابية، هنا نفتح قوسين كبيرين ونضع فيهما تحت تصنيف إرهابية كل الشعب السوري الثائر على نظام دمشق الرافض للإحتلال المقنع الروسي الإيراني.

في غمار تحطيبه دون شمعة أو قنديل يستضيء به لافروف، و تشوركين، يتغافل الإثنان معاً عن روغان متعمد بأن الهدنة ليست إنسانية بمفهومها المتعارف علية دولياً في مثل هذه الحالة، وإنما هي دعوة للإستسلام لنظام الأسد ودعوة صريحة لميليشيات إيران بأن يستأسروا مقاتلي المعارضة، بل يقولون لهم تعالوا وضعوا القيود في ايدينا وحول اعناقنا ونرجو منكم أن تسامحونا كوننا وقفنا بصدق ضد مشروعكم العدواني الإلغائي الإحلالي الشعوبي.

لم أورد هذا الكلام من بنات أفكاري أو من مخيلتي بل أحيلكم لما قالته وزارة الدفاع الروسية التي طلبت بشكل مباشر من قيادات الجماعات المسلحة في حلب، وقف جميع الأعمال القتالية والخروج من حلب عبر ممرين، أحدهما باتجاه مدينة إدلب والآخر نحو الحدود السورية التركية.

أمام هذا الهول العظيم من المراوغة والكذب هل بقي شيء يُقال في مضمار المراوغة الروسية الرخيصة المتاجرة بدماء وأرواح ملايين السوريين بمزاد رخيص ظاهره إنساني وباطنه نار تحت رماد سرعان ما يتحول لغول يفترس المعارضين السوريين المعتدلين منهم والمتشددين، في حال لم يتوقف المجتمع الدولي على التخفي وراء أصابعهم أو الاستمرار في دفن رؤوسهم في الرمال حتى تقرع طائرات موسكو أسقف منازلهم وتلتهمهم كما فعلت مع شبه جزيرة القرم وسوريا وكما تحاول فعله في شرق أوكرانيا.

كاتب وباحث سوري

========================

الصراع على الرقة .. حسين عبد العزيز

الجزيرة

الاحد 6-11-2016

بعد تردد دام أكثر من نحو عام اتخذت الولايات المتحدة قرارا بفتح معركة الرقة أخيرا، ويبدو واضحا أن إطلاق هذه المعركة ليس منفصلا عن الأزمة الروسية الأميركية في سوريا، بمعنى أنه إذا كان ملف حلب يقترب شيئا فشيئا نحو حاضنة النظام، فإن الرقة لا ينبغي لها أن تشهد مصيرا مماثلا.

لكن إذا كانت أزمة حلب محكومة ببعدها الداخلي الميداني، فإن أزمة الرقة محكومة ببعدها الخارجي السياسي بين ثلاثية تركيا والولايات المتحدة والأكراد، ومن هنا تأتي خصوصية معركة الرقة وإشكاليتها.

غموض عسكري

أن يعلن وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أن عملية عزل الرقة ستبدأ خلال أسابيع، معناه أن ثمة إجراءات عسكرية ضرورية يجب اتخاذها في محيط المحافظة قبيل بدء المعركة.

أولى خطوات عملية العزل هي تنظيف محيط المحافظة من أي تواجد للتنظيم، والمقصود هنا بطبيعة الحال شرق حلب الذي يحد الرقة من الغرب، وليس الحسكة التي تحدها من الشرق كونها خالية من التنظيم.

ثمة مستويان من العملية العسكرية: المستوى الأول عزل المحافظة عن محيطها الخارجي، وهنا سيكون ل “قوات سوريا الديمقراطية” و “وحدات حماية الشعب الكردي” دور رئيسي فيها، والمستوى الثاني عملية تحرير الرقة ذاتها، ولن يكون للأكراد أي دور فيها وفق ما أعلن مسؤول أميركي وقبله كارتر من أن عملية التحرير يجب أن تقوم بها قوى عربية، وهنا سيكون لتركيا دور بارز وهو ما أكده كارتر أثناء لقائه نظيره التركي عصمت يلماظ “نعمل بشكل كبير مع الجيش التركي في سوريا.. أعطى ذلك نتائج مهمة جدا مع الاستيلاء على دابق في أكتوبر/تشرين الأول”، كما سيكون للعرب في “قوات سوريا الديمقراطية” دور أيضا.

لكن ذلك لا يحل المعضلة القائمة والغموض في التصريحات الأميركية، وهي كيف يمكن ل “وحدات حماية الشعب الكردي” المشاركة في عملية العزل في ضوء الوقائع على الأرض بعد التغيرات التي أجرتها عملية “درع الفرات” وتقويض التواجد الكردي في شرق حلب باستثناء تواجدهم في مدينة منبج المحاطة بفصائل “الجيش الحر”؟

بعبارة أخرى، لا يوجد حضور عسكري قوي للأكراد شرق حلب بشقيه الشمالي والجنوبي، اللهم إلا إذا كانت واشنطن بصدد التوصل إلى اتفاق مع أنقرة يسمح بعودة الأكراد إلى الجبهة الحلبية على حدود الرقة، وهذا أمر يبدو مستحيلا بعد عملية “درع الفرات”.

لكن ثمة ثغرة إبرة تحاول الإدارة الأميركية الولوج منها، إنها معركة الباب التي مازال مصيرها مجهولا على الرغم من التصريحات التركية من أن المدينة هي هدف ل “درع الفرات”.

وإذا ما سيطرت فصائل “الجيش الحر” على الباب ثم انتقلت إلى منبج لطرد الأكراد منها، فإن ذلك سيؤدي إلى تصعيد خطير في هذه المرحلة، ويبدو أن عدم خروج الأكراد من منبج الآن ناجم عن موقف أميركي مؤيد، ذلك أن واشنطن لا تفضل أن تدخل “درع الفرات” في العمق السوري (الباب) خشية حصول تصادم مع قوات النظام التي أعلنت منذ نحو عشرة أيام أنها ستتعامل مع التواجد التركي في سوريا على أنه احتلال.

التصريح هو الأول من نوعه منذ بدء عملية “درع الفرات” قبل نحو شهرين، وهذا يعني أن قوات النظام ستضرب هذه القوات إن اقتربت من الباب، الأمر الذي يفسر قيام قوات النظام والطيران الروسي في الآونة الأخيرة باستهداف مواقع الجيش الحر على جبهات القتال ضد التنظيم.

ولذلك تميل واشنطن إلى الاعتماد على الأكراد في عملية ملاحقة تنظيم الدولة في أماكن تواجده في الباب ومحيطها، وربما تكون الصفقة لذلك هي خروج الأكراد من منبج مقابل ترك الأتراك لمدينة الباب، أو على الأقل السماح للأكراد المشاركة فيها.

وما يؤكد الغموض القائم إعلان الرئيس التركي أن الولايات المتحدة لم تجب بعد على الأسئلة حول مشاركة تركيا في معركة الرقة، حيث يبدو أن الإدارة الأميركية لن تصل بعد إلى الصيغة النهائية لتفاصيل القوى المشاركة في العملية وطبيعة دورها وحدودها الجغرافية.

ودون حل أزمة الباب لا يمكن إطلاق معركة الرقة ليس فقط لقطع التوصل الجغرافي للتنظيم بين محافظتي الرقة وحلب، وإنما خوفا من ارتداد التنظيم نحو حلب مع اشتداد المعارك.

جبهة متناقضة

المفارقات الجغرافية والديمغرافية لمحافظة الرقة تقتضي بالضرورة اصطفاف الأطراف المتنازعة في جبهة موحدة مع ضمان حصص هذه الأطراف ضمن الواقع الذي سيلي السيطرة على الرقة.

ومن السيناريوهات المطروحة لهذه المعركة أن يشارك الأكراد والأتراك وفصائل الجيش الحر في صيغة تبدو مستحيلة الآن، لكن الواقع العسكري في الرقة ربما يفرض هذه المعادلة.

الوضع في الرقة يختلف عنه في الموصل، وهذا هو السبب الذي جعل الإدارة الأميركية تؤخر المعركة، ففي الموصل يوجد جيش نظامي يمكن التعامل معه على الأرض ولديه أسلحة ثقيلة كثيرة ويشكل قاعدة خلفية داعمة للقوى المشاركة معه في محاربة التنظيم، أما في الرقة فلا يوجد مثل هذا الجيش، ولا يمكن الاعتماد على فصيل موحد فقط لشن المعركة، فالوحدات الكردية وحدها و”درع الفرات” وحده ليس بإمكانهما خوض معركة بهذا الحجم.

حاولت واشنطن خلال الأشهر الماضية توسيع دائرة المقاتلين العرب بضم مجموعات أخرى في قتال التنظيم، مثل “الجيش الثوري في الرقة”، وعشائر عربية لا بد من تأمين دعمها لإحراز نصر على التنظيم.

بالنسبة ل “وحدات الحماية الكردية” سيكون لها دور في معركة الرقة ضمن أطراف المحافظة ولن يكون لها دور في عمق المحافظة وعاصمتها تحديدا، وسيترك للقوى العربية داخل “قوات سوريا الديمقراطية” ومجلس الرقة العسكري دور في هذه المعركة.

والتصريحات الكردية واضحة في هذه النقطة، وآخرها ما أعلنه رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم، من أن الأكراد لا يطمحون إلى السيطرة على الرقة، لكن من يسيطر عليها يجب أن يكون صديقا للأكراد.

ومن الواضح أن تركيا والفصائل المدعومة من قبلها سيكون لها الدور الأكبر بسبب الإنجازات السريعة التي حققتها عملية “درع الفرات” وبسب خصوصية الرقة بالنسبة للأتراك.

بيد أن مشكلة المعركة تكمن في توزيع المهام العسكرية على الأرض، فالحدود الشرقية للمحافظة نحو الحسكة محسومة للأكراد و”قوات سوريا الديمقراطية”، أما في الغرب من ناحية حلب، فهنا تكمن المشكلة، الأكراد يسيطرون على المناطق القريبة من الرقة مثل عين العرب  كوباني وعلى منبج، ويسيطرون على تل الأبيض داخل الرقة في الشمال على الحدود التركية، في حين تنتشر فصائل “الجيش الحر” غرب الفرات على مسافة بعيدة من الرقة.

وعليه فإن المجال الجغرافي الذي ستتحرك فيه تركيا ما زال غامضا إلى الآن، ولا يوجد سوى احتمالين: الأول أن يعبر الحر شرق الفرات ويتقاسم جبهة حلب  الرقة مع القوى العربية في “قوات سوريا الديمقراطية”، بحيث يكون الجزء الجنوبي من نصيبه، ويكون الجزء الشمالي من نصيب “قوات سوريا الديمقراطية”، الثاني أن يدخل الأتراك معركة الرقة من الأراضي التركية، لكن هذا الاحتمال يتطلب دخولا عسكريا مباشرا، ويتطلب أيضا إنهاء السيطرة الكردية على الشريط الحدودي للرقة مع ما يعنيه ذلك من قضاء على التواصل الجغرافي للأكراد في شرق الفرات (الحسكة  الرقة).

وهذه مرحلة لا يبدو أن الولايات المتحدة وصلت إليها خشية من انفراط عقد تحالفها مع الأكراد، ذلك أن الأكراد قد يتحملون تقسيم تواجدهم غرب الفرات، ولا يتحملون ذلك في شرق الفرات.

تواريخ مفتوحة

إذا كانت عملية عزل الرقة ستكون خلال الأسابيع المقبلة، فإن المعركة داخل الرقة ما تزال بعيدة، لأسباب مرتبطة بالنجاحات العسكرية في عملية العزل ومدى تماسك الأطراف المشاركة فيها، ولأسباب سياسية متعلقة بالولايات المتحدة.

بالنسبة للشق العسكري، من غير الواضح كيف ستؤول معركة الباب، هل سيتخلى التنظيم عنها ويتحه نحو الرقة لتعزيز تواجده؟ خصوصا أن تقارير كثيرة أكدت قبل أشهر أنه أجلى عائلات كثيرة منها، أو يعزز تواجده في المدينة لإبقاء أذرع لها قادرة التحرك؟

وبالنسبة للشق السياسي يفضل الأتراك والأكراد على السواء بدء المعركة بعيد وصول رئيس جديد إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة.

تركيا على سبيل المثال لا تثق بأوباما الذي أتعبها كثيرا في الملف السوري  الكردي، وهي تفضل أن تتم الاتفاقيات والتفاهمات حول المعركة ومستقبل المشهد العسكري في اليوم التالي مع إدارة جديدة وليس مع إدارة منتهية.

والأمر كذلك بالنسبة للأكراد، فبعد خيبات الأمل من إدارة أوباما لما حصل في الريف الشمالي لحلب، لا يثق الأكراد بالرئيس الأميركي، ويخشون أن تتكرر التجربة مرة ثانية أثناء المعركة الكبرى في الرقة، ولذلك يفضلون كما الأتراك أن تبدأ المعركة بعيد وصول رئيس جديد للبيت الأبيض.

وأغلب الظن أن المعركة ستؤجل إلى ما بعد الانتخابات الأميركية وضمان حصول الأطراف المحلية والإقليمية على التزامات أميركية لا تستطيع الإدارة الحالية إعطاءها أو الوفاء بها.

========================

قراءة مخيفة في خطاب الخليفة .. د. وليد البني

 كلنا شركاء

الاحد 6-11-2016

أخيراً وبعد غياب قارب العامين قرر الخليفة  أمير المؤمنين  أبو بكر الحسيني القرشي البغدادي أن يوجه كلمة الى رعيته في مشارق الأرض ومغاربها .

لن أدخل في تفاصيل الخطاب بل سأحاول التركيز على دلالاته وسأحاول أن أستنتج من محتواه الحالة الفصامية التي يعيشها البغدادي وأمثاله ممن ابتليت بهم شعوبنا في هذه المنطقة ،  بعد أن أصبحوا السلاح الذي يستخدمه كل الطامعين في منطقتنا  لتخريبها،  وبعد أن تسببوا بكارثة حقيقية لأهالي الدول و المدن التي سيطروا عليها في كل من سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان والصومال على مدى أكثر ربع قرن .

من ناحية الشكل فلازال السيد البغدادي يتكلم بطريقة  يحاول من خلالها  ان يتقمص شخصية خليفة حقيقي عاش قبل أكثر من الف وأربعمائة عام ، مستخدما نفس الكلمات مركزاً على السجع في عبارات طالما قرأناها في كتب التاريخ على لسان الخلفاء الراشدين الأربعة،   أو حتى امراء بني أمية وبني العباس والكثير من امراء المماليك والسلاطين العثمانيين ، الذين ورغم تحويلهم  الخلافة الى ملكية وراثية،   بقيوا متمسكين بلقب الخليفة،  للإيحاء لعموم المسلمين انهم ليسوا أكثر من خلفاء للنبي محمد عليه الصلاة والسلام،  وليضفوا نوع  من القدسية على حكمهم الذي  استولوا عليه بعد أن اسالوا انهاراً من دماء المسلمين الذي يدعون ولاية أمرهم باسم الله سبحانه وتعالى 

المشكلة الكبرى ليس في حالة الفصام التي يعيشها البغدادي وأمثاله  عندما يتقمص شخصية الخليفة أو الأمير  ، بل بالكثير من ابناء منطقتنا الذين لا يزالون مستعدين لسماع هكذا خطاب ، بل وتأييد الكثير مما يقوله البغدادي أو أشباهه من الذين يسلكون سلوكه ويتقمصون دور خليفة او أمير أو يدعون النسب لسيدنا علي ابن ابي طالب ويسمون انفسهم بالاسياد ، كالسيد علي خامنئي الولي الفقيه للكثير من المسلمين ولبعض العرب ،  والسيد حسن نصر الله والكثير من اصحاب  القلوب والعمامات السوداء ،  مستغللين الدين لخداع شباب أمتنا المقهور والباحث عن هوية .

عندما نتحدث عن البغدادي فالمقصود هنا  ليس شخص البغداديي بالذات بل كل دجال أو مجذوب في منطقتنا  نجح   في خداع الكثيرين بخطابه الديني القرووسطي،  الذي يركز على مزايا الجهاد كلٌ على طريقته،  ويُزيِّن  الموت لأتباعه بإعتباره الطريق الأسهل للوصول الى الحياة الأبدية المليئة بالفرح والسعادة  والمُتع الكثيرة التي حرموا منها في حياتهم نتيجة جهلهم وفقرهم .

لقد  استطاع البغدادي وقبله الزرقاوي  وبن لادن والظواهري ، وقبلهم جميعاً الخميني وحسن نصر الله إرسال آلاف الشباب العربي والمسلم الى الموت طمعاً في هذه الحياة الأبدية التي لا يمكن الوصول اليها إلّا عبر الموت تنفيذا لأوامر هؤلاء الخلفاء او الامراء أو الاسياد ذوي العمائم السوداء، والأعجب من كل ذلك أن يستطيع البغدادي مثلاً إقناع شاب سعودي بأن قتله لسعوديين في مسجد ممكن ان يدخله الجنة لتسقبلنه الحوريات  السبعين ، اللواتي لو وضعت  واحدة منهن إصبعها في البحر لجعلته حلوا كالعسل كما وصفها مولانا المحاسني منذ مدة   ، أو أن يستطيع دجال كحسن نصر الله أن يقنع آلاف الشباب اللبنانيين المساكين بأن موتهم وهم يساهمون في دعم طاغية تقطر اياديه من دماء الابرياء  كبشار الأسد ، أو مساهمتهم في قتل اشقائهم السوريين في القصير أو الزبداني أو حلب ممكن أن يكون سببا في رضى الحسين عليه السلام عنهم وانتظاره لهم على ابواب الجنة بعد موتهم وترميل نساءهم وتيتيم أطفالهم.

إن ظاهرة البغدادي والظواهري والزرقاوي ونصر الله والخامنئي والخزعلي والكثير الكثير من الدجالين أو المرضى النفسيين أو تجار الدين الذين يتحكمون بمصير اولادنا  ، هي دليل آخر على مدى الكارثة التي تعيشها مجتمعاتنا ، ومدى اليأس الذي يعيشه شبابنا بسبب الاستبداد وجشع الحكام وغياب الامل ،   بحيث يتحولون الى صيداً سهلا يمكن استغلالهم في لعبة الأمم ببعض المال والكثير من الشحن الطائفي والخطاب الديني الضحل  .

أريد أن ادعوا كل سوري وعربي ومسلم أن يتخيل منطتنا وشعوبنا بدون الخميني وثورته وولايته كفقيه معصوم  على بعض المسلمين ، وبدون بن لادن وطالبان وأمارتهم الاسلامية التي اسسوها بمساعدة ال (سي اي ايه)   في افغانستان  . اريد من كل عراقي ان يتخيل العراق بدون البغدادي والزرقاوي والخزعلي وصبيان الخامنئي فيه ، أتمنى من كل لبناني ان يحاول تخيل لبنان بدون السيء حسن ودويلته وسلاحه وجرائمه التي طالت خيرة رجالات لبنان، والتي ارسلت أجمل  شبابه الى الموت لتنفيذ أجندة ايران في المنطقة  بدل ارسالهم الى المدارس والمعاهد  والجامعات . أريد من كل سوري ثار على طغيان مافيا عائلة الاسد ان يتخيل ثورته ووطنه  بدون البغدادي والعدناني والجولاني والعشرات من الامراء الذين يريد كل منهم ان يقيم خلافته او امارته الاسلامية الخاصة به .

لن ينتهي الاستبداد في منطقتنا قبل انتهاء الجهل ، فالجهل هو حصان المستبد دائماً ، ولن نضع أرجلنا على سكة الحرية والحضارة والسعادة في الدنيا قبل  الآخرة،  قبل التخلص من العصابات  التي تتحكم بمصيرنا بكل انواعها ، عسكرية قومية كانت  كمافيا الاسد وأشباهه من حكام منطقتنا أو ارهابية دينية كميلشيات  نصر الله والظواهري والبغدادي 

========================

لوزان وغياب الحلول .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاحد 6-11-2016

بعد وصول الحراك الدبلوماسي بين أميركا وروسيا بشأن الملف إلى طريق مسدود، وقطع كل قنوات الاتصال التي جاءت على هامش انهيار اتفاق كيري لافروف، وبعد عجز مجلس الأمن والمجتمع الدولي عن اتخاذ أيّة خطوات تنهي الدم المستباح في مدينة حلب، ظهر حراك جديد في المسار السياسي لدول الغرب وأوربا لتشكيل جدار ممانع يكسر الجبروت الروسي الذي عطّل أكثر من مشروع سلام في سورية، لا سيما أنّ روسيا أجهضت المقترح الفرنسي في مجلس الأمن باستخدامها الفيتو في الثامن من أكتوبر الحالي.

لم تعتكف فرنسا سياسة النأي بالنفس هي وجارتها بريطانيا، إذ عقدت بريطانيا جلسة خاصة في البرلمان البريطاني اتهم فيها وزير الخارجية بوريس جونسون موسكو بارتكابها جرائم في سورية، وعلى الصعيد الفرنسي أُلغيت زيارة كانت مقرّرة بين بوتين والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في 19 من أكتوبر الماضي بناءً على امتعاض من فرنسا.

تزامن الحراك الأوربي مع عقد قمّة خليجية في الرياض بحضور تركيا، صدر عنها بيان لإصدار وقف العدوان الروسي الفوري على سورية، وبعد أن تجوّل الساسة بالملف السوري في دول أوربا والغرب، عاد الملف مرةً أخرى إلى أعتاب البيت الأبيض من جديد.

عشية يوم الجمعة الموافق 14 أكتوبرعقد أوباما اجتماعاً مع القادة العسكريين الأميركيين للبحث في الخيارات العسكرية، وفعلاً قدّم مستشارو الأمن القومي للرئيس أوباما مقترحات حول توجيه ضربات محدودة للنظام السوري، إضافةً إلى إمكانية تزويد المعارضة العسكرية بأسلحة متطوّرة مع استثناء مضادات الطيران، إلا أنّ أوباما أنهى الاجتماع دون اتخاذ أيّ قرار عسكري وأمر بتوجيه الجهود للحلول الدبلوماسية في سورية.

عقب هذا الحراك أعلنت واشنطن عن نيتها عقد اجتماع سداسي في مدينة لوزان السويسرية، للبحث عن حلول أخرى سياسية للأزمة في سورية، كما جاء على لسان وزير الخارجية جون كيري، ورحبّت موسكو بالدعوى للخروج من شعور العزلة الذي أحدثته لها دول أوروبا والغرب، لكن وزير الخارجية سيرغي لافروف قلّل من أهمية الاجتماع، مضيفاً أنّ روسيا لن تقدم أيّ طرح جديد بخصوص سورية، وهذا الإعلان جاء متناغماً مع إعلان أميركا أنّها لا تتوقع أيّ انفراجة سياسية في لوزان، الأمر الذي فسّره مراقبون أنّ القطبين متفقان أكثر من كونهما مختلفين، وإلا لما صدر هذا الغزل من تخفيض سقف التوقعات قبل انعقاد المؤتمر.

وحول فحوى الاجتماع، أصرّت روسيا على دراسة مقترح دي مستورا الأخير المتعلّق بانسحاب مقاتلي جبهة فتح الشام من مدينة حلب وإدخال عناصر من النظام لإدارة أمور المدينة تحت إشراف دولي وإيصال المساعدات عن طريق الكاستيلو، ما يعني أنّ روسيا ستبقى متمسكة باستكمال البند المتعلّق باتفاقية كيري لافروف سابقاً، بفصل المعارضة المعتدلة عن الفصائل المصنّفة على قائمة الإرهاب، وهذا ما يفضي بحسب كل المعطيات على الأرض بخطوة أولى لإفراغ مدينة حلب وتسليمها للنظام أو إيران.

أميركا بدورها، وبعد كل التصعيد مع الطرف الروسي وإيصال العديد من الرسائل السياسية لروسيا، وآخرها نشر منظومة دفاعية مضادة للصواريخ في بحر البلطيق في بولندا، فإنّ موقف موسكو ظلّ متماسكاً أمامها حيث أصدر الكرملين تصريحات مفادها أنّ أي استهداف لمواقع النظام في سورية، فإنّ موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي وستحمي مصالحها في سورية.

من الواضح أنّ أميركا، ومن خلال سلوكها في مؤتمر لوزان تقوم بعملية رمزية في محاولةً لتخفيف وتيرة القصف على حلب وإحياء عملية السلام لأنّها لا ترغب في الوقت الحالي بأيّ مواجهة مباشرة مع موسكو، فإنّ أيّ خطوة أميركية إلى الإمام ستعكر صفوة الأجواء الانتخابية الأميركية التي أقبلت على مرحلة نهائية، وهو السبب الأساس لامتناع الرئيس الأميركي عن اتخاذ أيّ عمل عسكري من قبل مستشاريه، وهذا ما تلعب عليه موسكو لاستغلال آخر ربع ساعة من إدارة أوباما.

الطريف بكل ما يجري من حراك دولي إقليمي هو تهميش تام للمعارضة السياسية، وعدم دعوتها لتشارك بأيّ تفصيل صغير بخصوص سورية، وهذا إن دلّ على شيء يدل على فشل المعارضة بكلّ مكوّناتها من تشكيل جسم موّحد يؤسّس لقرار داخلي لها، يجبر كلّ المجتمع الدولي على عدم تجاهلها.

========================

لا منقذ غير الثورة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 6-11-2016

ليس هناك من شهادة على سوء حال عرب اليوم أشد صدقاً من موقف النخب المتحالفة مع الأمر القائم، الرافضة مقاصد الربيع العربي، وتعتقد أن الإنسان لا يكون حراً في دنياه إلا بقدر ما يكون عبداً لآخرته.

وليس هناك من دليل على إفلاس هذه النخب أشدّ نصاعةً من عجزها عن أن ترى في الانتفاضة الشعبية ضد الفساد الإنساني والخراب السياسي جهداً مفصلياً وإنقاذياً، ينهض به عوام الناس من أجل أوطانهم، دولاً ومجتمعات، قبيل سقوطها الوشيك أمام تحدياتٍ لن تقدر على مواجهتها في ظل أوضاعها الراهنة التي تبلورت في سياق هزائم أنزلها بها الخارج، وتهاوٍ داخلي أنزله بها الممسكون بمجتمعاتها، تواصلت أكثر من نصف قرن، لو وعت النخب المعنية مسؤولياتها حيالها، وأدركت حجم مخاطرها المحدقة بالمؤمنين، لبادرت إلى القيام، استباقياً أو منذ وقت طويل، بالتمهيد الروحي الضروري لتغيير أحوالها، ولدعمت الربيع العربي الذي استهدف إنجازه على مستوى الواقع، وما فيه من بنى سياسية واجتماعية وقانونية، إدراكاً منها لفرادة الربيع التاريخية، وللسياق الذي ينضوي فيه، بردوده على حقبة السقوط التي بدأت في عصرنا مع استيلاء الصهاينة على فلسطين، ومهد لها سقوط مقاومة النخب الإسلامية أمام الاستعمار خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وتعايش معظم قطاعاتها مع بنى متأخرة وتابعة، ومثله فشل نخبهم "الحديثة"، الاشتراكية منها والقومية والليبرالية والإسلامية في تحرير شعوبها من التأخر والجهل والفكر اللاعقلاني، وأمتها من انقساماتها وضعفها وتخلفها: على أكثر من صعيد، وفي كل مجال.

هذه النخب، بتأخرها وركود وعيها وانغلاقه، وغربتها عن المعرفة والواقع في آن معاً، وعن مجتمعاتها وأوطانها، لم تمتلك القدرة على إدراك محمولات الربيع التجديدية ومسائله التاريخية، المشحونة برهاناتٍ ومضامين في تحققها خروج العرب من فواتهم المادي والروحي: شرط خروجهم من الفوات الوطني والقومي، السياسي والاجتماعي، الاقتصادي والإداري، الثقافي والمعرفي، وانخراطهم بإيجابية في تفاعل مبدع مع واقعهم هو ما رمى إليه الربيع، فلا عجب إن عادَتْه هذه النخب، ولعبت دوراً خطيراً في دعم كل من عمل لإجهاضه أو تطاول عليه من قوى جهل وظلامية، أو سعدت بدخوله في متاهات متنوعة، داخلية وخارجية، استهدف بها وسعت إلى إفشاله، بمساعدة قوى الاستبداد السياسي/ الشمولي التي انخرطت، بعد لحظاته الأولى، في إبادة حملته من بنات شعبه وأبنائه، بدل أن تمد لهم يد العون، وتعينهم على تخطي ما يواجههم من مخاطر جسيمة، وتنزل معهم إلى الشارع من أجل تحقيق مقاصدهم النبيلة: التغييرية والثورية.

بدل اغتنام فرصةٍ قد لا تتكرر خلال القرن الحالي، جسّدتها ثورة قطاعات هائلة من المواطنين التونسيين والمصريين واليمنيين والعراقيين والسوريين، من أجل إنجاز تغيير جذري طال انتظارها له، يبدل واقعها الفاسد المحتجز بالاستبداد، سارعت فئات أفرزت نخباً ما دون سياسية، وما تحت وطنية أو إنسانية، غارقة في الرثاثة، وجاهلة بنص الإسلام وروحه، إلى أدلجة ثورة الربيع العربي مذهبياً، بتعاونٍ صريح مع الاستبداد الأسدي، ما دون الدولوي وقبل المجتمعي، وزجّت الدين في صراع سعت إلى نزع رحمانيته وفصله عن بعده الإنساني الذي تجسّد في مطلب الحرية والكرامة الإنسانية، وقلبها إلى أداةٍ تخوض بواسطتها حربها الشعواء بين إيمانها المزعوم وكفر من عداها المُدَّعى، ونجحت فعلاً في إخراج أعداد غفيرة من الشعب المطالب بالحرية من الدنيا وإرسالها إلى جهنم، بسكاكينها الدباحة أو بتحريضها التهييجي، وسط صمت معظم "العلماء وأهل الذكر" الذين قد يكون أغراهم بالسكوت خطاب القتلة الأيديولوجي اللغة، المعادي للإنسان والحرية، الذي وعده بثورةٍ بديلةٍ ليست من الأرض، ولا من السماء، ليس للإنسان أي مكان فيها، بل هي ضد حقوقه جميعها، وخصوصاً منها حقه في أن يصير حرّاً.

لن تنجو النخب التي خانت الربيع العربي من بطش من يقتلون شعبهم منذ أكثر من خمسة أعوام. ولا نجاة لها بغير انضمامها، وإن المتأخر، إلى من يشقون درب وطنهم إلى مستقبله الحر ببحر من دمائهم. ولن يحتسب لها وقوفها جانباً، عند حكامٍ، كان معظم الذين قتلوهم ممن توهموا أن نجاتهم تكمن في وقوفهم جانباً، فكان فيه هلاكهم.

========================

سورية والتحول من نظام رئاسي إلى برلماني .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاحد 6-11-2016

تبدو المبادرات الأوروبية تتحرك في مساحة ضيّقة، لكنها، في الوقت نفسه، المساحة المعنيّة باتخاذ قرار في الحرب السورية موقعاً، والمتعددة الجنسيات واقعاً، فحراك فيدريكا موغريني (منسّقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي)، أخيراً، باتجاه طهران ثم الرياض، قد ينمّ عن انفراجةٍ ما ربما تتوقّعها السيدة المنسّقة، بحيث تتمكّن من خلالها من العبور باتجاه حل سياسي، بتحويل الحديث عن مصير الأسد إلى حديثٍ آخر، يتعلق ربما بشكل النظام الجديد للدولة السورية.

البحث فيما وراء ما تطرحه المبادرة الأوروبية، بخصوص قابلية الحديث عن نظام جديد للحكم في سورية، والذي يبدأ من إيران، وهي الطرف المعني مباشرةً بتحديد مصير الرئيس السوري، والتعامل مع تحديد صلاحياته، وبعدها في عواصم دول مؤثّرة على الجانب الآخر من الحل، مثل الرياض، ولاحقاً أنقرة وربما الدوحة، تجري ضمن حلقة تواصل مع المبعوث الأممي، ستيفان ديميستورا، أيضاً، الذي لن يدخر جهداً في لقاءاته المتنوعة مع أطيافٍ معارضة وشبه معارضة وموالاة في استشراف رؤيتهم وقابليتهم للتفكير من جديد، بشكل عملي وبراغماتي، في خرق حالة المراوحة في المكان، والغرق باتجاه الاستعصاء الكلي الذي ظل يتمحور حول مصير الأسد.

وبعيدا عن حالة "الفوبيا" التي تراودنا، أو معظمنا، من كل طرحٍ جديد يخالف أو يختلف عن تصوراتنا للحل السياسي، لا بد من التمعّن بالأفكار أو الاقتراحات المطروحة، ومراجعة اختباراتها التاريخية، ما يفيد بعقد مقارناتٍ واقعيةٍ بين ما تطرحه المبادرة، بخصوص تحويل النظام السياسي في سورية إلى نوع من حكم برلماني أو رئاسي  برلماني، علماً أن سورية مرّت بفترة حكم مماثلة، بعد الاستقلال عام 1946 وقبل حكم حزب البعث في 1963.

اللافت أن رؤية المعارضة التي قدمت في مؤتمر لندن (يوليو/ تموز 2016) تتحدث عن نظام حكم رئاسي بكل معنى الكلمة، ما يفسّر تعاملها مع صلاحيات الرئاسة التي ترغب بانتقالها من يد الأسد إلى هيئة حكم انتقالية غير محددة الملامح، بعبارة "كاملة الصلاحيات"، من دون التفحص في معاني هاتين الكلمتين أو تداعياتهما.

بديهي أن الأمر يتطلب نزع صلاحيات الرئيس، والانتهاء من حكم الاستبداد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، أو الذي يطرح على المعارضة التي قدمت تلك الرؤية، ما هي ضمانة عدم إعادة إنتاج الاستبداد، مع رئيس آخر، أو مع طغمة حاكمة أخرى؟

الواقع أن الثورة السورية، وهذا ما يسهو عنه كثيرون، مطالبة ليس فقط بإنهاء حكم الاستبداد،

"الثورة السورية مطالبة ليس فقط بإنهاء حكم الاستبداد، وإنما بالتأسيس لنظام حكم آخر" وإنما بالتأسيس لنظام حكم آخر، يضمن عدم إعادة إنتاجه أيضا، وهذا لا يمكن حسمه، أو القطع معه، إلا بوضع دستور جديد لنظام حكم جديد، يؤسس لدولة المواطنين الأحرار المتساوين، دولة المؤسسات والقانون، وليست دولة الرئيس أو الحاكم. وبديهي أن ينصّ هذا الدستور على الفصل بين السلطات، التشريعية والقضائية والتنفيذية، والتسليم بأن السلطة والسيادة هي للشعب من خلال ممثليه المنتخبين، وفق قانون انتخابي جديد، يقوم على التمثيل النسبي الذي يتيح أوسع مشاركةٍ سياسيةٍ وأوسع تمثيل، ويضمن عدم هيمنة طرفٍ على طرف آخر، أغلبية أو أقلية، إضافة إلى التأكيد على مبدأ تداول السلطة، والحق في المشاركة السياسية، وضمنها حرية الأحزاب ووسائل الإعلام.

عدم إعادة إنتاج نظام الرئيس، أو الحاكم الفرد، يتطلب  أيضاً، ليس انتزاع الصلاحيات منه، وتكريس الفصل بين السلطات، فحسب، إذ يفترض أن يتم حسم ذلك عبر التخلّي عن النظام الرئاسي، والتحوّل نحو نظام برلماني، بحيث يصبح الرئيس في منصب بروتوكولي، ويقوم بتكليف الجهة (الحزب أو الائتلاف) الأكثر تمثيلاً في البرلمان برئاسة الحكومة، وتسيير دفة الحكم. يمكن أن يحصل الأمر نفسه، أيضا، مع وجود نظام رئاسي وبرلماني، بحيث يتم تقسيم الصلاحيات بين الرئيس المنتخب من الشعب، ورئيس الحكومة (المنتخب من البرلمان)، وقد يحصل أن الرئيسين من حزب واحد أو من حزبين مختلفين، على غرار ما يجري في الجمهورية الفرنسية. وطبعا، يمنع هذا النظام تمركز السلطة عند أيّ من الرئيسين، ويمكن أن يضفي نوعاً من الحيوية على النظام السياسي، ويعزّز من وضع السلطة في حقل التداول، كما يعزّز من شأن المشاركة السياسية.

من المفيد إدراك أنه لا يوجد نظام سياسي لا يوجد فيه عيوب، أو لا توجد فيه سلبيات، وهذا

" لا بدّ من نزع صلاحيات الرئيس، والانتهاء من حكم الاستبداد" بديهي، لكننا هنا نتحدث عن النظام الأقل سوءا، أو الأقل سلبيةً، أو الأكثر تناسباً مع أوضاعنا على ضوء التجربة التي عشناها، واختبرناها وجرّت علينا كل هذه الكوارث.

ما أقصده أن على المعارضة السورية أن تتلقّف مثل هذه المبادرة، بل وعليها أن تتبناها، وهذا يجعلني أطرح سؤالاً عن أسباب عدم تفكير المعارضة من الأساس بهذا المخرج الذي يجنّب الصراع السوري عقدة كبيرة، تتمثل في موقع الرئاسة، ولا سيما أن الثورة السورية لم تستطع إسقاط النظام، وأن الوضع الدولي والإقليمي لا يسير وفقاً لأطروحاتها؟

المساعي الأوروبية بشأن فتح آفاق إيجاد شكل جديد لحكم سورية، والذي لا بد سيجد صداه عند المبعوث الأممي ديميستورا وفريقه، وبناءً على الملاحظات التي أبدتها بعض القوى السياسية على رؤية المعارضة للحل، وخصوصاً فيما يتعلق بشكل الحكم الرئاسي والصلاحيات الواسعة للهيئة الانتقالية التي من المفترض أن تحل مكان الرئيس، من دون رقيب عليها من أي جهة كانت، بما في ذلك المؤتمر الوطني، يضعنا، نحن المعارضة، أمام مسؤولياتنا في التعاطي الإيجابي مع فكرة عدم تركيز السلطات والصلاحيات بيد شخص، أو حتى جهة، لنستطيع تحقيق الغاية الأساسية للثورة، وهي إسقاط منظومة النظام الذهنية أولاً، كي لا يكون منتج الثورة مجرد تغيير أسدٍ لإنتاج غابة من الأسود التي تتأهّب للوثوب.

========================

الأخطر في جبهات الشمال والغوطة! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 6-11-2016

تصاعدت في الأشهر الأخيرة هجمات نظام الأسد وحلفائه الدموية في جبهات الشمال وغوطة دمشق، وزج نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين ومليشياتهم مزيدا من القوات البرية على جبهات القتال، فيما كانت طائرات النظام وروسيا، تواصل هجماتها بالبراميل المتفجرة والصواريخ على خطوط القتال، وفي ضرب الأهداف المدنية في عمق المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والهدف الأخير من تلك الهجمات، إضعاف المعارضة وتدميرها مع حواضنها الاجتماعية، تمهيدا للاستيلاء على مناطق سيطرتها وتغيير خريطة السيطرة على الأرض لصالح النظام وتحالفه، التي سيكون لها تأثير مباشر على خريطة الصراع في سوريا وعليها. وبطبيعة الحال، فقد كانت نتائج هجمات النظام وحلفائه في الجبهتين مقاربة لنتائج الصراع المسلح المتواصل في سوريا منذ أكثر من خمس سنوات، حيث يتقدم هذا الطرف هنا، ويخسر هناك، ثم يتبادل المتصارعون المواقع في مناطق أخرى، وإنْ كان ثمة ميل لغلبة النظام وحلفه على قوى المعارضة المسلحة لعوامل عدة، أهمها الاختلال الاستراتيجي في موازين القوى نتيجة التدخل الروسي في الحرب السورية أواخر العام الماضي.

غير أنه وخارج الصورة الرئيسية لمجريات الصراع بين حلف النظام والمعارضة المسلحة على جبهات الشمال والغوطة، فإن صورة أخرى من الصراع تتواصل في مناطق سيطرة المعارضة، شاملة صراعا بين بعض فصائلها، تتراوح حدوده ما بين حد أدنى يمثله صراع تنظيمي، وصولا إلى حد صراع أعلى، يمثله الاشتباك المسلح، وبين الاثنين، كان يتواصل صراع سياسي بين أطراف المعارضة المسلحة المختلفة.

ورغم أن الصراعات العنيفة بين تشكيلات المعارضة المسلحة، حدثت مرات ومرات في السنوات السابقة، فإنها في الأشهر الأخيرة، تحولت إلى ظاهرة خطيرة لأسباب، أبرزها تصاعد وتمركز الصراع مع النظام وتحالفه على حدود مناطق محاصرة أو شبه محاصرة، وهي السمة العامة لواقع جبهات الشمال وغوطة دمشق، وثاني الأسباب إصرار النظام وتحالفه على حسم سريع للصراع، سواء عبر عمليات عسكرية كبيرة، كما هو الوضع الأوضح في الشمال، أو عبر المصالحات المحلية المرفقة بالضغوط العسكرية، كما هو الحال في الغوطة، التي أتت ثمارها المرة في داريا والمعضمية وقدسيا والهامة، وهي عمليات تتواصل في مناطق أخرى من ريف دمشق.

الأهم في أسباب الصراع بين تشكيلات المعارضة المسلحة وخطورته الراهنة، تنافسها ورغبة بعضها في السيطرة والتمدد على حساب شركائها، وهو أساس ما حدث في الغوطة الشرقية بين «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن» أكبر تشكيلين في الغوطة قبل أشهر، والسبب نفسه لم يكن خارج أسباب الصراع بين تشكيلي «فاستقم كما أمرت» و«نور الدين الزنكي» التي جرت في حلب أخيرا، وكلاهما يقاتل تحت راية الجيش السوري الحر، وقبلها معارك إدلب بين حركتي «أحرار الشام» و«جند الأقصى»، التي جرى حلها والتحاق معظم عناصرها ب«جبهة فتح الشام».

ومما لا شك فيه، أن نتائج الصراع كارثية، وتمتد كارثية نتائجها في ثلاثة مستويات؛ أولها على المعارضة المسلحة، إذ تدمر قدراتها وإمكانياتها البشرية والمادية، وهي قدرات وإمكانيات محدودة في خريطة الصراع السوري، وصعبة التعويض بحكم وجود هذه القوى في مناطق محاصرة أو شبه محاصرة ووسط انعدام الدعم الخارجي، ما يؤثر سلبا على القدرات الإجمالية لتشكيلات المعارضة مقارنة بقدرات خصومها في حلف النظام، والمستوى الثالث، أنها تضعف قوة الحاضنة الاجتماعية، وتزيد مشكلاتها ومعاناتها، خصوصا في ظل ما تعانيه تلك الحاضنة نتيجة حرب حلف النظام عليها وظروف الحصار المفروضة، ما ساهم في إطلاق مظاهرات شعبية وحراك مدني وعسكري في الغوطة الشرقية أخيرا لمطالبة «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن» وغيرهما بحل خلافاتهم، والسير نحو رسم سياسات مشتركة وصولا إلى تشكيل ذراع سياسية وعسكرية واحدة في مستوى الغوطة كلها.

ويمثل هذا التطور بعضا من جهود تتواصل في مستوى المعارضة السياسية والجماعات الأهلية والمدنية السورية، لمعالجة ظاهرة الصراع بين تشكيلات المعارضة المسلحة، وهي جهود ينبغي أن تجد صداها وتمتد في المحيط الإقليمي والدولي المؤيد والداعم لفكرة الحل السياسي في القضية السورية، لأن إضعاف المعارضة المسلحة في سوريا من شأنه تشجيع نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين ومليشياتهم على المضي في طريق الحل العسكري - الأمني ومتابعته للنهاية، وإصرارهم على رفض الحل السياسي.

غير أن كل الجهود، لن تكون ذات جدوى، ما لم تقتنع قيادات التشكيلات المسلحة بعبثية الصراع وآثاره المدمرة على المستويات المختلفة، وضرورة التوجه نحو بناء سياسات جديدة، تقوم على حل الخلافات على أساس التفاهم والتشارك ورفض التشدد والتطرف، وهو اختبار قد يكون الأخير لتلك القيادات وتنظيماتها، وتأكيد إذا كانت ستبقى، أو أنها سوف تختفي.

========================

زمن ما بعد العرب .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 5-11-2016

هل نحن في الطريق إلى ما قبل أم ما بعد سايكس بيكو؟ عندما نتأمل تدخلات إيران الانقلابية التي تطاول مجمل دول المنطقة العربية، كيانات وبنى، ونتابع تفوهات أتباعها من إرهابيي الحشود الشيعية الموالية لها، والدوافع الحقيقية لقيامها، مجتمعة ومتفرقة، بغزو سورية، ونفكر بإصرار مليشيا حزب الله، مثلاً، على خوض معركته ضد شعبنا، حتى النهاية، كما تعهد قائدها حسن نصر الله، وحين نستمع إلى تصريحات نوري المالكي، رجل إيران الأبرز في العراق، حول معنى صيحة "لبيك يا حسين"، وقوله إنها لن تقف عند نينوى، بل ستشمل حلب واليمن أيضاً، ونستمع إلى ما كرّره وراءه قتلة الحشد الشيعي حول تصميمهم على نقل حربهم ضد أحفاد قتلة الحسين من العراق إلى سورية، وننتقل من قادة تنظيمات الإرهاب إلى الإرهابيين من قادة الدول، بدءاً ببشار الأسد في دمشق المحتلة، مروراً بقادة موسكو وضاحية بيروت الجنوبية وبغداد وطهران الذين يفاخرون بحربهم ضد الشعبين، السوري والعراقي، بحجة أنهما شعبان إرهابيان، وفي المقابل، ما أن نتأمل السياسات التركية التي تعلن تارة أن لديها خرائط تثبت تخليها في عشرينيات القرن الماضي عن أراض تركية في العراق وسورية، منها الموصل وحلب، وتقول، تارة أخرى، إنها لن تسمح لأحد بتقاسم المنطقة في غيابها أو على حسابها، فإننا نجد أنفسنا حيال سياسات متناقضة ظاهريا، لكنها تدور حول موضوع واحد، يضع تأمله يده على الخلفيات الحقيقية التي حالت دون إنهاء الصراع في سورية وعليها، وحوّلته أكثر فأكثر من صراع محلي إلى صراع عربي/ إقليمي/ دولي مفتوح بوسائله ورهاناته على حروبٍ تقف وراء انخراط إيران وموسكو المباشر فيه، وتعامل بلدان الخليج المتحفظ بصور شتى معه، بعد تباعده المتعاظم عن دعم مطالبة الشعب السوري السلمية بالحرية وتغيير النظام الأسدي.

تدور جميع الأفعال التي نراها اليوم، ومعظم تصريحات المشاركين في حروب منطقتنا، حول إعادة هيكلة مكونات ودول منطقتنا عامة، والمشرق العربي بصورة خاصة. هذه نتيجة دخول قوة جديدة إليها، تمثلها إيران، بما لها من توابع محلية، نظمتها عسكرياً وسياسياً، وفصلتها من مجتمعاتها ووضعتها في مواجهة مباشرة، ومتعدّدة الأنماط معها، وأوكلت إليها، منذ قرابة ثلاثين عاماً، مهام تناط عادة بكتائب عسكرية ترابط في أراض معادية خارج وطنها. ومثلما

"ستتبدل بنية المنطقة إلى الحد الذي يعيدها إلى فترة ما قبل سايكس - بيكو" أعاد حزب الله إعادة هيكلة السلطة في لبنان، ووضعها تحت وصاية المرشد الإيراني خامنئي وإشرافه، وربطها بخطط ومصالح طهران المباشرة، تريد إيران تقاسم المنطقة، بحيث تتفق حصتها منها وحجم وزنها الخارجي واختراقاتها الداخلية للمجتمعات العربية، المشرقية اليوم والخليجية غدا، اعتمادا على نهجٍ يستخدم آليات سيطرة متراتبة ومتنوعة، نجحت في وضع يدها على العراق وسورية بفضلها، وشرعت تديرهما كولايتين إيرانيتين، كما صرح أكثر من مسؤول إيراني، فضلا عن السيطرة بالواسطة أو من الباطن، بمعونة ما لها في البلدان المعنية من مليشيات احتلالية، مثل مليشيا حزب الله والحوثيين. والحال، بقدر ما يحكم الملالي قبضتهم على المشرق وجنوب الجزيرة العربية، وينجحون في كسب أو تحييد مصر، وعزل السودان واختراقه، بقدر ما ستتعاطم فرص انتقالهم، من الحكم بالواسطة، إلى السيطرة المباشرة على البلدان الخاضعة اليوم لكتائبها، المرابطة في لبنان واليمن. ماذا يعني هذا؟ له معان متعددة، منها:

أولاً، ما يجري في سورية والعراق ليس غير مدخل إلى توطيد وجود إيران الاحتلالي في البلدين، وتحويله إلى احتلال شامل برضى حكامهما الذين صار وجودهم ومصيرهم مرتبطاً بطهران التي تعمل لشرعنة هذا الوضع، ولكسب الاعتراف الدولي به. بما أن حسم المعركة في البلدين وعليهما يحولهما، بقدر ما يكتمل، إلى قاعدتين لتدخلٍ أوسع في بلدان عربية أخرى، يجري اليوم استكمال مراحله النهائية، عبر إيصال ميشال عون إلى رئاسة لبنان، بما يرجح أن يترتب عليه من انتقال أوضاعه إلى حقبة مغايرة من نواحٍ عديدة، للحقب التي مر بها منذ استقلاله، بما في ذلك حقبة احتلاله أسدياً. ومثلما قفزت إيران من قاعدتها العراقية إلى منصتها السورية، ستقفز في فترة غير بعيدة من قاعدتها السورية إلى الأردن وفلسطين والخليج، ومن دمشق وبغداد إلى تركيا. عندئذ، ستجد شعوب المنطقة نفسها أمام عمليات اقتلاع وإبادة من النمط الذي جربه الملالي والأسد والروس ضد شعب سورية.

ثانياً، ستتبدل بنية المنطقة إلى الحد الذي يعيدها إلى فترة ما قبل سايكس/ بيكو التي قسمت المشرق العربي إلى دول حول حراك شعوبها بعضها إلى كياناتٍ وطنية، كالعراق وسورية، الدولتان المستهدفتان اليوم بتبدل يطاول بنيتهما السكانية والحكومية والعقائدية، والحجة: إحداث تغيير جذري فيهما يمنع دول الخليج من دعم الثورة السورية، "بؤرة الإرهاب ومنتجته" في لغة الملالي والأسد وبوتين، التي لا بد من كسرها، لأنها تقاتل، عن وعي أو غير وعي، لإحباط خطة اقتسام المشرق إيرانياً وأسدياً، وحماية وحدة دوله ومجتمعاته، وأخذها إلى الحرية والاستقلال، والكرامة والمساواة والعدالة. في فهم إيران، لن يكون هناك بالضرورة سورية مفيدة، لأن إيران ترفض أن تقتصر حصتها عليها، وتضع يدها اليوم على سلطتها، وتقاتل في معظم الأرض السورية، لتشطب وجود صاحبها، أي شعبها، وتقضي على ثورتها.

ثالثاً، ستلد الحرب المتعددة الأطراف على بلادنا، وفيها حروب متعاقبة ستنتشر إلى بلدان الخليج وتركيا، التي أعتقد أنها ستنخرط فيها، لأنها ستوضع أمام خيارين، أحلاهما مر، هما: استباق الحرب، كي لا تدخل إليها، أو اتخاذ موقف دفاعي، هدفه البقاء خارجها، لكن الخيار الثاني لا يضمن أن لا تنتقل الحرب إليها، من خلال اختراقات إيران أو سورية والعراق: قاعدتا طهران اللتان ستتوليان هذه المهمة أيضا.

رابعاً، علينا اليوم، كسوريين، مواجهة خطة التدمير والاحتلال التي تلعب إيران الدور الأكبر

"ما يجري في سورية والعراق ليس غير مدخل إلى توطيد وجود إيران الاحتلالي في البلدين" فيها، وتنفذها بتصميم واستماتة، ولن ننجو من نتاىجها الوخيمة دون إعادة نظر عميقة وعقلانية في رؤيتنا وممارستنا الصراع، محلياً، وضد طهران وموسكو، وفي بنى تنظيماتنا السياسية والعسكرية، لأن هذا شرط نجاحنا في حماية مجتمعنا ودولتنا، ولمنع إدماجها في الكيان الإيراني، وحكمها من الباطن بواسطة نظم مذهبية، أو يعاد إنتاجها مذهبياً، لتخضع مجتمعات أعيدت هيكلتها طائفياً، تأتمر سلطاتها بأمر المرشد، وتنفذ ما يطلبه منها، مثلما يفعل حزب الله في لبنان. تتخطى الصراعات الدائرة اليوم الصراع الداخلي بين النظام والشعب، الذي رسمنا مواقفنا انطلاقا منه، ويتخلق بديل خارج هذه الثنائية، تختلف النتائج التي ستترتب عليه أشد الاختلاف عن الثورة، لن يبقى في حال نجاحه شيء على ما هو عليه اليوم في بلادنا ومنطقتنا، سواء في ما يتصل بمجتمعاتها أم بدولها أم بعقائدها، بحيث نجد أنفسنا حيال انقلابٍ سيطوي، إذا ما نجح، تاريخنا. ومن يتابع ما عاشته الأسابيع القليلة الماضية من أفعال وأقوال، سيضع يده على دلائل تشير إلى أننا ذاهبون، في حال قرّرت إيران مصير التطورات، إلى ما بعد سايكس/ بيكو، وربما إلى ما قبل العرب (!).

========================

أطفال درعا في الحسيمة .. علا عباس

العربي الجديد

السبت 5-11-2016

أمام السلطات المغربية الآن خمسة نماذج تصلح أن تكون دروساً تتعلم منها، وتزاوج بينها، لتعرف كيف تتعامل مع اختبار ال "الطحن مو"، العبارة التي قالها المسؤول الأمني لسائق سيارة القمامة التي قفز إليها، محسن فكري، في محاولة أخيرة لينقذ أسماكه المصادرة.

أصبح للعبارة التي تعني، في اللهجة المغربية، أمراً بتدوير ماكنة طحن النفايات، بعد ساعات من إطلاقها، معنىً مختلف، حيث استخدمها الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، ورفعت على لافتات وذكرت في هتافات، خلال المظاهرات التي اشتعلت في أكثر من عشرين مدينة مغربية، وما زالت امتداداتها مستمرة بعد أيام من مقتل بائع السمك المغربي، وتحاول السلطات احتواءها بكل السبل الممكنة، وقد اعتقلت متهمين بالمشاركة في قتل الشاب المغربي للتحقيق، وتدخل الملك شخصياً في القضية، وأمر بمحاسبة كل من تثبت صلته بالحادثة التي أشعلت الشارع المغربي، بعد ست سنوات على اشتعال لهيب الربيع العربي في عدد من الدول العربية. وأرسل الملك مبعوثين شخصيين عنه للمشاركة في العزاء، وفي التضامن مع عائلة الضحية. وعلى التوازي، أعلن مسؤولون حكوميون كثر، يتقدمهم وزير الداخلية، رفضهم تصرف السلطات المحلية في مدينة الحسيمة مكان وقوع الحادثة، وتشددهم في محاسبة المسؤولين.

تأتي كل هذه التصريحات والتصرفات من السلطات المغربية استفادة من تجارب خمس دول عربية، أفضت أحداث مشابهة فيها إلى سيناريوهات تفوق الخيال، وتتصرّف السلطات المغربية حتى الآن مع الحادثة بهدوء، وتحاول، بشتى السبل، امتصاص موجة الاحتجاجات. تصرفت في الأيام الأولى، كما تصرفت السلطات المصرية في الأيام الأولى لثورة يناير، أي بالحد الأدنى من التدخل، وبإطلاق المزيد من الوعود، وبسحب عناصر الأمن من أماكن الاحتجاج.

ومحسن فكري، الذي يشبّهه كثيرون بمحمد بوعزيزي، بائع الخضار التونسي، الذي أحرق نفسه احتجاجاً على إهانته من السلطات التي أرادت مصادرة بضاعته، وتسبب حرقه نفسه بهذه الطريقة في موجة احتجاجاتٍ، أدت إلى هروب الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي، وامتدت إلى مصر وليبيا واليمن وسورية، ولا تزال النيران التي أشعل نفسه بها مشتعلة في ثلاث دول عربية، ليبيا وسورية واليمن.

ومحسن فكري كذلك هو أطفال درعا الذين تسبب اقتلاع أظافرهم في أحد الأفرع الأمنية بمظاهراتٍ، امتدت من درعا لتشمل كل أنحاء سورية، وتؤدي إلى حربٍ توسعت وتمدّدت وتعدّد المتدخلون فيها، حتى أصبحت صورة مصغرة عن حربٍ عالميةٍ، يدفع ثمنها الشعب السوري يومياً منذ خمس سنوات ونصف السنة. ولأجل ذلك كله، تحاول السلطات المغربية الاستفادة من دروس تونس ومصر، والأكثر تريد تجنب مصير سورية واليمن وليبيا، لا سيما الأخيرة، بسبب القرب الجغرافي، وبسبب التردي الكبير في أوضاعها الداخلية، أمنياً وعسكرياً واقتصادياً.

ويأتي فوز حزب العدالة والتنمية (الفرع المغربي لجماعة الإخوان المسلمين) في الانتخابات الأخيرة، وسعيه إلى تشكيل حكومة مغربية جديدة، عاملاً مهماً في تحييد هذه الجماعة الكبيرة عن الاحتجاجات، حيث تعتبر نفسها معنيةً بالحادثة، كونها تدير حكومة تصريف الأعمال، وكونها تريد الاستقرار، لتتمكن من تشكيل حكومة وإدارة البلاد أربع سنوات مقبلة، وهي صنو الجماعة التي كان لها دور كبير في تأجيج الاحتجاجات في باقي الدول العربية، لا سيما مصر في عام 2011، بينما أعلنت بقية الأحزاب المغربية، مثل حزب النهج الديموقراطي المعارض وجماعة العدل والإحسان المحظورة، تضامنهم مع المحتجين، واستعدادهم للمشاركة في الاحتجاجات، أو تحميل المسؤولية لحزب العدالة والتنمية الذي يقود حكومة تصريف الأعمال، ويستعد لقيادة الحكومة المقبلة، حسب ما أعلنه حزب الأصالة والمعاصرة، المقرب من القصر.

المرجح أن تتمكن السلطات الغربية من احتواء هذه الاحتجاجات، وستتمكن من تخويف مواطنيها من مصير سورية وليبيا واليمن. ولكن، يجدر التذكير بأن مدينة الحسيمة كانت في العشرينيات قلب الثورة ضد الفرنسيين ونقطة انطلاقها، وكذلك كانت المدينة المغربية التي شهدت حركة احتجاجية واسعة في نهاية الخمسينيات، وعادت لتكون مركزاً للمظاهرات في عام 2011 بتأثر من أحداث تونس، ويومها لجأت السلطات لقمع الاحتجاجات بالقوة، مما أدى إلى سقوط قتلى.

حتى لو تمكنت السلطة المغربية من ضبط الشارع المغربي، فإن محسن فكري ضمن لنفسه مكاناً في تاريخ المنطقة إلى جانب بوعزيزي وأطفال درعا.

========================

بشار نال اللقب باستحقاق .. يحيى حاج يحيى

أصبح  في عصرنا أناس متخصصون بالطفل وحاجاته !

فنقول فلان : طبيب أطفال

وآخر: شاعر أطفال

وثالث : مسرحي أطفال

ورابع : مخترع ألعاب أطفال

وخامس ، وسادس ، سابع ! و ... و....

وصار لبشار ذيل الكلب  تخصص انفرد فيه : كقاتل أطفال !؟ فلا يستطيع أحد أن يجاريه في ذلك

فموتهم واحد ، ولكن الخبيث تفنن في طرق قتلهم !؟ أطفال الغازات - أطفال تحت الأنقاض - أطفال محترقون - أطفال بسبب المرض - أطفال نتيجة الجوع - أطفال برد وزمهرير المخيمات - أطفال التهجير والغرق في البحار ...!؟

 فهل نرى قريباً اسمه في موسوعة جينس العالمية كأكبر مجرم ( وهو كذلك) في عدد الأطفال الذين قتلهم !

أسأل الله أن يكون هؤلاء الشهداء الأبرياء خصومه يوم القيامة ، وخصم كل مٓن أيده ، وسار في ركابه ، بدءاً من عمائم النفاق والسوء ، إلى أصغر ساقطة و شبيح 

========================

لماذا لا يتعلم العرب من التاريخ القريب قبل البعيد؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5-11-2016

هل كانت الثورات شعبية فعلاً، أم إن ضباع العالم استغلوا مظالم الشعوب ودفعوها للثورة، لكن ليس لإسقاط الطغاة وتحقيق أحلام الشعوب في الحرية والكرامة، بل لتحقيق مشاريع القوى الكبرى في بلادنا من تدمير وتخريب وتهجير وإعادة رسم الخرائط، كما فعل المستعمر الغربي بنا قبل حوالي مائة عام عندما حرضنا على ما يسمى بالثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، ووعدنا بالحرية والاستقلال، ثم تبين لنا لاحقاً أنه استخدم العرب كأدوات للتخلص من العثمانيين كي يحل محلهم في استعمار المنطقة وإعادة تقسيمها واستغلالها؟

ليس هناك شك بأن معظم بلادنا العربية تحتاج إلى ألف ثورة وثورة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ولا شك أن من حق الشعوب أن تطالب بحقوقها وبتحسين أوضاعها والتخلص من طغاتها. هذه بديهيات لا نجادل فيها أبداً، لكن السؤال الذي يجب أن نسأله الآن بعد أن بدأت تتضح نتائج ما أسماه الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالربيع العربي: هل كان هذا الربيع يهدف فعلاً إلى مساعدة الشعوب للتخلص من الظلم والطغيان وبناء دولة الحداثة والديمقراطية والمدنية التي ضحكوا علينا، وأغروا الشعوب بها؟ الأمور دائماً بخواتيمها. والخواتيم أمامنا صادمة جداً، لا بل تفضح مخططات ومشاريع كل الجهات التي حرضت الشعوب على الثورات.

شتان بين أجندات الشعوب وقياداتها وطلائعها الثورية، وبين القوى الخارجية التي دخلت على خط الثورات، أو حرضت على اندلاعها. لا شك أن الذين ثاروا في سوريا ومصر وتونس وليبيا واليمن والعراق كانوا فعلاً يريدون أن يطالبوا بأبسط حقوقهم الإنسانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يكونوا يطمحون إلى أكثر من قليل من أوكسجين الحرية ولقمة عيش نظيفة غير مغمسة بالذل والخنوع. لكن حتى هذه المطالب البسيطة والصغيرة التي شجعها ضباع العالم كانت لو تحققت يمكن أن تقض مضاجع هؤلاء الضباع الذين تخيفهم أي صرخة ألم تطلقها الشعوب المقهورة، فهم يعرفون تمام المعرفة أنه ما أن تبدأ الشعوب تتحرر شيئاً فشيئاً، فلا شك أنها ستبدأ بمراقبة ثرواتها الوطنية، وستبدأ بالمطالبة بتوزيع الثروة ومساءلة كل من يتلاعب بمصائر الأوطان لإرضاء أسياده ومشغليه في الخارج. لهذا، لم تكن القوى الخارجية التي بدت وكأنها مناصرة للثورات في البداية تريد بأي حال من الأحوال نجاح أي ثورة، بل كانت تدفع الشعوب إلى المحارق لأغراضها الخاصة، وليس أبداً من أجل انتشال الشعوب من براثن الاستبداد والطغيان. إن التشجيع الدولي للثورات في بداية الأمر كان الهدف منه ضبط حركة الثورات بما يتناسب مع مصالح وحوش العالم بالدرجة الأولى. وهل هناك طريقة لإعادة الشعوب إلى زريبة الطاعة أفضل من الظهور بمظهر الصديق لثورات الشعوب؟ بالطبع لا.

هنا بدأ يظهر من سموا أنفسهم بأصدقاء الشعب السوري مثلاً. وعندما تسمع مثل هذا الاسم، لا شك أنك تستبشر خيراً، وتأخذ الانطباع أن هناك قوى حية في العالم تقف إلى جانب القضايا العادلة، وتناصر مطالب الشعوب المسحوقة. لكن هيهات، فالوحوش لا يمكن أبداً أن تكون رحيمة، بل عاشت وما زالت تعيش على اللحوم والدماء، وبالتالي لا يمكن أن يأتي منها سوى البلاء والخراب.

انظروا الآن إلى تلك القوى الشريرة التي ظهرت بمظهر المناصر للربيع العربي. ماذا قدمت للشعوب الثائرة؟ هل فعلاً ساندتها للتخلص من الطغاة والظالمين فعلاً، أم إنها كانت إما تريد أن تقضي على بعض الحكام كي تستولي على ثروات بلادهم كما هو الحال في ليبيا، أو أنها تريد أن تقضي عبى بعض البلدان والأوطان، وتترك الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب كمغناطيس لجذب كل الجماعات التي يمكن أن تساهم في تخريب البلدان وتدميرها، كما هو الحال في سوريا.

بعبارة أخرى، لم يكن الهدف أبداً مساعدة الشعوب وتخليصها من الطواغيت أبداً، بل لا نبالغ إذا قلنا إن ما يسمى بالربيع العربي الذي ضحك به علينا الرئيس الأمريكي المنصرف أوباما لم يكن سوى محاولة لإسقاط الأوطان لا الأنظمة، بدليل أن الذي سقط في سوريا فعلاً هو سوريا الوطن، والذي تشرد هو سوريا الشعب، بينما ما زال النظام جاثماً على صدور السوريين، ليس لأن ضباع العالم يحبونه، بل لأنهم يستخدمونه كأداة تدمير وتخريب.

ويجب ألا ننسى مشروع الفوضى الخلاقة أو بالأحرى الهلاكة الأمريكية الذي بشرتنا به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، والتي كانت تهدف أمريكا من خلاله إلى نشر الفوضى بهدف إعادة رسم الخرائط وإعادة توزيع المصالح وتدويرها. وقد وجدت أمريكا في بعض الطواغيت الطريقة الأمثل لتنفيذ الفوضى. باختصار، لقد أرادتها الشعوب ثورات لإسقاط الطغاة والطغيان، بينما أرادتها القوى الخارجية معولاً لإسقاط الأوطان.

شتان بين الثوار والداعمين، فبينما يسعى الثوار للتغيير والإصلاح فعلاً، فإن الداعمين للثورات ليسوا دائماً فاعلي خير، بل ربما في كثير من الأحيان يستخدمون مظالم الشعوب لتحقيق غاياتهم قبل غايات الشعوب الثائرة. وهذا ما حصل على ما يبدو حتى الآن للأسف.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com