العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-09-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حرب الغاز ترسم خرائط الشرق الأوسط.. دول ترعى الطوائف

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 10/9/2020

لم تنجح الثورات العربية في تحقيق الذهاب إلى دولة المواطنة المدنية. عدم نجاحها يعود لأسباب موضعية وسياسية واستراتيجية في لعبة حسابات ومصالح الدول. اجتماع مصالح التدمير في لعبة التوزيع السياسي والثرواتي الجديد، أسس إلى مزيد من الانقسامات الاجتماعية والسياسية، التي أدت إلى انهيار الدول وتحلل مؤسساتها، ولجوء الناس إلى محميات طائفية ومذهبية وعرقية. فلم يعد الانتماء إلى وطن تحكمه دولة، بل إلى طائفة تحكمها جماعة على بقعة جغرافية معينة، لها امتداداتها باتجاهات متعددة. وبالتالي العودة إلى صيغة ما قبل نشوء الدول القومية أو الوطنية.

عندما نشأت دول عديدة في المنطقة جمعت مكوناتها على أساس المواطنة، كما حصل في سوريا بعد ما قبل الاستقلال وبعده وكذلك العراق، كان لبنان مثالاً لا يزال قابعاً في لعبة الطوائف وتركيبتها للدولة التي لم تنجح في أن تكون دولة جامعة ومركزية يستشعر فيها اللبنانيون بمواطنيتهم.

مشاريع كثيرة تشكلت في سبيل تطوير لبنان إلى صيغة دولة المواطنة ولم تنجح فتفجرت حروب، متوالية أبقت التقسيم الطائفي والمذهبي مكرساً

مندرجات هذا الصراع، تعيد قواعد اللعبة إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، تحديداً إلى فترة العام 1860 والتي يعرفها اللبنانيون جيداً، في كيفية التداخل والتدخل الدولي مع كل فئة وطرف أو طائفة. ما يجري حالياً والذي يعيد الأحداث إلى ما قبل لبنان الكبير، وضمن سياق دولي وإقليمي أيضاً ستنعكس تداعياته ونتائجه على مختلف دول المنطقة. حتى اللبنانيين الذين خرجوا في ثورة 17 تشرين يناشدون بالدولة المدنية ودولة المواطنة، تراجعوا وغابوا عن المشهد، ليسيطر على الشعار قوى سياسية معروفة بمواقفها المذهبية والطائفية والتي تكرس شرعية وجودها بإثارة العصبيات، كحزب الله والتيار الوطني الحرّ، فتحول شعار الدولة المدنية إلى مدخل للسيطرة على الثورة الشعبية ومصادرة توجهاتها وصرف مخزونها في حسابات سياسية. مع ما يؤسس إلى عودة لصيغة المتصرفية.

صيغة المتصرفية في تقسيم حكم جبل لبنان إلى قائم مقاميتين جنوبية للدروز وشمالية للموارنة، كانت سبّاقة جداً بالمقارنة مع ما حصل في البوسنة والهرسك وما تكرس فيهما من صيغة مشابهة، بتشكيل مجالس حكمية مستقلة وتشاركية في آن معاً بين الأرثوذكس والمسلمين والكاثوليك. وليس تفصيلاً أن الصراع الدولي الدائر حالياً والذي ينعكس في منطقة الشرق الأوسط، أنتج إعلاناً صربياً ومن جمهورية كوسوفو أيضاً بالاستعداد لنقل سفارتيهما إلى القدس. فيما كل الضغوط الدولية التي تشهدها المنطقة، وتحديداً بعد التطبيع الخليجي الإسرائيلي، لن يتبقى إلا لبنان وسوريا لا بد من جرّهما إلى التطبيع مع إسرائيل. مع ما سيؤسس ذلك إلى مزيد من الانقسامات والتشظيات المجتمعية.

هذا غالباً أحد نتاجات العودة إلى ما قبل لبنان الكبير، حيث كان لكل طائفة مرجعية دولية. الأرثوذكس لدى روسيا بمشاريعها التي تحميهم وتوفر لهم مقومات البقاء والصمود والاستمرار. الدروز تبعوا بريطانيا، والمسيحيون الموارنة والوا فرنسا. ما بعد ولادة لبنان الكبير والاستقلال الذي فازت فيه المارونية السياسية، شعرت القوى الطائفية الأخرى بالإحباط الكبير.

اليوم في ظل هذا الصراع المتوسع تجد كل طائفة نفسها بحاجة إلى رعاية إقليمية دولية، فالكاثوليك يناشدون الفاتيكان لحمايتهم والحفاظ على مكتسباتهم ودورهم، والأرثوذكس يعودون إلى روسيا، الموارنة يكونون من حصة فرنسا. بينما السنة يضيعون حالياً بين مشارب مختلفة، بعضهم يتحالف مع تركيا وقطر، والبعض الآخر مع السعودية والإمارات ومصر، وكل أهدافهم تصب في توفير المديد من سنوات التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية. فيما الشيعة والذين لديهم تحالف إقليمي مع إيران، هم بحاجة إلى طرف دولي يوفر لهم الحماية والاستمرار والحفاظ على المكتسبات، فلذلك أمامهم خياران إما فرنسا والتي مدّت لهم يد العون، وإما أميركا ومن خلفها إسرائيل.

ما سيعطي المزيد من الدفع لتأجيج الصراع، هي الحرب على ممرات الغاز في البحر الأبيض المتوسط، والتي تعكس تغيرات هائلة في التوجهات السياسية، كحال اليونان وقبرص وتقاربهما مع فرنسا وأميركا، فيما كانوا ينضوون سابقاً تحت لواء الاتحاد السوفييتي، ولديهم علاقات مع العرب والقضية الفلسطينية، أصبحوا اليوم أقرب المقربين إلى إسرائيل ويتحالفون معها في البحر المتوسط واتفاقات ترسيم الخطوط البحرية. ومن الواضح أن العلاقة الفرنسية مع قبرص واليونان ستتعمق استراتيجياً أكثر فأكثر، باتفاقيات عسكرية ودفاعية. في مواجهة تركيا.

في المقابل، تحتفظ تركيا بعلاقات استراتيجية مع كل من أميركا وروسيا، على الرغم من وجود خلافات كبرى استراتيجية أيضاً. ولكن في ظل هذه التحولات الكبرى، فإن روسيا وتركيا ستكونان أمام مفترق طرق استراتيجي، خاصة في موضوع الغاز واكتشافه في البحر الأسود، والكثير من العروض القطرية والأميركية وتوفر الغاز بكميات كبيرة، مع خطوط الأنابيب من أذربيجان بشكل مباشر إلى الأراضي التركية أهم وأفضل بكثير من الغاز الروسي. وهذا يعني أن تركيا لن تعود بحاجة إلى الغاز الروسي، كما لن تكون بحاجة إلى الغاز اللبناني.

سينعكس ذلك على المواقف الروسية، وستضطر موسكو لتقديم تنازلات كثيرة في ظل هذه المتغيرات، التي تدفع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لزيارة سوريا ولبنان، مواقف موسكو ستصب استراتيجياً في خانة المواقف الفرنسية في المنطقة، والتي تحصل تحت نظر الأميركيين وبإشرافهم وتوجيهاتهم، الأمر الذي سيؤسس لمرونة عالية جداً لدى كل الأطراف، وتقديم تنازلات هائلة من قبل الإيرانيين وحزب الله، خصوصاً بعد خسارة سوريا استراتيجياً وفقدان المدى الاستراتيجي العميق هناك، وهذا سينسحب على لبنان أيضاً وفي موضوع الحدود الجنوبية والوضع الإسرائيلي.

=========================

موقفنا : سر الزيارة الروسية المفاجئة إلى دمشق .. الأفعوان الروسي بعد الوجبة الدسمة على البر .. يتطلع إلى ثروات البحر

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

9/9/2020

تمر بعد أيام الذكرى السنوية الخامسة "للاحتلال الروسي" لوطننا سورية . وهكذا يجب أن نسميه " الاحتلال الروسي " لقد ألححتُ دائما أن يكون لنا نحن السوريين الأحرار ، آلية ثورية لتحديد المصطلحات وتجديد التسميات، فتحديد المصطلحات ، والأسماء للمسميات ؛ أمر شديد الأهمية والحساسية بالغ الدلالة ..لقد كنا منذ البداية وما زلنا ، بحاجة إلى آلية لتحديد المصطلحات وتجديد الأسماء للمسميات ، على المستويين الديني والمدني على السواء . وشخصيا أعتقد أن لكل عصر لغة كما أعتقد أن لكل عصر ومجتمع ثياب . وهذه قضية مهمة ربما أعود إليها فيما بعد ..

إذن الوجود الروسي والوجود الإيراني في سورية هو احتلال وشكل من أشكال الاستعمار الحديث ، ولا يعفيه من هذا الوصف أنه تم بطلب من خائن عميل قد قفز على السلطة فاغتصبها ، واستعبد من سورية كل شيء فيها .. بعد ثمانية سنوات يعود لافروف إلى دمشق بمهمة صعبة ، وربما لأهمية المهمة يرسل معه رئيسه بوتين نائب رئيس الوزراء " يوري بوريسوف" لاستكمال وتأكيد البلاغ الذي جاؤوا من أجله ..

سنكون اليوم أكثر تحديدا في حديثنا عن الزيارة موضع التعليق ، وسنضع الواقع السوري الداخلي في إطاره الإقليمي يربط بدقة بين ما قيل وبين ما يجري ..

يوري بوريسوف وسيرغي لافروف أعلنا في مؤتمر صحفي مشترك بعد لقائين محدودين زمنيا مع الأسد والمعلم أن خمس سنوات في سورية ، قد طويت بنصر تحقق بمساعدة الروس . وأن المرحلة القادمة مرحلة سياسية يجب أن تساس بأخلاق المنتصرين ، وتسمح بإعادة اللاجئين ، لم يسأل أحد من الصحفيين عن المائة دولار عائق العودة ، وأن من أهم أوليات المرحلة إعادة الإعمار ، والتصدي للعقوبات الأمريكية ؛ وهذه كلها عروض وعود ومغريات روسية . ويستأنف الرجلان : المرحلة الانتقالية- التي كانت نصا في 2254 ، أصبحت من الماضي ، وكل المطلوب تعديلات دستورية فقط ، ويا دار ما دخلك شر ، ويعود كل شيء إلى ما كان عليه ، ويؤكد الدبلوماسيان الروسيان ،ولعل هاهنا بيت القصيد، أن الأمور في مناطق خفض التصعيد تسير بشكل إيجابي ، وإن الجانب التركي ينفذ ما تعهد به ، وإن ببطء ، وأن الهدوء يجب أن يستمر ..ويحشر نفسه وليد المعلم ليقول كل دستور يجب أن يمر على استفتاء شعبي ، والانتخابات الرئاسية القادمة في موعدها ، وعلى أي دستور لايهم ، ويمررها له الدبلوماسيان لأنهما فعلا لا يهتمان ...

وترفع رأسك وسط هذا الضجيج الكلامي، فتجد الصراع على المتوسط النفط والغاز ، محتدما ليبية ومصر والكيان الصهيوني واليونان وقبرص وتركية والرئيس الفرنسي الذي زج نفسه طرفا في الصراع يؤزه ... ليستثمر فيه بغباء إيديولوجي يشبه غباء رسامي شارلي ايبدو ، بينما تجد الرئيس الروسي قاتل السوريين ومدمر ديارهم ، يلعبها بخبث - ففي مثل هذا الموطن لا نقول بذكاء ، ويقدم نفسه وسيطا بين المتنازعين ، ولكي يكون وسيطا يجب أن يكسب ثقة الأطراف ، ولكي يكسب ثقة الأتراك المسلمين فيقبلوا به وسيطا بينهم وبين اليونان الأرثوذكس ، يجب أن يلينوا للأتراك الكلام ، وأن يثنوا على دورهم في امتصاص المنظمات الإرهابية ، وأن يفركوا أذن بشار الأسد لكي لا يلعب بذيله في إدلب .. ومن هنا جاءت الزيارة ، وجاء الإعلان أن صفحة الخمس سنوات الماضية قد طويت ... وأن على الجميع أن يستعدوا للخمس القادمات .. خمس الغاز والنفط واستيلاء الروس على المتوسط . يحكون عن الأفاعي الضخمة أنها بعد أن تبتلع الفريسة الضخمة تمكث زمنا حتى تهضمها ..

للوساطة الروسية بين تركية واليونان وجاهتها ، ومكانتها وفرصها أيضا . وبالفعل فإن الدولة التركية في أمس الحاجة إليها ، بعد التحريض الفرنسي وخذلان دول الناتو المستدام ..

وروسية ستلعب الدور في المنطقة مربعا أو ربما مكعبا فهي وسيط ، وهي وصية على الحصة السورية في المياه الإقليمية السورية ، حاضرة في ليبية ، صاحبة موانة على مصر ، وكثير من رجال مافياتها مسيطرون في الكيان الصهيوني ..!! وتعجبون !!

ربما لأول مرة في التاريخ الدبلوماسي يصبح البحر المتوسط بحيرة روسية وكل ذلك بفضل غباء قادة الناتو أجمعين ..

وأعود إلى ما ستسألوني عنه : وماذا عنا ؟ ماذا عن ثورتنا ؟ ماذا عن غدنا ؟ ماذا عن وطننا الإنسان والسلطة والثروة ..

أسئلة كلها مشروعة ، ويجب أن تطرح ، ومن حقنا أن نأمل وأن نرجو ومن حقنا أيضا أن نتخوف ونقلق .... ليس على النفط والغاز فقط وإنما على أشياء كثيرة أخرى منها آمال الشهداء وتضحيات المضحين ..

ورحم الله من قال :

ما حكّ جلدك مثلُ ظفرك .. فتول أنت جميع أمرك

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=================================

مفاوضات جنيف تاريخ من الفشل

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 9/9/2020

تصاعدت الحرب على الأرض السورية وحدث الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية في آب/أغسطس 2013 وكان فرصة لحوار جدي بين الولايات المتحدة من طرف وروسيا من طرف آخر من أجل إجبار النظام السوري على التخلي عن ترسانته العسكرية مقابل وقف الضربة العسكرية التي هدد الرئيس الأميركي السابق أوباما بتنفيذها في حال انتهاك النظام السوري الخط الأحمر واستخدم السلاح الكيماوي ضد المدنيين، عندها جرى التوصل لاتفاق ضمن في قرار مجلس الأمن 2118 الذي صدر في  27 أيلول/سبتمبر 2013 وتمت الموافقة عليه بالإجماع ونص للمرة ألأولى في مادته ألأخيرة "يدعو إلى القيام، في أبكر وقت ممكن، بعقد مؤتمر دولي بشأن سوريا من أجل تنفيذ بيان جنيف، ويهيب بجميع الأطراف السورية إلى المشاركة بجدية وعلى نحو بناء في مؤتمر جنيف بشأن سوريا، ويشدد على ضرورة أن تمثل هذه الأطراف شعب سوريا تمثيلا كاملا وأن تلتزم بتنفيذ بيان جنيف وبتحقيق الاستقرار والمصالحة".

لم يجد هذا القرار ومادته الأخيرة طريقها للتنفيذ حيث جرى التركيز فقط على تطبيق الآلية الخاصة بنزع الأسلحة الكيماوية، وهو ما وجد فرصة للنظام من أجل التنصل من أية التزامات سياسية وفق القرار، بعد أن تبين للمبعوث الأممي أنه لا تدخل عسكري أميركي في 2013 وجد الفرصة سانحة للدعوة إلى اجتماع للمفاوضات السياسية بين طرفي النظام والمعارضة في جنيف 2 في فبراير/شباط 2014 وانتهت بعد خمسة أيام فقط بإعلان المبعوث الأممي بأن المفاوضات انتهت إلى "طريق مسدود" بسبب الخلافات بين الطرفين.

روسيا كانت تهدف من محادثات أستانا التغطية على جرائمها في سوريا والإيحاء بأنها جادة في التوصل لحل سياسي في سوريا، عبر السيطرة على مخرجات المحادثات في أستانا وفقا لمعاييرها.

كانت سنوات 2014 و2015 الأقسى في تاريخ الحرب السورية حيث شعر النظام السوري أنه بمأمن من أية ضربة عسكرية من قبل الولايات المتحدة فصاعد من استخدام البراميل المتفجرة ضد مناطق المعارضة التي استطاعت أن تسيطر على الكثير من الأراضي والمدن السورية بما فيها الغوطتان الشرقية والغربية اللتان لا تبعدان سوى كيلومترات قليلة عن العاصمة السورية دمشق.

مع مجيء السيد دي ميتسورا كمبعوث جديد فشل في تحقيق وقف إطلاق نار شامل في الأرض السورية فلم يجد بداً من الدعوة إلى جلسة جديدة من المفاوضات في فبراير/شباط 2016 رغم أنه مدرك للفجوة الهائلة بين الطرفين، لأنه اعتقد أن روسيا التي بدأت تدخلها العسكري الكامل في سبتمبر 2015 ربما تحتاج إلى هذه المفاوضات من أجل البحث عن مخرج سياسي لها بعد فشل المبادرة الأميركية القائمة على ما يسمى مجموعة دعم سورية الدولية   (ISSG) International Syria Support Group  التي أفلحت فقط في إصدار القرار الأممي 2254 بتاريخ 18 كانون الأول / ديسمبر 2015 الذي يعد خريطة الحل السياسي في سوريا والذي نص على القيام "بعملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة وتقيم، في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكما ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولا زمنيا وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة تجرى، عملا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرا تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر".

طبعا لم يتحقق شيء من ذلك ليس في غضون 18 شهرا وإنما بعد مرور خمس سنوات من صدور القرار، فعقدت الجولة الثالثة من المفاوضات في يناير/كانون الثاني 2016 وتمحور الخلاف بين وفدي المعارضة والنظام في تفسير القرار 2254، في ظل هذه الفجوة الهائلة لم يجد المبعوث الأممي دي ميتسورا جدوى من عقد جولة جديدة من المفاوضات حتى قرر عقد الجولة الرابعة في فبراير/شباط  2017 ولم تختلف عن سابقاتها.

لكن الجديد كان التغييرات الدراماتيكية على الأرض حيث تمكن النظام السوري بمساعدة كاملة من روسيا من الجو ومن إيران على الأرض في السيطرة على الكثير من الأراضي التي كانت تحت سيطرة المعارضة السورية خاصة في حلب والغوطة الشرقية ودرعا، كما جاءت الجولة الرابعة عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في سوريا أواخر ديسمبر/كانون الأول 2017، وجولتين من المفاوضات بين النظام والمعارضة المسلحة في أستانا بكزاخستان برعاية روسية التي أظهرت أملا في إنجاز أو تحقيق تقدم ما على الصعيد السياسي بعد تحقيق عدد من التفاهمات العسكرية.

لكن روسيا كانت تهدف من محادثات أستانا التغطية على جرائمها في سوريا والإيحاء بأنها جادة في التوصل لحل سياسي في سوريا، عبر السيطرة على مخرجات المحادثات في أستانا وفقا لمعاييرها، وهو ما وضع محادثات جنيف في مأزق حقيقي حيث عقدت أربع جولات في عام 2017 كلها انتهت إلى فشل مطلق وذريع بعدم التوصل ليس إلى اتفاق وإنما أبسط من ذلك مبادئ عامة للاتفاق.

عقدت الجولة التاسعة من المحادثات السورية في يناير/كانون الثاني 2018 وكانت الجلسة الأخيرة التي ركزت في إطارها العام على قرار مجلس الأمن 2254 حيث عقد مؤتمر سوتشي في روسيا في يناير/كانون الثاني 2018 برعاية الرئيس الروسي بوتين الذي أعلن في نهاية الاجتماع الحاجة للتركيز على تشكيل اللجنة الدستورية كأولوية للحل السياسي.

قرر المبعوث الدولي دي ميستورا الاستقالة في منتصف عام 2018 بدون أن يحرز أي تقدم على مستوى تطبيق القرار 2254 حتى جرى تعيين المبعوث الأممي الجديد بيدرسون الذي اعتبر أن اللجنة الدستورية هي الفكرة الوحيدة التي تحظى بالدعم من الأطراف الدولية رغم قناعة المعارضة السورية أن ذلك يعد خروجا عن قرار مجلس الأمن الذي ينص على تشكيل حكومة انتقالية وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة، وهو ما دفع إلى انشقاقات كبيرة داخل المعارضة السورية التي رفضت في مجملها انحراف مسار المفاوضات في جنيف واقتصر تمثيلها على مجموعة أفراد يطلقون على أنفسهم وصف "أعضاء اللجنة الدستورية الممثلين للمعارضة".

بعد مرور تسع سنوات من بدء مفاوضات جنيف وأكثر من 12 جلسة الحصيلة كانت صفر، المعارضة السورية تعرف ذلك والمجتمع الدولي بما فيها الولايات المتحدة تعرف ذلك، والأهم أن النظام السوري كان سعيدا دوما بهذه الحصيلة الصفرية.

 واحتاج الأمر أكثر من عامين كي تولد هذه اللجنة الدستورية التي لا تحظى بأي دعم سياسي من قبل المعارضة السورية أو الشعب السوري وعقدت أول اجتماعاتها في أكتوبر 2019 وشارك النظام السوري بوفد اعتاد على تبديد الاجتماعات بإثارة تفاصيل جانبية دون أي قرار سياسي بإنجاح نتائج هذه الاجتماعات، وعقدت الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة الدستورية في نوفمبر 2019 والثالثة في آب/أغسطس 2020 دون إحراز أي تقدم يمكن الإشارة إليه.

باختصار بعد مرور تسع سنوات من بدء مفاوضات جنيف وأكثر من 12 جلسة الحصيلة كانت صفر، المعارضة السورية تعرف ذلك والمجتمع الدولي بما فيها الولايات المتحدة تعرف ذلك، والأهم أن النظام السوري كان سعيدا دوما بهذه الحصيلة الصفرية.

=========================

حرائق اللاذقية..هدية الأسد للوفد الروسي؟

عقيل حسين

المدن

الثلاثاء 8/9/2020

"بعد كل زيارة يقوم بها بوريسوف إلى دمشق نكون بانتظار تخلي النظام عن جزء من الوطن لصالح روسيا". هكذا علق أحد السوريين على وصول نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف إلى دمشق مساء الأحد، مستقباً الوفد السياسي والعسكري والاقتصادي الروسي الذي حط في مطار العاصمة السورية صباح الاثنين، بقيادة وزير الخارجية سيرغي لافروف.

ورغم الأبعاد السياسية الواضحة لزيارة هذا الوفد الكبير، إلا أن الجانب الاقتصادي يحضر بقوة، سواء من حيث تركيبة الوفد، حيث يتواجد فيه مسؤولون اقتصاديون كبار، على رأسهم بوريسوف بطبيعة الحال، الذي يعتبر مساعد رئيس الحكومة الروسية لشؤون الاقتصاد، أو من حيث الملفات المجدولة على برنامج عمل الوفد، والتي تم الكشف عنها من خلال تصريحات الجانبين الروسي والسوري.

وبحسب وكالة أنباء النظام الرسمية "سانا"، فإن الوفد الروسي سيجري مباحثات اقتصادية مع المسؤولين في دمشق "بهدف استكمال مباحثات اللجنة السورية-الروسية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين".

الحضور القوي للملف الاقتصادي في هذه الزيارة عادت وأكدت عليه صحيفة "الوطن" التي تصدر في دمشق، التي قالت "إن الزيارة تأخذ طابعاً اقتصادياً وسياسياً، إذ ترفض موسكو العقوبات المفروضة على سوريا، وتعمل على إلغائها أو التخفيف منها، من خلال مساعدات واتفاقيات توقعها مع الجانب السوري".

وكانت اللجنة الروسية-السورية المشتركة قد عقدت اجتماعها السابق، وهو الثاني عشر لها، في موسكو نهاية العام الماضي، برئاسة كل من وليد المعلم وبوريسوف ذاته. ورغم أنها رفعت  الشعارات نفسها ، "التخفيف من العقوبات الاقتصادية وتقديم المساعدات للشعب السوري" إلا أن أياً من ذلك لم يحصل، فاستمر تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا، وواصلت الليرة انخفاضها، ما أدى لارتفاع مستويات التضخم ومعدلات الفقر والبطالة وغير ذلك من مظاهر الانهيار المتواصل في الاقتصاد السوري.

وقبل الاجتماع الأخير لهذه اللجنة في كانون الأول/ديسمبر 2019، كان يوري بوريسوف قد زار دمشق والتقى برئيس النظام بشار الأسد، حيث ناقش الاثنان "بعض المواضيع المهمة، وعلى رأسها الملفات المتعلقة بتحقيق المشاريع الكبرى التي ستستخدم في إعادة بناء الاقتصاد السوري، بما فيها مشاريع إعادة البنى التحتية للمطارات السورية والسكك الحديدية والطرق العامة" حسب تصريح أدلى به بوريسوف عقب ذلك اللقاء.

وبالطبع لم يشاهد السوريون أياً من هذه المشاريع التي أعلن عنها المسؤول الروسي، لكن الشيء الوحيد الذي تمت ترجمته عملياً من كل نقاشات اللجنة المشتركة هو تنازل النظام لاحقاً عن مساحات إضافية للروس، من أجل توسيع قاعدة حميميم في ريف اللاذقية.

ورغم أن الكشف عن هذا التنازل جرى في شهر آب/اغسطس الماضي، إلا أن كل المعطيات تؤكد أن الإعلان عنه جاء تتويجاً لخطوات عديدة سبقت وضعه حيز التنفيذ.

ففي 21 تموز/يوليو، تم التوقيع رسمياً بين الجانبين على اتفاق تنازل حكومة النظام عن ثمانية هكتارات من الأراضي ومساحات غير محددة من المياه في البحر المتوسط لصالح روسيا "من أجل توسيع قاعدة حميميم العسكرية".

لكن هذا الاتفاق لم يكن سوى الإجراء العملي للمرسوم الصادر عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نهاية أيار/مايو الماضي، وفيه فوّض وزارتي الدفاع والخارجية بإجراء مفاوضات مع الحكومة السورية، بغية تسليم العسكريين الروس منشآت ومناطق بحرية إضافية في سوريا.

وحسب المعطيات، فإن هذا المرسوم لم يأتِ إلا بعد إنجاز موسكو دراسة معمقة للموقع الجغرافي والمساحة المطلوبة لتنفيذ هذه "التوسعة" المعلنة للقاعدة العسكرية، بعد أن كان الاتفاق على منح الروس ما يريدونه على هذا الصعيد قد جرى خلال الاجتماع الثاني عشر للجنة الروسية-السورية المشتركة، في الشهر الأخير من العام الماضي.

هذه هي النتيجة الوحيدة إذاً التي خرج بها السوريون من اجتماعات تلك اللجنة، التي يفترض أنها شكلت لتحقيق انجازات اقتصادية وتنموية تنعكس ايجاباً على واقع المواطن السوري في مناطق سيطرة النظام. ولذا فإن الكثيرين من حاضنة النظام الشعبية، بمن فيهم العلويون في الساحل السوري، لا يبدون أي اهتمام بزيارة الوفد الروسي، بينما يتخوف من يهتم منهم بهذه الزيارة من أن تكون مقدمة لتنازل جديد يقدمه النظام لحليفته روسيا.

وما يجعل هذه الخشية أكثر واقعية، هو اندلاع الحرائق في غابات سوريا الساحلية، منذ خمسة أيام، وهي مناطق يسكنها العلويون، وسط اتهامات للنظام وروسيا بعدم التحرك الجدي لاحتواء الكارثة، ما جعل الكثيرين يتكهنون بأن الحريق مُفتعل، وأنه يأتي لخدمة مصالح موسكو في هذه المنطقة، وأن النتيجة القادمة لاجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة هو تنازل حكومة النظام عن المساحات التي التهمها الحريق الأخير لصالح روسيا.

والواقع أن هذه النظرية لا تبدو واردة فحسب، بل وعليها من القرائن ما يجعلها ممكنة جداً، وأهم هذه القرائن بالطبع أن الحرائق طالت غابات في مناطق محيطة وقريبة من قاعدة "حميميم" العسكرية الروسية في ريف اللاذقية الشمالي، وهي منطقة اصطياف وسياحة محلية سورية بامتياز، تتسم بطبيعتها الخلابة ومناخها المعتدل، وكانت وجهة رئيسية للسوريين من مختلف أنحاء البلاد خلال فترات الصيف، ما قبل أعوام الحرب، بالإضافة إلى السياح العرب والخليجيين تحديداً.

وما لا يمكن تجاوزه هنا هو الاهتمام الروسي الشديد بالاستثمار في قطاع السياحة والاصطياف، الذي لطالما عبر عنه المسؤولون ورجال الأعمال الروس منذ تدخّل بلادهم العسكري في سوريا عام 2015، حيث اعتُبر الاستحواذ على هذا القطاع إحدى المكافآت المهمة التي تنتظر شركات الاستثمار الروسية مع انتهاء الحرب (المفترض) في سوريا بفضل هذا التدخل.

وعليه، لا يستبعد السوريون بمختلف توجهاتهم السياسية، وبمن فيهم مؤيدو النظام، أن يكون الحريق الذي اندلع في الغابات الساحلية وفي منطقة مصياف (حماة) وجبال حمص تمهيداً لدخول شركات السياحة الروسية إلى هذه المناطق، خاصة وأن القوات الروسية المتمركزة هناك لم تتحرك لمساعدة الدفاع المدني السوري في السيطرة على الحريق، بينما كانت موسكو قد عرضت خدماتها على اسرائيل خلال حرائق الغابات التي وقعت في الأراضي المحتلة عام 2016، وأن كل ما حدث هو النتيجة المسبقة للاجتماع المنتظر لهذه اللجنة.

=========================

هل ينجح الأسد في تثبيت سلطته؟

عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 8/9/2020

حملت الأشهر المنصرمة خلافاً حاداً بين عائلات السلطة في سورية، آل الأسد ومخلوف والأخرس، حيث بدا رامي مخلوف مصمماً على البقاء في السلطة الاقتصادية، بينما السلطة مصرّة على حرمانه الكامل من ثرواتها. انشغلت سورية كلّها بذلك، وتناول النقاش أن رامي مدعومٌ من روسيا، وإلّا لما كان قادراً على تلك المواجهة. ألغت الحكومة السورية أغلبية عقوده معها، والتي تعود إلى عام 2000 بشكل خاص، وأعطيت بعض تلك العقود إلى شخصياتٍ جديدة، التحقت بالنظام، وهناك من ربط بينها وبين نفوذٍ صاعد لأسماء الأسد. في خلفية المشهد، ظلَّ اسم ماهر الأسد مثار حواراتٍ وتقديرات، لم تتبيّن بدقة قوة الرجل ونفوذه وإمكاناته؛ علماً أنه الرجل الأقوى في السلطة، وتحسب له حساباً، كل من روسيا وإيران وأميركا؛ في الخلاف الأخير، طاولته التكهنات، فهو يمسك العصا في المنتصف، ولا يريد التفريط بأيّ من عائلات السلطة، كي لا يَفرِط عقدها الذهبي، ويذهب المجد وكل شيء. وفي هذا نقول إن غياب الإعلام الدقيق هو ما يسمح بالتقديرات الخاطئة، ولكنها الحياة في الدولة المستبدة بامتياز.

أخبرتنا الأيام الأخيرة أن إيهاب مخلوف، وهو أخو رامي، نال بعض عقود الاستثمار، ولا سيما في الأسواق الحرة، وأن الرئيس بشار زار اللاذقية لتهدئة الأجواء المضطربة بين آل الأسد وآل مخلوف، الذين دبّ الخلاف بينهم إثر تصاعده بين رامي والسلطة. الأمران يقولان جديداً، إن الخلاف الأساسي سيُحلّ عبر إخراج رامي من المشهد السوري، ومنها، قياساً على سابقة رفعت الأسد، وإن صفقةً جديدة ستُعقد بين العائلتين، وربما تشمل رامي نفسه، ولكن خارج سورية؛ ففي الأخيرة، لم يعد لائقاً، أن يُعاد نجمه كما كان، حيث كلفة الخروج على الإعلام كبيرة، والعفو يتطلب فعلاً كبيراً، أقله النفي، وهو المرجّح. الحل هذا يشدُّ من أزر عائلات السلطة، وهي تمرُّ في أسوأ مرحلة بتاريخها، وفي الوقت نفسه، يسمح باستمرار العلاقات الخفيّة والسريّة بين العائلتين: الأسد ومخلوف، ويسمح كذلك لعائلاتٍ جديدة، بالاستفادة من السلطة، ونزع الاحتكار الكبير لآل مخلوف عن اقتصاد سورية.

لم يعد النظام متماسكاً، بعد تعاظم الدورين الروسي والإيراني، في تقرير شكل سلطته، وكيفية إدارته شؤون سورية

يحاول الأسد بذلك ترميم وضعه هو بالذات، حيث الصفقات بين روسيا وأميركا وأوروبا، وحتى إيران وتركيا، تتناول بقاءه، وأن كل الوضع السوري مرتبط به. ولكن إذا كان ترميم ما عَطُبَ بين عائلات السلطة ممكناً، فما حدث بأحوال سورية يتطلب رؤيةً مختلفةً وسياسات مختلفة، وتبدأ برؤية الواقع جيداً، وما أصبح عليه من احتلالاتٍ، تفرض شروطها على الرئيس ذاته، وعلى أدواته السياسية، العسكرية والأمنية، وكذلك خروج أكثر من ثلث سورية عن سيطرة النظام، وتقع تحت الاحتلال التركي مباشرة، أو الأميركي، والأسوأ أن الاحتلالين، الروسي والإيراني، يمسكان بالسلطة، ويفاوضان بقية الاحتلالات، وليس فقط بما يخصّ سورية، بل وبما يخص مصالحهم الإقليمية والدولية. إذاً لم يعد باليد شيء!

هل يستطيع النظام رؤية ذلك؟ لم يعد النظام متماسكا، بعد تعاظم الدورين الروسي والإيراني، في تقرير شكل سلطته، وكيفية إدارته شؤون سورية. ولم يعد في مقدوره أن يضع سياسات مستقلة لمستقبله، وهو محقٌّ بأن يرى مستقبله مرتبطاً بالروس والإيرانيين؛ هذا الوضع بالذات هو ما يمنعه من التفكير بسياساتٍ مستقلة، وهو ما يهدد مستقبله في آن واحد. وعلى الرغم من ذلك، حاولت روسيا بالتحديد، سنواتٍ متتالية، عبثاً، تعويمه، واخترعت له مساري الآستانة وسوتشي والصفقات القذرة لمناطق خفض التصعيد، ولاحقاً اللجنة الدستورية، ورفضت عروضاً دولية متعدّدة، علنية وغير مباشرة، تفترض تغيير رأس النظام وبعض سلوكياته، وأن ذلك سيقابله إشراف روسي، أقرب إلى الانتداب على سورية؛ أميركا وأوروبا، هي التي قدّمت صفقاتٍ كهذه، ولكن عبثاً.

يحاول الأسد ترميم وضعه هو بالذات، حيث الصفقات بين روسيا وأميركا وأوروبا، وحتى إيران وتركيا، تتناول بقاءه

السياسة الروسية القائمة على أن النظام سيعاد إنتاجه، تُقابَل بما ذكرت، وبسياسة الصبر الاستراتيجي، الأميركية خصوصا، وأن عدم تنفيذ روسيا الشروط الأميركية سيعمّق الشروخ السورية، وربما يغير السياسة الأميركية حيال فكرة الإشراف. وهناك قانون قيصر، وأخيرا عقود النفط مع قوات سورية الديمقراطية (قسد) والتطبيع بين الإمارات وإسرائيل، وسواها كثير؛ روسيا بكل هذه السياسات تخسر أوراقاً جديدة باعتمادها سياسة التعويم تلك.

ضعف دور المعارضة، وترهلها، ورداءة ممارساتها، تعطي قوةً للنظام، فيظهر وكأنّه هو الشرعي. والأفضل؛ لنلاحظ قصة تبديل الطرابيش، بين نصر الحريري، الذي كان رئيساً لهيئة التفاوض وصار رئيساً للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وحدث العكس مع أنس العبدة. أيضاً لنر مسألة "تعطيش الحسكة"، وتحميل ذلك للفصائل التابعة لتركيا، وكذلك تعميم النظام حملةً واسعةً ضد التعطيش، والغرض من خلفها أن النظام وحده يضمن إرواء الحسكة وبقية المدن، وأن "قسد" والفصائل فاشلة بامتياز، ولا تهتم بشؤون الناس. قضية التعطيش هذه، تدخلت فيها أميركا وتركيا وروسيا، فأين النظام الوطني والمستقل؟ طبعاً هناك مسلّمة أن الحياة في إدلب كارثة حقيقية. يحاول النظام بذلك تعويم نفسه، والأنكى أن المعارضة التي تدّعي سيطرتها على مناطق واسعة، كجرابلس وعفرين والباب وإعزاز وسواها، ولديها حكومة مشلولة، أثبتت فشلاً مهولاً في آليات سيطرتها؛ فحياة الناس في تلك المناطق عرضةٌ لكل أشكال الفوضى، بما فيها القتل والاعتقال العشوائي والنهب، وهناك الالتحاق المنحطّ بالأتراك.

ضعف دور المعارضة، وترهلها، ورداءة ممارساتها، تعطي قوةً للنظام، فيظهر وكأنّه هو الشرعي

إذاً، تتأتّى عناصر قوة النظام من رداءة سياسات المعارضة، ومن الخلاف العميق في السياسات الدولية والإقليمية إزاء مصيره، وكيفية إيجاد بديل عنه. وعدا ذلك، الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تتضاعف، وفيروس كورونا يفتك بالمدن، وليس من وقايةٍ أو علاجٍ طبيِّ يعتد به. "الطقوس" السياسية المكرّرة في ممارسات النظام، وأنه شرعي؛ كانتخابات مجلس الشعب، أو إقالة حكومة وتعيين بديلة عنها، كما تمّ أخيرا، وكذلك المشاركة في نقاشات اللجنة الدستورية في جنيف؛ أقول، كلها لا تفيد شيئاً، والأسوأ أن ليس فيها أية أبعاد جديدة في سياسات النظام، أو تلمس أن الوضع السوري أصبح كارثياً بجدارة، وأن تغييره غير ممكن عقودا طويلة. الاحتلالات ستتبادل المصالح على حساب السوريين، والحروب التي اندلعت، أو قد تندلع، ستزيد المأساة كارثيةً عمّا تحقّق، وستكون بإشراف تلك الاحتلالات!

هل ينجح الأسد في تثبيت سلطته عبر تجسير الخلافات بين عائلات السلطة؟ العوامل المذكورة أعلاه قد تساعد في تأجيل حسم مصيره، ولكن ليس لوقتٍ طويل، والاستمرار في ممارساته ذاتها يضيّق الخناق عليه. الأسوأ بالنسبة له أنه غير قادر على تغيير خياراته، وتبنّي خيارات جامعة للسوريين، وهو حال المعارضة الفاشلة. ومثالنا هنا الفشل الكامل للتفاوض في اللجنة الدستورية، وقبله فشل كل أشكال التفاوض بين الطرفين.

يرمّم النظام ذاته في اللحظة الراهنة في الوقت الضائع. وفشل المعارضة وانعدام وزنها الإقليمي والعالمي، لن يزيداه قوةً ولن يعوماه بحالٍ من الأحوال. إن مستقبل النظام والمعارضة وسورية أصبح كلّه بيد الاحتلالات بكل مرارةٍ وبساطة.

=========================

هل شهدت منطقتنا الدولة الوطنية حتى نعلن إخفاقها؟

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 8/9/2020

نقرأ، من حين إلى آخر، أبحاثاً ومقالات حول إخفاق الدولة الوطنية في منطقتنا، سواء في المشرق أم في المغرب. وهو الأمر الذي تبني عليه بعض القوى الإسلاموية، لتدعو إلى الدولة الأوسع، أي الخلافة الإسلامية التي ستكون قادرةً، وفق المطالبين بها، على حل المشكلات، ومواجهة التحدّيات والتهديدات؛ وذلك بعد فشل المشروع القومي العربي، بصيغتيه الناصرية والبعثية، وتداعياته التي نجدها اليوم واقعاً على الأرض، خصوصا في العراق وسورية ومصر ولبنان وليبيا واليمن؛ بل يمكن القول إن غالبية الأنظمة العربية، لا سيما الجمهورية - العسكرية منها، تعاني من تحدّيات وجودية، لم تعد مخاطرها خافيةً على أي متابع موضوعي يقرأ الأحداث التفصيلية ضمن سياقها العام، فالكيانات السياسية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، أو تلك التي شهدت الانقلابات العسكرية، لم تتحوّل في واقع الحال إلى دول وطنية، تمتلك مشاريع تستوعب جميع مواطنيها، ولها مؤسّسات محايدة، تراعي مبدأ فصل السلطات، وتحترم قواعد المساءلة والمحاسبة، ولا تكون فيها أي جهة، مهما كانت، فوق القانون. وإنما كانت السلطة الأساسية في الدول المعنية للجيش، وأجهزة المخابرات، وقد استلهمت في معظمها النموذج السوفييتي الستاليني، فتبنّت بدعة الحزب الحاكم أو القائد؛ وسنت القوانين، بل ثبتت في الدستور مواد تشرعن ما يستعصي على أي شرعنة، ففي سورية والعراق كان "البعث" الحزب القائد الحاكم، وكان على كل محتاجٍ إلى وظيفة أو عمل أن يكون عضواً في الحزب المعني، أو مقرّباً من الأجهزة الأمنية التي كانت تستخدم حاجات الناس للتحكّم بهم، وتحويلهم إلى جيش من المخبرين، أو الصامتين السلبيين، ممن يلزمون عقلية "مستورة والحمد لله، من البيت للشغل ومن الشغل للبيت"، أو "من الحيط للحيط ونسأله السترة". وفي مصر كان الاتحاد الاشتراكي (1962)، وقبله الاتحاد القومي (1957)، في عهد جمال عبد الناصر، هو المتحكّم المسيطر، بل اشترط عبد الناصر نفسه حل كل الأحزاب السياسية في سورية، قبل أن يوافق على مشروع الوحدة بقيادته عام 1958.

في سورية والعراق كان "البعث" الحزب القائد الحاكم، وكان على كل محتاجٍ إلى وظيفة أو عمل أن يكون عضواً في الحزب المعني

وكانت الأيديولوجيا القومية المتمحورة حول القضية الفلسطينية الأداة التجييشية التي اعتمدتها الأنظمة العسكرية المعنية، من أجل إضفاء الشرعية على تسلطها وتحكّمها برقاب الناس وموارد البلاد، فالجيش كان يلتهم القسم الأكبر من الميزانيات، كما أن ضباط الجيش، خصوصا المقرّبين ممن هم ضمن الدائرة الضيقة المحيطة بصاحب (أو أصحاب) القرار، كانوا يتمتعون بامتيازات استثنائية، سواء عبر الإدارة، أم من خلال أجهزة الحزب والمخابرات.

يوصلنا تدقيق أولي في أدوار الأنظمة العسكرية وسلوكياتها، وهي الأنظمة التي هيمنت على جميع الجمهوريات العربية، إلى حقيقة الدور الوظيفي الذي أُسند إلى هذه الأنظمة من الدول الكبرى، سواء التي كانت في المنطقة وتستعمرها (فرنسا وبريطانيا على وجه التخصيص)، أم التي أخذت دورها القيادي بعد الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945 (الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي)، فهذه الكيانات التي رسمت القوى الدولية حدودها، وشكّلتها بناء على استراتيجيات بعيدة المدى، لم يكن من الوارد بأي شكل أن يُسمح لحفنةٍ من الضباط بالسيطرة عليها، مهما بلغت درجة تنظيمهم، ومستوى الاستعداد المغامراتي لديهم، ما لم يكن هناك قبول من جانب ولي، أو أولياء، الأمر. ولعل هذا ما يفسّر واقع تعدّدية الانقلابات في بلدان مثل سورية والعراق واليمن والسودان وغيرها، فما كان يجري ضمن مؤسسة الجيش في سورية، على سبيل المثال، قبل انقلاب "البعث" وبعده، إنما كان يعكس، في واقع الحال، تعارض الرغبات الدولية مع النزعات التسلطية لدى مجموعات الضباط المتصارعة.

يوصلنا تدقيق أولي في أدوار الأنظمة العسكرية وسلوكياتها إلى حقيقة الدور الوظيفي الذي أُسند إلى هذه الأنظمة من الدول الكبرى

وقد ساهمت أيديولوجية حزب البعث نفسه في استخدام الجيش على الدوام ليكون أداة الانقلابات، فهو بموجب التعريف الذي يقدّم به نفسه: حزب انقلابي. والانقلاب في بلدان حديثة العهد لا تمتلك أحزاباً قوية مخضرمة، ولا توجد فيها تناحرات طبقية مستعصية، تكون عادة من خلال الجهة التي تمتلك السلاح والتنظيم، والقدرة على التحرك، والتأثير بفعل تخطيط مجموعة من المغامرين القادرين على التواصل مع الجهات الخارجية، والتوافق معها على خطة التحرك، وتغطية كل العملية بشعارات كبرى، طويلة الأمد. شعارات تطرح أهدافاً عاطفية كبرى، تظل سارية المفعول، ريثما يتم الانقضاض على الداخل الوطني، والتحكّم به، عبر تفتيت إمكانات النهوض فيه.

وهذا ما فعله حافظ الأسد في سورية، بعدما تمكّن من إزاحة منافسيه وخصومه في القيادة العسكرية، وحوّل حزب البعث نفسه إلى مجرّد واجهة وأداة وظيفية؛ إذ استخدمه لتعزيز دور الأجهزة الأمنية في جميع المحافظات، ومن خلال الجمعيات الفلاحية والنقابات، والمدارس والجامعات، والهيئات الحكومية بكل اختصاصاتها. كما تمكّن الأسد من تدجين الأحزاب المعارضة، خصوصا الحزب الشيوعي، والأحزاب الأخرى التي كانت تعتبر نفسها امتدادا للتجربة الناصرية. ومارس كل الأساليب لتشجيع بذور الخلاف بينها، وشجّع انقساماتها؛ حتى تحوّلت تلك الأحزاب عبر الجبهة "الوطنية التقدمية" (1972)، إلى مجرّد هيئة شكلية لتمرير ما يرتأيه حافظ الأسد، والمصادقة عليه. وقد عزّز الأسد دوره من خلال معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي (1980)، التي لم تنفع السوريين بشيء، لا في التحرير ولا في التنمية، وإنما كانت تدخل ضمن إطار لعبة التوازنات الإقليمية والدولية التي اعتمدها الأسد لتكريس نظامه. حتى أن الأمين العام للحزب الشيوعي السوري، خالد بكداش، نفسه، كان يصرّح، من حين إلى آخر، "إننا إذا انطلقنا من السياسة الداخلية للنظام سنكون في المعارضة، ولكننا ننظر إلى سياسة سورية الخارجية، فهي مع الاتحاد السوفييتي، وهي سياسة تقدّمية، معادية للإمبريالية والصهيونية. لذلك فنحن معها". ولكن بكداش وغيره من قيادات حزبه لم يكلفوا أنفسهم عناء التدقيق في ما كان يجري في لبنان في منتصف سبعينيات القرن المنصرم، مع دخول قوات حليفه الأسد إلى البلد بموافقة أميركية - إسرائيلية.

حافظ الأسد حوّل حزب البعث نفسه إلى مجرّد واجهة وأداة وظيفية؛ إذ استخدمه لتعزيز دور الأجهزة الأمنية في جميع المحافظات

ولم تقتصر جهود حافظ الأسد على ما تقدّم لتعزيز سلطته في الداخل السوري، لتتحوّل الدولة السورية برمتها إلى دولة أمنية، على حد تعبير الراحل طيب تيزيني؛ بل ألزم السوريين بدستوره الشهير (1973)، الذي نصّ صراحةً على أن حزب البعث هو الذي يقود الدولة والمجتمع. وبذلك تمكّن من إبعاد الأحزاب المنافسة، على ضعفها وهشاشتها، عن أي نشاط بين الطلبة والجيش، وتحوّلت الدولة السورية إلى مجرد جهاز إداري يتحكّم به رأس النظام حتى بعد وفاته، وهذا ما تجلى بأبشع الصور، حينما تم تعديل دستور الأسد الأب في دقائق معدوداتٍ، ليأتي على مقاس الأسد الابن، وذلك بموجب الترتيبات التي كان قد أعدّها الأول، وبتزكيةٍ من الدول صاحبة الشأن في هذه القضايا بطبيعة الحال. ولم تكن الأوضاع في بقية الدول العربية الجمهورية - العسكرية أفضل حالاً مما كانت عليه في سورية، سواء في مصر أم السودان، أو في اليمن وليبيا واليمن وتونس والجزائر.

الدولة الوطنية المنسجمة مع واقع مجتمعاتنا، المتميّزة بتعدّديتها وتنوعها الديني والمذهبي والإثني والفكري، لم تشهدها منطقتنا أصلاً. وما نعنيه بهذه الدولة هي التي تقوم على أساس الفصل بين الدين والسياسة، وإخضاع المؤسسة العسكرية بصورة نهائية وبضوابط دستورية ـ وإجراءات عملية، للمؤسسة السياسية المنتخبة بإرادة المواطنين الأحرار. دولة تقوم على الفصل الواضح بين السلطات، وتحمي بشرعية الدستور نظام تعدّدية الأحزاب، وذلك بعد القطع التام مع هرطقة "الحزب القائد"، وأيديولوجيته التضليلية. دولة لا تجعل من إعلام الدولة العام امتدادا لسلطة الحاكم، ووسيلة لتسويغ سياساته ورغباته وتسويقها. دولة يكون فيها القانون سارياً على الجميع، من خلال آلية واضحة متماسكة شفّافة للمساءلة والمحاسبة. وذلك كله يستوجب التوافق الوطني على مشروعٍ يطمئن الجميع على أساس احترام الخصوصيات، والإقرار بالحقوق، وتوفير الشروط الواقعية العملية لتشاركٍ عادلٍ في الإدارة والموارد، والعمل على تأمين القدرات الفعلية لتنمية متوازنة مستدامة في جميع المناطق، وعلى جميع المستويات؛ ومن دون أي تمييز أو اسثناء لأي مكونٍ، بل لأي فرد.

لا معنى لأي حديث عن الدولة الوطنية بمعزل عن وجود مواطنين أحرار، فما عرفته منطقتنا من دول حتى الآن لم يتجاوز حدود نسخ مكرّرة من أنظمة عسكرية، اتخذت الواجهة الحزبية المفصلة على مقاساتها غطاءً سياسياً. ولم تكتف بذلك فحسب، بل استخدمت كل الولاءات ما قبل الوطنية في سبيل تعزيز سلطتها، وتوفير الشروط التي مكّنتها من الإجهاز على الوطن وناسه الذين تعاملهم دائما بوصفهم رعايا، لا مواطنين أحرارا.

=========================

سوريا والكرة الأرضية

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين  7/9/2020

"أنا إنسان واقعي، ولست شخصية حسّاسة. عندما تركت منزل والدي، لم أبكِ. عندما ماتت قطتي المدلّلة، لم أبكِ. عندما توفي والدي الحنون، لم أبكِ. وعندما وجدت عملاً في وكالة "ناسا" الفضائية NASA لم أبكِ. وعندما وضعت قدمي على القمر، لم أبك. ولكن حينما نظرت من هناك إلى الكرة الأرضية، خنقني الحزن والغم، وأجهشت في بكاء مرير، وترددت أن أضع العلم الأميركي على سطح القمر... أتعرفون لماذا؟ ... حينما نظرت إلى الأرض من هناك، رأيتها نقطة بلا لون، أو حدود، أو قوميات، أو جنسيات، أو خيرات، أو أسلحة، أو أحزاب؛... وضعت إصبعي الإبهام، ورأيت أنه غطّى تلك النقطة بالكامل. عندها، أجهشت ببكاء لم أعرفه من قبل. بكيت، وقلت في نفسي على ماذا نتحارب نحن البشر، ونقضي على بعضنا البعض! بكيت بحرقة على كل هذا الجهل والعمى والتعصب، الذي غرقنا فيه". ذلك كان اقتباساً من مذكرات /نيل آرمسترونغ/ أول رائد فضاء أميركي إلى القمر.

بعد غوصه في فلسفة الحياة، لا بد أقنع نفسه هذا المخلوق المُسمى "إنسان" بضرورة وجود علّة أو معنى أو قيمة لهذا الوجود؛ فاستخدم طاقاته العقلية والبدنية، مسخراً ما توفر له من موارد على هذا الكوكب (المعجزة برأيه، والصغير جداً، لكن الغالي برأي "آرمسترونغ")؛ فولّد الصراعات والقتال والحروب؛ ليصبح كمن يقطع غصن شجرة شاهقة يجلس عليه.

كلمات "آرمسترونغ" الساخطة على الصراعات والحروب الساخنة والباردة، التي قد تدمّر هذا الكوكب، وردت في مفصل زمني؛ والتوتر بين أميركا والاتحاد السوفيتي على أشدّه: غرب - شرق/ رأسمالي -اشتراكي/. تلك القطبية وضعت هذه الكرة الأرضية على رؤوس أصابعها مرات عديدة؛ حيث المسألة مجرد "كبسة أزرار" في حقيبة نووية يتسلمها رئيسيّ القطبين عند وصولهما إلى رأس السلطة.

رغم أن لا شيء يمكن أن يبرر تلك الصراعات التي قد تنهي أحد القطبين، أو تَشِلَّه، أو تجعل هذا الكوكب كسيحاً، إلا أن هكذا صراعات قد يستوعبها، أو حتى يتقبلها عقلنا الملوّث، بذريعة أن مَن نقتله هو "الآخر، أو"هابيل"، أو– The Other"  أو "الغويم" بلغة "أبناء عمّنا"؛ ولكن ما قد يستعصي على الفهم أو الاستيعاب أن يحدث الإلغاء أو الشلل والدمار ضمن الأسرة أو البلد الواحد. وهنا لا بد لنا كسوريين من وضع بلدنا الجريحة وأهلها تحت المجهر، ونتفكّر بأي نفس أو عقل أو تربية فعل بها الطغاة ما فعلوا.

إذا كانت مساحة سوريا لا تزيد قليلاً عن واحد بالألف من مساحة اليابسة على الكرة الأرضية؛ وحدث فيها خلال عقد من الزمن كل هذا؛ فأي شيء يمكن أن يقوله أو يفعله "آرمسترونغ" الذي غطى إصبعه كل الكرة الأرضية بيابستها البالغة 148 مليون كيلومتر مربع، وبحارها البالغة 361 مليون؟

لا نريد أن نحدّث الرجل عن نصف سكان سوريا الذي تشرد، ولا مدنها التي دُمِرَت، ولا الاحتلالات التي ترزح على صدرها، ولا مئات آلاف معتقليها، ولا عن ارتكاب "قادتها"- الذين ما زالوا يشيرون إليها بعبارة /بلدي سوريا/- جرائم حرب بحق مواطنيها؛ بل عن إصرار هؤلاء "القادة" على ألا تستعيد سوريا عافيتها، ما لم يبقوا في السلطة. فما الذي كان سيقوله آرمسترونغ، لو أنه سمع "قادتها" يقولون (نحكمها أو ندمرها)؟ هل كان سيجهش بالبكاء، أم أنه سيرمي نفسه من الفضاء، أو يبحث لها عن مكان في الثقب الأسود الفضائي؟!

نريد فقط أن نقول له إن كل بيان يصدر حول سوريا مِن قبل أولئك المتدخلين بشؤونها يُفتَتح بـ "يؤكد المجتمعون على سيادة ووحدة سوريا أرضاً وشعبا"؛ علماً أن السيادة أضحت في خبر كان، والبلد مبعثر أرضاً وشعبا. لا بد أن نلفت انتباهه أيضاً إلى أن "باراك أوباما" مواطنه، ورئيس بلده السابق، قد ساهم بكارثة سوريا، عندما ترك مستخدم السلاح الكيماوي ضد أهل سوريا طليقاً، واكتفى بوضع يده على المخزون الكيماوي السوري بالتنسيق مع "بوتين" رئيس روسيا، و"نتنياهو" رئيس وزراء حبيبتهم إسرائيل.

ربما نثقل الحمل على السيد "آرمسترونغ" إذا أخبرناه بأن تلك القطعة الجميلة "سوريا"، من الكرة الأرضية التي أبكته، لم تعد صالحة لعيش الآدميين؛ فالغلاء، والعوز، والإهانة، والخوف، والخطف، والاغتصاب، والكذب، والبهائمية الحكومية، والبنزين، والكهرباء، والكورونا، والخبز، ومحمد بن زايد، والبي كي كي، وقدري جميل، والنمر، والأسد، والجولاني، وداعش، والناطقين باسم الله على الأرض، والبطاقة الذكية، والمجتمع المتجانس، والمئة دولار (كي يدخل السوري بلده)، وأمة عربية واحدة، وخالد العبود، ومجلس الشعب، وبثينة شعبان، والثوابت الوطنية، والهوية الوطنية... كل ذلك جعل حياة السوري شبه مستحيلة.

متى يتحكّم بمصير هذا الكوكب الجميل أمثال "نيل آرمسترونغ"، ولا يسمحوا لمخلوق كأوباما، وكل مَن ما ذَكر أعلاه أن يكونوا أصحاب الكلمة الفصل في تحديد مصير هذه الأرض ومَن عليها؟ أعتقد أن نسبة طغمة الشر تلك لا تزيد عن واحد بالمليون. وعلى مَن تبقى من البشرية أن يتجاوب مع ضرورة بقاء هذا الكوكب عفيّاً إنسانياً آمناً مزدهرا. رغم أن في هذا الطرح شيء من الحلم؛ ولكن مَن قال إن الأحلام عيب أو عبث؟ ألم يقل "مارتن لوثر كنغ" يوماًI have a dream  عندي حلم"؟ نحن كسوريين عندنا حلم؛ وسنعيد سوريا حرة كريمة عفيّة بلا كل "الكورونات" أعلاه.

=========================

السيادة والحياد بين طيّات الديبلوماسيتين الأميركية والفرنسية

راغدة درغام

النهار

الاحد 6/9/2020

الديبلوماسية الفرنسية ليست مُتطابقة مع الديبلوماسية الأميركية، لا في شأن لبنان والعراق ولا في شأن إيران وتركيا. لكن مستوى التلاقي والتداخل والتنسيق بين الديبلوماسيتين لافت ومُهم بالذات في خضمّ تنشيط الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الدور الفرنسي في الشرق الأوسط عبر البوابتين اللبنانية والعراقية، وفي شمال أفريقيا بصورة خاصة حيث معركته مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان حامية في ليبيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب مُنغمس في معركته الانتخابية لكنه لم يُغيِّب الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، بل تم تنشيط الديبلوماسية الأميركية على مستوى وزير الخارجية مايك بومبيو ووكلائه ومساعديهم والمبعوثين والقيادة العسكرية في الملف الخليجي العربي والإيراني والعراقي واللبناني والفلسطيني والإسرائيلي والليبي والمصري والتركي وغيره من الملفّات. الأداة الرئيسية لدى إدارة ترامب في صقل وتنفيذ سياساتها الخارجية تبقى العقوبات. واللافت أن الديبلوماسية الفرنسية بدأت تنطق بلغة العقوبات على نسق استخدامها أميركياً في إطار ترغيب إيران وشركائها وحلفائها بالعدول عن سياسات مُدمِّرة للسيادة اللبنانية والعراقية والسورية والخليجية، وإلا العقاب بالعقوبات المدمِّرة لها.

الفارق الرئيسي بين الديبلوماسيتين يصبّ في الوطأة الضخمة لأدوات العقوبات الأميركية على اقتصاد الدول وعلى المنظمات والأحزاب والأفراد، مقابل أهمية سياسية ورمزية لإجراءات فرنسية مماثلة، مؤذية على أي حال. الاختلاف الأساسي هو على حجم التركيز الفرنسي على دور تركيا في المنطقة كأولوية على دور إيران، واستعداد الديبلوماسية الفرنسية للتأقلم مع الأمر الواقع الإيراني بامتداداته الإقليمية كوسيلة للضغط أو للإقناع.

 تقليدياً، الديبلوماسية الأميركية لا تثق بنظيرتها الفرنسية وتعتبرها تعبيرية أكثر مما هي مفصلية. اليوم، قررت إدارة ترامب أن تدعم قيادة ماكرون الملف اللبناني، إنما ليس بلا مراقبة دقيقة تضمن عدم استطراد الديبلوماسية الفرنسية بأي نوع من الاعتباطية Arbitrary المكلفة. توجد مؤشرات على تلقّي الرئيس الفرنسي من الرئيس الأميركي تشجيعاً على بذل كل الجهد لمساعدة لبنان شرط أن لا يقفز على السياسة الأميركية العريضة نحو "حزب الله" ودور الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان.

كثُرت تعابير وأوصاف ما فعله ماكرون أثناء زيارته الثانية للبنان في غضون شهر لجهة العلاقة مع "حزب الله" من "التعويم" الى "الإمهال" الى "الإنذار" بالعقوبات. زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شنكر، التي تبعت زيارة الرئيس الفرنسي أيضاً تلقّت حصّتها من التأويلات المُتنقّلة بين تهمة "التهميش" للمجتمع المدني وبين قيام شنكر بتوضيح حدود الديبلوماسية الفرنسية لدى الديبلوماسية الأميركية بالذات في مسألة "حزب الله" ودوره و"تعويمه".

القاسم المشترك هو أن الزائِريَنِ تحدّثا بلغة تأنيب وتوبيخ الطبقة السياسية المُتحكّمة بلبنان، وكلاهما أوضح أن لا أموال دولية أو عربية بمستوى ما يتطلّبه الإنقاذ الجدّي للبنان ما لم يتم اتخاذ الإصلاحات الجذرية الضرورية التي لا بد أن تطاول من نفوذ وهيمنة وسيطرة هذه الطبقة. ولذلك انها تقاوم.

"هذا هو الأسبوع"، نقلت المصادر عن شنكر قوله إشارة الى الأسبوع المقبل كموعد جدّي لفرض العقوبات الأميركية على شخصيات سياسية مسيحية لبنانية حليفة لـ"حزب الله"، وذلك كأولى خطوات إبلاغ حلفاء "حزب الله" أن الوقت حان لدفع ثمن تأمينهم الغطاء للحزب. وتابعت المصادر أن الديبلوماسية الأميركية أعطت هامشاً للديبلوماسية الفرنسية "للملمة الوضع الإنساني والمالي" بلا الآفاق السياسية لأنها "ناقصة قضيّتين أساسيتين هما: الحدود والحياد" في إشارة الى موضوع "حزب الله" بِرُمته. ماكرون أراد ترك "حزب الله" حتى لاحقاً. إدارة ترامب تريد تنشيط المبادرة الفرنسية التي "لم تلامس السياسة بموضوعيّ الانتخابات والسلاح"، وقالت المصادر، وهي حريصة على مراقبة المبادرة والسياسة كي لا تقع أخطاء إما بسبب افتقاد الديبلوماسية الفرنسية الرشاقة أو بسبب الإفراط في الافتراض أن السياسة الأميركية ستتأقلم مع السياسة الفرنسية. فالعكس هو الصحيح، والكلام بلغة العقوبات هو المثال على ذلك.

"الجزرة فرنسية والعصا أميركية" قال المصدر الذي نقل عن شنكر قوله إن السياسة الأميركية لن تعود أبداً الى ما كانت عليه في زمن الرئيس الأسبق باراك أوباما مهما راهن أيّ كان على غير ذلك. لكن الجزرة لن تكون بمستوى الـ11 مليار دولار بموجب "سيدر" ولن تفوق 2-3 مليارات. فعملية الإنقاذ الكبرى تتطلّب موافقة صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والدول العربية، فليتوقف وَهم illusion الإنقاذ المالي الكبير إذا لم يطرأ على لبنان تغيير جذري جدّي في إطار الإصلاحات في السياسة والنظام والسلاح والانتخابات والرؤية البعيدة من العقيدة. هذا هو التحدّي الأكبر للحكومة التي يؤلّفها رئيس الحكومة المكلّف مصطفى أديب ووعد أن تكون من اختصاصيين Technocrat وليس من الزُمرة المُعتادة الراضخة لأصبع أوامر الطبقة السياسية.

مسؤولية مصطفى أديب تتقاطع مع مسؤولية رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، حيث ان المطلوب للبلدين هو: السيادة والحياد. مشكلة البلدين هي أن السيادة مبتورة في البلدين والحياد بات تهمة تخوين لئيمة. معنى ومفهوم السيادة هما قدرة الدولة على بسط سلطتها ونفوذها واحترامها والقُدرة على حصر السلاح بيد الدولة. هذا يتطلّب من الرئاسات الثلاث في البلدين، رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب، ان تكون بمستوى المسؤولية والتحدّيات. وإلا، لن يكون ممكناً للدولة الاستمرار على الأنماط الحالية. ولذلك فإن الانهيار يحدّق بجدّية في مصير كل من لبنان والعراق، ما لم يتم الاستدراك.

إيمانويل ماكرون ركّز على موضوع السيادة عند زيارته العراق واجتماعه بكل من رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. في الشقّ الخارجي، وقع تركيز ماكرون على تركيا ودورها في العراق والمنطقة أكثر مما وقع على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبحسب المصادر العراقية، تلاقت الأولوية التركية لدى فرنسا مع الهاجس العراقي من تركيا بالذات في هذه المرحلة، حيث "تركيا واضحة في قواعدها ونفوذها وخروقاتها للسيادة وتوسيع وجودها العسكري واختراقها عبر الأجهزة التي لديها".

جزء من الاختلاف بين السياسة الأميركية والسياسة الفرنسية هو الموضوع التركي حيث تريد باريس من واشنطن كبح جماح أردوغان فيما الأولوية الأميركية هي لبقاء تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) ولاستعادة تركيا من أحضان روسيا.

 نقطة الاختلاف الثانية تتعلّق بإيران، حيث أن فرنسا تتحوّل شيئاً فشيء باتجاه المواقف الأميركية من طهران، إلا أن باريس تريد الحفاظ على سكّتين للديبلوماسية الفرنسية على نسق تقليدها، فيما واشنطن تُعطيها الفرصة لبذل الجهد إنما ضمن السكَّة الأميركية الواضحة نحو طهران وشركائها وحلفائها.

 وكمثال على التفاوت، أن ما تخلو منه المبادرة الفرنسية بشأن لبنان لجهة عدم ذكرها لسلاح "حزب الله" واعتباره كياناً شرعياً بحسب تصريحات الرئيس الفرنسي إنما يتناقض جذرياً مع المواقف الأميركية. وبحسب مصادر مطّلعة، "أن الأميركيين غير مقتنعين بوصول المبادرة الفرنسية الى نتيجة" لكنهم لن يُحبطوها، بل سيبقون على تواصل مستمر وتعاون كبير وتنسيق دقيق مع الفرنسيين فيما تستمر المقاطعة الأميركية للسلطة اللبنانية حتى إشعار آخر. فالعقوبات آتية، ولكل حادث حديث عند ذاك.

الإقبال الغربي على لبنان بما في ذلك عبر الفاتيكان له أهمية بالغة لا تتوقف عند التعاطف مع الشعب اللبناني بالذات بعد تفجير مرفأ بيروت وأمام وضوح بذاءة المشهد السياسي وعفن النظام الحاكم. انه إقبال غربي يقطع الطريق على تأهّب الصين لابتلاع الفرصة المُتاحة لها للسيطرة على مرفأ بيروت بإعادة تأهيله طبقاً لما يُمليه حليفها الإيراني، بالذات "الحرس الثوري"، و"حزب الله". فالصين التي تأبّطت دائماً مبدأ احترام سيادة الدول تفسيراً لمواقفها إنما هي اليوم تبارك وتشارك في انتهاك سيادة لبنان بازدواجية رهيبة.

وإذا كانت الدول الأوروبية فعلاً مهتمة بلبنان، كما تزعم، يجب ألا يتوقف اهتمامها عند المعونات الإنسانية والعواطف الرمزية. حان لأوروبا أن تقوم بواجباتها الأخلاقية نحو بلد في جيرتها على المتوسط يعاني من فساد حُكّامه المَقيت ومن استرهان إيران له بمشاركة دول كبرى كالصين وروسيا.

أمام فرنسا فرصة لترك بصمة مميّزة لها في الشرق الأوسط، إذا تحلّت بالشجاعة للانطلاق بعيداً من ديبلوماسية الإرضاء. المبادرة الفرنسية تضمّنت الكثير من النقاط المهمّة والجريئة في طرحها على نسق الإجراءات المحايدة للعروض على إعادة بناء المرفأ، وطرح مسألة "سلعاتا" لإبلاغ من يعنيه الأمر أن زمن الهيمنة على الطاقة ولّى.

إنما ما تتطلّبه المبادرة الفرنسية في شأن لبنان هو إلحاقها بمبادرة جدّيّة محصّنة بالعقوبات وبحشد أوروبي لإبلاغ الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن سياساتها الإقليمية لم تعد مقبولة على الإطلاق. فالشعور بالذنب يجب أن يرافق فرنسا وبريطانيا وألمانيا وليس فقط الصين وروسيا وإدارة أوباما – فجميعهم رضخ للشرط الإيراني بحذف وتحييد نشاطات إيران الاقليمية عن المفاوضات على الاتفاقية النووية. وهكذا وصلنا الى حيث نحن، بأموال أميركية وأوروبية، بانتهاك كامل للسيادة، وبكلفة غالية يجب أن تؤنّب الضمائر الأوروبية بالذات.

=========================

مقاربة روسية مُحدثة لشرق الفرات في سوريا

رستم محمود

النهار العربي 

الاحد 6/9/2020

ربما كان لمذكرة التفاهم التي وُقعت بين مجلس سوريا الديموقراطية وحزب الإرادة الشعبية السوري أن تُعتبر واحداً من الأحداث التفصيلية في المشهد السوري، خصوصاً بين مختلف القوى المعارضة، لولا الصورة المشتركة التي ظهرت فيها رئيسة الهيئة التنفيذية للمجلس إلهام أحمد إلى جانب الأمين العام لتنظيم الإرادة قدري جميل، وبينهما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف؛ الذي بعث رسالة روسية واضحة، تقول حرفياً: "روسيا راعية هذا الاتفاق، أو على الأقل راضية عنه، وتعترف بالموقعين عليه، كشركاء سياسيين في مستقبل سوريا". 

 بنود المذكرة حملت ملامح الرؤية الروسية التقليدية للمسألة السورية، لكن مع بعض الإشارات الواضحة للاعتراف بخصوصية حالة شرق الفرات، مع ما يتضمنه ذلك من إقرار بالحقوق القومية لأكراد سوريا.

 إذ أكدت المذكرة على الوحدة الجغرافية والمجتمعية لسوريا، وهي جملة افتتاحية أُريد منها استبعاد أي سِهام قد تطال المذكرة، مثيلة لما تم توجيهه للتوافقات السياسية بين القوى السياسية الكردية السورية، والتي كانت برعاية أميركية. لكن المذكرة أكدت إلى جانب ذلك على تنوع المكوّنات الاجتماعية والقومية والدينية السورية، معتبرة أن اللامركزية هي ضمانة التوازن في سوريا. 

 لكن أهم بندين في المذكرة، اللذين تظهر عليهما علامات القراءة الروسية لما يجب أن يؤول إليه مستقبل تلك المنطقة، يظهران في الاعتراف بأن الإدارة الذاتية الحالية لشرق الفرات ضرورة مُلحة، ما يوحي بأن موسكو لن تنحاز إلى أي توافق سياسي وعسكري جديد مع تركيا، قد تعرض تركيا عبره تنازلات سياسية لفتح علاقة سياسية ما مع النظام السوري، مقابل سعي النظام لتحطيم إدارة شرق الفرات "الكردية".

 المسألة الأخرى تمثلت في رؤية الملف العسكري. إذ قالت المذكرة بعبارات رنانة إن الجيش السوري هو المؤسسة الوطنية العامة التي ينحصر بها السلاح، وعليها ألا تتدخل في السياسة، لكنها أضافت مديحاً لقوات سوريا الديموقراطية التي شاركت في معركة مواجهة الإرهاب، معتبرة أنها يجب أن تنخرط في الجيش السوري مستقبلاً، وفق آليات وصيغ محددة.

 هذا التفصيل الأخير، كان بمثابة رسالة روسية ثلاثية الأبعاد، إلى كل من تركيا والنظام السوري، الفاعلين الرئيسيين اللذين يحاولان سحب كل شرعية من هذه القوات، التي صار حجمها يوازي حجم جيش النظام السوري تقريباً. لكنها أولاً كانت رسالة لقوى المعارضة السورية، بالذات الائتلاف السوري المعارض، الذي أعلن رئيسه معارضة تامة لهذه المذكرة، قائلاً في تصريحات إعلامية: "نرفض أي اتفاق سياسي مع أي تنظيم إرهابي". رئيس الحكومة السورية المؤقتة عبد الرحمن مصطفى أتم ما صرح به الحريري: "أن سبب رفض الاتفاق يعود إلى أسباب أهمها، موقفنا من الأطراف المتفقة، وثانيها الجهة الوسيطة والراعية، وثالثها حول المضمون". أي أن قوى المعارضة السورية تعتبر هذه المذكرة موجهة لها تماماً. 

 مراقبون للمشهد السوري، بالذات من حيث أدوار واستراتيجية روسيا البعيدة المدى فيه، أجمعوا على أن هذه الخطوة الروسية إنما تتقصد السير بثلاثة اتجاهات في الآن عينه: فهي من جهة تسعى لأن تكرّس أشكال الوجود الروسي غير العسكري في سوريا، بالذات على المستوى السياسي. الأمر الثاني يتعلق بمحاولة إضعاف تركيا وحلفائها السياسيين، في سوريا والإقليم، وأن هذا الأمر يتطلب المزيد من الاعتراف والتعاون مع أكراد سوريا. أخيراً فإن روسيا تسعى لأن لا تنحصر شبكة المتعاونين معها في الملف السوري بالنظام السوري وحده. 

 معهد وارسو للدراسات وصف المساعي الروسية في شرق الفرات بأنها "محاولة لتحسين مكان وضع القدم على السلّم". ذكر المعهد في قراءة مطولة للمشهد أن الوجود الروسي نتج من تراجع وغض نظر أميركي منذ شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2019، وأن الولايات المتحدة مستعدة لمنح روسيا المزيد من الأحمال السورية. لكن الطرف الروسي لاحظ أن وجوده في تلك المنطقة، التي تُقدر بقُرابة ثُلث سوريا، وبالرغم من هذه الموافقة الأميركية، إلا أنه لا يملك فاعلية موضوعية على الأرض، بالذات سياسياً مع القوى الفاعلة والنافذة هناك. وأن روسيا تسعى جاهدة لترتيب أوضاع علاقتها هناك، بما يتجاوز الحضور العسكري المحض. 

 الكاتب والباحث التركي فهيم تاشتكين، حلل في مقالة تفصيلية في موقع دراف التركي هذه التوجهات الروسية في شرق الفرات. إذ اعتبر أنها محاولة للتودد للأكراد السوريين، لتوجيه رسالة إلى تركيا تقول بأن الحل في سوريا لا يمكن أن يكون صفرياً في جميع المستويات. فمثلما تطالب تركيا بأن يغادر النظام السوري الحليف لروسيا موقع الصفر السياسي، فإن موسكو قد تطالب تركيا بالاعتراف بالقوى الفاعلة على الأرض، ومنهم الأكراد، نسبياً على الأقل. 

 الكاتب التركي أضاف أنه حصل على معلومات مؤكدة تقول بأن الطرف الروسي سيعرض على الراعي الأممي لعملية السلام السورية غير بيدرسون مشاركة مجلس سوريا الديموقراطية في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة، بما في ذلك اللجنة الدستورية السورية، وأنها ستمارس ضغوطاً في ذلك الاتجاه.

مؤشرات ذلك توضحت من خلال التسريبات الروسية عن بنود ما سيناقشه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال زيارته المرتقبة قريباً لدمشق، إذ تضمنت لأول مرة بندناً خاصاً عن منطقة شرق الفرات. 

مصادر خاصة من داخل الإدارة الذاتية الكردية، أكدت لـ"النهار العربي" أن هذا المسعى الروسي يحمل رغبات روسيا بمزيد من الاعتراف والتعاون مع الإدارة الذاتية في شرق الفرات. فالشركات الاقتصادية الروسية قد تندفع عما قريب للاستثمار والاستفادة من الفرص الاقتصادية في تلك المنطقة، التي تُعتبر الأغنى بالثروات الباطنية والزراعية. وأن روسيا تريد لتلك العلاقة مع هذه المنطقة أن تدخل في خدمة المزيد من التعاون مع النظام السوري، الذي يعاني من تفاقم أوضاعه الاقتصادية بعد قانون قيصر. بمعنى أن الرؤية الروسية تتضمن في أحد بنودها المزاوجة والمبادلة بين المكاسب الاقتصادية وما يناظرها من اعتراف سياسي. وهو أمر لا تعترض عليه الإدارة الذاتية، لكنها فقط تسعى لأن يكون ذلك عبر توافق روسي أميركي، حتى لا تظهر الإدارة وكأنها تخلت عن تحالفها مع الولايات المتحدة. 

=========================

أنا والغريب على ابن عمي: الغساسنة والمناذرة الجدد

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5/9/2020

عندما لا يكون لديك مشروع تصبح مجرد أداة في مشاريع الآخرين. هذا هو الوضع العربي الآن باختصار. لقد بات العرب يتباهون بتبعيتهم لهذا الفريق أو ذاك دون خجل أو وجل.

فهذا يتغنى بأمجاد إيران وفتوحاتها في المنطقة، وذاك يصفق لتركيا، وهذا يتباهى بعلاقاته مع إسرائيل وبقية القوى الكبرى. وعلى الرغم من أنهم يسمونها المنطقة العربية، إلا أنظمة تلك المنطقة وشعوبها غدت مجرد أجراء لدى الذين يتنافسون على هذه البقعة الاستراتيجية. ولا عجب، فهناك الآن بالإضافة إلى القوى الغربية ثلاثة مشاريع إقليمية لا تخطئها عين في هذا الجزء من العالم، المشروع الإيراني والمشروع الإسرائيلي والمشروع التركي. وهي تتنافس فيما بينها على تقاسم المنطقة. وليس العيب طبعاً في أصحاب تلك المشاريع، فمن حق الدول أن تملأ الفراغ عندما تجده في جوارها، بل المشكلة في أنظمة وشعوب تلك المنطقة التي بدلاً من أن تصنع مشروعها الخاص صارت تنضم إلى مشاريع الآخرين كأدوات وتوابع. ولم يعد أحد يخجل من هذا الاصطفاف المخجل. حتى ما يسمى بحركات المقاومة العربية راحت تتحالف مع الغازي الإيراني الذي يتفاخر باحتلال أربع عواصم عربية على الملأ. والسؤال البديهي: كيف تريد تحرير فلسطين بالتحالف مع من يحتل سوريا والعراق ولبنان واليمن والأحواز ويصول ويجول في أنحاء المنطقة بكل صفاقة؟ هل يعقل ذلك؟ لقد صار التغني بأمجاد الغزاة والمحتلين مفخرة لدى الكثير من العرب بعد أن صار القاصي والداني يتنافس على السيطرة على هذه المنطقة.

ما أشبه زمننا الآن بزمن الغساسنة والمناذرة الذين كانوا يتفاخرون بعمالتهم للروم والفرس في ذلك الزمان. ونحن نعرف أن حروباً طاحنة دارت بين تلك الدولتين العربيتين. وقد ذهب آلاف الضحايا لهذه الحروب من العرب، فقط خدمة لمصالح (الفرس أو الروم) ولم تكن تلك الدولتان سوى منظومتين وظيفيتين لأسيادهما «سواءٌ رَجَزَ شعراؤهما الشعر في الفخر، أو الحماسة في الفروسية والحرب».

الغساسنة سكنوا قرب حدود بلاد الشام الجنوبية واتخذوا مدينة بصرى الشام عاصمة لهم وكانوا موالين لدولة الروم واعتنقوا الديانة النصرانية لأجل تقربهم من الروم، وقد جعل الروم الغساسنة حراساً لهم على حدود الشام ضد غارات المناذرة حلفاء الفرس.

كيف تريد تحرير فلسطين بالتحالف مع من يحتل سوريا والعراق ولبنان واليمن والأحواز ويصول ويجول في أنحاء المنطقة بكل صفاقة؟

أما المناذرة فقد حكموا العراق واتخذوا الحيرة عاصمة لهم وكانوا حلفاء وحراساً للفرس وموالين لهم. وكان الملك فيهم مهما بلغ من السيادة والرفعة لا يعدو أن يكون عبداً لدى أسياده الروم أو الفرس، ومثال ذلك النعمان بن المنذر بن ماء السماء أعظم ملوك المناذرة والعرب في الجاهلية، حتى قال فيه النابغة الذبياني: فإنكَ شمس والملوكُ كواكبٌ، إذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكبُ.

كان هذا الملك المبجل عند العرب مجرد عبد وخادم لدى سيده كسرى الفرس، يدعوه فيستجب ويؤدى فروض الطاعة ويتذلل له.

ومن المحزن أن البعض صار يتحسر حتى على أيام الغساسنة والمناذرة عندما كان العرب يعملون أجراء لدى الروم والفرس، فاليوم انقسموا أكثر فأكثر وثاروا يتنافسون على خدمة كل من هب ودب، وكل من غزا بلادهم. وقد وصفهم أحد المعلقين بالذيول، لأن كل طرف منهم يوالي قوة معينة. ولو نظرت فقط إلى السوريين لوجدت أنهم تفوقوا على الغساسنة والمناذرة بمراحل ومراحل، وكذلك الأمر في العراق وليبيا واليمن ولبنان.

حتى «أبو رغال» لم يعد وحيداً في أيامنا هذه، فكم من حفيد له الآن، كما يجادل سمير حجاوي، بعضهم يعمل مع الأمريكيين والبعض الآخر مع الروس وآخرون مع الإيرانيين، وغيرهم مع البريطانيين والفرنسيين، حتى صار لكل قوم من هؤلاء «آباء رغالات».. جمع «أبو رغال» في كل بلد وزاوية، وهم لم يتبرعوا بأن يكون «أدلاء أذلاء، ولكنهم تجاوزا ذلك إلى التحريض على بعضهم البعض دون أن يعلموا أن الاحتماء بهذه الدولة أو تلك ليس حلاً مطلقاً ولا يزيدهم إلا تقزماً وذلاً وتبعية.

هل هناك يا ترى أي أمل على المدى المتوسط أو البعيد للخروج من هذه الدائرة المفرغة، أم إن المنطقة ستترحم حتى على أيام الغساسنة والمناذرة؟ على الأقل في ذلك الزمان لم يتبع العرب سوى القوتين المتصارعتين في ذلك الزمان الروم والفرس، بينما اليوم يتباهى شعب كل دولة عربية وخاصة دول الثورات بالاصطفاف إلى جانب هذا المحتل أو ذاك ويرى فيه المنقذ والمخلص، بينما المعروف تاريخياً أن الوحوش لا يمكن أن تنصف الفرائس بل تتناصفها.

كاتب واعلامي سوري

=========================

موقفنا : حول زيارة الوفد الروسي متعدد الرؤوس إلى دمشق ... وفد كبير ... وقضايا خطيرة ..والزمن المتاح عدة ساعات !!

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

8/ 9 / 2020

وصل دمشق بالأمس 7/ 9/2020 على أكثر من دفعة ، وفد روسي متعدد الرؤوس ، كان على رأس إحدى الدفعات نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف . وكان على رأس الدفعة الثانية : سيرغي لافروف وزبر الخارجية ، الذي لم يزر سورية منذ 2012 ، وكان من المتوقع أن يكون في الوفد سيرغي شويغو وزير الدفاع ، ولكن قيل إن أمورا حجزته ، وهذا لم يمنع من وجود قيادات عسكرية ، واقتصادية ذات مكانة في الإدارة الروسية ، وبحيث نستطيع أن نوصف الزيارة بأنها ذات طبيعية دبلوماسية سياسية عسكرية اقتصادية ..

ونظرا لأن كل ما صدر عن المتحدثين الروس وغيرهم كان من قبيل ذر الرماد ، ونشر الضباب ، والتعويم والتعتيم فسنحاول معا أن نستجلي بعض الحقائق ، بحشد المعلومات الظرفية ، والقرائن الدالة عسانا ندرك معا بعض ما كان ..

إن أول دلالة ظرفية يمكن أن نشير إليها ، أن الرئيس بوتين يرسل هذا العدد من أذرعه الضاربة في شهر أيلول / سبتمبر ، وهو الشهر الذي احتلت فيه قواته العسكرية سورية في عام 2015 . أي أن هذه الزيارة تأتي وقد أتم الاحتلال الروسي لسورية عامه الخامس . نذكر فقط أن بوتين قد وقّت لمهمة قواته في سورية أولا ثلاثة أشهر فقط ، ثم مددها لسنة . وها هو يتم السنوات الخمس ولعله يخطط للبقاء لخمسين سنة . محطة السنوات الخمس كان لها دور في توقيت هذه الزيارة وفي ظرفيتها ، ولاسيما وأن الروس يؤمنون كثيرا بالخطط الخمسية .

ومن ثاني الأدلة الظرفية المهمة ..

أن الزيارة بهذا الحشد الكبير من الرؤوس والخبراء : دبلوماسيون وسياسيون وعسكريون واقتصاديون ..لم تستغرق سوى ساعات ..!! مما يؤكد أن هذه الساعات بما رافقها من برتوكولات وتنقلات ولقاءات " لقاء بشار ولقاء المعلم ومؤتمر صحفي " لا تتسع لإجراء أي مباحثات جادة وحقيقية على محور من المحاور ..

 فلوقت المعطى للزائرين والمستقبلين لا يكفي لإجراء مباحثات ومفاوضات وشرح شروح ، وإرساء تفاهمات .. وإنما هو الوقت الكافي ليقوم الفريق الزائر بتبليغ الأوامر والتعليمات والإلزامات للفريق المستضيف ..!! ولماذا لم يتم هذا التبليغ عن طريق الاتصالات ، فربما لإعطاء هذه الأوامر والتعليمات الجدية والحزم اللازمين ، حتى لا يتخلف متخلف ، ولا يراوغ مراوغ ..!!

من المقترنات المهمة بالزيارة أن نائب رئيس الوزراء الروسي "يوري بوريسوف " نزل مطار دمشق ، بزي غير رسمي ، وإنما بطريقة تذكرك أكثر بمن كنا نطلق عليهم في ثقافتنا الشعبية لقب : الجوكر أو المقشمر ، بنصف كم مع إبراز ظاهر للعضلات ، وكأنهم مصارع من الدرجة الرابعة يلتحق متأخرا بحلبة المصارعة . أنصح برؤية صورته المنشورة على العديد من المصادر ، وأهم دلالة دبلوماسية لرئيس الوفد الدبلوماسي الروسي ، أنه لا يعتبر نفسه حين ينزل مطار دمشق في زيارة لدولة أجنبية ذات سيادة ، عليه أن يتقيد عند زيارتها بقواعد البرتوكول ..بل هو يظن نفسه في الحديقة الخلفية لمنزله الشخصي ، والمضحك المبكي أنهم حين يحدثونك عن السيادة السورية يفتحون أفواههم ، والمواطن السوري - السوري لا يدخلها إلا بدفع مئة دولار !! المهاجر السوري في دول الجوار استحوز على بئر نفط وهم يريدون أن يشاركوه !!

ومن المقترنات الأكثر أهمية أيضا ..

أن وزير الخارجية وليد المعلم لم يخرج إلى المطار لاستقبال نظيره الروسي لافروف ، هل كان بينهما من قبل شيء ، فهذه أول زيارة للافروف إلى دمشق منذ ثماني سنوات ؟!! ..هل في هذا دلالة على أن الزمرة الأسدية تستقبل الضيوف الثقال على مضض ، وتحت عامل الإكراه ..؟!!! وهذا ما دفع وزير الخارجية لافروف إلى الإعراض عمليا عن مستقبله معاون وليد المعلم " أيمن سوسان " وأنه لا يلتفت إليه ..!!

ربما هذه الظروف المحيطة وهذه المقترنات العملية تشرح لنا بعض أهداف الزيارة .

ثم افعلوا بكل ما سمعتموه في الإعلام عن الزيارة ما يلي ؟

ارموا نصفه في البحر ..

وزعوا نصف النصف على من حولكم ..

تأملوا نصف النصف المتبقي فستدركون إن سر الزيارة تكمن فيما يريده الروس من الغنيمة السورية وهم يزعمون ، " أن سورية تدخل مرحلة الانتصار بفضل الدعم الروسي " " وأن السنوات الخمس القادمة هي سنوات جني الحصاد الذي تم بفضلهم " وأن الروس يريدون ثمن استمرار الدعم في المرحلة القادمة " " وقد تم في هذه الزيارة تحديد هذه الأثمان سياسيا وعسكريا واقتصاديا .. "

قال الروس: أسقطنا المرحلة الانتقالية ، ونحن ذاهبون إلى إصلاحات دستورية بموافقة الأمريكان .

قبل وليد المعلم بالشروط وقال : وإلى استفتاء على الدستور الجديد ، وإلى انتخابات الرئاسة في موعدها ...

وظن شرا ولا تسأل عن الخبر

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

هل تغيّر التعامل الأميركي مع القضية السورية؟

عمر كوش

العربي الجديد

السبت 5/9/2020

يثير تغيّر السياسة الأميركية وتقلبها حيال القضية السورية أسئلة عديدة بشأن أسباب ذلك وحيثياته، وعلاقته بأولويات الإدارات الأميركية المتعاقبة على البيت الأبيض، وكيفية تعاملها مع القضية، ومع القرارات الأممية التي صدرت بشأنها، حيث لم يكُن هدف الإدارة الأميركية تغيير نظام الأسد أو إسقاطه، وذلك على عكس ما ذهب إليه مبعوث وزارة الخارجية الأميركية الخاص بسورية، جويل ريبورن، حين زعم أن هدف الإدارة الحالي هو نظام بشار الأسد، وطالب في اجتماعه مع أعضاء من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في 26 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، في إسطنبول، بتوحيد إدارة الشمال السوري، الغربي والشرقي، من أجل تحقيق هذا الهدف وإلحاق الهزيمة بالأسد.

ومنذ قيام الثورة السورية في منتصف مارس/ آذار 2011، لم تتبع الولايات المتحدة استراتيجية واضحة حيال نظام الأسد، والوضع السوري بشكل عام، ولا نهجاً معيناً، بل ظل موقفها يتسم بعدم الاكتراث، ومحاولة إدارة الأزمة، خصوصا إبان فترة الرئيس السابق باراك أوباما الذي سلّم الملف السوري إلى روسيا، كي تتدخل بشكل عسكري سافر في سورية مع نهاية سبتمبر/ أيلول 2015. وتكرّر الأمر نفسه مع الرئيس دونالد ترامب، حيث تغيرت أولويات سياسة إدارته حيال القضية السورية مرّات عديدة، ووضعت الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مقدّمتها، وتحالفت في سبيلها مع قوى الأمر الواقع، ممثلة بوحدات حماية الشعب الكردية، ثم أعلنت هزيمة "داعش"، وراحت تركز على أنسحاب إيران والحدّ من نفوذها. وكعادته، قرّر الرئيس ترامب إنهاء مهمة قواته وسحبها أكثر من مرّة، لكن الأمر لم يتعدّ إعادة انتشارها والتركيز على منطقة الجزيرة السورية بنفطها وغازها الطبيعي.

ظل الموقف الأميركي بشأن سورية يتسم بعدم الاكتراث، ومحاولة إدارة الأزمة، خصوصا إبان فترة أوباما الذي سلّم الملف السوري إلى روسيا

والملاحظ أن التعامل الأميركي مع القضية السورية ارتهن، إلى حدّ كبير، بمواقف الرئيس الأميركي، سواء أكان أوباما أم ترامب، ولم تستند إدارة كلّ منهما إلى رؤى أو خطط استراتيجية. ونتج عن ذلك عدم وجود مسعى أميركي حقيقي لحل سياسي في سورية وفق قرارات الأمم المتحدة، على الرغم من تكرار المسؤولين الأميركيين مقولة استبعاد الحل العسكري الذي لجأ إليه الروس والإيرانيون ونظام الأسد، وراحت الإدارة الحالية تركز على مطالب، يطلقها بين الفينة والأخرى كل من وزير الخارجية مايك بومبيو والمبعوث الخاص إلى سورية جيمس جيفري، ومبعوث وزارة الخارجية الأميركية الخاص بسورية جويل ريبورن، وتتمحور حول الحل السياسي وانسحاب إيران ومليشياتها ووقف العمليات العسكرية في سورية. ولكن مع عدم وجود خريطة طريق أو خطّة واضحة لتحقيق هذه المطالب، وهو أمر جعل نظام الأسد وحلفاءه الروس والإيرانيين لا يقيمون أي اعتبار لمطالب الولايات المتحدة، لأنها ببساطة لم تفعل شيئاً من أجل تحقيقها.

قد يكون تعامل الإدارة الأميركية اختلف قليلاً مع الحفاظ على وجودها العسكري في منطقة شرقي الفرات وتعزيزه، إضافة إلى قانون قيصر (أو سيزر)، الذي جاء في وقت كان يحاول فيه نظام الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون تسويق انتصاراتهم العسكرية على فصائل المعارضة السورية، ومحاولاتهم استثمارها اقتصادياً، وترجمتها سياسياً، وبالتالي يُعتبر هذا القانون بمثابة العامل المثبط لتلك المحاولات على المستوى الاقتصادي، باستهدافه اقتصاد النظام ومرتكزاته وموارده المالية، من خلال استهداف الأفراد والكيانات والشبكات المرتبطة به، وطرق تمويله وإمداده بالأدوات والمعدّات التي يستخدمها في حربه ضد غالبية السوريين.

لا تشي التحرّكات الدبلوماسية الأميركية أخيراً بحدوث تغير كبير في تعامل واشنطن مع القضية السورية

ويبدو أن الإدارة الأميركية أرادت من قانون قيصر نقل الصراع على سورية وفيها إلى المستوى الاقتصادي المدعوم قانونياً، بهدف تغيير سلوك النظام وتوجهاته وتحالفاته، معتقدةً أن قوة عقوباتها وضغوطها الاقتصادية التي ستطبقها على نظام الأسد وحلفائه وداعميه الدوليين والإقليميين، وفق هذا القانون، كافية لإفشال كل ما قاموا به من جهود عسكرية وسياسية، من أجل تثبيت نظام الأسد والاستفادة من عوائد إعادة إعمار سورية، ومنع استثمار ما حققوه عسكرياً على الأرض، وأنهم سيغيرون خططهم وتوجهاتهم، ويفكرون في البحث عن البديل لنظام الأسد، عبر الانخراط في تسويات سياسية. في المقابل، وضعت الإدارة الأميركية شروطاً لرفع العقوبات، تتلخص بوقف استخدام نظام الأسد وعناصره المجال الجوي السوري لاستهداف السكان المدنيين، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المحاصرين والنازحين، والسماح لهم بالعودة طواعية وبكرامة، ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب. وهي شروطٌ لم يعرها النظام وداعموه أي اهتمام. 

يبدو أن الإدارة الأميركية أرادت من قانون قيصر نقل الصراع على سورية وفيها إلى المستوى الاقتصادي المدعوم قانونياً، بهدف تغيير سلوك النظام وتوجهاته وتحالفاته

ومنذ توقيع الرئيس ترامب على قانون قيصر، تقود واشنطن حملة دبلوماسية من أجل الانخراط في محاولات البحث عن مخرج للقضية السورية، لكن ذلك كله ليس هدفه نظام الأسد وإلحاق الهزيمة به، بل جعله ينصاع وينخرط بالمسار السياسي. وبالتالي، جاءت زيارات جيمس جيفري وريبورن وسواهما إلى جنيف وأنقرة وإسطنبول على خلفية تأكيد حضور قوي للولايات المتحدة في الجولة الثالثة من اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، التي انتهت من دون أن تحقق أي اختراق في جدران تعنت النظام. والظاهر أنه كان هناك تعويل أميركي على اجتماعات هذه الجولة، لكنه مبالغ فيه، حيث توقع جيفري "أن تسلم روسيا الأسد على طاولة المفاوضات"، من دون أن يعطي أي دليل أو مؤشر على ذلك، بل استند إلى توقيع الروس على قرار مجلس الأمن 2254، وعلى الاتصالات المتكرّرة معهم، وخصوصا "المرونة التي أبداها النظام لعقد اجتماع اللجنة الدستورية، بما في ذلك اللقاء مع معارضين له"، لكنه اعترف بأن "روسيا لم تتخذ بعد قراراً استراتيجياً بالانتقال كلياً من خيار الحل العسكري إلى الحل السياسي". ومع ذلك بقي جيفري معوّلاً على "تطورات مثيرة" ستحدث في القضية السورية، من خلال البديل الذي يمكن أن تتمخض عنه اجتماعات اللجنة الدستورية في توفير بيئة آمنة، من دون تحديد ماهيتها، وما إذا كانت هي البيئة الآمنة نفسها التي وردت في القرارات الأممية، ويتطلع إليها السوريون للخلاص من نظام الاستبداد.

إذاً، لا تشي التحرّكات الدبلوماسية الأميركية أخيرا بحدوث تغير كبير في تعامل الولايات المتحدة مع القضية السورية، كونها مبنية على توقعات وآمال وتطلعات بتقدم العملية الدستورية، وصياغة دستور جديد، يسبق انتخاباتٍ حرّة ونزيهة، تحت رعاية الأمم المتحدة وإشرافها، وهو أمر يرفضه النظام جملة وتفصيلاً، وليس هناك أي مؤشّر على أن الروس يمارسون ضغوطاً حقيقية على النظام، من أجل حثّه على السير في هذا الاتجاه، بل على العكس، ما زال ساسة النظامين، الروسي والإيراني، متمسكين بالأسد ونظامه، وبالخيار العسكري من أجل تحقيق مصالحهم في سورية والمنطقة، ويعيقون أي مسعىً للوصول إلى حلّ سياسي أممي ينهي الكارثة السورية.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com