العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-08-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

موسكو… واستراتيجية استنبات الأذرع في سوريا .. ميسرة بكور

القدس العربي

الخميس 10/8/2017

مما لاشك فيه أن نظام بوتين الروسي استطاع أن يعيد النبض لشرايين تنظيم بشار الأسد وبث فيه روح كادت تزهقها ضربات الثوار، بإعتراف الوزير لافروف الذي قال غير مرة أن موسكو تدخلت في سوريا قبل أسابيع من سقوط تنظيم الأسد، تصريح لا يدع مجالا لشك مشكك أن هدف روسيا من التدخل كان حماية تنظيم الأسد وليست له أي علاقة بمحاربة «الإرهاب» الذي رفعته شعارا لم تلتزم به باعتراف مراكز أبحاث دولية.

ولا شك أن بشار الأسد وبفضل التدخل الروسي الذي رجح كفته على خصومه على خلفية تدمير حلب وتوافق موسكو مع انقرة لإخراج الثوار منها، بات يشعر بفائض ثقة دفعته وحلفائه من الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات وبتواطؤ من عصابات pyd، وعلت همته حتى أنه تطاول إلى دير الزور. وخرق وقف إطلاق النار الموقع في القاهرة بضمان بوتين، الأمر الذي لم يرق لموسكو واعتبرته خروجا عن المسار الذي رسمته موسكو لمستقبل سوريا، الحفاظ على تنظيم الأسد مع تغييرات في إطار الصورة قد نسمع عنها قريبا من إقالة وزير الدفاع إلى استبدال وزير الخارجية.

روسيا باتت على قناعة تامة أن تنظيم بشار الأسد لا يمكنه منفرداً او متحالفاً مع الميليشيا الإيرانية متعددة الجنسيات أن يعيد السيطرة على كامل سوريا أو أن يعيد حكم عائلته في سوريا إلى سابق بطشها، وقد أثبتت التجارب أنه ما أن يغيب الطيران الروسي عن الأجواء الثورية حتى تفتك الفصائل المسلحة بالميليشيات الأسدية وتعاود السيطرة على كل ما فقدته خلال أشهر من المعارك بساعات قليلة.

بشار الأسد الذي تعتبره موسكو الرئيس الشرعي وتخفي عدوانها على الثورة السورية تحت مظلته وتعتبره الورقة الرابحة بيدها، تحتج بها على مناوئيها بالقول أن القوات الروسية في سوريا تشارك في الحرب على الإرهاب بناء على طلب رسمي من الحكومة الشرعية، بينما دوليا ليست له شرعية.

في العودة لتصريحات سابقة للرئيس الأمريكي ترامب قال فيها أن «إن مصير الأسد ليس عقبة» بهذا التصريح الترامبي افقدت واشنطن موسكو أهم أوراقها التفاوضية «مصير الأسد». بالاضافة لتصريحات الوزير «ريكس تلرسون» روسيا تمتلك الاستراتيجية الأوضح في الملف السوري.

يمكن في هذا المقام الاتكاء على تصريحات الرئيس الفرنسي» ماكرون» أن اسقاط الأسد كشرط للحل في سوريا غير فعال.

على هذا الأساس باتت روسيا تنسج استراتيجيتها لمستقبل سوريا، التي تقوم على بقاء تنظيم الأسد، لكن ضعيفاً خاضعاً لإرادتها.

الاستراتيجية الروسية الجديدة بدأت في تنفيذها منذ توافقها مع تركيا لإخراج الثوار من حلب.

وكانت تقوم على استنبات أذرع لها في سوريا، معالمها تقوم على محاور ثلاثة.

اولهما، إنشاء أذرع عسكرية لها في سوريا تخضع لسيطرتها المباشرة، فكان أن استنبتت الفيلق الخامس في الساحل السوري بعد فشلها في تشكيل «الفيلق الرابع – اقتحام« الذي كان هدفه دمج ميليشيات متعددة مدعومة من إيران والدفاع الوطني.

ومنذ أسابيع عادت روسيا لطرح تشكيل قوة موحدة من الميليشيات الأسدية بالإضافة للفصائل المسلحة لهذا الجيش تحت عنوان محاربة الإرهاب، وهي حركة التفافية على الثورة وفصائلها لإنهاء اي صراع مع تنظيم الأسد وطيها تحت الجناح الروسي.

الأمر الذي تنبهت إليه ورفضته معظم الفصائل الثورية التي تنظر للوجود الروسي على انه احتلال وهدفه وأد الثورة.

بالمناسبة هو المطلب الأمريكي نفسه من الفصائل التي تدعمها الاندماج في قوة واحدة تقاتل التنظيمات الإرهابية ولا تقاتل تنظيم الأسد الذي رفضته بضع فصائل فكان ان سحبت واشنطن الأسلحة المقدمة لها منذ أيام وأوقفت برنامج دعمها.

يبدو أن المحور الأول، تشكيل جيش موحد أو فيالق تتبع لموسكو قد فشل لأسباب متعدده نذكر منها عدم قبول الفصائل الثورية الاندماج مع تنظيم الأسد، وعدم رغبة إيران وتنظيم الأسد والميليشيات التابعة لهما الاندماج لأنه يجعل من روسيا المتحكم الوحيد باللعبة العسكرية براً وجواً، الأمر الذي يضعف إيران وحليفها الأسد الذي يتخوف من تخلي موسكوعنه في صفقة أو تسوية دولية وإبقاء شيء من زمام الأمور العسكرية بيده يتيح له هامش المناورة، ورغبة إضافية بتحقيق توازن بين النفوذ الإيراني الروسي حتى يلعب على هامش تناقضات المشروعين الروسي الإيراني.

المحور الآخر الذي لعبت عليه موسكو، كان العامل السياسي والدبلوماسي ولعبة المفاوضات، في ظل استراتيجيتها السابقة، الحفاظ على تنظيم الأسد، عملت روسيا على استنبات «استانا» كمنصة بديلة عن جنيف وبيانه الشهير الذي يطيح في أحد بنوده بتنظيم الأسد والذي نص على «تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات« هيئة حكم تعني الغاء كل ما هو قائم اليوم.

كما بات واضحا للمراقبين أن روسيا فشلت في تسويق استانا بديلا لجنيف بسبب عدم القبول الدولي لها، وأكد على أن الحل في جنيف وبيانه الأول، وفي آخر اجتماعات استانا استطاعت تركيا منع الفصائل المنضوية تحت جناحها بحضورالإجتماع.

باتت موسكو تشعر أن استانا لم يفلح في تسويق مشروعها، فكان لا بد من استراتيجية بديلة في ظل التقارب مع ترامب على هامش قمة العشرين، نحت موسكو منحى آخر بالتوافق مع واشنطن وبضوء أخضر منها، كانت نتيجته إعلان منطقة خفض التوتر جنوب غرب سوريا «درعا» وجوارها القريب من حدود فلسطين، وتم الحديث حينها عن تطبيق هذا الاتفاق في بقية المناطق «الغوطة الشرقية، وريف حمص الشمالي» واختارت له هذه المرة القاهرة أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان والقوة العسكرية وفي ظل التقارب السعودي المصري، وعلى انخفاض أضواء التقارب السعودي التركي على خلفية الخلاف الخليجي.

المحور الثالث، الأذرع السياسية لموسكو، كما تعلمون أن موسكو استنبتت معارضات متعددة تابعة لها، منها معارضة حميميم ومنصة القاهرة وتيار قدري جميل ومجموعته اليسارية.

ربما باتت روسيا تشعر اليوم أن منصة القاهرة وتيار قدري جميل ليس لديهما اي ظهير شعبي ولا يتعدى عدد اعضائهما المنصة ذاتها وأيقنت أن قدري جميل شخص غير مرغوب به ثوريا رغم أدائه التمثيل الثوري وأن السيدة رندة قسيس ورقة محروقة بسبب تصريحاتها الليبرالية المتطرفة، وهذا ما عبرت عنه أخيرا حين أيقنت القسيس أنها أصبحت خارج حسابات موسكو.

فكان لا بد لها من استنبات وتطوير ذراع جديدة فوقع الاختيارعلى تيار الغد السوري وزعيمه «احمد الجرباس الذي كان يحظى بدعم سعودي قبل انقلابه على السعودية وتغيير تموضعه إلى الصف الإماراتي، وما يدلل على ذلك ظهور «رجل الإمارات» الفلسطيني محمد دحلان مستشار ولي عهد أبوظبي في اجتماع الإعلان عن تأسيس ما سمي بـ «تيار الغد السوري» برئاسة أحمد الجربا، ويشاع أن أحمد قذاف الدم رئيس المخابرات الليبي السابق في عهد معمر القذافي، يقوم بتمويل نشاطات الجربا، الذي ينفق بسخاء لشراء الولاءات، ويتواصل مع مشايخ العشائر السورية. وشكل قوة النخبة التي تقاتل مع المتطرفين الكرد، ويتحالف مع تنظيم صالح مسلم الانفصالي.

يبدو أن روسيا وجدت في الجربا المستعد دوما لتغيير جلده وإعادة تموضعه حليفاُ لها واختارته ليكون رجلها في سوريا بعد أن خفتت الأضواء حول قدري جميل ورندة قسيس واحتراق هيثم مناع، ولؤي حسين.

يبدو واضحاً أن موسكو قرأت التغييرات الخليجية التي تسير لصالح الجربا، الخلاف مع إيران، وفتور العلاقات مع تركيا، ربما تتيح للجربا المناهض للتيارات الإسلامية حسب الرغبة الروسية الأمريكية أن يعيد صلاته بالسعودية ولعب دور البطولة في إغاظة الأتراك وأقصائهم قصراً عن لعبة مناطق تخفيف التوتر الذي ينسقها تيار الجربا، بظاهرها الإنساني وباطنها إقصاء الأتراك، من خلال عدم قبولهم كضامن ونقل الملف السوري للقاهرة، الشاهد أن «جيش الإسلام» المحسوب على السعودية وافق على هدنة الغوطة في القاهرة بعيدا عن الضامن التركي.

هكذا تستنبت روسيا أذرعها في سوريا، وتلعب على التناقضات الثورية، شراء الولاءات وتوزيع المناصب الوهمية المستقبلية أو بالقوة الجبرية العابرة للقارات على الفصائل الثورية.

========================

في انتظار مذبحة إدلب .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 10/8/2017

بات لدى الادارة الاميركية اعتقاد راسخ، نتيجة منطقها السياسي الذاتي او بإيحاء روسي، بأن قبولها ببقاء بشار الاسد في السلطة سيتيح لها لاحقاً التأثير في خياراته، وإبعاده تدريجاً عن حليفه الإيراني. وينعكس هذا التفكير الساذج والقاصر عن ادراك حقائق السياسة في الشرق الاوسط وفهم ألاعيبها، في استمرار التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا في الشأن السوري، على رغم التوتر القائم بين الدولتين بسبب مسألة التدخل في الانتخابات الاميركية، وتبادل فرض العقوبات.

لكنه تنسيق يبدو راجحاً بوضوح لمصلحة موسكو التي تعرف ما تريد، وتخطط له بدأب. وهذا ما تعكسه تصريحات الطرفين عن الوضع في إدلب التي سبق للروس ان أدرجوها في قائمة مناطق «خفض التوتر» قبل ان يبدأوا الحديث عن صعوبة تحقيق ذلك. وجاراهم الاميركيون في تأكيد ان المحافظة الشمالية باتت «ملاذاً آمناً» لتنظيم «القاعدة» في شكله الجديد: «هيئة تحرير الشام» بعد «النصرة».

ثعلب الديبلوماسية الروسية لافروف صرّح بعد نقاشات مستفيضة وتفصيلية حول سورية مع نظيره الاميركي تيلرسون قبل أيام في مانيلا، بأن «الاتفاق على معايير منطقة خفض التصعيد في ادلب ليس بالأمر السهل». وجاءت هذه التصريحات لتزكّي تصريحات أدلى بها الموفد الاميركي الخاص لدى «التحالف الدولي ضد داعش» بريت ماكغورك عن تحول إدلب «منطقة آمنة لإرهابيي القاعدة»، متهماً تركيا بتقديم «السلاح والمال والدعم اللوجستي لهم» وبأنها كانت «الطريق الوحيد لعبور مقاتلي القاعدة إلى سورية».

ومع انه لا يمكن الدفاع عن تركيا ودورها في سورية، واستخدام استخباراتها كل الطرق والوسائل لتعزيز نفوذها هناك، بما في ذلك نسج علاقات مشبوهة مع متطرفين واستخدام قضية النازحين لاغراض سياسية بحتة، إلا ان الموقف الاميركي يتجاهل حقيقة ان روسيا وايران والقوات السورية النظامية هي المسؤولة الى حد كبير عن ايصال الوضع في إدلب الى ما هو عليه، بعدما عملت هذه القوى على تشجيع المقاتلين المعارضين، وخصوصاً من متشددي «القاعدة»، على الخروج بأسلحتهم من مناطق شهدت اجراء «مصالحات»، وتسهيل انتقالهم الى ادلب.

كان الهدف الأولي لهذه السياسة زيادة عدد المتطرفين في المحافظة لمواجهة المعارضين من «الجيش الحر» والفصائل المعتدلة. وهذا تماماً ما حصل وأدى الى مواجهات بين الطرفين انتهت بسيطرة «النصرة» على معظم المحافظة وعلى معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.

اما الهدف الأبعد، فهو التذرع بسقوط ادلب في يد المتشددين تمهيداً لاقتحامها، مثلما حصل في حمص وحلب. من سيقوم بذلك؟ الروس والجيش النظامي والميليشيات الايرانية، وربما بمشاركة جوية اميركية.

لكن هل يعقل ان الاميركيين غافلون عن هذه الخديعة؟ بالطبع لا، إلا انهم على ما يبدو اخذوا مقابلاً في مناطق اخرى: منطقة «خفض التوتر» الجنوبية (درعا) ومناطق سيطرة «قوات سورية الديموقراطية» الكردية شمالاً. لكن السؤال هو: هل يستطيع الأميركيون ضمان انهم لن يضطروا لاحقاً الى التخلي عن هؤلاء بعد انتهاء المعركة مع «داعش»؟

الواضح ان الاميركيين «وقعوا في الفخ» بإرادتهم. فقرار الوثوق بالكرملين في التخطيط لمستقبل سورية يتجاهل اموراً عدة، أولها ان روسيا لا ترغب ولا تريد ان يشاركها احد نفوذها في هذا البلد، باستثناء قوى الامر الواقع الايرانية، وثانيها ان الاسد لا يستطيع، ولو رغب، التخلي بسهولة عن ايران لمجرد ان الاميركيين قبلوا الاقتراح الروسي ببقائه في الحكم.

السياسة الاميركية اذاً تحتاج الى تصويب، اذ لا يمكن ضمان الروس ولا الاسد. اما ايران فيستدعي اخراجها من سورية مواجهة مباشرة معها.

وقد تكون الاتهامات الاميركية الى تركيا مجرد محاولة لابعاد الاتراك عن معركة ادلب، او لردعهم عن التدخل ضد الاكراد في شمال سورية بعدما بدأوا تعزيز قواتهم قبالة مناطق انتشارهم. لكن ما هو مؤكد، ان معركة إدلب تقترب بأسرع مما هو متوقع، ولن يكون فيها تمييز بين متطرف ومعتدل، او بين مسلح ومدني، وقد يكون الهجوم بالسلاح الكيماوي على خان شيخون مجرد عينة مما ستشهده.

========================

دماء الشهداء تنادي الثورة الشامية .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 9/8/2017

ما يجري على أرض الشام من مؤامرات داخلية وخارجية تشترك فيها أطراف دولية وداخلية تشي بشيء واحد، وهو عظم هذه الأرض، وعظم هذه المعركة، وعظم هذه الثورة العظيمة التي يخشاها القاصي والداني، عرف قيمتها الكل إلا المعارضين الذين تصدروا المشهد السياسي لسنوات، فنقلونا من تنازل إلى آخر، ومن توسعة لائتلافهم وهيئاتهم إلى أخرى، فوصل الأمر إلى أن تدعو الهيئة العليا للتفاوض منصتي الأسد في القاهرة وموسكو، فتتمنعان على المشاركة في مؤتمر بالرياض، وتشترطان معهما أن يكون الاجتماع في جنيف.

تخيلوا أن يدعو البعض إلى أن تكون شخصية كأحمد الجربا رئيساً لهيئة التفاوض، وهو أشبه ما يكون بحفتر سوريا، وربما حفتر ليبيا أحسن حالاً منه، كون لديه القوة العسكرية على الأرض، ومع هذا يصمت الجميع.. تحصل التنازلات تلو التنازلات، ونحن لا نرى وقفة للمخلصين الصادقين بوجه هذا التآمر الرهيب على الشام وثورته العظيمة التي هي بالأساس ثورة الأمة قلباً وقالباً، ومن أدمن تلقي الصفعات لن يهمه عددها ولا قوتها.

الحل هو على الأرض، وتحديداً في المناطق المحررة، إن كان بإدلب وما حولها، وريفي حماة وحلب، أو بدرعا وما حولها وريف حمص، وكذلك بالغوطة الشرقية، أن يتقي الله ثوار وأبطال هذه الثورة في مناطقهم، ويقيموا إدارات مدنية محلية تخدم الأهالي، وتعزز الحاضنة الاجتماعية، وتقدم البديل الحقيقي لمن يمثل هذه الثورة العظيمة سياسياً وخارجياً، فكفى اعتماداً على هيئات تفاوض لم نرَ منها إلا السراب، وقبض للريح.

المسؤولية عظيمة ودماء شهداء الشام، وأنّات المكلومين والثكالى والمشردين تنادي المخلصين من أجل مؤتمر عام يُدعى إليه الكل دون إقصاء أو تحجيم أو تهميش لأحد، يكون هدفه واحداً، وهو حماية دماء من سكبت، ودماء من ستسكب، فالكل مطلوب رأسه ما دام مؤيداً لهذه الثورة، ومن ظن أنه بإمكانه التخفف من حمل وعبء هذه الثورة سيحفظ بذلك رأسه وأهله وماله واهم، فهذه العصابة الطائفية، ومعها الاحتلال الأجنبي من روسي وإيراني، سيطالبون برأسه، ولكن القضية أولويات وأسبقيات، وكل سيأتي دوره بالنسبة لهم، ولكن بإذن الله تعالى خابوا وخسروا..

دماء الشهداء لن ترحم، ومن سكب دمه فقد سكبه فداء للحرية، لم يسكبه من أجل فتح طريق أو معونات غذائية، أو شيء يتفضل به عليه المحتل، أو القوى العالمية التآمرية، الثمن هو الحرية، وهو إسقاط العصابة الطائفية، ولن يقبل أهل الشام وأولياء الدماء عن ذلك بديلاً.;

========================

عن المرض الأسدي بالطائفية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 9/8/2017

ليس وباء الطائفية مرضًا عادياً. إنه نوع قاتل من الوباء، برز في نصف القرن الماضي من تاريخ سورية، بتخطيط وجهود نظام أسدي يعاقب من لا يعتبره محض"علماني"، وسرعان ما قوّض كثيرا من مشتركات السوريين الوطنية التي كانوا قد بلوروها خلال التاريخ السابق لانقلاب سرقه عسكر "البعث" عام 1963، قبل أن ينتقل إلى تخريب بنية سورية، دولة ومجتمعا، وتدمير كيانها الوطني وتنظيماتها السياسية والحزبية وثقافتها، وإخضاعها لاستبداد وحشي لم تعرف له مثيلا طوال تاريخها القديم والحديث.

بعد سيطرة ضباط "البعث" على انقلاب 1963، بدأ تطور معاكس كبح الاندماج الوطني، رعته سلطة أخذت تطيفها أوساط قيادية في الجيش، بدلت بقرارات متعاقبة اتخذتها بنية المؤسسة العسكرية، ثم أسست منظومة كاملة من أجهزة مخابراتية غطت جميع قطاعات الدولة والمجتمع، اكتمل بها وبنشاطها تطييف "الدولة العميقة" التي طبقت خططا عالية التنظيم، تركّزت على احتلال مؤسسات ومرافق الدولة "المدنية" طائفيا، والإمساك بجسور تواصلها مع المجتمع، بتنظماته ونقاباته وهيئاته المدنية، وصولا إلى إقامة بيئة طائفية شاملة وثابتة، تغطي شؤون الجماعات والأفراد، وتحتجزها داخل شبكة علائقية وقوانينية محكمة الحبك واسعة الانتشار، يحدث نسجها ودورها تبدلا نوعيا يضع السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة في خدمة السلطة، بصفتها طائفة تنفرد احتكاريا بالمجال العام.

هذا البناء السلطوي/ الدولوي الذي استند إلى الطائفة كتكوين ما قبل مجتمعي/ ما قبل دولوي، تمت إشادته في ظل وبذريعة تحقيق، شعارات كان يفترض أنها ستكرس الدولة الوطنية، وتتخطاها، في الوقت نفسه، إلى اقامة دولة قومية موحدة من جهة، وتتجاوز النظام الرأسمالي إلى بديله الاشتراكي من جهة ثانية، وتحل محل أنظمة القمع نظام حريات عامة وشخصية، لا قيد عليه من جهة ثالثة، يعد بأن ترتقي بسورية والعرب إلى صعيدٍ من الحداثة، يقوّض بنيويا أي تكوين ما قبل مجتمعي في الدولة، وخصوصا الطوائف.

تاريخياً وعالمياً، قام الرهان الثوري على خطة من مرحلتين: يتم في أولاهما تحطيم الدولة بعد الاستيلاء على السلطة وتثويرها، وتحويلها إلى أداة تبني دولة جديدة، ثورية حكماً، مهمتها 

"أليس مرضاً قاتلاً أن ترى الأقلية العلوية في بشار خيارها الوحيد، وتنسى أو تتناسى تكلفته الباهظة جدّاً بالنسبة لها؟" الرئيسية تثوير المجتمع في المرحلة الثانية، والقضاء على بنيته الطبقية ونظامه الاستغلالي/ الاستبدادي. تم تطبيق هذه الخطة بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970، ولكن في اتجاه مضاد للثورة، حيث تم تطييف السلطة في مرحلة أولى، وحين نضج تطييفها، انتقلت تاليا إلى استخدام مواردها وأجهزتها لتطييف الحياة العامة والمجتمع. هذا ما تعلمته الأسدية من النظرية الثورية، وهكذا جرّدتها من مضمونها الثوري/ التحديثي، واستخدمتها ضد الثورة، ومن لهم مصلحة فيها: فئات المجتمع الدنيا وطبقاته، فلا عجب أنها استهدفت، بعدائها وقمعها، حملة قيم الحرية والديمقراطية واحترام الانسان وحقوقه والمطالبين بها. ومن الطبيعي أن تسلب السوريين حريتهم وحقهم في ثروات وطنهم وعوائد عملهم باسم حرية شعاراتية، انقلبت إلى استبداد عملي أعمى، ووحدة قومية فرّقت صفوف المواطنين ومزقتها، واشتراكية لم يعرف التاريخ نظام نهب واستغلال أشد وقاحة منها.

في هذا الانقلاب البنيوي العميق، استخدمت "الدولة العميقة" حاضنة جسّدت الطائفة في مستواها الخاص، وعزّزت قبضتها على المجال العام خارجه، من خلال أدوات السلطة العامة "الشرعية"، في حين باع "البعث" وجبهته الوطنية هذه السيطرة على الدولة والمجتمع، بحجة أنها الترجمة الثورية "للوحدة والحرية والاشتراكية"، وأن إنجاحها يتطلب سلطة شديدة المركزية، بل شخصية وفولاذية اليد، يمسك بها قائد مطلق الصلاحيات، هو تحديدا حافظ الأسد أو أحد ما من نسله المعصوم، يعني أي اعتراض أو تحفظ على قراراته جريمة وطنية تستحق أشد العقاب.

حين انتصرت ثورة إيران "الإسلامية" عام 1979، كان النظام الأسدي قد أنجز أكثر صور تطييف سورية اكتمالا، وكان قد أخضع علاقاته العربية والإقليمية والدولية لمعيار وحيد، هو تعزيز طابعه الطائفي ومصالح سلطته. وقد احتفى الأسد بالملالي كمذهبيين شيعة يشاركونه العداء للمسلمين، ويعلنون تصميمهم على تصدير ثورتهم، أي مذهبهم، إلى البلدان المجاورة، بدءا بالعراق، عدو الأسدية اللدود الذي اتحد النظامان الطائفيان ضده لكونه حاجزا يصعب دون كسره اختراق المشرق إيرانيا، ويمثل خطرا رئيسيا على طائفيي دمشق. في فترة تالية، تحالف النظامان، وأسّسا مركز تنسيق وقيادة موحد قوّى مركز الأسد في النطاق الإقليمي، وسهل اختراقات الملالي المجال العربي، ثم تخطى تحالفهما المجال السياسي/ الأمني، وذهب نحو تدامج بشري/ مصالحي، يرتكز على شراكة عقيدية برزت أكثر فأكثر في مواقفهما من قضايا المنطقة التربية ودولها من جهة، ومن التطلعات الديمقراطية والعلمانية، ونشطاء حقوق الإنسان والمعارضة داخلهما من جهة أخرى.

عند هذا المستوى من تماهي علاقاتهما، وضع الطرفان برنامجا موحدا هدفه تحقيق اختراقات استراتيجية في بلدان المشرق والخليج، من خلال تعبئة وتنظيم وتمويل وتسليح أطراف من مكوناتها الشيعية، وتحويلها إلى فصائل مسلحة ملحقة بحرس طهران الثوري ومخابرات الأسد، تحتل بلدانها وتنفذ مهام يُفترض أن ينجزها الجيشان الإيراني والسوري. بهذه النقلة المهمة، عرفت دول المشرق صراعاتٍ لم تعد تقوم على تعبئة داخلها لحماية نفسها من الأخطار الخارجية، أو لتحرير بلدانها من التبعية والتخلف، وإنما جرتها إلى صراعات داخلية المركز، مذهبية وطائفية المحتوى، تفتيتية وتمزيقية، قوّضت مجتمعات عربية كانت متآلفة أو متعايشة في الأمس القريب.

بالتسيّد المتعاظم للقيم والممارسات الطائفية/ المذهبية، تم تدمير وتقليد ما كان قد تم تحديثه

"تم تدمير وتقليد ما كان قد تم تحديثه نهضويا في سورية وبلدان المشرق" نهضويا في سورية وبلدان المشرق، وأبطلت السياسة بوصفها فاعلية مجتمعية عامة، وقضي على الحريات والحقوق والقوانين، وعلى الوطنية باعتبارها رابطة مواطنة وحرية ومساواة وعدالة. وتخلقت بدل مجتمع سورية الموحد "جمعات" متناحرة أدارت السلطة وغذت تناقضاتها. وحلت محل تحرير الجولان معركة الثأر للحسين، وتصحيح تاريخ أعطى الخلافة لغير مستحقها: علي بن أبي طالب رضوان الله عليه !.

كشفت الثورة السورية المدى الذي بلغه الاندماج الإيراني/ الأسدي، وبين كم صار البلدان جسما أمنيا وسياسيا واقتصاديا متشابكا، وأكد دور إيران ضد الثورة منذ لحظتها الأولى أن الملالي لا يقلون عداءً لها من بشار الأسد، وأنهم وراء الحل الأمني الذي حملوا معه، وربما أكثر منه، عبء تطبيقه. والآن، إذا كانت الثورة قد قامت، على الرغم من الواقع الذي وصفته، وكان صمودها قد فضح عجزهما عن تركيعها، ألا يكون من حقنا طرح الأسئلة التالية:

ـ هل هناك عقل واحد سوي يصدّق أن الطائفية نظام طبيعي، ويستطيع تعطيل تطور الشعوب نحو الاندماج والوحدة، ويتيح لطائفة أقلوية أن تفرض سيطرة دائمة على مجتمعٍ يرفض انفرادها بالحكم وشؤونه؟.

ـ وهل يصدّق عاقل، بعد ما تخطته الثورة السورية من خطوط حمراء سلطوية وعلاقات قوى إقليمية ودولية، كانت ضدها ولصالح الأسد، أن من انفردوا بالسلطة نيفا ونصف قرن، ثم عجزوا عن منع السوريين من القيام بالثورة، وعجزوا كذلك عن قهرها نيفا وستة أعوام، سيقنعون "شعب الجبارين" السوري بالاستسلام لنظامهم الطائفي؟.

ـ أليس مرضا قاتلا أن ترى الأقلية العلوية في بشار خيارها الوحيد، وتنسى أو تتناسى تكلفته الباهظة جدا بالنسبة لها، وأن هذا الشخص هو الذي تسبب شخصيا في قتل معظم القسم المنتج بشريا من أبنائها، وفي الإساءة إلى صدقيتها الوطنية وانتمائها لشعبها، علما بأن خسائرها بلغت حجما من شأنه أن يحول بينها وبين حكم سورية بما بقي لها من قوة بشرية؟.

ـ وهل سيهنأ الناجون العلويون من مقتلة الإبادة بالعيش في خوف مقيم، لن يخرجهم منه غير تخليهم عن مستبد ضحّى بعشرات الآلاف من أبنائهم كي يبقى كرسيه، واستعادتهم دورهم المؤيد لحرية وطنهم وكرامته، وانضمامهم إلى مطالبة شعبهم بالخيار الديمقراطي ووقف الحرب التي أوهمهم بشار بأنه يخوضها دفاعا عنهم، ويتبين لهم مع كل ضحية منهم أنها كانت حرب إبادتهم دفاعا عن كرسي، لن ينجح في المحافظة عليه، بما ارتكبه من جرائم ضد العلويين أيضا؟.

ـ لنفترض الآن أن العلويين انتصروا في الصراع الحالي، كم عاما سيبقى مستسلما لهم شعب

"هل بلغت طائفية العلويين حداً يستهينون معه بمصيرهم، دفاعاً عن شخصٍ سيغادر سورية يوما ليلحق بأمواله" قتل مليون ونيف من أبنائه، وهل سينتصرون في المرة المقبلة؟. لم يكن النظام الطائفي في أي يوم مصلحة للعلويين، وكيف يكون مصلحة لهم، إن كان قد وضعهم في مواجهة شعبهم وجعلهم طعاما للمدافع؟ أليس للعلويين مصلحة حياتية في النجاة من السيطرة الإيرانية على وطنهم، وفي الانضمام إلى معركةٍ ستضمن لهم ما تضمنه لإخوتهم السوريين من عدالة ومساواة وكرامة إنسانية؟.

ـ أليس ضربا من انتحار مواصلة معركة إن ربحها الأسد اليوم خسرها غدا، هدفها إنقاذ شلة متسلطة، لطالما اضطهدت علويين، وحولت آلافا من شبابهم إلى حراس لثرواتها وفسادها في دمشق وغيرها، لو كان أمرهم يهمها، لبادرت إلى قبول حق الشعب السوري الواحد، بمن فيه العلويون، بالحرية؟.

ـ أخيراً، هل بلغت طائفية العلويين حداً يستهينون معه بمصيرهم، دفاعاً عن شخصٍ سيغادر سورية يوما ليلحق بأمواله، وسيتخلى عمّن يموتون اليوم دفاعا عن كرسيه، وسيعيش متنعما بمسروقاته التي يعرف كل علوي أن جزءا منها أخذ منه هو أيضا؟.

من الممكن أن تنتصر أقلية منظمة ومسلحة بعض الوقت على أغلبية مفككة ومن دون قيادة. لكنها تحكم على نفسها بالإعدام، إذا توهمت أن انتصاراتها لا تعلم الأغلبية كيف تهزمها، وأن هزيمتها تحتاج أكثر من خسارة واحدة.

تقول وثيقة جنيف بضرورة قيام شراكة في الحكم، تتمتع بتراضي الطرفين السوريين المتصارعين: أهل النظام وأهل المعارضة. أليس من الجنون أن يتجاهل العلويون فرصةً تضمن أمنهم دوليا، وأن يواصلوا الانتحار، دفاعا عن كرسي لا يحب غير نفسه، يكره حتى من حرّضهم على قتل غيرهم وأنفسهم، بينما يوجد حل ينقلهم قبوله من نظام إقصاء واستبداد أسدي إلى نظام حرية وعدالة ومساواة بضمانات دولية ووطنية، هو نظام مواطنة ومساواة أمام القانون يجرّم الطائفية وممارسيها والمحرضين عليها، ويرفض مبدأ الأغلبية والأقلية المذهبي، ويعاقب من يبني مواقفه تجاه مواطنيه عليه؟.

ينفخ المدافعون عن حكم الطوائف والأقليات في قربة مقطوعة، ويتجاهلون أنه تنتظر طوائفهم هزيمة لن تتمكن من تجنبها، لا مفر من أن تنزل بها ذات يوم، إلا إذا قبلت شراكة حرية ومصير في وطن هو لها كما لغيرها.

ـ هل يعقل العلويون فينجون، أم يبقون أسرى عصابة ألقتهم إلى المهالك، فيندمون ساعة لا ينفع ندم؟.

========================

هم بضع مئات لكنهم ملح الأرض! .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 9/8/2017

... والحديث عن مثقفين لبنانيين وسوريين جمعتهم قيم الحرية والعدالة ومعاناة مشتركة من القهر والاضطهاد والأهم مبادراتهم المتعددة لإعلان موقف موحد تجاه أحداث وتطورات سياسية وأمنية تهم الشعبين، ولعلنا نتذكر بيان المثقفين ضد دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 ثم موقفهم المناهض للحرب الإسرائيلية عام 1982، وبعده تجاه ما عرف بمعارك الجبل والمخيمات، تلاه بيان لمثقفين سوريين ولبنانيين عام 2004 ضد التمديد للرئيس إميل لحود، فبيانات متواترة تدين اغتيال رفيق الحريري ثم سمير قصير ثم جبران تويني، وأبرزها ما عرف بإعلان بيروت- دمشق، دمشق بيروت، في ربيع 2006 والذي أظهر موقفاً حازماً يدعم انتفاضة الاستقلال وانسحاب الجيش السوري من لبنان رافضاً منطق العنف والاغتيال ومطالباً بتكريس علاقات صحية يفترض قيامها بين البلدين، ليصدر في أيلول (سبتمبر) 2011 مع تصاعد حراك الربيع العربي بيان يؤيد طموحات الشعب السوري في التغيير وتطلعات الشعب اللبناني بالسيادة والاستقلال ويدعو لمشرق عربي تزدهر فيه المواطنة فلا تكون غلبة لطائفة وغبن لأقلية ولا اضطهاد لجماعة أثنية ولا تمييز، تلاه في تموز (يوليو) 2014 إطلاق رؤية مشتركة ترفض الردّة الدينية والسياسية، ومحاولات تفجير حرب طائفية تدمر المنطقة، وأخيراً أصدر مثقفون سوريون ثم لبنانيون بيانين على التوالي يشجبان مناخ العداء للاجئين السوريين في لبنان ومداهمات مخيمات عرسال ومقتل عدد من المعتقلين في سجون الجيش اللبناني.

صحيح أن المثقفين اللبنانيين كانوا أقل عرضة للقمع المباشر لقاء مواقفهم المعارضة، واستمدوا بعض الأمن والأمان من أجواء الحرية النسبية التي ميزت بلادهم تاريخياً، وصحيح أن وطأة الاضطهاد كانت تقع على كاهل المثقفين السوريين المعارضين لنظام الاستبداد وسياساته، ونتذكر الهجوم السلطوي الشرس على مثقفين وسياسيين وقفوا ضد دخول الجيش السوري إلى لبنان، حيث طاولت الاعتقالات بعضهم بينما أكرهت المضايقات آخرين على الهرب والتشرد، وتكرر الهجوم السلطوي، بصورة هستيرية في ربيع 2006 عبر حملات إعلامية تطعن بوطنية مثقفين سوريين وتتهمهم بالعمالة والخيانة، لمجرد توقيعهم رؤية مشتركة مع مثقفين لبنانيين عرفت بإعلان بيروت دمشق، والنتيجة سجن عدد منهم ومحاربة آخرين بلقمة عيشهم بطردهم تعسفياً من وظائف شغلوها في الدولة لسنوات عدة.

لكن الصحيح أيضاً أن الأمر كان ينقلب إلى العكس تماماً وربما أشد، حين يتعلق الأمر بوقوف مثقفين لبنانيين في وجه النظام السوري ومناهضته، فمن ينسى اغتيال سمير قصير وجبران تويني وقبلهما عام 1980 اغتيال سليم اللوزي وتعمد تشويه أصابع يده اليمنى التي كتب بها مناهضاً القهر الأمني السوري، لتنتقل «الراية» بعد انشغال النظام بالقتل والتدمير لوأد تطلعات الشعب السوري، إلى أيادي حلفائه اللبنانيين، الذي لم يغرقوا فقط في مستنقع دعم النظام وارتكاباته، وإنما استعانوا أيضاً بأساليبه القمعية ذاتها في النيل من معارضيه ومعارضيهم، وساروا على منواله في فرض أنفسهم أوصياء على حياة الناس وخياراتهم، وتكريس تلك الأجواء المرضية التي تضع في دائرة الشك كل من يتجرأ على الاعتراض، مستسهلين سوق الاتهامات بالمروق والعمالة بحق من يبدي رأياً مخالفاً، بما في ذلك تسويغ ما يحلو لهم من الأساليب التصفوية لإقصاء الآخر المختلف وتحطيمه، تصل في بعض الأحيان إلى حد اغتياله.

ويبدو أن حدة هذه الأساليب وشدة الشتائم والاتهامات بدأت تتصاعد طرداً مع تفاقم أزمة هؤلاء الحلفاء وفي مقدمهم حزب الله، ربطاً بانكشاف أوراق الأخير المذهبية وانحسار قدرته وطنياً، ولنقل خفوت نغمته كمقاوم لإسرائيل في الدفاع عن اندفاعاته العنيفة وارتكاباته، وتالياً عجزه عن رص صفوفه التي بدأت تتصدع من الخسائر التي مني بها، ومن الحصار الذي بدأ يفرض عليه عربياً ودولياً، ويصح أن ننظر من هذه القناة إلى حملته المحمومة والمغرضة ضد أصوات لبنانية دانت تدخله الدموي في الصراع السوري ورفضت محاصرة اللاجئين على أنهم إرهابيون، متوسلاً افتعال ما سماه انتصار عرسال، لتبرير استمرار حضور سلاحه المنفلت خارج الدولة اللبنانية، والأهم لإظهار نفسه قوة لا تقهر، يحدوها تعميم القهر والخوف، لفرض ما تراه مناسباً على اللبنانيين.

والحال، ثمة أسئلة كثيرة تثار في تفسير هذا الدور الفريد والمتميز للمثقفين اللبنانيين والسوريين: هل يتعلق السبب بالتقارب الجغرافي والعلاقات التاريخية التي تربط البلدين وذاك التشابك العميق بين الشعبين في المصالح والمصير؟ أم لأن لبنان ومثقفيه شكلوا دائماً واحة للمثقفين السوريين يتنسمون عبرها هواء الحرية ويطلقون في فضاءاتها اجتهاداتهم ومواقفهم من دون خوف، وقد عزز ذلك ما خلقه وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان من ساحة مشتركة للقاء والتفاعل وبناء التوافقات؟. أم يتعلق الأمر بقيم راسخة تجمع هؤلاء المثقفين في الاعتزاز بالحياة الديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية التفكير والإبداع، وتالياً في مناهضة العنف ومنطق التمييز والاضطهاد، ربطاً بوحدة معاناتهم من قمع سلطوي ظالم ومزمن كان الأسوأ خلال الوجود العسكري السوري في لبنان ووصايته على الحياة السياسية والأمنية؟.

والأهم أن السبب يرتبط بدور إنقاذي مشترك آمن به المثقفون اللبنانيون والسوريون، أو بوظيفة خاصة تنطحوا لها للرد عما يستجد من تطورات ولبناء وعي نقدي يفترض أنهم أقدر المعنيين ببنائه في ظل ضعف الأحزاب السياسية أو عجز رجالاتها وترددهم، ولنقل في ظل انكشاف أزمات مجتمعاتهم والفشل البين للمشاريع السياسية والأيديولوجية في وقف التدهور الحاصل أو الإمساك بزمام المبادرة، مجاهرين برهانهم على الثقافة في حض المجتمع على التحرّر من الديكتاتورية والتخلص من القمع والاضطهاد، وفي تمكين لغة العصر ونشر قيم النهضة والتنوير، وتغذية الأمل بولادة إنسان جديد يستطيع أن يحيا ويفكر ويقاوم ذوداً عن حقوقه... إنهم بضع مئات من المثقفين، لكنهم ملح الأرض وخميرتها!.

========================

عن إحياء منطق المسؤولية والأخلاق العمومية .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 8/8/2017

أثارت مقالتي "في الثورة السورية والمراجعة وثقافة المسؤولية" (العربي الجديد 24/7/2017)، ذكرت فيها أن قليلا (مع التشديد) ممن تقلدوا مناصب وصلاحياتٍ في مؤسسات المعارضة فكّروا بمراجعة تجربتهم، أثارت ردود فعل متباينة وسط المعارضة السورية. لم يكن هدفي الحديث عن الأشخاص، ولا التذكير بسيرهم أو أعمالهم، ومعظمهم من الأصدقاء والمعارف، سواء كانوا في المعارضة القديمة أو الجديدة أو بين صفوف المنشقين الذين لا يستطيع أحد أن ينكر شجاعتهم الأدبية والشخصية معا، والذين كنت من أكثر المدافعين عن إدماجهم في صفوف الثورة منذ البداية، ولم أتردد في التعاون معهم، كما يعرف أكثرهم، عندما كنت مسؤولا في المجلس الوطني وبعده. كان هدفي التفريق بين سياسة غياب الشعور بالمسؤولية التي سيطرت على عقلية النخب الحاكمة في سورية بشكل خاص، لكن أيضا في بقية البلاد العربية، في الحقبة السوداء الماضية، حتى أصبح رئيس جمهورية يتمتع بسلطات مطلقة، ولا نهائية، تجعله يتحكم بحياة كل فرد، ويملك حق الحياة والموت على الناس، لا يتردّد في القول، بعد اندلاع الثورة السورية والمحرقة التي وضع فيها بلاده، أنه لا يشعر بأي مسؤولية عما يجري، وأن ما يحصل هو نتيجة مؤامرة أجنبية ومنظمات إرهابية، مع العلم أنه أول من أطلق قادة هذه المنظمات من سجونه، ليخلق منها خصما، يبرّر بها خياراته التصفوية الشنيعة والإجرامية بحق شعب جرّده من كل سلاح، بما في ذلك حق التعبير والحماية القانونية. ولا أخفي أن أكثر ما لفت نظري وآلمني في أول تجربة لي في قيادة المجلس الوطني كان ملاحظتي ضعف هذا الشعور بالمسؤولية العامة، وطغيان الحسابات الشخصية والخاصة على الحسابات الوطنية الكبرى.

تقضي المسؤولية، بكل بساطة، أن من واجب أي شخص يتقلد منصب سلطة، مهما كان نوعه، بما في ذلك في المنظمات والجمعيات المدنية، أن يقدّم جرد حساب عن عمله خلال فترة ولايته، لمرؤوسيه، كما أن من حق المرؤوسين أو المحكومين أو أعضاء الجمعية العاديين أن يعرفوا، من قياداتهم أو مسؤوليهم، طبيعة الخيارات التي وجهت عملهم وسياساتهم، والغايات التي كانت ترمي إليها، وما نجحوا في تحقيقه وما عجزوا عنه، وأين ظهرت العقبات، وكيف يمكن، بعد التجربة، مواجهتها وتذليلها. وفي نظمنا الحديثة، تعني المسؤولية حق التصرف بسلطة وموارد محدّدة بالنسبة للمسؤولين، وحق المساءلة والمحاسبة لهم ممن يخضع لسلطتهم.

"آلمني في أول تجربة لي في قيادة المجلس الوطني كان ملاحظتي ضعف هذا الشعور بالمسؤولية العامة، وطغيان الحسابات الشخصية والخاصة على الحسابات الوطنية الكبرى" وبذلك، تتحول المسؤولية، باعتبارها التزاما بواجب العمل على تحقيق الغايات المتفق عليها من القادة، ومحاسبة من العاملين تحت سلطة أعلى، إلى قاعدة أساسية من قواعد تنظيم العمل، وتطوير الأداء، وتوزيع المهام والصلاحيات. فالقيادة التي تحتكر أو تكاد مهام التصميم والتخطيط والتوجيه تتحمل قسطا أكبر من المسؤولية، بمقدار ما يحوز حاملها حقاً أكبر أيضا في النفوذ إلى الموارد والتحكم بها، وبمقدار ما يتوقف عليها نصيبٌ أكبر أيضا من نجاح العمل أو فشله. ومن هنا، توجيه المساءلة بشكل رئيسي إلى عناصر النخبة والقيادة. وهي وسيلةٌ أيضا لفرز عناصرها بالنسبة للشعب أو القاعدة وتقديم الأكثر وعيا ونزاهة وقدرة على حمل المسؤولية على غيرهم. فكما أن الفشل يُضعف من صدقية القيادات، ومن الثقة المعلقة عليها، يزيد نجاحها من شعبيتها وتأييد الجمهور لها، ويضاعف من رصيد الثقة المعقودة عليها.

 

نظام المساءلة ونظام الولاء

هكذا يشكل مفهوم المسؤولية، بما يتضمنه من واجب الالتزام بالمصلحة العامة عند المسؤول، ومن حق المساءلة عند المرؤوس، عنصرا رئيسيا في عملية تكوين القيادة في نظام الديمقراطية التي تستمد السلطة العامة شرعيتها من المصادقة والمشاركة الشعبيتين. والتي تتضمن الاعتراف أولا بسيادة الشعب، وثانيا المساواة بين جميع أعضاء الجماعة الوطنية في الواجبات والحقوق، وفي مقدمها الحرية التي تترجم سياسيا بحق الاختيار. البديل عن هذه المنظومة التي تتيح للجميع، باعتبارهم مواطنين أحرارا، النفوذ إلى مناصب المسؤولية، لكنها تلزمهم بشرط المسؤولية والمساءلة الذي يضمن تغييرهم بطريقة سلميةٍ هو فرضها بالقوة. وأفضل نماذجها هنا أيضا حكم البعث السوري الذي نص دستوره، في مادته الثامنة، على أنه القائد للدولة والمجتمع، محتكرا بذلك مهام القيادة على جميع المستويات السياسية والعسكرية والمدنية، ملغيا سيادة الشعب، ومصادرا بجرّة قلم حقوق المواطنين وحرية اختيارهم. وفي المحصلة، كما بينت تجارب الأحزاب الفاشية والشمولية والاستبدادية جميعا، يتم تقديم القيادات في هذه النظم على أساس التعيين، الذي يرسو، في النهاية، على شخص الرئيس الأوحد، والذي يمارسه على أساس مبدأ الولاء، فيقدم الأكثر ولاءً، ويبعد من يشك في ولائه. وليس المقصود هنا الولاء للدولة أو الوطن، وإنما الولاء للرئيس وحده الذي يتجسد في الطاعة والتبعية والتسليم له من دون نقاش بوصفه السيد الأعلى. هذا ما قامت عليه النظم التقليدية، وهو الذي أعادت إحياءه نظم الاستبداد الحديثة.

هنا ليس لعناصر القيادة ومحتلي مناصب السلطة أي ديْن تجاه مرؤوسيهم، وإنما تجاه من عيّنهم وحده، وهو صاحب السلطة التي حرّرت نفسها مسبقا من أي التزاماتٍ قانونية أو أخلاقية، وفرضت وجودها بالقوة المجرّدة. فهي نبعت بالفعل من فوهة البندقية، ولا يضمن وجودها واستمراها سوى ما تمتلكه من فرص النفوذ إلى موارد العنف، وتتمتع به من جرأة على

"من حق الشعب الذي ضحّى بكل شيء أن يعرف الوقائع، وأن يشهد نقاشا جدّيا وموضوعيا بين من تقلد مناصب المسؤولية في النشاط العام بكل أشكاله" استخدامه من دون ضوابط أخلاقية أو سياسية أو قانونية. وربما كانت هذه الجرأة على تجاوز أي خطوط حمر في استخدام العنف، وعلى أوسع نطاق، وأعلى أطواره الإرهاب، هي مصدر قوة نظام الأسد الأول والثاني، ليس في مواجهة الشعب الذي يتحكّم به، ولكن العالم أيضا. وهو نموذج يتعالى على أي مساءلةٍ، كما يرفض القبول بأي ضوابط قانونية أو أخلاقية. ولذلك، لم يجد زعماؤه حرجا، منذ بداية حكمهم، في تعليق الدستور والقانون والحكم بواسطة مراسيم يصدرها الرئيس، اللامسؤول أمام أحد بالتعريف، حسب ما يشاء. وهذا هو في الواقع منطق نظام الغزو والاحتلال والاستعمار، وهو أيضا منطق التطفل والطفيليات التي تعيش على امتصاص دم الأحياء وعلى حسابهم. ومن الطبيعي ألا يكون لدى المحتل والمستعمر أي شعور بالمسؤولية تجاه ما يحصل لضحاياه، وأن ينمو لديه بالعكس شعورٌ لا يقاوم بأن الضحية ليست في وضعها، إلا لأنها خلقت لتكون كذلك. وهي بالتالي لا تستحق حياةً أفضل، ومطالبتها بغير ما هي عليه هو إنكار لحق الحياة على المستعمر. ومن الطبيعي أيضا ألا يتعامل أهل المستعمرات، أو الطفيليات، مع هذه الحيوات الضعيفة، إذا أرادت التحرّر من موتها المحتوم، إلا كحشرات تنغص عليهم حياتهم وتحرمهم من حقهم في الوجود، واستكمال مسيرتهم إلى المجد والارتقاء، ولا يرون في القضاء عليها بالجملة إلا مهمة تاريخية مقدّسة وتقربا من "إلههم".

من هنا، في إعادة إحياء منطق المسؤولية تجاه الشعب والمواطن تكمن، في ما وراء السياسة والاقتصاد والحروب والانتصارات العسكرية، استعادة منظومة سياسية وأخلاقية واجتماعية كاملة من العلاقات الاجتماعية التي تصطدم بقوة مع بقايا نظام اغتصاب السلطة، وعقلية الولاء والاستتباع والإذعان التي نمتها خمسة عقود من استزلام النخب السورية، واحتقار الناس والإنسان، والاستهانة به وبأرواحه، والتعامل معه كما لو كان عبئا وعالة. فالمسؤولية تذكر أولا بالطبيعة الأخلاقية لحمل المسؤولية، وهي الواجب والالتزام في مقابل ما ساد من استغلال المنصب للانتفاع والاستمتاع على سبيل التمجّد والوجاهة، أو الإثراء والانغماس في حياة البذخ والرفاهية. وهي تعيد إلى الذاكرة وجود الناس، وتفرض الاعتراف بهم واحترام رأيهم وقرارهم ومخاطبتهم على مستوى الندّية، على الرغم من ضعفهم وتدني شروط حياتهم الاجتماعية، أو نقص تمثلهم للحداثة وقيمها. ويعني أخيرا القطع مع ثقافة الولاء الذي يفتح المجال أمام كل التجاوزات القانونية وغير القانونية، وتكوين شبكات الزمالة والشللية، لتعظيم المنافع والمكاسب والامتيازات، والتي قام عليها نظام كامل من الاستباحة العلنية لجميع العقود والحدود والمحرّمات التي تحمي حياة الناس وحقوقهم، في كل المجتمعات، ضد إغراء استسهال استخدام القوة والعنف، وتعميم سياسات النهب والسلب والإهانة والاستعباد، والتي ستولد منها عقلية التشبيح ومليشياتها، قبل الثورة وبعدها. وهي العقلية التي ألغت الشعور بأي مسؤوليةٍ تجاه الناس، المحكومين والمستضعفين، كما ألغت مفهوم المصالح العامة، وقوّضت فكرة الدولة ذاتها. هكذا تحولت جميع المؤسسات والأفراد إلى أدوات يستخدمها المنتصر والمتجبر، لخدمة مصالحه الخاصة، وتعظيم موارده وثرواته، من دون أي خجل أو خوف أو شعور بمخالفة قانون أو ارتكاب جريمة أو جنحة أو ذنب. وهذا هو المنطق الذي حوّل المسؤول إلى مفترس، بدل أن يكون راعيا، وحوّل الدولة ومن فيها إلى حقل صيد مفتوح، من دون حساب أو حدود لكل مقتنص، وأحلّ أخلاق الكذب والنفاق والرياء وطمس الحقيقة والحق محل أخلاق الصدق والصراحة والشفافية.

 

بين المراجعة السياسية وخطاب التشهير والتخوين

المراجعة هي أولا دليل الشعور بالمسؤولية تجاه البشر الذين وضعوا مصيرهم على كفهم من أجل الحرية. وليس لها أي علاقةٍ بنقد الأشخاص أو محاكمتهم أو اتهامهم. وهي موجهة نحو فحص صلابة الخطط والمواقف والأفكار التي وجهت الفاعل ذاته، وهو هنا المعارضة. باختصار نحن نراجع أنفسنا، بينما ننتقد أندادنا، ونتهجم على خصومنا ونهاجم عدونا..

وبالنسبة للمعارضة، ليست المراجعة مهمة لتقويم خططنا وإصلاح أدائنا فحسب، ولا لتأكيد احترامنا شعبنا واعترافنا بأهليته وتشجيعه أيضا على الدخول في منطق المسؤولية والمساءلة، وتعظيم دوره وقدرته على محاسبة قيادييه، وإنما هي مهمة أكثر من ذلك، لاستعادة الثقة واكتساب الصدقية، والتغلب على الشكوك والاتهامات التي يثيرها التنافس والنزاع في المجالات العمومية، والتي فاقم من أزمتها فشل المعارضة نفسها في القيام بواجباتها. لقد خسرنا الكثير، كما ذكرت في مقالتي السابقة، من تهميش المنشقّين التي كانت مؤسسات المعارضة بأمس الحاجة إلى خبراتهم، لأنهم لم يعرفوا كيف يتفاعلون مع جمهور الثوار والناشطين، ويحصلون على ثقتهم، ما أبقى الشكوك تحوم من حولهم، غالبا من غير حق. وكان بإمكانهم ببساطة أن يبدّدوها بالتوجه إلى الجمهور، كما فعل بعض منهم، وتفسير موقفهم، وشرح تجربتهم، وتوضيح ما حصل بالضبط والاعتذار للشعب إن كان هناك ضرورة للاعتذار. ولا يُنقص الاعتذار للشعب من قيمة أحد، بل بالعكس إنه يزيدها. وليس هناك مدخل أفضل لكسب ثقة الشعوب سوى مصارحتها، لما تعنيه من أخذ الشعوب بالاعتبار، واحترام عقلها ومشاعرها واستقلالها.

ومن واجبنا أن نعمل على إدخال هذا التقليد السياسي الجديد في حياتنا السياسية جزءاً من ثقافة الحرية وممارسة المواطنة الحقيقية. وإذا لم نبدأ منذ الآن في تربية أنفسنا وجمهورنا على أخلاق المسؤولية، لن نستطيع أن نخلق بديلا عن نظام الأسد، ومؤسساته القائمة على قتل معنى المسؤولية، وتعميم مبدأ العسف والتعسف الأعمى، وفرض الأمر الواقع بالقوة المسلحة والعنف. وأكبر دليل على ذلك تكاثر وتناسل إمارات الحرب والمليشيات الطائفية التي لا مقوّم لها سوى ثقافة اللامسؤولية الوطنية ومنطق الولاءات الشخصية واستتباع الآخرين، وردهم إلى حالة العبودية، والتصرّف في المجتمع كما لو كان حقل صيدٍ لتأمين المكاسب الخاصة والمتع الشخصية. وفي هذه الحالة، لن يملأ الفراغ الذي سيتركه انهيار نظام الولاء الأسدي ودولته، سوى سلطات الأمر الواقع المتوازية والمتعادية. وسوف نتخبّط طويلا في بناء (وتهديم) دويلاتها التي تستلهم نموذج العهد البائد وأسسه، باسم شرعياتٍ زائفة، دينية أو زمنية، قبل أن ننجح في إعادة تأهيل نظام الدولة ونظامها.

كما كان تقويض معنى المسؤولية، وتبرير استباحة القانون والأخلاق والأعراف والتقاليد، السلاح الأمضى لتدمير تماسك المجتمع، ونوابض قوته المعنوية وقدرته على تنظيم نفسه ومقاومة طاعون الطغيان المستشري، يشكل العمل على إعادة إحيائه الخطوة الأولى والأساسية في استعادة معنى الأخلاق التي لا تقوم من دونها التزاماتٌ اجتماعية، ولا تبنى نظم الحرية والتعدّدية الديمقراطية التي تتوق إليها شعوبنا. ومن المنتظر والواجب أن تبدأ النخب الاجتماعية نفسها في تطبيق هذا المبدأ عليها، حتى تشجع الشعوب على السير في طريق غيبته عن نظرها عقودا طويلة من الإفساد المنهجي والطويل لكل مؤسسات الدولة والمجتمع، لم تنجُ النخب نفسها من آثاره.

في المقابل، لن يكون البديل عن غياب الشعور بالمسؤولية ورفض المراجعة والمساءلة والمحاسبة الذاتية لدى النخب الاجتماعية، بعد الثورة العظيمة، التواطؤ على الفساد والغش والنفاق، كما كان عليه الأمر في السابق فحسب. وإنما سيكون ثمن السكوت على الخطأ والتهرّب من المسؤولية ردّ فعل قوياً، بدأ يتبلور منذ الآن في نمو ثقافة التخوين والتشهير

"كل الاعتذار للشعب السوري الأبي، باسمي وباسم المعارضة التي دفعتني الظروف إلى رئاسة مجلسها الوطني الأول في بداية انطلاقها، عن تقصيرنا الكبير" وفقدان الثقة بالجميع. غياب المحاسبة الذاتية الطوعية عند المسؤولين، ورفض الاعتراف بأخطائهم وتصحيحها، لا يحمي النخب من المحاسبة أبدا، ولكنه يشجع الجمهور الذي يتحمّل نتائج خياراتهم السلبية، من دون أن يملك مفاتيح فهمها، على الاستثمار بشكل متزايد في ثقافة الاتهام والتشكيك، والتعرّض للحياة الشخصية، على سبيل الانتقام، وعلى حساب نقد الأفكار والخطط والتصورات. وفي النتيجة، سوف نشهد تدهورا متزايدا في الأخلاق العامة، بموازاة تدهور الممارسة والفشل في بناء الدولة، وستتضاءل فرصنا لاستعادة التفاهم، وتزيد مخاطر تفاقم الشك وانعدم الثقة بين القادة والمحكومين. شعور المسؤول أو القائد أن عليه واجبا في تفسير سلوكه لا يعكس احترامه جمهوره فحسب، ولكن أكثر من ذلك لنفسه وضميره. وهو أول علامات الخروج من نظام التعمية والغش والكذب والاستغباء الذي تعاملت به النظم الاستبدادية الظلامية مع شعوبها، وبداية تكوين ثقافة جديدة وطنية مواطنية، تتناقض تماما مع ثقافة التهميش والإقصاء والإذلال والامتهان والاستعلاء والاحتقار.

ليست المراجعة مطلبا شخصيا أخلاقيا فحسب، إنها اليوم مطلب شعبي، أي سياسي. ولن تقوم بعد الآن سياسة من دون عودةٍ إلى قيم الصراحة والشفافية والصدق. ومن حق الشعب الذي ضحّى بكل شيء أن يعرف الوقائع، وأن يشهد نقاشا جدّيا وموضوعيا بين من تقلد مناصب المسؤولية في النشاط العام بكل أشكاله، السياسي والمدني والفكري والعسكري، يلقي ضوءاً على التجربة العظيمة والمأساوية معا. وهذا النقاش عمل ضروري وواجب، حتى يتمكّن الشعب من استيعاب ما حصل، والتغلب على مشاعر الإحباط وفهم المأساة وتجاوزها. والهرب من هذه المسؤولية لن يلغي هذا المطلب، ولا يجيب عليه، ولكنه يحرم النخب الاجتماعية الجديدة الطامحة إلى المشاركة في المسؤولية العمومية من فرصة تحرّرها من ثقافة الماضي التسلطية والسلطوية، ومن استعادة الثقة، ولعب دور حيوي في مستقبل وطنها وشعبها. وربما قاد إلى دفع النخبة المنقسمة، والنازعة إلى رمي المسؤولية على الآخر إلى الانجرار وراء منافسةٍ على التحطيم المتبادل لصدقية بعضها بعضا، ومن ورائها إلى تحويل الحوار المنشود إلى مهاترات مأساوية. وعندئذ، بدل أن نفتح صفحة جديدة من المناظرة الوطنية لإغناء التجربة وتطويرها، نغامر بالسقوط في منطق تبادل الشتائم والاتهامات، فنخسر "الدنيا والآخرة". في هذه الحال، قد تملي الحكمة وقف الجدال، في انتظار الوقت الذي يستطيع فيه الفاعلون التمييز بشكلٍ أفضل بين الهجومات الشخصية التي تهدف إلى التجريح المجاني ونقد الفكر والطروحات النظرية التي تتعلق بفهمنا الواقع والتأمل العقلاني في إمكانات تغييره. مع الاعتذار لجميع الأخوة الذين شعروا أنهم استهدفوا من دون حق، وقبل ذلك كل الاعتذار للشعب السوري الأبي، باسمي وباسم المعارضة التي دفعتني الظروف إلى رئاسة مجلسها الوطني الأول في بداية انطلاقها، عن تقصيرنا الكبير، وما أظهرناه من ضعفٍ وعجز عن الارتقاء إلى مستوى تضحياته، وفشلنا في تأدية واجباتنا وإصرارنا على التمسك بأخطائنا.

========================

إدارة روسية حرّة .. حسام كنفاني

العربي الجديد

الاحد 6/8/2017

لم يمر وقت كثير على الدخول الأميركي على الخط السوري لمزاحمة الروس على رسم المشهد الجديد في البلاد، لتعود روسيا إلى الهيمنة، لكن هذه المرة بالتفاهم مع الولايات المتحدة التي عادت إلى الانسحاب التدريجي، والاكتفاء بالتنسيق من بعيد، بشكل يخدم، بالدرجة الأولى، المصالح الروسية، وهو الأمر الذي يثير تساولات كثيرة بشأن ما حققته الولايات المتحدة من أهداف من دخولها السريع، وأي تفاهمات جرت مع روسيا في شأن الملف السوري.

لا يترك وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، مناسبة إلا ويشير إلى التفاهم مع الروس في سورية، وترك الملف في عهدة موسكو، سواء في ما يخص الوضع الميداني أو الملف السياسي لاحقاً. حتى عندما تطرق إلى مصير الرئيس السوري بشار الأسد، لم يقدم موقفاً حاسماً، فالواضح أن لا موقف للولايات المتحدة في الأمر، واكتفى بالإشارة إلى أن بلاده لا ترى درواً للأسد في المستقبل. والمستقبل هنا مفتوح على المجهول، ومن دون سقف زمني محدّد لذلك، قد يكون شهوراً أو سنوات، غير مهم بالنسبة للولايات المتحدة، فالتفاهم مع موسكو، على الرغم من غموضه، يبدو أنه يريح واشنطن ويعفيها من التدخل في سورية، إلا عبر توجيهات من بعيد.

مؤكد أن التسليم الأميركي للروس بإدارة الملف السوري ليس مجانياً، غير أن مكاسب هذا التنازل المفاجئ لا تزال غير واضحة. ما هو واضح إلى الآن هو الاستفراد الروسي بالوضع السوري بالمجالات كافة، فسورية بمجملها باتت منطقة نفوذ لموسكو، لا أحد ينازعها عليها، حتى من نظام بشار الأسد والإيرانيين. ففي طهران، لا ينظرون بعين الرضا إلى التفاهم الروسي الأميركي الجديد، وخصوصاً أنه جرى استبعاد المسؤولين الإيرانيين عن تفاصيله. الأمر نفسه بالنسبة إلى نظام الأسد الذي لا يستطيع القيام بأي خطوة من دون نيل الرضا الروسي. ولعل الحديث أخيرا عن معركة إدلب ونية النظام تسريعها خير دليل، إذ عمدت موسكو إلى الوقوف في وجه رغبات النظام، على اعتبار أن الوقت لم يحن بعد، أو أن التفاهم مع واشنطن ينص على ذلك، بانتظار الاتفاق على دور تركي في هذه المعركة، وهو أيضاً دور غير واضح بعد.

حتى بالنسبة إلى تركيا التي تربطها حالياً علاقة جيدة مع روسيا، تمنع موسكو إشراكها في الملف السوري، إذ جرى أخيراً استبعاد أنقرة كلياً من اتفاق منطقة خفض التصعيد في ريف حمص، على الرغم من أن هذه المناطق كان مفترضا أن تكون تحت الإشراف الثلاثي الروسي التركي الإيراني، وهو ما لم يحصل، فالروس يتعاملون مع كل منطقة وفق ظروفها الاستراتيجية، وما يخدم مصالحهم وقدراتهم. والاتفاق في حمص، أخيرا، كرّس الهيمنة الروسية على القرار في سورية، بالتفاهم مع الولايات المتحدة التي فوّضت موسكو إدارة مصالحها في البلاد، وهو ما يمكن أن نراه مستقبلاً في الرقة، بعد نهاية المعارك ضد "داعش"، وأي دور سيكون لروسيا بالتعاون مع قوات سورية الديمقراطية.

بالمحصلة، قد لا تنتهي الحرب في سورية إلا وقد تحولت البلاد إلى محميةٍ روسية بالكامل، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. قد يبقى اسم الجمهورية العربية السورية موجوداً، في حال تم الإبقاء على وحدة أراضي البلاد، لكن لا بد من أن يكتب تحته "بإدارة روسية حرّة".

========================

"غزوة بيروت" الكبرى بعد الصغرى! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 6/8/2017

بين 7 أيار (مايو) 2008، في العاصمة اللبنانية بيروت؛ و21 تموز (يوليو) 2017، في جرود عرسال، لبنان دائماً؛ ثمة قاسم مشترك أعظم هو «حزب الله»، مع فارق حاسم بين ذاك الحزب وهذا، على صعيد العلاقة مع لبنان «الدولة»، إذا كان استخدام هذه المفردة ما يزال وارداً، دلالياً في أقلّ تقدير.

التاريخ الأوّل شهد «غزوة» الحزب الشهيرة في قلب العاصمة، بعد اكتشاف كاميرا المراقبة التي كان الحزب قد نصبها على المدرج 17 في مطار رفيق الحريري، تحت سمع وبصر (ومنطقياً: تسهيل) العميد وفيق شقير، قائد جهاز أمن المطار. يومها استشاط الحزب غضباً، بسبب إعادة العميد شقير إلى ملاك الجيش (وهذا، حسب نواف الموسوي، مسؤول العلاقات الدولية في الحزب، «تجاوز للخطوط الحمر»، و»الفريق الآخر يلعب بالنار ومن يلعب بالنار يحرق يديه»). كذلك رفض الحزب قرارات رئاسة مجلس الوزراء بتأكيد حقّ الدولة (دون سواها!) في متابعة القضية وإزالة الكاميرا (ففي هذا مسّ بأمن «المقاومة»، طبقاً لقراءة الحزب!). وهكذا، نزلت عناصر الحزب المسلحة إلى شوارع العاصمة، فانتشرت في مواقع حساسة، وقطعت طريق المطار بالإطارات المشتعلة مما أسفر عن تعليق حركة الطيران، كما استولت على مراكز «تيار المستقبل» وأحرقت بعضها؛ بمشاركة عناصر مسلحة من حركة «أمل»، والسوري القومي الاجتماعي وبعث النظام السوري.

يومها، اختفى جيش لبنان العتيد نهائياً، كأنه أثر بعد عين.

في التاريخ الثاني، أواخر تموز (يوليو) 2017 وحتى الساعة، لم يختف الجيش اللبناني، والحقّ يُقال؛ لأنه ساهم عسكرياً في معركة «حزب الله» ضدّ «التكفيريين»؛ وإنْ عن طريق تأمين طرق الارتداد من الجرود إلى الداخل اللبناني، وتقديم العون اللوجستي، فضلاً عن توفير الغطاء المدفعي (وكأنّ هذا كله قليل!). ذلك لأنّ الجيش العتيد، إياه، كان قبلها قد اقتحم مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال، ونكّل بأبرياء كثر تحت ذريعة تطهير المخيمات من الإرهابيين، كما انتهت جلسات التعذيب التي مورست أثناء التحقيق مع الموقوفين إلى وفاة عشرة منهم. في عبارة أخرى، كانت غزوة «حزب الله» الثانية، في جرود عرسال، تستكمل غزوة الحزب الأولى في العاصمة بيروت قبل تسع سنوات؛ مع هذا الفارق الحاسم: أنّ الجيش توارى تماماً خلال لجوء الحزب إلى اجتياح بيروت في الغزوة الأولى، ولكنه انخرط في المعركة مباشرة، كما اصطفّ خلف الحزب ذاته، خلال الغزوة الثانية.

يندر، بالطبع، أن تجد عاقلاً منصفاً يمكن أن يحجب عن الجيش اللبناني الحقّ في، والواجب نحو، حماية المواطن اللبناني من أذى الإرهاب، أياً كانت مصادره وأشكاله؛ وخاصة تلك العمليات التي نفذها، أو كان يزمع تنفيذها، الإرهابيون الجهاديون. ويتوجب، استطراداً، أن يكون نادراً ذلك العاقل المنصف الذي يسحب مهمة كهذه من الجيش اللبناني، لكي يسندها إلى جهة عسكرية خارج الدولة، ليست أعلى تسليحاً من الجيش ذاته فقط، بل هي تقاتل على أرض دولة جارة، إلى جانب نظام مارس ويمارس جرائم الحرب ضدّ الشعب السوري، وسبق لجيش ذلك النظام أن احتلّ لبنان طيلة سنوات، وارتكب فيه انتهاكات شتى وفظائع لا حصر لها.

في المقابل، هيهات أن يُوضع العقل أو الإنصاف على محكّ ما يشهده لبنان من اختلال عميق في التوازن ما بين «حزب الله»، ثكنة إيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن، المدجج بالسلاح والمال والسلطة السياسية لا كما يمكن أن ينطبق على أيّ «حزب»؛ وبين «دولة» لبنان: العاجزة عن إزالة القمامة من شوارع مواطنيها، «السيدة» و»الحرّة» على منوال الوزير جبران باسيل، الجمهورية على مقاييس ميشيل عون ونبيه بري وسعد الحريري.

بذلك تبدو جرود عرسال 2017 غزوة «حزب الله» الكبرى، بعد غزوة بيروت 2008 الصغرى؛ ويبدو قادم الأيام أعظم، يُنذر بالغزوات الأكبر!

========================

أربع مسائل إشكالية في المسألة الكردية في سورية .. ماجد كيالي

الحياة

الاحد 6/8/2017

بديهي أن الإعلان عن اعتزام «الجمعية التأسيسية لاتحاد شمال سورية» إجراء انتخابات في المناطق التي تسيطر عليها في الشمال السوري، بدءاً من أيلول (سبتمبر) المقبل، لتشكيل «المؤتمر الديموقراطي الشعبي» لـ «الفيديرالية» المفترضة، يثير عديد التساؤلات.

بداية قد يجدر التذكير بأن من أهم مشكلات الثورة السورية انعدام الثقة المتبادل بين كيانات المعارضة والقوة الأساسية المهيمنة في مجتمع الكرد السوريين، وهي «حزب الاتحاد الديموقراطي»، وذراعه العسكرية «قوات حماية الشعب»، التي تشكل عماد «قوات سورية الديموقراطية»، والتي باتت تحظى بدعم ورعاية أميركيين.

والطرفان لم يبذلا الجهود الكافية والمناسبة لتعزيز الثقة بينهما، وتذليل الالتباسات والخلافات. هكذا فالمعارضة لم تعمل باعتبارها تمثل كل السوريين، لا سيما بعدما أزيح خطابها الوطني - الديموقراطي، وأزيح «الجيش الحر»، لمصلحة كيانات سياسية وعسكرية، تغطّت بالدين، ما أضعف صدقيتها، وزعزع ثقة أغلب السوريين بها.

في المقابل، ظل حزب الاتحاد الديموقراطي موضع شبهة، في ما يتعلق بعلاقته مع النظام، وهو ما ظهر سابقاً في بعض تحركاته العسكرية، وإبقائه مراكز النظام في المناطق التي يسيطر عليها، كما في علاقته مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، وتبني أجندته في سورية، هذا إضافة إلى أن هذا الحزب ظل يعمل بطريقة إقصائية، في المناطق التي خضعت لسيطرته.

هكذا، لا توجد تصورات للمعارضة بخصوص المسألة الكردية، بل ثمة وجهات نظر متفاوتة، فثمة من لا يرى وجوداً لهذه المسألة، والبعض يرى أن حلها يقتصر على القول بدولة المواطنين الديموقراطية، أما الجماعات التي تتغطّى بالإسلام فلا يعنيها الأمر. في المقابل لا توجد توافقات كردية حول المستقبل، فثمة من يرى أن الوقت حان لإقامة كيان مستقل، كحق قومي لا مساومة عليه، ومن يرى أن الوضع يتطلب إقامة كيان حكم ذاتي في إطار فيديرالي، ومن يرى أن دولة المواطنة الديموقراطية تحل الأمر. بالنتيجة فإن السوريين، عرباً وكرداً، يفتقدون تصورات تحظى بإجماع، ويبدون مختلفين على كل شيء، في مرحلة يعانون فيها من صراع دامٍ ومدمر، فيما يبدو معظم الكيانات مرتهناً لتوظيفات وتلاعبات خارجية.

على أية حال، ما يهم هنا مناقشة أربعة أمور خلافية، تتعلق بالمسألة الكردية، أو بمستقبل سورية الواحدة، تتعلق الأولى بالحقوق الفردية والجمعية. والثانية، بالمجالس التمثيلية بمختلف مستوياتها. والثالثة بمفهوم الفيديرالية. والرابعة بالعلاقة مع الخارج.

في ما يخص الحقوق، لا يمكن قصر المسألة الكردية على حقوق المواطنة، فقط، مع أهميتها، لأن ذلك لا يلغي ولا يحجب وجود مسألة قومية كردية، وأن الكرد شعب، إذ إن حقوق المواطنة ينبغي أن تترافق مع الاعتراف بالحقوق الجمعية القومية للكرد السوريين، لهم الحق في الثقافة واللغة والحكم الذاتي والتمثيل على قدم المساواة والمشاركة في تقرير مستقبل سورية، كما باعتبارها جزءاً من جماعة قومية أوسع لديها طموحاتها المشروعة، بما لا يتنافى مع وحدة سورية، أرضاً وشعباً. وبديهي أن غياب ثقافة المواطنة، وحقوق المواطنة، في الثقافة السياسية السورية، وثقافة المعارضة، هو الذي يضع الحقوق الجمعية في مقدم الأجندات، لا سيما على ضوء التجربة التاريخية، وأيضاً، للحؤول دون خلق مسار من الإزاحة والإقصاء من قبل أكثرية ما، لأقلية قومية ما، بمعنى أن سيادة ثقافة المواطنة، وإقامة دولة مؤسسات وقانون على أساس من نظام الديموقراطية الليبرالية، هما ما يمهد لأفول، أو خبو، البعد الهوياتي عند الجماعات القومية أو الهوياتية، وهذا ما يفترض أن يكون في مركز إدراكات المعارضة السورية في معالجتها الراهنة للمسألة الكردية.

وفي ما يخص المجالس التمثيلية، فالمقترح هنا هو أن تبني المعارضة السورية على ما يحصل، خصوصاً أنه سيغدو أمراً واقعاً على الأرجح، مع ضعف المعارضة، وتخلف تصوراتها لمستقبل سورية، وتحكم الفاعلين الدوليين والإقليميين بهذا المستقبل، وفوق كل ذلك لا بد من وجود مجالس تمثيلية منتخبة لإدارة المناطق التي خرجت من سيطرة النظام، بغض النظر عن من يسيطر فيها عسكرياً، أي أن ذلك ينطبق حتى على المناطق الخاضعة لسيطرة جماعات المعارضة السورية العسكرية. المشكلة هنا أن المعارضة، أو معظمها، حين تثير الشبهات حول المجالس المحلية التي تخضع لقوات سورية الديموقراطية، تنسى أنها سكتت، وجاملت، جماعات المعارضة العسكرية، التي هيمنت في كثير من المناطق «المحررة»، وفرضت تصوراتها بالقوة على السوريين في تلك المناطق، بطريقة تعسفية، وأن إدارتها لتلك المناطق أضعفت الثورة وضعضعت صدقيتها، وخلقت فجوة بينها وبين شعبها، فضلاً عن أنها خدمت النظام من حيث أنها قدمت نموذجاً سيئاً للسلطة في مناطقها.

هذا ينطبق على طرح مسألة «الفيديرالية» إذ إن المعارضة، أو معظمها، أبدت رفضها هذا الطرح لمستقبل سورية، إما لأن جهة كردية تطرحه، وإما لجهلها بمعنى الفيديرالية وظنّها لها صنو التقسيم. ولعل أهم ما يفترض أن تدركه المعارضة أن الحديث عن وحدة سورية الجغرافية لا معنى له من دون وحدة السوريين بمختلف مكوناتهم، الدينية والمذهبية والإثنية والمناطقية، وأن هذه الوحدة تتطلب حتماً تصوراً وطنياً ديموقراطياً يستجيب لرؤى ومصالح كل تلك المكونات، من دون استئثار وإقصاء، ومن دون فرض طرف لوجهة نظره على الأخرين؛ هذا أولاً. ثانياً، إن الفيديرالية ليست صنو التقسيم، إذ إنها تتأسس على تمتين وحدة البلد والمجتمع، لأنها تعني توزيع أفضل وانسب للموارد، وإدارة أفضل وأجدى من الإدارة المركزية، ثم إن الفيديرالية هي الشكل الأنسب للحؤول دون إعادة انتاج السلطة المركزية التي تفضي إلى الاستبداد. ثالثاً، يفترض البناء على هذا الطرح وتأكيد أن المقصود به فيديرالية على أساس جغرافي وليس على أساس طائفي أو اثني.

تبقى مسألة علاقة الكرد بجماعاتهم القومية الأخرى، وبالدول الإقليمية التي يتواجدون فيها، فمن حق المعارضة السورية أن تتوخى الدعم من هذه الدولة أو تلك، لكن على أن تضع أجندة الشعب السوري، وضمنهم الكرد في مركز اهتماماتها. كما على الكرد السوريين، وفي خضم إدراكهم لذاتهم القومية ـ فوق الوطنية، إدراك أهمية المواءمة بينها وبين كونهم جزءاً من الجماعة الوطنية السورية، وأن تحررهم هو من تحرر هذه الجماعة.

========================

أسد بديل للأسد .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 5/8/2017

يقال إن العالم لم ولن يجد بديلا لبشار الأسد غير بشار أسد آخر. بعد إعلانات مكثفة، استمرّت أعواما، وتحدثت عن "قرب، وحتمية، وضرورة، وشرعية، وقانونية... إلخ" رحيل بشار، مجرم الحرب الذي لا يقارن حتى هتلر به، "كوّع" العالم، وقرّر أن لا بديل للمجرم بشار الأسد غير مجرم من طينته. هذا الاكتشاف، أعلن بأصوات متنوعة قالت للسوريين: "مبين بشار متمسّك بالكرسي، هلكنا ونحنا نطالبو بكل لطف إنو يترك الحكم ويرحل. ما قبل، نحنا شو فينا نعمل أكتر من هيك مع واحد متلو، العمى بعيونو ما أيبس راسو، اللي خلانا بالآخر نطبق عليه الحكمة اللي بتقول: اللي ما بيجي معك تعا معو. لا تظنوا العملية كانت سهلة علينا، يشهد الله هلكنا من الدوارة، بس ما لقينا حدا، فاتفقنا كممثلين للشرق وللغرب إنو ما فيه حدا غيرو. ومع هيك، ما قرّرنا نقبلو إلا بعد ما حلف بشرفو إنو ما يعود هوي نفسه، ويصير بديل حالو، يعني حدا تاني. شو رأيكم تعتبروه، إنتو السوريين، كمان واحد تاني وترتاحو؟ ليش ما بتقبلوه إذا حط إيدو على شارب كبير لواحد من الحرس الجمهوري، وحلف بشاربه إنو طلع من جلد هداك المجرم اللي قتل أولادكن ونسوانكن. لا تجبروا بشار الجديد يكرّر اللي عملو بشار القديم، ترى بعدين منزعل منكن نحنا وهوي، وإنتو ما إلكن مصلحة إنو يزعل منكن. ما هيك؟".

هدف هذا النص العبثي الاعتراض على واقع يصعب تصديقه، هو قبول العالم، منذ عام ونيف، بقاء بشار الأسد في كرسي الرئاسة، خلال مرحلة انتقالية لم يحدّد أحد مدتها، سيكون خاضعا خلالها لرقابة دولية. اعتقدنا أول الثورة أنه المشكلة، وحين تبين لنا أن نظامه مرتبط به شخصيا، وأن الفوضى ستطيحه، بما سيترتب عليها من إضرار بمصالحنا، قرّرنا أنه صار هو الحل، ولاسيما أن نظامه كالدودة الوحيدة، ينتج نفسه من رأسه، من رئيسه. عندئذ، تذكّرنا حكمة "من تعرفه أفضل ممن تتعرّف عليه"، ونحن نعرفه، نعرف أنه حريص على إسرائيل، وأنه أسرف في قتلكم، بعد اكتشافه أنكم لا تريدون الحرية، ولو كنتم تريدونها لمنعتم الإرهابيين من سرقة ثورتكم وأخذها إلى نقيضها، فهل نرحّل صديق إسرائيل، لأنه يقتلكم، ونعاقبه لأنه كان على صواب؟ بشار ما بعد الثورة سيكون خادمنا، نحن الذين سنضع أيدينا عليه، وسنلقنه أفكاره، ونشرف على أفعاله. وإذا رفض أن يكون في جيبنا، سيجد نفسه تحت أقدامنا، فلا تبلغن الغفلة بكم حدا تصدّقون معه أننا ننقذه، لأنه لا بديل له أو لأنه بديل ذاته. بشار عمل كأبيه تحت جناح إسرائيل، ولم يزعجها أو يُثرْ حفيظتها يوما. بدورها، لم تتوقف عن تزكيته دوليا وحمايته محليا، وأقنعت الغرب والشرق بوقائع جولانية دامغة أنه عازف عن أي أمر آخر عدا السلطة، وليس رجل قيم وطنية أو قومية أو إنسانية، فهل بعد هذا تعتقدون أننا سنراه بأعينكم، ومن خلال أعداد قتلاكم ومهجّريكم على يديه وأيدي أجهزته وجيشه وشبيحته. أو سنخاصمه، لأنه دفن عددا كبيرا من السوريين أو أحرقهم أحياء؟

في نظرنا، لا تناقض بين أن يكون بيدقا بيدنا وجلادا يكبّلكم بقيود جدل حبالها ببحارٍ من دمائكم، فلا تظنوا خطأ أننا نقبل ما يرفضه: أن تكونوا شعبا حرا ومستقل الإرادة، يقرّر شؤونه بنفسه، وينظم حياته تحت سماء العدالة والمساواة، وتوقير الكرامة الإنسانية وحفظها. قد تغريه حريته بإقامة نظام ديمقراطي يعادي إسرائيل وبعض نظم الخليج. لن يلبث أن يثير القلاقل، ويعمل لإرغام إسرائيل على التخلي عن أطماعها الفلسطينية الراهنة، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الحرة، والسيدة على كامل الأراضي التي احتلتها عام 1967، ولتوظيف تفاعلاته في المجال القومي، لتحريض بعض العرب على الخروج من العصر الحجري، والدخول إلى زمن العدالة والكرامة والحرية الذي نرفضه كجنون لن نسمح به، دواؤه عند بشار.

سيبقى بشار بديل نفسه، ما دمتم عاجزين عن إرغامنا على ترحيله، أو عن ترحيله بأنفسكم. والدول، كما قد لا تعلمون، ليست مؤسسات عمل خيري، ولا تتردّد في ذبح كل من يسلمها عنقه بأخطائه، مثلكم أنتم.

========================

هل قامت الثورات لإعادة استعمار العالم العربي؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5/8/2017

سنظل نقول إن العالم العربي بحاجة إلى ألف ثورة حتى نموت. وهذه حقيقة يجب أن نؤكدها في كل مرة نعود فيها إلى قضية الربيع العربي كي لا يعتقد البعض أننا فقدنا الأمل بالثورات. لكن، وعلى ضوء ما آل إليه وضع الثورات في سوريا واليمن وليبيا تحديداً، أليس من حقنا أن نتساءل: هل ثارت الشعوب في تلك البلدان من أجل التخلص من الطواغيت، أم إن هناك قوى إقليمية ودولية استغلت الثورات وعذابات الشعوب تمهيداً لإعادة استعمار المنطقة؟ قد يبدو هذا السؤال ضرباً من نظرية المؤامرة المتجذرة في اللاوعي العربي، لكن السؤال وجيه جداً بعد أن أصبحت تلك البلدان تحت الوصاية الإقليمية أو الدولية بشكل مفضوح.

لو بدأنا بسوريا: ماذا جنى السوريون من ثورتهم غير الظروف المأساوية التي أدت في نهاية المطاف إلى تدخل قوى إقليمية كإيران وإسرائيل ودولية كروسيا وأمريكا وفرنسا وغيرها لإعادة تقاسم النفوذ في سوريا ووضعها تحت الانتداب الدولي؟ هل يستطيع أحد أن ينكر تلك الحقيقة الصادمة الآن؟ ألم تصبح سوريا مستعمرة أو لنقل مستعمرات روسية وإيرانية وأمريكية وغيرها؟ ماذا نسمي عشرات القواعد الأمريكية والفرنسية والبريطانية والإيرانية والروسية والمحميات الإسرائيلية في سوريا الآن؟ ألا تمتلك أمريكا الآن مطارات عسكرية داخل سوريا؟ ألا تمتلك دول أوروبية كفرنسا وغيرها أيضاً قواعد عسكرية في سوريا؟ أليست المنطقة العازلة التي يتم الحديث عنها الآن في جنوب سوريا منطقة نفوذ إسرائيلية بالدرجة الأولى؟ وحدث ولا حرج عن الاستعمار الروسي الصارخ في سوريا بقيادة قاعدة حميميم في الساحل السوري التي أصبحت رمزاً فاقعاً للاحتلال الروسي لسوريا. وقد رأينا كيف أن وزير الدفاع الروسي يستقبل الرئيس السوري في القاعدة الروسية في سوريا كزائر. وقد عبر الرئيس السوري نفسه على الشاشات عن دهشته من وجود الوزير الروسي في سوريا من دون علم الرئيس السوري. وكي يخفي حرجه، خاطب الأسد وزير الدفاع الروسي قائلاً: «يا لها من مفاجأة سارة». كما شاهدنا الرئيس السوري قبل أسابيع أيضاً يزور قاعدة حميميم كما لو أنها أرض أجنبية. وكيف ننسى أن روسيا حصلت على امتيازات التنقيب عن النفط والغاز في سوريا لربع قرن قادم؟ وقبل أيام فقط وافق مجلس الدوما (البرلمان الروسي) على بقاء القوات الروسية في سوريا لنصف قرن قادم. ماذا نسمي ذلك غير احتلال واستعمار؟ هل يكفي أن يوافق النظام على الاحتلال الروسي لسوريا كي تزول عنه صفة الاحتلال؟

لقد غدت سوريا بلداً متعدد الاحتلالات، فبالإضافة إلى النفوذ الروسي الصارخ على الأرض السورية، أصبحت إيران بدورها تسيطر على مناطقها الخاصة في سوريا بعد أن ربطتها برياً بالعراق ولبنان. وفي بعض المناطق السورية صرت ترى الإيرانيين أكثر مما ترى السوريين، فهو ليس فقط احتلالاً عسكرياً، بل صار إحتلالاً إحلالياً بحيث باتت بعض المناطق في ريف دمشق وكأنها قطعة من طهران.

أما اليمن فقد صار منطقة نفوذ إمارتية وسعودية وإيرانية وأمريكية بامتياز. هناك أيضاً تقاسم للنفوذ بين قوى كثيرة متداخلة ومتصادمة. اليمنيون أنفسهم يتهمون دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها باتت تسيطر على مناطق كثيرة في اليمن بما فيها الموانئ والمطارات، لا بل إنها منعت ذات مرة طائرة الرئيس اليمني من الهبوط في مطار عدن. وهي ماضية في تحويل اليمن إلى مستعمرة إمارتية حتى في محمية سقطرى البعيدة عن مناطق الحرب في البلاد. ولا ننسى المحاولات الجارية الآن لتقسيم اليمن إلى شمال وجنوب مبدئياً وربما إلى عدة مستعمرات لاحقاً. هل تسعى السعودية بدورها إلى استقرار اليمن وإعادة الشرعية كما يزعمون، أم إن الهدف هو السيطرة على اليمن ووضعه تحت العباءة السعودية بالاشتراك مع جهات أخرى؟ باختصار شديد، لم يعد أحد يتحدث عن ثورة في اليمن، بل عن تقاسم نفوذ وتقسيم واستعمار مفضوح.

أما ليبيا فقد صارت ميداناً للصراع بين جهات كثيرة تسعى للهيمنة عليها وتقاسم ثرواتها. وقد غدا الليبيون المتصارعون على السلطة مجرد مخالب قط بأيدي جهات خارجية تستخدمهم للسيطرة على البلاد ووضعها تحت عباءتها. هل ستترك القوى الخارجية المتورطة في الصراع الليبي ليبيا لليبيين، أم إنها تدخلت أصلاً لوضع ليبيا تحت الانتداب والوصاية؟ ألم يقم الكثير من البلدان قواعده العسكرية على الأرض الليبية بمن فيهم الروس؟ هل جاء هؤلاء إلى ليبيا للسياحة، أم للبقاء فيها لوقت طويل كقوى استعمارية في إطار لعبة تقاسم النفوذ المفضوحة؟

ثارت الشعوب للتخلص من الطاغية المحلي، فجاءها طغاة أجانب. ثارت للتخلص من الاستعمار الداخلي، فعاد الاستعمار الخارجي. ثارت على الوكيل، فاصطدمت بالكفيل. هل تمتلك سوريا وليبيا واليمن سيادتها الوطنية الآن، أم صارت عملياً تحت الانتداب، إن لم نقل تحت الاستعمار؟ ماذا بقي من الثورات غير الاستعمار الجديد؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

========================

ملحمة جرود عرسال لصاحبها (حسن) .. د. يحيى العريضي

 كلنا شركاء

السبت 5/8/2017

لسان حال أهل سورية المكتوين بنار الإستبداد والإرهاب الأسدي والخامنيئي والقاعدي يقول: ليذهب مقاتلوا النصرة أو داعش إلى إدلب أو موسكو أو الضاحية الجنوبية أو قُم أو جهنم. ليخرجوا فإنه غير مأسوف عليهم. إنهم يخرجون من عرسال بعد اتفاقات مع مشغليهم؛ إنهم لا يشبهون إلا تلك الميليشيات الإرهابية التي أتت بها طهران عبر المالكي وعبر ما أطلقه الأسد من معتقلاته، ليكونوا داعش والنصرة التي صُنِّفت إرهابية لحظة السماع باسمها، وليكون إرهابهم مادة المقارنة مع إرهاب منظومة الأسد، حيث وُضِع السوري أمام الخيار المهين المخيف: “إما الأسد أو الإرهاب”

في البعد الإقليمي والدولي لـ “ملحمة جرود عرسال”( آخر منجزات حسن نصرالله ومشغليه في لبنان وسورية) لا يخفى على أحد أن الأمور تتّجه في سورية إلى إنشاء “مناطق منخفضة التوتر” تحتكر التوقيع على اتفاقاتها القوتان الفاعلتان في أرض الإستباحة السورية؛ روسيا وأمريكا. تختلف طبيعة الإتفاقات الحاصلة عن تلك “المصالحات” المهينة التي كان “النظام” وحاميته إيران يؤسسون لها بعد سياسات التجويع أو التركيع والقصف المريع. في مناطق تخفيض التصعيد هذه، لا وجود لإيران، حيث يتم استبعادها بقصدية للعلم بأنها تعيش على التصعيد والتوتر واستمرار النزف في ظل “بعبع” /الإرهاب/ الذي ابتدعته بصحبة عصابة دمشق.

مؤخراً، استشعرت إيران انها أضحت خارج الحسابات في البيدر السوري؛ فاستعجلت حرب ميليشياتها في جرود عرسال، فكانت لها المقدمات اللازمة المتمثلة بالهجومات على مخيمات اللاجئين السوريين، وما جرى من اعتقالات وتعذيب حتى الموت في معتقلات لبنانية- تماماً كما يجري في معتقلات “النظام”. رسالة ذلك الإسراع  وجهتها أمريكا وروسيا “الحليفة” وتقول: /نحن هنا؛ ونستطيع أن نعبث ونخرّب عليكم/؛ فلا بد من أخذ إيران بالحسبان في مناطق تهدئة قادمة، وخاصة في ما بات يُعرَف بـ “سورية المفيدة” الذي هو بالأساس اختراع روسي-إيراني- أسدي. وهكذا اختراع- في بعده الاستراتيجي- يصل إيران بلبنان عبر العراق وسورية.

كل ذلك ياتي في ظل توجه أمريكي باحتواء العبث الإيراني، وفي ظل إرباك وحرج روسي تجاه التواجد الإيراني المزمن الذي ينغّص على روسيا وضع اليد بالكامل على الجسد السوري المنهك. وهذا يضع روسيا بين نار الحاجة الميدانية لإيران ونار ضرورة إزاحتها عن الطريق.

على الصعيد الداخلي- اللبناني تحديداً- “ملحمة عرسال” رسالة إلى الداخل اللبناني، تشبه تلك التي قدمها الحزب للبنان عام 2008؛ ومفادها باختصار أن الحزب هو الحاكم بامره في لبنان؛ ومَن يعترض أو حتى لا يصفّق لبطولاته في “المقاومة والممانعة”، والآن “مقاومة الإرهاب” لا وطني وخائن؛ وربما إن قُتِل، فهو يستحق ذلك.

أما ما جرى ويجري في عرسال فعلياً، فهو ليس أكثر من حفلة تضليل مسرحية مارسها حزب الله تحت شعار/تحرير جرود عرسال/ حيث سبقها ورافقها حملة تهديد وتخوين علني لكل مَن يعارض استيلاء الحزب على قرار السلم والحرب في لبنان وعلى صلاحيات الجيش. فالحزب حقيقة لم يكن بحاجة إلى مشاركة الجيش اللبناني في “معاركه العرسالية”، وهو الذي خاض معاركه في مختلف البقاع السورية تحت المظلة الإيرانية؛ ولكنه في هذه المعركة بالذات قرر أنه بحاجة إلى ذلك الإعتراف الشرعي من الجيش بحكم أنه الجسد القتالي الشرعي الوحيد في القانون اللبناني؛ ومن هنا وجد طريقة للإخراج الدبلوماسي لتلك الخطوة بتعبيره عن “التكامل بينه وبين الجيش” لاغتصاب “شرعية” خوض القتال نيابة عن الشرعية اللبنانية.

ما جرى في الجرود مسرحية تحاكي “تلفزيون الواقع” هدفها جر اللبنانيين وابتزازهم تحت شعار”تحرير جرود عرسال من الإرهاب”  وتحت يافطة /الانتقام للشهداء/ و /تحرير الأرض/. ميدانياً، كان هناك مواجهات محدودة مع “النصرة” و “داعش” و “سرايا أهل الشام”. وبالمناسبة “سرايا أهل الشام” اختراع لحزب الله ومنظومة الأسد، وما يدل عليها هو الإسم  الذي اختاره لها حزب الله تيمنا بـ “سرايا المقاومة”. هو من شكّلها ودرّبها وأمدّها بالقوة كي يستخدمها متى يشاء في تمثيليات شهدناها من وقت لآخر. الآن هم من تم الاتفاق معهم على المغادرة في مسرحية “تلفزيون الواقع”.

 من جانب آخر إذا كان الهدف من “معارك” عرسال –كما سوّق الحزب- الانتقام للشهداء والثأر للجنود اللبنانيين؛ فلماذا إعلاء شأن التفاوض على المواجهة (كما جاء في خطاب نصرالله الأخير)؟ ألم يقم خطاب حزب الله في الترويج للسيطرة على جرود عرسال على اتهام أعضاء المجموعات المسلحة بقتل الجنود اللبنانيين وإرسال سيارات مفخخة وترويع الهرمل وبعلبك؟ لماذا لا يُحاسب القتلة؟ ولماذا يخرجون بأمان؟ ولماذا هذا التكاذب على حساب الجيش والدولة اللبنانية؟

بالنسبة للنصرة “هيئة تحرير الشام”؛ حزب الله لم ينتصر عليها في جرود عرسال، وليس هو من أجرى الاتفاق معها بل اللواء عباس ابراهيم-  مدير الأمن العام اللبناني- الذي عقد معها صفقة هشة ليكون دور نصر الله توسل منظومة دمشق لتمرير عناصرها عبر مناطق سيطرتها إلى إدلب. مواجهة حزب الله لم تكن مع داعش. اتفاقه معها منذ أسابيع. وهو يشبه مسرحيات سابقة. ولم ينسَ أحدٌ بعد اتفاقات الإستلام والتسليم في تدمر بين داعش والنظام. الجهة الأساسية التي انتصر عليها حزب الله هي اللبنانيين وإرادتهم.

========================

مصالح مشتركة وخلافات بين أميركا وروسيا في سورية .. راغدة درغام

الحياة

السبت 5/8/2017

طمأننا وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، الى أنه على تفاهم مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موضوع سورية، فيما كانت وزارة الدفاع الأميركية تنتهج استراتيجية استعادة الأسلحة من «الجيش السوري الحر» بعدما رفضت فصائل منه الشروط الأميركية لمواصلة الدعم، وفي طليعتها عدم قتال القوات النظامية السورية والتركيز حصراً على محاربة «داعش». حروب العقوبات والانتقامات الديبلوماسية المتأججة بين واشنطن وبين موسكو وإيران لن تثني تيلرسون ولافروف عن الاجتماع الأسبوع المقبل في مانيلا على هامش اجتماعات رابطة جنوب شرق آسيا حيث ستكون الحرب على «داعش» و «جبهة النصرة» أولوية قاطعة تُملي السياسات كافة. روسيا ثابتة على سياساتها، بقليل من التأقلم، كي لا تخسر شراكتها مع الولايات المتحدة في المسألة السورية إنما دون أن تتخلى عن أسس ومبادئ تحكَّمت بعلاقاتها مع كل من إيران والنظام السوري. الولايات المتحدة متقلبة، لا تقلقها سمعة الاستغناء عن الأصدقاء والشركاء حين تقتضي ذلك المصالح الأميركية، وإدارة دونالد ترامب تتخبط في تناقضاتها وتأقلمها مع البراغماتية الروسية. بكثير من الاعتباطية كلاهما يزعم ان التفاهمات على مواجهة الإرهاب وعلى مناطق «خفض التوتر» سيليها إحياء عملية سياسية لمستقبل سورية بدستور وانتخابات ومشاركة المعارضة في الحكم بدلاً من استفراد النظام بالسلطة. وكلاهما يدرك تماماً أن لا تعايش بين حكم حزب «البعث» الذي لا يطيق ولا يتحمل تقاسم السلطة وبين عملية ديموقراطية فعلية تُنتج بديلاً من فكر «البعث» ونهجه. المعارضة السورية المعتدلة المسلحة خضعت الآن لواقع الحال بعدما خانت نفسها تارة وخانها الحلفاء والأصدقاء تارة أخرى. فهي أساساً لم تكن مهيّأة أو قادرة على محاربة محور عسكري يضم روسيا وإيران و «حزب الله» وميليشيات «الحرس الثوري» الإيراني والنظام في دمشق. وهي وقعت ضحية استغناء أميركا عنها تارة وتضليلها تارة إلى جانب تجيير قوى عربية خليجية الحرب السورية لخدمة مشاريعها الإقليمية. وارتكبت المعارضة المعتدلة عدة أخطاء مصيرية، من بينها الاعتقاد أن في وسعها محاربة العدوين، النظام في دمشق و «داعش» و «النصرة» وأخواتها، فوجدت نفسها كما هي اليوم، مُطالبة بأن تحارب حصراً من كان يحارب النظام بموازاتها وان كان لغايات وأجندة لا علاقة لها بالمعارضة المعتدلة. وها هي المعارضة المسلحة، بالذات «الجيش السوري الحر»، تخضع لإملاءات أميركية وروسية وإيرانية فيما تصوغ واشنطن تراتب التكتيك تلو الآخر وبينما يحاول المخضرم نفطياً، ريكس تيلرسون، الإمساك بخيوط اللعبة الاستراتيجية التي يتقنها لافروف بحنكة، فيهرول وراءه سورياً، ويتصرف بسذاجة سهواً أو عمداً عراقياً، ويتأخر بالمبادرة خليجياً على صعيد الأزمة القطرية، ويعارك أشباح إدارة أميركية بدائية.

فوضوية إدارة ترامب لا تعني بالضرورة أنها وحدها المسؤولة عن السياسات الأميركية، لأن تلك السياسات بمعظمها تتخذها الولايات المتحدة على المدى البعيد وعلى أساس المصلحة القومية، لذلك هناك خيوط استمرارية بين ما فعله الرئيس جورج دبليو بوش عبر حربه على الإرهاب في العراق، وما ترتب على ذلك من استدعاء الإرهابيين الدوليين إلى المشرق العربي، ومن تقديم العراق على طبق من فضة إلى إيران، ومن حذف العراق كلياً من المعادلة العسكرية الاستراتيجية مع إسرائيل، وبين ما لم يفعله الرئيس باراك أوباما إزاء المجازر في سورية متشبثاً بايران وبدعم صعود الإسلاميين إلى السلطة في مصر وغيرها لخلق الفوضى.

ريكس تيلرسون هو الواجهة الديبلوماسية لإدارة رئيس غير عادي أتى في فترة مؤرقة للدول الخليجية في أعقاب العقيدة الأوبامية التي قزّمت عمداً العلاقة الأميركية معها لصالح إحداث نقلة نوعية في العلاقة الأميركية– الإيرانية. ما حمله ترامب قبل بضعة أشهر إلى قمة الرياض من طمأنة بقلب الصفحة الأوبامية لتحل مكانها العقيدة الترامبية ما لبث أن اهتز بسبب مواقف أميركية ميدانية ازاء المشاريع الإيرانية الممتدة من العراق إلى سورية إلى لبنان اتسمت بالتهادنية والصمت والقبول بالأمر الواقع. اهتز أيضاً بسبب غموض الأدوار والمواقف الأميركية من الأزمة الخليجية بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين ومعها مصر من جهة أخرى.

تلكأ تيلرسون في ما كان يجب أن يفعله عند اندلاع الأزمة القطرية. كان يجب أن يتحرك فوراً على صعيدين متوازيين: بتدخله شخصياً، وبتعيينه مبعوثاً رفيع المستوى. لم يفعل. عندئذ كان في الإمكان ضبط الأمور على أسس واضحة. الآن، وبعد مضي شهرين على الأزمة، باتت المهمة أصعب حتى مع تكليف تيلرسون هذا الأسبوع موفدين للقيام بها. فقد بعثت الإدارة الأميركية مؤشرات إلى كل من طرفي الأزمة جعلت كلاً منهما يفسرها لمصلحته على رغم تناقضاتها. وهذا بالتأكيد يساهم في سلبية التطورات في الخليج بمساهمات أميركية خطيرة، مقصودة كانت أو غير مقصودة.

جزء مما آلت إليه الأزمة فعلياً هو انعكاسها على مستقبل مجلس التعاون الخليجي الذي لمَّ شمل الدول الخليجية الست أمنياً واقتصادياً وسياسياً بالرغم من التباين أحياناً.

قد يقال ان تحوّل مجلس التعاون من عضوية سداسية إلى عضوية خماسية من دون قطر لن يؤدي إلى تفكيك المجلس أو حلِّه، بل قد يقال ان محور السعودية– الإمارات بحد ذاته هو بذلك الوزن الضخم إلى درجة لا يتأثر معها بتصدع أو تفكيك مجلس التعاون. واقع الأمر هو ان تفكيك مجلس التعاون الخليجي يخدم ايران ومشروعها الأمني في المنطقة القائم على تولي طهران مهمة القيادة الأمنية الخليجية، فهي التي تقرر ان كانت الشراكة الأساسية أميركية أو روسية. وهي التي تتحكم بالمنطقة الخليجية لأنها تمتلك الأدوات الأمنية في هذه الحال.

فليس صدفة ولا هو قرار إدارة عابرة أن يتم طي العداء والقطيعة بين واشنطن وطهران طبقاً لعقيدة أوباما وعلى أساس إقراره بشرعية النظام الحاكم في طهران وهو حكم ثيوقراطي يفرض الدين على الدولة ونظام يؤمن بولاية الفقيه وبحقه في تصدير ثورته. وليس مطمئناً ما تشهده المنطقة الخليجية من تلكؤ وتردد أميركي في احتواء الأزمة مع قطر كما يجب –وأميركا قادرة لو شاءت الاحتواء– بما يؤدي إلى تفريق الدول الخليجية وتفكيك عقد التكامل الأمني والاقتصادي والسياسي بينها. وليس منطقياً غض نظر أركان إدارة ترامب عمداً عن الإنجازات الإيرانية الميدانية الأساسية في مشروع «الهلال الفارسي» الذي يترسّخ في الأراضي العراقية والسورية واللبنانية.

فليس كافياً أن يصرح ريكس تيلرسون ان استمرار تواجد العسكريين الإيرانيين في سورية «أمر غير مقبول»، ذلك ان مطالبة الدول العظمى في العالم بإنهاء الوجود الإيراني العسكري في سورية يجب أن تكون لها آلياتها وبرامجها التنفيذية ضمن اطار زمني. ما نشهده الآن هو طأطأة الرأس الأميركي أمام قيام «الحرس الثوري» و «حزب الله» بفرض الأمر الواقع عسكرياً ميدانياً في الخريطة السورية، بلا أي جهد لإيقاف مشروع «الهلال الفارسي» الذي تزعم إدارة ترامب أنها تقف ضده وستمنع قيامه. أركان هذه الإدارة تعهدوا بمنع استيلاء إيران المباشر أو غير المباشر على الأراضي التي يتم تحريرها من «داعش» و «النصرة» في العراق وسورية، إنما ما يحدث ميدانياً يفيد بأنهم تراجعوا عن التعهدات باسم الأولوية الأميركية المعنية بـ «داعش».

يطمئننا ريكس تيلرسون إلى أن هذا الأمر الفائق الأهمية سيكون ضمن التفاهمات مع روسيا التي أوضحت تكراراً ومراراً أنها لن تتخلى عن حلفائها وأصدقائها في سورية. فهي تفتخر بأنها نجحت في كسب سمعة الاتكال عليها وصدق تعهداتها مقابل السمعة الأميركية بسرعة الاستغناء عن الأصدقاء والحلفاء العابرين ما عدا الحليف الإسرائيلي الذي هو حليف عضوي للولايات المتحدة وجزء من التركيبة الداخلية. ثم ان الغايات الروسية في سورية ثابتة بينما الأميركية متقلبة.

بالرغم من كل ذلك، ليس أمراً هامشياً أن يعلن وزير الخارجية الأميركي ان انسحاب القوات الإيرانية من سورية يمثل شرطاً ضرورياً لتسوية النزاع. عسى أن تكون مواقف تيلرسون جدية وان تمثّل مواقف السياسة الأميركية البعيدة المدى الدائمة وليس مجرد سياسة الاستهلاك اللفظي العابر. كذلك الأمر في ما يتعلق بوعود التسوية السياسية في سورية بعد الانتهاء من معركة الرقة ضد «داعش» ومن عملية مناطق «خفض التوتر» التي تقودها روسيا. لا يكفي ان يقول تيلرسون إن لا وجود لبشار الأسد في مستقبل سورية وهو يدرك تماماً أن روسيا تختلف معه في الأمر جذرياً. فإذا أرادت واشنطن أن تؤخذ بجدية عليها إثبات الجدية فعلاً.

الوزير المخضرم سياسياً، سيرغي لافروف، لن يفرّط بعلاقة يريد ترسيخها مع الوزير المخضرم نفطياً ريكس تيلرسون، ولذلك ستكون السياسة الروسية أكثر حذراً ودقة بالذات مع بشار الأسد. موقع «بلومبرغ» الاخباري نقل عن الروس ان موسكو تريد أن يقبل بشار الأسد بـ «تقاسم رمزي للسلطة» مع المعارضة. هذا ليس أبداً ما نص عليه «بيان جنيف» وما تلاه من بيانات سياسية في آستانة أو غيرها. موسكو دعمت الأسد منذ البداية ورسخته في السلطة وكسرت شوكة المعارضة السورية وهي لن تتخلى عنه ما لم تكن هناك صفقة أميركية– روسية ضخمة تتطلب مثل هذا الثمن. هذه الصفقة بعيدة جداً الآن فيما بشار الأسد يزداد تصلباً في رفضه التنازلات وتقاسم السلطة بعدما أحرز الإنجازات العسكرية الميدانية بشراكة إيرانية وبغطاء عسكري جوي روسي، فهو يعتبر أنه انتصر، وعليه سيمسك حزب «البعث» زمام الأمور بكل حدة واستفراد وعزم على تلقين الدروس للذين تجرأوا عليه بكل أدوات الانتقام.

نُقِل عن رئيس «مجلس الشؤون الدولية» الروسي، اندريه كورتونوف، المقرب من الكرملين، قوله ان تعمّد الأسد تعطيل العملية السياسية خلق «توتراً» في العلاقة بينه وبين روسيا. وزاد: «روسيا ليست مستعدة لخوض الحرب حتى تحقيق الأسد النصر». هذا أيضاً كلام مهم، إنما ليس واضحاً ان كان جدياً أو لمجرد الاستهلاك.

الواضح ان روسيا تملك أدوات الضغط والتأثير على كل من بشار الأسد ونظامه وإيران وميليشياتها من الغطاء الجوي الذي ما زال ضرورياً للعمليات العسكرية لكليهما إلى العلاقات الثنائية مع كل منهما. موسكو لن تستعمل هذه الأدوات ما دامت السياسة الأميركية تتسم بالضعف والتردد والاستلقاء.

الغامض هو ما إذا كانت السياسة الأميركية البعيدة المدى على تلك الدرجة من الدهاء الذي يحرِّك عمداً ذلك الانطباع بأنها في المقعد الخلفي لروسيا، بينما هي واقعياً مُشبعة بالبراغماتية ضماناً للمصالح الاستراتيجية الأميركية على حساب الأعداء والأصدقاء على السواء.

========================

لماذا يقتل الصفويون الشبيحة !؟ .. يحيى حاج يحيى

ميليشيات لبنانية وإيرانية تعدم عدداً من الشبيحة  لرفضهم التوجه للقتال في جبهاتها  !

الشبيحة الذين خانوا وطنهم وباعوا ضمائرهم ، معهم حق ولم يخطئوا ؛ لأن مثلهم كمثل كلب الحراسة الذي ينبح وهو في مكانه ، وهم إنما جاؤوا كمرتزقة ، مهمتهم السلب والنهب وقهر العزل الآمنين و... و... ولا يجرؤون على المواجهة والقتال !؟

ذكّرني موقفهم بقصة رجل عاطل عن العمل ، وله صوت جميل ، اتفق أهل قرية معه على الأذان ! فكان يؤذن ، ويخرج دون أن يصلي ! فلما عوتب على ذلك ! قال : أنتم اتفقتم معي على الأذان ، ولم تتفقوا معي على الصلاة !؟

=======================

آذار وبحار الدم - الحلقة (20) .. من هو الجاسوس الصهيوني (إيلي كوهين) ؟ .. محمد فاروق الإمام

ولد (إيلي كوهين) في الحي اليهودي بالإسكندرية في 16 كانون الأول 1924م، وكان أبواه (شاؤول وصوف كوهين) قد هاجرا من مدينة حلب السورية إلى مصر. ونشأ إيلي متديناً حيث كان يمضي معظم أوقاته في الكنيس متعبداً.. وكان متفوقاً في مدرسته.. فظفر بمنحة دراسية مرموقة للتعليم في مدرسة (الليسية الفرنسية)، وفي وقت مبكر أصبح يجيد الفرنسية والعبرية بطلاقة. ودرس التلمود، وحفظ بعض النصوص عن ظهر قلب. وكان إيلي رياضياً قوي البنية. وأدت ميوله في البحث.. واهتمامه العميق باليهودية إلى إرساله أول الأمر إلى مدرسة (ميمون) في القاهرة ثم إلى مدارس (رامبام) لدراسة التلمود.. وكان يشرف عليها (موشي فنتورا كبير حاخمي الإسكندرية).

وبين العاشرة والعشرين من عمره.. تحول اهتمامه عن الموضوعات الدينية إلى الرياضيات والفيزياء. ولما دخلت مصر الحرب مع الحلفاء عام 1940م، اكتسب إيلي هواية جديدة ألا وهي الأسلحة.. وكان شغوفاً بوجه خاص بمختلف أنواع الطائرات. وفي عام 1950م هاجرت أسرة إيلي إلى فلسطين ورتب هو لها خطة السفر الكاملة. قدم جميع الوثائق اللازمة لها.. ورفض أن يرحل معها ليبقى في الإسكندرية ليقوم بأعمال التجسس ومعه جهاز الراديو الذي زودته به إسرائيل.. وكان يرسل إلى تل أبيب أية معلومات يتمكن من الحصول عليها. وكان ذلك أول أعمال إيلي التجسسية الرسمية التي كلف بها من قبل الموساد الإسرائيلي.

وفي تشرين الثاني اعتقل كوهين.. وكان متأكداً وهو في زنزانته أنه سيعدم. فقد انقضت سنوات وهو يتجسس، ولم يكن يشك في أن تكشف حقيقة ما مارسه من نشاطات تجسسية.

واستطاع إيلي إقناع سجانيه بأنه صهيوني في معتقداته فقط، ولم يتمكن المحققون من العثور على أي دليل على ممارسته لأية نشاطات تجسسية. ولكنهم أخبروه بأنه سيطرد من مصر.

وفي 20 كانون الأول 1956م.. وجد إيلي كوهين نفسه على ظهر سفينة متجهة إلى نابولي.. حيث نزل مع باقي اليهود المطرودين من مصر بانتظار السفن التي تقدمها لهم حكومة إسرائيل.

وأخيراً عاد كوهين إلى إسرائيل في 12 شباط عام 1957م. وتسلم إيلي الوثائق التي تشهد بأنه مواطن إسرائيلي. وعاد إلى أهله الذين فارقوه منذ أكثر من ست سنوات. وقضى إيلي عدة أشهر قبل أن يجد عملاً في أواخر عام 1957م في وزارة الدفاع الإسرائيلية.

وفي أوائل عام 1959م قابل إيلي امرأة يهودية من أصل عراقي تدعى (ناديا) في نادي الجنود بتل أبيب.. وقبل انقضاء أقل من أسبوعين تزوج كوهين من ناديا.

بعد انقطاع كوهين عن العمل بفترة طُلب إليه الالتحاق بجهاز الموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي). وشرع إيلي في دراسة مكثفة استغرقت ستة أشهر في مختلف فنون مهنته الجديدة.. وبقي طيلة مدة تدريبه تلك.. ساكناً في شقة استأجرها الموساد له بتل أبيب بعيداً عن أسرته لتكون مركزاً للتدريب.. وهي ما تزال كذلك حتى يومنا هذا.. ولم يكن يسمح له بمغادرة الشقة بدون إذن.. وفي العادة لم يكن يخرج إلا ليسير في المساء بصحبة مدربه ضابط الموساد (إسحاق زلمان).

وقام إيلي طيلة فصلي الربيع والصيف من عام 1960م بدراسة جميع مناهج الموساد.. وقد علمه خبراء مجربون في فنون التخريب كيف يضع المتفجرات والقنابل الزمنية الموقوتة من أبسط مركباتها.. كما أُخذ إلى معسكرات الجيش ليرى كيف تستعمل أجهزة التفجير المختلفة.. في نسف الجسور والمنشآت. وقام خبراء في فنون المعاركة والمصارعة بتعليم إيلي كيف يناجز خصمه وهو أعزل.

عكف إيلي كوهين على دراسة الإسلام.. وحفظ آيات كثيرة من القرآن عن ظهر قلب.. كما تعلم ما يقوم به وهو يؤدي الصلوات الخمس.. كما تفرضها الشريعة الإسلامية.

ذهب كوهين مع مدرّبه إلى الحدود السورية - مرتفعات الجولان - وعرف من مدربه أنه يُخطط له للذهاب إلى سورية.

وفكر رؤساء كوهين في إرساله أول الأمر إلى سورية منتحلاً شخصية مواطن من إسبانيا أو أمريكا الجنوبية.. ولكن قرارهم الأخير هو اختيارهم له شخصية عربية يتقمصها.

بدأ إيلي كوهين دراسة مكثفة عن تاريخ سورية.. وتطورها الاقتصادي..وحكومتها..وجغرافيتها.. وطوبوغرافيتها. كما قام عدد من الأساتذة تعليمه اللهجة السورية.

كما ألزمته قيادته بتعلم كل ما يقدر عليه من معلومات عن الأرجنتين.. من تاريخ وسياسة وجغرافيا وصقل لغته الإسبانية.

وأخيراً أعطى الموساد إشارة الانطلاق إلى كوهين.. فقد حان الوقت لإرساله إلى العمل.

يتبع

=======================

الشبيح !؟ .. شعر : يحيى حاج يحيى

وشـبيحٍ تطايـر كالجـرادِ      تراه هائمـاً في كـل وادي

يبيعـك بيتك المسروق ليلاً      ويعرِضُه صباحاً  في المزاد

فألفا لعنـةٍ نزلتْ عليـه ..      وقد ترك الفقير  بغيـر زادِ

حقيرٌ! مالـه أبداً مثيـلٌ ..      وقـوّادٌ يُسـمسِرُ للفســادِ

فلا تجعـلْ  نهايته بسـيفٍ      ولكنْ بالحِذاء ، بـلا اتّئـاد

=======================

الاحتلال الخارجي والاحتلال الداخلي  و تبادل الأدوار !؟ .. يحيى حاج يحيى

الاحتلال الخارجي كما هو معروف  : دولة تفرض نفسها  على دولة أخرى

وقد يكون سياسياً كتبعية بعض  حكومات المنطقة ، أو عسكرياً كما كان في الجزائر وغيرها من بلاد العرب ، أو اقتصادياً وأمثلته كثيرة فيما يسمى العالم الثالث  !؟ وهناك الثقافي والصناعي والتقني والزراعي ! وأمثلته بعدد الأنظمة الذليلة ، والشعوب الساكتة عن حقوقها !

وعندما يضطر الخارجي للرحيل ولو ظاهرياً ، يبحث عمن يحل محله من نخب :  سياسين ، أو عسكريين ، أو أحزاب ، أو طوائف عقدية ، أو عرقية !وهو ينظر إليها بعين العناية والمتابعة ، وهي تنظر إليه بعين المنقذ والمخٓلص !؟

فعملاء الاستعمار زمن الانتداب في سورية الذين بكوا على فراق الأم الحنون ( فرنسا ) نادبين حظهم لأنها تتركهم لعدوهم التاريخي  ( الشعب السوري ) كما في رسائلهم  إلى زعمائها في باريس ، اعتادوا على العمالة  !؟فهم يبحثون  عن ولي نعمة يسندهم ويؤيدهم ، فوجدوا في إيران بغيتهم ، وحين لم  يشعروا  بالطمأنينة ، جلبوا احتلالاً آخر ، وهو الاحتلال الروسي  

إن مما يعرض المجتمع للاحتراب الداخلي أن تعمد طائفة أو عرق معين إلى فرض رؤيته على المكونات الأخرى ، فيصادر حريتها  ، ويلغي رأيها ،ويحرمها من حقوقها ، ويتمتع بخيرات البلد ، وكأنه مُلك خاص لطائفته أو عِرقه  ، مما يهدد السلم الاجتماعي ، وتتعرض فيه المواطنة إلى افتئات وظلم كبيرين !؟ وهذا مايسعى إليه الاحتلالان  الداخلي والخارجي  وهما يتبادلان الأدوار !؟

إن إلغاء الاحتلال الخارجي مالم يتبعه إلغاء للاحتلال الداخلي ، يجعل البلد ، أي بلد عرضة للوقوع تحت نفوذهما مجتٓمِعٓين ، أو منفرِدٓين 

وهذا أمر مُشاهٓد ومحسوس في سورية ولبنان ، ودول أخرى من دول الإقليم مرشحة لتكون فيها هذا الحالة المزرية !؟

=======================

أعرابي في برلمان .. يحيى حاج يحيى

(مهداة إلى الأستاذ علي الطنطاوي _ رحمه الله _ ، ومستوحاة من مقالتيه القصصيتين : أعرابي في السينما ، وأعرابي في الحمام)

قال لي صاحبي : أو عزمت على الرحيل ؟! قلت : إي والله ، فإنه لم يبق في حاضرتكم شيء لم أطلع على عجائبه .

فابتسم وقال : ولكنك لم تزر البرلمان .

قلت : وما البرلمان ؟ فنحن أهل البر نعيش فيه ، ونفعل ما يحلو لنا فضحك صاحبي ، وقال : هداك الله !إنه البرلمان

قلت : ما سمعت بهذا لا في مدر ولا في وبر .

قال : إنها كلمة ليست من العربية في شيء ، ومع ذلك فإن في زيارة البرلمان متعة ليست في غيره .

قلت : أيكون أحسن حالا من الحمام والسينما ؟!فماذا عندكم يا أهل المدن إلا التعري والروايات !

قال صاحبي ، وقد ذكر ما لقيتُ في الحمام والسينما من مفاجآت : علمُك بالشيء خير من الجهل به ، ففي البرلمان ستجد الحكومة ، وتجد ممثلين عن الشعب وجها لوجه ، وستسمع من يهاجم الوزير والمحافظ ، ولا أحد يقول له شيئا !!

قلت : الممثل يفعل هذا ؟! يتهم الحكومة ، ويهاجم الوزير وضربت كفا بكف و هتفت : ثكلتني أمي ، فما كان أغناني عن حياة البادية ، وما كان أغناني عن عملي دليلا فيها ؟! كيف الطريق إلى التمثيل ؟!

فضحك _ والله _ صاحبي ضحكا خلت أنه خلع قلبه ، ثم ضرب بيده على كتفي ، وهو يقول : ليس التمثيل كالذي رأيته في السينما ، وإنما هؤلاء يمثلون الشعب ، أي ينوبون عنه لأنه اختارهم ، فهم نواب و نائبات يطالبون ويقترحون…

فهممت أن أقول شيئا ، فقال صاحبي : وقد يَشتمون ويُشتمون ….

ولن أطيل عليك ، ففي غد نذهب معا ، ونحضر إحدى الجلسات ، وتشاهد من خلال شرفة الضيوف كيف يفعلون.

و والله ما كان إلا الغد حتى ذهبت مع صاحبي ، وأنا لا أدري كيف ساقني ،ولم أنس بعد ما حل بي في السينما والحمام . فوقفت معه أمام دار كبيرة ما رأيت مثلها من قبل ، فأوقفنا بعض الشرط فقدم لهم صاحبي قطعتين من ورق ، وأشار إلى نفسه وإلي فأدخلونا ، ثم استوقفنا آخرون عِراض المناكب ، كُلح الوجوه كأنهم لم يبتسموا مرة في حياتهم ! وبدؤوا يفتشوننا ، حتى وقعت يد أحدهم على خنجري ، فصاح غاضبا: سلاح ؟! قلت: إنه خنجري وهو شبر من حديد .فقال : ممنوع . اتركه في الأمانات ، وخذ  إيصالا به .

فوقفت ، وأنا لا أصدق ما أرى ، وصاحبي لا يرى في ذلك بأسا ؟!!

وأعطاني ورقة أصغر من راحة اليد ، فهممت أن أعود ، ولكن صاحبي سحبني من يدي ،فقلت : ما أبخسها من صفقة ! أأستبدل هذه الورقة بخنجري ، وما هي بالتي يشترى بها شيء ؟!!

فقال : هوّن عليك ، فنحن ما بعنا ولا اشترينا ،فإن خنجرك سيكون في الأمانات إلى وقت الخروج . فمضيت وأنا منكسر القلب أردد قول

الشاعر :

أخاك أخاك إنّ مَن لا أخا له     كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ

فكيف وأنا غريب في هذه  البلدة بلا أخ ولا سلاح .. فتبعته وأنا أجر قدمي ،فأجلسني على مرتفع ، وقال: هذه شرفة الضيوف فرفعت رأسي وإذا هي دار قوراء ، وإذا القوم جلوس على كراسيهم ، بعضهم يقابل بعضا ، وآخرون يديرون أقفيتهم ؟!

فقلت : ما أشبه هذه الدار بالحمام لولا أن القوم لم يخلعوا ثيابهم فابتسم صاحبي وقال : هذه قبة البرلمان ، أما سمعت في الأخبار عن القوانين التي تناقش تحت قبة البرلمان ؟!

قلت : ولولا أن القوم يقابل بعضهم بعضا ، وليسوا صفوفا لظننت أني في السينما ، وقد كذبت ظني حين رأيت القوم لا يطفئون الأنوار.

قال صاحبي : بعد قليل ستبدأ الجلسة ..ولم يطل بنا المقام حتى قام أحدهم ، وبدأ يتكلم وأنا لا أعي أكثر ما يقول ! ثم تناوب القوم الحديث ، بعضهم يقول ، وبعضهم يسمع ، وبعضهم لا يقول ولا يسمع ، وهو إلى النوم أقرب ، كأن الأمر لا يعنيهم فقلت : لعلهم ضيوف مثلنا ، ولكنهم أقرب إلى القوم ، فأجلسوهم معهم ؟!

وتفحصت الوجوه فإذا (معيضان )بينهم لا حول له ولا طول فقمت لأطل عليه ، وهتفت : معيضان … معيضان ! لقد بحثت عنك طويلا فلم أجدك ! في أي مكان تنزل ؟! وإذا أحد أولئك الشرط يمسكني ويردني ، ويهم بإخراجي . قلت : ويحك ! ماذا فعلت ؟ أنادي على واحد من قومي ، وهو يعرفني ، ووالله لقد أقرضته خمسين تيسا لمأدبة أقامها ،ووعدني بردها … فأشار صاحبي وهو يعض على شفتيه أن أنهي الحديث ، ثم اعتذر للشرط واعدا ألا يتكرر ذلك مني ، فجلست ، وأنا أكاد أتفجر من الغيظ . أي هوان هذا الذي أنا فيه! أنادي على بعض قومي ، وأُمنع من ذلك ؟ ومعيضان يتجاهلني ، ولا يرد ، ووالله ما مثلي ومثله إلا كما قال الشاعر :

سريع إلى ابن العم يلطم خده        وليس إلى داعي الندى بسريع

ثم التفت إلى صاحبي وقلت ! هل يستطيع معيضان أن يرد علي ؟

قال : نعم ، لأن له حصانة . قلت : والشرطي لا يخرجه ولا يمنعه ؟

قال : إنه نائب ، ويتمتع بالحصانة . فقلت في نفسي : والله لقد بزغ نجمك يا بن (شنيطة ) وعرفت الآن لماذا أقمت الولائم ، وجمعت الناس ، ثم قلت لصاحبي ، وقد ذكرت الخمسين تيسا : وهل سيكون معيضان بعد هذه الحصانة قادرا على وفاء الدين ؟

قال صاحبي : لا أشك في ذلك . فلسوف يتقاضى رواتبه ، ويعطى مخصصات عن هذه الجلسات .

ولم أطل التفكير حتى انبرى واحد من الجالسين يهدر ويزمجر ، وأنا لا أدرك كثيرا مما يقول ؟! فهمس صاحبي في أذني : إنه من المعارضة !

قلت : ما سمعت بهؤلاء القوم ! فأين تكون منازلهم ؟ قال صاحبي : ينزلون وراء الحدود ، فأكثر منازلهم خلفها ، وهذا إنما وصل لأنهم سمحوا له بالدخول . قلت: يسمحون له بالدخول والنزول ، ويزمجر عليهم ؟! ابتسم صاحبي وقال : لكنه لا يقول ما يؤذيهم ، صحيح أنه يهاجم الحكومة ، ولكنه لا يجرحها … ولم يطل به كلام حتى دمعت عينا امرأة كانت تقابله في المجلس ، فقلت : سبحان الله ، يهاجم الحكومة ، والمرأة تبكي !لعل الحكومة تكون من عشيرتها … قال صاحبي: إنها رئيسة الحكومة ! هل ترى الرجال المحيطين بها ، إنها

رئيسة لهم . ثم قام رجل من خلفها يشتد في كلامه ، فقلت : لعل الحكومة من عشيرته ، فهو لم يقبل هوانا يصيبها . فقال صاحبي : إنه نائب رئيس الحكومة . قلت : والله لقد أصابت حكومة فلربما منعت هذه المرأة من الحضور ، وربما أقسم عليها زوجها ألا تخرج من البيت ، فتبره في قسمه ، فهم لا يعطلون أعمالهم ، وأيقنت أن حكومة موفقة . فمن يدري ، فقد يطول بالرئيسة نفاس ، أو يعسر عليها المخاض . فينوب عنها رجل ريثما تعود بالسلامة .

ثم وقفت فتاه كَعاب تصرخ وتولول ، وتهتف : ارفعوا أيديكم عن المرأة . فقال صاحبي : إنها إحدى النائبات .

ووالله ما استطعت أن أصم أذني ، فقلت : ويح أهل الحضر ، قبل أيام هتفت امرأة في السينما ، وقد أحاط بها غادر خبيث ، يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع ، فاستللت خنجري ، و أقبلت أريده فأشعلت الأنوار ، وما ارتضيت أن أقيم على هوان ، واليوم تستغيث امرأة ، ولا من مغيث . فمن هؤلاء الذين وضعوا أيديهم على المرأة ؟!

فإن الطبيب يعاين نساءنا من وراء حجاب ، ولا يرضى أحدنا أن يعطيه اسمها ليكتبه في أوراقه . فثارت الدماء في عروقي ونهضت هاتفا : لبيكِ ألفا … لبيك ألفا ….

فجاء رئيس الشرط ومعه ثلاثة من أعوانه ، وأصر على إخراجي .. فقلت : تستغيث امرأة ، أإن لبيتُها تُخرجوني ؟! ووالله ما رأيت ألأم منكم ولا أقل مروءة. وعند ذاك عرفت لماذا أصروا أن يأخذوا خنجري قبل الدخول ، وذكرت قول ابن أبي ريشة :

رب وامعتصماه انطلقت           ملء  أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم ، لكنها           لم تلامس نخوة المعتصم

فتدخل صاحبي ، وقال : إنه غريب ، ولم يدخل قبل يومه إلى برلمان ، ولعلها آخر أخطائه ، وهو قريب أحد النواب ، فتركوني وهم يهمهمون.

وطال بنا جلوس ، والقوم يتهاوشون ، وأنا لا أعيرهم انتباها ، حتى وقف غلام أمرد يحمل صندوقا على كتفه قريبا منا ، فقال صاحبي : أتحب أن يصورك لتظهر في التلفزيون ؟ قلت : وماذا ينفعني هذا أو يضرني ؟ قال: لا شيء . قلت : لا أريد.

وحان وقت الظهر ، ولم أر أحدا من القوم يتحرك من مكانه ! فقلت لصاحبي : ألا أؤذن ، وأذكر القوم ؟ فضغط على يدي وهمس : يعرفون ذلك ولديهم ساعات يضبطون بها الوقت . قلت : إذن أصلي وأعود . قال : انتظر قليلا ، ألست مسافرا ؟ قلت : بلى . قال: إذن تجمع وتقصر .قلت : والقوم ! قال : هم كذلك مسافرون وقد قدموا من بلاد بعيدة . فأسكتني والله ، ولكنه لم يستطع أن يسكت جوعة بطني ، فقلت : ولكن القوم ألا يأكلون ، فقد يستمرون إلى العصر ، فلم أرهم صنعوا طعاما ولا دعوا إلى وليمة ، وليس من البر الصيام في السفر ، فلم يرد علي بشيء ، فأخرجت تمرات أشغل بها بطني ، وذكرت قول الشاعر :

لاتحسب المجد تمرا أنت آكله   لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

فقلت ، وأنا أتبلغ بتميراتي : وإن الجوع ليئس الضجيع …

ثم نهض القوم واقفين ، فقال صاحبي : انتهت الجلسة . فقلت : لابد أن أصل إلى معيضان . فخرجت أتبعه ، وهتفت عند الباب الكبير ، ولكن اللئيم ركب سيارة فارهة ، ولم ينظر إلي ، ومضى . وعاد إلي صاحبي بالخنجر ، ثم اعتذر لبعض شأنه . ووقفت وحيدا ، وقلت : لو أنني أقسمت ألا أدخل هذه الحاضرة بعد اليوم لكان حريا بمثلي أن يفعل ذلك . فهذه ثالثة الأثافي ، فأي داهية نزلت بي في الحمام والسينما والبرلمان.

=======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com