العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-06-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سوريون يحيون ذكرى الساروت.. عامان على رحيل "حارس الثورة"

عربي21

يمان نعمة

الاربعاء 9/6/2021

أحيا سوريون في الشمال السوري وفي مدن تركية، الثلاثاء، الذكرى الثانية لرحيل عبد الباسط الساروت، منشد و"حارس الثورة السورية"، ومن بين أبرز أيقوناتها.

وخرج الآلاف في إدلب، في مظاهرة حاشدة تحت عنوان "الثورة ما تموت كلكم ساروت"، نظمها "تجمع الشهيد عبد الباسط الساروت"، رفعوا فيها صور الساروت، ورددوا أغانيه.

وكذلك نظم عشرات السوريين في مدينة غازي عنتاب التركية وقفة تخليد للساروت، تخللتها كلمات عن الساروت ومسيرته، التي تجسد مسيرة الثورة التي بدأت سلمية وانتقلت مضطرة إلى الشق العسكري.

وأكد رئيس الهيئة السياسية في إدلب أحمد حسينات، وهو أحد المشاركين في مظاهرة إدلب لـ"عربي21"، مشاركة كل فعاليات إدلب الثورية والمدنية في المظاهرة، مشيرا إلى أن "الهدف منها التأكيد على أن الثورة ماضية في طريقها، الذي رسمه الشهيد البطل الساروت وغيره من الشهداء".

من جانبه، قال عضو الائتلاف السوري، عاطف زريق، إن الثورة السورية أنتجت أيقونات كثيرة، مستدركا: "لكن ميزة الساروت أنه جمع جوانب الثورة كلها، بمعنى أنه كان متظاهرا ومنشدا ثوريا ومقاتلا، ولذلك شكل حالة ثورية توافقية بين جميع الفئات العمرية، وكذلك بين التوجهات الفكرية والسياسية".

وأضاف لـ"عربي21"، أن إحياء ذكرى الساروت في الشمال السوري بهذا الزخم، إنما يدلل على استمرارية الثورة، رغم الخذلان الدولي، مضيفا: "العهد علينا جميعا أن نحافظ على دماء الشهداء، من خلال الاستمرار بالثورة السورية إلى حين خلاص البلاد من حكم بشار الأسد".

بدوره، قال رئيس الائتلاف نصر الحريري: "ما تزال أغاني الساروت للحرية تطرب نفوس الأحرار وما تزال ذكراه تغري النفس بمزيد من العمل الجاد من أجل إسقاط هذه العصابة المجرمة".

وأضاف في تغريدة: "في مثل هذا اليوم قبل عامين، ارتقى عبد الباسط محاربا من أجل الحرية في ميدان البطولة"، منهيا قوله: "أبناء هذه الثورة على العهد حتى التحرير والاستقلال".

الساروت.. حارس الثورة

وينحدر الساروت المولود في العام 1992 من مدينة حمص، ونال شهرته بسبب مشاركته في مظاهرات المدينة، وتخليه عن عمله حارسا لمرمى نادي "الكرامة" الحمصي.

وعند اندلاع الثورة السورية، تم استدعاؤه لحراسة مرمى منتخب شباب سوريا، لكنه فضل المضي في الثورة السورية، والإنشاد في المظاهرات السلمية، إلى أن أطلق عليه لقب "حارس الثورة السورية".

تردد صدى أناشيده في كل المظاهرات السورية على اختلاف المحافظات، ومنها: "حانن للحرية، يا يما توب جديد، جنة يا وطنا، راجعين على حمص"، وأسس في العام 2012 مجموعة مقاتلة، وبقي في حمص رغم الحصار الطويل، حتى اضطر للخروج منها في عام 2014 نحو ريف حمص ثم إلى إدلب، بعد مقتل أربع من أشقائه على يد النظام.

في إدلب، انضم الساروت إلى فصيل "جيش العزة" التابع للجيش الحر، وشارك في المعارك إلى جانب المظاهرات، حتى أصيب في 6 حزيران/ يونيو 2019، في إحدى المعارك مع قوات النظام في ريف حماة، وأسعف بعدها إلى تركيا، وتوفي بعد يومين من إصابته.

وشُيع الساروت في 8 حزيران/ يونيو في جنازة مهيبة إلى مثواه الأخير في إدلب، تنفيذا لوصيته أن يدفن في إدلب، القريبة نسبيا من مسقط رأسه حمص.

=========================

وجهة نظر : القصف الروسي - الأسدي على أرياف إدلب

زهير سالم

مركز الشرق العربي

11/ 6/ 2021

تجدد القصف الروسي - الأسدي أمس الخميس 10/ 6/ 2021 على أرياف إدلب، وبلداتها، قصف جوي ، وقصف بري ، دمر وقتل وشرد ..

وهذا حدث له سياق له قبل وله سيرورة وله بعد ..ورسائل المجرمين تكتب اليوم بدماء السوريين!!

والمطلوب من أصحاب القرار فينا ومنا ، قراءة الحدث في سياقه، والتعليق عليه، وتحديد الموقف منه، والتفكير بتداعياته، وماذا سيتبعه، وكيف سيواجهونه ..إن عشر أنفس بريئة أزهقت بقصف لأمس، بينهم أطفال وآباء، أبرياء ...

يصرح وزير أو سفير تصريحا فنرى أصحاب القرار منا يحللون الفاصلة ، ويبنون على النقطة ويتداون بنقيع حبر الرسالة ..!! بينما مجانا تزهق الأرواح في سورية اليوم فلا نرى ولا نسمع ...

اللهم اكتب لنا من أمرنا رشدا ..

أيها السوريون الأحرار جميعا أجمعوا أمركم ، وكونوا مع أنفسكم ، ولا تنتظروا من أحد ... وأسوأ ما يمكن أن يتعلمه المرء في هذا العصر حالة الترقب والانتظار ، غودو لن يأتي، وحديث الذي يملؤها عدلا بعد أن ملئت جورا لا يصح ...

اللهم تقبل شهداءنا، واشف جرحانا ، واجبر كسرنا ، وانصرنا على عدونا ...

اللهم آمين

وإليكم ملخص الخبر منقول :

أفاد مراسلون سقوط 10 قتلى في سورية بينهم طفل وامرأة ، في القصف المدفعي لقوات بشار الأسد اليوم الخميس على بلدة "إبلين" بجبل الزاوية في ريف إدلب شمال غربي البلاد.

وأوضح المراسلون أن طائرات يعتقد أنها روسية شنّت غارات على أطراف قرى جنوب محافظة إدلب بالتزامن مع الضربات المدفعية لعصابات الأسد.

من جانب آخر، أفاد مرصد الطيران التابع للمعارضة بأن الطيران الحربي الروسي شنّ في ساعات الصباح الأولى من اليوم الخميس غارات جوية على قرى بليون وفطيرة وكفر عويد جنوبي إدلب.

وقال الدفاع المدني السوري في إدلب إن أعدد الضحايا مرشحة للارتفاع في "المجزرة" التي خلفت أيضا ما لا يقل عن 11 جريحا بعض إصاباتهم خطرة.

وتشهد منطقة شمال غربي سوريا تصعيدا جديدا بالقصف من قوات النظام على الرغم من وقف إطلاق النار المتفق عليه بين روسيا وتركيا عام 2020.

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

حرب 1967 .. هذا الكتاب

معن البياري

العربي الجديد

الثلاثاء 8/6/2021

ثمّة تضخّمٌ غزيرٌ في الكتابات والمؤلفات والنقاشات التي انشغلت ثقافيا وحضاريا، ولنقل أيضا اجتماعيا، ومنظوماتٍ سياسية، وكذا في الكتابات الأيديولوجية، في ما يتعلق بحرب الأيام الستة في يونيو/ حزيران 1967، فيما هي شحيحةٌ الكتاباتُ والمؤلفاتُ العلمية المحضة، والتي تنشغل بالإجابة عن الأسئلة المتعلقة تحديدا بالهزيمة العسكرية نفسِها، كيف حدثت، ومجريات ما وقع على جبهات القتال، المصرية والسورية والأردنية، ولماذا، وما إذا كان في الوسع تفادي الهزيمة. وكذلك بشأن القرار السياسي في تلك الغضون، ومدى اتّساقه، أو عدم اتساقه، مع الحال العسكري نفسه. باختصار، كيف حدثت الهزيمة المعلومة قبل 54 عاما، على الأرض بالضبط؟ للإحاطة بصورةٍ مدقّقة، وعلميةٍ إلى حد بعيد، في هذا الشأن، وما يتّصل به بشأن صناعة القرار، في البلدان العربية الثلاث التي خاضت الحرب، وكذا في إسرائيل المنتصرة، ثمّة ضرورة لقراءة كتاب "حرب حزيران/ يونيو 1967 .. مسارات الحرب وتداعياتها" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2020)، والذي يضم أعمال مؤتمر أكاديمي نظّمه المركز العربي في الدوحة في مايو/ أيار 2017، واشتمل على 12 بحثا، في خمسة أقسام في 376 صفحة (تحرير أحمد قاسم حسين).

ومن أسباب حماسٍ ظاهرٍ هنا لهذا الكتاب، الذي يستحق احتفاءً واجبا به، محاولة الباحثين الذين أنجزوا أوراقه تقديم مشهد الأيام الستة تلك، وما يتّصل بها قبيْلها وبعيْدها، بتدقيق التفاصيل الميدانية والسياسية، مع ما استدعاه هذا الجهد من إحالاتٍ إلى شؤونٍ أخرى تُغني الإضاءة العامة المتوخّاة. ويُغبَط القارئون المتعجّلون (هل نحن أصحاب التعاليق الصحافية منهم؟) للكتاب، على "الملخص التنفيذي" الذي أنجزه أحمد قاسم حسين، واستُهلّ به الكتاب، وأوجز أبرز (وليس أهم) النقاط التي جاءت عليها البحوث. وأول ما يُخْطرك به الصديق أحمد هنا أن ثمّة وضعا صعبا يواجهه المؤرّخ العربي لحرب 1967، وهو غياب الأرشيف العربي لها، وغياب رواياتٍ رسميةٍ عربيةٍ عنها. ثم تُخبرك محاضرة عزمي بشارة الافتتاحية للمؤتمر أن مئات الدراسات صدرت في إسرائيل والغرب في دراسة الحرب وتحليل أسبابها ونتائجها، وفي توثيقها، وعن كل معركةٍ فيها، فضلا عن كتب السير الكثيرة التي كتبها القادة، والفاعلون في وزارتي الخارجية والدفاع، وحتى الضباط، فيما لم يجر التطرّق، على نحو علمي، إلى أخطر إخفاق سياسي وعسكري عربي في التاريخ العربي الحديث. ويلحّ بشارة على أن يونيو/ حزيران 1967، وليس مايو/ أيار 1948، هو تاريخ نشوء إسرائيل الحقيقي (أو تثبيته على الأقل)، فقد كانت إسرائيل قبل هذه الحرب مشروعا غير مستقر، ثم صارت بعدها مشروعا مضمونا.

وتاليا، في بحثه المعمّق، يوضح مروان قبلان أنه على الرغم من مرور أكثر من خمسة عقود على حرب حزيران، إلا أن رواية سقوط الجولان فيها ما زالت محل جدل ونقاش وبحث، وما زالت ظروف الحدث حاضرةً في نقاشات السوريين وحواراتهم. وبقدر ما جاء جهد قبلان في مبحثه المهم مثيرا عندما يتقصّى حدث الجولان ذاك، فإن ورقة غازي ربابعة عن سير المعارك على الجبهة الأردنية جاءت كذلك، ليس فقط فيما يتّصل بالإتيان على الخطط العسكرية الموضوعة، وعلى القدرات العسكرية الأردنية، والتدريب الجيد الذي كان عليه الجيش الأردني، وإنما أيضا بالإضاءة على الظرف الجيوسياسي الذي كان عليه الأردن في الأثناء. أما عمر عاشور، ففي تتبّعه التفصيلي الأداء القتالي على الجبهة المصرية انتهى إلى أن الهزيمة على تلك الجبهة لم تكن حتمية، بالنظر إلى قدرات الجيش المصري، وإمكاناته الهائلة، وقوته النارية والعددية، غير أن مفاعيل أخرى، يبحث فيها عاشور، أدّت إلى ما نعلم.

ليس من الموضوعية (ولا المهنية؟) أن يُكتفى هنا بانتقاء محاضرة بشارة وأوراق قبلان وربابعة وعاشور، للتأشير الموجز هنا (كلّ إيجازٍ مخلّ) إليها من بين الدراسات الاثنتي عشرة في الكتاب، ودفعا لاتهام (محقٍّ ربما) كهذا، لا يمكن التهوين من القيمة العلمية في أوراق: عبد الوهاب الأفندي، بلال محمد شلش، ياسر جزائرلي، محمود محارب، معين الطاهر، محمد السمهوري، بلال محمد شلش، أسامة أبو أرشيد، عبد الحميد صيام. وقد طافت أبحاثهم على صناعة القرار الإسرائيلي في الحرب، وعلى أوضاع فلسطينية عامة، وأثر الحرب في المقاومة الفلسطينية، وأبعاد دولية كانت حاضرة في غضون المعارك، وما كانته هذه الحرب في الوثائق الأميركية .. أما التعرّف جيدا على هذا كله، وغيره، فيحتاج قراءةَ هذا الكتاب، المدعو هنا إلى أن ينتبه إليه الجميع، باحثون ومؤرّخون وإعلاميون .. إلخ.

=========================

قمة بايدن بوتين : "جيد أننا إلتقينا"

بسام مقداد

المدن

الثلاثاء 8/6/2021

لم تبلغ العلاقات الروسية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة مستوى التدهور، الذي تعقد في ظله قمة بايدن بوتين في 16 من الجاري. وكما سبق لقمة بوتين وترامب في هسلنكي العام 2018 أن اكتسبت أهميتها من مجرد اللقاء الشخصي بين الرئيسين، لا يتوقع إعلام الطرفين نتيجة مختلفة  للقمة الحالية ، على الرغم من تعداده للقضايا الثنائية والدولية، التي تنتظر مساهمة الدولتبن في إيجاد الحلول لها. وتشير عناوين النصوص، التي ينشرها هذا الإعلام عشية القمة إلى التناقض الحاد بين حقيقة إنعقاد القمة والنتيجة صفر المتوقعة منها: "بوتين ـــــــ بايدن، حلبة أم طاولة مفاوضات" ؛ "بايدن وبوتين لا شيء يتحدثان به"؛  "القمة اللغز. لماذا يلتقي بايدن ببوتين" ؛ "هل هو منتج الحوار مع الديكتاتور؟" : "ترامب يشك في أن بوتين "يسخر علنا" من بايدن"؛ " بوتين بمواجهة بايدن : ما الذي يمكن توقعه من اللقاء الأول بين الرئيسين الأميركي والروسي منذ مدة طويلة"؛ "في الولايات المتحدة توقعوا هزيمة بايدن في القمة مع بوتين"، وسواها من النصوص التي تسنى الإطلاع عليها . 

في موسكو ، لم يقتصر الأمر على الإعلام وحده في الحديث عن إيجابية اللقاء الشخصي بين الرئيسين والنتيجة صفر المتوقعة للقمة، بل إنخرط الكرملين نفسه في تأكيد ما ذهب إليه إعلامه، مع التصريح عن تمسكه بالأمل في نتيجة معاكسة هو بأشد الحاجة إليها . فقد صرح الناطق بإسم الكرملين دمتري بسكوف بأن العلاقات الروسية الأميركية مأزومة، ولا يتوقع الكرملين تحقيق "أية خروق ، ولا ننتظر تقدماً ما مهماً". لكنه يرى أن التواصل الأول بين الرئيسين "مهم جداً" ، فالعلاقات بين الطرفين مأزومة و"ثمة ما يتحدث به الرئيسان". لكنه أضاف بأن مثل هذه الكمية من المسائل على جدول الأعمال من المستبعد أن يتم تذليلها بسرعة، عدا عن أن ثمة عدداً من المسائل المبدئية توجد حولها "خلافات جدية". 

وعاد بسكوف وأكد في اليوم عينه لوكالة نوفوستي على هامش "منتدى سانت بطرسبورغ الإقتصادي الدولي"، الذي عقد لقاءه السنوي بين 2 و5 من الجاري، بأن روسيا مستعدة لتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة. وقال بأنه توجد دائماً فرصة لتصحيح الأخطاء، فرصة لمحاولة إيجاد مخرج "حتى من الطرق المقفلة"، لكن هذا "يتوقف على الإرادة السياسية". وأكد على أن الرئيس الروسي قال غير مرة، أن موسكو على إستعداد للسير بعيداً على طريق تحسين العلاقات الثنائية "بقدر ما يكون الشركاء الأميركيون مستعدين للسير به" .  

من جانبها ، رئيسة الإتحاد الروسي فالنتينا ماتفيينكا أكدت على "الحاجة" إلى لقاء الزعيمين الروسي والأميركي، إلا أنها حذرت من أنه إذا "حاولوا تعليم روسيا الديموقراطية، فلن يكون هناك حوار". وكررت ماتفيينكا التأكيد على أن العلاقات الروسية الأميركية تمر ب"أوقات عصيبة"، وأن الولايات المتحدة تنتهج سياسة عدائية علنية، وتفرض عقوبات، وتسوق إتهامات "غير مثيتة" ضد روسيا. كما رأت أن العلاقات الأميركية الروسية ليست مجرد علاقات، بل هي "العمود الفقري" للأمن الدولي والإستقرار الإستراتيجي ، ويرتبط بالعلاقات الأميركية الروسية القانون الدولي والحرب والسلم وحل النزاعات المزمنة . لكنها حذرت من  التوقعات المبالغ فيها من الاجتماع القادم ، وقالت بأن روسيا كانت تعلن دوماً عن إستعدادها للحوار ، لكنه "حوار الإحترام المتبادل ، المفيد للطرفين والذي يأخذ بالاعتبار مصالح كل من الطرفين" ، حسب نوفوستي . 

القوميون الروس يتحسسون من أية علاقة روسية مع الغرب، وخاصة مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تأييدهم الكامل لسياسة بوتين الخارجية حيال الغرب، إلا أنهم لا يرون في القمة الحالية من ضرورة. فقد كتبت صحيفتهم "CP" (الصحافة الحرة) نصاً بعنوان "بايدن وبوتين : ليس من شيئ يتحدثون به"، وتساءلت عن معنى اللقاء إذا كان الرئيس الأميركي يراهن مباشرة على المواجهة. ونقلت عن نائب وزير الخارجية للشؤون الأميركية سيرغي ريابكوف قوله بأن جدول أعمال الرئيس الروسي لا يتطابق مع جدول أعمال زميله الأميركي. وتقول الصحيفة بأن عدم التطابق بين جدولي أعمال الرئيسين صرح به بايدن نفسه مباشرة حين قال: "سألتقي مع الرئيس بوتين بعد أسابيع في جنيف ، وأعلن صراحة بأننا لن نسمح بخرق هذه الحقوق ( الإنسان) ". وتنطلق الصحيفة من عداء الكرملين الصريح لمفهوم الغرب لحقوق الإنسان ، وتقول بأن تصريح بايدن هذا يعني بأنه يعتمد المجابهة منذ البداية، وتتساءل "هل يعقل أن نلتقي  في ظل مثل هذا المزاج ؟ على ماذا يمكن ان نتفق" إذاً؟ 

وتنقل الصحيفة عن رئيس "مجلس خبراء مؤسسة التطوير الإستراتيجي" إيفور شاترين قوله بأنه، إضافة إلى مسائل العلاقات الثنائية، يضم جدول الأعمال الروسي مسائل الأمن العالمي، التي تتحمل مسؤوليتها الولايات المتحدة وروسيا معاً كعضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي، وهذه مقاربة "واقعية وبراغماتية. وإلا "عن ماذا يمكن أن يتحدث زعيما "الدولتين الأعظمين" في لقائهما الأول وهما ليستا في أحسن العلاقات. ويقول الخبير أن معلوماته تشير إلى أن الجانب الأميركي لن يقدم على تقريب المواقف من بعضها . 

ورداً على السؤال ما إن كان يجب أن يعقد اللقاء دون أن تحصل أية خروق كما هو واضح ، يقول الخبير بأنه للقاء الأول قد تكون كافية الصور ، التي تُظهر القدرة على الجلوس إلى طاولة مفاوضات واحدة.

الطبعة الروسية للشهرية الأميركية المتنوعة المعروفة "ESQUIRE" قدمت لنصها بشأن القمة بإستعراض الأحداث العاصفة ، التي شهدتها العلاقات الروسية الأميركية منذ وصول بايدن إلى البيت البيض. وخلصت إلى الإستنتاج بأن كل شيئ بدا وكأن الطرفين ، أو قد يكون طرف واحد ، يعدان للإنسحاب إلى مواقع تم إعدادها سلفاً . وبلغ التوتر مستوى أصبح معه الهواء يطن كالمعدن ، كما يقال ، وبدا الوضع وكأنه لم يعد لدى البلدين ما يتحدثان به . 

ومع ذلك يدرك الطرفان جيداً أن عليهما أن يتحدثا إلى بعضهما ، سيما أن كمية المشاكل العسكرية السياسية العالمية بلغت حجماً يستحيل معه أن يأخذها طرف واحد على عاتقه . لدى الطرفين ما يقولانه لبعضهما البعض بشأن التدخل في الشؤون الداخلية ؛ إقتحام مناطق النفوذ التقليدية ؛ المواجهة في الفضاء السيبراني ؛ المطالب في القطب الشمالي ؛ مصالح الطاقة في أوروبا والمصالح السياسية في الشرق الأوسط .

لكن التخوف الأساسي للموقع ما أن يعمد بايدن إلى محاولة جعل منصة الحوار الأميركي الروسي حول مجموع القضايا المتراكمة ، إلى علاقات أميركية ثنائية ، ويستغلها لتوبيخ زميله الروسي بإسم البشرية المتنورة جمعاء، ويتنطح لدور المدافع عن حقوق جميع البلدان الصغيرة والمتوسطة المتضررة من سياسة الكرملين، ويتلو محاضرة عن فوائد الديموقراطية . والإغواء لمحاولة القيام بذلك يبدو كبيراً، سيما أن بايدن أعلن في مطلع عهده عن نيته في تكوين "تحالف الديموقراطية"، الذي يجمع " كل الحكومات الديموقراطية في محاربة التسلطية . وعلى الرغم من أن ملامح هذا التحالف ومعايير المشاركة فيه  ليست مفهومة حتى الآن . إلا أن محاولة تحميل روسيا المسؤولية عن كل مشاكل العالم المعاصر وانحطاط المؤسسات الديموقراطية قد تصبح إعلاناً عن تشكيل "إتحاد القلوب" الجديد . 

=========================

ما مدى استفادة النظام السوري حال رفع العقوبات عن إيران؟

عربي21

يمان نعمة 

الاثنين 7/6/2021

بانتظار ما ستسفر عنه الجولة السادسة المقبلة من مباحثات الملف النووي غير المباشرة بين واشنطن وطهران، المقررة الخميس المقبل، يسود شبه إجماع في الأوساط السورية المعارضة، على أن أي رفع محتمل للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، من شأنه إنعاش النظام السوري على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

ويعزو المراقبون ذلك إلى التحالف بين النظام السوري وإيران، وإلى مصالح الأخيرة الضخمة في سوريا.

ويؤكد مدير "مؤسسة الذاكرة السورية"، الباحث الأكاديمي عبد الرحمن الحاج، أن النظام السوري يعتمد بشكل كبير على حليفته الأبرز إيران، ومن ثم أي انفراجة في طهران ستؤدي بالضرورة إلى زيادة قدرتها على تمرير الأموال للنظام. 

وفي حديثه لـ"عربي21"، قال الحاج؛ إن "المزيد من المال الإيراني في سوريا، يعني مزيدا من السيطرة الإيرانية".

وأضاف الحاج، أن إيران تتعامل مع سوريا على أنها منطقة تقدم استراتيجية، وهذا ما يدفعها إلى الإنفاق بسخاء من أجل البقاء في سوريا، وترسيخ وجودها سياسيا واقتصاديا وعسكريا، مهما كلف الثمن.

ويتفق الوزير السابق في "الحكومة المؤقتة"، والكاتب السياسي، محمد ياسين نجار، مع الحاج، ويؤكد لـ"عربي21"، أن العقوبات الأمريكية تستهدف أساسا المشروع النووي الإيراني و"الحرس الثوري".

وفي حال رفع العقوبات، وفق نجار، سيزداد تدخل "الحرس الثوري" في سوريا والمنطقة، مما يؤدي إلى مزيد من الهيمنة الإيرانية، وقال: "تعاني سوريا من أزمة وقود ومالية، وإمداد طهران للنظام سيكون مقابل المزيد من السيطرة على المؤسسات الاقتصادية، وخاصة الفوسفات".

سياسيا، يخشى نجار من أن تؤدي عملية رفع العقوبات الاقتصادية إلى ضعف المواقف السياسية الأوروبية تجاه الملف السوري، ويؤكد أن "أوروبا ستسعى إلى الاستثمار في السوق الإيرانية، وسوف يكون ذلك مقابل تنازلات وتراخٍ في المواقف على الصعيد الأممي، وخصوصا حيال الملف السوري".

ولا يذهب الباحث بالشأن الاقتصادي السوري، يونس الكريم، بعيدا عن القراءات السابقة، ويعتبر أن رفع العقوبات يُعطي لإيران القدرة على المناورة بشكل أكبر في الملف السوري، وذلك لأن مخصصات "الحرس الثوري" المالية ستكون أكبر، وهذا ما يساعد الأخير على زيادة عملياته على الأرض السورية.

ويوضح الكريم لـ"عربي21"، أن زيادة الدعم المالي لـ"الحرس الثوري"، يعني زيادة الدعم للمليشيات التابعة له في سوريا، ومن ثم زيادة عمليات التشيّع، وارتفاع وتيرة الاستحواذ على المشاريع والاستثمارات السورية.

وحسب الباحث، فإن الجغرافيا السورية ستكون على موعد مع تطورات ومستجدات، فور رفع العقوبات عن إيران، وتحديدا في شمال شرق سوريا؛ حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وكذلك في جنوب سوريا؛ حيث تسعى إيران إلى تعزيز وجودها على مقربة من الاحتلال الإسرائيلي.

وتجنبا لذلك، يعتقد الكريم أن على الدول الغربية والولايات المتحدة، فرض محددات على إيران في سوريا، قبل رفع العقوبات، ويقول: "أي رفع عقوبات عن إيران دون مناقشة الملف السوري، والاتفاق على حدود للتدخل الإيراني، سيؤدي بالضرورة إلى انتكاسة الملف السوري، والعودة مجددا إلى مرحلة المواجهات العسكرية".

ولا تقتصر الآثار "السلبية" لرفع العقوبات عن إيران على الملف السوري، بحسب الكريم، وإنما ستطال لبنان واليمن والمنطقة عموما.

ويمكن القول؛ إن النظام السوري سيكون المستفيد من رفع العقوبات عن إيران، على عكس الشعب السوري، الذي سيخسر المزيد من المقدرات لصالح طهران.

=========================

حروب إيران في المشرق العربي

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 7/6/2021

مضت سنوات على تواصل الاهتمام العربي بوجود إيران وما تمارسه من سياسات، وتقوم به من عمليات عسكرية وغيرها في منطقة المشرق العربي والخليج، وخصوصاً في أربعة بلدان هي لبنان وسوريا والعراق واليمن، التي تعتبر فيها إيران قوة ذات تأثير في الواقع الحالي، وصاحبة تأثير على مستقبل تلك البلدان وامتداداً إلى محيطها الإقليمي.

ورغم خطورة ما قامت وتقوم به إيران، فإن هذا الاهتمام من جانب جل الحكومات وأوساط الرأي العام، لم يترجم إلى سياسات حازمة وجماعية أو واسعة على الأقل، بل إن المحاولات أو الخطوات التي تمت في اليمن وفي سوريا، جوبهت بمحاولات من قوى متعددة للحد من قدرتها على لجم إيران، ووقف حربها على الأقل في هذين البلدين، الأمر الذي يمكن اعتباره إما جهلاً بجوهر ما تقوم به إيران في المنطقة، وإما سكوتاً عنه من قبل أطراف دائمة التعبير عن اعتراضها ومعارضتها سياسة إيران في الشرق الأوسط، والتي تعتبر الأنشطة العسكرية من حروب وأسلحة ومشروع نووي تعبيرات مباشرة عن هذه السياسة أو واجهة فاضحة لها.

ويدفعنا واقع الحال للتوقف عند الشق الأهم فيما تقوم به إيران في المنطقة، ورغم أنه خليط من خطوات عسكرية ومدنية، فإنه في المحصلة يصب في بوتقة الحرب، ليس لأن الحرب بالأساس هي خليط من أعمال عسكرية ومدنية فقط، بل لأن الأخيرة في الحالة المحددة مرسومة لتكون جزءاً في حروب إيران حيال المحيط العربي.

أول حروب إيران في المنطقة، هي حروب مباشرة على نحو ما يظهر في تدخل ووجود إيران العسكري الواضح والمعلن في سوريا أو وجودها المبطن في اليمن، وهي في الحالتين تستخدم أدواتها العسكرية - الأمنية من وحدات منظمة وأسلحة في سبيل تحقيق أهدافها وأهداف عملائها المحليين، وقد تعمل إيران لتحقيق ذلك، عبر حرب بالوكالة من خلال أدوات محلية على نحو ما يظهر عليه الحال واضحاً فيما يقوم به «حزب الله» الذي لم يتأخر في يوم من الأيام عن أن يقول علناً، إنه امتداد لإيران، وقد كرس حضوره وكيلاً لها في ساحات وبؤر الصراع في العديد من البلدان العربية وبينها سوريا وغيرها، ومثله مثل الميليشيات الشيعية العراقية، القابضة على زمام المجتمع في العراق، وتعمل لجعلهما في خدمة إيران، ويظهر مثال ثالث في الواقع الفلسطيني عبر التبعية، التي فرضتها إيران على بقايا المنظمات الفلسطينية المسلحة من خلال أمرين اثنين؛ أولهما استمرار إيران في موقف لفظي لا يتجاوز رفع شعارات المقاومة والممانعة ضد إسرائيل وتأييد القضية الفلسطينية من جهة، وتوفير دعم مادي لهذه المنظمات، يشمل المال والسلاح والذخائر، إضافة إلى حملات دعاية ديماغوجية، توحي بأن الطرفين الإيراني والفلسطيني في طريق وهدف مشتركين.

وثمة نموذج من حروب إيران في المشرق العربي، يشمل فتح خطوط تعاون وتأثير على تنظيمات الإسلام السياسي ومنها تنظيمات «الإخوان المسلمين» والجماعات المتطرفة وبينها «القاعدة» و«داعش»، وإقامة توافقات معها، تارة تحت بند «الوحدة الإسلامية» كما حال العلاقة مع «الإخوان»، أو «التعاون العسكري والأمني» ومحاربة الغرب وإسرائيل والأعداء، أو لتأمين الدعم اللوجيستي والملاذ الآمن لقيادات جماعات التطرف خصوصاً «القاعدة»، التي كانت إيران الملاذ الآمن لقياداتها طوال عقود ماضية.

ورغم خطورة حروب إيران العلنية والسافرة في البلدان العربية، فإن حروب إيران السرية في المنطقة، تبدو الأخطر سواء في مجالاتها وفي مستوياتها؛ إذ يمكن لها أن تشمل كل الأنشطة، وكل المستويات، وفي أحد خطوط هذه الحروب، يسعى الإيرانيون إلى السيطرة على المجموعات الشيعية المحلية وفصلها عن الجماعة الوطنية، خصوصاً تحت حجج المظلومية قديمة كانت أو راهنة، ويمكن أن يمتد نطاق هذه الحرب نحو تعزيز التشيع في أوساط المجموعات الإسلامية الأخرى، وقد يشمل إقامة تنظيمات وكيانات ثقافية واجتماعية وصولاً إلى التنظيمات السياسية والميليشياوية المرتبطة بإيران.

وتتضمن حروب إيران السرية في المنطقة تسللاً إلى القطاعات الاقتصادية بمجالاتها المختلفة، ما دام ممكناً ذلك، سواء من خلال إقامة شراكات مع بنى وهيئات وفعاليات محلية، تأمل إيران أن تساعدها في تعزيز قبضتها في تلك البلدان، أو من خلال نشاطات مستقلة، وهي في كل الأحوال، تسعى إلى سيطرة مالية وعقارية وحضور في الأنشطة التجارية والسياحية.

ولعل الخط الأخطر في حروب إيران السرية في الواقع العربي كله، يتمثل في توددها إلى النخب النافذة والمؤثرة من رجالات الدولة والمجتمع، وإقامة صداقات وعلاقات معهم، واستغلال كل ما يمكن من ظروف شخصية وعامة، تحيط بهؤلاء لربطهم معها، تمهيداً لجعلهم أدوات في يد أجهزتها الدبلوماسية والأمنية.

إن حروب إيران في البلدان العربية، والتي تأسست وفق قواعد جديدة مع وصول الملالي إلى سدة السلطة عام 1979، تصاعدت وتوسعت وصولاً إلى الوقت الحاضر، وغالباً فإن ذلك جرى بصورة علنية ومكشوفة باستثناء قلة منها، أحيطت بسرية أو تم تمريرها بطرق ملتوية، وأحياناً، كانت بعض الدول العربية تتجاهلها لغاية ما، ولعل مراجعة العلاقات الإيرانية مع نظام الأسد سواء في عهد الأب أو في عهد وريثه، تبين على نحو واضح، وتؤكد أن ما قامت وتقوم به إيران، ليس إلا فصولاً في حربها على سوريا، وهو نموذج لمسارات حروبها في البلدان العربية الأخرى، لكنها محكومة بظروف تلك البلدان والظروف التي كانت تجري فيها علاقاتها مع إيران.

لقد آن أوان أن يقوم العرب بنقلة نوعية في مواجهة حروب إيران ضدهم ولا سيما في المشرق العربي، فالوقت لا يسير في صالحهم، وكلما تأخر حسم الصراع مع ملالي إيران، سيكون الوضع أصعب.

=========================

نحن وموسكو والزمن قصير

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 7/6/2021

تفصلنا عشرة أيام عن اجتماع أهم قوتين مقرِرتين في المصير السوري: روسيا وأميركا. على جدول أعمالهما الكثير من الملفات الحساسة البينية والدولية؛

ولا ندري ترتيب الملف السوري في جدولهما، ولكنه حتماً حاضرٌ بحُكْمِ علاقته بملفاتهما الأخرى، وربما الأهم.

ينتظر السوريون ألا تذهب قضيتهم "فرق عملة" في تزاحمهما على عشق إسرائيل، والتلاعب بإيران ومعها، واستنزاف تركيا، وتلاعبهما بمعبر "باب الهوى" كنقطة ابتزازية تمَسُّ مصير أربعة ملايين سوري؛ هذا إضافة إلى محاولات بوتينية جاهدة لتسويق منظومة استبدادية - طوع بنانه - كي يحصل على تنازل في ملفاته الدموية الأخرى.

رغم القرار والإعداد الروسي، والمباركة الإسرائيلية، والترتيب الفني الدعائي الإيراني في إخراج مسرحية "انتخابات الأسد"، إلا أن التمترس الأميركي والأوروبي ودولا كثيرة حول لا قيمة ولا شرعية تلك الانتخابات، وخروج "نتنياهو"- الصديق والداعم الأساس للوجود "البوتيني" في سوريا- من السلطة في إسرائيل، وكمقدمة للقاء المرتقب، يخرج علينا نائب وزير خارجية روسيا "بوجدانوف" بوعد للسوريين "بانتخابات مبكرة؛ إذا حدث توافق بين النظام والمعارضة على استئناف العملية السياسية".حتى لو اتسمت السياسة الخارجية الروسية بالبهلوانية، ما مِن صُدَف في السياسة؛ وخاصة في مفاصل زمنية هامة وأحداث دولية جسام

هكذا تصريح يطوي صفحة المسرحية، ويرمي تهنئة بوتين للأسد في مَكَب التصريحات الروسية. فعندما يقول بوتين للأسد: "إن نتائج التصويت أكدت بشكل كامل سمعتكم السياسية العالية، وثقة مواطني بلدكم بالنهج الذي يمارس بقيادتكم لاستقرار الوضع في سوريا وتعزيز مؤسسات الدولة في أسرع وقتً"؛ ثم يخرج علينا بوغدانوف معبراً عن استعدادية المخرجين لطي أو حتى دعس ما حدث، ففي الأمر تغيُّر دراماتيكي، أو لعبة أقذر من سابقاته، أقلّه ذر الرماد في العيون.

كنائب لوزير خارجية روسيا، ومبعوث رئاسي خاص للملف السوري؛ لا ينطق بوغدانوف عن هوى؛ فحتى لو اتسمت السياسة الخارجية الروسية بالبهلوانية، ما مِن صُدَف في السياسة؛ وخاصة في مفاصل زمنية هامة وأحداث دولية جسام. ما قاله الرجل رسالة إلى جهات مختلفة، على رأسها لقاء بوتين المرتقب مع الرئيس الأميركي الذي يحمل ملفاً فيه كل النقاط السوداء المسجلة على روسيا في سوريا عسكرياً وسياسياً، وآخرها إخراج مسرحية انتخابات تطوي أية عملية سياسية في سوريا، وتضرب بعرض الحائط قرارات دولية خاصة بإيجاد حل في بلد يتحوّل إلى أشلاء. رسالة بوغدانوف لقمَّة بايدن - بوتين تعبّر عن استعداديةٍ روسيةٍ لمسح تلك الخطيئة. إنها رسالة لأميركا بأن الورقة السورية باليد الروسية، وهي على استعداد للمصافقة عليها.أي ثمن يريده الروس من هكذا "خطوة" محتملة؛ إن لم تكن من جملة التصريحات والوعود الروسية الخلبية؟ الأمر الطبيعي أنهم يتطلعون إلى شيء من المرونة وحتى "الرخاوة" الأميركية تجاه ملفات روسيا الكثيرة. وفي الملف السوري تحديداً، يتطلعون إلى تجديد "وكالة" التدخل في سوريا، حتى مع غياب نتنياهو، كحليف أساسي لبوتين في سوريا؛ والأهم من كل ذلك رفع العقوبات، وفتح الاستثمارات تحت يافطة إعادة الإعمار، بحيث تكون اليد الروسية هي العليا بذلك؛ وهذا فعلياً ما يعني بوتين.

مقابل ذلك، ما الذي يترتب على بوتين إضافة للتعهد بإلغاء مخلفات تلك المسرحية السمجة، وإجراء انتخابات جديدة حقيقية منسجمة مع القرارات الدولية في بيئة طبيعية؟ هل سيكتفي بايدن بعين روسية حمرا واضحة تجاه إيران وملفها النووي وعبثها بالمنطقة؟ هل سنسمع التزاماً حقيقياً بالتطبيق الحرفي للقرارات الدولية بشأن سوريا؟

تواجه هكذا التزامات- إن تمت- عراقيل لا حصر لها مرئية وغير مرئية؛ فملالي طهران والمنظومة الأسدية كتوأم سيامي؛ وإذا اتفقت مصالح بوتين والخامينائي في سوريا على القتل، فإنهما يختلفان في الرؤى والمصالح، وما قد يكون طعمٌ لذيذ لواحد، سُمٌ رعاف لآخر. وهنا لن يلبي بوتين ما ينشده بايدن. من جانب آخر، إسرائيل التي استشعرت قمة الأمان والإنجاز بالوجود الروسي في سوريا، والتي أعطت شبكة أمان لبوتين بالمقابل، غاب ملكها نتنياهو، الذي كان دعماً غير محدود لبوتين؛ وخاصة إذا أخذنا التوتر القائم بين الراحل وبايدن؛ وهذا يجعل ظهر بوتين مكشوفاً. هناك بالتأكيد العامل العربي والبعد التركي؛ اللذان قد لا يكونا على هوى بوتين تماماً؛ ما يفاقم ويراكم ما أمامه من معوقات ليتدبرها.

أما العنصر الأخير الذي يمكن أن يُفسد كل الطبخة، ويقلب الطاولة على رؤوس الجميع فليس إلا شعب سوريا ومَن يتمترس عند حقه من "المعارضة" التي يتحدث عنها "بوغدانوف"؛ والتي تعلم أن روسيا ما توقفت يوماً عن تشويهها ونسف مصداقيتها. لن ينجز بوغدانوف وعده، ولا بوتين مخططه إلا إذا انطلقت العملية السياسية؛ وتحديداً من بوابتها "اللجنة الدستورية"؛ وهي العبارة المفتاحية في تصريح بوغدانوف. ربما يراهن السيد بوغدانوف على رفض المعارضة المتمثلة بالهيئة السورية للتفاوض ولجنتها الدستورية لاستئناف أعمالها في جنيف بحكم ديمومة فشل عمل اللجنة بسبب سلوك النظام وموسكو. وعندها يخرج بتصريح آخر مفاده أن هناك من يعطل العملية السياسية، فما لهذا العالم، حسب تصوره، إلا التعامل مع هذا "النظام الشرعي".

موسكو لم تفِ بوعد ولا صدقت بتصريح ولا انتهجت سياسة إلا وآذت السوريين وآلمتهم

ليس هناك أعرف وأعلم بسياسة موسكو، وتصريحاتها ومواقفها مِمَّن قصدهم لافروف. هؤلاء وكل أحرار سوريا يعرفون أن مَن دمّر لن يبني؛ ومن هجّر وشرد لن يعيد نازح؛ ومن أنقذ مجرماً لن يكترث بضحية؛ ومن كذب على الدوام لن يصدق؛ ومن قال عن ثوار يقاومون الظلم والاستبداد الاسدي إرهابيين لا يرى في كل من هو ضد الاستبداد من السوريين إلا إرهابيين، ويجب قتلهم؛ ومن كان  نهجه سياسة الأرض المحروقة في بلاد "الشيشان" يفعلها ثانية في سوريا؛ فموسكو لم تفِ بوعد ولا صدقت بتصريح ولا انتهجت سياسة إلا وآذت السوريين وآلمتهم، ولا قامت بفعلٍ في سوريا إلا القتل والتدمير والسطو على مقدرات البلد وحماية المجرم.

ولكن، إذا كانت روسيا قد قررت أخيراً أنه لا بد مِن حل حقيقي، فلا بد من نهج موثق دولياً وخاضع للاختبار، حتى يكون هناك تجاوب. والمسألة بسيطة جدا: التوثيق الدولي في مجلس الأمن بتطبيق حرفي وكامل للقرار الدولي 2254. وإن كان البدء في اللجنة الدستورية، فكتابة دستور جديد يفصل السلطات، ينصُّ على الحريات، يصون الوطن والمواطن، ويحفظ الحقوق، لا يحتاج إلى أكثر من شهر؛ والجدول الزمني المذكور في القرار الدولي إياه هو المنارة والدليل. وهذه ليست شروط، وإنما قضايا موثّقة في القرارات الدولية الخاصة بسوريا.

ملاحظة أخيرة: أكتب هذا باسمي الشخصي؛ وأعتقد أنه صوت ملايين السوريين. وإن كانت الأمور ستسير باتجاه آخر، سيكون لي موقف علني لحظتها.

=========================

علي دوبا ينتخب بشار الأسد

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 7/6/2021

أنصار النظام السوري نشروا، مؤخراً، شريط فيديو يصوّر العماد المتقاعد علي دوبا وهو يدلي بصوته في مهزلة إعادة «انتخاب» مجرم الحرب الكيماوي بشار الأسد، والمرء يتساءل حقاً أيّ عقول بلهاء غبية، ونفوس مريضة شائهة، دفعتهم إلى تصوير (ثمّ نشر!) لقطات تشكّل فضيحة صارخة؛ ما خلا أنّ طقوس عبادة الفرد الأسدي، خاصة في مناطق الولاء الأعمى والعشوائي للنظام، يمكن أن تقلب الجوانب الفضائحية المخزية إلى أخرى تمجيدية وتكبيرية.

الشريط قصير، لا يزيد عن دقيقتين في النسخة التي رأيتها، ويُظهر «سيادة العماد» جالساً على كرسي، وأحد موظفي الصندوق يعطيه ورقة الاقتراع، فيحار دوبا حول ما يتوجب أن يفعله بها، حتى يدله الموظف على صورة الأسد، فلا يضع علامة الموافقة عليها بل يكتفي بالتوقيع! ثم يعطونه المغلف فيتبرّع موظف آخر بدسّ الورقة فيه، وسط دعوات من حوله تقول «الله يطوّل بعمرك سيادة العماد» وهتاف من الموظف بأنّ «هذا الظرف لازم نحتفظ فيه ذكرى للأبد».

تلك مشاهد لا تلتقط عزيز قوم ذلّ، كما قد يلوح للوهلة الأولى، لأنّ دوبا ما يزال يتنقل بين دمشق ولندن وقرفيص (ضيعته الساحلية، حيث يربض قصره المنيف الذي ينافس قصور صدام حسين)، ويواصل التمتع بالملايين التي نهبها خلال 30 سنة في خدمة حافظ الأسد من موقعه كرئيس لشعبة المخابرات العسكرية

عكست مشاهد الفيديو طرازاً من الخرف، ذي الصلة بالشيخوخة (88 سنة)، أو وطأة الويسكي والسيغار الكوبي (بين هوايات العماد)، أو ما اقترفت اليدان من أفانين التعذيب بحقّ آلاف السجناء السياسيين، أو ما وقّعت من أوامر التصفية المباشرة، أو ما انتهت إليه من عزلة الجلاد السفاح. لكنه طراز السطح أوّلاً، ذاك الذي يعكس أيضاً مستويات انحطاط الولاء للنظام ولشخوص آل الأسد لدى هذه الشريحة من الأنصار و»الشبيحة»، على امتداد مناطق سيطرة النظام ولكن في تلك الضِيَع والبلدات الساحلية على وجه الخصوص. لم يتنبه، والأحرى القول: لم يكترث، مصوّرو الشريط بمساخر مثل عجز «العماد» عن التمييز بين التأشير والتوقيع تحت صورة الأسد في بطاقة الاقتراع، أو عن إعلانهم الاحتفاظ بالمغلف في دلالة على أنهم سوف يميزونه بعدئذ عن سواه، أو في حمل الصندوق إليه، أو الدعاء له… ثمة، في الولاء الراهن لآل الأسد ما يتجاوز عبادة الفرد إلى ابتذال طقوس العبادة والهبوط بها إلى حضيض فظيع مضحك في آن.

من جانبي، كمواطن سوري، لم أستفظع ولم أضحك، إلا أنّ شريط الفيديو أعادني إلى إلى ذاكرة رضا حداد (1954- 1996) الرفيق والصديق وشهيد اعتقال دام 15 سنة في أقبية أجهزة الأمن وسجون النظام؛ وهنا فقرات من شهادته الشهيرة التي تصف دور دوبا في تعذيبه:

ـ «كان اللواء علي دوبا أمهر منه [العميد هشام بختيار] بكثير في السباب والشتائم… ولا غرابة في ذلك فهو رئيسه.. وبعد أن ثار غضبه، أخذ علي دوبا يكلمني ويركلني بقدميه.. وقال: «والله يا كلب، يا إبن الشرمـ(…)، إذا ما اعترفت، لأحضر زوجتك، هالشرمـ(…) وأعريها قدامك هون وأفعل فيها…».

ـ «غبتُ عن الوعي مرة أخرى.. وصحوت لأجد نفسي ممدداً على الأرض.. وقد ربطوا بأصابع يدي ورجلي سلكين كهربائيين.. وبدأ التيار يسري في جسدي وأنا ممدد على أرض مبللة بالماء.. العميد بختيار يقف عند رأسي.. واللواء علي دوبا يجلس على كرسي. للحظات قليلة استطعت مشاهدته من خلال فرجة تحت عصبة العينين السوداء لأني كنت في وضعية استلقاء كاملة. كان يرتدي بنطالاً سكرياً حريرياً.. يضع رجلاً على رجل وفي فمه سيكار ضخم.. ويحمل في يده كأساً من الويسكي».

ـ وقف علي دوبا مغتاظاً من عدم وصوله إلى أية نتائج مرجوة لمعلومات لا أملك منها شيئاً، وأخذ يركل رأسي بحذائه بقسوة ويدوس على رقبتي و يدخل مقدمة حذائه في حلقي وهو يقول غاضباً: «بدي موتك يا عرص يا إبن الشرمـ(…)، تريد أن تموت بطلاً سألبي لك رغبتك، موت يا شرمـ(…) يا إبن العاهرة». وسمعت شتائم لم أسمعها طيلة حياتي من بشر. ثم تناول خيزرانة وأخذ يضربني بها على مختلف أنحاء جسدي.. وهشام يشاركه الضرب بكابل نحاسي.. لقد فقد صوابه، تكسرت عصاه، تناول الكابل من يد هشام وأخذ يتابع ضربي بشكل هستيري».

ماذا كان غبرييل غارسيا ماركيز سيقول في المقارنة بين مشاهد التوحش ومشاهد «الانتخاب»، إذا شاء المجازفة بأيّ تخييل يخصّ خريف بطاركة آل الأسد؟

=========================

هل الأسد بين ملفات بايدن و"القاتل"؟

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 7/6/2021

يتزامن كلّ لقاء قمة أول، بين رئيسي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، مع ضجيج الأزمات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي تسبقها، إلّا أنّها هذه المرّة تتحقق وسط أجواء متوترة بين شخصي الرئيسين الأميركي جو بايدن، والروسي فلاديمير بوتين، وليس فقط بين سياستيهما في إدارة بلادهما، وملفات الأمن العالمي والقضايا والملفات العالقة بينهما، ومنها الملف السوري الذي كان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، قد أودعه كاملاً في عهدة روسيا، مكتفياً بالرقابة عن بعد، ووضع خطوط تماسّ قابلة للانفجار، كما حدث أكثر من مرة في وجه محاولات روسية وإيرانية في شمال شرق سورية.

وفيما يصعب التكهن بما يمكن توقعه من لقاء بايدن بمن وصفه بـ"القاتل"، أي بوتين، أو وافق على وصفه بـ"القاتل" في لقائه مع شبكة "إيه بي سي"، إلا أنّ الأنظار ستّتجه إلى قمة جنيف في 16 يونيو/ حزيران الحالي، وهي غير مراهن عليها لتحقيق كثير من التقدم في ردم الخلافات البينية، وفكفكة عقد الملفات، ومنها قضية مراقبة الأسلحة النووية، وملفا إيران وكوريا الشمالية النوويان، وقضايا مناخية وصحية، في مقدمتها جائحة كورونا. ولا بدّ من أنّها لن تتغاضى عن قضية بيلاروسيا ونظامها واعتقال المعارضين.

يحمل بوتين معه إلى لقاء جنيف، فيما يخص الشأن السوري، نتائج انتخابات بشار الأسد، ومشاهد عودة الرعب الأمني إلى نفوس السوريين

وعلى الرغم من عدم وضوح موقف الإدارة الأميركية وخطتها في إدارة ملف سورية، فإنّ بوتين، كعادته السابقة في لقاءاته مع الرئيس السابق ترامب، أعدّ أوراق اعتماده من جديد في سورية، مستنداً إلى واقع أولويات الرئيس الأميركي بايدن التي أعلنها في خطاب فوزه في الانتخابات، وتجاهله قضايا الشرق الأوسط، ومنها سورية، ما يمكن فهمه تمديداً لسياسة ترك الملف في عهدة روسيا، حالياً على الأقل، بينما تنتهي الإدارة الأميركية من مباحثات فيينا مع إيران بخصوص الملف النووي وتوابعه في المنطقة، وهو قد يثمر ما من شأنه تغيير خريطة الوجود الأجنبي في سورية، وتبدل أدوار اللاعبين في الصراع على سورية.

ووفق ذلك، يحمل بوتين معه إلى لقاء جنيف (بما يخص الشأن السوري) نتائج انتخابات بشار الأسد التي جرت في 26 مايو/ أيار الماضي، ومشاهد عودة الرعب الأمني إلى نفوس السوريين، وتأكيد قدرته على إعادة سورية إلى ما قبل 2011 من الناحية الأمنية، من دون النظر إلى تقلص خريطتها الجغرافية، وتقسيمها إلى ثلاث دويلات، تقع حصة نظام الأسد وروسيا وإيران على نحو 62%، وداخلها تقع مدينة درعا التي تعود الهيمنة فيها إلى لجنة المصالحة من أهالي وفصائل مسلحة مع روسيا، حيث لا سلطة أمنية حقيقية للنظام فيها، وهذا ما أفسح المجال لدرعا، وبعض المناطق في ريفها، لمنع وضع صناديق انتخابية في مراكز كثيرة وتعطيل عملية إجراء "انتخابات" بشار الأسد فيها. وتسيطر قوى تابعة لتركيا على نحو 11%، بينما يسيطر الأكراد بدعم أميركي على نحو 27%.

يمكن قراءة التقارب الروسي - الإسرائيلي والتنسيق بين روسيا وإسرائيل من زاوية مصالحهما المشتركة وتبادل الخدمات لإبعاد إيران عن المنطقة

يبرّر هذا الملف المعدّ مسبقاً تجاهل بوتين كلّ أنواع النقد الغربي والأميركي، وحتى السوري التي صدرت بحق شرعية انتخابات بشار الأسد، واصطناع ديمقراطيتها، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، حيث الالتفات إلى مثل تلك الانتقادات ينزع منه إحدى أهم أدوات المساومة التي يعتقد أنّها قد تفيده في ملفات أخرى، للمقايضة أو للمساومة، خصوصاً في ظلّ احتمالات التقارب الأميركي - الإيراني الذي يُخشى أن يتم على حساب مصالح روسيا في سورية والمنطقة.

ويمكن قراءة التقارب الروسي - الإسرائيلي والتنسيق بين روسيا وإسرائيل من زاوية مصالحهما المشتركة وتبادل الخدمات لإبعاد إيران عن المنطقة، سواء باستمرار الضغط الإسرائيلي وضربات إسرائيل لأنشطة إيران في سورية تحت عين أجهزة الرصد الروسية وتجاهلها من جهة، أو بفعل التجييش الشعبي الرافض لسياساتها في تشييع المنطقة من جهة أخرى. وفي كلّ الأحوال، يعني روسيا التفرّد بالملف السوري، وإبعاد إيران عن السباق لمناصفتها في استثمار الصراع الحالي في سورية.

التخلي، الذي أحدثته سياسة الديمقراطيين في عهد باراك أوباما، عن سورية من تغاضيها عن الخطوط الحمر التي وضعتها بوجه النظام السوري، وتسهيل دخول روسيا العسكري إلى سورية عام 2015، والاتفاق السري في 9 سبتمبر/ أيلول 2016 بين وزيري خارجية البلدين، الأميركي جون كيري، والروسي سيرغي لافروف (تحت مسمى الحدّ من العنف واستعادة وصول المساعدات الإنسانية وإقامة مركز التنفيذ المشترك بينهما)، وترك المجال لروسيا في إدارة الصراع داخل النظام السوري، وبين النظام ومعارضته المسلحة، وبين موسكو وأنقرة وطهران، وصناعة مسار آستانة التفاوضي من خارج القرارات الدولية، من بيان جنيف، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن 2254، يجعل كلّه من سقف التوقعات السورية تجاه اللقاء المرتقب بين الرئيسين منخفضاً أكثر من سقف الوطن السوري الذي انهار فوق رؤوس الأبرياء تحت عين الإدارة الأميركية الديمقراطية السابقة، وخلال إدارة الجمهوري ترامب، وربما استمر في ذلك، في ظل إدارة بايدن الديمقراطية.

فرصة شرعنة وجود بشار الأسد الفائز بأصوات 95.1% تتساوى اليوم مع فرص رغبة "المعارضة" السورية في إعادة إحياء العملية الدستورية في جنيف

لم تكن لقاءات بوتين واتصالاته مع رئيسي الولايات المتحدة الأميركية السابقين، أوباما وترامب، في ما يخص سورية، في أيّ منها في خدمة القضية السورية، ومطالب الحرية، على الرغم من التهليل لنتائجها واتفاقاتها، بل منحت روسيا مزيداً من مساحة التدخل في ملف الصراع على سورية وفي سورية. وخلال الأعوام السبعة الماضية، نقلت موسكو الصراع من صراع شامل سياسي وقانوني ومسلح بين نظام سوري ومعارضة إلى مسلح فقط بين النظام مع داعميه (روسيا وإيران)، في مواجهة فصائل معارضة له مدعومة من دول عربية وإقليمية، ثم حيدت الدعم العربي، لتبقى الفصائل المدعومة من تركيا طرفاً يقابل النظام، وبذلك أهدرت الجهود الدولية في تفعيل مسار مفاوضات جنيف وفقاً للقرار 2254، وقزّمته إلى لجنة دستورية مشتركة بين منصّات "معارضة" مختلفة في مواجهة النظام المتصلب ضدها. ما يعني أنّ فرصة شرعنة وجود بشار الأسد الفائز بأصوات 95.1% بانتخاباتٍ لم يشارك فيها نصف الشعب السوري، وبتجاوزاتٍ حدثت تحت أعين الكاميرات، تتساوى اليوم مع فرص رغبة "المعارضة" السورية في إعادة إحياء العملية الدستورية في جنيف، التي تريدها اليوم موسكو أكثر من أيّ شيء آخر، لأنّها من الهدايا التي يريد بوتين تقديمها لبايدن على أنّها خطوة باتجاه تحقيق القرار 2254، وإعادة إحياء العملية السياسية التي استبقتها موسكو بتصريحات "خلّبية" عن إمكانية إجراء انتخابات مبكرة في حال الوصول إلى توافق على دستور جديد، وهو ما سيحصل خلال سنوات، سواء مع المعارضة أو من دونها، لأنّه السبيل الدستوري الوحيد لعودة الأسد بعد انتهاء ولايته الحالية لحكم سورية.

=========================

إعادة تأهيل تاجر مخدرات غير تائب

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 7/6/2021

يتهيأ بشار الأسد، بعد إنجازه عملية انتخابية مزورة بكل المقاييس، إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع دول الإقليم، تأسيساً على تحوّله، بناء على الانتخابات الموصوفة، إلى حاكم شرعي، يحظى بدعم السوريين، وبوصفه السلطة الشرعية الوحيدة على الجغرافيا السورية وسكانها، حيث تكتمل به أضلاع الدولة، الكيان السياسي الحداثي، الذي لا يجد الخارج مفرّاً من الاعتراف به، وغير ذلك يعتبر مخالفاً للقوانين الدولية المرعية.

لم تكن المشكلة مع بشار الأسد، في أي يوم، مدى شرعيته، فالعالم كله، بأنظمته الليبرالية والمحافظة، يعرف كيفية وصول عائلة الأسد إلى السلطة

تحتل دولة الأسد التي يسعى إلى تقديمها للخارج، بوصفها غطاء لشرعية قيادته، أدنى درجات المؤشرات الدولية في مختلف المجالات، تقع في مؤشّر الديمقراطية في المرتبة 164 من أصل 167 دولة، وفي مؤشّر السعادة 149 من أصل 156، وفي مؤشّر الحقوق السياسية المرتبة 210 من أصل 210، وفي مؤشّر الفساد المرتبة الثالثة بعد الصومال وجنوب السودان من أصل 179، وفي مؤشّر السلام المرتبة الأخيرة من أصل 163، وفي مؤشّر البلد الجيد، الذي يقوم على قياس دور كل دولة في إفادة العالم والجنس البشري من خلال سياساته ومساهماته في مواجهة التحدّيات التي تواجه البشرية، احتلت سورية المرتبة 155 من بين 163. المؤشّر الوحيد الذي تبدو فيه دولة الأسد متقدمة، إلى درجة أنها تحتل المرتبة الأولى فيه، هو صناعة المخدّرات وتجارتها، وهو ما دفع وسائل إعلام غربية كثيرة إلى إعادة تسمية سورية "دولة المخدّرات"، انطلاقاً من الطبيعة المؤسسية لهذه التجارة، وعلاقتها بالشبكات الإجرامية العابرة للحدود في العالم.

وعلى الرغم من أن تجارة المخدرات مهنة قديمة لدى نظام الأسد، إذ صنّفت وزارة الخارجية الأميركية سورية دولة مخدّرات خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث جنت الشخصيات العسكرية والأمنية والنظامية في دمشق أرباحًا هائلة من تجارة المخدّرات، إلا أنها شهدت قفزات قياسية منذ بداية الثورة السورية، فقد دمّر الأسد الهيكلية الاقتصادية السورية، وفق خطةٍ مدروسةٍ، هدفها إفقار السوريين وتهجيرهم، وأحلّ مكانها نمطاً اقتصادياً جديداً يقوم على أنشطة متنوعة، مثل الاتجار بالبشر، والدعارة، وتهريب الأعضاء، ونهب القطع الأثرية، وابتزاز السكان. وتتقدم صناعة المخدّرات وتجارتها قائمة هذا الاقتصاد الجديد، أو درّة منتجات دولة الأسد، حسب دراسة لمركز التحليل والبحوث العملياتية البحثي، والذي يركز على الوضع في سورية.

المؤشّر الوحيد الذي تبدو فيه دولة الأسد متقدمة، إلى درجة أنها تحتل المرتبة الأولى فيه، هو صناعة المخدّرات وتجارتها

وعلى الرغم من الكميات الكبيرة من المخدّرات التي جرى ضبطها في أماكن متفرقة من أوروبا والبلدان العربية، أكدت مصادر إعلامية أن حجم تجارة الأسد من المخدّرات تبلغ بحدود 16 مليار دولار سنوياً، وأن كمية الإنتاج التي تنتجها شبكة من المصانع يفوق عددها الستين مصنعاً وورشة، كبيرة إلى درجة أن أسواق بعض الدول الخليجية التي تعدّ من الأهداف الكبرى لتجارة الأسد بالمخدرات باتت مشبعةً في الوقت الراهن. وتجمع مختلف التقارير على أن عائلة الأسد، بالإضافة إلى الأجهزة التي يشرف عليها الأسد (الفرقة الرابعة، والحرس الجمهوري، والمخابرات الجوية والعسكرية) هي المحتكر الأساسي لصناعة المخدّرات وتجارتها، ما يعني أن بشار الأسد هو المشرف بشكل شخصي على هذه التجارة، ذلك أن هذه الأجهزة هي المسؤولة، بالدرجة الأولى، عن أي تحرّك يحصل في البلاد، كما يضع قادتها، مع الأسد، الخطط والبرامج الخاصة بضبط البلاد والإمساك بزمام الأمور فيها. والمشكلة أن الأسد من غير المقدّر له أن يتوب عن هذه التجارة، وهو لا يحاول حتى طمأنة الخارج بأنه قد يعمل على الأقل على ضبط صناعة المخدرات وتجارتها ومحاربتهما، وتحديداً إلى الأسواق العربية، فما هو المغري في إعادة تأهيله والتواصل معه؟ ألا يعني ذلك تأييداً لسياساته وتشجيعه على المضي بها؟. وإعادة تأهيل الأسد، وفق هذه الشروط وفي هذه الظروف، لن يكون لها سوى معنى واحد، الرضوخ لأزعر غير مستعد لتغيير سلوكه، ويطلب من الآخرين أن يقبلوه على وضعه، وأن يحلوا بأنفسهم، ما استطاعوا، من المشكلات التي سيخلفها لهم، في سياق ممارسته سياساته التي يرى أنها تمثل النموذج الأفضل لتحقيق مصالحه الخاصة.

ليس ثمّة عذر لأيٍّ من الأطراف الإقليمية والدولية القول إن الأسد جيد لأنه لا يقتل إلا السوريين، إذ تثبت قوائم مضبوطات المخدّرات في الإقليم، من مصر إلى السعودية وتركيا والأردن، أن الأسد أرسل شحنات الموت إلى جميع بلدان الإقليم، ولم يستثن أحداً، ولم يضع اعتباراً لمواقف هذه الدول التي يدعو بعضها إلى وقف مقاطعة نظامه، أو حتى يدعمه دبلوماسياً ومادياً وعسكرياً، فالعصابات، وليست الأنظمة السياسية، وحدها من لا يتأثر بهذه الاعتبارات. 

=========================

خطاب التدوير المأزوم

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 6/6/2021  

الخطاب الذي يتبناه الشخص ويستخدمه، بغض النظر عن موقعه ودوره، إنما هو انعكاس وتجسيد لمدى توازنه النفسي، وماهية الرسائل التي يريد أن يوصلها للآخرين. هذا فضلاً عن المرتكزات التي يستند إليها؛ والمحددات التي توجهه، وترسم ملامح أفكاره، وتبين تخوم مواقفه.

مناسبة هذا الحديث، خطاب «النصر الثوري» الذي ألقاه بشار الأسد بمناسبة الإعلان عن نتيجة مسرحية إعادة التدوير المبتذلة، التي جسّدت، وبصفاقة، استهتاراً بالسوريين، كل السوريين.

فنحن إذا عدنا إلى الكلمات التي جاءت في خطابه، وقرأنا بين السطور، سنلاحظ أنه يقسم السوريين إلى قسمين: قسم ثائر على نظامه، أدخلهم في خانة الخونة والمرتزقة. أما القسم الآخر فهم الموالون، الذين لم يجد فيهم سوى مجموعة من الأبواق والبيادق التي لجأت الأجهزة الأمنية إلى تجييشهم، ليؤدوا دورهم وفق ما هو مطلوب ومقرر. وكان من اللافت في خطاب بشار أنه توجه بالشكر إلى الأشخاص والعائلات والعشائر التي ساندته، وهذا ربما فصل جديد من فصول تشتيت السوريين ووضعهم في مواجهة بعضهم البعض.

ولعله من المناسب في السياق أن نشير إلى تكامل هذا الخطاب مع خطابات بشار السابقة التي استخدم فيها تعابير تؤكد حقده على كل المعارضين لحكمه الفاسد المستبد. ونشير هنا على سبيل المثال إلى ما ذهب إليه حول «التجانس السكاني» بعد تهجير أكثر من نصف السوريين؛ وقوله أن سوريا لن تكون بالضرورة لسكانها بل للمدافعين عنها؛ أي لميليشيات «حزب الله» والميليشيات المذهبية العراقية، و»الحرس الثوري الإيراني».

لقد تقاطع خطاب بشار إلى حد التماهي مع خطابات المسؤولين الإيرانيين، وخطابات حسن نصر الله، وحتى مع خطابات الحوثي. كما يتقاطع في أوجه كثيرة منه مع خطابات بوتين والمسؤولين الروس؛ وذلك من جهة اتهام الخصوم بأقذع الاتهامات الباطلة، واستخدام التضليل الإنشائي الممل؛ والتشدق بالشرف والطهرانية، وهو الذي لم يترك جريمة إلا وارتكبها بحق السوريين على مستوى الأفراد والجماعات والمجتمع والوطن.

ومن الواضح أن استراتيجية بشار في مجال الخطابة هي نسخة ثانية عن خطاب نظام ولي الفقيه الإيراني؛ هذا النظام الذي اعتمد منذ مجيئه إلى السلطة عام 1979 أسلوب شيطنة الجميع، وتسويق نفسه بوصفه المدافع عن المظلومين والمحرومين؛ وبأنه يعمل ليلاً ونهاراً من أجل «تحرير القدس»؛ بينما هو في واقع الحال يفجّر مجتمعات المنطقة ودولها عبر الميليشيات التي استثمر فيها كثيراً، وعلى مدار عقود. وذلك انسجاماً مع السياسة الإيرانية منذ نهايات الحرب العراقية-الإيرانية 1980 – 1988؛ وهي السياسة التي تبنت استراتيجية نقل المعارك إلى داخل الدول العربية المجاورة، عن طريق أدوات محلية، تمثلت في تنظيمات وميليشيات التزمت المشروع الإيراني. هذا ما حصل في لبنان أولاً، ومن ثم في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003. وهذا ما حصل، ويحصل، في سوريا واليمن.

وكان النظام الأسدي بمرحلتيه هو الميسر الداعم؛ مع فارق أساسي بين مرحلة حكم الأسد الأب وحكم الأسد الابن. فحافظ الأسد كان يتطلع إلى قيادة العالم العربي، خاصة بعد أن تم إخراج مصر من المعادلة العربية على إثر توقيعها على اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978. ومن ثم خروج العراق عقب احتلال الكويت 1990. وقد تمكن الأسد الأب من استخدام أهم الأوراق الإقليمية لتعزيز موقفه. ويُشار في هذا السياق إلى الورقتين الفلسطينية واللبنانية؛ إلى جانب ورقة حزب العمال الكردستاني، وورقة المعارضة العراقية. لذلك كان يحرص على علاقاته العربية، لا سيما مع دول الخليج؛ كما كان يحافظ على العلاقات المتوازنة مع مختلف القوى الدولية. هذا بغض النظر عن الشعارات التي كان يرفعها بغرض التعبئة والتعمية.

أما القاسم المشترك بين الأب والابن فقد تمثل باستمرار في الاستهتار بالسوريين، والسعي المتواصل لقمعهم، وتحويلهم إلى مجرد كتلة بشرية وظيفتها إظهار «شعبية النظام».

ولكن الذي حصل في مرحلة الأسد الابن هو أنه قد أخلّ بالمعادلات التي كان والده قد وضعها في ميدان التعامل مع النظام الإيراني؛ وذلك في سبيل البقاء في السلطة، خاصة بعد تنامي ظاهرة لجان إحياء المجتمع المدني في بدايات وراثته للجمهورية عام 2000 وتنامي المطالبات المتواصلة بالإصلاح والتغيير الإيجابي. وبعد سقوط النظام العراقي عام 2003 الأمر الذي كان يثير خوف، بل هلع، النظام، فكان قراره هو الاندماج في المشروع الإيراني بعد لبنان حيث أصبح حزب الله هو المتحكّم الوحيد بملف «المقاومة». وكذلك عبر التعاون مع الحرس الثوري الإيراني والميليشيات العراقية التابعة له لتفجير الأوضاع في العراق.

وارتفعت درجة الانغماس في المحور الإيراني بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت مختلف الشخصيات اللبنانية (الحريري، سمير قصير، جبران تويني، جورج حاوي…الخ) التي كانت تعترض على الوجود العسكري المخابراتي السوري في لبنان، والتحكم السوري الأمني بالدولة والمجتمع ومصائر الأفراد في لبنان؛ وترفض مشروع «حزب الله» في السيطرة على لبنان.

ومع ترسخ هذا الانغماس، واتساع نطاقه، طغت المفردات التي تنم عن العجرفة والتشدق بالعنتريات، وتسفيه المعارضين، وهيمن استخدام العبارات السوقية عوضاً عن الدبلوماسية الاحتمالية، في التعبير عن المواقف من الدول العربية، لا سيما الخليجية منها. وقد ساد هذا الخطاب على مدار سنوات الثورة، ولم يقتصر على رأس النظام وحده، بل التزم به مسؤولوه.

لقد اعتمد بشار الأسد منذ البداية أسلوب سدّ الأبواب أمام الثائرين على استبداده وفساده، والمعارضين لسياساته، من خلال اتهامهم بالخيانة والتبعية؛ والعمل على تصفيتهم، وتهجيرهم. وقد اعتمد في ذلك على النظام الإيراني وميليشياته المذهبية التابعة له في كل من لبنان والعراق، وحتى من أفغانستان وباكستان. وكان من الواضح أن الاستراتيجية الإيرانية تعتمد اسلوب تفجير المجتمعات من الداخل، عبر استخدام الورقة المذهبية، ودفع الأمور نحو الحرب المذهبية الداخلية؛ الأمر الذي يفتح المجال أمام المشروع التوسعي، المزعزع للأمن والاستقرار، خاصة في ظل غياب المشروع العربي، وفي أجواء تصاعد حدة التباينات بين تركيا والسعودية؛ الأمر الذي سهّل مهمة الإيرانيين، ومكّنهم من استغلال واقع الخلافات بين القوى الإقليمية، إلى جانب توظيف الثغرات والإخطاء، في سياق سعيهم المستمر من أجل التحكّم في دول ومجتمعات المنطقة.

المفردات والعبارات التي استخدمها بشار الأسد في خطاب إعادة التدوير، وهي العملية التي لم يكن لها أن تتم لولا الجهود المركزة من جانب الروس والإيرانيين، تبين أنه ما زال متمسكاً بمزاعمه المتهافتة التي سوّقها، ويسوّقها، منذ بداية الثورة السورية، ومنها أنه يواجه حملة كونية ومؤامرة عالمية لإسقاطه. ولكن ما هو الهدف من إسقاطه؟ ولو كان هناك بالفعل موقف دولي حاسم، ومن الجانب الأمريكي تحديداً لإسقاطه، لكان قد أخرج من الحكم منذ العام الأول. هذا في حين أننا نتذكر جيداً المطالبة التي كانت تتمحور حول ضرورة تعديل سلوكه، وليس إلغاءه. بل نتذكر أيضاً لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت القصير معه  على هامش جنازة والده؛ التي عبرت بعد ذلك عن تفاؤلها به.

بشار الأسد كان يخاطب السوريين المغلوبين على أمرهم الذين ما زالوا يعيشون في مناطق سيطرته، ويدعي بانه قد حقق الانتصار. الانتصار على من؟ على السوريين عبر قتلهم وتهجيرهم وتدمير مدنهم وبلداتهم على مدار سنوات ببراميل الحق والبارود، والصواريخ والأسلحة الكيماوية؟

خطاب بشار الأسد وتبجحه بنصر زائف، هو محاولة خائبة للتهرب من الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين واللبنانيين والعراقيين. وهو خطاب متكامل مع خطاب «حزب الله» في لبنان وخطابات الميليشيات العراقية المذهبية المرتبطة بالمشروع الإيراني الذي يبدو أن أصحابه يعدون أنفسهم لمرحلة جديدة من الاستقطاب المجتمعي، محورها وضع أبناء الوطن الواحد في مواجهة بعضهم، وتعبئة الموالين بكل نزعات الحقد والكراهية؛ وذلك لقطع الطريق أمام الجهود التي ترمي إلى تحقيق تفاهمات وتوافقات وطنية، بعد أن أدرك أصحابها من جميع المكونات والتوجهات بأن الحصانة الأكبر لمجتمعاتنا أمام مشاريع إيران التوسعية تتمثل في مشاريع وطنية تطمئن الجميع عبر احترام الخصوصيات، والاعتراف بالحقوق، وضمانها، وتبديد الهواجس بعقود مكتوبة، وتعزيز الثقة باجراءات ملموسة على أرض الواقع، والتوافق على آليات واقعية مقبولة لمعالجة آثار ما فعله تحالف الاستبداد والفساد.

أما حديث الروس عن إمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة، فهو يندرج ضمن إطار محاولة إمتصاص تأثير الانتقادات الدولية والإقليمية والوطنية القاسية والواسعة لعملية التدوير، وخطاب بشار الأسد الاستفزازي عن سابق قصد وتصميم.

=========================

الخامس من حزيران 1967 

عقاب يحيى

سوريا تي في

الاحد 6/6/2021 

رغم مرور قرابة خمسة عقود ونصف ما يزال الخامس من حزيران حاضراً فينا، وفي مجمل المتغيّرات التي حصلت والتي تستمر تداعياتها بأشكال كثيرة متراكبة. 

كُتب الكثير في الذي حدث حول مجريات الحرب وأسباب الهزيمة، واختلفت المواقف والتقييمات حتى بين شخصيات واتجاهات كانت في مواقع المسؤولية في سوريا ومصر، وبين التبرير والتخفيف والاتهامات الثقيلة تتعدد التفسيرات. 

ـ إذا وضعنا الحالة المصرية جانباً لأنها أكثر وضوحاً في عوامل الهزيمة، والتي يتفق الكثير على تلخيصها بـ: 

1 ـ حقيقة مراكز القوى في الجيش المصري التي أظهرت أن المشير عامر وجماعته كانوا القوة المسيطرة، والفاعلة، ومستوى التسيّب والإهمال. 

2 ـ رفض عبد الناصر البدء بالضربة الأولى استناداً إلى وعود وصلته من عدد من رؤساء الدول: السوفييت ـ الجنرال ديغول، وحتى الأمريكان، وغيرهم، بالوقوف ضد من يبدأ الحرب، والتقديرات غير الواقعية لحجم الخسائر التي يمكن أن تحدث فيما لو بدأت إسرائيل بالعدوان. 

3 ـ الخلل الكبير في وسائل حماية الطائرات والمطارات والتي دمّر معظمها بنحو أربع ساعات. ينطبق ذلك على عدم كشف عدوان إسرائيل منذ بدايته. 

4 ـ حالة الجيش المصري الذي نقل بسرعة إلى شرق القناة، والفوضى التي حصلت، وضعف وسائل الحماية والاستعداد، وأوضاع القطعات المصرية التي سحبت على عجل من اليمن والتي كانت منهكة... 

إذا ما اكتفينا بهذه الأسباب الخاصة بالجبهة المصرية وانتقلنا إلى الحالة السورية فنكون أمام تفسيرين متناقضين: 

ـ الأول: ينطلق من تفسير "تآمري" مسبق، بطله حافظ الأسد (وزير الدفاع وقائد القوى الجوية)، وهناك من يحمّل قيادة الحكم برمتها (مع تفاوت في توزيع المسؤولية) مسؤولية الهزيمة انطلاقاً من: 

1 ـ تأخر الجيش السوري في دخول المعركة، خلاف المتوقع. 

2 ـ "قصة" الخرق الإسرائيلي في القطاع الشمالي للجبهة بعدد محدود من الدبابات، وهو الأكثر تحصيناً من بقية قطاعات الجبهة التي تعتبر جميعها جيدة التحصين، ثم التوغل الإسرائيلي إلى بقية الجولان دون وجود مقاومة قوية خلافاً لطبيعة الجيش السوري وخبراته في المواجهات الحدودية مع إسرائيل على مرّ الأعوام. 

3 ـ البيان رقم 66 لإعلان سقوط القنيطرة قبل احتلالها، وبما أثاره من لغط وتعدد في التبريرات. 

4 ـ اتخاذ قرار بالانسحاب الكيفي الذي غالباً ما يُتخذ في حالة انهيار الجيوش وعدم قدرتها على الانسحاب للخطوط الدفاعية الثانية أو الثالثة، وما أحدثه القرار من فوضى عارمة، ومن تشتت قطعات الجيش في أرجاء مختلفة صعّب تجميعها كي تمارس دورها المأمول. 

5 ـ موضوع "إلغاء الهجوم المعاكس" الذي كان مقرراً تنفيذه ليلة التاسع/ على العاشر من حزيران بهدف استعادة القنيطرة، ودحر القوات الإسرائيلية الغازية. 

ـ معظم أصحاب هذا الرأي يستندون إلى ما يعتبرونه حقيقة ثابتة تطول حافظ الأسد وارتباطه المسبق (قبل سنوات) بالمخابرات البريطانية والأمريكية، وقيامه بفعل قصدي مخطط لتسليم الجولان (مفروشة) مقابل وصوله إلى الحكم وبقائه فيه. 

ـ هذا التفسير لم يقتصر على جهات معارضة، أو معادية لنظام الحكم عموماً، ولحافظ الأسد خصوصاً، بل تخطّى ذلك إلى بعض الأوساط القيادية في الحكم كاللواء أحمد سويداني ـ رئيس الأركان ـ الذي عبّر لي شخصياً بأنه يعتبر حافظ خائناً، وأن الجيش السوري لم يحارب، وأنه حمى المتخاذلين والهاربين الذين شكلت لجنة خاصة لمساءلتهم ومحاسبتهم، وكانوا جزءاً مهماً من تكتله اللاحق الذي لعب دوراً في انقلابه عام 1970م. 

ـ الثاني: وهو الذي مثّل الموقف الرسمي لقيادة الحكم في سوريا، والذي تكرّس في (المؤتمر القومي التاسع الاستثنائي) الذي عقد أشهراً قليلة بعد الهزيمة لمناقشة مسارها ونتائجها، منطلقاً من المسؤولية الجماعية فيها، ومن الاعتراف بعدد من العوامل النظرية والسياسية والبنيوية، وواقع المؤسسة العسكرية، وبالاستناد (القوي) إلى برقية الرئيس عبد الناصر التي ينصح فيها بقبول وقف إطلاق النار حفاظاً على الجيش السوري بعد أن وجهت إسرائيل ثقلها العسكري نحو الجبهة السورية إثر سقوط الجبهتين المصرية والأردنية، واتخاذ قرار بوقف إطلاق النار خلافاً لتوجهات تلك القيادة. 

ـ ورغم مرور العقود لم أسمع من جلّ تلك القيادة اتهامات صريحة لحافظ الأسد بالخيانة، وإن اختلفت تفسيرات خلفيات ما حدث وشخصيته، وما يضم  ويعدّ له قبل ذلك بسنوات. 

ـ هناك من تحدث أن الأسد كان يرتّب أوضاعه منذ انقلاب 8 آذار 1963، وربما قبل ذلك، ليكون شخصية مهمة في قادم مستقبل البلاد، وقد سمح له موقعه كوزير للدفاع بالميزانية الضخمة المخصصة أن يتصرف كما يشاء دون محاسبة ورقابة وأن يشتري الولاءات ليكوّن جماعاته التي ارتبطت به. 

ـ حقيقة أخرى برزت في هذا الطاغية العاشق للسلطة بأي ثمن، أنه من تركيبة مقايضة، وتعني هنا استعداده للمساومة على مختلف القضايا الوطنية والقومية، وقبض ثمنها. 

ـ بالعودة إلى الهزيمة وبغض النظر عن تفسير أسبابها، فقد كانت هزيمة شاملة ليس للمشروع النهضوي، الحداثي، التحرري (على العموم)، وإنما للأمة بأسرها، وقد أطلقت العنان للردّة الشاملة في أهم نظامين عربيين من "بلدان الطوق" لتصبح شاملة ويدفن معها ذلك المشروع الوحدوي، النهضوي، بينما دفعت فلسطين الثمن الأكبر.

ـ هزيمة حزيران جعلت الأمة ـ على اختلاف نظمها وتركيباتها، جوفاء لا تملك أي مشروع خاص بها ولها. على العكس من ذلك فحتى الدولة القطرية التي ارتفعت جدرانها وتموقعت في حدود تتآكل بفعل الفشل في إقامة نظم تحترم الإنسان وحقوقه، وتطلق الحريات العامة والخاصة كي يشعروا كبشر لهم كرامتهم ومساحتهم، وهي منذ عقود تواجه حالات من التآكل، والتفتت والذعر من دول أخرى قوية لأنها تملك مشاريعها الخاصة، وقادرة على اختراق تلك المجتمعات الهشّة التي تزداد تفككاً، وبحثاً عن مهرب ولو بمغامرات أقرب للانتحار عبر محاولات اللجوء، بينما يضعف الانتماء إلى درجة التلاشي، خاصة عند الأجيال المتعاقبة التي لم يعد الوطن يعني لها الكثير، بل تنظر إليه كسجن تسيطر عليه أجهزة الأمن وأدوات السلطة القمعية ومزرعة خاصة للنهب والفساد.

الثورات العربية، وبغض النظر عن فظاظة وفظاعة الأدوار الخارجية فيها إلا أنها أظهرت بفجاجة عورات التركيبة البنيوية، وكشفت بقسوة حالات الاحتقان الداخلي وأكوام النوازع الاختلاطية التي يصنف معظمها لمرحلة ما قبل وطنية، وقُطْرية، وهذه إحدى المعضلات الكبرى التي قد تستغرق عقوداً بانتظار بلورة مشروع قُطري قد يمهد الطريق لمشروع عام تلتفّ حوله الأمة ويتيح لها ممارسة دورها العادي بين دول العالم. 

نعم ستبقى هزيمة حزيران قائمة فينا ما لم يتجسّد البديل..

=========================

ما بعد انتخابات الأسد:هل نحن أمام مرحلة جديدة؟

بكر صدقي

المدن

الاحد 6/6/2021 

الأبدية التي طالما وٌصِفَ، أو وصف نفسه، بها النظام الأسدي، أو بالأحرى "الحقبة الأسدية" في تاريخ سوريا، لا تتعارض مع انقسامها إلى مراحل متتالية، حتى لو كان ذلك فقط استجابةً لتغيرات من خارج النظام، تغيرات "طبيعية" كمرض حافظ أسد في العام 1984 حين وجد النظام نفسه في مواجهة تمرد رفعت الأسد، أو موته، في حزيران 2000؛ أو تحديات داخلية كتمرد الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين بين 1979- 1982؛ أو خارجية كبداية الحرب الأهلية في لبنان 1975، أو الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، أو الاحتلال العراقي للكويت وما تلاه من تداعيات، أو تفكك الاتحاد السوفييتي، أو هجمات 11 أيلول 2001 على نيويورك واشنطن وما أدى إليه من احتلال العراق؛ أو تداعيات خطيرة تسبب بها بنفسه كقراره باغتيال رفيق الحريري... هذه الأحداث وغيرها شكلت مفاصل مهمة قسمت الحقبة الأسدية المديدة إلى مراحل لها سمات تختلف بها عما قبلها وما بعدها.

فهل هناك تغيرات متوقعة، في الفترة القادمة، قد تبرر اعتبار الانتخابات الرئاسية التي جرت في "سورية الأسد" الأسبوع الماضي، بداية مرحلة جديدة في الصراع السوري، أم أن كل شيء سيكرر نفسه كما كان قبلها، ولن يحدث أي تغيير إلا بمفاجآت غير محسوبة؟

هناك مستويان يمكن البحث فيهما عن مؤشرات لتغييرات قادمة (أو عدمها)، أولهما ما يتعلق بمجيء إدارة أميركية جديدة لم تعلن بعد عن تغيير يذكر في سياستها تجاه سوريا، وثانيهما يتعلق بمسار "العملية الانتخابية" نفسها، ما قبلها من تحضيرات، وما حدث في الصناديق وحولها، وما تلاها من أجواء احتفالية مبالغ بها.

مضت الآن قرابة خمسة أشهر على بداية ولاية إدارة جو بايدن، ولم يتم تعيين ممثل خاص لسوريا، وهو ما يعني بذاته أن سوريا ليست على سلم أولويات الإدارة الأميركية، وذلك بخلاف اليمن على سبيل المثال الذي أعلنت واشنطن إنهاء الحرب فيها أولوية. كما اتضح من تصريحات بعض أركان الإدارة والتحركات الدبلوماسية أن واشنطن مهتمة فقط بالعمل من أجل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في سوريا. وهو ما يعني أن إدارة بايدن تحاول التغطية على سلبيتها في التعامل مع المشكلة السورية (وهي مشكلة سياسية أساساً) بـ"إرضاء ضميرها" إنسانياً. أظن أنه من السذاجة انتظار ما يتجاوز ذلك من هذه الإدارة، إلا إذا حدث شيء مفاجئ من شأنه أن يرغم الأميركيين على التعامل مع المشكلة السورية كحالة طوارئ، حدث من نوع ارتكاب النظام لمجزرة جديدة بالسلاح الكيماوي مثلاً. أو إذا بادرت روسيا إلى تقديم تنازلات للوصول إلى توافق مع واشنطن بشأن الالتزام بتطبيق قرار مجلس الأمن 2254، أي القبول بالانتقال السياسي. وهذا تغيير روسي، إذا حدث، لا أميركي.

على المستوى الميداني لا يتوقع، في المدى المنظور، حدوث تغيرات كبيرة في خارطة الانقسام القائمة بين الدويلات السورية الثلاث الرئيسية، مناطق النظام وشرق الفرات والمناطق التركية في الشمال، وإن كان النظام سيستمر في حربه المتقطعة ضد منطقة "خفض التصعيد" الرابعة في محافظة إدلب وجوارها، فالتفاهمات الروسية – التركية هي التي ستضبط إيقاع الوضع فيها، وإن كانت العلاقات بين هذين الفاعلين ليست في أفضل أحوالها حالياً، لكن وصولها إلى انقلاب دراماتيكي ليس بين التوقعات.

يبقى إذن أن "برنامج النظام" للفترة القادمة هو العامل الوحيد الذي يجب التدقيق فيه لمعرفة هل نحن أمام مرحلة جديدة أم لا. صحيح أن النظام المهترئ وفاقد الاستقلالية تجاه حلفائه الأقوياء، ليس في وضع يسمح له بوضع وتطبيق برنامج عمل بعيداً عن إملاءات وتدخلات أولئك الحلفاء، لكن يبقى أن لديه رغبة في رسم ملامح المستقبل، وقاعدة اجتماعية من الموالين المتمسكين ببقائه. فهل قدمت الفترة الانتخابية مؤشرات لبرنامج عمل يستجيب لصورة "سورية الأسد" كما يريدها النظام وبما يستجيب لآمال قاعدته الاجتماعية؟

لعل أول الجديد في الحملة الانتخابية وما تلاها هو المظاهر الاحتفالية المبالغ بها، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تضغط بثقلها على الموالين وغير الموالين. من المنطقي، والحال هذا، أن نشكك في تعبير تلك المظاهر عن المشاعر الحقيقية للموالين، وأن ننسبها إلى إرادة مركزية قاهرة للناس. فبشار الذي سبق واعتبر الانتقادات المطلبية والشكاوى الاقتصادية الصادرة من الموالاة، في السنتين الماضيتين، ما يماثل الخيانة الوطنية، لن يتسامح بعد الآن مع أي مظهر من مظاهر التذمر. وفي كلمته بالغة العدوانية التي وجهها إلى قاعدته الاجتماعية، في أعقاب "فوزه" في الانتخابات، كان واضحاً بما يكفي لكي يتوقف النق بشأن انخفاض مستوى المعيشة وشروطها في البيئة الموالية، بصورة تامة.

كذلك كانت الأرقام المعلنة بشأن نسبة المشاركة في الانتخابات وعدد الأصوات التي حصل عليها، فاضحة في زيفها إلى درجة أنها كانت رسالة شديدة القسوة مفادها: "هذه الأرقام والنسب كاذبة، وأعرف أنكم تعرفون أنها كاذبة، ومع ذلك خياركم الوحيد هو التظاهر بأنكم تصدقونها". فالنظام لا يهمه أن يصدقه محكوموه، بل يريدهم أن يتظاهروا بذلك وبـ"فرحتهم الكبيرة" بفوزه، بوصفه إعلان طاعة عمياء ورضوخ بلا حدود، كما صاغت ذلك الكاتبة الأميركية ليزا وادين في كتابها الشهير "السيطرة الغامضة". 

نقطة أخرى كانت مهمة، في الفترة الانتخابية، هي إدلاء كل من رفعت الأسد وعلي دوبا بصوتيهما علناً، وما يعنيه ذلك من مباركة من داخل العائلة والطائفة والنظام لبقاء بشار في السلطة وبشروطه. رفعت الذي لم يعترف بشرعية التوريث وكانت قناته التلفزيونية تبث محتوى معارضاً، وعلي دوبا الذي كان مختفياً في الظل، يظهران فجأةً على وسائل التواصل وهما يدليان بصوتيهما في انتخابات يعرفان أنه لا قيمة لمشاركتهما فيها كما لمشاركة جميع من شاركوا. خاصةً أن هذه المباركة قد جاءت بعد إقصاء رامي مخلوف وانشقاق هذا الأخير.

قد يقول قائل إن كل هذه الأمور لا تشكل مؤشرات لمرحلة جديدة مختلفة عن سابقاتها، ولا جديد في صورة "سورية الأسد" كما يريد النظام أن يرسمها بعد الانتخابات. لكنني سأزعم أن الرسالة التي انطوت عليها مسرحية الانتخابات بكل عناصرها المذكورة أعلاه، توجهت إلى جميع العناوين المعنية: القاعدة الاجتماعية للنظام أولاً، ثم سائر السوريين بمن فيهم المعارضون الذين تم إسقاط وطنيتهم وجنسيتهم، والدول الفاعلة، روسيا وأميركا والغرب والدول العربية، والأمم المتحدة، وفحواها ادعاء الشرعية الوطنية، وأن لا خيار أمامهم جميعاً غير الاعتراف بها وقبوله كما هو بلا شروط، بما في ذلك رفض نتائج أي "عملية سياسية" حتى لو كانت من نوع اجتماعات اللجنة الدستورية، ناهيكم عن قرارات مجلس الأمن. 

هذا ما لم نره في انتخابات العام 2014، بل هو جديد تماماً. كذلك لا يَعِد النظام بالعودة إلى ما قبل آذار 2011، بل إلى مرحلة ما بعد مجازر حماه وسجن تدمر في 1982، تلك الفترة المظلمة التي امتدت إلى العام 2000، حين كان السوريون جميعاً تحت خطر دائم من وشاية واشٍ قد يدمر حياتهم، وتغولت أجهزة المخابرات بصورة غير مسبوقة. فإذا استتب الأمر للنظام، ولم يتعرض لإرغامات خارجية، وبخاصة من روسيا، فمن المحتمل أن تتحقق النبوءة المشؤومة التي أطلقها مصطفى خليفة، مؤلف رواية "القوقعة" في مقالة له نشرها في العام 2012، ويصور فيها بلداً محكوماً بالرعب. 

ما لم يتوقعه خليفه في مقالته هو انقسام سوريا بين احتلالات عدة، أهمها احتلال الحليف الروسي الذي يملك مصير النظام، خادشاً بذلك تلك الصورة الكابوسية.

=========================

عراق الميليشيات: ما أشبه اليوم بأمس هنري كيسنجر!

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 6/6/2021 

إذا كان تاريخ المقاربة بعيداً بعض الشيء بمعيار الزمن (صيف 2005)، فإنه ليس كذلك بمعنى عناصر السياق والدلالة والمشهد التي تخصّ العراق المعاصر؛ هذه الأيام تحديداً، في مشهد «الدولة» التي خلّفها الاحتلال الأمريكي، وتولتها إيران عبر وكلاء محليين تتقاطع عندهم المرجعيات الشيعية والميليشيات المسلحة والأحزاب المذهبية، ليس بعيداً عن شبكات الفساد العابرة للمذاهب والطوائف، وللأقاليم والعوالم.

المقاربة المشار إليها هنا هي مقالة مسهبة بعنوان «دروس من أجل ستراتيجية مخرج»، نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بتوقيع هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، والأشهر حتى إشعار آخر قد يطول كثيراً. امتياز المقالة/ المقاربة أنها أفصحت عن المسكوت عنه في صفوف رجال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، وكذلك على نطاق واسع لدى المراقبين والمحللين وتلك الفئة الأمريكية النخبوية التي تُطلق عليها عادة صفة الـThink Tank. وأمّا ما أفصح عنه كيسنجر فهو التماثلات الآخذة في التزايد، يومئذ، بين التورّط العسكري الأمريكي في فييتنام، والاحتلال الأمريكي للعراق، من جهة أولى؛ ومآلات الهزيمة العسكرية هناك، مقابل عواقب استعصاء المخرج الأمريكي هنا، من جهة ثانية؛ فضلاً، من جهة ثالثة، عن ذلك الدرس العتيق الكلاسيكي الصائب أبد الدهر: أنّ كسب أية حرب لا يعني كسب سلامها، أو أيّ سلام ربما!

ثمة فقرة صاعقة جاءت في مقالة كيسنجر، تقول التالي: «من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة. فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو أحدوثة Episode في الصراع ضدّ الإسلام الجذري. لقد فُهم أنّ تحدّي الحرب الباردة هو البقاء السياسي للأمم – الدول المستقلة المتحالفة مع الولايات المتحدة والمحيطة بالاتحاد السوفييتي. لكنّ الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو – سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية».

فهل «أحدوثة» هذه الأيام صراع مع «إسلام جذري»، حقاً؟ أم هو، ببساطة أكثر وحقيقة أوضح، بين ميليشيات شيعية المذهب على وجه التحديد، مقابل قوى سياسية وعسكرية وحزبية يختلط في باطنها رئيس وزراء (شيعي مع ذلك، آت من قلب المؤسسة الاستخباراتية)، وكتلة عسكرية وسياسية شيعية يقودها مقتدى الصدر، وإقليم كردي شبه مستقلّ في الشمال غالبية مواطنيه من السنّة، فضلاً عن وجود عسكري أمريكي يتقلص ببطء السلحفاة منذ العام 2003.

ليس غبناً بحقّ أطروحة كيسنجر الافتراض بأنّ «أحدوثة» المواجهة الراهنة تبدو أقرب إلى ثنائي أمريكي – إيراني، وأنّ مضامينها الراهنة تُترجم في الثأر لاغتيال قاسم سليماني تارة، أو في تسليح الوفد الإيراني في مفاوضات جنيف حول برنامج طهران النووي تارة أخرى، وهذه أو تلك من المغانم الأعمّ في سلال إيران الإقليمية الممتدة من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن والبحرين ومضيق هرمز. وليس غبناً، استطراداً، أن «الأحدوثة» إياها تواصل ما يشبه تفكيكاً منهجياً، أقرب إلى التفضيح والدحر والكسر، للأكذوبة العتيقة حول احتلال أمريكي سوف ينقل «فيروس» الديمقراطية إلى العراق وسائر المنطقة؛ لأنّ الميليشيات لا تقصف المعسكرات الأمريكية وحدها، بل تستهدف اعتصامات الاحتجاج السلمية ولا تتورع عن التصفيات الجسدية للناشطين.

وحين اقترح كيسنجر مقاربته تلك، التي تعمّد ألا تنطوي على تمييز بين إسلام شيعي وآخر سنّي، كان البيت الأبيض قد حسم خياره في إعادة تركيب معادلة العراق السياسية على ركيزتَين، شيعية وكردية، وإبعاد السنّة إلى الهامش بعد تطهير ما سُمّى يومها بـ»المثلث السنّي» وتجريده من كلّ أسباب المقاومة السياسية أو العسكرية. ولم تكن تلك مقامرة الهواة من «المحافظين الجدد»، بتشجيع مباشر من كيسنجر وأمثاله، فحسب؛ بل توجّب أن تسير حثيثاً نحو استكمال ما بدأه اجتياح 2003، أي تمكين إيران أكثر فأكثر.

وإلا، سوى هذه المآلات، ما الذي يقوله المشهد الراهن!

=========================

وجهة نظر : موسم " تدنيس العمائم " .. احذروا لعبة المنشار ينشركم صاعدا وينشركم نازلا !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

7/ 5/ 2021

وهذا قول في موقف ضنك، ولكن يجب أن يقال. ولا بد له من حامل . وأن تحامل على حامله بعض الذين لا يعلمون ...!!

وأتابع فضاء هذه " الميديا " في فضاءاتها المختلفة، فأجد هجمة منظمة ممنهجة على أصحاب العمائم ، تكفيرا وتفسيقا وتأثيما وتخوينا وتسفيها وتصغيرا واستهزاء...

هجمة على رمزية " العمامة " وطهرها، ودورها ، ومكانتها في قلوب المسلمين ، وليس على ذراعين من شاش . وهي هجمة مكرسة للعمامة البيضاء ، دون السوداء ، وقد علم الذين يتابعون الواقع ماذا فعل أصحاب العمائم السود بالإسلام والمسلمين!!

وأتابع الحملة على ألسنة وفي صفحات الكثيرين " حملة مفتوحة مطلقة معمَّمة" تخفي في ثناياها هجوما على الإسلام نفسه ، على عقيدته وشريعته ومنهجه، وينغمس فيها بعض حسني النية من حيث لا يعلمون.

وكأن بعض الذين يباشرون هذه الحملة من أعداء الإسلام قد وجدوا فرصتهم فيما كان من بعض المسيئين والمتهالكين؛ فتناسوا كل أصناف المجرمين ومذاهبهم وعناوينهم ومدارسهم وتياراتهم وطبقاتهم؛ وتعلقوا بهذا الصنف من الناس لا يجدون مسيئا غيره فيرجموه ...!! سلم منهم المجرم الأسدي والمجرم الصفوي والمجرم الروسي ، ولم يسلم منهم مَن لن أدافع عنه، ولن ألتمس العذر له . ولو كانوا أخوال " أبي جهل " لما قارب الهجوم عليهم المقاربون . كما في حكاية نقض صحيفة الإثم القرشية.

وحتى لا أسبق بالقول أقدم معذرتي فأقول، وأنا مع المنكرين بل الأشد إنكارا على صاحب العمامة يزلُّ أو يذلُّ ، يزلُّ أو يذلُّ وهو يحمل عبأها، ولكن هذا لا يعني أن نؤخذ على غرة، فيصبح خطأ الفرد أو الأفراد مدخلا للطعن في الدين ، والنيل من الإيمان والإسلام وكل مناهج المتقين ..

والذي أريد أن يعلمه كل مسلم وكل حر ..

أن الإسلام "رسالة الله للخلق أجمعين" لم يقم بنيانه على قاعدة " الوساطة بين الخالق والخلق" فلا كهنوت ولا أحبار ولا رهبان ولا اعتراف، ولا تعميد ولا حُرم ولا صكوك غفران، ولا كل الهذيان الذي يهذي به الهاذون...

أقول لبني قومي في سورية أجمع ..

انظروا إلى صاحب أكبر عمامة ملوثة في سورية الحبيبة، وأنتم تعرفونه كما أنا أعرفه ، ولا حاجة لذكر اسمه ، ثم قيسوا مكانته في منظومة القرار أو الفعل السياسي فهل ستجدونه أكبر من " طرطور "

فأين هو من سالخ الجلود والقاصف بالسارين وبالبراميل وبكل الإثم الذي تعلمون ؟؟؟؟

أردت أن أقول ...

إن كان لبشار الأسد وللزمرة الأسدية فيما ارتكبوا في سورية من شريك في الجريمة والكبرى والجرائم المتشعبة عنها فهو غير هؤلاء " الضحايا المجرمين" وكثيرا ما نقرأ في علم الجريمة وعلم الاجتماع عن " الضحايا المجرمين" أو " المجرمين الضحايا " الذين يطلب إلى المجتمع أن يتفهم دوافع " إجرامهم "

منذ يومين أتيح لي أن أستمع إلى برنامج عربي يتداخل فيه ثلة من مثقفين العرب عن الشأن السوري ، وإذا رجلان من عتاة..." ولا أجرؤ أن أسميهم" في بلدهم ينظّرون لبطولة بشار الأسد، ويترضون الشيطان الرجيم على فعله المشين، ويظنون أن لا بأس أن يهلك كل السوريين لتبقى" سورية " كما يزعمون .!!

.هؤلاء المجرمون هم صناع قرار عربي في بلد عربي ، وليسوا من هذه الطبقة من الناس المستضعفة المستذلة أحيانا بظروفها وأحيانا بما ارتضته لنفسها ..

وهذه معركة لها ما بعدها ...

وهذه أيام ضيقة حرجة في تاريخ سورية الحديث، ستلد لياليها لنا أعجب من كل عجيبة ..أيام لا يحس خطورتها من نام فيها ، وما أكثر النائمين ، أيام لا يحسن فيها النوم ، ولا تحسن فيها الغفلة ، ولا يحسن فيها التشاغل. وإن تنم فاعلم أن عدوك لا ينام عنك ، وهذا شأنه ، " وما يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا "

 يجب أن يتنبه كل مسلم وكل حر... لأبعاد هذه الحرب وتداعياتها وأساليبها وأدواتها ، وعناوين وطرائق مكرها ...

وأنا لم أدافع ولن أدافع عن عمامة ملوثة في أصلها، ولا عن عمامة اتسخت بفعل التطامن والإذعان ...

ولكن أصحاب العمائم الطاهرة الحرة الأبية أولى بنا في هذه الأيام بالحكاية والإشادة والتنويه والتذكير ...

أصحاب العمائم الذين ظلوا في تاريخ هذه الأمة مَعلما للحق ، ومعدنا للبطولة ، وموئلا للمظلومين، وغياثا للمستضعفين ..

ولقد جالسنا في حياتنا الكثير من أصحاب العمائم مذ كنا فتية صغارا فعلمونا الرجولة والبطولة والنجدة كما علمونا الصدق والفقه ...

وأقول لأبناء الإسلام لقد كانت "العمامة " برمزيتها وطهرها وستظل، العاصم الأوفى من ضلالة ومن زلل ومن انحراف ..

قيل للأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، إنما يطلب منك الظالم المستبد كلمات، فاشتر نفسك من سوط الجلاد !! فقال : وكيف بمن وراء الباب!!! وكنا وراء الباب أنا وأنتم لنظل نشهد حتى اليوم : أن القرآن الكريم كتاب الله غير مخلوق ...

قالوا - المماليك - للعز بن عبد السلام ، نحن على أبواب حرب، ونريد أن نفرض ضريبة " جهاد " ، أجاب حتى أنظر ماذا في بيت مال المسلمين !!

فلما نظر ، قال المسلمون في غنى عن الجباية الإضافية وعندهم في بيت المال أموال ، كانت تلك الأموال رقاب الحاكمين ...فباع الملوك وانتصر للضعفاء والمحرومين .

وأراد كمال أتاتورك أن يستبدل بالعمامة القلنسوة ، فتحولت العمائم على رؤوس أصحابها حبال مشانق، الألوف من علماء الإسلام واجهوا المشانق غير هيابين ، واقرأ إذا شئت " سر القبعة " و " كفر الذبابة " لمصطفى صادق الرافعي.

مرة أخرى لا أدافع عن العمائم الملوثة ، ولا عن العمائم المتسخة... ولكن أيها المسلم احذر ..أيتها المسلمة احذري ..

وأقول لكم أمرا : ووالله ما أخرجوهم في مواكب الذلة والمسكنة تلك لأنهم بحاجة إلى أصواتهم ، فأرقام بشار الأسد المعلنة قد قررت قبل أن يكون صندوق... وإنما أخرجوهم ليذلونا بإذلالهم ، وليحطموا صخرتنا بتحطيمهم، وذلك طبع الأشرار المجرمين ...

افهموها عني يا كل المسلمين .وأنتم أهل الفهم والعلم والبصر والبصيرة ....

صنعّوا لنا أهل الغلو والتطرف فضربوا ديننا بهم ، وشوهوا مشروعنا الإسلامي برعوناتهم ..

ثم استغلوا خاصرتنا البشرية الرخوة في أمثال هؤلاء ؛ من أناس لا فقه ولا خَلاق لهم ، ومن آخرين لا قِوام لهم ، فجعل بعضنا يلهج ، على عماية في النيل من مكانتهم ومن رمزيتهم ..

وذلك طبع المنشار إذا استحكم ، ينشر صاعدا وينشر نازلا ، لنظل ما دمنا مثل الخشب مأكولين ...!!!

وعلماؤنا تاج رؤوسنا وعمائمهم عز لهم وشرف لنا ...

أيها المسلم احذر ...أيتها المسلمة احذري ...

اللهم إني أعوذ بك من قارئ لا يريد أن يفهم ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

ما بعد فوز الأسد في انتخاباته

عمر كوش

العربي الجديد

الاحد 6/6/2021 

بعد اكتمال مهزلة الانتخابات الرئاسية السورية، بالإعلان عن فوز بشار الأسد فيها بنسبة 95.1%، بات السؤال يطاول مرحلة ما بعد هذا "الفوز"، وماذا سيقدم لسورية وللسوريين بعد كل هذا الدمار الكارثي الذي تسبب به؟ تقود أبسط الإجابات إلى استشراف أثر هذا الفوز على ما ستؤول إليه الأمور في الوضع الداخلي، الذي يطاول معيشة السوريين في مناطق سيطرة النظام، والذي يشهد تدهوراً متزايداً في الأوضاع الحياتية للناس، في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأساسية، وانهيار سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية وتدهور القدرة الشرائية، وفقدان الأمان والأمن، وتسلط المافيات والمليشيات وأجهزة الأمن على حياة السوريين وسوى ذلك.

وبدلاً من العمل على التخفيف من ثقل معاناة السوريين في الداخل، سارع وزير المالية في حكومة النظام، فور الإعلان عن فوز الأسد بانتخاباته، إلى الكشف عن توجّه إلى تعديل قانون ضريبة الدخل، بذريعة الحدّ من ظاهرة التهرّب الضريبي، ما ينذر بتصاعد الضغوط الاقتصادية على غالبية السوريين من أصحاب الدخل المحدود وغيرهم، عبر تحميلهم أعباء ضريبية جديدة، وما يستتبعها من زيادة في أسعار السلع والمواد المنتجة محلياً والمستوردة من الخارج، فضلاً عن أن تعديل قانون ضريبة الدخل يدخل في إطار محاولات النظام التنصل من مسؤولياته أمام تدهور الأوضاع المعيشية للسوريين، وتحميلها إلى الذين لا يدفعون الضرائب.

ويبدو أن نظام الأسد غير قادر على تقديم أي شيء يمكنه أن يُحسّن من أوضاع الناس الخانقة في مناطق سيطرته على المستوى المعاشي، كونه لا يملك الموارد ولا الإرادة ولا المقومات لتحقيق ذلك، فقد خسر معظم الموارد من نفط وغاز في منطقة الجزيرة السورية بعد أن سيطرت عليها "قوات سوريا الديمقراطية" بحماية أميركية، وراح يعتمد على تغريم السوريين وفرض الأتاوات والضرائب عليهم. والأهم أنه ليس من أولويات النظام الأسد تحسين أوضاع السوريين، وحتى الموالين من بينهم. لذلك لم يحمل خطاب الأسد الذي رفع شعار "الأمل بالعمل" في حملته الانتخابية، بعد الفوز، أي مؤشّر على إمكانية تجسيده لتحسين أوضاع السوريين، حيث لم يعلن عن أي خطة أو برنامج لبداية مرحلة العمل من أجل ذلك، بل كان خطابه حافلا بالشتائم والتهديدات لمعارضيه السوريين وغير السوريين. وقسّم فيه السوريين، وفق منطقه الفاشي، إلى "وطنيين" و"خونة"، معلناً أن المرحلة الجديدة هي الدخول في مواجهة "الخونة"، و"الثيران" "المرتزقة"، و"فاقدي الشرف حاملي جواز سفر سوري"، الأمر الذي يشي بأن النظام لن يختلف تعامله مع السوريين، ولن يحيد أبدا عن النهج الإقصائي والدموي الذي بدأه منذ انطلاق الثورة السورية منتصف مارس/ آذار 2011، وأفضى إلى قتل أكثر من نصف مليون سوري، وتدمير معظم حواضر سورية، وتشريد أكثر من نصف شعبها.

يدعم الروس فوز الأسد في انتخاباته، كونه يوفر لهم حجّة لاستمرار وجودهم العسكري في سورية وبقائهم أصحاب اليد الطولى فيها

وفي ظل معطيات الوضع السوري الحالي الذي يسيطر الجمود عليه وسط توازنات القوى المسيطرة على الأرض، بفضل داعميها الدوليين والإقليميين، فإن بقاء المشهد من دون تطورات كبيرة لا ينفي أنه غير مرشح للتغير في بعض المناطق، خصوصا في الشمال السوري، نظراً إلى إمكانية وجود ديناميات للتغير فيها، على الرغم من أنه ليس من المرجّح أن تحدث تطورات، في المدى المنظور، باتجاه حسم عسكري لصالح النظام، ولا باتجاه إيجاد حلّ سياسي للقضية السورية. وبالتالي لن يؤثر فوز الأسد على الواقع السوري المقسم بين مناطق سلطات الأمر الواقع الثلاث، بما فيها سلطة النظام. كما أن من الصعب حدوث اختراق في مواقف الدول والقوى المتدخلة في الشأن السوري، حيث إن استمرار الدعم الروسي والإيراني والصيني لبشار الأسد دفعه إلى عدم الاكتراث بمواقف الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وإلى أن يتمادى في السخرية من بيان وزراء خارجيتها الذي وصف انتخابات الأسد الرئاسية بأنها "غير شرعية" و"مزيفة"، و"ليست انتخابات حرّة ولا نزيهة"، وإلى التبجح في الرد عليهم بالقول "قيمة آرائكم صفر، وقيمتكم عشرة أصفار".

ربما يراهن الأسد على تغير المواقف العربية حيال نظامه، خصوصا بعد الاتصالات والخطوات التطبيعية من بعض الأنظمة العربية الخليجية، وبالتحديد الإمارات وعُمان، والتي حاول إعلام النظام تضخيمها للإيحاء بأن مرحلة ما بعد فوز الأسد في انتخاباته ستُحدث اختراقاً في عودة العلاقات مع بعض الأنظمة العربية، والرجوع إلى "الحضن العربي"، وخصوصا بعد زيارة وزير السياحة السوري الرياض، وسط ما تردد عن انفتاح سعودي لإعادة العلاقات مع النظام على مستوى منخفض، على خلفية الزعم إن إعادتها تعطي السعودية فرصة للتنافس مع النفوذ الإيراني داخل سورية، لكن الأمر قد لا يتعدّى محاولات تدوير الخلافات بين أنظمة دول المنطقة، خصوصا بعد المفاوضات السرية بين السعودية وإيران، ومحاولات السعودية التخلص من تبعات حرب اليمن. وبالتالي، لن يتقدّم التطبيع مع الأسد ونظامه، حسب ما شاع قبل الانتخابات في عواصم عربية وأجنبية.

نظام الأسد غير قادر على تقديم أي شيء يمكنه أن يُحسّن من أوضاع الناس الخانقة

ولا يغيب عن الأذهان دعم الساسة الروس لفوز الأسد في انتخاباته، كونه يوفر لهم حجّة لاستمرار وجودهم العسكري في سورية وبقائهم أصحاب اليد الطولى فيها، ويوفّر أيضاً حجّة سياسية لهم للاستمرار في الدفاع عنه أمام المحافل الدولية، ولتوظيفه في سياق مساعيهم من أجل تعويم النظام عربياً ودولياً، لكنه لن يفضي إلى مساعدته للخلاص من أزماته، بالنظر إلى أن أي مساعدات اقتصادية له من أي جهة كانت ستصطدم بقانون قيصر الأميركي، الذي رهنها بانخراط النظام في الحل السياسي. وبالتالي، ما يسعى الروس إليه من مكاسب واستثمارات في عملية إعادة الإعمار ستبقى مهمةً مستحيلةً، كونها مرتبطة بالتسوية السياسية، لذا عليهم التفكير خارج تمنياته ومخططاتهم التي يرغبون في تنفيذها.

في المقابل، لا مؤشّرات على تغير مواقف الولايات المتحدة ودول الغرب الأوروبي حيال نظام الأسد ورفضها انتخابات الأسد ونتائجها. وبالتالي، لن يشكل فوز الأسد بانتخاباته أي حافز نحو حدوث تغيرات في التعامل مع القضية السورية على مختلف المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي ينذر باستمرار الأوضاع المأساوية، واستمرار تفاقم الكارثة التي ألمّت بسورية والسوريين.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com