العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-05-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تعمّق ورطة إيران في سورية

غازي دحمان

الحياة

الخميس 10/5/2018

اشتغلت إيران، في السنوات السابقة، في سورية، تحت سقف خسائر مقبولة الاحتمال، وكلما كانت الخسائر تتوزع على وكلائها وحجم مصاريفها المالية كان مستوراً، فإن هامش المناورة للنظام الإيراني، داخلياً وخارجياً، كان بأمان، وسمح لقادة إيران بالتفاخر بتوسع نفوذهم ليشمل العواصم الأربع الكسيرة.

بيد أنه، ومع تواتر الضربات الإسرائيلية، المؤلمة، وخسارة إيران الكثير من كوادرها ومخازن أسلحتها، بدأت تتجمع خطوط ورطة تتعمَق فيها طهران، ولا يبدو أن إيران قادرة على وقف انحدارها السريع إلى قعرها، ولا إسرائيل لديها الرغبة في وقف غاراتها، بل إن هذه الأخيرة فرضت قاعدة اشتباك في سورية تقوم على حقّها في ضرب أي هدف إيراني تشتبه إسرائيل أنه سيشكل جزءاً من البنية التحتية للوجود الإيراني، أينما كان ذلك في الجغرافية السورية.

وكانت الذهنية الإيرانية ذهبت إلى اجتراح إستراتيجية عسكرية لترسيخ نفوذها في سورية وفرضه كأمر واقع، وذلك من خلال بناء أنساق دفاعية من الشمال والغرب والشرق إلى الجنوب، وليس العكس، وذلك لتجنّب استهداف إسرائيل لمواقعها، وعلى هذا الأساس، شيّدت إيران قواعدها الكبيرة في جبل عزان في حلب واللواء 47 في حماة، ومطار التيفور في البادية، فضلاً عن مواقع في حمص والقلمون الغربي، وعندها لن يكون مهماً زراعة قواعد أخرى في الجنوب، أو في منطقة الحرم المتفق عليها، مسافة الأربعين كيلومتراً، لأن تزويدها بالأسلحة والكوادر سيكون متيسراً في أي وقت.

أرادت إيران استثمار مظلة الحماية الروسية على مناطق وسط وغرب سورية، أو بمعنى أدق، استغلال واقع أن هذه المناطق تقع في نطاق عمل القوات الروسية، وفي شكل أوتوماتيكي، تقع في مجال أسلحة دفاعها الجوية، ما يصعّب على إسرائيل، وحتى أميركا، إمكانية استهداف هـذه المواقع ويضعها في أمان مديد.

غير أن إسرائيل وعت هذه الإستراتيجية، من منطلق إدراكها أن الجغرافية السورية صغيرة لدرجة يمكن للإمدادات الإيرانية أن تصل لجبهات درعا والقنيطرة في ساعات محدودة، وأنه من الأفضل ضرب تلك القواعد قبل أن يتم تحصينها، من دون الانتظار لضرب خطوط الإمداد التي ستقيمها إيران بين القواعد والجبهات، كما حرمت إيران من ميزة الحماية الروسية جراء اتفاقات بين موسكو وتل أبيب تضع الأمن الإسرائيلي في مستوى الخطوط الحمر غير المسموح تجاوزها، ومن الأراضي السورية على وجه التحديد.

تتمثل ورطة إيران الحالية من كونها جهة غير مجهّزة لاستعمار دول وشعوب بقواها الذاتية، ربما تصلح لدور شبيه بالدور الذي لعبه نظام الأسد في لبنان، لكن ذلك يستدعي وجود موافقة دولية وإقليمية، وموقف منزوع الانحيازات الطائفية، ولا يمكن في هذه الحالة استنساخ تجاربها في لبنان والعراق، ولا حتى اليمن، بل من الممكن أن تتحوّل هذه التجارب إلى سقطة خطيرة لما تنطوي عليه من خداع، ذلك أن إيران في سورية مضطرة إلى نزع قفازاتها وإجراء الترتيبات في شكل مباشر وليس مجرد الإشراف عليها.

وفوق ذلك، لا تملك إيران الأدوات الكولونيالية اللازمة لاستعمار شعب خارجي، فلا هي دولة متحضّرة لتدعي التنطح لمهمة تحضير أي شعب، ولا هي دولة ذات نموذج حياة وإدارة سياسية تستدعي من الآخرين اللجوء إليها وطلب حمايتها، إضافة إلى ذلك لا إمكانات لديها للدخول في صراعات إقليمية ودولية كبرى، لكنها وجدت نفسها في هذا الخضم من دون استراتيجية خروج، بالأصل دخولها على سورية تدرّج على شكل ورطة وغرق ولم يكن له تصور واستراتيجية واضحة، أخذ شكل مساعدات استخبارية من واقع خبرتها في قمع انتفاضة، 2009 ثم إرسال مستشارين عسكريين لغرف عمليات نظام الأسد، نتيجة ضعف الخبرة لدى ضباط الأخير، ثم الاستعانة بحزب الله، ثم الميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية وتبعه دخول الحرس الثوري.

عملانياً، تتجسد الورطة الإيرانية في المفاضلة بين الرد على إسرائيل، وبين إدراكها أن الأوضاع في سورية ما زالت تحتاج لترتيبات كثيرة حتى تستقر الأمور لإيران، حيث تفضل إيران استيعاب الضربات الإسرائيلية، التي على رغم تأثيراتها المؤلمة، إلا أن إيران تستطيع، عبر المثابرة، تكريس نفوذها في سورية والمنطقة وفرض نفسها كقوّة أمر واقع، في حين أن الاستعجال في مواجهة إسرائيل من شأنه تقويض المشروع الإيراني برمته.

لكن في كلا الحالتين، لا يبدو أن المشروع الإيراني سيعمل بانسيابية وسهولة كما كانت تقديرات القادة الإيرانيين تتصوره، والواضح أن حسابات الإيرانيين لا تتطابق كثيراً مع الواقع الذي تفرضه إسرائيل، حيث لن يبقى نفوذ لإيران في سورية في ظل حالة الاستنزاف التي تفرضها إسرائيل، كما أن هذا الواقع سرعان ما ينعكس على الداخل الإيراني، الذي يراقب مذلة حكامه الذين يتنمرون عليه ويبدون كالقطط الوديعة أمام إسرائيل، والواقع أن سابقة إذلال بشار الأسد وانسحاب جيشه المخزي من لبنان كانت من العناصر التي شكلت محركاً للثورة السورية.

==========================

موقفنا : القصف الصهيوني على القواعد الصفوية في سورية لماذا الآن ... بعد سبع سنوات ؟! .. زهير سالم

11 / 5 / 2018

مركز الشرق العربي

لكي يظل الوعي حاضرا تبقى كل الأسئلة مشروعة . ويجب أن يبقى ديكارت حاضرا . لقد أسقطت دماء أطفال سورية كل المسلمات السياسية في الذهنية العربية على مستويات دولية وإقليمية ووطنية . ولقد أطفأت هذه الدماء المسفوكة ، بظلم ، توهجات وأشعلت أخرى ، فضحت أكاذيب كثيرا ما كانت حقائق معيارية في العقول والقلوب . وأعادت فرز القوى على أكثر من صعيد ، وأدخلت حتى ما كان يظن أنه إنساني كير الاختبار فانكشف عن زيف كبير .

عشنا عمرا نعتقد فيه أن الصهيوني هو العدو لنعيد اكتشاف أن الصهيوني هو أحد الأعداء . ربما كان سيدهم ومشغلهم ومحركهم ولم نعد ندري هل ذلك يشفع للأجراء أو يزيدهم إثما إلى إثمهم وصغارا إلى صغارهم .

عشنا عمرا كان الشعار ( الموت لأمريكا ..الموت لإسرائيل ) دثارا، تدثر به كثير من العراة ، وتدفأ على وهجه كثير من المعدمين وانكشف الشعار عن سوأة ؛ فلا موت لأمريكا ، ولا موت لإسرائيل ، وإنما كان الموت الحقيقي لأطفال العراق وأطفال اليمن وأطفال سورية في الغوطة وحمص وحلب والرقة ودير الزور ..

وبطريقة خبيثة تجلببت بالرومانسية يحاول البعض اليوم أن يصور أن ما جرى في سورية ، على أيدي كل المجرمين ، أسديين وروس وصفويين كان مجرد لعبة أطفال ، وعلى لعبة الأطفال أن تنتهي بمجرد أن يدخل ساحتنا عدو بلا قناع ..

الواحد هو العدو

 لقد علمتنا سبع سنوات من الثورة أن عدو شعبنا واحد ، وإن تعدد ، وأن أصغر أجير في عدواتنا ( بشار الأسد أنموذجا ) يستحق مع كبير العداوة المزيد من النبذ والازدراء والاحتقار . إن قاعدة التمييز بين العدو الأصيل والعدو الوكيل قد انهدمت . وكما رمانا أعداؤنا عن قوس واحدة ، يجب أن نفعل .

سبع سنوات ، و العدو الصفوي (العدو الأجير) أو (العدو الأداة ) ، يصول بين ظهرانينا ويجول ، يبغي ويستنسر ، وفي كل يوم صوت حسن نصر الله يجعر فوق رؤوسنا ، يهدد أن طريق القدس يمر عبر حلب.. .

سبع سنوات وقاسم سليماني ، المطلوب للعدالة الدولية الموهومة ، يغدو ويروح تحت سمع العالم وبصره ، شريكا مسكوتا عنه لكل طالبيه ومجرّميه ، وهو يفري فريه ، ويحد شفرات ميليشياته متحدة المذهب متعددة الجنسيات على أعناق أطفال سورية ، يغطيه طيران روسي محتل حاقد وطائفي لئيم ، ويصمت عنه رضا متربص أمريكي ، كافأه على جريمته بهدنة اتفاق أغراه حتى ما عاد يحتوي تصريحات بغي الملالي برٌ ولا بحر . يخطئ من يعتقد أن دماء أطفال سورية لم تكن جزء من البروتوكولات السرية لاتفاق أوباما المريب.

سبع سنوات وفصول الكوميديا الدولية على الأرض السورية بكل طقوس موتها الأحمر والأصفر والأسود مستمرة ، وعلى الحدود الجنوبية للدولة السورية عدو متربص ، يرقب المشهد بغبطة وفرح ، ولا يفتأ يشجع ويبارك ، ويؤيد ويدعم كل الأشرار من عاصمة قرار دولي إلى أخرى ..

لنستيقظ فجأة بعد سبع سنوات من الوجود الصفوي بميليشياته ( الإيرانية – اللبنانية – العراقية – الأفغانية – الباكستانية ) التي تجاوز عددها المائة ألف مقاتل مدرب مجهز ممول ، على صوت نتنياهو يعلن أن وجود هذه الميليشيات بعديدها وقواعدها وأسلحتها تشكل خطرا على ما يسميه دولته ، وما زلنا نسميه كيانه ، فيباشر حربا مشهرة معلنة بضربات فيها من روح التحدي والرغبة في كسر زهو الانتصار ، أكثر مما فيها من الرغبة في إلحاق الضرر أو الانتقام ..!!

لكل العقلاء أن يتساءلوا : أين كان نتنياهو ، وأين كان مايسميه أمن كيانه ، وأين كان التهديد الاستراتيجي لهذه القوات وهذه القواعد الصفوية ، على أمن ( الكيان الصهيوني ) منذ أن بدأت هذه الميليشيات عملياتها في قصير حمص وحتى شاركت مع حلفاء نتنياهو الروس ، في إخراج أبناء غوطة دمشق من ديارهم كما أخرجت عصابات الهاجاناة أبناء فلسطين من فلسطين ؟!

 أين كانت المخاوف الصهيونية على الأمن الصهيوني خلال سبع سنوات كان فيها الولي الفقيه وقاسم سليماني وحسن نصر الله وجنودهم يحلون محل نتنياهو في الدفاع عن ( الأجير الوظيفي ) الذي خاف عليه نتنياهو من خطر محدق ..وبات كل من هب ودب ، وزحف وطار يكرر: لولانا لما بقي بشار سحابة من نهار ..

لقد كانت المعادلة الصهيونية يومها واضحة كل الوضوح : مائة ألف قاسم سليماني ومائة ألف من أمثال حسن نصر الله ، ولا مواطن سوري حر شريف واحد يكون شريكا في قرار!!

واليوم وبعد أن ظن نتنياهو وداعموه ومحازبوه أن أبناء الشعب السوري قد تمت الإحاطة بهم ، فقد انتهى دور هذه الأدوات التي لن تتلقى حتى الشكر عن دور النذالة والخيبة الذي أدته ..

آن الأوان ليقول نتنياهو للولي الفقيه ولقاسم سليماني ولحسن نصر الله : في هذه المهمة وعلى هذا المحور انتهى الدور ، ولا ندري بعدُ ماذا يكون ..؟

بقي أن نتساءل عن الردود المزلزلة الذي ظل أقانيم الشر يتحفوننا بها وهم يتلقون الصفعات والركلات معا فيأخذون مرة بالنواصي ومرة بالأقدام ..

إن كان ما يجري اليوم بين الكيان الصهيوني وملالي طهران صراعا حقيقيا ؛ فهو من نوع ذلك الصراع الذي طالما تابعناه على الشاشات : فبعد أن تنجح عصابات الإجرام بتنفيذ مخططها وارتكاب جريمتها ، يبدأ عناصرها بالانقلاب بعضهم على بعض .

الحقيقة الوحيدة التي يجب أن تستقر في أذهاننا نحن أبناء هذه الأمة هي أن الصهيوني والصفوي والأمريكي والروسي وكل العملاء والأجراء هم العدو ..

هم العدو الذي يجب علينا أن نحذره جميعا بلا تفصيل ولا تفضيل ولا تقديم ولا تأخير ..

________________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

لمَن الطلقة الأولى؟

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 10/5/2018

الحرب الإقليمية مجرد سيناريوات ومخاوف ورعبٍ من ذعر أيام قد تأتي قريباً، ربما لتدشن الفصل الأخير الذي يمهد لخرائط جديدة شرق أوسطية؟

الأرجح أن حرب اليوم التالي لقرار سيد البيت الأبيض نفض يد واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني، لم تعد وراء الباب، بل باتت في ساحات اكتمل مسرحها. وما زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو موسكو أمس إلا لتجديد «كلمة السر» مع الكرملين، والفصل بين ضمان عدم الاشتباك مع قواته في سورية، وما يمكن أن يتدحرج سريعاً في دمشق تحت وطأة ضربات إسرائيلية كثيفة.

أما السؤال لمَن تكون الطلقة الأولى، فلعل الإسرائيلي أجاب عنه سريعاً بعد ساعات قليلة على إعلان الرئيس دونالد ترامب قراره نعي التزام واشنطن بالاتفاق النووي «الكارثي».

قصف صاروخي على ريف دمشق، مجرد صورة «روتينية» في «الحدث السوري»، لكن المسرح الكبير للحرب الاقليمية لا ينتهي في الجولان ولا لبنان ولا اليمن. عين مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون على طهران.

وفي حسابات الحرب، لا يعني الإسرائيلي أن تمتعض أوروبا من قرار ترامب، لأنه سيعني خسارتها عشرات بلايين الدولارات إذا انسحبت شركاتها من إيران، مرغمة تحت سيف العقوبات الأميركية. لذلك كان الغضب الفرنسي من تنصيب واشنطن نفسها «شرطياً اقتصادياً للعالم».

لكلٍ مصالحه، ولطالما تعايشت إسرائيل مع نظام بشار الأسد رغم تعقيدات الحروب السورية وتحالفاته، ها هي تطرح الورقة الأخيرة ليتلقفها الروس: أذا أرادوا تغيير وجه النظام الذي يرفض أي تسوية مع معارضيه، حانت الفرصة الذهبية: ضربات كثيفة لاقتلاع «القواعد» الإيرانية في سورية المنكوبة بنظامها وحلفائه، ولاطاحته بعدما أتاح لطهران تجاوز «الخط الأحمر» الإسرائيلي.

ولكن بأي ثمن؟ إيران بجيشها وحرسها «الثوري» وأدواتها الاقليمية تتوثب، والأكيد أن طموحها رد الصاع لترامب في مسرح النكبات العربية، وبدماء عربية.

فجأة، بعد إصرار ترامب على سحب القوة الأميركية المتمركزة في سورية، نشَرَ «قوة ضاربة» في البحر المتوسط، يرجح أن تقدم الدعم للإسرائيلي اذا اختارت إيران تحريك «حزب الله» لاشعال جبهة جنوب لبنان وتوريط نتانياهو ليتراجع عن ضربات استئصال الوجود العسكري الإيراني في سورية، والذي لن يُفاجَأ أحدٌ إن تمدَّد علناً الى المتوسط، عبر الساحل السوري والساحل اللبناني.

ليس مصادفة نشر «القوة الضاربة» الأميركية ولا تعزيز القطع الحربية الروسية في البحر المتوسط، ولا قراءة الإسرائيلي لنتائج انتخابات لبنان بوصفها تشريعاً لمصادرة «حزب الله» قرار الدولة في هذا البلد الذي بات «يعادل الحزب» ... ولبعضهم، قول نتانياهو أنه لا يريد حرباً مع إيران، لا يعكس سوى بعض كذبه، بصرف النظر عن النيات الحقيقية للإيراني صاحب «القوة الناعمة» التي حيثما تسللت سُفِكت الدماء العربية بلا حساب.

واضح أن الحرب الاقليمية التي ربما كانت شرارتها الأولى في ريف دمشق، ومستودعاته للصواريخ الإيرانية، هي قرار أميركي قاعدته خنق الاقتصاد الإيراني... وقرار إسرائيلي ينتهز فرصة مسرحٍ اكتمل، قد لا تتكرر.

يتكئ ترامب على نجاح «مفاجأته» في نفض الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون كل أحلامه بالترسانة النووية... بعد المفاجأة، باتت إيران على المحك. يريد الرئيس الأميركي رضوخها سريعاً ليسجل لنفسه الانجاز الثاني... لكن المرشد خامنئي ليس من «مدرسة» كيم، وتذكير طهران بـ «صمودها» خلال الحرب مع العراق (1980- 1988)ورقة جاهزة لقرار المواجهة.

صحيح أنها أغرت الأوروبيين بتراجعها عن الانسحاب من الاتفاق النووي بعدما انتفض عليه ترامب، لكن الصحيح أيضاً أنها تعهدت أن تقاوم «بضراوة» تحجيم نفوذها الإقليمي. لن تقايض عليه، لأن المرشد يعلم أن «التضحية» بهذا النفوذ، ستعني تلقائياً نزع أسنان النظام، ونهاية أحلامه بـ «إمبراطورية».

الرد على قرار ترامب ستختاره إيران أيضاً اقليمياً، ولا مفر من مواجهة طاحنة، لا يبدو أن جمهورية المرشد قادرة على التحكم بمفاجآتها، انطلاقاً من سورية وامتداداً إلى لبنان واليمن.

سيصعّد الحوثيون حملة استهداف السعودية، لكنه خيار انتحاري. وأما انكفاء جزء من قوة «حزب الله» في سورية إلى لبنان لمواجهة «العاصفة»، فليس خياراً طوعياً وأولى نتائجه تغيير قواعد الصراع التي أرساها الحلف الروسي – الإيراني – السوري على أرض منكوبة.

صيف استثنائي؟ لمَن الطلقة الأولى، قبل إعادة رسم خريطة الصراع في المنطقة، وإعادة إيران الى قواعد تسوية أميركية – روسية شاملة، يريدها ترامب قبل ولايته الثانية؟

==========================

أجندة ترامب المزدحمة في هذا الشهر

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 10/5/2018

إيران.. القدس.. كوريا الشمالية. قرارات كبرى، بشأن هذه المواضيع، سيتخذها الرئيس الأمريكي الذي يقال عنه إنه «لا يمكن توقع ما سيفعله غداً». مع العلم أنها جميعاً مما أعلن الرجل مسبقاً نواياه بشأنها.

ها هو وقد استبق الموعد المتوقع لـ«إصدار حكمه» بشأن الاتفاق النووي مع إيران، فأعلن عن انسحاب الولايات المتحدة منه، مع ما سيتبع ذلك من إعادة العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. ويتسق قرار ترامب مع وعوده الانتخابية، فلم تنفع لثنيه عن الوفاء بها كل محاولات الشركاء الأوروبيين.

يعزو بعض المراقبين إصرار ترامب على موقفه من الاتفاق إلى الصعوبات التي يعانيها في الداخل الأمريكي، أي المساءلات القضائية بشأن حملته الانتخابية المشوبة بالشكوك، والمقاومة التي تبديها في وجه شططه المؤسسة التقليدية للحكم. الأمر الذي يدفعه إلى التركيز على السياسة الخارجية، ليعطي الانطباع بأنه يسعى لصون مصالح الأمن القومي الأمريكي، من جهة أولى، ولإرضاء اللوبي الإسرائيلي الذي يمكن أن يشكل له سنداً مهماً في وجه خصومه، من جهة ثانية.

من هذا المنطلق الأخير، أي إرضاء اللوبي الإسرائيلي، بدأ العد التنازلي لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في الرابع عشر من الشهر الجاري، أي الذكرى السنوية لقيام دولة إسرائيل. هذا القرار الذي من شأنه إثارة الرأي العام العربي والإسلامي، قد يؤدي إلى تداعيات لا يمكن التكهن بمدى خطورتها. لكنه يمنح طهران، بصورة مؤكدة، ورقةً مهمة في صراعها المحتمل مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أي أن القرار بشأن نقل السفارة سيخدم إيران وأدواتها الإقليمية المتعيشة على شعارات فلسطين والقدس، ما لم يؤد قرار الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي إلى استسلام طهران الكامل والفوري أمام واشنطن، بالموافقة على إعادة التفاوض على تعديل الاتفاق القائم. وهذا مستبعد حالياً على الأقل.

فالعقوبات الاقتصادية لن تظهر مفاعيلها على الداخل الإيراني قبل مرور أشهر، إضافة إلى أن مواقف الشركاء الآخرين في الاتفاق النووي سلبية تجاه قرار ترامب، الأمر الذي يمنح طهران هامشاً مديداً، نسبياً، لمواجهة الحملة الأميركية بتجييش الرأي العام العربي والإسلامي، وبخاصة الفلسطينيين الذين سيكونون في فم المدفع الإيراني، ضد «الاستكبار العالمي» على ما درجت البروباغندة الإيرانية «الثورية». كذلك يمنح قرار نقل السفارة حزب الله الإيراني في لبنان الذي احتفل، قبل يومين، بنصر انتخابي ترجمه في الشارع بمسيرة الدراجات النارية وشعار «بيروت شيعية»، مادة دسمة يغطي بها استمرار غرقه في وحول الصراع السوري.

غير أن لإسرائيل رأي آخر. فبعد ساعات فقط على إعلان الرئيس الأمريكي انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، أغارت طائراتها على موقع قرب دمشق (الكسوة)، في إطار إذلالها واستفزازها المتواصلين لإيران، كأنها تستدرج رداً منها يرغم الولايات المتحدة على الانخراط في صراع عسكري مباشر ضد إيران دفاعاً عن إسرائيل. وهي، في الوقت نفسه، استفزازات لحزب الله تستدرج رداً منه يمنح إسرائيل الذريعة المناسبة لضربه في لبنان بالذات الذي أعلن الحزب سيطرته على عاصمته وقراره السياسي بلا منازع.

وفي هذا الشهر أيضاً سيكون اللقاء المرتقب «التاريخي» بين ترامب وديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون، حيث من المتوقع إطلاق مسار سياسي بين الطرفين، بمساعدة صينية، يهدف إلى إنهاء البرنامج النووي والصاروخي الكوري. يلفت مراقبون النظر إلى أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران لا يعطي إشارات إيجابية مطمئنة لكوريا الشمالية بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بتعهداتها والاتفاقات الدولية التي توقع عليها، ولا يستبعد أن يصبح التوافق الأمريكي ـ الكوري ـ الصيني أكثر صعوبة مما بدا عليه قبل قرار ترامب الأخير. لا نعرف، بعد، الحوافز المطروحة على الديكتاتور الكوري لتليين موقفه. لكن الأخبار المشجعة ما زالت تتواصل، وآخرها زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لبيونغ يانغ لإجراء آخر الترتيبات للقاء القمة، ولتأمين إطلاق سراح ثلاثة أمريكيين محتجزين هناك، كبادرة وحسن نية تسبق القمة المرتقبة.

في شهر آب من العام 2013، قصف نظام الأسد الكيماوي الغوطة الشرقية قرب دمشق بغاز السارين، فقتل نحو 1500 شخص أكثرهم أطفال. يقال إن الرئيس الأمريكي، آنذاك، باراك أوباما الذي كان قد حدد خطه الأحمر الشهير بشأن استخدام الكيميائي، قد أطلق شتيمة تعبر عن إحباطه، حين تبلغ الخبر من مساعديه. لم يكن شعوره هو الصدمة أمام المجزرة المروعة، بل الإحباط من أنه قد يضطر إلى تنفيذ وعيده بحق النظام الكيميائي. فهذا، إذا حدث، من شأنه «تعقيد» إتمام صفقته النووية مع طهران. وعلى أي حال، تمكن أوباما من التهرب من تنفيذ وعيده، مقابل صفقة تسليم الكيماوي المفترضة التي لم تنفذ بصورة تامة أبداً، وعاد النظام إلى استخدامه عشرات المرات بعد ذلك.

فلا عتب، إذن، على السوريين إذا أعلنوا ابتهاجهم بانسحاب ترامب من الاتفاق النووي، بصرف النظر عما يمكن أن تكون تداعيات هذا القرار على السلام العالمي أو الإقليمي أو حتى على سوريا نفسها. فمن كان غارقاً في البحر لن يخشى المطر.

٭ كاتب سوري

==========================

عن تغيير ديمغرافي في سورية

سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 10/5/2018

يتكرّر، منذ سنوات، مصطلح التغيير الديمغرافي في سورية، أي منذ أول تهجير لسكان القصير سنة 2013. ومن متابعة الإعلام الذي يصرّ على تكراره، يبدو أن هناك تصوّرا وإصرارا على تعميم المصطلح. لا يبدو الأمر طبيعياً، أو نتيجة سوء فهم، أو تقليد استخدام مصطلحات، بل يبدو أن خلف تكراره هدفا مقصودا. هناك إصرار من معارضين سوريين على تكراره وكأنه بديهية، ومخطط جاهز، وأمر ينفَّذ بشكل فعلي. وهناك إصرار من قنوات فضائية على إعادة التذكير به، وإحياء الإشارة إليه كلما بدا أنه تراجع نتيجة طغيان أحداث أخرى. وذلك كله من دون تدقيق أو تأمل وتفكير، ويبدو أنه دخل لدى بعضهم في صميم المنظور الطائفي، وبات التعبير عن الممارسة الطائفية التي تبرر طائفية الذات.

في الممارسة الواقعية، هل هناك تغيير ديمغرافي؟ يلمس كل مدقق أن هناك تهجيرا كبيرا لسكان مناطق كثيرة في سورية، هذا مؤكد وواضح، وقد باتت الحافلات الخضر مؤشّرا على ذلك. لكن هل هناك إحلال سكاني مكان المهجَّرين؟ لا يبدو واضحاً على الإطلاق أنه جرى استجلاب سكان جدد، ربما سكنت بعض عوائل المليشيات في بعض المناطق، وهذا ممكن، ولكن لم يظهر أكثر من ذلك إلى الآن. لهذا يمكن القول إن هناك انسياقاً وراء "إشاعات" من دون تدقيق، أو ربما نتيجة مشاركة فيها. وهذا ما يطرح الهدف من تعميم هذه الفكرة، ويفرض التدقيق، ليس فيما يجري في الواقع، فهو واضح، بل في سبب تعميم الفكرة ذاتها. فهي تحلّ محل مصطلح آخر، هو مصطلح الطرد والتطهير، فما يقوم به النظام عملية طرد وتطهير شاملة، وليس "هندسة ديمغرافية" لسكان سورية. هو يريد التخلّص من كل الشعب الذي صنع الثورة، الثورة التي أرعبته، وبات يسعى إلى أن يشطبها من خلال شطب الشعب ذاته. هذا جوهر الأمر، وليس هلوسات التغيير الديمغرافي التي تحمل شحنةً طائفيةً سخيفةً، لكنها تغطي على أخطر فعل يقوم به النظام.

من يقف وراء الإعلام يريد ذلك، أي يريد التغطية على جرم تاريخي كبير، يصل إلى حد الإبادة، لكي يُبقي الأمور عند حدود الصراعات الطائفية، "الطبيعية" في سورية، كما عمم منذ بدء الثورة. وبهذا لا يحتاج إلى ضمير أو محاسبة، أو التفات. ما جرى ويجري هو عملية تطهير لبيئة الثورة، هكذا بالتحديد، بغض النظر عن "المنبت الطائفي"، لأن النظام كان معنياً بالثورة، وليس بالطائفة، حيث إنها وحدها التي كادت تقتلعه. ولهذا كان يجب أن يقوم بعملية الطرد والتطهير بعد تدمير المدن والقرى والأحياء والبلدات، وقتل ما استطاع من الشعب.

أدت سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها إلى تهجير أكثر من نصف السكان، منهم خمسة أو ستة ملايين خارج سورية، وتمركز جزء كبير في الشمال. ولقد رّحل مدنا وقرى وأحياء كاملة. بالتالي، لم يطرد النظام آلافا، بل ملايين، ولم يرحّل منطقةً، بل رحّل مناطق واسعة، فهل سيأتي بأعداد مماثلة لكي تسكن سورية؟ هل يمكنه أن يأتي بأي أعداد تؤدي إلى تحقيق التغيير الديمغرافي؟ حتى مع عدد السكان الذي بقي في سورية، وتحت سيطرته؟ ألا يُظهر ذلك سخف المنطق الذي يظلّ يكرّر الحديث عن التغيير الديمغرافي؟

من طرف آخر، ما الأرقام التي يمكن أن يجري استقدامها من لبنان وإيران والعراق وأفغانستان؟ ألف، عشرة، مائة؟ وماذا يغيّر ذلك لكي يجري اعتبار أن سياسة النظام تقوم على التغيير الديمغرافي؟ وهل هناك "فائض سكاني" في إيران أو لبنان أو العراق يحتاج إلى ترحيل؟ أم أن هؤلاء السكان "الشيعة" (كما يفترض العقل الطائفي) ملتصقون بالنظام في إيران إلى حدّ قبول توطينها في مكان آخر؟ لا سكان الضاحية الجنوبية، ولا العراق أو إيران لديها ميل للتوطين، اطمئنوا.

لكن كفوا عن الهوس الطائفي الذي غرقتم فيه.

 

==========================

عن الثورات العربية المسروقة والانقلابات الزاحفة!

إلياس خوري

القدس العربي

الاربعاء 9/5/2018

عندما أتى ياسر عرفات في زورق إلى طرابلس سنة 1983، في إحدى أكبر مغامراته وأشدها خطورة تحدث عن احتمال سرقة الثورات، قال انه أتى كي لا تُسرق الثورة الفلسطينية.

كان ذلك في لحظة فلسطينية بالغة الصعوبة، يوم نجحت استراتيجية «الأكورديون» في خنق الفلسطينيين في لبنان. إسرائيل في الجنوب وبيروت، وجيش حافظ الأسد وأتباعه في الشمال. وعبارة «استراتيجية الأكورديون» صكّها «الختيار» باعتبارها لحظة اختناق قد تحصل، عندما تأتلف استراتيجية النظام السوري مع إسرائيل في قرار معقّد قوامه الخلاص من الفلسطينيين تمهيدا لاستمرار صراع النفوذ على لبنان بين القوتين الإقليميتين.

في طرابلس، نجح عرفات في سحب قواته من لبنان، بفضل تلك المغامرة، التي لا يقوم بها سوى من امتلك حس القائد التاريخي.

نجح عرفات في إنقاذ ثورته من السرقة وأخذها إلى مسارات جديدة، وصلت إلى نهايتها التراجيدية بعد فشل رهانه الأوسلوي، هذا الفشل الذي قاده إلى إشعال الانتفاضة الثانية، التي سُرقت بعد موته شهيداً بسمّ الحصار الإسرائيلي، وهذه حكاية طويلة، تستحق أن تروى.

لكن معركة طرابلس، لم تمنع سرقة لبنان، ولعل سرقة هذا الوطن الصغير، الذي استولى عليه أمراء الطوائف من جديد، في حروبهم المريرة وتحالفاتهم الإقليمية، وخضوع معظمهم في النهاية للمستبد السوري، هي البداية، التي أوصلتنا بعد ذلك إلى سرقة الثورات في سورية ومصر، محوّلة المشرق العربي إلى ملعب مفتوح للاستبداد والجيوش المحتلة، بعد بصيص الضوء الذي أشعله الناس وهم يهتفون للحرية في مواجهات غير متكافئة مع آلة الاستبداد الوحشية.

الثورات تُسرق وتُمتهن وتتبدد، ومع سرقة الثورات، تُسرق الأوطان أيضاً.

هذا ما شهدناه في مصر يوم مذبحة ماسبيرو الشهيرة، حين كانت الآليات المجنزرة التابعة للمجلس العسكري تدوس أجساد شباب ميدان التحرير، وعندما صارت فحوص العذرية مناسبة لامتهان أجساد الفتيات، وإذلال الناس، عبر تحويل الاغتصاب إلى ممارسة «شرعية»، تقوم بها أجهزة الأمن. هذا قبل أن تصل مصر إلى مجزرة رابعة، وما تلاها.

وهذا ما شهدته سورية، في مسار بالغ التعقيد، بدأ بالدبابات تقصف المتظاهرين في ساحة الساعة في حمص، واتخذ شكله الفاقع مع الميليشيات التابعة لإيران والتدخل العسكري لـ"حزب الله" في قمع السوريات والسوريين، وانتهى بنجاح أنظمة الكاز والغاز في تسليط الإسلاميين على المناطق المحررة، وصولاً إلى التدخل الروسي والإيراني والتركي والإسرائيلي، بحيث فقدت سورية استقلالها.

حين سُرقت الثورة السورية سُرقت سورية أيضاً.

هذا هو الدرس البليغ الذي نتعلمه اليوم بالدم والأسى.

لكن ماذا يعني هذا؟

هل يعني أن سرقة ثوراتنا هو قدرنا، وأن العرب محكومون بالفشل لأسباب ميتافيزيقة كما يدعي المستشرقون وبعض تلامذتهم المحليين؟

ألم يأتِ الوقت الذي تعترف فيه النخب اليسارية والديمقراطية والعلمانية عن مسؤوليتها عن هذا المسار الكارثي؟

هناك بالطبع أسباب عديدة ومعقدة، موضوعية وذاتية لهذا التقصير المخيف، الذي لم يسمح لنا بحد أدنى من الدفاع المشرّف عن ثورات الناس التي أعلنا الانتماء إليها. وهي أسباب في حاجة إلى دراسة وتبصّر، تمهيداً للوصول إلى استنتاجات عقلانية، تحمي التيارات الديمقراطية من الاندثار وتبني أفقاً جديداً للتغيير.

الثورات تُسرق والديمقراطية يمكن أن تسرق أيضاً.

ولعل المثال الأبرز لتحوّل الديمقراطية إلى وسيلة لإفراغ الديمقراطية من معناها هو الانتخابات البرلمانية التي أُجريت، الأحد الماضي، في لبنان.

فبينما حصلت معارك انتخابية «تقليدية»، داخل جميع الطوائف والمناطق، بقيت طائفة واحدة عصية على المعارك، إذ تمت مبايعة الثنائي الشيعي في الجنوب والبقاع الشمالي بنسب تجاوزت التسعين في المئة في أغلب الأحيان، بحيث يمكن القول إن ما جرى في لبنان كان نصف انتخابات تقليدية في مقابل استفتاء على طريقة الأنظمة العربية.

تحليل هذه النتائج، وفهم آليات تراجع الحريرية وتقلّص التيار العوني ونجاحات القوات، وثبات الزعامة الجنبلاطية في مواقعها، على أهميته ودلالاته، لا يغيّر من واقع الانقلاب الزاحف الذي يتعرض له لبنان، بحيث صارت هناك مرجعية للدولة قوامها الثنائية الشيعية، تدور جميع القوى السياسية في فلكها جذباً ونبذاً، وصار "حزب الله" في طريقه إلى التحول إلى الدولة العميقة القادرة على التحكم في مفاصل الدولة.

فلبنان لا يزال وفياً لدوره بصفته مرآة المشرق العربي، فيه تنعكس موازين القوى الإقليمية بشكل واضح. فسرقة ثورة الشعب السوري على أيدي إسلاميي النفط الخليجي، كانت تمهيداً مباشراً لتقدم المحور الإيراني المستقوي بالطائرات الروسية، فصارت سورية أشلاء وطن، وانعكس ذلك بشكل واضح على لبنان، الذي أسلم نفسه بشكل «ديمقراطي»، للمنتصر.

اتخذت الأمور في لبنان مسارات مختلفة كي تصل إلى نتيجة مشابهة، رغم أن تعقيدات البنى الطائفية اللبنانية تجعل المسألة أكثر غموضاً، من دون أن يستطيع الغموض الطائفي حجب الصورة الإجمالية للانقلاب الزاحف الذي بدأ في 7 أيار 2008، ووصل إلى ذروته في 6 أيار 2018.

ولعل المآل المحزن لما يسمّى المجتمع المدني، في تلك الصيغة الفضفاضة التي أطلق عليها اسم «كلنا وطني»، وهي صيغة هجينة حاولت أن ترث نضالات القوى الديمقراطية والعلمانية أو المدنية، وخاض الانتخابات بـ 66 مرشحة ومرشحاً، يعبّر عن مأزق عميق، لا يمكن تغطيته بفوز هامشي حصدته مرشحة حزب سبعة (وهو حزب لا يمت بأي صلة للحراك المدني) أو بالتباس حول مقعد آخر تدور من حول خسارته اتهامات بالتزوير في دائرة بيروت الأولى. يشير هذا المأزق إلى أن القوى التي تصدرت بناء هذا المشروع لم تكن تمتلك القدرة على بلورة أفق سياسي حقيقي يستطيع التعبير عن التوق الى التغيير.

انكشف هذا التحالف على تناقضاته، وعجز عن بلورة إطار عمل جبهوي عريض. فاختلط حابل «حزب سبعة» بنابل يساريين يلهثون للوصول إلى السلطة، واصطدم التحالف بجدار عقلية تكنوقراطية تسعى إلى إيصال «خبراء» يشبهون جماعات البنك الدولي إلى المجلس النيابي بأي ثمن.

الانتخابات صارت وراءنا، ولا نرى أمامنا سوى الانقلاب الزاحف الذي يستولي على لبنان.

فكيف نقاوم هذا الانقلاب؟

هذا هو السؤال.

==========================

الشام والعراق أكبر من مسؤولية أهلهما

د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 9/5/2018

منذ عام 2013، والحدث السوري لم يعد سورياً، فقد استطاع الشعب السوري -المنتفض بثورة عارمة- إسقاط العصابة الطائفية الجاثمة على صدره لنصف قرن تقريباً، وفي غضون عامين فقط، وبعد هذا التاريخ، حدث أن تدخلت قوى إقليمية وميليشيات طائفية، جلبتها العصابة الطائفية الحاكمة لدعمها ومساندتها، في المشاركة بذبح وتهجير وقتل من يفترض أن يكون شعبها، لكن ظهر للجميع أنه عدوها الأول والأخير.

واصل الشعب السوري انتفاضته وثورته، حتى تمكن من هزيمة الداعم الإقليمي للعصابة الطائفية، فاستنجد هذه المرة بالاحتلال الروسي، فتدخلت موسكو عام 2015، بعد أن اقتصر دعمها -خلال السنوات الماضية من الثورة- على الدعم العسكري والتسليحي، بالإضافة إلى التصويت لصالحه في مجلس الأمن الدولي.

بالعودة إلى التجربة الأفغانية، حين غزت قوات الاتحاد السوفييتي أفغانستان عام 1979، لم ينتظر يومها علماء الأمة أكثر من 4 سنوات، حتى أعلنوا فرضية الجهاد العيني على كل المسلمين بالمال والسلاح والنفس والنفيس، لرد عاديات الاتحاد السوفييتي، اليوم وبعد أن دخلت ثورة الشام سنتها الثامنة، ولا نسمع أي صوت من هذا القبيل، ولو بوجوب فرضية دعم الثورة بالمضاد للطيران، لرد هذا التدمير الهمجي للشام وأهله.

لا يستطيع الشعب السوري، ولا الشعب العراقي، مواجهة أعداء أكبر من حجمه، ولا يستطيع مقاومة كل هذا التكاتف والتعاون الطائفي والدولي ضده، بينما الشعوب العربية والمسلمة بعيدة كل البعد عن همومه ومعاناته، ولا يزال الآخرون يظنون أنهم بمنأى عن المحرقة العراقية والسورية، ولم يدروا أنهم الهدف التالي، بعد أن دخلت اليمن ضمن استهدافاتهم، والحبل على الجرار.

يدعو البعض إلى تفعيل الدور العربي، ولكن من البوابة الغلط، إذ إن العودة إلى سوريا من بوابة الميليشيات الكردية خطأ كبير، في ظل تفريغ دمشق وضواحيها من أهل السنة والجماعة، وهو ما يهدد أول عاصمة للدولة الإسلامية الكبرى، بتفريغها من سكانها الأصليين، ويأتي ذلك مع انهيار فصائل إسلامية محسوبة على دول معينة، كما حصل مع جيش الإسلام وغيره، وبالتالي فإن العودة إلى سوريا من البوابة الكردية، ربما تزيد من تعقيد المشهد بدل تسويته، فضلاً عن الفشل في مساعدة السوريين بتخفيف آلامهم ومعاناتهم، من خلال هذه العودة الممثلة بطرح نشر القوات في الشرق السوري.

الحل الحقيقي هو بعودة الدور العربي من بوابته الشرعية الممثلة بتركيا، كونها هي التي وقفت مع معاناة الشعب السوري منذ اليوم الأول ولا تزال، على الرغم من المؤاخذات أحياناً على الموقف التركي، ولكن مع تقاعد الدور العربي، ما الذي يمكن أن تفعله تركيا في مواجهة مؤامرة إقليمية ودولية عليها وعلى الشام، وبالتالي ما لم يتم التنسيق بين تركيا والدول العربية الراغبة في مساعدة السوريين، فإن ما دونه سيكون وبالاً على المنطقة، وعلى السوريين تحديداً، وسيكون الوجود الأجنبي لتحقيق أجندات دول ضيقة لا علاقة لها بالشعب السوري وثورته، وهو ما رأيناه في اليمن، حيث حوّلت الدول معاناة اليمنيين لتسجيل أهداف من أجل مصالحها الضيقة، وهو ما يهدد مصالحها على المدى القريب والبعيد، ويطيح بمصالح اليمنيين أنفسهم.;

 

==========================

الفصائل المسلحة ورسم حدود التقسيم لسورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 9/5/2018

تستقر خريطة تقسيم النفوذ في سورية يوما بعد آخر، حيث تتوزع ألوان الأعلام المهيمنة على المناطق بشكل يتساوق مع التفاهمات الدولية التي تحفظ مصالح الدول المتنازعة على سورية، وهو ما يفسر تصريحات الأميركيين والأوروبيين بأنهم "ليسوا في عجلة من أمرهم لطرح مشروع قرار جديد في مجلس الأمن بشأن سورية"، كما يفسر حالة الصمت على استمرار عمليات القصف والتهجير التي يمارسها النظام تحت الوصايتين، الروسية والإيرانية، بعيد الضربات الثلاثية التي شنتها القوات الأميركية والفرنسية والبريطانية، في 14 إبريل/نيسان الماضي، على مراكز بحث وتطوير صناعة الأسلحة الكيميائية في سورية، حيث ترسخ هذه العمليات حدود النفوذ المتفق عليها بين شركاء "أستانة" (روسيا، إيران، تركيا)، والولايات المتحدة الأميركية والتحالف الغربي الذي يساندها في الحرب على "داعش" شمالاً.

وجاء اجتماع باريس الثاني، في 26 إبريل/نيسان المنصرم، وضم ألمانيا لأول مرة إضافة إلى شركاء باريس1 (فرنسا، الولايات المتحدة، وبريطانيا والسعودية والأردن)، ليؤكد أن فتح باب التشاركية للدول المتصارعة على سورية لا يزال هو الخيار الأميركي الذي تريد منه عقد صفقة ثلاثية الأهداف في المنطقة، حيث ترضي من خلالها حليفتها إسرائيل في إبعاد شبح الاشتباك مع إيران على الحدود مع سورية، وتنزع أنياب النظام "الكيميائية"، وتمهد لتسويةٍ سياسيةٍ لا غالب فيها ولا مغلوب، من خلال رؤية تنهي العمل بالنظام السياسي القائم (الرئاسي)، لتكون الفرصة متاحة أمام نظام برلماني، أو نصف رئاسي، يقلم صلاحيات الرئيس الموسعة التي يمنحه إياها دستور سورية 2012 المعمول به حالياً، وتوفر فرص استمرار النفوذ الدولي عبر صيغة حكم لامركزية، يتم من خلالها تقاسم السلطة بين القوى المحلية التابعة للدول المتنفذة عسكريا في سورية، وهذا أيضاً يفسر إصرار فرنسا وبريطانيا على توسيع حضورهما العسكري في سورية.

وتأتي مهمة الفصائل المسلحة التي انخرطت في مسار أستانة الذي أسّسته روسيا، بالتعاون مع إيران وتركيا، وما هو في سياقها من اتفاقيات خفض التصعيد التي وقعتها الفصائل منفردة 

"ربما ليس من الإنصاف وضع العمل المسلح ضد النظام في كفة واحدة" (جيش الإسلام وفيلق الرحمن) في الغوطة، وفصائل جنوب سورية، برعاية روسية أميركية، في الالتزام بتحقيق استقرار مناطق النفوذ المتفق عليها بين هذه الدول، من خلال ما شهدناه من عمليات استسلام وتسليم وانسحابات إثر عملياتٍ عسكريةٍ خططت لها الدول الثلاث الضامنة لمناطق خفض التصعيد التي نتجت عن اجتماعات أستانة، وهو ما يفسر انتقال النظام في عملية تمشيط ممنهجة من مناطق ريف دمشق ومخيم اليرموك والحجر الأسود إلى حمص، لتحقيق ما يمكن تسميتها "سورية المفيدة"، والتي خطط لها النظام منذ بدء عملياته العسكرية ضد معارضيه، واستيلاء فصائل الجيش الحر على مساحات واسعة من سورية، ثم عاد ليخسرها الجيش الحر على يد الفصائل الأيدولوجية التي أسهم النظام في إطلاق سراح معظم قادتها من سجونه عام 2012، ليعود النظام ويسترد هذه المناطق، عبر عمليات قصف شرسة أدت إلى استسلام الفصائل لتسوياتٍ ضمنت خروجها، وأدت إلى تهجير أهالي المناطق الأصليين.

ومع خروج الفصائل المسلحة، والتسويات التي عقدتها موسكو في الغوطة والقلمون، وضمن ما يخطط له في حمص، تكون خريطة تقسيم النفوذ التي طرحها شركاء أستانة قد اقتربت من وضع اللمسات الأخيرة عليها، حيث يبقى مصير إدلب إشارة الاستفهام الوحيدة التي تفاوض عليها الدول الغربية، لممارسة ضغوط على روسيا لإبعاد إيران، وتحديد مساحة حركتها في دمشق وريفها، وتقليص حصة تركيا مقابل منحها حدوداً آمنة من أي تشكيل لكيان كردي عليها، وهو ما جعل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يعود إلى التلويح مجدداً بأن "قواته قد تخوض حرباً جديدة خارج حدودها"، بعد أن كان قد صرح بأنه لا ضرورة لعمليات عسكرية إضافية، إذا انسحبت وحدات الحماية الشعبية من منبج، حسب الوعود الأميركية.

وبالنظر اليوم إلى الخريطة السورية، حيث تبدو الولايات المتحدة مستقرة في شرق سورية

"العمل المسلح الفصائلي المشتت الهوية، والهدف، والمتعدّد الانتماءات التمويلية، كان له الدور الأكبر في إعاقة استخدامه أداة قوة في فرض التغيير السياسي"  وشمالها وجنوبها، ويبسط النظام سيطرته مع شريكتيه روسيا وإيران على العاصمة ومحيطها وريفها، بدءا من الحدود اللبنانية، وصولاً إلى عمق وسط سورية حتى الساحل السوري، بينما تتابع تركيا طريقها لوصل مناطق نفوذ درع الفرات مع "غصن الزيتون" في عفرين، وصولا إلى منبج، متوقعة أن تستقر لها الأمور في إدلب، بعد أن تنهي الفصائل الإسلامية معاركها المشتعلة حالياً مع هيئة تحرير الشام، على الرغم من أن معركة إدلب لاتزال قيد عقد الصفقات الدولية التي تراعي، على ما يبدو، مساحة مغلقة للمعارضة في ظل حكم الفصائل المتشددة إيديولوجياً، في محاولة لإبقاء إدلب كقميص عثمان، يمكنه تحريك عجلات الحرب، متى أرادت هذه الدول إعادة تموضع نفوذها داخل الخريطة السورية.

ومن هنا، كان دور الفصائل الأيديولوجية المسلحة "غير المجدول على قائمة العمل الوطني" في تحقيق مخططات توزيع تقاسم النفوذ عسكريا لهذه الدول، وهو ما أدى إلى أكبر كارثة شهدتها مناطق المعارضة في الغوطة والقلمون وحمص، حيث بنيت هذه المناطق على أساس السيطرة عليها عسكريا وتهجير أهاليها، وتحقيق ما أرادته إيران في "سورية المفيدة" من عملية تغيير ديمغرافي، تقاطعت مصالحها مع المصلحة التركية في عملية واحدة، نتج عنها تهجير أهالي الغوطة وحمص، ليستقروا في مناطق كرد عفرين الذين هجروا بفعل الحرب التركية على وحدات حماية الشعب.

ربما ليس من الإنصاف وضع العمل المسلح ضد النظام في كفة واحدة، على أنه أسهم في هذه الخسائر الفادحة للشعب السوري، لكنه في الآن نفسه علينا أن نقرّ بأن هذا العمل المسلح الفصائلي المشتت الهوية، والهدف، والمتعدّد الانتماءات التمويلية، كان له الدور الأكبر في إعاقة استخدامه أداة قوة في فرض التغيير السياسي على النظام، ما أسهم في زعزعة الثقة بين صفوف الثورة وقيادات المعارضة من جهة، وبين هذه المعارضات وقدرتها على خوض المسار التفاوضي كجهة قادرة على الالتزام بما يمكن التوافق عليه، ولعل الأهم أن هذه "الفصلنة" هي التي سمحت للمتطرفين بالنفاذ إلى ميدان العمل المسلح في سورية، ومن ثم الاستيلاء على مفاصله، وسط ضياع المشروع الوطني الجامع، وقدرة المدافعين عنه في الوقوف منذ البداية في وجه المنظمات الإرهابية التي نمت وترعرعت على حساب الجيش الحر وتبديد إمكاناته، وهو ما سعت إليه الدول المتنافسة على سورية، تحت المسميين حماية النظام أو دعم المعارضة.

==========================

طبل في إيران وعرس في إسرائيل

محمود البازي (سورية)

العربي الجديد

الثلاثاء 8/5/2018

فاجأ المذيع في قناة سي إن إن الأميركية رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأسئلة مباغتة، لا سيما حول امتلاك إسرائيل أسلحة نووية.

ارتبك الرجل وتلعثم عندما فاجأه المذيع بسؤال، وطلب منه أن يجيب بنعم أم لا: هل لديكم أسلحة نووية نعم أم لا؟

حاول نتنياهو الالتفاف على السؤال. لكن المذيع كرّر السؤال مرات، وطرح السؤال بصيغة أخرى "كل العالم يقول أنّ لديكم أسلحة نووية وأنتم تنكرون وما دام لديكم أسلحة نووية لماذا أنتم متحاملون على إيران؟". ردّ نتنياهو زاعما: "لا أستطيع أن أتحدث في ذلك وتستطيع أنت التخمين كما تريد.. وإسرائيل لا تشكل تهديدا على أحد، لكن إيران تشكل تهديدا للمنطقة".

جاء هذا الجواب المريب بعد المسرحية التي قام بها نتنياهو، والتي عرض فيها صور وثائق، ادّعى فيها أن لدى إيران برنامج نووي سري، وهي تخرق الاتفاق الموقع مع الدول العظمى. هذا الطرح الذي سخر، منه وبيّن كذبه رئيس الموساد السابق، داني ياتوم، حيث قام بالرد على عرض نتنياهو، وقال إنّ المعلومات التي قدمها رئيس الوزراء عن الأرشيف النووي الإيراني "قديمة ولا صلة لها بالواقع الآن، ولا تثبت أن إيران أخلت بالاتفاق النووي".

وقال ياتوم في حديث مع إذاعة الجيش، إن هذه المعلومات كانت مهمة في الماضي لكنها لم تعد الآن كذلك، مضيفا أنه يجب عدم إلغاء الاتفاق النووي مع إيران.

بغض النظر عن رأينا بالحكومة الإيرانية، يلاحظ المتابع للأحداث منذ نشأة إسرائيل إلى اليوم أن إسرائيل، وبدعم أميركي، تسعى إلى أن تكون القوة الأولى في منطقة الشرق الأوسط. سواء بشراء أسلحة متطورة لا تبيعها الولايات المتحدة للعرب أو بتطوير أسلحة نووية وتشييد مفاعلات نووية بمساعدة أميركية غربية لتكريس إسرائيل كقوة في المنطقة لا يمكن التغلب عليها. وهذا بالفعل ما نقلته صحيفة هآرتس عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن إسرائيل لن تطالب بنزع سلاحها النووي الذي تمتلكه بدون اعتراف شامل وكامل من جميع الدول في منطقة الشرق الأوسط بحقها بالوجود.

تسعى إسرائيل اليوم إلى تقويض الاتفاق النووي الإيراني وحض ترامب على الخروج من هذا الاتفاق في محاولة منها للقضاء على البرنامج النووي الإيراني الوحيد القادر على مواجهة النووي الإسرائيلي في المنطقة. وكلنا يعلم أنّ لإسرائيل باع طويل بتقويض القدرة النووية للدول العربية والإسلامية، حيث منعت إسرائيل مصر من امتلاك أسلحة نووية وقامت بالقضاء على ما تبقى من هذه الأسلحة بعد حرب اكتوبر. أما العراق الذي كان يتطور ويتقدم في المجال الدفاعي النووي فقد شنت الطائرات الإسرائيلية هجوما عنيفا على مفاعل "تموز" العراقي وقامت بتدميره بشكل كامل في عملية أطلق عليها اسم، أوبرا، كما قامت إسرائيل باغتيال ما يقارب 350 عالما عراقيا.

أما في ليبيا فقد أدت الضغوط الأميركية الإسرائيلية إلى تخلي العقيد كعمر القذافي عن برنامجه النووي هناك، وتم تسليم أسلحته طواعية في عام 2004. هذه الأسلحة هي أسلحة رادعة للعدوان ويمكن الاستفادة منها بشكل سلمي وعلمي. ولكن التدقيق سيثبت لنا أنّ من تخلّى عن أسلحته النووية أو من دمرت أسلحته النووية قتل بعد سنوات، وفقد قدرته على الدفاع عن نفسه، وهذا ما سيحصل لكيم جونغ أونغ، زعيم كوريا الشمالية عند تخليه عن برنامجه النووي.

وتمنع إسرائيل السعودية من امتلاك أي برنامج نووي، بل وتمنع الولايات المتحدة من دعم هذا البرنامج أو حتى المساعدة في إنشائه. كل ذلك يصب في سعي إسرائيل لأن تكون القوة الأولى والمسيطرة في المنطقة، حتى لو كانت الدولة صاحبة البرنامج النووي هي السعودية، الحليف الاستراتيجي العلني لأميركا والسري لإسرائيل.

إسرائيل هي عضو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 1957، ولكنها لم تنضم إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية لعام 1968. وهو ما دفع مصر إلى مطالبة إسرائيل بالانضمام لهذه المعاهدة.

لقد تمت السيطرة على النووي الإيراني من خلال اتفاق دولي يصب في مصلحة الدول الغربية وإيران في الوقت نفسه. هذا الاتفاق الذي يسعى الآن الرئيس الأميركي إلى تقويضه. وبدلا من ذلك، عليهم الآن مراقبة النووي الإسرائيلي الذي يشكل خطرا حقيقيا على كل المنطقة، حتى على السعودية نفسها، وعلى العرب التوقف عن ترويج إيران العدو الأول، فالعدو الأول معروف ويجب مراقبة أنشطته النووية والحد منها. وما أجمل المثل الشعبي العربي الذي يقول: "الطبل في إيران والعرس في إسرائيل".

==========================

نظام طهران في دائرة النار

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 7/5/2018

عندما بدأت موجة كتابات في الصحافة الغربية والعربية عن احتمالات مواجهة عسكرية إسرائيلية - إيرانية في سوريا، في أعقاب سقوط طائرتين لهما في سوريا، في أبريل (نيسان) الماضي، أكدت بعض الكتابات أن فكرة حرب إسرائيل وإيران مجرد تكهُّن لا معنى له، وأن روسيا، حليف الطرفين وصديقتهما، ستسعى إلى تبريد الاحتدام الإسرائيلي - الإيراني، مما سيمنع اندلاع الحرب بينهما، رغم التهديدات المتبادلة التي يطلقها كبار المسؤولين الإيرانيين والإسرائيليين.

لكن التطورات التالية باتت تؤشر إلى حتمية حرب إسرائيلية - إيرانية، وتؤشر إلى تقديرات حرب تتجاوز مسرح الاحتدام المباشر في منطقة التماس السوري وصولاً إلى لبنان الذي هو مسرح آخر للتماس، وقد يصير مسرحها أراضي الطرفين، بمعنى تحولها إلى حرب إقليمية بعد أن كانت احتمالاتها محصورة في سوريا، وغالباً في منطقة الجنوب السوري قرب مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، التي صار الإيرانيون وحلفاؤهم من ميليشيات «حزب الله» قربها.

إن الأبرز في التطورات المحيطة باحتمالات الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، يمكن إجماله في ثلاث نقاط. أولى النقاط تصعيد إسرائيلي ضد إيران في سوريا، كان الأهم في فصوله الهجوم على قاعدة تيفور الجوية، وقتل وإصابة عشرات العسكريين الإيرانيين هناك، الأمر الذي يمثل تحدياً مباشراً للقوة الإيرانية لا يمكن تجاهله، مما جعل إيران تردّ بطريقة نظام الأسد، في اختيار زمان الرد ومكانه على العملية الإسرائيلية، وهو ردّ شجع الكنيست الإسرائيلي على اتخاذ قرار فوض بموجبه نتنياهو ووزير دفاعه بالدخول في حرب دون الرجوع إلى مجلس الوزراء المصغَّر، على نحو ما درجت العادة، وسط تصعيد إسرائيلي سياسي وأمني كبيرين ضد إيران، عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عن عملية استخباراتية إسرائيلية، اخترقت خزائن الأسرار النووية في إيران، وحصلت على وثائق تكشف الكذب في ملف إيران النووي بما يناقض اتفاق «5 الاثنين 7/5/2018 1» الخاص بالملف النووي الإيراني.

خلاصة التصعيد الإسرائيلي الحالي ضد إيران تجاوزت فكرة الاعتراض على وجود إيران وميليشياتها وأسلحتها واقترابها من خط وقف إطلاق النار السوري - الإسرائيلي إلى ضرب قواتها في العمق السوري، واستعداء أطراف الاتفاق النووي مع إيران على الأخيرة، وهو تطور غير مسبوق، يدفع إيران إلى رد مباشر تبدو غير راغبة فيه في سوريا، لكنها لا تستطيع تجاهله.

النقطة الثانية في التطورات المحيطة باحتمالات الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، يمثلها الموقف الأميركي من الاتفاق النووي، وقد بات أمر إلغائه من جانب إدارة ترمب مسألة وقت ليس إلا، بل إن الإدارة الأميركية تؤشِّر إلى احتمال الذهاب إلى الأبعد في الموضوع الإيراني لحد السكوت المتضمن الموافقة على التصعيد الإسرائيلي العسكري ضد إيران وأدواتها في سوريا، وهو ما يمكن قراءته باعتباره مؤشراً لموافقة أميركية على سياسة حرب إسرائيلية، واستعداداً لمساعدة إسرائيل في حربها المحتملة ضد إيران، وسط أجواء التصعيد الأميركي ضد الأخيرة وأدواتها، خصوصاً «حزب الله» اللبناني.

النقطة الثالثة مما يحيط باحتمالات الحرب على إيران، تتصل بأجواء التصعيد الإقليمي العربي ضد إيران، والخطوات في هذا الجانب تتجاوز التصعيد الإعلامي والسياسي الجاري لدى عدد كبير من البلدان العربية، خصوصاً في الخليج، ضد سياسة إيران في المنطقة من اليمن إلى سوريا والعراق ولبنان وصولاً إلى المغرب. ففي لبنان، تتواصل مواجهة «حزب الله» وحلفائه، في ظل الانتخابات النيابية، على غرار ما يحصل في العراق، فيما تتواصل فصول أزمة عميقة بين المغرب وإيران على خلفية دعم «حزب الله» اللبناني بمشاركة إيرانية لجبهة «بوليساريو»، التي يصنفها المغرب حركة انفصالية مسلحة.

وتمثل النقاط الثلاث مؤشراً لبيئة مواجهة معادية لإيران في المستويين الإقليمي والدولي. بل إن هذه البيئة مرشحة للتصاعد في ظل استمرار سياسات طهران في مسارها الراهن، الذي من غير المتوقع إحداث أي تبدلات فيه يمكن أن تضر باستراتيجية التمدد والقوة الإيرانية القائمة على التدخل (بما فيه المسلح) في البلدان الأخرى، والمضي قدماً في مشروعها النووي، بل إن دولاً تقيم شراكة مع إيران على نحو ما هو عليه حال تركيا وروسيا في موقفهما بسوريا، قد تغادر تلك الشراكة في حال دخول إيران بوابة حرب بين أهدافها الوجود الإيراني في سوريا.

لقد وضع نظام الملالي نفسه في دائرة النار، وصار من الصعب أن يخرج منها سليماً، بل إنه لن يستطيع الخروج بأقل الخسائر.

==========================

فن تزوير الحقيقة في سورية

هيفاء بيطار

العربي الجديد

الاثنين 7/5/2018

لم تعد تخفى على أحد الأفلام المُفبركة التي تستعملها فضائيات عديدة، لأغراض تخدم سياسة الدول التي تمول وتستفيد من اللقطات المفبركة. ويبدع التلفزيون السوري في فبركة هذه الأفلام، وخصوصا حين يعد برامج عن لقاءات  مع أهالي الشهداء الأبطال، الأهالي محترقي القلوب من الألم على أبنائهم الذين قُصف عمرهم، وماتوا في حرب قذرة عبثية، واستحقوا وسام الشهيد البطل. سبحان الله، كل الأهالي يردون على أسئلة الإعلامي بأنهم في قمة السعادة، ويشعرون بالفخر والاعتزاز بأن ابنهم (أو عدة أبناء لهم) ماتوا في سبيل الوطن! لكن عدسة الكاميرا تفضح ذهول الألم في وجوههم والكلام الذاهل المعتوه الذي يقولونه، وكأنه هابط عليهم من سماء القصف والصواريخ الذكية ويحرّك حبالهم الصوتية. ثمة شرخ فظيع بين كلامهم وانتشائهم بموت أولادهم وبين وجوههم المأساوية الملامح والذاهلة من الألم.

مشاهد أهالي دوما ينزحون بالمئات في حافلاتٍ أنيقة، وتعليق المراسل الصحافي السوري إن عائلات الإرهابيين تغادر دوما.. الله أعلم إلى أين. لم نجد على الشاشة سوى سرب من النساء السوريات، وسرب من الأطفال الهائمين على وجوههم يحملون أكياساً سوداء (كأكياس القمامة)، ويصعدون إلى الحافلات، وهم يشكرون النظام، ويشعرون بسعادة شديدة كونهم تحرّروا من الإرهابيين!! أي سعادةٍ يشعر بها إنسان تقصفه الصواريخ الروسية الذكية طوال الوقت، والمُجبر على ترك بيته، ولعل صورة الرجل الذي يضع نجله في حقيبة سفر أكبر فضح لمهرجان السعادة والانتصارات التي تعم سورية دوماً. وقد كان مشهد حي الحجر الأسود، وقد سُوي بالأرض، مرفقا العنوان بالأحمر العريض الذي يبثه التلفزيون: دمشق تنتصر.

كل شيء في سورية انتصارات، وخصوصا الموت، لكن الخطر الأكبر من كل تلك الأفلام والصور التي يفبركها التلفزيون السوري على مدى سبع سنوات هو الأفكار المُروعة

"أفكار مُروعة وخطيرة تصدر عن مثقفين ومتعلمين وحاصلين على شهاداتٍ عالية"  والخطيرة، والتي (لعظيم الأسف) تصدر عن مثقفين ومتعلمين وحاصلين على شهاداتٍ عالية. وقد عرض "تلفزيون سوريا"، في برنامج "يا حرية"، أخيراً، مقابلة مع الروائي السوري مصطفى خليفة، صاحب الرواية الشهيرة "القوقعة"، وهو الذي سُجن 14 عاماً. أرسل الرابط الإلكتروني للحلقة إلى أصدقاء. ثم تلقيت جواباً من أحدهم، يعمل في دولة عربية خليجية طبيباً مرموقاً، ولديه شابان أنهيا دراستهما الجامعية، هرّبهما إلى أوروبا، كي لا يُطلبا إلى خدمة الجندية، ويعودا إليه جثتين حاملتين وسام "الشهيد البطل". وهو الذي ترك سورية في الأسبوع الأول للثورة، خوفاً من أن تخطفه عصابة الخطف والإجرام التي يترأسها أحد أهم شبيحة النظام، ومن عظام رقبة النظام. هجّ، خوفاً من خطفه أو خطف أحد أولاده، وهو الطبيب الثري وابن عائلة مرموقة. ومما كتبه إلي الصديق: في عام 1799، وبينما كانت باريس تعج بالمحتجين والفوضى، كان نابليون بونابارت قائد حاميتها ومُكلفاً بإعادة الاستقرار إليها، فنصب المدافع في شوارع المدينة وأطلق النار على الثوار الهائجين الذين راعهم مشهد القتلى بالألوف، فتوقفوا عن إكمال مسيرتهم، وعادوا إلى بيوتهم، وبعدها احتقر الشعب الفرنسي هذا القائد مائة عام (!)، ثم عادوا وكرموه كأفضل قائد عسكري وأفضل حاكم وأعظم إمبراطور، ولا أحد يتحدث عن فرنسا إلا ويذكر هذا القائد الملهم، والذي صار رمزاً لتاريخ فرنسا. القسوة مفيدة أحياناً يا عزيزتي.

ماذا يمكن أن يكون رد الضمير والمنطق على أفكارٍ كهذه تخون الحقيقة، وتهزأ بوطن ممزق ومدمر وجريح، وحضرة الطبيب يبرّر القتل، ومعجب بسياسة النظام السوري في ترحيل أهل دوما، وفي تشريد ثلث الشعب السوري، وفي موت مئات الألوف من الشباب في الجيش السوري، وموت الآلاف تحت التعذيب في المعتقلات. حضرة الطبيب الوطني المُنافق يوهم نفسه، ويعتقد أنه يستطيع أن يوهمنا بمنطقه السافل الخائن، ولا أعرف أين تكمن وطنيته وحبه سورية.. لماذا لم يبق فيها يداوي المعوقين الذين انفقأت عيونهم، أو بُترت أيديهم وأرجلهم؟ لماذا لم يقدم، ولديه الشابان، ليلتحقا بالجيش السوري، ويعودا إليه جثتين مع وسام الشهادة، ثم يظهر هو وزوجته (لا تلبس إلا أشهر الماركات العالمية) على شاشة الفضائية السورية،

"اكتفى، وهو الذي لم يخسر زراً من قميصه، بأن يستشهد بماكيافيللي ونابليون لتبرير القتل"  ويزغردان بفخر كون ولديهما استشهدا. اكتفى، وهو الذي لم يخسر زراً من قميصه، بأن يستشهد بماكيافيللي ونابليون لتبرير القتل، ولو أبيد شعب بأكمله، ولا يخجل ولا يرفّ له جفن، حين يستعمل عبارة "الثوار الهائجين الذين راعتهم وحشية القتل، فعادوا إلى بيوتهم".

ألا تتساءل، أيها الطبيب، يا من أقسمت قسم أبقراط: لماذا كان هؤلاء الثوار هائجين، وأي ظلم مروع كانوا يشهدونه حتى هاجوا؟ وأخيراً، تبشرنا بأن التاريخ بعد مئة عام سوف لا يذكر إلا مرتكب المجازر كبطل قومي.. يا للعار. حاول مراراً إقناعي بأن لا حل في سورية إلا الرمد أو العمى. والرمد برأيه النظام والعمى "داعش". كما لو أن الشعب السوري لا يستحق أن يكون صحيح العينين وصحيح الرؤية. وأعرف، أنا طبيبة العيون، أنه لا فرق كبيرا بين الرمد والعمى، وأن المهم في الواقع البصيرة، فوظيفة العين ليست كوظيفة الكاميرا، أي مجرد التقاط صور، بل وظيفة العين الرؤية والبصيرة، وتفسير ما تراه بصدق وشرف وضمير.

ألف خسارة وخيبة أن تجد من يدعون الوطنية وحب سورية هربوا منها، وهرّبوا أولادهم، واكتفوا أن يكون دورهم التصفيق والتهليل لموت أبناء الآخرين وشبابهم. يا للعار والخزي. فعلاً فبركة أفكار كهذه أخطر بملايين المرات من فبركة فيلم أو لقطة تلفزيونية. وأخيراً ستبقى روايات السجون السورية، وفي مقدمتها "القوقعة" أكبر شهادة حق في وجه تزوير الحقائق وخيانة الضمير.

==========================

الأسد يستعجل مكاسب الحرب الأهلية

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 7/5/2018

لم تنته الحرب في سورية، وليس ثمة أفق بنهايتها، وما تزال البلاد تنزّ دماً من كل جوانبها، واحتمالات اشتعال الحروب الإقليمية على الأرض السورية لم تكن يوماً بمثل هذا الوضوح. وعلى الرغم من ذلك، يستعجل رأس النظام السوري حصد نتائج الحرب الأهلية المريرة.

هل من قال حرباً أهلية؟ يرفض نظام الأسد الاعتراف بأن ما حصل في سورية كان حرباً أهلية، أو حتى من أشكالها، لإدراكه أن ذلك يضعه في موقع طرفٍ أهلي، ويجرده من مكسب السيطرة على الدولة ومؤسساتها وحرمانه من ادعاء تمثيلها، لكنه على الأرض يمارس ممارسات المنتصر بحربٍ أهلية، عبر سعيه إلى تدمير بيئة الأكثرية، المهزومة، وتهميشها وإقصائها عقودا قادمة عن دائرة الفعالية، أي جعلها تدفع ثمن هزيمتها.

ولا يكتفي الأسد ببقائه في الحكم واستمرار نظامه ثمناً ومكافأة لنصره المزعوم، فذلك تحصيل حاصل لسيطرته، بغض النظر كيف حصل ذلك، ولا يكتفي بالدمار الذي تحقّق لخصومه، عبر تدمير مدن الأكثرية ومناطقها وتفكيك الخريطة الإجتماعية لها، بل يريد أكثر من ذلك انتزاع حقوقهم في أملاكهم، واستتباعاً، حقهم في الوطنية السورية، إذ أن تجريدهم من ملكيتهم خطوة على طريق تجريدهم من هويتهم السورية، وعزلهم هم ونسلهم إلى عقود مقبلة، بحيث يشار إليهم دائماً أنهم مجرّدو الملكية، وهذا نوع من التوصيف، أو التصنيف، السياسي لهؤلاء، كنايةً عن العقاب السياسي لهم.

وغالباً ما يحدث مثل هذا الأمر، ليس في أعقاب الحروب الأهلية التي يرفض الأسد الاعتراف بها، وإنما نتيجة ثورات اجتماعية سياسية، تكون موجهةً في الغالب ضد سيطرة نخب، 

"لم تشهد الحروب الأهلية الحديثة نتائج مثل التي يريد الأسد الحصول عليها" بورجوازية أو إقطاعية، أو أوليغارشية، أو كومبرادورية، سيطرت، عبر ظروف تاريخية، على موارد البلاد وهمشت الأكثرية. وبالتالي، فإن الثورة ضدها تهدف إلى إعادة توزيع الثروة والموارد على أكبر قدر من الناس، أما أن يحصل العكس، أي أن يتم تجريد الأكثرية من مواردها، فذلك بدعةُ أسديةٌ، ولكن أليس الأسد قائدا لثورة، حتى لو كانت مضادة، ثم ألا يحق للمنتصر في الثورة تقرير شكل عقاب المهزوم، وترسيم النظام الاقتصادي والاجتماعي على ضوء هذا الواقع الجديد؟

يضبط الأسد الواقع الجديد بأدواتٍ تناسبه وحده، مراسيم رئاسية يجري تنفيذها عبر أجهزته الأمنية، ما علاقة إثبات الملكية بمراجعة الفروع الأمنية؟ في حين أن دور المؤسسات التشريعية، مثل مجلس الشعب، لا تعدو أن تكون ذات طبيعة هامشية. وعلى كل حال، ماذا يمكن أن ننتظر من مجلسٍ يطالب أعضاؤه الناس الهتاف بحياة الأسد في مقابل حصولهم على قارورة ماء، وماذا ننتظر من مجلسٍ تنتخب الأجهزة الأمنية أعضاءه.

والواقع أن بشار الأسد، رئيساً، يمتلك أريحيةً في الحكم لا ولم يمتلكها أي نظير له في العالم، لا اليوم، ولا حتى في الماضي، قبل ظهور الثورات، وحتى قبل أن يلهج العالم بشيء اسمه حقوق إنسان وتقرير مصير وحقوق سياسية واجتماعية، فهو لا يكتفي بهندسة المستويين، السياسي والأمني، في سورية، على اعتبار أن المجالين هما الأقرب لسلطته، ومدى قدرة يديه على التأثير والفعل، بل يذهب إلى إعادة هندسة العمران والاجتماع السوري، والدليل على أريحية الأسد، في هذا المضمار، أنه طبقه عبر عملية ممنهجة ومنظمة وطويلة نسبياً، بدأت بالتدمير، شارعا شارعا، ثم بالتهجير، ثم إعادة الإعمار والتوطين وفق مقاسات وشروط خاصة.

استهلكت تلك المراحل ملايين الضحايا، على شكل قتلى ومعتقلين ومخفيين ومهاجرين،

"يعتقد بشار الأسد أنه وصل إلى المرحلة التي يجني فيها الأرباح خالصة" واستدعاء قوى إقليمية ودولية، واستئجار مرتزقة ومليشيات خارجية. وبالتزامن مع ذلك، اشتغلت ماكينة هائلة من مفاوضات شكلية وقرارات مجلس أمن لم تر النور، وحروب كلامية أنتجت جعجعةً، وطحنت الشعب السوري، الشعب السوري المعارض، ولأول مرّة يثبت أن الجعجعة تطحن لحماً ودماً وأرزاقا، فيما الأسد يأخذ وقته الكافي لإنتاج مجتمع سوري متجانس.

واليوم، يعتقد بشار الأسد أنه وصل إلى المرحلة التي يجني فيها الأرباح خالصة، نتيجة جهد دام ثماني سنوات، لا يريد أن يعبر مراحل المصالحات ولجان الحقيقة، والتئام جراح المجتمع السوري. بالنسبة له المصالحة تعني التخلص من معارضيه ونفيهم إلى إدلب، ليتفرغ بعد ذلك لإبادتهم مرّة واحدة للأبد، أما الحقيقة فبالنسبة له أن هؤلاء خونة، لأنهم ثاروا على أسيادهم، ولا يريد حتى إنجاز دستور جديد، يؤشر إلى أن البلاد ستدخل مرحلة جديدة مختلفة نسبياً، ذلك كله لا يعنيه.

ما يعني الأسد، ويستعجل القيام به، إعادة الإعمار، لإدراكه أن الثروات يمكن جنيها في حالتين، دمار حضارة أو تشييد حضارة. وهو أنجز المرحلة الأولى، وكسب ما كسب، والآن يجهّز للمرحلة الثانية، التشييد. ويطمح، في هذه المرحلة، مكافأة حلفائه، روسيا وإيران، عبر منحهم عقود استثمار الثروات السورية، من غاز وفوسفات ونفط وشركات اتصالات، ويريد مكافأة أنصاره في الداخل، عبر منحهم أسهما وأملاكا وعقارات، على حساب الأكثرية المنهزمة.

لم تشهد الحروب الأهلية الحديثة نتائج مثل التي يريد الأسد الحصول عليها، لا في رواندا ولا لبنان أو هندوراس، أو غيرهم، كما لم تشهد التمرّدات في كولومبيا ونيجيريا حصول تغييرات ديمغرافية واقتصادية بالحجم الذي يبتغيه الأسد. في كل هذه الحالات كان يتم تغيير النظام السياسي، أو تكييفه، للتوافق مع مرحلة جديدة، في سورية وحدها يجري تغيير الناس؟

لكن من قال إن الحرب انتهت؟ أو إن الأسد انتصر؟ مؤكد أن ضعف الخصم أو تراجعه ليس مؤشراً يكفي لبناء هذا الاستنتاج. وتؤكد الوقائع على الأرض هذه الحقيقة، مثلما أن الأيام المقبلة حبلى بمفاجآت على أكثر من مستوى.

==========================

سورية: الابتزاز والتلفيق ليسا حلاً

علي العبدالله

الحياة

الاحد 6/5/2018

مع فشل محاولات الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الصراع على سورية تحقيق أهدافها، وبلوغها تخوم مواجهة مباشرة باتباعها سياسة حافة الهاوية، شاعت الأساليب الملتوية والخدع المكشوفة في ممارسات هذه الأطراف، وممارسات المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا للأسف، في سعي رخيص إلى تحقيق مكاسب سياسية وتسجيل نقاط ضد الخصوم الإقليميين والدوليين من دون الاعتداد بآثارها المدمرة على الشعب السوري.

فقد فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجميع بالإعلان عن رغبته في سحب القوات الأميركية من سورية، قبل أن يعلن عن هدفه الحقيقي من هذا الإعلان/ الخدعة، بالمطالبة بتحمّل دول الخليج العربية التكلفة المالية لبقاء هذه القوات، وألحقها بمطالبتها بإرسال قوات منها للمرابطة في المناطق التي طُرد منها «داعش» وتسيطر عليها قواته، ربما لرفع قيمة الفاتورة المطلوبة بإعطائها موطئ قدم وتمكينها من لعب دور في المفاوضات حول مستقبل سورية، من دون النظر في المخاطر التي تنطوي عليها دعوته إلى إرسال قوات عربية إلى تلك المناطق إن لجهة الصدام مع الأتراك أو لجهة الصدام مع النظام وحلفائه الروس والإيرانيين وميليشياتهم.

قادة دول ثلاثي آستانة، في القمتين اللتين عقدوهما في سوتشي يوم 22/11/2017 وأنقرة يوم 4/4/2018، ووزراء خارجيتهم، في اجتماعهم الأخير في موسكو يوم 28/4/2018، أطنبوا في الحديث عن حل سوري - سوري بينما هم منهمكون في التفاوض حول هذا الحل، يخططون له، ليس من دون حضور سوري من النظام أو المعارضة فقط، بل ومن دون سؤالهم عن رأيهم بالمطروح في هذه الاجتماعات.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل ولغوا في دماء الشعب السوري بالهجوم على مناطق وبلدات وقرى، وتدميرها وتهجير سكانها، كانوا أخضعوها لاتفاقات خفض التصعيد، في ريف إدلب والغوطة الشرقية وأحياء جنوب دمشق وريفي حمص وحماة بالنسبة إلى روسيا وإيران، مع ذلك تحدث البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجيتهم في موسكو عن «نجاح» المسار في خفض مستوى العنف، وعن خطوات جماعية وفردية لضمان دفع العملية السياسية، والعودة إلى مسار تطبيق القرار 2254، وغض طرف من قبل تركيا عن هذه العمليات مقابل السماح لها بمهاجمة منطقة عفرين.

لم تكتف تركيا بالهجوم على عفرين بل زادت بتلويث المعارضة السورية في هذا العدوان بإشراك فصائل من «الجيش الوطني السوري» في الهجوم، ودفع «المجلس الإسلامي السوري» لإصدار فتوى تبرر العدوان، وبإرسال وفد من قيادة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة لزيارة المنطقة بعد السيطرة عليها، ودفعها الحكومة السورية الموقتة التابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة للمشاركة في مؤتمر سوتشي بعد أن فشلت في دفع هيئة التفاوض للمشاركة من خلال محاولة استدراجها باستقبال رئيسها نصر الحريري من قبل الرئيس التركي. وقد كان لافتاً انخراط أطراف من المعارضة السورية في الدعاية التركية عبر التسويق لمسار آستانة، الذي وصفه أحدهم بالمسار «الأنضج»، وعبر تجهيل القوى الأجنبية التي تقاتل إلى جانب النظام السوري. فهناك تقرير تحليلي أصدره «مركز جسور للدراسات»، وهو مركز لإخوان سورية مقره في اسطنبول، يوم 23/4/2018 تحت عنوان «التهجير المنظم في الغوطة الشرقية... الحجم والأثر»، استخدم تعابير مثل «القوى الأجنبية الداعمة» و «حلفائه الأجانب» كي لا يذكر روسيا وإيران شركاء تركيا في مسار آستانة بالاسم.

لا شك أن لهذه الدول دوافعها وأهدافها ورغبتها في تحقيق مصالحها، ما يجعل سلوكها مفهوماً، من دون أن يكون مقبولاً بالطبع، لكن أن ينحدر مبعوث المنظمة الدولية، الأمم المتحدة، التي أنُشئت كي تحمي الأمن والسلم الدوليين، إلى ممارسة الخداع واللعب على التناقضات من أجل تبرير دوره واحتفاظه بمنصبه فذلك ليس مفهوماً، ولا مقبولاً بالمطلق.

فالسيد ستيفان دي ميستورا ابتدع غرفة للمجتمع المدني وراح يدعو عشرات المنظمات إلى هذه الغرفة بذريعة إشراكها في البحث عن حل سياسي للصراع في سورية، اعتبُر الأمر مقبولاً في ضوء رؤى عن إشراك أوسع طيف سوري في الحوار، لكن ذلك لا يبرر له الخداع والمراوغة عبر تصنيف منظمات المجتمع المدني السورية بحسب مواقفها والبدء باستبعاد ممثلي المنظمات التي لا تقبل بطروحاته من المشاركة، وتشويه صورتها لدى الأمين العام للأمم المتحدة عبر اتهامها، بعد إصدار عدد من هذه المنظمات بياناً انتقد إدارة دي ميستورا هذه الغرفة، وعدم أخذ آراء المنظمات المشاركة في اجتماعاتها في الاعتبار وتجاهله ما تقترحه من خطط وتقديرات، بوضع تواقيع منظمات مجتمع مدني أخرى على البيان من دون علمها أو موافقتها، وقد جاء «بيان المجتمع المدني السوري» على هامش اجتماع بروكسل للدول المانحة ليفجر الموقف ويكشف اللعبة القذرة التي يديرها دي ميستورا ومكتبه، الذي (البيان) لم يكتف بالتزوير باستخدام وصف «المجتمع المدني السوري» للإيحاء بإجماع منظمات المجتمع المدني السورية، في حين أن عدد المنظمات التي شاركت في الاجتماع وفي إصدار البيان (36 منظمة) ضئيل بالقياس لعدد المنظمات المشكّلة في الفضاء السوري في الوطن والشتات (عددها بالآلاف)، ولجوئه إلى دفع المنظمات المشاركة في هذا اللقاء إلى الالتفاف على الوقائع المرة في الصراع في سورية وعليها باستخدام مصطلحات وتعابير تموّه المشهد وتفتئت على حقوق المواطنين من نوع «الهندسة الديموغرافية» في وصف عمليات التهجير القسري، وإلى المطالبة برفع العقوبات الاقتصادية عن النظام وفتح قنصليات للنظام في دول العالم... الخ، وهي نقاط لمصلحة النظام، كي يقول إنه حقق إنجازاً بالتقريب بين موالي النظام ومعارضيه.

من إبداعات السيد دي ميستورا الديبلوماسية مديحه لمسار آستانة خلال زيارته الأخيرة لموسكو يوم 20/4/2018، وانتقاده هذا المسار بعد عدة أيام في مقابلة له مع إذاعة البي بي سي البريطانية قال فيها «إن هذا المسار قد استنفد إمكانياته».

لن تقود الطرق الملتوية والخدع إلى مخرج، كما لا يمكن لحل يفتئت على الشعب السوري، بتجاهل مطالبه وأسباب خروجه على النظام المستبد، إلى سلام واستقرار وأمن.

ستيفان دي ميستورا (أ ب)

==========================

قواعد المواجهة في دمشق تقررها موسكو

مصطفى كركوتي       

الحياة

الاحد 6/5/2018

التصعيد الهادر بين إسرائيل وإيران في سورية، كلاماً وفعلاً، قد ينتهي بأن يكون وفق القول المأثور، مجرد «جعجعة بلا طحن». ولكنه ينم في آن عن مخاطر جمة وحقيقية تهدد باشتعال المشرق، إن لم يكن الإقليم برمته، لا سيما في ضوء ما هو معروف عن نهم سياسيي لدى كل من البلدين المتنافسين، ولكن المختلفين، من أجل تثبيت نفوذهما فيه. كلاهما يلتقيان عند نقطة تتماثل فيها الأهداف التي يمكن تلخيصها بقلب ميزان القوى وإضعاف العرب.

الأخطار المحتملة تتضاعف نتيجة وجود قيادة في كلا البلدين تنتعش باضطراد كلما اقتربت من بوابة الحرب. فقرار الحرب في إسرائيل بات بيد قيادة قلصت نفسها وفق تشريع برلماني من الكنيست، قبل أيام، إلى شخصين هما الأكثر تطرفاً والأكثر كراهية للفلسطينيين، رئيس الوزراء نتانياهو ووزير دفاعه ليبرمان. أما قرار إيران فهو بيد قيادة «الحرس الثوري» راعية الرئيس بشار الأسد وشريكته في جرائم القتل والدمار في سورية ونشر الفوضى وعدم الاستقرار في الإقليم، إن كان من خلال إبقاء الخط الواصل بين طهران وبيروت، مروراً ببغداد ودمشق (ممر الجنرال قاسم سليماني)، تحت سيطرتها، أو من خلال تهديدها للخليج عبر خاصرته الأمنية في اليمن.

نتانياهو أول العارفين بنيات إيران الراهنة والتي ليس من بينها «تدمير» إسرائيل كما يدعي بين فينة وأخرى كبار ضباط القيادة الإيرانية، كما يدرك أن مهمة طهران في الإقليم لا تلامس لا من قريب أو بعيد الأمن الإسرائيلي. فانتشار النفوذ الإيراني المسلح في المنطقة (يقدر بين 70 و100 ألف في سورية وحدها)، فضلاً عن تمويل ميليشيات تابعة لـ «الحرس الثوري» وتسليحها في العراق وسورية ولبنان واليمن، ليس موجهاً ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل مهمته الرئيسة تنحصر في تثبيت هذا النفوذ في الإقليم.

إذا كان هناك قلق حقيقي لدى نتانياهو من تمدد إيران في الإقليم، لا سيما وجود قواعد عسكرية عدة لها في الأراضي السورية، فهو يناقش ذلك دوريا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فقد التقى الرجلان نحو ست مرات منذ دخول القوات الروسية إلى سورية في 2015، وكان آخر لقاء بينهما في كانون الثاني (يناير) 2018. فنتانياهو يعلم جيداً أن موسكو هي العنوان الذي ينبغي التوجه إليه لمراجعة آخر تطورات الوجود الإيراني في سورية.

فإذا كان نتانياهو يطالب بانسحاب إيران من سورية، فإن روسيا هي الممسكة في شكل رئيسي بقواعد لعبة الأمم، إذا صح التعبير، في تلك الدولة المنكوبة. الوجود الإيراني بالنسبة إلى موسكو «وجود شرعي» وفق وزير خارجية روسيا لافروف في تموز (يوليو) الفائت، لأن طهران قدمت إلى دمشق «بدعوة من الرئيس الأسد». هذا الأخير منح بدوره الشرعية للوجود الروسي بتجديده الاتفاق بشأن قاعدتي روسيا الجوية والبحرية في حميميم وطرطوس على طول الشريط الساحلي في 2015.

ولأن لا أحد من اللاعبين في الساحة الدولية، بما في ذلك تركيا أردوغان، يحترم القرارات الدولية ولا حتى الاتفاقيات الإقليمية، فإن الساحة السورية تبدو متاحة لمن يرغب كي يلعب فيها على هواه. فعلى رغم توقيع روسيا، مثلاً، اتفاقية «خفض التصعيد» ووقف إطلاق النار وسحب القوات الأجنبية من جنوب غربي سورية (درعا والسويداء والقنيطرة) في تموز الفائت، فإن موسكو لم تحترم هذا التوقيع عند اعترافها بـ «شرعية» وجود إيران في سورية. وليس غريباً أن تفعل موسكو ذلك ما دامت عمليا هي الآمر الناهي في البلاد إذ تغض الطرف، وفق ما يتناسب مع مصالحها، عن عمليات القتل المتوحشة التي يقوم بها نظام الأسد ضد السوريين منذ سبعة أعوام وأكثر.

على رغم تعدد منصات الحوار حول الأزمة في سورية من جنيف إلى استانة إلى سوتشي وقيام تحالف ثلاثي يجمع القوى اللاعبة في سورية، روسيا وإيران وتركيا، فإن الرسالة التي توجهها موسكو إلى الجميع، بما في ذلك مجلس الأمن، أنها هي التي تقرر ما يجري في سورية، مستفيدة طبعاً من الغياب شبه التام للولايات المتحدة عن المشهد. ولأن هناك علاقات متينة وتعاونا مشتركا روسياً- إسرائيلياً عموماً، فالتوضيح الذي تقدمه موسكو إلى تل أبيب عن دعمها لإيران في سورية واضح وبسيط جداً: قوات «الحرس الثوري» وميليشيات «حزب الله» تقدم لنا وللأسد مساعدة جمة في بقاء النظام على قيد الحياة، وبقاء هذا النظام أمر حيوي لاستراتيجية موسكو في الإقليم ولهيبتها أمام العالم كلاعب دولي.

فإبقاء هذا النظام في السلطة هو إذاً المهمة الأولى لموسكو لأن هذا الأمر يمنح روسيا ميزات عدة بينها التمتع بموقع استراتيجي يطل على الأبيض المتوسط والتأكد من حصولها على حصتها الموعودة من الكعكة السورية في أي تسوية في المستقبل، والتأكيد مرة أخرى أنها هي الطرف الأهم في صوغ ذلك المستقبل. وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فالملاحظ أن موسكو لا تحتج أو تتدخل كثيراً عندما تقوم إسرائيل بقصف أهداف تابعة لإيران أو «حزب الله»، ما دام ذاك القصف يتجنب أهدافاً روسية. في الوقت ذاته لا تجد موسكو نفسها مضطرة إلى الاستجابة لمطالب إسرائيل المتعلقة بإيران، ما دام الوجود الإيراني في سورية لا يشكل في حد ذاته تهديداً لتل أبيب، على رغم حديث إيران و «حزب الله» عن عملية تحول تاريخي تحصل راهناً لبزوغ «محور المقاومة» المكون من تحالف يجمع بين قوات سورية والعراق واليمن وإيران وميليشيات «حزب الله».

في الواقع، «المحور» الذي يواصل الإيرانيون الحديث عنه هو تشكيل عسكري ميليشياوي الطابع تسعى طهران إلى تأسيسه يتكون من «قوات الدفاع الوطني» في سورية و «قوات الحشد الشعبي» في العراق وحوثيي اليمن و «الحرس الثوري»، إضافة إلى «حزب الله»، وهي قوى حديثة التكوين يعتمد شريان حياتها على دعم إيران المباشر. الغرض الأول لهذا التشكيل كما تبيّن في الأعوام الثلاثة الماضية حماية «ممر سليماني» وقلب ميزان القوى في المنطقة ضد ما تبقى من منظومة الدول العربية. ولكن موسكو تستطيع أن تحد من هذا الجموح الإيراني إذا شاءت لأنها لا تزال تقرر قواعد المواجهة في سورية.

==========================

الانتخابات اللبنانية.. سوريًا

حذامِ زهور عدي

عنب بلدي

الاحد 6/5/2018

كانت الميزة الوحيدة لاتفاق الطائف أنه حقق السلام الأهلي اللبناني بعد الحروب الطاحنة التي عمت المجتمع، وحولت لبنان إلى إمارات يتصرف وجهاؤها بقرارها وفق مصالحهم أو مصالح داعميهم، ومع أن الاتفاق حوى بنودًا متعددة لإمكانية إصلاح النظام اللبناني وتحويله مستقبلًا إلى نظام عصري يُعنى بأفراد المجتمع بصرف النظر عن انتمائهم الطائفي أو المذهبي أو المناطقي، لكن من وقعوا عليه ومن كانت لديهم سلطة تنفيذه لم يكن يهمهم منه سوى البند الأول، ولذا بقي نظام المحاصصة الطائفية هو النظام الأوحد المهيمن على الدولة اللبنانية ومجتمعها،

ولم تكن القوانين أو الوظائف تنفذ إلا من خلال المحاصصة الطائفية، مع استثناءات أقل من أصابع اليد.

في هذه الأجواء نشأت أحزاب طائفية جديدة، كحزب القوات اللبنانية، التيار الوطني الحر للطوائف المسيحية، تيار المستقبل للطائفة السنية، وحزب الموحدين للدروز، نازعت هذه الأحزاب، أحزاب طوائفها التاريخية بسبب مصالح الداعمين لها، تلك الأحزاب بالرغم من نشوئها بعد انتهاء الحرب الأهلية، لم تخرج عن مظلة الطائفية والمحاصصة، وكانت نتيجتها فقط تشرذم الموقف السياسي للطائفة التي تمثلها، دون الوصول إلى إلغاء المحاصصة الطائفية، ما سمح لأحزاب الطائفة ذات الدعم الأقوى بالتلاعب بها، وقد ساعدت المدة الطويلة للوجود الأسدي في لبنان على صناعة تلك الأجواء وشرذمة القرار السياسي اللبناني، ومن هنا كان لحزبي الطائفة الشيعية “أمل وحزب الله” التأثير الأكبر في استمرار طائفية النظام اللبناني والابتعاد كليًا عن البنود الإصلاحية الأخرى لاتفاق الطائف، بل ازدادت الطوائف الأخرى تمسكًا به، على علاته، خوفًا من سحب البساط من تحت أقدامها باسم إصلاح النظام.

استطاع حزب الله أن ينافس حزب أمل مثلًا ويُضعفه من خلال الدعم الإيراني أساسًا ومن خلال شعار المقاومة ثانيًا، وبدلًا من أن تُنتج هذه الأحزاب نظامًا حداثيًا جديدًا كما كانت النخبة الثقافية اللبنانية تأمل، كرّست النظام الطائفي بأبشع صوره، وتصدر حزب الله الصورة الطائفية عندما سلّح معظم شباب طائفته وجيّشهم باسم المقاومة وحولهم إلى ميليشيات تفيض عنجهية وحقدًا على الطوائف الأخرى، واعتدى بقوة السلاح علي اللبنانيين المختلفين عنه سياسيًا ومذهبيًا، وفرض عليهم الإذعان والتسليم لشروطه، وأعلن تبعيته سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا للولي الفقيه الإيراني، وهكذا تحول النظام اللبناني من نظام المحاصصة الطائفية السلمية إلى نظام الغلبة الطائفية، ففقد سلميته التي كانت -على أقل تقدير- تضمن له نوعًا من الديمقراطية جعلته في يومٍ ما واحة عربية لحرية الرأي، وفقد هيبة الدولة بل فقد لبنان التاريخي استقلال قراره السياسي والعسكري والاقتصادي لصالح التبعية لملالي إيران، ولم تعد هناك دولة لبنانية إلا في المؤسسات الدولية حيث التمثيل الشكلاني لها، وباءت جهود نخبة الشباب اللبناني من مختلف الطوائف وحركتهم التنويرية للتخلص من النظام الطائفي بفشل ذريع.

وها هي الانتخابات اليوم تجري وفق أجواء يُمكن وصفها، في ظل ما تشهده المنطقة العربية كلها، بأنها أكثر الأجواء سوءًا للديمقراطية اللبنانية من جهة ولسوريا المحتلة إيرانيًا -مع آخرين جلبتهم سياسة الملالي- من جهة أخرى، وبدأت تظهر مساومات لم يعرف لبنان في تاريخه الطائفي المعروف مستوىً متدنيًا يشبهها بالرغم من محاولات شباب النخبة اللبنانية تغيير الاتجاه.

ومن هنا فإن سوريا لا تنتظر جديدًا من هذه الانتخابات، مع أن أجهزتها الأمنية في لبنان والتي تعبت طويلًا بصُنعها، تحاول اجتزاء شيء ما لصالح النظام الأسدي خارج تحالف الضرورة مع حزب الله، فعنجهية السيد حسن نصر الله في خطاباته الأخيرة، بأنه من حمى الأسد وثبته على كرسي الحكم ثم تدرجه بإعلان هدفه من دخول سوريا، نصرة حلف المقاومة والممانعة لتحرير القدس أولًا ثم حماية المراقد الشيعية، وصولًا إلى تشييع السوريين… وقبلها حديثه الواضح جدًا بأنه أحد جنود الولي الفقيه -رب نعمته- تجعل النظام الأسدي ومواليه يُضمرون شيئًا من الحذر من هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية، وخاصة بعد اكتشاف الأسديين أن قوائم الكرسي الذي باعوا الوطن من أجله، انهارت كليًا واستفرد المحتلون الدوليون المتعددون كلٌ بقائمة وظهر، ولم يبق للأسد سوى الجلوس على أرض الذلة التي أذل نفسه وشعبه من أجلها.

لن تُغير الانتخابات اللبنانية شيئًا، لا بالنسبة للشعب اللبناني ولا للشعب السوري، وعلى عكس ما يأمل البعض، فإن تشددًا أكبر سيعمد حزب الله إليه، ليضمن استقرار هيمنته على الشعب اللبناني وقرار دولته، فالأجواء الدولية تُقلقه، ويرى فيها محاولات جادة لقصقصة أجنحته أو تصفيته، ولذا فهو يدعم المرشح الذي يضمن ولاءه التام له، ولا يعترض ظاهريًا على فكرة النسبية، علّه يستطيع سدّ الفراغات التي قد تهرب من أصابعه.

إن اختيار حزب الله للمرشحين المضمونين ولاءً له، يعني استمرار وجوده في سوريا، كما يعني استمرار استفراده بالسلاح وخطفه لبنان واللبنانيين وسوريا معهم ليكونوا جميعًا تحت جناح الولي الفقيه، يثقل الولي من خلالهم ميزانه الدولي في مساومات مصالحه، ويبقى الشعب السوري واللبناني لا حول لهما إلا الإذعان لما يريده حزب الله ووليه الإيراني.

فهل تستطيع قوى لا طائفية تتشكل في المجتمع اللبناني أن تكف يد حزب الولي الفقيه عن مصادرة القرار اللبناني؟

وهل يستطيع تحالف قوى مسيحية مع قوى سنية ودرزية أن يفعل ذلك أيضًا؟

وهل يمكن لقوى 14 آذار أن تعيد التحامها بعد ما أصابها من تشرذم؟ وأن تكوّن جبهة متماسكة تقف سدًا منيعًا بوجه اختراقات حزب الولي لها؟

وهل يمكن لقادة تيار المستقبل أن يُعيدوا توحدهم ويخرجوا من الشعور بالعجز والإحباط واليأس، ويقدّموا بحالتهم تلك لحزب الله مجانًا ما كان من الصعب أن يحصل عليه سابقًا دون كلفة باهظة؟

إذا امتلك قادة 14 آذار الشجاعة وابتعدوا عن الشخصنة وتكريس وجاهية الذات وفهموا الأجواء الدولية جيدًا فقد يستطيعون إنقاذ الدولة اللبنانية والشعب اللبناني، كما قد يستطيعون إنقاذ الشعب السوري من مأساته ويفتحون له باب الأمل في الخلاص من الكوارث التي يعانيها.

إن اختيار برلمان يعيد استقلال القرار اللبناني ويصوت لصالح انسحاب حزب الله من سوريا ووضع السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط، هو بكل تأكيد لصالح سوريا والسوريين ولصالح استقرار المنطقة، وإعطاء فرصة لعودة المهجرين السوريين الذين يشتكي معظم اللبنانيين من مشاكل وجودهم على الأرض اللبنانية.

ولإلحاح الحل السياسي السوري وانتزاعه نسبيًا من تقاسم النفوذ الدولي، إن اختيار برلمان لبناني مستقل القرار شديدُ الأهمية للبنانيين والسوريين معًا.

فهل يفعلها اللبنانيون قبل أن يقع فأس حروب جديدة على رؤوسهم ورؤوس جيرانهم السوريين؟

==========================

موقفنا: ملالي قم والوعيد بالرد المزلزل !! الولايات المتحدة وعصاها الإيرانية الطائفية: كسر أو هصر؟ .. زهير سالم

9 / أيار / 2018

مركز الشرق العربي

يمكن لأي متابع يريد أن يكوّن فكرة عن طبيعة نظام الملالي في طهران وكذا عن مشتقه الواقعي في دمشق أن يراجع كل التصريحات التي صدرت عن ملالي طهران ، الرسميين في مواقع المسئولية وحواشيهم على الخارطة الإيرانية والعراقية واللبنانية على مستويين :

المستوى الأول : ما صدر عنهم من وعيد بحق الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة في حال ألغت الولايات المتحدة الاتفاق النووي مع طهران ثم هذه اللجلجة المخزية بعد أن حصحص الحق ، وألغى الرئيس الأمريكي الاتفاق ، بجرة قلمه المعهودة .

والمستوى الثاني : تصريحات التهديد والوعيد التي ما زالت تصدر ، عن هذه الجهات تحت شعار : ( الموت لإسرائيل ) ، تصريحات العنفوان بعد كل عدوان صهيوني على الأرض السورية ، أو بعد توجيه كل ضربة على المواقع الإيرانية فيها ، وما أكثر منذ مطلع هذا العام هذه الضربات.

ولكي لا تخوننا الذاكرة نستعيد في هذا المقام ما تصريحات : ملالي طهران وحسن نصرالله والأسديين معا ، بعد عملية إسقاط الطائرة الصهيونية قرب القنيطرة بعشرة صواريخ سام ، في 10 / 2 / 2018 ، والذين أكدوا جميعا  أن عهد الاحتفاظ بحق الرد قد ولى . وأن القوى الثلاثة ستكون بعد ذلك اليوم بالمرصاد ، وأن صواريخ هيفا ستصل حتما إلى حيفا ..

ثم لنتابع كم مرة مارس الصهاينة هواياتهم بالغارة على الأراضي السورية ، وكأن الأمر أصبح جزء من الرياضة الصباحية أو المسائية .

إن استحضار هذه الوقائع بكل أبعادها يجعلنا ندرك حقيقة هذا (الضفدع) المنتفخ زورا على أرضنا ، وبين ظهرانينا.

( ضفدع لافونتين ) المغرور في شخص علي خمنئي أو قاسم سليماني أو حسن نصر الله، الذين ظنوا أن من البطولة أن يذبحوا أطفال العراق وسورية في حواضن المستشفيات ، تحت الغطاء الروسي مرة ، وتحت الغطاء الأمريكي مرات ومرات ومرات من أفغانستان إلى العراق إلى سورية إلى اليمن إلى لبنان .

لقد مر إلغاء الرئيس ترامب للاتفاق النووي مع إيران ، والذي ترافق مع غارة صهيونية على قاعدة إيران العسكرية في منطقة الكسوة جنوب دمشق ، باستسلام قدري بئيس يكشف جبن الملالي وهزالهم وضعفهم ولؤمهم ، فهل يستقوي على النساء والأطفال إلا لئيم راضع ووضيع حاقد؟! ،

مرت الصفعتان ، صفعة ترامب من واشنطن وصفعة نتنياهو ، شلت يمينه من تل أبيب ، وكأنهما طعنتان في ( شل تبن ) كما تعودنا أن نقول . لا رد مزلزل هنا ولا رد يحفظ ماء الوجه أو ما تبقى منه هناك ..كل ما صدر عن السيد روحاني ووزير خارجيته السيد ظريف : إعلانهم التمسك بنصوص الاتفاق المهتوك ، وتوعد بجولة دبلوماسية مع الشركاء الذين نعرف جميعا مدخل أمرهم ومخرجه ، والذين أعطاهم سيد البيت الأبيض ستة أشهر ، ليصفوا حساباتهم مع العميل الذي قرر ترامب ، فيما يبدو ، إعادة هيكلته وتأهيله.

إن إقدام الرئيس ترامب بالأمس على إلغاء الاتفاق النووي مع إيران لم يخرج في الحقيقة عن أطر السياسات الأمريكية التقليدية في التعامل مع من تظنهم الولايات المتحدة مجرد عملاء وقتيين ، تستعملهم لمرة أو مرات ثم ترمي بهم بعد حين .

وإذا عدنا لثمانينات القرن الماضي ، أول ما أعلن انتصار ما يسمى يومها (الثورة الإسلامية ) وما هي بثورة ولا هي بإسلامية ، وتابعنا كيف أشعلت الولايات المتحدة نار الحرب ( العراقية – الإيرانية ) التي استمرت بضع سنوات ، حشّت فيها الولايات المتحدة وشركاؤها نار الحرب على الجبهتين ، واستنزفت خيرات البلدين ، ثم وهذا هو المهم في هذا السياق ، نظرت إلى الطرف الأقوى والأقوم فيهما فكسرته شر كسرة ، دمرت الدولة ، وشتت الشعب ، وأعدمت الإنسان ..!!

لقد استمتعت الولايات المتحدة بالشراكة العملية مع ملالي طهران خلال عقود منذ إيران غيت وما تلاها. وتحت شعار الموت لأمريكا ، الذي كان بمثابة الملاءة السوداء تخفي بها المومس عارها ، بلغت الولايات المتحدة إرْبَها : من أفغانستان ، ومن العراق ، ومن منظمة التحرير الفلسطينية وقائدها ياسر عرفات في لبنان ، ثم من سورية حيث تم تدمير وطن وتشتيت عشرة ملايين إنسان . ومن اليمن الخزان البشري الاستراتيجي في منجم العرب الأول ، ومن دول الخليج العربي ، الذي شكلت العصا الأمريكية المتمثلة في إيران مدخلا لابتزاز ملياراتها وبث الخوف والوهن في قلوب قياداتها ..

وعادت الولايات المتحدة اليوم لتراجع حساباتها بما أقدمت عليه من توقيع اتفاق  لم تستوف به ما تظنه حقها على طريقة الابتزاز والشرذمة والتمزيق.

* لقد ارتكب مهندسو السياسات الإيرانية ، الذين نسبهم البعض زورا إلى الذكاء ، خطيئة كبرى ، حين درسوا المشروع الصهيوني ، وساروا على نهجه ، ظانين أنهم يمكن أن ينافسوه أو يشاركوه الإضرار بشعوب المنطقة حضارتها وثقافتها ووجودها .

* لقد دفعت شعوب المنطقة ولاسيما في أفغانستان والعراق وسورية ولبنان وفلسطين غاليا ثمن العمالة الإيرانية للولايات المتحدة الأمريكية ..

* لقد كتبت نصوص الاتفاق النووي ( الأمريكي – الإيراني ) بدماء أطفال سورية ، وبدموع السوريين وآلامهم . وإن هذه الدماء ستكون كلعنة النازي صاحب الهولكوست المجنون ، تلاحق كل من تآمر ووقع وأيد .

* إن طبيعة الاتفاق كان عقد شراكة بين العميل الإيراني والمستعمل الأمريكي . وإن الحديث عن ( 5+ 1) من أكاذيب السياسة التي لا ظل حقيقيا لها ، ومهما حاول ملالي طهران أن يخادعوا أنفسهم .

* ويبقى السؤال قائما : هل قرر الأمريكي كسر عصا الملالي والتخلص منها إلى الأبد كما فعل من قبل مع شاه طهران ومع صدام حسين ، ولاسيما وهو على أعتاب توافق جديد مع كوريا الشمالية المتحالفة صميمة مع الصين ؛ أو أن العملية لا تتجاوز محاولة هصر وإعادة تأهيل ، بطريقة تضمن أكثر راحة كف من يضرب بها ، وتحقيق أهدافه وغاياته ..

* لا ينبغي لأي إيراني صفوي أن يتوقع أي تعاطف من أي إنسان سوي في هذه المنطقة . وهم الذين تجاوزوا في خدمة سادتهم من الأمريكيين والروس والصهاينة أكثر مما طلبه منهم هؤلاء المتربصون الحاقدون ..

* يبقى أن نقول لكل من ظل يتحدث عن عبقرية قاسم سليماني وحسن نصر الله ، وكل هذه البنى والتراكيب السياسية المبنية على الجهل واللطم والطواف بالأضرحة وانتظار الغائب الموعود (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ))

ــــــــــــ

* مدير مركز الشرق العربي

=========================

إيران وحرب تموز السورية

إبراهيم العلوش

عنب بلدي

الاحد 6/5/2018

في تموز عام 2006 استجرت إيران وتابعها حزب الله، إسرائيل من أجل تدمير لبنان وبنيته التحتية، واليوم هما يستجران إسرائيل لتدمير ما تبقى من سوريا، وما الهجمات المتبادلة بين الإيرانيين وميليشياتهم الطائفية مع إسرائيل إلا بداية لحرب نوعية جديدة تشهدها سوريا وتطيل من عذابات الشعب السوري.

بعد أن أسهمت إيران بكل جرائم الحرب التي يخوضها النظام ضد الشعب السوري، من قتل وتهجير وتعذيب وتمويل لإرهاب النظام، ودفعت روسيا للإسهام معها في حفلة الدمار والعبث، ها هي اليوم تحشد ميليشياتها وتورد صواريخها إلى سوريا لحماية مشروعها النووي، بابتزاز الغرب وأمريكا بأنها ستهاجم إسرائيل ومن خارج الأراضي الإيرانية، في اللحظة التي يتم فيها خنق مشروعها النووي أو الصاروخي، والذي تهدد به دول المنطقة وتمارس بقوته عنجهيتها الطائفية.

منذ انطلاق الفاشية الخمينية في شباط 1979 وهي تنظر إلى دول المنطقة باستخفاف، وتعتبرها غنيمة لها، ومجالًا استراتيجيًا لإحياء الدولة الفارسية القديمة والتي احتلت بلاد الشام حوالي 530 ق. م، ولم تترك هذه البلاد حتى سلمتها لليونان، ومن بعدهم للرومان، وفقدت سوريا الكثير من وحدتها الثقافية واستمرارية هويتها، وتباعدت لهجات شعبها عن لغات المحتلين، حتى جاء الإسلام ووحد البلاد، وكان للعامل الديني دور كبير بإعادة إحياء سوريا، حيث تعامل الدين الجديد، في حينه، مع مختلف الطوائف والإثنيات بتسامح، وبتفاعل، جعل الشام عاصمة عالمية على أيدي الأمويين، ومنطلقًا للوصول حتى إسبانيا التي صار اسمها الأندلس إبان الحكم الأموي لها، والذي امتد لثمانمئة عام.

الفاشية الخمينية التي تعتمد التقية، واحتقار أمم المنطقة غير الفارسية في عقديتها، تاجرت منذ يومها الأول بالقضية الفلسطينية، وأسست ما يسمى بفيلق القدس، وهو نفس الفيلق الذي يدمر سوريا اليوم بقيادة قاسم سليماني، ويسهم بتهجير شعبها، ويعيد رسم الخرائط، وإعادة توزيعها بما يتلاءم مع الوجود المديد الذي يتوقعه المحتلان الإيراني والروسي.

كانت فكرة الخميني التي أطلقها في ثمانينيات القرن السابق بالزحف الشعبي باتجاه القدس، انطلاقًا من إيران، وحشد الملايين بمسيرة شعبية حتى رضوخ العالم لتحرير القدس، وانتزاعها من إسرائيل وحلفائها الغربيين، تبدو خيالية، وغير واقعية.

لكن الخميني حدد عدة مواعيد لانطلاق المسيرة الإيرانية، باتجاه القدس، وأجّلها عدة مرات، ولم تتحقق هذه المسيرة إلا الآن، في عصر خليفته “العلماني والتقدمي” الخامنئي، الذي حشد الميليشيات الطائفية من كل حدب وصوب، ولكن من أجل تحرير سوريا من نصف شعبها، والإسهام بالقتل، وبالتدمير، وبالتعذيب بحجة أن هذا الشعب لا يؤمن بالمهدي المنتظر “بشار الأسد”.

اليوم وبعد تدمير معظم المدن السورية على أيدي النظام، والمحتلين الإيرانيين والروس، بدأت حرب جديدة بين إسرائيل وإيران، ولعلها ستكون حربًا مدمرة بين الطرفين. والعالم سيقف حابسًا أنفاسه بانتظار 12 من أيار، وما يليه من حروب جديدة بين الإيرانيين والإسرائيليين إذا قررت أمريكا إلغاء معاهدة وقف البرنامج النووي الإيراني، والموقعة بين إيران ودول مجلس الأمن الخمس الدائمة مضافًا إليها ألمانيا، بتاريخ 2 من نيسان 2015.

إذا تم هجوم صاروخي إيراني كثيف ضد إسرائيل انطلاقًا من الأراضي السورية، فالرد الإسرائيلي قد يكون كما في تموز 2006، هو تدمير البنية التحتية لمناطق مؤيدي إيران والنظام، وهي اليوم تتركز في الساحل السوري وفي مدينة دمشق، وهذا لن يؤثر كثيرًا على النظام الإيراني البعيد عن أرض المعركة، بل سيتسبب بتهجير السوريين بمئات الآلاف، وسيحرم الملايين من اللاجئين السوريين من أنحاء سوريا الأخرى، من حالة الاستقرار النسبي التي حظوا بها في هذه المناطق، والتي لا تزال إلى اليوم خارج دوامة الدمار، فمدينة دمشق لا تزال في معظمها سليمة وآهلة بالسوريين، ومن الممكن أن تستمر كجامعة للسوريين بعد التخلص من نظام الأسد.

أما الساحل السوري فقد استقبل مئات ألوف السوريين من المدن والمناطق السورية الأخرى، ورغم موت عشرات الألوف من شباب الساحل تحت شعار “الأسد أو نحرق البلد”، فقد نجت مدنه وقراه حتى الآن من الدمار، ولكن المرحلة المقبلة في الحرب، إن بدأت، فلن تترك موطئا للإيرانيين إلا وستدمره هو ومحيطه، وهذا ما يجعل شبيحة الأسد على محك جديد، وهم يدافعون عن الوجود الإيراني الذي استجلبه النظام للدفاع عنه، ولاستمرار عائلة الأسد.

المدن الأخرى تدمرت ولحق نصف سكانها بالتهجير القسري، ونُهبت أملاكهم وقُتل أبناؤهم. فهل المرحلة المقبلة من الحرب ستلحق المزيد من الدمار في مدينة دمشق، وفي الساحل السوري، حيث يوجد الإيرانيون وميليشياتهم تحت مسميات متنوعة اعتبارًا من المزارات، والتجمعات الأمنية، التي زرعوها في كل بلدة في الساحل السوري وفي كل زاوية من دمشق.

السؤال هو ما موقف الشبيحة وأعوان النظام، وهم يرون أن مرحلة الحرب المقبلة ستدمر كل ما حافظوا عليه من أجل استمرار قوتهم، ومن أجل جعله ركيزة لاستمرار حكم عائلة الأسد؟ وهل سيكون الجواب في سلوك النظام الذي قد يبيع إحداثيات الوجود الإيراني لمن يشتري؟

الذي يخون بلده، لن يتوانى عن خيانة إيران، أو غيرها، فبشار الأسد المتحالف مع الروس قد يبيع أخاه ماهر المتحالف مع الإيرانيين، كما باع والدهما أخاه وشريكه رفعت الأسد، بتخطيط وبإشراف روسي في ثمانينيات القرن الماضي.

========================

لماذا التهجير إلى إدلب؟

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 5/5/2018

يثير إصرار روسيا والنظام على التهجير القسري إلى إدلب كثيراً من التساؤلات، أهو تنفيذ خطة سرية لجمع المعارضين العُتاة الذين تمسكوا بمطالبهم سبع سنين وصمدوا أمام الحصار والقتل والقذائف والبراميل المتفجرة التي انهمرت فوقهم طوال سنوات الجمر، ثم اضطروا للإذعان أمام عجز دولي عن حل سياسي عادي انتظروه طويلاً، وأمام إشفاقهم على أهلهم المدنيين الذين أمعن النظام وروسيا في قتلهم ليجبر أبناءهم المسلحين على القبول بما يعرض الروس عليهم في مفاوضات قهرية جاءت بعد خدعة سميت اتفاقيات خفض التصعيد، وتبين أنها تصعيد التصعيد، وانتهت إلى طرح روسيا خيارين أمام المقاتلين المصرين على تحقيق هدفهم في الحرية والكرامة، هما استمرار تدمير مدنهم وقتل سكانهما حتى الإبادة أو القبول بالتهجير، وللإنصاف، ثمة خيار ثالث هو الاستسلام الكامل لمن يريد البقاء، على أن ينضم إلى جيش النظام، ويحارب أهله.

كان مشهد تهجير أهل «مضايا» و«المعضمية» و«داريا» قد استفز الضمير العالمي، وكان موضوع استخدام الكيماوي ضد أهل «دوما» لإجبارهم على الرحيل، أو الاستسلام قد حفز بعض الدول لتوجيه ضربات رمزية محدودة للنظام، ولكن المجتمع الدولي تغافل عن مشهد تهجير أكثر من مئة ألف مواطن أجبروا على أن يتركوا منازلهم، وأن يبدؤوا رحلة التشرد، وقد توجهت جل الحافلات الخضر إلى إدلب، وربما يبدأ غداً السبت مشهد تراجيدي آخر بتهجير قسري لنحو مئة وخمسين ألفاً من سكان أرياف حمص وحماه إلى إدلب أيضاً، فثمة 350 ألف مواطن محاصر في هذه المناطق.

والمفجع في الأمر أن مئات الآلاف من الذين هجروا قسراً تركوا في الخواء، فلا توجد أية ترتيبات لاستقبالهم، وقد بات كثير من المهجرين في المساجد وفي الأبنية المهدمة، واتنشر كير منهم في الحقول والبساتين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، مع تراجع مريب لمنظمات الإغاثة الدولية، ولايملك سكان إدلب التي توقفت فيها الحياة الاقتصادية منذ أن قامت الثورة سبل العيش، وباتت الحياة في إدلب مغامرة مع الموت المتوقع إثر أي انفجار أو اغتيال.

وهاهو تنظيم «داعش» يظهر من جديد في ريف دمشق لتبرير قتل الناس وتشرديهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وتفريغ محيط دمشق من أهل السُنة تحديداً ليمنحه النظام لإيران، ولتنشأ ضاحية جنوبية يسيطر عليها الفرس، كما هو الأمر في الضاحية الجنوبية في لبنان. وعلى الرغم من كل النصائح التي قدمت لتنظيم «النصرة» لحل نفسها والخروج الآمن من إدلب ومن أماكن أخرى، نراها تصر على البقاء في إدلب وراء وهمها الهلامي في إنشاء دولة دينية، وهو كما قلت مجرد ذريعة، فنحن لاننسى أن «النصرة توأم داعش، وهذه التنظيمات المصطنعة هي التي غطت إعلامياً على نقاء مطالب الثورة.

وأهل إدلب وسكانها يتساءلون اليوم، هل يتم جمع كل هؤلاء الثوار في إدلب ليكونوا هدفاً لمكافحة الإرهاب فتتم إبادة جماعية (لاسمح الله) لاينجو منها غير الجولاني، وثلته كما نجا البغدادي وفريقه؟ أم هل ما يحدث من تهجير إلى إدلب هو تنفيذ مخطط دولي بالتقسيم؟

ولماذاسيتم تهجير أهل الفوعة وكفريا إلى خارج إدلب، وكثير منهم يريدون البقاء في بيوتهم، صحيح أن «حزب الله» جعل منهم معسكراً ضد إخوانهم في إدلب، لكنهم أبناؤها وقد عاشوا قروناً مع أهل «السُنة» دون أية مشكلة؟

أسئلة كثيرة واحتمالات مثيرة تنتظر إدلب التي يبلغ عدد المهددين فيها أربعة ملايين نسمة، والسؤال الأهم: إذا دخل الروس والنظام منتصرين إلى إدلب إلى أين سيهجّر أهل إدلب؟ وإلى أي اتجاه ستمضي الباصات الخضر، ولاسبيل أمامهم سوى تركيا التي تريد تخفيف العبء عنها، وتسعى إلى إعادة السوريين اللاجئين فيها إلى منطقة آمنة في الشمال. وما أثق به أن أهل إدلب سيقاومون وسيطردون المتطرفين جميعاً، وسيحملون مشعل الثورة حتى تنتصر بإذن الله.

==========================

إيران القاتلة والمقتولة في سورية

سميرة المسالمة

الحياة

السبت 5/5/2018

عديدة تلك الرسائل الموجهة إلى إيران دولياً، ولكنها حتى اليوم رسائل تدور في فلك تغيير الدور الوظيفي لإيران وليس لإلغائه، ومن هنا يمكن فهم حالة الخلاف الفرنسي (وهي على الأغلب تمثل وجهة نظر الدول الأوربية) مع الموقف الأميركي، بما يتعلق بإنهاء الاتفاق النووي الموقع بين الدول الست (الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا) مع إيران نيسان (ابريل) 2015) في لوزان، وعلى رغم وصف الاتفاق بالتاريخي آنذاك من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما، إلا أن إيران أصبحت تحت أضواء الرقابة الدولية أكثر من ذي قبل، واتخذت إسرائيل قيادة هذه المهمة على عاتقها منذ أن أعلنت «أن الاتفاق خطأ تاريخي»، وأنه يسهل الطريق على إيران حيازة القنبلة النووية التي تهدد وجودها، وهذا ما جعل إسرائيل تربط بين التهديد الإيراني لها من خلال برنامجها النووي، ووجود أحد اشهر الألوية الإيرانية (فيلق القدس) على الأراضي السورية وقرب الحدود معها، ما جعلها تفرض عقوباتها الخاصة على إيران في شكل انفرادي وعملي، من خلال الضربات المتكررة التي وجهتها ضد القواعد والمراكز الإيرانية وما يتصل بها.

وإذ لا يمكن تجاهل أن تلك الضربات، التي تعامل معها النظام السوري على انها من جهة مجهولة، كانت مؤلمة ليس لإيران فقط في سورية، ولكن لإيران في لبنان، وإيران في إيران، سيما انها لا تحمل التوقيع الإسرائيلي فقط بل تحمل معها التهديدات الأميركية المسبقة الصنع، التي تم تكرار الإعلان عنها لتأكيدها خلال لقاء ترامب- ماكرون، في 26 نيسان المنصرم، وقبل ذلك عبر مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن. في المقابل يبدو شبه الصمت الروسي، أيضاً، وكأنه يحمل رسائل روسية إلى كل من إسرائيل وإيران والنظام السوري، بينما يرقى صمت المجتمع الدولي إلى مستوى الحياد الإيجابي، إلى جانب الضربات الإسرائيلية التأديبية والتحذيرية، والتي يعجز عن توجيها المجلس التزاماً بمواثيق نشأته، وضمن التفاهمات الروسية الإسرائيلية فإن عبور الصواريخ إلى مناطق تمركز القوات الإيرانية لا يمكن أن يكون من دون إشارات توافق متبادلة بين الطرفين، قد يكون الصمت أحدها.

يستنتج من ذلك أن إيران تعرف حجم خلافاتها الدولية، وتدرك من خلالها أن المواجهة العسكرية معها مقبلة، وأنها عندما اختارت أن تقود معركة النظام السوري ضد السوريين المتظاهرين ضده، لم يكن ذلك خدمة للرئيس الأسد كما يحاول أنصاره الترويج، ولكن لأن إيران تريد ساحة حرب خارجية احتياطية لها، تدير معركتها عليها وبها، محاولة منها لإبعاد خطر المعركة عن أراضيها، لأنها في تلك الحالة سيكون بإمكانها زعزعة أركان النظام فيها، لذلك يمكن القول إن إيران هيمنت على الأرض السورية، ورهنت النظام لخوض معاركها المرتقبة مع الآخرين، ومنهم، وليس كلهم، إسرائيل.

وبالمقابل لم تستطع إسرائيل ولن تستطيع تجاهل الخطر الإيراني المحيط بها، ليس لأن إيران ستفتح معركة معها، بل لأن إيران تمارس دور التغيير المنهجي الإيدلوجي، الذي يسمح لها لاحقاً باستخدام شعوب هذه الدول - التي تغزوها فكريا وطائفياً وعسكرياً- كأدوات لها في حرب مصلحية إيرانية ضد إسرائيل، أي أن تلك الحرب لا علاقة لها بالحقوق الفلسطينية، ولا بتحرير القدس، وإنما هي حرب إيدلوجية اقتصادية وسياسية، على النفوذ الإقليمي، أي انها خالية تماماً من أي مصلحة فلسطينية أو عربية.

في الجانب الآخر لا يمكن تجاهل أن هذه الضربات الإسرائيلية لها دلالاتها في لبنان، حيث المعركة الانتخابية في مراحلها الملهمة للناخبين، وهي بذلك تحاول أن تقول كلمتها أيضاً بهذه الانتخابات، من خلال وضع حزب الله في حجمه الحقيقي، بعيداً عن استغلاله بسطاء المنتخِبين (بكسر الخاء) بشعارات المقاومة، التي خرست امام الضربات الإسرائيلية لمحور المقاومة الثلاثي (إيران وحزب الله والنظام السوري) المتمركز عسكرياً في سورية، أي أن إسرائيل الحيادية في الحرب السورية بين النظام والمعارضة، ليست كذلك في لبنان حيث تختلف أجنداتها، فبينما لا تجد أن بقاء النظام السوري حاكماً لسورية يضر بأمنها، إلا بحدود تعاونه الكيماوي مع إيران، فإنها ترى في حزب الله ما يعكر صفوها، باعتباره جزءاً من ولاية الفقيه، وليس جزءاً من حكومة لبنان. ما يعني أن لبنان ليس بعيداً عن أي أجواء ستسود المنطقة حرباً ام سلاماً.

وانتهجت إيران حق كظم الغيظ بمواجهة الضربات الإسرائيلية المتكررة على مواقعها، وما هو في سياقها (مواقع حزب الله ومراكز الدراسات البحثية السورية)، معتبرة أن حصر الصراع بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل على الأرض السورية يجنبها التذمر الشعبي في إيران، ودرء خطر إسقاط النظام على يد المعارضة التي بدأت حراكها في طهران، وتدفيع سورية ثمن وقوف إيران إلى جانب النظام السوري في حربه ضد شعبه، أي أننا إزاء تضحية إيران بسورية، وقبول النظام بأن يدفع الشعب السوري ثمن حربين واحدة ضده، والأخرى ضد من هم مع نظامه.

وضمن كل هذه المواجهات التي تتبلور، فإن التعويل على أن الولايات المتحدة ستنهي الاتفاق النووي المبرم يبقى ضمن إطار الجدليات والتـــفاهمات والصفقات، مايعني أن الأرجحية لتعديل الاتفاق بما يخدم المصلحة الأميركية، ويبدد مخاوف إسرائيل، ويضمن المصلحة الأوروبية التي لا ترى أن إنهاء الاتفاق يوفر حالة أمان لأوروبا وللعالم، وبالمحصلة يضع يد أميركا على كل التجربة الإيرانية النووية، وأن كل هذه المقدمات العدائية لإيران لا يمكن ترجمتها حتى اليوم باعتبار أن ما تريده الإدارة الأميركية إنهاء أدوار إيران في المنطقة، وإنما تعديل هذه الأدوار، بعد أن أحسنت إيران خلال العقدين الماضيين بإدارة الصراعات في المنطقة العربية، لمصلحة تأزيمها، وتوسيع رقعتها لتكون الولايات المتحدة هي المنقذ لها.

لذلك ليس علينا كسوريين وعرب التعويل بهكذا حرب باردة فعلى الأكثر نحن أمام حالة تقليص الدور الإيراني في سورية، حيث يخف عبء القتال الطائفي، بما يسمح أكثر بالحديث عن تسويات سياسية وفق الرغبة الأميركية المراعية للأمن الإسرائيلي ومتطلباته، وهي (أي الولايات المتحدة) غير متضررة من الوجود الروسي، بل وتسعى إلى عقد تفاهمات جادة معه، كما يمكنها عقد صفقة مع تركيا لمصلحة طمأنتها شمالاً وشرقاً، من دون أن تتخلى عن فكرة سورية اللامركزية التي طرحتها خلال اجتماع باريس مع مجموعة العمل المصغرة في 23 كانون الثاني (يناير) 2018، وعادت وأكدتها ضمناً في اجتماعها الثاني الذي ضم إليها ألمانيا (29 نيسان)، عندما تحدثت عن حاجة تفعيل المسار السياسي من خلال وقف اطلاق النار، وإجراء إصلاحات دستورية وتنظيم انتخابات جديدة، وهو الأمر الذي يتيح للسوريين إقامة نظام حكم جديد منقطع تماماً مع النظام الرئاسي المركزي السابق، ويمهد لحكم برلماني يؤسس لمساواة بين كل السوريين بمختلف مرجعياتهم القومية والمذهبية والإيديولوجية، عبر غرفتي تمثيل نيابي، أي ما يضمن حقوق الأكراد مع ضمانات لتركيا بألا تشكل هذه الحقوق أي خرق لأمنها القومي.

ولعل أهم ما يمكن التعويل عليه لاحقاً أن إيران التي أخذت دور القاتل للشعب السوري، قد تكون ضمن أعداد المقتولين دولياً وتعثر نظامها شعبياً، ما يتيح الفرصة للانتقال من ربيع الثورات العربية إلى حركات التحرر الشعبية التي تتقد شعلتها يوماً إثر يوم في إيران، القاتلة والمقتولة في سورية.

كاتبة سورية.

==========================

هل كانت إيران ضرورة أمريكية وتحولت إلى كابوس؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5/5/2018

المؤمنون بنظرية التحالف الأمريكي الإسرائيلي الإيراني يقولون لنا: لا تصدقوا كل هذا التهويل والعويل الإعلامي الأمريكي والإسرائيلي حول إيران، فما يجمع المشروع الأمريكي الإسرائيلي مع المشروع الإيراني في المنطقة أقوى بكثير مما يفرقهما. ويضيفون: دعكم أيضاً من العنتريات والشعارات الإيرانية ضد الصهيونية والامبريالية، فما قتلت يوماً ذبابة أمريكية أو إسرائيلية. وفي كل الأحيان نسمع شعارات إيرانية ضد الصهاينة، بينما يكون القتل والتشريد من نصيب العرب على أيدي الميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا واليمن ولبنان. ولا تنسوا أن الطائرات الأمريكية بتوع «الشيطان الأكبر» كانت تحمي الميليشيات الإيرانية وهي تدخل الموصل والأنبار في العراق. هذا رأي خصوم إيران.

ويستشهد أصحاب نظرية المؤامرة بأن الخبير الأمريكي الاستراتيجي جورج فريدمان تحدث في بداية هذا القرن عن أن أهم تحالف في بداية القرن الحادي والعشرين هو التحالف الأمريكي الإيراني، وأن في السياسة لا تنظر إلى التصريحات والبهلوانيات الإعلامية، بل إلى الأفعال على الأرض. من سلم العراق لإيران على طبق من ذهب؟ أليس أمريكا؟ يتساءل خصوم إيران، من الذي غض الطرف عن اجتياح الميليشيات الإيرانية وهي بالعشرات للأراضي السورية لاحتلال الشام وحماية بشار الأسد؟ أليست أمريكا وإسرائيل؟

كيف تشتكي إسرائيل ليل نهار من حزب الله اللبناني ثم تسمح لمائة حزب الله إيراني جديد بدخول سوريا والوصول إلى حدود إسرائيل؟ ألا يتفاخر بتوع المماتعة والمقاولة بأن قاسم سليماني يكحل عينيه كل صباح بمنظر بحيرة طبريا على بعد ضربة حجر من مقراته في القنيطرة ودرعا السوريتين؟ في العادة، يضيف المشككون، تخشى إسرائيل على أمنها من النسيم العليل، وإذا شعرت بتهديد جدي على بعد ألوف الكيلومترات في أفريقيا تذهب إلى هناك وتقضي على مصادر الخطر. وكلنا يعرف كيف دمرت المفاعل النووي العراقي وهو قيد الإنشاء، بينما تركت إيران تبني مشروعها النووي على مدى سنوات، ثم بدأت تحتج عليه إعلامياً فقط؟ من يخشى من المشروع النووي الإيراني كان يجب أن يدمره كما دمر المفاعل العراقي في بداياته ولا يتركه حتى يصبح قاب قوسين أو أدنى من تصنيع القنابل النووية. هل يعقل أن إسرائيل التي تقوم بضربات استباقية لأي تهديد خارجي قبل سنوات وسنوات أن تسمح لألوف العناصر الشيعية بالوصول إلى حدودها في سوريا بهذه الخفة والبساطة، يتساءلون؟ هل كانت الكهرباء مقطوعة في تل أبيب يا ترى عندما تدفقت الميليشيات الإيرانية على سوريا ووصلت إلى مشارف إسرائيل، يتساءل المؤمنون بوجود تحالف أمريكي إسرائيلي إيراني؟ هل أساءت إسرائيل التقدير وكان هدفها فعلاً توريط إيران في سوريا، لكن التدخل الروسي جعل الأمور تذهب لصالح إيران؟ هل يعقل أن إسرائيل لم تضع احتمالاً واحداً بالمائة أن إيران إذا دخلت سوريا لن تخرج منها بسهولة؟

ويضيف المؤمنون بنظرية التحالف الإيراني الإسرائيلي الأمريكي: أين الأقمار الصناعية الأمريكية من الصواريخ الإيرانية التي وصلت إلى الحوثيين في اليمن الحديقة الخلفية للسعودية المفترض أنها حليفة للعم سام؟ هل كانت الكهرباء أيضاً مقطوعة في طائرات المراقبة الأمريكية التي تراقب دبيب النمل في السعودية واليمن ومحيطهما؟ ألا ترى الاستخبارات الأمريكية أن اللوبي الإيراني الذي يدافع عن مصالح إيران في أمريكا أصبح في موقع متقدم جداً بعد اللوبي الإسرائيلي؟ لاحظوا أن جماعة الضغط الإيرانية في واشنطن أقوى من جماعات الضغط الخليجية المفترض أنها حليفة لأمريكا. بعبارة أخرى، فإن أمريكا تمارس المتعة مع العرب، بينما بينها وبين إيران زواج كاثوليكي، حسب كاتب يروج لنظرية التحالف الأمريكي الإيراني.

ويعتقد أصحاب نظرية المؤامرة الأمريكية الإيرانية أيضاً أن ما يجري على الأرض أصدق بكثير من التهديدات الإيرانية والأمريكية الإسرائيلية المتبادلة. وقد أصبح واضحاً أن الإسرائيليين متفقون على تقاسم العداء مع العرب، فقد فكرت إسرائيل طويلاً كيف يمكن أن تخفف العداء العربي لها، فوجدت في إيران ضالتها المنشودة. بدأت أمريكا وإسرائيل بالسماح لإيران بالتغلغل في المنطقة بحرية كي يبدأ العرب بالشعور بالخطر الإيراني. و كما استعان النظام السوري وأمثاله بالدواعش والظلاميين الهمجيين لتبييض صفحته وإظهار نفسه على أنه أفضل من الدواعش، استعانت إسرائيل بإيران لتبييض صفحتها مع العرب ولتقول للشعوب العربية: «ما بتعرفوا خيرو لتجربوا غيرو». ويضيف المشككون: لاحظوا الآن أن الخطة الإسرائيلية باستخدام البعبع الإيراني ضد العرب قد نجحت تماماً، فقد بات العرب يترحمون على العدو الصهيوني بعد أن شاهدوا ما فعله بهم العدو الصفيوني في العراق واليمن وسوريا ولبنان.

ويرى خصوم إيران أن أكبر خدمة تقدمها إيران لمشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي التدميري، برأيهم، أنها رأس الحربة في الصراع الشيعي السني، وهذا الصراع لا يمكن أن يندلع ويتسع من دون النظام الإيراني الذي بدأ يزعزع استقرار المنطقة منذ وصول الخميني إلى السلطة عام 1979، وكأن أمريكا طردت الشاه وأوصلت الخميني إلى الحكم خصيصاً لهذا الغرض. لاحظوا الآن كيف تغلي المنطقة من المحيط إلى الخليج بسبب الغزو الإيراني وحملات التشييع الإيرانية التي وصلت إلى المغرب والجزائر. من المحيط إلى الخليج بات العرب يواجهون الغزو الإيراني. ماذا تريد أمريكا وإسرائيل أفضل من هذا الدور الإيراني لتحقيق الفوضى الخلاقة؟ هل تعتقدون أن إسرائيل ستحارب إيران وهي ترى الإيرانيين يفعلون الأفاعيل بعاصمة بني أمية دمشق…لا أبداً، بل سترفع القبعة لهم لأنهم يقومون بالمهمة على أكمل وجه.

ويضيف أعداء إيران: كم باعت أمريكا من السلاح لدول الخليج بحجة البعبع الإيراني؟ كم ابتز الغرب العرب بالخطر الإيراني؟ إيران بالنسبة لأمريكا هي كالأوزة التي تبيض ذهباً، ومن الغباء الشديد أن تقضي على المنجم الذي يدر على شركات السلاح الغربية مليارات الدولارات سنوياً.

ونحن بعد كل الذي أوردناه على لسان خصوم إيران أعلاه نتساءل: لماذا لا نقول إن إيران ربما كانت ضرورة أمريكية إسرائيلية لتحقيق المشاريع الأمريكية في المنطقة لفترة من الزمن، لكنها الآن أصبحت كابوساً يقض مضاجع أمريكا وإسرائيل في المنطقة، وأنها كانت أذكى من الإسرائيليين والأمريكيين، وأن مشروعها بات يهدد الإسرائيليين عن قرب، وخاصة في سوريا. بعبارة أخرى، فإن كل النظريات حول التحالف الأمريكي الإسرائيلي الإيراني تبقى مجرد تكهنات، وكثير من الأمور ستتوضح في الفترة القادمة على ضوء ما سيحصل بين الإيرانيين والإسرائيليين. لننتظر ونر إذا كانت إيران ضرورة استراتيجية وحليفاً لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، أم إنها باتت تشكل خطراً كبيراً على الأمريكيين والإسرائيليين، وأنهم بدأوا يحضرون لمواجهتها.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

falkasim@gmail.com

==========================

هل انتصر الأسد على "شعبه"؟

يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 5/5/2018

ليس هناك من وصفة تحدد لحاكمٍ كيف ينتصر على شعبه؛ وخصوصا عندما تكون الدكتاتورية طريقه الوحيد للسلطة؛ فالمسألة ليست كُتَيّباً بعنوان "كيف تتعلم الإنكليزية في أسبوع؟"؛ ولا "كيف تتعامل مع مريض السرطان؟"؛ هذه قضية أمضى حافظ الأسد جلّ عمره يدْرسها ويمارسها؛ ولكن فِي النهاية لم يهزمه إلا الله. هزم اللهُ حافظَ الاسد ثانيةً، عندما ابتلى الوريث بتنفيذ وصايا الأب، ولكن الابن فعلها بشكل مشوه، فأخرج أباه من قبره ليُلعَن، ثم حشره به مرة أخرى لتكون اللعنة الأبدية.

أبقى حافظ الأسد المخابرات تحت حذائه، عبر جعل كل واحد منهم يراقب الآخر، ويتصيّده؛ ولكنه جعل مجرد ذكر المخابرات يشكّل حالة رعبٍ عند الشعب. ابنه غيّبهم بداية؛ فكان السوري في بداية عهد هذا الابن يشعر وكأن دورهم ينحسر؛ وإذ بهم في حالة كمون، تهدف إلى استرخاء المجتمع وإرخائه كي يسهل كشفه وتحديد معالم البطش به بـ (إتيكيت) ورعب بارد تجلى أخيرا بتصفية أي عسكري من "حماة الديار" إذا تمنّع عن إطلاق النار على السوريين المنتفضين. تألق عمل هؤلاء من خلال "زيارة" كل معتقل إلى فروعهم المتنوعة وإشرافهم على عمليات الاختطاف والاعتقال والتعذيب في المعتقلات. فكانوا بذار الذراع المرعبة التي تجاوزت "سيد الوطن". وفي النهاية المأساوية لسورية وأهلها، يحملون وزرَ جلِّ ما حدث؛ لقد كانوا اليد الطولى في خنق سورية و"رئيسها" الابن أيضاً.

السياسة في "سورية الأسد" أسدية فقط. عند خروج السوري على قراءة الصفحة السياسية

"كان الأب المؤسّس قد أوصى بوضع اليد في الجيب الروسية، والقلب بجيب الغرب" الأسدية يتحوّل إلى نشاز، إن لم يخرج كلّياً من الحياة؛ فخروج السوري على صفحة شريعة الأسد هي نتيجة "مؤامرة" و"إرهاب". في سورية الخروج على شريعة الله أخفّ من الخروج على "الشريعة الأسدية". من هنا، جاءت أوامر أحد عناصر الشبيحة لسوريٍّ يعذبه: (قل "لا إله إلا بشار"). ذلك الرفض السوري استلزم البراميل والصواريخ واعتقال مئات الآلاف وتشريد الملايين؛ وحتى دعوة الاحتلال ليؤدب ذلك السوري "الإرهابي" الخارج على طاعة "الإله".

في الاقتصاد، احتكر الأب كلَّ شيء، لكن بحكمة "الكهين" الجاحد الذي أقنع أهل سورية بأن البلد محاصَر؛ والمؤامرة الدولية تسعى إلى تجويعه. ثلاثون عاما لم يعرف السوريون أن لديهم ثروة نفطية؛ وما دخلت ميزانية البلد إلا شكلياً. كان صمت السوريين سيد الموقف و"بقناعة" يكللها الخوف، بعد أن عرفوا ما حدث لعضوٍ في مجلس الشعب ذكر "عائدات النفط". طبعاً "التحرير والصمود والتصدي والتوازن الاستراتيجي" كانت الحجج الدامغة لابتلاع الخمير والفطير. في "العهد الجديد" استمر الأمر، ولكن زاد في الطنبور نغماً جابي الأموال ابن الخال مالك أو شريك كل ليرة يمكن أن تجنيها سورية. إذا كان حافظ قد خطط لتحقيق نصره على الشعب السوري بالسيطرة على الوطن والمواطن، وما يملك عقلياً وروحياً؛ فوريثه ومنظومته أرادا السيطرة على ذلك كله، إضافة إلى ما يملك السوري مادياً وعيشياً. من هنا، قالوا إن حافظ كان "زاهداً"؛ لكن جشع منظومة الوريث ضيّع السيطرة الكاملة؛ فكانت خسارة كل شيء.

في الجانب الاجتماعي والديني ضمناً، أحدث الأب تهتكاً في منظومة المجتمع الأخلاقية من خلال اختياراته للأحطّ تربية وأخلاقاً؛ وحمّل كلاً منهم سجلاً حافلاً بالمعاصي والخطايا والارتكابات، ليسهل عليه دعسهم. والأمر ذاته جرى تطبيقه في قطاع الدين، ليتحول هؤلاء إلى "مشايخ السلطان"، لتحليل المحرَّم وتحريم المحلل. كما كانت الطائفية الأداة البغيضة المهلكة التي تسري كالنعاس في ثنايا مجتمع مهلهل. أتى الابن، وكان ذلك القطاع مخرّباً؛ فما كان بحاجة إلى جهدٍ لأي "تحسين" أو تخريب فيه؛ ليكون ذلك أحد أسرار الغليان المجتمعي الذي ساهم بصرخة الانعتاق السورية، والانتفاضة على المنظومة الاستبدادية بكليتها.

الاٍرهاب سلاح استفادت منه منظومة الأسد أكثر ما استفادت منه إسرائيل. ضيعت الأخيرة حق الفلسطينيين باستخدام إرهاب الدولة واتهامهم بالإرهاب، ولكن المنظومة الأسدية طورت إرهاب الدولة إلى منظومة رعب حاكمة، تقرر مصير السوري بالخوف الذي أدخلته بجيناته. أصبح رعب السوري ملازما لعيشه كما التنفس. أضحى الوطن زنزانة جماعية، والمعتقل في رأس كل فرد وروحه.

حصر العامل الخارجي بثلاث قوى؛ رتّب حافظ الأسد أموره معها بشكل متوازن. كان الروس مغرمين بالأ

"ثلاثون عاما لم يعرف السوريون أن لديهم ثروة نفطية؛ وما دخلت ميزانية البلد إلا شكلياً" سد الأب، على الرغم من رقصه على حبلي الغرب والشرق معاً؛ إلا أنهم أتوا لنجدة الأسد الابن لهمهم الخاص بالمطلق. فالابن بالنسبة لهم لا لون ولا رائحة ولا مصداقية له؛ وهم الآن يبحثون عن صفقة مناسبة لبيعه.

هللت إيران لقدوم بشار الأسد بعد أن كان حافظ قد ضبط إيقاع العلاقة معها. استبشرت بوضع اليد على عاصمةٍ عربيةٍ رابعة. خبرت إيران انتفاضة الشعب على حاكم جائر، وسبل قمع ذلك والانتصار عليه؛ فوعدت بشار بذلك متطلعةً إلى وضع يد نهائي على عاصمة الأمويين. ما كان أمام منظومة الأسد من خيار لينتصر على شعبه؛ فكانت طلائع حزب الله جاهزة؛ والحرس الثوري تدبر قدوم مليشيات القتل، ليقودوا معركة انتصار المقاومة والممانعة على الشعب السوري. وهنا انتصرت إيران على الشعب السوري؛ وخسر بشار سورية. وعندما استلزم الأمر محاولة استعادة سورية، تم استدعاء الروس؛ فخسرها ثانية للروس، وتلخبط مخطط إيران. كان الأب المؤسس للاستبداد قد أوصى بوضع اليد في الجيب الروسية، والقلب بجيب الغرب. وهكذا كان انتصار حافظ على الشعب السوري. وها هو، وإيران، وحتى روسيا؛ يخسرون سورية لأميركا وحلفائها. وما أمامهم إلا الرضى ببعض فتاتها أو الخروج الكلي. ويبقى شعب سورية صاحبها الأصل. وما كان حافظ ليفعل أياً من هذا. وهنا يقتل الابن أباه مرة أخرى.

على الرغم من أن حافظ الأسد كان الأقرب إلى إسرائيل، إلا أنه رسم صورة الأبعد والأكثر عداءً لها بين العرب؛ فهو صاحب جبهة "الصمود والتصدي" و"المقاومة والممانعة". حمل وريثه "الأمانة" وبدقة، على الرغم من أن تصريح رامي مخلوف قد فضح القضية عند بدء الانتفاضة السورية، عندما قال ما معناه (أمن سورية يعني إسرائيل)؛ ولكن الإخلال الكبير بالوصايا الأبوية كان بالعلاقة مع العرب؛ فالتوازن الذي أوجده الأب في العلاقة مع إيران والعرب تفلتت من أيدي الابن، واتضح الخلل؛ وجيّش بعض العربان عليه. ومع ذلك، لم يتمكن هؤلاء من تعكير نصره على شعبه؛ إلا أنه لم يجعل نصره حاسماً؛ والنصر غير الحاسم في هذه الحالة هزيمة.

نجح حافظ الأسد باستخدام السياسة والاقتصاد والاجتماع والطائفية والإرهاب والمخابرات وإيران وإسرائيل، إضافة إلى وسائل لا حصر لها في هزيمة شعب سورية ولثلاثة عقود متوالية، وظن أنه بهذه الأدوات الجبارة يمكن لكل ذريته أن تحكم سورية أبدياً. هزمه سلاح الموت؛ ولكن الأدوات ذاتها هي التي هزمت وريثه. غبي أي حاكم يتصوّر أنه ينتصر على شعب.

==========================

معضلة روسيا وإيران

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 5/5/2018

يغلط كثيرا من يظن أن روسيا انتصرت في سورية، أو أنها قريبة من الانتصار. ويغلط جدا من يظن أن سيطرتها على الصراع العسكري مع المعارضة حاسمة، بعد تبدل شروطه نتيجة ما نراه من خطوات غربية/ إسرائيلية لمواجهة ملالي طهران، المتهمون بتجاوز أحد أدوراهم في استراتيجية واشنطن الخليجية، عنيت إخافة نظمه إلى حد جعلها ترتمي بلا تحفظ في أحضان البيت الأبيض. يكرّر الملالي غلطة الشاه الذي أطيح، لأنه قرّر أن يكون شريك أميركا في مغانم النفط والبترودولار، فأسقطته ثورة شعبية استولى عليها الخميني وأتباعه الذين أغراهم هوس مذهبي/ قومي بالاستيلاء على جوارهم، في غلطةٍ فادحة الثمن، نظرا إلى وجود إسرائيل، ولأنه ليس في برامجها السماح لطهران بالوصول إلى الحدود مع سورية.

سيظهر ما أنجزته روسيا في سورية على حقيقته، بعد بدء المعركة الوشيكة ضد إيران، وممارسة الغرب ضغوطا عليها كي تتخلى عنها، علما أن قادتها يرون في خسارتها تهديدا جسيما لنظامهم. في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أحداث وقعت في الشهر الأخير، اعتبرها المراقبون اختبارا للقوة الروسية، أهمها ضربات بطائراتٍ من دون طيار، دمرت طائرات عديدة في قاعدة حميميم، وكذلك الخدع الإلكترونية التي أوهمت وحدات الدفاع الجوي الروسية أنها تتعرّض لهجوم، فأطلقت 12 صاروخا على أهداف ظهرت على شاشات راداراتها، ثم تبين أنها مجرد إشارات إلكترونية كشفت تخلف عتادهم "المتطور"، الذي يباهي بوتين به العالمين.

من المستبعد أن تسمح روسيا لنفسها بخوض مواجهة مع الغرب في ظل وضعٍ كهذا، خصوصا وأن الشهر الأخير شهد تطورات سياسية هي بمثابة جزرة مدت للكرملين على عصا هذه الضربات والخدع، تتضمن القبول بقواعدها العسكرية في سورية، وتقديم دعم مالي لإعادة إعمار ما دمرته قواتها ومرتزقة الأسد وإيران، والاعتراف بها دولةً تتمتع بشيء من الندية مع دول الغرب الكبرى، بما يقتضيه ذلك من حلول لمشكلاتها الأوكرانية والجورجية والسورية، ولمصاعبها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، في علاقاتها مع الغرب أو على الصعيد العالمي. هذا العرض السخي الذي هدفه إبعاد الكرملين عن طهران، سبقته ضربة عسكرية حملت رسائل شتى إلى موسكو، منها أنها لا تستطيع حماية الأسد، وأن الغرب لن يكون بحاجةٍ إلى قرارات دولية في حال قرر القيام بأعمال عسكرية في سورية، وأن الحل السوري دولي، لن يترتب على ميزان القوى بين روسيا والمعارضة، بل على موازين القوى بين أميركا ودول الغرب الرئيسة وبين موسكو، مع العلم أنها ليست لصالح بوتين وسياسات القوة التي يتبناها، والبرهان: الخدع الإلكترونية التي فضحت حقيقة صواريخه، والطائرات بلا طيار التي هاجمت مرّات متكررة قاعدة حميميم، وعجزت هذه عن صدّها.

هل ستتمسك روسيا بعلاقتها مع إيران أم ستفيد من الجزرة كي لا تضرب بالعصا؟ هذه هي المسألة التي ستحدد مصير التطورات السورية في الأشهر القليلة المقبلة، وستقرّر ما إذا كنا ذاهبين إلى حقبة مفتوحة من صراع دولي سيأخذ صيغة عمليات عسكرية من المحتمل ألا ترقى إلى مستوى حربٍ شاملةٍ ضد طهران، سيقوّض تصاعدها دور روسيا ونفوذها العسكري والسياسي في سورية، أو إلى تفاهم روسي/ غربي سيفتح باب السلام، بقدر ما سيغلق باب الوجود الإيراني في وطننا، بما أن إغلاقه سيسهل إيجاد حلول لمشكلة الأسد ونظامه.

قال رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، في واشنطن، إن حل المسألة السورية مرتبط بحل المشكلة الإيرانية. هذا الحل صار البدء به وشيكا!

==========================

التاريخ يعيد نفسه

رشا عمران

العربي الجديد

السبت 5/5/2018

من أفلام السيرة الجميلة، تمثيلاً وكتابة سيناريو وإخراجاً، "playing for time"، الذي تم إنتاجه عام 1980. يحكي عن المدة التي عاشتها عازفة البيانو والمغنية الفرنسية، فانيا فينيلون، في معسكر أوشفيتز النازي للاعتقال والإبادة الذي بنته ألمانيا النازية في بولندا إثر احتلالها لها في الحرب العالمية الثانية، وهو أحد أكبر معسكرات الاعتقال النازية، وفيه أنشئت أكبر غرف الإعدام بالغاز لليهود المرحّلين إليه من كل أوروبا عبر القطارات التي كانت تنقل الضحايا بلا توقف.

تُساق فانيا اليهودية الفرنسية إلى المعسكر، (لعبت دورها في الفيلم العظيمة فانيسا ردغريف)، لتصبح المغنية الأولى في فرقة السيمفوني النسائية التي تم تشكيلها من النساء اليهوديات والبولنديات الموسيقيات والمغنيات. مهمة هذه الفرقة هي الترفيه عن قادة المعسكر، وتحديداً عن الطبيب جوزيف مينغليه ومساعديه، (الطبيب مينغليه لُقب بملاك الموت، بسبب تجاربه غير الإنسانية في المعسكر ضد المعتقلين)، وأيضاً لاستخدام الفرقة في العزف في المعتقلات التي يُراد إرسال نزلائها إلى المحرقة صباح اليوم التالي؛ نوعاً من "الترفيه الإنساني" الأخير للضحايا.

تتمحور أحداث الفيلم حول فكرة أساسية، يدل عليها اسم الفيلم المأخوذ أصلاً عن كتاب صدر عام 1976 بتوقيع فانيا فينيلون عن تجربتها في معسكر الموت الشهير، الفكرة هي كيف يمكن للبشري أن يتلاعب بالزمن ليكسب مزيداً من الوقت، مبعداً عنه موتاً مؤكداً.. كانت الموسيقى بالنسبة لنساء الفرقة الطريقة الوحيدة لتجنب الموت، إذ أتيحت لهن هذه الفرصة النادرة للبقاء على قيد الحياة. كان عليهن استغلالها حتى النهاية، كان الهدف الأول بقاؤهن على قيد الحياة، بأية طريقةٍ كانت. الجوع الذي فُرض عليهن دفع إحداهن إلى تقديم جسدها للحراس، وللجلاد شخصياً، كي تحظى بما يسد رمقها، رافضة الإصغاء إلى النصائح الأخلاقية، وإلى احتقار رفيقاتها لها، كونها تخرج عن الخط الأخلاقي الذي ينبغي أن تكون عليه اليهوديات، وهو ما عبّرت عن بطلة الفيلم في مشهد مدهش، حين قالت: أنا لست يهودية، لست ضمن هذا القطيع، أنا أنتمي للبشر ولإنسانيتي فقط. في ردّها على إعلان كثيرات من الفرقة إصرارهن على البقاء على قيد الحياة، من أجل هدف واحد: رؤية أرض الميعاد ذات يوم.

في المحور المقابل لمحور النساء الموسيقيات، هناك الضباط والحرّاس النازيون، رجالاً ونساء، بكل ما كانوا يمارسونه من إجرام بحق سجنائهم، بينما يظهر الوجه الآخر لهم في تفاصيل حياتهم الأخرى، علاقتهم بالموسيقى وتعلقهم بها وبالفنون، قدرتهم على تمييز الجمال والتمتع به. ثمة اثنان في كل منهم، الجلاد والإنسان. الأول يمارس القتل والتعذيب كما لو كان عملاً عادياً، مثل أية مهنة أخرى، ويحتاج للموسيقى كي يؤدي عمله بإتقان أكبر، فالموسيقى علاج للمقصّرين في عملهم: (غناؤك وعزفك يساعداني في عملي)، يقول الطبيب مينغليه لفانيا في أحد مشاهد الفيلم.

ما الذي يجعل إنساناً مثقفاً وطبيباً معروفاً، مثل مينغليه، يمارس القتل والتعذيب، ويجري تجارب على البشر، كما لو أنهم فئران، من دون أن تهتز فيه شعرة واحدة؟! ما الذي يجعل شخصاً كهذا، والتاريخ القديم والحديث مليء بأمثلةٍ من هذا النوع، يرى في قتل الآخرين المختلفين أمراً عادياً، وليس جريمة بحق إنسانيته، فيقتل وهو يستمع إلى أرقى أنواع الموسيقى، أو يقتل ثم يحضن أولاده ليلاً، ويمارس الحب مع حبيبته بكل رومانسية؟! هل الإيديولوجيا تلغي جانباً إنسانياً مهمّاً في النفس البشرية، بحيث يحصل مثل هذا الفصام؟! هل يكمل من يفعلون ذلك حياتهم بشكل طبيعي، بعد انتهاء الحروب؟! كيف يعيش جلادو المعتقلات وكأن ما يفعلونه خدمة نبيلة للإنسانية؟ كيف استطاع اليهود الذين مورست بحقهم أكبر مجازر التاريخ أن يتحولوا محتلين وقتلة ضد شعب مسالم؟! كلها أسئلة ترافقت عندي مع السؤال السوري الكبير: كيف يفعل السوريون ما فعلوه بأبناء بلدهم؟ لدى الألمان النازيين واليهود أعداء خارجيون، ربما هذا يبرر قليلاً، لكن كيف سيحتمل طيار، ألقى براميل الموت أو قنابل حارقة ومدمرة على أهل بلده، وزر ما اقترفه؟

"ما يؤلمني أنني أرى الإنسانية وهي تسير في طريقها النهائي نحو الدمار".. تقول فانيا فينيليون في مشهدٍ من الفيلم. لكن يبدو أن الطريق نحو دمار الإنسانية يلزمه دائماً مزيد من الضحايا.

==========================

مشروعان دوليان

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 5/5/2018

مهما قيل عن التوافق الأميركي/ الروسي في سورية، يبقى مؤكّدا أن مشروع موسكو السوري يختلف عن مشروع واشنطن، وأن قدرات موسكو داخل سورية وحولها ليست أكبر من قدرات واشنطن التي تنشر قواعد عسكرية بين شمالها وشرقها وجنوبها، تضم ألفي عسكري ينضوون في وحدات عالية التسليح والتدريب، يمكن تعزيزهم خلال ساعات بآلاف اليانكي القادمين من كل مكان، وخصوصا من العراق.

ـ هناك بالتأكيد توافق أميركي/ روسي على تفادي الخيارات العسكرية الخطيرة التي تهدد عسكر الطرف الآخر وقواعده. لتحاشي هذا الاحتمال، أوجد الطرفان غرفة عملياتٍ تنظم تحركات جيشيهما وتراقبهما، وتحول دون وقوع أي صدامٍ بينهما. وهناك تواصلٌ دائم بين الطرفين يمنع أي سوء فهم أو تصعيد بينهما. لذلك، عندما هاجمت "فرقة فاغنر" منطقة خشام شرق الفرات، اتصل الأميركيون بالروس طالبين سحبها، ولم تضربها طائرات "التحالف" إلا بعد امتناع الروس عن الاستجابة للطلب. كما توجد اتصالاتٌ منظمةٌ تكفل تفادي الصدام بين طائرات البلدين، حين تقصف مناطق قريبة بعضها من بعض.

ـ وهناك أيضا توافق على إخضاع خلافات البلدين وصراعاتهما السياسية تحت سقفٍ منخفض، يحول دون نقلها إلى خارج سورية، وعلى إبقاء أي تبدلٍ في مواقفهما محكوما بمصالحهما الكبرى التي لا تتصل بالضرورة بالحدث السوري، كأن تتخلى موسكو عن جوانب من علاقاتها مع طهران في مقابل مبادرة الجانب الأميركي إلى إعادة النظر في عقوباته الاقتصادية على روسيا، وجوانب من علاقاتٍ معها، كأن يسمح لها بمشاركةٍ أكبر في السوق الدولية، ويفك قبضته عن الاستثمارات المالية التي تحتاج إليها، والمعونات الفنية والتقنية التي تحجبها عنه.

ـ في المقابل، ليس هناك توافق بعد على نوع الحل في سورية ونتائجه التي تختلف باختلاف رؤيتيهما اللتين تبدوان متعايشتين في ظل ما تبديانه من احترامٍ لمنطقة نفوذ الآخر السورية الخاصة، بينما تختلف أدوارهما الإقليمية ما وراء السورية، باختلاف مصالحهما وتناقضها، وهي المصالح ذات الأبعاد الصراعية/ الإقصائية، المحمية بجيشيهما المنتشرين في مناطق استراتيجية ضرورية لإحكام سيطرة واشنطن على المجال الأوراسي. وفي المقابل، لتعزيز قدرة موسكو على استعادة ما كان للاتحاد السوفييتي من نفوذ وحضور في الدول العربية.

هنا، تتناقض أهداف الدولتين وتتخطى سورية، وينعكس تناقضها على ارتباطاتهما مع دول منطقتنا التي يرهقها التكيف مع خلافاتهما وتفاهماتهما، ويربك غموضها وتبدلها الائتلاف (على سبيل المثال)، ويجعله عاجزا عن اعتماد أساليب ومواقف تساعده على تغيير موقف موسكو الداعم بلا تحفظ للأسدية، وعلى التأثير في سياسات واشنطن التي طالما قامت على رفض الالتزام بأهداف المعارضة وخياراتها، ناهيك عن قبولها، وتركزت على إبقائها حرة في اتخاذ قراراتٍ تتجاهل الشعب السوري ومصالحه، في حين يؤكد، بتكرارٍ مملّ، زهدها بسورية وموقعها، لكنها تحتل 28% من مساحتها الكلية، وتعلن بلسان أحد جنرالاتها تصميمها على البقاء فيها بين عشرين وثلاثين عاما، لرغبتها في الإبقاء على كلمة الحل السياسي الأخيرة بأيديها، كما قال وزير دفاعها جيمس ماتيس، وهو يتعهد أن يكون الحل في جنيف وأميركيا، أي غير روسي.

هناك مشروعان دوليان يتقاطعان على تحاشي ما يهدّد بصدام عسكري مباشر بين واشنطن وموسكو، ويفترقان على الأصعدة التي تقوض وجود وعمران سورية دولة ومجتمعا، من دون أن يبادرا خلال الأعوام السبعة الماضية إلى التوافق على حل يطبق قراراتٍ دوليةً، صدرت بموافقتهما، أو إلى إغلاق باب صراع متشعبٍ مفتوح على احتمالات بالغة الخطورة، لا علاقة لها بثورة السوريين الذين تكاد تقضي عليهم تكلفتها الدموية المرعبة.

==========================

تسخين المواجهة مع إيران

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 3/5/2018

في الوقت الذي كنا نتوقع فيه رداً إيرانياً على ضرب إسرائيل لمطار تيفور العسكري، في التاسع من شهر نيسان الماضي، على ما هدد القادة الإيرانيون بصراحة، جاءت الضربة الإسرائيلية الجديدة لموقع اللواء 47 الإيراني في ريف حماة، ليكتمل الإذلال الإسرائيلي لإيران وأدواتها في الإقليم. لماذا هو إذلال؟ لأن الضربة الجديدة ستثبت أن إيران مغلوب على أمرها أمام إسرائيل، غير قادرة على الرد، مرغمة على ابتلاع الإهانة إضافة إلى الضرر العسكري المباشر.

فالانتخابات اللبنانية والعراقية على الأبواب. ولإيران في كل منهما نصيب مهم، يتمثل بحزب الله في لبنان، وحزب الدعوة والتمثيلات الشيعية الأخرى الموالية لولي الفقيه في العراق. فإذا كان حزب الله هو الأداة المألوفة لمقارعة إسرائيل نيابة عن إيران، فهو الآن بحاجة إلى الهدوء للسيطرة على البرلمان والحكومة اللبنانيين عبر الانتخابات، وليس من خلال مواجهة مستحيلة مع إسرائيل. مستحيلة في لبنان بسبب قرار مجلس الأمن رقم 1701، وصعبة في الجنوب السوري، بسبب تعقيدات تلك الجبهة، على رغم الحركية التي لاحظناها، في الأسبوع الماضي، حين سيطرت قوات الحزب على موقعين هناك.

قيل إن القذائف التي ضربت موقع اللواء 47 كانت من النوع المخصص للوصول إلى أنفاق وتحصينات عميقة تحت الأرض، الأمر الذي أدى إلى مفعول زلزالي قدر بـ2,4 درجة على مقياس ريختر! وهو ما ينبئ بخطورة الأهداف التي تم ضربها (صواريخ متوسطة المدى؟)، والخسائر الكبيرة التي تكبدتها إيران. لتضاف إلى خسائر الغارة على تيفور التي قتل فيها سبعة خبراء إيرانيين بينهم ضابطان كبيران.

الخلاصة أن "الدَيْن" الإسرائيلي بات كبيراً في ذمة ولي الفقيه وحزب الله، في وقت يشعران فيه أنهما مقيدان، ليس فقط بمناسبة الانتخابات النيابية في كل من لبنان والعراق، بل كذلك موعد الثاني عشر من أيار الجاري حيث من المتوقع أن "ينطق" ترامب بالحكم على الاتفاق النووي مع إيران، إما بقرار الانسحاب أو المطالبة بإجراء تعديلات كبيرة عليه تتضمن تقييد الأنشطة الصاروخية و"تقويض الاستقرار الإقليمي" الذي تمارسه ميليشيات موالية لإيران في سوريا ولبنان والعراق واليمن… و: المغرب!

هذه هي المفاجأة الجديدة التي أخرجها التحالف المواجه لإيران من جعبته في آخر لحظة. يقطع المغرب علاقاته الدبلوماسية، بصورة كاملة، مع إيران، بسبب دعم حزب الله بالمال والسلاح لجبهة البوليساريو، ويتلقى التأييد الفوري من كل من السعودية والإمارات. من السذاجة الافتراض أنها وقائع منفصلة بلا تنسيق مسبق بين الدول المعنية. الأقرب إلى المنطق هو قرار بتصعيد منسق ضد إيران عشية القرار الأمريكي بشأن الاتفاق النووي.

وفي هذا السياق، يمكن العودة إلى حدث جرى في شهر آذار من العام الماضي، حين تم إلقاء القبض، في إحدى المطارات المغربية، على رجل أعمال لبناني يدعى قاسم تاج الدين، لديه شبكة أعمال واسعة في عدد من الدول الإفريقية، متهم لدى السلطات الأمريكية بعمليات تبييض أموال لتمويل حزب الله اللبناني بملايين الدولارات. ترى هل ثمة علاقة بين تاج الدين الذي سلمته المغرب، في ذلك الوقت، إلى السلطات الأمريكية، و"الأدلة" التي قال المسؤولون المغاربة إنهم يملكونها بشأن تورط حزب الله في دعم البوليساريو بالمال والسلاح؟

في إطار التصعيد المنسق ضد طهران جاء العرض السمج الذي قدمه نتنياهو بشأن وثائق قديمة "تثبت" وجود برنامج إيراني لتطوير السلاح النووي، الأمر الذي رفضته الوكالة الدولية للطاقة النووية. سماجة العرض الذي لم يلق مهتمين بين الدول الأوروبية، لم يمنع اهتمام البيت الأبيض به. وهو المستهدف بالعرض أصلاً.

فقبل ذلك، كانت هناك زيارة غريبة لقائد القوات المركزية الأمريكية (سينتكوم) جوزيف فوتيل إلى إسرائيل، أواخر الشهر الماضي، مع العلم أن إسرائيل غير مشمولة بأنشطة هذه القيادة. أما وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو، فقد بدأ نشاطه الدبلوماسي بجولة خارجية قادته إلى كل من السعودية وإسرائيل والأردن.

مجموع هذه التحركات ينبئ بمزيد من التصعيد ضد إيران، تهدف إلى "احتوائها" وفقاً للتعبير الأمريكي المألوف. أي تقليم أظافرها والحد من تمددها الإقليمي الذي يعبر عن طموحاتها الإمبراطورية. لا نعرف إلى أي حد يمكن أن يصل هذا التصعيد، ولا ما قد يكون الرد الإيراني عليه.

فمنذ بعض الوقت ارتفع منسوب التوقعات بشأن حرب محتملة بين إيران وإسرائيل على الأراضي السورية، وربما اللبنانية. ولكن ألا يمكن قراءة الضربات الإسرائيلية المتكررة للمواقع الإيرانية في سوريا بوصفها هي الحرب وقد وقعت فعلاً من غير إعلان صاخب وتحديد زمني؟ أي أن الحرب جارية فعلاً، وليست متوقعة للمستقبل. قد يكون التساؤل المشروع هو عن احتمال دخول دول أخرى على خط المواجهة مع إيران. وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن مواجهات إضافية محتملة في حال استقدام قوات عربية إلى شرقي نهر الفرات، الأمر الذي يبدو أنه مطروح على الطاولة، بدلالة تصريحات الناطق باسم "مجلس سوريا الديمقراطية" رياض درار، والتغريدات الترامبية المتكررة عن "وجوب مساهمة الحلفاء".

الخلاصة أن سوريا التي نجح نظام بشار الكيماوي في تحويلها إلى مجرد ساحة للحروب الإقليمية وتصفيات الحساب الدولية، مقبلة على مزيد من الخراب والدمار.

 

٭ كاتب سوري

==========================


خلافات المجتمع المدني السوري

عمار ديوب

العربي الجديد

الخميس 3/5/2018

تسرّب إلى الإعلام، قبل بضعة أيام، بيان لمنظمات المجتمع المدني، وضمن أسطره إشارة إلى أنه سيُقرأ في اجتماع للدول المانحة في بروكسل. سُرّب البيان، وكأنُه يعبّر عن كل منظمات المجتمع المدني السوري، أي الموجودة في مناطق النظام والخارجة عنه وفي الخارج، حيث دول التهجير. أوضح تمحيصٌ قليل في الأمر أنّ تسريبه كان مقصوداً، ويُراد من خلاله تدجين ما تبقى من هذه المنظمات ضمن رؤية مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، لدور هذه المنظمات، حيث هي تمثل الطرف الثالث (الثلث) في أي مؤتمر سياسي في جنيف أو سواه، ويخص المرحلة الانتقالية للحكم. وتلقى البيان مدافعين شرسين عنه، ومعارضين له، وصامتين عنه، وهناك من قلل من شأنه. الإشكال أن البيان المسرّب قُرئ في اجتماع الدول المانحة، واعتمد ضمن أوراقهم.

إشكالية البيان أنّه يعبّر عن منظماتٍ فقط، ومضمونه أقرب إلى رؤية النظام لكل ما حصل في سورية، ويستخدم مصطلحاتٍ مقصودة، بحجة الحيادية والمراقبة، كالآتية "أطراف الصراع، الهندسة الديموغرافية، تفعيل القنصليات، رفع العقوبات الاقتصادية". الإشكالية الأسوأ أنّه لا يشترط ذلك كله ببدء المرحلة الانتقالية، أي انتقالية إلى مجلس حكم له كامل الصلاحيات، وأيضاً لا ينص على أن مرجعيته بيان جنيف1، وبذلك يستقي جلَّ أفكاره من رؤيةٍ سياسةٍ محدّدة، يتحرك من خلالها دي ميستورا والروس خصوصاً. وأصدر لاحقاً بعض الذين صاغوا البيان المسرّب توضيحاتٍ كانت مجرد صدٍ للهجمة التي اشتدت عليهم في وسائل التواصل الاجتماعي والمندّدة بالبيان، وبالعقلية التي تقف خلفه، والتي مرجعيتها التصالح مع النظام والإقرار بالواقع الراهن.

لستُ ممن يقلّل من شأن اجتماع الدول المانحة، ولا من بياناتٍ كهذه؛ الإشكالية أنّها تُعتمد لدى الاتحاد الأوروبي باعتبارها تمثل المجتمع المدني السوري، وأن ما يحصل في سورية تتحمّل 

"هناك ضرورة للاهتمام الدقيق بأعمال منظمات المجتمع المدني" مسؤوليته الأطراف التي يقاتلها النظام، وليس العكس. وتأخذ الفكرة السابقة جدارتها من تداول المنظمات التي خرجت من مناطق النظام البيان المشؤوم، وكأنهم اكتشفوا ترياق الخلود.

يمتنع البيان عن تعميم أية أرقام "بشرية" ساهمت تلك المنظمات في إعالتها، سيما أنهم أكّدوا أن وظيفتهم "غير سياسية"، ولحماية التعليم والصحة والإغاثة والحماية. فهل استطاعت تلك المنظمات المساهمة الفاعلة في تأمين تلك الاحتياجات؟ هل يمكن أن ننسى أوضاع الأطفال أو النساء في مخيمات تركيا والأردن ولبنان، ولن أتكلم عن أوضاع غير الموجودين فيها. أيضاً لم نعرف من استفاد من المساعدات فعلياً، ولا سيما في مناطق النظام، وهناك تقارير عن فساد كبير في ذلك، وأن المساعدات كانت تذهب إلى غير المحتاجين.

الوضع السوري بعد الثورة، ورفض النظام تقديم أية إصلاحات أو الرحيل، أدخل سورية في مأزقٍ شديدٍ، وتَعمقَ بشكل كارثيِّ مع التدخلين، الإقليمي والدولي. وبذلك تحوّلت سورية إلى أرضٍ لحروب الآخرين عليها. يتطلب هذا الوضع حتماً مساهمة كبيرة لمنظمات المجتمع المدني، ودعماً كبيراً لإيفاء الحاجات. هنا لا أقلل من أهمية عملهم وضرورته، وليس صحيحاً توجيه الاتهامات لها، لأنها تقوم بالمساعدة فعلاً. الاشكالية هنا، في عدم حياديتهم وانحياز المُسرّب أو المصحح له لرؤية سياسية محدّدة، وهنا لا يكفي القول: هل يمكن النقاش بشأن دور النظام في كوارث سورية، وإنّه معروف. لا، فحينما تُعتمد البيانات وثائقَ في أدراج الدول، ويتم تمييع المسؤولية عبر ذلك فهنا يوجد تلاعب سياسي واضح، ولا علاقة له أبداً بالحيادية، بل وتسقط المصداقية عن كل العمل الذي أشدت به من قبل.

إضافة إلى ما سبق: أي مرجعيات تعتمد عليها منظماتنا هذه؟ أليس من الضرورة وجود تنسيق عام لأعمالها يوضح ما فعلته، والأماكن التي عملت فيها وإنجازاتها الواقعية؟ حافظت هذه المنظمات على عملها الفوضوي، ونادراً ما حصلت توافقات على أماكن العمل أو نوعيته، باستثناء المخطط لدى الممولين. الإشكالية هنا في قيادات المنظمات وفي الجهات الممولة؛ فأغلبية القيادات قادمة من أوساط سياسية فاشلة وباحثة عن مصالحها، والتمويل ذاته تقدّمه الدول المتقدمة، أو المنظمات التي تعمل تحت هيمنة دول معينة، وتريد من خلاله اختراق المجتمعات المحلية المتخلفة، وتشويه نشاطاتها وأعمالها المدنية والسياسية والثقافية، أي تريد تخريب المجتمعات. أقول التخريب، لأن مجتمعاتنا، والسورية منها تحديداً، كانت بحالة ثورة، أي أظهرت قيادات ثورية وشجاعة وكان يجب تدجينها، وهذا ممكن عبر المال والسفر واللجوء لاحقاً. المال أساسيّ في المنظمات هذه، وبدونه لا يمكن أصلاً القيام بأية أعمال لإيفاء الحاجات. وهنا يبدأ الفساد، وتبدأ التبعية للجهات الممولة، وتبدأ الأكاذيب في التقارير المُقدمة. وبالتالي تختفي الوقائع الحقيقية من أجل السرقة والفساد. إضافة إلى كل ما تقدم، هناك منظمات متخصصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة، ولا أحد يعلم عن نشاطاتها أبداً، وهنا الفساد الأكبر.

يستند مفهوم منظمات المجتمع المدني إلى مجتمع مستقر أو في حالة ثورة، ويعبر عن بعض

"لا حيادية في أعمال

منظمات المجتمع

المدني" أشكال العلاقات بين المجتمعين، الأهلي والسياسي، وهو يعبر كذلك عن حالة الحياة الاقتصادية والاجتماعية للناس؛ أي من السخف بمكان اعتباره لا يمتلك رؤية سياسية، بل هو كذلك، وعليه تحديد الحقوق الأساسية للناس، ووجودها من عدمها. والكلام عن الحقوق هو كلام عن الدستور وعن القوانين، أي عما ينظم حياة كل المجتمع بكل مستوياته، ومنها السياسية بالتأكيد. لهذا، ليس من الصحيح أبداً اعتبار موضوعية هذه المنظمات في انعدام الرؤية السياسية لها وفي أعمالها.

في كل الأحوال، تعبّر هذه المنظمات عن أفرادٍ بحثوا عن تمويل، وتلقوه وهم يواظبون على إرسال تقارير دورية عن أعمالهم للممولين، وهم بذلك يصبحون موظفين عالميين!. الإشكالية أن كل هذا التمويل يذهب إلى المكان المنخفض، حيث الفساد، أو تكمن فائدته في أعمال هامشية، وربما تساهم في التخفيف الأولي من حاجات الناس المذكورة أعلاه.

الوظيفة الحقيقية لمنظمات المجتمع المدني تكمن في تقوية الأوضاع المستقلة عن الدولة، وتحديداً الشمولية، وعن المجتمع الأهلي، أي تقوية أوضاع الطبقة الرأسمالية الخاصة، والدفاع عنها، وإيجاد أعمال خاصة بهم، وأن يصبحوا جزءاً منها، بفسادها ونشاطاتها، وهو ما كان يتم قبل الثورة وإلى الآن. عكس ذلك هو ما يُقدّم، أي أنّهم يدافعون عن المغلوب على أمرهم، والذي يظلّ أمرهم مغلوباً!.

إذاً لا حيادية في أعمال منظمات المجتمع. ونقاشنا هنا، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر البيانات المتضاربة كله يؤكد ذلك. وبالتالي هناك ضرورة للاهتمام الدقيق بأعمال هذه المنظمات وبتحديد المسؤولية عما حدث في سورية بكل وضوح وأناة، وهذا ليس عملاً سياسياً مباشراً، بل ضمن خانة علم الحقوق والمسؤوليات، وهذا ليس بعيداً عن علم السياسة أيضاً.

==========================


فشل الربيع العربي في الانتقال الديمقراطي

رضوان زيادة

العربي الجديد

الاربعاء 2/5/2018

مع بدايتها في تونس في عام 2010، أطلق علماء السياسة على الثورات العربية مصطلحات كثيرة ومختلفة، بحسب خلفياتهم، وبحسب ما ينوون إرساله من اعتمادهم المصطلح الذي يروق لهم، فأي مفهومٍ أو مسمى يحمل معاني سياسية واجتماعية واقتصادية، فقد فضّل بعضهم استخدام مفهوم "الثورات العربية" الذي شاع استخدامه بين النشطاء العرب، في حين شاع مصطلح الربيع العربي (Arab Spring) أو الانتفاضات العربية (Arab uprisings)في الدراسات الغربية بشكل كبير، وهناك من استخدم (Arab awaking)، أي الصحوة العربية، كما هو عنوان كتاب وزير الخارجية الأردني الأسبق، مروان المعشر، وهو تعبيرٌ بكل تأكيد يحمل دلالاتٍ وإيحاءاتٍ دينيةً غربية من عصر الإصلاح الديني.

وكما اختلف الباحثون والمؤرخون في استخدام المصطلح الأكثر توصيفا سياسيا للثورات العربية اختلفوا مسبقا في التوصيف الأنسب أو التعريف الأدق "للاستبداد العربي"، أو "التسلطية العربية" (Arab Authoritarianism)، فالدراسات الغربية المتخصصة تطلق عليها عدة مفاهيم، مثل "الأنظمة السلطانية"، بل وسّع ألفريد ستيفن من هذا المفهوم، خارج نطاق الدول العربية أو الإسلامية، لتشمل أنظمةً تسلطية في هايتي، تحت حكم جان كلود دوفالييه، أو جمهورية الدومينكان تحت حكم رافائيل تروخيو أو الفيليبين تحت حكم ماركوس، ويعرفها بأنها الأنظمة والأفراد والمؤسسات التي تخضع بشكل دائم لكي تكون "غير توقعية"، ومستبدة، بمعنى إلغاء كل أشكال التعددية وبناء حكم فردي مطلق. أما لينز فيعرف التسلطية 

"كلما كانت الطبقة الوسطى أكبر حجماً كان التغيير الديمقراطي أكثر سهولةً" العربية في كتابه عام 1964 بأنها تتصف بتعدّدية سياسية محدودة، أما الشرعية فمستمدة من العواطف. وهناك محدودية للحراك الاجتماعي، وسلطة مطلقة للسلطة التنفيذية. بعد ذلك، بدأت في التسعينيات محاولات تصنيف الأنظمة التسلطية العربية، بعد الفشل التفسيري للتصنيف القديم القائم على التمييز بين أنظمة شمولية وأخرى تسلطية، فبدأ الحديث عن ما تسمى الأنظمة الهجينة، وهي الأنظمة التي تحافظ على سمْتها التسلطي، لكنها تدخل عناصر مختلفة من التعدّدية السياسية المحدودة، مثل الانتخابات التعددية الشكلية، سواء على مستوى البرلمان أو الرئاسة، أو تعددية حزبية شكلية بدون سيطرة مطلقة لحكم الحزب الواحد، ثم بدأنا في داخلها التمييز بين أنظمة هجينة تنافسية وأخرى تسلطية غير تنافسية، وجدنا ذلك في العالم العربي من خلال انفتاح جزئي على الانتخابات التعددية في مصر واليمن، مثلا، لكنها لم تغير بنية النظام السياسي.

بعد ذلك، حاول ستيفن هايدمان في كتابه (تحديث الاستبداد العربي) أن يحلل خمسة عوامل أدخلتها التسلطيات العربية لمحاولة الالتفاف على انهيار الاتحاد السوفييتي، وتحول معظم دول أوروبا الشرقية إلى أنظمة سياسية ديمقراطية، وتمثلت بخمسة عوامل رئيسية: القيام بتعديلات دستورية تسمح بتعددية حزبية وانتخابية، إعطاء دور، ولكن محدود، للمجتمع المدني، إدخال إصلاحات اقتصادية محدودة على طريق الاقتصاد الحر، منح دور أكبر للمرأة، ولعبت هنا السيدات الأوليات، مثل سوزان مبارك في مصر أو أسماء الأسد في سورية أو ليلى الطرابلسي في تونس، دورا في تقديم صورة جديدة للمرأة العربية والسيدة الأولى، ومع كل هذه التغييرات الجزئية ترافقت رغبة جامحة في تحويل هذه الأنظمة التسلطية إلى أنظمة عائلية، عبر ضمان التوريث السياسي، عبر إدخال تعديلات دستورية تسمح للأبناء بوراثة السلطة، عبر ترفيعهم إلى مناصب سياسية أعلى، وإعطائهم صلاحيات تنفيذية أكبر، تمكّنهم من استلام السلطة بعد وفاة الرؤساء، مدى الحياة.

أخرت الإصلاحات الجزئية الثورات العربية، لكنها كانت مسألة وقت، قبل أن تندلع هذه الثورات في عدة بلدان عربية. فمن عام 2010 وحتى 2013، عاشت الثورات العربية مرحلةً من التخبط السياسي، كالفراغ الأمني والصعوبات الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية على مستوى مصر وتونس وليبيا، وإلى حدٍ ما اليمن، بحثاً عن نموذج ما، كما تمثل ذلك بفشل المفاوضات بين القوى السياسية المتصارعة بشأن الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية، ثم وبعد 2014، ووصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في مصر، وعودة الحرس القديم، متمثلاً بحزب نداء تونس إلى الحكم، وظهور حالة العسكرية متمثلة في خليفة حفتر في ليبيا، وتمزق وحدة مجلس التعاون الخليجي، في ما يتعلق بوزن الإسلام السياسي ودوره، وتحديداً الإخوان المسلمين، بدأت تتبلور بشكل منظم أكثر ما تسمى قوى الثورة المضادة أو "الدولة العميقة" وغير ذلك. لم تعد لقوى الثورة خطة قابلة للتنفيذ أو حامل اجتماعي يدافع عن هذه الخطة. وأفضل توصيف لهذه المرحلة أنها مرحلة خفوت قوى الثورة، لحساب صعود مبدأ الحرب الأهلية، بوصفه الخيار الوحيد، كما جرى في سورية واليمن أو التخويف منها كتبرير، كما في مصر أو تونس.

بعد عام 2017، تحول الربيع العربي إلى خريفٍ كامل، وبدت الحرب الأهلية بدل الانتقال الديمقراطي خيارا وحيدا للثورات العربية. ومن ذلك أن السيسي أصبح القائد القادر على إعادة الاستقرار لمصر، مهما كانت الكلفة الإنسانية والبشرية، في ما يتعلق بعدد القتلى أو عدد المعتقلين السياسيين. وأصبح حفتر في ليبيا رمزاً لانهيار كامل لقوى الثورة، أما الأسد في سورية فكان نموذجا فجا لعرى القوة التنفيذية في القتل والتعذيب والإبادة، وبدأ ظهور المليشيات خارج نطاق الدولة، مثل "داعش" في سورية والعراق وليبيا، والقاعدة في اليمن وسورية، والحوثيين في اليمن.

وبالمقارنة مع مناطق أخرى من العالم، وخصوصا أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، فإن خمسة

"كشف الربيع العربي أن الديمقراطية ليست على أجندة الدول الغربية للمنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة" عوامل رئيسية لعبت دوراً رئيسياً في ما يطلق عليه فشل عملية الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية:

الأول: لم يساعد النظام القديم النظام الجديد على الولادة، بل لعبت بقايا النظام القديم دوراً رئيسياً في عرقلة التغيير وإفشاله، وحتى ولو وصل الأمر إلى إيجاد مليشيات خارج نطاق الدولة من الشبيحة والحوثيين وحزب الله و"داعش" وغيرهم، ما لعب دوراً في خلط الأوراق، وإفشال عملية التحول. ولم تظهر "الطاولة المستديرة" كما في أوروبا الشرقية التي تعكس المفاوضات السياسية بين القوى المتصارعة، من أجل تحقيق التحول الديمقراطي.

الثاني: دور مؤسسة الجيش في عملية التحول، كلما كان الجيش أكثر احترافيةً ومهنيةً كان دوره مسهلا وميسراً في عملية التحول الديمقراطي، هذا درس التحول الديمقراطي في أميركا اللاتينية بعد سنوات من حكم الدكتاتورية العسكرية هناك.

الثالث: حجم الطبقة الوسطى ودورها، كلما كانت أكبر حجماً كان التغيير الديمقراطي أكثر سهولةً ويسراً.

الرابع: العامل الخارجي والتأثير الدولي، كشف الربيع العربي أن الديمقراطية ليست على أجندة الدول الغربية للمنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وهذا لا يعني أنها تعادي التحول الديمقراطي في المنطقة، وإنما لا تشجعه بما يكفي من الموارد والتأثير السياسي. على عكس دور الولايات المتحدة في الدفع باتجاه الدمقرطة في أوروبا الشرقية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

الخامس: غياب كامل للمنظمات الإقليمية، فالاتحاد الأوروبي لعب دوراً رئيسيا في وضع المبادئ والشروط لدول أوروبا الشرقية، للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، على عكس جامعة الدول العربية التي تحولت منظمة أوتوقراطية غير ذات فائدة.

==========================

بين علماء الثورة وعلماء الثورة المضادة

د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 2/5/2018

حين سأل أحدهم الإمام مالك بن أنس -رحمه الله-: لمَ نرى أصحاب الباطل مجتمعين ومستمسكين بباطلهم، بينما نرى أهل الحق متفرقين ومشتتين زاهدين في حقهم، أجابه: ألم تقرأ قول الله تبارك وتعالى: "وأشربوا في قلوبهم العجل"؟ فقد دخل حب العجل في قلوبهم، وهو ما يحصل تماماً اليوم، فبينما يبقى علماء الثورة والربيع العربي زاهدين بحقهم وحق الأمة التي استرعتهم عليه، نرى علماء الثورة المضادة مستمسكين بباطلهم وباستبدادهم، لم يدرك علماء الثورات العربية حتى اليوم الخطر الماثل أمامهم، ولم يقدروا حق اللحظة التاريخية التي يعيشونها، والتي سيكون لها ما بعدها لهم وللأجيال القادمة.

نرى كيف أن رموز الثورة المضادة من مشايخ وعلماء يجأرون ويصرخون بباطل أسيادهم صباح مساء، ونرى مؤتمراتهم واجتماعاتهم وخطبهم وكتاباتهم بشكل يومي، فقد أشربوا في قلوبهم حب الاستبداد ودعمه ومساندته، بينما علماء الثورة والربيع العربي وكأنهم يخجلون أو خائفون من الحق الذي يستندون عليه، وبالتالي يترددون أو يحجمون عن الجهر به، فضلاً عن تناديهم لعقد مؤتمر أو جلسات نقاش يفصّلون فيها باطل القوم، وخطرهم وخطلهم وما يترتب عليه من مصائب وكوارث على الأمة راهناً ومستقبلاً، بالإضافة إلى دعم ومساندة شباب الثورة والربيع العربي، يبتكرون الطرق للمساندة كما يفعل من هو في الصف الآخر.

بالمقابل، نرى شرعيي الفصائل والأحزاب المطالبة بالتغيير، والحاملة لراية الربيع العربي وثوراته المباركة، نراهم طرائق قدداً، أكثر ما يشغلهم أنفسهم وبعضهم بعضاً، ولذا فقد انشغلوا ببعضهم عن ثورتهم، فضلاً عن خطر الباطل الذي يتهددهم، فتارة نسمع مقالاتهم ببعضهم مرجئة، وغلاة وبغاة ونحوها، وينسون أو يتناسون وضع خريطة طريق لأنفسهم وللأمة لإخراجها من استبداد ران على قلبها، إلى حرية وعدل وإنصاف ينتظرها بعد أن اشرأبت أنظار الأمة لهذه اللحظات لعقود، قدمت خلاله الغالي والنفيس، وقدمت خلاله فلذات أكبادها من أجل أن تصل إلى لحظة الحرية الحقيقية التي طال انتظارها.

ليس أمام هؤلاء الشرعيين إلا أن يتقوا الله في أنفسهم وفي دنياهم وفي آخرتهم، قبل أن يتقوا الله في غيرهم وفي ثورتهم وفي ربيعهم العربي، فيُحيّدوا خلافاتهم المذهبية والفكرية من أجل الصالح العام ومن أجل خير العباد والبلاد، وإلا سيخسر الجميع كما رأينا في الحالة السورية، حيث خسرت كل الفصائل التي اتهمت بعضها بعضاً بالعمالة والتبعية، فكان نصيب الجميع هو الطرد وتفريغها من أتباعها ومناصريها، ولعل المثال الأحدث هو الغوطة، ومن قبله حمص والقصير وحلب وغيرها كثير، والحبل على الجرار، فهل من وقفة تأمل للحظة واحدة؟! يتم فيها تحييد الخلافات وفك الاشتباك من أجل الصالح العام، وهذا الأمر لا ينطبق على الشام وحدها، وإنما ينطبق على كل بقعة أرض يشتبك فيها الشرعيون، ويخوضون أشرس المعارك ضد بعضهم، ليخدموا بذلك عدونا وعدوهم، فتنعكس خلافاتهم على الأرض والثورة، فيطيلوا بالتالي مآسينا ومآسي الأمة.

اجتمع أهل الباطل على باطلهم، وتفرق أهل الحق عن حقهم، فهل من وقفة؟ وهل من لحظة تأمل من أجل وضع الأولويات والأسبقيات؟ ثم التحرك وفقاً لخريطة طريق تحفظ رأس المال، لتبدأ عملية التجارة مع الله وعباده ليتضاعف رأس المال، وحينها ستدعو لكم الأجيال، لتتجنبوا دعاءها عليكم.;

==========================

ضيّعنا نحن السوريين ليلانا

سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الاثنين 30/4/2018

يقول مثل: الشيطان يسكن في التفاصيل. لكن لولا هذه التفاصيل كيف يمكن للاستقراء أن ينجح ويتحقق؟ ليس الشيطان هو القابع في تفاصيلنا السورية، بل هو الشيطان الذي يفبركها ويخطط لها ويصنعها ويوزّع الأدوار لأدائها على كل اللاعبين المولغين بدمائنا. التفاصيل التي أدمنّاها وجبات رديفةً لوجباتنا التي لم تعد على علاقة جيدة بالحياة، التفاصيل التي تقدّمها لنا الفضائيات ومواقع الميديا بمختلف أشكالها، حتى الصحف التي تلتمّ على نفسها، وتخلع عنها أوراقها بالتتالي، لتنكفئ إلى الفضاء الذكي، تُمطرنا كل يوم بآلاف من مقالات الرأي التي، بدلاً من أن تزيح الغشاوة عن عيوننا وتمسح غبار المعارك عن صور الواقع، تقدّم آراءً تحليلية لحظية عمّا يجري، كل منها منطلقة من خلفية سياسية، أو موجّهة بأجندةٍ تدعمها وتمولها.

في الواقع، وفيما يخص المحنة السورية، فإن كلًّا يغني على ليلاه، ونحن السوريون، ضيّعنا ليلى خاصتنا، ولم نعد نعرف سوى الشتم والقدح والذم والتخوين والتهديد والوعيد، بينما باتت ليلى، صريعة حبّنا، مرميةً تنزف تحت الشمس، وعلى مرأى العالم أجمع، ولا من مغيث، على الرغم من أنها مطمع الجميع.

بينما تُدكّ سورية في أكثر من مكان بالتتالي، وتنام وتصحو على هدير الطائرات وأصوات الانفجارات، ويشرّد أهلها ويوزّعون إلى مناطق مختلفة وفق أجندةٍ، ظاهرها رغبة المتصالحين بموجب صكّ القوة، وباطنها أجنداتٌ متفقٌ عليها بين الأطراف المتحاربة على الأقل صاحبة الشأن الفعلي في الميدان السوري الحالي، نرى أن سورية حاضرةٌ على الموائد المستديرة، وعلى رؤوس القمم عالية الذرى.

"إذا كان الاتفاق النووي مع إيران على قائمة أولويات الولايات المتحدة والعالم، فإن صدى التوتر بشأن هذا الموضوع سينعكس على سورية"

انتهت خلوة مندوبي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في السويد قبل أيام، من دون أن يحقق المُختَلون أية نتيجةٍ في ردم الصدع المتمكّن من مجلس الأمن بشأن سورية، على الرغم من أن مندوب السويد في الأمم المتحدة، كارل سكاو، كان قد صرح: "نحتاج إلى أفكار جديدة بشأن الجانب السياسي لنسير قدمًا". وما يثير السخرية المرّة أن سفير إحدى الدول علق على الخلوة "مع كل هذه النزاعات المطروحة أمامه، وخصوصًا النزاع في سورية، ذهاب مجلس الأمن إلى منطقةٍ بعيدةٍ يبدو غير طبيعي". وتساءل "ماذا سيجري إذا وقع أمر خطير الآن؟". هل هناك أخطر من أن يموت شعبٌ على مدى أكثر من سبع سنوات بكل أشكال القتل ودوافعه؟ أن يقتل بالأسلحة التقليدية وبالسلاح الأبيض وبالبراميل والمدافع والكيميائي؟ وأن يُدفع إلى الهروب من موته إلى موتٍ آخر، وإذا أخطأه الموت تموت أرواحه في بلاد اللجوء ومخيماتها التي لا تقدّم له أكثر من فرصة البقاء على قيد حياةٍ تضمن تكريس الأوجاع كلها. ماذا فعل مجلس الأمن القريب؟ هل عندما تكون الخلوة في نيويورك سيهرع مجلس الأمن إلى وقف المقتلة السورية، ويحاكم المجرمين بحق الشعب السوري؟ هل سيمسك عصاه السحرية ويدفع الجيوش المحتلة أراضي سورية إلى خارج حدودها التي لم تعد أكثر من رسم في رمال متحركة؟

في المقابل، يُعقد في بروكسل مؤتمر للمانحين، من أجل جمع التبرعات لشعبٍ منكوبٍ، بينما نكبته مفتوحةٌ على أفقٍ غير منظور، وأميركا التي ما زالت لا ترى نفسها غير سيدة العالم يصرّح رئيسها، دونالد ترامب، أكثر من مرة، كان جديدها قبل أيام في المؤتمر الصحافي مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن على السعودية أن تدفع، وإذا كان بالغ الصراحة إلى درجة الفجاجة، في قوله إن بعض دول الخليج لا تصمد أسبوعا إذا رفعت أميركا الحماية عنها، فإن وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، اعتبر أن قطر هي المعنية بالكلام وليست السعودية، فعلا وضع العرب مهين. لقد كلفت هذه الحرب مئات المليارات، بل كلفت مبالغ فلكية، لأجل أن تبقى مستعرة، وقودها أبناء سورية، فلو كانوا حريصين على الشعب، وعلى صون وحدة أراضيه وحقه في حياة "ديموقراطية" كما يدّعون، لما كان بحاجةٍ إلى ملياراتهم، ولكانت هذه الأموال الجهنمية تكفي لأن ينهض ويصنع حياته من جديد، فهو شعبٌ عريقٌ ذو حضارةٍ وماضٍ، وهو شعبٌ، على الرغم مما أمعنت عقود الاستبداد في ترويضه وشل تفكيره وزرع بذور الفتنة بين أطيافه، لكنه ما زالت لديه خاماتٌ بشريةٌ مبدعةٌ في كل مجالات الحياة.

يظهر الواقع بشكلٍ لا مجال للبس فيه، أو الارتياب، لعبةً صارت مكشوفة، فقط لو يسترجع

"ما زلنا، نحن السوريين، غارقين في تفاصيل اللحظة، بدلاً من استعراض التفاصيل التي صنعت وتصنع مصيرنا في السنوات السبع الماضية" السوريون تفاصيل السنوات السبع، هذه التفاصيل هي ما تحمل الخبر اليقين، وليست معطيات اللحظة التي يبرع فيها السياسيون، ومعهم إمبراطوريات الإعلام، في تضليل الوعي وتعكير النفوس والضمائر.

ليست سورية المعافاة هي المقصد، إنما الموقف هو عملية كسر عظم، وكسر إرادات ووضع حدود للأطراف، بعضها تجاه بعضها الآخر. فما صار جليًا أن اللاعبين المباشرين، والذين أسّسوا لمفاوضات السلاح وليس السياسة، في أستانة، هم روسيا وإيران وتركيا، تلك الإمبراطوريات الغارقة والمارقة، وليست اللحظة الراهنة غير وريثتها، وقد عاد كل بلد منها إلى أصله الاستبدادي، في رسم طموحه الإمبراطوري، مستفيدين من تجاربهم التاريخية، وبأدوات تصلح لزمنٍ غير ذلك الزمن، وكانت سورية، وما زالت مطمعها جميعها، فالانقسام بشأن سورية لا يتسبّب بالضرورة بتقويض العلاقات بين هذه البلدان (روسيا وإيران وتركيا). إلا أن إيران المعزولة إلى حد كبير تفضل الحفاظ على علاقات إيجابية مع تركيا بشكل عام، وتركيا تفضل ألاّ تعتبرها إيران عدوًا لها، وروسيا تعرف كيف تدير التحالفات من أجل خدمة مصالحها وحنينها إلى إعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي. كانت استراتيجية الصراع والعلاقة بين هذه الدول الطامحة إلى إعادة أمجادها الإمبراطورية تقوم على ثلاث ركائز: الصراع والتلاعب والتعاون. وصارت الأدلة كثيرة أمام أعيننا، من صمت بعضهم عن جرائم آخرين، وعن بسط نفوذ على بعض الأمكنة، مقابل غض النظر عن أمكنة أخرى.

ما يجري في سورية مرهون بما سيقدم العالم من حلول لمشكلات وخلافات القوى العظمى. وإذا كان الاتفاق النووي مع إيران على قائمة أولويات الولايات المتحدة والعالم، فإن صدى التوتر بشأن هذا الموضوع سينعكس على سورية، وسنحصد نتائجه بعد كل الفتك الذي فتكوه بها. وما زلنا، نحن السوريين، غارقين في تفاصيل اللحظة، بدلاً من استعراض التفاصيل التي صنعت وتصنع مصيرنا في السنوات السبع الماضية، مصدّقين أو واهمين أنفسنا أن روسيا أو إيران أو تركيا حليفة للشعب، وأن أميركا والدول الغربية حريصون على الديمقراطية في سورية، حتى لو قامت على جماجم السوريين.

==========================

موقفنا : الحل السياسي والمجتمع المتجانس .. زهير سالم

7 / أيار / 2018

مركز الشرق العربي

تتم في سورية عملية إعادة تشكيل المجتمع السوري ، وصولا إلى صيغة ( المجتمع المتجانس ) الذي يحلم به بشار الأسد . مصطلح "المجتمع المتجانس " ليس سبق لسان بالنسبة لبشار الأسد ، وذهنه الكليل أعجز من أن يبتدع مثله ؛ بل هو أحد الأهداف الاستراتيجية المطروحة في مختبرات صنع القرار الدولية . هذا المصطلح الذي استمع إليهم على أفواه داعميه مرارا حتى ألقاه اللاوعي على لسانه لأكثر من مرة .

حلّ " المجتمع المتجانس " كان منذ انطلاقة الثورة الصيغة التوافقية التي عمل عليها الجميع بدأب ، وكان عيب هذه الصيغة الوحيد ، أنها تهدد الضفاف الغربية للمتوسط بالطفح البشري من طوفان المهجّرين ، وليس المهاجرين . عن نفسي فأنا مهجّر عن وطني منذ أربعين عاما ، ولم أكن مهاجرا بالمعنى الإرادي قط . فسدت ثغرة الخوف من هؤلاء بأن أوكلت الدول المعنية إلى الدول المضيفة أمر احتواء الأمواج البشرية ، بأي صيغة وبأي طريقة . سواء على الطريقة اللبنانية أو على الطريقة التركية فلا فرق بين الطريقتين لدى صانعي القرار الدولي .

بعض دول الجوار السوري اعترفت بالقرار ، وبدأت تتعامل معه إيجابيا وبتخطيط مديد منذ الأعوام الأولى ، ودول أخرى ما تزال تغص به وتحاول عرقلته ، أو التملص من أعبائه وتداعياته .

حين يقال إن بعض الدول قررت إيقاف دعم الأونروا الفلسطينية ، فمن حق أن نتساءل إلى أي مدى ستظل الدول المانحة تنوء بميزانيات المخيمات الداخلية والخارجية .

بشار الأسد ورث سورية وشعبها ، وطنا جاهزا ، عن أبيه ، ولكن حين وجدوا أن هذا الوطن فضفاضا جدا عليه قرروا أن يعيدوا ( تدويره ) أو ( تفصيله ) ليتناسب مع المقاس .

هذه الحقيقة المؤامرة كان شريكا فيها كل من وعاها من قيادات المعارضة السياسية في أطرها الوطنية والحزبية . بعضهم دعمها بالجهد ، وبعضهم دعمها بالصمت ، وبعضهم دعمها بالطمس وما يزال بعض الناس على عماها يطمسون ..

ـــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==================================

سورية.. التفاهم الدولي المفقود

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 30/4/2018

لم يكن إعلان هيئة أركان الجيش الروسي أن موسكو ستسلم قريبا منظومات دفاع جوي جديدة إلى سورية ردا على الضربة الأميركية البريطانية الفرنسية على مواقع تابعة للنظام السوري في 14 إبريل/ نيسان الجاري، فليس للضربة قيمة من الناحية العسكرية، ولا تتطلب من صناع القرار في الكرملين الانقلاب على التفاهمات القديمة مع الغرب حيال مستوى التسليح الروسي للنظام. على العكس، لم يأت الأذى العسكري من البوابة الأميركية، بقدر ما جاء من البوابة الإسرائيلية التي استطاعت في السنوات الماضية إلحاق ضرر بالغ في البنية العسكرية للنظام، وكان أعنفها هجوم فبراير/ شباط الماضي، حين ضربت 12 هدفا عسكريا، ودمرت نحو ربع منصّات الصواريخ.

إعلان الروس عزمهم تزويد النظام منظومات دفاع جوي متطورة مؤشر على دخول الصراع مرحلة متطورة، لا يُستبعد فيها حصول معارك مباشرة بين المتصارعين الإقليميين، بعدما كانت المعارك بالوكالة.

وبالنسبة لإسرائيل، هناك فرق كبير بين وجود هذه المنظومة على الأراضي السورية تحت إمرة الجيش الروسي وخضوعها لأوامر دمشق مباشرة. ومع أنه غير معلوم ما هي طبيعة منظومة الدفاع الجوي، إلا أن ثمة أسئلة تطرح حول جدية موسكو فعلا في تزويد النظام السوري بها، وربما تكون المسألة مجرد تهويش عسكري.

في كل الأحوال، يكمن مأزق المحور الروسي في أنه غير قادر على إيقاف الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية، ولا هو قادر على القيام بالمثل. بعبارة أخرى، تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل ضرب حلفاء الروس متى أرادتا، في حين لا تستطيع روسيا وحلفاؤها فعل ذلك. هنا المعادلة الصعبة لموسكو. ولذلك استغل الروس الضربة الثلاثية، ليعلنوا تخليهم عن التزاماتهم السابقة مع الولايات المتحدة، لجهة تسليح النظام، وكانوا يحتاجون مثل هذه الضربة، لتبرير هذا التصرف. والإشكالية الروسية الآن في كيفية مواجهة إسرائيل، لا الولايات المتحدة، ولم تكن مصادفة كشف روسيا أن إسرائيل هي التي نفذت الهجوم على قاعدة تيفور قرب تدمر في التاسع من إبريل/ نيسان الجاري الذي تم فيه ضرب الوجود الإيراني مباشرة. وإذا كان هذا الكشف قد وضع طهران في موقف حرج، إلا أنه كان نوعا من إطلاق يد إيران أو شرعنة ردها مستقبلا على أي هجوم إسرائيلي. إنها رسائل روسية إلى إسرائيل والولايات المتحدة مفادها أن موسكو لديها أوراق كثيرة للعب فيها، وهي قادرة على فعل المزيد.

ترافق التصعيد الروسي مع تصريحاتٍ لا تخلو من دلائل سياسية، حين أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أن موسكو لا تعلم كيف سيتطور الوضع في سورية،

"تبدو الأمور متجهةً إلى نوع من التنافس الحاد داخل الجغرافيا السورية، وقد بدأت بالفعل عمليات الاصطفاف الإقليمي ـ الدولي تأخذ مداها" فيما يتعلق بالحفاظ على وحدة أراضيها، وما صاحبها من تصريحاتٍ أخرى بشأن إمكانية تقسيم سورية. وإذا كانت هذه التصريحات توحي، في مضمونها، أن روسيا لم تعد قادرة على الإمساك بزمام الأمور في سورية، إلا أنها تبعث رسائل تهديدية مضمرة أيضا، مفادها أن موسكو قادرة على عرقلة الجهود الأميركية.

بدأت أولى مؤشرات العرقلة مع فشل خلوة مندوبي الدول الأعضاء في مجلس الأمن في السويد، ورفض الروس الانجرار وراء المطالب الغربية بإحياء المسار السياسي، إنها فرصة ثمينة لروسيا لترد الصّاع إلى الولايات المتحدة، فكما منعت الإدارة الأميركية قادة الكرملين من استثمار نجاحاتهم العسكرية على الصعيد السياسي بإفشالها مؤتمر سوتشي، تقوم موسكو اليوم بالمثل بمنع واشنطن من استثمار الضربة العسكرية الثلاثية على المستوى السياسي. وثاني مؤشرات العرقلة جاءت مع رفض روسيا تمرير مشروع القرار الدولي الثلاثي في مجلس الأمن، على الرغم من إجراء تعديلات مهمة في منطوق مشروع القرار بما يلبي المطالب الروسية.

أمام هذا الوضع، تبدو الأمور متجهةً إلى نوع من التنافس الحاد داخل الجغرافيا السورية، وقد بدأت بالفعل عمليات الاصطفاف الإقليمي ـ الدولي تأخذ مداها: واشنطن تعزّز أواصر تعاونها الإقليمي والدولي، وتفتح البوابة السورية على مصراعيها لدخول الحلفاء، في وقت تعمل موسكو على تثبيت حلفها الثلاثي وتطويره، ليصبح رباعيا، وربما خماسيا، بضم العراق ومصر إليه. ويشكل الاجتماع الثلاثي في 28 إبريل/ نيسان الجاري لوزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران محاولة لتثبيت أواصر الحلف، وتفعيل خطوات على الأرض، تتجاوز مسار أستانة الذي فقد مقومات بقائه.

ليس هدف كل هذه المعطيات ترتيب المكان والزمان للمواجهة الكبرى، فهذه لن تحدث في سورية وفق المعطيات القائمة، فما تريده روسيا هو تصحيح منظومة العلاقات الدولية، خصوصا المتعلقة بالولايات المتحدة، والاعتراف للروس بمكانتهم ودورهم في الساحة الدولية، فيما تعمل الولايات المتحدة على ترتيب الجغرافيا العسكرية والسياسية في سورية، بما يمنع المحور الروسي من الاستحواذ على هذا البلد بشكل كامل، مع ضمان حصصهم الاستراتيجية فيه.

تذكّر التطورات العسكرية منذ بداية العام الجاري (2018) بأحداث مطلع عام 2014، حين تم إغلاق الملف السياسي نحو عامين، قبل أن يفتح من جديد مطلع عام 2016. وبين هذين التاريخين، حدثت تطورات عسكرية كبيرة، ساهمت لاحقا في تشكيل البنية السياسية/ القانونية لقرار مجلس الأمن 2254.

==========================

"باي باي" للثورات الشعبية!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 28/4/2018

مغفل من يعتقد أن دول العالم التي تشكل ما يُعرف بالأمم المتحدة دول مستقلة لديها قرارها الوطني المستقل، وأنها تضع سياساتها الخاصة بها. لا أبداً، فلو نظرنا فقط إلى ديكتاتورية مجلس الأمن الدولي التي تحكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية لتأكدنا أن كل الدول خارج المجلس هي مجرد توابع وأدوات في أيدي الدول الأعضاء الخمس. وقد قال السياسي والمفكر البريطاني اليساري الشهير طوني بن ذات يوم "إن أسوأ ديكتاتورية في التاريخ هي ديكتاتورية مجلس الأمن الدولي، حيث تحكم خمس دول الدول المائة والتسع والثمانين الباقية". وبالتالي هل يمكن أن يسمح الديكتاتوريون الخمسة للدول والشعوب التابعة بأن تقرر مصيرها بيدها عن طريق الثورات الشعبية أو حتى الانتخابات الحرة؟ بالطبع لا، لأن العالم نفسه مصمم على أساس ديكتاتوري استبدادي، ومن يحكم العالم عن طريق الاستبداد لا يمكن أن يسمح للمحكومين أن يثوروا، أو أن يقرروا مصيرهم بأيديهم عن طريق ثورات شعبية. لا أحد إذاً يحدثنا عن ثورات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي، فكل ما شهدناه من تحولات وتغيرات لم تكن أبداً ثورات، بل مجرد انقلابات مبرمجة ومنظمة تحت إشراف القوى الكبرى والحكومات الخفية التي تحكم هذا العالم.

لو أخذنا مثلاً الثورة الإيرانية على نظام الشاه عام 1979 سنرى بسهولة أنها لم تكن أبداً ثورة شعبية كما صوروها وأخرجوها، بل كانت ثورة مرتبة من الغرب وأمريكا تحديداً. لقد انتهت مهمة شاه إيران كما أنهوا من قبله رئيس الوزراء الإيراني الشهير محمد مصدق بمؤامرة اعترفت بها وكالة المخابرات الأمريكية السي آي أيه وأجهزة غربية أخرى. وقد رأى كبار هذا العالم وقتها أن المطلوب الآن إيران جديدة بتوجه ديني ومذهبي فاقع لإعادة هندسة الشرق الأوسط وخرائطه. كيف نسميها ثورة وقد كان الخميني يرسل أشرطته لتحريض الشعب الإيراني على الشاه من باريس تحت مسمع ومرأى الاستخبارات الغربية؟ لقد أراد الغرب دوراً جديداً لإيران يتمثل الآن فيما تفعله في الشرق الأوسط. لا أحد يقول لنا إن إيران تفعل كل ما تفعل بالعراق ولبنان وسوريا واليمن وربما لاحقاً ببلدان خليجية بقواها الذاتية، لا أبداً، بل بمباركة أمريكية مفضوحة، فمن سلم العراق لإيران على طبق من ذهب لا يمكن أن يتصدى للإيرانيين في سوريا ولبنان واليمن. وعندما ينتهي دور إيران الخمينية سيتغير نظامها كما تغير من قبل نظام الشاه.

حتى ثورات أوروبا الشرقية لم تكن ثورات شعبية أبداً، بل كانت بدورها بتحريض وترتيب أوروبي أمريكي، وقد سبقها تحضير لعشرات السنين بالدعاية والتحريض قبل أن تندلع أخيراً في نهاية ثمانينات القرن الماضي. بعبارة أخرى فإن انتقال الأوروبيين الشرقيين في تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وهنغاريا وبلغاريا ورومانيا وبولنده وغيرها من الحكم الشيوعي إلى الحكم الرأسمالي الغربي لم يكن قراراً ذاتياً داخلياً، بل كان قراراً غربياً ليس حباً بشعوب أوروبا الشرقية، بل كرهاً بالنظام الشيوعي الذي كان العدو الأول للغرب على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان. لاحظوا أن الأوروبيين الشرقيين لم يختاروا النظام الذي يريدونه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وخروجهم من تحت المظلة الشيوعية، بل انضموا فوراً إلى النظام الأوروبي الغربي تماماً كما أرادت أمريكا وأوروبا الغربية. وبالتالي لا تحدثونا عن ثورات شعبية، طالما أن الشعوب كانت تحت النير الشيوعي، ثم انتقلت إلى المعسكر الغربي كما لو كانت مجرد قطعان من المواشي.

لا أحد يحدثنا عن انتصار فيتنام على أمريكا. ولا أحد يحدثنا عن انتصار المجاهدين الأفغان على الاتحاد السوفياتي، ففي حالة فيتنام كان الفيتناميون يقاومون أمريكا بقوة السوفيات والصينيين، وفي أفغانستان كان المجاهدون الأفغان والعرب يقاومون السوفيات بقوة أمريكا وأوروبا. وبالتالي لسنا بصدد ثورات، بل بصدد حروب بالوكالة بين الكبار أنفسهم.

وإذا كانت الشعوب الأوروبية الشرقية الأكثر تقدماً وتطوراً من الشعوب العربية بمراحل مجرد قطع شطرنج في لعبة أمم كبرى، فما بالك بالعرب المساكين؟ هل يعقل أن يسمحوا لهم بالثورة واختيار النظام السياسي والاقتصادي الذي يطمحون إليه إسلامياً كان أو غير إسلامي؟ بالطبع لا، ولهذا فإن ضباع العالم كان للشعوب العربية بالمرصاد عندما بدأت تخرج إلى الشوارع للثورة على طغاتها الذين عينهم الغرب نفسه حكاماً على البلاد العربية. وهناك رأي آخر يقول إنه حتى ما يسمى بالربيع العربي لم يكن مطلقاً فعلاً شعبياً عربياً، بل كان مجرد لعبة غربية في المقام الأول لا تختلف عما يسمى بالثورة العربية الكبرى عام 1916 عندما لعب البريطانيون بعقول الشريف حسين وشركائه وحرضوهم على الثورة على العثمانيين، لا كي ينالوا استقلالهم بل كل يقوم الغرب فيما بعد بانتزاع المنطقة من مخالب العثمانيين وتقسيم البلاد العربية حسب اتفاقية سايكس ـ بيكو سيئة الصيت.

وحتى لو كان الربيع العربي في بداياته فعلاً شعبياً خالصاً، فمن المستحيل أن يسمح ضباع العالم وكلابه للشعوب الثائرة أن تختار أنظمتها وتحقق مصيرها. لا أبداً، فلا بد لتلك الشعوب أن تبقى ضمن الحظيرة الغربية الكبرى. ومن شدة بساطة شعوبنا أنها كانت تستنجد بالقوى الغربية على الجلادين الذين يحكمونها، مع العلم أن الغرب هو من نصّب هؤلاء الجلادين طواغيت على بلادنا لمصالحه الخاصة، تماماً كما فعل في إيران من قبل.

لا تتوقعوا من الآن فصاعداً ثورات كتلك التي تغنّى بها الشعراء والرومانسيون والطوباويون من قبل، فتلك لن تعود في ظل النظام العالمي الجديد مطلقاً. وإذا شاهدنا لاحقاً أي تحولات أو ما يشبه الثورات الشعبية، فاعلموا أنها مبرمجة ولا علاقة لها بالشعوب.

٭ كاتب وإعلامي سوري

==========================

هزيمة الغرب في سورية

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 28/4/2018

تعاقبت، في الأسابيع والأيام الأخيرة، المبادرات الدولية للخروج من المأزق الخطير الذي وضعت فيه سياسة الإبادة الجماعية والتدمير المنهجي لموطن السوريين ومدنهم وقراهم المجتمعَ الدولي بأكمله. وتوالت اللقاءات بين قادة الدول الكبرى وخلوات مجلس الامن للتداول في مخاطر ترك الوضع السوري نهب النزاعات الدولية والإقليمية. ويكاد لا يحصل لقاء قمة اليوم بين الدول الفاعلة من دون أن تكون القضية السورية في محور مناقشات الزعماء ومداولاتهم.

تبرهن هذه التغيرات السياسية على الصعيد الدولي حقيقة أن الاستعصاء الذي عرفته مفاوضات الحل السياسي في سورية  لم يأتِ نتيجة انقسام المعارضة، كما كانت تدّعي وتتذرع دولٌ كثيرة، ولا نتيجة رفض المعارضة أو السوريين الحوار فيما بينهم، وعجزهم عنه، وإنما بسبب الصراعات الدولية والمواجهات الجيوسياسية التي استخدمت الصراع السوري لخدمة أغراضها وأمسكت بمفتاح الحل فيه. وفي هذا السياق، ينبغي أن نفهم التدخلات الإيرانية والروسية التي هدفت إلى الحيلولة دون انتصار الثوار السوريين، والمساومات الدولية المستمرة وغير المعلنة التي قلبت مسار الحرب أكثر من مرة، ومنعت أي حسم عسكري بانتظار نضوج العروض السياسية.

ولعل أهم هذه العروض الجديدة ما تداولته الصحافة عن عرض قيل إنه قُدّم من الغربيين للروس لقاء تخليهم عن الأسد وقبولهم الإفراج عن مفاوضات الحل السياسي، وإنهاء المحنة السورية. وحسب ما أوردته الصحافة، تضمن العرض الغربي ثلاثة بنود. الأول الاعتراف لروسيا بقاعدتيها العسكريتين، البحرية والجوية، في طرطوس وحميميم، على المتوسط، وضمان الحفاظ عليهما حتى بعد تغيير النظام، واعتبار ذلك حاجةً ومصلحةً شرعية لروسيا لترتيب أوضاع أساطيلها في المتوسط. والثاني تقديم الأموال الضرورية لإعادة إعمار سورية وإنقاذ موسكو من السقوط في مستنقع مشابه للذي وقعت فيه واشنطن في العراق، ولا تزال تغوص في وحوله من دون أن تعرف كيف تخرج منه، والثالث استيعاب روسيا في النظام الغربي، واعتبارها شريكاً في أي قرار يتعلق بالمسائل الدولية، بحيث لا يتم البحث في حل أي مشكلة دولية من دون مشورتها ومشاركتها.

إذا صحَّ خبر هذا العرض، نستطيع القول إن هناك انقلاباً كاملاً في السياسة الغربية تجاه

"الاستعصاء الذي عرفته مفاوضات الحل السياسي في سورية ليس نتيجة انقسام المعارضة، كما كانت تدّعي وتتذرع دولٌ كثيرة" روسيا، واعترافاً من الغرب بهزيمته في سورية في المرحلة الراهنة، واستعداده للعمل مع روسيا للخروج من لعبة التحطيم المتبادل، المستمرة منذ سبع سنوات، والتي كانت سورية وشعبها ضحيتها الرئيسية.

أعاد هذا النبأ إلى الذاكرة مداولاتي مع الروس والغربيين في بداية تشكيل المجلس الوطني السوري، والذي رأسته شخصياً في أشهر إطلاقه الأولى. وهي تظهر، كما سأبين، أن الغرب كان يستطيع، بأقل من هذه التنازلات بكثير، أن ينال تعاون موسكو في البحث عن حل سياسي جدي، ويحول دون حصول الكارثة السورية، لو قبل بوضع حد لاستهتاره بروسيا ومصالحها، واعترف بها طرفاً مؤهلاً للحوار، وشريكاً في التعاون على التخفيف من حدة الصراعات والنزاعات الدولية، تماماً كما حصل في مواجهة الحرب ضد "داعش"، وكما يحصل الآن عندما يزحف الغرب على أعتاب الكرملين، بحثاً عن حل يخرجه من الورطة التي وضع نفسه فيها، بسبب تخبط سياساته، وموقفه الهزيل والخاطئ معاً من الثورة والمعارضة السورية، ومن أحداث الربيع العربي عموماً.

(1)

بعد أسابيع من تشكيل المجلس الوطني السوري، تلقيت دعوة من وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، لزيارة موسكو، والتباحث حول المسألة السورية في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 . وكان ذلك مصدر تفاؤل كبير لنا، لاعتقادنا أن من الممكن أن يفتح ذلك نافذة في الموقف المتصلب والمعادي الذي وقفته موسكو من الثورة السورية في الأشهر الثمانية الماضية التي امتلأت فيها شوارع سورية وساحاتها بدماء المتظاهرين السلميين. لكنني من اللحظة الأولى للمقابلة، فوجئت بخطاب عنيف وقاس يستهدف قضيتنا، حتى لو أن جام غضب الوزير الروسي قد انصب على خداع الغرب وسياساته العدوانية. والواقع أن حديث لافروف مع وفد المجلس كان بأكمله مرافعةً اتهاميةً لا تنتهي ضد الغرب وسياساته، في العراق وليبيا وأوروبا، وتدخله الدائم في الشؤون الخاصة بالدول، وتحضيراته للتدخل المقبل في سورية، ومن ثم تأكيد تصميم الروس على مقاومة هذه السياسة، وعدم التراجع خطوة واحدة هذه المرة.

كان جهدي كله منصباً عندما يأتي دوري في الكلام على إعادة الحديث إلى الموضع السوري، والتذكير بما يحدث في سورية، والتداول في إمكانيات وفرص التفاهم لوضع حد لسفك الدماء، والتوصل إلى مخرج من الأزمة المتفاقمة. لكن في كل مرة كان لافروف ينقل الحديث، من دون مقدمات، إلى موضوع خداع الغرب وعدائه الروس والشعوب، ويتجنب متعمداً أي دخول في النقاش الذي ذهبنا من أجله. عبثاً حاولتُ أن أجرّه إلى الموضوع السوري، وإقناعه بأن الأمر يتعلق بتغيير سياسي داخلي، ولا يهدف بأي شكلٍ إلى تغيير تحالفات سورية الاستراتيجية وتوجهاتها الدولية، وأن قاعدة طرطوس البحرية الروسية لن تمسّ، بل إنه لا مانع لدينا للسماح لموسكو ببناء قاعدة عسكرية إضافية. ومما حاولت أن أركز عليه أن الشعب السوري غيور على استقلاله وسيادته، ولذلك سعى منذ الاستقلال إلى إقامة علاقات قوية مع روسيا لموازنة علاقاته مع الغرب، وأن المعارضة حريصةٌ على الحفاظ على هذه العلاقات التاريخية، والتعاون المثمر مع روسيا، وأظهرت حماساً أكبر لهذه الفكرة فقلت: لو تخليتم أنتم عنا نحن لن نتخلى عنكم، لأننا لا نريد أن نسقط في دائرة التبعية الأحادية للغرب.

ولا أعتقد أنه كان خادعاً، عندما رمى بعروضي جميعاً عرض الحائط، وبكلمة واحدة، قائلاً:

"يمكن القول إن هناك انقلاباً كاملاً في السياسة الغربية تجاه روسيا، واعترافاً من الغرب بهزيمته في سورية"  إن قاعدة طرطوس لا قيمة عسكرية لها، وهي مجرد منصة لتزويد السفن الروسية بالخدمات، وأن روسيا لا تبحث في موقفها عن مكاسب في سورية، وأن الأسد كان حليف الغرب ورجله، ولم يقم بزيارة لروسيا سوى بعد خمس سنوات من رئاسته، وأن ما يهم موسكو في هذا الموضوع هو منع التدخل الغربي في سورية والحفاظ على حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه.

وقد أصبح جلياً لي، بعد ما يقرب الساعة من المداولات، أن سورية بأكملها لا تعني روسيا كثيراً، وهي ليست في محور اهتمامها الرئيسي لتحقيق مكاسب مادية أو سياسية. كانت أكثر من ذلك بكثير، فرصة لا تعوّض من أجل إظهار إرادة روسيا التي لطختها العنجهية الغربية بالوحل، وقدرة موسكو على تحدي إرادة الغرب، وإفشال خططه في سورية، وعدم السماح له بتحقيق ما نجح به في العراق وليبيا، ومن قبل في أفغانستان وأوروبا الشرقية، بصرف النظر عن أي اعتبار آخر، ومهما كانت التكاليف والخاسرون الذين صدف وكانوا عموم السوريين.

قلت بعدما يئست من إمكانية زحزحة الوزير عن مواقفه المتصلبة، ورفضه الحديث عن المحنة السورية من وراء المبالغة في التركيز على عدوانية الغرب وتدخلاته العسكرية، وبهدوء بالغ: سعادة الوزير، انظرْ إلي جيداً. أنا لستُ غربياً، ولم آتِ إلى هنا ممثلاً للغرب، ولا لمناقشة الخلافات الروسية الغربية، ولا يهمني الآن مصير علاقتكم مع الغرب. أتيت إلى هنا ممثلاً لشعبٍ يذبح كل يوم مئة مرة، وهو شعب محب لروسيا، وصديق لها منذ سبعين عاماً، لا صديق الغرب، ثم إنك تتحدث مع إنسان قضى عمره في نقد سياسات الغرب، وأولها حماقته في غزو العراق وليبيا. إذا كانت لديكم حساباتٌ مع الغرب، فالرجاء أن لا تسعوا إلى تصفيتها على حسابنا، فنحن شعبٌ صغيرٌ لا يتحمل مثل هذا الصراع.

هذه كانت اللحظة الأولى التي خرج فيها عن تجهمه وحدَّ من لهجته العدائية، وأظهر ما يشبه الابتسامة علامة الرضى. لقد أدرك بالتأكيد أن رسالته قد وصلت. وأصبح بإمكاننا أن ننتقل إلى الحديث في محنة سورية ومأساتها. واستمر اللقاء ضعف الوقت الذي كان مخصصاً له، ثم بعد اعتذاره بسبب ارتباطاتٍ أخرى، أحالنا إلى مساعده ومستشار الرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف لمتابعة الحوار معه أكثر من ساعتين إضافيتين، وكان بوغدانوف في ذلك اللقاء مثالاً للود والتفهم والعطف على القضية السورية.

(2)

كان الغربيون، وهنا بيت القصيد، ينتظرون نتائج لقائي مع لافروف بفارغ الصبر. فقد كانوا يفتقرون لأي خطة عمل من أي نوع، عسكرية أو سياسية، في المسألة السورية، نتيجة الموقف الذي اختاروه في عدم التورط وتكرار نمط التدخلات الكارثية التي جرت في العراق وليبيا ومن قبل في أفغانستان. وكانت سياستهم الوحيدة تجاه الأزمة السورية الوصول إلى مفاوضاتٍ تجمع المعارضة والنظام. وهكذا شجعوا على إصدار مبادرة جامعة الدول العربية التي تحولت إلى مبادرة دولية باسم مبادرة جنيف، في يونيو/ حزيران 2012، واكتفوا بفرض بعض العقوبات على النظام. لكن العجيب أن كل رهانهم كان مرتبطاً بإقناع الروس بالضغط على النظام، لدفعه إلى قبول الحل السياسي، في الوقت الذي كان كانت فيه موسكو هي التي تضغط على النظام لتعطيل المفاوضات والاستمرار في الحرب، لتبقي مفتاح الحل في يدها وسيلةً للضغط على الغرب، ووضع دبلوماسيته واستراتيجيته السلمية في طريق مسدود، وتجرده من أي خيارٍ بديل.

أمام تصلب الروس، لم يكن لدى الغرب الذي وجد سياسته للحل السلمي والمفاوضات في مأزق لا مخرج منه، وحرم نفسه من أي بديلٍ باستبعاده كل الخيارات الأخرى، لم يبق في يده سوى الانتظار، ونصح المعارضة وتشجيعها على الحوار مع موسكو، ربما في انتظار معجزة انقلاب الموقف الروسي على نفسه، أو اعتقاداً بأن روسيا لا تملك وسائل الاستمرار طويلاً في سياستها المعطلة لمجلس الأمن.

في هذه الأجواء، كان من الطبيعي أن ينتظر الغربيون بفارغ الصبر نتائج لقائي الأول مع الوزير لافروف لمعرفة اتجاه الريح. وكان تقديري الذي نقلته لهم، من دون ذكر تفاصيل الحوار مع الوزير الروسي، أن موسكو ليست مغلقة تماماً على الحوار، ومن الممكن تطوير موقفها، لكن ما تطلبه ليس في متناولنا نحن السوريين، لسوء الحظ، ولا يهمها كثيراً كل ما نقدمه لها. قالوا كيف ذلك؟ قلت إن ما تطلبه موسكو لا يوجد إلا عندكم، وهو احترامها واعترافكم بها شريكاً في السياسة الدولية، وهذا ما يهمها أكثر من أي قواعد عسكرية واستثمارات اقتصادية في سورية. فهي غاضبة منكم وناقمة على تعاملكم معها بالعقوبات كدولة من الدرجة الثانية. وذكرت لهم بعض أفكار المرافعة العنيفة التي سمعتها من الوزير لافروف ضد سياساتهم. وأضفت: لذلك إذا أردتم ان تساعدونا، نحن السوريين، لا يكفي أن تفرضوا عقوبات على روسيا، ينبغي، بالتوازي، أن تفتحوا حواراً معها. كان الجواب حاسماً وفورياً ومن دون تردد : هذا مستحيل. وليس الحوار الذي تريده موسكو حول سورية فحسب. بالعكس إنها ترفض الحوار عن سورية، لأنها تريد أن تستخدم قدرتها على تعطيل الحل وسيلةً لفتح حوار شامل مع الغرب. وهذا ما فهمه الغربيون أيضاً ورفضوا الحديث فيه. وقد أدركت بعد هذه المحادثة أن قضيتنا، نحن السوريين، في مأزق عميق. وكتبت بعدها أنه لا مخرج من المحنة السورية إلا بأحد حلين: تفاهم بين موسكو وواشنطن أو تفاهم بين الأطراف السورية فيما بينها. وكلاهما بدا في تلك اللحظة بعيد المنال، بل من باب المحال.

كانت تلك من أكثر اللحظات يأساً في حياتي، ليس لأنني أدركت انسداد الأفق السياسي لأزمةٍ يذهب ضحيتها مئات الشباب كل يوم، لحساب عملية تصفية حساباتٍ في النزاع الغربي الروسي، وإنما أكثر من ذلك لأن المعارضة التي كنت أنتمي لها كانت في عالم آخر، غير قادرة على فهم مثل هذا الكلام ولا حتى سماعه، زاحفة نحو السلاح، واثقة من النصر، ومنغمسة في الإعداد لحقبة ودستور ما بعد الأسد، ومنشغلة بتوزيع مناصب السلطة والنفوذ فيها على الأحزاب والتجمعات والمجموعات المتنازعة.

(3)

في انتظار أن يرضخ الغربيون لمطالبها، قرّرت روسيا أن تستخدم سورية ميداناً لإبراز إرادتها القوية في المواجهة السياسية، وقدرتها على إنزال الأذى بمصالح الغرب العليا، أي بسمعته وصدقيته الاستراتيجية والأخلاقية، إلى أبعد مما كان الغرب يتصوّره، وتدفيع حكوماته 

"لافروف: ما يهم موسكو

منع التدخل الغربي في سورية" المستهترة بالقانون الدولي ومصالح الشعوب وسلامها، ثمن سياساتها السابقة، أكثر ما يمكن من الإذلال والإهانة. وهكذا أطلقت أيدي الأسد وحلفائها الإيرانيين على الجبهة العسكرية، وأغلقت طريق المفاوضات السياسية، واكتفت على الجبهة الدبلوماسية بالمناكفات في مجلس الأمن، وتقطيع الوقت بمشاوراتٍ لا تنتهي بشأن قراراتٍ أممية لا تكاد تصدر، بعد تفريغها من محتواها، وسحب الصاعق منها، حتى تفقد قيمتها، لتبدأ مشاوراتٌ جديدةٌ على قرارات بديلة، وهلم جرّا.

وبعكس ما يعتقد كثيرون، لم يكن استخدام الأسلحة المحرمة في الحرب السورية، بما فيها الكيميائية، مبادرة منفردة أو طائشة من الأسد وحلفائه الإيرانيين. وما كان في وسع هؤلاء أن يسمحوا لأنفسهم بتحدي الإرادة الدولية، الحساسة جداً في هذا الموضوع، لو لم تكن تلك إرادة الروس أنفسهم في سعيهم إلى إظهار مدى قدرتهم على الذهاب بعيداً في تحدي سياسة الغرب وتحطيم منظومة القيم والتقاليد والأعراف الدولية التي يقيم عليها أركان هيمنته العالمية. المستخدم الحقيقي والأول لأسلحة الدمار الشامل، التي طالما ادّعى الغرب أنه لن يقبل أن يستخدمها أحد، وبنى شوكته على فرض احترامها عندما يريد، هي موسكو. والهدف هو بالضبط كسر صدقية الغرب، وإظهار عجزه وقلة حيلته وتراجعه أمام إرادة روسيا الحديدية.

لقد أراد الروس تمريغ وجه الغرب في الوحل في سورية، وقد فعلوا ذلك، وربحوا هذه الحرب. وحاول الغربيون أن يغطوا على هزيمتهم وانسحابهم من المواجهة مع روسيا بتضخيم مسألة الحرب على الاٍرهاب، والتطبيل الإعلامي لمساهمتهم فيها، لكنهم في المحصلة النهائية خسروا الحرب الاستراتيجية، وتركوا سورية رهينة في يدي موسكو وطهران. لم يحصل ذلك بسبب التفوق العسكري الروسي عليهم، ولا بسبب افتقارهم الحنكة والحكمة والتفاهم فيما بينهم، ولكن لأنهم لم يفهموا طبيعة الحرب، وأبعادها العولمية وقرّروا منذ بداية الأحداث السورية أن يبقوا خارجها، وأن لا يتورّطوا فيها، أي أن لا يكون لديهم أي خيار، لا سياسي ولا عسكري، وأن يتركوا مفتاح الحل في يد غيرهم، واكتفوا من الخطط السياسية بالعقوبات والتصريحات العنترية استراتيجية لردع الروس أو الايرانيين وفرض التراجع عليهم. فخرجوا من الصراع قبل أن يبدأ، وأخفوا انسحابهم واستقالتهم الأخلاقية والسياسية وراء سحابةٍ هشّةٍ من الحديث عن انقسام المعارضة وتشتتها.

والواقع أن الغربيين قد فكروا بمنطق الحسابات والمكاسب المادية الصغيرة، واعتقدوا أن سورية لا تملك ما يثير الحماس لإنقاذها، وهي لا قيمة لها ولا أهمية، وأقنعوا أنفسهم بأن روسيا لن تفيد من احتلالها شيئاً، إن لم تدن نفسها بالسقوط في مستنقع أفغاني جديد. لكن الروس الذين لم يفكروا بسورية أصلاً، ولا بمواردها الطبيعية، ولم يهمهم مصير شعبها، لكنهم جعلوا من إبادته الجماعية درساً وعبرة للغربيين وغيرهم، نظروا إليها حرباً استراتيجية لتغيير موازين القوى وقواعد الاشتباك العالمية، وتعاملوا معها فرصة لتحطيم كبرياء الغرب وغطرسته وإنهاء استفراده بالقرار الدولي، أي مناسبة لتقويض صدقيته الاستراتيجية، وزعزعة هيمنته الإقليمية والعالمية، وتركيعه، وإظهار جبنه ونذالته أمام أنظار شعوب العالم أجمع.

هذا هو المعنى الحقيقي للعرض الذي تحدثت الصحافة عن تقديمه من الغرب لروسيا في سبيل وقف المذبحة السورية. وهو يمثل اعترافاً من الغرب بفشله في التعامل مع المسألة السورية، وخسارته المبادرة في الشرق الأوسط، بسبب رفضه الالتزام بمسؤولياته الدولية، والتخلي عن التضامن الإنساني الذي هو جوهر رسالة المنظمة الدولية ومواثيق الأمم المتحدة ومبرّر وجودها.

والسؤال: ماذا ربحت روسيا بالضبط، وهل هي قادرة على تحمل تكاليف هذا "النصر" الأكثر مرارة وخطراً من الهزيمة؟ وهل ينجح الغرب في ضم روسيا إلى دائرة القرار الدولي، ويقطع الطريق على ولادة حرب باردة جديدة تهدد بتحويل سورية إلى كورية ثانية، أم هو في طريقه إلى بلورة الرد الرامي إلى تقويض صعود روسيا والقضاء على مكاسبها الهشة الجديدة؟ للحديث بقية.

==========================

الرسالة ونتائجها الظاهرة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 28/4/2018

تتضح يوميا نتائج ضربة واشنطن ولندن وباريس العسكرية التي استهدفت مرافق كيميائية وعسكرية أسدية في سورية. وقد سبق أن تساءلت عن القصد منها، إن كانت لم تستهدف الأسد، أو غلبته العسكرية، أو وقف الحرب، أو الاحتلالين الإيراني والروسي، وقلت إنها رسالةٌ حملت التحديدات الثلاثة التالية:

لا لانفراد روسيا بالحل، ولا حل في صيغة أمر واقع روسي. لا لحل روسي مع إيران وتركيا، ولتجاهل الغرب ومصالحه. الحل دولي ويجب أن يكون طرفاه روسيا والغرب، مع مراعاة مصالح إيران وتركيا التي لا يجوز أن تخرج عنه. لا حل تمليه انتصارات النظام والروس والإيرانيين. الحل يجب أن تمليه القرارات الدولية وموازين القوى بين روسيا والغرب، مع التذكير بوجود أوروبا العسكري الثابت في سورية، وبالقوات البريطانية والفرنسية والألمانية المقاتلة التي تنتشر في قواعد بعضُها مشترك مع الأميركيين، وتضم مختلف أنواع الأسلحة، ويعترض قادة بلدانها على انسحاب قوات واشنطن من سورية.

لم تستهدف الضربة النظام ورئيسه، لأنها كانت رسالةً تتخطاه عنوانها روسيا، هدفها تحديد علامات حمراء أميركية/ أوروبية مشتركة لبيئة الحل الدولي، بالتعاون معهم، وبما يترك لهم مكانة فيه، ويطالبهم بنوعٍ من الممارسات والخيارات، تقيد فلتانهم على مناطق خفض التصعيد والتوتر، وحرية الأسد وإيران في المناطق خارجها، وتبدل نمط علاقاتهم مع طهران وأنقرة، لينفتح بالنتيجة باب التفاهم بين الغرب والكرملين على تطبيق القرارات الدولية بشأن سورية، أو على أية تفاهمات أخرى يمكن التوافق حولها، ويؤدي إقرارها إلى إغلاق باب الحل المنفرد وحل الأمر الواقع الذي يبدو كأن موسكو تحثّ الخطى نحوه، وتريد فرضه بالقوة على عالم أفهمتها الرسالة أنها ليست أقوى دولة.

فتح الغرب باب التواصل مع الروس، في خلوة عقدت بدعوة من السويد، يقال إن مندوبا من نظام الأسد كان بين الذين تابعوها عن كثب، لكن رد الروس جاء عصبيا وحربجيا ومشحونا بمختلف أنواع التهويل والأكاذيب التي أرادوا من خلالها تجنب ما سببته الضربة لهم من حرج، فهم تارة أبعدوا غواصة بريطانية عن الساحل السوري، فلم تطلق صواريخها، أو وضعوا خطوطا حمراء التزمت الدول الغربية بها، وطورا يعلنون أن الضربة أسقطت "الوازع الأخلاقي" الذي منعهم من إرسال صواريخ إس 3000 إلى الجيش الأسدي (وصلت الصواريخ يوم 21 من إبريل/ نيسان الجاري وسط إجرءات غير مسبوقة في مرفأ طرطوس، كتغطيته بغلالة من دخان حجبت الرؤية عنه!)، ثم بدأ وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يهدّد بتقسيم سورية، قبل أن يدخل بوتين على الخط، ويرد بلغةٍ تصعيديةٍ على الضربة، وما تلاها من تطوراتٍ وضعت روسيا بين أمرين أحلاهما مر: عسكري لا يمكنها تجاوزه، وسياسي يفتح أمامها باب الخروج من رهانٍ ربما كان باستطاعته قهر ثورة السوريين، لكنه لا يستطيع لي ذراع أميركا وأوروبا اللتين أقدمتا على تحدٍّ لم ينفع معه تهويل سفير موسكو في بيروت بـ"الرد على مصادر العدوان"، أو مبالغات الجنرالات الروس بقدرات أسلحتهم الرادعة.

يبدو أننا أمام تطورٍ يقود إلى انخراط غربي محسوب في المسألة السورية، ستستخدم فيه وسائل لم يسبق أن استخدمت من قبل: على الصعيد السياسي بالدرجة الأولى، ومن ثم العسكري، التزاما بالمحدّدات الثلاثة التي ذكرتها في مطلع هذا النص، والتي يبدو أنها ستلزم الغرب بمواقف لم يسبق له أن اعتمدها، فيها نهاية حقبة انفرد الروس خلالها بسورية.

==========================

مات نظام الأسد قبل هذا الانتحار

يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 28/4/2018

بَعَثَ تأخير أو عرقلة أو منع دخول فريق المفتشين الدوليين للتحقيق باستخدام السلاح الكيميائي في دوما قرب دمشق رسائل تحدٍ في كل الاتجاهات. في كلمته قبل الأخيرة أمام مجلس الأمن، وعلى الرغم من الوقاحة و"الغوبلزية"، كاد ممثل نظام الأسد، بشار الجعفري، أن يرجو الجهات المعنية إرسال بعثة تقصي حقائق؛ وغايته في طرحه ذاك تدعيم مرافعته بأن ادعاء أميركا وشركائها استخدام نظامه الكيميائي زائف ومفبرك. ربما كان الجعفري عندها بين شكٍ ويقين أن الضربة الغربية لمواقع تصنيع أداة القتل قد تقع أو لا تقع؛ وربما لم يكن على علم بحجمها وطيفها: محدودة أو واسعة، تأديبية أم قاتلة.

معروف أن روسيا، وهي حامية نظام الأسد، حالت دون مجرّد التجديد للجنة التحقيق، مستخدمة حق النقض (الفيتو)؛ وقبل رد الفعل الغربي، وصلت الأمور بممثلي الأسد وبوتين إلى تحدّي الدول التي اتهمت نظام الأسد باستخدام السلاح الكيميائي أن يرسلوا اللجنة.

وها هي اللجنة تصل إلى دمشق؛ بعد تأخرها أياما، وبعد إطلاق النار عليها. وهنا بدأت رسائل التحدي تُرشَق بكل الاتجاهات، في مقدمتها رسائل للدول الثلاث التي استهدفت مواقع لها علاقة بالكيميائي الأسدي. مفاد الرسالة: لقد دفع النظام ثمن فعلته مقدماً، فحتى لو ثبت استخدام الكيميائي فالثمن مدفوع سلفاً؛ فلماذا التفتيش! والمفارقة أن المنع يأتي علنياً؛ فما من جهةٍ، إلا النظام وأعوانه، يمكن أن تطلق النار على اللجنة؛ لا للقول إن المنطقة غير آمنة، بل للمنع العلني من الدخول، حتى لو قيل إن هدف المنع إخفاء الدليل. وهذا ربما جوهر التحدي والتصدي لما سمّاه النظام "العدوان الثلاثي".

رسالة النظام هنا تقول بصراحة وقحة: إذا كان هذا ثمن الضرب بالكيميائي، فاشربوا البحر.

"الانتحار لا يمكن أن يكون محسوبا، لأنه فعل متهوّر، على الرغم من مظهره الشجاع" وهنا نلحظ عَمَلاً بالمثل: "من تعرف ديّته، اقتله". ويبقى الروس، على أي حال، أقل وقاحة وفجورا في رسائلهم؛ فآخر إبداعاتهم بعد أن صرّحوا إن كل القصة فبركة بفبركة، يخرجون بقصةٍ تقول إن الإرهابيين كانوا يخزّنون السلاح الكيميائي، وتسرب خلال القصف. ولا ندري إن كان ذلك استهزاءً بالعالم أم غباءً مستطيرا. على الأقل ما زالوا يسعون إلى مرافعات التبرئة.

الرسالة الأهم التي يرسلها النظام في كل الاتجاهات تخص الشعب السوري تحديداً؛ إنها رسالة أساسها استراتيجية انتحارية تقول؛ "أحكمها أو أدمرها"، حتى بالأسلحة المحرمة دولياً. النظام يعرف أن الدول التي أخذتها حميّة الدفاع عن حقوق الإنسان والأمن والسلام العالمي تجاه استخدام النظام السلاح المحرّم، والتي لم تأت على حياة حوالي ألفي سوري؛ هؤلاء لم يرفّ لهم جفن، بل تباكوا خلبياً، عندما قتل النظام ما يزيد على النصف مليون سوري بالقنابل العنقودية والنابالم والبراميل.

ألف السوريون قصدية مشاهد التعذيب في المعتقلات وفيديوهات الرعب والإهانة التي يصوّرها النظام، ويبثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليعمّ الرعب بأقصى درجاته.

لا يحدث ذلك كله لو لم يكن النظام متيقناً من أن الحماية موجودة، وتحديدا من القوة الأميركية ذاتها، وبفعلٍ إسرائيلي يملي على أميركا حماية الإجرام، لأنه قدم خدمات جليلة، ومسموحٌ له، بل يُشجع على استخدام شعار الممانعة والمقاومة. وعند ضرورة تعزيز ذلك، تستهدفه إسرائيل عسكريا، لإنجاز هدف تعزيز تلك المقولة.

ما حدث أمرٌ في سورية في السنوات السبع الماضية إلا وترى فيه ما ينافي المنطق، وأقرب إلى اللامعقول، فعندما يحتفل نظام الأسد باقتلاع السوريين من بيوتهم، ويسمي ذلك انتصارا؛ وعندما يستدعي قوىً أجنبية، ولا ينفكّ عن الحديث عن السيادة، وعندما يستمر في اعتبار نفسه مقاوماً وممانعاً، وعندما يكون مَن يدّعي مقاومته وممانعته، يقاوم ويمانع سقوطه، وعندما يتحدّى دولاً كي ترسل لجنة تفتيش لتثبت ادعاءه البراءة من استخدام السلاح الكيميائي، وفِي الوقت نفسه، يعرقل مهمتهم ويؤخرها، ويطلق النار عليهم؛ فإنك أمام نظامٍ إما أنه يستند إلى قوةٍ تمكّنه من جعل هذا العالم يمشي على رأسه، أو أنه قرّر الانتحار بشكل محسوب.

من رفع شعاري: "أنا أو لا أحد" و"الأسد أو نحرق البلد" قرّر الابتزاز؛ قرر أخذ الإنسان السوري وبلده رهينة؛ قرّر الانتحار إن لم ينفذ مراده؛ لكنه ربما اعتقد أن في وسعه أن يفعل ذلك بشكل محسوب، ولكن الانتحار لا يمكن أن يكون محسوبا، لأنه فعل متهوّر، على الرغم من مظهره الشجاع. لقد مات نظام الأسد قبل هذا الانتحار الصفيق

==========================

موقفنا : السلاح النووي في سورية للمرة الأولى بعد هيروشيما وناغازكي ، حتى لا تضيع ترددات الجريمة في الضجيج .. زهير سالم

2 / 5 / 2018

مركز الشرق العربي

ظل المحللون السياسيون والسوريون منهم بشكل خاص يرددون إن جميع الأسلحة المحرمة دوليا قد استخدمت في سورية ما عدا السلاح النووي ؛ حتى طلعت علينا مصادر الأخبار صباح الاثنين 30 / 4 : 2018 . أن الكيان الصهيوني قد استخدم قنبلة نووية تكتيكية في ريفي حماة وحلب . في إطار الحرب المزعومة بين الصفوي والصهيوني ، والتي قرر طرفا الجريمة أن يديراها على أرضنا .

طريقة في الصراع قديمة يعرفها الدعار جيدا حين يحشرون إنسانا مستضعفا بينهم ، ثم يتظاهران أنهما يتلاكمان ، فتقع لكمة هذا على وجه المستضعف ولكمة ذاك على أنفه أو عينه .

وحسب ما أورد موقع " يور نيوز واير " الأمريكي ، وهو موقع متخصص بتتبع الشؤون العسكرية فإن إسرائيل استخدمت قنبلة نووية تكتيكية في سوريا، في إشارة إلى الهجوم الذي تعرضت له، مساء الأحد 29 أبريل/ نيسان، حسب مواقع عسكرية سورية في ريفي حماة وحلب السوريتين.

كما نقلت وكالة سبوتنيك الروسية عن مصدر أمني سوري أنه تم استهداف مستودعي ذخيرة في ريفي حماة وحلب ناتج، على الأغلب، من ضربات جوية.

وذكر مركز الزلازل (الأورومتوسطي) إن قصف حماة وحلب نتج عنه زلزال قوته 2.9 درجة على مقياس ريختر، بحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.

ويعد الكيان الصهيوني من الدول، التي تمتلك الأسلحة النووية، رغم عدم اعترافه بذلك رسميا.

وتعد القنابل النووية التكتيكية سلاحا مثاليا يمكن استخدامه لتحقيق قوة تدميرية هائلة ضد القوات المعادية، دون أن يحقق دمارا شاملا في نطاق واسع مثل القنابل النووية التقليدية التي سبق استخدامها ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد موقع "هاو ستوف ووركز" الأمريكي أن القنابل النووية التكتيكية تمزج بين قوة السلاح النووي، والقدرة على التحكم في الضربات في ساحات حرب محدودة.

وتبلغ قوة القنلبة النووية التكتيكية كيلو طن، تكافئ ألف طن من مادة "تي إن تي"، بينما تصل القوة التدميرية للقنابل النووية الاستراتيجية إلى أكثر من 15 كيلوطن.

وتستطيع القنابل النووية التكتيكية تدمير مخابئ محصنة تحت الأرض، يصعب على القنابل التقليدية الوصول إليها.

انتهت الاقتباسات من مصادر متعددة ..

العجيب أن هذا الخبر المرعب ، والسابقة المنكرة ، مر بصمت مريب في الفضاءات الدولية والإقليمية وحتى أوساط المعارضة السورية الرسمية منها والمعومة على وسائل التواصل الاجتماعي..

إننا ومن موقع المسئولية التاريخية والوطنية ..

أولا نحمل بشار الأسد وزمرته وعصابته ومؤيديه وحلفائه مسئولية تحويل سورية ، وطنا وإنسانا ، إلى حقل تجارب لأنواع الأسلحة الاستراتيجية والمحرمة دوليا بما فيها ، السلاح الروسي والصيني والكوري والإيراني ثم أخيرا الصهيوني ..أليس للاستخدام الصهيوني المستنكر والمدان هدف تجريبي كما كان للسلاح الروسي والإيراني ؟!

ثانيا - ومهما قيل عن فروق فنية أو تعبوية في الأثر بين القنبلة النووية التقليدية والقنبلة النووية التكتيكية ، تبقى الأخيرة قنبلة نووية ، واستعمالها على أرضنا وضد شعبنا يدخل في إطار جرائم الحرب ، باستخدام أسلحة محرمة دولية ، قد نصت المواثيق الدولية على تجريم امتلاكها وتجريم استعمالها .

ثالثا - إن الموقف من الجريمة اليوم يجب أن يتغلغل إلى أعماق الجريمة العقل الصهيوني ، الذي أراد أن يختصر الطريق على نفسه بقنبلة (نووية) بالأثر الذي تحدث عن التقرير ، والذي أحدث هزة أرضية بما يقرب ثلاث درجات على مقياس ريختر .. ثم أليس هذا الصمت المريب على (القنبلة النووية التكتيكية) إلى استخدام ما يسمى ( القنبلة النووية المحدودة ) ، ثم لا ندري أين تحط بالمجرمين الرحال في حرب مصطنعة مكذوبة بين حلفاء أدعياء يشقى الشعب السوري بآثارها الكارثية ..

وإن من حقنا أن نتساءل عن حجم الآثار والتداعيات البيئية التي يمكن أن تخلفها هذه القنبلة على الحياة والإنسان ، سؤال نطرحه للاستعلام على الخبراء العسكريين ، وعلى الإعلام العربي المتشاغل اليوم بأخبار داحس والغبراء والبسوس فإن ارتقى فإلى بطولات الكريات ..

المعارضة السورية الصامتة التي تلقت الخبر كذباب مر أمام ناظرين ، أين صوتها ؟!! أين دورها ؟ !! أما أن يصرخ السوريون في وجه العالم المربد بؤسا وشقاوة أن كفى ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

==================================

قوات عربية في سورية.. لماذا وكيف؟

خورشيد دلي

العربي الجديد

السبت 28/4/2018

لم يكن تسريب الإدارة الأميركية عبر صحيفة وول ستريت جورنال فكرة إنشاء قوة عربية لتحل محل القوات الأميركية في شمال شرق سورية إلا تعبيرا عن بحث هذه الإدارة عن استراتيجية عملية لسحب قواتها من سورية، إذ سبق وأن أعلن الرئيس، دونالد ترامب، مراتٍ عن نيته سحب هذه القوات قبل أن يحدد ستة أشهر لذلك. وتقوم الخطة الأميركية، كما سرّبتها الصحيفة الأميركية، على إرسال جنود من السعودية ومصر والإمارات وقطر، إلا أن من الواضح أن هذه الخطة لم تنضج بعد، وتواجه عقبات كثيرة، مع أن فكرة إرسال مثل هذه القوات ليست جديدة، إذ سبق وأن طرحت كل من السعودية وتركيا الفكرة عام 2015، مع اختلاف رؤية كل طرفٍ لمهمة هذه القوات وأهدافها. ولعل عدم إنضاج هذه الخطة يفسر الحديث الأميركي عن مفاوضات متواصلة بين مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، ومدير الاستخبارات المصرية بالوكالة، عباس كامل، بشأن المساهمة المصرية، حيث يبدو أن الإدارة الأميركية تراهن على أن تكون المساهمة المصرية كبيرة لجهة عدد العناصر العسكرية المحتمل إرسالها إلى سورية، نظرا إلى أن السعودية والإمارات مشغولتان بالحرب في اليمن، حيث يبقى دورهما الأساسي هو التمويل المالي، فيما يتركز الدور المصري على إرسال أكبر عدد من القوات.

اللافت أن الطرح الأميركي جاء في ظل ثلاثة تطورات مهمة: إعلان ترامب نيته سحب 

"واضح أن خطة إرسال قوات عربية إلى سورية لم تنضج بعد وتواجه عقبات كثيرة" القوات الأميركية من سورية، ما لم تغط السعودية التكلفة المالية لبقاء هذه القوات، ويبدو أن هذا الهدف تحقق في ظل الحديث عن استعداد سعودي لهذا التمويل. تنفيذ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضربات جوية على مراكز ومقار للنظام السوري، على خلفية استخدامه السلاح الكيميائي في دوما. الحديث عن نية الولايات المتحدة إقامة ما يشبه منطقةً تتمتع بحكم ذاتي في جنوب سورية، وتحديدا في مدينة درعا، أشبه بما هو قائم في شرقي الفرات من خلال التعاون مع الأردن. وعليه، تبدو في ظل هذه التطورات فكرة إنشاء قوة عربية في سورية منسجمة مع استراتيجية ترامب التي تقوم على تحميل الدول العربية مسؤولية الأعباء المالية الناجمة عن استمرار استراتيجية بقاء النفوذ الأميركي في مواجهة المشروع الإيراني في سورية ومنطقة الشرق الأوسط، ومحاولة دفع مصر إلى الانخراط في هذه المواجهة، على اعتبار أن الولايات المتحدة تقدم لها مساعدات مالية سنوية، فيما بات معروفا أن ترامب لن يقدم مساعدات لأي دولة أو طرف من دون خدمات في المقابل.

وثمّة من يرى أن فكرة إرسال قوات عربية لتحل محل القوات الأميركية إلى سورية أقرب إلى الخيال، بسبب كثرة العقبات والتحديات والتداعيات المحتملة، ولعل من أهم العقبات: أن السعودية والإمارات غارقتان في الحرب في اليمن، بل ثمّة مخاطر باتت تهدد الأراضي السعودية مع قصف الحوثيين الصاروخي اليومي السعودية، فكيف لهاتين الدولتين إرسال قوات إلى سورية في هذه الظروف؟ في حال قرّرت الدولتان إرسال مثل هذه القوات إلى سورية تحت الضغط الأميركي، كيف لهذه القوات، وكذلك القوات المصرية، أن تعمل مع القوات القطرية في ظل الأزمة المتواصلة بين هذه الدول وقطر؟ مصر وعلى الرغم من أنها تبدو الدولة الوحيدة القادرة على إرسال هذه القوات إلى سورية، إلا أنها قد تجد صعوبة كبيرة في اتخاذ هذا القرار، فقد سبق أن رفضت إرسال قوات إلى اليمن.

وبغض النظر عن هذه الصعوبات والعقبات، فإن الأهم يتعلق بالتحديات المتعلقة بمهام هذه القوات، والسؤال هنا: ما هو الهدف الأساسي من إرسال هذه القوات؟ أولا، من الصعب تخيل أن هذه القوات ستذهب لمحاربة الجيش السوري، في ظل عدم مطالبة هذه الدول بإسقاط النظام، فحتى السعودية التي كانت تطالب سابقا برحيل الرئيس بشار الأسد، قال ولي عهدها محمد بن سلمان أخيرا في واشنطن إنه ينبغي القبول بحكم الأسد. وعليه، ثمّة صعوبة في إقناع الدول المذكورة بمهمة هذه القوات، خصوصا وأن معركة القضاء على "داعش" تبدو في نهايتها.

ثانيا، إرسال قوات عربية إلى سورية من دون موافقة النظام يفتح باب المواجهة بينها وكل من النظام السوري وإيران وحزب الله وروسيا. وتبدو هذه الفكرة جنونية ومستبعدة، إذا ما علمنا أن تداعيات هذه المواجهة ستكون كبيرةً، مقارنة بالهدف الأميركي المعلن، أي تحقيق الاستقرار في شمال شرق سورية.

إن إرسال هذه القوات بهدف دعم قوات سورية الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية المتحالفتين مع الإدارة الأميركية يفتح باب المواجهة المباشرة مع تركيا التي تحارب هذه القوات، وتصنفها في خانة الإرهاب، وهو ما يعقد النزاع أكثر في الشمال السوري، لا تحقيق الاستقرار كما تقول الخطة الأميركية.

في ظل هذا المشهد الصعب، تبدو فكرة إرسال قوات عربية تحل محل قوات أميركية، أمام مجموعة من السيناريوهات المفتوحة:

أولا، توسيع فكرة جنسية القوات المشاركة في الذهاب إلى سورية، مثلا أن تكون إسلامية ولا سيما باكستان، حيث سبق وأن أعلنت السعودية عن تأسيس تحالف إسلامي، على الرغم من أن هذا التحالف لم يدخل إلى حيز التنفيذ لجهة المشاركة في الحروب المندلعة في المنطقة.

ثانيا، أن تقتصر المساهمة العربية على التمويل المالي، بمعنى أن يتم الإقرار الرسمي بتمويل عربي، وتحديدا خليجيا، للقوات الأميركية وحلفائها من دول الغرب، ولا سيما فرنسا وبريطانيا التي أرسلت أخيرا قوات إلى منطقة شرق الفرات، واستقرت مبدئيا في مدينة منبج. وقد يفتح هذا الأمر الباب أمام دول أخرى، لإرسال قواتها إلى سورية.

ثالثا، ثمّة من يرى أن فكرة إرسال قوات عربية إلى سورية غير واقعية، نظرا إلى أن 

"إرسال قوات عربية إلى سورية من دون موافقة النظام يفتح باب المواجهة بينها وكل من النظام السوري وإيران وحزب الله وروسيا" المقومات غير متوفرة أولا، ومن ثم إنها ستزيد من حدة النزاع في سورية. وعليه، قد تتخلى الولايات المتحدة عن هذه الفكرة، بسبب العقبات والمخاطر الكثيرة. لكن بعد أن تؤمن التمويل اللازم لبقاء قواتها في المرحلة المقبلة، ريثما يتم التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ للأزمة السورية.

رابعا، ثمّة من يرى أنه، على الرغم من هذه العقبات الكثيرة، فإن دول الخليج، وتحديدا السعودية والإمارات، ستعملان على إنجاح المقترح الأميركي، ولكن ليس من خلال قوات البلدين، وإنما من خلال فكرة إرسال قوات من السودان والأردن وباكستان، وربما غيرها من الدول العربية والإسلامية إلى سورية، على أن تقدم الدولتان التمويل. وثمّة من يرى أن هذه الفكرة قد تكون عملية أكثر، نظرا لحساسية إيران والنظام السوري من إرسال قوات سعودية إلى سورية، واحتمال أن يفجر هذا الأمر حربا واسعة بين السعودية وإيران على الأراضي السورية.

وعلى الرغم من كل ما سبق، تبقى فكرة نشر قوات عربية وإسلامية في سورية مهمة للإدارة الأميركية وحلفائها في المنطقة، فالثابت أنه لا يمكن تصور انسحاب أميركي من سورية قبل نشر مثل هذه القوات، لأن غير ذلك يعني انتصار المشروعين، الإيراني والروسي، في المنطقة، وهو ما لا تقبل به لا الولايات المتحدة ولا السعودية والإمارات. وعليه، سيتركز الجدل في المرحلة المقبلة على عدد هذه القوات، ومن أي دولة، وتحديد مهام هذه القوات، وأماكن تمركزها. وفي جميع الأحوال، يمكن القول إن إرسال هذه القوات إلى سورية سيشكل منعطفا جديدا في الأزمة السورية، سيما لجهة احتمال حصول مواجهات كبرى، ولعل من رحم هذه المرحلة قد نجد تحالفات مختلفة أو جديدة، في ظل الحديث عن إعطاء الولايات المتحدة وضعية خاصة لعلاقة السعودية بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، على شكل حليفٍ رئيسي خارج الحلف، كما هو حال العلاقة مع إسرائيل، وذلك مكافأة للسعودية في حال وافقت على إرسال قوات عربية إلى سورية.

==========================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة 4) .. رفعت الأسد يسعى لتوسيع جبهة المواجهة مع أخيه حافظ .. محمد فاروق الإمام

كانت سرايا الدفاع تملك مركز تدريب لعناصر اللواء الجبلي في منطقة "جوبة البرغال" وإضافة لذلك فقد احتل العميد رفعت "تلة الصنوبر" التي تقع على البحر مباشرة وكان يتمركز في هذه المنطقة كتيبة أو أكثر من أفواج الإنزال الجوي.. ولما أخفقت التدابير التي نفذها العميد رفعت ضد الطائفة المرشدية أمر عناصره المرسلة من دمشق لهذه الغاية أن تتمركز في الموقع المذكور لتعزيزه ولأهميته البالغة لقربه من مركز المحافظة وأعني بذلك مدينة اللاذقية.

ولما كان العميد رفعت يعتمد بشكل جدّي على أبناء الطائفة العلوية قرر نقل الصراع إلى هناك، لأن المنطقة حساسة وكان يتصوّر أنه من الصعب على السيد الرئيس أن يأمر سلاح الطيران بقصف الأماكن التي ينشب فيها النزاع وكذلك الأمر بالنسبة للمدفعية والصواريخ، ومن هذا الإحساس الخاطئ بدأت حركات رفعت تتعثر خطوة خطوة لأن ما بني على باطل فهو باطل..

كان رفعت يدغدغ أحلام المتعصبين طائفياً بأن وعدهم أنه سيقيم الدولة العلوية هناك، كما أقام اليهود الدولة العبرية في فلسطين، وكما كان غلاة المتعصبين من الموارنة يحلمون بإقامة الدويلات الطائفية التي ستدور بفلك إسرائيل قولاً واحداً، وشجّع رفعت أن أمريكا سوف ترحّب بالفكرة لأنها مع أي تفكك للأمة العربية لأن هذا يخدم مصالحها الوطنية ومصلحة حليفتها الإستراتيجية إسرائيل.. ونسي العميد رفعت أن والده الراحل "سليمان الأسد" –رحمه الله- كان من أشد المقاومين الشرسين لإنشاء الدولة العلوية وكان من طليعة المناضلين الوطنيين في أواسط الثلاثينيات لمقاومة هذه الفكرة واجتثاثها من جذورها.

بدأ تحرّش العميد رفعت بالنظام هناك بأن أوعز إلى أنصاره في اللاذقية بأن يكتبوا على الجدران عبارات تمجّد بشخصه دون غيره مثل رفعت الأسد الشمس التي لا تغيب.. إلخ.. كما بدءوا بنصب الحواجز الطيّارة لإشعار المواطنين أنهم موجودون بقوة على الساحة في محافظتي الساحل (اللاذقية وطرطوس) واتصلت بالرئيس الأسد وأعطيته المعلومات المتوفرة لدينا عن نوايا العميد رفعت باللاذقية وأنه حاول السيطرة على مسقط رأس الرئيس الأسد حتى يقول للعالم: إذا كان أخي لا يستطيع السيطرة على المحافظة التي ولد فيها فهو بالأحرى غير قادر على السيطرة في باقي المحافظات..

كانت توجيهات القائد الأسد واضحة وضوح الشمس: لا مهادنة أبداً مع الخارجين على النظام.. إضربهم اليوم قبل الغد، لأننا كلما تأخرنا بضربهم وتصفية الحسابات معهم كلما ازدادوا شططاً في أعمالهم وتصرفاتهم وتمادوا في إيذاء الناس والمواطنين وأعطوا العالم العربي والخارجي فكرة مغلوطة عن واقع الحال في سورية..

اتصلت بقائد القوى البحرية اللواء "فضل حسين" وقلت له: عليك أن تنذر المتمردين في معسكر سرايا الدفاع بالاستسلام خلال ساعة واحدة، وبعد ذلك إذا لم يستجيبوا عليك أن تضربهم بالمدفعية الساحلية وأن تحرك باتجاههم كتيبة المشاة البحرية مدعومة بالفوج (826) دبابات، كما طلبت إليه أن يحرك كاسحتي ألغام وستة زوارق صواريخ وأن يتم الرمي على المتمردين بالمدافع المضادة للطائرات (رمي مباشر) وأن يتم تقرب هذه القوات إلى الساحل لضربهم بقذائف الأعماق (المضادة للغواصات) وبالأسلحة الرشاشة الثقيلة المضادة للطائرات والمركبة على زوارق الصواريخ.

وعندما لاحظت عليه أمارات التردد والنذالة وعدم الحسمية أكدت عليه بأنني أعطي الأوامر نيابة عن القائد العام وإذا كان غير قادر على تنفيذ المهمة فنحن جاهزون لإرسال فوج مغاوير (إنزال جوي) ليتكفل بتصفية المتمردين, وأعطيته الأمر أنه بعد ساعة واحدة تنتهي مهلة الإنذار وعليه أن يبدأ بقصف المعسكر بالمدفعية.

وبعد ساعة من هذا الأمر اتصلت بقائد القوى البحرية وقلت له: هل بدأت الرمي.. فقال لي: لقد رشقناهم رشقة ونحن الآن نحصي خسائرهم.

وتيقنت من لهجته أنه كذاب ومراوغ وغير جدي في معالجة الموضوع.. وخائف.. قلت له أين المقدم علي خضور قائد الفوج المدرع؟.. فقال لي: إنه بجانبي..

وطلبته على الهاتف وقلت له: اصعد بنفسك على أول دبابة في الفوج واطلب إلى الرماة أن يسددوا مدافعهم على العربات المصفحة (ب.م.ب) التي يضعها المتمردون على مدخل المعسكر وتدمّرها تماماً بصلية تركيز من سرية دبابات, أي أريد أن ترمي عشر دبابات بآن واحد.

وكانت غايتي الأساسية إحداث صدمة معنوية ضد القوى المناوئة, وبعد دقائق نفذ الأمر وتم تدمير ثلاث ناقلات وجرى إخلاء القتلى والجرحى, واستنجد العميد رفعت متوسلاً الرئيس الأسد بأن نوقف النار لأنه قرر أن يخلي المعسكر وينفذ تعليمات القيادة العامة.

وهكذا تم حسم المشكلة في المنطقة الساحلية وتم استرداد المعسكر وعادت العناصر التابعة لسرايا الدفاع إلى دمشق.

ولا بد من إعلام القارئ عن جو إحدى المناقشات التي جرت في القيادة العامة بعد الاشتباك مباشرة..

قال العماد حكمت الشهابي وأيده في ذلك العماد علي أصلان: بعد أن رجع إلى حمص وطرابلس أكثر من خمسمائة سيارة أصبحت المشكلة مكشوفة للناس جميعاً ولا نستطيع بعد اليوم أن نتستر عليها..

وكان جوابي: لن تقدم أي وكالة أنباء على إذاعة هذا الخبر إطلاقاً وذلك لسببين:
الأول: أن وكالات الأنباء الغربية والموجهة من أمريكا لن تذيع النبأ لأنه يبرز انتصار الرئيس الأسد وهم لا يرغبون بذلك.

الثاني: وكالات الأنباء التي تدور في فلك موسكو لن تذيع هي الأخرى هذا النبأ حتى لا تسبب لنا أي إحراج لأننا نحن لم نقم بإذاعته.

وصدقت نبوءتي ولم تقم أية وكالة أنباء أو صحافة أجنبية بإذاعة هذا النبأ, بما في ذلك الصحف اللبنانية المحسوبة على الخط الأمريكي.

يتبع

 

=======================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة 5) .. المخابرات المركزية الأمريكية تدير لعبة الصراع بين الأسدين ببيادق لبنانية .. محمد فاروق لإمام

كان من أبرز خصائص هذه الأزمة العاصفة – كما يقول طلاس - أن يتزامن تصعيد الموقف العسكري من قبل العميد رفعت كلما زارنا الرئيس اللبناني (أمين الجميل).. ومع أن السياسيين في لبنان عامة لا يحبون أبداً قطع شعرة معاوية مع أمريكا ولكن المنتسبين منهم إلى حزب الكتائب اللبنانية وعلى رأسهم "أمين الجميل" يعتبرون الولاء لأمريكا قضية مقدسة لا يعلو عليها شيء. ومع أنهم يزعمون أن فرنسا هي أمهم الحنون ولكنهم كاذبون لأن عينهم دائماً على أمريكا. وخلال ثلاثة شهور ونيف من عمر الأزمة زارنا الرئيس اللبناني ثلاث مرات ولم يحدث في تاريخ العلاقات المميزة مع أي دولة في العالم أن يقوم رئيسها بزيارة بلد آخر بمثل هذه الكثافة, وهذا ما يؤكد أن الزيارات كانت تتم بإيحاء وتوجيه من الإدارة الأمريكية, ولأن أمريكا تعرف ما يدور في سرايا الدفاع عن طريق عميلها ((النقيب جوزيف صنصيل)) ولكنها تجهل تماماً ما يجري في دائرة الرئيس الأسد, ومن هنا جاء الطلب إلى الرئيس (أمين الجميل) بأن يشد الرحال إلى دمشق ليعرف ماذا يدور خلف الأكمة..

وللأمانة التاريخية كان الرئيس الأسد يتمتع بموهبة خارقة في إخفاء نواياه على خصومه. ومع أنه لم يلعب (البوكر) ولا مرة واحدة في حياته فإن وجهه بالنسبة لمن يقابله, وبخاصة من المحسوبين على أمريكا أو الدائرين في فلكها, يبدو كوجه لاعب (البوكر) لا يمكن لأحد أن يأخذ منه شيئاً لا بحق ولا بباطل. وهكذا كانت التقارير ترسل إلى واشنطن وكلها تشير إلى أن الرئيس الأسد في أحسن حالاته.. وخاب فأل الإدارة الأمريكية وأهدافها الخبيثة.

حل رابطة خريجي الدراسات العليا

ما كاد العميد رفعت الأسد أن يحصل على الإجازة في التاريخ في العام 1974م حتى أسس (رابطة خريجي الدراسات العليا) وأخذ موافقة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على ذلك لكي يكون عمله تحت المظلة القانونية, وأعطى تبريراً لعمله بأن مصلحة الرئيس الأسد أن يكون خريجو الدراسات العليا موالين للنظام على اعتبار أن شقيقه رفعت هو رأس الهرم في هذه الرابطة.. وانتشر الخبر بسرعة البرق ولم يبق انتهازي أو متسلق أو متطلع غلى السلطة أو التقرب من وهجها إلا وانخرط في هذه الرابطة (كخرط الدب على العنب).

وتم توزيع السيارات والهدايا غير الرمزية على كبار المريدين والمسبحين بحمد رئيس الرابطة وفضله, وجاء توجيه خاص وسري من الفاتيكان إلى الإخوة أبناء الطائفة المسيحية بأن ينتسبوا إلى الرابطة زرافات ووحداناً وتم اختيار السيد غسان شلهوب نائباً لرئيس الرابطة ليعطي ضوءاً أخضر لمن لم يسمع التوجيه أن يقترب من الرابطة وينتسب إلى صفوفها.. وجاءت أحداث الإخوان المسلمين في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات لتعطي الدليل القاطع أن الرابطة لا وجود لها وأن هذا العدد الضخم كان كغثاء السيل أو حزمة من القش لا تغني عن الحق شيئاً.

وعندما حدثت الأزمة ظن أعضاء الرابطة بأن الوقت قد حان لقطف ثمار جهودهم فبدءوا يهاجمون جهراً الرئيس حافظ الأسد في مجالسهم الخاصة ويتهمونه بالديكتاتورية, وأن العميد رفعت راعي الديمقراطية في هذا البلد وعقدوا مؤتمراً لهم في فندق (الشيراتون) حضره ما هب ودب (من الجنادب والخنافس والقرّاد). ولم تسعف القريحة العميد رفعت فبدأ حديثاً سياسياً مشوشاً عن الديمقراطية والأوضاع العامة في سورية بحيث لا يمكن لأحد أن يفهم منه شيئاً حتى ولو حاول ذلك وبذل قصارى جهده, وانفض المؤتمرون وهم في حيص بيص وأدركوا أن أيام الرابطة غدت قريبة وأن أحلامهم ذهبت أدراج الرياح لأن ما بني على باطل فهو باطل.

ورغم إدراكي المسبق أن الرابطة أصبحت في حكم المنتهية فقد اتصلت بعدد من الأصدقاء المتورطين بالانتساب إلى الرابطة وطلبت إليهم الانسحاب وبذلك قد أسهمت في تهديمها من الداخل والخارج.

وفي زحمة العمل على الاتجاهات كافة اتصل بي هاتفياً الرفيق (وفيق عرنونس) عضو الرابطة وقال لي: هل تضمن لي سلامتي؟.. فأجبته: بأني سوف أضمن لك عدم دخولك السجن إطلاقاً.. أما موضوع فصلك من الحزب فلا أستطيع أبداً أن أعد في ذلك. ومقابل هذا الضمان وعدني بأنه سيوافيني بكافة السجلات الموجودة في الرابطة وأن يأتي بها إلى البيت حتى لا يشاهده أحد.

وفي الساعة الواحدة ليلاً أعلمتني زوجتي بأن الأمانة وصلت.. قلت: أرسليها فوراً إلى المكتب. وقضيت ليلة كاملة وأنا أراجع ملفات رابطة خريجي الدراسات وقد لفت نظري وجود أكثرية حقيقية من إخوتنا أبناء الطائفة المسيحية إذ أحصيت عدد المنتسبين إلى الرابطة فكان أكثر من خمسة آلاف بقليل وراجعت الأسماء التي يوحي ظاهرها فقط بالطيف الديني للرجل فوجدت أن العدد يربو على الأربعة آلاف أي أكثر من ثمانين في المائة. ولما كانت النسبة في سورية ليست كذلك, أدركت أن هناك توجيه أكيد من المخابرات الأمريكية حتى وصل العدد إلى هذه النسبة. ولمعلومات القارئ. وهذه لا يمكن أن تكون صدفة أن أعضاء القيادة القطرية المنتسبين إلى الرابطة هم: الرفيق وهيب طنوس والرفيق إلياس اللاطي هما من الطائفة المسيحية والرفيق عبد الرؤوف الكسم كما نعلم زوجته مسيحية، وأرجو من القارئ أن يسامحني على هذه الصراحة لأنني أبعد الناس عن الكلام في هذا الموضوع, وأنا مؤمن حقاً.. وأحترم كافة الأديان التي تدعو إلى التسامح ولكن مما يؤسف له أن عقيدة التعصب ضد الإسلام التي غرستها الصهيونية بدأت تؤتي ثمارها في كل مكان.. من البوسنة والهرسك إلى إيران وأفغانستان والهند وباكستان ومروراً بالفلبين وبقايا الدول المسلمة في الاتحاد السوفييتي سابقاً فالجميع يحاولون صد الرياح الثورية القادمة من الشرق.

المهم أرسلت الوثائق إلى القصر الجمهوري فأمر السيد الرئيس بوضع رابطة خريجي الدراسات العليا تحت الرقابة المشددة. وبعد أن انتهت الأزمة, أصدرت القيادة القطرية قرارها رقم /574/ تاريخ 5/7/1984م طلبت فيه إلى الرفاق المنتسبين إلى الرابطة أن يتخلوا عن هذا الالتزام ويكرسوا كل نشاطهم السياسي للحزب وأنذر القرار بفصل كل رفيق يخالف هذا التوجيه, وبذلك اختفت من الساحة رابطة خريجي الدراسات العليا التي كان ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

يتبع

========================

لا للإرهاب !؟ .. صرخة شآمية .. شعر  : يحيى حاج يحيى 

أنْ يذبح السجناء مخبولٌ ليُزجي وقته ذبْح  الشياه ْ

 وأن تُقطّع في الظلام أصابعُ الصحفيّ

ذاق الموت  ألواناً بما كتبت ْ يداه !؟ 

أن يصبح التفكيرُ محتاجاً لإذن ٍقبل أن تبديه 

في خوفٍ شفاه ْ

أن يُخطف العلماءُ كي يُلقى بهم في قاع سجنٍ 

سيّدٌ فيه الجهول ُ ... وشِـرعةٌ فيه هواه !

وأن تخاف الأمُّ لو ذهب الصغار ُ إلى الصلاه !

أن يُجلد  الإ نسانُ آوى من مروءته أخاه

أن يُؤخذ  الطفلُ  الغرير رهينة ً من بعد ماقتلوا أباه !؟ 

وأن يسوق الخوفُ أشباه  الرجالِ ليُعلنوا يوم الولا ية فرحةً  كذباً 

ويُبدوا حزنهم يوم الوفاه !؟ 

أن يصبح الخطباءُ بوقاً للطغاه !!

كلا ولا ، وألفُ لا !!!؟؟

إنّ المساجد للإله

وليس يُدعى في منابرها سواه !؟

إني لأعلنُ أنكم أعداءُ هذا الشعب ِ

أعداءُ الحياه

إني لأعلن أنكم أعداء هذا الشعب ِ 

أعداء الإله !! ؟ 

وانا أُدينُ الظالمين

وألعنُ الإرهاب

في كل اتجاه ْ !!

=============================

الأدباء متى تتحرك  أقلامهم !؟ .. يحيى حاج يحيى 

البطولات والتضحيات ودماء أهل الشام أكبر مما يكتبه الأدباء ، وأثمن من المداد الذي به يسطرون !؟ 

أعجب كل العجب لمن يتتبع أحداثاً تاريخية - مع حبي للتاريخ والتراث - فيعيد ماكتبه آخرون ، ولو بتناول جديد !؟ ويغفل عن البطولات والتضحيات التي تسطر كل يوم ، منذ أن خطف البعث النصيري سورية ، وسطا عليها أبناء الأفعى !!؟ 

الوثيقة الأدبية من أهم الوثائق التي تُدرس من خلالها المجتمعات ، وحركة الحياة ومشاعر المعاصرين لها وانطباعاتهم حولها !! 

فإذا كانت المبادئ تجسدها البطولات والتضحيات ، فإن الأدب هو الذي يخلدها

وإلا فكيف وصلتنا صرخة امرأة مستباحة ( وامعتصماه ) إلا عندما حركت في نفس المعتصم النخوة والحمية ، فكانت عمورية التي خلدها أبو تمام

السيف أصدق أنباءً من الكتب  - في حده الحدُّ بين الجد واللعب

فياأيها الأدباء في الشام وغيره ألا يستأهل كل ماسال من دماء ، وبُذل من تضحيات أعمالاً تليق بما قدمه أصحابها ؟

فمتى تتحرك أقلام أكثركم ؟ وأين الأعمال في شتى الأجناس الأدبية ؟ 

قد يمنحنا بعضهم مساعدات ، وقد يجودون بتعاطف ! ولكنهم لا يستطيعون منحنا المشاعر الملتهبة ، والغضب المعبر بصدق عما في الصدور !؟   

السيوف في المعارك أصدق - لاجدال في ذلك - ولكن الأدب هو الذي يحيي  الوقائع و يوثقها للأجيال !

فلا تستهينوا بالكلمة ، ولاسيما إذا وُظفت في خدمة قضية عادلة كقضيتنا !

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com