العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-01-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الثرثرة الأمريكية والصمت الروسي

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 10/1/2019

تتطاير تصريحات المسؤولين الأمريكيين بشأن سوريا، كأن قرار ترامب بسحب جنوده الألفين من الأراضي السورية ما زال خاضعاً للأخذ والرد، في حين أنه أكد في أحدث تغريداته أنه لم يتراجع عن قراره المذكور. لكنه كذب حين قال إنه لم يحدد جدولاً زمنياً لاتمام عملية الانسحاب.

أما مستشاره للأمن القومي جون بولتون فقد ربط، من إسرائيل التي كان في زيارتها، بين الانسحاب العسكري والحصول على ضمانات تركية بعدم مهاجمة الأكراد في سوريا. الأمر الذي أثار عاصفة غضب لدى أركان الحكم في تركيا، أدت إلى امتناع الرئيس أردوغان عن استقبال بولتون والوفد المرافق له، بدعوى «عدم وجود موعد مسبق»!.

ومما قاله بولتون أيضاً قبل وصوله إلى العاصمة التركية أن على تركيا التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن أي عمل عسكري في سوريا.

باختصار، عادت أجواء التوتر بين أنقرة وواشنطن إلى ما كانت عليه قبل أشهر. في مؤتمره الصحافي الذي عقده بعد اجتماعه بالوفد الأمريكي، قال إبراهيم كالن إن المباحثات بين الوفدين دارت حول مجموعة مسائل تتعلق بذيول الانسحاب الأمريكي المقرر من سوريا، منها مصير السلاح الذي حصلت عليه قوات وحدات حماية الشعب الكردية من الولايات المتحدة، وكيفية ضمان ألا تملأ المنظمات الإرهابية «أو أي عناصر أخرى» الفراغ الذي سيحدث بعد الانسحاب.

في حين قال ناطق باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي يرأسه بولتون إن الجانبين أجريا مباحثات مثمرة، وفتحا عناوين جديدة لمباحثات إضافية ستتم لاحقاً.

الصيغة الروسية المقترحة هي تفكيك وحدات الحماية وضم مقاتليها إلى جيش النظام، بحيث يبقون في المناطق التي يسيطرون عليها ولكن باسم «الجيش العربي السوري»! وتسليم المعابر الحدودية للنظام

ما الذي يمكن أن نفهمه من هذه التصريحات المتباينة، وكذا من مستوى التمثيل التركي المتدني في الوفد الذي التقى بالوفد الأمريكي، وكان على مستوى مساعدي وزراء الخارجية والدفاع وجهاز الأمن القومي التركي، وامتناع أردوغان عن استقبال الوفد؟

واضح أن الخلافات كبيرة بين الطرفين، بل تبدو العلاقات متوترة للغاية. معبرة هي الصورة التي نشرتها وسائل الإعلام التركية، ويبدو فيها إبراهيم كالن في مظهر المتنمر وهو يتحدث إلى بولتون الذي بدا على وجهه ما يشبه الصدمة. هي طبعاً صورة موجهة إلى الداخل التركي للقول إن تركيا لا تتلقى أوامر من دول أخرى، بل هي قادرة على التنمر حتى على الصقر جون بولتون.

ولكن ماذا عن كل تلك الثرثرات الأمريكية بشأن ضمان حماية الحليف الكردي أو «حماية الأقليات» على ما جاء في إحدى تغريدات ترامب؟ وأي ضمانة يمكن أن يكون أردوغان قدمها للأمريكيين بشأن الحليف الكردي للولايات المتحدة؟

تتحدث بعض التكهنات عن أن الأمريكيين قدموا لتركيا اقتراحات عملية بشأن تدخل تركي في شرق الفرات بما يستجيب للهواجس التركية من قيام كيان كردي متصل على حدودها الجنوبية، وذلك بفتح ممر للجيش التركي من تل أبيض، بحيث ينقطع اتصال الأراضي التي تسيطر عليها «وحدات الحماية»، ويتوغل الأتراك جنوباً لمواجهة بقايا جيوب داعش، مع منع أي احتكاك بينهم وبين القوات الكردية. وبهذه الطريقة يكون الأمريكيون قد حموا حليفهم الكردي وأرضوا حليفهم التركي في وقت واحد.

هل يقبل الأتراك بهذه الصيغة؟ إذا نظرنا إلى تصريحات أردوغان وأركانه وهم يرغون ويزبدون، فلا يمكننا توقع نجاح هذه الصيغة. في حين أن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو يؤكد أن أردوغان وعد بعدم المساس بالقوات الكردية!

في الوقت الذي يحفل الفضاء الإعلامي فيه بكل هذه التصريحات والتكهنات المتضاربة، حافظت روسيا على صمتها، فلم تعلق. هل مرد ذلك إلى أن موسكو لا تثق بكلام الأمريكيين، وأنها لم تصدق قصة نيتهم بالانسحاب من سوريا؟ أم أن الأمر يتعلق بتطوير حملات مضادة لمواجهة التقلبات في السياسة الأمريكية في سوريا؟

فجأةً أعلنت قاعدة حميميم عن تسيير دوريات للشرطة العسكرية الروسية في مناطق قريبة من مدينة منبج. فلعل الروس يستعدون ميدانياً لملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب الجيش الأمريكي. ومعروف أنهم يشجعون «الوحدات» الكردية، أي حزب الاتحاد الديموقراطي، على المفاوضات مع النظام بهدف استباق أي حملة تركية قادمة. والصيغة الروسية المقترحة هي تفكيك وحدات الحماية وضم مقاتليها إلى جيش النظام، بحيث يبقون في المناطق التي يسيطرون عليها ولكن باسم «الجيش العربي السوري»! وتسليم المعابر الحدودية للنظام. وبذلك يكون الروس، بدورهم، هدأوا الهواجس التركية من جهة، وقاموا بحماية مقاتلي الوحدات من جهة أخرى!

«عبقرية» روسية في مواجهة «عبقرية» أمريكية، على مذهب لا يجوع الذئب ولا يفنى الغنم.

أما واقع الحال فهو أن الجميع يتسابقون على حماية ذئب النظام الكيماوي، ولا يحفلون بفناء الغنم.

==========================

يتقاتلون ونسوا أن عدوهم واحد!

بسام الرحال

حرية برس

الخميس 10/1/2019

ربما لم تنضج حتى الآن الظروف الموضوعية اللازمة لأن تتحول ثورة الحرية والكرامة التي أرادها السوريون وناضلوا من أجلها وقدموا في سبيلها كل غال ورخيص إلى الحد الذي يسمح لها بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ووقف التدهور والانكفاء الذي ميز السنوات الثلاث الأخيرة منذ انطلاقتها قبل ثمان سنوات.

وليس خفياً ولا سراً توحد الدول الفاعلة في الإقليم والعالم على وقف حالة الجموح والتمدد الذي ميز سنواتها الأولى، وبذل كل جهد ومكر لتحويل مسارها من ثورة شعبية للحرية والعدالة والنهضة إلى مجرد حرب أهلية على النفوذ والمكتسبات المادية والسياسية.

كان محزناً وصادماً الاقتتال الأخير بين بعض من مكونات الثورة السورية والقوى التي طالما كانت في خندق واحد، وتكاتفت وتعاضدت على تحرير الكثير من المناطق يداً بيد، وكتف بكتف، وبذلت معاً الكثير من الدماء في سبيل ذلك، وأبهجت الشعب الثائر وقدمت له أمل لطالما حلم به للتخلص من نير الفساد والاستبداد وإقامة دولة القانون والعدالة وتكافؤ الفرص.

الاقتتال الداخلي ليس قدراً ينبغي على الجمهور العريض للثورة التعايش معه أو قبوله أو تبريره، ويكفيه من الألم ما ناله على مدى سنوات من العدوان والخذلان، وهو الذي حشر بإرادة دولية وإقليمية في بقعة ضيقة لا تحتمل الكثير من الصراعات والتشرذمات.

كما لا ينبغي أن تقع القوى المؤثرة في هذه البقعة في ذات الحفرة كل مرة، والعبور في ممر إجباري جهزه العالم المتآمر على انتفاضتنا دون أن ندري وبدهاء ومكر استخباري لإضعاف الفكرة الحالمة، وجعل فسحة الأمل في الخلاص ضيقة ومستحيلة.

كان حرياّ بالقوى المتصارعة في المناطق المحررة توحيد جهودها والعمل الدؤوب على توحيد الرؤية السياسية والعسكرية، والتقدم نحو تحقيق أهداف الثورة النبيلة بثقة وثبات والتيقن من أن هذا الاقتتال لن يستفيد منه إلا العدو ومن يحالفه، ولن يخدم إلا أعداء الثورة، ولن يساهم إلا في تقسيم مجتمعنا الثائر بين موال لهذا ومعارض لذاك.

لن تحقق الجماهير الثورية أهدافها التي قُتلت وتشردت لأجلها إلا بوحدة كاملة وفي شتى المجالات لتستطيع مواجهة اللحمة الدولية المتآزرة والمتحالفة لوأد فكرتها وحلمها، وعلى كافة القوى المؤثرة في الشمال السوري أن تعي أن تحريرنا للكثير من المناطق ما كان لولا توحدنا ككتلة واحدة وإنكارنا للفصائلية والمناطقية البغيضة.

وعليها أن تعي أن الجزء الصغير من أرضنا الذي حشرنا المجتمع الدولي فيه لا يكفي ولا يحتمل لصراعات داخلية ولا اقتتالات بينية، وأن الكثير من سكان هذا المحرر قد هاجروا إليه من مناطق مختلفة واقعة تحت الاحتلال وتسري قوانين الظالمين وجرائمهم فيها وتعمل على تغير مطرد في تركيبتها الديموغرافية والسكانية.

يجب على الجميع في المناطق المحررة أن يبني سياساته ويقدم خططه على أساس العمل في إدارة عادلة وتشاركية للمنطقة المحررة وبذل كل جهد ممكن لتحرير الأرض وعزل الطغاة، وإجراء ما يلزم من تحالفات وتفاهمات داخلية وخارجية لتحقيق هذا الهدف قبل فوات الأوان.

==========================

عودة الأسد فوق أشلائنا؟!

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 10/1/2019

وكأن لبنان يعود إلى ما قبل العام 2005. لا يمكن قراءة مشهدية إعادة تعويم بشار الأسد عربياً، بدون استذكار العبر لبنانياً في العلاقة مع هذا النظام، الذي لا يمكن توقّع ما قد يفعله، أو أي انقلاب قد يقترفه. في لبنان، يلوح مشهد الوصاية العائدة من أبواب متعددة. يمكن النظر إليها في سياقات مختلفة، وعند محطات متنوعة.

بصريح العبارة، أصبح من الواجب تهيئة الأنفس، لاحتمالات متعددة. في أية لحظة العلاقات اللبنانية السورية ستعود إلى طبيعتها، وكأن شيئاً لم يكن. غالباً ما تحتم سياسات الدول ومصالحها، القفز فوق الكثير من العوائق. تذوب التفاصيل، وتتحول الناس إلى أرقام والحدود إلى أوهام. تتقدّم المصالح على ما عداها، فتقفز العلاقات فوق أجساد وقبور، وتتخذ من المسحوقين جسورا للقاء المتقاطعين.

في أية لحظة أيضاً قد يحطّ بشار الأسد زائراً على بيروت، وبلا شك لن يكتفي بدخولها لمناسبة قمّة عربية، ربما يترك الفرصة المنتهزة لمناسبة أخرى، لدخول حديقته الخلفية وفق خلفية رأسه، دخول الفاتحين. لن يعبر الأسد عند زيارته بيروت أو أي من العواصم العربية، حدوداً أو معابر رسمية. إلى لبنان سيدخل في سيارة تشبه سيارة ميشال سماحة، وربما سيكون برفقته علي مملوك، سيدخل على أشلاء أهل عرسال، واللاجئين السوريين فيها، وعلى دماء أهل طرابلس الذين سيتركون بلا تقوى أو سلام. سيدخل على غرار غورو إلى دمشق في مشهديته الشهيرة المقززة عند قبر صلاح الدين الأيوبي وهو يقول:" ها قد عدنا يا صلاح الدين."

في بيروت، وربما خلال جولة على المقرات الرسمية ومروراً في ساحة الشهداء، سيمرّ على رموز أمر بسحقها ورميها تحت التراب، وقد يقف في حضرة الأضرحة متوجهاً إلى ساكنيها بالقول:" فاجأتكم". سيقف مزهواً ليقول إلى رفيق الحريري، جورج حاوي، سمير قصير، جبران تويني وغيرهم "ها قد عدت." سيدخل لبنان ببذلته البيضاء ربّما، المغبّرة بركام سوريا، والمحاكة بخيطان جغرافيتها الممزقة. ليس بعيداً عن بشار العودة إلى نموذج غورو، وهو الذي أعاد سوريا إلى زمن التفتت والقبلية. غورو أنشأ في سوريا خمس دويلات، دولة دمشق، دولة للدروز، أخرى للعلوين، دولة حلب، والخامسة كانت من نصيب لبنان الكبير.

في حربه الشرسة على الثورة السورية، عاد بشار الأسد بسوريا إلى صيغ الانتداب، وهو الذي يتهم الثوار بالحنين إلى ذلك الزمن استناداً إلى رفعهم علم الثورة

أما دولة الوسط فللإيرانيين من حمص وريف دمشق وصولاً إلى البادية باتجاه العراق، حيث تم تغيير كل معالم هذه المنطقة وصولاً إلى مشارف الجنوب مروراً بالغوطة، التي أصبحت معالم التشيّع واضحة فيها، من خلال تشييد المزارات لزوم الصبغة المذهبية على منطقة دفن فيها خالد بن الوليد. فيما تبقى السويداء وحيدة، ومنعزلة، خاضعة دوماً لتحديات التطويع وتقديم فروض الطاعة للنظام، وإلا ستكون مهددة بمجازر واجتياحات داعشية.

 سيعود الأسد إلى لبنان، وإن لم يستعد سوريا كاملة. لبنان يعنيه أكثر، الصورة فيه نكهتها مختلفة، كمن يطل من حديقة منزله على العالم، وربما سيقف على إحدى الشرفات البيروتية، منتزعاً مشهدية الحبر الأعظم في الفاتيكان، يرمي السلام على المؤمنين في ساحة القديس بطرس. لا يمكن التنبؤ بما سيلقيه الأسد على العالم من بيروت. بيروت وحدها تعرف ما كان يلقيه رأس النظام، فيما السوريون خبروا إلقاء البراميل المتفجرة عليهم من سماء أفقدها الأسد طابع الرحمة ونزع منها خير الشتاء، الذي تحوّل إلى كابوس المهجرين في خيم الشتات. سيرفع الأسد راية النصر، وخصومه من العرب سيرفعون الراية عينها أيضاً، لكن النصر ضائع في بلاد العرب، قد مات من أيام السموءل والمهلهل، ومن سخريات أقدارهم أن يدّعي النصر، نظام متهلهل.

==========================

الانسحاب الأميركي يعيد رسم خارطة المنطقة وتحالفاتها 

جمعة الحمود

حرية برس

الاربعاء 9/1/2019

أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في 19 ديسمبر / كانون الأول الماضي، سحب القوات الأميركية الموجودة في شمال شرقي الفرات، مؤكداً أن “تنظيم الدولة” قد دُحر في سوريا.

تبع ذلك تحوّل سريع في موقف ترامب -بعد الانتقادات الشديدة من دوائر واسعة من السياسيين الأمركيين، وحلفاء واشنطن في الساحتين السورية والدولية- حول كيفية الانسحاب، الذي سيتم وفقاً لعملية “بطيئة غير محددة”،  ومنظمة بشكل تدريجي، محدداً ثلاثة أهداف يجب التأكد من تحقيقها قبل الانسحاب الكامل من سوريا.

هذه الأهداف هي إنهاء تنظيم الدولة بشكل كامل، ومنع إيران من ملء الفراغ في المناطق التي ستخليها واشنطن، إلى جانب التأكد من حماية الأكراد بعد إعلان القرار الأمريكي بالانسحاب من شمال شرقي سوريا.

تتلاحق التفسيرات في العواصم العالمية والإقليمية حول الانسحاب وأسبابه والمخاطر التي تترتب عليه، في ظل تضارب المصالح الدولية والإقليمية في الأراضي السورية، وحول الجهة التي ستملأ الفراغ الذي ستتركه واشنطن بعد انسحابها، قبل البحث في الدوافع والأهداف وراء قرار واشنطن سحب قواتها من سوريا، وهل هو انسحاب حقيقي، أم أنه إعادة انتشار لن تبعدها عن الساحة وتستطيع العودة متى أرادت ذلك؟

لا بد من التوضيح أن قرار الانسحاب لا يمكن وضعه في سياق الصراع على الأرض السورية مع روسيا وايران وتركيا والنظام السوري فحسب، وإنما يوضع بسياق مجمل الصراع في المنطقة والعالم وتحالفاته الناشئة، وأن السياسية الأمريكية في تعاطيها مع مختلف الأزمات والحروب حول العالم، تنطلق من خلال استراتيجية “إدارة الصراع” وليس إنهائه، حتى تتحقق الأهداف المعلنة وغير المعلنة التي تسعى اليها، وسوريا -ساحة الصراع الدولي والإقليمي والداخلي- لن تكون استثناء ووفق هذه المعادلة يزداد الأمر تعقيداً وتدويلاً.

تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية -وهذا صحيح إلى حد بعيد- أن استمرار وجودها على الأرض السورية هو ضمانة وحجة لاستمرار وجود بقية الأطراف المحتلة (روسيا وإيران وتركيا) كحلف مصالح يناصبها العداء، لذلك تسعى واشنطن إلى تفكيك هذا الحلف -بالترغيب تارة والترهيب مرة أخرى- الذي له رؤى وأهداف في الحقل السوري تتفق حيناً وتتناقض حيناً أخرى بحسب دوافع كلٍ على حدى؛ الروس وجدوا في انكفاء واشنطن عن المنطقة في عهد الرئيس الأمريكي السابق أوباما فرصة لملء الفراغ خصوصاً مع اكتشاف الغاز في حوض شرق المتوسط، وإيران الطامحة إلى نفوذ أوسع داخل العمق الاستراتيجي لدول المشرق العربي، إضافة لتسوية ملفها النووي مع الغرب، أما تركيا فقد سعت إلى قضم الأكراد السوريين الذين يشكلون بالنسبة لها مشكلة أبدية؛ فبات مايجمع الدول الثلاث أكثر مما يفرقها، حيث بلغ التعاون والتنسيق بينهم إلى التحالف في إدارة الحرب السورية بقيادة موسكو، ما يعني أن لا حلول ممكنة من دونهم، وحتى إن تفاوتت مصالحهم في مواقع أخرى، كان الاقتصاد يرمّم ما تتلفه السياسة وتناقض المصالح.

كل المؤشرات تدلل أن هناك هدف أمريكي رئيسي لانسحابها من منطقة شرقي الفرات الاستراتيجية ، تتفرع عنه بقية الأهداف التي تنشدها واشنطن ، وهو تفكيك تحالف أستانة الذي يجمع ” الروس و الايرانيين والاتراك ” حيث بدأت علامات زعزعته تظهر بشكل علني ، مما يشير لبدء مرحلة جديدة ” مرحلة مابعد الانسحاب الأمريكي ” تعد من أصعب مراحل التوازنات ، سيتواجه بها الحلفاء والأعداء وجهاً لوجه

الولايات المتحدة تستدرج تركيا -التي تطلب الدخول إلى شرقي الفرات للقضاء على المليشيات الكردية التي تعتبرها ارهابية- لكي تعود عضواً فعالاً في حلف الناتو ، حيث ألمح الرئيس الأمريكي ترامب إلى امكانية تسليم قيادة التحالف الدولي ضد الإرهاب إلى أنقرة عبر اتفاق تركي أمريكي، مما أثار غضب الروس الذين بدؤوا ينحازون بشكل كامل إلى نظام الأسد ضد المصالح التركية والمعارضة السورية التي تدعمها أنقرة، حيث ردت موسكو على التقارب التركي الأمريكي بالقول إن الوجود التركي في سوريا “مؤقت” تستدعيه المخاوف الأمنية التركية من خطر الإرهاب، وإنه يتوجب على نظام الأسد السيطرة على المناطق التي تنسحب منها القوات الأمريكية شمال شرق سوريا، ولا شك أن تصربحات موسكو تحمل دلالات معينة في هذه المرحلة، وتشي بالكثير الذي يمكن أن يحدث مع بدء هجوم تركي مزمع في منبج وشرقي الفرات بعد انسحاب واشنطن من المنطقة، خاصة في ظل توجه الأحزاب الكردية الانفصالية، إلى تسليم مناطقها للنظام عبر وساطة روسية.

طهران ترى أن الانسحاب الأمريكي من سوريا هدفه تطويق إيران في العراق، فسحب واشنطن لقواتها من سوريا يقابله تعزيز الوجود الأمريكي في العراق قرب الحدود الإيرانية، حيث شرعت واشنطن بتطوير وتحديث قاعدة “حرير” شرقي محافظة أربيل والتي تبعد 60 كيلو متراً عن أولى البلدات الإيرانية، يضاف إلى ذلك قيام الولايات المتحدة بإنشاء قاعدتين جديدتين في الأنبار على مقربة من الحدود السورية العراقية، الأولى في ناحية الرمانة التابعة لقضاء القائم على والثانية في مدينة الرطبة الاستراتيجية، حيث تشكل نقطة التقاء طرق رئيسية قادمة من ثلاث معابر حدودية هي عرعر من السعودية، وطريبيل من الأردن، والوليد من سوريا؛ وبذلك يصل عدد القواعد الأمريكية في الأنبار إلى أربعة قواعد بالإضافة إلى قاعدتي “الحبانية” و”عين الأسد”، ما يعني أن واشنطن وضعت حجر عثرة أمام الممر الإيراني من العراق إلى سوريا ولبنان، من خلال إعادة نشر قواتها وقواعدها العسكرية في الأراضي العراقية، فما جرى في العراق وسوريا خلال العقدين الماضيين إلى يومنا هذا لايمكن الفصل بينه على الإطلاق.

ثمة مرحلة جديدة من الفوضى والنزاع الناجمة عن التنافس بين القوى الإقليمية لسد الفراغ الأميركي، طالما أن روسيا ليست مؤهلة للعب هذا الدور، لا بقوتها العسكرية ولا بفكرتها السياسية وقدرتها الاقتصادية، وطالما أن أوروبا الغربية ليست مهتمة أصلاً بمثل هذا الدور، فلن يكون هناك طرف بمنأى من تبعات هذا القرار إن كان جدياً، تبعات قد تؤدي إلى نشوء تحالفات ومحاور جديدة في المنطقة في ظل التوجه الأمريكي الذي يطالب بدخول قوات عربية، تحل في المناطق التي ستخليها واشنطن.

لعل قرار الانسحاب محاولة أميريكية لإبعاد تركيا عن روسيا، والأخيرة تعتقد أن مساهمتها في توسيع النفوذ التركي والإيراني سيشكل ضغطاً على بعض الدول العربية المتحالفة مع أمريكا، لإجبارها على إعادة النظام إلى الجامعة العربية -وهذا ما يرفضه الأوربيون لأنه يشكل اعترافاً كاملاً بنفوذ روسيا ويقوّض فكرة الحل السياسي- بحجة الحفاظ على الأمن القومي العربي، بينما تركيا تعتمده كاستراتيجية لها في سوريا، لتحصل على اعتراف أمريكي – روسي بنفوذها الدائم في سوريا سياسياً وعسكرياً، فما تريده أنقرة أن تستقبل سوريا المستقبل “اسطنبول” وتستدبر “القاهرة والرياض” ولكنّ ذلك يبدو بعيد المنال في ظل استمرار الصراع بين واشنطن وموسكو والانحياز التركي لأحد الطرفين الروسي أو الأمريكي سيقابله استعداء الطرف الثاني.

كل هذا وسط تراجع الحديث عن جوهر المشكلة -بأن ثورة قامت وهناك شعب يريد الخلاص- وأن السوريين وحدهم هم من يواجهون الموت في كل ذلك، ولا أحد يستطيع أن يراهن على حقيقة هذه المرحلة -ما بعد الانسحاب الأمريكي-

وأحداثها ومآلاتها؛ فقد تكون بداية عهد جديد، وقد تكون بداية صراع آخر مختلف عما سبق.

==========================

عن حلم الحرية الذي راود السوريين

 لينا العقلة

حرية برس

الاربعاء 9/1/2019

ما هو حلم الحرية الذي راود الشعب السوري؟

وما هي الحرية التي أرادها السوريون؟

هو سؤال البديهيات المعقدة، المربك حد الدهشة، لكن الإجابة ليست مستحيلة، بل تكاد تكون ماثلة في خاطر كل حر.

عاش الشعب السوري في عزلة طويلة عن العالم الخارجي في ظل نظام الأسد الأب والابن، لم يعرف عن مفهوم الحرية التي حرم منها لسنوات طويلة، ولم يعتد عليها، إلا ما سمعه من شعارات فارغة عنها، فهو لم يعايشها حقيقة، وانما ظلت حلم النخب والمثقفين والراغبين في الانعتاق من الظلم والتهميش، ظلت حلماً بعيد المنال يراود مخيلة السوري على أمل أن يحظى بها يوماً ما.

ومع انطلاق الثورة السورية في آذار من العام 2011 لاحت الفرصة الحقيقية للمطالبة بها، ومضى جزء من الشعب مندفعاً وراء حلمه، لم يأبه بالمخاطر والإجرام الذي ينتظره، ضحى بالغالي والنفيس ودفع ثمناً باهظاً لم يكن متوقعاً من أجل الحصول عليها، كيف لا وهي مطلب بديهي من مطالب الحياة للبشر، لا يقل أهمية عن حاجات أساسية كالمأكل والمشرب والهواء، وحق طبيعي لكل كائن حي في هذا الوجود.

هتف معظمنا للحرية، حتى بحت الحناجر، أردناها بشدة رغم القتل والتنكيل والعنف، لم نتراجع يوماً عنها، لكن هل كنا فعلاً ندرك المعنى الحقيقي للحرية؟ وهل كان مجتمعنا مستعداً لها وجاهزاً لتمثّلها؟

يعني مفهوم الحرية بالمعنى العام إمكانية الفرد – ذكراً كان أم أنثى – اتخاذ القرارات التي تتعلق بمصيره دون إجبار أو إكراه، ودون قيد أو شرط أو تحديد مسبق من الآخرين، وتبني خيار من عدة خيارات متاحة، دون ممارسة أي ضغوط عليه، ومفهوم الحرية واسع جدا يشمل الكثير والكثير من الحريات، منها على سبيل المثال لا الحصر: حرية التعبير والرأي والتفكير والاعتقاد والتنقل والتملك ….. ومن أبرز مظاهر حرية الأفراد حرية المرأة، وهو حق لم يبلغ فيه مجتمعنا مرحلة الاعتراف به للمرأة حتى الآن، رغم كل مظاهر ومحاولات تبني منظومة حقوق متقدمة للمرأة.

وإذا دققنا بالواقع السوري نجد أن الخطاب الذي تبناه الشعب السوري ركز على المطالبة بالحريات السياسية فقط، كحرية التعبير والتظاهر السلمي وتداول السلطة، وانتخاب قادته، وهي بلا شك مطالب مهمة ومحقة وشرعية وعادلة، لكنها ظلت مطالب قاصرة عن تجاوز ثقافة مجتمعية غير مؤسسة على فهم عميق للحريات وحقوق الفرد في المجتمعات المتقدمة، وبقي بالتالي خطاب المطالبة بالحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك مطالب الثوار، قاصرة عن حاجة المجتمع لنهضة حقيقية، ويختصر مفهوم الحرية الواسع بتحديدات تعكس فهماً غير ناضج لمستقبل الشعب والبلاد.

الحرية مفهوم يشكل كلاً لا يتجزأ، والمطالب الانتقائية بحريات دون أخرى يعني أننا غير مهيئين فعلاً لنكون دعاة حرية، رغم كون الجميع مستحق لها، وفي أحسن الأحوال فإن المطالبة المنقوصة بحريات وتجاهل أخرى يعني أن وعينا قاصر عن فهم ضرورة الحرية لنهضة مجتمعنا، أو أننا غير متقبلين للحريات بمفهومها الواسع الشامل أو غير قادرين على التعايش معها، وتحكم نظرتنا للحرية مجموعة محددات تمليها العادات البالية أو الأعراف الاجتماعية المتخلفة، أو فهمنا الخاص – غير الصحيح بالضرورة – لمنظومة قواعد الأديان والمعتقدات.

هذا التفسير يجد ما يدعمه من خلال الصدمة الثقافية التي عاشها السوريون في بلاد اللجوء في الدول الغربية، التي وصلت حد الارتطام القاتل في بعض الأحيان بقواعد قانونية ومجتمعية تتعارض كلياً مع ما ألفناه وتربينا عليه من عادات وقوانين في مجتمعاتنا.

وبملاحظة تفاعل السوريين المهجرين في البلاد الغربية مع منظومات القانون والعادات المجتمعية الناظمة للحريات، في تلك البلدان نجد الكثير من السوريين لم يتقبل فكرة الحرية بشكل أو بآخر، والكثيرون اعتبروها انحلالاً أخلاقياً، وآثر العودة إلى الوطن والتخلي عن الأمان والحريات بشكل نهائي، فيما فضل البعض من السوريين البحث عن إمكانية العيش في إحدى الدول العربية أو القريبة من الدول الإسلامية مثل تركيا، ومنهم من قرر البقاء لكنه انغلق على نفسه بشكل كامل خوفاً من الانخراط بالمجتمع الجديد والاندماج الايجابي فيه، وانعكس هذا الانغلاق على الأطفال الذين باتوا في حيرة شديدة وفصام حاد بين مجتمع متحرر يعيشون تفاصيله اليومية، وواقع مغاير ومغلق تماماً يعيشونه مع عائلاتهم في المنزل، ولايعرفون أي اتجاه يتبعون، وأي اتجاه هو الصحيح، وأي اتجاه هو الشاذ.

ومنهم من أساء استخدام ما أتيح له من حريات، أو أساء فهمها إن صح التعبير، فلم يدرك حدودها، وتعامل معها بشكل مطلق أو رغبوي، دون أن يراعي احترام القوانين وحريات الآخرين، وارتكب أخطاء فادحة وصلت في بعض الأحيان حد الجريمة، و كان هذا هو النموذج الأسوأ على الاطلاق لتعامل السوريين مع الحرية.

ورغم إقرارنا بصعوبة التعاطي بشكل ناجح وسريع مع قواعد ومنظومات الحرية في المجتمعات الغربية، وتقبلها كما هي، إلا أنه من حقنا أن نحلم للسوريين بنجاحات معقولة على هذا الصعيد، ومن حقنا أن نتطلع لنموذج آخر أكثر مثالية أو إيجابية في تعامل شعبنا مع حلم الحرية، نموذج يعبر عن فهم ووعي وإدارك جيد لمعاني الحرية ويميز بينها وبين الانحراف، يحترم حريات الآخرين وخياراتهم دون أن يمارس رقابته وانتقاده للغير، ودون توجيه اتهامات لهم بالشذوذ عن عادات وتقاليد المجتمع الشرقي، أو عدم مراعاة واحترام قواعد الدين والعرف والعادات.

من حقنا أن نحلم لشعبنا الذي ضحى كثيراً، أن يكون جزءاً فاعلاً من المجتمع الانساني، يساهم في حضارة الإنسان وهو مدرك لحقوقه وواجباته، ومدرك تماماً لمعنى الحرية.. وعندها نكون جديرين بها ومستحقين لجمالياتها، أحراراً بكل معنى الكلمة.

==========================

لعنة الأسد

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 9/1/2019

لم يدهشني أبدا استئناف بعض الحكومات العربية، وعلى رأسها الإمارات المتحدة والبحرين، وربما قريبا حكومات أخرى، علاقاتها مع نظام الأسد، ولا احتمال مناقشة الحكومات العربية إعادته، في مستقبلٍ قريبٍ، إلى صفوفها في إطار جامعة الدول العربية، على الرغم مما كان قد وجّه لها جميعا من اتهامات، وما قذفها به من نعوتٍ بذيئةٍ في الماضي، وما كانت قد أمطرته ونظامه به من أبشع صفات القتلة والمجرمين. ولن أستغرب أيضا تراجع جامعة الدول العربية، الممثلة لهذه الحكومات، عن قراراتها السابقة التي برّرت بها تعليق عضوية سورية، طالما بقي نظام الأسد يقتل شعبه، وعن الشروط التي فرضتها عليه للعودة، والتي صاغت من أجلها أول مبادرة سياسية تبنتها المنظمة الدولية، من أجل انتقالٍ سياسيٍّ منظم، بمشاركة الحكم والمعارضة، على سبيل التسوية السياسية التي كانت تأمل منها أن تحول دون انزلاق سورية إلى الحرب الداخلية، وتحفظ لها ولشعبها الحد الأدنى من الوحدة والاستقرار، وتقيها من مخاطر الدمار السياسي والحضاري، وهي المبادرة التي عطلها الأسد، كما عطل مبادرات جميع المنظمات الدولية

ليس لهذا التراجع العربي، في نظري، أي علاقة بالواقعية السياسية، فكما ذكرت أكثر من مرة، ليس من الواقعية أن تقبل الدول، حتى غير الديمقراطية وغير المؤمنة بحقوق الإنسان، إعادة تأهيل رئيسٍ لم يتردّد في قتل مئات الألوف من شعبه، وتهجير الملايين منه خارج البلاد وداخلها، واستصدار عشرات القوانين لشرعنة السطو على أملاكه، لحرمانه من العودة إلى بلده، توجد عليها جميعا إثباتات دامغة، وتأكيد من جميع تقارير المنظمات الإنسانية العالمية. ولا تنبع لاواقعية ذلك مما تحمله هذه الوصفة من الحرب في جرح السوريين النازف، بدل السعي إلى تضميده، ولا ما تعمل عليه من تعميق مشاعر الضغينة والحقد وروح الانتقام عند أهالي  

"تخطئ حكومات عربية إذا اعتقدت أن عودتها إلى نظام الأسد تساعده على الخروج من أسر خصومها الإيرانيين" الضحايا الذين لا تزال ذاكرتهم عامرةً بمشاهد العنف الوحشي الذي مورس على بناتهم وأبنائهم وإخوانهم فحسب، وإنما لأن العرب العائدين ينفخون في قربة مثقوبة، ويحيون جثةً هامدة، لن يجنوا من إنعاشها سوى البلاوي والأخطار، فقد انهار تماما الأساس الذي قام عليه نظام الأسد بأكمله، وهو الخوف الذي رعته أجهزته وسياساته الانتقامية الدموية عقودا، بعد أن فجر ثورة المظلومين والمقهورين، فأصبح الموت أرخص لديهم، وأفرج من الحياة، وربما سيصبح، أكثر فأكثر، سلاح هؤلاء الأمضى لبث الذعر في قلب نظامٍ لم يتقن غير سياسة القتل والعنف والكراهية والتمييز والإذلال

يستطيع الأسد أن يزوّر التاريخ، وأن يكذب على نفسه وجمهوره، بالاستمرار في ادّعاء أن ما قام به هو حربٌ ضد الإرهاب والإرهابيين، وأنه فعل ذلك، كما بدأت أجهزة إعلامه تسرّب منذ الآن، حمايةً للشعب من "المؤامرة الكونية" التي انتصر فيها على 140 دولة وحكومة، أعلنت في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 إدانتها سياسة الإبادة الجماعية التي مارسها الأسد، وتبنيها، ومن هذه الحكومات أغلبية الحكومات العربية، مطالب الشعب العادلة، لكنه لن يستطيع أن يقنع السوريين الذين عاشوا تجربة الموت، في أجسادهم وأجساد أطفالهم وأحفادهم وأمهاتهم وأخواتهم، ولا تزال آثار العنف الذي مورس عليهم تحفر في ذاكرتهم، وترسم ملامح وجوههم، بهذا الكذب والتزوير. ويحتاج الأسد الذي يعرف أنه قتل، ويعرف أن روح القتيل سوف تلاحقه أينما ذهب، إلى حارسٍ ورقيبٍ على كل سوري حي، حتى يضمن الأمن والاستقرار لحكمه. ولن تسعفه جماعات الحشد الشعبي الإيراني، أو الطائفي، لضمان ذلك، إن لم تضاعف من حجم الحقد ورغبة الانتقام التي تسكن قلوب ملايين السوريين، ما لم تتحقق العدالة، وينال القاتل جزاءه

قلت لم يدهشني تطبيع بعض الحكومات العربية مع الأسد، فهي تشترك معه في أمرٍ كبيرٍ واحد، هو افتقارها أي مفهوم للدولة والقانون. وقبل ذلك الاحترام لشعوبها. وبالتالي، لمفهوم الحق الذي هو معيار تقدّم الحكومات الحديثة، ومكمن شرفها، فالعدالة ليست من سمات سياساتنا، نحن العرب، في هذا العصر الذي قام على مفهوم الحق والعدل والكرامة والمساواة والالتزام بالعهود والمواثيق والقرارات. ونعتقد، أو بالأحرى يعتقد "زعماؤنا"، بالعكس، أن الحرية هي في التخفّف من أي التزاماتٍ قانونيةٍ أو أخلاقيةٍ أو سياسيةٍ تجاه الشعوب، والرهان على "صفقات القرن" الكبرى التي تجمعنا مع "الكبار" و"الأقوياء"، أي الأكثر قدرةً على خرق العهود والالتزامات، وتمزيقها في أي وقت. وربما هذا ما أوحى به الأسد، عندما غدر بشعبه، وخان التزاماته بصفته رئيسا أوتمن على مصير شعب، فلم يتردّد في التهديد بحرقه، ثم حرقه بالفعل، وخرّب عمرانه، وشرعن نهب أرزاقه وممتلكاته، وتقديمها هدية لمعاضديه ومناصريه ومؤيديه من الأجانب قبل السوريين، من أجل البقاء في الحكم

لكن لعنة الأسد التي رافقت الرئيس السوداني عمر البشير من دمشق إلى الخرطوم، وقوّضت أركان نظامه، وسوف تطيحه لا محالة بعد وقت، ستلاحق كل من يسير في طريقه، ويقبل شرعنة الجريمة، والدوس على ذاكرة الضحايا، وتبييض وجه الخيانة والعار

أعرف أن مصالح الدول قد تقتضي صرف النظر عن حقوق الأفراد، وأن التغييرات العسكرية 

"قد يحلم بعض الخليجيين بأن تساعدهم خطوتهم الخاطئة هذه على كسب ود الروس، والاستفادة من صعود نجم موسكو، بعد أفول نجم الولايات المتحدة في المشرق" في السنة الماضية قد مكّنت موسكو وطهران من إعادة وضع الأسد على السرج الممزّق من جديد، لكن حسابات الحكومات العربية ستكون متسرّعةً جدا، إذا اعتقدت أن النظام قد خرج منتصرا وكسب السباق. فلا يمكن لنظامٍ أن ينتصر ضد شعبه وعليه، لأنه لن يكون بعد ذلك نظام، وإنما عصابة قتلة، لا بديل لها عن الالتحاق بالقوى التي مكّنتها من ارتكاباتها، والعمل في خدمتها ولأجلها. خسر النظام نفسه، كما خسر "شعبه"، وتحوّل إلى عميلٍ للقوى التي ضمنت بقاءه، وغطّت على جرائمه. ولذلك، تخطئ الحكومات العربية أيضا إذا اعتقدت أن عودتها إليه سوف تساعده على الخروج من أسر خصومها الإيرانيين، وتساعدها عليهم. فلم يعد لوجوده معنى ولا مضمونا، إلا من حيث هو أداة في يدهم. وبمقدار ما يقبل أن يكون سيفا مسلّطا على العرب بعد السوريين لخدمة مصالحهم. وتمديد حكمه لن يكون سوى تعزيز للاحتلال الإيراني

قد يحلم بعض الخليجيين بأن تساعدهم خطوتهم الخاطئة هذه على كسب ود الروس، والاستفادة من صعود نجم موسكو، بعد أفول نجم الولايات المتحدة في المشرق، لضمان أمنهم. أو ربما فكّر بعضهم بأن الارتماء على الأسد سوف يمكّنهم من الضغط على أنقرة، وردعها عن دعم الإسلام السياسي الذي حولوه بأنفسهم إلى كابوسٍ يقض مضاجعهم، في الوقت الذي ترتع الأفاعي "الداعشية" في أقبية قصورهم المبنيّة من ورق

للأسف، أقول لإخواني الخليجيين، الذين أعرفهم وأقدّر مخاوفهم وطموحاتهم أيضا، إن أسوأ مرشد للعمل السيرُ وراء الأوهام والأهواء، وأنهم، بفتحهم باب إعادة تأهيل المجرم ونظام الجريمة في دمشق، كمن يوجه خنجره إلى صدره.

==========================

شرق الفرات.. خطوط متشابكة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 9/1/2019

عكست التصريحات الأميركية أخيرا حول شروط الانسحاب الأميركي من سورية؛ وردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية عليها؛ تعقيدات المشهد السياسي والعسكري وما انطوى عليه من تناقضٍ في المصالح والمواقف والخيارات؛ وما يترتب على ذلك من فرصٍ ومخاطر، ناهيك بما أثاره قرار الانسحاب من سجالاتٍ داخليةٍ أميركية بين "المؤسسة" والبيت الأبيض، الرئيس خصوصا، حول محدّدات السياسة الخارجية وارتباطها بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها؛ وبالقيم التي تتضمنها، حيث نُظر إلى قرار الانسحاب باعتباره خروجا عن القواعد الحاكمة، وتجاوزا للأعراف السائدة وتجاهلا فجّا للتقديرات السياسية والعسكرية الدقيقة والمتماسكة. لم يكن قرار الانسحاب الفوري والشامل الذي أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تغريدته يوم 19/12/2018 يتعارض مع حقائق الميدان فقط، حيث لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، على الرغم من الهزائم والخسائر البشرية والجغرافية الكبيرة، موجودا، ويشكل خطرا في سورية والعراق، بل ومع المصالح والحسابات الجيوسياسية والإستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، حيث لم يتم التوصل إلى توافق سياسيٍّ، حول مخرج للصراع في سورية وعليها يحقّق مصالحها وتطلعاتها القريبة والبعيدة، يسمح بإغلاق الملف، والعودة إلى الديار، وفق رغبة الرئيس الأميركي، فالمعركة السياسية على الحل، وعلى مستقبل سورية، ودور القوى ونفوذها فيها قائمة، تصعد وتهبط على إيقاع التطورات الميدانية، وتوازنات القوى على الأرض، من جهة. والولايات المتحدة وحلفاؤها، المحليون والإقليميون والدوليون، لا يمسكون بخيوط اللعبة، ولا يتحكّمون بتطوراتها ومآلاتها، حيث نجحت روسيا وإيران وتركيا في إقامة شراكةٍ نفعيةٍ امتلكوا بها زمام المبادرة، وحدّوا من قدرة بقية اللاعبين على التحكّم في الصراع ومآلاته، من جهة أخرى

"قرار الانسحاب تجاوز للأعراف السائدة، وتجاهل للتقديرات السياسية والعسكرية الدقيقة والمتماسكة"

حاول العقيد الأميركي المتقاعد، دوغلاس ماغريغور، تبرير قرار الانسحاب بقوله، لقناة فوكس نيوز الأميركية: "إنها خطوة ذكية من شأنها أن تفسد العلاقة بين روسيا وحلفائها في المنطقة.. عملت روسيا جاهدةً، منذ فترة طويلة، على إقامة علاقات مع تركيا وإيران والمعارضة السورية المسلحة، لكن انسحاب القوات الأميركية سيفرض عليها ضرورة الاختيار بين تلك الأطراف... إنها بسحب قواتها من سورية، أزالت الولايات المتحدة العامل الذي كان يجمع بين الشركاء المختلفين، معتبراً أنه لم يعد هناك أي أساس لتعاون الروس والأتراك والإيرانيين من حيث المبدأ، وهذا جيد". في تجاهل تام للاعتبارات الجيوسياسية والإستراتيجية الحاكمة التي تستدعيها مصالح الولايات المتحدة وحلفائها (إسرائيل، دول الخليج، مصر، والأردن)، والتي صُممت لمواجهة النفوذ الروسي المتعاظم شرق المتوسط (سورية، لبنان، فلسطين)، وشمال أفريقيا (مصر، ليبيا، والسودان)، والوجود الإيراني، والمليشيات الشيعية التابعة لها، ليس في سورية فقط، حيث تشكل هاجسا بالنسبة لإسرائيل؛ الطفل المدلل للولايات المتحدة عامة، والرئيس الحالي خصوصا؛ والأردن الذي تضغط عليه إيران من سورية والعراق، بل وفي دول المشرق العربي، العراق ولبنان واليمن، بالنسبة لدول الخليج، السعودية والإمارات بشكل خاص، ومصر، التأثير على مواردها من قناة السويس من خلال التحكّم بباب المندب، ناهيك بمصالح الحليف المحلي: قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تحملت العبء الأكبر في قتال "داعش"، قدمت فيه آلاف القتلى والجرحى، كشفهم الانسحاب المزمع أمام تركيا، وحدّ من خياراتهم، ودفعهم إلى اللجوء إلى التفاهم مع النظام السوري بوساطة روسية، تفاهم ثمنه باهظ: العودة إلى نقطة الصفر

قال السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، في دفاعه عن قرار الانسحاب كلاما عجيبا: "ثلث البلاد الذي يقع تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية إما صحراء أو سهول جافة. وتنتج حقول النفط فيها نفطا خاما من الدرجة المتدنية، ويحتوي على نسبة عالية من الكبريت. وكميات النفط في هذه الحقول تتراجع. وقبل اندلاع الثورة عام 2011 لم تشكل موارد النفط إلا نسبة 5% من مجمل الناتج المحلي العام، وهذه أرقام صندوق النقد الدولي. وبالتالي، لم تكن سيطرة أميركا على شمال- شرقي سورية لتمنحها ورقة نفوذ تدفع النظام وإيران وروسيا إلى تقديم تنازلات". وأضاف: "ويحذر النقاد من خطر الانسحاب على محاربة تنظيم الدولة، وإمكانية عودته من جديد. وتظل ممكنة مع أن مناطق غرب سورية الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية وحلفائها لا أثر فيها لنشاطات التنظيم". وختم بتقديم نصائح للرئيس الأميركي بخصوص تنفيذ قراره ختمها؛ كأنه يقدم أوراق اعتماد لديه؛ بالقول: "وأخيرا على الرئيس إعادة النظر بفريق السياسة الخارجية، وكيف سبقه في تحديد السياسة السورية. فهو بحاجةٍ لمجلس أمن قومي قادر على نقل حذره، ومظاهر قلقه من السياسة للأشخاص الذين يقومون بتنفيذها. وعلى الفريق التأكيد للعاملين في الأقسام المعنية أن الرئيس يستمع لمواقفهم ولكن عليهم التحرك بناء على توجيهاته" (قرار ترامب السوري كان صحيحا في جوهره وبهذه الطريقة نحقق معظم نتائجه، "واشنطن بوست"، "القدس العربي": 28 /12/2018).

صحيح أن للانسحاب الأميركي، الشامل والفوري، تبعاتٍ سياسيةً وميدانيةً سلبيةً على القوى المسيطرة، روسيا وتركيا وإيران، تبدأ بخلط الأوراق، والدفع نحو إعادة مراجعة الحسابات ورسم الخطط والخيارات؛ وبتظهير التباينات والخلافات بين مصالحها وتصوراتها وخططها، تجلى ذلك جليا في إعلانات روسيا وإيران عن ضرورة سيطرة النظام السوري على المناطق التي تنسحب منها القوات الأميركية؛ وتجسّد عمليا في التسابق على دخول منبج، والسيطرة عليها. كان الوجود الأميركي قد لعب دورا فاعلا في حفظ التوازنات، إلا أنها تبعاتٌ مرحلية، من جهة، حيث طغى توجّه نفعي على سلوك ثلاثي أستانة، عبّر عنه وقف التسابق على منبج، والنظر بإيجابية إلى موقف تركيا من الوضع شرق الفرات؛ كما عكسته نتائج محادثات الوفد التركي في موسكو الذي اتفق مع المسؤولين الروس على التنسيق بين الجيشين، بعد الانسحاب الأميركي. ولن يكون مكسبا صافيا للولايات المتحدة وحلفائها، بل سيثير مخاطر كثيرة (تعزيز الوجود الروسي شرق المتوسط، كمكسب جيوسياسي مهم، والدور الروسي في الملف السوري؛ حيث تغدو الجهة الدولية الوحيدة المحاورة والموازنة بين قوى الإقليم، تكريس النفوذ الإيراني في سورية ولبنان على حساب المصالح الإسرائيلية والخليجية، خطر انفجار مواجهة إسرائيلية إيرانية)، بالإضافة إلى خسائر كبيرة (خسارة ورقة المساومة على الحل السياسي في سورية، خسارة موطئ قدم يتيح التأثير على التغيرات الحالية والقادمة في الإقليم)

استطاعت "المؤسسة" تغيير صيغة القرار من انسحابٍ شاملٍ وفوريٍّ إلى انسحاب بطيء ودقيق ومنسق، كان للجنرال بول لاكاميرا، قائد القوات الأميركية التي تقاتل "داعش" في سورية والعراق، دور بارز في هذا التحول، قبل أن ينجح نوابٌ وشيوخٌ، خصوصا السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، وجنرالات وزارة الدفاع (البنتاغون)، بالتأثير على الرئيس الأميركي في ضرورة حماية الحليف المحلي، قوات سورية الديمقراطية (قسد) عبر المطالبة بالموافقة على احتفاظها بالأسلحة التي زوّدها بها البنتاغون، والاشتراط على تركيا عدم استهدافها

"فورد: ترامب في حاجةٍ إلى مجلس أمن قومي قادر على نقل حذره، ومظاهر قلقه، من السياسة إلى الأشخاص الذين يقومون بتنفيذها"

أثار الموقف الأميركي الجديد الذي عكسته تصريحات الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، والداعي إلى تنسيق العمل العسكري التركي مع القوات الأميركية، وحماية الكرد من أي هجوم تركي، رد فعل تركيٍّ غاضب؛ فقد جاء الموقف على الضد من الرغبة التركية التي كانت تنتظر وصول مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، كي تفاتحه في قضية الأسلحة، وضرورة تنفيذ وعدٍ أميركيٍّ سابق بسحبها عند انتهاء القتال ضد "داعش"، باعتباره جزءا من صفقة تلزيم تركيا محاربة بقايا "داعش" شرق الفرات، وقد تركّزت التعليقات التركية على صيغة الموقف الأميركي الجديد: حماية الكرد، اعتبرتها صيغةً مخاتلةً، غايتها حماية حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري (وحدات حماية الشعب) وحزب العمال الكردستاني، وشدّدت على كونهم إرهابيين، ولا يجوز أن يكونوا حلفاء للولايات المتحدة.

لعبت ثلاثة اعتبارات في صياغة الموقف الأميركي الجديد، أولها رد الفعل الإسرائيلي السلبي على الانسحاب الذي أبقاها وحيدةً في وجه إيران، كانت تتوقع مقايضته بانسحاب إيران من سورية. ثانيها انهيار الحليف المحلي: قوات سورية الديمقراطية؛ وانخراطه السريع في مساوماتٍ مع النظام السوري وروسيا، لتوفير غطاء سياسي وحماية عسكرية مقابل تنازلات كبيرة، ما يجعل الانسحاب مكسبا صافيا لروسيا وإيران والنظام السوري، طالبت الكرد بالانتظار، وعدم المسارعة لطلب الحماية من الروس، أو من النظام. ثالثها عدم تحقيق قرار الانسحاب، أهم أهدافه: إبعاد تركيا عن روسيا وإيران، حيث أعلنت تركيا الإبقاء على التنسيق مع روسيا وإيران.

==========================

في مستقبل "الاتحاد الديمقراطي" وجبهة النصرة

عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 8/1/2019

هناك قرارات دولية من مجلس الأمن، واتفاقات إقليمية بين تركيا وروسيا، لتصفية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة وحلفائهما الجهاديين. لم تتغير هذه المواقف، على الرغم من محاولات "النصرة" تفاديها؛ فتارةً تغيّر اسمها، وتارة تسمح للقوات التركية بإنشاء نقاط مراقبة في مناطق سيطرتها، وثالثة، تنشِئُ تشكيلات "مؤتمر سوري عام، وحكومة إنقاذ، وجيش الفتح، وإدارة مدنية لمدينة إدلب من فصائل عدّة"، ورابعة تُخلي مناطق واسعة أمام تقدم قوات النظام، وخامسة تلتزم بالتوافقات التركية الروسية وفق تفاهمات واتفاقات أستانة أو سوتشي؛ أقول إن ذلك كله لم يُحوِّلها إلى طرفٍ مقبول لدى الدول المتدخلة في سورية (لم يُشرعنها). مشكلة جبهة النصرة أنّها لم تهتم بالشأن السوري بالمعنى الوطني ومنذ تشكلها، فلم تنضوِ في فصائل الجيش الحر، وقامت بتصفية عشراتٍ من تلك الفصائل، وفرضت سلطتها على كل المناطق التي سيطرت عليها، ورفضت أيّة محاكم، على الرغم من أنّها محاكم شرعية وليست مدنية، لحل المشكلات مع بقية الفصائل، وكذلك أقامت معتقلاتٍ وسجونا تابعة لها، وفي كل منطقة احتلتها، ولا تتوفر أية محاكمات عادلة للمعتقلين. والأسوأ أن أغلبية الذين اعتقلتهم ناشطون مدنيون أو أفراد من فصائل الجيش الحر، وكانوا من أوائل الثوار ضد النظام، ومنهم وثاب عزو والمحامي ياسر السليم. لم تشكل جبهة النصرة جمهورها السوري الواسع، وأغلبية المنضوين لديها أُجبروا على ذلك، لأسبابٍ تتعلق بالحماية من آخرين، أو بسبب رواتب شهريةٍ منتظمةٍ ودقيقة. أما حلفاؤها الحقيقيون فهم من المهاجرين (الحزب الإسلامي التركستاني مثلاً). أما أغلبية الفصائل التي تحالفت معها، فقد فكّت تلك التحالفات.

"جبهة النصرة لم تهتم بالشأن السوري بالمعنى الوطني، ولم تنضوِ في فصائل الجيش الحر"

جبهة النصرة هذه، ولأنها جهادية وأصولية، وتتوهم أن رؤيتها هي الصواب المطلق، فهي ترفض كل توافقٍ سياسيٍّ جديّ مع الآخرين، وترفض حلَّ نفسها، ولا يعنيها أيَّ حلٍّ سياسي، ما لم تكن هي قائدة له. هي نموذج مخفف من "داعش". لم تستفِد أبداً من محاولات المعارضة السورية دفعها لتكون فصيلاً وطنياً، فقد أشاد بها كل من جورج صبرا، وميشيل كيلو، ومعاذ الخطيب، وعشرات القادة السياسيين، ولاقت هوىً لدى بعض السوريين حينما كانوا يتعرّضون لمختلف أشكال الحصار والدمار والقتل.

ستنفّذ القرارات الدولية لا محالة، وكما شملت الاتفاقات التخلص من الفصائل في أغلبية المدن السورية، سيتم التخلص من جبهة النصرة وحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) ولو بعد حين؛ فقد وصل الوضع السوري إلى مرحلة النهايات، وهناك مشاورات سياسية دقيقة لدراسة الخطوة الأميركية، الانسحاب من شرق سورية، وكيف ستُنفذ، بين كل من تركيا والولايات المتحدة من ناحية وتركيا وروسيا من ناحية أخرى. على كل حال، قرار تصفية كل من جبهة النصرة و"البايادي" (حزب الاتحاد الديمقراطي) يبدو أنّه ما زال موضوعاً للتشاور الإقليمي، أي سيستفيد هذان من حاجة هذه الدول لهما في هذه المرحلة!. وقد أوقفت تركيا عمليتها العسكرية بسبب هذه المحادثات، لكنها وجهت بعض الفصائل التي تعمل تحت إمرتها إلى ريف حلب وإدلب ريف حماه، في خطوةٍ تحذيرية لجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام)، وضرورة أن تنصاع بشكل كاملٍ للتنسيق الروسي التركي، ويبدو أن هناك تنسيقاً بين تركيا وروسيا وجبهة النصرة على ذلك، وهو ما لم ينشر علنا. سمحت تركيا لجبهة النصرة بتصفية حركة نور الدين الزنكي التي انسحبت بقواتها وعتادها وبشكل غير مبررٍ، وربما تخفي هذه الخطوة هذه توافقاً معيناً مع الحركة نفسها! وهذا لصالح تركيا، حيث هناك قرارات "روسية تركية" بتصفية كل الفصائل التي كانت مدعومة من أميركا أو غير موثوقٍ بها، ولهذا تركت جبهة النصرة تفتك به.

إقليمياً، هناك إعادة علاقات النظام بالنظام الإقليمي، وضرورة فتح كل الطرق بين المدن السورية والمحيط الإقليمي؛ الفصائل المنضوية تحت سيطرة تركيا تتحرّك وفقاً للتوافقات التركية الروسية، وأيضاً قوات "البايادي" تتحرك وفقاً لمشيئة الأميركان بشكل أساسي، وتحاول الاتفاق مع النظام وإيران، لإيجاد اتفاقٍ يشرعنها، ولكن خطوة "البايادي" ما زالت مفتوحة على الاحتمالات كافة؛ فالتصريحات الأميركية والأوروبية المتضاربة تقول إن قوات "البايادي" و"قوات سورية الديموقراطية" ما زالت ضمن الحماية الدولية، ولكن أيضاً هناك إمكانية لتصفيتها، وهذا يتعلق بإنهاء الوضع السوري برمته، وكذلك هي شروط تركيا وروسيا في الوقت نفسه.

الآن، ومع قرار الانسحاب الأميركي، ولا يغير من ذلك المشاورات بصدد ما بعده، وسيطرة الحلف الروسي، والذي يضم تركيا وإيران، على الوضع السوري بشكل كامل، لم يعد ممكناً الاستمرار في الصراعات الإقليمية. وبالتالي، فقدت الأدوات المحلية والمُستقدمة من الخارج مُبرّر وجودها (البايادي وجبهة النصرة، بل والفصائل التي تعمل تحت إمرة الأتراك، وأغلب الظن أن جيش النظام سيُعاد تشكيله) في مرحلةٍ لاحقة. أي أن انتصار جبهة النصرة على حركة الزنكي وبقاء "البايادي" لمرحلة مقبلة لن يغير من حقيقة تصفيتهما لاحقاً؛ فلروسيا وتركيا وأميركا مصالح في سورية وفيما بينها، وتتحقق على جثث السوريين وكل الفصائل المسلحة، والخارجة عن جيش النظام.

"ستفرض الاحتلالات سيطرتها الكاملة على سورية؛ روسيا، وتركيا، وثالثاً إيران وإن بشكل أكثر هامشية"

أفشلت روسيا وتركيا معركة الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الوطني ضد هيئة تحرير الشام، وتتجه الأوضاع إلى حسم المعارك لمصلحة السيطرة التركية الروسية على مناطق إدلب وريف حلب الغربي، وفتح الطرق الدولية بين مدن الشمال السوري والعاصمة والدول المحيطة في سورية. تجميد جبهة منبج وشرق الفرات، ولمصلحة التوافقات الدولية، سيُفضي إلى حلٍّ ما، يُنهي بالضرورة كلَّ تهديدٍ للحدود التركية. وبالتالي، هناك تحجيم، إن لم نقل تصفية، لقوات سورية الديموقراطية وقوات حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادي)، وهذا سيكون بيد الأتراك أو النظام السوري؛ فالأخير لن يقبل بوجود "استقلال" للحسكة أو القامشلي. "البايادي" و"قوات سورية الديموقراطية" لن يستفيدا كثيراً من المشاورات الدولية بخصوص مستقبلهما، ولن يستفيدا من تجربتهما الخاطئة في التحالف مع النظام، وضد فصائل الثورة، ومع أميركا وضد روسيا وتركيا، وكل محاولاتهما السياسية للمحافظة على قواتهما ستبوء بالفشل، وكل أشكال الوهم عن الفيدرالية، وقواتهما المدعومة أميركياً ستنتهي بشكل كامل. وطبعاً لا مجال لفرضية التوافق مع تركيا، ولا مع فصائل الثورة أو قوى المعارضة. ولهذا كما أخطأت "النصرة" في رفضها الانضواء في المجال الوطني الثوري، وحاربته، وصفّت حركة نور الدين الزنكي أخيرا، كذلك أخطأ "البايادي" في سياساته وتحالفاته.

كل القوى السورية، وبدءاً بالنظام، أخطأت في حساباتها السياسية. ولهذا فنهاية جبهة النصرة، المنتصرة على ريف حلب الغربي ومناطق في إدلب، أصبحت مسألة وقت، وأيضاً "البايادي"، وستكون المعركة المقبلة ضد الفصائل المنضوية تحت الجناح التركي، وحتى النظام سيُعاد تشكيل جيشه وأجهزته الأمنية. وبذلك تفرض الاحتلالات سيطرتها الكاملة على سورية؛ روسيا أولاً، تركيا ثانياً، وثالثاً إيران وإن بشكل أكثر هامشية. وبالتالي: هل بدأت مؤشرات الحل السياسي تقترب أخيراً؟ نأمل ذلك.

==========================

افتراضات عربية خاطئة في تعويم الأسد

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 8/1/2019

تتجه الدول العربية تباعاً إلى مصالحة نظام الأسد، لم يعد ثمّة فائدة من تذكير هذه الأنظمة بأن هذا النظام مجرم، ولا تزال أثار دماء مئات آلاف السوريين على يديه، وأن لديه مشروع قتل للسوريين، سيشغل مساحة العقد المقبل. ولم تعد ثمّة فائدة من الطلب من هذه الأنظمة التريث قليلاً، على الأقل سنة، بانتظار تغير المعادلات نتيجة التفاعلات الجارية والمعطيات المستجدة.  لم يعد ذلك مجدياً، لأن سبحة السفارات والزيارات قد كرّت. وبعد مدّة، ليست طويلة، ستكون مقاطعة النظام السوري هي الاستثناء، وستتذرع الأطراف العربية بالواقعية السياسية، وأن أمر المقاطعة سينتهي، بل إن غالبية العرب سيقولون للمعارضين: انتظرناكم ثماني سنوات ولم تسقطوا الأسد، وأمر إسقاطه أكبر منا ومنكم، هو قرار دولي، وقالت أميركا نفسها إنها غير معنية بإسقاط الأسد، بل سيقول أغلبهم للسوريين إننا نفعل ذلك لأجلكم.

وما دام الحديث هنا عن الواقعية والمصالح العليا، سيكون كثيراً على العرب الوقوع في الخطأ مرتين في أقل من عشر سنوات، الأولى عندما اختلفوا في ما بينهم على طبيعة النظام الذي سيحكم سورية بعد سقوط الأسد، ما أدى إلى نجاته. والثانية إعادة احتضانه من دون وجود ضماناتٍ تحقّق مصالح العرب، أو الأهداف التي لأجلها يبرّر العرب إعادة تأهيل نظام الأسد، وإلا فسيجعلنا ذلك نؤمن بأن المسألة ليست سياسة، بقدر ما هي حظ، فسيكون الأسد قد حصل على أصدقاء لا يرحمون وقت الحرب، وأصدقاء لديهم قدرة على تمويل تثبيت سلطته.

بناء على ذلك، تستدعي الواقعية تخلي العرب عن الشعارات الكبيرة التي سيدفعونها أمامهم حين يأتون غداً لمصالحة الأسد، وحين تعلن جامعة الدول العربية في قمة تونس أنها ترحب بعودة عضوية نظام الأسد، انطلاقا من حرص الجامعة والأنظمة على حماية سورية واستقرارها ومساعدة شعبها على التخلص من آثار الحرب، مثل هذه العبارات من غير المقنع إسماعها للشعب السوري لأنه سيعتقد أن الجامعة والأنظمة ستبلسم جراحه بعد ثماني سنوات من التنكيل الفظيع الروسي والإيراني والمليشياوي العابر للقوميات، وهم لن يستطيعوا فعل ذلك، فلا داعي لرفع سقف طموحات السوريين بلا معنى.

"انخراط العرب بمشاريع الأسد الإعمارية هو عمل تجاري (بزنس) بحت، ولا يحتاج شعاراتٍ لتغليفه"

وتستدعي الواقعية أيضا إدراك حدود قدرة العرب على طرد التأثير الإيراني من سورية أو منافسته على الأقل، كل ما سيستطيع العرب فعله هو إعادة فتح السفارات، التي بدورها لن تستطيع الوصول إلى أبعد من مكتب وليد المعلم (وزير الخارجية)، الذي لا يمون على الفرّاش الذي يحضر له القهوة، فلن يسمح نظام الأسد ومخابراته لأي سفارةٍ بنشاط ثقافي مهم، ولا التواصل مع المعارضين، ولا التأثير في الرأي السوري، ثم لدى إيران مشروع "التشييع"، وعلى أساسه تستقطب بعض السوريين، بالمال أو بغيره، وتلك مسألة أخرى.. القصد أين هو مشروع العرب الذي سينافس المشروع الإيراني؟ لا يمكن مواجهة المشاريع بغير المشاريع، والمشروع الإيراني أيضاً مدعوم من نظام الأسد الذي في الحقيقة أصبح جزءاً من المشروع الإيراني في المنطقة.

وما ينبغي إدراكه، تحت ظلال شعارات الهجمة الواقعية العربية على سورية، وأن يدركه الزعماء العرب أن انخراطهم بمشاريع الأسد الإعمارية هو عمل تجاري (بزنس) بحت، وهو ما لا يحتاج إلى شعاراتٍ لتغليفه، لأن فائدة هذه العملية وأرباحها ستصب في جيوب المقرّبين من الأسد، والأدهى أنها ستكون دعماً للنفوذ الإيراني وتثبيته في سورية. والمفترض أن العرب عرفوا، من عشرات التقارير الدولية، أن إيران تجهَّزت جيداً لعملية الإعمار، وأسست عشرات الشركات بأسماء واجهات سورية، وأنها، ومعها شركات الرئيس بوتين، سيجنون مليارات الدولارات من الأرباح. وسيسبب ذلك للسوريين ألماً لا طاقة لهم على احتماله، فمن جهة سيشعرون أن العرب لم يأبهوا لجراحهم، ومن جهة ثانية ستظهر العملية كأنها مكافأة لكل عنصر مليشياوي أو مرتزق قتل طفلاً سورياً أو اغتصب امرأة سورية، وإن لم يكن ثمّة اعتراض على مساهمة العرب في عملية الإعمار، فليكن ذلك بعقليةٍ تجاريةٍ، يستطيعون من خلالها ضمان تحقيق أكبر قدر من الأرباح لأنفسهم.

"إيران مارست كل موبقاتها، من التهجير الديمغرافي إلى فرض التشيّع إلى إبادة السوريين تحت نظر روسيا وسمعها"

سيكون رائعاً إذا لم يسمح العرب لروسيا البوتينية بالضحك عليهم، إذ يجب ألا يسمحوا لها ببيعهم وهم إخراج إيران من سورية، فهذه كذبةٌ لا تستحق الانشغال بها، وهي كذبةٌ لا توازيها إلا نظيرتها الأميركية التي أشاعت بقاء القوات إلى حين خروج إيران، والبدء بعملية سياسية حقيقية. وعلى الرغم من كل جراح السوريين وآلامهم، سيكون مؤلماً عليهم وقوع أشقائهم العرب ضحية خداع بوتين الذي فعل كل ما فعل، ليمنع مرور خطوط النفط والغاز العربية إلى أوروبا حتى لا تنافس شركاته، والذي يعتقد أنه ليس أقل من أميركا في الحصول على حصّةٍ من أموال العرب، فإيران مارست كل موبقاتها، من التهجير الديمغرافي إلى فرض التشيّع، إلى إبادة السوريين تحت نظر روسيا وسمعها، وهي التي كانت تساعدها على إنجاز مهاتها تلك بعاصفة السوخوي الشهيرة.

كلمة أخيرة، الفائدة الوحيدة للشعب السوري، أو لنقل بتعبير أدق، لخمسة عشر مليون سوري أضر بهم نظام الأسد، هو إضعاف هذا النظام، أضعف الإيمان، عبر استمرار عزله ومقاطعته، لأن ذلك سيجبره ويجبر رعاته على تخفيف حدّة بطشهم بالسوريين. وكل ما من شأنه تقوية الأسد هو تحطيم للسوريين، وليس مستغرباً أن نظام الأسد قتل في الشهرين الأخيرين آلاف السجناء في صيدنايا، بغرض تفريغ السجون وجلب آلاف آخرين، تعتقلهم أجهزته ليل نهار من المناطق التي أجرت مصالحاتٍ مع نظامه، بغرض قتلهم، للوصول إلى مرحلةٍ يتخلص فيها من كل واحد نطق بكلمة حرية.

==========================

تقاسم سوريا ونهبها

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 8/1/2019

أشار تقرير صحافي نشر قبل أيام إلى تقاسم ثلاث من الدول لثروات رئيسية في سوريا، حيث أكد التقرير أن «الفوسفات لروسيا والنفط لأميركا والزيتون لتركيا». وعدا صحة المحتوى، فإن التقرير يصلح ليكون إشارة إلى ما صارت إليه الحالة السورية من تقاسم للبلاد ونهب قدراتها المادية، واستغلال إمكانياتها البشرية، وقد أصبحت مشاعاً لقوى الأمر الواقع من دول وجماعات، تدخلت في القضية السورية خلال السنوات الماضية.

وإذا أدت سنوات الصراع الماضية في سوريا وحولها إلى تغييرات مستمرة في خرائط الواقع، فإن الخريطة الحالية، تجعل سوريا موزعة إلى 4 كيانات؛ أولها وأكبرها مساحة، كيان مشترك لتحالف نظام الأسد مع الإيرانيين والروس، ويمتد ما بين الساحل ووسط البلاد من حلب في الشمال إلى أقصى الجنوب في درعا والسويداء مع جزر سيطرة محدودة في الشرق والشمال الشرقي موزعة ما بين الحسكة ودير الزور، فيما تفرض الولايات المتحدة سيطرتها في الكيان الثاني على امتداد القسم الأكبر من الجزيرة السورية وصولاً إلى محيط دير الزور شرقاً وحلب في الشمال، وتدير المنطقة بواسطة حلفائها في مجلس سوريا الديمقراطية الذي يشكل أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي نواته الصلبة. ويوجد في منطقة تماس النظام مع مجلس سوريا الديمقراطية في محيط دير الزور وجزء من البادية السورية الكيان الثالث الواقع تحت سيطرة ما تبقى من تنظيم داعش، حيث لم تنجز الحرب الأخيرة ضد التنظيم مهمة القضاء عليه. ويمتد الكيان الرابع والأخير في إدلب وجوارها ذاهباً باتجاه أجزاء من أرياف حلب وحماة واللاذقية، ويعتبر هذا الكيان دائرة للنفوذ والسيطرة التركية، رغم ما يظهر فيه من قوى محلية مسلحة، تتوزع بين مؤيد وداعم للوجود التركي ومناهض له.

وكما هو واضح، فإن ما أشار إليه التقرير من تقاسم لبعض ثروات سوريا مرتبط بواقع الكيانات الحالية، والتي لا تستأثر، وتضع يدها على الثروات الرئيسية، بل على كل الموارد والإمكانيات المتاحة، وهو السلوك الذي مارسته سلطات الأمر الواقع مع بدء التسلح والعسكرة، وما أسسته من تنظيمات مسلحة، وأخرى استدعاها نظام الأسد، أو قبل بوجودها بما يعنيه من تعزيز للفوضى، ومن ترسيخ لمقولاته عن الإرهاب والتدخلات الدولية والحرب الكونية ضده.

وإذ وضعت التشكيلات المسلحة يدها على الإمكانيات والموارد في أماكن سيطرتها، وكررته في معظم الأماكن والأوقات، تحت حجج ومبررات متعددة، وجدت بعض التنظيمات في الاستيلاء على الممتلكات العامة غنائم باعتبارها كانت مملوكة للنظام، وأخرى رأت في وضع اليد على مخازن الحبوب في الشمال السوري، إجراء مطلوباً لـتأمين الخبز، وبعض آخر رأى في الاستيلاء على مناطق إنتاج النفط في الحسكة ودير الزور فرصة لتمويل التشكيلات المسلحة، وتأمين احتياجات السكان الذين خسروا قدراتهم وإمكانياتهم في حرب النظام عليهم، والبعض استثمر رسوم المعابر لتمويل تشكيلات مسلحة، ولا يحتاج إلى تأكيد قول. إن هذا النمط من إجراءات التشكيلات المسلحة مستمر في إدلب وجوارها وسط سكوت أو بموافقة تركية على نحو ما هي عليه رسوم المعابر، التي تساهم في تمويل تشكيلات موالية لتركيا.

غير أن هذا النمط من الاستيلاء على الموارد في الظروف السورية، لا يمثل الخطر الأكبر، لأنه في الغالب استيلاء مؤقت ومحدود في الزمان والمكان، وهذا ما أثبتته تجربة جماعات مسلحة في السنوات الماضية، وانتهى أغلبها بما فيها جماعات إرهابية متطرفة، وتراجع وجود بعضها ونفوذها بصورة ملموسة.

وإذ كان من إطار توضع فيه اتفاقات وإجراءات تقاسم الإمكانيات ونهبها، فإن الأقل خطراً، ما يتم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بما فيها مناطق سيطرة مجلس سوريا الديمقراطية تحت الرعاية الأميركية، ومناطق سيطرة التشكيلات المسلحة في منطقة النفوذ والسيطرة التركية، لأن كل الإجراءات هناك محكومة بالحماية الأميركية والتركية، من المسلم أنها لن تبقى، وهي إجراءات مؤقتة، سواء كانت مستمرة حتى انتقال تلك المناطق لسيطرة أطراف أخرى (وقد انتقلت الرقة منذ عام 2014 من تحت سيطرة النظام إلى «الجيش الحر» ثم إلى «النصرة»، وبعدها إلى «داعش» قبل أن تستعيدها قوات سوريا الديمقراطية) أو بانتظار التوصل إلى تسوية كاملة للقضية السورية.

إن أهم ما تم القيام به من جانب سوريا الديمقراطية في مناطق سيطرتها، هو الاستيلاء على مراكز إنتاج النفط والغاز، وفرض رسوم مرور على الأشخاص والمركبات والسلع مع الجوار، وضرائب على السكان والأعمال، ولعل الأهم فيما يتم من إجراءات هناك أمران؛ أولهما الاستيلاء على ممتلكات الغائبين من السكان ومنع حتى الأقربين من أهاليهم التصرف بها، والثاني فرض التجنيد الإلزامي على السوريين، ودفعهم للقتال ضد الآخرين، ويتماثل الإجراءان مع ما يقوم به نظام الأسد في أماكن سيطرته.

وتبلغ إجراءات تقاسم الموارد ونهبها ذروتها، فيما يقوم به نظام الأسد مع شركائه الإيرانيين والروس الذين ربطت غالبية موارد وقدرات سوريا بهما. فقد وقع النظام مع الطرفين مئات الاتفاقات المديدة، التي تناولت مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية ومنها اتفاقات تتعلق بإنتاج النفط والغاز والفوسفات والسياحة، تمت مع روسيا، التي سجلت في عام 2018 وحده دخول 80 شركة روسية لاستطلاع آفاق العمل في سوريا، وكله يضاف إلى الاتفاق الاستراتيجي بين روسيا ونظام الأسد الذي ينظم الوجود الروسي العسكري في سوريا وتدخل موسكو عام 2015 لدعم نظام الأسد وحمايته من السقوط.

ومن الطبيعي، حصول إيران على مكانة مميزة في اتفاقاتها مع نظام الأسد، وقد شملت مجالات الزراعة والنفط والصناعة والثروة الحيوانية والموانئ، إضافة إلى رفع صادراتها، التي تم إعفاؤها من الضرائب في عام 2012، ومما يعزز قيمة الاتفاقات مع النظام، إجراءات تتابعها إيران في التمدد داخل المجتمع ومؤسسات النظام الحاكم، لتعزيز نشاطها في التشيع ونشر ثقافته، وإنشاء المزيد من الحسينيات، وشراء المزيد من عقارات سكنية وتجارية على طريق إحداث تغييرات ديموغرافية وخصوصاً في دمشق ومحيطها.

==========================

المسألة الكردية من جديد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 7/1/2019

تجاهلت المعارضة السورية، على مدار الأعوام الثمانية الماضية، الدخول في حوار جدّي يفضي إلى رؤى واقعية في التعاطي مع المسألة الكردية، ما جعلها واحدةً من القضايا المسكوت عنها في الواقع السوري، لأن بعضهم يحاول التجاهل أو التأجيل، إما لإنكار هذه المسألة برمّتها، خدمةً لأجندات أيدولوجية أو دولية، أو للحؤول دون كشف التناقضات في رؤية الأطراف المختلفة للقضية المعنية، أو المختلف على تعريفها، بين القوى السياسية السورية، خصوصا أنها تخضع لتجاذباتٍ أو توظيفاتٍ متضاربة، بما في ذلك المجموعات السياسية الكردية التي انفصلت، و"فصلنت قواها المسلحة" تحت شعاراتٍ متضاربة، وداعمين متناقضين (تركيا من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا) في وجهات نظرهم حول حقوق الكرد، أو حتى نفيها. ما يعني أن المعارضة أسهمت بقصد في دحرجة المسألة الكردية إلى الأمام، لتصبح اليوم ككرة "نار" تحرق كل المتلاعبين بأساسيات العمل الوطني الجامع بين مكوّنات السوريين على اختلاف قومياتهم من عرب وكرد وغيرهم، ما جعل خيارات التسوية المطروحة اليوم بعد الموقف الأميركي المرتبك تجاه مسؤوليتهم في حماية شركائهم الكرد، ليس في مصلحة أيٍّ من أطراف المعارضة، سواء المحسوبة على تركيا مع شقها الكردي (المجلس الوطني)، أو المحسوبة على دول أخرى، مع استخدام الورقة الكردية لعقد الصفقات المشبوهة، سواء مع النظام، أو الأطراف الداعمة لما يمكن تسميتها قيادة المعارضة السورية، الأمر الذي يضرّ بالمسألة المحورية المتعلقة اليوم ببناء النظام البديل عن النظام الحالي، وإرساء التحول نحو الحرية والمواطنة والديمقراطية.

"تنافست المعارضة، بكل هيئاتها، عبر سنوات ثمان، على تقليد السلطة التي يفترض أنها ثارت عليها"

وهنا يمكن القول إن الاعتراف بحقيقة وجود أزمةٍ في المعارضة تشبه أو تتساوى مع أزمات الأحزاب الكردية في عدم جدية كل هذه الأطراف في دخول حوار، أو حتى مفاوضات من شأنها الوصول إلى تقاطعاتٍ وحلولٍ للمسألة الكردية التي هي أساساً ذات وجهين: أولهما يتعلق باعتبارها قضية قومية لشعب هو جزء من الشعب السوري، وجرى حرمانه من هويته وحقوقه، الفردية والجمعية. وثانيهما يتعلق بقضية المواطنة، أو غياب مكانة المواطنة في الدولة والمجتمع السوريين، بحكم طبيعة السلطة الحالية، والتي تنافست المعارضة، بكل هيئاتها التي تشكلت عبر سنوات ثمان، على تقليد السلطة التي يفترض أنها ثارت عليها، وتقمص أدوارها المغرقة في القومية، والتي قابلتها على الوجه الآخر المجموعات الكردية بحلم الدولة المنفصلة والقومية، في ظروفٍ دوليةٍ معاديةٍ لهذا التوجه والنهج، ما يعني عدم قدرة الكرد السوريين على الاستفادة مما حدث في العراق، وإعادة ترتيب أولوياتهم، بعيداً عن وهم الدعم الدولي، وضمن ما يسمّى الحل السوري الشامل الذي يعتمد مبدأ الحقوق الفردية والقومية المتساوية في وطنٍ واحدٍ تحكمه منظومة قوانين ودستور غير تمييزي، ما يجعل هذا الأمر هو الأكثر خدمةً للسوريين، عرباً وكرداً وقومياتٍ كثيرة، يتشكل منها الشعب السوري، وتقوم بهم الدولة السورية الواحدة.

ويمكن اعتبار مشهد التجاذب الدولي والإقليمي، وحتى من النظام، بعد إعلان ترامب رغبته في مغادرة سورية، على الرغم من تصريحاته السابقة المعاكسة لذلك، واللاحقة التي تقلل من شأن هذا الانسحاب "المفترض"، أو توسع خياراته الزمنية على الأقل، بما يضمن إتاحة الفرصة لمزيدٍ من العروض والسيناريوهات للجهة البديلة التي سترسي عليها خيارات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المتقلبة، بمدى الرغبة في توظيف المسألة الكردية سلبياً، أو بالأحرى اختصارها بواقع ومآلات "قوات سوريا الديمقراطية"، والتي عمادها قوات حماية الشعب (الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي)، في الصراع السوري، سواء ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أي كأدوات قتالية فحسب، أو في إطار محاولة فرض تسويةٍ معينة في سورية، مع بقاء النظام، بكل ما له أو عليه، بمعنى العودة بالواقع السوري الذي أفضى إلى الثورة إلى ما قبل مارس/آذار 2011، بما في ذلك الواقع الكردي ضمن سياق منظومة الحكم السوري.

يفرض هذا الواقع المعقد، والمتضارب التوظيفات والأهداف، على المعنيين، وضمنهم الكرد، طرح أسئلةٍ عديدةٍ، كنت قد وضعتها بين أيديهم سابقاً، كغيري من المهتمين بحل عادل للسوريين، ومنهم الكرد، مثل: كيف ينظر السوريون الكرد إلى المشهد العام للحل في سورية؟ وهل يعتبرون قضيتهم جزءاً من هذا المشهد؟ أم يرون أن لهم مشهداً مستقلاً تماماً؟ هل يرون أنفسهم سوريين معنيين بالتغيير نحو المواطنة والديمقراطية في البلد؟ أم يرون أنفسهم كردا فقط، وبذلك يذهبون إلى النجاة التي تعيدهم إلى ما قبل 2011 ليس أكثر؟ أم يرون أنفسهم أحد تكوينات الثورة من أجل الحرية وبناء دولة المواطنة المتساوية، وفق صيغة دولة لا مركزية مثلاً، حكم إداري لا مركزي، أو..؟؟. هذه أسئلة يجب أن يجيب عليها الأكراد أنفسهم، وأن يتوافقوا عليها، وأن يقدّموا رؤيتهم الخاصة لشركائهم السوريين، وأيضا للمحيط الإقليمي. وفي المقابل، يفترض على من يدّعي قيادة العملية التفاوضية باسم السوريين أن يسعى، أولاً، إلى بناء مشروعه السوري، بالتوافق مع كل السوريين، قبل البحث عن خيارات تقاسم السلطة، وفق مبدأ التعيش على المتاح من الطرف الخصم.

لا شك أن الدور الإقليمي لتركيا (لا تنكر عداءها لأي وجود كردي منظم قرب حدودها ضماناً لأمنها القومي) وقوتها الاقتصادية في المنطقة، ونفوذها مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) حجّم من طموحات الكرد العابرة للحدود السورية. وتساوق ذلك الموقف مع مطالب كردٍ آخرين لهم أجندة مخالفة ومتخاصمة مع "روج آفا" (الفيدرالية الديمقراطية لشمال سورية)، وهو الأمر الذي استفاد منه النظام، في جعل "قوات سوريا الديمقراطية" تعيش حالة الهلع التي 

"هل يرى الكرد أنفسهم سوريين معنيين بالتغيير نحو المواطنة والديمقراطية؟ أم يرون أنفسهم كرداً فقط" تخيّرها بين الاستسلام للنظام، مقابل فتاتٍ غير مضمون في مستقبل غير واضح المعالم لكل السوريين، وليس فقط للكرد، أو الدخول في صراعٍ مع تركيا، ما سيفضي، في النهاية، إلى خدمة سياسة إطالة أمد الصراع في المنطقة التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأميركية منذ بداية التحول في الثورة السورية، وانقسامها على نفسها بين الرغبة في التحرّر من الاستبداد الذي يمثله النظام السوري، وقبولها باستبداد القوى المتصارعة على سورية عبر أدواتهم المحلية باسم الفصائل المسلحة (أخرجت الجيش الحر من مشهد الثورة)، وأجنداتهم المتضاربة فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين هدف الثورة في بناء منظومة ديمقراطية غير طائفية.

في كل الأحوال، إن صوغ الإجماعات السورية الجديدة هو من أولى مهمات المعارضة التي تطرح نفسها "ممثلاً" للشعب السوري. وما يجدر التأكيد عليه أيضا، في النقاش الدائر، هو الحرص على عدم افتعال معارك وهمية، أو الدخول في مناقشاتٍ بيزنطية، لن تفضي إلا إلى مزيد من الأخطاء والتقصيرات الحاصلة، ما يفرض ذلك على كل الأطراف أن تتجاوز الصندوق السياسي والمفاهيمي خاصتها، لتنفتح على معطياتٍ من شأنها أن تجعل من المسألة الكردية في ظل التجاذبات الدولية مفتاحاً للحل السوري، وليس سبباً لانكسار ما بنيت عليه، ومن أجله، الثورة السورية في انطلاقتها، وهي تنادي بالحرية للشعب السوري الواحد.

==========================
السوريون في مواجهة حرب ديمغرافية

عماد غليون

حرية برس

الاحد 6/1/2019

يجري تقييم التحولات الدراماتيكية في مسار الثورة السورية من خلال مسارين رئيسيين: يتناول الأول فشل المعارضة السياسية في بناء هيئات وطنية مستقلة قادرة على تلبية مطالب الثورة وإنجاز مسار سياسي تفاوضي بدون تفريط. فيما يركز المسار الثاني على عسكرة الثورة وتحول مهام الجيش الحر من  حماية المتظاهرين إلى إسقاط النظام عسكرياً وما تبع ذلك من فصائلية وتبعية للداعمين واقتتال داخلي مع سيطرة الإسلام الجهادي وتدفق المقاتلين من الخارج وبروز تنظيمات داعش والنصرة وهيمنتها على مسار الثورة العسكري.

إضافة للعوامل السياسية والعسكرية؛ تؤثر في الثورات والصراعات السياسية العديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية، ويزيد من تأثيراتها السلبية عدم الاهتمام بها إبان الأزمات؛ الأمر الذي جعل المعارضة السورية تدفع ثمن تجاهلها وعدم تعاطيها الفعال والمبكر مع كافة عناصر الصراع.

تدور الصراعات السياسية وفق ما أورده موريس دوفرجيه في كتابه مدخل إلى السياسة من جهة بين أفراد وفئات وطبقات تتصارع للحصول على السلطة أو للمشاركة فيها أو للتأثير عليها؛ ومن جهة أخرى بين سلطة تحكُم وتتحكم وتحصل على منافع وامتيازات جراء ذلك ضد مواطنين يواجهون استبدادها؛ ويدرج دوفرجيه ضمن ذلك الصراع مجموعة عوامل هي: بيولوجي، نفسي، ديمغرافي، جغرافي، اقتصادي اجتماعي، وثقافي.

حسب دوفرجيه يتعلق العامل البيولوجي بالصراع من أجل الحياة والبقاء وحفظ النوع والعرق ضمن عملية الانتقاء  الطبيعي التي يتبناها داروين والتي تنطبق على عالم الحيوان؛ لكن دوفرجيه يعتبر أن التمييز بين العروق عامل هام من عوامل خلق العداء السياسي رغم أنه لا يعود بالفعل لعوامل بيولوجية أو طبيعة العروق نفسها من الناحية الفيزيولوجية؛ بل بسبب تصورات ذهنية ومواقف مسبقة من العروق.

حشد النظام الطائفة في مواجهة احتجاجات شعبية واسعة عبر تحدي بقائها في مواجهة الفناء الذي ينتظرها حال انتصار الثورة؛ وقد يفسر ذلك سرّ تماسك الطائفة رغم الأضرار البالغة التي تعرضت لها بفعل سياسات النظام والشرخ  الهائل الذي حصل في علاقاتها مع باقي المكونات السورية.

أخطر ما قام به النظام هو استجلاب مرتزقة للحلول مكان المهجرين قسرياً؛ حيث جرى منحهم الجنسية السورية  وتوطينهم في مناطق تم تغيير صفتها التنظيمية بعد تدميرها وتهجير أهلها؛ ومثل ذلك تلاعباً فيزيولوجياً عرقياً من النظام ضد الهوية السورية الوطنية بكافة مكوناتها؛ ورغم وضوح مقاصد النظام منذ البداية لكن المعارضة بقيت ترفض نقاش ذلك خوفاً من تأكيده.

تثير عمليات التلاعب الفيزيولوجي الحفيظة وتسمح بتوجيه الاتهام لدول ومنظمات أممية شاركت في إنجاز عمليات تهجير وترحيل ممنهجة في مخالفة لأبسط قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان؛ وهو ما سمح لبشار الأسد بالحديث عن سورية المتجانسة التي يريد أن يكون شعبها على مقاسه.

يسبب الضغط والانفجار السكاني حسب دوفرجيه توتراً اجتماعياً ويؤدي لنشوب حروب وثورات بينما تنعم بالهدوء والاستقرار الدول قليلة السكان؛ ويؤثر في ذلك طبيعة التركيبة السكانية من حيث نسبة الشباب في المجتمع والنسبة بين الرجال والنساء ومعدلات الولادة؛ وهذا ما لاحظه قبل أكثر من عقدين صاموئيل هنتيغنتون في الإحصائيات التي أوردها في كتابه صدام الحضارات؛ حيث ظهر تفوق سورية إقليمياً وعلى مستوى العالم في نسبة أجيال الشباب  ونسبة الداخلين لسوق العمل وهو ما يجعلها حسب نظريته نفسها تهدد أمن دول الجوار بسبب ضغط بشري محتمل  وهجرة باتجاه الحدود تنجم عن تردي الأوضاع  الاقتصادية أو نشوب حروب أهلية؛ فهل كانت رؤيته تلك مجرد استشراف للمستقبل أم توصيات بخصوص ما ينبغي فعله.

لا بد من عودة وعي السوريين بكافة أبعاد وعوامل الصراع الداخلية والخارجية ضدهم؛ وابتكار الحلول الوطنية في مواجهتها.

==========================


هكذا اخترق النظام المعارضة السورية!

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 5/1/2019

تفاجأ النظام السوري مع بداية الثورة السورية بشريحة شبابية تطالب بسقف عالٍ لم يعتد عليه النظام ولم تعتد عليه سوريا من قبل، كانت المفاجأة للجميع أن شباباً لا يُعرف عنوانهم ولا يُعرف صندوق بريدهم ولا يُعرف عنهم الكثير يطالبون بمحرمات ظلت لنصف قرن.. إنها محرمة المطالبة بإسقاط النظام. وهنا عقدت الدهشة النظام وأركانه ومؤسساته، فكان البحث عن شخصيات تقليدية ومؤسسات أكثر تقليدية معروف عنوانها، ومعروف حجمها، ومعروفة بالنسبة للنظام ومؤسساته كيفية التعاطي معها والتعامل معها بحكم خبرته السابقة معها.

وحين أُعلن عن تشكيل المجلس الوطني السوري، استبشر السوريون خيراً ورفعوا على الفور لافتة أن المجلس الوطني يمثلني؛ فعلى مدى عقود كان الممثل الوحيد الذي يقدم نفسه للشعب هي العصابة الطائفية الحاكمة، والتي استطاعت خلال تلك الفترة العمل على تصحير الحياة السياسية والاجتماعية السورية، من أجل أن تستفرد بالساحة لنفسها؛ لكن ظهور المجلس أحبط هذا المخطط، ومن جهة أخرى ربما أراح العصابة كون شخصياته معروفة لدى النظام، وقد يكون التعاطي معها أسهل من التعاطي مع شباب سقفهم السماء.

لكن للحق والحقيقة، فقد كان موقف المجلس الوطني السوري صلباً وواضحاً ومنسجماً مع الثورة، ولذا فقد تقلّصت مساحات الخلافات بين الثورة أيام قوته، ولم تظهر أية مظاهر تطرّف حينها، وظلت الساحة السياسية السورية ممثلة به، ولكن العصابة الطائفية ومن خلفها أصدقاؤها وأعداء الثورة كانوا على الدوام يطالبون بتوسيع المجلس، واستجاب لهم بعض السذج سياسياً للأسف، فكان أن تمت توسعته وأُدخلت بعض العناصر المحسوبة على هذه الدولة أو تلك، وهو ما جعل ثقل الثورة السورية أقل، يقابله ازدياد ثقل العصابة الطائفية وغيرها من الدول، وتضاعفت الأمور وازدادت الزاوية انفراجاً مع تشكيل هيئة التفاوض، وضم منصتي القاهرة وموسكو، حتى غدت شخصية مثل خالد المحاميد -المزروع إماراتياً وروسياً- يمثّل نائب رئيس هيئة التفاوض، وغيره كثير، فكانت الكارثة بتسليم درعا وغيرها من المناطق الثورية، ومن قبل تمزيق الثورة عبر التعامل مع نقاطها ومقاطعاتها كبؤر الواحدة تلو الأخرى..

هذه الثورة -كغيرها من الثورات في العالم- لا يمكن أن تحلّق بجناح واحد، وإنما لا بدّ لها من جناحين، وجناحاها هم السياسي والعسكري، بحيث يكون الأول صدى للثاني.. أما أن يكون الأول في وادٍ والآخر في وادٍ، فهذا ما يخدم أعداء الثورة ويخدم العصابة الطائفية المجرمة التي استطاعت أن تنفذ من خلال الفروقات والاختلافات بين الكتلتين، لتضرب الثورة والثوار.

تتحمل في النهاية الكتل العسكرية الوازنة للثورة السورية مسؤولية كبيرة في تقاعسها عن الدفع بتمثيل سياسي يمثلها ويترجم انتصاراتها العسكرية على الأرض السياسية، وفي أحسن الأحوال كانت بعض الكتل العسكرية تحاول ترجمة انتصاراتها وإنجازاتها العسكرية على شكل انتصارات سياسية فصائلية حزبية، بعيدة كل البعد عن الانتصارات الوطنية الثورية التي يمكن أن تخدم الثورة وتصب في صالح المشروع الوطني الجامع المانع.

المسألة مسألة دماء ومسؤولية أمة ومسؤولية أجيال، ولا بدّ من ملامسة الخطر حقيقة وفعلاً، ولا بدّ من البحث في الأمر بجدية، وعلينا المسارعة في توحيد الساحة العسكرية -حقيقة وفعلاً- والدفع بتمثيل سياسي لهذه الثورة بعيدة كل البعد عن المحاصصات الدولية والمناطقية والحزبية، وإنما لا بدّ من تمثيل سياسي حضوره ووجوده على الأرض، ويكون خروجه خارج الوطن بهدف العودة إلى عشّه ووطنه، لا أن يبقى على أراضي الغير مؤتمِراً بأوامره!;

==========================


خطة عربية ضد إيران

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 5/1/2019

ما أن أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، سحب قوات بلاده من سورية، وأقر في اليوم الثاني من العام الجديد (2019) بالهزيمة أمام إيران فيها، بسبب سياسات سلفه باراك أوباما، الذي "ضيّع سورية"، وهذه "أرض الرمل والموت"، حسب وصفه، ما أن فعل ذلك حتى أعلن بعض العرب خطةً برّروا بها إعادة علاقاتهم مع الأسدية، وقالوا إنها تهدف إلى استعادة دمشق من طهران: المنتصرة في سورية الشقيقة واليمن السعيد، حيث هُزم "عرب الخليج" في الأولى، وعجزوا في الثانية عن فك حصار تعز المستمر منذ ثلاثة أعوام، على الرغم من إعلانهم مرات عديدة إنه أولوية بالنسبة إلى "التحالف العربي/ الإسلامي"، بينما عجزت جيوشهم عن تحرير الحديدة التي قالوا، منذ عام، إنها على بعد أربعة كيلومترات من مرفئها، كما عجزت عن منع الإمدادات عن الحوثيين "المحاصرين" فيها، على الرغم من السيطرة الجوية المطلقة لطيران "التحالف"، وما أشيع دوماً عن قطع طرق الإمداد إليه!.

لن أصدّق أن رئيس السودان، عمر البشير، وأقرانه العرب، أتوا إلى سورية لانتزاعها من إيران، بينما يعلن رئيس أقوى قوة عسكرية عرفها التاريخ انسحابه منها، ويلمح إلى أن العمل لاستردادها لن يكون غير ضربٍ من العبث. ولن أذكّر بمحاولاتٍ سابقةٍ قامت بها دول كبيرة توهمت أنها تستطيع انتزاع الأسدية من الملالي، كما فعل الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2008، ثم تبين أن محاولته كانت فشلاً ذريعاً، لأنها تجاهلت ما يتجاهله عرب اليوم: طبيعة العلاقات الإيرانية الأسدية التي تنتمي إلى مجال عقدي، مذهبي/ طائفي، لا يشبه حقل الدول السياسي، بل له طبيعة خاصة، ما دون دولوية. لذلك تنبع خيارات الأسدية وأغراضها من بيئة أيديولوجية حافلة بالمقدّس محدّداً للدهري والدنيوي، بما في ذلك لما هو سياسي. ولذلك تنتفي من علاقاتها الصلات التعاقدية القابلة للتعديل والإلغاء، والتي تقوم عادة بين كيانين سياسيين، أو دولويين متعاقدين، وتقتصر على علاقات احتواء ودمج، يبتلع أحدهما فيها الآخر، وبالتالي الكبير الصغير والقوي الضعيف، ويطبعه بطابعه إلى الحد الذي يقيّد حريته، ويقوّض إرادته، أو يسلبه إياها بصورة تامة، فكيف إن كان هو الذي أنقذه وأبقاه في السلطة منذ عام 2012، ورابط على أراضيه بقوات متعدّدة الجنسيات، كما يرابط الملالي بجيوش ومرتزقة تجمعهما هوية واحدة وأهداف مشتركة، لا قبل للحطام المتبقي من الأسدية بها، ولن يتمكّن من الانفكاك عنها. ومن المحال أن يفكّر في أمرٍ كهذا، لأن ملالي طهران يستطيعون "فك رقبته" إن فكر بالانفكاك عنهم، أو صدر عنه ما يشير إلى نيته التفاعل بإيجابيةٍ مع عرب الخليج الذين لا يأمن جانبهم إن رفعت عنه حماية طهران. ويبدو أنهم لم يقرأوا ما كتبه إعلامه من شتائم شخصية لهم، لم توفر آباءهم وأجدادهم، أعلمتهم أنهم رجعوا إلى دمشق صاغرين مدحورين. وكان عليهم تقبيل حذاء الأسد مقابل سماحه لهم بالرجوع، علماً بأنه "سيحاسبهم على دعم للإرهاب"، ولن يشفع لهم عندئذ توسل أو اعتذار.

هل يوجد في وطننا العربي من يراهنون حقاً على عروبة حاكمٍ لم يكتفِ بقتل مليون سوري، وإنما قال في حديث متلفز: "ليذهب العرب وفلسطين إلى الجحيم، نحن لسنا عرباً"؟ ألا يدرك هؤلاء أن الأسدية ستعاود مألوفها في ابتزازهم مالياً، لمصلحة إيران المحاصرة والمستنزفة أيضاً، المحتاجة جداً إلى أموالهم؟

يعود إخوتنا إلى دمشق، ويعلن النظام انتصاره بدعم الملالي، وترامب انسحابه أمامهم، في حين تعرف طهران دور العرب في إفشال ثورة الحرية، ويرجّح أن ترى في خطوتهم محاولةً للتقرّب منها، ولتهنئتها بانتصارها.

==========================

حصيلة 2018 السورية: كوابيس إدلب وروليت موسكو

  صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 5/1/2019

افتُتح عام سوريا الجديد، 2019، بجولة جديدة من المواجهات العسكرية بين «جبهة النصرة»، أو «هيئة تحرير الشام» كما صارت تعرّف عن ذاتها في التسمية الراهنة، من جانب؛ وخمسة، على الأقلّ، من فصائل ما باتت تُعرف باسم «الجبهة الوطنية للتحرير». وليست مصادفة محضة أنّ العام المنصرم، 2018، افتُتح أيضاً بجولة أخرى من المواجهات على بطاح محافظة إدلب؛ دارت، يومذاك، بين «الهيئة» وتحالف روسيا وإيران والنظام السوري، وكان الهدف منها إبعاد رجال أبي محمد الجولاني نحو أطراف مدينة إدلب، وإخلاء القرى التي كانت «الهيئة» تحتلها. وكما أنّ تلك الجولة لم تحسم الكثير على الأرض لصالح التحالف الثلاثي، فإنّ الجولة الجديدة مرشحة لإراقة المزيد من دماء الجهاديين دون أن تسفر عن حسم ميداني ملموس أيضاً.

ومنذ أن: 1) تحوّلت المحافظة إلى «إمارة» جهادية، أُقصيت إليها غالبية المجموعات المسلحة الإسلامية التي هُزمت، أو استسلمت، هنا وهناك في جبهات أخرى؛ و2) ظهر الجولاني في ريف اللاذقية الشمالي وأعلن ولادة خمسة «جيوش» دفعة واحدة («جيش الملاحم، جيش الساحل، جيش البادية، سرايا الساحل، وجند الشريعة)؛ انقلبت المحافظة إلى ميدان منتظَر لاندلاع أمّ المعارك: بين فصائل الجهاديين أنفسهم (حتى إذا تقنع بعضهم بمسمى «الجيش الحرّ»)، في صفّ أوّل؛ والقوى الأخرى غير الجهادية في الساحة، من الفصائل الملحقة بالجيش التركي، إلى الميليشيات المذهبية التابعة لطهران، مروراً بتلك الطائفية الحليفة للنظام أو الموالية لموسكو، في صفّ ثانٍ. وأمّا العنوان الأبرز خلف هذا التجاذب الشديد، فهو ذلك الكابوس الذي يرغب الجميع في تفاديه، أو تأجيله، أو تخفيف كوارثه السياسية والعسكرية والديموغرافية: معركة الساحل الكبرى، حين لن يجد عشرات الآلاف من مقاتلي «الهيئة» مخرجاً آخر، أو أفضل، سوى الاستدارة نحو عمق الساحل، وخوض معارك ميدانية مصغّرة على مستوى القرية أو البلدة، واستخدام سلاح المدفعية وصواريخ الـ»غراد»، واعتماد تكتيك التوغل المحدود ذي الاستهداف الثقيل.

وكان الشهر الأوّل من العام المنصرم قد شهد مهزلة الشطر السياسي من مشروع التدخل الروسي في سوريا، حين ضرب الاستيهام دماغ سيرغي ناريشكين، رئيس جهاز الاستخبارات الروسية والمستشار الأوّل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فأقنع سيد الكرملين بأنّ مؤتمراً لا يدوم سوى ساعات قليلة، وجلسة واحدة، يُدعى إليه 1600 مندوب سوري؛ يمكن أن تشكّل فارقاً دراماتيكياً في معمار البناء السياسي لما بعد انتصارات موسكو العسكرية في سوريا. وتلك التفاصيل المزرية التي اكتنفت مؤتمر سوتشي، ولم تكن أكثرها إثارة للضحك وللاشمئزاز مشاهد التدافع على منصات الطعام، أشارت بجلاء أقصى إلى أنّ الشراكة الثلاثية، الروسية ــ الإيرانية ــ التركية، الضامنة لمنظومة أستانة (حول «الإصلاح الدستوري» و«الانتخابات الديمقراطية») ليست منعدمة التشارك، قياساً على تأثيرات كلّ دولة في مضمارها، فحسب؛ بل هي حقل التفخيخ الأوّل لكلّ مشروع تسوية أممي يمكن أن يتجاوز الثلاثي إلى ضامنين أوسع، وأغنى مليارات في الواقع، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

التفاصيل المزرية التي اكتنفت مؤتمر سوتشي، أشارت بجلاء أقصى إلى أنّ الشراكة الثلاثية، الروسية ــ الإيرانية ــ التركية، الضامنة لمنظومة أستانة ليست منعدمة التشارك، فحسب؛ بل هي حقل التفخيخ الأوّل لكلّ مشروع تسوية أممي يمكن أن يتجاوز الثلاثي إلى ضامنين أوسع

ذلك لم يمنع ناريشكين من مراضاة رئيسه عن طريق االبرهنة على أنّ قاعدة الروليت الروسية قد طُبّقت عبر ذلك المؤتمر المهزلة، من خلال نجاح جولات أستانة في تفريغ جولات جنيف/ فيينا من غالبية عناصرها، خاصة تلك التطبيقية (الحكم الانتقالي، مصير الأسد، إشراك المعارضة…). ليس لأنّ طاولات التفاوض تعددت وتبعثرت، بين موسكو وأستانة وسوتشي وأنقرة، فقط؛ بل أساساً لأنّ المرجعيات تبعثرت معها وتعددت واختلطت، فباتت قرارات الأمم المتحدة (حتى تلك التي سهر على صياغتها وزيرا الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف) أثراً بعد عين، أو تكاد. وخلال 11 شهراً انقضت من العام 2018، شهدت تلك الشراكة تقلبات عديدة، فتجمدت تارة، أو اتخذت صفة بروتوكولية حصرية تارة أخرى، حتى انتهت إلى تفاهمات ثنائية روسية ــ تركية، أسفرت حتى اليوم عن جولات فوز متلاحقة لمشاريع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ سواء في إطار تقليص نفوذ الكرد والـPKK، أو على صعيد توسيع أوراق اللعب التركية على الأرض السورية، ورفع أرصدة أنقرة في سباق الاقتسام والتقاسم. وإذا نفّذ الرئيس الأمريكي وعده فسحب القوات من مناطق انتشار «قوات سوريا الديمقراطية»، وعموم بؤر النفوذ الكردي، فإنّ منظومة أستانة ستلتحق بمنظومات جنيف وفيينا، انحناءً أمام قواعد الروليت الروسية إياها!

وفي ربيع العام المنصرم كانت عودة النظام إلى الغوطة الشرقية بمثابة تذكرة مأساوية بالعوائق التأسيسية، الخَلْقية على وجه التحديد، التي لازمت التيارات الجهادية منذ ابتداء صعودها؛ وربما باقتران مباشر مع استجابة رأس النظام السوري، بشار الأسد، إلى نصيحة الاستخبارات الروسية حول إطلاق سراح 1500 من معتقلي التيارات الإسلامية المختلفة. وكان طبيعياً أن يلجأ زهران علوش إلى تأسيس «جيش الإسلام»، ويحذو حذوه حسان عبود فيطلق «أحرار الشام»، ويقتدي بهما أحمد عيسى الشيخ في إنشاء «صقور الشام» ثمّ تولية الجولاني على رأس «جبهة النصرة»؛ فتكون العاقبة الأولى هي استبدال التظاهرة السلمية بالبندقية (المأجورة لأنظمة وأجهزة خارجية)، وإزاحة شعارات التغيير ومطالب الحرية والكرامة والعدالة لصالح الأسلمة والشريعة والجهاد. العاقبة التالية كانت فرض أنماط الهيمنة السياسية والاجتماعية والأمنية الجهادية على مجتمعات الغوطة، ثمّ الانخراط في صراعات داخلية دامية، وانهيارات عسكرية متلاحقة؛ حتى إذا كانت الهزيمة الختامية نتاج تدخل عسكري روسي وحشي غير مسبوق، ساندته مجموعات «حزب الله» والميليشيات المذهبية، ولم تغب عنه الأدوار المزدوجة التي لعبتها «داعش».

وفي نيسان (أبريل) نفّذت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضربة جوية ضدّ منشآت الأسلحة الكيميائية للنظام السوري، كما قالت بيانات الدول الثلاث؛ وكانت، في الشكل كما في المضمون، «خبطة» علاقات عامة أُريد منها حفظ ماء وجه زعماء الدول الثلاث، إزاء محظور واحد هو استخدام الأسلحة الكيميائية ضدّ المدنيين. في المقابل، حظي نظام الأسد، من جانب تلك القوى وسواها، بأشكال شتى من الصمت، أو الإدانة اللفظية، أو التواطؤ المباشر، أو التذرّع بأولوية محاربة الإرهاب. وخلال ثماني سنوات من عمر الانتفاضة الشعبية السورية، وهي كذلك ثماني سنوات من مأساة مفتوحة على سفك الدماء وممارسة أنساق التوحش البربرية كافة؛ كانت قوى من كلّ حدب وصوب ــ بينها إيران وميليشياتها المذهبية، «داعش» والجهاديون، موسكو وواشنطن وأنقرة… ــ تتولى الإجهاز على الشعب السوري، فتنتهك أرضه وسماءه، وتحوّل سوريا إلى محميات واحتلالات. ولم يكن ثمة مفارقة في أن القاذفات والصواريخ الإسرائيلية التي استهدفت عشرات المواقع داخل سوريا، هي السابقة على صواريخ أمريكية وفرنسية وبريطانية لاحقة. لافت، إلى هذا، أنّ ذلك العقاب المسرحي أفرز توازياً كاريكاتورياً بين مؤيدي الضربة (لأنها تؤذي النظام!)، ورافضيها (لأنها تؤذي السلام!)؛ وكأنّ الضارب لا يتساوى مع المضروب في الشراكة عن صناعة المأساة الأمّ، وإدامتها.

ولا يصحّ اختتام هذه الحصيلة السورية دون استذكار التفاهم اللافت، الصامت ولكن رفيع السوية، بين بوتين ورئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بصدد إسقاط الطائرة الروسية «إيل ـ 20» في سماء اللاذقية. لقد تركا التراشق اللفظي لرجال الصفّ الثاني في موسكو وتل أبيب، وتفرغا إلى ما يتوجب أن يجمعهما ويذهب أبعد بكثير من مجرد واقعة واحدة تكدست فيها «سلسلة حوادث مأساوية وقعت بالصدفة»، حسب تعبير بوتين. الدليل أنّ موسكو نشرت منظومة الصواريخ المتقدمة، وجيش الاحتلال واصل عمليات القصف، فلا ضرر هنا ولا ضرار هناك!

==========================

«إبطاء» ترامب وبوتين والعرب في سورية

وليد شقير

الحياة

السبت 5/1/2019

جل ما يتمناه المحللون الذين أطلقوا العنان لسيل من الأفكار حول العالم وفي أميركا، عمن سيملأ الفراغ بانسحاب القوات الأميركية في شمال شرق سورية، أن لا تكون توقعاتهم وأسئلتهم والجهد الذهني الذي بذلوه في طرح السؤال والإجابة عليه، قد ذهب هدراً.

بعد إعلان دونالد ترامب ليل أول من أمس أن الانسحاب سيكون بطيئا من دون تحديد سقف زمني له، مع تأكيده أنه ينوي حماية الأكراد الذين تحالف معهم ودربتهم قواته، بدا أن الشكوك الروسية حول نيته سحب قواته صدقت. فموسكو باتت متمرسة في التعاطي مع المواقف والتصريحات «المتطايرة» (volatile) للرئيس الأميركي الذي يدير السياسة الخارجية، وحتى العسكرية، لبلاده عبر «تويتر»، من شدة ما خذلها في السابق على رغم استمرار مراهنتها على الاتفاق معه لأنه الأكثر ملاءمة بين الرؤساء الأميركيين بالنسبة إلى تقاسم النفوذ معها على امتداد العالم. وسواء صح ذلك أم لا، وسواء صدقت التقديرات بأن يأتي الانسحاب الأميركي من ضمن توجه لإغراق روسيا أكثر في الوحول السورية أو كذبت، وسواء تحقق ما يأمله الذين يزينون قرارات ترامب بأنه يتموضع في إطار سياسته الضغط على إيران في سورية ودفع موسكو إلى خفض دور «الحرس الثوري» فيها... بإطلاق يد إسرائيل أكثر على ساحتها... فإن العارفين بالاتفاقات الأميركية - الروسية يتحدثون عن دور قمة هلسنكي في 16 تموز (يوليو) الماضي بين ترامب وفلاديمير بوتين في الخطوات التي أقدم عليها الأول أخيراً. في ذلك اللقاء زيّن القيصر الروسي لتاجر العقارات أن الوجود الروسي في سورية شرعي بناء لطلب الحكومة بينما وجود القوات الأميركية غير ذلك. وفي المقابل الوجود الأميركي في العراق شرعي، وأنهما بإمكانهما التعاون انطلاقا من هذه المعادلة من أجل إعادة الاستقرار في سورية وخفض الوجود الإيراني فيها، وضمان القضاء على «داعش» والحيلولة دون عودة مقاتليه للتمركز في أي من البلدين على رغم أن الروس والأميركيين كانوا تسابقوا على إعلان الانتصار على «الدولة الإسلامية» في كانون الأول (ديسمبر) 2017 في العراق وفي سورية.

لم يفعل بوتين سوى تلقف تصريحات ترامب منذ نهاية آذار(مارس) وبداية نيسان (أبريل)، قبل 3 أشهر من لقائه بوتين، عن قرب انسحابه من بلاد الشام، الذي عاد وزير الدفاع المستقيل جيمس ماتيس فأخّره.

يستخدم بوتين الإغراء نفسه مع ترامب وعدد من الدول العربية في سورية. فبموازاة دعوته إلى انسحاب كافة القوات الأجنبية، (التي أخذ يشدد عليها بعد قمة هلسنكي) وهو يعني فيها الإيرانية و»حزب الله»، إضافة إلى القوات الأميركية، فإن فشله في ضمان الانكفاء الإيراني، وحتى الابتعاد عن خط الجولان 100 كيلومتر ضماناً لأمن إسرائيل، جعله يعود إلى التركيز على الانسحاب الأميركي كمقدمة لمطالبة طهران بخفض عديد قواتها. مع العرب سعى إلى تشجيعهم على العودة إلى دمشق بحجة أن الاقتراب من بشار الأسد يدفعه إلى الابتعاد تدريجا مسافة ما عن إيران. يستثمر الكرملين إدارته اللعبة في الميدان السوري إلى درجة أنه يساهم في تنظيم الانكفاء الأميركي منه، ويسعى إلى ملء الفراغ الذي سينجم عنه تارة بقوات النظام، الذي يحشد منذ أشهر على مقربة من شرق الفرات والشمال، وأخرى عن طريق فتح قنوات التواصل بين موسكو وبين الأكراد لطمأنتهم، وثالثة بدعوة أنقرة إلى إبطاء هجومها على المناطق الشمالية التي تتواجد فيها القوات الكردية المدعومة أميركيا.

السؤال الذي يفتقد إلى إجابة واضحة هو هل أن واشنطن (وربما موسكو أيضا) تريد للعودة الديبلوماسية العربية إلى دمشق أن تقترن بعودة عسكرية على الأرض أيضا، لتستند الدول العربية القادمة إلى عاصمة الأمويين بعد عداء مع نظامها على مدى أكثر من 7 سنوات، إلى وجود عسكري أسوة بالوجود الإيراني؟ وهل صحيح ما ذكرته معلومات عن قيام ضباط من دولتين عربيتين تنفتحان على دمشق، بتفقد منطقة منبج تمهيداً لإرسال قوات من هاتين الدولتين للحلول مكان القوات الأميركية حين تنسحب، بحيث يشكل الوجود العسكري العربي مخرجا من المواجهة الكردية التركية؟

إذا كان يصعب الاعتقاد بأن الاننسحاب الأميركي هو ترك الساحة للغير من دون ضمان ملء الفراغ، ومثلما أن واشنطن أكدت خلال لقاء جورج بومبيو مع بنيامين نتانياهو على تعزيز التعاون الأميركي الإسرائيلي في سورية، وهو أمر يتم في الجنوب والوسط مع تقاسم روسي كامل للأجواء مع الطيران الإسرائيلي، فإن للشمال الشرقي السوري آليته المعقدة مع الوجود العسكري التركي.

العودة العربية على إيقاع بطء الانسحاب الأميركي وخطط التوضع الإقليمي، لها حديث يطول.

==========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com